← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا صريح، وأما ما يرويه بعض الناس من أن الرسول ﷺ قال في مكة: "إنها أحبُّ البقاع إلى الله"، وفي المدينة: "إنها أحبَّا البقاع إليَّ"، فهذا ليس بصحيح، وقال بعض أهل العلم: إن المجاورة في المدينة أفضل؛ لأن الرسول ﷺ حثّ على السُّكنى فيها، وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون". وقال بعض أهل العلم: المجاورة في مكان يقوى فيه إيمانه وتكثر فيه تقواه أفضل من أي مكان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إذا فرضنا أن الإنسان في مكة يضعف إيمانه وتقواه ويقل نفعه فليخرج كما فعل الصحابة، ذهبوا إلى الشام والكوفة والبصرة وإلى مصر يلتمسون ما هو أنفع وأفضل، وسكنوا وصاروا يعلَّمون الناس ويدرسونهم العلم، وتركوا المدينة ومكة، وهذا القول أصحّ، لكن لو فرضنا أن الإنسان يتساوى عنده البقاء في مكان ما، وفي مكة والمدينة، قلنا: في مكة والمدينة أفضل من غيرهما بلا شك، أما المفاضلة بين مكة والمدينة فهي عندي محل توقف بالنسبة للمجاورة، أما بالنسبة لفضل مكة فلا شك أن مكة أفضل. يتفرع على تفاضل العمل في مكة والمدينة: هل تتضاعف السيئات في مكة والمدينة؟ الجواب: أما بالكمية فلا، وأما بالكيفية فنعم، العقوبات على السيئات في مكة أعظم من العقوبات على السيئات في غيرها، وفي المدينة أعظم أيضًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وهذه الآية في الأنعام مكية، وبهذا نعرف بطلان ما يذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا أسكن في بلد حسناته وسيئاته سواء"، لما قيل له: ألا تسكن في مكة؟ فقال هذا القول، فإن هذا لا يصح عن ابن عباس ﵄، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يقول مثل هذا الكلام. * * * * ٦ - باب الفوات والإحصار "الفوات: مصدر أو اسم مصدر لفات يفوت، والمصدر: فوزتًا، واسم المصدر فوات، والفوت: هو السَّبق الذي لا يدرك، فإذا سبقك إنسان ولم تدركه تقول: فاتني، هذا هو الفوات أما في الاصطلاح فالوات: طلوع فجر يوم النحّر قبل أن يقف الحاج بعرفة، هذا الفوات في الاصطلاح، ومعناه: لو أن أحدًا أحرم بالحج واتجه إلى المشاعر وطلع الفجر عليه قبل أن يصل

стр. 1647

إلى عرفة فهذا هو "الفوات"، نقول: هذا الرجل فاته الحج، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "الحج عرفة"، فإنه يدل على أن من فاته الوقوف فاته الحج هذا الفوات. "الإحصار" في اللغة: المنع، يقال: حصر، ويقال: أحصره، وفي القرآن" ﴿فإن أحصرتم ... ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفيه أيضًا: ﴿الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣]. أي: منعوا فالإحصار في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: منع الناسك من إتمام نسكه، وهل يشترط أن يكون بعدو أو بأي مانع يكون؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال: إنه يشترط أن يكون الإحصار بعدو وأنه لا إحصار بغير عدو، ومنهم من قال: إنه عام في العدو؛ لأن الإنسان قد يحصر بعدو وقد يحصر بمرض أو كسر أو ضياع أو ما أشبه ذلك، فصار عندنا الآن تعريف الفوات وتعريف الإحصار. ٧٤٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق وجامع نساءه، ونحر هديه، حتَّى اعتمر عامًا قابلًا". رواه البخاريُّ. "قد أحصر" أي: منع من الوصول إلى البيت، وذلك في عام الحديبية حين منعه المشركون من أن يتمم عمرته ﷺ ؛ لماذا منعوه؟ قالوا: لا يتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة، يعني: أنك دخلت قهرًا علينا، فصار هذا المنع حمية الجاهلية كما قال تعالى: ﴿إذ جعلنا الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التَّقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. منعوا الرسول ﷺ أن يؤدي العمرة وهم -والله -أحق أن يمنعوا من البيت من رسول الله؛ لأن الله يقول: ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتَّقون﴾ [الأنفال: ٣٤]. لكن الله تعالى في قضائه وقدره حكم عظيمة، فهم منعوا الرسول ﷺ ؛ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا"، ابن عباس ﵄ أتى بهذه الأفعال مرتبة بالواو، والمراد بها مطلق الجمع، فمثلًا حلق رأسه وجامع نساءه ونحر هناك، اختلاف في الترتيب بحسب الواقع؛ لأن الواقع أن الرسول ﷺ نحر أولًا، ثم حلق ثانيًا، ثم تحلل تحللًا كاملًا، وجامع أهله، ولو نظرنا إلى الحديث لكان مقلوبًا تمامًا أوفيه اختلاف: "حلق رأسه"، ثم بعد ذلك "جامع نساءه ونحر"، والواقع أنه نحر، ثم حلق، ثم جامع، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، ومراد ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تحلل بعد هذا الإحصار تحللًا كاملًا، والدليل على أنه تحلُّل كامل قال: "وجامع أهله". قال: وحتى اعتمر عامًا قابلًا" من العام الثاني اعتمر عمرة تسمى عمرة القضاء؛ بمعنى: القضية،

стр. 1648

يعني: عمرة المقاضاة، وليس قضاء للعمرة التي أحصر منها؛ لأن العمرة التي أحصر منها كتبت تامة؛ ولهذا يقال: إن الرسول ﷺ اعتمر أربع عمر؛ منها العمرة التي صدَّ عنها فهو اعتمر كاملًا، لكن الثانية عمرة جاءت بحسب المقاضاة التي صارت بينه وبين قريش. وفي هذا الحديث: دليل على أن الحصر يكون في العمرة وهو كذلك، ويدل عليه أيضًا القرآن: ﴿وأتموا الحجَّ والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفيه أيضًا: أنه يشرع الحلق لقوله: "وحلق رأسه"، ولكنه هل يجب؟ الصحيح: أنه يجب فقد مرَّ علينا في حديث المسور بن مخرمة أن الرسول ﷺ حلق رأسه وأمر أصحابه، ولما تأخروا قليلًا غضب ﷺ ، فيجب الحلق عند الإحصار، و"نحر" هل يجب النحر؟ نعم يجب النحر، لكن إن كان قد ساق الهدي نحر هديه كله الذي ساقه، وإن لم يسقه فالواجب عليه أدنى ما يسمى هديًا لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾. ومن فوائده: أن المحصر يعتمر من السنة القابلة أو من الشهر القادم، المهم: إذا زال الإحصار اعتمر، وهل هذه العمرة قضاء للعمرة السابقة أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء من قال: إن المحصر يجب عليه القضاء إذا زال إحصاره، وهل يقضي من مكان الإحصار أو يستأنف نسكًا جديدًا؟ نقول: يستأنف نسكًا جديدًا؛ لأن النُّسك لا يتجدد، فإن هذا الرجل حل وجامع وفعل جميع المحظورات، فكيف يبني على ما سبق، فهو يجب عليه أن يقضي سواء كان الذي أحصر عنه هو الفريضة أو كان تطوعًا، حجتهم في ذلك: أن النبي ﷺ قضى العمرة التي أحصر عنها، وهذا استدلال بالأثر، قالوا: والأصل أنه ﷺ أسوة أمته: ﴿لَّقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقد قضى ما أحصر عنه فلنقض، وقالوا أيضًا: لنا دليل نظري، وهو أن النُّسك من حج أو عمرة إذا شرع الإنسان فيه وجب عليه إتمامه ولو كان نفلًا، فإذا كان يجب عليه إتمامه وجب عليه قضاؤه إذا أحصر عنه وصار فائت الحصر أنه يتحلل ويترخَّص ويذهب، هذا فائدة الحصر، أما براءة ذمته به فلا لابد أن يقضي، واستدلوا أيضًا بأن العمرة التي أتى بها الرسول ﷺ تسمى عمرة القضاء، والأصل أن القضاء لما فات كما نقول: إذا خرجت الصلاة وصليت بعد الوقت قضاء، وكما نقول: إذا أفطر الإنسان في رمضان فإنه يقضي كما قالت عائشة: "فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان"، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا أحصر عن النسك لا يلزمه القضاء إلا إذا كان هذا النُّسك واجبًا مثل أن يكون في فريضة الإسلام أو يكون واجبًا بنذر فإنه يلزمه قضاؤه إذا أحصر عنه؛ لأن ذمته لم تزل مشغولة بهذا الواجب حتى يتمه، أما إذا كان تطوعًا فإنه لا يلزمه القضاء، واستدلوا بأثر ونظر، أما الأثر

стр. 1649

فقالوا: إن الرسول ﷺ لما أمر أصحابه أن يحلُّوا لم يأت عنه حرف واحد يقول: واقضوا من العام القادم، ولو كان واجبًا لبيّنه لهم؛ لأنه يجوز أن يذهب بعضهم إلى أهله ولا يلتقي بالنبي ﷺ ، وأما أهل المدينة، فقد يقال: إنه سيعلمهم بعد ذلك، لكن ليس كلهم من أهل المدينة، فلما لم يرشدهم الرسول ﷺ أنه واجب علم أنه ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لوجب على الرسول ﷺ أن يبلِّغهم. ثانيًا: أن الذين قضوا العمرة من العام القابل كما قال الشافعي وغيره لم يكونوا جميع الذين حضروا صلح الحديبية بل كانوا أقل؛ لأن الذين حضروا صلح الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين قضوا العمرة دون ذلك، وهذا يدل على أن القضاء ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لحضر كل من كان معه في الحديبية، واستدلوا بالنظر قالوا لأن هذا واجب تعذر عليه إتمامه؛ يعني: أن الحج والعمرة يجب إتمامه، لكن هذا واجب عجز عنه، والقاعدة الشرعية: أن الواجبات تسقط بالعجز، فيكون هذا الذي أحصر سقط عنه وجوب الإتمام بالعجز عنه، فنرجع الآن لما سقط وجوب الإتمام بالعجز نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ أنه تطوع الذي شرع فيه أم واجب؟ تطوع، فنقول: لا شك أن الأفضل أن تأتي به، ولكنه ليس بواجب، ولهذا أتى به الرسول ﷺ ، أما أن نوجبه وهذا الرجل إنما ترك الإتمام لعجزه عنه، فإننا لا نوجبه عليه وهذا هو الحق وهو الصحيح أنه لا قضاء عليه، ولكن إذا كان هذا الشيء واجبًا كما قلنا فإنه يجب عليه القضاء؛ لأنه مطالب به بالدليل الأول بماذا نجيب عن الذين أوجبوا القضاء؟ نقول: قولكم إن الرسول ﷺ فعله والأصل أنه أسوة لنا نقول: إن القاعدة المعروفة عند العلماء: أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ونحن نوافقكم على أن الأفضل أن نأتي به، لكن الوجوب شيء والأفضل شيء آخر. هذا واحد، ثانيًا: نقول: إن قولهم: قضاء هذا من المقاضاة أو القضية، وليس من باب القضاء المعروف عند الفقهاء. الاشتراط عن الإحرام وأحكامه: ٧٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النَّبي ﷺ على ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب ك، فقالت: يا رسول الله، إنِّي أريد الحجَّ، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ : حجِّي واشترطي: أنَّ محلِّي حيث حبستني". متَّفق عليه.

стр. 1650

"ضباعة" بنت عم النبي ﷺ ، وقولها: "شاكية" أي: مريضة، والمؤلف ﵀ أتى بهذا الحديث في هذا الباب وإن كان له مناسبة أن يذكر في أول باب الإحرام عند الإحرام، لكن هذا الباب له فيه مناسبة وهي أن الإنسان إذا اشترط عند عقد الإحرام أن محلَّه حيث حبس ثم حبسه حابس فإنه يتحلل بدون شيء: بدون دم، بدون حلق، بدون قضاء إن لم يكن فرضًا، حتى على قول من يقول: إن المحصر يجب أن يقضي وإن كان نفلا، في هذه الحال إذا اشترط؛ يعني: يحل هذا وجه المناسبة لسياق هذا الحديث في باب الفوات والإحصار. وهذا الحديث -كما ترون -في حجة الوداع، ففيه عدة فوائد كثيرة منها: أن صوت المرأة ليس بعورة، المرأة الأجنبية التي ليست من المحارم صوتها ليس بعورة، والدليل أن النبي ﷺ كلم ابنة عمه. فإن قال قائل: ألا يحتمل أن تكون من محارمه بالرضاع؟ قلنا: بلى، ولكن الأصل عدم ذلك. فإن قال قائل: ألا يحتمل أن هذا من خصائص الرسول ﷺ كما كان من خصائصه جواز كشف الوجه له؟ قلنا: بلى، يمكن أن يكون من خصائصه، لكن نقول من خصائصه لو كان هناك نص يدل على أن صوت المرأة عورة، وأنه يحرم مخاطبة المرأة لكن لا يوجد نص، بل المعروف أن النساء يتكلمن مع النبي ﷺ بحضرة الصحابة ولا يمنعهن النبي ﷺ ، إذن فصوت المرأة ليس بعورة، ولكن لا يجوز للإنسان أن يتلذذ بصوت المرأة لا تلذذ شهوة ولا تلذذ تمتع، فتلذذ الشهوة أن يحس بثوران الشهوة عند مخاطبتها والتمتع أن يعجبه صوتها وكلامها ويستمر كما يتمتع بمنظر الأشجار والبناء الجميل والسيارة الفخمة وما أشبه ذلك، المهم: أن صوت المرأة ليس بعورة، فتجوز محادثتها إلا إذا كان هناك فتنة وذلك بالتلذذ بمحادثتها إما تلذذ شهوة أو تلذذ تمتع. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الاشتراط عند الإحرام للمريض، الدليل أنها قالت: "إني أريد الحج .... إلخ"، ولكن هل يسن الاشتراط أو لا يسن، أو في ذلك تفصيل؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من أنكر الاشتراط مطلقًا، وقال: لا اشتراط في الإحرام؛ لأن الإحرام واجب، يعني: إذا دخل الإنسان في النُّسك وجب عليه الإتمام، واشتراط التحلل ينافي ذلك ويناقضه، هذا تعليل، وأما الدليل ففعل الرسول ﷺ ، فإنه حج واعتمر ولم يشترط لا في عمرة الحديبية ولا في عمرة القضاء ولا في عمرة الجعرانة ولا في حجة الوداع، مع أنه لا يخلو من خوف، فلا

