← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الصورة الثانية: أن يقول: بعتك كذا على أن تقرضني كذا، يأتي يطلب منه أن يبيع عليك سلعته يقول: أنا أبغيك تبيع عليّ بيتك، فيقول: أبيعك بيتي بشرط أن تقرضني كذا وكذا، هذه لا تجوز، لماذا؟ لأنه جر نفعًا للمشتري حيث حصل مقصودًا من البيت بسبب إقراضه البائع، ولولا أن البائع باع عليه ما أقرضه. الصورة الثالثة: العكس ما هو؟ أن يقول: أشتري منك كذا بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهذا أيضًا لا يصح، فالإقراض تارة يكون من البائع وترة من المشتري وكلاهما فيه: إخراج للقرض عن المقصود به إذا إن المقصود بالقرض الإرفاق، وفي هاتين الصورتين خرج به عن المقصود. قال: "ولا شرطان في بيع" هذا ليس على إطلاقه، والشرط سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: شرط للعقد وشرط في العقد، والفرق بينهما: أن الشرط للعقد تتوقف عليه صحته، والشرط في العقد يتوقف عليه لزومه، بمعنى: أنه إذا فات الشرط فمن له شرط الخيار بين إمضاء العقد وفسخ العقد لكن الشرط للعقد لا يصح إلا به، من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا، فإذا باعه بثمن مجهول لا يصح العقد، لماذا؟ لفقد شرط من شروط، أما الشرط في العقد فإن يشترط أحد المتعاقدين شرطًا فيه مصلحة له، فهذا شرط في العقد يتوقف عليه لزوم العقد، مثال ذلك: قال: بعتك بيتي على أن أسكن فيه سنة، هذا شرط في العقد لو لم يوفِّ المشتري ويُمكنني من السكك لي الخيار، فرق ثان بينهما: شرط العقد من وضع الشرع فليس لأحد أن يخل به، والشرط في العقد من وضع المتعاقدين فلكل منهما إبطاله. هنا يقول: " ولا شرطان في بيع" ليس المقصود بلا شك النوع الأول الذي هو شرط العقد، لأن العقد يتضمن شروطًا كثيرة. كم شروط البيع؟ سبعة على المشهور من المذهب، فيتضمن عدة شروط، ولم يرد النبي ﷺ هذا، إنما أراد الشرطين في العقد، وهنا في البيع. ما معنى "شرطان في بيع" هل كل شرطين في البيع يحرمان أيضًا؟ هذا ليس على إطلاقه، فهناك شرطان في البيع يصحان بالإجماع، كما لو قال: بعتك هذه السيارة على أن تقبضني الثمن، وقال الآخر: وعلى أن تسلمني السيارة، هذان شرطان، شرط من البائع، وشرط من المشتري وهما يصحان بالإجماع، بل لو قال: بعتك هذه السيارة بشرط أن يكون الثمن حالًا وأن تقبضني إياه، هذان شرطان من طرف واحد أنه حال وأنه يقبضه هذان حلال بالإجماع، الصورة الأولى: الشرطان من المتعاقدين جميعًا، وهذه الصورة الشرطان من واحد منهما وهذا أيضًا: جائز بالإجماع، لماذا؟ لأن هذا مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرطه المشترط أو لم يشرطه، لأن

стр. 1752

كتاب البيوع مقتضى العقد المطلق أن يكون الثمن حالًا، ومقتضاه أيضًا أن يقضيه إياه سواء اشترط البائع ذلك أو لم يشترط، فما دام ثابتًا فإن شرطه لا يفيد إلا التوكيد فقط، هذا لا إشكال في جوازه وأظنه لا خلاف فيه أيضًا. بقى لنا الكلام في الشرط الذي لا يلزم إلا باتفاقهما الذي الأصل عدمه، فهذا هو محل الخلاف، مثاله: اشتريت من صاحب السيارة الحمولة التي على ظهرها ولنقل: إنه حطب واشترطت عليه أن يحمله إلى البيت، أن يدخله في البيت وأن يكسره، هذه الشروط هل هي ثابتة بمقتضى العقد أم لا؟ أبدًا غير ثابتة، مقتضى العقد إذا اشتريت منه حمولة السيارة ينزل في الحال ويقول: أنت تحمله هذان الشرطان، اشترطت عليه أن يحمله ويُدخله البيت، قال بعض أهل العلم: إن هذين هما الشرطان اللذان نهى عنهما الرسول ﷺ وقال: "لا يحل شرطان في بيع" قال: هذان شرطان في بيع فلا يحل، لماذا؟ قالوا: هكذا قال الرسول ﷺ لا يتوالى شرطان في عقد واحد، ولكن هذا فيه نظر، لأن هذين الشرطين ليس فيهما محظور شرعي، فإذا قال قائل: بل فيهما محظور شرعي؛ لأن حمل الحطب وإدخاله لو لم يكن عقد بيع لاحتاج إلى أجرة ونسبة الأجرة إلى الثمن مجهولة، أنا اشتريته بمائة وقلت: بشرط أن تحمله إلى البيت وتدخل، البيت الثمن الآن مائة بالشرطين المذكورين، قلنا عن هذين الشرطين: لو أنهما كانا بأجرة لكان نسبة الأجر إلى الثمن مجهولة، ما ندري المائة هذه كيف نوزعها على الأجرة وعلى قيمة الحطب، فيعود ذلك إلى جهالة الثمن، وهذا هو وجه النهي مع أن الرسول نهى عنه وسكت، ولكن هذا التعليل عليل منقوض؛ لأنا نقول: هل لو اشترط عليه أن يحمله إلى البيت بدون أن يدخله البيت هل يصح الشرط؟ يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا يحل شرطان في بيع" حمله من مكان البيع إلى البيت يستحق الأجرة لو انفرد، ونسبة الأجرة هذه إلى الثمن مجهولة فينتقض، وحينئذ نقول: لابد أن ننزل الحديث على القواعد الشرعية، فلنبحث ما هما الشرطان اللذان إذا اجتمعا وقعنا في محظور، وإذا انفرد سلمنا من المحظور، يجب أن ننزل الحديث على أنه إذا كان هناك شرطان يوقعان الشارط في محظور شرعي فهما محرمان، وإن كانا لا يوقعانه في محظور شرعي فإن الحديث لا يشملهما، لكن هذا أيضًا لو قال قائل هذا فيه نظر؛ لأن الشرطين المشتملين على محظور شرعي محرمان سواء أضيفا إلى البيع أم لم يضافا إليه، فالجواب على هذا أن يقال: إن هذين الشرطين لا يستقلان عادة وإنما يكونان تابعين للعقد، فلهذا قال: "ولا شرطان في بيع" الشرطان في بيع إذا قلنا: إنهما ينزلان على ما إذا اجتمعا صار فيهما محظور شرعي، وإذا لم يجتمعا لو لم يكن فيهما محظور شرعي، ممكن أن ننزلهما على مسألة العينة، فأقول: بعتك هذا الشيء بمائة درهم مؤجلًا على أن تبيعينه بثمانين نقدًا، لو قلت:

стр. 1753

بعتك إياه بمائة مؤجلة هذا شرط واحد فيجوز على أن تبيعني بثمانين نقدًا دخل الشرط الثاني أفسده، وعلى هذا حمل الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المراد بذلك مسألة العينة، لأنها هي التي إذا اجتمع فيها شرطان أفسد العقد وشرط واحد لم يفسد العقد؛ لأنه - كما قلنا- لا ينطبق على الشروط التي هي شروط للعقد ولا على الشروط في العقد التي تثبت بدون شرط، ويكون الشرط فيها توكيدًا، ولا على شروط فيها منفعة لكن لا تؤدي إلى شرط محرم، هذه ثلاثة أشياء. قلنا: المعنى الأول لا يدخل بالاتفاق، لأننا نجد عقد البيع يشتمل على شروط كثيرة، والمعنى الثاني كذلك لا يدخل بالاتفاق وإن قُدر فيه خلاف فهو ضعيف جدًا وهو الذي يقتضيه العقد سواء شرط أو لم يشترط، ويكون الشرط هنا مقيدًا للتوكيد فقط، الثالث الذي فيه مصلحة ولا يُوقع في محظور فيه خلاف، فمن العلماء من منعه وهو المشهور من مذهب أحمد، ومنهم من أجازه، والصحيح الجواز، وإن شيءت فقل- بما هو أعم -: كل شرطين لو انفرد أحدهما لم يؤثر وإن اجتمعا أثرًا فهما داخلان في الحديث، ويمكن أن تأتي صورة غير العينة. إذا كان الانتفاع من الطرفين كما لو أقرضه على أن يزرع أرضًا، فقد قال ابن القيم ﵀: إن هذا لا بأس به إذا كان متساويًا فكل منهما انتفع، والربا ينتفع به جانب واحد، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن يجتمع خمسة موظفون فيقولون: سنخصم من رايتنا كل شهر ألفًا نعطيه واحدًا منا وفي الشهر الثاني وهكذا، فهذا جائز لأنه ليس فيه منفعة للمقرض، فإن قدر أنه منفعة فهو للجميع. ثم قال: "ولا ربح ما لم يضمن" هذا الثالث، يعني: ونهى النبي ﷺ عن ربح الذي لم يُضمن، أي: لم يدخل في ضمان رابح، لماذا؟ لأنه إذا لم يدخل في ضمانه فربما الضامن الذي لم يسلمك الحق يمانع في تسليمه، وحينئذ يكون في ذلك ضرر، مثاله: باع الإنسان طعامًا اشتراه من زيد فباعه على عمرو قبل أن يستوفيه، فهنا لا يصح البيع؛ لأنه غير مضمون، إذ إن ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع لا يضمن ولا يدخل في ضمان المشتري إلا إذا حصل ذلك، نزيدها إيضاحًا: إذا اشتريت هذا البر الذي أمامنا كل صاغ بدرهم إن كلته فهو في ضماني وقبل أن أكيله في ضمان البائع، هذا البر هل هو لي أو البائع؟ هو لي، ولكن ما دمت لم آكله فهو في ضمان البائع، لو بعته بربح قبل الكيل لكان حرامًا، كما أن بيعه من الأصل حرام ويزداد حرمة إذا ربحت فيه، لماذا؟ لأنه ربما إذا علم البائع أني ربحت يمانع في تسليمه؛ لأن النفوس

стр. 1754

كتاب البيوع مجبولة على الحسد وعلى الظلم، فإذا رأى أني قد ربحت يمنع، وحينئذ يكون بيع ما لم يقدر على تسليمه. رجل في ذمته لي مائة صاغ بُرّ فبعتها على شخص آخر، هل يجوز هذا البيع؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الدّين الذي في ذمة المدين لا يدخل في ضماني حتى أستوفيه منه. إذا اشتريت ثمرًا على نخل فالثمر من ضمان البائع، يقول النبي ﷺ : "إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا بما تأخذ مال أخيك بغير حق"، فهل يجوز أن أبيعه بفائدة؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بربح، أما بغير ربح فيجوز؛ لأن قبض الثمرة تخلية، فإذا خلى البائع بيني وبينها فهذا قبض، لكن الشارع جعلها من ضمان البائع، فإذا بعتها بربح فقد ربحت فيما لم أضمن فيكون ذلك حرامًا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد ﵀. مثال آخر: استأجرت من شخص بيتًا لمدة سنة بألف ريال فهل يجوز أن أؤجره بربح: بألف ومائة؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، لأن هذا غير مضمون؛ لأنه لو سلف في العين لانفسخت الإجازة، ولهذا كان القول الثاني في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر بأكثر مما أستأجر، لأنه إذا فعل ذلك فقد ربح فيما لم يضمن هكذا ذكر شيخ الإسلام ﷺ في رسالته "وضع الجوانح" على أنه لا يجوز الربح فيما استأجرته، ولا يجوز الربح في بيع الثمرة على رءوس النخل؛ لأنها في غير ضمانه، أما المذهب في المسألتين فيجوز الربح، لأنه كان من ضمان البائع، أعني: الثمرة كانت من ضمان البائع ولم تدخل في ضمان المشتري لسبب وهو أن المشتري لا يكمل الانتفاع بها إلا بأخذها، ففي القبض شيء من النقص، وأما في مسألة الإجارة فيقولون: إن الأصل بقاء العين، والأصل أن المنفعة باقية للمستأجر، وإذا قدر أنها تلفت فإنه سوف يضمن للمستأجر بقية الأجرة، فهي داخلة في ضمانه إما باستيفاء منفعة وإما برد الأجرة، ولنفرض أنها تهدمت في نصف السنة، فهنا لا يمكنك أن تطالب المؤجر وتقول له: أبحث لي عن بيت أسكن فيه، لأنه سيقول لك المؤجر: أنا لم أؤجرك إلا هذا البيت وهذا البيت تلف جاءه المطر وهدمه، لكن له ما بقي من الأجرة، له قسط، فإذا انهدم في نصف السنة يستحق نصف الأجرة، إذن الواقع أنه وإن لم يكن في ضمانه.

стр. 1755

من حيث استيفاء المنفعة فهو في ضمانه من حيث ردّ باقي الأجرة، ولهذا نقول: إن القول الراجح في المسألتين جواز الربح، لأنه لا ينطبق عليه الحديث فهو مضمون بكل حال، الثمرة إذا ضمنها البائع فسوف يرد لي قيمة الثمرة، فهي وإن لم تكن في ضماني بل في ضمان البائع، لكن إذا فاتتني الثمرة سيأتي ثمنها، فهي في الحقيقة داخلة في ضمانه. على كل حال: المشهور من المذهب أنه يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بأكثر مما استأجرها به وإن لم تكن داخلة في ضمانه، لأن ضمانها على المؤجر. قال: "ولا بيع ما ليس عندك" بيع ما ليس عندك أيضًا لا يجوز، والمراد إذا كان معينًا، أما إذا كان موصوفًا فلا بأس كما سنذكره، بيع ما ليس عندي يشمل أمرين: الأول: أن أبيع ملك زيد لأذهب فأشتريه فهذا لا يجوز. مثال ذلك: جاءني رجل فقال: وجدت لفلان سيارة من أحسن ما يكون من السيارات فقلت له: أنا أبيع عليك هذه السيارة- سيارة فلان-قال: نعم، كم الثمن؟ قلت: أبيعها عليك بأربعين ألفًا، قال: قيلت، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن صاحب السيارة قد يبيع وقد لا يبيع، فتقع في مشكلة مع الذي اشتراها منك، فلا يجوز أن تبيع ما ليس عندك هذه صورة. الصورة الثانية: أن يكون الشيء ملكًا لك، لكن لا تقدر عليه مثل أن يكون قد استولى عليه ظالم لا تقدر على تخليصه منه، أو يكون جملًا شاردًا أو عبدًا آبقًا فهذا لا يجوز بيعه ولا بيع ما ليس عندك. الصورة الثالثة: أن يبيع الديون في ذمم الناس، يقول: أطلب فلانًا مائة صاغ بُرّ أبيعها عليك هذا لا يجوز، أولًا: لأنها لم تدخل في ضمانه، والثاني: أن هذا المشتري لم يشترها بمائة درهم فيشتريها مثلًا بتسعين درهمًا، وحينئذ فإن قدر على أخذها من المدين فهو غانم، لأنه أخذ ما يساوي مائة بتسعين وإن عجز فهو غارم، لأنه بذل تسعين درهمًا وقد تذهب عليه، إذن الصور الآن ثلاث: أن يبيع ملك غيره المعين، أن يبيع ما ليس عنده وهو ملكه لكن لا يقدر عليه، الثالث: أن يبيع الديون في ذمم الناس، لأن هذه ليست عنده. فإن قال قائل: أتجيزون أن يبيع الإنسان الدَّين على من هو عليه؟ فالجواب: نعم، لكن بشرط إلا بربح، فإن ربح دخل في الجملة الأولى من الحديث، وهي: "ربح ما لم يضمن"، دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير والدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم.

