← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

تختلف باختلاف الزمان والمكان، قد أرشد في ذلك الوقت إلى نوع معين من المعاملات ويكون الإرشاد في وقت آخر إلى نوع آخر لكن مثل هذا الحديث يدحر هذا القول، وهذا القول مندحر من أكثر من عشرين وجهًا، دلّ عليها الكتاب والسُّنة وهو أن الشرع لم ينظم المعاملة بين الإنسان وبين ربه، وهي العبادة، بل نظم المعاملة بين الإنسان وبين ربه، وبين الإنسان والإنسان، بل بين الإنسان والحيوان، بل حتى بين الحيوانات أنفسهم، وحتى الحيوان الشارع جعل له ضوابط، لو رأيت كبشًا أقرن كبير الجسم ينطح شاة ضعيفة يتدبر على الوراء ثم يأتي بقوة وينطحها وهي تصرخ، هل الشرع يجعلك تتفرج على هذا؟ لا، بل يأمرك أن تفصل بينهما كما قال الرسول ﷺ : "يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء"، فالشارع رتب المعاملة بين البشر والمعاملة بين البشر والحيوان، قال النبي ﷺ : دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، وأخبر أن امرأة بغيًّا سقت كلبًا فغفر الله لها، إلى هذا الحد كيف نقول: إن الشرع لم ينظم إلا المعاملة بين الخالق والمخلوق فقط وهي العبادة، ولكن من أعمى الله قلبه لم ينفعه انفتاح العين. ومن فوائد الحديث: أن المشروع أن تبدأ الخطبة بحمد الله والثناء عليه لقولها ﵂: "فحمد الله وأثنى عليه"، وهكذا ينبغي للخطيب أن يحمد الله ويثني عليه. فإن قال قائل: ما المناسبة؟ قلنا: المناسبة أن هذا المنصب -أعني: منصب الخطبة والوعظ- منصب عظيم لا يناله إلا من آتاه الله علمًا وحكمة وحزمًا وغيره؛ لأن غير العالم لا يتكلم، الجاهل وغير الحكيم أيضًا يفوت الفرص ولا يتكلم، وكذلك غير الحازم يفوت الفرص، ثم إن المقام مقام عظيم يقوم فيه الإنسان مقام الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فلهذا كان من المناسبة أن يحمد الله ويثني عليه على أن جعله من أهل هذه المناصب الرفيعة، ثم إن في حمد الله والثناء عليه وذكر أوصافه الكاملة تنشيطًا على النفس وإنارة للقلب، وبهذا يفتح الله ما لا يفتحه مع الإعراض، فلهذا كان الرسول يحمد الله ويثني عليه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب أن يكون قائمًا حتى في غير خطبة الجمعة لقولها: "ثم قام وخطب". ومن فوائد الحديث: استعمال "أما بعد" في الخطبة، لقول الرسول ﷺ : "أما بعد" وهل هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇ كما قيل به؟ لا، فصل الخطاب الذي أوتيه داود هو أن يفصل بين الناس ويحكم بينهم، هذه "أما بعد" هل يؤتى بها بعد كل جملة أو بعد كل سطر أو

стр. 1717

بانتهاء كل صفحة أم ماذا؟ قيل: إنه يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وهذا القول قيل: ليس موافقًا للواقع، إنما يؤتى بـ"أما بعد" للانتقال إلى موضوع الخطبة بعد أن يقدِّم الخطيب الحمد والثناء ثم ينتقل إلى الموضوع يأتي بكلمة "أما بعد". ومن فوائد الحديث: حسن إرشاد الرسول ﷺ وتوقيه للتصريح بأسماء القوم لقوله: "فما بال رجال" لأنه ليس المقصود عين هذا الشخص، المقصود ذكر حكم هذه القضية وسواء علمنا الشخص أم لم نعلم لا يهم الشخص، الغالب أنه لا يتعلق بمعرفة عينه شيء كثير، نقول: ربما نحتاج لكنه لا يهم فالمقصود هنا الحكم، ولهذا قال: "فما بال رجال".اهـ ومن فوائد الحديث: أن الشروط الخارجة عن كتاب الله غير مقبولة بل هي مردودة ومرفوضة لقوله: "يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله"، والاستفهام هنا للإنكار كما سبق، يعني: لماذا يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، أوليس الإنسان عبدًا لله؟ لأن العبد لا يتجاوز ما وجَّهه إليه سيده، فيجب ألا يشترط شروطًا ليست في كتاب الله، وقد سبق معنى قوله: "ليست في كتاب الله" وأنه ليس من اللازم أن يكون كل شرط منصوصًا عليه، بل المراد: أن كل ما خالف كتاب الله فليس بكتاب الله، وكل ما وافقه فهو منه لقوله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. ومن فوائد الحديث: وجوب الرجوع إلى كتاب الله لقوله: "ليست في كتاب الله". فإن قال قائل: والسُّنة؟ فالجواب: أن السُّنة من كتاب الله لا شك؛ لأن السُّنة -كما مر علينا- بالنسبة للقرآن أربعة أقسام: إما مفسِّرة ومبينة للمعنى، وإما موافقة، وإما مخصصة، وإما مقيدة، وإما زائدة مستقلة، أما أن تأتي مخالفة للقرآن فهذا أمر مستحيل. ومن فوائد الحديث: أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن شرط مائة مرة لتوكيده فإنه يكون باطلًا كما أن العبادة التي ليست على أمر الله ورسوله مردودة: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا اشترط شرطًا لا ينافي كتاب الله وجب الوفاء به؛ لأن قوله: "فهو باطل" يضاده: فهو صحيح، ومتى يكون صحيحًا؟ الجواب: إذا لم يخالف كتاب الله وإذا كان صحيحًا وجب الوفاء به. وجوب الوفاء بالشرط الصحيح هل هو حق لله أو حق للآدمي؟ الجواب: هو حق للآدمي وجب بإيجاب الله، ولهذا لو أسقطه الإنسان سقط: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ﴿كتب﴾ فرض، ثم قال: ﴿فمن عفى له من أخيه شاءٌ فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨]. إذن

стр. 1718

الواجب للإنسان إذا أسقطه من له الحق سقط فهو واجب للإنسان بإيجاب الله ، إذن نقول: الشروط التي يشترطها الإنسان على غيره في كل عقد هي حق للشارع يجب الوفاء به على المشروط عليه، ولكن إذا عفا الشارع سقطت بعفوه. ومن فوائد الحديث: أن قضاء الله أحق من قضاء غيره مهما كان الغير لقوله: "قضاء الله أحق"، وسبق معنى قوله: "أحق"، أي: أنه أحق بالاتباع، وأنه أحق بمعنى: أشد موافقة للحق من غيره، فهو جامع بين أمرين. لو قال قائل: قضى البرلمان ومجلس الأمة ومجلس الشعب ومجلس الشورى ومجلس الكونجرس ومجلس الشيوخ ومجلس الأعيان ومجلس الشرفاء بكذا وكذا مما هو مخالف لقضاء الله، كلها نلغيها؛ لأنها مجالس مخلوقين، والمخلوق معرَّض للخطأ، وهو أيضًا ضعيف في عمله وقدرته وتبصره وفي كل شيء، لهذا نقول: قضاء الله أحق، فإذا جاءنا إنسان وقال: انظروا هذا الدستور الذي صدق عليه كل هذه المجالس قلنا له: هذا كتاب الله الذي نزل يحكم بيننا وبينك: ﴿فإن تنازعتم فى شاءٍ فردُّوه إلى الله والرَّسول﴾ [النِّساء: ٥٩]. أتى بهذه الكلمة بعد قوله: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولى الأمر منكم﴾ [النِّساء: ٥٩]. يعني: ليست طاعة أولي الأمر طاعة مطلقة، فعند التنازع المرجع بينكم وبين ولاة الأمور إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن قضاء الله أحق، يعني: أثبت وأعدل من غيره؛ لأن الحق يطلق على العدل والأحكام والصدق في الأخبار والثبات، فقوله: "أحق"، يعني: ثابت لا يتزحزح، وكذلك قضاء الله. ومن فوائد الحديث: بطلان جميع الأنظمة التي تخالف أنظمة الشرع وأنها باطلة حتى وإن قدِّر أن فيها حقًّا فإن قضاء الله أحق منها، ولهذا أطلق قال: "قضاء الله أحق"، ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم. ومن فوائد الحديث: إثبات حكمة الله ؛ لأن القضاء لا يكون أحق إلا إذا كان متضمنًا للحكمة ومصالح العباد، فإن لم يتضمن ذلك لم يكن أحق. ومن فوائد الحديث: أنه قد يكون في قضاء غيره حق لكن قضاء الله أحق، هذا إذا قلنا: إن اسم التفضيل هنا على أصله، ووجود أصل المعنى في المفضل والمفضل عليه، وإذا قلنا: إنه ليس على أصله بحيث يكون معنى في المفضل فقط كما في قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنَّة يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. فإنه يقتضي أن لا حق في قضاء غير الله، لكن المعنى الأول أسدّ وأوثق بالنسبة للصيغة وبالنسبة للواقع؛ لأنه ليس كل حكم يكون باطلًا من كل وجه، بل إن وافق الحق فهو حق وإن خالف الحق فهو باطل، وإن خالفه من وجه ووافقه من وجه فهو باطل من وجه وحق من وجه آخر.

стр. 1719

ومن فوائد الحديث: ما أفاده قوله: "شرط الله أوثق" وهو أن ما اشترطه الله تعالى في العقود من الأوصاف والمعاني فهو أوثق مما يشترطه غيره، يعني: أشد ثباتًا ومسكًا؛ لأنه مأخوذ من الوثاق الذي يوثق به البعير، فهو أوثق، يعني: أشد ثباتًا من الشروط التي يضعها غير الشرع، إذن فيؤخذ من هذا: أن كل شرط خالف الشرع فهو لا ثقة فيه، ولا أوثقية فيه بل الأوثقية كلها بما جاء به الشرع. ومن فوائد الحديث: إثبات الولاء للمعتق لقوله: "وإنما الولاء لمن أعتق"، والولاء عصوبة تثبت للمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم فقط دون المتعصبين بغيرهم أو مع غيرهم. ومن فوائد الحديث: أن الولاء لا يتعدى المعتق وما تفرع منه، يستفاد هذا من الحصر من قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، كأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق. ومن فوائد الحديث: أن شرط الولاء لغير المعتق باطل، يؤخذ من قول الرسول: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، حتى وإن أكد بتكرار الشرط فهو باطل. ومن فوائد الحديث: جواز السجع، لكن بشرط ألا يكون متكلَّفا، فإن كان فيه تكلف فإنه لا يعد من البلاغة ولا من الفصاحة؛ لأن الخطيب أو المؤلف إذا تكلف السجع فلا بد أن يكون في الكلام خلل إما زيادات أو استعارات مستكرهة أو غير ذلك، لكن إذا جاء عبر الخاطر بدون تكلف أعطى الكلام رونقًا وجمالًا وقبولًا كما في الحديث، فإن قال قائل: هل السجع محمود أو مذموم؟ قلنا: ينظر إلى موضوعه إذا كان المقصود به رد الحق فهو مذموم، ولهذا لما قام حمل بن النابغة الهذلي يريد أن يجادل النَّبيّ ﷺ في حكمه في المرأتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النَّبيّ ﷺ بالدّية على عاقلتها، وقضى بغرة عبد أو وليدة دية للجنين، قام حمل بن النابغة فقال: يا رسول الله، كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، سجع فقال النَّبيّ ﷺ : "إنما ذلك من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع؛ لأن الكهان يزينون كلماتهم بهذه الأسجاع لأجل أن يكون لها رنين وقبول، فقال من أجل سجعه هل من أجل سجعه، يعني: من أجل أن سجع في كلامه أو من أجل مضمون كلامه؟ الثاني. هذه الفوائد التي تيسرت من هذا الحديث الذي ساقه المؤلف ﵀ من أجل أن يبين أن كل شرط خالف الشرع فهو باطل، إذا كان باطلًا فهل نقول للذي اشترطه لنفسه: لك الخيار لفوات ذلك عليك، يعني: لنفرض أن بائعًا شرط شرطًا فاسدًا لا يمكن الوفاء به، هل نقول: إن له

стр. 1720

الخيار أو لا؟ الجواب: في ذلك تفصيل إن كان عالمًا بالحكم فلا خيار له على أنه مستهتر أو متهاون، وإن كان غير عالم فله الخيار. ففي هذا الحديث: لو أن رجلًا باع عبدًا واشترط على المشتري أنه إن أعتقه فالولاء له فوافق المشتري، من المعلوم أن القيمة سوف تنقص، البائع إذا كان بيعه بلا شرط بمائة، يبيعه بشرط تسعين فينقص من أجل الشرط، هذا رجل باعه فقلنا: إن هذا الشرط باطل ولا يمكن الوفاء به، فهل نقول للبائع: الخيار إن شاء أمضى البيع بتسعين وإن شاء ردّه، فيه التفصيل الذي ذكرنا، إن كان يعلم أن هذا الشرط فاسد فإنه لا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة، وإن كان لا يعلم لظنه أنه شرط صحيح فله الخيار هذا هو القول الراجح، وقال بعض العلماء: لا خيار له مطلقًا؛ لأنه فرَّط، ولأن النَّبيّ ﷺ لم يجعل لهؤلاء خيارًا -لأهل بريرة-؛ لأن من المعلوم أن بريرة عتقت تحت ملك عائشة، ولكن الصحيح أن له الخيار إذا كان جاهلًا، وظاهر الحديث أن أهل بريرة كانوا قد علموا ذلك لكنهم تجرءوا بدليل قوله: "خذيها ... إلخ"، وبدليل أن الرسول خطب واستنكر هذا الشيء، ومثل هذا الأمر لا يكون إلا يعد أن يعلم أن الأمر متقرر عندهم. ثم قال وعند مسلم قال: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء"، هذه الأوامر الثلاثة ليست للوجوب ولا للاستحباب ولكن للإباحة، يعني: لا بأس أن تشتريها ولو كانت مكاتبة، ويستفاد من هذا اللفظ: أن المكاتب يجوز بيعه وأنه يجوز عتقه وهو كذلك، فيجوز بيع المكاتب ويقوم مشتريه مقام مكاتبه، وإذا أعتق فالولاء للمشتري، وإذا شاء المشتري أن يعجل عتقه فله ذلك. حكم أمهات الأولاد: ٧٥٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "نهى عمر عن بيع أمَّهات الأولاد فقال: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرَّةٌ". رواه مالكٌ والبيهقيُّ، وقال: رفعه بعض الرُّواة، فوهم. النَّهي سبق لنا أنه طلب الكف على وجه الاستعلاء. فإن قال قائل: وهل لعمر أن ينهى ويأمر في شرع الله؟ قلنا: له ذلك بمقتضى خلافته، لا على أنه تشريع كما سيأتي -إن شاء الله- في بحث المسألة، فالنهي هنا؛ لأنه ذو سلطان، والسلطان له حق الأمر والنهي فيما تقتضيه السياسة والمصلحة لقوله