стр. 1651

يسن الاشتراط مطلقًا ولا يفيد، أيضًا قالوا: ولو كان يفيد ما كان للإحصار والفوات فائدة وخيمة، ومنهم من فصل وقال: إن الاشتراط سنة لمن كان يخشى مانعًا من مرض أو غيره، وليس بسنَّة لمن لا يخشى مانعًا، وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعلى هذا فلا نقول لكل من أراد أن يحج أو يعتمر: اشترط إلا إذا كان هناك خوف يخاف من مانع يمنعه من إتمام نسكه، فنقول: اشترط؛ لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير ولم يشترط هو، وهذا جمع بين الأدلة واضح. فإن قال قائل: أفلا تستحبون الاشتراط في هذا الوقت مطلقًا لكثرة الحوادث؟ فالجواب: لا، لا نستحب ذلك له؛ لأن الحوادث الواقعة في عصرنا إذا نسبتها إلى المجموع وجدت أنها قليلة جدًا، ومطلق الحوادث موجود في عهد الرسول ﷺ ، فإن الصحابي الذي وقصته ناقته في عرفة مات بحادث؛ إذن نقول: إن وجود الحوادث في زمننا هذا لا يوجب أن نستحب له الاشتراط، نعم لو كان الإنسان مريضًا وخاف ألا يستطيع الإتمام فليشترط. ومن فوائد الحديث: أن المرض اليسير لا يمنع وجوب الحجَّ؛ لأنه قال: "حجي واشترطي"، ولم يأذن لها بالترك. ومن فوائد الحديث: جواز الاشتراط في العبادات، وهل نقول: إن الاشتراط في العبادات في كل عبادة، أو نقول: هو خاص في الحج لطول مدته ولصعوبته ومشقته؟ قد يقول قائل: إنه يجوز في كل عبادة، مثل: أن يشترط الإنسان عند دخوله في الصلاة أن يقول: إن استأذن عليّ فلان فلي أن أقطع الصلاة وهي فريضة، وقد نقول بعد الجواز، للفرق بين الحج وغيره وهو طول الزمن والمشقة، لكن الصلاة زمنها قليل والصيام كذلك زمنه قليل، وإلا قد يقول: إذا جاء رمضان وهو مريض يدخل في الصوم ويقول: إن شقّ عليّ فلي أن أفطر، نقول: الواقع أنه ليس في حاجة للاشتراط؛ لأن الإنسان إذا كان مريضًا وشقَّ عليه يفطر؛ سواء اشترط أو لم يشترط، بخلاف الحج. ومن فوائد هذا الحديث: أن المشترط يحل مجانًا؛ أي: بدون حلق وبدون دم وبدون قضاء لقوله -في اللفظ الآخر -: "فإنَّ لك على ربِّك ما استثنيت". ومن فوائده: أنه إذا قال: "محلِّي حيث حبستني"، فإنه بمجرد ما يحصل المانع يتحلل، ولكن لو قال: "فلي أن أحلّ حيث حبستني" صار بالخيار، وأيهما أحسن أن يقول: "فلي أن أحل" أو "فمحلِّي حيث حبستني"؟ قد يقول قائل: الأول أحسن ليكون الإنسان بالخيار إن شاء استمر وإن شاء أحلّ، وقد يقول آخر: إن اللفظ الذي ذكره النبي ﷺ لا يعدل به شيء؛ يعني: أنه أفضل من غيره على أن قوله: "فمحلِّي حيث حبستني" يظهر لي أن المراد به الإباحة؛ يعني:

стр. 1652

مثل "فأحلني"، والأمر عند توهم المنع يفيد الإباحة فقط وأنه لا يعني أنه بمجرد ما يحصل المانع يحل الإنسان بل هو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء حلّ. إذن ما الفائدة من الاشتراط؟ الفائدة: أنه يحل مجانًا ليس عليه هدي ولا قضاء ولا حلق ولا تقصير إن كان امرأة، لكن لو لم يفعل ذلك لكان حكمه ما سبق. هل يؤخذ من هذا الحديث: ترجيح قول من يقول: إن الإحصار عام؟ نعم قد يؤخذ منه ترجيح قول من يقول: إن الإحصار عام في كل مانع لقوله: "إن حبسني حابس"، وهي إنما شكت المرض لم تشكو غيره. ٧٤٧ - وعن عكرمة، عن الحجَّاج بن عمرو الأنصاريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كسر أو عرج؛ فقد حلَّ وعليه الحجُّ من قابل، قال عكرمة. فسألت ابن عبَّاس وأبا هريرة عن ذلك؟ فقالا: صدق". رواه الخمسة، وحسَّنه التِّرمذيُّ. قال: "من كسر أو عرج"، كسر في يده أو رجله أو أي عضو من أعضائه الذي يمنعه من إتمام النُّسك، أو عرج هذا في الرَّجل أصابه مرض في رجله وصار أعرج لا يستطيع المشي فماذا يصنع؟ قال: "فقد حلّ وعليه الحج من قابل" "فقد حل" تحتمل هذه الجملة معنيين: المعنى الأول: فقد جاز له الحلّ، والمعنى الثاني: فقد حلّ فعلًا، ونظير هذا قول الرسول ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم". هل المراد: فقد حلّ له الفطر أو قد أفطر فعلًا؟ فقد حلّ له الفطر هذا أحد القولين، القول الثاني: فقد أفطر حكمًا يعني: انتهى صومه، هنا "فقد حلّ" تحتمل معنيين المعنى الأول: "فقد حلّ" أي: فقد جاز له الإحلال من نسكه، والثاني: "فقد حلّ" أي: تحلل، سواء كان مختارًا للحل أم لا. قال: "وعليه الحج من قابل"، لماذا؟ لأنه محرم بالحج فلزمه الحج، قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. هذا الحديث - كما نشاهد - من باب الإحصار وليس من باب الفوات. فيستفاد منه: أن الإحصار يحصل بغير العدو؛ لأن الكسر والعرج ليس عدوًّا. ويستفاد منه أيضًا: أنه إذا حصل ذلك جاز للإنسان أن يتحلل، فماذا يصنع؟ يذبح هديًا ويحلق رأسه؛ لأن النبي ﷺ أمر بحلق الرأس، والله في القرآن أمر بالهدي: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. ويذهب إلى أهله كما رجع النبي ﷺ في عمرة الحديبية إلى المدينة بدون اعتمار.

стр. 1653

ويستفاد من هذا الحديث: وجوب القضاء؛ لقوله: "فعليه الحج من قابل"، أضفه إلى حديث ابن عباس السابق: "حتى اعتمر عامًا قابلًا"، فيدل على أن المحصر يلزمه القضاء، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه وكثير من أهل العلم، والقول الثاني: أنه لا يلزمه القضاء إذا أحصر إلا إذا كان الحج الذي أحصر فيه فريضة الإسلام أو كان واجبًا بنذر، فيلزمه القضاء لا من أجل الإحصار، ولكن من أجل الأمر السابق الفريضة أو النذر. الذين قالوا بوجوب القضاء الحديث ظاهر في تأييدهم، لأنه قال: "وعليه الحج من قابل"، والذين قالوا: لا يجب عليه القضاء؛ قالوا: لأن الله لم يذكره في القرآن، وإنما وجب ما استيسر من الهدي، والنبي ﷺ لم يذكره في سنته، وإنما أوجب الحلق، وليس في المسألة إجماع حتى يكون دليل علينا، فانتفاء الدليل الموجب يدل على عدم الوجوب؛ لأن الأصل براءة الذمة، ثم قالوا: عندنا دليل إيجابي في عدم الوجوب، وهو أن الواجبات تسقط بالعجز، وهذا الذي شرع في النُّسك وهو ليس بواجب شرع في نفل، ولما شرع فيه وجب عليه إتمامه، وإتمامه عجز عنه بالحصر من عدو أو غيره والواجبات تسقط بالعجز، فهذا دليل على عدم الوجوب، فصار دليل القائلين بعدم الوجوب مركب من دليلين: البراءة الأصلية، ودليل آخر موجب؛ أي: مثبت لعدم وجوب القضاء، البراءة بأي شيء استدللنا بها؟ بأن الله ذكر الحصر، وذكر ما يجب فيه، وهو ما استيسر من الهدي، ولم يذكر القضاء؛ لأن النبي ﷺ ذكر الحصر وأوجب فيه الحلق، ولم يوجب القضاء، هذا دليل براءة الذمة، الدليل الإيجابي أن نقول: إن هذا النُّسك ليس بواجب ابتداء؛ لأنه سنة نفل، وإنما الواجب إتمامه تعذر بالعجز عنه والواجبات تسقط بالعجز، ولم يوجب الله على عباده الحج والعمرة إلا مرة واحدة فقط؛ لقول النبي ﷺ : "الحجُّ مرّة فما زاد فهو تطوُّع". نحتاج الجواب على هذا الدليل، أما حديث ابن عباس أن الرسول ﷺ اعتمر عامًا قابلًا؛ فنحن إذا قلنا لا يجب القضاء لسنا نقول: لا يجوز القضاء بل ننفي الوجوب دون الجواز، ونقول: يجوز أن يقضي، بل قد نقول: إننا نستحب له أن يقضي اقتداء برسول الله ﷺ ، وأما الحديث الذي معنا فنقول: "عليه الحج من قابل" يحتمل أن يكون هذا قضاء، ويحتمل أن يكون هذا أداء؛ أي: أنه يحتمل أن الحديث فيمن كسر أو عرج في الفريضة، فصار عليه حج من قابل، ويحتمل أن يكون في نافلة، فيلزم القضاء، والمعروف أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال، وحينئذ يجب حمل الحديث على ما تدل عليه الأدلة السابقة، وهو أن يكون الإحصار في فريضة، ومعلوم أنه إذا كان الإحصار في فريضة فإنه يجب عليه القضاء.

стр. 1654

أسئلة مهمة على الحج: - هل الذي يرافق المشترط له أن يشترط؟ نعم، الظاهر أن يشترط. - متى كان فرض الحج؟ في السنة التاسعة. - بماذا فرض؟ - ما هي الحكمة في تأخر فرضه إلى السنة التاسعة؟ - ما نقول فيمن قال: إن الرجل إذا دخل مكة وجب عليه أن يحج أو يعتمر وإن كان أدّى الفريضة؟ - رجل وجب عليه أن يحج ثم مرض أيحجُّ عنه أم لا؟ - قال أهل العلم إن المواقيت تنقسم إلى أقسام زمانية ومكانية، ما هي المواقيت الزمانية؟ - وما هي المواقيت المكانية؟ - أي الأنساك أفضل؟ - هل يجوز لمن أحرم بالحج أن يحوله إلى عمرة؟ - ما هي محظورات الإحرام؟ - متى كانت حجة الرسول؟ - ما المراد بالرُّكن؟ وما المراد بالاستلام؟ - ما معنى الرمل، وما الحكمة من أصل مشروعيته؟ - ماذا قال النبي ﷺ لما دنا من الصفا؟ - ما يوم التروية، ولماذا سمي به؟ - من اليوم (٨) إلى (١٣) لكل يوم اسم اذكرها؟ - متى خرج النبي إلى الحج من مكة؟ - متى توجه النبي ﷺ إلى عرفة؟ - أين تقع نمرة من عرفة؟ - أين صلى النبي ﷺ المغرب والعشاء يوم عرفة؟ - هل عرض عليه أن يصلي في الطريق؟ - لو صلى أحد المغرب في الطريق فما حكم صلاته؟ - ما هي المناسك التي يفعلها الحاج يوم العيد؟ - الرسول ﷺ من أين دخل مكة، ومن أين خرج؟ - هل يجوز للإنسان ترك المبيت بمنى للحاجة العامة؟ - ما تقول في رجل وكَّل من يرمى عنه؟

стр. 1655

كتاب البيوع ويشتمل على: ١ - باب شروطه وما نهي عنه. ٢ - باب الخيار. ٣ - باب الربا. ٤ - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار. ٥ - أبواب السّلم والقرض والرهن. ٦ - باب التفليس، والحجر. ٧ - باب الصلح. ٨ - باب الحوالة والضمان. ٩ - باب الشركة والوكالة. ١٠ - باب الإقرار. ١١ - باب الغضب. ١٢ - باب الشُّفعة. ١٣ - باب القراض. ١٤ - باب المساقاة والإجارة. ١٥ - باب إحياء الموات. ١٦ - باب الوقف. ١٧ - باب ××× و××× و××××. ١٨ - باب اللقطة. ١٩ - باب الفرائض. ٢٠ - باب الوصايا. ٢١ - باب الوديعة.

стр. 1656

كتاب البيوع قال المؤلف: "كتاب"؛ لأن هذا مستقل عما سبق وهو من جنس آخر؛ لأن الأول كله في العبادات وفي معاملة الخالق ، وهذا في البيوع، وهي معاملة الخلق، وبدأ العلماء بالبيوع بعد العبادات؛ لأنها أكثر تعلقًا بالنسبة للبشر، وإلا فإن النكاح مثلًا له علاقة بالمعاملة وعلاقة بالعبادة، لكن البيوع أكثر تعلقًا بالنسبة للبشر؛ لأن الإنسان يحتاج إليها في أكله وشربه ولباسه ومسكنه ومركوبه ومنكحه وغير ذلك، فهي أعم تعلقًا، ولهذا أعقبها أهل العلم أي: جعلوها عقب العبادات. وقال المؤلف: "كتاب البيوع" جمعها باعتبار أنواعها وإلا فإنها جمع بيع والبيع مصدر، والمصدر لا يجمع إلا إذا قصد به النوع، فإذا قصد به النوع جاز جمعه باعتبار أنواعه. والأصل في البيوع الحلّ لقول الله تعالى: ﴿وأحلَّ الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فكل صورة من صور البيع يدَّعى أنها حرام فعلى المدعي البينة؛ يعني: الدليل؛ لأن الأصل هو الحل، وشرع الله البيع وأحلَّه لعباده لدعاء الضرورة إليه أحيانًا والحاجة إليه أحيانًا أخرى والتَّنعم إليه أحيانًا، فأحيانًا تدعو الضرورة إليه كما لو كان مع إنسان دراهم وهو عطشان ومع إنسان آخر ماء فهنا الضرورة تدعو إلى عقد البيع؛ لأن هذا العطشان لا يتوصل إلى الماء إلا بطريق البيع إذا لم يبذله صاحبه له، وليس كل أحد يتمكن من البذل، فأحيانًا تكون الضرورة للمشتري وأحيانًا تكون الضرورة للبائع، مثل: أن يكن شخص معه طعام ولكنه عطشان يحتاج إلى بيع الطعام ليشتري الماء، فهنا الضرورة من البائع، وأما الحاجة التي تدعو إليه فما يحتاج الإنسان إليه في أمور دينه ودنياه مما ليس بضرورة كحاجته إلى ثوب آخر مع ثوبه الأول في أيام الشتاء ونحو ذلك، وأما التَّنعم فكما لو كان عند الإنسان كل ما يضطر إليه وكل ما يحتاج إليه، لكن يجب أن يتنعم وينبسط بما أحل الله له وليس له طريق إلى ذلك إلا البيع فهنا نقول: لم تدع الضرورة ولا الحاجة لكنه من باب التنعم بنعم الله وجه مباح؛ لهذا كان من الحكمة إباحة البيع للعباد لتندفع بها ضروراتهم وتقوم بها حاجاتهم ويتم بها تنعمهم؛ لأنه ليس كل إنسان يضطر إلى طعام أو شراب يجد من يبذله له ولا كل إنسان يحتاج إلى مكمّلات بيته مثلًا يجد من يبذلها له، ولا كل إنسان يريد أن