стр. 1756

تتفرقا وبينكما شيء" فإذا جاء المدين وقال: أنا عندي لك مائة صاغ بُرّ والآن ما عندي شيء من البر لكن سأعوضك عنه قال: نعم عوضني عنه، قال: أعطيك مائة درهم، لأن الصاع بدرهم، فقال الدائن: لا، أعطني مائة وعشرة هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربح بما لم يضمن لم يدخل في ضمانك حتى الآن، ولأن النبي ﷺ قال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها" إذا قال: أعطيك عنها مائة فيجوز؛ لأنه ما ربح، إذا قال: أعطيك عنها تسعين يجوز؛ لأنه إذا جاز بنفس القيمة فمن باب أولى أن يجوز بأقل كما لو قال: أعطني بدل المائة صاع تسعين صاعًا أليس يجوز؟ نعم، إذن يكون قول الرسول ﷺ : " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، المراد: نفي الزيادة لا نفي النقص، فلو أخذها بأنقص جزاء الله خيرًا أو أخذها بالمثل فهو عدل، أو أخذها بالزيادة فهو حرام، وهل يُشترط في هذه الحال ألا يتفرقا وبينهما شيء؟ هو في ذمته مائة صاع بُرّ ولم يكن عنده شيء فاشتراها بمائة درهم، هل يُشترط ألا نتصرف حتى أستلم مائة الدرهم أو لا يُشترط؟ الذين يقولون: يشترط. سيستدلون بحديث ابن عمر: "ما لم يتفرقا وبينهما شيء"، فنقول: كأنكم تقولون: لا يصح الاستدلال بحديث ابن عمر على اشتراط القبض، لأن حديث ابن عمر إنما هو في بيع دراهم بدنانير، وبيع الدراهم بالدنانير يشترط فيه التقابض، لكن بيع دراهم ببُرّ لا يشترط فيه التقابض، وعلى هذا فلو قال بعتك مائة الصاع بمائة درهم لم يشترط القبض الذي يشترط أن يكون بسعر يومه حتى لا يربح فيما لم يضمن، وأما القبض فليس بشرط، وحينئذ نحول البُرّ إلى دراهم، لو قال: أنا ليس عندي بُرّ لكن عندي شعير، أنا رجل مزارع أعطيك بدل البُرّ شعيرًا، هنا يُشترط الشرطان اللذان في حديث ابن عمر وهما أن يكون بسعر اليوم والتقابض، فيقال مثلًا: إذا كان السعر أن صاعًا من البُرّ بصاعين من الشعير فأعطه بدل مائة صاع مائتين ولا تأخذ أكثر من مائتين ولم تتفرقا وبينكما شيء، لا يبيع البًرّ بالشعير يُشترط فيه التقابض، هذه أربعة أنواع من البيوع. فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في النهي عنها، لأننا نعلم أن الأصل في المعاملات الحل، فكل من ادعى تحريم معاملة طولب بالدليل، فهنا نقول: ما هي الحكمة لنعرف سمو هذه الشريعة وأنها لا تضيق على معتنقيها؟ قلنا: لأنها تشتمل على مفاسد، أما الأول: السلف والبيع، فإنها تشتمل على ربًا إما تحقيقًا وإما ظنًا، ومعلوم أن الربا محرم، وثانيًا: لأنها تخرج العقود عن مقصودها الشرعي، فالمقصود بالسلف الإرفاق والإحسان، وإذا انتقل إلى مُعارضة خرج عن موضوع الشرع، ولذلك لو بعت عليك درهمًا بدرهم إلى أجل لا تعطينيه إلى بعد يومين أو ثلاثة هل يجوز؟ لا يجوز، أما لو أقرضتك درهمًا ولم توفني إلا بعد يومين فهذا يجوز، لماذا؟ لأن المقصود الإرفاق ليس المعاوضة:

стр. 1757

"شرطان في بيع" العلة في ذلك انه يؤدي إلى التنازع والفوضى، أو الربا إن تضمن الوقوع في الربا بواسطة الشرطين: "بيع ما لم يضمن" كذلك يؤدي إلى النزاع وعدم التمكين من التسليم، وربما يؤدي إلى الحسد والبغضاء إذا رآك البائع قد ربحت ولم يدخل في ضمانك بل هو في ضمانه، وربما يكون في قلبه حسد والحسد كالتار إذا ولعت أحرقت ما ولعت به إذا صار في قلبك حسد ولو على مسألة صغيرة فإن هذا - والعياذ بالله- ينمو، قد تحسد إنسان في بيع من البيوع يتطور هذا إلى أن تحسده في كل شيء، تحسده على عافيته، على صحته، على أولاده، على أهله، على بيته، على علمه، على ماله، فالمهم أن هذا لما كان يؤدي إلى العداوة والبغضاء وعدم التمكين من التسليم والحسد منعه الشرع. "بيع ما ليس عندك" معناه ظاهر، لأنه يتضمن الغرر والجهالة، وكل شيء يتضمن الغرر والجهالة فإنه ميسر الذي يريد به الشيطان أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء كما قال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]. ونأخذ من عموم العلة هذا أن الشرع يريد منا الاتزان في البيع والشراء حتى نبيع بيعًا هادئًا ليس فيه جشع ولا طمع ولا عداوة ولا بغضاء، وهذا لا شك أنه من محاسن الشريعة، الموصوف، مثل أن أبيع عليك مائة صاع بُرّ صفته كذا وكذا بمائة ريال هذا لا بأس به، وهذا لا يكون من بيع ما ليس عندي إنما هو من بيع شيء موصوف في الذمة لم تعينه، المعين أن نقول مثلًا: الجمل الفلاني، الطير الفلاني، ملكي الذي غصبه فلان هذا معين، أما الموصوف فلا، لأن الموصوف يثبت في الذمة، ودليل ذلك السلم كان الصحابة-﵃-يسلفون في الثمار السنة والسنتين يأتي إلى الفلاح ويقول: أريد أن تبيع علي تمرًا مائة صاع كل صاع بدرهمين، صفة الثمر كذا وكذا، ولهذا قال الرسول ﷺ : "فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، لم يقل: فلا يسلف، فهذا هو الفرق بين العمين وبين الموصوف في الذمة، أيضًا في شيء موصوف معين، كما لو بعت عليك سيارتي التي عندي في الجراج صفتها كذا وكذا هذا معين موصوف ومعين يقول: ماذا ترى لو بعت عليك هذه السيارة تشاهدها، فالمعين موصوف ومعين مشاهد مرئي، والثالث: موصوف لا مرئي ولا معين، موصوف في الذمة فيتعلق بالذمة. أيضًا نقول في: "نهى عن بيع وشرط" المراد به: الشرط الذي يتضمن محظورًا شرعيًا كقضية بربرة، اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم مع أن الولاء للمعتق وليس المراد: النهي عن كل بيع يتضمن شرطًا، فها هو النبي ﷺ اشترى من جابر جمله واشترط جابر أن يحمله إلى المدينة

стр. 1758

فأقره النبي ﷺ على ذلك الشرط وجعله شرطًا صحيحًا، فهذه المطلقات كالذي سبق في النهي عن شرطين في بيع وعن بيع وشرط، هذه المطلقات يجب أن تُحمل عل الصور التي فيها مانع شرعي لا على إطلاقها. من فوائد الحديث: جواز السلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"؛ لأن المنهي عنه الجمع، وما نهي عن جمعه دل على جواز إفراده، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان النهي يرد عنه مطلقًا. ثانيًا: جواز البيع مثل السلف. ثالثًا: تحريم الجمع بين البيع والسلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"، وهذا إن كان مشروطًا فلا شك في أنه حرام، لأن الغالب أنه يتضمن ربًا، فإن الغالب أن المسلف إذا اشترط البيع أو الشراء منه لابد أن يكون هناك فائدة له، وكل شرط جر نفعًا للمقرض فهو حرام ربًا، فإن وقع عن غير شرط بأن باع عليه شيئًا ثم قال المشتري: أريد أن تسلفني-تُقرضني-هذا الثمن الذي ثبت لك علي يعني: يسلمه الثمن وانتهى البيع، ثم قال: سلفني إياه، هذا جائز، أو رجل باع على شخص آخر بيته بعشرة آلاف ريال، ثم قال: أريد أن تقرضني عشرة أخرى، لأنني محتاج إلى عشرين ألفًا، فهذا جائز إذا وقع بدون شرط لا شرط ولا اتفاق مسبق فإنه جائز لا بأس به. ومن فوائد الحديث: تحريم كل شرطين إذا اجتمعا لزم منهما محظور، لقوله: "ولا شرطان في بيع، أما إذا لم يلزم منهما محظور فلا بأس بذلك، مثل أن يشتري الحطب على بائعه أن يحمله إلى بيته ويدخله في البيت ويكسره، هذه ثلاثة شروط لكنها كلها جائزة، لأنها لا تضمن محظورًا شرعيًا. ومن فوائد الحديث: تحريم الربح فيما لم يدخل في ضمان رابح، والعلة في ذلك الغرر أحيانًا وإثارة الأحقاد أحيانًا، فإنني إذا بعت شيئُا لم يدخل في ضماني بقبضه وربحت فيه فإن البائع الذي باع علي سوف يكون في نفسه شيء، يقول: هذا غرني غلبني، وإذا لم يسيء الظن بالمشتري فإنه ربما يحقد عليه. ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم بيع ما ليس عند الإنسان بالصور الأربعة التي ذكرناها كل شيء ليس عندك لا تبعه، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى الخصومات والنزاعات، فإنك إذا بعت ثم عجزت أن تسلمه صار بينك وبين المشتري نزاع طويل وحصل بذلك عداوة وبغضاء وشحناء، ثم إن الغالب أن الإنسان لا يتعجل فيبيع ما ليس عنده إلا بأرباح، فيكون التقى فيه المعنيان: الربح فيما لم يضمن، والثاني: بيع ما ليس عندك. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى تحريم كل غرر، لأن بيع ما ليس عندك غرر قد يحصل وقد لا يحصل وهو كذلك، فإن الشريعة جاءت بتحريم كل ما فيه غرر؛ لأن هذا يؤدي إلى

стр. 1759

النزاع والبغضاء وإلى الطمع وأن ترتقي النفوس لطلب الربح إلى الميسر الذي حرمه الله تعالى في كتابه وقرنه بالخمر والأنصاب والأزلام. ومن فوائد الحديث: حكمة الشارع في درء كل ما يوجب العداوة والبغضاء بين الناس، لأن المطلوب من المسلمين أن يكونوا إخوانًا متآلفين متحابين، فكل ما يفضي إلى النزاع من أي معاملة كانت فإن الشرع يمنع منه. بيع العُربان: ٧٦٨ - وعنه ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُربان".رواه مالك، قال: بلغني عن عمر بن شعيب، به. النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، وهو من الشارع يقتضي التحريم كما مر علينا وقوله: "العُربان"، ويُقال: العربون، والعربون: هو أن يشتري إنسان شيئُا من شخص ويقدم له بعض الثمن ويقول: إن تم البيع فهذا من الثمن، وإن لم يتم البيع فهو لك، مثال ذلك: جئت إلى زيد وقلت: يعني بيتك، قال: طيب اتفقنا على أنه يبيعه علي بمائة ألف ريال، فقال: أعطني العُربون، فقال: أعطيك عشرة آلاف ريال عربونًا، إن تم البيع أتممت الثمن، كم يتمم؟ تسعين ألفًا وإن لم يتم فهو لك، هذا فيه خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: إنه محرم، لأنه غرر وجهالة قد يتم البيع وقد لا يتم، فيكون هناك جهالة وغرر فيكون ممنوعًا، واستدلوا بهذا الأثر، لكن هذا الأثر كما تشاهدون لا يصح، لماذا؟ لأنه يقول: بلغني عن عمرو بن شعيب، فمن الذي بلغ، ما هو الطريق؟ مجهول، وحينئذ لا يصح، ولهذا كان القول الثاني في المسألة صحة بيع العربون، وهذا مذهب عمر ﵁ صح عنه ذلك، وصح عن ابنه أيضًا ابن عمر وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل أن بيع العربون جائز ولا بأس به، قالوا: والجهالة التي فيه ليس جهالة ميسر؛ لأن الجهالة- جهالة الميسر-يكون فيها المتعاملان بين الغنم والغرم، أما هذه فإن البائع ليس بغارم بل البائع غانم، وغاية ما هناك أن ترد إليه سلعة، ومن المعلوم أن المشتري لو شرط الخيار لنفسه لمدة يوم أو يومين كان ذلك جائزًا، وبيع العُربون يشبه شرط الخيار إلا أن المشتري يقول: بدل من أني رددت عليه السلعة وربما تنقص قيمتها إذا علم الناس اشتريت ثم رُدت بدلًا من ذلك أنا أعطيه عُشر الثمن أو أكثر أو أقل حسب ما يتفقان عليه، ففيه جبر لما قد

стр. 1760

يحصل من نقص قيمة السلعة، ولو على سبيل التقدير، ففيه مصلحة، وفيه أيضًا مصلحة للبائع من وجه آخر، لأن المشتري إذا سلم العربون وعلم أنه إن لم تتم البيعة أخذ منه العربون فسوف يتمم البيعة، ولهذا البائع يشترط العربون في الغالب لأجل أن يتمسك ويمسك المشتري ولا يتهاون، ففيه مصلحة للبائع وفيه أيضًا مصلحة للمشتري، لأن المشتري ربما إذا أخذ السلعة وذهب ونظر وفكر وقدر علم أنها لا تناسبه، فإذا كان لم يشترط الخيار فهي لازمة له، وإذا اشترط الخيار بالعربون صار غير لازم، وهذا يقع كثيرًا، تجد الإنسان يشتري الشيء راغبًا فيه جدًا ثم يتغير نظره فيه أو يأتيه من جهة أخرى نفس الشيء الذي اشتراه يهب له إنسان فتطيب نفسه عن الشراء ويرغب في ردّه، فإذا كان اشتراه عن طريق العربون انتفع. فالقول الراجح في هذه المسألة - وعليه عمل الناس اليوم-: أن بيع العربون لا بأس به، لأنه مصلحة للطرفين، وليس من باب الميسر؛ لأن الميسر يكون فيه أحد الطرفين إما غانمًا وإما غارمًا، أما هذا فليس فيه غُرم، البائع رابح، لأنه يقول: إن تم البيع فلك، وإن لم يتم فأنا قد ربحت العربون. فإذا قال قائل: هل العربون مقدر، أي: أنه يكون بنسبة شيء معين إلى الثمن أو على حسب ما يتفقان عليه؟ الجواب: هو الثاني، قد يعطيه من العربون عشرة ريالات والثمن منه مائة ألف، وقد يعطيه خمسين ألفًا والثمن مائة ألف، المهم: أن هذا شيء يرجع إليهم، لكن من المعلوم أنه إذا أعطاه عربون خمسين ألف من مائة ألف الغالب أنه لا يترك المبيع؛ لأن الخسارة كبيرة والبائع إذا كان يخشى سوف يطلب عربونًا كبيرًا حتى يستمسك من المشتري. حكم بيع السلع حيث تُبتاع: ٧٦٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت، فإذا هو زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تُباع السلع حيث تُبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم". رواه أحمد، وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم. "استوجبته" يعني: تم العقد وحصلت المفارقة ولزم، وفي لفظ: "فلما قبضته".

