← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ما أتركك إلا برقبة هذا الرجل -نعوذ بالله- فماذا نقول؟ مثل هذه الحال يعطى إن وجد كلب مثل كلبه، وإلا فيعطى ما يهوّن غضبه دفعًا للشر والفتنة. ومن فوائد الحديث: خبث الكلب، ولهذا حرم ثمنه حتى مع جواز الانتفاع به، أما الحمار يشترى ويباع؛ لأنه حرام هو بعينه، لكن منفعته ليست بحرام، وحينئذٍ يرد علينا إشكال فيقال: ما الفرق بين الحمار والكلب؟ لماذا جاز شراء الحمار مع تحريم عينه ونجاسته من أجل الانتفاع به في الركوب وغيره ولم يجز شراء الكلب للمنفعة المباحة من الصيد والحرث والماشية؟ الجواب أن يقال: شدة خبث الكلب هذه واحدة. ثانيًا: أن المنفعة المباحة في الكلب ليست منفعة مباحة على سبيل الإطلاق، بل هي منفعة مباحة مقيدة بالحاجة، وأما الحمار فالمنفعة فيه مباحة على سبيل الإطلاق، يجوز أن تقتنيه وإن لم تنتفع به، لكن الكلب لا يجوز اقتناؤه ولا الانتفاع به إلا عند الحاجة، فظهر الفرق بينهما من وجهين. ومن فوائد الحديث: تحريم مهر البغي للنهي عنه، وهو حرام على الزانية، وحرام على الزاني أن يعطيها، والحكمة من ذلك: أن هذا عوض عن فعل محرم، والقاعدة التي أسسها رسول الله ﷺ : "أن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، وهذا الزنا محرم بالنص والإجماع، فما كان عوضًا عنه فهو محرم، هذا وجه. الوجه الثاني: لو أجزنا ذلك لكان فتح باب للبغاء؛ لأن كل امرأة تحتاج إلى مال تبذل فرجها -والعياذ بالله- للبغاء للحصول على المال. ومن فوائد الحديث: أن حفظ العرض أولى من حفظ المال، وأنه يجب المحافظة عليه أكثر، ولهذا لو رأيت إنسانًا على زوجتك يزني بها جاز لك قتله فورًا بدون إنذار، ولو رأيت شخصًا يأكل على قدرك طعامك فإنه لا يجوز لك أن تقتله مع أن هذا عشاءك ليس عندك غيره، ولكن لا يجوز قتله فتدفعه بالأسهل فالأسهل، بخلاف العرض فإنه أعظم حرمة. ومن فوائد الحديث: تحريم البغاء، وجه الدلالة: لأنه لما حرم عوضه صار ذلك دليلًا على تحريمه، وتحريمه معلوم بنصوص أخرى، لكن نريد أن نأخذه من هذا الحديث. ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم الكهانة للنهي عن أخذ العوض عليها، وتحريم أخذ العوض عليها دليل على أنها حرام؛ إذ لو كانت حلالًا لجاز أخذ العوض عليها. ومن فوائده أيضًا: تحريم إعطاء الكاهن أجرته على الكهانة؛ لأنه نهى عن حلوان الكاهن، وهل يجوز أن آتي الكاهن بدون أجرة؟ نقول: لا، لا يجوز؛ لأن إتيان الكاهن لا فائدة منه إلا أن تستفيد مما يخبرك به، وهذا حرام كما دلّ عليه الحديث، وعلى هذا فالحديث يدل

стр. 1682

على تحريم إتيان الكاهن؛ لأنه لا فائدة من إتيان الكاهن إلا للسؤال الذي يخبرك به عن أخبار الغيب، وهذا حرام، وسبق لنا في كتاب التوحيد أن من أتى الكاهن فهو على ثلاثة أقسام: أولًا: أن يأتيه ليمتحنه ويبين كذبه ولعبه بالناس وهذا جائز، بل قد يكون واجبًا. ثانيًا: أن يأتيه فيسأله ولا يصدقه فهذا حرام، ومن فعل ذلك لم تقبل له صلاة أربعين ليلة؛ لأن في هذا إغراء للكاهن وإغراء لغيره أيضًا إذا رآك الناس تأتي إليه، لا سيما إذا كان لك قيمة في المجتمع، فإن هذا يغري الناس بالإتيان إلى الكاهن. الثالث: أن يأتيه فيسأله ويصدقه؛ فهذا كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لقول النبي ﷺ : "من أتى كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد". هذه الأشياء المحرمة: ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، محرمة على الآخذ ومحرمة على المعطي؛ يعني: لا يجوز أن يعطيه. هذا رجل جاء إلى شخص عنده كلب صيد لا يخلص في الصيد فقال: بعه عليَّ، فقال: الكلب غالٍ عندي. قال: أنا أعطيك ما تريد. قال: أبيعه بعشرة آلاف. قال: قبلت، فأخذ الكلب، ثم قال: لا أعطيك عشرة آلاف؛ لماذا يا رجل؟ قال: لأن الرسول ﷺ نهى عن ثمن الكلب، فماذا نصنع؟ نقول لهذا الرجل: إما وأن ترجع الكلب إن كان باقيًا، وإن كان تالفًا لا يمكن ترجيعه، إما أن ترجع الكلب أو أعطني الدراهم لا بد فنأخذ الدراهم منه ونجعلها في بيت المسلمين ولا نعطيها لصاحب الكلب؛ لأن صاحب الكلب لا يستحق ذلك، فإن قال صاحب الكلب: ردوا عليّ كلبي، نظرنا إن كان يحتاج إلى ذلك رددناه عليه؛ لأن هذا خدعه، وإن كان لا يحتاج إليه قلنا: أنت لست في حاجة إليه ولا يحل لك أن تقتنيه ويبقى الكلب عند من له فيه حاجة ولا نجمع له بين العوض والمعوض. هذا رجل أيضًا وقف على باب زانية وحاورها قالت له: أبدًا لا أقبل إلا كل ليلة بمائة ريال -نعوذ بالله- فوافق الرجل، وصار يأتي كل ليلة حتى عشر ليالٍ وجمع عليها ألف ريال، ولما خلص من عشر ليالٍ قالت: أعطني الألف قال: إن النبي ﷺ نهى عن مهر البغي، فهل نوافقه على ذلك؟ نقول: -الحمد لله- أولًا: سلم ألف ريال نجعلها في بيت المال، وثانيًا: إن كنت محصنًا فالرجم، وإن كنت غير محصن جلد مائة وتغريب عام، على كل حال: هذا إذا أقر بذلك؛ لأنه قد ينكر. على كل حال: أنا قصدي أنه لا يمكن أن يجمع له بين العوض والمعوض، وأما من قال من أهل العلم ﵏: إنه لا يعطيها شيئًا فهذا نظر إلى هذه المسألة من وجه واحد. ذكرنا أن الكلب لا يجوز ثمنه، وإذا أتلف قلنا: إنه لا قيمة له شرعًا، ولكنه يعزر بسبب تعديه على ما

стр. 1683

يختص به هذا الرجل، وأن الواجب على من عنده كلب معلم أو حرث أو ماشية إذا استغنى عنه أن يبذله مجانًا لمن أراده أو يسيبه؛ لأنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا لحاجة من الحوائج الثلاثة. جواز اشتراط منفعة المبيع للبائع: ٧٥٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁: "أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا، فأراد أن يسيِّبه، قال: فلحقني النَّبيُّ ﷺ فدعا لي، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: بعنيه بأوقِّيَّةٍ، قلت: لا. ثمَّ قال: بعنيه فبعته بأوقيَّةٍ، واشترطت حملانه إلى أهلي، فلمَّا بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثمَّ رجعت فأرسل في أثري. فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك. فهو لك". متَّفقٌ عليه، وهذا السِّياق لمسلمٍ. الجمل: هو ذكر الإبل، والغالب أن الجمل أقوى من الناقة من وجه، وهي أقوى منه من وجه آخر، فمن جهة التحمل يكون هو أشد قوة، ومن جهة المتعة يعني: أنها تبقى تكد أكثر فالناقة، هذا الجمل كان يسير عليه في سفر، فما هو هذا السفر؟ قيل: إنه في غزوة تبوك وقيل: إنه في غزوة ذات الرِّقاع، وأن الرسول ﷺ لحقه وهو راجع إلى المدينة، والأصح -كما حققه ابن حجر-: أنه في غزوة ذات الرِّقاع؛ لأن النبي ﷺ سأل جابرًا في هذه القصة: "هل تزوجت؟ " قال: نعم، قال: "أبكرًا أم ثيبًا؟ "، قال: بل ثيبًا، قال: "فهلا بكرًا تلاعبك وتلاعبها"، فبيّن له ﵁ أنه تزوج الثيب؛ لأن أباه ترك بناتًا صغارًا، فأراد أن تقوم بمصالحهن، وهذا يدل على أنها في غزوة ذات الرقاع؛ لأن غزوة ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة، فإن أبا جابر ﵁ استشهد في أحد والمعروف أنه إذا كان زواجه من أجل حاجة أخواته أنه سوف يبادر بهذا الزواج، فهذا يؤيد أنها كانت في غزوة الرقاع، أما غزوة تبوك فكانت في السنة التاسعة من الهجرة فهي بعيدة، وعلى كل حال: فتعيين الغزوة في تبوك أو ذات الرقاع ليس بذي أهمية كبيرة، ولكن العلم بالشيء ولا الجهل به، المهم القصة. وقوله: "قد أعيا" أي: تعب؛ لأنه ضعيف، "فأراد أن يسيِّبه" يعني: يتركه ويمشي على قدميه أو يردفه مع أحد الصحابة، المهم: أن يدع هذا الجمل؛ لأنه لا نفع فيه. يقول: "فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه"، "لحقني" يدل على أن الرسول ﷺ كان متأخرًا، وهذه عادته ﷺ أن يكون في أخريات القوم ليتفقد الضعيف والمحتاج ﷺ ، يقول: "فدعا لي وضربه"، وهذا الوصف مختصر؛ لأن الرسول ﷺ سأله ما هذا الجمل؟ وبيَّن له

стр. 1684

حاله، وأنه قد أتعبه، فأمره أن يعطيه المحجن -يعني: العصا- فأعطاه، فدعا الرسول ﷺ لجابر أن يبارك الله له في جمله، وضرب الجمل. يقول: "فسار سيرًا لم يسر مثله"، وكان بالأول لا يمشي، يقول: "سار سيرًا لم يسر مثله"، حتى إنه كان يجر الزمام له ليستمع إلى رسول الله ﷺ ، حتى إنه سبق القوم. يقول: "فقال: بعنيه بأوقية. قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته بأوقية". قال: بعنيه، فقال: بل أهبه لك يا رسول الله، فقال: بل بعنيه ثم طلب أن يبيعه بأوقية، والأوقية: أربعون درهمًا، وهي بالنسبة لدراهمنا كم تساوي؟ عندنا مائتا درهم يعادل ستًّا وخمسين ريالًا يعني: هذه الأوقية تكون إحدى عشر ريالًا وأربع قروش، وكانت الإبل رخيصة في ذلك الوقت، يعني: ليس كالإبل في وقتنا هذا. يقول: "قلت: لا، ثم قال: بعنيه فبعته بأوقية"، أعاد عليه الطلب فباعه، وكلمة "بعنيه" من الرسول ﷺ ليست أمرًا، ولكنها أمر بمعنى العرض، يعني: أتبيعه علي؟ إذ لو كانت أمرًا لوجب على جابر طاعته، ولكنها عرض، فهو أمر بمعنى العرض كما تقول مثلًا لأي واحد من الناس: بع علي كذا وكذا، ليس هذا أمر ولكنه عرض، وهذه فائدة يقلُّ من يذكرها من علماء البلاغة: أن الأمر يأتي بمعنى العرض. يقول: "فبعته بأوقيه واشترطت حملانه إلى أهلي"، "حملان" مصدر كالغفران والشكران والكفران والنكران وما أشبه ذلك وهي مصدر حمل يحمل حملًا وحملانًا، وقوله: "حملانه" من باب إضافة المصدر إلى فاعله، يعني: اشترطت حمله إياي، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، "حملانه إلى أهلي" يعني: في المدينة. "فلما بلغت -يعني: وصلت إلى المدينة- أتيته بالجمل فنقدني ثمنه"، يعني: أعطاني نقدًا، وهذه الرواية -كما قلت- فيها شيء من الاختصار؛ فإن المطوَّل فيها: أن الرسول ﷺ أمر بلالًا أن يزن له؛ لأنه يقول: أوقية، وأمره أن يرجح في الميزان ولكنه أضافه للرسول ﷺ ؛ لأن بلالًا كان وكيلًا له، وفعل الوكيل فعل للموكل، يقول: "فنقدني ثمنه ثم رجعت"؛ يعني: انصرف من عند الرسول ﷺ ؛ لأنه سلمه المبيع، واستلم الثمن، ولم يبق لأحد على أحد شيء. يقول: "فأرسل في أثري" يعني: أرسل إنسانًا في أثري يتبع أثري ليدعوني إلى الرسول ﷺ ، فجاء جابر، وهذا فيه حذف ويسمى في البلاغة إيجاز بالحذف لأن قوله: "فأرسل في أثري" تقديره: فأتيت، أو بعدما قلت: هناك شيء آخر فأرسل في أثري فأبلغني الرسول بذلك فأتيت، أو يوجد أيضًا زيادة: فأرسل في أثري فلانًا يطلبني، فلما وصل إليّ وأخبرني رجعت. فقال:

стр. 1685

"أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ "، الاستفهام هنا للنفي أو للتقرير؟ هل الرسول ﷺ ينفي أنه يظن أو يثبت أنه يظن؟ يثبت أنه يظن، وإن كان المتبادر للإنسان أن الرسول ينفي، لكن الرسول ينفي المماكسة، وليس ينفي ظن هذا أن الرسول ماكسه ليأخذ الجمل، فهنا شيئان ظن الرجل وهذا ظن جابر، وهذا ثابت أو غير ثابت؟ أما المماكسة لأخذ الجمل هذا غير ثابت، إذن الاستفهام ليس منصبًّا على المماكسة لأخذ الجمل، إنما الاستفهام بالنسبة لظن جابر، يعني: هل تظن أنني ماكستك لأخذ جملك؟ لا، وإن كنت أنت تظن هذا الشيء. وقوله: "تراني" يعني: تظنني، ومفعولها الأول: الياء، ومفعولها الثاني: جملة "ماكستك"، والمماكسة: المناقصة في الثمن أو الأجرة أو ما أشبه ذلك، كأن يقول لك: أبيعه عليك بمائة فتقول بل بثمانين أو بسبعين، وهكذا حتى يبيع عليك. وقوله: "لآخذ جملك" كيف قال: لآخذ جملك وقد باعه للرسول ﷺ ؟ نقول: باعتبار ما كان؛ ولأن المماكسة كانت قبل عقد البيع، فهو إذ ذاك هو المالك له. "خذ جملك ودراهمك"، خذ جملك باعتبار ما كان، ودراهمك باعتبار الحاضر أو باعتبار ما كان أيضًا؟ الآن الدراهم موجودة لكن العقد سابق، فهل الإنسان يملك الثمن إذا كان غير معين بالتعيين، أو يملكه بالعقد، هذا محل خلاف بين الفقهاء سنذكره -إن شاء الله- في الفوائد. قال: "فهو لك"، الضمير يعود على الجمل. قوله: "هذا السياق لمسلم" أفادنا المؤلف؛ لأن سياقات البخاري لهذا الحديث تختلف عن سياق مسلم ﵀، هذا الحديث -كما ترون- أدخله المؤلف في كتاب البيع؛ لأن فيه عقد بيع وهو شراء النبي ﷺ الجمل من جابر، وفيه أيضًا شرط في البيع، وهو اشتراط جابر حمل الجمل إياه حتى يصل إلى المدينة، فلهذا وضع المؤلف هذا الحديث في كتاب البيع. والحديث فيه فوائد كثيرة جدًّا تتعلق بالبيوع وغيرها فمنها: جواز الركوب على الجمل الضعيف التعبان لقوله: "كان على جمل له قد أعيا"، لكن قواعد الشريعة تقتضي شرطًا في ذلك وهو ألا يشق عليه، فإن كان يشق عليه فإنه لا يجوز أن يكلفه ما لا يطيق، أما إذا كان يشق عليه مشقة محتملة فإن هذا لا بأس به، وهل يجوز لمن كان على مثل هذا الجمل أن يضربه حتى يلحق بالركب؟ الجواب: لا؛ لأن هذا إيلام بلا فائدة، ولهذا جابر ما كان يضربه حتى يلحق بالقوم، بل أراد أن يسيبه.

