Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الإسلامية ولله الحمد، وقوله: "منى كلها منحر" يفيد أنهلا نحر إلا في منى، ولكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، فلو نحر الإنسان في مكة فلا بأس، وقد جاء في الحديث: "فجاج مكة طريق ومنحر"، أما في الحل فلا، فلو ذبح الإنسان هديه في عرفة ولو في يوم العيد، فإنه لا يجزئ على ما قاله أهل العلم، فلابد أن يكون النحر في الحرم.
صفة دخول مكة:
٧١٠ - وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ لما ××× إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها" متفق عليه.
"من أعلاها" أي: من شرق، يعني: من الحجون، وخرج من أسفلها من المكان الذي يسمى المسفلة، وهل هذا على سبيل الاستحباب أو على سبيل المصادفة؟ المعروف عند أكثر أهل العلم أنه على سبيل الاستحباب، قالوا: وهذا كمخالفة الطريق في العيد، فإن الرسول ﷺ كان إذا خرج يوم العيدين خالف الطريق يخرج من طريق ويرجع من آخر.
٧١١ - وعن ابن عمر ﵁: "أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عند النبي ﷺ " متفق عليه.
ففيه: استحباب البيات بذي طوى، وهي المعروفة في الوقت الحاضر بآبار الذهب معروفة في مكة.
فيه: استحباب الاغتسال لدخول مكة.
وفيه: جواز اغتسال المحرم ولو من غير جنابة.
صفة الطواف:
٧١٢ - وعن ابن عباس ﵁: "أنه كان يقبل الحجر الأسود ويسجد عليه". رواه الحاكم مرفوعا، والبيهفي موقوفًا.
ومعنى السجود عليه: أن يضع جبهته عليه.
стр. 1612
٧١٣ - وعنه ﵁ قال: "أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعًا، ما بين الركنين" متفق عليه.
المراد بالركنين الحجر الأسود واليماني، هكذا عندي، لكن الذي نعرف أنه يمشي في عمرة القضاء، لكن في حجة الوداع فإن الرسول رمل من الحجر إلى الحجر.
٧١٤ - وعن ابن عمر رضي الله الله عنه: "أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا".
- وفي رواية "رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة". متفق عليه.
٧١٥ - وعنه ﵁ قال: "لم أر رسول الله ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانين". رواه مسلم.
المعروف أن ابن عباس هو الذي رواه عند مناظرته معاوية ولكن لا يمنع أن يكون ابن عمر وابن عباس روياه جميعًا ومع ذلك يراجع هذا الحديث.
٧١٦ - وعن عمر ﵁: "أنه قبل الحجر الأسود؛ فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" متفق عليه.
ففيه رد على ما يفعله بعض الناس في الحجر الأسود والركن اليماني؛ يظنون أن الرسول فعل ذلك للتبرك به، حتى إنك تساهده يمسح الركن اليمني بيده ثم يمسح بها وجه طفله وبدنه، يظن أن هذا من باب التبرك! ! وليس هذا في الأصل من باب التبرك في شيء، بل هو من باب التعبد؛ ولهذا قال عمر: "لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك".
٧١٧ - وعن أبي الطفيل ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن". رواه مسلم.
ففيه دليل على أن الإنسان إذا طاف بالبيت ولم يتمكن من استلام الركن بيده ومعه شيء فإنه يستلمه بهذا الشيء ويقبل يده، ولكن يشترط في ذلك ألا يؤذي أحدًا، فإن كان يؤذي أحدًا فإنه لا يفعل؛ لأن الأذية محرمة واستلامه بهذا الشيء سنة.
стр. 1613
فإن قال قائل: ألا يمكن أن يكون النبي ﷺ حين استلامه الحجر يؤذي أحدًا؟
فالجواب: لا؛ لأن الناس إذا رأوا النبي ﷺ يريد أن يستلمه بالمحجن سوف يبتعدون ولا يتأذون بذلك، وإنما فعل ﵊ هذا لأنه كان راكبًا ومعه المحجن -وهو العصا المحنية الرأس-.
٧١٨ - وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: "طاف النبي ﷺ مضطبعًا ببرد أخضر". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي.
هذا فيه الاضطباع وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، لكن هذا في الطواف أول ما يقدم وليس في جميع الأحوال كما يفعله العامة.
٧١٩ - وعن أنس ﵁ قال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه" متفق عليه.
يعني: ويلبي الملبي فلا ينكر عليه، أما الملبي فظاهر، لكن المكبر والمهلل ربما يقول قائل: قد تنكر عليه؛ لأن المقام مقام تلبية، ولكن يقال: كله ذكر لله ، فلا ينكر على هذا ولا على هذا.
تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة:
٧٢٠ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ في الثقل، أو قال: في الضعفة من جمع بليل" متفق عليه.
٧٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله، وكانت ثبطة -يعني: ثقيلة- فأذن لها" متفق عليه.
في هذا دليل على أن الثقيل والضعيف ومن لا يتمكن من مزاحمة الناس في جمرة العقبة له أن يدفع بليل، وكلمة "بليل" مبهمة، فمن العلماء من يقديها بنصف الليل وهو غالب المذاهب، ومنهم من يقول إنها مقيدة بغياب القمر، وهذا ظاهر حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها كانت ترقب
стр. 1614
غياب القمر فإذا غاب دفعت، وهذا هو الأولى، وظاهر الحديث أنهم يرمون الجمرة من حين يصلون إليها؛ لأنه إذا جاز الدفع من مزدلفة فإنما يدفع من أجل الرمي، لأن الرمي تحية منى، ولا يمكن أن الرسول ﷺ يأذن لهم في ترك المبيت في مزدلفة وهو واجب من واجبات الحج إلى أن يذهبوا إلى منى ويبقوا من غير رمي لجمرة العقبة.
وقت رمي جمرة العقبة والوقوف بعرفة والمزدلفة:
٧٢٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "قال لنا رسول الله ﷺ : لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشَّمس". رواه الخمسة إلا النَّسائي، وفيه انقطاع.
والانقطاع يوجب ضعف الحديث، فنقول: إن الرسول ﷺ أذن لهم أن يتقدموا قبل الفجر ليرموا؛ لأن المعروف أن الناس إذا قدموا منى أول ما يفعلون الرمي، ولا نرى حكمة من أن يقال للناس: ادفعوا من مزدلقة وانتظروا في منى فإنهم إن فعلوا ذلك لم يكن فيه حكمة إطلاقًا بل فيه ترك أمر واجب لأمر لا فائدة منه، فالصواب بلا شك: أن من جاز له الدفع في آخر الليل من مزدلفة جاز له الرمي ولو قبل الفجر.
٧٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: "أرسل النبي ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت". رواه أبو داود، وإسناده على شرط مسلم.
وهو يقوي ما أشرنا إليه من أن من دفع من مزدلفة فيرمي ولو قبل الفجر، وثبت في صحيح البخاري أن ابن عمر كان يبعث بأهله فيوافون منى مع الفجر أو قبل الفجر ويرمون، وقال: إن النبي ﷺ أذن للطعن؛ يعني: للنساء.
٧٢٤ - وعن عروة بن مضرس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه -يعني: بالمزدلفة- فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجُّة وقضى تفثه". رواه الخمسة، وصححه الترمذيُّ، وابن خزيمة.
стр. 1615
والحديث هذا سببه: أن عروة ﵁ كان من أهل الشمال من حائل من جبل طيئ فجاء إلى الرسول ﷺ يسأله عن صلاة الفجر في مزدلفة، وقال: يا رسول الله، أتعبت نفسي وراحلتي وما تركت جبلًا إلا وقفت عنده، فهل لي من حج؟ فقال له هذا الكلام.
وفيه: دليل على أن من لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر لكنه في وقت صلاة الفجر التي صلاها الرسول ﷺ فإنه لا شيء عليه؛ لأن الرسول قال: "فقد تم حجة وقضى تفثه".
وفي قوله: "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا"، استدل الحنابلة ﵏ على أن من وقف بعرفة قبل الزوال تم حجه وإن لم يبق حتى الزوال؛ أخذا بعموم قوله: "ليلا أو نهارًا"؛ يعني: حتى لو انصرف قبل الزوال فقد صحّ حجه، لكن عليه دم، لكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك، وقالوا: إن قوله: "أو نهارًا" يعني به: وقت الوقوف، ووقت الوقوف لم يكن إلا بعد الزوال، وينبني على ذلك رجل جاء في الضحى إلى عرفة ووقف بها ثم صار له عذر فذهب من عرفة قبل أن تزول الشمس إما لمرض أو ضياع شيء، المهم: لو خرج من عرفة قبل زوال الشمس ثم عاد إلى مزدلفة بعد الغروب وبات بها فعلى مذهب الحنابلة حجّه صحيح، لكن عليه دم لترك الواجب، وعلى رأس الجمهور حجه ليس بصحيح وقد فاته الحج؛ لأنهم يرون أن وقت الوقوف يكون من بعد الزوال، وقول الجمهور له وجه، وهو أن النبي ﷺ لم يقف إلا بعد الزوال، وقال: "خذوا عني مناسككم"، والجواب عن حديث عروة: أن النهار قد يراد به بعضه، فيحمل على النهار الذي وقف فيه الرسول ﷺ وهو ما بعد الزوال.
٧٢٥ - وعن عمر ﵁ قال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتَّى تطلع الشَّمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأنَّ النَّبي ﷺ خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشَّمس". رواه البخاريُّ.
لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وثبير جبل مرتفع يبين فيه طلوع الشمس قبل غيره، ويقولون: "أشرق ثبير" كيف يوجهون الأمر إلى الجبل؟ هذا من باب التمني إذا وجه الأمر إلى الجماد فهو من باب التمني وليس أمرًا، ولكنه يتمنى ذلك، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
стр. 1616
ألا أيُّها اللَّيل الطَّويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
لا يمكن أن ينجلي اللي بنفسه، ولكنه على سبيل التمني، وخالفهم النبي ﷺ كما خالفهم في الدفع من عرفة، فدفع بعد الغروب وهم يدفعون قبل الغروب.
متى تقطع التلبية ؟
٧٢٦ - وعن ابن عبَّاس وأسامة بن زيد ﵄ قالا: "لم يزل النَّبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة". رواه البخاريُّ.
"حتى رمى جمة العقبة" حتى شرع في ذلك، أو حتى أتم؟ الصواب: أن المعنى: حتى شرع؛ لأن حديث جابر فيه أنه رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ولم يذكر التلبية وعلى هذا فيقطع الإنسان التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة.
صفة رمي الجمرات ووقته:
٧٢٧ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁: "أنه جعل البيت عن يساره، ومنًى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". متَّفق عليه.
الجمرة تكون أمامه، ومنًى عن يمينه، والكعبة عن يساره، وإنما خصّ سورة البقرة؛ لأن فيها آيات كثيرة في الحج، فهذا وجه المناسبة في قوله: "الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
٧٢٨ - وعن جابر ﵁ قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأمَّا بعد ذلك فإذا زالت الشَّمس". رواه مسلم.
فيه دليل على أن رمي الجمرات في الأيام التي بعد العيد بعد الزوال وهذا واجب، ولا يصح الرمي قبل الزوال، وفي قوله: "إذا زالت الشمس"، ولم يبين منتهى الوقت دليل على أنه له أن يرمي ولو بعد غروب الشمس، ويؤيده عموم حديث: "رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج".
٧٢٩ - وعن ابن عمر ﵁: "أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثمَّ يتقدَّم، ثم يسهل، فيقوم يستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمَّ
стр. 1617
يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشَّمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلًا، ثمَّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله". رواه البخاريُّ
قوله: "على إثر كل حصاة"، وفي حديث جابر: "مع كل حصاة"، وظاهر حديث ابن عمر يخالف حديث جابر، وقد يقال: إن الأمر في ذلك هيَّن، يعني: سواء حذف، أي: رمى، وقال: "الله اكبر" أو يحذف بدون تكبير، ثم يقول بعد الحذف: "الله أكبر" الأمر في هذا واسع، فإن فعل وكبّر مع الرمي فجائز، وإن كبّر على إثره فجائز أيضًا، وقوله: "يسهل" يعني: ينزل مع سهل الطريق.
وقت الحلق أو التقصير:
٧٣٠ - وعنه ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلِّقين. قالوا: والمقصِّرين يا رسول الله. قال في الثَّالثة: والمقصِّرين". متَّفق عليه.
ففيه دليل على أن الحلق أفضل؛ لأنه دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدة.
٧٣١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ وقف في حجَّة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج فما سئل يومئذ عن شيء قدَّم ولا أخَّر إلا قال: افعل ولا حرج". متَّفق عليه.
ففي هذا الترتيب بين الأفعال التي تفعل يوم العيد وهي خمسة: الرمي، ثم النَّحر، ثم الحلق، ثم الطواف، ثم السعي، هكذا مرتبة فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج، لكن هل يشترط أن يكون ذلك عن جهل أو نسيان لقوله: "لم أشعر" أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يشترط أن يكون ذلك عن جهل أو نسيان؛ لأنه قال: "لم أشعر"، والصواب: خلافه.
صفة التحلل عند الحصر وبعض أحكامه:
٧٣١ - وعن المسور بن مخرمة ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". رواه البخاريُّ.
стр. 1618
هذا الحديث فيه سنَّة فعلية وسنة قولية: الفعلية قال: "نحر قبل أن يحلق"، والقولية: "وأمر أصحابه بذلك" بأن ينحروا قبل أن يحلقوا.
وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف هنا إنما كان في صلح الحديبية، ووضعه هنا فيه إيهام، لأن من قرأه يظن أن ذلك كان في حجة الوداع والأمر ليس كذلك، وإنما هذا الحديث في صلح الحديبية، فإن الرسول ﷺ لما صالح قريشًا على أن يرجع ذلك العام ويأتي من العام المقبل أمر أصحابه أن ينحروا ثم يحلقوا، نحر هو ثم حلق، وأمر أصحابه بذلك فنحروا ثم حلقوا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦]. والآية أيضًا ظاهرة في أنها في سياق الحديبية، لأنه قال: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦].
وعلى هذا فنقول: إن الإنسان إذا أحصر في العمرة ومنع من الوصول إلى البيت فإنه يجب عليه أن ينحر الهدي الذي معه ويجب عليه أن يحلق رأسه؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك وأمر به، فإن لم يكن معه هدي وجب عليه شراؤه حتى يذبحه لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾. فإن لم يكن معه شيء، -يعني: أنه فقير -فالصحيح أنه لا شيء عليه؛ خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يجب عليه أن يصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع، وذلك لأن الفرق بينهما ظاهر، فإن هدي الإحصار كالفدية عن عدم إتمام النسك، وأما هدي التمتع فهو كالشكر على إتمام النُّسك؛ لأن الإنسان يتم له فيه تمتع بعمرة وحج فبينهما فرق، فلا يمكن أن يقاس أحدهما على الآخر، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحدًا من الصحابة أن يصوم مع أن كثيرًا من الصحابة فقراء ليس معهم هدي ولم يأمرهم بالصوم، إذن نقول: هذا الحديث فيمن أحصر عن إتمام العمرة، فإنه ينحر الهدي إن كان معه ويشتريه إن لم يكن معه، ثم ينحره ثم يحلق امتثالًا لأمر النبي ﷺ واقتداء بفعله.
ومن فوائد هذا الحديث: أولًا: جواز التحلل عند الحصر؛ لأن الحلق علامة التحلل، ولكن ما هو الحصر الذي يبيح التحلل هل هو كل حصر، أو الحصر بالعدو خاصة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال إن المراد به حصر العدو فقط، يعني: إذا حصره عدو ومنعه من الوصول للبيت فإنه يتحلل، واستدل بأن الآية نزلت بسبب حصرهم في الحديبية، واستدل أيضًا بقوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]. والأمن ضد الخوف، وعلى هذا فقوله: ﴿فإن أحصرتم﴾ وإن كان مطلقًا غير مقيد يقيده السياق ويقيده السبب الذي نزلت به الآية، فإذا أحصر بعدو منعه عن الوصول للبيت فإنه يفعل كما أمر النبي ﷺ وكما فعل ﷺ ، أمَّا إذا
стр. 1619
أحصر بمرض فإنه لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه حتى يشفى ثم ينهي نسكه، فلو أن أحدًا مرض وقد أحرم بالعمرة فإننا نقول: لا تتحلل، بل عليك أن تبقى محرمًا حتى يشفيك الله ، ثم تكمل العمرة، وكذلك لو كسر الإنسان، فمثلًا إنسان أحرم بالعمرة ثم صار عليه حادث وانكسر ويعرف أنه لن يتمكن من قضاء أو من إتمام العمرة إلا بعد شهرين أو ثلاثة، فإنه يبقى على هذا القول - قول من يخصون الحصر بالعدو -بمعنى أنه يبقى محرمًا إلى أن يبرأ.
والقول في الثاني في المسألة: أن الحصر عام، وأن كل إنسان حصر عن إتمام نسكه فإنه يحل منه إن شاء لإطلاق الآية: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، وأما تفريع حكم يختص ببعض أفراد هذا المطلق فإنه لا يدل على التخصيص وكذلك السبب لا يدل على التخصيص؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم على فرض أن الحصر بغير العدو لا تتناوله الآية بلفظها، فإنها تتناوله بمعناها، بجامع أن في حصر العدو منعًا من إتمام النسك، وكذلك في حصر المرض والكسر وما أشبه ذلك، فيلحق به من باب القياس على فرض أن اللفظ لا يشمله، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أن الحصر عام، فإذا حصر الإنسان قلنا له: انحر هديًا واحلق رأسك.
وفي هذا: دليل على وجوب حلق الرأس ووجوب الهدي، أما الهدي فإنه بنص القرآن ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وأما الحلق فإنه بالسنة: "أمر النبي ﷺ أن يحلقوا"، وقد يقول قائل: إن في القرآن إشارة إليه وهو قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإن هذا يدل على أن الحلق مشروع لكن الوجوب يثبت بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ أمر أصحابه بذلك، وعلى هذا فيكون الهدي واجبًا وكذلك الحلق، فإن قصر أجزأه، فإن خالف الترتيب فالظاهر أن هذا ليس بجائز لقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه﴾، ولم يرد ترخيص في التنكيس إلا في أنساك يوم العيد.
التحلل الأصغر:
٧٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم وحلقتم؛ فقد حلَّ لكم الطيب وكل شيءٍ إلا النساء". رواه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده ضعف.
هذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف يؤيده الحديث الثابت في الصحيحين كما سنذكر إن شاء الله.
يقول: "إذا رميتم" يعني: رمي جمرة العقبة يوم العيد، "وحلقتم"، وكذلك لو قصر الإنسان فهو بدل عن الحلق.
стр. 1620
"فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء"، الطيَّب يعني: ما يتطيب به الإنسان من دهن أو بخور أو غيره، "وكل شيء"؛ يعني: من محظورات الإحرام ليس كل شيء من الموجود؛ لأن الحل لا يحل كل المحرمات وإنما يحل المحظورات، فقوله: "وكل شيء" يعني: من محظورات الإحرام، ومحظورات الإحرام معروفة، مثل: الطيب، والنساء، والصيد، وحلق شعر الرأس، ولبس السراويل والبرانس والعمائم والخفاف، وللمرأة لبس القفازين، تغطية الرأس، النقاب للمرأة، عقد النكاح، الخطبة، هذه كلها تحل "إلا النساء" يعني بذلك: كل ما يتعلق بالنساء من الجماع والمباشرة والنكاح والخطبة، لكن متى يحل؟ إذا طاف ويسعى فيحل الحل كله وإن لم يرم.
ففي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا رمى وحلق حلّ من كل شيء إلا النساء، هذا منطوق الحديث، ومفهومه إذا حلق فقط أو رمى فقط فإنه لا يحلّ، أما إذا حلق فقط فإنه لا يحلّ قولًا واحدًا؛ وأما إذا رمى فقط فظاهر الحديث أنه لا يحل وهو الصحيح، وقال بعض العلماء: إنه يحلّ، واستدل بأن الحديث روي على وجه آخر بسند أصح، وهو قوله: "إذا رميتم جمرة العقبة فقد حللتم من كل شيء إلا النساء". واستدلوا أيضًا بأن النبي ﷺ قطع التلبية عند رمي جمرة العقبة وهذا يدل على أنه شرع في التحلل وانتهى نسكه لأن التلبية تقال حتى ينتهي النُّسك ولكن القول الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكنه يعضد بحديث عائشة الثابت في الصحيحين: "كنت أطيَّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرمه ولحله قبل أن يطوف بالبيت"، فجعلت الطواف مباشرًا للحلّ، وهذا يدل على أن الحلق كان سابقًا للحلّ؛ لأنها جعلت الذي يلي الحلّ هو الطواف، إذن فالحلق سابق على الحلّ، وهذا يدل على أنه لا حلّ إلا بعد الحلق، وهذا أصح لهذا الحديث وللحديث الذي أشرنا إليه في الصحيحين والذهاب إليه أولى؛ لأنه أحوط، وكلما كان أحوط مع اشتباه الأدلة كان سلوكه أولى إن لم نقل أوجب لقول النبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
стр. 1621
ولقوله ﷺ : "إن الحلال ببَّن وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".
ويستفاد من هذا الحديث: أن الطيب يحلّ بالتحلل الأول لقولها: "فقد حل لكم الطيب" وللحديث الذي ثبت في الصحيحين: "كنت أطيب النبي ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت" خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه لا يحل له الطيب حتى يحل التحلل الثاني.
وفيه أيضًا: دليل على أنه لا يحل له النساء حتى يتحلل التحلل الكامل بخلاف غيره من المحظورات.
فإن قلت: هل يشمل هذا الصيد؟
فالجواب: نعم، يشمله فيحل له الصيد.
فإن قلت: كيف يصيد وهو في منى ومنى من الحرام، والحرم صيده حرام؟
فالجواب: يمكن أن يخرج إلى عرفة، وعرفة من الحل ويصيد.
وهل يجوز أن يخرج من الحرم وهو لم يؤد النسك؟
الجواب: نعم، لا مانع أن يخرج من الحرم وهو لم يؤد النسك؛ لأنه لا دليل على المنع.
عدم جواز الحلق النساء:
٧٣٤ - وعن ابن عبَّاس ﵄، عن النَّبي ﷺ قال: "ليس على النِّساء حلق، وإنما يقصِّرن". رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ.
هذا الحديث فيه دليل على أن النساء ليس عليهن حلق لقوله: "ليس على النساء حلق"، ومفهومه: أن على الرجال الحلق، وهذه هي الفائدة الثانية.
ويستفاد منه: وجوب التقصير على النساء، لقوله: "وإنما يقصرن"، ولكن كيف تقصِّر؟
قال العلماء: تأخذ من كل ضفر من الضفائر التي عليها - يعني: الجدائل قدر أنملة - وهي مفصل الأصبع - وإنما وجب عليها ذلك لئلا يجتاح التقصير رأسها، والمرأة تحب أن يبقى شعر رأسها؛ لأنه جمال لها، فلو أمرت بالحلق أو بالتقصير الكبير لفات المقصود من تجملها وجمالها.
فإن قلت: هل لها أن تقصر أكثر من ذلك؟
стр. 1622
الجواب: لا مانع لكن المعروف عند أهل العلم أنها لا تقصر إلا بهذا المقدار وهو قدر أنملة.
مسألة حكم قص المرأة لشعر رأسها ؟
وهنا نستطرد لنبحث هل يجوز للمرأة أن تقص شعر رأسها أو لا يجوز؟
نقول: هذا على نوعين: نوع لا يجوز، ونوع اختلف في حكمه، النوع الذي لا يجوز: أن تقص رأسها حتى يكون كرأس الرجل، هذا حرام؛ لأنه من باب التشبه بالرجال، وقد لعن النبي ﷺ المتشبِّهات من النساء بالرجال، وكذلك أيضًا لو قصته على وجه يشبه قصّ الكافرات بحيث لا يميز بين هذا القص وقص الكافرات فإن هذا لا يجوز لقول النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم". أما إذا قصته على وجه يشبه قص العاهرات، فهذا لا شك أنه منهي عنه، والعلماء حذروا منه؛ لأن بعض الفاسقات العاهرات يكون لهن زيٌّ معين في الشعر، فإذا قصته على هذا الوجه وإن لم تكن هي عاهرة فإن العلماء نهوا عن ذلك نهيًا شديدًا يقرب من التحريم هذا نوع.
النوع الثاني: أن تقصه على وجه لا يشبه ذلك، أي: لا يشبه رءوس الرجال ولا رءوس الكافرات ولا رءوس العاهرات، فاختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال:
قول بالتحريم، وهو قول صاحب المستوعب من أصحاب الإمام أحمد، وقالوا: إن هذا شهرة؛ لأن المعروف من عادة النساء ألا يقصصن رءوسهن، فإذا قصت صار شهرة، والشهرة منهيّ عنها.
وقال بعض العلماء: إنه مكروه، ووجه ذلك: أنه يفوت جمال المرأة الداعي إلى رغبة الزوج فيها، فلا ينبغي أن تفعل.
والقول الثالث: أنه لا بأس به؛ لأن زوجات الرسول ﷺ بعد موته كن يفعلن ذلك يقصصن رءوسهن، ولو كان حرامًا أو مكروهًا لم يفعلنه.
وعلى كل حال: لا تجد في الواقع دليلًا واضحًا لا على التحريم ولا على الكراهة، ولكن الذي يخشى منه أنه إذا رخص للنساء في ذلك صرن يتلفقن كل جديد يأتي من الخارج من غير تمييز بين الصالح والفاسد، والمرأة إذا فتح لها الباب لقلة عقلها ونقص دينها لم يبق لها حاجز يمنعها من أن تتلقى كل ما يرد من خير وشر، وهذا هو الواقع الآن، ولهذا تجد النساء يعتدن أشياء لا تمتُّ إلى اللباس الشرعي بصلة، منها ألبسة النعال وكذلك بعض القمصان وما أشبهها، كل ذلك من أجل أنها تتلقى وتتلقف ما يرد إليها من غير حاجز، ولاسيما وأن كثيرًا من
стр. 1623
الناس أصبحوا الآن في بيوتهم كالنساء، بل أدنى من النساء، تسيطر عليه المرأة وهي قوامته، عكس ما عليه الفطرة والشرع من أن الرجل هو القوّام على المرأة.
إذن نقول: قص شعر المرأة نوعان: نوع حرام ونوع ليس بحرام، لكن فيه خلاف، قال لي بعض الإخوة: إنما ثبت في الصحيح من حديث معاوية ﵁ أنه أخذ قصة من شعره وهو على المنبر يخطب الناس وقال: إنما هلك بنو إسرائيل من أجل اتخاذ نسائهم هذه، ورفع هذه وقال: إن هذا الدليل على تحريم ما يسمى عند النساء بالقصة، وهي أن تقص مقدم الرأس لكن يحتاج هذا إلى بحث.