стр. 1721

تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولى الأمر منكم﴾ [النِّساء: ٥٩]. ومن المعلوم أن ما أمرنا به من طاعة ولاة الأمور ليس هو ما أمر به في الأصل؛ لأن ما أمر به في الأصل نحن مطيعون له سواء أمروا أم لم يأمروا، ولو قيل -كما قال بعض الناس-: إذا أمرونا بشيء لا نطيعهم؛ لأن هذا خلاف الشرع، إذن لماذا تطيعهم؟ قال: أطيعهم فيما أمر الله به إذا قالوا: صلِّ، قلت: سمعًا وطاعة، وإذا قالوا: زكَّ، قلت: سمعًا وطاعةً، وإذا قالوا: حجَّ سواء أمروك أم لم يأمروك، لكن لو قال: المسير من اليسار دائمًا أو من اليمين دائمًا، قال: لا ﴿هو الَّذى جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا فى مناكبها﴾ [الملك: ١٥]. أنا أمشي [في أي جهة] ماذا نقول؟ نقول: عصيت الله؛ لأن الله يقول: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول وأولى الأمر منكم﴾ [النِّساء: ٥٩]. إذا خالفوا الشرع مثل أن قالوا: اليوم لا تصلّ مع الجماعة؛ لأنه يوجد شغل هو شغل لا يحتاج لترك الجماعة ماذا نقول؟ لا سمع ولا طاعة. على كل حال: نحن نقول: إن عمر نهى باعتباره حاكمًا لا مشرِّعًا؛ لأنه خليفة ﵁، ثم هو أيضًا أحد الخلفاء الذين أمرنا باتباعهم، قال النَّبيّ ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، وقال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وقال -فيما ثبت في صحيح مسلم-: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا"، هذه مزية ليست لغيرهم. "أمهات الأولاد" من هن؟ قال العلماء: أمُّ الولد من أتت من سيدها بما تبيّن فيه خلق الإنسان، يعني: السرية التي جامعها سيدها وحملت منه ووضعت ما تبين فيه خلق الإنسان، فإن وضعت كاملا حيًّا هذه أيضًا أمُّ ولد، فإذن هي التي أتت من سيدها تبين فيه خلق الإنسان، وأقل ما يتبين فيه خلق الإنسان أربعون يومًا لا تبين قبل هذا لقوله: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك -كم هذه؟ ثمانون يومًا- ثم يكون مضغة"، يتكامل مضغة عند تمام الأربعين وهو قبل أن يكون مضغة لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان، يعني: أن تتباين أعضاؤه، وإن كان يوجد في المضغة خطوط تدل على مكان

стр. 1722

العظام، يعني: يتكون شيئًا فشيئًا حتى يكون متميزًا، لكن المراد بخلق الإنسان الذي يتميز بحيث يرى الرأس واليد والرجل الأعضاء ترى كاملة هذا نقول: هي أمُّ ولد، فإن وضعت قبل ذلك فليست أم ولد. يقول: "نهى عن بيع أمهات الأولاد"، والذي يبيعها هو سيدها لا يجوز أن يبيعها، قال: "لا تباع"، فسر النهي فقال: "لا تباع ولا توهب"، لو أننا رجعنا إلى قواعد اللغة العربية لوجدنا أن "لا تباع" ليس فيها نهي، لماذا؟ لأنها لو كانت "لا" ناهية لجزم الفعل ولو جزم الفعل لقيل: "لا تبع" لكنه نفي بمعنى النهي، "لا تباع ولا توهب"، "ولا تورث" هنا فسّر الشيء بما هو أعّم منه يقول: "نهى عن بيع أمهات الأولاد فقال: لا تباع"، فإن اقتصر على هذا لكان المفسّر مطابقًا للمفسّر، لكنه زاد قال: "ولا توهب"، والهبة: هي التبرع بالمال بلا عوض، يعني: ولا يعطيها أحدًا بلا عوض، "ولا تورث"، يعني: لا تنتقل بالموت إلى الورثة، ماذا تكون بعد الموت؟ قال: "إذا مات فهي حرة"، فيكون هذا السيد يستمتع بها في حياته كما يستمتع بالزوجة تمامًا؛ لأنها ملك يمين، فإذا مات فهي حرة حتى وإن لم يخلف غيرها، يعني: ليست كالمدبَّر تكون من الثلث هذه تكون من رأس المال، بمعنى: أنه لو لم يخلِّف غيرها لعتقت، مثال ذلك: رجل تسرّى بأمته ثم أتت منه بالولد ثم مات فتكون هي حرة، قال الورثة: لا يمكن أن تكون حرة؛ لأنه ليس له سواها، قلنا: بلى؛ لأن سبب العتق سابق على سبب الإرث وهو الإيلاد، سبب الإرث متأخر وهو الموت، فانعقاد سبب الحرية بها سابق على الموت، وحينئذٍ تعتق كلها، فإن لم يخلف سواها. يقول: "رفعه بعض الرواة فوهم"، "رفعه"، يعني: إلى النبي ﷺ ، وجعله من قول الرسول ﷺ ، ولكنه واهم، والوهم هو أن يتخيل الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه فينطق به بلسانه أو يفعل بأركانه ما يقتضيه في ذلك الوصف هذا الوهم. إذن حكم أمهات الأولاد على ما قاله عمر أنه لا ينقل فيها الملك لا ببيع ولا هبة ولا ميراث، مع أن الميراث ملك قهري، والحقيقة أننا ينبغي أن نقف على هذه الأمثلة: البيع عقد معاوضة اختياري، الهبة عقد تبرع اختياري، الميراث انتقال ملك قهري، فذكر الأشياء كلها، يعني: لا ينقل ملكها لا بمعاوضة ولا بتبرع ولا بملك صحيح. من فوائد الحديث: جواز ذكر الإنسان والده باسمه العلم لقول ابن عمر: "نهى عمر"، وابن عمر ﵁ من أشد الناس ورعًا قاله ﵁ من تسمية أبيه باسمه فإنه صحيح، أي: أنه جائز ولا مانع منه، لكن كره بعض العلماء أن ينادى الإنسان أباه باسمه، يعني: لا تقول لأبيك إذا كان اسمه عبد العزيز، لا تقول: يا عبد العزيز، بل تقول: يا أبت، ولا على لغتنا القصيمية (يبت).

стр. 1723

على كل حال: ما تقول باسمه، هل هناك مستند؟ قالوا: نعم، إبراهيم ﵊ قال لأبيه: ﴿ياأبت﴾ مع أن أباه كان كافرًا، قال: يا أبت أضافه إلى نفسه، والله يقول للأمة: ﴿لَّا تجعلوا دعاء الرَّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النُّور: ٦٣]. يعني: لا تنادوا محمد ﷺ : يا محمد، قولوا: يا رسول الله بالوصف، إذن فالمناداة باللقب أبلغ في الإكرام من المناداة بالاسم العلم، فلهذا تخبر عن أبيك بأنه قال كذا، لكن لا تناديه باسمه العلم؛ لأن هذه طريقة الأنبياء، إبراهيم يقول: ﴿ياأبت﴾، ولأن هذا أبلغ في الإكرام. ومن فوائد الحديث: أن سنة عمر ﵁ المنع من بيع أمهات الأولاد أو نقل ملكهن بهبة أو بميراث، وهو كذلك، ولكنه ﵁ نهى عن هذا بمقتضى السلطة والخلافة لا بمقتضى الشرع؛ لأنه لا يشرع خلاف ما كان على عهد الرسول ﷺ ، وبيع أمهات الأولاد كان جائزًا على عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر وأول خلافة عمر، لكن لما رأى الناس قد انتهكوا حرمة هؤلاء الأمهات فصاروا يبيعونهن وصبيانهن يجرون خلفهن يبكون عليهن؛ لأن أولاد أمهات الأولاد أحرار لا يمكن أن يباعوا، فإذا باع الأم بقي الأولاد مساكين ليس عندهم أم تروح بهم، فلما رأى عمر ذلك ﵁ رأى من السياسة أن يمنع من بيعهن، إذن النهي عن بيع أمهات الأولاد ليس لمعنى في الأم، لكن لما يترتب عليه من التفريق بين الوالدة وولدها ويحصل بذلك من كسر قلب الأم وضياع الأولاد ما تقتضي السياسة الشرعية أن يمنع منه، ومن المعلوم أن الإنسان قد يمنع من التصرف في ماله لحق الغير، أليس قد روي عن الرسول ﷺ أنه حجر على معاذ في ماله؟ نعم، قد مرّ علينا أن الرسول حجر عليه منعه من التصرف فيه، فما فعله عمر ﵁ نوع من الحجر ليس تشريعًا عامًّا، وبناء على ذلك فلو مات ولدها يجوز بيعها؟ يجوز بيعها، وبناء على ذلك نقول: إذا مات ولدها جاز بيعها؛ لأن المنع من البيع ليس لمعنى يتعلق بالأم، ولكن لمعنى يتعلق بالأولاد مع الأم، وهذا المعنى إذا مات الأولاد زال فجاز بيعهن. ومن فوائد الحديث أيضًا: بيان فقه أمير المؤمنين عمر ﵁؛ لأن منع الإنسان من التصرف في ماله أمر جاءت به الشريعة، وهذا من تمام فقهه ودقة فهمه، ونظير ذلك من بعض الوجوه منعه المطلق ثلاثًا من مراجعة زوجته من أجل أن يحجر على الناس هذا النوع من الطلاق؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا طلق ثلاثًا بانت منه الزوجة سوف يمسك، لكن إذا علم أنه إذا طلق قيل له: هي واحدة راجع، ما يهمه أن يطلق ثلاثًا ولا يبالي، لكن إذا منع امتنع من الطلاق الثلاث.

стр. 1724

ومن فوائد الحديث: حسن سياسة أمير المؤمنين عمر؛ لأنه نهى عن بيع أمهات الأولاد. ومن فوائد الحديث أيضًا: أن أم الولد يجوز لسيدها أن يستمتع بها ما بدا له؛ لأنها ملكه. ومن فوائده أيضًا: أن أم الولد لا تعتق بمجرد الولادة؛ لقوله: "فإذا مات فهي حرة". ومن فوائد الحديث: أن أم الولد تعتق بموت السيد، وإن لم يخلّف سواها فيكون عتقها من رأس المال لا من الإيلاد لعموم قوله: "فإذا مات فهي حرة". ومن فوائد الحديث: جواز هبة الرقيق وبيعه؛ لأنه نهى عن بيع أم الولد وهبتها، فدلّ ذلك على أن الأصل في الرقيق أن يباع ويوهب وهو كذلك. فإن قال قائل: أليس في هذا ظلم للإنسان وهضم لحقوقه؛ لأن الإنسان بشر كيف تضع القلادة في عنقه وتقول: من يسوم، فما الجواب؟ نقول: هذا الإنسان هو الذي أذل نفسه وأذل عائلته، لماذا؟ بالكفر؛ لأن سبب الرّق هو الكفر، فلما كفر صار ذليلًا، يعني: هو ذهب يتحرر من رق عبادة الله فوقع في رق عباد الله، كما أن أصل تحرره أنه تحرر من عبادة الرحمن إلى الرق في عبادة الشيطان: ﴿ألم أعهد إليكم يابنى ءادم أن لَّا تعبدوا الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مُّبينٌ (٦٠) وأن اعبدوني﴾ [يس: ٦١]. الكفار الذين لم يعبدوا الله عبدوا الشياطين فهم مساكين ذهبوا من عبادة الخالق إلى عبادة المخلوق، ذهبوا من عبادة ولي الذين آمنوا إلى عبادة عدو الذين آمنو وهو الشيطان. ومن الفوائد: فيما ساقه المؤلف أن بعض الرواة يقع منهم الوهم، ولهذا مرّ علينا في مصطلح الحديث من أسباب ردّ الحديث الطعن في الراوي، الراوي قد يهم؛ لأن الإنسان بشر قد ينقلب عليه الحديث قد يقدم فيه ويؤخر، قد يزيد فيه قد ينقص، قد يجعله مرفوعًا وهو موقوف أو موقوفًا وهو مرفوع. ولكن ما الميزان الذي نزن به أوهام الرواة وعدم أوهام الرواة هذا مشكل؟ نقول: الشريعة -ولله الحمد- فيها قواعد ثابتة ونصوص قوية واضحة، فما جاء مخالفًا لهذه النصوص القوية الواضحة فنحن نحكم عليه بالوهم والشذوذ مثل ما قال أهل العلم يشترط لصحة الحديث ألا يكون معللًا ولا شاذًّا، فإذا جاءنا راوٍ ثقة لكن مخالف لمن هو أرجح منه إما بالعدد، وإما للحفظ وإما في العدالة نقول في حديث هذا الرجل: إنه شاذ إذا جاء الحديث من رجل أوله وآخره متناقضان عرفنا أن الراوي لم يضبط ومنه -على ما اختاره ابن القيم وأنا اختاره أيضًا وإن كان لا نسبة بيني وبينه- حديث: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه"، فإن هذا الحديث متناقض أوله وآخره على هذه

стр. 1725

الصورة؛ لأن أوله: "إذا سجد فلا يبرك كما يبرك البعير"، والبعير إذا برك يقدم يديه لا شك، فإذا قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه" صار متناقضًا للأول نعرف أنه وهم، لماذا لا نجعل الوهم في الأول ونقول: "وليضع يديه قبل ركبتيه" هذا هو المحفوظ؟ نقول: لأن الشارع جرت عادته بالنهي عن التشبه بالحيوان، قال: "لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"، "لا يلتفت كالتفات الثعلب"، "لا ينقر كنقر الغراب"، فإذن عرفنا أن الأول هو الثابت والثاني منقلب وأن صوابه: "وليضع ركبتيه قبل يديه"، لكن يأتينا رجل من أجهلكم بلغتك فيقول: ركبة البعير في يديه، فإذا قال: "لا يبرك كما يبرك البعير" معناه: لا يبرك على ركبتيه فيكون أنتم جاهلون بلغتكم، ثم إذا حملنا الحديث على هذا المعنى ما صار فيه تناقض اتفق أوله وآخره فليكن هذا هو الحق، قلنا: هذا صحيح نحن معك في أن ركبتي البعير في يديه ولا أحد ينكر هذا، ولكن الرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم وفصاحة اللسان ونصاعة البيان قال: "فلا يبرك كما يبرك"، ولم يقل: فلا يبرك على ما يبرك، لو قال: لا يبرك على ما يبرك عليه البعير، لقلنا: هذا صحيح لا يبرك على الركبتين، لكن قال: "كما يبرك" والكاف للتشبيه، فالمراد: أن تكون هيئته عند السجود كهيئة البعير عند البروك، أما نفس العضو المبروك عليه فهذا ما تعرض إليه الحديث، أنا أقول هذا من أجل أن الإنسان عندما تأتيه مثل هذه الأحاديث عليه أن يقيسها بالأحاديث الأخرى الثابتة التي تعتبر في السُّنة إبانًا، لو جاءنا حديث رواه أبو داود يخالف ما رواه البخاري ومسلم مخالفة لا يمكن الجمع فيه فنقدم ما رواه البخاري ومسلم، فلهذا المؤلف ﵀ يقول: "رفعه فوهم"، إذن الوهم يجري على الرواة ولا شك ونحن ننظره في أنفسنا دائمًا، نتوهم بما ندركه بالسمع وبما ندركه بالبصر وبما ندركه بالقلب، الوهم جارٍ على ابن آدم في كل الحواس. ٧٥٩ - وعن جابرٍ ﵁ قال: "كنَّا نبيع سرارينا، أمَّهات الأولاد، والنَّبيُّ ﷺ حيٌّ لا يرى بذلك بأسًا". رواه النَّسائيُّ، وابن ماجه والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان. "السراري" جمع سريَّة، وهي الأمة التي يطأها سيدها، قد تلد منه وقد لا تلد، قد تلد كما حصل لمارية القبطية ﵂ حيث تسرَّاها النبي ﷺ فأتت منه بولد وهو إبراهيم، وقد لا تلد، ولكنَّ جابرًا ﵁ يقول: "أمهات الأولاد"، فصرّح بأنها أم ولد، وأنهم كانوا يبيعونها والنبي ﷺ حيٌّ لا يرى بذلك بأسًا، وهذا إقرار من رسول الله ﷺ إن كان قد علم بذلك، أو من الله إن كان الرسول ﷺ لم يعلم؛ لأن الله إذا لم ينزل الإنكار على عمل عمل في عهد نزول الوحي دلّ هذا على الجواز فيه.