стр. 1686

ومن فوائد الحديث: جواز تسييب المال إذا لم يكن فيه منفعة، وإن شئت فقل: الحيوان إذا لم يكن فيه منفعة؛ لقوله: "فأراد أن يسيبه". فإن قال قائل: هذا يعارض قول الله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ... ﴾ [المائدة: ١٠٢]. أي: ما جعل الله ذلك شرعًا، فكيف الجمع؟ نقول: السائبة التي في القرآن والتي نفى الله تعالى مشروعيتها هي أن العرب إذا ولدت الناقة عندهم ما ولدت أو أضرب الجمل ما أضرب سيبوه وحرموا ركوبه وحرموا أكله، وقالوا: هذا أتى بالواجب عليه سواء كان فحلًا أو كان أنثى، وولدت ما ولدت فيقول: هذا قضى الذي عليه فيجب أن يسيب أو يترك، وهذا يستلزم تحريم ما أحل الله من أكله ومنافعه؛ فلهذا نفى الله مشروعيتها، أما هذا فليس سيبه تحريمًا له، ولكنه سيبه لانعدام فائدته، ومع ذلك فيه مشقة على جابر أن يبقى متأخرًا عن القوم على هذا الجمل، لو قال قائل: تسييبه كيف تجوزونه وقد قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" وتسييبه تضييع له؟ قلنا: إن النبي ﷺ قال في الهرة التي حبستها المرأة وعذبت عليها بالنار: "لا هي أطعمتها -إذ هي حبستها ولا أطعمتها-، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، وهذا يدل على أن الإنسان إذا ترك البهيمة لم يسجنها ولم يحبسها فليس عليه منها شيء، وأيضًا إذا كان هذا لا مصلحة وفيه مضرة على الإنسان فماذا يصنع؟ وإذا كان الله خلق هذه لمنافعنا فلدفع مضراتنا من باب أولى؟ إذ قال قائل: لو انكسر البعير هل يجوز لصاحبه أن يدعه؟ الجواب: لا، لا يجوز؛ لأن بإمكانه أن ينحره وينتفع بلحمه، لكن الذي تعب وأعيا الغالب أن لحمه ليس بجيد فلا ينفع، لو انكسر الحمار ماذا نصنع؟ الحمار لا يمكن أن يجبر هذا من طبيعته، فهل يتركه أو يقتله؟ يقتله هذا لا بأس تفاديًا من نفقاته وشره ووجوده يحتاج إلى نفقات فليس له إلا قتله؛ لأنه لو خرج به إلى البر وسيبه لا يستطيع أن يعيش؛ لأنه مكسور فأحسن شيء في هذا أن يقتل. قوله: "فأراد أن يسيبه" فيه أيضًا دليل على أن إضاعة المال إذا كان تفاديًا لما هو أعظم فلا بأس به، يعني: إذا أتلف بعض ماله تلافيًا فيما هو أعظم فلا بأس به، كيف ذلك؟ بتسييب الجمل. هل يؤخذ منه: جواز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه؟ يجوز أن يباع ويجوز أن يترك، وخير الأمرين أن يباع ويشترى بقيمته ما يقوم مقامه. بقي علينا بحث مسألة ثانية وهي: هل إذا وجدها أحد تكون له؟ غير الإبل؛ لأن الإبل الرسول

стр. 1687

صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل الضائعة، فنهى عن أحدها وقال: "ما لك ولها؟ "، لكن المتروكة رغبة عنها قال أهل العلم: إنه يملكها واجدها أيًّا كانت سواء كانت شاة أو بعيرًا أو خشبًا أو حديدًا كل شيء تركه صاحبه وأنت تعرفه أنه راغب عنه فهو لك، يتفرع على هذا: السيارات التي تصدم في الخطوط هل هي لمن وجدها؟ الظاهر لي: أن هذه إذا كانت الصدمة قوية ليس فيها شيء ينتفع به إلا صندوقها والهيكل فصاحبها لا يريدها، وإن كانت بسيطة فمعروف أن صاحبها يريدها، على كل حال: القاعدة في هذا إذا غلب على الظن أن هذا متروك رغبة عنه فهو لمن وجدها. قال: "فلحقني النبي ﷺ ... إلخ"، يستفاد من هذه الجملة: أن رسول الله ﷺ كان يسير في أخريات القوم؛ لقوله: "فلحقني"، وإذا كان جمله قد أعيا، فإن من لازم ذلك أن يكون في أخريات القوم قطعًا. ويتفرع على هذه الفائدة: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته وصحبه الذين معه، وأنه كان يكون خلفهم. ويتفرع عليها أيضًا: أنه ينبغي لأمير الجيش أن يكون هكذا خلف جيشه أو خلف صحبه ورفقته ليتفقد أحوالهم بنفسه. ويتفرع من هذا أيضًا: تواضع رسول الله ﷺ ؛ لأن بإمكانه أن يكون في مقدمة القوم ويكون شخصًا يكون في أخريات القوم، لكن من تواضعه ﷺ أنه كان يحب أن يكون في أخريات القوم. ومن فوائد الحديث: شفقه النبي ﷺ على أمته، ولا سيما المستضعف منهم؛ لقوله: "فدعا لي". ومنها: الإحسان إلى الغير بالدعوة له غائبًا أو حاضرًا، لكنه في الغيب أفضل؛ لأن الغيب أقل منَّة من الحضور؛ إذ إن الحاضر إذا دعا للإنسان الحاضر قد يستشعر أنه له منَّة عليه بهذا الدعاء، وكذلك المدعو له قد يشعر بهذه المنَّة فتنكسر نفسه أمامه، لكن إذا كان في الغيب زال هذا المحظور. في الدعاء بالغيب فائدة أخرى: أن الملك يؤمِّن ويقول: "ولك مثله"، ولكن إذا كانت الدعوة للحاضر فيها مصلحة أو كان هناك مناسبة كان ذلك أفضل، ولهذا دعا الرسول ﷺ لجابر بهذه المناسبة. ومن فوائده: جواز ضرب الحيوان ليسير؛ لأن النبي ﷺ ضربه، لكن يشترط لذلك شرطان: الأول: ألا يكون ضربًا مبرحًا كما يفعل الناس يأخذ خشبة له ويضرب الجمل

стр. 1688

أو الحمار أو ما أشبه ذلك، والثاني: ألا يكون فوق طاقة ذلك الحيوان، فإن كان فوق طاقته بأن يكون الحيوان قد بذل الطاقة ولكن ليست عنده قدرة فحينئذٍ يكون ضربه مجرد تعذيب ليس فيه فائدة، والمقصود من الضرب الفائدة. ومن فوائد الحديث: ظهور آية من آيات الرسول ﷺ ، وهو أنه حين دعا لجابر وضرب جمله صار الجمل سيرًا لم يسر مثله قط، وهذا من آيات النبي ﷺ ، والآية: كل علامة يتبين بها صدق المدعي هذه الآية، والتعبير بآية فيما يظهر من خوارق العادات على أيدي الأنبياء أولى من التعبير بالمعجزة لوجهين: الوجه الأول: أن ذلك هو التعبير القرآني، والتعبير النبوي، حتى إن الله جعل الآية فيما دون ذلك: ﴿وءايةٌ لَّهم أنَّا حملنا ذريَّتهم فى الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١]. وقال: ﴿أولم يكن لَّهم ءايةً أن يعلمه علماؤا بنى إسراءيل﴾ [الشعراء: ١٩٧]. والوجه الثاني: أن المعجزة قد تقع من غير نبي، قد تقع من ساحر ومستخدم للشياطين، فلهذا كان التعبير بالآية أولى لهذين الوجهين. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعين أخاه المسلم في مركوبه لدعاء النبي ﷺ لجابر وضربه للجمل، ومعونة الإنسان في هذه الأمور من الصدقة كما قال الرسول ﷺ : "تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة". ومن فوائد الحديث: جواز اختبار الإنسان بما لا يراد حقيقته؛ لقول الرسول ﷺ : "بعنيه"، فإن الرسول طلب أن يبيعه منه لا لأخذ الجمل، ولكن يختبره، فإن جابرًا كان يريد أن يسيبه رغبة عنه وزهدًا فيه، ولا يريده بل يريد التخلص منه، ثم لما بلغ إلى هذه الحال فسار سيرًا لم يسر مثله أراد الرسول ﷺ أن يختبره فقال: "بعنيه بأوقية" قال: "لا"، هذا هو أحسن ما يحمل عليه الحديث، وأما قول بعضهم: إن الرسول ﷺ أراد أن يبر جابرًا ولكنه خشي أن ينكسر قلبه إذا أعطاه فتحيل على عطيته بأن يظهر ذلك في صورة شراء الجمل فهذا بعيد، ويبعده أن الرسول ﷺ قال ذلك في مناسبة ما حصل للجمل، وقال بعضهم: إن الرسول ﷺ أراد أن يعطيه زيادة نفل من الغنيمة، ولكن خاف أن يعطيه أمام الناس، فيقال: فضله علينا، فأراد أن يجعلها في صورة شراء لجمله، وهذا أيضًا بعيد فأظهر ما يحمل عليه الحديث ما ذكرته. ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز شراء الأكابر من الأصاغر؛ لأن الرسول ﷺ اشترى من جابر، ويدخل فيه السنّ والمقدار، فعليه يجوز أن يشتري الأب من ابنه، والأخ الكبير من أخيه الصغير، والأمير من المأمور، ولا يدخل في ذلك السيد من عبده، لماذا؟ لأن العبد ملك لسيده.

стр. 1689

ومن فوائد الحديث أيضًا: أنه لا يعد من المعصية إذا امتنع البائع من البيع؛ لقول جابر: "لا" ولم يكن هذا معصية لرسول الله ﷺ ، ولهذا ما وبخه الرسول ﷺ وعلى هذا فلو قال لك أبوك: يعني كذا، فقلت: "لا" لم يعد هذا عقوقًا ولا قطيعة رحم؛ لأن هذه شئون خاصة، وما يفعله بعض الناس من الغضب على قريبه إذا طلب منه أن يبيع عليه شيء فقال: لا، فهو خلاف الشرع، بعض الناس يغضب يقول: هذا لا خير فيه ولا يصل رحمه، فنقول: بل أنت الذي أخطأت، فليس لك الحق في أن تغضب وتستنكر هذا الشيء، وقد وقع ذلك من الصحابة مع الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: تقدير الثمن في المساومة لقوله: "بأوقية"، ولكن قد يقول قائل: هذه الفائدة بديهية كما يقال: السماء فوقنا والأرض تحتنا، فما الجواب؟ الجواب: أن في تعيين الثمن فائدة من أجل أن يقدم أو يحجم، يعني: ليس كما لو قلت: بع على بيتك، بع علي ساعتك، بع على قلمك، إذا بعت ففيه فائدة وهو أن البائع يقدم إن رأى الثمن مناسبًا أو يحجم إذا رآه غير مناسبٍ، وهل يمكن أن نقول: إن فيه دليلًا على اشتراط العلم بالثمن؟ الظاهر: أنه لا يؤخذ من هذا الحديث، لكن لا شك أنك إذا عينت الثمن أولى وأحسن. ومن فوائد الحديث جواز تكرار طلب البيع أو الشراء؛ لقوله: "بعنيه، فقلت: لا، قال: بعنيه"، ولا يعد هذا من الإلحاح المكروه، فلو جئت إلى شخص وقلت: بع علي بيتك فقال: "لا"، ثم مضى زمن وقلت: بعه عليّ، وقلت مرة ثالثة ورابعة فلا حرج، ولا يعد هذا من الإلحاح المكروه؛ لأنني لا أريد أن يعطينيه بلا ثمن، بل أريد أن يعطينيه بثمن، ولهذا كرر الرسول ﷺ طلب البيع قال: "بعنيه". ومن فوائد الحديث: جواز اشتراط منفعة المبيع على وجه معلوم؛ لأن جابرًا اشترط حملان الجمل إلى المدينة، والعلم قد يكون بالزمن، وقد يكون بالعمل، وقد يكون بالمسافة، قد يكون بالزمن كما لو اشترطت علي أن أسكن هذا البيت لمدة شهر، هذا بالزمن، وقد يكون بالعمل كما لو بعت عبدًا واشترطت أن يخيط لي ثوبًا، هذا بالعمل، الثالث بالمسافة كما لو بعت سيارة واشترطت عليك أن تسافر بها إلى مكة. الفرق بين هذه الثلاثة ظاهر، الزمن متى انتهى، انتهى الشرط سواء حصلت شيئًا كثيرًا أو لم تحصل، العمل كذلك متى انتهى، انتهى الشرط سواء طالت مدة العمل أم قصرت المسافة كذلك، يعني: لي هذه المسافة سواء طالت المدة أم قصرت. ومن فوائد الحديث: أن اشتراط النفع لا بد أن يكون معلومًا لقوله: "إلى أهلي" فإن كان

стр. 1690

مجهولًا فقال بعض العلماء بصحته، وقال آخرون بعدم صحته مثل: أبيعك بيتي وأستثني سكناه حتى أجد بيتًا، هذا فيه خلاف؛ منهم من قال: يجوز ويضرب له مدة يمكن أن يحصل على بيت في مثلها، ومنهم من يقول: لا يجوز، ولا شك أن تعيين المدة أقطع للنزاع وأبعد عن الاختلاف، وأنت إذا ظننت أنك لا تحصل بيتًا إلا في خلال شهر فاجعل المدة شهرين حتى إذا وجدته في خلال الشهر تكون لك المنة على صاحب البيت إذا أعطيته بيته وتنازلت عن بقية المدة، فلو شرط النفع في غير المبيت وقال: بعتك بيتي على أن تسكنني بيتك شهرًا؟ لا يصح ذلك، والفرق بينهما أنه في الأول استبقاء منفعة، أما هذا فهو تجديد منفعة، كيف استبقاء منفعة؛ لأنه عندما أبيعك البيت تملك عينه ومنافعه من حين العقد، فإذا استثنيت منفعة لمدة سنة مثلًا فاستثناني هذا استبقاء لمنفعة كنت أملكها أنا فاستبقيت النفع لهذه المدة فصار هذا جائز، أما إذا قلت: على أن تسكنني بيتك شهرًا، فهذه منفعة مستجدة ليس لها علاقة بالمبيت فليست استبقاء منفعة وإنما هي كعقد الإجارة، واشتراط عقد في عقد لا يصح، هذا هو الذي مشى عليه أصحابنا، وجعلوا هذا من باب بيعتين في بيعة، فقالوا: لا يصح اشتراط عقد في عقد. والقول الثاني في المسألة: أن هذا صحيح أن أبيع عليك هذا البيت بشرط أن تسكنني بيتك لمدة شهر أو مدة سنة حسب ما نتفق عليه، وقالوا: إن أقصى ما في ذلك أن عقد جمع بين بيع وإجارة، ولا دليل على المنع من الجمع بين عقدين، ولهذا يجوز أن أقول: بعتك بيتي على أن تبيعني بيتك بثمن معلوم، وليس هناك دليل على المنع. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد نهى عن نكاح الشغار؟ فالجواب: بلى، ولكن نكاح الشغار يتعلق به حق ثالث يخاف أن يمتهن حقه بهذا الشرط، من الثالث؟ المرأة، ربما يقول: أنا أزوجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ويذكر المهر وكل شيء، لكن يكون في هذا إجحاف على المرأتين أو على إحدهما بخلاف هذه المسألة، فالصحيح: أنه ينشأ اشتراط عقد آخر مع هذا العقد، إلا إذا تضمن ذلك محظورًا شرعيًّا، كما لو قلت: أقرضتك ألف ريال بشرط أن تسكنني بيتك سنة، هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأنه قرض جر منفعة وأخرج القرض عن موضوعه؛ إذ إن الأصل في القرض الإرفاق والإحسان، والآن جعلته من باب المعاوضة والطمع، ولهذا نقول: كل قرض جر منفعة فهو ربا سواء صح، الحديث أم لم يصح، لكن معناه صحيح على كل حال نقول: إذا اشترط منفعة في البيع فهو جائز، دليله حديث جابر. أما إن اشترط منفعة في غيره ففيه خلاف، والراجح جواز ذلك، بعض العلماء يقول: إن جواز هذا الشرط على خلاف القياس، ويأتون بأشياء من العقود يقولون: إنها على خلاف