стр. 1761

وقوله: "أضرب على يد الرجل" يعني: أن أبيع عليه، وإنما كنى عن البيع بالضرب على اليد؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك أحيانًا، يقول مثلًا: اشتريت منك كذا وكذا، فيقول: نعم، ويضرب يده على يده فالمؤكد للبيع، ولهذا يُسمى عقد البيع ويُسمى صفقة، وليس المعنى تصكه على وجهه، لكن المعنى: أنك تصفق يدك على يده، ومن التصفيق: ضرب اليد على اليد، فكانوا أحيانًا عند البيع - ولاسيما البيعات الكبيرة-يفعلون هذا كالمعاهد، الإنسان إذا أراد أن يُعاهد شخصًا مد يده وعاهد، كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله﴾ [الفيتح: ١٠]. ولهذا سموا البيع بيعًا، لأنه مأخوذ من الباع، لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للآخر، المهم أن قول ابن عمر: " أردت أن أضرب على يده" أي: أتمم البيع معه وأتمم العقد. يقول: "فأخذ رجل مني خلفي بذراعي" كأنه رفع يد ابن عمر فأخذ من خلفه ذراعه فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت ﵁ فقال: "لا تبيعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تُباع السلع حيث تُباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم"، (حيث) هذه ظرف مكان، و"ابتعته" بمعنى: اشتريته، يُقال: باع وابتاع كما يُقال: شرى واشترى، شرى: بمعنى باع، خلافًا للغة العُرفية عندنا أن شرى بمعنى اشترى، بل شرى بمعنى: باع، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] أي: من يبيعها، واشترى مقابلها باع وابتاع كشرى واشترى. وقوله: "حيث تُبتاع" أي: حيث تُشترى، "حتى يحوزها التجار إلى أماكنهم، إن كانت دكانًا ففي الدكان، وإن كانت بيتًا ففي البيت المهم إلى بيته الذي يسكنه أو إلى محل تجارته، وقوله: "حتى يحوزها التجار" وهم الذين يتعاملون بالتجارة والتكسب، والظاهر أنه ليس لها مفهوم، وأنها جاءت على الأغلب، وأن الإنسان إذا اشترى ولو لحاجته الخاصة ثم أراد أن يبيعه فلا يبيعه حتى يحوزه إلى رحله. هذا الحديث فيه دليل على فوائد كثيرة منها: جواز البيع والشراء من العالم والفقيه وذي اتجاه بدليل فعل ابن عمر ﵄ ولا يُخفى على أحد مكانة ابن عمر ﵄ من العلم والفقه والدين والورع وهو كذلك، أي: أنه يجوز للعالم والفقيه والعابد أن يبيع ويشتري كغيره، لكن كره بعض أهل العلم أن يبيع القاضي ويشتري بنفسه، وإنما كرهوا ذلك لئلا يُحابي القاضي ويكون عند المحابي له خصومة، لأن القاضي كل الناس إما أن يحتاجوه وإما أن يترقبوا حاجتهم إليه، فربما يحابونه تحسبًا لما سيكون عندهم من المخاصمة، ولكن الصحيح أنه لا يُكره للقاضي أن يبيع ويشتري لحاجاته، أما في مسألة التجارة وطلب التكسب فالأولى أن يتنزه

стр. 1762

الإنسان عن ذلك؛ لأن الإنسان إذا داخل الناس في تجاراتهم سقط من أعينهم وعرفوا أنه مثلهم يُنازعهم جيفة الدنيا، وأظن للشافعي ﵀ أبيات حول هذا الموضوع يقول: [الطويل] ومن يبغ الدنيا فإن طعنتها***وسيق إلينا عذبها وعذابها فلم أرها إلا غرورًا وغافلًا ***كما لاح في ظهر الفلاة سرابها وما هي إلا جيفة مستحيلة***عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها***وإن تجتذبها نازعتك كلابها فالإنسان ذو الشرف والجاه والعلم لا ينبغي أن يتدخل في التجارة وطلب زيادة المال، أما التجارة التي لا بد منها فلابد منها. ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة-﵃-على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر لفعل زيد بن ثابت. ومن فوائد الحديث: المبادرة في منع المنكر؛ لأنه أمسك بيده، وهذا يدل على أنه فعل ذلك فورًا لئلا يتم البيع. ومن فوائده: أن مثل هذا لا يُقال أن فيه حسدًا للمشتري أو بيعًا على بيع كما يتوهمه بعض العامة إذا عُقد عقد محرم وجاء شخص ينصح العاقد ويحذره قال: لا تقطع رزقه، هذا ليس بصحيح، بل الشيء المحرم يجب منعه، ولا يُعد هذا من باب الحسد والحيلولة بين الإنسان ورزقه. [إعادة شرح]: وقوله: "ابتعت" بمعنى: اشتريت، وأما بعت بمعنى: اعطيت الشيء، فعندنا المادة شرى إن زيدت فيها التاء فهي بمعنى: الأخذ، إن حذفت فهي بمعنى: الإعطاء، فالبائع معط والمشتري آخذ يُقال: شرى بمعنى: باع، واشترى بمعنى: أخذ ويُقال: باع بمعنى: أعطى، وابتاع بمعنى: أخذ. [عودة للفوائد]: أنه لا يجوز بيع الشيء في مكانه الذي اشترى منه حتى يحوزه مشتريه إلى رحله لقوله: "نهى النبي ﷺ أن تُباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ولا فرق في هذا بين ما يحتاج إلى توفية وما لا يحتاج، أي: لا فرق بين ما يبيع جزافًا أو يبيع بكيل

стр. 1763

أو وزن أو عد أو ذرع، فمثلًا لو اشتريت سيارة من معرض وبعتها في هذا المعرض كان هذا حرامًا؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ولو اشتريت كيسًا من البر كل صاع بدرهم هذا يحتاج إلى توفية فلا يجوز أيضًا بيعه حتى تكيله وتحوزه إلى رحلك، وظاهر هذا أنه لا فرق بين أن تكون السلعة فيما يختص بالبائع كدكانه وبيته أو فيما هو عام كالسوق، لأن هذه القصة كانت في السوق، ولكن في النفس من هذا شيء، وذلك لأن السوق رحل للبائع والمشتري، فمثلًا إذا اشتريت كومتين خضرة في سوق الخضار من قثاء أو غيره، فهل نقول: لا يجوز لك أن تبيعه ما دامت في هذا المكان حتى تحوزها إلى رحلك؟ نقول: في هذا نظر، لماذا؟ لأن هذا الذي باعها لم يبعها في مكان يختص به وقد باعها وخلى بينك وبينها، وأنت الآن لو حزتها إلى أي مكان تحوزها، ليس من العُرف والعادة أن الإنسان إذا اشترى شحنة من هذه الأشياء يذهب بها إلى بيته ليبيعها في بيته، أو في دكانه، بل جرت العادة أن يبيعها في هذا المكان وهذا هو الظاهر، وعلى هذا فيكون هذا الحديث خاصًا فيما يُنقل إلى الرحل، أما ما لم تجر العادة بنقله ويكون البائع قد خلى بينه وبين المشتري في مكانه العام فلا يدخل في هذا الحديث. ومن فوائد الحديث: أن للشرع نظرًا في قطع ما يُوجب الحقد والبغضاء، وجه ذلك: أن النبي ﷺ إنما نهى عن بيع السلع في مكان ابتياعها لئلا يربح المشتري، وحينئذ يكون في قلب البائع شيء من الحقد والبغضاء، حتى وإن كان البائع قد باع باختياره لكن من المعلوم أنه إذا كسب عليه المشتري فقد يظن أنه غلبه وأخذه منه بأقل فيكون في نفسه شيء عليه، ولاسيما أن الشيطان يحرص على هذه الأمور، وبناء على هذه العلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لو باعه على من اشتراه منه فإن ذلك لا بأس به أو باعه تولية فإن ذلك لا بأس به، ما معنى تولية؟ يعني: برأس المال بدون ربح، ولكن ظاهر الحديث يُخالف هذا، وأنه لا يجوز بيعه لا تولية ولا مُرابحة ولا على البائع ولا على غيره، وهذا هو الأقرب. ومن فوائد الحديث: جواز البيع والشراء في الأصل؛ لأنه إنما منع بيعها حيث تُبتاع، فيدل على أن الأصل جواز البيع، وهذا هو الأصل لقول الله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا) البقرة ٢٧٥. ونستفيد من الأصل أنه لو ادعى مدعٍ أن عقد بيع معين عقد محرم ماذا نقول؟ نقول: هات الدليل، وإلا فالأصل أن عقد البيع حلال حتى تأتي بدليل.

стр. 1764

٧٧٠ - وعنه ﵁ قال: "قلت يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه وأعطي هذه من هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"، رواه الخمسة، وصححه الحاكم. "البقيع" معروف هو بقع الغرقد الذي فيه مقبرة أهل المدينة، والبقيع معناه: مقتنع الماء وهو موضع قريب من المدينة تُباع فيه الإبل. وقوله: "فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم"، الدنانير جمع دينار وهو النقد من الذهب، والدراهم جمع درهم وهو النقد من الفضة، والنقدان هما الذهب والفضة، فكان بيع بالدنانير ويأخذ بالدراهم وبالعكس. وقوله: "آخذ هذا من هذا وأعطي هذا من هذا"، "من" هنا بدلية أي: بمعنى بدل؛ لأن من معاني "من" البدلية، ومنه قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ [الزخرف: ٦٠]. فآخذ هذا يدل هذا، فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس .... إلخ) مثال ذلك: يبيع البعير بخمسة دنانير ويأخذ عنها ستين درهمًا أو يبيعها بستين درهمًا ويأخذ عنها خمسة دنانير، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء" "لا بأس" أي: لا حرج ولا إثم: "أن تأخذها" الضمير يعود على العوض المأخوذ بدلًا من العوض الثابت في الذمة سواء كان يأخذ الدنانير بدل دراهم أو الدراهم بدل دنانير، لكن اشترط النبي ﷺ شرطين قال: "بسعر يومها" لا تزيد ولا تنقص، فمثلًا إذا باع بخمسة دنانير وكان قيمة الدينار عشرة دراهم كم يأخذ العِوض؟ خمسون درهمًا، لو أخذ عنها ستين درهمًا لا يجوز، أخذ عنها أربعين درهمًا لا يجوز لظاهر الحديث؛ لأنه قال: "بسعر يومها"، أما إذا أخذ عِوض هذه الخمسة ستين درهمًا فإنه لا يجوز، ووجهه: أنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه ربح في دين له في ذمة المشتري فربح في شيء لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، إذن نقول: وجه ذلك: أنه لا يجوز أن يربح في شيء لم يدخل في ضمانه، أما إذا أخذ عنها خمسين يجوز، لأن هذا سعر يومها، إذا أخذ عن الخمسة أربعين وكان قيمة

стр. 1765

الدينار عشرة فظاهر الحديث أنه لا يصح، ولكن ليس هذا مرادًا يعني: أنه يجوز أن يأخذ عن هذه الدنانير الخمسة التي قيمة الدينار عشرة أن يأخذ عنها أربعين؛ لأن هذا في مصلحة المشتري الذي تلفت عليه خمسة دنانير وأنا لم آخذ منه إلا أربعين درهمًا لو ذهب ليشتري الدنانير لدفع خمسين درهمًا. فإذا قال قائل: كيف تخالفون مفهوم الحديث؟ قلنا: إن المفهوم يُصدق ولو بصورة واحدة، وهنا صُدق بصورة واحدة وهي ما إذا كان بزيادة، أما إذا كان ينقص فلا بأس به، لأن قواعد الشرع لا تاباه، كما أنه لو ثبت في ذمتك لي خمسين درهمًا وقلت: أعطني أربعين درهمًا وأنت في حِل أليس هذا بجائز. الشرط الثاني قال: "وما لم تفترقا وبينكما شيء" يعني: أنه يُشترط قبض العوض قبل التفرق، وهذا ظاهر، لأن هذا بيع ذهب بفضة، وبيع الذهب بالفضة يُشترط فيه التقابض قبل التفرق، لقول الرسول ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شيء تم إذا كان يدًا بيد"، إذن لابد أن يستلم البائع عِوض الثمن في مجلس العقد، مثاله: بعت عليك هذا البعير بخمسة دنانير، ثم أردت أن أخذ عن هذه الدنانير دراهم وقيمة الدينار عشرة كم درهمًا آخذ؟ خمسة، قلت: إذن نحول الذهب إلى فضة، وأبقيت في ذمتك خمسين درهمًا، هل يجوز؟ لا يجوز، لابد أن يعطيني ويسلمني الدراهم، ووجهه: ما ذكرت أن بيع الذهب بالفضة يُشترط فيه التقابض في مجلس العقد، فإن أخذت عٍوضًا عنه ما لا يجوز فيه النساء بأن قلت: الدراهم التي في ذمتك آخذ عنها هذه السيارة فوافق، فهل يجوز هذا أو لا يجوز، ولم آخذ السيارة؟ إن قلتم يجوز: أخطأتم، وإن قلتم: لا يجوز أخطأتم، نقول: إذا كانت السيارة تساوي ما في ذمة الذي أعطاها فقد حصلنا على شرط وهو قوله: "بسعر يومها"، فمثلًا إذا كان في ذمته لي عشرة آلاف ريال وقال: أعطيك عنها هذه السيارة، والسيارة تساوي عشرة آلاف ريال وُجد الشرط الآن لكن صرف ولم أشتر منه السيارة، فهل يجوز؟ نحن قلنا: إن الرسول ﷺ اشترط: "وما لم تفترقا وليس بينكما شيء"، اشترط هذا الشرط، لأنه سيأخذ عن الدنانير دراهم أو عن الدراهم دنانير وبيع الذهب بالفضة يشترط فيه التقابض في مجلس العقد، أما بيع السيارة بالدراهم لا يُشترط فيه، وبناء على ذلك فيجوز أن أخذ هذه السيارة عما في ذمته بدون أن أستلمها تبقى عنده متى شيءت استلمتها، والعلة الثانية: "ما لم تفترقا وبينكما شيء"، لأن بيع الذهب بالفضة لابد فيه من التقابض في مجلس العقد، وبناء على هذه العلة لو أُخذت عوضًا عن الدراهم ما يُباح به النسيئة فإنه لا يُشترط القبض في مجلس العقد.