الرخصة في ترك المبيت بمنى للمصلحة العامة أو للعذر:
٧٣٥ - وعن ابن عمر ﵄: "أن العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁ استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منًى، من أجل سقايته، فأذن له". متفق عليه.
العباس بن عبد المطلب ﵁ كان يتولى سقاية الحاج ماء زمزم، لأن النبي ﷺ جعل السقاية فيهم، حتى إنه لما نزل في يوم العيد وشرب قال: "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم". يعني: لولا أن يتبادر الناس إلى السقاية لأنني نزعت الدلو معكم فيتخذها الناس عبادة، والعبادة لا تختص بأحد دون أحد، لولا ذلك لنزعت معكم، كان ﵁ يتولى سقاية الحاج فاستأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة من أجل سقايتهم؛ لأنه يريد أن يسقي الناس ليلًا ونهارًا فأذن له النبي ﷺ .
فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: مشروعية المبيت بمنًى ليالي أيام منى وهي الحادي عشرة والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر، وهذا متفق عليه بين العلماء، ولكن هل المبيت واجب يأثم الإنسان بتركه ويلزمه دم بذلك، أو ليس بواجب؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه واجب، لأن النبي ﷺ بات بمنى وقال للناس: "خذوا عنِّي مناسككم"، ثانيًا: لأن العباس استأذن من رسول الله ﷺ فأذن له ولو لم يكن واجبًا ما احتاج إلى الاستئذان. ثالثًا أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيامٍ معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٢]. فإن ذكر الله يكون بالقول ويكون بالفعل وهو المبيت، ومن العلماء من قال: إنه سنة،
стр. 1624
واستدل لذلك بأنه مراد لغيره، فإن المقصود الأعظم هو رمي الجمرات؛ لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الطّواف بالبيت وبالصفا والمرة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله"، ولم يقل: والمبيت بمنى؛ لأن الأصل براءة الذمة وعدم التأثيم بالترك.
وأما قول النبي ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، فمن المعلوم أن هذا الحديث ليس على عمومه بالاتفاق وإلا لوجبت الإشارة إلى الحجر الأسود ووجب الرمل ووجب الاضطباع وغير ذلك من الأشياء التي ليست بواجبة، وأما استئذان العباس فلا يمتنع أن يستأذنه في ترك مستحب، فيقول: ائذن لي وإن كان ليس بواجب"، ولكن الذي يظهر وجوب المبيت في منًى، وأنه لا يجوز للإنسان أن يدع المبيت، ولكن ما مقدار الواجب منه؟ قال العلماء: مقدار الواجب منه أن يبيت معظم الليل من أوله أو من آخره فإذا وصل إلى منى مثلًا من مكة وهو في مكة طول النهار ووصل إلى منى قبل منتصف الليل بساعة وبقي إلى الفجر يكون أتى بالواجب؛ لأنه بقي معظم الليل، ولو بقي في منى إلى ما بعد منتصف الليل بساعة مثلًا أجزأه؛ لأنه بقي في منى معظم الليل.
وإذا قلنا: بالواجب فهل يلزمه دم بترك ليلة أو بترك الليلتين جميعًا أو بترك الثلاث إن تأخر؟
نقول: لا يلزمه دم بترك ليلة، إنما يلزمه الدم بترك الليلتين إن تعجل أو الثلاث إن تأخّر، فأما إذا ترك ليلة واحدة فلا يلزمه دم، لكن قيل: لا يلزمه شيء، لأنه لم يترك الواجب كاملًا، إذ الواجب المبيت هذه الليالي، فإذا ترك ليلة لم يلزمه الدم؛ لأنه لم يترك الواجب كله وهو لا يتجزأ، وقيل: يلزمه أن يتصدق بشيء، أي شيء يكون مدًّا من طعام أو قبضة من طعام أو أي شيء، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀، وأما أن يلزم بدم مع أنه لم يدع الواجب كله فلا وجه له.
إذا قلنا: بالوجوب فهل يسقط هذا الواجب عن أحد؟
نقول: إن الإنسان إذا تركه للتشاغل بمصالح الناس [في الحج] فلا بأس به؛ لأن النبي ﷺ أذن للعباس أن يدع المبيت من أجل السقاية، وأذن للرّعاة الذين يرعون إبل الحجاج أن يدعو المبيت أيضًا، لأنهم يشتغلون بحاجة عامة، ومثل ذلك في وقتنا الحاضر -جنود الأمن أو جنود تيسير الحجاج، ومن ذلك أيضًا الأطباء الذين يتلقون المرضى في المستشفيات فإنه يسمح لهم في ترك المبيت وكل من يشتغل بمصلحة عامة يعذر في ترك المبيت قياسًا على السقاية
стр. 1625
وعلى الرعاة أيضًا، فإن كان لمصلحة خاصة مثل أن تضيع بعيره فيخرج من منى يطلبها، أو يضيع ولده مثلًا فيخرج من منى يطلبه، أو يكون مريضًا يحتاج إلى أن ينتقل إلى المستشفى خارج منى فهل يلحق بهذا أو لا؟ قال بعض العلماء: إنه يلحق؛ لأن هذا عذره عام وهذا عذره خاص، وقد تكون الضرورة في العذر الخاص أشد، وقال بعض العلماء: لا يلحق، وذلك لأن من يشتغل بالمصلحة العامة لا يشتغل في الواقع لنفسه إنما يشتغل لغيره، ولهذا يرخًّص للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدع صلاة الجماعة ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يرخص للإنسان على وجه الانفراد إلا بعذر يبيح ترك الجماعة، ولكن الذي يظهر أن الشارع يخفف في هذا الواجب؛ لأنه ما دام أذن للرعاة والغالب أن الراعي يشتغل بأجرة، فيكون لمصلحته فالظاهر أن الشارع يرخص في هذا الشيء ويسهل فيه، فإذا كان لإنسان عذر خاص من مرض أو غيره فإنه يعذر في ترك المبيت ولا شيء عليه، ولو فرض أن رجلًا نزل للطواف ولم يتمكن من الوصول إلى منى إلى بعد منتصف الليل إن كان لعذر فلا بأس يسقط عنه، وإن كان لغير عذر فلا يسقط عنه يعني: مثلًا رجل انتهى من الطواف والسعي وركب السيارة لكن نظرًا لزحام السيارات ما وصل إلى عند طلوع الفجر هذا لا شيء عليه؛ لأنه معذور ثم كما قلنا قبل قليل الليلة الواحدة ليس فيها شيء؛ يعني: ليس فيها فدية.
فائدة:
لو وكل رجلًا ليرمي عنه لا يخرج حتى يرمي وكيله إلا إذا كان سيقع عليه ضرر مثل أن تكون الطائرة سيلحقها ولو تأخر الطائرة التي تليها ستقلع بعد شهر وسيقع عليه ضرر كثير، فهذا كالمحصر بمعنى: أنه يذبح هدي عن ترك الرمي والوداع، وأما المبيت فهو ليلة واحدة يطعم عنها، مع أن الوداع لو وداع في هذه الحال قد يقال: إنه يسقط عنه دم الوداع.
كنا قد تكلمنا عن الرمي والحلق والطواف، أم الرّمي والحلق فدليله عرفتموه، وأما الطوف فليس فيه دليل من السُّنة، لكن قالوا: إنه لما كان له تأثير في الحلّ الثاني فإنه له تأثير في الحل الأول، الحل الثاني كيف؟ لأنه إذا رمى وحلق حلّ التحلل الأول؛ فإذا طاف وسعى حلّ التحلل الثاني؛ إذن فللطواف تأثير في الحلّ، فلما كان له تأثير في الحل قلنا: إنه إذا فعله مع الرمي أو مع الحلق فإنه يحل التحلل الأول هذا وجهه، ومع هذا فإنه ينبغي ألا يحل حتى يرمي ويحلق إتباعًا للنص، لكن لو أفتى مفت بذلك بناء على هذا القياس لم يكن بعيدًا، ولكن
стр. 1626
الأولى المحافظة على ما جاءت به السنة فيما مر علينا، أيضًا أنه يجوز للإنسان المشتغل بما ينفع عامة الناس أن يدع المبيت بمنًى؛ لأنه قيل: إنه سنة، والراجع أنه واجب، ما دليله؟
٧٣٦ - وعن عاصم بن عديٍّ ﵁: "أنًّ رسول الله ﷺ رخَّص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النَّحر، ثمَّ يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثمَّ يرمون يوم النَّفر.". رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.
قال: "رخص لرعاة الإبل" الرخصة في اللغة بمعنى: السهولة، وعند الأصوليين: "ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح"، ولو قالوا: ما ثبت على خلاف الأصل لمعارض راجح لكان أولى وأوضح وهو كذلك فهذا مرادهم، ومنه رخَّص في المسح على الخفين؛ لأنه على خلاف الأصل، والأصل هو الغسل، ومنه رخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا، رخص بمعنى: سهل وأجاز من الأصل، والأصل التحريم في العرايا، وما هي العرايا؟ أن تبيع الرطب بالتمر؛ لأنه يشترط التماثل، والتماثل بين الرُّطب والتمر مستحيل.
المهم: أن الرخصة هي ما ثبت على خلاف الأصل لمعارض راجح، وهو السهولة، فهنا رخّص لهم أن يدعوا المبيت وترك المبيت بمنًى على خلاف الأصل؛ لأن الأصل هو المبيت.
وقوله: "لرعاة الإبل" جمع راع، وهم الذين يرعونها في أماكن النبات، والمراد بالإبل هنا: إبل الحجاج؛ لأن الحجاج في منى نازلون لا يحتاجون إلى إبلهم، والإبل تحتاج إلى الأكل فيذهب بها الرُّعاة إلى مواضع القطر والنبات لترعى.
"في البيتوتة عن منًى"، كان مقتضى التركيب أن يقول: في البيتوتة في منًى، لكن "عن منى" يحتاج إلى تأويل إما بـ "عن" وإما بالبيتوتة كما مر علينا - في هذا وأمثاله - أن علماء النحو اختلفوا هل التجوُّز في الحرف أو في الفعل الذي قبله يعني: في العامل الذي قبله، وقلنا: إن مذهب البصريين أن التجوز في العامل الذي قبله والكوفيين في الحرف، فمثلًا يقولون: "عن" هنا بمعنى: الباء؛ يعني: البيتوتة بمنى، أما البصريون فيقولون: إن البيتوتة بمعنى: النزوح؛ يعني: النزوح عن منى والبعد عنها، ومعلوم أنهم إذا نزحوا عن منى فلن يبيتوا فيها.
على كل حال: رخص لهم في أن يدعوا منى لا يبيتون بها ويبيتون مع إبلهم، لكن الرمي قال: "يرمون يوم النحر"، وهذا لابد منه؛ لأن الحجاج على رواحلهم يوم النّحر فلم يسلموها للرعاة، وليست الرعاة في حاجة إلى أن يؤجلوا رمي يوم النحر.
قال: "يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين"؛ يعني: يجمعون يوم الغد
стр. 1627
وهو اليوم الثاني من أيام العيد واليوم الأول من أيام التشريق، "ليومين" يعني: لليوم الثاني عشر، إذن سيتركون المبيت ليلة إحدى عشر وليلة اثنى عشر والرمي يوم عشرة ما يرمون يؤجلونه إلى يوم الثاني عشر ثم يرمون يوم الغد؛ لأنهم إذا جاءوا يوم الثاني عشر ما يذهبوا للرعي؛ إذ إن من الناس من يتعجل فيحتاج إلى إبله، ومن الناس من يتأخر فلا يحتاج إلى إبله، وهؤلاء لا يذهبون خارج منى يرعون إبلهم، ولو كانوا يبقون في المرعى إلى يوم الثالث عشر لأخروا رمي الجمرات إلى اليوم الثالث عشر لكنهم يأتون اليوم الثاني عشر من أجل من يتعجل.
وفي هذا الحديث فوائد: منها: العناية بالرّواحل - الإبل - وألا تترك بدون رعي في هذه المدّة؛ لأن في ذلك تعذيبًا لها، وإيلامًا لها وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيعّ من يقوت". فلا يجوز للإنسان أن يحبس البهائم في مثل هذه المدة وإن كانت الإبل قد تصبر لكنها تصبر مع التحمل والمشقة، والله أوجب علينا أن نرعى ما تحت أيدينا رعاية تامة.
ومن فوائد الحديث: شمول الشريعة الإسلامية، وأنها تلاحظ حتى البهائم العجم، وذلك بترخيص ترك هذه الشعيرة من أجل مراعاة هذه الإبل.
ومن فوائد الحديث: إن المشتغل بالمصالح العامة يسقط عنه وجوب المبيت في منًى؛ لأنه هؤلاء الرعاة سقط عنهم المبيت في منى لقوله: "أرخص"، والترخيص بمعنى: التسهيل، ولو لم يكن المبيت واجبًا لكان رخصة لهؤلاء ولغيرهم، لأن غير الواجب لا يلزم به الإنسان فهو في سهولة منه، إذن ضم هذا الدليل إلى ما سبقه من الأدلة الثلاثة، وربما يكون هذا الدليل أقواها في إفادة الوجوب.
ومن فوائد الحديث: وجوب رمي الجمرات، لأنه لم يسقط عن هؤلاء لإمكان قضائه، لكن المبيت لا يمكن قضاؤه، لكن الرمي فعل عمل يمكن قضاؤه، إذن فيستفاد منه: وجوب الرمي؛ لأنه لو لم يجب لقلنا: إنه سنة فات محلها بيومها فلا تقضى، ولكنه يجب قضاؤه.
