← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

جهل الثاني خطبة الأول جائز أيضًا، وعلى هذا يحمل خطبة أسامة وأبو جهم ومعاوية، ثلاثة خطبوا امرأة واحدة [على عدم العلم] المهم أن نقول مع العلم لا يصح، ولكن إذا أذن هل يجب عليه أن يسحب الخطبة أو له أن يبقى، أو تقول: إن هذا الرجل خطب على وجه مباح فا يلزمه؟ [نقول: اسحب الخطبة وابحث لك على بيت آخر]. ثم قال: "ولا تسأل المرأة" لما ذكر حق الرجل على الرجل، ذكر حق المرأة على المرأة، فقال: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها" يعني: أختها؛ أي: في الدَّين. يؤخذ من هذا الحديث من قوله: "ولا يبع": أن الرسول نهى عن هذا، والمراد بالأخت: الأخت في الدّين. فهل نقول: إن هذه لو سألت طلاق امرأة نصرانية تزوجها مسلم هل هو جائز؟ نقول: لا؛ لأن هذا بناء على الغالب. قال وفي رواية لمسلم: "ولا يسم"، "لا" هذه ناهية، لأنها جزمت الفعل، "ولا يسم المسلم على سوم أخيه"، السَّوم: تقدير الثمن من المشتري وهو معروف، ولكن السوم على نوعين: سوم يزاد فيه، وسوم يطمئن إليه البائع، أما الأول الذي فيه زيادة كل من البائع والمشتري يتساومان، هذا يقول: بعشرة، والثاني يقول: بإحدى عشر، وهكذا، لكن إذا استقر البائع والمشتري، ولم يبق إلا موجب العقد، فإنه لا يجوز لأحد أن يتقدم إلى البائع، لأن البائع قد رضي، أما لو قال البائع: من يزيد، أو بعد أن ركن إليه سمع أن فلانًا يزيد السلعة فذهب فطلب زيادة فهذا لا بأس به. في هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم بيع الحاضر على البادي لقوله: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ"، والأصل في النهي التحريم، لكن الفقهاء ﵏ كما عرفتم جعلوا لذلك شروطًا، ومنها ما ذكره ابن عباس رضي الله عن: "ألَّا يكون له سمسارًا". ثانيًا: أنه لو باع حاضر لباد فلا يصح، لماذا؟ لأن النهي عائد إليه، وما عاد النهي إليه فلن يكون صحيحًا، لكن بعض أهل العلم صحح البيع وقال: إن النهي هنا لا يعود إلى معنى يختص بالبيع، وإنما يعود إلى حق البائع أو البيع، ولكن الصحيح أن البيع لا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عنه، وما ورد النهي عنه فلن يكون مقبولًا لقول ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". ومن فوائد الحديث: تحريم النَّجش لقوله: "ولا تناجشوا"، فإذا وقع النَّجش ثم بيع على من نجش عليه فهل البيع صحيح؟ الجواب: نعم، إذ أن النهي ليس عن البيع بل عن النَّجش، لكن للمنجوش إذا غرَّر به أن يرجع يعني: له الخيار، يعني لما رأى هذا الرجل يزيد في السلعة،

стр. 1787

وهو رجل له خبرة ظن أن السلعة لا تقل عن هذا الثمن، فلما تبين له بعد ذلك أنه نجش يثبت له الخيار لأنه قد غرر به. ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه لقوله: "ولا يبع الرجل على بيع أخيه"، وعرفتم في الشرح هل يدخل فيه لقوله: "أخيه" الذمي، أو لا يدخل، فيه خلاف، والصحيح أنه لا يدخل. هل يلحق بالبيع الشراء؟ نعم، لأننا إن قلنا بأن البيع يكون مشتركًا بين البيع والشراء فالأمر واضح، وإن قلنا بأن البيع خاص بالبيع، والشراء له معنى مستقل فإنه يكون خاص بالبيع، وهل يقاس على البيع الإجارة؟ نعم، وجميع العقود، لأن العلة واحدة وهي العدوان على حق الغير. ومن فوائد الحديث: تحريم الخطبة على خطبة المسلم لقوله: "ولا يخطب على خطبة أخيه"، ونقول: في الذّميّ ما قلنا في البيع. ومن فوائد الحديث: أنه إذا ردّ الخاطب أو أذن أو كان الخاطب الثاني جاهلًا، فلا تحريم؛ لأن الخطبة تكون غير قائمة، ونقول في الخطبة على خطبة الذّميّ ما قلنا في البيع على بيعه، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأنه عدوان، والذمي له حق، وهل يقاس على ذلك خطبة المرأة على خطبة المرأة؟ نعم؛ لأنه عدوان. ومن فوائد الحديث: تحريم سؤال المرأة طلاق أختها لقوله: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها"، ولكن هل هذا التحريم خاص بما إذا أرادت قطع رزقها لقوله: "لتكفأ ما في إنائها"؟ الجواب: نعم، إن قلنا: اللام للتعليل فهو مختص بها، وإن قلنا: اللام للعاقبة لم يكن مختصًا بها، ومن تأمل عموم النصوص تبين له أن اللام للعاقبة، وأنه حتى وإن لم تطلب قطع رزقها فإنما قصدت الإضرار بها، فإن سؤال الطلاق حرام. ومن فوائد الحديث: بيان ضعف قول من قال من أهل العلم: إن المرأة إذا تزوجت بشرط أن يطلق الزوج زوجته الأولى، فالشرط باطل خلافًا للمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ لأنهم يقولون بجواز ذلك مع أنه قول مخالف للنص، وإذا فرض أن هذا الشرط باطل وتزوجت على هذا الشرط، ولكنه بعد أن تزوج قال: هذا الشرط باطل ولم أطلق الأولى، فهل للزوجة الثانية الجديدة فسخ النكاح؟ فيه تفصيل: إن كانت لا تعلم حكم الشرع فلها الفسخ ولا يمكن أن نعاقبها بأمر لم تعلم به، وإذا أخبرت أن هذا حرام فإنه ليس لها الفراق، ولكن هل لنا أن نعزِّره؟ فيه تفصيل: إذا كان يعلم بالحديث فإنه يؤدِّب؛ لأنه غرر. سألت المرأة طلاق أختها لمصلحتها بأن تكون المرأة قد سئمت من زوجها، وجاءت المرأة الأخرى وقالت: أنا أطلب لها الطلاق فهل يجوز؟ جائز بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لها مما هي عليه من سوء العشرة. لو سألت طلاق أختها لمصلحة الزوج وليس لمصلحة الزوجة؟ ينظر هذه امرأة تزوجت رجلًا

стр. 1788

فأخذت تطلب منه كل يوم نوع من الأرز نوع من الخبز نوع من اللباس، والزوج هذا كالشاة مع الراعي، فأرادت الأخرى أن تنقذ الزوج من هذه المرأة، فذهبت تطلب الطلاق هل يجوز؟ هو جائز، بل قد يكون محمودًا؛ لأن فيه إنقاذًا لهذا الرجل المغلوب على أمره. إذن نقول: إذا سألت المرأة طلاق أختها فلا يكون إلا في ثلاث حالات: الأولى: أن يكون لمصلحة الزوج أو لمصلحة المرأة وهذا جائز، أن يكون بقطع رزق المرأة هذا لا يجوز، بل حرام؛ لأنه إضرار بالمرأة إذا سأل الرجل طلاق المرأة من زوجها كرجل سأل زوجًا أن يطلق زوجته؟ إذا كان لمصلحة الزوج فجائز، أما إذا كان لمصلحة الزوجة فلا يجوز، أو لقطع رزق المرأة فلا يجوز، إذا كان لغرض السائل هو نفسه يريدها فهذا حرام، وقد أنكر الإمام أحمد ﵀ من سأل من رجل خلعه امرأته ليتزوج منها، إذا كان الشارع نهى عن خطبة المرأة فكيف يكون ذلك؟ وقوله: "لا يسم المسلم"، "يسم" هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا يمكن أن يحذف حرف من وسط الكلمة من أجل الجزم؛ أي: لا يمكن أن يكون عامل الجزم هو الذي حذفها إنما يحذف الحرف للجزم من آخر الكلمة، فالعلة هنا لالتقاء الساكنين؛ لأنه إذا جزم الفعل صار آخره ساكنًا فلا يستقيم آخر ساكن مع الواو -حرف علة- فتحذف، المهم "لا يسم على سومه" يعني: أنه إذا سام المسلم شيئًا وركن البائع إليه فإنه لا يجوز لشخص آخر أن يأتي ويزيد عليه؛ لأن البائع قد ركن إليه، أما إذا كانت المسألة من باب المزايدة فإن هذا جائز بإجماع المسلمين، وليس فيه حرج، يعني: رجل يعرض سلعة ويقول: من يسوم، من يسوم، فقام آخر وقال: أنا أسومها بعشرة، فهل يجوز أن أزيد عليه وأقول: بإحدى عشر؟ نعم يجوز ذلك، وكذلك لو أن البائع هو الذي عرضها، فإنه لا بأس أن أزيد على من سامها أولًا، أما إذا رأيت أن البائع قد اطمأن ولم يبق عليه إلا أن يوجب البيع، فإنه لا يجوز لي أن أسوم على سومه، لما في ذلك من العدوان على حقه؛ ولأن هذا يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين. وهل مثل ذلك السوم على السوم في البيع؟ يعني بأن يجد شخصًا يريد أن يشتري شيئًا، وقد ركن إلى قول البائع، ولم يب عليه إلا أن يوجب البيع، فيأتي إنسان آخر فيقول: أنا أعطيك مثله أو أكثر منه؟ فالجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة، وهي العدوان على حق الغير، ولكن في مسألة السوم لو أنه عقد البيع مع الذي سام على سوم أخيه فهل يصح؟ الجواب: نعم؛ لأن النهي عن السوم، وأما في البيع على بيعه أو الشراء على شرائه فإنه لا يصلح البيع؛ لأن النهي وارد على نفس العقد، وقد سبق لنا قاعدة مهمة في هذا الباب وهو أن النهي إذا عاد إلى ذات الشيء فإنه لا يمكن أن يقع صحيحًا من أجل التضاد، وأما إذا عاد النهي إلى أمر خارج فإنه يأثم ولكن يصح العقد.