стр. 1766

يُستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: حرص الصحابة- ﵃-على العلم، لسؤال ابن عمر النبي ﷺ عن تصرفه. ثانيًا: أنه يتأكد على كل إنسان أراد أن يفعل عبادة أو أن يعقد عقدًا أن يعرف أحكامه لئلا يقع في خطأ، وهل يُطلب من الإنسان أن يعرف الأحكام قبل أن يفعل أو بعد أن يفعل؟ قبل أن يفعل، لأنه إذا فعل ووقع في الخطأ مشكل قد لا يمكن استدراك هذا الخطأ، ولهذا نجد بعض الناس الآن لما انتشر الوعي وصار الناس يتساءلون عن الدين تجده يسأل عن مسألة لها عشرين سنة، يقول: حججت منذ عشرين سنة وفعلت كذا وكذا، وربما يكون هذا لم يطف طواف الإفاضة، إذا كان لم يطف طواف الإفاضة وتزوج وجاءه أولاد يقع في مشكلة ما هي؟ المشكلة أن من يرى أن عقد النكاح قبل التحلل الثاني فاسد يجعل نكاحه هذا فاسدًا، لكن يوجد قول ثان يقول أن عقد النكاح يعد التحلل الأول جائز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الرسول ﷺ إنما قال: "حلّ لكم كل شيء إلا النساء" يعني: نساءكم، ولا يتوجه النهي عن النساء إلا بعد العقد، ولكن من أخذ بالعموم وقال: إلا النساء سواء كان جماعًا أو مباشرة أو وسيلة فإنه داخل في الحديث كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، فإن عقد النكاح لهذا الرجل ليس بصحيح ويجب أن يُعاد انظر كيف التساهل يعني: بعد عشرين سنة وبعدما تزوج ورزق أولادًا قال: تركت طواف الإفاضة، المهم: أنه يتأكد أن يسأل الإنسان قبل أن يفعل. ومن فوائد الحديث: أنه لا يُشترط في التقابض في بيع الحيوان بالنقود، لقول ابن عمر في الدراهم: نبيعها بالدنانير ثم نأخذ عنها كذا، وهذا يدل على أن الدراهم والدنانير تبقى في ذمة المشتري. ومن فوائد الحديث: جواز بيع الدين لمن هو عليه، كيف ذلك؟ لأن ابن عمر يبيع البعير بالدنانير، فيثبت في ذمة المشتري دنانير، ثم يبيع على المشتري هذه الدنانير، وهذا بيع الدَّين لمن هو عليه، وله أمثلة منها هذا المثال الذي في حديث ابن عمر، ومنها لو كان في ذمتك لي سلم يعني: قد أعطيك دراهم على أن تعطيني مائة صاع بًرّ إلى أجل لما حلّ الأجل بعت عليك هذه الأصواع، فهل يجوز أو لا؟ نعم يجوز، وإنما مثلت بالسّلَم خاصة؛ لأن بعض أهل العلم قال: إن بيع السّلَم لا يجوز حتى ولو كان على ما هو عليه، واستدلوا بحديث ضعيف:

стр. 1767

"من أسلف في شيء فلا يُسلفه إلى غيره"، والحديث ضعيف، ولو صحّ فليس معناه الذي ذهب إليه هذا الدال، لو أنني اشتريت منك سيارة وبقيت السيارة عندك ثم بعتها عليك قبل أن أحوزها إلى رّحلي هل يجوز؟ لا يجوز إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ذكرنا أن ظاهر الحديث العموم. مسألة بيع الدَّين: -هل يجوز بيع الدَّين على غير من هو عليه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، أما المذهب فإنه لا يجوز أن يُباع على غير من هو عليه، مثال ذلك: في ذمتك لشخص مائة صاع بُرّ فباعها الذي هي له على زيد وأحاله عليه، هل يجوز أو لا؟ المذهب لا يجوز، وذلك لأن هذا المشتري قد يقدر على استلام هذا الدّين وقد لا يقدر، فيكون في البيع نوع غرّر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وقال بعض أهل العلم إنه يجوز بيع الدّين على غير من هو عليه بشرط أن يكون معلومًا جنسه وقدره وأجله، إذا كان مؤجلًا وأن يكون مقدورًا على أخذه، وقال: إنه ما دام صاحب الدّين مقرًا به وثقة يمكن أخذ الدّين منه والأجل معلوم والجنس معلوم، والنوع معلوم والقدر معلوم، فإن هذا لا يدخل في بيع الغرر الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وهذا هو الصحيح، ويدل على ذلك أن العلماء ﵏-الذين منعوا بيع الدّين على من هو عليه قالوا: لو باع مغصوبًا بيد الغاصب والمشتري قادر على أخذه فإن ذلك جائز وصحيح، فنقول: المغصوب عين باعها من هو له، والدّين دّين باعه من هو له، ولا فرق بين الدّين والعين، لأن العلة هي القدرة على التسليم، وما دام المشتري قادرًا على تسلم المبيع ممن هو عنده أو في ذمته فلا محظور في ذلك، وهذا القول هو الصحيح، لكن يُشترط ألا يبيعه بما يزيد فيه الربا بأن يكون في ذمة المدِين دراهم ويبيعها الطالب لي شخص ثالث بدنانير، لماذا يشترط؟ لأنه ينتفي التقابض، ولابد من التقابض قبل التفرق، والشرط الثاني: ألا يربح البائع فيها، فإن ربح فهو حرام، لأنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه، مثل أن يكون الدّين الذي في ذمة المطلوب مائة صاع بُرّ، الصاع يساوي عشرة فبعته بأحد عشر فلا يجوز؛ لأنني ربحت في شيء لم يدخل في ضماني.

стр. 1768

*إذن بيع الدّين على غير من هو عليه جائز بشروط: الشرط الأول: أن يكون مقدروًا على أخذه. والشرط الثاني: أن يكون معلومًا جنسه وقدره ووصفه وأجله. والشرط الثالث: ألا يجري فيه ربا النسيئة مع ما باعه به. والشرط الرابع: ألا يربح فيه، فإن ربح فيه فإنه لا يجوز؛ لأنه ربح فيما لم يضمن، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. وإذا تمت هذه الشروط فما المانع ألا نشترط شرطًا خامسًا: بأن يكون المدين مستعدًا للتسليم، هنا قد يكون المشتري في نفسه ظانًا أنه قادر وأن صاحبه سهل الانقياد فيخلف الظن ويكون داخلًا على خطر، بخلاف ما إذا قال المدّين: أنا مستعد للتسليم، يعني: لو قيل بهذا الشرط لأجل قطع الاختلاف لكان هذا القول جيدًا، فتكون الشروط على هذا خمسة، فإن كان هذا الدّين على الغير غير ثابت ما يثبت، جاءنا واحد وقال: أنا أطلب فلانًا مائة صاع، فقال أحد الحاضرين: بعها علي، هذا لا يصح. إذن ممكن أن تضيف هذا الشرط السادس: وهو أن يكون الدّين ثابتًا ببينة أو بإقرار؛ لأنه إذا لم يثبت كيف يبيع عليه شيء لم يثبت. من فوائد هذا الحديث: أنه لا يحل أن يأخذ عِوضًا بأكثر من سعر اليوم لقوله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها". ومن فوائده: اشتراط التقابض فيما يُشترط فيه القبض، أي: فيما يجري فيه ربا النسيئة، وأما ما لا يجري فيه ربا النسيئة فلا يُشترط فيه القبض. هل نأخذ من الحديث: أنه لا يلزم المستفتي أن يسأل عن الموانع؟ نعم، وهو كذلك، يعني: لا يُشترط لجواز الفتوى أن نسأل المستفتي عن الموانع، فإذا استفتاك في رجل مات عن أبيه وأمه وابنه، فقلت: للأب السدس، وللأم السدس، والباقي للابن، هل يُشترط أن تقول قبل أن تُفتي هل أحدهما مخالف للميت في الدّين؟ لا، ولا يُشترط أن تقول: هل أحدهما قاتل الميت، هل أحدهما رقيق، كل هذا لا يجب، فالسؤال عن الموانع عند الفتوى لا يجب، اللهم إلا إذا كان قد بلغ المفتي خبر فأراد أن يتحقق منه، يعني: خبر يمنع من نفوذ الحكم فأراد أن يستفهم، فهذا لا بأس.

стр. 1769

بيع النَّجش: ٧٧١ - وعنه ﵁ قال: "نهى ﷺ عن النَّجش". متفق عليه. النجش مصدر نجش ينجش نجشًا، وأصله: حرث الأرض وإثارتها، والمراد بالنجش: أن يزيد في السلعة ولا يريد شراءها، فنهى عنه ﷺ لما في ذلك من العدوان على الغير وإحداث العداوة والبغضاء بين المسلمين، والناجش لا يريد أن ينفع البائع أو يضر المشتري أو يريد الأمرين معًا، أو يريد بذلك إظهار نفسه مظهر الغنى مثل أن يزيد في سلعة كبيرة لا يشتريها مثله لكن ليظهر للناس أنه غني، فالمهم أن النجش هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد الشراء إما لإضرار المشتري أو نفع البائع أو لهما جميعًا أو لإظهار نفسه مظهر الغني، ونحو ذلك، وإنما نهى عنه الرسول ﷺ لما فيه من العدوان على المشتري، بل وربما على البائع، أما على المشتري فظاهر لأنه يدل من أن يحصلها بعشرة فإنه مع النجش لا يحصلها إلا بخمسة عشر مثلًا، وأما على البائع فلأنه أدخل عليه مالًا بالباطل، ولا يحل لأحد أن يُدخل على أخيه مالًا بالباطل، ومن أدخل على أخيه مالًا بالباطل فإنه في الحقيقة لم ينفعه بل ضره. ومن فوائد الحديث: حماية النبي ﷺ أمته عما يثير العداوة والبغضاء؛ لأنه نهى عن النجش وهو مما يثير العدواة والبغضاء. ومن فوائد الحديث: حماية الإسلام لحقوق الإنسان؛ لأن في النَّجش خِداعًا على الغير، فإذا نهى عنه هذا يتضمن حماية الإنسان من العدوان عليه. ومن فوائده: تحريم النجش، لأن الأصل في النهي التحريم. وهل نقول: من فوائد عدم صحة البيع في حال النَّجش؟ الجواب: لا، البيع صحيح، لأن النهي فيه هو الفعل لا العقد، والنجش لا ينقسم إلى صحيح وباطل، والذي ينقسم إلى صحيح وباطل هو الذي إذا ورد النهي عنه يُقال: إن النهي يقتضي فيه الفساد، وأما ما لا ينقسم إلى صحيح وفاسد فلا يصح أن نقول: إنه صحيح أو أنه فاسد. فلو قال لنا قائل: الظهّار حرام هل فيه ما هو صحيح وفاسد؟ لا؛ لأنه لا ينقسم إلى صحيح وفاسد، لكن البيع إذا وقع في وقت منهي عنه مثل بعد نداء الجمعة الثاني فهو حرام وغير صحيح، لماذا؟ لأن البيع نفسه ينقسم إلى صحيح وباطل، فإذا وقع على الوجه المنهي عنه كان باطلًا، النَّجش ليس فيه تقسيم إلى صحيح وباطل بل كله حرام، فلا نقول: إن من اشترى بالنجش فشراؤه باطل، لا نقول بذلك لماذا؟ لأن النجش لا ينقسم إلى صحيح وباطل، فلا يكون العقد باطلًا.

стр. 1770

ولكن بالنسبة لمن وقع عليه النَّجش فهل شراؤه صحيح؟ نعم صحيح، ولكن هل له الخيار؟ الجواب: نعم، إذا زاد الثمن عن العادة فله الخيار، مثاله: نجش زيد على عمرو، كانت السلعة لولا النَّجش تساوي عشرة، وبالنجش لم يأخذها عمرو إلا بخمسة عشر، نقول: البيع صحيح، ولكن إذا تبين أن فيه نجشًا فإن للمشتري - وهو عمرو - الخيار بين أن يرد السلعة ويأخذ الثمن أو يبقيها بثمنها الذي استقر عليه العقد، لان البائع يقول: ما ذنبي ليس لي ذنب، إما أن تعطوني سلعتي أو الدراهم كلها، لو أن إنسانًا زاد في السلعة رغبة فيها بناء على أن ثمنها قليل وأنه يُؤمل الربح، لكن لما ارتفع تركها، فهل هذا من النَّجش؟ ليس هذا بنجش؛ لأنه ما قصد إضرار غيره ولا نفع البائع على حساب المشتري، وإنما رأى أن هذه السلعة رخيصة، فلما ارتفع ثمنها تركها فهذا ليس من النَّجش، وهذا يقع كثيرًا تجد إنسانًا يسُوم السلعة ويزيد فيها بناء على أنها رخيصة، فإذا ارتفعت قيمتها تركها فهذا لا بأس به. هل من النَّجش أن يزيد الشريك فيما هو شريك فيه وهو يريد نصيب صاحبه؟ ليس من النَّجش، فإذا قال قائل: هو يزيد لنفسه، فالجواب: ليس يزيد لنفسه، بل هو يزيد على نفسه بالنسبة لنصيب شريكه، أما بالنسبة لنصيبه فهو ملكه لا يحتاج أن يقع عليه العقد، فحينئذ لا يصح أن نقول: إنه زاد لنفسه، وعلى هذا فيجوز لأحد الشركاء أن يزيد في السلعة المشتركة، ولا يُعد هذا من النًّجش. النهي عن المحاقلة والمزابنة وما أشبهها: ٧٧٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، وعن الثُنيا إلا أن تُعلم ".رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي. قال: "نهى عن المحاقلة" النهي قال العلماء: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن يطلب منك الناهي شيئًا لتكف عنه على وجه الاستعلاء، فإن كان على وجه الاستجداء فهو سؤال ودعاء، وإن كان على وجه الالتماس، فهو التماس، ولهذا قالوا: إن كان من أعلى إلى أدنى فهو نهي، ومن أدنى إلى أعلى فهو سؤال، ومن مماثل لمماثل فهو التماس، "نهى"، النهي هنا طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن النبي ﷺ طلب منا أن نكف عن هذه الأشياء. أولًا: "المحاقلة" مفاعلة من الحقل وهو الزرع أو مكان الزرع، كما قال رافع بن خديج: كنا أكثر الأنصار حقلًا، فهو الزرع أو مكان الزرع، وكما تعلمون أن المحاقلة مفاعلة تدل على اشتراك

стр. 1771

في الفعل، لأن كلمة مفاعل تدل على المشاركة، فما هي المحاقلة؟ قلنا: إنها من الحقل وهو الزرع أو مكان الزرع، نقول: "أل" في قوله: "المحاقلة" وفيما بعدها للعهد الذهني، يعني: أن المحاقلة أمر معهود عندهم، يأتي الإنسان فيبيع حقله على الآخر بحقله، مثاله: عندي مزرعة وعندك مزرعة فبعتها عليك بمزرعتك وكلتاهما بُرّ، فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن بيع البُرّ بالبر يُشترط فيه التماثل كيلًا، والتماثل هنا - والسنبل على رءوس سُوقه - لا يمكن فهو متعذر، إذن هذا فيه ملاحظة الربا، أما الجهالة فليس فيه جهالة؛ لأنه معلوم، ولهذا لو باع الزرع بدراهم جاز، فهو من باب الربا؛ لأن بيع البُرّ بالبُرّ لا يجوز إلا مع التساوي كيلًا والتقابض، مع أن هنا قد حصل التقابض، لأنه أعطاني المزرعة وأعطيته المزرعة، ولكن فات شيء آخر وهو التساوي أو التماثل. صورة أخرى للمحاقلة: يبيع الزرع على شهر في بُرّ محصود يابس هذا أيضًا لا يجوز، لماذا؟ لتعذر العلم، فإذا فرضنا أن البُرّ المحصود معلوم فإن الزرع غير معلوم فيكون قد باع بُرًا غير معلوم ببُر معلوم فلا يجوز. الثاني: "المزابنة" من الزبن، وهو الدفع بشدة، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع العِوض للآخر دفعًا بشدة، أي: بسرعة. وما هي المزابنة نقول: "أل" فيها للعهد، أي عهد؟ الذهني، وهي بيع معلوم عندهم، وفُسر بأن يبيع العنب بالزبيب، مثاله رجل عنده شجر أعناب، وآخر عنده أكياس من الزبيب، فقال أحدهما لآخر: نتبايع هذه الأشجار من الأعناب بهذه الأكياس من الزبيب، نقول: هذا نهى عنه الرسول ﷺ ملاحظًا فيه الربا؛ لأن بيع العنب بالزبيب لا يجوز، إذ إنه يُشترط التماثل، والتماثل هذا معدوم، لأنه لو فرضنا ان اكياس الزبيب معلومة المقدار، لكن اشجار العنب غير معلومة المقدار، فلو قال: نخرص هذه العنب بمثل ما يئول إليه، قلنا: الخرص في هذا الباب لا يجوز إلا العرايا، ومثل ذلك أيضًا في المزابنة مثلها: إذا باع رطبًا على رءوس النخل بتمر من الزنابيل والأواني فإنه لا يجوز، لأن بيع التمر بالتمر يُشترط فيه التماثل، والتماثل بين الرُطب والتمر متعذر غير معلوم، فيكون هذا حرامًا ملاحظًا فيه جانب الربا. الثالث: "المخابرة" وهي مأخوذة من الخبر، يعني: الزرع، والخبير الزارع مأخوذ من الخيارة، وهي في الأصل: الأرض الرخوة يزرع فيها الحب، والمخابرة "أل" فيها أيضًا للعهد، والمراد بها: المزارعة الفاسدة، ولها صور: الأولى: أن يقول: زراعتك على أن يكون لك البر ولي الشعير، هذا لا يجوز لماذا؟ لأن فيه غررًا قد يكون بالعكس.