ومن فوائد الحديث: منع الاستنابة في الرمي، ووجهه: أن الرسول صلى الله عليه ولسم لم يرخِّص لهم أن يستنيبوا غيرهم في الرمي عنهم مع أن الحاجة قد تكون داعية لذلك، ولو كانت الاستنابة جائزة في الرمي لأجازه النبي ﷺ لهم، فيتفرع على هذا فائدة أخرى وهي: خطأ أولئك القوم الذين يتساهلون في رمي الجمرات اليوم، فتجد الواحد منهم يقول: - وبكل سهولة - خذ يا فلان حصاي ارم بهن وإن كان قادرًا لكن جالس من أجل تناول الشاي، فنقول: هذا حرام.
وفيه أيضًا: بيان خطأ من يبيحون للنساء الاستنابة في الرمي مطلقًا؛ لأن الواجب لا يسقط
стр. 1628
بهذه السهولة لا يسقط عن المرأة لأنها امرأة، وإلا لقلنا بسقوط طواف الوداع مع الزحام، ولكن نقول: إنه يجب على المرأة أن ترمي بنفسها، والزحام الذي يكون يمكن أن يلافاه الإنسان بتأخر الوقت بدلًا من أن يرمي عند الزوال يرمي بعد العصر، إن لم يمكن بعد المغرب، إن لم يمكن بعد العشاء؛ ولهذا لم يأذن الرسول ﷺ لسودة والضعفاء أن يوكِّلوا من يرمي عنهم، بل أذن لهم أن يدفعوا قبل الفجر من أجل أن يرموا بأنفسهم.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز جمع رمي أيام التشريق، لكن تأخيرًا لا تقديمًا؛ لأن الرسول ﷺ أذن لهؤلاء أن يجمعوا تأخيرًا ولو كان تقديمًا لرموها يوم العيد لكن تأخيرًا.
ومن فوائده: أنه لا يجوز للقادر أن يؤخر يوم رمي إلى اليوم الذي بعده، وجه الدلالة: أنه قال: "رخص"، والترخيص يدل على أنه في غير هذه الحال ممنوع؛ لأن الترخيص خصّ بحالة معينة تقتضي التسهيل، وعلى هذا فلا يجوز أن نجمع أيام التشريق، أي: رمي أيام التشريق إلى آخر يوم بل نرمي لكل يوم في يومه، ومن ذهب إلى ذلك من أهل العلم فمذهبه ضعيف، لهذا الحديث؛ ولأن النبي ﷺ كان يرمي لكل يوم في يومه، ويقول: "خذوا عني مناسككم"؛ ولأنه أظهر في العبادة وأطيب للقلب، كيف ذلك؛ لأن الإنسان يتعبد لله تعالى بهذه العبادة كل يوم، وإذا جمعها فاتت عليه أن يتعبد لله تعالى بها كل يوم، وهذا أمر له شأن؛ لأن الشارع له نظر في أن يتعبد الناس لله في الأوقات التي شرع لهم أن يتعبدوا لله فيها؛ وإلا لكنا نقول: تجمع الصلوات الخمس عند النوم وآخر اليوم ويكون عبادته لله تعالى في هذه الصلوات في آخر اليوم، لأجل أن يختم بها يومه، لكن نقول: للشارع نظر في أن تتوزع العبادات على الزمن حتى يبقى القلب عامرًا بهذه العبادة في اليومين أو الثلاثة مثلًا، إذا فجمعها مع مخالفته لهدي النبي ﷺ يفوت به هذا المعنى العظيم وهو إشغال القلب بهذه العبادة في كل الأيام الثلاثة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن هذا الدين يسر، وإنه كلما وجد سبب التيسير حل التيسير، ولهذا قال صاحب النظم:
وكلُّ ما كلَّفه قد يسِّرا ... من أصله وعند عارض طرا
على كل حال: إن كل شيء شرعه هذا الدين فهو ميسر من أصله، "وعند عارض طرأ" يعني: إذا وجد عارض يقتضي التيسير أكثر فإنه ييسره: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، هذا من التيسير بدلًا من أن يكلف الرعاة أن يأتوا فردا كل يوم يرموا رخَّص لهم أن يؤخروا.
стр. 1629
وهل يقاس على الرعاة من يشبههم ممن يشتغلوا بمصالح المسلمين العامة كجنود المرود وجنود الأمن وجنود الإطفاء والمشتغلين بالبريد؟ نعم لا شك في هذا أنهم يلحقون بهم، فلهم أن يدعوا المبيت ولهم أن يجمعوا الرمي جمع تأخير في آخر يوم.
وهل يلحق بهم في تأخير الرمي من كان معذورًا بمرض أو نحوه مثل أن يصيب الإنسان زكام في اليوم الثاني ويؤخر لليوم الثالث؟ الجواب: نعم للمشقة، وما دمنا نعلم - والعلم عند الله - أن العلة في جواز التأخير لهؤلاء الرعاة هو المشقة، نقول: من شق عليه أن يرمي كل يوم في يومه فله أن يؤخر.
مسألة الاستنابة في الرمي وضوابطه:
ماذا يصنع من لا يستطيع أن يرمي أبدًا؟ قال بعض العلماء: إنه يسقط عنه الرمي؛ لماذا؟ قال: لأن الرمي واجب، والواجبات تسقط بالعجز عنها بنص القرآن: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ﴿فاتَّقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. فإذا عجز فإنه لا يلزمه، وقال آخرون: بل إذا عجز فإنه يستنيب، واستدلوا بأن الحج تجوز الاستنابة في جميعه عند العجز ففي بعضه أولى، المرأة التي جاءت للرسول وقالت: "إن أبي أدركته فريضة الله على عباده شيخًا كبيرًا أو يثبت على الراحلة فأحج عنه؟ قال: "نعم"؛ فإذا جاز في جميعه جاز في جزئه، ثانيًا: ورد عن الصحابة ﵃ أنهم رموا عن الصبيان، وهذا يدل على أن الاستنابة في الرمي عن العاجز عنه جائز، وهذا هو الأقرب أنه يجوز أن يستنيب؛ أي: أن يقيم نائبًا عنه في الرمي، وإذا قلنا بالجواز فهل نقول للنائب: ارم أولًا عن نفسك ثم اذهب إلى الخيمة وارجع لترمي عن صاحبك؟ لا، لا يجب؛ لأن السعي إلى الجمرات واجب لغيره لا واجب لذاته، وإذا كان واجبًا لغيره فهو وسيلة، فإذا حصل المقصود بدونه سقط.
ننتقل من هذه النقطة إلى نقطة أهم منها، وهي إذا وجب الحج على إنسان في القصيم فهل له أن يوكل أو أن يستنيب ممن يحج عنه من مكة أو لا؟ فيه خلاف، ولكن الأقرب للقواعد أنه يجوز؛ لأن سعي الإنسان من القصيم إلى مكة مقصود لغيره ليس مقصودًا أن تمشي؛ ولهذا لو سافرت إلى مكة لا للحج ثم بدا لك - وأنت هناك - أن تحج لا نقول: اذهب إلى القصيم وارجع حاجًا، نقول: حج من مكانك، إذن فالقول الراجح في المسألة الأخيرة: أن الإنسان يجوز أن ينيب عنه من يحج ولو كان ممن يسكن مكة؛ لأن السعي من مكان الوجود إلى مكة وسيلة مقصود لغيره، وعلى هذا نقول للرجل الذي استناب غيره ليرمي عنه: إن الذي استنبته إذا رمى عن نفسه فله أن يرمي عنك دون أن يرجع إلى مكان رحله.
وهل يلزمه أن يرمي الجمرات الثلاث عن نفسه أولًا ثم يرجع من الأولى لمن استنابه؟ فيه
стр. 1630
خلاف؛ من العلماء من يقول: لابد أن يرمي الثلاث عن نفسه أولًا ثم يعود من الأولى لمستنيبه، وحجتهم في ذلك يقولون: إن رمي الجمرات الثلاث عبادة واحدة ليس كل واحدة عبادة مستقلة، والدليل لذلك: أنه يشرع الدعاء بين الأولى والوسطى والوسطى والثالثة وإذا رمى الثالثة لا يشرع الدعاء وهذا دليل على أنها عبادة واحدة يشرع الدعاء في جوفها لا بعد الانفصال عنها، إذن فلابد أن ترمي أولًا عن نفسك واحدًا اثنين ثلاثة ثم تعود وترمي عن موكلك، وعللوا أيضًا قالوا لأنه إذا رمى عن نفسه أولًا في الجمرة الأولى، ثم عن وكيله فاتت الموالاة؛ لأنه فصل بين رميه الأولى والثانية بالرمي عن صاحبه فأدخل عبادة في جوف عبادة فلا تصح، وقال بعض العلماء: بل يجزئ أن يرمي عنه وعن وكيله في مكان واحد، واستدلوا لذلك بظاهر فعل الصحابة ﵃ أنهم كانوا يرمون عن الصبيان، وظاهر النقل أنهم لا يرمون أولًا عن أنفسهم ثم يعودون؛ لأنهم لو كانوا يفعلون ذلك لبينوه ونقلوه، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ يرى الرأي الأول ويفتي به، فأخبرته برأي شيخنا الثاني عبد العزيز بن باز واستدلاله بهذا الحديث فاستحسنه، على أنه يجوز أن يرمي الرجل عنه وعن موكله في مكان واحد في موقف واحد، لاسيما في مثل حال الناس اليوم في هذا الزحام الشديد المرير، فإن إلزام الناس بأن يكملوا عن أنفسهم ثم يرجعوا لموكلهم، وإذا كان قد وكلهم اثنان فإنهم يرجعون مرتين، إذا وكلهم ثلاثة يرجعون ثلاث مرات وهلم جرًّا فهذا فيه مشقة في هذه العصور، وكل شيء فيه مشقة لا ينبغي أن تلزم الناس به إلا بدليل، لابد من العمل به، فما دامت الأدلة متكافئة أو متقاربة والمسألة ليس فيها رجحان بيِّن فإلزام الناس بهذا العمل الشاق قد يتوقف فيه الإنسان؛ لأن الإنسان ليس له أن يمنع عباد الله بما أحله لهم ولا أن يلزمهم بما لم يلزمهم الله به إلا بدليل لأنك مسئول، العالم مسئول عن توجيه الناس كما أن الأمير الذي ينفذ ويؤدب، لو أن مسئولًا ضرب أحدًا ضربًا زائدًا عن المشروع فإنه سيسأل عنه عند الله، القاضي يجلد ثمانين لو قال: ضعوا واحدًا وثمانين سئل عنه أمام الله وكذلك أنت أيها العالم، لو قلت عن شيء أنه مستحب والأصل أنه واجب كم زدت من سوط؟ فالمسألة ليست سهلة؛ ولهذا نحن في الحقيقة نوجه أنفسنا أولًا وإخواننا طلبة العلم ثانيًا إلى أن يتثبتوا في مسألة الإلزام، ومسألة الاحتياط أو الاستحباب، هذا أمره أهون، لكن مسألة الإلزام تحليلًا أو تحريمًا أو إيجابًا، هذه مسألة تحتاج إلى شيء تثبت به قدمك عند الله إذا سألك يوم القيامة، بعض الناس تجده من شدة غيرته على دين الله يغلب جانب التحريم وبعض الناس لمحبته لتأليف الناس وعرض الدين عليهم ميسرًا تجده يتساهل ويقول: كل شيء زين دعوه يمشي هذا خطأ، الواجب أن تمشي على دين الله، وثق بأنك لو مشيت على دين الله تصلح فلن يصلح عباد الله إلا دين الله أبدًا مهما فكرت.
стр. 1631
أسئلة:
- يقول: إذا دفعت الفلوس للشركات التي تذبح الهدي ورميت هل تتحلل؟
الجواب: نقول: تسليم الفلوس ليس ذبح الهدي، إذن نحتاج إلى أن نعلم أنه ذبح الهدي.
- هل ذبح الهدي يترتب عليه الحلّ أو لا؟
الجواب: لا يعني أنه يحلّ سواء ذبح الهدي أم لم يذبح، فلو كانت الشاة عندك لها ثغاء أو البعير لها رغاء ورميت وحلقت فالبس ثوبك؛ إذن سقط هذا السؤال من أصله، لكن يرد علينا حديث أن الرسول ﷺ سألته إحدى أمهات المؤمنين قالت: ما بال الناس حلُّوا من عمرتهم ولم تحلّ أنت؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت الهدي فلا أحلّ حتى أنحره"، فظاهر هذا أن الحل متوقف على النحر، نقول: هذا إن دل على شيء فإنما يكون على من ساق الهدي جمعًا بينه وبين حديث عائشة: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
استحباب الخطبة يوم النحر:
٧٣٧ - وعن أبي بكرة رضي الله عن قال: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم النَّحر ... ". الحديث متَّفق عليه.
خطبهم ﷺ وذكرهم بحرمة هذا اليوم وحرمة الدماء والأموال والأعراض إلى أن تلقوا ربكم، وقرر هذا التحريم حين صار يسأل الصحابة أي يوم هذا؟ أيُّ بلد هذا؟ أيُّ شهر هذا، والحديث معروف، الشاهد من هذا خطبة النبي ﷺ في هذا اليوم، فأخذ العلماء من هذا الحديث فائدة وهي استحباب خطبة الناس يوم النحر، ولكن لأي شيء؟ أولًا: ليقرروا ما قرره النبي ﷺ من هذا التحريم؛ أي: تحريم الدماء والأموال والأعراض؛ لأن أحسن ما نتكلم به ما تكلم به الرسول ﷺ ، ثانيًا: أن نذكرهم بما يفعل هذا اليوم من الأنساك وأحكامها؛ لأن الناس محتاجون إلى بيان ذلك هذه خطبة، وهناك خطبة قبلها وهي خطبة عرفة.