стр. 1789

حكم التفريق بين ذوي الرحم في البيع: ٧٧٧ - وعن أبي أيُّوب الأنصاريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فرَّق بين والدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة". رواه أحمد، وصحَّحه التِّرمذيُّ والحاكم، ولكن في إسناده مقال وله شاهد. ٧٧٨ - وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما، ففرَّقت بينهما، فذكرت ذلك للنَّبي ﷺ فقال: أدركهما، فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعًا". رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، والطَّبرانيُّ، وابن القطَّان. هذان الحديثان موضوعهما واحد وهو: التفريق بين ذوي الرحم في البيع أيجوز أم لا، وهذا الحديث يقول الرسول ﷺ : "من فرَّق بين والدة وولدها ... إلخ" وهذا ضعيف، والوعيد يدل على التحريم، وأن هذا من كبائر الذنوب، مثاله: رجل عنده أنة مملوكة ولها ولد مملوك، وكيف يمكن أن يكون ولده مملوكًا؟ بأن يزوجها من عبد أو من حر يعلم أنها مملوكة، فإذا زوجها من عبد فأولادها مماليك لسيد الأمة، وإذا زوجها من حر وأخبره بأنها أمة فكذلك يكونون أولادها مماليك لسيدها، المهم أن عنده والدة وولدها كلاهما رقيق له فباع الوالدة دون الولد، فإن ذلك لا يجوز، والبيع حرام بل من كبائر الذنوب، ولكن هل يقع البيع صحيحًا؟ الجواب: لا، بل يقع البيع فاسدًا أو يجب عليه أن يرده كما يدل على ذلك حديث عليّ وهو مقتضى القاعدة التي ذكرناها آنفًا، وهو إذا عاد النهي إلى نفس العقد أو نفس العبادة فإنه لا يمكن أن يكون صحيحًا للتضاد؛ لأن النهي يقتضي الفساد فكيف يصح المنهي عنه مع نهي الشارع عنه؟

стр. 1790

من فوائد الحديثين: تحريم التفريق بين ذوي الرحم في البيع وهو من كبائر الذنوب لوجود الوعيد على ذلك، وكبائر الذنوب كل ما فيه وعيد خاص سواء كان هذا الوعيد بالنار أو الغضب أو اللعنة أو البراءة منه أو نقي الإيمان أو نفي الإسلام أو غير ذلك، وكذلك كل ما فيه عقوبة خاصة من قبل الشرع في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب، مثل الزنا واللواط وغيرها، وما ليس كذلك وإنما فيه النهي أو التحريم أو نفي الحل فإن ذلك ليس من كبائر الذنوب. هل يقاس على الوالدة العمة والخالة؟ إذا نظرنا إلى حديث عليّ قلنا: إنها تقاس العمة والخالة؛ لأن في حديث على تحريم التفريق بين الأخوين، وأخذ العلماء من هذا والذي قبله قاعدة، وقالوا: لا يجوز التفريق بين ذوي الرحم في البيع، وإذا قلنا: ما هو الضابط؟ فالضابط أنه لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحل أن يتزوج الآخر لقرابته منه فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فالعمة وابن أخيها لا يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لا يحل التناكح بينهما وابن العم وابن عمه يجوز التفريق بينهما، لماذا؟ لأنه لو كان أحدهما أنثى لجاز أن يتزوجه الآخر، أمُّ وابنتها من رضاع يجوز؛ لأن العلة ليست الرحم ولكن الرضاع. نعود إلى القاعدة فنقول: كل مملوكين لو قدر أن أحدهما ذكر لم يحلّ للآخر أن يتزوجه للقرابة فإنه لا يجوز التفريق بينهما، فإن وقع التفريق فالواجب ردّ البيع، كما يدل عليه حديث عليّ بن أبي طالب. يستفاد من الحديثين: رحمة الله بعباده؛ حيث حرّم التفريق بين ذوي الرحم؛ لأنه لا شك أنه يلحق ذوي الرحم بهذا التفريق من التعب والمشقة، ولاسيما بين الأم وولدها ما لا يحتمل أحيانًا، فمن رحمة الله أن حرّم التفريق بينهما. ويستفاد من حديث عليّ: وجوب رد البيع إذا كان باطلًا لقوله: "أدركهما فارتجعهما"، وهكذا كل عقد باطل، فإنه يجب أن يردّ، وكل فسخ باطل فيجب أن يرد، العقود كثيرة والفسوخ مثل: الطلاق في الحيض، فإن الطلاق أحلّ قيد النكاح، فإذا وقع في الحيض وجب رده وإبطاله وعدم احتسابه، وإذا بقيت المرأة ولم ترد فإنها باقية في عصمة الزوج الذي طلقها؛ لأن الطلاق في الحيض على القول الراجح غير واقع؛ لأنه على خلاف أمر الله ورسوله. إذا قال قائل: إلى متى يكون هذا الحكم، هل نقول: إن هذا الحكم يمتد إلى أن يملك أحدهما نفسه، يعني: إلى أن يكبر الصبي أو الصبية أو إلى ما لا نهاية له؟ فيه خلاف؛ فمنهم من أخذ بظاهر الحديثين، وهو أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ومنهم من قال: إنه يفرق بين الصغير والكبير، وأن حد ذلك أن ينفصل الصغير عن الكبير، بحيث لا يحتاج إليه، فإن الغلامين اللذين في حديث علي صغيران بلا شك، لأن الكبير لا يقال له "غلام" إلا من باب التجوز كأن يكون مملوكًا،

стр. 1791

فيقال: غلام وأمة أو عبد وأمة، والأقرب التقييد، لأنهما إذا انفصلا بعضهما عن بعض، واستغنى بعضهما عن بعض، فإن الرِّقة والرحمة التي تكون بينهما -في الغالب- تزول، ولهذا لا تجد الرقة والحنان والرأفة الذي في قلب الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر، فنقول: متى كان هذا الغلام محتاجًا إلى الأم لولدها في حال صغره مساوية لذلك فيما إذا كبر؟ فمتى كان هذا الغلام محتاجًا إلى أمه أو إلى أخيه أو إلى عمه والرأفة والحنان باق، فإنه لا يجوز التفريق وأما بعد البلوغ واستقلال كل واحد منهما بنفسه، فإنه لا يحرم التفريق. وهذا التفريق في البيع خاصة أو حتى في العتق؟ الجواب: في البيع خاصة، أما في العتق فيجوز أن يعتق الأم ويدع الولد، أو يعتق الولد ويدع الأم، لأنه لا ضرر في هذا؛ إذا إن الحر يملك نفسه، فإذا أعتقه فبإمكانه أن يرجع إلى أمه ويبقى معها؛ لأنه ليس ملكًا لأحد. وهل يشمل الحديث التفريق بين الوالدة وولدها من البهائم؟ قال بعض العلماء بالعموم، وأنه لا يجوز أن يبيع السخلة دون أمها ولا أم السلخة دون السخلة، ولكن هذا فيه نظر؛ إذ هل نقول: لا تذبح الأم دون السخلة ولا السخلة دون الأم وهذا لا شك أنه خلاف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والصواب: أن هذا خاص في بني آدم فقط، وأما البهائم فا بأس، لكن يمنع من أن يذبحها أمام أمها. حكم التسعيرة: ٧٧٩ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "غلا السِّعر بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ فقال النَّاس: يا رسول الله، غلا السِّعر، فسعِّر لنا، فقال رسول الله ﷺ إنَّ الله هو المسعِّر، القابض، الباسط، الرَّازق، وإنِّي لأرجو أن القى الله تعالى، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال". رواه الخمسة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه ابن حبَّان. قوله: "غلا السعر" أي: ارتفع وزاد، يقال: غلا يغلو وكل هذه المادة الام والغين والألف أو الواو كلها فيها نوع من الزيادة: ﴾ كالمهل يغلى في البطون (٤٥) كغلى الحميم ﴿[الدخان: ٤٦]. والغليان فيه ارتفاع وزيادة، "غلا السّعر" يعني: ارتفع وزاد فيه أيضًا زيادة، و"السعر": قيمة الأشياء، يعني مثلًا صاع البر بكذا، وصاع التمر بكذا، وصاع الأقط بكذا؛ لأنه إذا سعر فلن يزيد أحد على تسعيره، ولكن الرسول ﷺ قال أن ذلك ليس إليه؛ لأن من بيده ملكوت السموات