стр. 1772

الصورة الثانية: أن يقول: زراعتك على أن يكون لي شرقي الأرض ولك غريبها، هذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة والغرر؛ لأنه قد يكون المحصول كثيرًا من الشرق دون الغرب أو بالعكس، والمشاركات مبناها على المساواة، وهنا لا تسوية. الصورة الثالثة: أن يقول: زراعتك على أن يكون لي مائة صاع من المحصول والباقي لك هذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة أيضًا؛ لأن هذا الزرع ربما لا يأتي منه إلا مائة صاع، وحينئذ يكون صاحب المائة صاغ غانمًا، والثاني غارمًا، وربما يكون في تقديرنا أنه يأتي ألفًا من الأصواع، فتكون نسبة المائة إلى الألف العُشر، ثم يأتي عشرة آلاف صاع فتكون نسبة المائة عُشر العُشر، وحينئذ يكون الذي اشترط المائة صاع غارمًا، وهذا لا يجوز في باب المشاركات. الصورة الرابعة: أن يقول: زراعتك على هذه الأرض خمس سنين، على أن تكون السنة الأولى لي والثانية لك، والثالثة لي، والرابعة لك، والخامسة بيننا، فهذا لا يجوز لماذا؟ للجهالة والغرر؛ لأنها قد تكون خمس سنوات؟ لا، لو قال: لك سنة ولي سنة لا يجوز، لكن ذكرناه على سبيل المثال. الخامس من صور المخابرة الممنوعة: أن يقول: لك ثمرة النخل الذي على البِركة، والباقي لي، أو لك ثمر النخل الذي على السواقي، والباقي لي، فهذا أيضًا لا يجوز لماذا؟ للجهالة. إذن ما هي المخابرة الجائزة؟ المخابرة الجائزة: أن تكون بجزء معلوم مُشاع يعني: شائعًا في كل أجزاء المحصول مثل العُشر، الربع، النصف، ثلاثة أرباع، واحد من مائة، عُشر العُشر، يعني: هذا لا بأس به، لأننا إذا اشترطنا ذلك اشترك الجميع في المغنم والمغرم، فصارت المخابرة المنهي عنها خمسة أقسام تدور كلها على الغرر والجهالة، وأن أحد الشريكين يكون غانمًا والآخر يكون غارمًا، فإن أجّره الأرض بدارهم وقال: خُذ هذه الأرض كل سنة تعطيني عشرة آلاف ريال، فهل يجوز او لا؟ يجوز؛ لأن هذا من باب الإجارة، والزارع يزرع ويحصل قليلًا أو كثيرًا ما علينا، حتى لو لم يزرع فأجرتي ثابتة؛ لأن هذا من باب الإجارة ولهذا قال رافع بن خديج: "فأما الورق فلم ينهنا"، يعني: تأجير الأرض بالفضة، "فلم ينهنا" يعني: رسول ﷺ . قال: "وعن الثُنيا" على وزن صُغرى أو كبرى وليست على وزن ثريا كما في شرح سبل السلام (١)، قال: إنه عن الثُنيا على وزن ثريا، وهذا ليس بصحيح، ولا ادري من أين جاء هذا الضبط المعروف في القاموس وغيره أنها بالضم ثم السكون على وزن صُغرى يعني: عن الثُنيا، المراد بالثُنيا: الاستثناء، "إلا أن تعلم" يعني: نهى الرسول ﷺ في البيع عن الثُنيا إلا أن يكون.

стр. 1773

الاستثناء معلومًا؛ وذلك لأنه إذا لم يكن الاستثناء معلومًا دخل الغرر المنهي عنه، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر. كيف الثنيا المعلومة والثنيا غير المعلومة؟ الثنيا المعلومة أن يقول: بعتك هذا الشيء إلا نصفه فهذا معلوم، إلا ربعه معلوم، فإذا قال: بعتك هذا البيت إلا ربعه، هذا البستان إلا ربعه معلوم، بعتك هذه العشر نخلات إلا عشرها معلوم، كل جزء مشاع يعين فهو معلوم، بعتك هذه النخلات العشر إلا واحدة مجهول لا يصح؛ لأن هذه الواحدة لا ندري ما هي أهي الطويلة وعينتها يصح؛ لأن هذا معلوم، بعتك هذا البيت إلا جزءًا منه لا يجوز هذا لأنه مجهول، فكان لابد من علم المستثنى، بعتك الشاة إلا رأسها معلوم، لو فرض أن هناك شاة لها رأسان وقال: إلا أحد رأسيها، إذا كان رأساها متساويين فهذا معلوم، لكن إذا كان واحد صغيرًا وواحد كبيرًا فهذا مجهول، إذا قال: بعتك هذه الشاة إلا حملها، هذا مجهول، ولهذا قال الفقهاء: إنه لا يصح؛ لأن الحمل مجهول، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يصح؛ لأنه وإن كان استثناء لكنه في الحقيقة استبقاء، فإن الحمل جزء منفصل عن الأم، وكما أنه يصح أن أبيع عليك الحائل يصح أن أبيع عليك هذه الحامل إلا جنينها لأني إذا بعتها عليك إلا الجنين كأني بعت عليك حائلاً، إذ أن الجنين جزء منفصل مستقل قائم بنفسه، بعتك هذه الشاة إلا قلبها، مجهول، ولهذا قال العلماء: إنه مجهول، وكذلك بعتك هذه الشاة إلا كبدها يقولون: إنه مجهول فلا يصح، ولو قيل بالصحة لم يكن بعيدًا؛ لأن هذين العضوين يكادان يكونان معلومين، والاختلاف قريب يسير. القاعدة الآن في باب الاستثناء أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، بعتك هذه الكومة من البر إلا ثلاثة أصواع؟ في خلاف المذهب يقول: لا يصح، وعللوا ذلك بأن الثنيا معلومة، لكن الباقي بعدها مجهول غير معلوم، واستثناء المعلوم من المجهول يصيره مجهولاً، بعتك هذه الكومة إلا نصفها هذا يجوز؛ لأنه مشاع، لكن إلا ثلاثة أصواع فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى جهالة المبيع، وهو الباقي بعد ثلاثة الأصواع، قد أتصور أنه سيبقى بعد ثلاثة أصواع ثلاثون صاعًا، ولا يبقى إلا سبعة وعشرون صاعًا فيقولون: هذا يختلف، ولكن الصحيح أن هذا من الثنيا المعلومة؛ لأن الرسول نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، الذي يعلم ما هو؟ المستثنى، فإذا كان المستثنى معلومًا فلا بأس، وهنا نعلم أن هذه الكومة من الطعام تزيد عن

стр. 1774

كتاب البيوع المستثنى بكثير، نحن استثنيا ثلاثة أصواع وهي تأتي ثلاثمائة صاع، فالصحيح أن استثناء المعلوم من المجهول لا بأس به، كالمثال الذي ذكرنا، بعتك هذه الأرض إلا أربعين مترًا يصح، مثل هذه المسألة الحكم فيها كالحكم في السابقة، المهم إذا كانت تختلف سواء ذات الأرض أو جهات الأرض باعتبار الشوارع فإنه في هذه الحال يحتاج إلى أن يعين. إذن يستفاد من هذا الحديث: النهي عن هذه الأشياء: المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والثنيا إلا أن تعلم، وقد علمنا في أصول الفقه أن النهي يقتضي الفساد، وعليه فإذا جرت العقود على هذه العقود المنهي عنها فهي فاسدة؛ لنهي النبي ﷺ عنها، والنهي يقتضي الفساد وإذا كان النهي يقتضي الفساد فإن التعامل بهذه الأشياء يكون فاسدًا. إذن من فوائد الحديث: تحريم هذه المعاملات التي تفضي إلى النزاع والخصومة وحمل الأحقاد. ومن فوائده: جواز الاستثناء في كل عقد من البيوع وغيرها بشرط أن يكون معلومًا، فإن كان مجهولًا فإنه لا يصح، وهذا في عقود المعاوضات واضح، وفي عقود التبرعات قد نقول بالجواز؛ لأن عقود التبرعات ليس فيها ما يثير العداوة والبغضاء، فلو قال الإنسان لشخص: وهبتك هذا الشيء إلا بعضه فيتوجه الجواز ويعين الواهب البعض الذي استثناه؛ لأن الموهوب لم يخسر شيئًا، إن سلم له الكل فذاك، وإن لم يسلم له إلا أقل القليل فهو رابح على كل حال. ٧٧٣ - وعن أنس ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة"، رواه البخاري. كل هذه أيضًا أنواع من البيع فيها غرر وجهالة أو احتمال ربا. "المحاقلة" وهي مأخوذة من الحقل، وتفسر في هذا الحديث بما فسرت به في الحديث السابق. "المخاضرة" مأخوذة من الخضار، وهي: أن يبيع الحب قبل أن يشتد، يعني وهو أخضر، فهذا لا يجوز، وذلك أنه يؤدي إلى الغرر، فقد يصاب هذا الحب بآفات، ويحصل في ذلك نزاع بين المشتري والبائع، مثاله: رجل عنده مزرعة قد خرجت السنابل وباعها قبل أن يشتد حبها، فهذا لا يجوز إلا إذ باعها على أنها علف بشرط القطع، فهذا يجوز لأنها معلومة وقد بيعت لغرض حاضر فصح البيع، أما إذا بيعت على أنها تكون حبًا قبل أن يشتد فالغرض منها مؤجل، ولهذا إذا باع الزرع وقصده أن يكون علفًا وشرط القطع فلا بأس بذلك، أما إذا باعه على أن يكون حبًا فهذا لا يجوز حتى يشتد؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.

стр. 1775

"والملامسة": أن يقول: أي ثوب لمست فهو لك بكذا، أي شاة تلمس فهي لك بكذا، أي نخلة تلمس فهي لك بكذا، هذا مجهول، مثلًا يغطي عينيه ويقول: اذهب إلى قطيع الغنم أي شاة تلمسها فهي عليك بمائة، فذهب فأمسك شاة فإذا تساوى خمسمائة، يكون الغابن من؟ المشتري، لأنه يبعث عليه بمائة ريال وهي تساوي خمسمائة، ومرة أخرى غطى عينيه وقال: أي شاة تلمسها فهي عليك بمائتين، فوقعت يده على شاة تساوي خمسين، فمن الغابن؟ البائع، إذن لا يجوز للغرر والجهالة، وهذا يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء. كذلك أيضًا لو قال: أي ثوب تلمسه ولو لم يغط عيناه فهو بكذا فإنه لا يجوز؛ لأن هذا وإن علم لدى المشتري فهو مجهول لدى البائع؛ لأن البائع لا يدري أي ثوب يلمس، هذا الإنسان عنده ثياب متنوعة بعضها بمائة وبعضها بألف وبعضها بعشرة ريالات، فقال: أي شيء تلمسه من هذه الثياب فهو لك بخمسين، أخبروني أي ثوب يختاره هذا المشتري؟ أغلى شيء، فيأخذ الثوب الذي يساوي ألفًا على كل حال فهذا مجهول. "المنابذة": أن يقول أي ثوب أنبذه؛ لأن النبذ بمعنى: الطرح، أي ثوب أنبذه فهو عليك بكذا، ما الذي يختاره البائع؟ أدنى ثوب، والمشتري يكون مغبونًا، فلا يصح، أو يقول مثلًا: انبذ حصاة أو عودًا أو ما أشبه ذلك، فعلى أي ثوب يقع فهو لك بكذا، فهذا لا يجوز. إذن للمنابذة صورتان: الأولى: نبذ المبيع. والثانية: أن ينبذ شيئًا على المبيع، وكلتاهما باطلة، المزابنة سبق تفسيرها. هذه المعاملات هل إذا وقعت من إنسان تكون حرامًا ويصح العقد أو هي حرام ولا يصح العقد؟ الثاني: هي حرام ولا يصح العقد، حرام للنهي عنها، ولا يصح العقد؛ لأن النهي منصب على نفس الفعل، وإذا كان النهي موجه إلى نفس الفعل فإن ذلك يقتضي بطلانه؛ لئلا يحصل التفاضل والتناقض، إذ كيف يمكن أن يكون هذا الفعل منهيًا عنه مأذونًا فيه في وقت واحد، لو قلنا بذلك لقلنا بإمكان الجمع بين النقيضين، وهذا أمر مستحيل، فنقول الآن: لو أن إنسانًا باع ببيع محاقلة أو مزابنة أو مخابرة أو استثنى ما لم يعلم أو بيع ملامسة أو منابذة أو مخابرة لكان البيع فاسدًا لوقوع النهي عنه، كم هذه من أنواع؟ سبعة أنواع من البيع نهى عنها الشرع بعضها يومئ إلى الربا وبعضها يومئ إلى الجهالة والميسر. من فوائد الحديث: النهي عن المحاقلة والمزابنة وقد سبق والنهي عن المخابرة وذلك أن الحب قبل أن يشتد يكون عرضة للتلف، ولأن الحب قبل الاشتداد لو أتى برد شديد هلك فهو عرضة للآفات، فيكون في ثمراته مخاطرة، والمخاطرة منهي عنها شرعًا.

стр. 1776

ومن فوائد الحديث: النهي عن الملامسة والمنابذة، وذلك لأنهما من بيع الغرر الذي يؤدي إلى الجهالة والعداوة والبغضاء والندم من المغبون، وكل هذا مما يُنهى عنه في الشرع. النهى عن تلقِّي الرُّكبان: ٧٧٤ - وعن طاوس، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقَّوا الرُّكبان، ولا يبع حاضر لباد. قلت لابن عباس: ما قوله: ولا يبع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ. قال: "لا تلقوا الركبان" الجملة هنا جملة إنشائية متضمنة للنهي عن تلقي الرُّكبان، و "تلقي" بمعنى: استقبال، و "الركبان" جمع راكب، والمراد بهم: كل من يقدم للبلد لبيع سلعته من راكب وماش وواحد وجماعة، لكنه علق الحكم بالركبان، لأن الغالب أن الذين يقدمون البلد لبيع السلع يكونون هكذا راكبين، ويكونون أيضًا جماعة، وإلا فلو قدم واحد لبيع سلعته فله هذا الحكم. وقوله: "لا بيع حاضر لباد"، "الحاضر": صاحب القرية، و"البادي": من ليس من أهل القرية؛ لأنه أتى من البادئة، وهنا "لا يبع" فتكون "لا" ناهية. ثم سأل ابن عباس: ما معنى قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: "لا يكون له سمسارًا" والسمسار هو الذي يبيع لغيره بأجرة، وضده من يبيع لغيره مجانًا، ولكن للنصح، فالسمسار يبيع لغيره لمصلحة نفسه، والمتبرع يبيع لغيره لمصلحة الغير، لكنه يريد الأجر من الله، وبينهما فرق؛ أي: السمسار والمتبرِّع؛ لأن المتبرع ناصح محضًا، والسمسار إنما هو للمصلحة، رجل أناني. وقوله: "تلقوا الركبان" المراد: تلقيهم للشراء منهم، أما إذا تلقاهم ليضيفهم فإن ذلك لا بأس به، فالمراد: تلقيهم للشراء منهم؛ وذلك لأن الشراء منهم فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: ما يخشى من غبنهم؛ لأن هؤلاء قدموا إلى البلد لا يعرفون الأسعار، فيأتي هذا المتلقي الذي تلقاهم خارج البلد ويشتري منهم برخص فيعينهم، المسألة الثانية: أن فيه تفويتًا للربح على أهل البلد؛ لأنه جرت العادة أن هؤلاء الرُّكبان يبيعون برخص ويشتري الناس منهم، ويكسبون من ورائهم، فمن أجل هذين الأمرين نهى النَّبي ﷺ عن تلقي الركبان، أما الحاضر لباد فنهى عنه؛ لأن الحاضر عالم بالسلعة، والبادي غير عالم، والبادي في الغالب يبيع برخص، لأنه يريد أن يقضي حاجته ويمشي، فإذا تولى الحاضر البيع له فإنه لن يبيع برخص سيبيع بالثمن الذي يبيع به الناس، وحينئذ يفوت الناس الفائدة التي تحصل من بيع البادي بنفسه.