стр. 1726

إذا قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث الذي فيه جواز بيع أمهات الأولاد بإقرار النبي ﷺ مع إقرار الله إياه وبين نهي عمر؟ نقول: الجمع بينهما ظاهر؛ لأنه لا معارضة في الواقع، فبيعهن في عهد الرسول ﷺ إذا لم يكن هناك تفريق، والنهي في عهد عمر إذا كان هناك تفريق، وعليه فما دام الجمع ممكنًا فإنه يجب المصير إليه ولا يعارض هذا بهذا ما دام قد حصل إمكان الجمع، فنقول: ما جاء فيه سنة من جواز بيع أم الولد فإنه محمول على ما إذا لم يكن هناك تفريق، وأما إذا كان تفريق كما ذهب إليه عمر ﵁ فلا بيع إذا أتت بولد ومات تباع؛ لأنه ليس هناك تفريق، كذلك إذا أتت بولد وبيع الولد معها لا تباع؛ لأن أم الولد من جاءت بولد من سيدها، أما لو كان من غير سيدها فيجوز أن تباع معه لكن من السيد لا يمكن أن يباع الولد مع أمه لأنه حر. خلاصة هذه المسألة أن نقول: إذا كان بيع الأم يستلزم التفريق بينها وبين أولادها فالبيع حرام وفاسد؛ لأن النبي ﷺ نهى عن التفريق بين الوالدة وولدها، وإذا كان لا يستلزم ذلك فلا بأس به، فعلى الثاني يحمل ما كان في عهد الرسول ﷺ ، وعلى الأول يحمل ما كان في عهد عمر، إذن أمُّ الولد حكمها حكم الإيماء في الاستمتاع والحلّ للسيد، وحكمها حكم الحرة باعتبار نقل الملك فيها؛ لأنه لا يجوز فيها نقل الملك. أما حديث جابر فأظن أن فوائده قليلة؛ لأنه يستفاد منه: أن بيع أمهات الأولاد جائز على عهد النبي ﷺ . ويستفاد منه أيضًا: أن الحكم يتغير بتغير الأحوال، إذا وجد مقتضى يقتضي تغيير الحكم الأول فلا بأس به، وأما تغيير الحكم إلى شرع جيد على وجه مستقل فهذا لا يمكن بعد عهد النبي ﷺ ، لكن إذا وجد سبب يقتضي تغيير الحكم فإن هذا يجوز، إذ لا بأس أن تتبع هذه المصلحة، ولكنه كما قلت: ليس هذا تغييرًا للحكم على سبيل الاستمرار ورفع الحكم الأول؛ لأنه لا نسخ إلا بالكتاب والسنة إنما تغيير الحكم لمقتضى اقتضاه على وجه مؤقت لا على وجه دائم. النهي عن بيع فضل الماء وعسب الفحل: ٧٦٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن بيع فضل الماء". رواه مسلمٌ. - وزاد في روايةٍ: "وعن بيع ضراب الجمل". النهي -كما سبق- طلب الكف على وجه الاستعلاء، وقوله: "عن بيع فضل الماء" "فضل" يعني: زيادة، أي: ما زاد على قدر الحاجة فإنه لا يجوز بيعه إنما نصّ على ذلك؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يبيع إلا ما زاد على حاجته، أما ما تعلقت به حاجته فإنه لا يبيعه.

стр. 1727

وقوله: "عن بيع فضل الماء" ما المراد بهذا الماء؟ المراد به شيئان: الشيء الأول: ما اجتمع بفعل الله في أرض من الأراضي كالغدران التي تجتمع من السيول، فهذا لا يجوز لأحد أن يستولي عليه بأن يبيعه على الناس، يعني: لو أن رجلًا جاء إلى غدير ثم تحجّره وصار يبيعه على الناس هذا حرام؛ لأن هذا الماء ليس من فعله، والناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار، فلا يجوز أن يبيعه، الوجه الثاني: أن يحفر الإنسان بئرًا فيصل إلى الماء، فهنا لا يجوز أيضًا أن يبيع نقع البئر؛ لأن نقع البئر من فعل الله هو الذي جمع هذا الماء في البئر فليس من صنعه، غاية ما فعلت أنك حفرت حتى وصلت إليه، أما الذي سلك الينابيع في الأرض وهو الله فلا يحلّ لك أن تبيعه؛ لأنك أنت والناس فيه على حدٍّ سواء، صحيح أنك أنت أحق به، ولهذا قال: نهى عن بيع فضله، أنت أحق به لا أحد يزاحمك إذا كنت محتاجًا إليه، لكن إذا لم يكن هناك حاجة فإنه لا يجوز لك أن تبيعه، هناك شيء ثالث للماء وهو أن تحوزه، يعني: تخرجه من الأرض وتحوزه في بركة أو تحوزه في إناء -مجمع يسمونه حوضًا أو خزانًا أو ما أشبه ذلك- فهذا ملكك، لك أن تبيعه؛ لأنك حزته في أمر يختص بك وجمعته في هذا الوعاء، ويدل لهذا أن رسول الله ﷺ قال: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وقال: "لأن يمد أحدكم حبله فيحتطب فيأتي به ويبيعه خير من أن يسأل الناس"، والناس في الحطب شركاء، لكن هذا احتطبه وملكه عادة ثم جاء يبيعه فأجاز له النبي ﷺ فهذا مثله، فصار الآن ثلاثة أوجه: وجهان ممنوعان ووجه جائز، الوجهان الممنوعان: ألا يحوز الإنسان في إناء وشبهه، ويكون حصول الماء بغير فعله مثل الغدير والشّعاب، وكذلك أيضًا نقع البئر؛ لأن الذي جمع الماء حتى صار في هذا المستقر هو الله ، هذان الوجهان لا يجوز فيهما البيع، أما الوجه الثالث -وهو بعد أن تحوز الماء في رحلك في إناء- فلك أن تبيعه. إذا قال قائل: في الوجهين الأولين: هل يجوز أن أمنع الماء؛ أي: أقول لأي إنسان: لا تدخل إلى هذا الغدير لتشرب منه؟ نقول: لا يجوز أن تمنع الناس؛ لأنهم شركاء لك في هذا الماء إلا بشرط أن يلحقك بهذا ضرر، بماذا؟ إما أن يدوسوا زرعك أو يطلعوا على عوراتك أو يأخذوا الماء كله على وجه يضرك وينقصك فحينئذٍ لك أن تمنع، فإذا خشيت الأذى أو الضرر فلك أن تمنع، لكن في الحال التي لا يجوز لك أن تمنع هل يجب استئذانه، وإذا استأذنه فهل يجب عليه الإذن؟ قال بعض أهل العلم: إنه لا يلزم استئذانه، وعليه فلك أن تدخل أذن أو لم يأذن، فإذا رأيت هذا

стр. 1728

الغدير في أرض هذا الرجل فأدخل إبلك ولتشرب منه، سواء استأذنت أم لم تستأذن، فإن استأذنت ولم يأذن فهل لك أن تدخل قهرًا؟ فيه قولان: القول الأول: أنك لا تدخل؛ لأنه ملكه، والقول الثاني: تدخل؛ لأن لك الحق في أن تشرب هذا الماء، ولو قلنا: إن الأمر يتوقف على إذنه لم يكن لقولنا: إنه يحرم عليه المنع فائدة بالنسبة للداخل. إذن السؤال الآن هل يجوز -في الحال التي لا يجوز فيها بيع الماء- أن يمنع الداخل إلى ملكه لشرب الماء؟ أقول إذا كان فيه ضرر أو أذى، فالضرر مثل أن يداس زرعه ويؤكل ثمره فله أن يمنع، والأذى مثل أن يطلع الناس على عوراته -نسائه وأولاده وحوائجه مكشوفة- ولا يحب أن يطلع أحد عليها فله أن يمنع، أما إذا لم يكن هناك مسوغ للمنع فالصحيح أنه لا يجوز له أن يمنع، وأما استئذان الداخل فنقول: إنه لا يلزمك أن تستأذن إلا إذا كنت تخشى الفتنة مثل لو دخل وجاء صاحب الأرض حصل فتنة من قتال أو نحوه، فحينئذٍ نقول: لا تدخل حتى تستأذن خوفًا من الفتنة. والثاني: قال: "وعن بيع ضراب الجمل"، وهو عسب الجمل؛ يعني: إنسان عنده جمل يضرب الناقة، يعني: يعلو عليها من أجل تلقيحها، نهى الرسول ﷺ عن بيع ضراب الفحل، فإذا كان عندك جمل وجاءك صاحب ناقة يطلب منك أن تضرب الجمل هذه الناقة، تقول: لا مانع، لكن كل تلقيحة بمائة، فلا يجوز هذا؛ لأنه حرام عليه. فإن قال صاحب الجمل: إن الضراب يضرُّ جملي، فما الجواب؟ نقول: ليس يضر، هل إضرابك امرأتك يضرُّك؟ لا يكون ضرر في ذلك أبدًا، بل إنه أمر يسرُّك، اترك هذا الجمل أيضًا كذلك، فهو لا يضره في الواقع، لكن إن قال: إنه يضره من جهة أخرى تتعلق نفسه بالإبل بالنوق ويتعبه وهذا مشاهد في الحمر، فالحمار إذا عوّد لا يعود، يعني: إذا عوّده صاحبه إذا رأى أنثى يمكن أن يسقط ما على ظهره ويذهب إليها، فإذا قال: أنا أخشى من التضرر بهذا، فإننا نقول: هذا أمر بينك وبين ربك إن كان هذا حقيقة فلك الحق وإن لم يكن حقيقة وإنما تريد أن تعلل عن منع ما يجب عليك فهذا لا يحل لك على أن موضوع الحمير يختلف عن موضوع الجمال لأن مني الحمار نجس خبيث لا يجوز بيعه بخلاف ضراب الجمل. لو قال صاحب الجمل: إن جملي هزيل ويضرّه الضّراب، ماذا نقول؟ في هذه الحال لا يلزمك، لكن هذا لا يبرر لك أخذ العوض عنه، نحن نقول: إما أن يكون على الجمل ضرر أو عليك أنت ضرر باستخدام الجمل بعد أن يضرب فلك أن تمنع إذا لم يكن ضرر لا على الجمل ولا عليك فلا يجوز أن تأخذ عوضًا، والكلام الآن في أخذ العوض. فإن قال قائل: لماذا نهى عنه الرسول ﷺ ؟ قلنا: لأن هذا فيه نوع من المضارة والحسد؛ لأنه إذا كان الجمل لا يتضرر وصاحب الجمل لا

стр. 1729

يتضرر ولكنه أبى علم بأنه مضار وحاسد ومانع للفضل ومضرٌّ باقتصاد الأمة؛ لأن الأمة كلما كثر النماء في مالها ازدادت قوة، فلهذا منع منه الشارع، أي: منع من عوضه، ونظير ذلك حديث أبي هريرة ﵁: "لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره"؛ لأن غرز الخشبة في الجدار منفعة للجار ولا ضرر عليك أنت، قال أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم"، قاله وكان أميرًا على المدينة، يقول: إذا لم تسمح للخشب أن يوضع على الجدار وضعته على كتفك، وهذا نظير قول عمر في محمد ابن مسلمة لما منع جاره أن يجري الماء على أرضه إلى الجهة الأخرى كانت أرض بين أرضين جاره فطلب هذا صاحب الأرضين أن يجري الماء من أرض إلى أرض مارة بأرض محمد بن مسلمة وقال: أنا أجري الماء على الأرض وأنت انتفع بالماء، قال: لا، فترافعا إلى عمر، قال عمر: والله لأجرينه ولو على بطنك؛ لأنه مضار، ومثل هذا أيضًا نفسه ضراب الجمل فإنه لا يجوز. من فوائد الحديث: أولًا: النهي عن بيع فضل الماء، وهو ما زاد عن حاجة الإنسان من الماء الذي لم يدخل في ملكه؛ لأن ما دخل في ملكه فهو يتصرف فيه كما يشاء. وفيه أيضًا: دليل على أنه لو باعه فالبيع غير صحيح والثمن يرد على المشتري؛ لأن ما يقع النهي عنه بعينه فإن النهي فيه للفساد؛ لأن تصحيحه مضادة لحكم الله ورسوله، فالنهي عنه يراد شرعًا إنقاذه وعدم الاعتداد به، فإذا صححناه فقد خالفنا مقصود الشارع. وفيه دليل على تحريم بيع ما يحتاج إليه الإنسان من الماء، لماذا؟ لأن التقييد بالفضل بناء على الغالب، وقد قال علماء الأصول: إنما جيء بع مقيدًا باعتبار أمر الغالب، فإنه ليس له مفهوم، ومثلوا لذلك بأمثلة، منها قوله تعالى: ﴿وربائبكم الَّتى فى حجوركم ... ﴾ [النِّساء: ٢٣]. فإن قوله: ﴿الَّتى فى حجوركم﴾ بناء على الغالب، وإلا فقد لا تكون في حجره، وكذلك: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصُّنا﴾ [النُّور: ٣٣]. لأن هذا هو الغالب، والإكراه لا يجوز سواء أردن التحصن أم لم يردن التحصن. فإذا قال قائل: إذا حازه الإنسان وملكه فهل يجوز بيعه؟ إن نظرنا إلى ظاهر الحديث قلنا: لا يجوز؛ لأنه عام، وإن قسنا على الحطب الذي قال الرسول ﷺ : "لأن يمد أحدكم حبله فيحتطب فيبيع خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"، فإنه يدل على أن الماء إذا حازه الإنسان فهو له، كما أن الإنسان إذا حاز الحطب ملكه مع أن الناس شركاء فيه أيضًا.

стр. 1730

وهل يستفاد من الحديث: تحريم منع المنتفع بفضل الماء من الانتفاع به؟ الجواب: نعم، لو أراد الإنسان أن ينتفع بفضل الماء الذي في أرضك سواء كان نقع بئر أم ما جمعت السيول فإنه ليس لك الحق في منعه؛ لأن الشارع ما نهى عن البيع إلا لأجل أن ينتفع الناس كلهم بهذا الماء، فإن قال قائل: أرأيتم لو كان في دخوله لأخذ الماء ضرر على صاحب الأرض؟ قلنا له في هذه الحال أن يمنعه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، لو فرضنا أن المتضرر يحتاج إلى ماء فإنه لا يزال ضرره بضرر الآخر، فإن قال قائل: إذا كان قد حازه واضطر الإنسان اضطرارًا إليه فهل يجوز أن يبيعه، إنسان معه ماء في قربة وهناك رجل مضطر إلى الشرب فهل يجوز لصاحب القربة أن يبيع عليه الماء؟ الجواب: لا؛ لأنه يجب عليه إنقاذه من الهلاك وإذا وجب إنقاذه فالواجب لا يؤخذ عليه عوض، أما لو جاء إليك يساومك وهو في حاجة لا في ضرورة فلك أن تبيع عليه بما تريد. ومن فوائد الحديث: النهي عن بيع ضراب الجمل، ويتفرع عليها: أنه لو باع ذلك فإن البيع لا يصح؛ لأنه مما وقع النهي عنه بعينه، والمنهي عنه بعينه لا يصح بيعه. ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع في أن الأمور التافهة التي يجري بذلها دائمًا وغالبًا لا يرى لها ثمنًا ولا أجرة، لقوله: "نهى عن بيع ضراب الجمل"، فإن أبى صاحب الجمل أن يبذله إلا بأجرة أو بيع، قلنا في الجواب: إن له أن يأخذه بأجرة ويكون الآثم صاحب الجمل؛ لأن هذا يريد أن يتوصل إلى شيء محتاج إليه، فيكون الإثم على صاحب الجمل. ٧٦١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل". رواه البخاريُّ. "نهى عن عسب الفحل"، "العسب" قيل: إنه الماء الذي يلقَّح به، وقيل: إنه الضِّراب، يعني: نزو الذكر على الأنثى، ولا شك أن نزو الذكر على الأنثى كالجمل والتَّيس والثور يراد به: الماء، فهو وسيلة وليس بمقصود، فسواء فسرناه بأنه النَّزو أو فسرناه بأنه الماء نفسه فهو يدل على النهي عن عسب الفحل. هل المراد بيعه أو إجارته؟ الحديث مطلق، ما فيه البيع ولا فيه الأجرة، وحديث جابر الذي رواه مسلم يدل على أن المراد به: البيع، ولكن الحقيقة حتى لو قلنا: إن المراد به البيع فإنه شبيه بالأجرة؛ لأن هذا الماء ليس يجعل في الأواني ويباع، لكنه يتكون من نزو الذكر على الأنثى فيتكون هذا الماء ويخرج من هذا النّازي إلى رحم الأنثى بدون واسطة فهو شبيه بالأجرة، ولهذا نقول: إن النهي عن "عسب الفحل" يشمل البيع ويشمل الأجرة.