стр. 1792

والأرض هو الله فقال: "إن الله هو المسعّر" يعني: هو الذي بيده الأمر إن شاء أغلى السِّعر وإن شاء أرخص السعر، كيف ذلك؛ لأن سبب الغلاء إما زيادة في نمو الناس، وإما نقص في المحصول، وإما جشع وطمع، وكل ذلك بيد الله الزيادة في النمو بيد الله، وكذلك أيضًا النقص في المحصول والزيادة فيه بيد الله، ومعلوم أنه إذا نقص المحصول زاد السعر، أو يكون من باب الطمع والجشع، وهذا أيضًا بيد الله؛ لأن الطمع والجشع من فعل الإنسان، والله تعالى خالق للإنسان وخالق لفعله، ولهذا قال النَّبيّ ﷺ : "إن الله هو المسعر"؛ لأنه هو الذي يفعل أسباب الزيادة وأسباب النقص، القابض الباسط، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴿[الروم: ٣٧]. فهو "القابض": الذي يقبض الشيء ويقلله، وهو "الباسط" الذي يبسطه ويوسعه ويكثره، وهذا من جملة أفعاله : ﴾ والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ﴿[البقرة: ٢٤٥]. قال: "الرازق" يعني: المعطي، والرازق في الأصل العطاء، كما قال الله تعالى: ﴾ فارزقوهم منه ﴿[النساء: ٨].﴾ وارزقوهم فيها ﴿[النساء: ٥]. أي: أعطوهم، ورزق الله ينقسم إلى قسمين: رزق مادة الحياة الجسدية، ورزق مادة الحياة الروحية، فالأول يكون بالطعام والشراب والكسوة والسكن، والثاني يكون بالعلم والإيمان. وعلى هذا فنقول: من ليس له كسب إلا المحرم كالمرابي هل الله رازقه؟ الجواب: نعم، رازقه بالمعنى الأول، أما بالمعنى الثاني فلا شك أنه ناقص الإيمان؛ لأنه لو كان إيمانه كاملًا ما انتهك محارم الله في الربا. الكافر مرزوق بأي المعنيين؟ بالمعنى الأول؛ لأن الله رزقه ما يقوم به جسده، أما ما يقوم به قلبه من العلم والإيمان فإنه مفقود؛ لأن علمه إن كان عنده علم ينتفع به وإيمانه معدوم. يقول: "وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"، الرجاء: هو الطلب النفسي مع وجود أسباب حصول المطلوب، إذن فهو في الأمور الميسورة، والتمني في الأمور المتعذرة، أو المتعسرة، لكنه طلب كالرجاء، لكن الرجاء يكون في الأمور القريبة، والتمني في الأمور البعيدة، وقوله: "إني لأرجو أن ألقى الله تعالى"، ومعنى "تعالى" أي: ترفّع، وتعاليه معنوي وحسِّي، أما تعاليه المعنوي فهو أنه متعال عن كل نقص، وأما الحسي فهو متعالٍ على جميع الخلق كما قال تعالى: ﴾ الكبير المتعال ﴿[الرعد: ٩]. يقول: "وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة"، يعني: يكون له عندي مظلمة ويجوز مظلمة، "في دم ولا مال"، "في دم" كالاعتداء على الناس، "ولا مال" كالاعتداء على المال، هذا الحديث القصة فيه واضحة وهي أن الصحابة لما غلا السعر ذهبوا إلى النبي ﷺ -باعتباره ذا السلطة والإمامة- أن يسعَّر لهم، فامتنع النِّبي ﷺ وبيَّن أن الأمر بيد الله ، وأن التسعير على الناس نوع من الظلم، ورجا الله أن يلقاه وما أحد منهم يطلبه بمظلمة في دم ولا مال.

стр. 1793

فيستفاد منه فوائد: أولًا: أن غلاء السعر سبب للقلق؛ أي: قلق الناس واضطرابهم، وهو كذلك لما فيه من ضيق القوت. ويتفرع على هذه الفائدة: أن رخص الأسعار فيه توسعة للناس وانبساط، ولكن اعلم أن رخص الأسعار قد يكون أحيانًا ضررًا على آخرين ولكن العبرة بالعموم، فرخص الأسعار مثلًا في المنتوجات قد يتضرر به المنتجون، لكن عامة الناس ينتفعون به، والمصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، ألا ترى إلى المطر يعتبر من رحمة الله ويفرح الناس به وقد يكون ضررًا على بعض الناس كالمزارع لا يحب المطر؛ لأنه قد أسقى زرعه آخر تسقية، وإذا أسقاه آخر، فربما يتضرر الزرع بما يأتي بعد ذلك من الماء، أو يكون شخص قد بنى بنيانًا ولم ييبس، فإذا جاء المطر ضره وهدم بنيانه .... إلى غير ذلك من المسائل التي يكون فيها المطر ضررًا، لكنه ضرر مغتفر؛ لأن قليل في جانب النفع العام. ومن فوائد الحديث: أن الصحابة ﵃ يشكون الأمور التي تقلقهم إلى الرسول ﷺ رجاء أن يعالجها بنفسه أو بدعاء الله الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعوا الله أن يغيثنا، هذا طلب من الرسول ﷺ علاج هذا الموقف بدعاء الله، وهنا الصحابة طلبوا علاج الموقف بفعل النبي ﷺ ، ولكن الرسول تبرأ من ذلك. ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله هو الذي بيده الأمور دون غيره؛ لقوله: "القابض، الباسط، الرازق"، وهذا يقوله النَّبي ﷺ وهو أحق الناس بأن يكون له شيء من التكبر لو كان لأحد من المخلوقين شيء من التكبر، فإذا انتفى هذا الأمر بالنسبة لرسول الله ﷺ فانتفاؤه بالنسبة لغيره من باب أولى، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يعلَّق قلبه بأحد إلا بالله. ومن فوائد الحديث: وصف الله بأنه مسعّر؛ لأن التسعير نوع من أنواع فعله سبحانه، فهو الذي يسعر الأشياء، ويقدر قيمتها بما يقدره من الأسباب، وقد ذكرنا أسباب الغلاء قبل قليل بأنها ثلاثة: زيادة النمو، قلة المحصول، الجشع والطمع. ومن فوائد الحديث: وصف الله بالقابض والباسط لقوله: "القابض، الباسط". ومن فوائد الحديث: وصفه بالرازق، فهل هذه أوصاف وصف الله بها؛ لأنها من أنواع أفعاله أو هي أسماء؟ يحتمل أن تكون أسماء من أسماء الله؛ لأنها دخل عليها "أل"، ويحتمل أن تكون أوصافًا؛ لأنا أنواع من الفعل، فهي كالضحك والغضب والسخط والرضا، فهي أنواع من الفعل فلا تكون من أسماء الله؛ ولهذا لم يأت شيء منها في القرآن إلا بلفظ الفعل:

стр. 1794

﴾ يقبض ﴿، ﴾ ويبصط ﴿، أما الرازق فجاءت في قوله تعالى: ﴾ والله خير الرزقين ﴿[الجمعة: ١١]. لكن الرزاق هنا غير الرزاق لأنه قال: ﴾ خير الرزقين ﴿، والمفضل غير المفضل عليه، لكن جاءت في القرآن اسمًا بلفظ: "الرزاق"، وفرق بين الرازق والرزاق؛ لأن الرزاق نسبة وصيغة مبالغة بخلاف الرازق. ومن فوائد الحديث: تحريم التسعير لقوله: "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة"، وهذا يدل على أن التسعير ظلم؛ لأن فيه احتكار للسلعة، فإذا سعَّر ولي الأمر، وقال: لا يباع إلا بكذا، هذا لا شك أن فيه احتكار؛ لأن الأشياء قد ترتفع مؤنتها، ويحتاج البائعون إلى زيادة الثمن، وهذا كله بيد الله، ولكن في هذا تفصيل، فإن كان سبب الغلاء احتكار الناس وطمعهم فإن الواجب على ولي الأمر أن يسعر، وإن كان سبب الغلاء زيادة النمو أو قلة المحصول فهذا ليس بفعل الإنسان فلا يجوز لولي الأمر أن يسعر، وإنما عليه أن يوفر ما يحتاجه الناس إذا أمكنه ذلك. إذ قال قائل: ما دليلكم على أنه إذا كان سبب الغلاء احتكار الناس فإنه يجوز التسعير؟ قلنا: دليلنا الحديث الذي بعده أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطئ"، وإذا كان لا يحتكر إلا خاطئ دلّ هذا على أن الاحتكار حرام، لأن الخاطئ مرتكب الإثم عن عمد، والمخطئ مرتكب الإثم عن غير عمد؛ ولهذا يعفى عن المخطئ ويعاقب الخاطئ، قال الله تعالى في سورة العلق: ﴾ ناصية كذبة خاطئة ﴿[العلق: ١٦]. وقال تعالى: ﴾ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴿[البقرة: ٢٨٦]. واسم الفاعل من﴾ أخطأنا ﴿: مخطئ؛ لأنه رباعي، واسم الفاعل من خطئ: خاطئ، فالخاطئ آثم، والمخطئ غير آثم، إذن المحتكر خاطئ آثم، وإذا كان آثمًا وجب أن ترفع هذا الربح، فإذا كان سبب الغلاء احتكار الأغنياء وجب أن يسعّر عليهم ولا يجوز أن تطلق لهم الحرية في الاحتكار، إذن التسعير فيه تفصيل إذا كان سببه احتكار الأغنياء وجب التسعير، وإذا كان سببه كثرة النماء أو قلة المحصول فإنه يحرم التسعير؛ لأن هذا ليس بفعل أحد بل هو بفعل الله . الاحتكار: ٧٨٠ - وعن معمر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطئ". رواه مسلم. "الاحتكار" بمعنى: حبس الشيء وإمساكه، والمراد "لا يحتكر" يعني: لا يحوز الشيء ويمنعه عن البيع "إلا خاطئ" والاحتكار نوعان: احتكار بمعنى الحبس حبسًا مطلقًا بحيث لا يبيع كل من