стр. 1777

ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: النهي عن تلقي الركبان للشراء منهم لقوله: "لا تلقوا"، وهذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ للتحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأجل العلة التي تفوت بهذا التلقي. ومن فوائد الحديث: حماية الشرع لمصالح العباد الفردية والجماعية، الفردية؛ لأن في النهي عن تلقي الركبان حماية للبائع، وهذه فردية، وتفويت مصلحة لأهل البلد وهذه جماعية، فالشرع يحمي المصالح الفردية والجماعية. وظاهر الحديث النهي عن تلقي الرُّكبان، سواء كانوا يعلمون بالقيمة أو لا يعلمون، أما إذا كانوا لا يعلمون فالأمر ظاهر، وأما إذا كانوا يعلمون فإن العلة ألا يتخذ هذا ذريعة لتلقي من لا يعلم، صحيح أنه ربما يكون الذين قدموا لبلد لبيع سلعهم يعرفون الأسعار تمامًا وربما لم يأتوا لهذا البلد إلا لعلمهم بالسعر لاسيما في وقتنا هذا سهولة المواصلات، والإنسان يستطيع أن يعلم بالهاتف القيمة قبل أن يتوجه من بلده فضلًا عن وصوله للبلد، لكن نقول: الحديث عام ويجب سد الباب. هل إذا اشترى منهم يصح البيع أو لا يصح البيع؟ نقول: في هذا قولان لأهل العلم - وهذه هي الفائدة الرابعة- فمن العلماء من يقول: إن البيع لا يصح؛ وذلك لأن النهي عن التلقي يراد به النهي عن الشراء فيكون النهي حقيقة عائدًا إلى الشراء ويكون هذا الشراء منهيًا عنه ولا يمكن أن يصح، ولكن الصحيح أن الشراء يصح، ودليل ذلك ما يأتي في الحديث الذي بعده أن النَّبي ﷺ قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"، قالوا: وثبوت الخيار له فرع عن صحة البيع إذ لا خيار إلا بعد بيع، ولا شك أن هذا هو ظاهر الحديث أن البيع صحيح، بدليل أن النَّبي ﷺ أثبت للرُّكبان الخيار، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، على أنه يمكن أن يقول قائل: أن المراد بالخيار: الإمضاء، ويكون ذلك من باب تصرف الفضولي، وبناء على هذا يقع العقد موقوفًا حتى يأتي صاحبه السوق ويكون بالخيار، إن أجاز نفذ البيع، وإن لم يجز فالبيع غير نافذ من أصله، ويتفرع على ذلك: ما لو تلف هذا المبيع بين شرائه من خارج البلد وبين وصوله إلى البلد فإن قلنا: إن البيع صحيح فضمانه على من؟ على المشتري؛ لأنه ملكه، وإن قلنا: إن البيع لا يصح، وإنه من باب تصرف الفضولي فالضمان على البائع، ولكن لنا فسحة، وأن نأخذ بظاهر الحديث، ونقول: الأصل أن

стр. 1778

ثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، وحينئذ يكون البيع صحيحًا وللبائع المتلقى الخيار إذا وصل السوق، ويمكن أيضًا أن تنزل على القواعد، فيقال: إن النهي هنا لا يعود إلى معنى يتعلق بالمبيع، وإنما يعود إلى معنى يتعلق بالبائع، حيث إنه يخدع فيشترى منه برخص، والشارع جعل الأمر الذي يتعلق بالعاقد يملك فيه العاقد المغبون الخيار مع صحة البيع، بدليل أنه قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعده فهو بالخيار إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاعًا من تمر"، إذن الجلب نقول: إنه إذا تلقى واشترى فالشراء صحيح، لكن للجالب الخيار إذا وصل السوق فإن كان مغبونًا رد البيع وإن كان غير مغبون فالخيار له. من فوائد الحديث: تحريم بيع الحاضر للبادي لقوله: "لا يبع حاضر لباد". ومن فوائده: أن ظاهر الحديث أنه لا يبيع له مطلقًا، سواء قصد الحاضر البادي أو قصد البادي الحاضر، أي: سواء ذهب صاحب البلد إلى القادم وقال: أبيع لك سلعتك، أو جاء القادم إلى البلد وجاء إلى الرجل وقال: خذ هذه السلعة بعها. فإن ظاهر الحديث: أن كلتا الصورتين حرام لعموم قوله: "لا يبيع حاضر لباد"، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا قصده البادي فلا بأس أن يبيع له ولو على وجه السمسرة؛ وذلك لأن البادي لا يريد أن يبيعها بيع باد بدليل أنه هو الذي جاء إلى الحاضر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ على أنه إذا قصده البادي فلا بأس أن يبيع له؛ لأن البادي لا يريد أن يبيع بيع البدوي ولكن أراد أن تباع بيع الحاضر. ثانيا: ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون البادي عالمًا بالسعر أو جاهلًا به، مع أنه إن كان عالمًا فإن المقصود يفوت؛ لأنه إذا كان عالمًا بالسعر فلن يبيعها إلا كما يبيع الناس، فظاهر الحديث أنه لا يبيع له سواء كان عالمًا بالسعر أو لم يعلم، والمشهور من مذهب الحنابلة أيضًا: أنه إذا كان يعلم بالسعر فلا حرج أن تبيع له؛ لأن المعنى الذي نهى الشارع من أجله عن بيع الحاضر للبادي مفقود في هذه الصورة، أي: فيما إذا كان البادي عالمًا بالسعر؛ لأنك سواء جئت إلى الحاضر أو لم تأت فلن يبيع إلا بالسعر، ويفوت على أهل البلد الربح والفائدة. ثالثًا: ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن تكون السلعة مما يحتاجه الناس كالأطعمة والألبسة، أو مما لا يحتاجه الناس كالأشياء الكمالية، فلو أن الجالب جلب طعامًا أو جلب أشياء ترفيهية لا يحتاج الناس إليها فالحكم سواء لكن فقهاء الحنابلة اشترطوا أن يكون بالناس حاجة إليها، فإن لم يكن بالناس حاجة إليها فلا حرج أن يبيع الحاضر للبادي، ولكن ينبغي أن نأخذ بظاهر الحديث إلا بدليل واضح يدل على التخصيص.

стр. 1779

بقي مسألة وهي: لو أن الحاضر باع للبادي تبرعًا ونصحًا؛ لأنه علم أن البادي سوف يغبن إما لكونه يعلم أنه رجل ليس بذلك القوي في لبيع والشراء، أو يعلم بأن أهل البلد الذين يشترون من الجلب أناس يخدعون، فأراد أن ينصح لهذا القادم ويبيع له تبرعًا فهل هذا جائز؟ الجواب: على تفسير ابن عباس جائز، وعلى ظاهر الحديث ليس بجائز؛ لأن الحديث مطلق، والذي يبرئ ذمة الإنسان أن يأخذ بظاهر النص؛ لأن الله سيسأله يوم القيامة، ليس عن فهم فلان وفلان سيسأله عما أجاب به المرسلين، سيسأله عن كلام الرسول ﷺ ، فالواجب على الإنسان أن يأخذ بظاهر النصوص ما لم يعلم من النصوص الأخرى، أن هذا غير مراد، فإذا علم بأنه غير مراد، فهذا علم بأنه غير مراد فهذا حجته عند الله . في هذا الحديث أيضًا في الجملة الثانية منه هل يصح بيع الحاضر للبادي؟ المشهور من المذهب: أنه لا يصح إذا تمت الشروط بأن قصده الحاضر وكان البادي لا يعلم السعر وبالناس حاجة إليها، فإذا تمت الشروط فإن البيع لا يصح، وهذا هو ظاهر الحديث أن البيع لا يصح، ولكن لو أجاز المشتري ذلك وقال: أنا راضِ فينفي أن يصح؛ لأنه إنما نهى عن بيع الحاضر للبادي من أجل مصلحة المشتري، فإذا رضي بذلك فلا بأس. ٧٧٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقِّي فاشتري منه، فإذا أتى سيِّده السُّوق فهو بالخيار". رواه مسلم. قوله: "لا تلقوا الجلب" نقول فيها كما قلنا في "لا تلقوا الركبان"، لكن هنا الجلب فعل بمعنى مفعول أي: لا تلقوا المجلوب، "فمن تلقي فاشتري منه"، أي: من هذا المجلوب، "فإذا أتى سيده" أي: سيد المجلوب وهو مالكه الأول "فهو بالخيار" النهي هنا يراد به: النهي عن التلقي والشراء، أما مجرد تلقي الجلب من أجل أن يضيفهم أو يوجب بهم فإن النهي لا يرد على هذا. وقوله: "فمن تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده" أي: سيد الجلب وهو المالك الأول؛ لأن السيد يطلق على المالك، وله إطلاقات كثيرة متعددة معروفة في اللغة، وقوله: "السُّوق"، يعني: سوق التجارة الذي يباع فيه ويشترى ف"أل" في قوله: "السوق" للعهد الذهني؛ لأن العهود ثلاثة: عهد ذكري، وعهد ذهني، وعهد حضوري، فالعهد الذكري: أن يكون مدخول "أل" سبق ذكره مثل قوله تعالى: ﴾ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ﴿[المزمل: ١٥]. من الرسول المذكور؟ وأما العهد الحضوري فهو أن تكون "أل" بمنزلة اسم الإشارة مثل قوله تعالى: ﴾ اليوم أكملت لكم دينكم ﴿[المائدة: ٣]. فإن تقديره: هذا اليوم أكملت لكم دينكم، فتسير "أل" إلى شيء حاضر، أما العهد

стр. 1780

الذهني فهو أن يكون مدخول "أل" معلومًا بالذهن، يعني: مفهومًا عند الناس، كما لو قلت: ذهب فان وفلان إلى القاضي، من القاضي؟ معروف، ينصرف إلى القاضي في المحكمة، نقول: "أل" هنا للعهد الذهني، هنا "إذا أتى سيده السوق" "أل" للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر، ولم تكن "أل" بمعنى اسم الإشارة، فكانت للعهد الذهني، يعني: سوق التجارة الذي يباع فيه ويشترى، وقوله: "بالخيار" هذه اسم مصدر ل"اختار"؛ لأن مصدر اختار اختيار، واسم المصدر خيار، واسم المصدر هو: ما وافق المصدر في معناه وحروفه الأصلية دون الزوائد مثل: كلام من كلم، والمصدر تكليم، سلام من سلم والمصدر تسليم، هنا خيار من اختار والمصدر اختيار، إذن فهو بالاختيار أي: ينظر ما هو خير له من إمضاء البيع أو الفسخ. والحكمة من النهي عن تلقي الجلب هو ما أشرنا إليه فيما سبق أن فيه إضرارًا بالبائع وإضرارًا بأهل السوق، أما البائع فلأن المتلقِّي غلبًا يغبن المتلقِّي ولو لم يغبنه ما ذهب يتكلف ويخرج، والثاني: الإضرار بأهل البلد حيث يحرمهم الربح المتوقع من هذا الجالب. في الحديث فوائد منها: أولًا: عموم الشريعة الإسلامية، وأنها كما جاءت في إصلاح الخلق في العبادات، وهي معاملتهم فيما بينهم وبين الله جاءت أيضًا بإصلاح الخلق في العقود وهي المعاملة فيما بين الناس، الرد على من زعم أن الدين الإسلامي ينظم العبادة فقط، وهي المعاملة مع الله، فإن الدين الإسلامي ينظم العبادة والمعاملة، ولا غرابة فإن أطول آية في كتاب الله آية الدَّين، وكلها في معاملة الخلق، ويكون هذا حجرًا يقذف في فم من قال: إن الدين الإسلامي لا ينظم إلا العبادة، نقول: الدين الإسلامي ينظم العبادات والمعاملات جميعًا. ومن فوائد الحديث: حماية حقوق الناس؛ لأننا ذكرنا أن العلة في النهي عن تلقي الجلب هو دفع الضرر الحاصل على البائع وعلى أهل البلد. ومن فوائد الحديث: أن من تلقى فاشتراه فشراؤه صحيح، لكن للمشتري الخيار. إذا قال قائل: بم استدللتم على الصحة؟ نقول: بإثبات الخيار للبائع؛ لأن إثبات الخيار فرد عن الصحة. ومن فوائد الحديث: إثبات خيار الغبن؛ لأن الشرع إنما جعل الخيار للمشتري منه المتلقي لأنه غالبًا يغبن، ووجه ذلك: أن هذا الذي اشترى منه إذا أتى السوق ووجد أن القيمة مناسبة فلا يختار الفسخ، إنما يختار الفسخ إذا وجد نفسه قد غبن، إذن فعلة ثبوت الخيار له هي الغبن، وعلى هذا فيكون في الحديث دليل على ثبوت خيار الغبن، ولكن هل الغبن ثابت في كل عقد يحصل به الغبن أم في صور معينة؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه خاص في صور معينة، وهي ما يحصل بالنَّجش أو بالاسترسال أو بتلقي الجلب، ومن العلماء