٧٣٨ - وعن سرَّاء بنت نبهان ﵂ قالت: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرُّءوس فقال: أليس هذا أوسط أيَّام التشريق؟ ". الحديث. رواه أبو داود بإسناد حسن.
متى يوم الرءوس؟ هو اليوم الحادي عشر، وسمي يوم الرءوس - والله أعلم - لأن الناس يأكلون رءوس الأضاحي والهدايا في ذلك اليوم، فيسمى هذا اليوم يوم الرءوس، فخطبهم النبي
стр. 1632
صلى الله عليه وسلم، وهذه الخطبة لتعليمهم الرمي في ذلك اليوم، لأن الرمي في ذلك اليوم يختلف عن الرمي في اليوم الذي قبله، الرمي في اليوم الذي قبله فيه رمي جمرة واحدة فقط وهي جمرة العقبة، وهذا فيه رمي الجمرات الثلاث فيحتاج الناس إلى تفهيمهم الشرع في هذا، وربما تكون مسائل أخرى تدعو الحاجة إلى ذكرها فيشير إليها الخطيب، ففيه أيضًا هذه الخطبة الثانية في منى يوم العيد واليوم الثاني، واليوم الذي بعده يسمى يوم النّفر الأول، والثالث يسمى يوم النفر الثاني.
وقوله: "أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ " قال بعض العلماء: يؤخذ من هذا الحديث: أن يوم العيد يدخل في أيام التشريق، ولكن هذا من باب التغلبيب، وإلا فإن أيام التشريق يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
٧٣٩ - وعن عائشة ﵂، أنَّ النَّبي ﷺ قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة يكفيك لحجِّك وعمرتك". رواه مسلم.
عائشة ﵂ كانت أحرمت بالعمرة من ذي الحليفة، فلما وصلت سرف حاضت، فدخل عليها النبي صلى عليه وسلم وهي تبكي فقال: "ما شأنك لعلك نفست؟ " قالت: نعم، فقال لها مسليًا لها: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، ثم قال: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن تطوفي بالبيت"، وفي موطأ مالك: "ولا بين الصفا والمروة"، وهذا وإن لم يذكر فقد صحّ في البخاري وغيره أنها حين طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، وهذا دليل على أنها لم تسع بين الصفا والمروة، وعلى كل حال قال لها هذا وبقيت تفعل ما يفعل الحاج ولم تطف بالبيت، ولما كان يوم عرفة طهرت من الحيض، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل وأن تدع العمرة؛ يعني: لا تعتمر؛ لأنه فات وقتها، وأن تجعلها حجة، فأحرمت بالحج، وهل أمره أن تدع العمرة أن تدعها بالنية والفعل أو بالحكم والفعل؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الحديث الذي معناه يدل على أنها أدخلت الحج على العمرة، فكانت قارنة فلما طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة طلبت من الرسول ﷺ أن تعتمر فقال لها: "طوافك بالبيت وبالصفا والمرة يسعك - يعني: يكفيك - لحجك وعمرتك"، ولكنها ألحت على النبي ﷺ حتى قالت: "لا يمكن أن يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج"، فلما رآها قد ألحت، وكان ﷺ يحب أن يجبر الخاطر فيما لا يخالف الشرع، فأذن لها أن تعتمر، وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن يخرج بها إلى التنعيم لتحريم بالعمرة ففعل، وكان ذلك في الليلة الرابعة عشرة بعد انتهاء أيام التشريق.
стр. 1633
يستفاد من هذا الحديث: أولًا: أن الطواف بالبيت وبالصفا والمروة لا يسقط عن الحائض؛ لأن عائشة كانت حائضًا فلم يسقط عنها بل أمرها الرسول ﷺ أن تطوف وتسعى.
ويستفاد من هذا الحديث: أن السعي ركن؛ لأن النبي ﷺ قرنه بالطواف وقال: "يسعك لحجك وعمرتك"، وهذا يدل على أنه لابد أن يكون موجودًا في الحج والعمرة.
ومن فوائد الحديث: أن القارن لا يلزمه طوافان وسعيان خلافًا لمن قال بذلك من أهل العلم، وأنه يكفيه طواف وسعي.
ومن فوائده: أن العبادتين إذا كانتا من جنس واحد دخلت الصغرى منهما في الكبرى، كيف ذلك؟ لأن العمرة هنا دخلت في الحج، وهما من جنس واحد كلاهما نسك، بل قد سمى النبي ﷺ العمرة الحج الأصغر، ومثال آخر: لو نوى المحدث حدثًا أصغر لو نوى يغسله الحدثين أجزأ ولا حاجة للوضوء، بل القول الراجح في مسألة الجنب أنه إذا نوى الحدث الأكبر ارتفع الحدثان؛ لأن الله تعالى لم يوجب على ذي الجنابة إلا الغسل فقط، قال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهَّروا﴾ [المائدة: ٦]. ولم يذكر وضوءًا.
ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي بالنسبة لأهله، وهذا مأخوذ من مجموع القصة، وليس من هذا الحديث نفسه، وذلك بتسليته إياها حين قال: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، وكذلك بتطييب خاطرها حين ألحت عليه بأن تأتي بعمرة مستقلة بعد الحج.
وهل يستفاد من الحديث: جواز تأخير الطواف عن السعي للقارن؟ نقول: هذا لا شك فيه؛ لأن الرسول ﷺ كان قارنًا وسعى بعد طواف القدوم ولم يطف بعد طواف الإفاضة، لكن لو فرض أن الرجل لم يسع مع طواف القدوم وجعل السعي مع الطواف يوم العيد وقدّمه على الطواف فيجوز.
٧٤٠ - وعن ابن عبَّاس ﵄: "أنَّ النَّبي ﷺ لم يرمل في السَّبع الَّذي أفاض فيه". رواه الخمسة إلا التِّرمذيِّ، وصحَّحه الحاكم.
"السُّبع الذي أفاض فيه" هو طواف الإفاضة، وذلك أن الرسول ﷺ في حجة الوداع طاف ثلاثة أطوفة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع فقط، ولو شاء أن يطوف غير ذلك لطاف؛ لأنه قدم في اليوم الرابع من ذي الحجة بوقي نازلًا في الأبطح إلى يوم الثامن ولو شاء لنزل وطاف بالبيت، لكنه ﷺ لم يرد ذلك تشريعًا للأمة.
فيستفاد منه: أن الحاج لا ينبغي له أن يزيد على هذه الأطوفة الثلاثة؛ لأن الرسول ﷺ لم
стр. 1634
يزد؛ ولأن في زيادته على هذه الأطوفة الثلاثة تضييقًا على الناسكين بعمرة أو حج من دون أن يكون مضطرًا إلى ذلك، أما لو كان مضطرًا كما لو كان معتمرًا أو حاجًا فالأمر واضح، إذن متى رمل؟ في طواف القدوم، قال:
٧٤١ - وعن أنس ﵁: "أنَّ النبيَّ صلَّى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ثمَّ رقد رقدةً بالمحصَّب، ثمَّ ركب إلى البيت فطاف به". رواه البخاريُّ.
رسول الله ﷺ رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر - لأنه تأخر لما رماها -كان يرميها بعد الزوال وقبل صلاة الظهر نزل من منًى؛ لأن منى أول ما يفعل فيها الرمي وآخر ما يفعل الرمي؛ ولهذا النبي ﷺ أول ما قدم وهو على بعيره رمى الجمرة وفي آخر يوم كذلك رمى الجمرة، ثم ركب وارتحل، ولم يبق بعد رمي الجمرات، فارتحل وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصَّب، المحصَّب، يعني: المكان الذي كثرت فيه الحصباء هو الشِّعب الذي يفيض على الأبطح الآن أظن فيه مقر إمارة، وصار الآن عمارات وفلل لا يمكن المبيت فيه إطلاقًا، ولهذا القول بأن التحصيب سنة أصبح الآن غير وارد؛ لأنه لا يمكن، على كل حال: النبي ﷺ رقد ثم ركب في آخر الليل ونزل إلى البيت وطاف طواف الوداع وصلى الصبح، ثم ركب إلى المدينة صبح اليوم الرابع عشر، وكانت أم سلمة ﵂ استأذنته أو استفتته في طواف الوداع وقالت: إنها مريضة، فقال: "طوفي من رواء الناس وأنت راكبة"، قالت: فسمعتها يقرأ في صلاة الفجر في ذلك اليوم: ﴿والطور (١) وكتاب مسطور﴾ [الطور: ١، ٢]. الشاهد من هذا: أن الرسول ﷺ نزل في هذا المكان وصلى فيه أربعة أوقات والخامس في المسجد الحرام.
٧٤٢ - وعن عائشة ﵂: "أنها لم تكن تفعل ذلك؛ أي: النُّزول بالأبطح وتقول: إنَّما نزله رسول الله ﷺ لأَّنه كان منزلًا أسمح لخروجه". رواه مسلم.
أعقب المؤلف حديث ابن عباس بهذا الحديث ليبين أن نزول الرسول ﷺ في ذلك المكان ليس على سبيل التعبد بل هو أسمح للخروج وأيسر؛ لأنه ﷺ لما انتهى من منى وكان يجب أن يمشي في أول النهار فأين يذهب؟ إذا كان انتهى من منى قبل الظهر وهو يريد أن يسافر إلى المدينة في أول النهار لم يبق إلا أن ينزل في هذا المكان ليستريح وينام ما شاء الله تعالى أن ينام، ثم بعد ذلك يرتحل، فعائشة تقول: إن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك تعبدًا وإنما فعله لأنه أسمح لخروجه، ولهذا كانت لا تفعله ﵂، وبعض العلماء يقول: بل فعله تعبدًا، فيكون النزول في هذا المكان سنة، فالعلماء اختلفوا في هذا، ولكن إذا جاء مثل هذا الخلاف
стр. 1635
والأدلة فيه محتملة أن يكون ذلك على سبيل التعبد أو على سبيل الراحة والتيسير فأيهما نأخذ
به؟ قد يقول قائل: إن الأصل المشروعية، وأن النزول في هذا سنَّة، وقد يقول قائل: لا، الأصل عدم المشروعية؛ لأن العبادة لابد أن نعلم أن الشارع شرعه، وهنا ليس عندنا علم؛ لأن الحج بالاتفاق انتهى بعد رمي جمرة العقبة، وهذا المنزل لا نعلم أنه مكان نسك حتى نقول: إن النزول به سنة، وما نزوله في هذا المنزل إلا كنزوله قبل أن يخرج إلى الحج بالأبطح، فهل أنتم تقولون مثلًا: إن نزوله في الأبطح قبل الخروج إلى منى سنة، أو لأنه منزل اختاره لا على سبيل التعبد؟ ليس بسنة، لكن فعل على سبيل أنه نزح عن مكة للتوسعة على من أتى حاجّاً أو معتمرًا في ذلك الوقت، على كل حال: المسألة محتملة أن يكون سنة وألا يكون سنة، والمسألة الآن إنما الخلاف فيها خلاف نظري، لماذا؟ لأنه الآن لا يمكن النزول في الأبطح انتهى الموضوع، لكن لو فرض أن مكة عادت إلى حالتها الأولى يكون النزاع حينئذ له فائدة عملية أما الآن فإن النزاع ما هو إلا مسألة نظرية.
حكم طواف الوداع في الحج والعمرة:
٧٤٣ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: "أمر النَّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلَّا أنَّه خفَّف عن الحائض". متَّفق عليه.
قال: "أمر الناس"، هذه الصيغة قال علما المصطلح: إن لها حكم الرفع؛ لأن الصحابي إذا قال: "أمر" فإن الآمر هو الرسول ﷺ ، لأنه ليس فوق مرتبة الصحابة إلا الرسول ﷺ ، فيكون هو الآمر، بل إن هذا أحد الألفاظ في الحديث، وإلا ففيه لفظ آخر صريح بأن الرسول ﷺ هو الذي أمر، وقال ابن عباس: "كان الناس ينفرون من كل وجه"، فقال النبي ﷺ : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، وهذا مرفوع صريح إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، على كل حال قوله: "أمر الناس"، كلمة "الناس" هذه لفظ عام لكن يراد به الخاص، من هذا الخاص؟ هم الذين ينفرون من الحج لقول ابن عباس: كان الناس ينفرون من كل وجه، وقيل: هم الحجاج سواء نفروا أم لم ينفروا، وعلى هذا يكون الطواف للوداع لا للسفر، ولكن لانتهاء أعمال الحج وأن الإنسان عليه أن يودِّع سواء سافر أم لم يسافر، كما أنه إذا ودّع فإنه لو بقي شهرين أو ثلاثة في مكة لا يعيد الطواف، ولكن جمهور أهل العلم على أن المراد بالناس هنا: النافرون من الحج لقول ابن عباس: "كان الناس ينفرون من كل وجه"، ولا ينفر أحد في وقت الحج إلا من كان حاجًّا هذا هو الغالب.
стр. 1636
وقوله: "حتى يكون آخر عهدهم بالبيت"، وفي رواية لأبي داود: "آخر عهدهم بالبيت الطواف". فتفسر هذه الرواية معنى الآخرية هنا، وهي أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، وقد يقال: إنه وإن لم ترد هذه الرواية فإن المراد الطواف؛ لأن الذي يختص بالبيت من الأعمال هو الطواف، لو قال قائل: آخر عهدهم بالبيت الصلاة مثلًا، قلنا: الصلاة لا تختص بالبيت، وإلا لقال: بالمسجد مثلًا لما قال: بالبيت وقد علم أنه لا يختص به إلا الطواف؛ فهذه قرينة على أن المراد به هنا الطواف، ولهذا قيل: إن بعض الملوك نذر أن يتعبد لله عبادة لا يشركه فيها أحد من الناس أبدًا قال له: عليّ نذر أن أفعل عبادة لا يشاركني فيها أحد من الناس حين أفعلها، فلا نقول: هي الصلاة، ولا الصيام، ولا الصدقة، فسأل العلماء فقال بعض أهل العلم: أفرغوا له المطاف واجعلوه يطوف وحده حينئذ لا يشاركه أحد ويكون قد وفّى بنذره.