стр. 1795

جاءه يطلب منه السلعة أبى أن يبيع، والثاني: احتكار مقيد؛ أي: أنه يحتكر السلع إلا بثمن يرضاه هو وإن كان فوق ثمن العادة، وكلاهما خطأ. قال الرسول ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطئ" و "الخاطئ" هو مرتكب الخطأ عمدًا وقصدًا، وعكسه المخطئ فإنه مرتكب الخطأ من غير عمدٍ؛ إذن المحتكر خاطئ؛ أي: مرتكب للخطأ عن عمد، وإذا كان خاطئا، فإن الواجب ردّه إلى الصواب، وذلك بأن يسَّر عليه، فإن كان منع بالكلية أجبر على البيع، وإن كان قد منع من أجل السِّعر الذي يرضاه هو أجبر على البيع بسعر المثل، ثم إنَّ ظاهر الحديث عموم الاحتكار في كل شيء، وقيّده بعض أهل العلم بالأشياء التي تكون ضرورية يضر الناس احتكارها، أما الأشياء التي ليست ضرورية فإن للإنسان أن يحتكرها كالأمور الكمالية، والصواب: العموم، لأن الكماليات والضروريات أمرها نسبي، فقد يكون هذا الشيء كماليًا عند قوم، ضروريًا عن آخرين، ولا يمكن انضباط هذا الشيء. فنقول: كل شيء يحتكره الإنسان مما يباع في الأسواق، فإنه يعتبر خاطئًا: "لا يحتكر إلا خاطئ" ثم إن ظاهر الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون المحتكر واحدًا يشتري كل ما في السوق، ثم يحتكره أو جماعة تحتكر هذا الشيء وتتفق على أنها لا تبيعه إلا بسعر معين وهو لا يوجد عند غيرهم. كالخبازين والجزارين، قال الخبازون: سنتفق على أن نبيع الخبز ثلاثًا بالريال، ولكنهم يربحون إذا باعوا أربعًا بالريال، قال الجزارون: سنتفق على أن نبيع الكيلو بعشرين ريالًا، وهم يربحون إذا باعوا بخمسة عشر ريالًا، هؤلاء محتكرين يجب على ولي الأمر أن يجبرهم على البيع كما يبيع الناس. فإذا قال قائل: لا يوجد أحد يبيع هذه السلع إلا هؤلاء الناس؟ قلنا: حينئذ يقدِّر ولي الأمر رأس المال ويقدر الربح ويقدر المؤنة والنفقة التي تترتب على إصلاح هذا الشيء، ثم يضيف إليها نسبة معينة تكفي في الربح غالبًا، مثلًا يقول: نقدِّر قيمة الدقيق، قيمة العمال، قيمة الوقود، قيمة أجرة المكان، ثم نقدر نسبة أخرى تضاعف إلى هذه القيمة تكون مقاربة، ويجبر الناس على البيع، على هذه الصفة من ذلك الآن ما يوجد بالصيدليات حيث قدِّرت قيمة الأدوية صار الناس لا يتلاعبون، ولهذا نجد الشيء الذي لم تقدر قيمته نجد فيه تلاعبًا كثيرًا، تدخل على صاحب المحل وتقول: بكم هذه السلعة؟ فيقول: بمائة، وتدخل على جاره تقول: بكم السلع هذه؟ يقول: بخمسين إلى هذا الحد، يعني: الفرق النصف والسلع واحدة، والسوق واحد ..... كل هذا بسبب الاحتكار، وغالب المشترين لا يعرفون الأسعار، فيشترون كيفما استقر، بل إنه من العّجب العجاب أن بعض الناس يشتري السلعة بثمن زهيد، ثم يعرضها للبيع ويقول: إن ذكرت ثمنها وربحها معتادًا، قال الناس: هذه سلعة بائرة، وإن رفعته وقلت: سعر الثمن كذا وكذا، قالوا: هذه سلعة جيدة، يقولون: إنهم يشترون هذه السلعة من البلد الآخر بعشرة ويبيعونها في هذا السوق

стр. 1796

بخمسين، بل بثمانين لماذا؟ قالوا: لأني لو أقول: هذه السلعة بخمسة عشر قالوا: هذه السلعة بائرة، فهل يجوز لهذا الرجل أن يفعل هذا الفعل؟ نقول: إن في هذا ضررًا على الناس، والواجب على أهل الحسبة في الأسواق أن ينظروا، فإذا كانت القيمة خمسة عشر مشوا إلى البائعين الآخرين، وإذا كانوا قد رفعوا القيمة عن هذا المعتاد أجبروهم على أن ينزلوا القيمة، حتى يعرف الناس أن كل الذي في السوق على حدّ سواء، وغالب الناس بما يصنعون أو يشاهدون -كما يقول العامة: هذا عقله في عيونه- إذا سمع أن الثمن كثير، قال: هذه السلعة جيدة وإذا كان الثمن قليلًا -حتى لو كانت السلعة جيدة- قال: هذه بائرة ليست بشيء. هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ بعد حديث أنس ليستدل به على أنه إذا كان سبب الغلاء احتكار الناس، أي: الناس الذين احتكروا ويجب أن يسعر عليهم، وأن يبيعوا بربح مناسب. من فوائد الحديث: تحريم الاحتكار لقوله: "لا يحتكر إلا خاطئ". ومن فوائده أيضًا: عموم تحريم الاحتكار في أي شيء؛ لأن الحديث مطلق لم يقيّد. ومن فوائده أيضًا: وجوب النُّصح للمسلمين؛ لأن الاحتكار على خلاف النصيحة، والواجب على المؤمن أن ينصح لإخوانه المؤمنين، وألا يحتكر عليهم السلع التي يريدونها. ومن فوائد الحديث: أن الذي يبيع كما يبيع الناس ويسهِّل للناس فإنه مصيب، وأخذ هذا من إثبات الخطأ للمحتكر، فيكون من وسّع على الناس وبذل الشيء مصيبًا ليس بخاطئ. بيع الإبل والغنم المصرَّاة: ٧٨١ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النَّظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ". متَّفق عليه. -ولمسلم: "فهو بالخيار ثلاثة أيَّام". -وفي روايةٍ له علَّقها البخاريُّ: "وردَّ معها صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاريُّ: والتَّمر أكثر. "لا تصرُّوا" "لا" ناهية، و"تصرُّوا" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، وهي مروية بوجهين: "تَصرُّوا"، و"تُصرُّوا" والأرجح الأخير، مأخوذة من التَّصرية وهي الجمع. وقوله: "الإبل والغنم" أي: لبن الإبل والغنم، وكانوا يجمعون لبنها في ضروعها ليظن من رآها

стр. 1797

أنها كثيرة اللبن، فيشتريها بزيادة، فنهاهم النَّبي ﷺ عن ذلك؛ لأن ذلك غش وخديعة وخيانة، وهو عند الفقهاء من باب التدليس، وهو إظهار الردئ بصفة أجود مما هو عليه في الواقع، وقوله: "الإبل، والغنم"، "الإبل" اسم جامع لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، واحده بعير، والغنم واحده الغنمة، وتشمل الضّأن والمعز. قال: "فمن ابتاعها بعد" أي: فمن اشتراها، "بعد" أي: بعد التّصرية وبنيت "بعد" على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوى معناه، وقد مرّ بنا أن "بعد"، و"قبل" وأخواتها لها أحوال، فتارة تبنى على الضم، وتارة تعرب بالتنوين، وتارة تعرب بلا تنوين، متى تعرب بلا تنوين؟ إذا أضيفت لفظًا أو تقديرًا، وتعرب بتنوين إذا قطعت عن الإضافة لفظًا وتقديرًا، وتبنى على الضم إذا قطعت عن الإضافة لفظًا لا تقديرًا؛ يعني: من أنه يحذف المضاف إليه وينوى معناه. وقوله: "فهو بخبر النظرين" يعني: فهو بما يرى أنه خير له من أي شيء، قال: "إن شاء أمسكها وإن شاء ردَّها"، "وصاعًا من تمر"، وقوله: "بعد أن يحملها"، لم يذكر أمر الخيار في هذه الرواية، لكن قال: ولمسلم: "فهو بالخيار ثلاثة أيام"، وفي رواية علّقها البخاري ورد معها: "صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاري: "والتمر أكثر". في الحديث: "نهى النَّبي ﷺ ، النهي يقتضي التحريم، فيستفاد من ذلك: تحريم تصرية الإبل والغنم؛ أي: جمع اللبن في ضروعها. وهل يلحق بالإبل والغنم ما سواهما؟ الجواب: نعم، مثل البقر والجاموس وغيره. وهل يلحق بمباح الأكل محرم الأكل كالأتان يعني الحمارة؟ قال بعض أهل العلم: يلحق لأن كثرة اللبن في الحمارة مقصود، وإن كان الإنسان لا يشربه لكن يشربه ولدها وولد غيرها، فهو مقصود، وقال بعض العلماء: بل إن الأتان لا حكم لتصريته؛ لأن لبنها لا عوض له، والنبي ﷺ جعل لهذا اللبن المصرَّى عوضًا، وهو صاع من تمر، والراجح الأول أنه خاص بمباح اللبن، اللهم إلا إذا كان ذلك عيب في الأتان، فإن للمشتري الفسخ من أجل العيب. من فوائد الحديث: تحريم التدليس بالقياس، نقول: لما حرم الشارع تصرية الإبل والغنم من أجل التدليس على المشتري نقيس عليه كل ما فيه تدليس، ومن ذلك ما ذكره الفقهاء ﵏ جمع ماء الرّحى وإرساله عند عرضها، الرَّحى معروفة وهي التي يطحن بها الحبوب وكيفية جمع ماء هذه الرحى هي: أنهم كانوا يجعلون الرّحى على الجروة ويجعلون لها ريشًا كالمروحة إذا مر بها الماء حرك هذه الريشة واستدارت وهنا كسير متصل بالرّحى، إذا استدارت هذه المروحة استدارت الرّحى، فإذا كانت الجروة قوية صار دوران المروحة قويُّا فيكثر دوران الرّحى وقوي الطحن، هذا تدليس بأن يجمعوا ماء الرحى يحبسونه، فإذا أرادوا أن يعرضوها للبيع فتحوا عليها الماء، فيأتي الماء مندفعًا بشدة، فيظن المشتري أن هذا دأب هذه الرّحى فيزيد في ثمنها.