стр. 1691

القياس، يعني: أن القياس يقتضي بطلانها، لكن تبعنا النص فيها مثلًا المزارعة تكون على خلاف القياس، المساقاة على خلاف القياس، المضاربة على خلاف القياس، حتى إن بعضهم قال: الإجارة على خلاف القياس؛ لأنها إجارة على منافع معدومة قد تحصل، وقد تتلف العين المؤجرة ولا يحصل شيء، ويقولون أيضًا: هذا الشرط على خلاف القياس، نقول لهم، ما القياس الذي تريدون؟ قالوا: القياس أن العين إذا انتقلت بالبيع انتقلت بمنافعها، وهنا لم تنتقل بمنافعها، بل بقيت مصلحة مستحقة للبائع، فهذا خلاف القياس، فيقال لهم أولًا: ليس في السُّنة الصحيحة شيء على خلاف القياس، ومن ظن أن فيها شيئًا على خلاف القياس فإما أن يكون أخطأ في الظن، وإما أن يكون قياسه فاسد لماذا؟ لأن الشرع جاء على وفق العقول السليمة في أخباره وفي أحكامه، ولا يوجد شيء على خلاف القياس أبدًا، لكن فكر تجد أن القياس هو ما دل عليه الشرع، فهنا نقول: ليس هذا على خلاف القياس، لماذا؟ لأن انتقال ما يكون بالعقد على حسب ما جرى به العرف أو اقتضاه الشرع أو الشرط اللفظي؛ يعني: أن الشرع يحدد، والعرف يحدد، والشرط اللفظي يحدد، فهذا الذي باع ملكه واستثنى منفعته لمدة هو في الحقيقة ما عقد عليه عقدًا مطلقًا ولكن عقد عقدًا مقيدًا، ومقتضيات العقود ترجع إما إلى العرف أو الشرع أو الشرط، مثلًا: لو باع عليّ عبدًا واستثنى ولاءه، تقول: هذا لا يجوز؛ لأن هذا لا يقتضيه الشرع، لو باع عليه أمة واستثنى بضعها لا يصح؛ لأن هذا خلاف الشرع، إذ إنك إذا بعتها لم تكن ملكًا لك، والبضع لا يجوز إلا لزوج أو مالك، وعلى هذا فقس، هذا نقول: انتقل الملك من مالكه بمقتضى هذا الشرط، وإن شئت فقل: انتقل انتقالًا مقيدًا، كيف ذلك؟ يعني: مقيد بهذا الشرط أنا لم أبعه عليك على أن تستغل منفعته من الآن بل بعته عليك على أن منفعته لي إلى وقت محدود، وهذا موافق تمامًا للقياس. وعلى هذا فتقول -في كل ما ذكر من أنه على خلاف القياس-: ليس في الشرع شيء على خلاف القياس، ومن ظن ذلك فإما أن يكون ظنه فاسدًا، وإما أن يكون قياسه فاسدًا، أما قياس صحيح فهو مع ظن صحيح، فلا يمكن في الشرع ما يخالف القياس. من فوائد الحديث: فضيلة جابر ﵁؛ حيث وفَّى بالشرط فور انتهائه لقوله: "فلما بلغت أتيته بالجمل" بدون تأخير، حتى إنه في بعض سياق الحديث أنه أتى به قبل أن يذهب إلى أهله وأتى به والرسول ﷺ عند المسجد فقال له: "صليت؟ "، قال: "لا". قال: "ادخل فصلّ ركعتين"؛ لأن الأفضل للإنسان إذا قدم البلد أن يبدأ قبل كل شيء بالصلاة في المسجد. ومن فوائد الحديث: أن المعهود ذهنًا كالمذكور لفظًا؛ لأن اشتراط حملانه إلى أهله وهم في المدينة، فإذا كان بين الناس عرف معلوم فإنه يغني عن الذكر باللفظ لهذا الحديث: "إلى أهلي".

стр. 1692

فيه أيضًا: جواز الشراء بالدين، يعني أن الإنسان يشتري الشيء ولو لم يكن عنده ثمنه؛ لأن الرسول ما نقده الثمن إلا في المدينة بعد أن رجع، فالظاهر أن الرسول ﷺ لم يكن معه حينذاك نقود؛ بدليل أنه في بعض السياقات أمر بلالًا أن يزن له ثمنه ويرجح ولو كان معه بيده شيء لكان أعطاه مما في يده، إذن يجوز الشراء بالدَّين، ولكنه ليس هذا على إطلاقه وإنما يجوز ذلك لمن له وفاء، أما من يأخذ أموال الناس وليس عنده وفاء يرفِّه نفسه ويفعل فعل التجار الأغنياء وهو فقير، ففي جواز ذلك نظر، وإن كان الأصل في المعاملات الحل لكن هذا فيه نظر. رجل فقير رأى عند إنسان سيارة "كديلاك" وهو فقير، السيارة "الكديلاك" بمائة ألف وهو ما عنده، فذهب إلى المعرض واشترى منهم بمائة وعشرين ألفًا؛ لأن المعرض لا يعطيها للمؤجل مثل المنقود، وقال: أمشي مع الناس وكأني من الأغنياء، هذا لا يجوز؛ لأنه إسراف وأخذ لأموال الناس على وجه يخشى منه التلف، ولهذا لم يرشد النبي ﷺ الرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة إلى الاستدانة لما قال: ما عندي شيء، مع أن النكاح من أهم المهمات، وقد يكون من الضروريات، ومع هذا ما أرشده، بخلاف الإنسان الذي عنده مال ولنفرض أنه موظف وعنده راتب لكن الآن ليس عنده شيء؛ يعني: ينتظر آخر الشهر ليوفي وهو شبه متيقن بأنه سيعطيه فلا بأس أن يأخذ شيئًا بدين. الصورة التي وقعت هل هي بيع عين بعين، أو بيع دين بدين؟ عين بدين؛ إذن فيؤخذ من هذا أيضًا: جواز بيع العين بالدين، بيع الدَّين بالدَّين إن كان هناك تأجيل فإنه لا يجوز وإلا جاز، وعمل الناس على هذا الآن، الإنسان يقول مثلًا: اشتريت منك كذا وكذا بكذا وكذا، ويذهب للدكان ويحضره لهم، فالعقد وقع على دين بدين. ومن فوائد الحديث: جواز توكيل الغير لقوله: "فأرسل في أثري"، ما قام الرسول ﷺ بنفسه وقال: يا جابر، وإنما أرسل في أثره، ومثل هذا مما جرت به العادة لا بأس به، لا سيما إذا كان المكلَّف الذي كلفته بالشيء يفرح بهذا ولا يثقله فإن هذا لا بأس به ولا يعد هذا من السؤال المذموم الذي بايع الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ ألَّا يسألوا الناس شيئًا؛ لأن الصحابة بايعوا الرسول ﷺ على ألا يسألوا الناس شيئًا، حتى كان الرجل يسقط منه العصا فينزل من على بعيره ليأخذه ولا يقول: يا فلان أعطنيه، لكن الشيء الذي تعلم أن صاحبك الذي كلفته بالعمل يسرُّ بذلك ولا يثقله فإنه لا حرج عليك أن تسأله وأن تكلفه، فإن كنت تخشى أن يستثقل ذلك فلا تفعل، ويظهر ذلك بأمارات قولية أو نفسية، النفسية أنك إذا أمرته اصفر وجهه واكفهر، هذا بدل ما يقول: لا بلسانه هذا النفسي، أو لما أمرته قال: "أف" تأفف هذا

стр. 1693

بلسانه هذا ابتعد عنه لا تكلفه، أما الرجل الذي يسارع في خدمتك ويفرح إذا كلفته فهذا لا بأس، وهذا من هدي الرسول ﷺ وليس مثل سؤال الناس شيئًا. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن نقول للكبير: "لا" خلافًا لما عند العامة، العامة ما يقولون: لا، بل يقولون: سلامتك. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل بالوفاء. ويؤخذ منه أيضًا: جواز التوكيل في الاستيفاء: بأن يوكل شخصًا يستوفى حقه ممن هو عليه، وهل يملك من عليه الحق أن يمنع ويقول للوكيل: أنا لا أسلمه إلا لمن له الحق؟ الجواب: لا، ليس له أن يمنع؛ لأن الإنسان له أن يستوفي حقه بنفسه وبوكيله، نعم لو فرض أن الوكيل ليس معه إثبات شرعي بأنه وكيل فحينئذٍ له أن يمنع ويقول: لا أسلمك إياه إلا بإثبات شرعي على أنك وكيل له باستيفاء حقه، من أين أخذنا هذه الفائدة؟ أخذناها من أن التوكيل في الاستيفاء نظير التوكيل في الوفاء، والتوكيل في الإيفاء أجازه النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: بيان أن رسول الله ﷺ لم يرد بالبيع حقيقتة لقوله: "أتراني ماسكتك لآخذ جملك؟ "، وهل أراد النبي ﷺ أن يتصدق عليه فتوصل بهذا العقد الصوري إلى الصدقة؟ قيل بهذا، وقيل: إن الرسول ﷺ اشتراه حقيقة، لكن لما رأى عزته في نفسه -نفس جابر- وأن الجمل غالٍ عنده رده عليه، وهذا أحسن من الذي قبله، لكن يشكل عليه أن ظاهر الحديث أن الرسول ﷺ لم ينو البيع أصلًا؛ لقوله: "أتراني ... " إلخ، فهذا يدل على أنه لم يرد إطلاقًا البيع. إذن فالذي يظهر لي: أن المراد بذلك الاختبار لحال الإنسان من حيث هو إنسان، أن الإنسان قد يكون زاهدًا في الشيء ثم لا يلبث أن يكون راغبًا فيه حسب ما يتعلق به من الأوصاف التي ترغب فيه أو ترغب عنه؛ كما قال هنا: "بعينه" بعد أن كان يريد أن يسيبه فأبى أن يبيعه على الرسول ﷺ بأوقية مع أنه كان أراد أن يسيّبه، وهذا لا تأباه القواعد الشرعية أن يقصد بهذا الامتحان، ولهذا قال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ " مما يدل على أن الرسول ﷺ ما أراد التملك إطلاقًا. ولو أراد ذلك لكان الجمل جمل النبي ﷺ ، واحتيج إلى تأويل في قوله: "لآخذ جملك" وهو التعبير عن الشيء باعتبار ما كان عليه؛ لأن الجمل كان أولًا لجابر. ومن فوائد الحديث: كرم النبي ﷺ ؛ حيث جمع لجابر ﵁ بين العوض والمعوض؛ يعني: بين الجمل وبين الدراهم، أي: قيمة الجمل؛ لقوله: "خذ جملك ودراهمك"، إذن "جملك" باعتبار نية الرسول ﷺ ، و"دراهمك" باعتبار نية جابر. وفيه دليل: على جواز تأخير الثمن؛ لأن الرسول ﷺ لم يوف إلا بعد رجوعه المدينة، لكن التأخير على نوعين تارة يكون مؤجلًا فيبق إلا أجله، وتارة يكون مسكوتًا عنه، فلمن له

стр. 1694

الحق أن يطالب به فورًا؟ فإن سكت وترك فلا بأس، فلو اشتريت مني شيئًا بعشرة وسكتّ ولم أطالبك إلا بعد شهر أو شهرين أو سنة فهذا لا بأس؛ لأن الحق للبائع فإن طلبه فور انعقاد البيع فله الحق، أما إذا كان مؤجلًا فإلى أجله. وفي الحديث من الفوائد: انعقاد العقود بما دلّ عليها؛ لأننا لم نجد في هذا الحديث لما قال: "خذ جملك ودراهمك فهو لك" لم نجد أن فيه تصريحًا بلفظ الهبة ولا تصريحًا بلفظ القبول، فالرسول ﷺ ما قال: وهبتك، وجابر لم يقل: قبلت، وهذا القول هو الراجح على أن العقود تنعقد بما دلّ عليها حتى النكاح؛ لأن اللفظ تعبير عما في النفس، فإذا دل اللفظ على ما في النفس بأي لغة كان، وبأي لفظ كان، وبأي أسلوب كان فإنه يكون صالحًا أن ينعقد به عقد، ولهذا قال النبي ﷺ في صفية أنه أعتقها وجعل عتقها صداقها، فلو قال الرجل لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، صح العتق، وصح النكاح، مع أنه ليس فيه إيجاب ولا قبول، يعني: ليس فيه لفظ أنكحتك أو أنكحت نفسي أمتي، فدل هذا على أن العقود تنعقد بما دلّ عليها عرفًا؛ لأن هذا الخطاب يتعارف الناس مدلوله بينهم، فإن اختلف العرف فإنه يرجع في تعيين المراد إلى المتكلم، وهذا يقع كثيرًا خصوصًا في اللهجات، وأما إذا كان مطردًا فعلى ما تعارف الناس عليه، وفيه أن الملك ينقل إلى المشتري بمجرد العقد وهذا هو الأصل، ويتفرع على ذلك: أنه لو تلف فعلى المشتري ولو زاد فللمشتري. جواز بيع المدبَّر إذا كان على صاحبه دين: ٧٥٣ - وعنه ﵁ قال: "أعتق رجلٌ منَّا عبدًا له عن دبرٍ لم يكن له مالٌ غيره، فدعا به النَّبيُّ ﷺ فباعه". متَّفقٌ عليه. قوله: "أعتق"، ما هو العتق؟ العتق في الأصل: يطلق على عدة معانٍ، يطلق على القدم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم محلُّها إلى البيت العتيق (٣٣)﴾ [الحج: ٣٣]. أي: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس، ويطلق على الجيد: كعتاق الإبل؛ أي: أجاويدها، ويطلق على تحرير الرقبة، وهو المراد هنا: تحرير الرقبة، يعني: تخليصها من الرق يكون الإنسان رقيقًا، فإذا حرره سيده قيل: أعتقه، العتق من أفضل الأعمال؛ فإن من أعتق عبدًا له أعتق الله به بكل عضو عضوًا من النار حتى الفرج

стр. 1695

بالفرج، ولهذا جعله الله كفارة للذنوب العظيمة، -كالقتل والظهار والجماع في رمضان والحدث في اليمين، وله أسباب كثيرة منها أن يقول له: أنت حر بالصيغة القولية. ومنها: أن يعتق شريكه نصيبه فيدخل العتق على نصيب الآخر، ومنها أيضًا: إذا مثل بعبده، يعني مثلًا: قطع أصبعًا منه أو أنملة فإنه يعتق عليه جبرًا. ومنها إذا فعل به الفاحشة -والعياذ بالله- فإنه يعتق عليه، فجعل الشارع العتق له أسباب متعددة كل هذا حرصًا على إعتاق الرقاب وتخليصها من الرق. هذا يقول: "أعتق رجل منا"، أي: من الأنصار، "عبدًا له عن دبر"، الدبر: يطلق على آخر الشيء، ويطلق على ما بعد الشيء، وهنا يقول: "عن دبر" يعني: على ما بعده؛ أي: ما بعد الحياة؛ يعني: علق عتق عبده بموته، فقال له: إذا مت فأنت حر فهذا هو التدبير بأن يعلق عتق العبد بموته؛ أي: موت السيد، يقول: إذا مت فأنت حر، هذا العبد ما دام سيده حيًّا لا يعتق إلا إن نجز عتقه لو نجز عتقه وقال: أنت حر قبل أن يموت، أما إذا لم ينجزه فإنه يبقى رقيقًا حتى يموت السيد ويجوز بيعه، وإذا باعه فإن عاد إلى ملكه مرة ثانية ومات وهو على ملكه عتق وإلا لم يعتق، وهذا العبد أعتقه سيده عن دبر ولم يكن له مال غيره، "فدعا به النبي ﷺ فباعه". الحديث هذا مختصر اللفظ، ولكن ذكر في رواية أخرى أنه كان عليه، دين هذا السيد الذي أعتق عبده عند دبر فباعه النبي ﷺ في دينه وقضاه. يستفاد من هذا الحديث: ثبوت الرق في الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أقره، ولا يقر على شيء باطل، ولأن نصوص الكتاب والسُّنة ضافية بذكر الرق وأحكامه وفضيلة العتق، ومن العجب أن أعداء المسلمين الذي أضلهم الله ينتقدون على الإسلام ثبوت الرق ويقولون: كيف تسترقون إنسانًا مثلكم، ولم يتفطنوا لما يعملون في عباد الله أكثر من استرقاق عباد الله، الرقيق عند المسلم مكرم معزز، حتى إن الرسول أمر أن نطعمهم مما نطعم ونكسوهم مما نكتسي، هم يسترقون العباد لكن من طريق أخرى أشد وأنكى، ولهذا لو نظرنا إلى مسألة السود والبيض في أمريكا لرأينا العجب العجاب من امتهانهم وعدم القيام بحقوقهم؛ أشد بكثير من الرق الثابت في الإسلام، ثم نقول أيضًا: ثبوت الرق في الإسلام جعل الشارع له أسبابًا كثيرة للفك منه، ولو لم يكن إلا فضيلة العتق لكان ذلك كافيًا، أما أنتم فلم ترحموا ما استرققتموه ولم تبالوا به، تمصوا خيراتهم وثرواتهم وتدخلون عليهم الشر وتحبسون حرياتهم.