أقول: إن قوله: "آخر عهدهم بالبيت" يمكن أن نقول: حتى وإن لم ترد رواية أبي داود المصرحة فإنه يتعين بالقرينة أن يكون المراد الطواف هنا.
يقول: "إلا أنه خفف عن الحائض" يعني: خفف الأمر عن الحائض، والحائض معروفة، وهل مثلها النفساء؟ فيها خلاف بين العلماء؛ فابن حزم يرى أن النفساء لا يمتنع عليها الطواف وقد مرّ علينا في أول كتاب الحج وجه استدلاله ولكن الجمهور يرون أن النفساء كالحائض لا تطوف بالبيت، ويجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التغليب، والقيد إذا كان أغلبيًا لا يكون له مفهوم.
فيستفاد من الحديث عدة فوائد: أولًا: وجوب طواف الوداع على الحاج لقوله: "أمر الناس ... الخ"، وهذا قاله النبي ﷺ في حجة الوداع.
لو قال قائل: قد يكون الأمر هنا للاستحباب؟
قلنا: لا يصح لوجهين: الأول: أن الأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل، الوجه الثاني: أنه قال: "خفف عن الحائض"، والتخفيف لا يقال إلا في مقابل الإلزام، إذ لو كان الأمر هنا استحبابًا لم يكن هناك فرق بين الحائض وغير الحائض؛ لأنه خفف عن الجميع؛ إذ إن المستحب لا يلزم به الإنسان.
فإن قلت: وهل يجب ذلك في العمرة؟
فالجواب: أن هذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجب الطواف للعمرة كما يجب للحج، واستدل لذلك بأن العمرة حج أصغر كما قال النبي ﷺ ، وبأن النبي ﷺ قال
стр. 1637
ليعلى بن أمية: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك"، وهذا عام يخرج منه ما لا يفعل في العمرة بالإجماع مثل الطواف، والمبيت، والرمي، والوقوف، وطواف الإفاضة، بل نقول: الطواف لا يخرج؛ لأن العمرة فيها طواف، ونقول: إن المعتمر دخل إلى البيت بتحية - وهذه من باب القياس - فلا يخرج منه إلا بتحية، رابعًا: إن هذا أحوط - أي: الطواف - لأنك إذا طفت لم يقل أحد: لم طفت؟ وإن لم تطف قال الموجبون: لماذا لا تطوف، وما كان أحوط فهو أولى، لقول النبي ﷺ : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، لكن مع هذا ليس وجوبه في العمرة كوجوبه في الحج، من أجل الخلاف فقط، وإلا فالأدلة تدل على الوجوب.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب أن يكون الوداع آخر عهد الإنسان؛ لقوله: "آخر عهدهم"، ولكن إذا بقي الإنسان بعد الطواف للصلاة أو اشترى حاجة في طريقه أو تغدى أو تعشى أو ما أشبه ذلك من الأشياء الخفيفة، فإن هذا لا يضر؛ لأنه سبق لنا أن الرسول ﷺ صلى الفجر بعد طواف الوداع، فهذه المسائل اليسيرة لا تضر إلا إذا كان المقصود به الاتجار، يعني: أنه اشترى شيئًا للتجارة، فإن العلماء يقولون: إذا اشترى شيئًا للتجارة فعليه إعادة الطواف.
ومن فوائد الحديث: سقوط طواف الوداع عن الحائض لقوله: "خفف عن الحائض"، الحائض لا يجب عليها الطواف لعذر شرعي أو حسي، فقد تكون قادرة، فهل يلحق بالعذر الشرعي العذر الحسي كما لو كان الإنسان مريضًا؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قال لأم سلمة لما قالت: إنها مريضة: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة"، فلم يسقطه عنها للمرض، فما دام هذا الإنسان عاجزًا نقول: يحمل، لكن لو فرض أنه لا يمكن حمله؛ يعني: مرض مرضًا مدنفًا لا يقدر فهنا قد نقول بالسقوط؛ لأن هذا عذر لا يمكن معه الفعل كالحيض بخلاف العذر الذي يمكن معه الفعل كالمرض الخفيف الذي يمكن أن يحمل الإنسان فيه فهذا لا يسقط.
ومن فوائد الحديث: تحريم جلوس الحائض في المسجد؛ لأن العلة من منع الحائض من الطواف المكث في المسجد، والطواف مكث، فلا يحل لها أن تمكث في المسجد حتى لو كان للدرس أو للموعظة أو ما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه ولسم النساء أن يخرجن لصلاة العيد وأمر الحيض أن يعتزلن المصلَّى.
ومن فوائد الحديث: رحمة الله بعباده؛ حيث خفف عن الحائض فلم يلزمها أن تبقى كما تبقى المرأة التي لم تطف طواف الإفاضة، بل تستمر في سفرها وليس عليها شيء.
стр. 1638
فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي:
٧٤٤ - وعن ابن الزُّبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجد هذا بمائة صلاة". رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبَّان.
قول الرسول ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل" هذا قد يشكل من الناحية العربية؛ حيث ابتدأ بالنكرة، فما الجواب؟ الجواب: أنها أفادت بالوصف "في مسجدي هذا" وقد قال ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنَّكرة ... ما لم تفد - ثم جعل مثلا لهذا فقال: -كعند زيد نمره
وهل فتًى فيكم فما خلٌّ لنا ... ورجل من الكرام عندنا
الحديث يطابق المثل الذي ذكره ابن مالك في قوله: "ورجل من الكرام عندنا".
وقوله: "أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، المسجد الحرام أفضل بمائة صلاة في المسجد النبوي، فيكون أفضل من مائة ألف صلاة فيما عداه إلى المسجد النبوي فهو أفضل منه بمائة يقول الرسول ﷺ حاثًّا مرغبًا على الصلاة في هذين المسجدين؛ لأن ذكر الفضل في العمل يتضمن الحث عليه والترغيب فيه، ولولا أنه يتضمن ذلك لكان من باب اللغو والعبث؛ يعني: فإذا أثنى الشارع على فاعل أو فعل، فهذا يدل على الحث عليه؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان عبثًا لا فائدة منه.
وقوله: "صلاة في مسجدي هذا" أشار إليه؛ لأنه مشاهد محسوس، قال: "مسجدي هذا"، والإشارة -كما عرف -تعيين الشيء بواسطة الإشارة بالإصبع فهي إشارة حسية في الأصل لكن قد تكون إشارة معنوية كقول المؤلف: "هذا كتاب فيه كذا وكذا".
وقوله: "في مسجدي هذا" يعني" مسجد المدينة، وأضافه النبي ﷺ إلى نفسه؛ لأنه هو الذي بناه وابتدأه، فإنه ﷺ أول ما قدم المدينة فأول شيء بدأ به اختيار مكان المسجد وبنائه.
وقوله: "أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" أي: من المساجد، بدليل قوله: "إلا المسجد
стр. 1639
الحرام"، والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه، فهو أفضل من ألف صلاة فيما عداه من المساجد إلا المسجد الحرام.
وقوله: "إلا المسجد الحرام"، "المسجد الحرام" يعني: الذي له الحرمة والتعظيم وهو مسجد مكة خاصة لقوله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للنَّاس﴾ [المائدة: ٩٧]. ولقوله: ﴿وصدُّوكم عن المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٥]. والنصوص في هذا كثيرة.
وقوله: "صلاة في المسجد الحرام أفض من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" يدل على أن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي بمائة صلاة فيكون أفضل من غيره بمائة ألف يعني: لو صليت جمعة واحدة في المسجد الحرام صارت أفضل من مائة ألف جمعة فيما عداه، كما مائة ألف جمعة من السَّنة؟ السنة فيها حوالي خمس وخمسين جمعة فيكون حوالي ألفين سنة، على كل حال: فضل عظيم في الصلاة في هذا المسجد.
نعود إلى الحديث: "صلاة في مسجدي هذا" الإشارة تدل على تعيُّن المشار إليه، فهل المراد المسجد الذي في عهد الرسول ﷺ وما زيد فيه فلا يدخل فيه، أم نقول: إن المراد المسجد وما زيد فيه؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: المراد به مسجد النبي ﷺ الذي هو مسجده، وأما ما زيد فيه فلا يدخل في هذا التفضيل، وحجتهم في ذلك الإشارة؛ لأن الإشارة تعين المشار إليه: "مسجدي هذا ... "، وإلا لأطلق، وقال: "في مسجدي" وسكت، فلما قال: "هذا" علم أنه لا يتناول ما زيد فيه، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا: إن الزيادة لا شك أن لها فضل لكنها لا يحصل فيها هذا الفضل، وقال بعض أهل العلم: بل إن ما زيد فيه فله حكمه، واستدلوا بحديثين ضعيفين جاء فيهما أن مسجد الرسول ﷺ لو بلغ صنعاء فهو مسجده، وهذا الحديث ضعيف، لكن يعضد فعل الصحابة وإجماعهم ﵃، فإن الصحابة أجمعوا على الزيادة التي زادها عمر، وأجمعوا أيضًا على الصلاة في الزيادة التي زادها عثمان ﵁، ومعلوم أن الزيادة العثمانية قبلي المسجد، وأن الصحابة كانوا يصلون في قبلي المسجد في الصف الأول ولم يذكر أنهم كانوا يتأخرون حتى يكونوا في مسجد الرسول ﷺ ، وهذا شبه إجماع من الصحابة على أن ما زيد فيه فله حكمه، وهذا هو الصواب بلا شك، وقد صرّح به شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن ما زيد في المسجد فهو منه.
стр. 1640
مسألة مهمة:
هل المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، أو المراد به مسجد الكعبة خاصة؟ في هذا أيضًا نزاع بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: المراد به كل الحرم، فإذا صليت في أي مكان من الحرم ولو كان في خارج حدود مكة فصلاتك أفضل من مائة ألف صلاة إلا المسجد النبوي، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. وقرروا هذه الحجة بأن الرسول ﷺ أسرى به من بيت أم هانئ ﵂، ومعلوم أن بيت أم هانئ خارج مسجد الكعبة، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرّام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ [البقرة: ٢١٧]. فقالوا: ﴿وإخراج أهله منه﴾، ومعلوم أن هؤلاء إنما أخرجوا من بيوتهم وديارهم وليسوا من المسجد نفسه؛ لأنهم ليسوا ساكنو المسجد بل هم في بيوتهم، وهنا قال: ﴿وإخراج أهله منه أكبر عن الله﴾، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محلَّه﴾ ﴿الفتح: ٢٥]. وهم إنما صدوهم عن مكة وعن المسجد الحرام ولا شك، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. قال: لا يقربوا المسجد الحرام، وهم ممنوعون من دخول مكة، فدل هذا على أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿إن الذَّين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله والمسجد الحرام الَّذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج: ٢٥]. هو: المديم المكث؛ لأن الاعتكاف طول المكث، والناس إنما يمكثون في بيوتهم، فقالوا: إن هذه الآيات تدل على أن المراد بالمسجد الحرام: جميع مكة، أما من السنة فقد قالوا: إنه قد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن الرسول ﷺ في الحديبية كان مقيمًا في الحلّ، وكان إذا حانت الصلاة دخل فصلى في الحرم، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم كله يشملها التضعيف في الأجر، وربما يستدلون بالمعنى والنظر فيقولون: لو خصصناه بالمسجد الحرام الذي هو مسجد الكعبة لضيقنا على الناس؛ لأن كل واحد في مكة لا يرغب أبدًا في أن يدع مائة ألف صلاة وبينه وبينها هذه المسافة القريبة، بل لابد أن يذهب ويصلي، وحينئذ يحصل الضيق والمشقة على الناس، قالوا: ويدل لهذا أن الرسول ﷺ أقام في الأبطح أربعة أيام قبل الخروج إلى منى ولم يكن ينزل إلى المسجد الحرام ليصلي فيه مع قرب المسافة وسهولتها، كل هذه الأدلة استدلوا بها على أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم.
стр. 1641
وقال آخرون -وهو ظاهر كلام الحنابلة ﵏: إن المراد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة فقط، وقالوا: عندنا دليل لا يمكنكم معه الكلام إطلاقًا وهو أن الرسول ﷺ قال - فيما رواه مسلم - من حديث ميمونة ﵂: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة"، هذا لفظ الحديث في مسلم، فقال: "إلا مسجد الكعبة"، وهذا صريح في أن المراد بالمسجد الحرام في مثل هذا الحديث مسجد الكعبة الذي فيه الكعبة، وبأن حديث أبي هريرة: "لا تشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ... "، وهناك رواية في مسلم أيضًا: "لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، فصرّح بأن المراد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة، وهذا لو قال قائل: الحديث واحد، نقول: إن كان هذا اللفظ -"المسجد الحرام هو مسجد الكعبة" - من النبي ﷺ فقد فسّر بقوله: وإن كان النبي ﷺ لم يقل اللفظين فقد فسّره الصحابي وهو أعلم بمدلول كلام الرسول ﷺ وإن لم يكن من تفسير الصحابي فإن النبي ﷺ قال أحد اللفظين، وما دام لا مرجح بينهما فيكون كل واحد منهما مقابلًا للآخر، ويكونان سواء.