стр. 1657

يتنعم بما أعطاه الله تعالى من الخير يجد من يبذل له ما يتنعم به، لهذا كان من الحكمة أن الله أحل لعباده. * * * * ١ - باب شروطه وما نهي عنه وكان المتوقع أن يقول: شروطها؛ لأنها "بيوع" جمع، والجمع يحتاج أن يكون الضمير الراجع إليه ضمير جمع، لكن المؤلف ﵀ لما رأى أن البيوع هنا جمع من أجل الأنواع والجنس واحد أعاد الضمير باعتبار الجنس لا باعتبار الأنواع، وقد سبق لنا أن الشروط جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فهل ينظرون إلَّا السَّاعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾ [محمد: ١٨]. أي: علامتها، وفي الشرع: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود. وأما قوله: "وما نهي عنه" أي: ما نهي عنه من البيوع، والمنهي عنه من البيوع أقل بكثير مما أبيح؛ لأن المنهي عنه معدود، والمباح محدود، والمعدود أقل من المحدود؛ لأنه محصور بعدده، وقوله: "ما نهي عنه" يشمل ما نهى الله عنه أو نهى عنه الرسول ﷺ . أطيب الكسب: ٧٤٨ - عن رفاعة بن رافع ﵁: "أنَّ النَّبي سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: عمل الرَّجل بيده، وكلُّ بيع مبرور". رواه البزَّار، وصحَّحه الحاكم. "سئل" من السائل؟ السائل لا يهم سواء أكان رجلًا أم امرأة، لكن السائل صحابي، وقد مر علينا أنه لا شك أن من تمام العلم أن نعلم المبهمات، ولكن ليس من ضروريات العلم؛ إذ إن المقصود هو الحادثة أو القضية التي وقعت حتى نعرف الحكم. وقوله: "سئل أي الكسب أطيب؟ "، الكسب: ما يكتسبه الإنسان ويربح فيه من تجارة أو إجارة أو شركة أو غير ذلك، فهو شامل، والإنسان قد يكتسب الشيء بالبيع أو بالإجارة أو بالمشاركة أو بتملك المباحات كالصيد والحشيش ونحو ذلك فأيُّهما أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده" هذا أطيب المكاسب، لماذا؟ لأن عمل الرجل بيده يكون في الغالب خاليًا من الشبهات؛ إذ إنه حصَّله بيده مثل الاحتشاش، إنسان خرج إلى البرَّ واحتش وأتى بالحشيش أو خرج إلى البرّ واحتطب وأتى بالحطب، أو خرج إلى البرِّ وافتجع، يعني: أتى

стр. 1658

بالكمأة وخرج إلى البحر فاصطاد سمكًا هذا كله عمله بيده فهو أفضل ما يكون؛ لأنه عمل ليس فيه شبهة إطلاقًا؛ لأنه أخذه مما أخرجه الله من الأرض، وهل يدخل في ذلك الصنائع؟ نعم، قد نقول: إنه يدخل فيها الصنائع وإن كان في النفس منها شيء في دخولها في الحديث؛ لأن الصنائع كالبيع والشراء يكون فيها غش ويكون فيها نسيان ويكون فيها غلط، فيكون دخولها حينئذ فيه شيء من الشبهة لكن ممكن أن ندخلها بالدفع على شرط أن يكون هذا الصانع العامل ناصحًا في صنعته تمامًا، وإلا فما أكثر الذين يصنعون ثم تكون صنعتهم من أردأ الصناعات، ويدخل عندهم الغش أكثر مما يدخل في البيع والشراء، يوجد جماعة بنوا جدارًا لشخص فقالوا: من يذهب إلى صاحب الجدار يأتي بالأجرة؟ فقال بعضهم: من يمسك الجدار حتى لا يسقط وحتى نأخذ الأجرة؟ الجدار الآن غير جيد في بنائه يستمسك فقط، يأخذون الأجرة ويذهبون. على كل حال: الصنائع في الحقيقة قد تدخل في الحديث وقد لا تدخل، فتدخل الحراثة والزراعة في الحديث؛ لأن الغالب أن الحارث يخلص لنفسه مثل ما يختار الحطب الجيد لبيعه بأكثر، هذا يخلص حرث الأرض والزرع الطيب والسقي فهو عمله بيده، ولهذا قال بعض الفقهاء: الزارعة أفضل مكتسب، وفي الزراعة أيضًا صلة أخرى وهي: ما ينتفع بهذا الزرع من مخلوقات الله، الحشرات تنتفع، والنمل، والذر، والكلاب، والطيور، وكل شيء ينتفع مما يمكن أن يفع بهذا الزرع ففيه أيضًا مصلحة. الثاني قال: "وكل بيع مبرور"، ما هو البيع المبرور؟ البيع المبرور بينته السُّنة في قول الرسول ﷺ : "إن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما"، فالبيع المبرور هو: ما كان مبنيّاً على الصدق والبيان، الصدق: في الوصف، والبيان: في العيب؛ يعني مثلًا: لا يقول لك: هذا طيب وهو رديء، ولا يكون هذا الشيء معيبًا ثم يكتمه بل يبين: "إن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما"، فهذا هو البيع المبرور المبني على الصدق والبيان، نزيد شيئًا ثالثًا: ووافق الشرع، فإن خالف الشرع فهو وإن كان مبنيّاً على الصدق والبيان فليس بمرور، لو باع لشخص ما يحرم بيعه وصدقه في وصفه وفي عيبه لا نقول: هذا بيع مبرور. إذن ما وافق الشرع واشتمل على الصدق والبيان فهو البيع المبرور، وعكس ذلك ما خالف الشرع كبيع المحرمات كالملاهي وغيرها أو ما كان مبنيّاً على الكذب كأن يقول: هذه

стр. 1659

السلعة من أحسن ما يكون وهي ما أردأ ما يكون، أو على كتم العيب بأن تكون معيبة ويخفى عيبها فهذا ليس بيعًا مبرورًا، وسمي الأول مبرورًا لاشتماله على البر، والله يحب البّر، بل قد قال: ﴿وتعاونوا على البرّ والتَّقوى﴾ [المائدة: ٢]. في هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: حرص الصحابة ﵃ -على السؤال عن أفضل الأعمال لقوله: "سئل أي الكسب أطيب؟ "، والصحابة ﵃ -إذا سألوا عن الكمال لا يريدون مجرد العلم بالكمال لكنهم يطبقون ويعملون، ليسوا كحال أكثر الناس اليوم حيث إن أحدهم يسأل عن الكمال وعن الأفضل ثم لا يعمل به! لم يكن حال الصحابة هكذا إنما هم لا يسألون إلا من أجل أن يعلموا، وهذه صفة المؤمن، وهؤلاء هم المؤمنون الذين إذا علموا الحق عملوا به، أما أن يعلموه ويجعلوه في صدورهم كنسخ من الكتب لا تتجاوز الصدور فهذا ليس من خصال المؤمنين وليس من صفاتهم، صفة المؤمن أنه متحرك عامل لا يتأخر، لما أمر النبي ﷺ النساء بالصدقة ماذا فعلن؟ صارت المرأة تأخذ قرطها من أذنها وخاتمها من أصبعها وتلقيه في ثوب بلال بدون تأخر وبدون تردد وبدون مشاورة أحد، فهكذا ينبغي للمسلم بل يجب على المؤمن أن يكون هكذا كلما علم شيئًا أفل عمل به ما استطاع، إذن الصحابة ﵃ يسألون عن الأفضل لا من أجل أن يعلموا الأفضل، ولكن من أجل أن يعلموا ويعلموا به. ومن فوائد الحديث: أن المكاسب تختلف فمنها الطيب والخبيث والأطيب دليله: "أي الكسب أطيب؟ " فأقرهم على التفاضل. ومن فوائده أيضًا: أن الرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، وهذا مما اختصه الله به، فإنه أعطي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا، من أين يؤخذ؟ من هاتين الكلمتين: "عمل الرجل بيده"، تشمل أشياء كثيرة ليس لها حصر، وقد ذكرنا منها شيئًا قليلًا: احتشاش، احتطاب، اصطياد، حراثة وأشياء كثيرة. "كل بيع مبرور"، كذلك هذا يعتبر ضابطًا يدخل فيه أنواع كثيرة من البيع إذا اشتملت على الأوصاف الثلاثة وهي: موافقة الشرع، والصدق، والبيان، فإن انضاف إلى هذا مصالح أخرى

стр. 1660

زاد فيها الطيب، مثل: لو كانت تجارة الإنسان في سلاح للمجاهدين في سبيل الله يحصل على فائدة وأجر، لو كانت في كتب ينتفع بها طلاب العلم ازداد أجرًا وصار تجارة دنيوية وأخروية، لو كان في أشياء تعين على البر ازداد أيضًا طيبًا، المهم أن وجوه الفضل كثيرة جدًا لا حصر لها. ومن فوائد الحديث: عمل الرجل بيده، والمرأة داخلة في ذلك؛ لأن الأصل ما ثبت في حق الرجل يثبت في حق المرأة، وما ثبت في حق المرأة ثبت في حق الرجل إلا ما خص بدليل. ومن فوائد الحديث: أن البيوع منها: بيع مبرور، ومنها: بيع غير مبرور لقوله: "وكل بيع مبرور". تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام: ٧٤٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكَّة: "إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنَّها تطلى بها السُّفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها النَّاس؟ فقال: لا، هو حرام، ثمَّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله تعالى لمَّا حرَّم عليهم شحومها جملوه، ثمَّ باعوه، فأكلوا ثمنه". متَّفق عليه. هذا الحديث داخل في قول المؤلف: "وما نهي عنه"، فيكون في كلام المؤلف أو في سياق المؤلف للحديث وبين الترجمة لفٍّ ونشر غير مرتب؛ لأنه بدأ بالشروط وثنى بما نهي عنه ولكنه بدأ بما نهي عنه إلا أن يدعي مدَّع أن قوله: "كل بيع مبرور" يتضمن الشروط إجمالًا، لا لأننا قلنا: ما وافق الشرع واشتمل على الصدق والبيان إن كان كذلك فالتركيب مرتب. يقول: "سمع النبي ﷺ يقول عام الفتح ... إلخ"، ذكر جابر ﵁ الزمان والمكان فقال: "عام الفتح" هذا الزمان، "وهو بمكة" هذا المكان، وكان عما الفتح في السَّنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وإنما قال: "وهو بمكة"؛ لأنه قد يقول هذا القول عام الفتح وهو في المدينة يقول: "إن الله حرم بيع الخمر ... إلخ"، "حرَّم" التحريم في اللغة: المنع، ومنه حريم البئر؛ لأنه يحميها ويمنع من العدوان عليها، "حرم بيع الخمر والخمر"، كل ما خامر العقل قاله عمر ﵁ والنبي ﷺ ذكره بلفظ أوضح، فقال: "كل مسكر خمر". فالخمر إذن كل مسكر من أي شيء كان سواء من العنب أو التمر أو البر أو من أي نوع كان، فما أسكر فهو خمر، ولكن ما هو السُّكر؟ السُّكر: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب،

стр. 1661

وليس تغطية العقل على وجه الخمور والغيبوبة، بل على وجه اللذة والطرب هذا السَّكر، فالإسكار لا يجعل الإنسان في غيبة لكن يجعله في نشوة وفرح كأنما يريد أن يطير لكنه لا ينضبط من شدة الفرح، وتعلمون أن الإنسان من شدة الفرح ربما يتكلم بكلام لا يمكن أن يتكلم به في حال ركود الذهن، فها هو الرجل قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح، الخمر - والعياذ بالله - يغطي العقل حتى يجعل الإنسان يشعر بأنه ملك وشجاع وربما شعر بأنه ملك فوق البشر ولهذا تجده يتكلم بكلام يتخبط فيه، مرّ بحمزة بن عبد المطلب ناضحان لعلي بن أبي طالب، أي: بعيران ينضح بهما الماء، وكان عنده جارية تغنيه فغنته وأغرته بالإبل، فقام وأخذ السيف فجب أسنمتهما وبقر بطونهما وأكل من كبدهما، كل هذا فعله وهو سكران لا يدري ماذا يفعل، لكن هيجته حتى قام وفعل هذا الفعل، فجاء علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول ﷺ يشكو عمه، فقام النبي ﷺ إليه فلما أقبل عليه وجده ثمل - سكران - إلى الآن فكلمه فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي يعني: جعل المسألة تحدث نفسه حتى أبوه صار الآن سيدًا للرسول ﷺ ، فتأخر النبي ﷺ ؛ لأنه رأى الرجل لم يصح بعد، وهذا كان قبل أن تحرم الخمر؛ لأن حمزة استشهد في أحد في السَّنة الثالثة، والخمر حرمت في السَّنة السادسة. المهم: أن الخمر يصل بصاحبه إلى هذا الحد وله أحكام كثيرة مذكورة في الفقه لا نطيل بذكرها، لكن لأجل مضرته العقلية والاجتماعية حرّمه الشارع، فبيعه حرام لا يستثنى منه شيء حتى في حال إباحة الخمر لا يستثنى منه شيء، لكن يباح شرب الخمر لدفع لقمة غص بها ولا حضره غيره، نقول: يجب عليك أن تشرب هذه لدفع الغصة، مثال آخر: بدأت النار تحرق بيتك وليس حوله إلا صفيحة من الخمر وذهب لصاحبه فقال: أعطني إياها فقال: لا إلا بمائة ريال، فهو لا يجوز، لكن هنا يدفع المحتاج الدراهم لطلبها لا على أن بيع لكن لأجل أن ينقذ نفسه من الحريق. وعلى كل حال: الخمر لا تجوز حتى في حال إباحتها استعمالًا أو شربًا لا يجوز، لماذا؟ لأن إباحتها على وجه نادر، والعبرة بالأكثر. "الميتة" يقول: حرم الرسول بيع الميتة، ما هي الميتة أولًا؟ نقول: كل ما لم يمت بذكاة شرعية هذا الضابط لا يتحرم، فشمل ما مات بغير ذكاة، وشمل ما مات بذكاة غير شرعية، إما لعدم أهلية المذكي أو لخلل في الذكاة، وشمل ما لا تبيحه الذكاة كميتة الحمار، فشمل كم