стр. 1696

ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: جواز التدبير وهو الإعتاق بعد الموت؛ لأن الرجل فعله في عهد الرسول ﷺ ولم ينكر عليه. ومنها أيضًا: أنه إذا كان عليه دين -أي: على السيد- فإنه لا ينفذ التدبير؛ لأن الرسول ﷺ باع العبد وقضى دينه. ومنها: أهمية الدَّين، وأنه يقدم على العتق، فلو أن رجلًا كان عنده عبد وعليه دين بمقدار ثمنه وقال: أيهما أفضل لي أن أعتق العبد أو أقضي الدين؟ قلنا: قضاء الدين أفضل، وبهذا فضّل النبي ﷺ العتق من أجل قضاء الدين. ومنها: أنه قد يكون فيه دليل لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن تصرف المفلس ليس بنافذ وإن لم يفلّس؛ يعني: أن الذي عليه دين يستغرق ماله لا يصح أن يتصرف في ماله أو يتبرع كصدقة وعتق وغيره سواء حجر عليه أم لم يحجر، وهذا لا شك أنه قول قوي؛ لأن ماله قد تعلق به حق الغير، ولأنه ليس من الحكمة أن تذهب لتفعل الشيء المستحب وتدع الشيء الواجب، ولهذا تجد بعض الناس الآن مساكين عليهم ديون ويتصدقون ويعزمون الناس، ويدعون وتجده كما يقول العامة: "تجد السُّفرة ما تطوى" هذا خطأ ليس من الحكمة ولا من الشرع، الحكمة: أنك تبدأ بالواجب، أحيانًا يقول: أنا أتصدق بعشرة ريالات والذي عليّ مليون، ماذا نقول؟ نقول: أنت إذا أوفيت من دينك عشرة ريالات صار عليك مليون إلا عشرة، فمليون إلا عشرة أحسن من مليون، ولهذا لم يوجب حتى الحج وهو ركن من أركان الإسلام لم يوجبه الله مع الدّين، وهذه المسألة أنا أود منكم أن تبثوها في العامة؛ لأنه يوجد الآن من العامة من هو مدين، وإذا رأى التبرعات لأعمال خيرية ذهب يتبرع يتعرض للناس في مسألة الدعوات يسموه هذا عشاء وهذا غذاء وهذا طهي وما أشبه ذلك فإذا نبه الناس على هذا الأمر وبيِّن لهم خطر الدين لعلهم يهتدون. ومن فوائد الحديث: أن للإمام أن يبيع مال صاحب الدين ليقضي دينه، وجهه أن النبي ﷺ باعه -أي: المدبر- ولم يرجع إلى الورثة، باعه وقضى الدَّين. وعلى هذا فيجوز للحاكم الشرعي أن يبيع مال المدين ويوفي دينه، فإن كان الدين من جنس المال فإنه لا يحتاج إلى بيع المال؛ لأنه ربما يبيعه فينكر، وإن كان الدين من جنسه فيقضيه منه، لماذا جعل المؤلف ﵀ هذا الحديث في هذا البيت؟ لنستفيد منه جواز بيع المدبر إذا كان على صاحبه دين. * * *

стр. 1697

حكم أكل وبيع السمن الذي تقع فيه فأرة: ٧٥٤ - وعن ميمونة زوج النَّبيِّ ﷺ : "أنَّ فأرةً وقعت في سمنٍ، فماتت فيه، فسئل النَّبيُّ ﷺ عنها. فقال: ألقوها وما حولها، وكلوه". رواه البخاريُّ. - وزاد أحمد، والنَّسائيُّ: "في سمنٍ جامدٍ". ميمونة زوج النبي ﷺ أو زوجة النبي؟ زوج هذا هو الأفصح، ولا يقال: زوجة إلا على لغة رديئة إلا في الفرائض فإن أهل العلم بالفرائض اصطلحوا على أن يعيِّنوا زوجة للأنثى وزوج للذكر. قوله: "أن فأرة وقعت في سمن"، الفأرة معروفة وهي من الحيوانات الفاسقة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "خمس فواسق، وأمر بإطفاء المصباح لئلا تعبث به الفويسقة"، فهي الفويسقة من جملة الفواسق، ولهذا سن قتلها مطلقًا سواء آذت أم لم تؤذ، ولكن قال النبي ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، فتقتل بما يكون أسرع إلى موتها بأي وسيلة كانت إلا بالنار، إلا إذا تعذر أن تقتل إلا في النار استعملت النار، مثل: لو دخلت في جحر ولم تخرج إلا بأن توقد النار حول الجحر فلا بأس، ويوجد الآن شيء تقتل به الفأرة صمغ تلزق فيه هذا لا بأس به لكن بشرط أن تلاحظها لئلا تحبسها فتموت فيخشى عليك أن تكون كصاحبة الهرة التي حبستها لا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فإذا استعملت هذا لإمساك الفأرة فعليك أن تتعاهده حتى لا تموت جوعًا أو عطشًا. وقوله: "في سمن فماتت"، ظاهر الحال أن السمن مائع؛ لأنه لو كان جامدًا ما ماتت بل تبقى على سطحه وتخرج، ولهذا رواية أحمد والنسائي فيها نظر: "في سمن جامد" إلا أن يراد به جمودًا نسبيًّا فيمكن. وقوله: "فسئل النبي ﷺ عنها"، أي: حال كونها واقعة في السمن ولا بد من هذا التقدير، وإلا لو كان صواب العبارة أن يقال: "فسئل عنه"، أي: عن السمن، لكن هو سئل عن الفأرة حال وقوعها في السمن ماذا يكون للسمن، فقال رسول الله ﷺ : "ألقوها وما حولها وكلوا"، فأمر أن تلقى وما حولها وأن يؤكل السمن. ثم قال: زاد أحمد والنسائي: "في سمن جامد"، وقوله: "في سمن جامد" فيه نظر؛ لأنه لا يوافق القصة؛ إذ إن الجامد لا تغيب فيه الفأرة ولا تكون، إلا أن يراد بالجامد: الجامد النسبي؛

стр. 1698

بمعنى: أنه ليس كالماء لا هو مائع ولا هو جامد فإن أريد هذا فالأمر واضح، أما جامد كالحصى والحجر فهذا لا يستقيم. نسأل لماذا جاء به المؤلف في كتاب البيوع مع أن المناسب أن يذكر في كتاب الأطعمة؟ يعني: أن هذا لا يمنع البيع؛ لأنه متى جاز بيعه جاز أكله، لأن الله إذا أباح شيئًا أباح ثمنه، وإذا حرم شيئًا حرم ثمنه. أما فوائد الحديث: ففيه دليل على أن الفأر نجسة إذا ماتت لقوله: "ألقوها وما حولها"، ولو كانت ظاهرة لكانت تلقى بدون أن يلقى ما حولها، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ قال: "إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه"، ولم يذكر أن الإناء أو الشراب يتنجس؛ لأن ميتة الذباب طاهرة، لماذا ميتته طاهرة وميتة الفأرة نجسة وكلها مما يطوف علينا؟ علل العلماء ذلك قالوا: لأن أصل نجاسة الميتة احتقان الدم النجس فيها، والذباب ليس له دم يحتقن فيه حتى يكون نجسًا، وأما ما له دم فينجس، ولا شك أن هذه علة مناسبة جدًّا للحكم؛ لأن الله قال: ﴿قل لَّا أجد فى ما أوحى إلىَّ محرَّمًا على طاعمٍ يطعمه إلَّا أن يكون ميتةً أو دمًا مَّسفوحًا أو لحم خنزيرٍ فإنَّه رجسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة ﵃ واحتياطهم في أمور دينهم؛ لأنهم لم يتعجلوا فيرقوه ولم يتعجلوا فيأكلوه حتى يسألوا الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الاستحياء من أمور العلم، فتقول: هذه الفأرة لا أسأل عنها، أنا أكرم هذا الرجل عن السؤال عن الفأرة؛ لأن أكرم من يستحق الإكرام من البشر الرسول ﷺ ومع ذلك سألوه عن الفأرة، هل نأخذ منها أنه لا يقال للإنسان إذا سئل عما يستقبح "تكرم؟ " قد يكون قالوا، وقد يكون لم يقولوا ذلك، لكن الظاهر أن الصحابة لا يستعملون هذه الكلمة، فهل نقول: إن استعمالها بدعة وأنه لا ينبغي أن يستعملها الإنسان، أو نقول: إن هذه مما يرجع إلى العرف؟ الظاهر الثاني؛ لأن هذه ليست عبادة، فإذا جرى العرف بين الناس في استعمال هذه الكلمات فلا بأس. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الفأرة إذا وقعت في السمن، فإنها تلقى وما حولها ويكون الباقي طاهرًا؛ لقوله ﷺ : "ألقوها وما حولها وكلوه"، وجه الدلالة: إما أن نقول تقول: إن هذا هو ظاهر القصة؛ لأنه لو كان جامدًا ما ماتت بسقوطها فيه، أو يقال: وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يستفصل ولم يقل: أجامد هو أم مائع؟ فلما لم يستفصل في مقام الاحتمال نزّل جوابه منزلة العموم في المقال، وجه ثالث: أن نقول: إن المدينة من البلاد الحارة غالبًا، وأن السمن لا

стр. 1699

يجمد فيها إلى حد يكون كالحجر فلهذا لا يمكن أن نحمله على الجمود الكامل الذي يصل فيه إلى حد يكون كالحجر، وهذا الوجه أيضًا استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن المدينة من الحجاز، والحجاز من البلاد الحارة. ويستفاد من الحديث: أنه متى زال الأذى زال حكمه لقوله: "ألقوها وما حولها وكلوه"، فلما زال الأذى -أذى هذه الفأرة- بإلقائها وما حولها صار الباقي طاهرًا، ويتفرع على ذلك تأثير الأوصاف بموصوفاتها؛ لأنه إذا ألقيت وما حولها زال الوصف الذي من أجله يحرم هذا السمن. وهل يؤخذ منه تنجس الشيء بالمجاورة؟ نعم يؤخذ منه الاحتياط في البعد عن النجاسة؛ لأن الرسول ﷺ ما قال: ألقوها واكتفى بالذي علق بها يلقى معها، ولكن قال: "ألقوها وما حولها"؛ لأنه يحتمل أن تكون النجاسة قد تمددت إلى ما حولها، إذا كان الإناء صغيرًا وصار الذي حولها يستوعب كل الإناء فيلقى كله، وفيه ردٌّ لقول من يقول: إن المائعات تنجس بمجرد الملاقاة ولو كثرت ولم تتغير؛ لقوله: "ألقوها وما حولها وكلوه"، ولو كان ينجس بالملاقاة كله ما حل منه شيء، والقول الذي أشرنا إليه وهو القول المرجوح هذا يؤدي إلى آثار كثيرة في الخلق ما تأتي بمثله الشريعة، لا أدري هل تعرفون ما يسمى بالخزانات أواني كبيرة وهي من النحاس -وأنا أدركتها-، يدخل فيها الرجل واثنين وثلاثة كانوا يستعملونها أواني للسمن يشتري الإنسان مثل القربة من السمن ثم يصبونه في هذا البرميل الكبير هذا البرميل الكبير الممتلاء لو يسقط فيه شعرة واحدة من كلب صار كله نجس على هذا القول وتجب إراقته ولا ينتفع به، ولهذا القول الراجح المطرد: أن ما لم يتغير بالنجاسة فليس بنجس سواء كان ماء أو مائعًا. ٧٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت الفأرة في السَّمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه". رواه أحمد، وأبو داود، وقد حكم عليه البخاريُّ وأبو حاتمٍ بالوهم. هذا الحديث يقول: "إذا وقعت .... إلخ"، وفصَّل فقال: "إن كان جامدًا تلقى وما حولها، وإن كان مائعًا فإنه لا يقرب"، لكن هذا الحديث كما قال البخاري وهم، والصواب الحديث الأول: "تلقى وما حولها" فقط سواء كان جامدًا أم مائعًا، ثم إنه سبق لنا أن الجامد جمودًا تامًّا

стр. 1700

لا تموت فيه الفأرة، والجامد جمودًا وسطًا بين المائع والجامد قد تموت فيه، لكن الصحيح أنها تلقى وما حولها ثم يؤكل السمن. ويدل على ذلك أن هذا الحديث وهم؛ أنه قال: "إذا وقعت الفأرة في السمن"، ولم يقل: فماتت، ومعلوم أنها إذا خرجت حية فهي طاهرة؛ لأنها من الطوافين علينا ومما يشق التنزه منه، فهي لو سقطت مثلًا في ماء وهي حية وخرجت فالماء طهور وليس بنجس، وكذلك لو سقطت في سمن وخرجت حية فهو طاهر ولا يكون نجسًا. ويدل على وهمه أيضًا أنه قال: إن كان مائعًا فلا تقربوه؛ يعني: فهو حرام، ولو أخذنا بظاهره لكان شاملًا للقليل والكثير وللمتغير وغير المتغير وإتلاف الكثير الذي لم يتغير بسقوط هذه الفأرة فيه إضاعة مال لا تأتي بمثله الشريعة، فهو في الحقيقة كلما تأملته وجدته وهمًا، وأن الصواب ما رواه البخاري في الحديث السابق، أنها إذا وقعت فماتت تلقى وما حولها، والباقي يؤكل ويستعمل. ٧٥٦ - وعن أبي الزُّبير قال: "سألت جابرًا عن ثمن السِّنَّور والكلب؟ فقال: زجر النَّبيُّ ﷺ عن ذلك". رواه مسلمٌ. - والنسائيُّ وزاد: "إلا كلب صيدٍ". سؤاله لجابر بنفي ما يحتمل من التدليس؛ لأن أبا الزبير فيه تدليس يسير، لكن الظاهر أن كل ما رواه عن جابر في صحيح مسلم أو غيره من الكتب الصحيحة والمعتمدة فهو محمول على السماع. يقول: "سألت عن ثمن السِّنَّور". ما هو السِّنَّور؟ السِّنَّور: القط، وهو معروف وبعضه أليف وبعضه وحشي، بعضه أليف يأتي إليك تمسكه وينام عندك وكذلك ينظف البيت من الحشرات، والفأرة والصارور والوزغ وغير ذلك، وبعضه غير أليف كما هو معروف بعضه يكفأ القدر ويأكل الحمام، وكان قديمًا يأكل عندنا ولا أدري في البلاد الأخرى، كان بالأول يأكل الدجاج، أما الآن فيأكل مع الدجاج، على كل حال: هذا السِّنَّور سئل جابر عن ثمنه فقال: إن النبي ﷺ زجر عن ذلك، والزجر: النهي بشدة، والكلب سبق لنا أيضًا الكلام فيه ولا حاجة إلى إعادة الكلام. يقول: "زجر عن ذلك"، أي: عن ثمن السِّنَّور والكلب. وعلى هذا فيستفاد من هذا الحديث: تحريم بيع السِّنَّور، وظاهره أنه لا فرق بين الأليف والوحشي، ولا بين الأليف النافع والأليف غير النافع للعموم، وهذه المسألة اختلف فيها أهل