على كل حال: هذا الحديث - ولاسيما حديث ميمونة؛ لأن نص في الموضوع - يعتبر فيصلًا في النزاع وهو: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة"، وعندي أن هذا يكفي عن كل شيء، لكن مع ذلك لابد من الإجابة من أدلة القائلين بأن يعم جميع الحرم، يقولون أيضًا: عندنا دليل آخر: "لا تشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ... "، فهل تقولون: إنه يجوز للإنسان أن يشد الرحل إلى مسجد الشَّعب والجدرية وأدنى مسجد في مكة؟ الجواب: ما أظنهم يقولون بذلك، اللهم إلا إن كان التزامنا عند المضايقة؛ لأنه عند المناظرة قد يلتزم الإنسان بما لا يعتقده، لكن كما يقال: فك المشكلة.
فنحن نقول: إذا كنتم لا تجيزون أن تشدّ الرِّحال إلى مسجد من مساجد مكة سوى مسجد الكعبة فما الفرق بين قوله: "لا تشدّ الرِّحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام"، وبين قوله: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"؟ لا فرق، ثم إن المعنى يقتضيه وهو أنه إنما جاز شدّ الرِّحال إلى هذه المساجد، لماذا؟ لتميزها في الفضل، فإذا قلتم: إن الذي تشدّ إليه الرَّحل هو مسجد الكعبة؛ فقولوا: إن الذي فيه الفضل هو مسجد الكعبة وإلا لصار ذلك تناقضًا.
стр. 1642
أما الجواب عن الأدلة التي استدل بها هؤلاء: فأما قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .... ﴾ [الإسراء: ١]. فالثابت في الصحيحين أن الرسول ﷺ أسري به من حطيم الكعبة: "بينما أنا نائم في الحطيم"، أو قال "مضطجع أتاني آت"، وحينئذ يكون الإسراء به من المسجد الحرام الذي هو مسجد الكعبة لا غير، ورواية بيت أم هانئ إن صحت فقد جمع بينها وبين هذا الحديث واضطجع فيه أو نام ثم أسري به من هناك.
وأما قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنَّما المشركون نجس .... ﴾ فهذا أحرى أن يكون دليلًا عليهم لا دليلًا لهم؛ لأن الله لم يقل: فلا يدخلوا المسجد الحرام، بل قال: ﴿فلا يقربوا﴾، ولا يمكن أن يقرب الناس حول حدود الحرام أو أن يقرب المشركون حول حدود الحرم، ومن المعلوم أنكم لا تقولون بذلك، تقولون: إن المشرك ممكن أن يدنو من حدود الحرم إلى مسافة شبر أو أصبع، بينما لو أخذنا بالآية وقلنا: إن المسجد الحرام هو كل الحرم لكان يجب أن يبتعدوا عن حدود الحرم بعدًا ينتفي فيه القرب، وأنتم لا تقولون به؛ إذن ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾: لا يدخلوا حدود الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا حدود الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام فامنعوهم.
وأما قوله تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدُّكم ... ﴾ النبي ﷺ إنما جاء في الحديبية هل جاء يزور مكة وأقاربه فيها وبيوته ثم يرجع، أو جاء ليصل إلى البيت الحرام؟ هذا هو المقصود، ولو قدر أن الإنسان صدّ عن كل مكة ولكن نزل في المسجد الحرام ما همُّه المقصود الذي عنه الصّد هو المسجد الحرام مسجد الكعبة، وحينئذ لا دليل في الآية.
وأما قوله تعالى: ﴿وكفر به والمسجد الحرام ... ﴾ فهذه هي أقوى دليل، لو كانت دليلًا لكانت هي أقوى دليلًا لمن قال: إن المسجد الحرام كل الحرم؛ لأن أهل الحرم أهل لكل حرم، ولكن نقول: أهل الحرم إنما يفتخرون بانتسابهم إلى المسجد الحرام هم أهل المسجد كما قال الله تعالى ﵎ في سورة الأنفال: ﴿وما لهم ألَّا يعذّبهم الله وهم يصدُّون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه﴾ [الأنفال: ٣٤]. فهنا نقول: هم أهم المسجد الحرام؛ لأنهم إنما يشرفون به، وكل ما قرب من المسجد إنما هو شرف بالمسجد؛ فهذا هو المقصود، فلهذا سمي هؤلاء أهل له، ثم نقول: أهل المسجد الحرام الذي يعمرونه بطاعة الله وهم إنما يعمرونه بطاعة الله، مسجد الكعبة هو محل الصلاة والطواف وغير ذلك.
كذلك قوله: ﴿إن الذَّين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله ... ﴾ [الحج: ٢٥]. نقول: إنهم يصدون الناس عن العمرة والحج وهذا لا يصح إلا بالوصول إلى المسجد الحرام، فتبين بهذا أن المراد
стр. 1643
بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة؛ لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، وهذا يقطع كل نزاع، لكن الإجابة عما احتجوا به لإزالة الشبهة.
بقى أن يقال: لو فرض أن المسجد الحرام زاد هل يدخل في الفضيلة أو لا؟ نقول: نعم يدخل أولًا؛ لأنه ليس كالمسجد النبوي فيه التعيين بالإشارة، بل قال: "المسجد الحرام"، فكل ما كان مسجدًا حول الكعبة فهو داخل في الحديث.
لو قال قائل: لو صلى حول المسجد في السوق هل ينال هذا الأجر؟
نقول: فيه تفصيل إن كان المسجد ممتلئًا والصفوف متصلة فهو القوم لا يشقى بهم جليس فينال أجر هؤلاء، أما إذا كان المكان واسعًا في المسجد وصلى هذا في سوقه فلا ينال هذا الأجر.
ثم نرجع الآن إلى هذا التفضيل: هل يشمل الفرائض والنوافل، أو هو خاص بالفرائض؟ قال بعض أهل العلم: إنه خاص بالفرائض، وأن صلاة الفريضة في المساجد الثلاثة مفضلة على غيرها بل في المسجدين؛ لأن الثالث ما ذكر في الحديث، وأما النافلة فلا، والصحيح: أنه شامل الفريضة والنافلة، وأن صلاة الفريضة في المساجد المفضلة وصلاة النافلة سواء المفاضلة، ولو صلى الإنسان تراويح في المسجد الحرام لكان خيرًا من مائة ألف صلاة تراويح فيما عداه من المساجد، وتحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية في غيره وعلى هذا فقس.
مسألة مهمة:
هل نقول: إن هذا يقتضي أن فعل النافلة في مكة في المسجد أفضل من فعلها في بيتك، أو فعل النافلة وأنت في المدينة في المسجد خير من فعلها في بيتك؟
الجواب: لا النافلة في البيت في مكة أو في المدينة أفضل منها في المسجد؛ لأن الذي فضل مسجده على غيره من المساجد هو الذي قال: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وعلى هذا فإذا أردت أن تصلي الوتر وأنت في مكة فهل الأفضل أن تذهب إلى المسجد الحرام وتصلي فيه، أو الأفضل أن تصلي الوتر في بيتك؟ الثاني هو الأفضل، وكذلك لو كنت في المدينة هل تصلي الوتر في بيتك أو في المسجد النبوي؟ الجواب: في بيتك للحديث المذكور ولفعل الرسول ﷺ ، فإن النبي ﷺ كان يتنفل في بيته مع أنه قال للناس: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام"؛ إذن ما هو الجواب الذي يكون منضبطًا؟
стр. 1644
نقول: ما فعل في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام فهو أفضل من غيره من المساجد بالتفصيل الذي ورد.
ولكن إذا سئلنا: هل الأفضل أن نفعل النوافل في المسجد أو في البيت؟
نقول: ما شرع في المسجد فالأفضل في المسجد كصلاة الكسوف على قول من يرى أنها سُّنة وكصلاة تحية المسجد والصلاة في قيام رمضان والاستسقاء إن فعل في المسجد، أما إذا كان تطوعًا مطلقًا لا يسن فعله في المسجد ففي البيت أفضل ولو كان في المساجد الثلاثة.
من فوائد الحديث، وهي عديدة منها: الترغيب في الصلاة في هذا المسجد بل المسجدين؛ لأنه لم يذكر المسجد الثالث وهو الأقصى، مسجد مكة ومسجد المدينة، ولكن هل يقال: إن هذا أفضل من الصلاة في البيت، أو يقال: ما يشرع أن يكون في البيت فكونه في البيت أفضل؟ الجواب: الثاني، وأظننا ذكرناه، وقلنا: إن الذي قال: "إن الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه"، هو الذي قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وكان هو يصلي النوافل في بيته، ومن ثم حمل بعض العلماء هذا الحديث على أن المراد بالصلاة هنا صلاة الفريضة؛ أي: الصلوات الخمس، ولكن ينبغي أن يقال: لا، كل ما فعل في هذه المساجد من صلاة فهو أفضل مما سواه في المساجد الأخرى، ويبقى النظر هل أفضل في البيت أو في المسجد؟ هذا له أدلة أخرى مثل تحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية فيما سواه، كذلك أيضًا لو أن أحدًا تقدم إلى المسجد وصلى وصار يتنفل حتى أقيمت الصلاة فهذا النفل الذي كان يفعله بانتظار الصلاة خير من مائة ألف صلاة فيما عداه وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال تتفاضل باعتبار المكان، والدلالة فيه واضحة: "خير من ألف صلاة"، وهل يتناول هذا جميع الأعمال، أو هو خاص بالصلاة فقط؟ يرى بعض العلماء أنه خاص في الصلاة فقط وأن ما عاداها من الأعمال كالصدقة والصيام وطلب العلم وما أشبه ذلك فلا يفضل هذا الفضل وإن كان في الحرم، لكن لا يصل إلى هذا الفضل وهذا هو الصحيح إن لم يوجد أدلة صحيحة عن الرسول ﷺ في المفاضلة في بقية الأعمال، ووجه ذلك: أن التفاضل أو إثبات الفضل في العمل أمر توقيفي لا يتعدى فيه الشرع فنقول: الثواب ورد في هذا الفضل وما عداه يتوقف على ثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وقد أخرج ابن ماجه بسند فيه نظر أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان في مكة كان بمائة ألف شهر"، فإن صحّ هذا الحديث ألحقنا به الصيام، وإلا فلا نلحق به شيئًا، والدليل على عدم الإلحاق أولًا: إن إثبات الفضائل للأعمال
стр. 1645
توقيفي، ثانيًا: أن الصلاة شأنًا ليس لغيرها من بقية الأعمال فهو آكد وأفرض أعمال البدن، حتى إن القول الراجح أن تاركها يكون كافرًا، وإذا كانت بهذه الميزة فلا يمكن أن يلحق بها ما دونها إلا بنص.
ومن فوائد الحديث: إثبات التفاضل في الأعمال، وقد سبق لنا أن الأعمال تتفاضل بحسب المكان والزمان والعامل وجنس العمل ونوع العمل وكيفيته، كل هذه وجوه للفضائل، في الأعمال، المكان هو كما رأيتم، الزمان، ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾، "ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله فيهن من هذه الأيام العشر"؛ يعني: عشر ذي الحجة، في العامل: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه"، في العمل في كيفيته: ﴿ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا﴾ [لملك: ٢]. في جنسه: "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه"، في نوعه: الصلاة أفضل من الزكاة، والزكاة أفضل من الصيام، والصيام أفضل من الحج.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا ثبت وقد ثبت تفاضل الأعمال لزم من ذلك تفاضل العامل، ثم يلزم منه أيضًا شيء آخر، تفاضل الناس في الإيمان، فيكون في الحديث دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة، لكن بماذا تكون الزيادة؟ نقول: بكل ما ذكرنا من أنواع المفاضلة يزيد، فيزيد بالفرائض أكثر مما يزيد في النوافل، ومن العجب أن الشيطان يضحك علينا يجعلنا نعتقد أن النافلة أفضل من الفريضة؛ ولهذا تجد كثيرًا من الناس يحسنون النوافل تمامًا والفرائض يتساهلون فيها، وهذا من الغرائب، وهذا من البلاء الذي يصاب به الإنسان، فالواجب أن يعلم الإنسان ويعتقد أن صلاته الفريضة أفضل من النافلة، وأنه يجب أن يعتني بالفريضة أكثر مما يعتني بالنافلة، ولولا محبة الله لها ولولا أهميتها عنده ما أوجبها على عباده، فإيجابها على العباد يدل على أنها أحب إلى الله، وأنها أولى بالعناية من النافلة.
إذ قال قائل: أيهما أفضل: المجاورة في مكة، أو المجاورة في المدينة؟
اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المجاورة في مكة أفضل؛ لأن مكة أفضل من المدينة بلا شك، والنبي ﷺ قال -وهو بالحذورة في مكة -: "إنك أحبُّ البقاع إلى الله،
стр. 1646
ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا صريح، وأما ما يرويه بعض الناس من أن الرسول ﷺ قال في مكة: "إنها أحبُّ البقاع إلى الله"، وفي المدينة: "إنها أحبَّا البقاع إليَّ"، فهذا ليس بصحيح، وقال بعض أهل العلم: إن المجاورة في المدينة أفضل؛ لأن الرسول ﷺ حثّ على السُّكنى فيها، وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون".