стр. 1662

صورة؟ ثلاث صور: ما مات حتف أنفه بدون ذكاة، وما مات بذكاة غير شرعية، وما لا تحله الذكاة وإن ذكي، فلو أن شخصًا عنده حمار وأضجعه وقال: باسم الله، والله أكبر، وقطع الحلقوم والمريء هذا ليس بذكاة ولا تنفع؛ لأن الذكاة لا تبيحه، هذه كلها حرام بيعها حتى في حال الحل، ولو كان هذا الرجل مما يحل له أكل الميتة للضرورة فلا يجوز أن يشتريها، لكن إن لم يتوصل إليها إلا بدفع شيء فليدفع ويكون الإثم على البائع، وهذه صورة بيع وليست بيعًا شرعًا، وهل الميتة هنا على العموم؟ لا، المراد بالميتة: الميتة المحرَّمة احترازًا من الميتة الحلال كميتة السمك والجراد هذه يجوز بيعها؛ لأنها حلال تؤكل بكل حال وبدون ضرورة، وهل يستثنى من الميتة شيء؟ سيأتي - إن شاء الله - في الفوائد أنه يستثنى شيء منها. قال: "والخنزير" وهو حيوان معروف خبيث يأكل الأنتان والعذرة، معروف بعدم الغيرة، ربما يمسك أنثاه لذكر آخر، ثم هو نفسه خبيث لقوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فلا يحل بيعه حتى في الحال التي يباح أكله وحتى في حال الضرورة، إذا أبيح للإنسان أن يأكله لا يجوز له بيعه، فإن اضطر إليه ولم يحصل عليه إلا بدفع عوض دفعه، ولكنه ليس بيعًا شرعيًّا. قال: "والأصنام" وهي جمع صنم، وهو ما عبد من دون الله كالشجرة والحجر وغير ذلك وهي ليست لذاتها، ولكن لما يراد بها من الشرك، والشرك أعظم الذنوب، فلو كان الإنسان في مكان تعبد فيه شجرة معينة عنده وجاء واحد يمشي في السوق ويقول: من يشتري هذا الصنم فلا يجوز أن يشتريه أبدًا، اللهم إلا إذا لم تتوصل إلى إتلافه إلا بذلك فهذا جائز، لكنه بيع صوري؛ لأنه لا ثمن له شرعًا، ومثل الصنم أيضًا التمثال الذي يعبد من دون الله، والتمثال صنم لكنه أخرس؛ لأن الصنم: كل ما عبد من دون الله من أشجار وأحجار وتماثيل وغير ذلك، والتمثال: ما صنع على هيئة معينة كأن يصنع على شكل عالم أو عابد أو سلطان أو ما أشبه ذلك، فإن كان الشيء يعبد من دون الله وأكثر الناس لا يعبدونه كالبقرة فهي عند قوم تعبد من دون الله هل نقول: إذا كنا في أرض يعبد أهلها البقر لا يجوز أن نبيع البقرة؟ لا، بل نقول: يجوز بيعها إلا من اشتراها لهذا الغرض. هذه أربعة أشياء: الخمر والميتة والخنزير والأصنام، والحكمة من ذلك: أما الخمر فلأنها مفسدة للعقل مفسدة للمجتمع، وأما الميتة والخنزير فلأنهما طعام خبيث لا ينال المرء منهما إلا المضرة والمرض، وأما الأصنام فلأنها مفسدة للأديان، فصارت الحكمة من تحريم بيع هذه الأشياء حماية العقول والأبدان والأديان، وإن شئت فقل: والفطرة، وهذا يتحقق في الخنزير؛ لأن الخنزير إذا كان كما يقولون: ليس له غيرة فهو ديوث، وعليه فالذي يتغذى به يكون مثله، ولهذا نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير لئلا يتغذى بها

стр. 1663

الإنسان فيتكسب من سبعيتها وعدوانها، الخنزير هذا إذا صح انه لا غيرة له ففيه إفساد الفطرة والأخلاق فيكون الحكمة من تحريم هذه الأشياء: حماية العقول والأبدان والأديان والفطرة، والدين الإسلامي جاء بحماية هذه الأشياء، ولو شئنا لقلنا: من مجموع هذه الأشياء يكون في ذلك حماية الأموال، كيف ذلك؟ لأن بذل الأموال في مثل هذه الأشياء بذلك ما لا فائدة فيه، بل بما فيه مضرة فيكن إضاعة للمال، إذن للعقول والأديان والأبدان والفطرة والأموال خمسة، حماية لهذه الخمسة حرم الله بيع هذه الأشياء وإن كان فيها مكسب، كما قال الله تعالى في الخمر: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيما إثم كبير ومنافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩]. والله لا يمنع عباده الشيء إلا لأن ضرره أكثر، وذلك لأن العطاء أحب إليه من المنع ورحمته سبقت غضبه. قوله: "فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن؟ " أولًا: قولهم: "قيل: يا رسول الله"، القائل مبهم ولا يعنينا أن نعرف عين القائل، لأن المهم هو الحكم، أما عين الشخص فالغالب ألَّا نحتاج إليه، فلهذا دائمًا تأتي مثل هذه الصيغة فقيل: يا رسول الله؛ لأنه لا يهتم بالقائل أهم شيء معرفة القضية والحكم، وقولهم: "يا رسول الله" هذا النداء الذي أرشدهم الله إليه في قوله: ﴿لّا تجعلوا دعاء الرسول ... ﴾ [النور: ٦٣]. يعني: لا تقولوا: يا محمد، بل صفوه بما كلَّفه الله به وبما يختص به من الوصف وهو "رسول الله"، ولهذا نهى النبي ﷺ أن يتكنى أحد بكنيته لئلا يشاركه أحد عند المناداة فيقال مثلًا: يا أبا القاسم، فيظن أنه رسول الله ﷺ ، ولهذا خص كثير من أهل العلم النهي بالتكني بكنيته بما كان في حياته فقط لئلا يشاركه أحد، فإذا نودي بين الناس: يا أبا القاسم يظن من لا يعرفه أن هذا هو الرسول ﷺ ، إذن هذا من أدب الصحابة ولا أحد يناديه باسمه إلّا من كان جاهلًا كأعرابي يأتي إلى المدينة يقول: يا محمد. يقول: "أرأيت شحوم الميت؟ " هذا التركيب يوجد كثيرًا في القرآن، ومعناه على سبيل الإجمال: أخبرني؛ لأن التقدير: أرأيت كذا وكذا، فأرني ما رأيت، أي: أخبرني، أما من حيث الإعراب فنقول: إن "رأى" هنا علمية، و"شحوم" مفعولها الأول، ومفعولها الثاني محذوف ويكون غالبًا جملة استفهامية، هنا نقول: "شحومها" مفعولها الأول، ومفعولها الثاني محذوف: "قال: أيحل"، ثم ماذا نقدر الفاعل؟ قال بعض العلماء: التقدير أن نقول: أيحل هذا فيها؟ يعني: أن تطلى بها السفن ويستصبح بها الناس وتدهن بها الجلود، أو يكون التقدير أحيل بيعها؟ فقد اختلف العلماء ﵏ ماذا يقدر الفاعل؟ أو البيع أو هذه المنافع؟ الصحيح: أنه البيع؛ لأن السياق في البيع وهي أن هذه الأشياء التي تعلوها ما تحدث عنها النبي ﷺ حتى يقال:

стр. 1664

أرأيت هذا هل يحل؟ وهو لم يتحدث عن تحريم المنافع إطلاقًا، إنما كان يتحدث عن البيع، لكن لما رأوا هذه المنافع ظنوا أن هذه المنافع تقتضي حل بيعها كما أن المنافع في الإذخر اقتضت حل حشَّه في الحرم لما قال الرسول ﷺ : "لا يحش حشيشها" قال العباس: "إلا الإذخر ... إلخ"، فظنوا ﵃ أن هذه المنافع تقتضي حل البيع كما اقتضت المنافع في الإذخر حل حشه، وكما نعلم الآن كل هذه الأحاديث ذكرها الرسول ﷺ في تحريم مكة، وهذا الحديث ذكره في أيام الفتح، فالصحابة كأنهم استذكروا ما رخص فيه الرسول ﷺ من جواز حش الإذخر من أجل منافعه فظنوا أن هذه المنافع تقتضي حل البيع، وأن هذا يكون مخصّصًا لعموم تحريم الميتة، هذا هو الصواب المتعين في الحديث أن المسئول عنه ليست هذه المنافع وإنما هو بيعها الذي تقتضي هذه المنافع حلَّه. وقول: "شحوم" جمع شحم، قال بعضهم: الشحم هو اللحم الأبيض، وقال بعضهم: الشحم معروف أيهما أصرح؟ الثاني أصرح؛ لأنك إذا قلت: الشحم هو اللحم الأبيض؛ ذهب السامع يبحث ما هو اللحم الأبيض؟ وعلى كل حال: يقال الشحم معروف، أما الميتة فهي الميتة التي عناها رسول الله ﷺ في قوله: "إن الله حرم بيع الميتة". ثم علل فقال: "فإنها - أي: الشحوم - تطلى بها السفن"، أي: المراكب البحرية تدهن بالشحم، لماذا؟ من أجل ألا يتشرب الخشب الماء؛ لأن الخشب إذا تشرب الماء ثقل وغرقت السفينة، وإذا كان على جدران السفينة هذا الطلاء من الشحم منع تشرُّب الخشب للماء فتبقى السفينة محمية بهذا الطلاء من أن تتشرب الماء. قال: "وتدهن بها الجلود"، أي جلود؟ الجلود التي تدبغ؛ لأن الدهن يلينها. قال: "ويستصبح بها الناس" "يستصبح" يعني: يجعلونها مصابيح، أي: سرجًا، يضعون في الشحم إذا ذوبوه خرقة ثم يشبونه في رأسهم ثم تأخذ بالإضاءة ما دام هذا الشحم أو الدهن باقيًا، وهذا نسمع الناس يتحدثون عنه وإن كنا ما أدركناه لكن على عهد قريب والناس يستعملونه، حتى إنه في بعض الوصايا عندنا أوصى بأن يوقد سراج المسجد ولو وصل الصاع - صاع الودك - ريالًا وكان في ذلك الوقت الريال عندهم أكثر من ألف ريال، على كل حال: هذا الاستصباح يوضع الشحم المذوب في إناء ويوضع فيه فتيلة وتوقد النار في رأسها وتكون مصباحًا، فقال النبي ﷺ : "لا" يعني: لا يحل؛ لأن السؤال عن الحل، وما الذي لا يحل؟ قلنا:

стр. 1665

قولان لأهل العلم: قول لا يحل هذا العمل طلي السفن والاستصباح ودهن الجلود، وقيل: بل البيع وه والصواب، بل إن السياق يعينه. ثم قال: "هو حرام"، أي: البيع، لماذا يكون حرامًا؟ لأن الميتة حرام، وجواز بيعها لهذه الأغراض يستلزم تداولها بين الناس والاستهانة بها؛ لأنه - كما يقال - إذا كثر الإمساس قلَّ الإحساس، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود"، "قاتل" بمعنى: أهلك، وقيل بمعنى: لعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وكون المقاتلة بمعنى: اللعن بعيد من الاشتقاق؛ لأن قاتل مشتقة من قتل وليس فيها شيء من حروف اللعن إلا اللام وليس بينهما اشتقاق لا أكبر ولا أصغر ولا أوسط، ولكن نقول: إن معنى "قاتل": أهلك؛ لأن من قتله الله فهو هالك قطعًا فيكون الدعاء بالمقاتلة، أي: قتال الله لهؤلاء معناه الدعاء بالهلاك وهذا هو المناسب لمادة هذه الكلمة، وإن كان كثير من المفسرين يفسرون القتل باللعن كقوله تعالى: ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعنوا، لكن الأظهر أن المراد بالمقاتلة: الإهلاك؛ لأن تفسير الشيء بما يطابق مادته أولى من تفسيره بأمر بعيد. ثم قال: "قاتل الله اليهود" وهم الذين يدَّعون أنهم يتبعون موسى ﵊ -وهم من بني إسرائيل، ولكن لماذا وصفوا أو لقِّبوا بهذا اللقب؟ قيل" إنه نسبة إلى أبيهم جدهم يهوذا أحد أبناء يعقوب ﵇ وأنه مع التعريب تحول إلى يهود بالدال، وقيل: إنه من "هاد يهود" لقولهم: ﴿إنا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ١٥٦]. أي: رجعنا، وعلى كل حال: سواء هذا أو هذا فإن اليهود معروفون بالمكر والخداع، كما فعلوا في الحيتان حين حرم عليهم صيد السمك في يوم السبت فابتلاهم الله وصارت الحيتان تأتي يوم السبت على ظاهر الماء شرَّعًا وفي غير السبت لا تأتيهم فتحيَّلوا ووضعوا شبكًا في يوم الجمعة فيأتي الحيتان يوم السبت ويدخل في الشبك ثم إذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوها وقالوا: نحن ما صدنا يوم السبت، فعاقبهم الله تعالى عقوبة تناسب ذنبهم قلبهم الله قردة؛ لأن القردة أقرب ما يكون إلى الإنسان كما أن عملهم هذا قريب من الصحة، يعني: ظاهره أنه ليس فيه صيد، وهذا القرد قريب من الإنسان فهو في صورة إنسان لكن معناه حيوان. إذن المهم: اليهود لما حرم الله عليهم شحومها، وفي لفظ الشحوم، والشحوم أعم؛ لأنه يشمل شحوم الميتة وغير شحوم الميتة، ومن المعلوم أن الله حرم عليهم الشحوم: ﴿وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظفر ومن البقر والغنم حرَّمنا عليهم شحومها﴾ [الأنعام: ١٤٦].

стр. 1666

حرم الله عليهم شحوم البقر والغنم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، لكن ماذا فعلوا؟ يقول: "جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه"، جملوه، أي: أذابوه، وقالوا: لا نأكله لكن ذوَّبه وبعه واشتر بثمنه ما تأكله، فهذه حيلة على محارم الله ، ودعا عليهم النبي ﷺ بان الله يقاتلهم تحذيرًا من فعلهم وتنفيرًا عنه؛ لأن من فعل كفعلهم استحق ما يستحقون؛ إذ إن البشر عند الله على حد سواء: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]. فالعاصي من هذه الأمة بما عصت به بنو إسرائيل يوشك أن يلحقه من العقوبة ما لحق بني إسرائيل. وهذا الحديث -كما نشاهد -فيه فوائد كثيرة منها: أولًا: حرص النبي ﷺ على إبلاغ الأمة في المناسبات، فإن رسول الله ﷺ في فتح مكة أرشد الأمة إلى أحكام كثير تتعلق بمكة وإلى أحكام كثيرة كان المشركون قد تعلقوا بها، ففيه: مراعاة المناسبات في الخطب والتوجيهات والمواعظ، ويتفرع على هذا: أنه ينبغي للداعية والخطيب أن يتحرى المناسبات اقتداء برسول الله ﷺ . ومن فوائد هذا -أي: مراعاة المناسبات -: أن الشيء إذا جاء والناس يتشوفون إليه كان أوقع في نفوسهم وأشد تأثيرًا، ولهذا لو أن أحدًا في هذا اليوم قام يخطب الناس أو يعظ الناس فيما يتعلق بالصيام أو بالحج هل يكون له تأثير كما لو فعل ذلك في أيام الصيام أو الحج؟ الجواب: لا، وإنما كل شيء في مناسبته له تأثير أكثر وأبلغ. ومن فوائد هذا الحديث: عظم هذا البيع الذي بين الرسول تحريمه؛ لأن نسبة التحريم إلى الله يدل على العناية به، ولأن نسبة التحريم إلى الله أشد وقعًا على المؤمن مما لو قيل لا تبع كذا لو قال لا تبع الخمر والخنزير والأصنام لا شك أن المؤمن يتأثر بهذا ولكن لو قال: "إن الله حرم" هذا يكون أشد وأبلغ في النفس. ومنها أيضًا: هذه الصيغة كما أنها أبلغ من حيث إنها نسبت إلى الله فهي أبلغ من حيث إنه صرح فيها بالتحريم: "إن الله حرم"، لو كان نهيًا هكذا "لا تبيعوا" لادعى مدي أن النهي للكراهة لكن بعد أن قال: "إن الله حرم" لا يمكن دعوى الكراهة بل هي نص في التحريم. ومن فوائد الحديث: تحريم الخمر والميتة والخنزير والأصنام؛ لأن ما حرم بيعه فهو محرم ثمنه، أي: ثمنه المقابل لهذا الشيء المحرّم، فانتبهوا لهذا القيد لأجل ألَّا يرد علينا أن الحمار حرام وبيعه حلال بالإجماع، لكن لو اشترى الحمار ليأكله صار حرامًا، ولهذا نقول: إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه إذا كان الثمن مقابل هذا الشيء المحرم.