стр. 1701

العلم على قولين؛ فمنهم من يقول: إن الهر إذا انتفع به وصار نافعًا فلا بأس ببيعه؛ لأنه ذو نفع مباح، وكل ذي نفع مباح فإن القاعدة الشرعية إباحة غيره بمفهوم قول الرسول ﷺ : "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، فمفهومه إذا أباح شيئًا أباح ثمنه، ولا يلزم من تحريم الأكل تحريم البيع، فهاهو الحمار محرم الأكل ومع ذلك مباح البيع إذا بيع لينتفع به، فإذا كان في هذا الهر نفع واضح مثل الذي أشرنا إليه من قبل، بأنه يأكل الحشرات ويطرد الهوام، فهذا لا بأس ببيعه من أجل منفعته، وليس مما نهي عن اقتنائه حتى نقول: إنه كالكلب، بل هو مما أبيح اقتناؤه، وأما إذا كان غير أليف ولا نافع فإن بيعه لا يجوز؛ لأن ذلك إضاعة مال وهذا هو رأي الجمهور أنه يجوز بيعه إذا كان ينتفع به، وحملوا الحديث على النوع الثاني: وهو الذي لا ينتفع به كأن يكون وحشًا؛ لأن الوحش لا يجوز بيعه لعدم الانتفاع به ولعدم القدرة على تسليمه؛ لأنه كالجمل الشارد وكالعبد الآبق، لا يتمكن من تسليمه إلى المشتري، وهذا القول الذي هو قول الجمهور قول قوي جدًّا. ويحمل الحديث على ما حملوه عليه من أن المراد بالسِّنَّور الذي لا فائدة فيه، ولكن مع هذا نقول: الاحتياط للإنسان ألا يبيعه، بل إذا كان عنده هرة وانتهت حاجته منها وطلبها منه أحد فإنه يسلمها له بدون ثمن، والذين منعوا من بيعه استدلوا بعموم الحديث، واستدلوا أيضًا بأن هذا من الأشياء التي لا يؤبه لها والتي توجد كثيرًا في الناس، فهي تشبه الماء الذي نهى النبي عن بيعه، فإن الهرة جرت العادة بأنه يقتنى اقتناءً كاقتناء الغنم بحيث يبقى عند الإنسان يتوالد عنده ويحرص عليه، بل إذا وجد سنور صار يؤلفه حتى يتألف، فرأي الجمهور قوي لكن مع ذلك الأحوط أن يدع بيعه، أما الكلب فقد سبق. وفي الحديث: دليل على جواز الإجابة بالدليل، من أين يؤخذ؟ من قوله: "زجر"، ولم يقل: هو حرام. وهل هذا أولى، أو الأولى أن يذكر الحكم ثم دليله، أو يختلف باختلاف المخاطب؟ الأخير، يعني: باختلاف المخاطب، إذا كان المخاطب يعرف الحكم من الدليل فلا حاجة إلى ذكر الحكم ثم سياق الدليل، لا حاجة إلى ذلك؛ لأنه ليس فيه إلا التطويل، وأما إذا كان لا يفهم، أو أردت أن تعلمه بأنه إذا ذكر الحكم فليقرن به الدليل، فهنا الأفضل أن تذكير الحكم ثم تذكر الدليل، ولهذا كان الرسول ﷺ يفعل يذكر الحكم ثم يذكر الدليل مما قال ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، قال: يا رسول الله، أفندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فأما أهل السعادة فييسَّرون لعمل

стр. 1702

أهل السعادة، وأهل الشقاوة فييسَّرون لعمل أهل الشقاوة، قرأ: ﴿فأمَّا من أعطى واتَّقى (٥) وصدَّق بالحسنى (٦) فسنيسِّره لليسرى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧] ". فالمهم: أن ذكر الحكم بالدليل يعني: أن يكون الجواب بالدليل أو بذكر الحكم، ثم يقرن به الدليل هذا يرجع إلى اختلاف السائل أو المخاطب. قال: والنسائي وزاد "إلا كلب صيدٍ"، لكنه زادها واستنكرها ﵀ وقال: إنها منكرة، فالاستثناء ليس بصحيح كما هو القول الراجح في هذه المسألة، وقد سبق لنا أيضًا الكلام عليه، وبيَّنا أنه لو قيل: إن النهي عن ثمن الكلب إنما هو عن ثمن الكلب الذي يباح اقتناؤه؛ لأن ما لا يباح اقتناؤه لا يرد عليه البيع، إذ إن الإنسان لا يمكن أن يخسر مرتين الأجر والثمن. بطلان مخالفة الشرع: ٧٥٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "جاءتني بريرة، فقالت: إنِّي كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ، فأعينيني. فقلت: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها. فقالت لهم؛ فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله ﷺ جالسٌ. فقالت إنِّي قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون الولاء لهم، فسمع النَّبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشة النَّبيَّ ﷺ . فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثمَّ قام رسول الله ﷺ في النَّاس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه. ثمَّ قال: أمَّا بعد، فما بال رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ وإن كان مائة شرطٍ، قضاء الله أحقُّ، وشرط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ. - وعند مسلمٍ فقال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء". بريرة هذه كانت أمة لقوم من الأنصار وصار فيها ثلاث سنن كما قالت عائشة في حديث آخر، منها هذه المسألة الآتية في الحديث. ومنها: أنها خيرت على زوجها حين عتقت. ومنها: أن الرسول ﷺ دخل ذات يوم إلى البيت فطلب طعامًا فأتي إليه بطعام فقال: ألم أر البرمة على النَّار؟ قالوا: ذاك لحم تصدق به على بريرة، قال: "هو عليها صدقة ولنا هدية"، فهذه ثلاث سنن جاءت في هذه الأمة.

стр. 1703

تقول: "كاتبت أهلي"، المراد بأهلها هنا: أسيادها، يعني: الذي يملكونها، وسمي الأسياد أهلًا وإن لم يكونوا من القرابة؛ لأن الإنسان يأهلهم ويأوي إليهم، وكل أحد تأوي إليه وتأهله فهم أهلك؛ لأنهم مأوى إليك، ولهذا سمي أتباع الإنسان أهلًا، أو لأنه يئول إليهم وينتصر بهم، وقولها: "كاتبت"، المكاتبة: شراء العبد نفسه من سيده، كيف ذلك؟ يقول العبد للسيد: أنا أحب أن أعتق، وأنت لن تعتقني بدون عوض، ولكن بعني على نفسي، فيقول: بعنك على نفسك، بكم؟ فيقول مثلًا: بعشرة آلاف ريال كل سنة يحل ألفا ريال تكون المدة خمس سنوات، فوافق على ذلك تسمى هذه مكاتبة، وهل هو عقد لازم أو جائز، بمعنى: هل يملك السيد فسخه، أو العبد فسخه، أو هو عقد لازم لا يملك كل واحد منهما فسخه؟ أما من جهة السيد فهو لازم لا يمكن فسخه، وأما من جهة العبد فهو جائز؛ لأن بإمكانه أن يعجز نفسه ويقول: ما حصلت شيئًا فإذا عجز نفسه فحينئذ يعود إلى الرق، وهل إذا طلب العبد من السيد المكاتبة هل يلزم السيد إجابته؟ نقول: أولًا: فيه تفصيل، وثانيًا: فيه خلاف، فيه تفصيل إن علم فيه خيرًا أجابه وكاتبه، وإن لم يعلم فيه خيرًا فلا يكاتبه، ما هو الخير الذي يعلمه فيه؟ قال العلماء: الخير الذي يعلمه الصلاة في الدين والكسب في المال، يعني: إذا علم أن هذا العبد صالحًا وأنه يستطيع أن يكتسب فليكاتبه، وإن لم يعلم فلا يكاتبه وذلك إن خاف أنه إنما طلب المكاتبة من أجل أن يتحرر، فيفسق أو يرجع إلى بلاد الكفر، فهنا لا يكاتبه؛ لأن هذا ضرر، أو علم أنه إذا كاتبه صار عالة على نفسه وعلى غيره ليس لديه مال فهذا لا يكاتبه؛ لأن هذا ضرر على العبد، وضرر على غيره من الناس، فإن علم فيه خيرًا أمر بالمكاتبة، قال الله تعالى: ﴿والَّذين يبتغون الكتاب ممَّا ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [النور: ٣٣]. ولكن هل الأمر هنا للوجوب أو للاستحباب؟ ذهب جمهور العلماء على أنه للاستحباب، والصارف له عن الوجوب: أن هذا مال له، ولم يوجب الله إخراج المال على المالك إلا بالزكاة أو النفقة الواجبة، وعلى هذا فيكون الأمر هنا للاستحباب وليس للوجوب، وقال أهل الظاهر وجماعة من العلماء: بل الأمر للوجوب؛ لأن في هذا مصلحة وهي إنقاذ هذا العبد من الرق، فهو كإنقاذ من خاف التلف، ثم إن الشارع يتشوف إلى العتق تشوفًا بالغًا، فعندنا أمران مع الأصل وهو أن الأصل في الأمر الوجوب، فلدينا أمران يفيدان أن الأمر للوجوب، وعلى هذا فيكون الأمر للوجوب بناء على الأصل ولأجل هذين الوجهين، وهذا القول هو الصحيح أنه إذا طلب المكاتبة وعلم فيه الخير وجب عليه أن يوافق؛ لأن ذلك خير له وخير للعبد.

стр. 1704

المكاتبة لماذا سميت مكاتبة ولم تسمى عقدًا؟ أقول: لأنه جرت العادة أنه إذا وقع مثل هذا العقد حصلت المكاتبة بين السيد وبين العبد، فلذلك سميت مكاتبة، إذا قال قائل: إذا عللتم بذلك لزمكم أن تقولوا كل شيء يكتب نسميه مكاتبة. نقول: هذا لا يصح في تعيين العقود أو المعاني أو الأماكن أو ما أشبه ذلك، لا يصح، ولهذا سميت المزدلفة جمعًا ولم تسمى عرفة جمعًا مع أن الجمع في عرفة كالجمع في مزدلفة أو أكثر، فمثل هذه الأشياء التي يعلل بها الأسماء لا تتعدى العلة محلها، فلو أنني عقدت معك مداينة نسمى هذا مكاتبة؟ لا، بل نسميه دينًا مكتوبًا. تقول: "كاتبت أهلي على تسع أواقٍ"، وهي جمع أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، فالأربعون درهمًا تكون ثمانية وعشرين مثقالًا، إذن الأوقية ثمانية وعشرون مثقالًا، وهي تقول: "تسع أواقٍ"، نضربها في ثمانية وعشرين تساوي مائتي واثنين وخمسين مثقالًا من الفضة هذا ثمن بريرة التي كاتبها أهلها. تقول: "في كل عام أوقية"، تكون الأعوام على هذا تسعة أعوام فتعتق، فجاءت تطلب العون من عائشة ... إلخ، "فقلت: إن أحب أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت"، "إن أحب" هذه شرطية، وجواب الشرط "فعلت"، وقولها ﵂: "أن أعدها" يعني: أعطيهم إياها معدودة، وقد مر علينا كم هذه؟ تسعة أواقٍ، كل أوقية أربعون درهمًا، أربعون في تسعة يكون ثلاثمائة وستين درهمًا. "إن أحب أهلك أن أعدها لهم" أي: أن أعد لهم التسع أواقٍ وهي بالدراهم الإسلامية ثلاثمائة وستون درهمًا؛ لأن الأوقية أربعون درهمًا، كما قال النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة"، وفي حديث أبي بكر: في الرقة في مائتي درهمًا ربع العشر، ففهمنا من هذا أن الأوقية أربعون درهمًا، وقولها: "ويكون ولاؤك لي"، ما هو الولاء؟ الولاء في اللغة: من الولاية، وفي الشرع: يطلق على عدة معانٍ منها: ولاء العتق وهو أن الإنسان إذا أعتق عبدًا صار له عاصبًا كعصوبة النسب تمامًا، إلا أنها دونها في المرتبة، ولهذا لا يستحق أحد عاصب بالولاء شيئًا من حقوق التعصيب ما دام يوجد عاصب بالنسب، فلو هلك هالك عن بنت ومولى لكان للبنت النصف والباقي للمولى، ولو هلك عن بنت وعم كان للبنت النصف وللعم الباقي، إذن فولاء العتق له لحمة في الإنسان كلحمة النسب، إلا أنه كما قلنا: لا يمكن أن يستحق شيئًا من حقوق التعصيب، ما دام أحد من العصبة في النسب موجودا.

стр. 1705

تقول: "فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك"، وأظن مر علينا ماالمراد بالأهل وهم الأسياد، "فأبوا عليها"، يعني: امتنعوا أن يكون الولاء لعائشة، بل يريدون أن يكون الولاء لهم هم، قالت: "فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس في حجرة عائشة"؛ لأن عادة الرسول ﷺ أن يكون في مهنة أهله في البيت أو في المسجد أو في شئون المسلمين تقول: "فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء"، فيكون لهم حق العصوبة بعد عصوبة النسب في هذه المرأة. فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، "خذيها" يعني: اشتريها واشترطي لهم الولاء كما طلبوا، فأمرها ﷺ أن تأخذها، وأن تشترط لهم الولاء، وهذا الأمر ليس أمر إيجاب ولا استحباب، ولكنه أمر إباحة؛ لأنه صار في جواب السؤال، وقد مر علينا أن الأمر إذا كان في جواب السؤال، فهو للإباحة، وكذلك إذا وقع بعد الخطر فهو للإباحة أو لرفع الخطر على خلاف في ذلك، وقد سبق في أصول الفقه. قال: "خذيها واشترطي لهما الولاء"، يعني: كما أرادوا، وإنما قال الرسول ﷺ ذلك لأمر سيتبين فيما بعد. اختلف العلماء في اللام هنا، هل هي للتمليك والاستحقاق، أو أنها بمعنى "على"؟ فقال بعض العلماء: إنها بمعنى "على"، أي: اشترطي عليهم الولاء، قالوا ذلك واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. أي: فعليها، كما قال الله : ﴿مَّن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ [فصّلت: ٤٦]. فتكون اللام هنا بمعنى "على"، واضطروا إلى ذلك لئلا يلزم من جعل اللام على بابها أن يكون الرسول ﷺ أذن لها بشرط فاسد؛ لأن اشتراط الولاء لهم مخالف للشرع، قالوا: والرسول ﷺ لا يمكن أن يأذن بشيء مخالف للشرع، فاضطررنا أن نجعل اللام بمعنى "على"، وأتينا بشاهد من القرآن هذا هو القول ظاهره الصحة لكن عند التأمل يتبين أنه ليس بصواب؛ لأنها قد اشترطت عليهم الولاء ولكن أبوا، فما الفائدة من أن تعيد الشرط مرة أخرى؟ وكيف يقول الرسول ﷺ : "اشترطي عليهم الولاء" وهو يعلم أنهم قد أبوا ذلك؛ لأن هذا ليس فيه إلا مجرد التكرار بلا فائدة، والنبي ﷺ لا يمكن أن يأمر بشيء بغير فائدة، ولا يمكن أن يأمر بشيء يعلم أنه مردود من قبل؟ إذن يتعين أن نجعل اللام على أصلها وهي التمليك والاستحقاق، يعني: خذيها واشترطي لهم الولاء كما أرادوا. ونجيب عن قولهم: إن الرسول ﷺ لا يأذن بشيء مخالف للشرع فنجيب عن ذلك بأن رسول الله ﷺ لم يأذن بذلك لينفذ. ولو أذن ونفذ لكان محل إشكال، لكنه أذن بذلك ليبطله