стр. 1798

كذلك تسويد شعر الجارية التي ابيض شعرها من الكبر، فيسوده ليظن الرائي أنها شابة وهي من القواعد اللاتي لا يرجون النكاح. كذلك أيضًا إذا كانت السيارة مصدومة عدة صدمات فسمكرها وطلاها باللون الموافق للونها الأصلي، فيظن الرائي أنها جديدة فيزيد في قيمتها وهي قديمة مصدومة. من ذلك أيضًا أن يلبس البيت عند بيعه ليظن الظان أنه جديد، المهم الضابط في هذا إظهار السلعة بصفة مرغوب فيها وهي خالية منها. من ذلك أيضًا إذا أراد أن يبيع رقيقًا نثر على ثوبه حبرًا لماذا؟ ليظن أنه كاتب، ثم إن التدليس بعضه قريب وبعضه بعيد، يعني: كون هذا الرقيق على ثوبه حبرًا ليس من لازمه أن يكون كاتبًا، لكن قد يظن الظان أنه كاتب، وكذلك أيضًا تسويد اللحية إذا أراد أن يبيع رقيقًا فيظن أنه شاب، قصَّ لحيته من اليمين والشمال والأسفل ثم سوَّدها حتى يراه الرائي وكأنه شاب، على كل حال: الضابط عندنا هو أن يظهر السلعة بصفة مرغوب فيها، وهي خالية منها في الحقيقة. وقوله: "فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين" أي: بما يرى أنه خير له إما الإمساك وإما الردّ. وقوله: "بعد أن يحلبها" لم يذكر في هذه الرواية المدة التي تضرب له، لكنه في الرواية الأخرى التي في مسلم قال: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" منذ حلبها، وتنظر هل هذا اللبن الموجود في ضرعها حين الشراء هو اللبن الحقيقي أو لا؟ وثلاثة الأيام تبين بها طبيعة هذه البهيمة هل لبن طبيعي أو لبنها محفل يعني مجموع، ولهذا قال: ضرب له ثلاثة أيام، قال: إن شاء أمسكها، وظاهره أنه يمسكها بلا أرش؛ لأن هذا ليس عيبًا، ولكنه فوات الصفة، وهناك فرق بين فوات الصفة وبين العيب؛ لأن العيب نقص، وفوات الصفة فوات كمال، والعيب قد علمنا أن المشتري يخير بين أن يردّ السلعة وأن يقوِّم له العيب، الذي يسمى الأرش؛ لأنه عيب ونقص، أما فوات الصفة الكمالية فإن المشتري يخير بين أن يفسخ أو يمسك مجانًا، ولهذا قال: إن شاء أمسكها، يعني: بدون أن يعطى أرش، وإن شاء ردّها وصاعًا من تمر ردها على البائع وصاعًا من تمر، وفي رواية البخاري المعلقة ووصلها مسلم: "صاعًا من طعام لا سمراء"، قال البخاري: "والتمر أكثر"، يعني: أكثر الروايات: "صاعًا من تمر"، والصاع هو مكيال معروف، وه يسع من البرّ الرزين ما زنته كيلوان وأربعون غرامًا، وقوله: "من تمر" أيضًا التمر معروف، وهذا الصاع عوض عن اللبن الذي كان في ضرعها حين العقد، وليس عوضًا عن اللبن الذي تدر بعد الشراء؛ لأن اللبن الذي تدرّ بعد الشراء يكون على ملك المشتري فلا يضمن، وأما اللبن الذي كان موجودًا في ضرعها حين البيع فهو ملك البائع، وقد استهلكه المشتري وحلبه، فقدر له النَّبيّ ﷺ "صاعًا من تمر".

стр. 1799

وهنا أسئلة: أولًا: لماذا قدر النَّبيّ ﷺ صاعًا من تمر دون غيره؟ قالوا: لأن التمر أشبه ما يكون بالحليب؛ لأنه طعام لا يحتاج إلى طبخ، وفي أنه حلو كالحليب فكان أشبه ما يكون بالحليب التمر. والسؤال الثاني: لماذا قدره بصاع مع أن اللبن قد يكون كثيرًا يساوي أكثر من الصاع، وقد يكون قليلًا لا يساوي الصاع، وقد تكون قيمة اللبن مرتفعة أكثر من قيمة الصاع، وقد تكون نازلة دون قيمة الصاع؟ فنقول: إنما قدّره النَّبي ﷺ بالصاع قطعًا للنزاع، لأنه لو قال: صاعًا من تمر مقابل للحليب لو قال ذلك لحصل نزاع بين البائع والمشتري، البائع يقول: إن اللبن أكثر من ذلك، والمشتري يقول: إن اللبن أقل، فإذا كان مقدرًا من قبل الشرع رضي الجميع ولم يحصل نزاع. السؤال الثالث: لماذا لم يوجب النَّبيّ ﷺ ردّ اللبن الذي حلب لأول مرة؟ والجواب على ذلك نقول: أولًا: اللبن قد لا يبقى إلى ما بعد ثلاثة أيام، ثانيًا: أن اللبن من حين عقد البيع فإنه سيزداد؛ لأن المشتري ليس من اللازم أن يحلبها من حين أن يشتريها، قال: ربما تبقى ساعة أو ساعتين وفي هذه المدة تدرّ البهيمة لبنًا، فيختلط لبن المشتري مع لبن البائع، وإذا قلنا: يجب عليك أن ترد اللبن صار نزاع؛ لأن ردّه متعذر أو متعسر، فهذا أوجب النَّبيّ ﷺ صاعًا من تمر. ٧٨٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "من اشترى شاةً محفَّلةً، فردَّها، فليردَّ معها صاعًا". رواه البخاريُّ. -وزاد الإسماعيليُّ: "من تمر". فيستفاد من هذا الحديث فوائد: الأولى: تحريم تصرية الإبل والغنم للنهي في قوله: "لا تصروا". فإذا قال قائل: ما الحكمة من ذلك؟ الجواب: أن الحكمة لذلك أمران: الأول: إيذاء الحيوان؛ لأن حبس اللبن يتأذى به الحيوان، الثاني: أنه غش للمشتري ظاهر، وقد ثبت عن النَّبيّ ﷺ أنه قال: "من غشّ فليس منا". ومن فوائد الحديث: أن المشتري للمصرَّاة يخيَّر بين ردها أو إمساكها لقوله ﷺ : "فمن ابتاعها فهو بخير النظرين".

стр. 1800

ومن فوائد الحديث: أن له الخيار مدة ثلاثة أيام، والتعليق بالثلاثة ورد في نصوص كثيرة متعددة، حتى كان الرسول ﷺ إذا تكلَّم تكلّم ثلاثًا، إذا سَلّم سلّم ثلاثًا، إذا استأذن يستأذن ثلاثًا، والثلاث معتبرة شرعًا في مسائل كثيرة ومنها الحديث. ومن فوائد الحديث: أنه إذا اختار الرد فإنه يجب أن يرد معها صاعًا من تمر، فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده تمر؟ فإنه يرد معها أقرب ما يكون سبهًا بالتمر من القوت؛ لأنه قد يكون في بلاد ليس عندهم نخيل ولا تمر فيرد أقرب ما يكون سبهًا بالتمر، وقيل: بل يرد نفس اللبن إن كان موجودًا أو مثله، إن كان قد شربه أو قيمته إن تعذر المثل، ولكن الصحيح أن يرده طعامًا أقرب ما يكون إلى التمر؛ لأن هذا هو الذي جعله الشارع بدلًا عن اللبن المفقود، ولو كان رد اللبن مقصودًا لقال النَّبيّ ﷺ : فليرد اللبن فإن لم يمكن فصاعًا من تمر، ثم نقول أيضًا: إن ردّ اللبن مثله متعذر، لأن اللبن الذي وقع عليه العقد لبن في ضرع، واللبن في الضرع مستحيل ردّه وتقديره. ومن فوائد الحديث: تحريم الظلم، ويؤخذ ذلك من تحريم التصرية، وهو كذلك، فإن الظلم محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴾ إنه لا يحب الظالمين ﴿[الشورى: ٤٠]. وقال الله : ﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ﴿[الشورى: ٤٢]. وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا"، وقال الَّنبيّ ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة"، والنصوص في هذه كثيرة، والعلماء مجمعون على تحريم الظلم. ومن فوائد الحديث: حماية الشريعة لحقوق الإنسان، وجه ذلك: النهي عن التصرية وجعل من غبن بها مخيَّرًا بين الإمساك والرّد. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا أمسك بفوات صفة مطلوبة، فإنه يمسك بلا أرش سواء كانت هذه الصفة مشروطة لفظًا أو حالًا، المشروطة لفظًا أن يقول: إنها لبون في مسألتنا هذه، والمشروطة حالًا بالتصرية مصرَّاة فإن هذه التصرية تعطي المشتري شرطًا على أنها كثيرة اللبن، فإذا زال هذا المشروط، فإننا نقول للمشتري الآن، إما أن تمسكها على ما هي عليه وإما أن تردها بخلاف العيب، والفرق بينهما ما أشرنا إليه آنفًا من أن العيب نقص؛ لأن مقتضى العقد أن تكون السلعة خالية من العيب، وأما هذا فهو فوات كمال فهو زائد على أصل ما وقع عليه العقد وهو السلامة. ومن فوائد الحديث: إثبات الخيار للإنسان؛ أي: أنه يفعل باختياره فيكون فيه رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله لا يختار شيئًا من الأشياء، بل هو كالريشة في الهواء.