стр. 1667

ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على حماية العقول والأبدان والأخلاق والأديان والأموال، وكما قال بعض الإخوان: الفرد والمجتمع لأن هذه الأشياء حرام حتى وإن لم يكن في المكان إلا رجل واحد فهي حرام. وظاهر الحديث: أن الخمر بيعه حرام مطلقًا، فهل يستثنى من ذلك شيء؟ لا يستثنى من ذلك شيء حتى وإن كان بيع خمر من مسلم لكافر فإنه لا يجوز من كافر لمسلم من باب أولى، أمَّا من كافر لكافر فيصح بناء على ما يعتقدونه، ولهذا لما ذكر لأمير المؤمنين عمر ﵁ أنهم كانوا يأخذون الخراج من الخمر ثم يبيعونه عليهم نهاهم عن ذلك وقال: "ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها"، يعني: اجعلوهم هم يبيعونها وهذا يدل على أن بيعها صحيح، ولولا ذلك ما صحَّ أن نأخذ ثمنه؛ لأن ثمن ما كان بيعه محرمًا محرم وفيه - أي: في قول عمر - فائدة عظيمة وهي أن من عامل بمعاملة يعتقد حلها وأنت تعتقد تحريمها فإن ما تأخذه منه حلال وجائز، لو اشترى شيئًا تعتقد أن هذا الشراء حرام وأن الملك لم ينتقل به يجوز أن تشتري منه أنت، لماذا؟ لأنه يعتقد حلَّه، وهكذا كل الأشياء الخلافية إذا وقعت ممن يعتقد حلها وليس هناك نص في التحريم بحيث لا يسوغ له أن يجتهد، فإن كل إنسان يعامل بما يقتضيه رأيه مثلًا لو وجدنا واحدًا يشرب الدخان وهو يعتقد حل شرب الدخان فلا يسوغ لي أن أنكر عليه ما دام يعتقد أنه حلال، لو رأيت رجلًا أكل لحم إبل وملأ بطنه ثم قام يصلي بلا وضوء وهو يعتقد أنه لا يجب الوضوء من لحم الإبل فلا أنكر عليه، والصلاة بغير وضوء أعظم من شرب الدخان، حتى إن أبا حنيفة ﵀ في مذهبه أنَّ من صلى محدثًا فهو كافر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله، ومع ذلك إذا كان هو يرى أنه لا ينقض الوضوء فلا ننكر عليه، وأثر عمر هذا ﵁ هو الأصل في هذا، فلو أكلت لحمًا أنا ورجل من الشافعية وهم يرون أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء وقمنا للصلاة فتوضأت وهو لم يتوضأ هل أقول له: يا أخي، اتق الله هذا حرام، وأنكر عليه؟ لا، ما رأيكم فيمن يصلي بغير وضوء فهذا ينكر عليه، لماذا لا أنكر على هذا؟ لأنه يعتقد أنه على وضوء وأنه ليس حرامًا عليه أن يصلي، نفس الأشياء الأخرى الشيء الذي فيه الخلاف وليس فيه نص يمنع الإنسان من الاجتهاد فيما يذهب إليه لا ينكر عليه، لأنه يقول: أنت تعتقد أنه حرام، وأنا لا أعتقد أنه حرام، فقولك ليس حجة علي وقولي ليس حجة عليك.

стр. 1668

إذن أنا ربما أقول: إذا أنكرت عليّ فعله وقلت: إنه حرام - أنا أيضًا أنكر عليك أقول: لماذا تحرمه والأصل الحل؟ لماذا تمنع عباد الله مما خلق الله؟ فمشكلة هذه أننا نحن الآن هنا في السعودية لا أحد من علمائنا فيما أعلم يقول: إن الدخان حلال، وعلى هذا فلو جاء عاميّ يقول: أنا والله أقلد ناسًا آخرين خارج المملكة لا يحرمونه لا نقره على ذلك؛ لأن العامي ليس أهلًا للاجتهاد، لكن لو يأتي واحد طالب علم من بلاد أخرى يقول: أنا ما تبين لي التحريم فلا ننكر عليه؛ لأنه ليس عندنا نص يقول: إن الدُّخان حرام، تحريمه داخل في عمومات، والرسول ﷺ لما نهى عن أكل البصل قال الصحابة: إنها حرَّمت أنها حرمت، فقال: "إنه ليس لي تحريم ما أحل الله"، عمر ﵁ لما قالوا: إنهم يأخذون من أهل الذمة الخراج أو الجزية يأخذون خمرًا ويبيعونه ويدخلون ثمنه في بيت المال نهاهم قال: ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها، بيع الخمر بالنسبة للمسلمين حرام، أمَّا بالنسبة للذمي حلال، اجعلوهم يبيعون الخمر؛ لأنهم يعتقدون حلها وخذوا أثمانها منهم مع أني الآن أعلم أن هذا الرجل باع الخمر وأخذت الثمن -ثمن الخمر -وجعلته في بيت المال يقاس على الخمر ما يشبهه أو أشد ضررًا منه مثل الأفيون والحشيش والمخدرات، وهل يقاس عليه الدُّخان أو لا؟ هو لا يسكر وأظنه أيضًا لا يخدر لكنه يدخل فيما يأتي في بيع الميتة أو الخنزير لكنه في بيع الميتة ألصق. تحريم بيع الميتة مثل الدخان والدم: قال: "والميتة"، يعني: حرم بيع الميتة، وهذا كما نعلم لفظ عام؛ لأنه مفرد محلى بـ "أل"، والأصل في المفرد المحلى بـ "أل" أنه للاستغراق، عام لأنه لا يخرج عن الاستغراق إلا بدليل مثل أن يكون للعهد، أو لبيان الحقيقة. إذن فكل ميتة فبيعها حرام، إذن لدينا عمومات عموم لجميع الميتات حيث قلنا "كل ميتة بيعها حرام" وعموم الميتة نفسها حيث قلنا: "كل الميتة بيعها حرام"، أما الأول وهو العموم في أعيان الميتات فهذا يستثنى منه شيء يستثنى منه ما كان ميتته حلالًا، مثل: السمك والجراد فإن بيعها حلال. فإن قال قائل: أين الدليل على إخراج هذا من العموم؟ قلنا: الدليل: أولًا: السُّنة، وثانيًا: المعنى، أما السُّنة فإن النبي ﷺ قال في سياق هذا الحديث: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، فعلم من هذا التعليل أن الميتة التي يحرم بيعها هي

стр. 1669

الميتة المحرمة؛ لقوله: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، أما المعنى: فنقول: إنما حرم بيع الميتة لأنه لا ينتفع بها، والميتة الحلال ينتفع بها، وما كان منتفعًا به على وجه حلال فإن الشرع لا يمكن أن يمنع بيعه لما في ذلك من الحجر على الناس في تعميم الانتفاع به؛ لأنَّا لو قلنا: هذا الشيء الحلال لا يجوز بيعه معناه: أننا حجرنا على الناس في تعميم الانتفاع به فصار لا ينتفع به إلا من كان بيده أو إذا ما أعطاه على سبيل الهدية والصدقة وما أشبه ذلك. صار يستثنى من هذا أي شيء؟ الميتة الحلال كالسمك والجراد، وقد عرفتم الدليل والتعليل في ذلك. العموم الثاني: قولنا: "كل الميتة"، أي: كل أجزاء الميتة حرام بيعها هذا أيضًا ليس على عمومه؛ لأنه يستثنى منه ما لا تحله الحياة، فبيعه حلال بالاتفاق كالشعر والوبر والصوف والريش هذا بيعه حلال بالاتفاق؛ لأنه لا يدخل في مسمى الميتة، ولهذا يجزَّ وينتفع: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]. ولو كان من الميتة لكان إذا جزّ لا ينتفع به؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته. إذن يستثنى من الميتة ما لا تحله الحياة؛ كالشعر والوبر والصوف والريش، هذه الأربعة ما الفرق بينها؟ الصوف للضأن، والوبر للإبل، والشعر للمعز، والبقر والريش للطير، هذه يجوز بيعها فإذا ماتت البهيمة مثلًا وجز الإنسان صوفها أو شعرها أو وبرها فله بيعه، وكذلك لو قص ريشها فله بيعه بالاتفاق؛ لأن الحياة لا تحله، وهل تباع الأظلاف؟ الأظلاف للبهيمة التي بمنزلة الأظفار للإنسان هل تباع؟ الظاهر أنها من جنس الظفر بعضها تحله الحياة وتتألم به وبعضها لا، فما لا تحله الحياة كالظفر فإنه يجوز بيعه إن انتفع به، وإن لم ينتفع به منع من بيعه لا لأنه جزء ميتة، ولكن لأن في بذل المال فيه إضاعة للمال. عظام الميتة تحل بيعها؛ لأنها تدخل في عموم قوله: "الميتة" واختار شيخ الإسلام ﵀ جواز بيع العظام معللًا ذلك بأن الحياة لا تحل العظم، لأنه ليس فيه دم؛ ومدار تحريم الميتة على الدم، ولهذا إذا كان الحيوان مما لا دم فيه فعظم ميتته طاهرة وما ليس فيه دم فإن ميتته طاهرة. قال: إذن فالعظام طاهرة، وإذا كانت طاهرة جاز بيعها، لكن جمهور أهل العلم على خلاف قوله وهو الأقرب من لفظ الحديث؛ لأن الميتة في الواقع إذا قيل "ميتة" فلا يتبادر إلى الذهن إلا أن لفظ شامل لكل الميتة، وقول شيخ الإسلام: إن الرسول ﷺ إنما حرم من الميتة أكلها والعظام لا تؤكل. جوابه أن يقال: بل قد تؤكل. هل يشمل هذا الحكم الجلد - جلد الميتة - أو لا؟ نقول: الحديث يشمله؛ لأن الجلد جزء من الميتة تحله الحياة، إذن فلا يجوز بيع جلد الميتة وإن سلخ وانفصل منها؛ لأنه جزء منها،

стр. 1670

فكما لا يجوز أن أبيع يدها أو رجلها إذا قطعتها فلا يجوز أن أبيع جلدها إذا سلختها، وهل يشمل هذا ما إذا دبغ الجلد؟ يقول بعض العلماء: إنه يشمل ما إذا دبغ، وهذا مبني على أنه لا يطهر بالدباغ وعلى أنه لا ينتفع به إلا في الشيء اليابس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والصحيح أنه يطهر بالدبغ، وأنه ينتفع به في اليابسات والمائعات؛ لأن النبي ﷺ مر بشاة يجرونها ميتة فقال: "هلَّا أخذتم إهابها فانتفعتم به". قالوا: إنها ميتة. قال: "يطهرها الماء والقرظ" وقال: "دباغ جلود الميتة ذكاتها"، وهذا يدل على أن الدبغ يطهرها ويجعلها حلًّا حيث شبهها بالذكاة، شبه الدباغ بالذكاة، وعلى هذا القول يجوز بيعه بعد الدبغ؛ لأنه عين مباحة النفع على وجه عام شامل فيباح بيعه بعد الدبغ. هل يباح بيع جلود السباع بعد دبغها؟ هذا ينبني على أن قول الرسول ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" هل يشمل ما لا تبيحه الذكاة كالسباع أو يختص بما تبيحه الذكاة لقوله: "دباغ جلود الميتة ذكاتها" وفيه خلاف بين العلماء أيضًا، لكن إذا قلنا بان جلود السباع تطهر بالدبغ فإنه يجوز بيعه كجلود الميتة. لو قال قائل: إذا قلتم إنه يطهر بالدبغ، فقولوا: يجوز بيعه قبل الدبغ كما تقولون بجواز بيعه؛ لأنه يمكن أن يطهر وينتفع به، فاجعلوا جلد الميتة قبل الدبغ كالثوب المتنجس، وقولوا: يجوز بيعه لمن يريد أن يدبغه ويطهره؛ لأنه قد يكون هذا صاحب الشاة التي ماتت وسلخ جلدها قد لا يكون عنده ما يدبغ به الجلد، ويأتي إنسان آخر يقول: أنا أشتريه وأدبغه فهل تجيزون ذلك؟ الجواب: لا، والقياس نقول: لا يصح القياس؛ لأن هذا الجلد جزء من الميتة فنجاسته عينية أصلية، فلا يمكن أن نجيز بيعه حتى يخرج عن حكم الميتة، أما الثوب المتنجس فالنجاسة طارئة عليه وأصله طاهر ليس جزءًا من ميتة أو جزءًا من نجس بل أصله طاهر، فلهذا أجزنا بيعه قبل غسله، إذن الميتة فيها عمومان من حيث الميتات وأنواعها، ومن حيث أجزاء الميتة، تقدير العموم الأول: أن نقول: بيع كل ميتة، وتقدير العموم الثاني: بيع كل الميتة، وعرفنا الآن ما الذي يستثنى من ذلك. ولو قال قائل: لو اضطر إنسان إلى بيع ميتة هل يجوز بيعها عليه؟ الجواب: لا للعموم، ولأنه عند الضرورة يجب أن يبذل له ما يدفع ضرورته حتى وإن كانت مذكاة، فإن أبى صاحب الميتة أن يعطي المضطر إلا ببيع فليدفع له والإثم على البائع.

стр. 1671

والقرون يجوز بيعها؟ مثل الظفر الذي انفصلت عن الحياة لا يجوز وما لا فلا، يقاس على الميتة ما كان ضارًّا بالبدن، فكل ما يضر بالبدن فإنه يدخل في حكم الميتة مثل الدخان؛ لأنه مضر، ولا شك في ضرره فيحرم بيعه، وإذا حرم بيعه حرم تأجير المحلات لمن يبيعه؛ لأن هذا إعانة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البِّر والتَّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدان﴾ [المائدة: ٢]. وحرم أيضًا إعانة شاربه على حصوله لأي سبب، وبناء عليه لو قال الأب لابنه: خذ يا بني هذه العشرة ريالات واشتر لي علبة دخان يلزمه طاعته؟ لا يلزمه، ويحرم عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما﴾ [لقمان: ١٥]. إذا قال له: اشتر لي وإلا طلقت أمك هل هذا ضرورة؟ الظاهر أنه ضرورة؛ لأنه ربما يتجرأ هذا الغشيم -الأب- ويطلق الأم وقد تكون هذه آخر التطليقات فتنفصم عرى الأسرة. المهم: إذا دعت الضرورة إلى ذلك فهو كغيره من المحرمات التي تبيحها الضرورة، أما إذا لم يكن ضرورة فإنه يجب عليه أن يعصي والده في ذلك، فإن قال: أفلا أعد عاقًّا إذا كان والدي لا يستطيع أن يخرج إلى السوق ويشتري لمرض أو كبر؟ فالجواب: أنه لا يعد عاقًّا لوالديه. وهل يقاس على الميتة السُّم؟ إن اشترى للمضرة فهو حرام، كذا وإن اشترى للمنفعة فهو حلال، ومن ذلك المبيدات التي تشتري لأمراض الأعشاب والزهور وما أشبهها، فنقول: هذه الأشياء إذا كان لا يمكن الانتفاع بها إلا على سبيل المضرة فبيعها حرام وإلا فبيعها حلال؛ لأن فيها منفعة. والدم هل يجوز بيعه أو لا؟ بيع الدم حرام سواء بيع للأكل أو الشرب أو الحقن لا يجوز بيعه، في الأكل كيف ذلك يمكن أن يكون جامدًا ويأكله الإنسان أكلًا أو يشربه شربًا إذا كان ساخنًا حقنًا إذا كان مريضًا يحتاج إلى حقن دم، نقول: بيعه حرام. فإن قال قائل: أليس الدم يجوز عند الضرورة؟ قلنا: أوليس الميتة تجوز عند الضرورة؟ فسيقول: بلى في المسألتين، نقول: إذا كانت الميتة تباح للضرورة ومنع الشارع بيعها فكذلك الدم لا يجوز، فإن اضطر إنسان إليه ولم يجد من يبذله له إلا بعوض فالإثم على البائع، أما هو فيجوز أن يدفع ضرورته بذلك وهذا على أي دم: دم الإنسان دم البهيمة. تحريم بيع الأصنام وما يلحق بها من الكتب المضلة والمجلات الخليعة: الأصنام قلنا: إن كل ما اتُّخذ ليعبد من دون الله فهو صنم، سواء على صورة إنسان أو شجر أو حجر أو غير ذلك، وذكرنا في أثناء الشرح أن العلة في ذلك حماية الأديان وعلى هذا نقول: الأصنام يحرم بيعها، لكن لو أراد شخص أن يصنع صنمًا لمن يعبد الأصنام مثل أن يصنع صورة بوذا لمن يعبده نقول: هذا حرام لا يجوز بيعه حتى على من يعبده؛ لأن عادة