стр. 1706

بعد شرطه، وإبطال الشيء بعد شرطه أشد وقعًا وأبين في الإرشاد؛ لأنه لو قيل: هذا باطل ليس وقعه في النفس كما إذا اشترط ثم أبطل؛ لأنه قد يقول قائل: هذا محرّم ولكن إذا اشترط نفذ، نقول: لا، هو محرم اشتراط الولاء لغير المعتق وإذا اشترط فهو باطل لا ينفذ، فيكون الرسول ﷺ أراد من ذلك أن يشترط الولاء لهم كما أرادوا ثم بعد اشتراطهم إياه يبطله الرسول ﷺ ، ونظير هذا من بعض الوجوه: أن الرسول ﷺ أمر المسيء في صلاته عدة مرات صلاة محرمة؛ لأنه كان لا يطمئن فيها يقول: "اذهب فصلِّ فإنك لم تصلِّ" فيذهب كالأول، لماذا؟ من أجل أن يكون توجيه الرسول ﷺ له بعد أن أخذه العناء من صلاة ليست بمجزئة يكون توجيه الرسول إياه وإرشاده له وقع في النفس فتستقر، وليعلم أن العبادة الفاسدة مهما فعلت فإنه لا تبرأ بها الذمة، وهذا من الحكمة في التعليل. إذن فنقول: يتعين أن نجعل اللام على أصلها؛ لأن صرفها عن الأصل يحتاج إلى دليل، ولأن جعلها بمعنى "على" لا يليق برسول الله ﷺ ، وهو الذي يعلم ويدري أن هذا أمر غير ممكن؛ لأن الجماعة قد ردُّوا هذا من الأصل، ويبقى مشكلة وهي لماذا يغروا هؤلاء فيشترط لهم الولاء ثم يلغى، وسيأتي الجواب عليه. إذن نقول: اللام يجب أن تكون على بابها، يكون لهم الولاء كما طلبوا وكما أرادوا، ثم قال الرسول ﷺ مقررًا الحكم الشرعي: "فإنما الولاء لمن أعتق"، الفاء هنا عاطفة، و"إنما" أداة حصر، و"الولاء" مبتدأ، و"لمن أعتق" خبره، ويكون معنى الجملة: الولاء لمن أعتق لا لغيره وإن شرط، ففعلت عائشة ﵂. "ثم قام رسول الله ﷺ ... إلخ" ماذا فعلت عائشة؟ أخذتها واشترطت لهم الولاء وتم الأمر على أن عائشة اشترت بريرة المكاتبة على أن يكون ولاؤها لأهلها، ثم إن الرسول ﷺ قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، أي: قام في الناس خطيبًا، وهذه الخطبة من الخطب العوارض، والنبي ﷺ يخطب أصحابه خطبًا عارضة وخطبًا راتبة دائمة، فخطبة الجمعة مثلا من الخطب الراتبة والعيد والاستسقاء كل هذه من الرواتب. العارضة دائمًا يخطب بها ﵊ في المناسبات، خطبة الكسوف عارضة وقيل: راتبة. واختلف العلماء هل خطبة الكسوف مسنونة مطلقًا أو أنها عارضة للتذكير، يقال: الكسوف ما وقع في عهد الرسول ﷺ إلا مرة واحدة ولا ندري لو عاد الكسوف هل يخطب الرسول أو لا، والأصل أن ما فعله فهو سنة، وعلى هذا فنقول: صلاة الكسوف يستحب فيها الخطبة، لا سيما في مثل زمننا هذا الذي غفل الناس عن المراد بالكسوف غفلوا عما يراد به

стр. 1707

شرعًا وهو تخويف الناس، فالخطبة في هذا الزمن حتى وإن قلنا إنها ليست من السنن الراتبة بل هي من السنن الطارئة ينبغي ألَّا تفوّت في صلاة الكسوف. ثم قالت: "فحمد الله وأثنى عليه"، حمد الله: الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم وصف المحمود بالكمال ولو مرة واحدة مع المحبة والتعظيم، فقولنا: مع المحبة والتعظيم ليخرج المدح، فإن المدح وصف للممدوح بالكمال، لكن قد يخلو من المحبة والتعظيم، قد يمدح الإنسان أحدًا وهو من أكره الناس إليه ويبغضه لكن يمدحه خوفًا من شره أو رجاء لعطائه. أما الحمد فإنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، يجد الإنسان قلبه ممتلئًا محبة لهذا الموصوف بالكمال وبالتعظيم أيضا وحمد الله إذا قلت: أحمد الله، فحمد الله سبحانه يكون على الكمال الذاتي وعلى الإحسان إلى الخلق، ولهذا إذا أكل الإنسان وشرب يقول: الحمد لله على هذا الإحسان وهذه النعمة، فالله يحمد على كماله الذاتي وعلى إحسانه الواصل إلى خلقه، وقوله: "أثنى عليه"، يعني: كرر أوصاف الكمال لله ، ويدل على أن الثناء غير الحمد، حديث أبي هريرة الذي قال فيه الرسول ﷺ عن الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال: أثنى علي عبدي". ثم قال -يعني: بعد الحمد والثناء-: "أما بعد"، فما بال هذا التركيب؟ قالوا: إنه نائب عن أداة شرط وفعل شرط تقديره: مهما يكن من شيء بعد؛ أي: بعدما قلت فهو ما سأقوله: "ما بال قوم ... " إلخ، وقيل: إنه لا حاجة إلى هذا التركيب، بل "أما" هذه شرطية هي بنفسها يدل على الشرط والتفصيل، و"بعد" طرف متعلق بمحذوف مناسب للمقام، والفاء رابطة لجواب التفصيل مثل: ﴿فأمَّا من أعطى واتَّقى (٥) وصدَّق بالحسنى (٦) فسنيسّره﴾ [الليل: ٥ - ٦]. على كل حال: كلمة "أما بعد" قال بعضهم: إنها كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، ولكن هذا غير صحيح، والذي يتتبع كلام العرب يجد أنها كلمة تقال بين يدي الموضوع، أي: موضوع الكلام، فيؤتى أولًا بالمقدمة، ثم يقال عند الدخول في الموضوع: "أما بعد" وزعم بعض العلماء أنها هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود: ﴿وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب (٢٠)﴾ [ص: ٢٠]. والصواب: أنها ليست إيَّاها، وأن فصل الخطاب هو الفصل بين الناس في الخصومات التي تكون بينهم.

стр. 1708

ثم قال: "فما بال رجال"، "بال" بمعنى: شأن، يعني: ما شأنهم، والاستفهام هنا للاستنكار، و"رجال" ليست مذكورة للقيد؛ لأن النساء كالرجال، لكن إذا عبر بالرجال دخل النساء، وإذا عبر بالنساء دخل الرجال إلا بدليل، "فما بال رجال"، وهنا نكرهم لئلا تعرف أعيانهم؛ لأنه ليس الشأن بمعرفة الأعيان وإنما الشأن بمعرفة الأحوال والقضايا التي تقع. "يشترطون شروطًا"، الشرط مر علينا كثيرًا بأنه في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فهل ينظرون إلَّا السَّاعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها﴾ [محمد: ١٨]. وفي الاصطلاح: ما يتوقف عليه الصحة أو اللزوم، فإن كان شرطًا لله توقِّفت عليه الصحة، وإن كان شرطًا للإنسان توقِّف عليه اللزوم، ولهذا نقول: هناك شروط للشيء وشروط في الشيء؛ الشروط للشيء من وضع الله ، وهي ثابتة سواء شرطت أم لم تشترط، ولا يمكن لأي إنسان أن يتنازل عنها أو يسقطها، هذه الشروط للشيء الذي تتوقف عليه الصحة أو التي تتوقف عليها الصحة كشروط البيع وشروط الصلاة وشروط الحج. أما الشروط في الشيء فهي من وضع البشر الإنسان هو الذي يضعها. ثانيًا: لا تثبت إلا باشتراط وإذا سكت عنها لم تثبت. ثالثًا: لمن هي له أن يتناول عنها ويسقطها. رابعًا: أن العقد يصح بدونها حتى وإن لم يوف بها فالعقد صحيح. خامسًا: أنها تنقسم إلى صحيح وفاسد؛ لأنه من صنع البشر، فهذه الخمسة فروق بينها وبين شروط الشيء هذا الأخير متفرع عن قولنا: إن شروط الشيء شرط للصحة، والشروط في الشيء شرط للزوم، يعني: يجوز ترك الشروط في الشيء لكن ما يلزم الشيء إلا بها. هذه الشروط التي ذكرنا أنها الشروط في الشيء الذي وقع من عائشة هل هو شرط في الشيء أو شرط للشيء؟ الأول، ولهذا أبطلها الرسول ﷺ ، قال: "شروطًا ليست في كتاب الله"، هذه الجملة فيها شيء من الإشكال إلا على وجه التأويل؛ لأن قوله: "ليست في كتاب الله" ظاهرها: أنه لا بد أن يكون الشرط قد ذكر في كتاب الله. ومن المعلوم أن الشروط في الشيء تكون مذكورة وغير مذكورة، مثلًا لو اشترط المشتري أن الولاء له إذا أعتق كان هذا الشرط موجودًا في كتاب الله، لو اشترط المشتري أنه ينتفع بالشيء فيكون موجودًا في كتاب الله، اشترط البائع الذي باع النخلة بعد أن أبرت أن الثمرة له شرط، مذكور في كتاب الله، الرسول ﷺ قال: "من ابتاع نخلًا" "نخلًا" بعد أن تؤبد ثمرته للذي باعه هذه واضحة، لكن إذا وجد شرط سكت عنه الكتاب وهو من الشروط

стр. 1709

الصحيحة كما في حديث جابر اشترط حملانه إلى المدينة مع أننا نقول في حديث جابر: أن المشترط هو الرسول ﷺ وما جاء عن رسول الله فهو كالذي جاء عن الله، فيكون هذا داخلًا في الشروط التي في كتاب الله، لكن ثمت أشياء غير الشرط الذي حصل في حديث جابر لكنه لم يذكر في الكتاب ولا في السُّنة، فظاهر هذا الحديث الذي معنا أنه ممنوع؛ لأنه قال: "ليست في كتاب الله"، ولكن قال أهل العلم: المراد بذلك ليس في كتاب الله حلُّها؛ أي: ليست مما أحله الله في كتابه، واستدلوا لذلك بأن هذا هو المعنى، وهو -كما تعرفون- تأويل خلاف ظاهر اللفظ، استدلوا لذلك بقوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا"، وبقوله ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"، وهذا يدل على أن ما اشترطه الإنسان فهو ثابت إلا إذا خالف شرط الله بأن أحل حرامًا أو حرم حلالًا، وقوله ﷺ : "في كتاب الله"، أي: في مكتوبه، والمراد به: القرآن، وسمي كتابًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿بل هو قرءانٌ مَّجيدٌ (٢١) فى لوحٍ مَّحفوظ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]. ﴿إنَّه لقرءانٌ كريمٌ (٧٧) فى كتابٍ مَّكنونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. ولأنه مكتوب في الصحف بأيدي الملائكة: ﴿فى صحفٍ مُّكرَّمةٍ (١٣) مَّرفوعةٍ مُّطهَّرة (١٤) بأيدي سفرةٍ (١٥) كرام بررةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. ولأنه مكتوب في الصُّحف التي بأيدي البشر فلهذا سمي كتابًا. فإن قال قائل: السُّنة هل هي من كتاب الله؟ الجواب: هي في الحكم في كتاب الله، وأما من حيث المتكلم بها فهو الرسول ﷺ ، لكن حكم ما جاء في السُّنة كحكم ما جاء في القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ١١٣]. قال: ﴿وأنزلنا إليك الذِّكر لتبيِّن للنَّاس ما نزِّل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. وقال النبي ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه". فإذن ما جاء في السُّنة فهو كتاب الله؛ لأن الله أخبرنا بأن محمدًا ﷺ يبين لنا ما نزل إليه قال: ﴿مَّن يطع الرَّسول فقد أطاع الله﴾ [النِّساء: ٨٠]. قال: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط"، "ما" شرطية، يعني: مهما كان من شرط، فـ"ما" هنا شرطية، وفعل الشرط "كان"، وجوابه "فهو باطل"، وجملة "ليس في كتاب الله" صفة لشرط، و"من شرط" اسم كان، لكن مجرور بـ"من" الزائدة، ممكن أن أقول: إن "ليس في كتاب الله" صفة لشرط، والصواب أنه خبر كان جعلناها ناقصة، فإن جعلناها تامة، يعني: ما وجد من شرط صح أن نعرب "ما ليس في كتاب الله" صفة، "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، الباطل: هو الضائع سدى الذي لا يترتب عليه أثره ولا يعتبر،

стр. 1710

فكل شرط ليس في كتاب الله فإنه باطل، ومعنى باطل، أي: لاغٍ غير معتبر لا يستفيد مشترطه إلا التعب باللسان أو بالأركان إن كتب الشرط، قال: "وإن كان مائة شرط" يعني: وإن كان هذا الشرط مائة شرط، هذه الجملة تحتمل أن المعنى ولو جمع مائة شرط، فكل الشروط ولو كثرت فإنها باطلة؛ يعني: شرط كذا وكذا، وكذا وكذا، إلى المائة، فإن هذه الشروط وإن اجتمعت فهي باطلة إذا خالفت كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: "وإن كان مائة شرط"؛ يعني: وإن شرط مائة مرة، يعني: وإن أكد شرطه، وهذا المعنى هو الأقرب، وأن المراد: وإن شرط مائة مرة، فيكون الشرط هنا مصدرًا وليس اسمًا، على هذا يصير المعنى: وإن كان مائة اشتراط فإن توكيده لا يزيده توكيدًا ولا توثيقًا. ثم قال ﷺ : "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق"، "قضاء الله" أي: الذي يقضيه أحق؛ لأنه حق، قال الله تعالى: ﴿والله يقضى بالحقِّ﴾ [غافر: ٢٠]. والمراد بالقضاء هنا: القضاء الشرعي؛ لأن القضاء الشرعي هو الذي يمكن أن يعارض بمثله فيأتي ملحد ويقول: هذا القضاء أنا آتي بقانون ودستور أحق منه! أما القضاء الكوني لا يمكن معارضته أبدًا ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه يدفع الموت عن نفسه أو المرض أو الآفات لكن الذي يمكن أن يعارض هو القضاء الشرعي، فإذا عورض فأيهما أحق؟ الجواب: قضاء الله، أما القضاء الكوني فلا يمكن أن يعارض، ولا يعارضه إلا مجنون أو مكابر. ومن ثمَّ نقول: إن قضاء الله ينقسم إلى قسمين: قسم قضاء كوني، وقسم قضاء شرعي، فمن القضاء الكوني قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدنَّ فى الأرض مرَّتين﴾ [الإسراء: ٤]. هذا قضاء كوني، ولا يمكن أن يكون قضاء شرعيًّا؛ لأن الله تعالى لا يقضي شرعًا بالإفساد، إنما يقضي بالصلاح والإصلاح، والقضاء الشرعي كقوله تعالى: ﴿وقضى ربُّك ألَّا تعبدوا إلَّا إيَّاه﴾ [الإسراء: ٢٣]. فهذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاء كونيًّا ما بقي أحد مشركًا، لو قضى الله قضاء كونيًّا على ألا نعبد إلا إياه ما بقي أحد على الشرك، فصار الناس كلهم يعبدون الله لكن هذا قضاء شرعي: ﴿والله يقضى بالحقِّ﴾ [غافر: ٢٠]. يشمل الأمرين، فقضاء الله حق شرعي وكوني، ما الفرق بين القضاءين؟ الفرق من وجهين: الوجه الأول: أن المقضي كونًا لا بد أن يقع بخلاف المقضي شرعًا. ثانيًا: المقضي كونًا يتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه، والمقضي شرعًا لا يكون إلا بما يحبه، إما أن يحب فعله ويأمر به، وإما أن يحب تركه وينهى عنه، قول الرسول: "إن قضاء الله أحق" نقول: هنا القضاء الشرعي؛ لأنه هو الذي يمكن فيه المفاضلة، أما القضاء الكوني فإنه لا يمكن أن يكون فيه مفاضلة؛ لأنه لا أحد يعارض قضاء الله الكوني، ولعل قائلًا يقول: لماذا لا