стр. 1781

من يقول: إنه ثابت في كل غبن حتى لو غبن من يحسن المماكسة ويعرف كيف يبيع ويشري، لكن غبن لغفلة منه أو لجهله بالسعر لكون الأسعار هبطت بسرعة، فإن له الخيار سواء كان بائعًا أو مشتريًا، وعلى هذا فلو أرسلت صبيك ليشتري لك خبزًا ماذا نقول؟ الخبز الأربعة بريال، فقالوا للصبي: الأربعة بريالين وأخذ الأربعة وأنت أعطيته الريالين وتنتظر أن يأتي بثمان، فلك الخيار؛ لأن الصبي لا يحسن أن يماكس وهو جاهل بالقيمة. مثال آخر: قدم مسافر إلى بلد ووقف على صاحب بقالة وقال: أطلب منك خبزّا بريال فأعطاه خبزتين، وأطلب منك مربى طماطم لأجل أن يكون إدامًا للخبز، فأعطاه القوت هذا بريالين، إذن أعطاه خبزتين بريال وكوب طماطم بريالين هو مسافر وجيد في البيع والشراء لكن لا يعرف السعر في هذا البلد، فالصحيح: أن له الخيار، ويرى بعض العلماء أنه لا خيار له؛ لأنه يعرف يماكس، ويرون أن المسترسل هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن المماكسة، والصحيح: أن كل من جهل القيمة فإن له الخيار، فهؤلاء الجلب الذين تلقوا قد يكونوا من أشد الناس معرفة بالقيم ولكن يجهلون القيمة فلهذا غبنوا. ومن فوائد الحديث: إطلاق لفظ السيد على المالك وهو كذلك؛ لأن أصل السيادة من الشرف، ومعلوم أن للمالك شرفًا على المملوك، ولهذا سمينا مالك العبد سيدًا، ونسمي مالك البهائم ومالك الطعام أيضًا سيدًا، ولذلك قال: "إذا أتى سيده السوق ... إلخ". ومن فوائد الحديث: أن التلقي هو ما كان قبل وصول الجلب إلى السوق ولو من داخل المدينة، وقال بعض أهل العلم: إن التلقي لا يكون إلا من خارج المدينة؛ لأن التلقي عادة يكون خارج المدن، ولهذا يقال: تلقّى المسافر أي: خرج لاستقباله. وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يقول: إن التلقي يصدق باستقبال الجلب قبل دخولهم السوق ولو في المدينة، واستدلوا لذلك بقوله: "فإذا أتى سيده السوق"، ولم يقل: فإذا دخل البلد، فعليه لو كانت البلدة واحدة والسوق في وسطها في قصبة البلد، واستقبلهم أناس في أطراف البلد واشترى منهم، فإنه يكون داخلًا في الحديث؛ أي: فاعلًا للنهى وللجالب الخيار وهذا أقرب إلى المعنى؛ لأنه لا فرق بين أن يتلقاهم في المدينة وأن يتلقاهم في داخلها قبل أن يصلوا إلى السوق. فإن قال قائل: فما تقولون في جلب مرُّوا بالمدينة ولا يريدون دخولها فاشترى منهم شخص وهم سائرون إلى مدينة أخرى، هل يجوز؟ يعني: مثلًا جاءوا من جدّة ومروا ببلدنا ويريدون الرياض ومعهم سلع؟ الظاهر: أنه يجوز، لأنهم لم يقصدوا هذا البلد هم في سفر كما

стр. 1782

يجوز أن تشتري من المسافر، ولذلك يبعد أن يبيعوا على هذا المتلقي؛ لأنهم سيقولون: إن سفرنا إلى الرياض اللهم إلا إذا احتاجوا إلى دراهم في طريقهم، فإنه في هذه الحال قد يبيعون. ما تقولون في رجل خرج يتمشى خارج البلد وإذا هو بقوم معهم جلب هل يجوز أن يشتري منهم؟ لا يجوز، لأن أصل النهي عن الشراء والتلقي وسيلة. بيع الرجل على بيع أخيه المسلم: ٧٧٦ - وعنه ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة أختها لتكفأ ما في إنائها". متَّفق عليه. -ولمسلم: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم". قوله: "حاضر لباد" سبق الكلام عليه، وقوله: "ولا تناجشوا" أيضًا سبق الكلام عليه، قوله: "ولا يبيع الرجل على بيع أخيه"، كلمة "الرجل" لم تذكر للتقييد ولكن ذكرت للغالب، وإذا كان الشيء ذكر للغالب فإنه لا مفهوم له، كل قيد ذكر بناء على الغالب فإنه ليس له مفهوم. وقوله: "لا يبيع الرجل" روي بوجهين: "لا يبع الرجل"، والثاني: "لا يبيع الرجل"، أما "لا يبع الرجل" فلا إشكال فيه؛ لأن "لا" ناهية، و"يبع" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، ولكنه حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، وأما "لا يبيع الرجل" بالرفع ففيه إشكال وهو أن "لا" نافية فهل النفي يفيد النهي؟ الجواب: نعم، قد يكون نفيًا ويراد به النهي فتكون الجملة خبية إنشائية، خبرية باعتبار اللفظ إنشائية باعتبار المعنى؛ لأنها خبر يراد به النهي؛ قال أهل العلم: وكما يجئ الخبر في موضع النهي يجئ الطلب في موضع الخبر، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴾ وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطبكم ﴿[العنكبوت: ١٢]. فإن اللام للأمر، ولكن المراد: الخبر؛ لأن المعنى: ونحن نحمل خطاياكم، الكلام على أن "يبيع" فيها وجهان: "لا يبع" و"لا يبيع"، "الرجل" قيد بالرجولة بناء على الأغلب. "على بيع أخيه"، أخيه في النسب؟ لا أخيه في الإنسانية؟ لا أخيه في الدين؟ نعم؛ لأن الأخوة الإنسانية غير مفصودة شرعًا، وليس بين الناس أخوة إنسانية، ولكن بينهم جنسية إنسانية؛ يعني: أن الكافر من جنس المسلم في الإنسانية، لكن ليس أخاه، ألم تروا إلى نوح قال: ﴾ فقال رب إنَّ ابني منَّ أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين ﴿، فقال تعالى: ﴾ قال ينوح إنه ليس من أهلك ﴿[هود: ٤٥، ٤٦]. مع أنه ابنه، ومن زعم أن هناك أخوة إنسانية بين البشر فقد أبعد النَّعجة؛ لأن الأخوة إما دينية كما في قوله: ﴾ فإخوانكم في الدين ﴿[التوبة: ١١].

стр. 1783

ومثلها الأخوة الإيمانية كما في قوله: ﴾ إنما المؤمنون إخوة ﴿[الحجرات: ١٠]. وإما أخوة في النسب كقوله تعالى: ﴾ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذَّكر مثل حظ الأنثيين ﴿[النساء: ١٧٦]. وقوله: ﴾ وإلى مدين أخاهم شعيبًا ﴿[الأعراف: ٨٥]. وأما قوله: ﴾ كذب أصحب لئيكة المرسلين (١٧٦) إذ قال لهم شعيب ﴿[الشعراء: ١٧٦، ١٧٧]. ولم يقل: أخوهم؛ لأن أصحاب الأيكة غير مدين، بل هم قوم آخرين، إما تابعون لهم أو مستقلون، المهم أن شعيبا ليس منهم؛ ولهذا لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، بل قال: ﴾ إذا قال لهم شعيب ﴿. إذن "على بيع أخيه" يعني: في الدين والإيمان، صورة ذلك: أن يشتري شخص من إنسان سلعة بعشرة ثم يأتيه آخر، ويقول: أعطيك مثلها بتسعة هذه بيع على بيع، أو يقول: أعطيك أحسن منها بعشرة هذا بيع على بيع، ما نقص الثمن، لكن أفضل منها، اختلفت صفة المبيع، هذا بيع على بيع فهذا حرام، وإذا فعل فالبيع باطل لورود النهي عنه بعينه، وكل عقد أو عبادة ورد النهي عنها بعينها فهي باطلة ولا يمكن تصحيحها؛ لأن تصحيحها جمع بين الضدين. هل البيع حرام سواء كان ذلك في مدة الخيار أو بعد انتهاء مدة الخيار؟ في ذلك خلاف؛ فبعض العلماء يقول: إن النهي خاص فيما إذا كان ذلك في زمن الخيارين: خيار المجلس أو خيار الشرط، ومن العلماء من قال: إنه عام فمن قال بالأول قال: إن علة النهي: لئلا يفسخ البيع ويعقد مع الثاني، فيكون في ذلك حسد على البائع الأول، مثاله: باع زيد على عمرو بيتًا بمائة ألف ريال واشترط الخيار لمدة أسبوع فعلم بكر بالعقد فذهب إلى عمرو وقال: اشتريت بيت فلان بمائة ألف، وقال بكر: لك عندي بيت أحسن منه بثمانين ألف، فذهب فرأى بيته أحسن والثمن أقل، فذهب عمرو إلى زيد وقال: إني رجعت، هل له ذلك؟ له ذلك؛ لأنه في زمن الخيار، زمن خيار المجلس، مثاله: باع زيد على عمرو بيته بمائة ألف ريال وهما جالسان فسمع شخص بذلك فجاء إليهم وهم جلوس وقال: يا فلان، أنا أعطيك بيتي بثمانين ألف ريال، وهي أحسن من فلَّة فلان، قال: إذن رجعت، هذا في زمن خيار المجلس، والأول في زمن خيار الشرط، سيكون بين زيد وبين هذا الداخل عداوة، وسب وشتم، لماذا تفعل أنت مثل الشيطان أنت حسود، ويمكن تصل إلى الضرب، أو تصل إلى السلاح؛ ولهذا نهى الشارع عنه، إذا كان بغرر من الخيارين يعني: بعد أن اشترى الرجل من عمرو البيت وتفرقا ولزم البيع جاء شخص آخر وقال: أنا أبيع عليك بيتًا أحسن منه بثمانين ألفًا فلان غالطك هل يمكن أن يرجع ويفسخ البيع؟ لا، لماذا؟ لأنه انتهى زمن الخيار، ولكن سيكون في قلب المشتري ندم وحسرة ويقول: يا ليتني ما تعجلت، وسيكون في قلبه أيضًا حقد وغل على البائع خدعني غلبني. والقول الثاني في المسألة يقول: حتى بعد زمن الخيارين، ويرون أن العلة في ذلك هو إيقاع الندم في قلب المشتري، والثاني إلقاء العداوة بينه وبين البائع، ثالثًا: ربما يتحيل فيبحث عن سبب

стр. 1784

يبيح له الرد والفسخ، أيهما إذن أرجح القول بالعموم أو تقيد ذلك بزمن الخيارين؟ القول بالعموم كما هو ظاهر الحديث: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه". هل يقاس على البيع الشراء؟ لا يشتر على شراء أخيه؟ نعم، نقول: وكذلك الشراء لا يجوز أن يشتري على شراء أخيه، وصورة الشراء: أن يقول لمن باع انتبهوا للمثال لأجل أن يقرب لكم الموضوع- في صورة البيع أن نقول لمن اشترى، وفي صورة الشراء نقول لمن باع هذا يسهل عليك التصوير، علمت أن زيدًا باع على عمرو بيته بمائة ألف فذهبت إلى من؟ إلى زيد، وقلت: يا فلان، أنت بعت بيتك على عمرو بمائة ألف، أنا أعطيك مائة وعشرين ألفًا، إن كانا في زمن الخيارين المجلس أو الشرط فهو حرام على كلا القولين، وإن كانا بعد انتهاء زمن الخيار فهو حرام على أحد القولين، والصحيح: أن الشراء على شرائه في زمن الخيارين وبعد انتهاء زمن الخيارين سواء. فإذا قال قائل: لم أدخلتم صورة الشراء والنبي ﷺ قال: "لا بيع"؟ فالجواب من عدة أوجه: أولًا: أن الشراء قد يطلق عليه البيع، ثانيًا: أن الشراء في معنى البيع والشارع لا يفرق بين متماثلين، فإذا حرّم البيع على بيعه حرّم الشراء على شرائه من باب أولى. ثالثًا: أن في رواية مسلم: "ولا يسم على سومه"، والشراء على شرائه أبلغ من السوم على سومه كما سيأتي في شرح السوم. فإذا قال قائل: هل تلحقون في البيع ما سواه كالإجارة؟ فالجواب: نعم، وذلك من وجهين: إما أن نقول: إن الإجارة بيع المنافع فتدخل في البيع، وإما أن يقال: لا تدخل في البيع، لكن المعنى الذي في البيع موجود في الإجارة، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يؤجِّر على إجارة أخيه، ولا أن يستأجر على استئجار أخيه، أن يؤجر على إجارة أخيه مثل: أن يسمع أن زيدًا آجر عمرًا بألف ريال في السنة فذهب إلى عمرو وقال: أنا أعطيك منزلًا أحسن من هذا بثمانمائة ريال في السنة، هذا إجارة على إجارة، أو يذهب إلى زيد فيقول: أنا أعطيك أجرة ألف ومائتين، هذا استئجار على استئجاره، فصار الآن البيع على البيع والشراء على الشراء والإجارة على الإجارة، والاستئجار على الاستئجار، والسوم على السَّوم كل ذلك محرم، وهل يصح العقد؟ الجواب: لا يصح لا في البيع على بيعه ولا في الشراء على شرائه ولا في الإجارة على إجارته ولا في الاستئجار على استئجاره، ووجه ذلك: أن النهي عائد إلى العقد بنفسه، ولا يمكن أن يرد نهي على مأذون، فيه فإذا ورد نهي عن شيء بعينه صار ذلك الشيء باطلًا لا يصح. ثم قال ﷺ : "ولا يخطب على خطبة أخيه"، "ولا يخطب" يعني: الرجل "على خطبة أخيه" يعني: إذا خطب شخص امرأة فإنه لا يحلّ لرجل آخر أن يذهب ويخطبها من أهلها؛ لأن ذلك عدوان على حق أخيه، والله يقول: ﴾ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿[المائدة: ٢].

стр. 1785

ويقول: ﴾ ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴿[البقرة: ١٩٠]. وقوله: "لا يخطب على خطبة أخيه" فنقول: فيها مثل ما قلنا في قوله: "على بيع أخيه"، فلو خطب رجل امرأة فلا يجوز للمسلم أن يخطبها، ولو خطب نصراني نصرانية فلا يجوز للمسلم أن يخطبها على خطبته من باب أولى، وقوله: "على خطبة أخيه" بناء على الغالب، وقوله: "لا يخطب على خطبة أخيه" أي: الرجل على خطبة أخيه. لو كانت المرأة هي الخاطبة على خطبة أختها فهل يجوز؟ لا يجوز، فلو علمت امرأة أن فلانًا خطب فلانة وكانت تريد أن تتزوج، وقالت: أريد أن أفسخ عليه، فهذا لا يجوز، لأن عدوان على حق الغير. وقد يقول قائل: هناك فرق بين خطبة الرجل وخطبة المرأة؛ لأنه لا يلزم من خطبة الثانية فسخ الأولى؛ لأن بإمكانه أن يجمع بينهما بخلاف الرجل؟ قلنا: نعم، هذا ممكن، لكن من الذي قال: إن هذا الرجل يمكنه أن يأخذ اثنتين فيكون في هذا عدوان. وقوله: "على خطبة أخيه" يدل على أنه ما دامت الخطبة غير قائمة فله أن يخطب، وكيف تكون غير قائمة؟ إذا ردَّ الخاطب، خطب فلان من جماعة وردوه فهل يجوز أن يخطب الثاني؟ نعم. لو قال قائل: لا يجوز لاحتمال أن يرجع مرة أخرى؛ لأن بعض الناس إذا خطب وردوه يصبر شهرًا أو شهرين، ثم يعود ما دام له رغبة في المرأة فما تقولون؟ نقول: هذا وارد، لكن ما دام ردَّ في الأصل، فالأصل عدم القبول ما دام ردوه أول مرة لا يقبلوه مرة ثانية، فيجوز أن يخطب الثاني هذه المرأة. ويستفاد من قوله: "على خطبة أخيه" لو جاءنا فلان الخاطب الأول بأن سمع زيد بأن عمرًا خطب فلانة فذهب إليه وقال: يا فلان، الخطبة هذه أنا راغب فيها، فقال: إذن أنا متنازل، هل يجوز؟ نعم يجوز؛ لماذا؟ لأن الخطبة الآن صارت غير قائمة. لو أن الرجل خطب المرأة وهي مخطوبة لكنه لم يعلم فهل يجوز؟ يجوز؛ لأن لا يعلم ولأن الحديث: "لا يخطب على خطبة أخيه"، وهذا ما خطب على خطبة أخيه؛ لأنه لا يعلم أن أخاه قد خطب، فإن علم أنه خطب، لكن لا يعلم هل ردوه أم قبلوه فهل له أن يخطب؟ ليس له أن يخطب، وهذا هو الصحيح، خلافًا لمن قال: إن هذا خاص فيما إذا قبلوه، وأما إذا لم يعلم فله أن يخطب، والحاصل أن خطبة الرجل الأول إما أن يقبل أو يرد أو لا يدرى حاله، فإن قبل فلا إشكال فيه وإن رد فالخطبة جائزة، ولا إشكال فيه وإن لم يعلم هل ردوه أو قبلوه فقد اختلف على قولين، والصحيح أنه لا يخطب؛ لأن الخطبة قائمة، وقد يكون في إرادتهم أنهم سيوافقون لولا خطبة الثاني، فالصحيح إذا كان لا يدرى حاله فلا يجوز أن يخطب عليه، فإن أذن فإنه جائز؛ لأن الحق له وقد أذن فيه، وإن