стр. 1731

الإجارة تأتي على وجهين: الوجه الأول: أن يستأجره لضرابه لمرة واحدة فهذا حرام؛ وذلك للجهالة والغرر، ولأنه لا يدري ماذا تكون النتيجة من هذه النّزوة. والوجه الثاني: أن يستأجره لأيام فيقول: أجِّر لي فحلك لمدة أسبوع فيؤجِّره سواء أضرب أم لم يضرب، فقيل: إن ذلك لا يصح؛ لأن هذا المستأجر إنما استأجره للضَّراب وهذا الفحل ربما يضرب وربما لا يضرب، لا ندري متى يضرب، ولا ندري أيضًا متى تكون الإناث تريده، فالمقصود بالعقد أمر مجهول فلا يصح ولا شك أن الوجه الأول -وهو أن يستأجره لإضرابه مرّة- لا يجوز؛ لأن الأجرة لا تصح فيه وذلك لجهالة العوض المعقود عليه، وأما الثاني فهو محل نظر، فقد أجازه بعض أهل العلم وقال: إن هذا الذي استأجره أهم شيء عنده أن يضرب ولو مرة أو مرتين وليس بلازم عنده أن يضرب دائمًا، ولكن لا شك أن فيه جهالة، وأن ظاهر الحديث النهي عنه، وعلى هذا فلا يجوز استئجار الفحل للضراب لأيام معدودة ولا نزوات معدودة معلومة، وذلك من أجل الجهالة. ومن فوائد هذا الحديث والذي قبله: حرص الشارع على حماية الأموال وألا تبذل إلا في أمر تتحقق فيه فائدة، أما الأمور التي ليس فيها فائدة أو الأمور التي فيها مضرة فإن الشارع ينهى عن بذل المال فيها ولهذا عدَّه أصول في الشرع، منها قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السُّفهاء أمالكم الَّتى جعل الله لكم قيامًا﴾ [النِّساء: ٥]. فبيَّن الله سبحانه الحكمة من هذه الأموال أنها قيامًا للناس تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، وثبت في الحديث الصحيح عن النَّبيّ ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال، وهذه الأحاديث وأشباهها كلها تدل على حماية الشرع للأموال وعنايته بها. ومن فوائد الحديث: استبعاد الشرع عن كل ما يحدث الندم أو النزاع أو العداوة، كيف ذلك؟ لأن النهي عن هذه البيوع إنما كان لحكمٍ منها: ألا يحصل للإنسان ندم، افرض أنك استأجرت فحلًا لينزو على أنثى عندك فنزع فلم تلقح يحصل تنازع، كل ما يحدث الندم للإنسان فإن الشرع يأمرنا بالابتعاد عنه، ولهذا أيضًا أصول منها: أن الله سبحانه قال: ﴿إنَّما النَّجوى من الشَّيطان ليحزن الَّذين ءامنوا وليس بضارِّهم شيئًا إلَّا بإذن الله﴾ [المجادلة: ١٠]. والله تعالى إنما أخبرنا بذلك من أجل أن نتجنب هذا الشيء ليس مجرد إخبار أن الشيطان يريد- إحزاننا لا، المراد: أن نبعد عن كل ما يحزن، ولهذا قال النَّبيّ ﷺ : "لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه"، فكل ما يجلب الحزن للإنسان فهو منهي عنه، ثانيًا: أن الرسول ﷺ أمر من

стр. 1732

رأى رؤيا يكرهها أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وينقلب إلى الجنب الثاني، ولا يخبر بها أحدًا، ويتوضأ ويصلي، كل هذا من أجل أن يطرد الإنسان عن هذه الأمور التي تأتي بها هذه المراتب، ولهذا قال الصحابة: لقد كنا نرى الرؤيا فنمرض منها فلما حدَّثنا رسول الله ﷺ بهذا الحديث؛ يعني: استراحوا ولم يبق لهم همُّ، فكل شيء يجلب الهم والحزن والغم فإن الشارع يريد منا أن نتجنبه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فمن فرض فيهنَّ الحجَّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. لأن الجدال يجعل الفرد يحتمي ويتغير فكره من أجل المجادلة سيحصل له همٌّ ويلهيه عن العبادة، المهم اجعل هذه نصب عينيك دائمًا؛ أي: أن الله يريد منك أن تكون دائمًا مسرورًا بعيدًا عن الحزن، والإنسان في الحقيقة له ثلاث حالات: حالة ماضية، وحالة حاضرة، وحالة مستقبلة، الماضية يتناساها الإنسان وما فيها من الهموم؛ لأنها انتهت بما هي عليه إن كانت مصيبة فقل: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها" وتناسى، ولهذا نهى عن النياحة، لماذا؟ لأنها تجدد الأحزان وتذكر بها، الحالة المستقبلة علمها عند الله ، اعتمد على الله، وإذا جاءتك الأمور فاضرب لها الحل، لكن الشيء الذي أمرك الشارع بالاستعداد له فاستعد له، والحال الحاضرة هي التي بإمكانك معالجتها، حاول أن تبتعد عن كل شيء يجلب الهم والحزن والغم لتكون دائمًا مستريحًا منشرح الصدر مقبلًا على الله وعلى عبادته وعلى شئونك الدنيوية والأخروية، فإذا جربت هذا استرحت، أما إن أتعبت نفسك مما مضى أو بالاهتمام بالمستقبل على وجه لم يأذن به الشرع فاعلم أنك ستتعب ويفوتك خير كثير. ٧٦٢ - وعنه ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهليَّة: كان الرَّجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج النَّاقة، ثمَّ تنتج الَّتي في بطنها". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ. "حبل" بمعنى: حمل، والحبلة بمعنى: الحوامل؛ لأن حبلة جمع حابل ككامل وكملة، وساحر وسحرة، وكاهن وكهنة، إذن حبلة جمع حابل، والحبل هي الأنثى الحامل، ولا تلحقها التاء؛ لأن الوصف الذي من خصائص الأنثى لا يحتاج إلى تاء، إذ إن التاء يؤتى بها للفرق بين المذكر والمؤنث، وما كان خاصًّا بالمؤنث فليس بحاجة إلى أن يؤتى بالتاء الفارقة، ولهذا يقال: حائض، ولا يقال: حائضة، ويقال: مرضع، ولا يقال: مرضعة، وحينئذٍ نحتاج إلى الجواب عن قوله

стр. 1733

تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعت﴾ [الحج: ٢]. قال العلماء: لأن المرضعة ليس المراد بها: الوصف، بل المراد بها: الفعل؛ يعني: تذهل التي ترضع وولدها في ثديها تذهل عنه، بخلاف المرضع التي من وصفها الإرضاع لكن ما معها ما ترضعه هذه ما معها أحد حتى نقول: إنها ذهلت عنه. على كل حال: الحبلة جمع حابل، وهل ورد في اللغة العربية أن يجمع حابل على فعلة مثل ساحر وسحرة، وكاهن وكهنة، وكامل وكملة، "حبل الحبلة"، إذا أخذنا بطاهر اللفظ فإن ظاهر اللفظ يحتمل وجهين: الوجه الأول: أن يكون المراد به: بيع حمل الحوامل، يعني: حمل الأنثى الحامل، فيكون النهي عن بيع الحمل في البطن، ويحتمل وجه آخر: وهو النهي عن بيع حبل الحبلة؛ أي: حمل الأحمال، فيكون النهي عن بيع حمل الحملة، إذا وضع وكان أنثى وحملت فينتهي عن بيع ولدها، أي: عن بيع حمل الحملة، هذا الحمل الذي في البطن، ويلزم على هذا التقدير أن يكون الحمل الذي في البطن أنثى ثم تحمل ثم نبيع حملها. [إعادة شرح]: الأول هذا للحبلة، يعني: حمل الحوامل، يعني: بيع الحمل في بطن الأم، وهل يقال: حمل الحوامل الثاني عن حمل المحمول؛ لأن حمل الحمل، يعني: المحمول، وعلى هذا الوجه يكون أن تبيع حمل الحمل الذي في البطن، فنقدر أن هذا الحمل الذي في البطن أنثى ثم تحمل ثم يبيع حملها، ولنفرض أن عند الإنسان شاة اسمها هيلة وفيها حمل فأبيع الحمل الذي في بطن هيلة هذا لا يجوز، وهذا هو الوجه الأول، الوجه الثاني: أن أبيع حمل الذي في بطن هيلة، والذي في بطنها ولدت وسميناها "ربية" فأبيع حمل ربية هذا لا يجوز، ما وجه المنع على الوجه الأول؟ الجهالة فهي ظاهرة، هذا الحمل الذي في البطن لا ندري أذكر هو أم أنثى، لا ندري أواحد أم متعدد، لا ندري أيخرج حيًّا أم ميتًا؟ هذه ثلاثة احتمالات كلها غرر، لهذا ينهى عن بيع الحمل، إذا كان حمل "ربية" صار أشد؛ لأنا لا ندري هل الذي في بطن هيلة ظبية أم ظبيان، لا ندري أذكر أم أنثى، ثم على تقدير أنه أنثى لا ندري أنها أيضًا إذا حملت هل تكبر أو لا تكبر، وتأتي بولد أو تحمل، وإذا حملت جاءت الاحتمالات الواردة في بطن الأم حي أو ميت، ذكر أم أنثى، واحد أم متعدد، إذن العلة هي الجهالة -جهالة المبيع-، فيه وجه آخر: وهو الذي فسره -إما ابن عمر أو نافع-: "وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها"، أولًا ننظر في الجملة: "وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية" نسبوا إلى الجاهلية؛ لأن سلوكهم كله مبني على الجهل، وعلى هذا فيقال: أهل النهجة الجاهلية أو الملة الجاهلية. وقوله: "كان الرجل يبتاع الجزور"، الجزور هي البعير سواء كان ذكرًا أم أنثى، صغيرًا أم كبيرًا.

стр. 1734

وقوله: "إلى أن تنتج الناقة"، كيف نعرب الناقة؟ "الناقة" فاعل، "تنتج" فعل مضارع مبني للمجهول صورة وهو للفاعل حقيقة، يقولون: هذا الفعل لم يبن للفاعل؛ أي: أن العرب ما بنته للفاعل أبدًا، إنما تبنيه للمفعول، لكن المعمول بعده يكون فاعلًا، وهذا يلغز به، يقال لنا: فعل مضارع مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر -على صيغة المبني للمجهول- وما بعده فاعل، يقال: نتجت الناقة، فـ"الناقة" فاعل، ويوجد كتيِّب صغير مؤلف اسمه: "إتحاف الفاضل للفعل المبني لغير الفاعل" ذكر فيه ما بلغه علمه من الأفعال التي وردت عن العرب مبنية لغير الفاعل والمعمول فيها فاعل. يقول: "وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها"، البيع واقع على شيء معلوم ولكن إلى أجل مجهول، يقول: "إلى أن تنتج الناقة"، يعني: تلد ثم تنتج التي في بطنها، يعني: تلد، وإنتاج الناقة مجهول، إنتاج التي في بطنها أجهل، ولكن ما المؤجل في هذا البيع؟ هل المؤجر البيع، بمعنى: أني أبيعه عليك هذه المدّة فيكون حقيقة الأمر أنه إجارة إلى زمن مجهول، والإجارة تسمى بيعًا، أو أن المعنى: يباع بثمن ويجعل أجل الثمن إلى هذه المدة المجهولة؟ كلاهما صحيح، يعني: أحيانًا يؤجلون البيع نفسه، يعقدون البيع بأن يقول أحدهم: بعتها عليك إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها قد تكون مدة البيع عشرة أشهر أو عشرين شهرًا وقد تكون عشر سنين، لا يدرى متى تنتج الناقة، ومتى تنتج التي في بطنها، هذا إذا قلنا: إن البيع مؤجل نفس البيع، وقد يكون المراد: أنه يؤجل الثمن، بمعنى: أنه باع عليه شيئًا، كأن يكون قد باع عليه الجزور تامًّا مؤبدًا، لكن الذي يؤجل هو الثمن، يقول: لا تسلمني الثمن إلا بعد أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها وكلاهما مجهول، فالبيع إذن غير صحيح، فصارت المسألة لها أربع صور: الصورة الأولى: أن يبيع حمل الناقة. والصورة الثانية: أن يبيع حمل حمل الناقة، وهذا يعود إلى جهالة معقود عليها. الصورة الثالثة: أن يؤجل المبيع، يعني: يؤجل المدّة التي يكون فيها الشيء ملكًا للمشتري، إلى متى؟ إلى أن تنتج الناقة أو تنتج التي في بطنها هذه فيها تداخل، أحيانًا يبيعونه على أن تنتج الناقة، وأحيانًا إلى أن تنتج التي في بطنها أبعد. الصورة الرابعة: أن يكون البيع معددًا ولكن الثمن مؤجل بأجل مجهول، إلى أن تضع الناقة أو إلى أن تضع التي في بطنها، وهذا كله مجهول ويؤدي إلى التنازع وإلى الغرر وإلى الندم.