стр. 1672

الأصنام ما أحلت بأي شريعة كانت، كل الشرائع تحارب الشرك، ليس هناك شريعة أنزلها الله تبيح الأصنام، فإن اشتريت الأصنام لتكسر وينتفع بموادها فظاهر الحديث أن ذلك حرام، ويحتمل أنه ليس بحرام؛ لأنه ليس المقصود من الشراء هنا شيئًا محرمًا؛ إنما المقصود شيئًا مباحًا، ومثل ذلك لو اشتراها ليتلفها فإن هذا لا بأس به بشرط أن يعلن ذلك حتى لا يظن أحدٌ أنه اشتراها من أجل الانتفاع بها على وجه محرم، إذن يستثنى من الأصنام شيئان: الشيء الأول: إذا كانت مادتها ينتفع فاشتراها ليكسرها وينتفع بمادتها كما لو كانت من حديد أو خشب يصلح أن يكون ألواحًا أو أبوابًا أو ما أشبه ذلك. ثانيًا: إذا اشتراها ليتلفها يعني: هو لا ينتفع بمادتها لكن اشتراها ليتلفها فهذا لا بأس به، بشرط أن يبين ذلك ويظهره لئلا يتخذ ذريعة إلى جواز بيعها، ويقاس على ذلك. من فوائد الحديث أيضًا: أنه يحرم بيع الكتب المضلة الداعية للبدع أيًّا كانت إلا إذا اشتراها ليعرف ما فيها من بدع ثم يرد عليها، فهذا لا بأس به إذا كان لا يتوصل إلى ذلك إلا بالشراء، كما لو اشترى الأصنام من أجل إتلافها ولا يتوصل إلى إتلافها إلا بذلك، ويقاس على ما سبق من بيع الخمر والأصنام، أيضا لا يجوز شراء الكتب المدمرة للأخلاق مثل المجلات والصحف التي تشتمل على صور خليعة مغرية مفسدة للأخلاق، فإن شراءها لا يجوز وبيعها حرام، فإن اشتراها لإتلافها ولا يتمكن من إتلافها إلا عن طريق الشراء فلا بأس؛ لأن هذا لا يقصد به اقتناؤها، وإنما يقصد به إتلافها وإزالتها، وكل شيء ذكرناه من الأصنام وغيرها مما قلنا يجوز شراؤه لإتلافه وهذا إذا لم يتمكن من إتلافه بغير الشراء، فإن تمكن فإن شراءها إضاعة مال ولا يجوز له أن يشتريها في هذه الحال. ومن فوائد الحديث: حماية الإسلام للعقول والأبدان والأخلاق والأديان والأموال والفرد والمجتمع والفطر؛ لأن كل هذا تفسد ما ذكر، فإذا حرم الشارع بيعها فإنما ذلك لحماية هذه الأمور التي لا بد للمجتمع من حمايتها. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز تأجير المحلات لمن يبيعون هذه الأشياء، من أين يؤخذ؟ من أن الإعانة على المحرم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدان﴾ [المائدة: ٢]. فلا يجوز أن يؤجر الإنسان بيته لبائع الخمر أو لبائع الخنزير أو لبائع الأصنام أو لبائع المجلات الخليعة أو لبائع الكتب المنحرفة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان. ومن فوائد الحديث: فقه الصحابة ﵃ وذلك من قولهم: "أرأيت شحوم الميتة؟ ... إلخ"، وجه ذلك: أنهم أرادوا أن يجعلوا من الانتفاع بهذه الأشياء -هذا الانتفاع المباح- سببًا لحل بيعها؛ لأنه يتوصل بيعها إلى شيء مباح وهو طلي السفن ودهن الجلود والاستصباح.

стр. 1673

ومنه أيضًا -من فوائد الحديث-: أن الشرع يأتي بما فوق العقل، بمعنى: أن العقل قد يدرك الشيء على وجه ناقص فيأتي الشرع ويكمله، وجه هذا: أن الصحابة قالوا: إذا كانت هذه الشحوم تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فهذا يقتضي جواز بيعها لتحصيل هذه المنافع، ولكن الشرع أقوى من ذلك وأعمق؛ حيث منع منها الرسول ﷺ مطلقًا لما في ذلك من الحماية التامة؛ لأنه لو أجيز بيع الشحوم لهذه الأغراض لتوصل الناس إلى شيء آخر ولقالوا: إذن يجوز بيع لحوم الخنزير لهذا الغرض، لكن الرسول بيّن أن هذا ممنوع. ومن فوائد الحديث: جواز طلي السفن بشحوم الميتة؛ لأن النبي ﷺ أقرهم على ذلك. ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الاستصباح بشحوم الميتة، لكن قال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يستصبح بها في المساجد، وهذا القول مبني على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة؛ لأن دخان النجاسة نجس، أما على القول بأنها تطهر بالاستحالة فإن دخانها طاهر، وحينئذٍ لا مانع من أن يستصبح بها في المساجد. ومن فوائد الحديث: جواز الانتفاع بالنجس على وجه لا يتعدى لقوله هنا: "فإنها تطلى بها السفن"، فإن كان على وجه يتعدى مثل أن يستعمل النجس على ثوبه أو بدنه ويذهب إلى الصلاة، فإن هذا لا يجوز، أو يستعمل النجس في أكله وشربه فإن هذا لا يجوز؛ لأن التغذي بالنجاسة لا يجوز. هل يستفاد منه: جواز استعمال الكحول على وجه لا يتعدى كما لو ادهن بها أو ما أشبه ذلك؟ نعم، قد يقال بذلك، وقد يقال: إن عموم قوله: ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠]. يدل على أنه لا يستعمل لا شربًا ولا دهانًا. ومن فوائد الحديث: جواز الدعاء على الأمة إذا عملت ما يكون معصية على سبيل العموم؛ لقول الرسول ﷺ : "قاتل الله اليهود"، فيجوز لك أن تقول: قاتل الله أهل هذا البلد إذا كانوا يتعاملون معاملة سيئة أو يفعلون معصية تدعو عليهم بأن يقاتلهم الله، وسبق معنى المقاتلة. ومن فوائد الحديث: أن اليهود أصحاب مكر وخديعة؛ لأن الله لما حرم عليهم الشحوم صاروا يذيبونها ثم يبيعونها ويأكلوا ثمنها. ومن فوائده: أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، فيكن التحيل حرامًا؛ لأنه تحيل على المعصية، ولأن فيه مشابهة لمن؟ لليهود. ومن فوائد الحديث: أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، وبناء على ذلك فإن ما ذكرناه قبل قليل من شراء الأصنام لإتلافها أو الكتب المنحرفة لإتلافها يكون الثمن حرامًا على البائع لماذا؟ لأن هذا حرام عليه فيحرم عليه ثمنه.

стр. 1674

ومن فوائد الحديث: جواز تصرفات الكفار المالية لقوله: "ثم باعوه فأكلوا ثمنه"، فإن هذا البيع إذا قال: "أكلوا ثمنه" يدل على أن هذا البيع صح؛ إذ لا يحل الثمن إلا بعد صحة البيع. وهذه الفائدة فيها شيء من القلق لكن قد يوحي قوله: "ثم باعوه" على جواز تصرف الكفار، وهذا أمر لا شك فيه، يعني: من حيث الجملة، لكن هل هذا الحديث يدل عليه هذا هو محل قلق في النفس، وأما جواز تصرف الكفار ومعاملاتهم فهذا شيء معروف. ومنها: جواز استعمال "أرأيت" في مخاطبة الرؤساء وذي الشرف والجاه لقول الصحابة: "أرأيت شحوم الميتة؟ "، ولا يقال: إن هذا سوء أدب في الخطاب؛ لأن الصحابة -وهم أكمل الناس أدبًا- خاطبوا به من هو أعظم الناس في وجوب التأدب معه، وهو الرسول ﷺ . ومنها: جواز توكيد الحكم لقوله: "لا، هو حرام"، فإن قوله: "هو حرام" تأكيد لقوله: "لا"؛ إذ لو اقتصر على قوله: "لا" لكفى، وقد يقال: إنه لا يكفي؛ لأن النفي قد يكون للكراهة لا للتحريم، وبناء على ذلك تكون الجملة -"هو حرام"- تأسيسية لا توكيدية. ٧٥٠ - وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنةٌ، فالقول ما يقول ربُّ السِّلعة أو يتتاركان". رواه الخمسة، وصحَّحه الحاكم. قوله: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة"، المتبايعان هما: البائع والمشتري، وأطلق عليهما اسم المتبايعين من باب التغليب على أننا نقول: البائع بائع، والمشتري مبتاع. وقوله: "وليس بينهما بينة"، البيِّنة: ما يبين الحق ويوضحه وهي في الأموال: رجل وامرأتان أو رجلان أو رجل ويمين المدعي. وقوله: "فالقول ما يقول رب السلعة"، من هو رب السلعة؟ فسرت ذلك في لفظ آخر وهو البائع وتفسيره يرد قول من يقول: إن المراد برب السلعة: المشتري؛ لأن مالك السلعة عند الاختلاف هو المشتري وليس البائع؛ لأن البائع قد باعه وانتقل ملكه عنه، ولكن تفسير اللفظ الثاني يأبى هذا المعنى، ويكون المراد برب السلعة: البائع على كل حال، وظاهر الحديث: أن هذا عام في جميع الاختلافات سواء كان البائع هو المدعي أو كان المشتري هو المدعي، وحينئذٍ يكون بينه وبين قول الرسول ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه" يكون بينهما

стр. 1675

عموم وخصوص من وجه، وجه ذلك: أن الحديث "البينة على المدعي" يعم كل السلع ويخص اليمين بالمدعى عليه، وأن هذا الذي معنا يختص بالمتبايعين ويعم كل اختلاف بينهما، إذن هنا عموم وخصوص، فإذا اتفقا في صورة ما فلا إشكال؛ يعني: بأن كان البائع هو المدعى عليه، فإذا كان البائع هو المدعى عليه فالقول قوله بيمينه على الحديثين، هذا والذي أشرنا إليه من قبل، وصورة ذلك: أن يقول المشتري للبائع: إنك قد اشترطت عليّ أن الشاة ذات لبن! فقال البائع: ما اشترطت عليك، فهنا القول قول البائع أنه لم يشترط على الحديثين جميعًا، يعني: على مقتضى هذا الحديث وعلى مقتضى البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه؛ لأن المدعي عليه الآن، هو البائع، وهنا يكون القول ما قال رب السلعة وهو البائع، فإذا اتفق مدلول الحديثين في صورة ما فالأمر واضح أن القول قول البائع، لكن المشكل إذا اختلفا مثل أن يقول البائع: قد بعتها عليك بعشرة، فيقول المشتري: بل بثمانية، فهنا البائع هو المدعي؛ لأنهما اتفقا على الثمانية واختلفا في الزائد في العشرة وما فوق بثمانية زائد، فالقول به دعوى، فهل نقول: القول قول البائع، أو نقول: القول قول المشتري؛ لأنه مدعى عليه؟ فيه خلاف؛ منهم من رجح اليمين على المدعى عليه، وقال: هنا المشتري مدعىٍ عليه؛ لأنه قد ادعى عليه أن الثمن عشرة فيكون القول قوله، ويحلف أنها ليست بعشرة وتكون له، ومنهم من يقول: بل القول قول البائع؛ لأن المشتري مدعٍ. ما وجه كونه مدعيًا. قالوا: لأنه ادعى أن البائع أخرجها من ملكه بثمانية، والأصل بقاء ملك البائع، فالبائع يقول: ما بعت إلا بعشرة، وهذا يقول: بعت بثمانية، إذن هو مدعٍ، وحينئذٍ يصدق الحديثان في هذه الصورة؛ لأن قولنا: القول قول البائع على حسب هذا الحديث، وعلى حسب حديث: "البينة على المدعي"، ولكن العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: القول قول البائع بمقتضى هذا الحديث وقال: إن معنى حديث: "البينة على المدعي ... إلخ" يطابق هذا الحكم؛ لأن المشتري يدعي أن البائع أخرجه من ملكه بثمانية، والبائع ينكر، والأصل بقاء الملك -ملك البائع- فيكون القول قول البائع كما سيأتي. ومن العلماء من قال: إن القول قول المشتري؛ لأنهما اتفقا على البيع واتفقا على ثمانية واختلفا فيما زاد على الثمانية، فالمشتري يدعيها والبائع ينفيها، فالبينة على المدعي، فيقال للبائع هات البينة وإلا فليس لك إلا ثمانية. ومنهم من قال: بل يتحالفان، وهذا هو المذهب، قالوا: لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعى عليه؛ فجمعوا بين القولين. وقالوا: إن البائع مدعٍ والمشتري مدعٍ أيضًا، والبائع مدعى عليه