стр. 1801

ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على قطع المنازعات والبعد عنها، من أين يؤخذ؟ من تقديره العوض بصاع من تمر، ونحن إذا تأملنا نصوص الكتاب والسنة وجدنا أن الشرع ينهى عن كل ما يحدث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأنه يريد من الأمة الإسلامية أن تكون أمة متآلفة متآخية كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والبعد عما يوجب التنافر والبغضاء كما هو واجب على سائر المسلمين، فهو واجب على طلبة العلم بالذات أكثر من غيرهم؛ لأن طلبة العلم هم الذين يقتدى بهم وهم الذين يشار إليهم بالسوء أو بالحسنى، إن أساءوا صاروا مشمتة للناس وصارت سيئاتهم في عيون الناس أكبر من سيئات غيرهم، وإن أحسنوا صاروا قدوة للناس في الخير والعمل الصالح، وأحبهم الناس، ويؤسفنا كثيرًا أن نجد العداوة والبغضاء والخصومات والجدال والتعصب بالباطل بين كثير من طلبة العلم عند مسائل شرعية ينبغي أن تكون محل اجتماع اتفاق ووفاق، لا أن تكون محل عداوة وبغضاء وسب وشتم وتنفير، فإن هذا خلاف الشرع وخلاف ما أمر الله به وما أخبر اله به عن هذه الأمة: ﴾ وإن هذه أمتكم أمة وحدة ﴿[المؤمنون: ٥٢]. فإذا كان الشارع ينهى عن بعض المعاملات المؤداة إلى النزاع والعداوة والبغضاء فكيف بالمسائل الشرعية التي تكون هي السبب في العداوة والبغضاء هذا شيء يؤسف له، والواجب على كل مسلم وعلى طلبة العلم بالأخص أن يسعوا إلى كل ما فيه إصلاح القلوب وحصول المصلحة، أنا لست أقول: دعوا الناس يقولون فيخطئون أو يصيبون، لا، لكن يبين للناس بمناقشة هادئة هادفة، فإذا تبني الحق وجب على كل إنسان اتباعه، وإذا لم يتبين فكل إنسان معذور، والذي يحاسب الخلق هو اله ؛ لأنه قد يتبين لي ما لم يتبين لك والعكس، فلماذا نجعل مثل هذه المسائل سببًا للعداوة والبغضاء بين طلبة العلم حتى إن كل طائفة منهم حزب مستقل كأنهم ليسوا مسلمين والواجب خلاف ذلك، وعلى طلبة العلم أن يكون طالب العلم عند هذا العالم كالطالب عند العالم الآخر، كل منهم يبذل الخير، وكل منهم يريد أن يصل إلى الغاية المنشودة وهي إقامة شريعة الله بين عباد الله. ومن فوائد الحديث: أن العدد الثلاثي معتبر في كثير من الأشياء، وبه تتبين الأشياء في الغالب في الثلاث، كما إذا استأذنت على رجل ثلاث مرات تبين أنه غير موجود، أو كاره للفتح وإما أنه نائم مستريح، أما الاستئذان الأول فقد لا يسمع، والاستئذان قد يسمع، ولكن لا يدري عن حقيقة الأول، وفي الثالثة الغالب أنه يتبين فإذا كان يريد أن يفتح لك الباب فتح وإلا تركك، وهكذا في مسائل كثيرة تعتبر فيها الثالث.

стр. 1802

تحريم الغش في البيع: ٧٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ رسول اله ﷺ مرَّ على صبرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطَّعام؟ قال: أصابته السَّماء يا رسول الله. فقال: أفلا جعلته فوق الطَّعام؛ كي يراه النَّاس؟ من غشَّ فليس منِّي". رواه مسلم. "صبرة" أصل هذه المادة "الصاد والباء والراء" تدل على الحبس، ومنه الصبر، ومنه قُتل صبرًا، وأمثلتها كثيرة، فهذه المادة (ص ب ر) تدل على الحبس، والطعام المحبوس يعني: المجموع، فمعنى "صبرة" أي: مجموع من طعام، مرّ على هذه الكومة من الطعام فأدخل يده فيها، الفاعل هو النَّبيّ ﷺ ، أدخل يده في هذه الصُّبرة فنالت أصابعه بللًا، يعني: أصابت بللًا، وإدخال النَّبيّ ﷺ يده في هذه الصبرة يحتمل أنه للاستخبار والاستعلام، ويحتمل أنه شم فيها رائحة الرطوبة أو غير ذلك، المهم أننا نعلم أن النَّبيّ ﷺ لم يدخل يده إلا لسبب. يقول: "فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ "، "ما" هنا استفهامية والمراد بالاستفهام الإنكار، ينكر عليه كأنه يقول: لماذا تصنع هذا الشيء، فقال: "أصابته السماء"، "السماء" يعني: المطر، والمطر يطلق عليه السماء في اللغة العربية، قال الشاعر: [الوافر] إذا نزل السماء بغير قوم***رعيناه وإن كانوا غضابا أي: المطر، فالمراد بالسماء: المطر، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ "، الاستفهام للإرشاد يعني: أرشده إلى أن يجعله فوق الطعام، وعلل ذلك بقوله: "ليراه الناس" فيعرفوا أن فيه عيبًا، ثم قال: "من غش فليس مني". الحديث واضح معناه لكن فيه فوائد كثيرة منها: جواز بيع الطعام صبرة -يعني: كومة- من غير معرفة لقدره كيلًا أو وزنًا؛ لأن النَّبيّ ﷺ أقرّ ذلك، ولو كان حرامًا لم يقره، فهل يدخل في ذلك غيره من المرئيات؛ يعني: بحيث أن أبيع عليك قطيع هذا الغنم بدون معرفة لعّده وأن أشتري منك السلعة بهذه الرُّزمة من الدراهم بدون عدّ؟ ذهب بعض العلماء إلى الجواز وقال: إن هذا، وإن كان لا يعلم بالعدّ أو بالوزن يعني: لا يعلم بالتقدير فإنه: يعلم بالمشاهدة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الذي يعلم بالمشاهدة إما أن يكون الغرر فيه يسيرًا كالكومة من الطعام. والقطيع من الغنم والكيس من البرّ فالأمر في هذا قريب، وإنما الذي يكون فيه الغرر كثيرًا والخطر جسيمًا مثل الرزمة من الدراهم، وإذا قدرنا أنها من فئة خمسمائة كم يكون الفرق فيما نقص عن تقديرك ورقة أو ورقتان؟ الفرق كبير، فالصحيح في هذه المسألة أن الجزاف يجوز

стр. 1803

إلا فيما فيه خطر مثل النقود، لو جئتك بصرة من ذهب وقلت: اشتريت منك هذا البيت بهذه الصُّرة، يرى بعض العلماء: أن هذا جائز مع أنك لا تدري ما في هذه الصرة من الذهب، ولا شك أن هذا ليس بجائز للخطر والجهالة العظيمة بخلاف قطيع الغنم وكيس البرّ فالخطر فيه قليل والتقدير فيه ممكن حقيقة أو تقريبًا، أما مثل الدراهم فلا يجوز، لو قلت: اشتريت منك هذا البيت بوزن هذه السِّنجة ذهبًا فلا يجوز؛ لأنه مجهول، أما لو كانت معلومة فلا بأس -السنجة هي الحديدة التي يوزن بها. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستعلام عن المبيع، ولاسيما مع القرينة لإدخال النَّبي ﷺ يده في الطعام، ولا يقال: إن هذا سوء ظن بالبائع؛ لأننا نقول: وهذا احتياطًا للمشتري، ولاسيما إن وجدت قرينة لظاهر هذا الحديث. ومن فوائد الحديث: وجوب إنكار المنكر؛ لأن النَّبيّ ﷺ أنكر على هذا الرجل، لكن هل ينكر علنًا أو سرًا؟ إن كان فاعل المنكر مظهرًا له فإنه ينكر عليه علنًا، وإن كان مخفيًا له فإنه ينكر عليه سرًا هذا هو الأصل، مع أن المصلحة قد تقتضي الإنكار حتى فيما يعلم إنما الأصل أن من أظهر المنكر أنكر عليه ظاهرًا ومن أخفاه أنكر عليه سرًا. ومن فوائد الحديث: أن من كان مجهول الاسم فإنه يدعى بمهنته لقوله: "يا صاحب الطعام"، فإذا كنت لا تعرف هذا الرجل فادعه بمهنته، مثلًا وقفت على بناء لا تعرف اسمه ماذا تقول؟ يا بناء، سقط من شخص طوق من الدراهم، تقول: يا صاحب الطوق ... وهكذا، كما دعا الرسول ﷺ في مثل هذا في عدة مواضع يدعو بالمهنة. ومن فوائد الحديث: إطلاق لفظ السماء على المطر لقوله: "أصابته السماء" ولم ينكر النَّبيّ ﷺ عليه، ولو كان ذلك غير جائز لأنكر عليه؛ لأنه كذب، فإن السماء لم تصبه وإنما الذي أصابه المطر النازل من السماء. ومن فوائد الحديث: وجوب إظهار العيب، والنبي ﷺ في هذا الحديث أرشد إلى إظهاره بالفعل، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام"، ويجوز بالقول، بأن أقول مثلًا في هذه الصرة من الطعام إن أسفلها قد أصابه الماء ولكن أيهما أبين؟ الإظهار بالفعل أبين؛ لأن المشتري قد لا يحيط بوصفك. هل نقول في هذا الحديث: وجوب جعل الأردأ هو الأعلى وأنه تتعين هذه الصورة، أو نقول: إن المراد البيان بأي صورة كانت؟ الثاني، وأن للإنسان الذي عنده طعام معين طريقتين، الطريقة الأولى: أن يجعل العيب أعلى وهذا قد يكون فيه ضرر عليه؛ لأنه إذا جعل العيب أعلى