стр. 1711

تجعله عامًّا؟ فنقول: إنه باعتبار القضاء الكوني مما ليس في الطرف الآخر منه شيء، وأحيانًا يكون التفضيل والجانب المفضل عليه ليس فيه شيء، قال الله تعالى: ﴿أصحاب الجنَّة يومئذٍ خيرٌ مُّستقرًّا وأحسن مقيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. ومن المعلوم أن مستقر أهل النار لا خير فيه، وأن مقيلهم ليس فيه شيء من حسن المقيل أبدًا، لكن جاء التفاضل من باب بيان أنه لا سواء بين هذا وهذا، "قضاء الله أحق" أي: قضاء الله أعدل وأسبق أو أحق بأن يتبع، فهو يشمل الأمرين، فهو أحق بمعنى: أوفق للحق وأثبت وأصح، وهو أحق أيضًا بأن يتبع من غيره. ثم قال: "وشرط الله أوثق"، الفرق بين القضاء والشرط: أن الشرط هو الأوصاف التي يجعلها الله تعالى مناطًا للحكم، والقضاء هو الحكم، فالحكم مثلًا وجوب الصلاة له شروط منها مثلًا: البلوغ، والعقل، والإسلام، والطهارة وما أشبه ذلك، فالفرق بين القضاء والشرط: أن القضاء هو الحكم، والشرط هو الوصف الذي يثبت به الحكم، الشروط التي شرطها الله وجعلها أوصافًا في أحكامه أوثق من غيرها يعني: أوقى وأثبت وأضمن كما قال الله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطَّاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. "وإنما الولاء لمن أعتق" هذه الجملة في الحقيقة ثمرة ما سبق، وهي إبطاله الشرط المنافي لكتاب الله، الثاني: وصفه بأن قضاء الله أحق وشرطه أوثق، فمن ثمرات ذلك: أن الولاء لمن أعتق، هذا من قضاء الله وشرطه، فيكون الولاء لمن أعتق، ولو أن أحدًا اشترط خلاف ذلك لكان شرطًا باطلًا؛ لأنه ليس في كتاب الله، وقوله: "لمن أعتق" يشمل ما إذا كان المعتق امرأة أو رجلًا، والعتيق امرأة أو رجلًا، وفي رواية مسلم قال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء"، أتى المؤلف بهذا لقوله: "وأعتقيها"؛ حيث تفيد أن المكاتب إذا اشترى فإن من اشتراه يجوز أن يعتقه؛ لقوله: "وأعتقيها"، لا يقال: إن سبب العتق كونه قد انعقد عند البائع وهو المكاتب، لكن حقيقة العتق ما كانت إلا عند المشتري، ولهذا قال: "أعتقيها"، فهو قبل أن يؤدي كتابته -أعني: المكاتب- رقيق. هذا الحديث -كما تشاهدون- فيه فوائد كثيرة، ومن حسن التأليف لو أن المؤلف ﵀ أتى به عقيب حديث جابر حتى يضم الحديث الذي تضمن شرطًا فاسدًا إلى الحديث الذي تضمن شرطًا صحيحًا، فإن هذا من ناحية التأليف أحسن. من فوائد هذا الحديث: جواز المكاتبة لإقرار النبي ﷺ لها، وهل الكتابة جائزة بمعنى: أنها مستوية الطرفين، أو سنة، أو واجبة؟ نقول: أما بالنسبة للعبد وطلبه إياها من سيده فهي جائزة، وأما بالنسبة للسيد فإنه مأمور أن يكاتب عبده إذا طلب بشرط أن يعلم فيه الخير لقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [النور: ٣٣]. ولكن هل الأمر هنا للوجوب أو للاستحباب؟ خلاف على قولين

стр. 1712

لأهل العلم والأصل الوجوب حتى يقوم دليل على أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى أنه للوجوب وكثير من المعاصرين ذهبوا أيضًا إلى أنه للوجوب، ومعروف أن الشارع له تشوف عظيم إلى العتق، فإذا اقترن الأمر مع تشوف الشارع للعتق فإن ترجيح القول بالوجوب له وجه. ومن فوائد الحديث: أن المكاتبة تجوز بالكثير والقليل؛ لأنه لم يرد تحديد لها شرعًا. اهـ ومن فوائد الحديث: جواز استعانة المكاتبة بغيره لفعل بريرة مع عائشة وإقرار النبي ﷺ ، وهل الرسول علم بذلك؟ الظاهر أنه علم، وكل ما حدث في عهد الرسول ﷺ فهو حجة سواء علم به أو لم يعلم؛ لأنه إذا لم يعلم به الرسول فالله يعلم به. ومن فوائد الحديث: جواز تعجيل الدَّين المؤجل لقول عائشة: "إن أحبوا أن أعدها لهم فعلت"، وإذا عجل الدَّين المؤجل بقدره فالظاهر أن المسألة محل إجماع أنه يجوز أن يعجل المدين الدَّين لكن بقدره عليه، عليه مائة ريال مؤجلة إلى سنة يعجلها الآن هذا لا بأس به، لكن إذا قال: أعجلها على أن تسقط من دينك فأعجل لك المائة على أن تكون تسعين فيه خلاف، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يجوز، والصحيح أنه يجوز تعليلهم يقولون: لأن هذا ربا فإن التنقيص من أجل التعجيل كالزيادة من أجل التأجيل، فكما أنك لو زدت في الأجل وزدت في القدر كان ربًا، فإذا أنقصت في الأجل ونقصت في القدر كان ربًا، ولكن الصحيح خلاف ذلك فإنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ضعوا وتعجلوا"، وأيضًا الفرق بينهما ظاهر؛ لأن الزيادة في مقابل التأجيل ربا زادت على المدين، لكن الوضع في مقابل التعجيل هل زاد على المدين أم نقص؟ نقص فهو عكسه ففيه نقص على المدين، وهذه فائدة، وفيه تعجيل للدائن، وهذه أيضًا فيه فائدة، فالصواب: جواز تعجيل الدَّين بشرط إسقاط بعضه وليس فيه شيء بل هو فائدة للجميع. ومن فوائد الحديث: أن التعامل في عهد الرسول ﷺ يكون بالوزن والعدّ، لقولها: "تسعة أواقٍ" وعائشة قالت: "أن أعدها لهم"، وهو كذلك، ففي عهد الرسول ﷺ كان الناس يتعاملون بالنقود بالعد وبالوزن، ألم تروا إلى قول الرسول ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة" هنا اعتبر الوزن، وقال: "في الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها" هنا في العدد وهو كذلك، فإذا علم أن عدد المائتين تساوي خمس أواقٍ فسواء قلت: اشتريتها بخمس أواقٍ أو اشتريتها بمائة درهم لا فرق.

стр. 1713

ومن فوائد الحديث أيضًا: إطلاق الأهل على السيد لقولها: "إن أحب أهلك"، وأهل الرجل هم خاصته الذين يأهلهم ويجتمع إليهم، ولهذا أباح الشرع للمرأة المالكة ألا تحتجب عن عبدها إذا أمنت الفتنة، فيجوز للمالكة أن تكشف وجهها وكفيها وقدميها للمملوك مع أنه ليس بمحرم من أجل أنها أهله وأن في ذلك حاجة، وأن في التحرز من ذلك مشقة. ومن فوائد الحديث: أن الولاء يثبت بالعتق، وسبق لنا معنى الولاء وأنه عصوبة تثبت للمعتق وعصبة المتعصبين بأنفسهم. ومن فوائد الحديث: جواز تعليق العقود على المشاورة لقولها: "إن أحب أهلك أن أعدها لهم فعلت"، وعلى هذا فيجوز تعليق العقد، فأقول: بعتك إن رضي زيد أو إن رضي شريكي أو إن رضي أبوك أو إن رضي أبي، وهذا القول هو الصحيح، خلافًا للمشهور من المذهب حيث قالوا: إنه لا يجوز تعليق البيع، فالصواب أنه جائز ولا مانع منه، وهذا الذي ذكرته هو تعلق: "إن أ؛ ب أهلك أن أعدها لهم فعلت". ومن فوائد الحديث: أنه ينعقد العقد بما دلّ عليه؛ لأنها قالت: "إن أحب أهلك أن أعدها لهم"، ولم تقل: أن أشتريك، بل قالت: أن أعدُّها، وهذا هو الصواب أن العقود تنعقد بما دلّ عليها البيع، الإجارة، العرية، الوقف، الرهن، كل شيء، وهل يشمل النكاح؟ الصحيح: أنه يشمله، ولو أن الرجل قال للشخص: زوجتك بنتي أو ملكتك بنتي، قال: قبلت انعقد النكاح، وليس بشرط أن يقول: أنكحتك أو زوجتك؛ لأن الشيء إذا جاء في الشرع مطلقًا يرجع فيه إلى العرف. وكلُّ ما جاء ولم يحدَّد ... بالشَّرع كالحرز فبالعرف احدد ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب؛ لأنه لم يعلم ما جرى، ففي بعض الروايات أنه سأل فأخبرت عائشة النبي ﷺ بذلك وهو كذلك لا يعلم الغيب، ولهذا أدلة كثيرة، أولها ما جاء في القرآن الكريم صريحًا حيث أمره الله أن يقول: ﴿قل لَّا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب﴾ [الأنعام: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿قل لَّا أملك لنفسى نفعًا ولا ضرًّا إلَّا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب﴾ [الأعراف: ١٨٨]. فمن زعم أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب فقد كذَّب الرسول ﷺ وكذَّب الله، وبدأت بتكذيبهم للرسول؛ لأنهم يدَّعون أنهم إذا ادعوا أنه يعلم الغيب كان هذا من تعظيمه وتوقيره، فنقول لهم: ليس هذا من تعظيمه ولا توقيره أن تكذبوه فيما أعلنه على الملأ: ﴿قل لَّا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب﴾ [الأنعام: ٥٠]. فإن قال قائل: أليس قد أخبرنا بأمور فوقعت كما أخبر؟

стр. 1714

فالجواب بلى: بلى، ولكن هل هو من عنده؟ لا، بل هو من عند الله، لولا أن الله أخبره بذلك ما علم به، فيكون إخباره عن المغيبات في المستقبل ليس عن علم غيب من صفته هو، ولكن بما أعلمه الله . ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ كان مع أهله وكان في مهنتهم لقولها: "ورسول الله ﷺ جالس"، فإن المعروف من هديه أنه كان في مهنة أهله يحلب الشاة ﷺ ، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويعاشر أهله، وحياته معهم حياة بسيطة غير معقدة، وتجد الإنسان من أحسن ما يكون وأصلح ما يكون، وهكذا كلما كنت أحسن لأهلك فثق بأنك تدخل مسرورًا وتخرج مسرورًا، أما الإنسان إن أساء إلى أهله فسيدخل محزونًا ويخرج محزونًا، ويمشي في السوق محزونًا؛ لأنه إذا صادفه أحد وسلَّم عليه وهو مغموم من أهله يكاد لا يرى طريقه فلا يعطيه وجهًا طلقًا أبدًا، ولا يزال منكتمًا مما جرى منه مع أهله، فكلما كنت أحسن في أهلك فثق أنك أحسن في مجتمعك كله. ومن فوئد الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها؛ لأن عائشة تصرفت بدون أن تستأذن الرسول ﷺ وهو كذلك، هل لها أن تتصرف في مالها الذي اشتراه لها لتتزين له به؛ يعني: لو أعطاها حليًّا تتزين به له فهل لها أن تبيعه؟ الذي يظهر: أنه ليس لها أن تبيع إذا علمنا أنه اشتراه لهذا الغرض؛ لأن هذا يفوت مقصوده أو يثقل كاهله بإعادة الشراء لها مرة ثانية، أعطاها مثلًا حليًّا للأذن والرأس والرقبة واليد والرجل، ثم باعت هذا كله في لحظة واحدة، ولما جاء الليل وجدها ليس عندها شيء أين هذا؟ قالت: بعته لأنه ملكي، هو يحب أن تتجمل له، ويعد هذا من دواعي السرور ودواعي الأنس، ماذا يصنع في هذه الحال؟ يضطر أن يدخل عليها كئيبًا ويخرج حزينًا، أو يحسن لها مرة ثانية؟ الظاهر أنه إذا اشترى لها شيئًا يتعلق به غرضه فليس لها الحق في أن تبيعه، لكن هل لها الحق في أن تبدله؟ نقول: إذا أبدلته بما لا تشمئز منه نفسه فهذا جائز، أما إن أبدلته بشيء تشمئز منه نفسه فليس بجائز، لو فرضنا أنه رجل لا يريد التحلي القديم واشترى لها من الحلي الجديد المعاصر ولكنها أبدلتها من الحلي القديم مما يستعمل قديمًا فهل لها ذلك؟ لا، ليس لها ذلك، فتبين الآن أن تصرف المرأة بغير إذن زوجها جائز، هذا هو الأصل إلا في حلي اشتراه لتتجمل به له فليس لها الحق بإبداله بشيء لا يرغبه. ومن فوائد الحديث: جواز اشتراط الشرط المحرَّم لتحقيق بطلانه لقوله: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، فإن أصح الأوجه عندي في هذا أن إذن الرسول ﷺ لها أن تفعل من باب إبطال الشرط الفاسد، وإن حقق باشتراطه، ومعلوم أن تحقيق الشيء بالوقوع أبلغ من تحقيقه بالقول، ولهذا قال الرسول ﷺ فيما سبق لنا: "خذوا واضربوا لي معكم بسهم" ليحقق الجواز ﷺ ، فهنا

стр. 1715

قال: "خذيها واشترطي لهم الولاء" من أجل أن يعود مرة أخرى فيقول إن هذا الشرط باطل لا يجوز الوفاء به، وهذا أحسن من الوجهين اللذين أشرنا إليهما حين شرح الحديث. ومن فوائد الحديث: أن الأمر قد يخرج عن الأصل الذي هو الوجوب أو الاستحباب إلى معنى آخر يستفاد من القرينة الحالية أو اللفظية لقوله: "خذيها"، فإن هذا أمر لكنه ليس أمر إيجاب ولا استحباب بل هو أمر إباحة، يعني: لك أن تأخذيها وتشترطي لهم الولاء، والذي يخرج الأمر عن أصله هي القرائن الحالية أو القرائن اللفظية. ومن فوائد الحديث: أن الولاء لمن أعتق لقوله: "فإنما الولاء لمن أعتق"، وهذه جملة تفيد الحصر كما سبق في الشرح. ومن فوائد الحديث: أن الشَّرط اللفظي لا يغير الشرط الشرعي؛ لأنه قال: "اشترطي لهم الولاء ... إلخ"، فإنهم وإن اشترطوا لفظًا فإن ذلك لا يغير الشرط الشرعي بانتقال الولاء من المعتق إلى غيره، وهل الشرط العرفي يغير الشرط الشرعي؟ الجواب: لا، فلو تعارف الناس على عقد محرم شرعًا فإن هذا التعارف لا يبيح ذلك الأمر الشرعي، ولا يقال: كل الناس على هذا؛ لأن بعض الناس الآن إذا نهيته عن محرم قال لك: كل الناس على هذا، حتى في العبادات أحيانًا يقول: كل الناس على هذا نقول: الشرط اللفظي أو العرفي لا يغير الشرط الشرعي. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للعالم أن يخطب الناس في الأمور العارضة ليبين الحق لقولها ﵂: "ثم قام في الناس ... إلخ". وهكذا كان رسول الله ﷺ يخطب، وخطبه نوعان: خطب رواتب، وخطب عوارض، الرواتب كخطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء، والعوارض كهذه الخطبة، كلما دعت الحاجة إلى الخطبة خطب، واختلف العلماء هل خطبة صلاة الكسوف من الخطب العوارض أو من الخطب الرواتب، وسبب اختلافهم في ذلك هو: أن الكسوف لم يقع إلا مرة واحدة في عهد الرسول ﷺ ، فلا ندري هل الخطبة هذه عارضة من أجل إزالة العقيدة الفاسدة التي كان يعتقدها أهل الجاهلية أو هي خطبة راتبة ليجمع للناس بين الموعظة الكونية والموعظة الشرعية. من فوائد الحديث: أن الشريعة تهتم بالمعاملات كما تهتم بالعبادات، أو بعبارة أخرى اهتمام الشارع بما يتعلق بالمعاملات كما يهتم بما يتعلق بالعبادات، وجهه: أن الرسول ﷺ قام خطيبًا ما جعل المسألة بينه وبين أهل بريرة، بل قام خطيبًا ليعلن للناس ﷺ هذا الحكم الشرعي، فيتبين أن الشريعة -ولله الحمد- فيها العناية بالمعاملات كما فيها العناية بالعبادات. ومنها: دحر قول من يقول: إن الشرع عبادة، وأما المعاملة فعادة؛ لأنه يوجد من الناس من يقول: المعاملات لا تدخل فيها الشرع، وكل الأوامر الواردة في المعاملات فهي أوامر إرشاد