стр. 1676

والمشتري مدعى عليه، إذن كيف نعمل؟ قالوا: يتحالفان، فيحلف البائع أولًا ما بعته بثمانية وإنما بعته بعشرة، فإن رضي المشتري ثبت ما قال البائع، وإن لم يرض حلف المشتري ويقول: والله ما اشتريته بعشرة وإنما اشتريته بثمانية، وبعد التحالف يفسخ البيع وترد السلعة إلى ربها والثمن إلى ربه. هذا الحديث لو نظرنا إلى عمومه لقلنا: كل اختلاف يقع بين المتبايعين فالقول قول البائع، فإن لم يحلف ترادَّا البيع، يعني: فسخاه، ولكن هذا الحديث ليس على هذا الإطلاق باتفاق العلماء، فإن العلماء لم يتفقوا على أن القول قول البائع في كل صورة، بل اتفقوا على أنه ليس القول قول البائع في كل صورة، وأن من الصور ما لا يمكن فيه قبول قول البائع بالاتفاق، ومن الصور ما القول فيه قول المشتري بالاتفاق، إذن صار هذا الحديث ليس على إطلاقه، وإنما يرجع فيه إلى الحديث الأصل وهو: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، ثم إذا كان كل منهما مدعيًا ومدعى عليه فإننا نجري ما قاله الفقهاء ﵏ بأن نحلِّف كل واحد منهما على نفي دعوى صاحبه، وإثبات دعواه، وإذا وقع التحالف فلكل واحد منهما الفسخ، وإذا اختلف في عين، فقال المشتري: إني اشتريته وهو معيب، وقال البائع: بل اشتريته سليمًا من العيب، فمن القول قوله؟ هذا الحديث يدل على أن القول قول البائع، وهو كذلك مطابق للأصول؛ لأن الأصل عدم العيب، والأصل سلامة المبيع. وقال بعض الفقهاء: إن القول قول المشتري وهو المذهب، وإذا اختلفا في حدوث العيب فالقول للمشتري، لماذا؟ قالوا: لأن الأصل عدم قبض الجزء الفائت بالعيب، لأن العيب نقص في المبيع، والأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت بالعيب، فإذا ادعاه المشتري وقال: ما قضيت هذا الجزء الفائت بالعيب فالقول قوله، لكن هذه العلة عليلة جدًّا؛ لأن كون الأصل سلامة البيع أقوى مما قالوه ﵏ هذا ما لم يكن هناك بينة على قول أحدهما كما لو كان العيب أصبعًا زائدًا، فهنا القول قول المشتري؛ لأن الزائد لا ينبت يكون من أصل الخلقة، أو كان العيب جرحًا طريًّا يثعب دمًا، والبيع له أربعة أيام، فهنا القول قول البائع؛ لأنه لا يمكن أن يبقى الجرح يثعب دمًا لمدة أربعة أيام، ولكن القول الصحيح: أن القول قول البائع؛ لما ذكرناه من أن الأصل سلامة المبيع، فإن اتفقا على أن العيب عند البائع وقال البائع: قد اشترطته عليك، وقال المشتري: لم تشترطه، فما هو الأصل؟ ننظر أولًا هل اتفقا على العيب؟ قال البائع: نعم، صحيح به عيب، لكنني اشترطت عليك. وقال المشتري: لم تشترطه علي ولا بينته، فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم الشرط إلا إذا وجدت قرينة قوية تشهد للبائع بأن يكون البائع معروفًا بالصدق وحسن المعاملة، وأنه لا يمكن أن يكتمه عليه، وأن المشتري معروف بسوء المعاملة أو قرينة أخرى

стр. 1677

مثل: أن يكون قد باع عليه هذا الشيء والقيمة مرتفعة ورضي بالعيب، ولما نزلت القيمة ادعى أنه لم يشترطه عليه من أجل أن يرد البيع فهذه أيضًا قرينة، لكن إذا خلت المسألة من القرينة فإن القول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم الشرط. ومن فوائد الحديث: العمل بالبينة، وهل البينة معينة بالنوع أو عامة لكل ما يبين الحق؟ الصحيح: أنها عامة لكل ما يبين الحق، والمذهب: أنها في الأموال رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، ولكن الصواب أن البينة: اسمٌ لما يبين الحق ويوضحه بأي وسيلة كانت. ومن فوائد الحديث: جواز وصف الإنسان بالرب؛ لقوله: "رب السلعة"، وهذا جائز، وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى، منها قوله ﷺ في علامات الساعة في رواية للبخاري: "أن تلد الأمة ربها"، وكذلك في اللقطة: "حتى يجدها ربُّها"، فوصف الإنسان بالرب لما يملكه جائز ولا بأس به، لكن من المعلوم أنه لا يجوز أن يقول: فلان رب كل شيء؛ لأن هذا وصف خاص بالله فلا يجوز أن يطلق على بشر، كما لا يجوز أن يقول: قاضي القضاة، وملك الملوك وما أشبه ذلك. ومن فوائد الحديث: الرجوع إلى الأصل والعمل به لقوله: "القول ما قال ربُّ السلعة"؛ لأن الأصل أنه لم يخرج السلعة إلا على قوله هو، فالأصل مثلًا: أني ما بعتها عليك بثمانية، الأصل أني لا أخرج من ملكي إلا ما أرضاه وأنا ما رضيت إلا عشرة، فهذا عمل بالأصل، والعمل بالأصل موجود وله أدلة كثيرة في القرآن وفي السُّنة: أننا نعمل بالأصل وهو أيضًا مقتضى النظر؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان"، ومن أمثلة ذلك: رجل توضأ ثم شك هل أحدث أم لا؟ فالأصل بقاء طهارته، ورجل أحدث ثم شك هل توضأ أم لا؟ فالأصل بقاء حدثه، فلو تيقنت أنك أكلت لحم إبل بعد المغرب ثم شككت هل توضأت أو لا؟ فلا تصلي العشاء إلا بوضوء جديد، ولو توضأت لصلاة المغرب ثم شككت هل انتقض وضوءك أو لا؟ لم يلزمك الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الوضوء كما قال النبي ﷺ في الرجل يشكل عليه أخرج منه شيء أو لا قال: "لا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا". أسئلة: - ما المراد: بـ"المتابيعان"؟

стр. 1678

- وهل له نظير في اللغة العربية؟ - يقال: شرى واشترى، أيهما البائع؟ - ما هي البينة؟ - ما هو ربُّ السلعة في الحديث، وهل هناك قول آخر؟ وقبل أن نبدأ شرح حديث جديد أحب أن أنبه على وهم وقع لنا في المثال السابق في حديث ابن مسعود لعلكم انتبهتم له، المشتري والبائع اختلفا في قدر الثمن، فقال البائع: إنه مائة، وقال المشتري: إنه ثمانون، من الذي يدعي الزيادة؟ البائع، وعلى هذا فهو المدعي، وأظن أننا ذكرنا أن الذي يدعي الزيادة هو المشتري. ونكمل أيضًا فوائده -أي: الحديث الماضي نقول-: إنه إذا اختلف المتبايعان وكان لأحدهما بينة، فالقول قول من معه البينة لقوله: "وليس بينهما بينة". ومن فوائد الحديث: أن جميع الاختلافات يرجع فيها إلى قول البائع، فإن رضي بذلك المشتري وإلا فسخ البيع، هذا هو ظاهر الحديث، ولكن هذا الحديث ليس على ظاهره بالإجماع. ففيه مسائل لا يكون فيها القول قول البائع بالاتفاق، وعلى هذا فيكون عموم الحديث مخصوصًا بالأدلة الأخرى، والضابط: أن كل من ادعى خلاف الأصل فهو مدعٍ يحتاج إلى بينة، وكل من تمسك بالأصل فهو منكر وعليه اليمين، هذا هو الضابط، وينزل هذا الحديث مع حديث: "البينة على المدعي ... إلخ" ينزل على هذا الأصل، وهذا الأصل أصل عظيم دلت عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسُّنة. النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن: ٧٥١ - وعن أبي مسعودٍ ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيِّ، وحلوان الكاهن". متَّفقٌ عليه. النهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء بلفظ المضارع المقرون بـ"لا"، فلا بد أن نقيد؛ لأننا لو لم نقيد لكان قول القائل: اجتنب كذا نهيًا مع أنه ليس بنهي، بل هو أمر بالاجتناب، لكن لو قلت: لا تفعل كذا هذا هو النهي، وعلى هذا فنقول في التعريف: طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية، وإنما قيدناه بذلك لئلا يدخل فيه الأمر بالترك أو بالاجتناب، فإن هذا لا يسمى نهيًا في الاصطلاح، وإن كان يقتضي معناه. قال: "نهى عن ثمن الكلب"، يقال: ثمن، ويقال قيمة فهل بينهما فرق؟ الجواب: نعم،

стр. 1679

الثمن ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يقوم به الشيء في عامة أوصاف الناس مثال ذلك: اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة، يسمى هذا ثمنًا، لو رجعنا إلى الكتاب في السوق وجدناه يساوي ثمن القيمة تمامًا، لو رجعنا إليه فوجدناه باثني عشر فتكون القيمة اثني عشر، فما كانت قيمته في عامة الناس يسمى قيمة، وما يقع عليه العقد يسمى ثمنًا. إذن "نهى عن ثمن الكلب"، أي: عن عقد البيع عليه المتضمن للثمن، ونحن قلنا هذا لفائدة نذكرها -إن شاء الله تعالى- في الفوائد، وهي ما إذا أتلف الكلب هل يضمن بقيمة أو لا. وقوله: "الكلب" هو حيوان معروف سبع يفترس، وهو أخبث الحيوانات وأنجسها؛ لأن نجاسته لا بد فيها من سبع غسلات إحداها بالتراب، والخنزير كغيرة من الحيوانات الأخرى يغسل حتى تزول النجاسة بدون تسبيع وبدون تراب، وقوله: "الكلب"، "أل" هنا للعموم فيشمل كلَّ كلب سواء كان أسود أم غير أسود معلَّمًا أم غير معلم، يجوز اقتناؤه أو لا يجوز اقتناؤه؛ لأن الحديث عام: "ثمن الكلب" عام لكل كلب. قال: "ومهر البغي" البغي: فعيل بمعنى فاعل، والمراد بها: الزانية، وحذفت منها التاء؛ لأن الوصف خاص بها كما حذفت التاء من المرضع والحامل التي في بطنها الولد بخلاف الحاملة التي تحمل على رأسها شيئًا، ولهذا يفرق بين قول القائل: امرأتي حاملة وامرأتي حامل، إذا قال: امرأتي حامل، أي: في بطنها ولد معروف، أمَّا إذا قال: امرأتي حاملة فيقول القائل: ماذا تحمل؟ إذن البغي نقول: هي المرأة الزانية، وحذفت التاء لاختصاص الوصف بها، والبغاء: الزنا، قال الله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: ٣٣]. بمعنى: البغي، المراد بذلك: أجرة الزنا، وسمي مهرًا؛ لأنه يعطي الزانية عوضًا عن الاستمتاع بها، فأشبه المهر الذي يبذله الإنسان في النكاح الصحيح. قال: "وحلوان الكاهن" يعني: عطيته، وهو: ما يعطاه الكاهن على كهانته، وسمي حلوانًا، مأخوذ من الحلو؛ لأنه يكسبه بدون تعب وبدون مشقة فهو حلوٌ في اكتسابه، والكاهن: من يتعاطى الكهانة، وهو الذي يخبر عن المغيبات هذا هو الكاهن، مثل أن يقول للشخص: سيأتيك ولد، ستربح اليوم كذا وكذا، سيحدث بعد أيام كذا وكذا، وما أشبه ذلك من علوم الغيب، وكان الكهان معروفين في الجاهلية يتحاكم الناس إليهم؛ لأنهم يأتون بعلوم غيبية يطابقها الواقع، فإن كل واحد منهم له رئيٌ من الجن يصعد إلى السماء ويستمع أخبار السماء ثم ينزل بها إلى صاحبه في الأرض فيأخذ منها ما يأخذ ويضيف إليها ما يضيف ويحدث الناس، فإذا صدق في كلمة من عشر كلمات عظموه وجعلوه حكمًا بينهم. والرسول ﷺ جاء بالصدق مائة في المائة ومع ذلك نبذوه وكذبوه، وهؤلاء الكهان الذين تنزل إليهم الشياطين

стр. 1680

معظمون عندهم يتحاكمون إليهم، فيعطونهم عند التحاكم ما يعطونهم من الأجرة، وتسمى حلوان الكاهن، فنهى الرسول ﷺ عن حلوان الكاهن، النهي هنا هل هو نهي للباذل أو للآخذ؟ يعني: نهى أن نعطي ثمنًا على الكلب أو أن نأخذه؟ من الذي سينتفع؟ كل منهما سينتفع لكن الذي سينتفع بالثمن هو الآخذ، فيكون النهي منصبًّا عليه بالذات، لكنه يشمل البائع؛ لأنه معين على الباطل، والمعين على الباطل مشارك لفعله، ولهذا لعن النبي ﷺ آكل الربا وموكله فمثلًا: النهي في الأصل منصبٌّ على الآخذ وهو الذي يأخذ الثمن، لكن المعطي وهو البائع يدخل من باب أنه ساعد هذا وأعانه على الشيء المحرم. وعلى كل حال: نحن الآن نقول: البائع هو الذي يأخذ الثمن، فيكون النهي هنا منصبًّا على البائع في الأصل، لكن المشتري يمنع من ذلك ويحرم عليه أو ينهى عن ذلك؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، كذلك أيضًا مهر البغي من المنهي؟ كالأول، المهر من الذى ينتفع به؟ الجواب: الزانية فهي الآخذة، إذن ننهى عنه في الأصل ويكون ذلك بالتعاون والتبعية، "حلوان الكاهن"، الكاهن هو الذي سينتفع به، ويكون لذلك من باب التبعية والمعاونة. وفي هذا الحديث عدة فوائد: الأولى: تحريم ثمن الكلب، ويؤخذ من قوله: "نهى عن ثمن الكلب"، والأصل في النهي التحريم. ومن فوائده أيضًا: أن ظاهر الحديث شمول النهي عن ثمن الكلب ولو كان معلَّمًا يصاد به؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن، بل لو قال قائل: إن دخول كلب الصيد والحرث والماشية يدخل في الحديث دخولًا أوليًّا، لو قال قائل هكذا لقلنا: هذا هو الصواب، لماذا؟ لأن غير هذه الكلاب لا تباع ولا تشترى، وبهذا نعرف أن استثناء كلب الصيد والحرث والماشية لا وجه له؛ لأنه كيف نأخذه من العموم والظاهر أنه هو المراد، فإن وجدنا شخصًا عنده كلب ماشية وأبى أن يعطيه أحدًا يحتاج إليه إلا بثمن، قلنا: هنا يجوز أخذه منه استنقاذًا، والإثم على الآخذ البائع الذي باع الكلب، مع أن البائع الذي باع الكلب إذا كان مستغنيًا عنه لا يحتاج إليه حرم عليه اقتناؤه فضلًا عن بيعه. ومن فوائد الحديث: أن الكلب غير متقوَّم؛ يعني: لو أتلف كلب الصيد أو الحرث أو الماشية فلا قيمة له شرعًا؛ لأنه لو كان له قيمة لجاز له الثمن، إذ إن القيمة عوض عن العين المتلفة، والثمن عوض عن العين الفائتة عن صاحبها، وفي كلٍّ منهما حرمان لصاحب الكلب من منفعته، وهذا القول هو الراجح أنه لا قيمة له وأن إتلافه هدر، فإن قال صاحب الكلب الذي أتلف كلبه: كلبي غالٍ عندي، أحيانًا يقول البدوي: كلبي يساوي ولدي غالٍ عندي جدًّا