стр. 1804

فقد يظن الرائي أن العيب كثير ويخفى عليه السلم، الطريقة الثانية: أن يجعل المعيب وحده والسليم وحده بحيث يكون للمعيب ثمنه وللسليم ثمنه، ولا شك أن الثاني هذا عدل للبائع وللمشتري. فإذا قال قائل: لماذا لم يرشد النَّبيّ ﷺ إليه؟ فالجواب: لوضوحه، ولعل النَّبي ﷺ علم أن هذا الرجل ليس عنده إناءان يبحث يجعل الردئ وحده والجيد وحده. ومن فوائد الحديث: تحريم الغش لقوله: "من غشّ فليس منا". بل من فوائده: أن الغشّ من كبائر الذنوب، وجهه: أن النَّبي ﷺ تبرأ من فاعله، والبراءة من فاعله تقتضي أن يكون كبيرة؛ لأن علامات الكبيرة أن يتبرأ النَّبي ﷺ من فاعل هذا العمل. ومن فوائد الحديث: أن الغش في كل شيء من كبائر الذنوب لعموم قوله: "من غش فليس مني". ومن فوائده أيضًا: أن الغش كبيرة سواء كانت المعاملة مع مسلم أو مع كافر لقوله: "من غش" أطلق. وهناك رواية أخرى: "من غشنا فليس مني" فبأيهما نأخذ؟ نأخذ بالأعم: "من غش" فيشمل الغش في معاملة أي إنسان، فإن النَّبيّ ﷺ قد تبرأ منه. إذا قال قائل: لم يبين النَّبي ﷺ حكم المغشوش فيما لو اشترى هذا الطعام. والجواب: أنه لم يحصل بيع لهذا الطعام؛ لأن صاحبه لم يزل عارضًا له، ولا يمكن أن يتحدث الرسول ﷺ في مثل هذه الحال عن أمر لم يقع، ثم إنه إذا علم هذا الرجل أن هذا الشيء حرام، فسوف يغيره وسوف يجعل الردئ فوق، كما أرشد النَّبي ﷺ ، ثم إن الشيء إذا لم يكن أمام الإنسان فلا يلزم الإنسان السؤال عنه، ولذلك لما جاء ماعز إلى الرسول وأخبره أنه زنى فإنه من المعلوم أنه لم يزن إلا بامرأة ولم يسأل النَّبي ﷺ المرأة، ولما جاءه الرجل الذي قال: جامعت زوجتي في رمضان لم يسأله عن المرأة وحكمها، ولما جاءته هند تشكو أبا سفيان لم يسأل عنه ولم يطلبه؛ لأن مثل هذه المسائل تتعلق بالفعل الشاهد، وأما الغائب فحكمه يعلم إذا وجد أو أدلى هذا الغائب بحجته حينئذ ننظر فيها.

стр. 1805

٧٨٤ - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حبس العنب أيَّام القطاف، حتَّى يبيعه ممَّن يتَّخذه خمرًا، فقد تقحَّم النَّار على بصيرة". رواه الطَّبرانيُّ في الأوسط بإسنادٍ حسنٍ. "حبس" أي: منع بيعه وأبقاه في أصوله، و"أيام القطاف" أي: أيام قطاف العنب؛ لأن العنب -كما نعلم- له أيام يقطف فيها ويباع فيؤكل طريَّا كما يقطف الرطب من النخل وأحيانًا يحبس حتى ييبس فيكون زبيبًا، هذا الزبيب يستعمله الناس غذاء كما يأكلون التمر، يأكلونه أو يضعونه على الأطعمة، ومن الناس من يجعله عصيرًا ليتخمّر، فيقول الرسول ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرًا"، "ممن" أي: على من يتخذه خمره، أي: يصنعه خمرًا، "فقد تقحَّم" أي: دخلها بانزعاج، "على بصيرة" أي: على علم بالسبب الذي يوجب تقحّمها، والمراد بالجملة: أن من فعل ذلك فقد أدخل نفسه في النار بسبب يعلم أنه سبب لدخول النار؛ وذلك لأنه أعان على شرب الخمر، والمعين على الإثم آثم، إثم الفاعل كالحاضر، كما قال الله تعالى: ﴾ وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴿[النساء: ١٤٠]. عيد علي عمر من فوائد الحديث: أنه يحرم حبس العنب ليباع على من يتَّخذه خمرًا. ومن فوائد الحديث: أن ذلك من كبائر الذنوب؛ وجهه: أنه توعد عليه بالنار. ومن فوائد الحديث: عظم شرب الخمر والإعانة على شربها؛ حيث جعل النَّبيّ ﷺ ذلك من أسباب دخول النار، والخمر كل ما خامر العقل، أي: غطّاه على سبيل اللذة والطرب، فإن السكران -والعياذ بالله- يزول عقله كأنما الدنيا عنده قطعة ورقة، ويجد لذة، ويجد نفسه في مقام الملوك والرؤساء فينسى همومه وغمومه، لكن إذا زال السَّكر تراكمت عليه الهموم والغموم؛ لأنه كالماء إذا حبسه وقف، لكن عندما تزول الحابس يندفع بقوة، هكذا الهموم والغموم تقف عند السَّكر، لكن إذا زال السكر اندفعت اندفاعًا مؤلمًا مؤذيًا، لا يمكن أن يقرَّ له قرار حتى يعود إلى شرب الخمر، ولهذا قلّ لمن شرب الخمر أن ينزع عنه -والعياذ بالله- إلا بإيمان قوي أو رادع قوي. ومن فوائد الحديث: أن للوسائل أحكام المقاصد، وجه ذلك: أن هذا حبس العنب

стр. 1806

لغرض سيئ يريد هذا الشيء، وهذه القاعدة قاعدة متفق عليها، وهي أصولية فقهية من أجزائها أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب إليه وما كان سببًا للحرام فهو حرام، وما كان سببًا للمكروه فهو مكروه، وكل هذه الأجزاء داخلة في القاعدة العامة، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد. ومن فوائد الحديث: عقوبة من أعان على فعل محرم وإن لم يفعله؛ لأن هذا الذي احتبسه ليبيعه لمن يتخذه خمرًا لم يفعله؛ لكنه أعان، فالمعين على الإثم آثم. ومن فوائده: أنه إذا كان هذا فيمن أعان على من يتخذ العنب خمرًا فما بالك بمن يشرب الخمر؟ لا شك يكون أعظم؛ ولهذا كان شارب الخمر ملعونًا على لسان رسول الله ﷺ ، محرومًا من شربها في الآخرة، إما لأنه لا يتنعم بها في الجنة، وإما أنها تؤدي إلى الكفر المانع من دخول الجنة، ولهذا سميت الخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر. ومن فوائد الحديث: أن من باع شيئًا لغرض المعصية فإن بيعه حرام، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهل يصح -أي البيع- أو لا؟ لا يصح البيع؛ لأنه منهي عنه لذاته، فالنهي متسلط على نفس البيع، فإذا باع شيئا لمن يتخذه لمحرم كان البيع حرامًا، وإن باعه لمن لم يتخذه لمحرم كان البيع حلالًا، ولهذا لو بعت العنب لمن يأكله فالبيع حلال، أما لمن يتخذه خمرًا فالبيع حرام، بعت البيض لمن يأكله فالبيع حلال، لمن يقامر به حرام، من الصور التي يستعمل فيها للقمار ما يفعله بعض الناس يقول: خذ هذه البيضة اكسرها طولًا، فإن فعلت ذلك فلك مائة ريال، وإن لم تفعل فعليك مائة ريال، هذا من جملة القمار التي تتخذ له البيض، بيع الدخان داخل في هذا الحديث، لكن الدخان لا ينقسم إلى حلال وحرام، بل كله حرام، لكن قصدنا أن الشيء قد يكون مباحًا في حال فيصح بيعه، محرمًا في حال فلا يصح بيعه، السلاح إذا بعته لمن يقتل به المسلمين كان هذا البيع حرامًا، أما لمن يقتل به الكفار كان بيعه حلالًا، بل قد يكون مندوبًا. ومن فوائد الحديث: أن المباح لذاته قد يكون محرمًا لغيره، فأصل البيع حلال لذاته