стр. 1735

يستفاد من حديث عبد الله بن عمر: النهي عن بيع الحمل، والحكمة في ذلك لأنه مجهول فلا يدري أيكون ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعددًا، حيًّا أو ميتًا، وعن حمل حمل الحمل وهو أيضًا معدوم ومجهول، وهو أشد من بيع الحمل نفسه، هل يقاس على ذلك بيع الحامل بحملها؟ الجواب: لا؛ لأن الحمل حينئذٍ تبع، فإذا كان تبعًا فإنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ونظيره لو باع اللبن في الضرع لم يصح، ولو باع شاة فيها لبن صح. ومن فوائد الحديث: النهي عن كل ذي جهالة سواء كان في عين المبيع أم في ثمن المبيع أم في الأجل بالقياس على حبل الحبلة. ومن فوائد الحديث: بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من المعاملات الفاسدة لقوله: "وكان بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية". ومن فوائد الحديث: أنه إذا وجدت معاملة في الجاهلية ولم ينكرها الشرع فهي جائزة؛ لأن سكون الشرع عنها بدون إنكار يدل على إقرارها، ومن ذلك على رأي كثير من أهل العلم "المضاربة"، فإن الضاربة لم يأت فيها نص صريح في الإسلام لكنها كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الإسلام ولم ينه عنها، والمضاربة: هي أن تعطي شخصًا مالًا يتَّجر به وما حصل من الربح فهو بينكما على حسب ما تشترطانه وهي جائزة. ومن فوائد الحديث: أنه يشترط أن يكون الثمن معلومًا والمبيع معلومًا وأجَّل الثمن إذا كان مؤجلًا أن يكون معلومًا، أما الأول والثاني -وهو اشتراط علم المبيع وعلم الثمن- فهذا ظاهر، وأما اشتراط علم الأجل فقد ذكر أهل العلم أنه ليس شرطًا للصحة، فيصح البيع ولكن لا يصح الشرط، فيكون الثمن حالًا؛ يعني: أنه إذا أجَّل الثمن إلى أجل مجهول مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء بمائة ريال، فيقول: اشتريت إلى أن يقدم زيد، الأجل هنا مجهول لا ندري متى يقدم، يقول العلماء: الشرط فاسد والبيع صحيح؛ وذلك لأن البيع لم يتضمن نهيًا يعود إلى ذاته ولا إلى شرطه إنما الغرر في جهل التأجيل، وحينئذٍ نقول: إذا فسد الشرط -أعني: شرط التأجيل- يبقى البيع حالًا؛ لأن التأجيل فسد إذا صار حالًا وقال البائع للمشتري أعطني الثمن قال: ألسنا قد أجّلناه إلى أن يحضر زيد؟ قال: نعم ولكن هذا الأجل مجهول فهو باطل، نقول:

стр. 1736

للمشتري حينئذٍ الخيار؛ لأنه إنما اشترى على أن الثمن مؤجل، فإذا تبين أن الأجل فاسد قيل له: لك الخيار إن شئت الآن انقد الثمن، وإن شئت فافسخ البيع، فإن قال: أنا أريد أن أمضي البيع وأجعل الأجل معلومًا، فأقول: اشتريته بكذا إلى مدّة سنة، قلنا: هذا عقد جديد إن رضي البائع وإلا فلا. النهى عن بيع الولاء وهبته: ٧٦٣ - وعنه ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته". متَّفقٌ عليه. "الولاء"، يعني بذلك: ولاء العتق، وسبق أن الولاء عصوبة تثبت للمعتق وعصبة المتعصبين بأنفسهم، يعني: إذا أعتقت عبدًا صار لك ولاؤه، ترثه إذا لم يوجد عاصب من النسب، ولا صاحب فرض يستغرق، وكذلك تتولى ما يتولاه العاصب بالنسب إذا عدم العاصب بالنّسب، وسبق لنا أن الولاء يكون لمن أعتق، فلا يجوز لمن له الولاء أن يبيعه، فلو أن رجلًا أعتق عبدًا أو جاء إنسان آخر وقال بع عليّ ولاءك الذي ثبت لك إعتاق هذا الرجل فإن البيع لا يجوز، إذا قال قائل: لماذا لا يجوز؟ لأن النبي ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النَّسب"، يعني: التحام بين الناس كلحمة النّسب، فكما أن الإنسان لا يجوز أن يبيع نسبه فكذلك لا يجوز أن يبيع ولاءه، لو جاء شخص لآخر وقال: يا فلان، أنت أبو هذا الطفل، : قال نعم، قال: بع عليّ أبوّتك فلا يصح، كذلك لا يصح أن نبيع عليّ الولاء، هذا دليل من السنة، وهناك أيضًا دليل نظري أن الذي يشتري الولاء إنما يشتريه غالبًا من أجل ما يثبت له من العصوبة، والعصوبة مجهولة، لماذا؟ لأنه ربما يكون لهذا العتق عصوبة نسب يولد له أولاد بنون فتكون عصبته لهؤلاء الأولاد، أو يكون له أعمام من النَّسب أو إخوة من النسب، أو ما أشبه ذلك، ثانيًا: على فرض أنه لم يحصل هذا فالميراث الذي كنت تؤمّله من هذا العتيق قد يحصل وقد لا يحصل، قد يصرف المال الذي عنده وقد يزيد زيادة كبيرة، وقد ينقص، المهم أن الغرض الذي من أجله اشتريت ولاءه ربما تفقده، فلهذا صار بيع الولاء حرامًا، هبة الولاء كذلك لا تجوز، لو قال إنسان لصديق له: أنا أعتقت عبدي غانمًا وولاؤه لك هبة منِّي ماذا نقول؟ نقول: لا يجوز، فإن قال الثاني: وأنا أعتقت عبدي سالمًا فولاؤه لك لا يجوز أيضًا حتى لو تبادلا لا يجوز؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب. * * *

стр. 1737

النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر: ٧٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر". رواه مسلمٌ. سبق لنا مرارًا وتكرارًا معنى النهي وأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، وأن الأصل فيه التحريم إلا بدليل، فهنا نهى الرسول ﷺ عن نوعين من البيع، أحدهما داخل في الآخر: عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر، ما معنى بيع الحصاة؟ هل يعني هذا أنه إذا كان عندي حصاة لا يجوز لي أن أبيعها؟ لا، بل يجوز أن أبيع الحصاة، لكن النهي هنا عن البيع المنسوب للحصاة، فهنا الإضافة ليست إضافة على تقدير اللام، بل هو على تقدير "من"؛ يعني: بيع من الحصاة، يعني: من أنواع البيوع التي للحصاة، فالإضافة هنا لأدنى ملابسة، وبيع الحصاة له صور: الصورة الأولى: أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي شاة من هذا القطيع وقعت فهي لك بكذا، فرمى الحصاة وسقطت على شاة هزيلة جدًّا اشتراها بمائة وهي لا تساوي عشرين، فيكون قد خسر، جاء عبد آخر فقال: بعت عليك الشاة التي تصيبها هذه الحصاة إذا رميتها، فرمى الحصاة وقد اشترى الشاة بخمسين فوقعت على شاة تساوي مائة فقد غنم المشتري وخسر البائع عكس الأولى، إذن هذا ضرر؛ لأن كل عقد دار بين الغنم والغرم فهو ضرر ميسر لا يجوز. الصورة ثانية: عندي أرض فجاء إنسان فقال: أريد أن أشتري منك قطعة من الأرض فقلت: خذ هذه الحصاة وارمها وإلى أي مدى تصل من الأرض فهو عليك بكذا، فرماها وكان نشيطًا وكانت الريح مستديرة له، يعني: تأتيه من ورائه، فرماها فوصلت إلى مائة متر، وهو اشترى بمائة درهم -مائة المتر تساوي ألف درهم- إذن كان غانمًا، العكس لو أنه قال: بعت عليك ما تصل إليه هذه الحصاة بألف درهم فرمى الحصاة وكانت الريح مستقبلة له، وعندما رمى أحسّ بأن كتفه انزلق، والحصاة وصلت قريبة جدًّا فيكون هنا خاسرًا، إذن هو ميسر لا يجوز. الصورة الثالثة: أن يأتي إلى صاحب دكان عنده بز فيقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي خرقة أو ثوب تقع فهو عليك بعشرة، فرمى الحصاة فأصابت ثوبًا يساوي عشرين، من الغانم؟ المشتري، ورجل آخر رمى الحصاة فأصابت ثوبًا يساوي خمسًا: الغانم البائع، إذن هذا ميسر لا يجوز، هذه ثلاث صور.

стр. 1738

الصور الرابعة: أن يضم يديه على حصى، يعني: أن يأخذ كومة من الأرض حصى، ولنفرض أن أرضًا فيها حصباء فأخذ بيده وقال: بعتك من هذا القطيع عدد ما في يدي من الحصاة بألف درهم فقال: قبلت، عدّ فعدّ يمكن الحصى أن يطلع كثيرًا ويمكن أن يطلع قليلًا حسب اليد وحسب صغر الحصى وحسب جودة الكمش، هذا أيضًا غرر، والعكس لو قال: بعتك هذا القطيع بعدد ما في يدك من الحصى من الدراهم، الأول قدَّرنا المبيع، وهنا قدَّرنا الثمن، نقول: هذا أيضًا لا يجوز من أجل الجهالة، هذه خمس صور. وهناك أيضًا صورة سادسة: بأن يقول: بعت عليك ما يزن مائه من الحصى ومن هذه الأرض بكذا وكذا، وهو لم يعين الحصاة، نقول: هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه مجهول، وبهذا تبين أن بيع الحصاة داخل في قوله: "وعن بيع الغرر"، وهذا في الحقيقة يعتبر قاعدة؛ أي: أن كل بيع فيه غرر فهو منهيٌّ عنه، والغرر كل ما فيه جهالة واحتمال فهو غرر، وعلى هذا فعطفه على بيع الحصاة من باب عطف العام على الخاص، وهذا سائغ في اللغة العربية، فيكون الخاص الذي ذكر كأنه مثال مقدم لهذه القاعدة العامة. كلمة "غرر" قلنا: كل ما فيه جهالة واحتمال للغنم أو الغرم؛ لأن ذلك من الميسر، فإن حقيقة الميسر هي أنها معاملة تقع بين متغالبين، يكون أحدهما إما غانم وإما غارم، فبيع الغرر إذن من الميسر، والحكمة في النهي عنه ظاهرة جدًّا؛ لأنه إذا كان غانمًا أدّاه ذلك إلى الجشع والطمع والانسياق وراء المادة والدنيا؛ لأنه كسب، فيريد أن يستمر هذا الكسب، فتجده يلهو بدنياه عن دينه، وإن كان الأمر بالعكس بأن كان غارمًا ألحقه من الندم والحزن وكراهة صاحبه الذي غلبه ما يوجب العداوة بينهما، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]. فقال: ﴿فى الخمر والميسر﴾، وواضح في هذا أن المغلوب -حتى وإن كانت المعاملة باختياره- لا بد أن يقع في قلبه شيء، فتبيّن أن الميسر ضرر على المغلوب والغالب جميعًا؛ لأن الغالب يكون في نفسه حب الغلبة والظهور والجشع والطمع وحب المال والانصراف به عما خلق له لأنه يكسب، والنفوس مجبولة على محبة المال: ﴿وتحبُّون المال حبًّا جمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ٢٠]. ﴿وإنَّه لحبِّ الخير -يعني: المال- لشديدٌ﴾ [العاديات: ٨]. لهذا نهى النَّبيّ ﷺ عن بيع الغرر، فالحكمة إذن تقتضي النهي عن ذلك، وهذا النهي للتحريم، وقد علمنا من القاعدة المعروفة عند الفقهاء ﵏ أن كل شيء نهي عنه إذا فعل صار حرامًا من جهة الحكم التكليفي وفاسدًا من جهة الحكم الوضعي، والحكم الوضعي هو ما

стр. 1739

يوصف به العقد أو الفعل من صحة أو فساد أو شرط أو مانع أو سبب، يعني: هذه الأشياء ليست تكليفية فلا يقال فيها حرام أو واجب، فهي أحكام وضعية بمعنى: أن الشارع وضعها علامة على النفوذ أو عدم النفوذ، المهم: أنه إذا وقع بيع الغرر فهو حرام، والمتعاقدان آثمان، والبيع فاسد باطل يجب ردّه. "بيع الحصاة"، هذه البيوع السابقة كلها فاسدة مع الإثم ويجب ردّها، "بيع الغرر" كثير جدًّا له مئات الصور نذكر منها الآن، أولًا: بيع الحمل غرر؛ لأنه إن ظهر سالمًا متعددًا غنم المشتري، والعكس بالعكس، ومن بيع الغرر: أن يبيع العبد الآبق؛ أي: الذي هرب عن سيده هذا إذا باعه فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه غير مقدور على تسليمه، يمكن أن يأتي ويمكن ألَّا يأتي، إن جاء فالغانم المشتري وإن لم يأت فالغانم البائع، والمشتري غارم. فإن قال قائل: لا يمكن أن يكون المشتري غانمًا لأن المشتري قد بذل الثمن. فالجواب: أن المشتري للآبق لا يمكن أن يشتريه بقيمة الحاضر المقدور عليه، إذا كان هذا العبد يساوي مائة فيشتريه بخمسين مثلًا فحينئذ إن وجده صار غانمًا، وإن لم يجده فهو غارم خمسين بدون فائدة، الجمل الشارد كذلك فمثلًا: إنسان له جمل شارد، يعني: هارب من أهله لا يجوز بيعه، لماذا؟ لأنه غير مقدور عليه قد يأتي وقد لا يأتي، والجمل في المرعى مقدور عليه، فلو باع عليه جمله الذي في المرعى صح؛ لأنه مقدور عليه بخلاف الشارد الذي هرب. ومثله بيع طير في هواء، مثل: أن يكون له حمام ليس في الأبراج فيبيعه، هذا البيع أكثر العلماء على عدم الصحة وقالوا: لأن الطير في الهواء غير مقدور عليه، وبعضهم يقول: إن ألف الرجوع جاز بيعه، وإلا فلا يجوز، وهذا التفصيل لا شك أنه يجري على القواعد؛ لأنه إذا ألف الرجوع فهو كالبعير الذي في المرعى يأتي في آخر النهار وهذا أيضًا يأتي في آخر النهار

стр. 1740

ويحصل، إذا باع عليه دينًا في ذمة شخص لا يجوز هذا هو المشهور من المذهب، مثل رجل يطلب شخصًا ليأخذ مائة صاع برّ له في ذمته فباعه على زيد فإنه لا يجوز؛ لأنه غير مقدور عليه، قد يحصل وقد لا يحصل، ربما يفتقر هذا المطلوب وربما يموت وينكر الورثة وربما يجحد، المهم: أنه غير مقدور عليه، فلا يجوز بيعه، أما بيعه لمن هو عليه فجائز بشرط ألا يربح البائع بأن يبيع بسعر المثل فأقلّ مثل لو كان في ذمته لي مائة صاع برّ، والصاع في السوق يساوي أربعة ريالات وقال: غدًا تبيع عليَّ الأصواع التي في ذمتي؟ قال: أبيع عليك الصاع بخمسة ريالات هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النَّبيّ ﷺ عن ربح ما لم يضمن، والشيء الذي في ذمة غيرك لك ما دخل في ضمانك حتى الآن، فإذا بعته بربح فإنك تكون قد وقعت فيما نهى عنه الرسول ﷺ ، ولهذا قال الرسول ﷺ لابن عمر لما سأله أن يبيع الإبل بالدراهم ويأخذ معها الدنانير وبالدنانير ويأخذ عنها الدراهم قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء، رجل باع دراهم له عند شخص بسعر يومها فهذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه محظوران: المحظور الأول: عدم القبض وهذا يجري فيه الربا ربا النّسيئة، والثاني: أنه في ذمة الغير، فإن بعت هذه الدراهم بدراهم أو بدنانير على الذي في ذمته هذا يجوز: "ما لم تتفرقا وبينكما شيء"، فإذا كانت في ذمته لي ألف درهم وبعته عليه بمائة دينار يجوز، لكن بشرط أن يسلمني مائة الدينار قبل التفرق؛ لأن بيع الذهب بالفضة يجب فيه التقابض قبل التفرق. يوجد شرط آخر: وهو أن تكون بسعر اليوم أو أقل لا بأكثر، فمثلًا الألف درهم إذا كانت تساوي مائة دينار وبعتها عليه بمائة وعشرين دينارًا فالبيع غير صحيح، لأني بعتها عليه بأكثر من سعرها، إن بعتها بمائة يصلح مع التقابض، إن بعتها بثمانين يصلح، لكن قد تقول: إنك إذا بعتها بثمانين خالفت ظاهر حديث ابن عمر: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، فإن ظاهره ألَّا تأخذ بأقل ولا بأكثر، والجواب على ذلك أن يقال: إن المقصود من قوله: "بسعر يومها" ألا يزيد، أما إذا كان ينقص فهذا إحسان، ويدل على ذلك أن المنهي عنه هو الربح فيما لم يضمن، أما إذا بعت بالمائة فجائز، وإذا بعت بأقل فيكون أجود؛ لأن هذا فيه رفق بالمطلوب بدل ما أبيع عليه ألف درهم بمائة دينار أبيع عليه بتسعين دينار، يكون في هذا إحسان إليه -والدراهم والدنانير ليس فيها ربا- ولهذا اشترطنا التقابض قبل التفرق. المهم: أن القاعدة في بيع الغرر صوره لا تحصى، بل القاعدة في ذلك: أن يكون مجهولًا ومحتملًا إنسان وقّف المبيع ومعه سيارة مشحونة بالحبحب أو بالجح، فقال له: أبيعك هذه كل واحدة بدرهم هل يجوز؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه يمكن أن يكون في الأسفل جح لوحده صغيرة