стр. 1681

ما أتركك إلا برقبة هذا الرجل -نعوذ بالله- فماذا نقول؟ مثل هذه الحال يعطى إن وجد كلب مثل كلبه، وإلا فيعطى ما يهوّن غضبه دفعًا للشر والفتنة. ومن فوائد الحديث: خبث الكلب، ولهذا حرم ثمنه حتى مع جواز الانتفاع به، أما الحمار يشترى ويباع؛ لأنه حرام هو بعينه، لكن منفعته ليست بحرام، وحينئذٍ يرد علينا إشكال فيقال: ما الفرق بين الحمار والكلب؟ لماذا جاز شراء الحمار مع تحريم عينه ونجاسته من أجل الانتفاع به في الركوب وغيره ولم يجز شراء الكلب للمنفعة المباحة من الصيد والحرث والماشية؟ الجواب أن يقال: شدة خبث الكلب هذه واحدة. ثانيًا: أن المنفعة المباحة في الكلب ليست منفعة مباحة على سبيل الإطلاق، بل هي منفعة مباحة مقيدة بالحاجة، وأما الحمار فالمنفعة فيه مباحة على سبيل الإطلاق، يجوز أن تقتنيه وإن لم تنتفع به، لكن الكلب لا يجوز اقتناؤه ولا الانتفاع به إلا عند الحاجة، فظهر الفرق بينهما من وجهين. ومن فوائد الحديث: تحريم مهر البغي للنهي عنه، وهو حرام على الزانية، وحرام على الزاني أن يعطيها، والحكمة من ذلك: أن هذا عوض عن فعل محرم، والقاعدة التي أسسها رسول الله ﷺ : "أن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، وهذا الزنا محرم بالنص والإجماع، فما كان عوضًا عنه فهو محرم، هذا وجه. الوجه الثاني: لو أجزنا ذلك لكان فتح باب للبغاء؛ لأن كل امرأة تحتاج إلى مال تبذل فرجها -والعياذ بالله- للبغاء للحصول على المال. ومن فوائد الحديث: أن حفظ العرض أولى من حفظ المال، وأنه يجب المحافظة عليه أكثر، ولهذا لو رأيت إنسانًا على زوجتك يزني بها جاز لك قتله فورًا بدون إنذار، ولو رأيت شخصًا يأكل على قدرك طعامك فإنه لا يجوز لك أن تقتله مع أن هذا عشاءك ليس عندك غيره، ولكن لا يجوز قتله فتدفعه بالأسهل فالأسهل، بخلاف العرض فإنه أعظم حرمة. ومن فوائد الحديث: تحريم البغاء، وجه الدلالة: لأنه لما حرم عوضه صار ذلك دليلًا على تحريمه، وتحريمه معلوم بنصوص أخرى، لكن نريد أن نأخذه من هذا الحديث. ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم الكهانة للنهي عن أخذ العوض عليها، وتحريم أخذ العوض عليها دليل على أنها حرام؛ إذ لو كانت حلالًا لجاز أخذ العوض عليها. ومن فوائده أيضًا: تحريم إعطاء الكاهن أجرته على الكهانة؛ لأنه نهى عن حلوان الكاهن، وهل يجوز أن آتي الكاهن بدون أجرة؟ نقول: لا، لا يجوز؛ لأن إتيان الكاهن لا فائدة منه إلا أن تستفيد مما يخبرك به، وهذا حرام كما دلّ عليه الحديث، وعلى هذا فالحديث يدل

стр. 1682

على تحريم إتيان الكاهن؛ لأنه لا فائدة من إتيان الكاهن إلا للسؤال الذي يخبرك به عن أخبار الغيب، وهذا حرام، وسبق لنا في كتاب التوحيد أن من أتى الكاهن فهو على ثلاثة أقسام: أولًا: أن يأتيه ليمتحنه ويبين كذبه ولعبه بالناس وهذا جائز، بل قد يكون واجبًا. ثانيًا: أن يأتيه فيسأله ولا يصدقه فهذا حرام، ومن فعل ذلك لم تقبل له صلاة أربعين ليلة؛ لأن في هذا إغراء للكاهن وإغراء لغيره أيضًا إذا رآك الناس تأتي إليه، لا سيما إذا كان لك قيمة في المجتمع، فإن هذا يغري الناس بالإتيان إلى الكاهن. الثالث: أن يأتيه فيسأله ويصدقه؛ فهذا كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لقول النبي ﷺ : "من أتى كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد". هذه الأشياء المحرمة: ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، محرمة على الآخذ ومحرمة على المعطي؛ يعني: لا يجوز أن يعطيه. هذا رجل جاء إلى شخص عنده كلب صيد لا يخلص في الصيد فقال: بعه عليَّ، فقال: الكلب غالٍ عندي. قال: أنا أعطيك ما تريد. قال: أبيعه بعشرة آلاف. قال: قبلت، فأخذ الكلب، ثم قال: لا أعطيك عشرة آلاف؛ لماذا يا رجل؟ قال: لأن الرسول ﷺ نهى عن ثمن الكلب، فماذا نصنع؟ نقول لهذا الرجل: إما وأن ترجع الكلب إن كان باقيًا، وإن كان تالفًا لا يمكن ترجيعه، إما أن ترجع الكلب أو أعطني الدراهم لا بد فنأخذ الدراهم منه ونجعلها في بيت المسلمين ولا نعطيها لصاحب الكلب؛ لأن صاحب الكلب لا يستحق ذلك، فإن قال صاحب الكلب: ردوا عليّ كلبي، نظرنا إن كان يحتاج إلى ذلك رددناه عليه؛ لأن هذا خدعه، وإن كان لا يحتاج إليه قلنا: أنت لست في حاجة إليه ولا يحل لك أن تقتنيه ويبقى الكلب عند من له فيه حاجة ولا نجمع له بين العوض والمعوض. هذا رجل أيضًا وقف على باب زانية وحاورها قالت له: أبدًا لا أقبل إلا كل ليلة بمائة ريال -نعوذ بالله- فوافق الرجل، وصار يأتي كل ليلة حتى عشر ليالٍ وجمع عليها ألف ريال، ولما خلص من عشر ليالٍ قالت: أعطني الألف قال: إن النبي ﷺ نهى عن مهر البغي، فهل نوافقه على ذلك؟ نقول: -الحمد لله- أولًا: سلم ألف ريال نجعلها في بيت المال، وثانيًا: إن كنت محصنًا فالرجم، وإن كنت غير محصن جلد مائة وتغريب عام، على كل حال: هذا إذا أقر بذلك؛ لأنه قد ينكر. على كل حال: أنا قصدي أنه لا يمكن أن يجمع له بين العوض والمعوض، وأما من قال من أهل العلم ﵏: إنه لا يعطيها شيئًا فهذا نظر إلى هذه المسألة من وجه واحد. ذكرنا أن الكلب لا يجوز ثمنه، وإذا أتلف قلنا: إنه لا قيمة له شرعًا، ولكنه يعزر بسبب تعديه على ما

стр. 1683

يختص به هذا الرجل، وأن الواجب على من عنده كلب معلم أو حرث أو ماشية إذا استغنى عنه أن يبذله مجانًا لمن أراده أو يسيبه؛ لأنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا لحاجة من الحوائج الثلاثة. جواز اشتراط منفعة المبيع للبائع: ٧٥٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁: "أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا، فأراد أن يسيِّبه، قال: فلحقني النَّبيُّ ﷺ فدعا لي، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: بعنيه بأوقِّيَّةٍ، قلت: لا. ثمَّ قال: بعنيه فبعته بأوقيَّةٍ، واشترطت حملانه إلى أهلي، فلمَّا بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثمَّ رجعت فأرسل في أثري. فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك. فهو لك". متَّفقٌ عليه، وهذا السِّياق لمسلمٍ. الجمل: هو ذكر الإبل، والغالب أن الجمل أقوى من الناقة من وجه، وهي أقوى منه من وجه آخر، فمن جهة التحمل يكون هو أشد قوة، ومن جهة المتعة يعني: أنها تبقى تكد أكثر فالناقة، هذا الجمل كان يسير عليه في سفر، فما هو هذا السفر؟ قيل: إنه في غزوة تبوك وقيل: إنه في غزوة ذات الرِّقاع، وأن الرسول ﷺ لحقه وهو راجع إلى المدينة، والأصح -كما حققه ابن حجر-: أنه في غزوة ذات الرِّقاع؛ لأن النبي ﷺ سأل جابرًا في هذه القصة: "هل تزوجت؟ " قال: نعم، قال: "أبكرًا أم ثيبًا؟ "، قال: بل ثيبًا، قال: "فهلا بكرًا تلاعبك وتلاعبها"، فبيّن له ﵁ أنه تزوج الثيب؛ لأن أباه ترك بناتًا صغارًا، فأراد أن تقوم بمصالحهن، وهذا يدل على أنها في غزوة ذات الرقاع؛ لأن غزوة ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة، فإن أبا جابر ﵁ استشهد في أحد والمعروف أنه إذا كان زواجه من أجل حاجة أخواته أنه سوف يبادر بهذا الزواج، فهذا يؤيد أنها كانت في غزوة الرقاع، أما غزوة تبوك فكانت في السنة التاسعة من الهجرة فهي بعيدة، وعلى كل حال: فتعيين الغزوة في تبوك أو ذات الرقاع ليس بذي أهمية كبيرة، ولكن العلم بالشيء ولا الجهل به، المهم القصة. وقوله: "قد أعيا" أي: تعب؛ لأنه ضعيف، "فأراد أن يسيِّبه" يعني: يتركه ويمشي على قدميه أو يردفه مع أحد الصحابة، المهم: أن يدع هذا الجمل؛ لأنه لا نفع فيه. يقول: "فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه"، "لحقني" يدل على أن الرسول ﷺ كان متأخرًا، وهذه عادته ﷺ أن يكون في أخريات القوم ليتفقد الضعيف والمحتاج ﷺ ، يقول: "فدعا لي وضربه"، وهذا الوصف مختصر؛ لأن الرسول ﷺ سأله ما هذا الجمل؟ وبيَّن له

стр. 1684

حاله، وأنه قد أتعبه، فأمره أن يعطيه المحجن -يعني: العصا- فأعطاه، فدعا الرسول ﷺ لجابر أن يبارك الله له في جمله، وضرب الجمل. يقول: "فسار سيرًا لم يسر مثله"، وكان بالأول لا يمشي، يقول: "سار سيرًا لم يسر مثله"، حتى إنه كان يجر الزمام له ليستمع إلى رسول الله ﷺ ، حتى إنه سبق القوم. يقول: "فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته بأوقية". قال: بعنيه، فقال: بل أهبه لك يا رسول الله، فقال: بل بعنيه ثم طلب أن يبيعه بأوقية، والأوقية: أربعون درهمًا، وهي بالنسبة لدراهمنا كم تساوي؟ عندنا مائتا درهم يعادل ستًّا وخمسين ريالًا يعني: هذه الأوقية تكون إحدى عشر ريالًا وأربع قروش، وكانت الإبل رخيصة في ذلك الوقت، يعني: ليس كالإبل في وقتنا هذا. يقول: "قلت: لا، ثم قال: بعنيه فبعته بأوقية"، أعاد عليه الطلب فباعه، وكلمة "بعنيه" من الرسول ﷺ ليست أمرًا، ولكنها أمر بمعنى العرض، يعني: أتبيعه علي؟ إذ لو كانت أمرًا لوجب على جابر طاعته، ولكنها عرض، فهو أمر بمعنى العرض كما تقول مثلًا لأي واحد من الناس: بع علي كذا وكذا، ليس هذا أمر ولكنه عرض، وهذه فائدة يقلُّ من يذكرها من علماء البلاغة: أن الأمر يأتي بمعنى العرض. يقول: "فبعته بأوقيه واشترطت حملانه إلى أهلي"، "حملان" مصدر كالغفران والشكران والكفران والنكران وما أشبه ذلك وهي مصدر حمل يحمل حملًا وحملانًا، وقوله: "حملانه" من باب إضافة المصدر إلى فاعله، يعني: اشترطت حمله إياي، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، "حملانه إلى أهلي" يعني: في المدينة. "فلما بلغت -يعني: وصلت إلى المدينة- أتيته بالجمل فنقدني ثمنه"، يعني: أعطاني نقدًا، وهذه الرواية -كما قلت- فيها شيء من الاختصار؛ فإن المطوَّل فيها: أن الرسول ﷺ أمر بلالًا أن يزن له؛ لأنه يقول: أوقية، وأمره أن يرجح في الميزان ولكنه أضافه للرسول ﷺ ؛ لأن بلالًا كان وكيلًا له، وفعل الوكيل فعل للموكل، يقول: "فنقدني ثمنه ثم رجعت"؛ يعني: انصرف من عند الرسول ﷺ ؛ لأنه سلمه المبيع، واستلم الثمن، ولم يبق لأحد على أحد شيء. يقول: "فأرسل في أثري" يعني: أرسل إنسانًا في أثري يتبع أثري ليدعوني إلى الرسول ﷺ ، فجاء جابر، وهذا فيه حذف ويسمى في البلاغة إيجاز بالحذف لأن قوله: "فأرسل في أثري" تقديره: فأتيت، أو بعدما قلت: هناك شيء آخر فأرسل في أثري فأبلغني الرسول بذلك فأتيت، أو يوجد أيضًا زيادة: فأرسل في أثري فلانًا يطلبني، فلما وصل إليّ وأخبرني رجعت. فقال:

стр. 1685

"أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ "، الاستفهام هنا للنفي أو للتقرير؟ هل الرسول ﷺ ينفي أنه يظن أو يثبت أنه يظن؟ يثبت أنه يظن، وإن كان المتبادر للإنسان أن الرسول ينفي، لكن الرسول ينفي المماكسة، وليس ينفي ظن هذا أن الرسول ماكسه ليأخذ الجمل، فهنا شيئان ظن الرجل وهذا ظن جابر، وهذا ثابت أو غير ثابت؟ أما المماكسة لأخذ الجمل هذا غير ثابت، إذن الاستفهام ليس منصبًّا على المماكسة لأخذ الجمل، إنما الاستفهام بالنسبة لظن جابر، يعني: هل تظن أنني ماكستك لأخذ جملك؟ لا، وإن كنت أنت تظن هذا الشيء. وقوله: "تراني" يعني: تظنني، ومفعولها الأول: الياء، ومفعولها الثاني: جملة "ماكستك"، والمماكسة: المناقصة في الثمن أو الأجرة أو ما أشبه ذلك، كأن يقول لك: أبيعه عليك بمائة فتقول بل بثمانين أو بسبعين، وهكذا حتى يبيع عليك. وقوله: "لآخذ جملك" كيف قال: لآخذ جملك وقد باعه للرسول ﷺ ؟ نقول: باعتبار ما كان؛ ولأن المماكسة كانت قبل عقد البيع، فهو إذ ذاك هو المالك له. "خذ جملك ودراهمك"، خذ جملك باعتبار ما كان، ودراهمك باعتبار الحاضر أو باعتبار ما كان أيضًا؟ الآن الدراهم موجودة لكن العقد سابق، فهل الإنسان يملك الثمن إذا كان غير معين بالتعيين، أو يملكه بالعقد، هذا محل خلاف بين الفقهاء سنذكره -إن شاء الله- في الفوائد. قال: "فهو لك"، الضمير يعود على الجمل. قوله: "هذا السياق لمسلم" أفادنا المؤلف؛ لأن سياقات البخاري لهذا الحديث تختلف عن سياق مسلم ﵀، هذا الحديث -كما ترون- أدخله المؤلف في كتاب البيع؛ لأن فيه عقد بيع وهو شراء النبي ﷺ الجمل من جابر، وفيه أيضًا شرط في البيع، وهو اشتراط جابر حمل الجمل إياه حتى يصل إلى المدينة، فلهذا وضع المؤلف هذا الحديث في كتاب البيع. والحديث فيه فوائد كثيرة جدًّا تتعلق بالبيوع وغيرها فمنها: جواز الركوب على الجمل الضعيف التعبان لقوله: "كان على جمل له قد أعيا"، لكن قواعد الشريعة تقتضي شرطًا في ذلك وهو ألا يشق عليه، فإن كان يشق عليه فإنه لا يجوز أن يكلفه ما لا يطيق، أما إذا كان يشق عليه مشقة محتملة فإن هذا لا بأس به، وهل يجوز لمن كان على مثل هذا الجمل أن يضربه حتى يلحق بالركب؟ الجواب: لا؛ لأن هذا إيلام بلا فائدة، ولهذا جابر ما كان يضربه حتى يلحق بالقوم، بل أراد أن يسيبه.
следующие страницы →