стр. 1786

جهل الثاني خطبة الأول جائز أيضًا، وعلى هذا يحمل خطبة أسامة وأبو جهم ومعاوية، ثلاثة خطبوا امرأة واحدة [على عدم العلم] المهم أن نقول مع العلم لا يصح، ولكن إذا أذن هل يجب عليه أن يسحب الخطبة أو له أن يبقى، أو تقول: إن هذا الرجل خطب على وجه مباح فا يلزمه؟ [نقول: اسحب الخطبة وابحث لك على بيت آخر]. ثم قال: "ولا تسأل المرأة" لما ذكر حق الرجل على الرجل، ذكر حق المرأة على المرأة، فقال: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها" يعني: أختها؛ أي: في الدَّين. يؤخذ من هذا الحديث من قوله: "ولا يبع": أن الرسول نهى عن هذا، والمراد بالأخت: الأخت في الدّين. فهل نقول: إن هذه لو سألت طلاق امرأة نصرانية تزوجها مسلم هل هو جائز؟ نقول: لا؛ لأن هذا بناء على الغالب. قال وفي رواية لمسلم: "ولا يسم"، "لا" هذه ناهية، لأنها جزمت الفعل، "ولا يسم المسلم على سوم أخيه"، السَّوم: تقدير الثمن من المشتري وهو معروف، ولكن السوم على نوعين: سوم يزاد فيه، وسوم يطمئن إليه البائع، أما الأول الذي فيه زيادة كل من البائع والمشتري يتساومان، هذا يقول: بعشرة، والثاني يقول: بإحدى عشر، وهكذا، لكن إذا استقر البائع والمشتري، ولم يبق إلا موجب العقد، فإنه لا يجوز لأحد أن يتقدم إلى البائع، لأن البائع قد رضي، أما لو قال البائع: من يزيد، أو بعد أن ركن إليه سمع أن فلانًا يزيد السلعة فذهب فطلب زيادة فهذا لا بأس به. في هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم بيع الحاضر على البادي لقوله: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ"، والأصل في النهي التحريم، لكن الفقهاء ﵏ كما عرفتم جعلوا لذلك شروطًا، ومنها ما ذكره ابن عباس رضي الله عن: "ألَّا يكون له سمسارًا". ثانيًا: أنه لو باع حاضر لباد فلا يصح، لماذا؟ لأن النهي عائد إليه، وما عاد النهي إليه فلن يكون صحيحًا، لكن بعض أهل العلم صحح البيع وقال: إن النهي هنا لا يعود إلى معنى يختص بالبيع، وإنما يعود إلى حق البائع أو البيع، ولكن الصحيح أن البيع لا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عنه، وما ورد النهي عنه فلن يكون مقبولًا لقول ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ومن فوائد الحديث: تحريم النَّجش لقوله: "ولا تناجشوا"، فإذا وقع النَّجش ثم بيع على من نجش عليه فهل البيع صحيح؟ الجواب: نعم، إذ أن النهي ليس عن البيع بل عن النَّجش، لكن للمنجوش إذا غرَّر به أن يرجع يعني: له الخيار، يعني لما رأى هذا الرجل يزيد في السلعة،

стр. 1787

وهو رجل له خبرة ظن أن السلعة لا تقل عن هذا الثمن، فلما تبين له بعد ذلك أنه نجش يثبت له الخيار لأنه قد غرر به. ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه لقوله: "ولا يبع الرجل على بيع أخيه"، وعرفتم في الشرح هل يدخل فيه لقوله: "أخيه" الذمي، أو لا يدخل، فيه خلاف، والصحيح أنه لا يدخل. هل يلحق بالبيع الشراء؟ نعم، لأننا إن قلنا بأن البيع يكون مشتركًا بين البيع والشراء فالأمر واضح، وإن قلنا بأن البيع خاص بالبيع، والشراء له معنى مستقل فإنه يكون خاص بالبيع، وهل يقاس على البيع الإجارة؟ نعم، وجميع العقود، لأن العلة واحدة وهي العدوان على حق الغير. ومن فوائد الحديث: تحريم الخطبة على خطبة المسلم لقوله: "ولا يخطب على خطبة أخيه"، ونقول: في الذّميّ ما قلنا في البيع. ومن فوائد الحديث: أنه إذا ردّ الخاطب أو أذن أو كان الخاطب الثاني جاهلًا، فلا تحريم؛ لأن الخطبة تكون غير قائمة، ونقول في الخطبة على خطبة الذّميّ ما قلنا في البيع على بيعه، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه عدوان، والذمي له حق، وهل يقاس على ذلك خطبة المرأة على خطبة المرأة؟ نعم؛ لأنه عدوان. ومن فوائد الحديث: تحريم سؤال المرأة طلاق أختها لقوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها"، ولكن هل هذا التحريم خاص بما إذا أرادت قطع رزقها لقوله: "لتكفأ ما في إنائها"؟ الجواب: نعم، إن قلنا: اللام للتعليل فهو مختص بها، وإن قلنا: اللام للعاقبة لم يكن مختصًا بها، ومن تأمل عموم النصوص تبين له أن اللام للعاقبة، وأنه حتى وإن لم تطلب قطع رزقها فإنما قصدت الإضرار بها، فإن سؤال الطلاق حرام. ومن فوائد الحديث: بيان ضعف قول من قال من أهل العلم: إن المرأة إذا تزوجت بشرط أن يطلق الزوج زوجته الأولى، فالشرط باطل خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ لأنهم يقولون بجواز ذلك مع أنه قول مخالف للنص، وإذا فرض أن هذا الشرط باطل وتزوجت على هذا الشرط، ولكنه بعد أن تزوج قال: هذا الشرط باطل ولم أطلق الأولى، فهل للزوجة الثانية الجديدة فسخ النكاح؟ فيه تفصيل: إن كانت لا تعلم حكم الشرع فلها الفسخ ولا يمكن أن نعاقبها بأمر لم تعلم به، وإذا أخبرت أن هذا حرام فإنه ليس لها الفراق، ولكن هل لنا أن نعزِّره؟ فيه تفصيل: إذا كان يعلم بالحديث فإنه يؤدِّب؛ لأنه غرر. سألت المرأة طلاق أختها لمصلحتها بأن تكون المرأة قد سئمت من زوجها، وجاءت المرأة الأخرى وقالت: أنا أطلب لها الطلاق فهل يجوز؟ جائز بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لها مما هي عليه من سوء العشرة. لو سألت طلاق أختها لمصلحة الزوج وليس لمصلحة الزوجة؟ ينظر هذه امرأة تزوجت رجلًا

стр. 1788

فأخذت تطلب منه كل يوم نوع من الأرز نوع من الخبز نوع من اللباس، والزوج هذا كالشاة مع الراعي، فأرادت الأخرى أن تنقذ الزوج من هذه المرأة، فذهبت تطلب الطلاق هل يجوز؟ هو جائز، بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لهذا الرجل المغلوب على أمره. إذن نقول: إذا سألت المرأة طلاق أختها فلا يكون إلا في ثلاث حالات: الأولى: أن يكون لمصلحة الزوج أو لمصلحة المرأة وهذا جائز، أن يكون بقطع رزق المرأة هذا لا يجوز، بل حرام؛ لأنه إضرار بالمرأة إذا سأل الرجل طلاق المرأة من زوجها كرجل سأل زوجًا أن يطلق زوجته؟ إذا كان لمصلحة الزوج فجائز، أما إذا كان لمصلحة الزوجة فلا يجوز، أو لقطع رزق المرأة فلا يجوز، إذا كان لغرض السائل هو نفسه يريدها فهذا حرام، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ من سأل من رجل خلعه امرأته ليتزوج منها، إذا كان الشارع نهى عن خطبة المرأة فكيف يكون ذلك؟ وقوله: "لا يسم المسلم"، "يسم" هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا يمكن أن يحذف حرف من وسط الكلمة من أجل الجزم؛ أي: لا يمكن أن يكون عامل الجزم هو الذي حذفها إنما يحذف الحرف للجزم من آخر الكلمة، فالعلة هنا لالتقاء الساكنين؛ لأنه إذا جزم الفعل صار آخره ساكنًا فلا يستقيم آخر ساكن مع الواو -حرف علة- فتحذف، المهم "لا يسم على سومه" يعني: أنه إذا سام المسلم شيئًا وركن البائع إليه فإنه لا يجوز لشخص آخر أن يأتي ويزيد عليه؛ لأن البائع قد ركن إليه، أما إذا كانت المسألة من باب المزايدة فإن هذا جائز بإجماع المسلمين، وليس فيه حرج، يعني: رجل يعرض سلعة ويقول: من يسوم، من يسوم، فقام آخر وقال: أنا أسومها بعشرة، فهل يجوز أن أزيد عليه وأقول: بإحدى عشر؟ نعم يجوز ذلك، وكذلك لو أن البائع هو الذي عرضها، فإنه لا بأس أن أزيد على من سامها أولًا، أما إذا رأيت أن البائع قد اطمأن ولم يبق عليه إلا أن يوجب البيع، فإنه لا يجوز لي أن أسوم على سومه، لما في ذلك من العدوان على حقه؛ ولأن هذا يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين. وهل مثل ذلك السوم على السوم في البيع؟ يعني بأن يجد شخصًا يريد أن يشتري شيئًا، وقد ركن إلى قول البائع، ولم يب عليه إلا أن يوجب البيع، فيأتي إنسان آخر فيقول: أنا أعطيك مثله أو أكثر منه؟ فالجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة، وهي العدوان على حق الغير، ولكن في مسألة السوم لو أنه عقد البيع مع الذي سام على سوم أخيه فهل يصح؟ الجواب: نعم؛ لأن النهي عن السوم، وأما في البيع على بيعه أو الشراء على شرائه فإنه لا يصلح البيع؛ لأن النهي وارد على نفس العقد، وقد سبق لنا قاعدة مهمة في هذا الباب وهو أن النهي إذا عاد إلى ذات الشيء فإنه لا يمكن أن يقع صحيحًا من أجل التضاد، وأما إذا عاد النهي إلى أمر خارج فإنه يأثم ولكن يصح العقد.

стр. 1789

حكم التفريق بين ذوي الرحم في البيع: ٧٧٧ - وعن أبي أيُّوب الأنصاريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة". رواه أحمد، وصحَّحه التِّرمذيُّ والحاكم، ولكن في إسناده مقال وله شاهد. ٧٧٨ - وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرَّقت بينهما، فذكرت ذلك للنَّبي ﷺ فقال: أدركهما، فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعًا". رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، والطَّبرانيُّ، وابن القطَّان. هذان الحديثان موضوعهما واحد وهو: التفريق بين ذوي الرحم في البيع أيجوز أم لا، وهذا الحديث يقول الرسول ﷺ : "من فرَّق بين والدة وولدها ... إلخ" وهذا ضعيف، والوعيد يدل على التحريم، وأن هذا من كبائر الذنوب، مثاله: رجل عنده أنة مملوكة ولها ولد مملوك، وكيف يمكن أن يكون ولده مملوكًا؟ بأن يزوجها من عبد أو من حر يعلم أنها مملوكة، فإذا زوجها من عبد فأولادها مماليك لسيد الأمة، وإذا زوجها من حر وأخبره بأنها أمة فكذلك يكونون أولادها مماليك لسيدها، المهم أن عنده والدة وولدها كلاهما رقيق له فباع الوالدة دون الولد، فإن ذلك لا يجوز، والبيع حرام بل من كبائر الذنوب، ولكن هل يقع البيع صحيحًا؟ الجواب: لا، بل يقع البيع فاسدًا أو يجب عليه أن يرده كما يدل على ذلك حديث عليّ وهو مقتضى القاعدة التي ذكرناها آنفًا، وهو إذا عاد النهي إلى نفس العقد أو نفس العبادة فإنه لا يمكن أن يكون صحيحًا للتضاد؛ لأن النهي يقتضي الفساد فكيف يصح المنهي عنه مع نهي الشارع عنه؟

стр. 1790

من فوائد الحديثين: تحريم التفريق بين ذوي الرحم في البيع وهو من كبائر الذنوب لوجود الوعيد على ذلك، وكبائر الذنوب كل ما فيه وعيد خاص سواء كان هذا الوعيد بالنار أو الغضب أو اللعنة أو البراءة منه أو نقي الإيمان أو نفي الإسلام أو غير ذلك، وكذلك كل ما فيه عقوبة خاصة من قبل الشرع في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب، مثل الزنا واللواط وغيرها، وما ليس كذلك وإنما فيه النهي أو التحريم أو نفي الحل فإن ذلك ليس من كبائر الذنوب. هل يقاس على الوالدة العمة والخالة؟ إذا نظرنا إلى حديث عليّ قلنا: إنها تقاس العمة والخالة؛ لأن في حديث على تحريم التفريق بين الأخوين، وأخذ العلماء من هذا والذي قبله قاعدة، وقالوا: لا يجوز التفريق بين ذوي الرحم في البيع، وإذا قلنا: ما هو الضابط؟ فالضابط أنه لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحل أن يتزوج الآخر لقرابته منه فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فالعمة وابن أخيها لا يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لا يحل التناكح بينهما وابن العم وابن عمه يجوز التفريق بينهما، لماذا؟ لأنه لو كان أحدهما أنثى لجاز أن يتزوجه الآخر، أمُّ وابنتها من رضاع يجوز؛ لأن العلة ليست الرحم ولكن الرضاع. نعود إلى القاعدة فنقول: كل مملوكين لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحلّ للآخر أن يتزوجه للقرابة فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فإن وقع التفريق فالواجب ردّ البيع، كما يدل عليه حديث عليّ بن أبي طالب. يستفاد من الحديثين: رحمة الله بعباده؛ حيث حرّم التفريق بين ذوي الرحم؛ لأنه لا شك أنه يلحق ذوي الرحم بهذا التفريق من التعب والمشقة، ولاسيما بين الأم وولدها ما لا يحتمل أحيانًا، فمن رحمة الله أن حرّم التفريق بينهما. ويستفاد من حديث عليّ: وجوب رد البيع إذا كان باطلًا لقوله: "أدركهما فارتجعهما"، وهكذا كل عقد باطل، فإنه يجب أن يردّ، وكل فسخ باطل فيجب أن يرد، العقود كثيرة والفسوخ مثل: الطلاق في الحيض، فإن الطلاق أحلّ قيد النكاح، فإذا وقع في الحيض وجب رده وإبطاله وعدم احتسابه، وإذا بقيت المرأة ولم ترد فإنها باقية في عصمة الزوج الذي طلقها؛ لأن الطلاق في الحيض على القول الراجح غير واقع؛ لأنه على خلاف أمر الله ورسوله. إذا قال قائل: إلى متى يكون هذا الحكم، هل نقول: إن هذا الحكم يمتد إلى أن يملك أحدهما نفسه، يعني: إلى أن يكبر الصبي أو الصبية أو إلى ما لا نهاية له؟ فيه خلاف؛ فمنهم من أخذ بظاهر الحديثين، وهو أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ومنهم من قال: إنه يفرق بين الصغير والكبير، وأن حد ذلك أن ينفصل الصغير عن الكبير، بحيث لا يحتاج إليه، فإن الغلامين اللذين في حديث علي صغيران بلا شك، لأن الكبير لا يقال له "غلام" إلا من باب التجوز كأن يكون مملوكًا،
следующие страницы →