стр. 1741

فتأخذ عليه دراهم كثيرة وهي لا تساوي ربع القيمة، لو قال: أبيعها عليك كلها هكذا كما ترى هذا جائز؛ لأنه باع عليه الكومة ما باع عليه بالعدد، رجل أراد أن يشتري من شخص البضاعة التي في الدكان وقال: آخذ منك هذه البضاعة كل حبة منها بدرهم هذا لا يجوز لأنه غرر، يمكن أن تكون حبة تساوي عشرة وحبة لا تساوي ريالًا، الآن هناك دكاكين يقولون: كل شيء بعشرة ريالات، هذا ليس فيه غرر؛ لأنه يقول: خذ الذي تبغي خذ ما تشاء، لكن لو قال قائل: يوجد غرر على البائع لأن البائع يوجد قطع اشتراها بعشرين مثلًا نقول: البائع لا بد أنه قد عرف كيف يخرج يعرف من أين تؤكل الكتف -والله أعلم- إن كل البضاعة التي عنده أعلاها بعشرة فيكون رابحًا. على كل حال: إذن ليست في المسألة جهالة؛ لأن المشتري سوف يختار، والبائع نعلم -والعلم عند الله- أنه قد عرف المخرج، إذن القاعدة فهمناها، الصور لا تحصى وربما يأتي صور لا تخطر على بال العلماء ولكنها داخلة في هذه القاعدة العامة. في هذا الحديث: نهي عن بيع الحصاة، ولقد سبق لنا شيء من صوره، والأصل في النهي التحريم، والأصل فيما كان محرمًا أن يكون فاسدًا، إذن فبيع الحصاة يترتب عليه أمران: إثم المتعاملين وفساد العقد، فإن كانا جاهلين سقط الإثم وفسد العقد. ومن فوائده: النهي عن بيع الغرر كل غرر والنهي يقتضي الفساد. ومن فوائده أيضًا: أن رسول الله ﷺ أعطي جوامع الكلم، ويحب هو أيضًا جوامع الكلم حتى في الدعاء كان يدعو بجوامع الكلم ويدع ما سوى ذلك، وبهذا نعرف خطأ أولئك الذين يأتون بأدعية طويلة عريضة مسجوعة وهذا خلاف سنة الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: حرص الشارع على تجنب كل ما يكون سببًا للعداوة والبغضاء، ومن أجل ذلك نهى عن بيع الغرر والحصاة. ومنها أيضًا: حرصه على أن ينهى عن كل شيء يكون سببًا للطمع والجشع والتكالب على الدنيا يؤخذ أيضًا من النهي عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. ويستفاد من الحديث: بلاغة النبي ﷺ ؛ حيث يذكر بعض أفراد العام ليكون كالمثال له لقوله: بيع الحصاة وعن بيع الغرر. ويستفاد من الحديث: النهي عن الإجارة إذا تضمنت غررًا، ووجهه: أن الإجارة نوع من البيع فهي بيع منفعة إلى أجل مسمى، الإجارة إلى مدة مجهولة لا تصح؛ لأنها غرر، وهل يستثنى من بيع الغرر شيء؟ الجواب: يستثنى منه ما جرى به العرف ولم يعده الناس غبنًا مثل

стр. 1742

أساسات الجدران، الحصى المدفون في الأرض، أو ما يسمى عندنا بالقواعد، هذه يغتفر فيها الجهالة لأن الناس لا يعدون ذلك غررًا، ولأن إلزام الإنسان بأن يحفر ذلك فيه مفسدة أكثر، لو أن واحدًا باع عليك فلَّة نقول: البيع هذا غرر، لماذا؟ قال: لم أر القواعد، ماذا تريد؟ قال: أحفر حتى أرى القواعد، هذا معناه: تكسر البناء، إذن هذا مما لا يعده الناس غررًا ولا يلتفتون إليه، نعم لو فرض أن هذه العمارة حول أرض قد تنهار فهذا ربما يطابق، يعني: حولها مثلًا مياه جارية ويخشى أن تنهار، فقد يقال: إنه لا بد من الاطلاع على المدفون، وأما العادي فهو عادي. بيع الفجل والبصل وشبهه هل يجوز؟ قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن المقصود منه مستتر في الأرض، والمستتر مجهول، وهذا هو المشهور من المذهب، وإذا كان مجهولًا فهو غرر فلا يصح بيعه، بيع أوراقه الظاهرة يجوز، لكن الكلام على بيع الثمرة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جواز بيعه وقال: إن هذا مما يعرفه أهل الخبرة يعرفون المندفن بما ظهر؛ أي: بأوراقه وقوتها، وما زال الناس يتبايعون هذا من غير نكير، وعليه فإذا كان في حياض من البصل وجاء صاحبها ليبيعها المذهب لا تباع حتى تنبش وترى، والقول الثاني: تباع وإن لم تنبش لأن هذا معلوم عند أهل الخبرة وليس فيه غرر. مسألة: هل يجوز بيع المسك في فأرته ؟ الفأرة: وعاء المسك، نقول: إن هذا ليس فيه غرر عند الناس؛ لأن الناس يعرفون ذلك لكنه لا يباع إلا على صاحب خبرة يعرف ذلك، فالمهم أن هذه المسائل منها ما هو متفق على جوازه كأساسات الحيطان، ومنها ما هو مختلف فيه كالبصل والفجل وشبهه، ومنها ما هو متفق على منعه كالأمثلة التي سبقت لنا. بيع الجهالة: ٧٦٥ - وعنه ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتَّى يكتاله". رواه مسلمٌ. الجملة هنا شرطية، أداة الشرط فيها "من"، وجواب الشرط "فلا يبعه"، واقترن الجواب بالفاء؛ لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة طلبية وجب اقترانها بالفاء كما قال الناظم: اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس

стр. 1743

وقوله: "حتى يكتاله" هذا إذا بيع كيلًا، أما إذا بيع جزاقًا فيباع وإن لم يكتل لأنه لا حاجة لاكتياله. الطعام ما هو؟ الطعام: كل ما يؤكل، ولكن قوله: "حتى يكتاله" يدل على أن المراد به: الطعام الذي يجري فيه الكيل البرّ والشعير والتمر والزبيب والأقط والرز والذُّرة وما أشبه ذلك، المهم الذي يؤكل ويكال إذا اشتريته فلا تبعه حتى تكتاله، مثال ذلك اشتريت من صاحب المزرعة هذه الكومة من الحبّ كل صاع بدرهم فجاءني شخص وقال: بع عليّ هذا البرّ الذي اشتريته من فلان، هل يجوز؟ لا، حتى أكتاله أولًا ثم أبيعه بعته عليه، فإذا قال: بعه عليّ وأكتاله أنا بالوكالة عنك؛ نقول: لا يصح، ولا يمكن أن أبيعه، أوكِّلك في قبضه لا بأس، اذهب واكتله نيابة عني، ثم إذا اكتلته وتمّ اكتياله [سلمه لي] وأبيع عليك، ما الحكمة من عدم البيع؟ للجهالة، لأنه لا يتحقق الغابن إلا بالاكتيال قد ينقص وقد يزيد، والعادة أن هذه الحبوب كلما مضى عليها وقت تنقص إلا إذا كان الجوّ فيه ندى هذه ربما تزيد وإلا فالأصل أنها كلما مضى عليها وقت يبست، وحينئذٍ إن زادت صار الغبن على المشتري وإن نقصت صار الغبن على البائع، فأنا أكيلها أولًا ثم بعد ذلك أبيعها إن نقصت بعد الكيل كان عليّ وليس على البائع، فلهذا نهى النبي ﷺ عنها، وهنا نسأل هل يقاس عليه غيره، مثل: أن يبيع شيئًا يوزن فنقول: لا تبعه حتى تزنه؟ الجواب: نعم، نقول: إذا باع الإنسان شيئًا يوزن فلا يبعه حتى يزنه؛ لأن العلة واحدة وهي احتمال الزيادة والنقص، ولأن متعلقات البيع الأول لم تتم بعد فيبيعه وقد تعلق به شيء من تمام العقد الأول وهو الكيل أو الوزن، هل يقاس على ذلك ما يباع بالعدد؟ مثل أن أقول: بعتك هذا التفاح كل واحدة بكذا وكذا، أو هذا البيض كل واحدة بكذا وكذا وأنا قد اشتريتها من فلان عددًا؟ الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة. وهل يقاس على ذلك ما بيع بالذرع مثل أن أبيعك هذه الطَّيَّة من الحبال كل متر بكذا وكذا؟ الجواب: نعم؛ لأنه يحتاج إلى ذرع، فإذا قال قائل: ما هي العلة؟ نقول: اختلف في هذا أهل العلم، فابن عباس ﵄ ذكر أن العلة أنه قد يتخذ حيلة، أو أنه يشبه بيع دراهم بدراهم إذا اشتريته منك أيها البائع وهو عندك لم أكله أو لم أزنه أو لم أعده اشتريته بمائة ثم بعته قبل أن أقبضه على زيد بمائة وعشرين، السلعة ليست بيدي الآن ولا تحت قبضتي وإنما السلعة تحت قبضة البائع، يقول: فكأنه باع دراهم بدراهم، الدراهم التي أعطاها البائع أو التي هي ثابتة في ذمته لم يسلمها بعد وأخذ من المشتري الثاني الجديد دراهم كأنه باع الدراهم التي سلمها للبائع أو التي في ذمته الآن بالدراهم التي أخذها من المشتري الجديد، ولهذا قال: تلك دراهم بدراهم فهي تشبه بيع الدراهم بالدراهم؛ لأن المشتري الأول لم يقبض السلعة ولم يكتلها هذا

стр. 1744

واحد، وبعضهم علل بأن البيع الأول لم يتم بعد؛ لأن فيه شيئًا من متعلقاته وهو الكيل أو الوزن أو العدد أو الذّرع، فهو إلى الآن لم يتخلص من متعلقات البيع الأول، فإذا باعها أدخل بيعًا على بيع، ومن العلماء من علل بأن المشتري ربما يبيعها بأكثر مما اشتراها، فما هو الغالب خصوصًا الذي يشتري السلع الغالب أنه لا يبيع إلا بربح، فإذا علم البائع الأول ربح المشتري فإنه يماطل في التسليم، وربما يتحيل على إبطال البيع بأي سبب لأجل أن يحرم المشتري هذا الربح الذي هو إلى الآن في قبضة البائع، وهذا الأخير علل به شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا قال: إنه لو باعه بدون ربح فلا بأس، أو باعه على البائع الذي باع عليه فلا بأس، لكن لا شك أن هذه العلة التي ذكرها شيخ الإسلام تستلزم تخصيص العموم؛ لأن الحديث عام: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه أو حتى يكتاله". فنقول: الحديث عام، وتخصيص العموم بعلة مستنبطة لم ينص عليه الشرع فيه نظر، لماذا يكون فيه نظر؟ لأنه من الجائز ألا تكون هذه هي العلة، وهذا واقع، ولهذا لم يعلل ابن عباس بهذا الشيء، إنما علل بأن دراهم بدراهم. وعلى هذا فنقول: إن ظاهر الحديث يدل على أنه لا يجوز بيعه لا على البائع ولا على غيره بدون ربح، بل الحديث يدل على منع البيع على البائع وعلى غيره بربح وبغير ربح، نحن قسنا على الطعام المكيل كل شيء بيع بالوزن أو بيع بالعدّ أو بيع بالذّرع، قلنا: العلة هي عدم الاستيفاء في كل منها، ولكن روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، أو قال: "حتى يقبضه"؛ قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، فكأنه يرى ﵁ أن الحديث عام في القياس. فعلى هذا نقول: كل شيء يباع قبل قبضه فبيعه منهي عنه، سواء بيع بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع أو بيع بغير ذلك، ويؤيد هذا العموم ما رواه ابن عمر وزيد بن ثابت من أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، والمراد: حتى يحوزوها على مكان لا يختص بالبائع، فهذا الحديث عام، حتى قال ابن عمر: كانوا يضربون على بيعها قبل أن يحوزوها إلى رحالهم، وهذا يدل على أن كل شيء لا يباع حتى يقبض، وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن جميع الأشياء المبيعة لا تباع حتى تقبض؛ لأن ذلك أبعد عن التنازع فيما إذا حصل ربح وعن التنازع فيما إذا أراد البائع أن ينكد على المشتري ويفسد سمعته بين الناس، فكونه لا يبيع إلا إذا قبض لا شك أنه أولى وأحوط لأنه عام.

стр. 1745

وقد يقول قائل: هل النهي للكراهة أو للتحريم؟ نقول: إن كون الناس يضربون على ذلك يدل على التحريم وأنه لا يجوز. بقى علينا أن نقول: القبض كيف يكون؟ نقول: من الأشياء ما لا يمكن نقله فهذا قبضه بتخلي البائع عنه، لو باع عليه أرضًا هل نقول: لا تبع الأرض حتى تحوزها إلى رحلك؟ هذا لا يمكن، إذن كيف يقبضها بالتخلي عنها؟ نقول: هذه أرضك خذها، إذا باعه دارًا يقبضها المشتري بالتخلية وتسليم المفتاح، إذا باع شيئًا منقولًا فقبضه بنقله، فإن احتيج إلى عدٍّ أو ذرع أو كيل أو وزن فليضف إلى القبض، فلو باع عليك مثلًا هذا الكيس من البرّ كل صاع بدرهم وحملت الكيس إلى بيتك لا يكفي هذا بل لا بد من كيله، لقوله في هذا الحديث: "حتى يكتاله"، إذن ما يحتاج إلى توفية بعد أو ذرع أو كيل أو وزن فإنه يضاف إلى قبضه، اشتراط التوفية يعني: الاستيفاء، ولهذا في بعض الألفاظ في حديث ابن عباس: "حتى يستوفيه"؛ لأنه إذا استوفاه انقطعت علق البائع الأول عنه نهائيًّا ولم يبق له فيه أي تعلق. من فوائد الحديث: تحريم بيع الطعام إذا بيع بكيل حتى يكتال. ومن الفوائد: أن غير الطعام مثله بالقياس. ومن فوائد الحديث: أن الشارع له نظر في إبعاد الناس عن كل معاملة يمكن أن يحصل فيها نزاع؛ ولهذا نهى عن بيع هذا الشيء حتى تنقطع علق البائع الأول عنه نهائيًّا لئلا يحصل النزاع. ومن فوائده: أن الإنسان لا يتصرف في الشيء حتى تكون قبضته عليه على وجه تام؛ يعني: حتى يكون في قبضته لئلا تخلف المسألة فيقع في حرج، ولهذه الفائدة مسألة في الحديث الذي بعده حديث عمرو بن شعيب ﵁. النهى عن بيعتين في بيعة: ٧٦٦ - وعنه ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعةٍ". رواه أحمد، والنَّسائيُّ، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان. - ولأبي داود: "من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الرِّبا". الحديث الأول معناه: أنه لا يجوز لإنسان أن يبيع بيعتين في بيعة؛ أي: في صفقة واحدة، ولننظر هل هذا ظاهر المراد، لو قلت: بعتك هذا الشيء على أن تشتري مني الشيء الآخر، هذا