وقال بعض أهل العلم: المجاورة في مكان يقوى فيه إيمانه وتكثر فيه تقواه أفضل من أي مكان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إذا فرضنا أن الإنسان في مكة يضعف إيمانه وتقواه ويقل نفعه فليخرج كما فعل الصحابة، ذهبوا إلى الشام والكوفة والبصرة وإلى مصر يلتمسون ما هو أنفع وأفضل، وسكنوا وصاروا يعلَّمون الناس ويدرسونهم العلم، وتركوا المدينة ومكة، وهذا القول أصحّ، لكن لو فرضنا أن الإنسان يتساوى عنده البقاء في مكان ما، وفي مكة والمدينة، قلنا: في مكة والمدينة أفضل من غيرهما بلا شك، أما المفاضلة بين مكة والمدينة فهي عندي محل توقف بالنسبة للمجاورة، أما بالنسبة لفضل مكة فلا شك أن مكة أفضل.
يتفرع على تفاضل العمل في مكة والمدينة: هل تتضاعف السيئات في مكة والمدينة؟ الجواب: أما بالكمية فلا، وأما بالكيفية فنعم، العقوبات على السيئات في مكة أعظم من العقوبات على السيئات في غيرها، وفي المدينة أعظم أيضًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وهذه الآية في الأنعام مكية، وبهذا نعرف بطلان ما يذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا أسكن في بلد حسناته وسيئاته سواء"، لما قيل له: ألا تسكن في مكة؟ فقال هذا القول، فإن هذا لا يصح عن ابن عباس ﵄، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يقول مثل هذا الكلام.
* * * *
٦ - باب الفوات والإحصار
"الفوات: مصدر أو اسم مصدر لفات يفوت، والمصدر: فوزتًا، واسم المصدر فوات، والفوت: هو السَّبق الذي لا يدرك، فإذا سبقك إنسان ولم تدركه تقول: فاتني، هذا هو الفوات أما في الاصطلاح فالوات: طلوع فجر يوم النحّر قبل أن يقف الحاج بعرفة، هذا الفوات في الاصطلاح، ومعناه: لو أن أحدًا أحرم بالحج واتجه إلى المشاعر وطلع الفجر عليه قبل أن يصل
стр. 1647
إلى عرفة فهذا هو "الفوات"، نقول: هذا الرجل فاته الحج، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "الحج عرفة"، فإنه يدل على أن من فاته الوقوف فاته الحج هذا الفوات.
"الإحصار" في اللغة: المنع، يقال: حصر، ويقال: أحصره، وفي القرآن" ﴿فإن أحصرتم ... ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفيه أيضًا: ﴿الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣]. أي: منعوا فالإحصار في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: منع الناسك من إتمام نسكه، وهل يشترط أن يكون بعدو أو بأي مانع يكون؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال: إنه يشترط أن يكون الإحصار بعدو وأنه لا إحصار بغير عدو، ومنهم من قال: إنه عام في العدو؛ لأن الإنسان قد يحصر بعدو وقد يحصر بمرض أو كسر أو ضياع أو ما أشبه ذلك، فصار عندنا الآن تعريف الفوات وتعريف الإحصار.
٧٤٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق وجامع نساءه، ونحر هديه، حتَّى اعتمر عامًا قابلًا". رواه البخاريُّ.
"قد أحصر" أي: منع من الوصول إلى البيت، وذلك في عام الحديبية حين منعه المشركون من أن يتمم عمرته ﷺ ؛ لماذا منعوه؟ قالوا: لا يتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة، يعني: أنك دخلت قهرًا علينا، فصار هذا المنع حمية الجاهلية كما قال تعالى: ﴿إذ جعلنا الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التَّقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. منعوا الرسول ﷺ أن يؤدي العمرة وهم -والله -أحق أن يمنعوا من البيت من رسول الله؛ لأن الله يقول: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتَّقون﴾ [الأنفال: ٣٤]. لكن الله تعالى في قضائه وقدره حكم عظيمة، فهم منعوا الرسول ﷺ ؛ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا"، ابن عباس ﵄ أتى بهذه الأفعال مرتبة بالواو، والمراد بها مطلق الجمع، فمثلًا حلق رأسه وجامع نساءه ونحر هناك، اختلاف في الترتيب بحسب الواقع؛ لأن الواقع أن الرسول ﷺ نحر أولًا، ثم حلق ثانيًا، ثم تحلل تحللًا كاملًا، وجامع أهله، ولو نظرنا إلى الحديث لكان مقلوبًا تمامًا أوفيه اختلاف: "حلق رأسه"، ثم بعد ذلك "جامع نساءه ونحر"، والواقع أنه نحر، ثم حلق، ثم جامع، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، ومراد ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تحلل بعد هذا الإحصار تحللًا كاملًا، والدليل على أنه تحلُّل كامل قال: "وجامع أهله".
قال: وحتى اعتمر عامًا قابلًا" من العام الثاني اعتمر عمرة تسمى عمرة القضاء؛ بمعنى: القضية،
стр. 1648
يعني: عمرة المقاضاة، وليس قضاء للعمرة التي أحصر منها؛ لأن العمرة التي أحصر منها كتبت تامة؛ ولهذا يقال: إن الرسول ﷺ اعتمر أربع عمر؛ منها العمرة التي صدَّ عنها فهو اعتمر كاملًا، لكن الثانية عمرة جاءت بحسب المقاضاة التي صارت بينه وبين قريش.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الحصر يكون في العمرة وهو كذلك، ويدل عليه أيضًا القرآن: ﴿وأتموا الحجَّ والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفيه أيضًا: أنه يشرع الحلق لقوله: "وحلق رأسه"، ولكنه هل يجب؟ الصحيح: أنه يجب فقد مرَّ علينا في حديث المسور بن مخرمة أن الرسول ﷺ حلق رأسه وأمر أصحابه، ولما تأخروا قليلًا غضب ﷺ ، فيجب الحلق عند الإحصار، و"نحر" هل يجب النحر؟ نعم يجب النحر، لكن إن كان قد ساق الهدي نحر هديه كله الذي ساقه، وإن لم يسقه فالواجب عليه أدنى ما يسمى هديًا لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾.
ومن فوائده: أن المحصر يعتمر من السنة القابلة أو من الشهر القادم، المهم: إذا زال الإحصار اعتمر، وهل هذه العمرة قضاء للعمرة السابقة أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء من قال: إن المحصر يجب عليه القضاء إذا زال إحصاره، وهل يقضي من مكان الإحصار أو يستأنف نسكًا جديدًا؟ نقول: يستأنف نسكًا جديدًا؛ لأن النُّسك لا يتجدد، فإن هذا الرجل حل وجامع وفعل جميع المحظورات، فكيف يبني على ما سبق، فهو يجب عليه أن يقضي سواء كان الذي أحصر عنه هو الفريضة أو كان تطوعًا، حجتهم في ذلك: أن النبي ﷺ قضى العمرة التي أحصر عنها، وهذا استدلال بالأثر، قالوا: والأصل أنه ﷺ أسوة أمته: ﴿لَّقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد قضى ما أحصر عنه فلنقض، وقالوا أيضًا: لنا دليل نظري، وهو أن النُّسك من حج أو عمرة إذا شرع الإنسان فيه وجب عليه إتمامه ولو كان نفلًا، فإذا كان يجب عليه إتمامه وجب عليه قضاؤه إذا أحصر عنه وصار فائت الحصر أنه يتحلل ويترخَّص ويذهب، هذا فائدة الحصر، أما براءة ذمته به فلا لابد أن يقضي، واستدلوا أيضًا بأن العمرة التي أتى بها الرسول ﷺ تسمى عمرة القضاء، والأصل أن القضاء لما فات كما نقول: إذا خرجت الصلاة وصليت بعد الوقت قضاء، وكما نقول: إذا أفطر الإنسان في رمضان فإنه يقضي كما قالت عائشة: "فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان"، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا أحصر عن النسك لا يلزمه القضاء إلا إذا كان هذا النُّسك واجبًا مثل أن يكون في فريضة الإسلام أو يكون واجبًا بنذر فإنه يلزمه قضاؤه إذا أحصر عنه؛ لأن ذمته لم تزل مشغولة بهذا الواجب حتى يتمه، أما إذا كان تطوعًا فإنه لا يلزمه القضاء، واستدلوا بأثر ونظر، أما الأثر
стр. 1649
فقالوا: إن الرسول ﷺ لما أمر أصحابه أن يحلُّوا لم يأت عنه حرف واحد يقول: واقضوا من العام القادم، ولو كان واجبًا لبيّنه لهم؛ لأنه يجوز أن يذهب بعضهم إلى أهله ولا يلتقي بالنبي ﷺ ، وأما أهل المدينة، فقد يقال: إنه سيعلمهم بعد ذلك، لكن ليس كلهم من أهل المدينة، فلما لم يرشدهم الرسول ﷺ أنه واجب علم أنه ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبلِّغهم.
ثانيًا: أن الذين قضوا العمرة من العام القابل كما قال الشافعي وغيره لم يكونوا جميع الذين حضروا صلح الحديبية بل كانوا أقل؛ لأن الذين حضروا صلح الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين قضوا العمرة دون ذلك، وهذا يدل على أن القضاء ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لحضر كل من كان معه في الحديبية، واستدلوا بالنظر قالوا لأن هذا واجب تعذر عليه إتمامه؛ يعني: أن الحج والعمرة يجب إتمامه، لكن هذا واجب عجز عنه، والقاعدة الشرعية: أن الواجبات تسقط بالعجز، فيكون هذا الذي أحصر سقط عنه وجوب الإتمام بالعجز عنه، فنرجع الآن لما سقط وجوب الإتمام بالعجز نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ أنه تطوع الذي شرع فيه أم واجب؟ تطوع، فنقول: لا شك أن الأفضل أن تأتي به، ولكنه ليس بواجب، ولهذا أتى به الرسول ﷺ ، أما أن نوجبه وهذا الرجل إنما ترك الإتمام لعجزه عنه، فإننا لا نوجبه عليه وهذا هو الحق وهو الصحيح أنه لا قضاء عليه، ولكن إذا كان هذا الشيء واجبًا كما قلنا فإنه يجب عليه القضاء؛ لأنه مطالب به بالدليل الأول بماذا نجيب عن الذين أوجبوا القضاء؟ نقول: قولكم إن الرسول ﷺ فعله والأصل أنه أسوة لنا نقول: إن القاعدة المعروفة عند العلماء: أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ونحن نوافقكم على أن الأفضل أن نأتي به، لكن الوجوب شيء والأفضل شيء آخر. هذا واحد، ثانيًا: نقول: إن قولهم: قضاء هذا من المقاضاة أو القضية، وليس من باب القضاء المعروف عند الفقهاء.
الاشتراط عن الإحرام وأحكامه:
٧٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النَّبي ﷺ على ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب ك، فقالت: يا رسول الله، إنِّي أريد الحجَّ، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : حجِّي واشترطي: أنَّ محلِّي حيث حبستني". متَّفق عليه.
стр. 1650
"ضباعة" بنت عم النبي ﷺ ، وقولها: "شاكية" أي: مريضة، والمؤلف ﵀ أتى بهذا الحديث في هذا الباب وإن كان له مناسبة أن يذكر في أول باب الإحرام عند الإحرام، لكن هذا الباب له فيه مناسبة وهي أن الإنسان إذا اشترط عند عقد الإحرام أن محلَّه حيث حبس ثم حبسه حابس فإنه يتحلل بدون شيء: بدون دم، بدون حلق، بدون قضاء إن لم يكن فرضًا، حتى على قول من يقول: إن المحصر يجب أن يقضي وإن كان نفلا، في هذه الحال إذا اشترط؛ يعني: يحل هذا وجه المناسبة لسياق هذا الحديث في باب الفوات والإحصار.
وهذا الحديث -كما ترون -في حجة الوداع، ففيه عدة فوائد كثيرة منها: أن صوت المرأة ليس بعورة، المرأة الأجنبية التي ليست من المحارم صوتها ليس بعورة، والدليل أن النبي ﷺ كلم ابنة عمه.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن تكون من محارمه بالرضاع؟
قلنا: بلى، ولكن الأصل عدم ذلك.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن هذا من خصائص الرسول ﷺ كما كان من خصائصه جواز كشف الوجه له؟
قلنا: بلى، يمكن أن يكون من خصائصه، لكن نقول من خصائصه لو كان هناك نص يدل على أن صوت المرأة عورة، وأنه يحرم مخاطبة المرأة لكن لا يوجد نص، بل المعروف أن النساء يتكلمن مع النبي ﷺ بحضرة الصحابة ولا يمنعهن النبي ﷺ ، إذن فصوت المرأة ليس بعورة، ولكن لا يجوز للإنسان أن يتلذذ بصوت المرأة لا تلذذ شهوة ولا تلذذ تمتع، فتلذذ الشهوة أن يحس بثوران الشهوة عند مخاطبتها والتمتع أن يعجبه صوتها وكلامها ويستمر كما يتمتع بمنظر الأشجار والبناء الجميل والسيارة الفخمة وما أشبه ذلك، المهم: أن صوت المرأة ليس بعورة، فتجوز محادثتها إلا إذا كان هناك فتنة وذلك بالتلذذ بمحادثتها إما تلذذ شهوة أو تلذذ تمتع.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الاشتراط عند الإحرام للمريض، الدليل أنها قالت: "إني أريد الحج .... إلخ"، ولكن هل يسن الاشتراط أو لا يسن، أو في ذلك تفصيل؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من أنكر الاشتراط مطلقًا، وقال: لا اشتراط في الإحرام؛ لأن الإحرام واجب، يعني: إذا دخل الإنسان في النُّسك وجب عليه الإتمام، واشتراط التحلل ينافي ذلك ويناقضه، هذا تعليل، وأما الدليل ففعل الرسول ﷺ ، فإنه حج واعتمر ولم يشترط لا في عمرة الحديبية ولا في عمرة القضاء ولا في عمرة الجعرانة ولا في حجة الوداع، مع أنه لا يخلو من خوف، فلا
следующие страницы →