стр. 1716

تختلف باختلاف الزمان والمكان، قد أرشد في ذلك الوقت إلى نوع معين من المعاملات ويكون الإرشاد في وقت آخر إلى نوع آخر لكن مثل هذا الحديث يدحر هذا القول، وهذا القول مندحر من أكثر من عشرين وجهًا، دلّ عليها الكتاب والسُّنة وهو أن الشرع لم ينظم المعاملة بين الإنسان وبين ربه، وهي العبادة، بل نظم المعاملة بين الإنسان وبين ربه، وبين الإنسان والإنسان، بل بين الإنسان والحيوان، بل حتى بين الحيوانات أنفسهم، وحتى الحيوان الشارع جعل له ضوابط، لو رأيت كبشًا أقرن كبير الجسم ينطح شاة ضعيفة يتدبر على الوراء ثم يأتي بقوة وينطحها وهي تصرخ، هل الشرع يجعلك تتفرج على هذا؟ لا، بل يأمرك أن تفصل بينهما كما قال الرسول ﷺ : "يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء"، فالشارع رتب المعاملة بين البشر والمعاملة بين البشر والحيوان، قال النبي ﷺ : دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، وأخبر أن امرأة بغيًّا سقت كلبًا فغفر الله لها، إلى هذا الحد كيف نقول: إن الشرع لم ينظم إلا المعاملة بين الخالق والمخلوق فقط وهي العبادة، ولكن من أعمى الله قلبه لم ينفعه انفتاح العين. ومن فوائد الحديث: أن المشروع أن تبدأ الخطبة بحمد الله والثناء عليه لقولها ﵂: "فحمد الله وأثنى عليه"، وهكذا ينبغي للخطيب أن يحمد الله ويثني عليه. فإن قال قائل: ما المناسبة؟ قلنا: المناسبة أن هذا المنصب -أعني: منصب الخطبة والوعظ- منصب عظيم لا يناله إلا من آتاه الله علمًا وحكمة وحزمًا وغيره؛ لأن غير العالم لا يتكلم، الجاهل وغير الحكيم أيضًا يفوت الفرص ولا يتكلم، وكذلك غير الحازم يفوت الفرص، ثم إن المقام مقام عظيم يقوم فيه الإنسان مقام الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فلهذا كان من المناسبة أن يحمد الله ويثني عليه على أن جعله من أهل هذه المناصب الرفيعة، ثم إن في حمد الله والثناء عليه وذكر أوصافه الكاملة تنشيطًا على النفس وإنارة للقلب، وبهذا يفتح الله ما لا يفتحه مع الإعراض، فلهذا كان الرسول يحمد الله ويثني عليه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب أن يكون قائمًا حتى في غير خطبة الجمعة لقولها: "ثم قام وخطب". ومن فوائد الحديث: استعمال "أما بعد" في الخطبة، لقول الرسول ﷺ : "أما بعد" وهل هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇ كما قيل به؟ لا، فصل الخطاب الذي أوتيه داود هو أن يفصل بين الناس ويحكم بينهم، هذه "أما بعد" هل يؤتى بها بعد كل جملة أو بعد كل سطر أو

стр. 1717

بانتهاء كل صفحة أم ماذا؟ قيل: إنه يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وهذا القول قيل: ليس موافقًا للواقع، إنما يؤتى بـ"أما بعد" للانتقال إلى موضوع الخطبة بعد أن يقدِّم الخطيب الحمد والثناء ثم ينتقل إلى الموضوع يأتي بكلمة "أما بعد". ومن فوائد الحديث: حسن إرشاد الرسول ﷺ وتوقيه للتصريح بأسماء القوم لقوله: "فما بال رجال" لأنه ليس المقصود عين هذا الشخص، المقصود ذكر حكم هذه القضية وسواء علمنا الشخص أم لم نعلم لا يهم الشخص، الغالب أنه لا يتعلق بمعرفة عينه شيء كثير، نقول: ربما نحتاج لكنه لا يهم فالمقصود هنا الحكم، ولهذا قال: "فما بال رجال".اهـ ومن فوائد الحديث: أن الشروط الخارجة عن كتاب الله غير مقبولة بل هي مردودة ومرفوضة لقوله: "يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله"، والاستفهام هنا للإنكار كما سبق، يعني: لماذا يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، أوليس الإنسان عبدًا لله؟ لأن العبد لا يتجاوز ما وجَّهه إليه سيده، فيجب ألا يشترط شروطًا ليست في كتاب الله، وقد سبق معنى قوله: "ليست في كتاب الله" وأنه ليس من اللازم أن يكون كل شرط منصوصًا عليه، بل المراد: أن كل ما خالف كتاب الله فليس بكتاب الله، وكل ما وافقه فهو منه لقوله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. ومن فوائد الحديث: وجوب الرجوع إلى كتاب الله لقوله: "ليست في كتاب الله". فإن قال قائل: والسُّنة؟ فالجواب: أن السُّنة من كتاب الله لا شك؛ لأن السُّنة -كما مر علينا- بالنسبة للقرآن أربعة أقسام: إما مفسِّرة ومبينة للمعنى، وإما موافقة، وإما مخصصة، وإما مقيدة، وإما زائدة مستقلة، أما أن تأتي مخالفة للقرآن فهذا أمر مستحيل. ومن فوائد الحديث: أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن شرط مائة مرة لتوكيده فإنه يكون باطلًا كما أن العبادة التي ليست على أمر الله ورسوله مردودة: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا اشترط شرطًا لا ينافي كتاب الله وجب الوفاء به؛ لأن قوله: "فهو باطل" يضاده: فهو صحيح، ومتى يكون صحيحًا؟ الجواب: إذا لم يخالف كتاب الله وإذا كان صحيحًا وجب الوفاء به. وجوب الوفاء بالشرط الصحيح هل هو حق لله أو حق للآدمي؟ الجواب: هو حق للآدمي وجب بإيجاب الله، ولهذا لو أسقطه الإنسان سقط: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ﴿كتب﴾ فرض، ثم قال: ﴿فمن عفى له من أخيه شاءٌ فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨]. إذن

стр. 1718

الواجب للإنسان إذا أسقطه من له الحق سقط فهو واجب للإنسان بإيجاب الله ، إذن نقول: الشروط التي يشترطها الإنسان على غيره في كل عقد هي حق للشارع يجب الوفاء به على المشروط عليه، ولكن إذا عفا الشارع سقطت بعفوه. ومن فوائد الحديث: أن قضاء الله أحق من قضاء غيره مهما كان الغير لقوله: "قضاء الله أحق"، وسبق معنى قوله: "أحق"، أي: أنه أحق بالاتباع، وأنه أحق بمعنى: أشد موافقة للحق من غيره، فهو جامع بين أمرين. لو قال قائل: قضى البرلمان ومجلس الأمة ومجلس الشعب ومجلس الشورى ومجلس الكونجرس ومجلس الشيوخ ومجلس الأعيان ومجلس الشرفاء بكذا وكذا مما هو مخالف لقضاء الله، كلها نلغيها؛ لأنها مجالس مخلوقين، والمخلوق معرَّض للخطأ، وهو أيضًا ضعيف في عمله وقدرته وتبصره وفي كل شيء، لهذا نقول: قضاء الله أحق، فإذا جاءنا إنسان وقال: انظروا هذا الدستور الذي صدق عليه كل هذه المجالس قلنا له: هذا كتاب الله الذي نزل يحكم بيننا وبينك: ﴿فإن تنازعتم فى شاءٍ فردُّوه إلى الله والرَّسول﴾ [النِّساء: ٥٩]. أتى بهذه الكلمة بعد قوله: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولى الأمر منكم﴾ [النِّساء: ٥٩]. يعني: ليست طاعة أولي الأمر طاعة مطلقة، فعند التنازع المرجع بينكم وبين ولاة الأمور إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن قضاء الله أحق، يعني: أثبت وأعدل من غيره؛ لأن الحق يطلق على العدل والأحكام والصدق في الأخبار والثبات، فقوله: "أحق"، يعني: ثابت لا يتزحزح، وكذلك قضاء الله. ومن فوائد الحديث: بطلان جميع الأنظمة التي تخالف أنظمة الشرع وأنها باطلة حتى وإن قدِّر أن فيها حقًّا فإن قضاء الله أحق منها، ولهذا أطلق قال: "قضاء الله أحق"، ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم. ومن فوائد الحديث: إثبات حكمة الله ؛ لأن القضاء لا يكون أحق إلا إذا كان متضمنًا للحكمة ومصالح العباد، فإن لم يتضمن ذلك لم يكن أحق. ومن فوائد الحديث: أنه قد يكون في قضاء غيره حق لكن قضاء الله أحق، هذا إذا قلنا: إن اسم التفضيل هنا على أصله، ووجود أصل المعنى في المفضل والمفضل عليه، وإذا قلنا: إنه ليس على أصله بحيث يكون معنى في المفضل فقط كما في قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنَّة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. فإنه يقتضي أن لا حق في قضاء غير الله، لكن المعنى الأول أسدّ وأوثق بالنسبة للصيغة وبالنسبة للواقع؛ لأنه ليس كل حكم يكون باطلًا من كل وجه، بل إن وافق الحق فهو حق وإن خالف الحق فهو باطل، وإن خالفه من وجه ووافقه من وجه فهو باطل من وجه وحق من وجه آخر.

стр. 1719

ومن فوائد الحديث: ما أفاده قوله: "شرط الله أوثق" وهو أن ما اشترطه الله تعالى في العقود من الأوصاف والمعاني فهو أوثق مما يشترطه غيره، يعني: أشد ثباتًا ومسكًا؛ لأنه مأخوذ من الوثاق الذي يوثق به البعير، فهو أوثق، يعني: أشد ثباتًا من الشروط التي يضعها غير الشرع، إذن فيؤخذ من هذا: أن كل شرط خالف الشرع فهو لا ثقة فيه، ولا أوثقية فيه بل الأوثقية كلها بما جاء به الشرع. ومن فوائد الحديث: إثبات الولاء للمعتق لقوله: "وإنما الولاء لمن أعتق"، والولاء عصوبة تثبت للمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم فقط دون المتعصبين بغيرهم أو مع غيرهم. ومن فوائد الحديث: أن الولاء لا يتعدى المعتق وما تفرع منه، يستفاد هذا من الحصر من قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، كأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق. ومن فوائد الحديث: أن شرط الولاء لغير المعتق باطل، يؤخذ من قول الرسول: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، حتى وإن أكد بتكرار الشرط فهو باطل. ومن فوائد الحديث: جواز السجع، لكن بشرط ألا يكون متكلَّفا، فإن كان فيه تكلف فإنه لا يعد من البلاغة ولا من الفصاحة؛ لأن الخطيب أو المؤلف إذا تكلف السجع فلا بد أن يكون في الكلام خلل إما زيادات أو استعارات مستكرهة أو غير ذلك، لكن إذا جاء عبر الخاطر بدون تكلف أعطى الكلام رونقًا وجمالًا وقبولًا كما في الحديث، فإن قال قائل: هل السجع محمود أو مذموم؟ قلنا: ينظر إلى موضوعه إذا كان المقصود به رد الحق فهو مذموم، ولهذا لما قام حمل بن النابغة الهذلي يريد أن يجادل النَّبيّ ﷺ في حكمه في المرأتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النَّبيّ ﷺ بالدّية على عاقلتها، وقضى بغرة عبد أو وليدة دية للجنين، قام حمل بن النابغة فقال: يا رسول الله، كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، سجع فقال النَّبيّ ﷺ : "إنما ذلك من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع؛ لأن الكهان يزينون كلماتهم بهذه الأسجاع لأجل أن يكون لها رنين وقبول، فقال من أجل سجعه هل من أجل سجعه، يعني: من أجل أن سجع في كلامه أو من أجل مضمون كلامه؟ الثاني. هذه الفوائد التي تيسرت من هذا الحديث الذي ساقه المؤلف ﵀ من أجل أن يبين أن كل شرط خالف الشرع فهو باطل، إذا كان باطلًا فهل نقول للذي اشترطه لنفسه: لك الخيار لفوات ذلك عليك، يعني: لنفرض أن بائعًا شرط شرطًا فاسدًا لا يمكن الوفاء به، هل نقول: إن له

стр. 1720

الخيار أو لا؟ الجواب: في ذلك تفصيل إن كان عالمًا بالحكم فلا خيار له على أنه مستهتر أو متهاون، وإن كان غير عالم فله الخيار. ففي هذا الحديث: لو أن رجلًا باع عبدًا واشترط على المشتري أنه إن أعتقه فالولاء له فوافق المشتري، من المعلوم أن القيمة سوف تنقص، البائع إذا كان بيعه بلا شرط بمائة، يبيعه بشرط تسعين فينقص من أجل الشرط، هذا رجل باعه فقلنا: إن هذا الشرط باطل ولا يمكن الوفاء به، فهل نقول للبائع: الخيار إن شاء أمضى البيع بتسعين وإن شاء ردّه، فيه التفصيل الذي ذكرنا، إن كان يعلم أن هذا الشرط فاسد فإنه لا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وإن كان لا يعلم لظنه أنه شرط صحيح فله الخيار هذا هو القول الراجح، وقال بعض العلماء: لا خيار له مطلقًا؛ لأنه فرَّط، ولأن النَّبيّ ﷺ لم يجعل لهؤلاء خيارًا -لأهل بريرة-؛ لأن من المعلوم أن بريرة عتقت تحت ملك عائشة، ولكن الصحيح أن له الخيار إذا كان جاهلًا، وظاهر الحديث أن أهل بريرة كانوا قد علموا ذلك لكنهم تجرءوا بدليل قوله: "خذيها ... إلخ"، وبدليل أن الرسول خطب واستنكر هذا الشيء، ومثل هذا الأمر لا يكون إلا يعد أن يعلم أن الأمر متقرر عندهم. ثم قال وعند مسلم قال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء"، هذه الأوامر الثلاثة ليست للوجوب ولا للاستحباب ولكن للإباحة، يعني: لا بأس أن تشتريها ولو كانت مكاتبة، ويستفاد من هذا اللفظ: أن المكاتب يجوز بيعه وأنه يجوز عتقه وهو كذلك، فيجوز بيع المكاتب ويقوم مشتريه مقام مكاتبه، وإذا أعتق فالولاء للمشتري، وإذا شاء المشتري أن يعجل عتقه فله ذلك. حكم أمهات الأولاد: ٧٥٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "نهى عمر عن بيع أمَّهات الأولاد فقال: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرَّةٌ". رواه مالكٌ والبيهقيُّ، وقال: رفعه بعض الرُّواة، فوهم. النَّهي سبق لنا أنه طلب الكف على وجه الاستعلاء. فإن قال قائل: وهل لعمر أن ينهى ويأمر في شرع الله؟ قلنا: له ذلك بمقتضى خلافته، لا على أنه تشريع كما سيأتي -إن شاء الله- في بحث المسألة، فالنهي هنا؛ لأنه ذو سلطان، والسلطان له حق الأمر والنهي فيما تقتضيه السياسة والمصلحة لقوله
следующие страницы →