стр. 1746

يكون بيعتين في بيعة هذه صورة، أريد أن أشتري منك سكرًا مثلًا فقال: بعتك هذا السكر بشرط أن تشتري مني الرز فأقول: قبلت، هذا بيعتان في بيعة، ثانيًا: قال: بع عليّ بيتك، فقال: لا أبيعه حتى تبيع عليّ بيتك، هذا أيضًا بيعتان في بيعة، لكن الفرق بينها وبين الأولى أن البيع في الأولى من رجل واحد والبيع في الثانية: بعتك هذا على أن تبيع هذا، هذا بيعتان في بيعة، فهل هذا هو المراد؟ نقول: رواية أبي داود تدل على أنه غير مراد؛ لأنه قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الرِّبا"، والصورتان اللتان ذكرناهما ليس فيهما ربا ولا فيهما أوكس ولا أكثر، فيهما أني أبيعك بيتي على أن تبيعني بيتك، أو أبيع عليك هذا الشيء على أن تشتري مني الشيء الآخر، وليس فيه وكس ولا زيادة. وعلى هذا فنقول: إن مقتضى رواية أبي داود ألا تدخل الصورتان المذكورتان في نهيه عن بيعتين في بيعة ويؤيد ذلك أن الصورتين المذكورتين ليس فيهما محظور شرعي؛ إذ لا مانع لو أنني قلت: بعت عليك هذا السكر وهذا الشاي بألف ريال، هذا جائز بالاتفاق، فلا فرق بين أن أقول: لا أبيعك هذا السكر حتى تشتري هذا الشاي، فإذا جمعت بينهما بشرط فإن الأمر لا يتغير عما إذا جمعت بينهما بغير شرط، وحينئذٍ يكون لا محظور في المسألة. كذلك أيضًا إذا قلت: لا أبيعك بيتي حتى تبيعني بيتك، ما المحظور؟ إن رضيت بهذا الشرط فاقبل البيع إذا لم ترض فاترك، وأنا قد يكون لي نظر في هذا، قد لا أريد عليك بيتي فأبقى بلا بيت حتى تبيع علي بيتك، والبيتان لا يجري فيهما الربا حتى نقول: ربما يتخذ وسيلة إلى الربا، فما دامت المسألة ليست فيها محظور شرعي وأن جمعهما لا بأس به بدون شرط وجمعهما بالشرط لا بأس به: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا"، وهذا الشرط لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، أرأيت لو قلت: بعتك بيتي بيتك واتفقنا على هذا فيجوز بالاتفاق، فالمسألة هذه بعتك بيتي على أن تبيعني بيتك ليس بينهما فرق ولا بين تلك، إلا أننا قدرنا الثمن في الأخير دون الأول، فيجب على هذا أن يحمل على رواية أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، وحينئذٍ نقول ما معنى "أوكسهما"؟ أي: أنقصهما أو الربا إن لم يكن له أنقصهما؛ يعني: إن كان له الأكثر وقع في الربا وإن كان له الأقل لم يقع في الربا، ما صورة ذلك؟ لهذا صورتان: الصورة الأولى: أن يقول: بعتك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فهنا إن أخذ بالعشرة نقدًا لم يقع في الربا، وإن أخذ بعشرين نسيئة وقع في الربا، هذه صورة. فإذا قال قائل: أين البيعتان؟ قلنا: واحدة بعشرة وواحدة بعشرين، المبيع واحد، والبيعتان هما الثمنان إما عشرة نقدًا وإما عشرون نسيئة.

стр. 1747

الصورة الثانية: أن المراد بذلك: مسألة العينة وهي أن يبيع الإنسان شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا، قالوا: فهاتان صفقتان في صفقة؛ أي: في مبيع واحد، وتحمل البيعة هنا على المبيع، يعني: باع بيعتين في بيعة، فهذا هو الذي له أوكسهما، والصورة أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا، فهنا بيعتان البيعة الأولى بثمن مؤجل، والبيعة الثانية بثمن حاضر نقول للذي باع البعير: أنت الآن لك أوكسهما أو الربا، كيف ذلك؟ يعني: إما أن تقتصر على الثمن الأقل وإلا وقعت في الربا، الثمن الأقل ثمانون والأكثر مائة، إذا أخذها بثمانين فلا ربا؛ لأنه باع بمائة واشتراها بثمانين، المشتري لم يأخذ إلا الثمانين فلم يأخذ ربًا، فإن أخذ بالأكثر أخذ بالربا، من الذي يأخذ بالأكثر؟ البائع الأول باعها بمائة فقد أخذ بالربا، وإن اقتصر على الثمانين لم يأخذ بالربا، إذا اقتصر على الثمانين هل يلحق المشتري شيء؟ لا؛ لأنه اشتراها بثمانين وقد باعها بثمانين وانتهى كل شيء. الصورة مرة ثانية: بعت عليك هذه الناقة بمائة إلى سنة، الثمن الآن مؤجل ومقداره مائة إلى سنة، ثم رجعت إليك واشتريتها منك بثمانين نقدًا، البعير ردت لي الآن وثبت لك في ذمتي مائة، إذن كأنني أعطيته ثمانين بمائة، وهذا ربا، فإن قلت له: أنا الآن أشتريها بثمانين ولا أريد منك الزائد فقد أخذت بأوكسهما، البيعة الأولى بمائة وهذه البيعة بثمانين أخذت بأوكسهما وسلمت من الربا، فإذن يكون المراد بالبيعتين في بيعة: مسألة العينة. إذن للحديث معنيان: المعنى الأول: أن يبيع عليه الشيء بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة مؤجل هذا بيعتان في بيعة وهذا لا يجوز، الصورة الثانية: مسألة العينة أن يبيعه شيئًا بمائة مؤجل ثم يشتريه بثمانين نقدًا، ثمانين يسلمها للمشتري الذي اشترى منه أولًا، البائع الأول يسلم للمشتري الأول ثمانين وباقي في ذمته مائة، زيد باع على عمرو هذه الناقة بمائة إلى سنة، كم يثبت في ذمة عمرو لزيد؟ مائة، ثم رجع زيد فاشتراها بثمانين نقدًا وسلّمه الثمانين، كم في ذمة عمرو لزيد؟ مائة كأن هذا -أعني: زيدًا- أعطى عمرًا ثمانين بمائة إلى سنة. الحديث يقول: "له أوكسهما أو الربا"، ما أوكسهما؟ ثمانون أو الربا، نقول: أنت الآن يا زيد إن أخذت من عمرو مائة وقعت في الربا؛ لأنك أخذت أكثر مما أعطيت؛ لأنك أعطيت ثمانين، وإن أخذت ثمانين فقط عند تمام السنة خرجت من الربا، فإذا تمت السنة قلنا: يا زيد تعال، إن أخذت المائة وقعت في الربا وإن أخذت بالثمانين خرجت من الربا، فلك أوكسهما بدون ربا، أو الربا إن أخذت الأكثر، عندنا الآن تفصيل للفظ الأول نهى عن بيعتين في بيعة، وبيّنا أن التفسير الذي فسر به ظاهر اللفظ غير مراد، وهو أن أقول: لا أبيع عليك هذا الشيء حتى تشتري هذا الشيء أو لا أبيع عليك هذا الشيء حتى تبيعني هذا الشيء، ها صورتان، وقلنا: إن هذين غير مرادين،

стр. 1748

فالمسألة الثانية قلنا: فسر الحديث بتفسيرين: إما أن المعنى أبيعك إياه بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة إلى سنة تفسير آخر يقولون: مسألة العينة وهي: أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقدًا بعت على زيد بعيرًا بمائة إلى سنة ثم اشتريتها بثمانين نقدًا؛ أيُّ التفسيرين أولى بالمطابقة بالحديث؟ الثاني؛ لأن بيعتين في بيعة بيّنها الرسول ﷺ : "فله أوكسهما أو الربا" وعلى هذا فيكون المراد بالبيعتين: مسألة العينة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فنقول للبائع: الآن إذا تمت السنة إما ألا تأخذ إلا ثمانين الذي أعطيته فتكون قد سلمت من الربا أما إذا أخذت المائة ثمن البيع الأول فإنك تقع في الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنك أعطيته ثمانين بمائة وأدخلت بينهما بعيرًا، ولهذا قال ابن عباس ﵄: هي دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ يعني: ثوب، نقول: هنا في مثالنا دراهم بدراهم دخل بينهما بعير، الصورة الأولى في التفسير الثاني، وهي: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة ما وجه إدخالها في الحديث؟ قالوا: لأن هذا ربا لأنك زدت الثمن في مقابل الأجل هذا واحد، ولأن هذا جهالة لأن الثمن لم يستقر، أنت تقول: بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، إذن المشتري هل يلتزم بعشرة أو يلتزم بعشرين، والبائع لا يدري هل الذي حصل له عشرة أو عشرون، إذن فالمسألة فيها جهالة وفيها ربا، إذن فتكون داخلة في الحديث، ولكن عند التأمل يتبين أن الحديث لا يراد به ذلك أولًا: استنادًا إلى لفظ أبي داود، وثانيًا: أن قول البائع: بعتك هذا بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة ليس فيه ربا وليس فيه غرر، ليس فيه ربا لأنني لم أبدل دراهم ثمانين بمائة وإنما الزيادة في ثمن السلعة، فكما أني لو قلت: السلعة هذه تساوي ثمانين لكن لا أبيع عليك إلا بمائة زدت كم؟ عشرين وهذا ليس بربا، فأنا إذا أجلت هذه المائة عليك أفدتك خيرًا، إذا كان يجوز أن أبيع ما يساوي ثمانين بمائة نقدًا فلماذا لا يجوز أن أبيع ما يساوي ثمانين بمائة نسيئة من باب أولى؟ ثانيًا: قولهم: إن هذه جهالة، نقول: ليس بجهالة؛ لأن المشتري لا يمكن أن يفارق المكان حتى يقطع الثمن: وما هو الثمن؟ ثمانين أو مائة، صحيح الذي يذهب وهو غير قاطع للثمن فهو جهالة، ولكن لا نأخذها من هذا الحديث بل من أحاديث أخرى وهي جهالة الثمن، أما إذا قال: خذ هذه أنا أبيع عليك بثمانين نقدًا أو بمائة إلى سنة صار معلومًا ما تفرقنا حتى قطعنا الثمن وعرف المشتري أن عليه مائة سنة والبائع أن له مائة ولا إشكال. فتبين الآن أن أصح ما يفسر به الحديث مسألة العينة؛ لأنا فسرنا قول الرسول ﷺ بقول الرسول ﷺ ، ولا أحسن من تفسير الحديث بالحديث، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا أمكن أن يفسر كلام المتكلم بكلامه فهو أولى من أن يفسر بكلام غيره؛ لأنه أعلم بمراده، والمسألة لا

стр. 1749

تنطبق أبدًا إلَّا على مسألة العينة، أما بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة لكن بشرط ألا يتفرقا حتى يقطع الثمن، أو يقول: لك الخيار يومًا أو يومين، فإذا أخذه على هذا الشرط فلا بأس. من فوائد الحديث: أولًا: أن الربا محرم؛ لقوله: "أوكسهما أو الربا"؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان لن يخسر الأوكس إلا إذا كان الأكثر ممنوعًا وإلا فلا. ثانيًا: فيه دليل على تحريم الحيل وأنها لا ترفع الأحكام، فمن تحيل على إسقاط واجب لم يسقط الواجب، ومن تحيل على فعل محرم لن يبح المحرم، مثال الأول: لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر فالسفر مبيح للفطر، ولكن إذا سافر من أجل أن يفطر فقد تحيل على إسقاط واجب يفعل شيء مباح فيكون هذا المباح محرمًا، ومثال الثاني: التحيل على المحرم وهو ينطبق على هذا الحديث الذي معنا. وفيه: دليل على أن الإنسان إذا عامل معاملة ربويّة فالواجب عليه حذف الربا لقوله: "فله أوكسهما"؛ لأنه إن وقع في الربا وقع في حرام فلم يبق إلا الأوكس، وهو لا يتحقق إلا بحذف الزيادة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أمالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٩]. ومن فوائد الحديث: إحكام الشريعة وإتقان سياجها وأنها شريعة جدٍّ لا لهوٍ ولعب، وذلك بتحريم الحيل؛ لأن الحيل نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا، كيف يحرِّم الله عليك هذا الشيء ثم تذهب وتلوذ من جهة أخرى لتصل إليه بأدنى وسيلة، فالشريعة شريعة جدٍّ وصراحة وليست شريعة لهو وتحيل وهزوٍ. السلف والبيع: ٧٦٧ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". رواه الخمسة وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة والحاكم. - وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة، عن عمرٍو المذكور بلفظ: "نهى عن بيعٍ وشرطٍ" ومن هذا الوجه أخرجه الطَّبرانيُّ في الأوسط وهو غريبٌ. أولًا: نفي الحل يقتضي التحريم، وإن كان بعض العلماء قال: قد يقتضي الكراهة؛ لأن ضد الحل شيئان هما الكراهة أو التحريم، لكن هذا خلاف الظاهر، فإن الله تعالى يجعل الحل

стр. 1750

كتاب البيوع مقابل الحرام لا مقابل المكروه، قال الله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾ [النحل: ١١٦]، فإذا نفى الضد ثبت ضده، فنقول: ظاهر الحديث أن نفي الحل هنا يعني التحريم. وقوله: "سلف وبيع"، السلف: التقديم ومنه الحديث في زيارة القبور: "أنتم سلفنا ونحن في الأثر"، ومنه حديث ابن عباس: "قدم النبي ﷺ وهم يسلفون في الثمار" أي: يقدمون القيمة على الثمن الذي يأتي في السنة المقبلة، فالسلف: الشيء المقدم، ويحتمل أن يكون السلف اسم مصدر بمعنى: تسليف، لكن المراد به التقديم، "بيع" البيع المعروف هو تبادل الشيئين على وجه التأبيد، والواو هنا في قوله: "وبيع" للجمع لا للتفريد، لأن السلف وحده حلال، والبيع وحده حلال لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] لكن المراد: الجمع بين السلف والبيع. فما هذه الصورة التي فيها السلف والبيع؟ قال بعض العلماء: السلف والبيع أن يقول: أسلفتك مائة درهم بمائة صاع من البُرّ إلى سنة على أن تبيعني بيتك، فهنا جمع بين السلف الذي هو السلم وبين البيع، وهذا عائد إلى تفسير البيعتين في بيعة، وهو أن يشترط عقد في عقد، فعلى هذا يفسر السلف والبيع بما فسر به بيعتان في بيعة، وقيل: معنى السلف هنا: القرض، يعني: لا يحل لإنسان أن يجمع بين قرض وبيع، مثل أن يقول: أبيعك داري بألف على أن تقرضني ألفًا قالوا: هذا لا يحل، لماذا؟ لأن الغالب أن هذا الشرط يكون فيه مصلحة للمقرض وكل قرض جر نفعًا فهو ربًا، فأنت إذا قلت: أبيعك هذا البيت على أن تقرضني كذا، فإن هذا المشتري سوف ينتفع في الغالب، أو يقول مثلًا: لا أشتري هذا، أو يقول: أشتري منك هذا على أن تسلفني، يأتي إنسان يعرض عليك سلعة فتقول: أشتريها منك بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهنا انتفع المقرض، لأن هذه السلعة التي عرضها علي ربما لا تساوي مائة وأشتريها بمائة وعشرين من أجل القرض، وحينئذ يكون قد أقرضني بفائدة، ومعلوم أن القرض إذا جر منفعة فهو ربًا، لأن الأصل في القرض أنه من باب الإرفاق والإحسان، فإذا انضم إليه شيء من العوض صار ربًا، وصار ليس قصده الإرفاق والإحسان، هذه ثلاث صور: الصورة الأولى: أن المراد بالسلف هنا السلم، يعني: أن يسلم إليه دراهم بسلعة مؤجلة ويشترط عليه بيعًا مع هذا العقد، وعلى هذا التفسير يكون كقوله: "نهى عن بيعتين في بيعة" على أحد التفاسير السابقة، لكن هذا في الحقيقة ليس بصحيح، لأن الجمع بين عقدين على وجه ليس فيه محظور شرعي لا بأس به.

стр. 1751

الصورة الثانية: أن يقول: بعتك كذا على أن تقرضني كذا، يأتي يطلب منه أن يبيع عليك سلعته يقول: أنا أبغيك تبيع عليّ بيتك، فيقول: أبيعك بيتي بشرط أن تقرضني كذا وكذا، هذه لا تجوز، لماذا؟ لأنه جر نفعًا للمشتري حيث حصل مقصودًا من البيت بسبب إقراضه البائع، ولولا أن البائع باع عليه ما أقرضه. الصورة الثالثة: العكس ما هو؟ أن يقول: أشتري منك كذا بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهذا أيضًا لا يصح، فالإقراض تارة يكون من البائع وترة من المشتري وكلاهما فيه: إخراج للقرض عن المقصود به إذا إن المقصود بالقرض الإرفاق، وفي هاتين الصورتين خرج به عن المقصود. قال: "ولا شرطان في بيع" هذا ليس على إطلاقه، والشرط سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: شرط للعقد وشرط في العقد، والفرق بينهما: أن الشرط للعقد تتوقف عليه صحته، والشرط في العقد يتوقف عليه لزومه، بمعنى: أنه إذا فات الشرط فمن له شرط الخيار بين إمضاء العقد وفسخ العقد لكن الشرط للعقد لا يصح إلا به، من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا، فإذا باعه بثمن مجهول لا يصح العقد، لماذا؟ لفقد شرط من شروط، أما الشرط في العقد فإن يشترط أحد المتعاقدين شرطًا فيه مصلحة له، فهذا شرط في العقد يتوقف عليه لزوم العقد، مثال ذلك: قال: بعتك بيتي على أن أسكن فيه سنة، هذا شرط في العقد لو لم يوفِّ المشتري ويُمكنني من السكك لي الخيار، فرق ثان بينهما: شرط العقد من وضع الشرع فليس لأحد أن يخل به، والشرط في العقد من وضع المتعاقدين فلكل منهما إبطاله. هنا يقول: " ولا شرطان في بيع" ليس المقصود بلا شك النوع الأول الذي هو شرط العقد، لأن العقد يتضمن شروطًا كثيرة. كم شروط البيع؟ سبعة على المشهور من المذهب، فيتضمن عدة شروط، ولم يرد النبي ﷺ هذا، إنما أراد الشرطين في العقد، وهنا في البيع. ما معنى "شرطان في بيع" هل كل شرطين في البيع يحرمان أيضًا؟ هذا ليس على إطلاقه، فهناك شرطان في البيع يصحان بالإجماع، كما لو قال: بعتك هذه السيارة على أن تقبضني الثمن، وقال الآخر: وعلى أن تسلمني السيارة، هذان شرطان، شرط من البائع، وشرط من المشتري وهما يصحان بالإجماع، بل لو قال: بعتك هذه السيارة بشرط أن يكون الثمن حالًا وأن تقبضني إياه، هذان شرطان من طرف واحد أنه حال وأنه يقبضه هذان حلال بالإجماع، الصورة الأولى: الشرطان من المتعاقدين جميعًا، وهذه الصورة الشرطان من واحد منهما وهذا أيضًا: جائز بالإجماع، لماذا؟ لأن هذا مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرطه المشترط أو لم يشرطه، لأن

стр. 1752

كتاب البيوع مقتضى العقد المطلق أن يكون الثمن حالًا، ومقتضاه أيضًا أن يقضيه إياه سواء اشترط البائع ذلك أو لم يشترط، فما دام ثابتًا فإن شرطه لا يفيد إلا التوكيد فقط، هذا لا إشكال في جوازه وأظنه لا خلاف فيه أيضًا. بقى لنا الكلام في الشرط الذي لا يلزم إلا باتفاقهما الذي الأصل عدمه، فهذا هو محل الخلاف، مثاله: اشتريت من صاحب السيارة الحمولة التي على ظهرها ولنقل: إنه حطب واشترطت عليه أن يحمله إلى البيت، أن يدخله في البيت وأن يكسره، هذه الشروط هل هي ثابتة بمقتضى العقد أم لا؟ أبدًا غير ثابتة، مقتضى العقد إذا اشتريت منه حمولة السيارة ينزل في الحال ويقول: أنت تحمله هذان الشرطان، اشترطت عليه أن يحمله ويُدخله البيت، قال بعض أهل العلم: إن هذين هما الشرطان اللذان نهى عنهما الرسول ﷺ وقال: "لا يحل شرطان في بيع" قال: هذان شرطان في بيع فلا يحل، لماذا؟ قالوا: هكذا قال الرسول ﷺ لا يتوالى شرطان في عقد واحد، ولكن هذا فيه نظر، لأن هذين الشرطين ليس فيهما محظور شرعي، فإذا قال قائل: بل فيهما محظور شرعي؛ لأن حمل الحطب وإدخاله لو لم يكن عقد بيع لاحتاج إلى أجرة ونسبة الأجرة إلى الثمن مجهولة، أنا اشتريته بمائة وقلت: بشرط أن تحمله إلى البيت وتدخل، البيت الثمن الآن مائة بالشرطين المذكورين، قلنا عن هذين الشرطين: لو أنهما كانا بأجرة لكان نسبة الأجر إلى الثمن مجهولة، ما ندري المائة هذه كيف نوزعها على الأجرة وعلى قيمة الحطب، فيعود ذلك إلى جهالة الثمن، وهذا هو وجه النهي مع أن الرسول نهى عنه وسكت، ولكن هذا التعليل عليل منقوض؛ لأنا نقول: هل لو اشترط عليه أن يحمله إلى البيت بدون أن يدخله البيت هل يصح الشرط؟ يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا يحل شرطان في بيع" حمله من مكان البيع إلى البيت يستحق الأجرة لو انفرد، ونسبة الأجرة هذه إلى الثمن مجهولة فينتقض، وحينئذ نقول: لابد أن ننزل الحديث على القواعد الشرعية، فلنبحث ما هما الشرطان اللذان إذا اجتمعا وقعنا في محظور، وإذا انفرد سلمنا من المحظور، يجب أن ننزل الحديث على أنه إذا كان هناك شرطان يوقعان الشارط في محظور شرعي فهما محرمان، وإن كانا لا يوقعانه في محظور شرعي فإن الحديث لا يشملهما، لكن هذا أيضًا لو قال قائل هذا فيه نظر؛ لأن الشرطين المشتملين على محظور شرعي محرمان سواء أضيفا إلى البيع أم لم يضافا إليه، فالجواب على هذا أن يقال: إن هذين الشرطين لا يستقلان عادة وإنما يكونان تابعين للعقد، فلهذا قال: "ولا شرطان في بيع" الشرطان في بيع إذا قلنا: إنهما ينزلان على ما إذا اجتمعا صار فيهما محظور شرعي، وإذا لم يجتمعا لو لم يكن فيهما محظور شرعي، ممكن أن ننزلهما على مسألة العينة، فأقول: بعتك هذا الشيء بمائة درهم مؤجلًا على أن تبيعينه بثمانين نقدًا، لو قلت:

стр. 1753

بعتك إياه بمائة مؤجلة هذا شرط واحد فيجوز على أن تبيعني بثمانين نقدًا دخل الشرط الثاني أفسده، وعلى هذا حمل الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المراد بذلك مسألة العينة، لأنها هي التي إذا اجتمع فيها شرطان أفسد العقد وشرط واحد لم يفسد العقد؛ لأنه - كما قلنا- لا ينطبق على الشروط التي هي شروط للعقد ولا على الشروط في العقد التي تثبت بدون شرط، ويكون الشرط فيها توكيدًا، ولا على شروط فيها منفعة لكن لا تؤدي إلى شرط محرم، هذه ثلاثة أشياء. قلنا: المعنى الأول لا يدخل بالاتفاق، لأننا نجد عقد البيع يشتمل على شروط كثيرة، والمعنى الثاني كذلك لا يدخل بالاتفاق وإن قُدر فيه خلاف فهو ضعيف جدًا وهو الذي يقتضيه العقد سواء شرط أو لم يشترط، ويكون الشرط هنا مقيدًا للتوكيد فقط، الثالث الذي فيه مصلحة ولا يُوقع في محظور فيه خلاف، فمن العلماء من منعه وهو المشهور من مذهب أحمد، ومنهم من أجازه، والصحيح الجواز، وإن شيءت فقل- بما هو أعم -: كل شرطين لو انفرد أحدهما لم يؤثر وإن اجتمعا أثرًا فهما داخلان في الحديث، ويمكن أن تأتي صورة غير العينة. إذا كان الانتفاع من الطرفين كما لو أقرضه على أن يزرع أرضًا، فقد قال ابن القيم ﵀: إن هذا لا بأس به إذا كان متساويًا فكل منهما انتفع، والربا ينتفع به جانب واحد، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن يجتمع خمسة موظفون فيقولون: سنخصم من رايتنا كل شهر ألفًا نعطيه واحدًا منا وفي الشهر الثاني وهكذا، فهذا جائز لأنه ليس فيه منفعة للمقرض، فإن قدر أنه منفعة فهو للجميع. ثم قال: "ولا ربح ما لم يضمن" هذا الثالث، يعني: ونهى النبي ﷺ عن ربح الذي لم يُضمن، أي: لم يدخل في ضمان رابح، لماذا؟ لأنه إذا لم يدخل في ضمانه فربما الضامن الذي لم يسلمك الحق يمانع في تسليمه، وحينئذ يكون في ذلك ضرر، مثاله: باع الإنسان طعامًا اشتراه من زيد فباعه على عمرو قبل أن يستوفيه، فهنا لا يصح البيع؛ لأنه غير مضمون، إذ إن ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع لا يضمن ولا يدخل في ضمان المشتري إلا إذا حصل ذلك، نزيدها إيضاحًا: إذا اشتريت هذا البر الذي أمامنا كل صاغ بدرهم إن كلته فهو في ضماني وقبل أن أكيله في ضمان البائع، هذا البر هل هو لي أو البائع؟ هو لي، ولكن ما دمت لم آكله فهو في ضمان البائع، لو بعته بربح قبل الكيل لكان حرامًا، كما أن بيعه من الأصل حرام ويزداد حرمة إذا ربحت فيه، لماذا؟ لأنه ربما إذا علم البائع أني ربحت يمانع في تسليمه؛ لأن النفوس

стр. 1754

كتاب البيوع مجبولة على الحسد وعلى الظلم، فإذا رأى أني قد ربحت يمنع، وحينئذ يكون بيع ما لم يقدر على تسليمه. رجل في ذمته لي مائة صاغ بُرّ فبعتها على شخص آخر، هل يجوز هذا البيع؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الدّين الذي في ذمة المدين لا يدخل في ضماني حتى أستوفيه منه. إذا اشتريت ثمرًا على نخل فالثمر من ضمان البائع، يقول النبي ﷺ : "إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا بما تأخذ مال أخيك بغير حق"، فهل يجوز أن أبيعه بفائدة؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بربح، أما بغير ربح فيجوز؛ لأن قبض الثمرة تخلية، فإذا خلى البائع بيني وبينها فهذا قبض، لكن الشارع جعلها من ضمان البائع، فإذا بعتها بربح فقد ربحت فيما لم أضمن فيكون ذلك حرامًا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد ﵀. مثال آخر: استأجرت من شخص بيتًا لمدة سنة بألف ريال فهل يجوز أن أؤجره بربح: بألف ومائة؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، لأن هذا غير مضمون؛ لأنه لو سلف في العين لانفسخت الإجازة، ولهذا كان القول الثاني في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر بأكثر مما أستأجر، لأنه إذا فعل ذلك فقد ربح فيما لم يضمن هكذا ذكر شيخ الإسلام ﷺ في رسالته "وضع الجوانح" على أنه لا يجوز الربح فيما استأجرته، ولا يجوز الربح في بيع الثمرة على رءوس النخل؛ لأنها في غير ضمانه، أما المذهب في المسألتين فيجوز الربح، لأنه كان من ضمان البائع، أعني: الثمرة كانت من ضمان البائع ولم تدخل في ضمان المشتري لسبب وهو أن المشتري لا يكمل الانتفاع بها إلا بأخذها، ففي القبض شيء من النقص، وأما في مسألة الإجارة فيقولون: إن الأصل بقاء العين، والأصل أن المنفعة باقية للمستأجر، وإذا قدر أنها تلفت فإنه سوف يضمن للمستأجر بقية الأجرة، فهي داخلة في ضمانه إما باستيفاء منفعة وإما برد الأجرة، ولنفرض أنها تهدمت في نصف السنة، فهنا لا يمكنك أن تطالب المؤجر وتقول له: أبحث لي عن بيت أسكن فيه، لأنه سيقول لك المؤجر: أنا لم أؤجرك إلا هذا البيت وهذا البيت تلف جاءه المطر وهدمه، لكن له ما بقي من الأجرة، له قسط، فإذا انهدم في نصف السنة يستحق نصف الأجرة، إذن الواقع أنه وإن لم يكن في ضمانه.

стр. 1755

من حيث استيفاء المنفعة فهو في ضمانه من حيث ردّ باقي الأجرة، ولهذا نقول: إن القول الراجح في المسألتين جواز الربح، لأنه لا ينطبق عليه الحديث فهو مضمون بكل حال، الثمرة إذا ضمنها البائع فسوف يرد لي قيمة الثمرة، فهي وإن لم تكن في ضماني بل في ضمان البائع، لكن إذا فاتتني الثمرة سيأتي ثمنها، فهي في الحقيقة داخلة في ضمانه. على كل حال: المشهور من المذهب أنه يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بأكثر مما استأجرها به وإن لم تكن داخلة في ضمانه، لأن ضمانها على المؤجر. قال: "ولا بيع ما ليس عندك" بيع ما ليس عندك أيضًا لا يجوز، والمراد إذا كان معينًا، أما إذا كان موصوفًا فلا بأس كما سنذكره، بيع ما ليس عندي يشمل أمرين: الأول: أن أبيع ملك زيد لأذهب فأشتريه فهذا لا يجوز. مثال ذلك: جاءني رجل فقال: وجدت لفلان سيارة من أحسن ما يكون من السيارات فقلت له: أنا أبيع عليك هذه السيارة- سيارة فلان-قال: نعم، كم الثمن؟ قلت: أبيعها عليك بأربعين ألفًا، قال: قيلت، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن صاحب السيارة قد يبيع وقد لا يبيع، فتقع في مشكلة مع الذي اشتراها منك، فلا يجوز أن تبيع ما ليس عندك هذه صورة. الصورة الثانية: أن يكون الشيء ملكًا لك، لكن لا تقدر عليه مثل أن يكون قد استولى عليه ظالم لا تقدر على تخليصه منه، أو يكون جملًا شاردًا أو عبدًا آبقًا فهذا لا يجوز بيعه ولا بيع ما ليس عندك. الصورة الثالثة: أن يبيع الديون في ذمم الناس، يقول: أطلب فلانًا مائة صاغ بُرّ أبيعها عليك هذا لا يجوز، أولًا: لأنها لم تدخل في ضمانه، والثاني: أن هذا المشتري لم يشترها بمائة درهم فيشتريها مثلًا بتسعين درهمًا، وحينئذ فإن قدر على أخذها من المدين فهو غانم، لأنه أخذ ما يساوي مائة بتسعين وإن عجز فهو غارم، لأنه بذل تسعين درهمًا وقد تذهب عليه، إذن الصور الآن ثلاث: أن يبيع ملك غيره المعين، أن يبيع ما ليس عنده وهو ملكه لكن لا يقدر عليه، الثالث: أن يبيع الديون في ذمم الناس، لأن هذه ليست عنده. فإن قال قائل: أتجيزون أن يبيع الإنسان الدَّين على من هو عليه؟ فالجواب: نعم، لكن بشرط إلا بربح، فإن ربح دخل في الجملة الأولى من الحديث، وهي: "ربح ما لم يضمن"، دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير والدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم.
следующие страницы →