стр. 1807

لكن إذا قصد به المحرم صار حرامًا لغيره، كما أن المباح يكون واجبًا لغيره، مثل لو يم يكن عندك ماء وحضرت الصلاة، وأردت الوضوء ووجدت الماء يباع في الأسواق كان واجبًا عليك أن تشتري الماء لتتوضأ به مع أنه لولا هذا لم يجب عليك أن تشتري الماء، وقد يكون الشيء مسنونًا وهو في الأصل مباح كما لو اشترى الإنسان مسواكًا فأصل الشراء مباح وإذا اشترى مسواكًا ليتسوك به صار سنة، أو طيبًا يتطيَّب به كان سُّنة، وعلى هذا فقس، المهم أن كل مباح ممكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب النية والقصد، إن قصدته لأمر حرام صار حرامًا؛ لأمر واجب صار واجبًا، لأمر مستحب صار كذلك، لأمر مباح فهو مباح. ٧٨٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضَّمان". رواه الخمسة، وضعَّفه البخاريُّ وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، وابن القطَّان. والحديث صحيح، يقول ﷺ : "الخراج بالضمان"، فما هو الخراج؟ الخراج هو الغنم والكسب والربح وما أشبه ذلك، قال الله تعالى: ﴾ أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرزقين ﴿[المؤمنون: ٧٢]. فخراج الشيء يعني: غنمه ونماؤه وما أشبه ذلك، فخراج الدابة مثلًا لبنها وصوفها وولدها، وخراج النخلة ثمرتها وعسيبها وفسيلها، وهلم جرَّا، خراج العبد: كسبه ومنفعته، وعلى هذا يطَّرد هذا الباب، ف"الخراج" الغلة والنماء والكسب، "بالضمان" الباء للبدلية أو للسببية، ومعنى "بالضمان" أي: أنه بدل عنه وسبب له، والمعنى: أن كل من له خراج شيء فعليه ضمانه وليس كل من عليه ضمان شيء فله خراجه؛ لأن الغاصب عليه الضمان وليس له خراج، لكن من له الخراج فعليه الضمان ولهذا قال الرسول ﷺ : "الخراج بالضمان"؛ ولذا قلنا: الضمان بالخراج لا يصح، فكل من له خراج شيء فعليه ضمانه. إذ قال قائل: مثل لنا؟ نقول: المشتري عليه ضمان المبيع من حين العقد فيكون له خراجه من حين العقد، هذا رجل اشترى عبدًا بعشرة آلاف ريال وبقي عنده أسبوعًا كل يوم يدخَّل له مائة ريال، كم دخل في الأسبوع؟ سبعمائة ريالًا لما انتهى الأسبوع تبين أن في العبد عيبًا، وأنه يسرق، والسرقة في العبد عيب، فأراد أن يردَّه، فردَّه على البائع، هل يردّ معه سبعمائة ريال؟ لا، السبعمائة نسميها خراجًا فلا يردها، لماذا؟ لأن العبد لو تلف في هذه المدة -السبعة الأيام- لم

стр. 1808

يضمنه البائع، بل يكون ضمانه على المشتري، أي: يهلك على نصيب المشتري، إلا إذا ثبت أن البائع خادع له وكاتم للعيب فضمانه حينئذٍ على البائع، لأنه معتد ظالم. والمستأجر المنفعة له وعليه الأجرة، كل المنافع التي تفوت في زمن الإجارة لمن؟ للمستأجر؛ يعني: لو أنه استأجر البيت لمدة سنة، ولكنه ما سكنه بل سافر ولم يسكنه حتى تمت السنة، وقال صاحب البيت: أعطني الأجرة، فقال: لا ما أعطيك شيئًا لأني ما سكنت البيت، ماذا نقول؟ نقول: إن المنافع فاتت على المستأجر؛ أي: أن المستأجر يدفع الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر يقول له: هل منعتك، المفتاح معك وأنت الذي فوّت المنفعة على نفسك فأنت ضامن؛ لأن الخراج لك، المنفعة لك وليست لي، وأنت الذي فوتها على نفسك، فعليك ضمانها. رجل وجد شاة وصار ينشد عنها سنة كاملة وفي هذه السنة ولدت الشاة، يعني: نشأ بها ولد حمل وولدت، وبعد السنة نشأ فيها ولد حمل فولدت، فلمن يكون الولد الأول، ولمن يكون الولد الثاني؟ الولد الأول لصاحبها، والثاني للمنشد، يعني: لواجد اللقطة؛ لأن الأول وجد في حال ليس فيها الملتقط ضامنًا؛ لأنها تفوت على ملك صاحبها بعد السنة يملكها، فيكون نماؤها للملتقط، ومثل ذلك إناء، وجد إناء وصار ينشد عنه لمدة سنة كاملة فلم يجد صاحبه لما تمت السنة صار ملكًا للواجد، أجّره بعد السنة فلمن تكون الأجرة؟ تكون له؛ لأنه لو تلف تلف على ملكه فصار خراجه بضمانه، وهذا الحديث بنى عليه العلماء فروعًا كثيرة، وجعلوه قاعدة فقهية، فقالوا: من كان له الغنم فعليه الغرم، وأحيانًا يعللون بنفس الحديث فيقولون: لأن الخراج بالضمان. ساق المؤلف هذا الحديث في باب البيع ليتبين به أن الملك مدّة الخيارين بل مدة الخيار مطلقًا للمشتري حتى لو ردّه بخياره، فإن الملك مدة الخيارين له النماء وله الكسب. مرّ علينا في الشفعة أن النماء المتصل إذا أخذ الشفيع بالشفعة يكون لمن؟ على المذهب يكون للشفيع، ورجّحنا أنه للمشتري، هذا الحديث يدل على الراجح، لأن المشتري له الخراج فعليه الضمان، المشتري لو أنه تلف في هذه الحال من يضمنه؟ يكون على ملكه، وإذا فات عليه فله غنمه، فالقول الراجح كما سبق أنه، -أي: النماء المتصل - يكون للمشتري كالنماء المنفصل. جواز التوكيل في البيع والشراء: - وعن عروة البارقيِّ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري به أضحيةً أو شاةً، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينارٍ، فأتاه بشاةٍ ودينارٍ، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه". رواه الخمسة إلا النَّسائيَّ.

стр. 1809

-وقد أخرجه البخاريُّ في ضمن حديثٍ، ولم يسق لفظه. يقول: "ليشتري به أضحية أو شاة"، لا منافاة بين اللفظين؛ فإنه أعطاه ليشتري به شاة لأضحية، فيكون بعض الرواة اقتصر على أحد اللفظين، فاشترى ﵁ شاتين بالدينار الواحد، ثم باع إحداهما بدينار، فرجع بشاة ودينار، فربح النبي ﷺ شاة ولم يخسر شيئًا فدعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه مكافأة له على إحسانه؛ لأن هذا الرجل أحسن التصرف، اشترى شاتين بدينار وباع شاة واحدة بدينار، فدعا له بالبركة مكافأة له على إحسانه، فقبل الله دعوة النبي ﷺ ، "فكان -هذا الرجل- لو اشترى ترابًا لربح فيه"، وقوله: "ترابًا"، يعني: لو اشترى شيئًا لا قيمة له، وذلك ببركة دعاء النبي ﷺ . وذكر المؤلف هذا الحديث في كتاب البيع؛ لأنه يتضمن بيعًا وتوكيلًا في البيع، ويتضمن أشياء عديدة من البيوع تذكر في الفوائد إن شاء الله، وأظن هذا الحديث واضح المعنى، ولكن فيه فوائد، الأولى: جواز التوكيل في البيع والشراء؛ لأن النبي ﷺ وكَّل عروة البارقي، ويتفرع على هذه الفائدة: أن التوكيل لا ينافي الإخلاص ولا التوحيد مع أن الموكل في قلبه نوع من الاعتماد على الوكيل، لكن هذا الاعتماد ليس اعتماد افتقار، وإنما هو اعتماد سلطة، إذا كان الوكيل يتوكل بالأجرة لأن المعروف والفضل فيما إذا كان الوكيل يتوكل بالأجرة للموكل على الوكيل، فهو يرى أنه معه ذو سلطة لا يرى أنه يعتمد عليه اعتماد افتقار، وإن كان محسنًا -أعني: الوكيل- متبرعًا فإن الموكِّل لا يعتمد عليه اعتماد افتقار ولا اعتماد سبب مستقل، وحينئذ لا ينافي التوكل على الله، ولا يمكن أن ينافي التوكل، وقد وقع من النبي ﷺ سيد المخلصين ﵊. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في شراء الأضحية، من أين يؤخذ؟ من أنه وكله لشراء أضحية، وهل يجوز التوكيل في ذبح الأضحية؟ الجواب: نعم، يجوز أن يوكِّل شخصًا ليذبح الأضحية كما وكل النبي ﷺ علي بن أبي طالب أن يذبح له هديه. ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الوكيل فيما فيه نفع للموكل. فإذا قال قائل: هل هاتان الشاتان في مقابلة الشاة لأنهما ضعيفتان؟ الجواب: هذا بعيد، والظاهر أن عروة ﵁ يسَّر الله له شخصًا محتاجًا فباع عليه هاتين الشاتين مع أن كل واحدة

стр. 1810

منهما تساوي دينارًا بدليل أنه باع واحدة بدينار هذا هو الأقرب، وليس في هذا غبنًا حتى يقال: إن في ذلك دليلًا على جواز غبن الإنسان بنفس القيمة أو أكثر؛ لأن الظاهر أنه اشتراها من شخص يحب أن يمشي وأن يبيع بأي ثمن. ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الفضولي، فما هو تصرف الفضولي؟ تصرف الإنسان في ملك غيره بدون إذنه فإذا أجازه صحّ التصرف، يؤخذ: من أن عروة تصرف واشترى شاتين وباع واحدة، فخالف في الشراء وخالف في البيع، إنما كان عليه في الشراء أن يشتري شاة واحدة بنصف دينار ما دام وجد شاتين بدينار، إذ الواحدة تساوي نصف دينار، فلو تقيد بالوكالة لاشترى واحدة بنصف دينار، لكنه ﵁ ترخصهما ورآهما رخيصتين فاشترى شاتين، فالظاهر أن من نيته أن يبيع إحدى الشاتين، إذن فيه تصرف الفضولي، وأنه نافذ إذا أجير، ومعنى أجيز يعني: وافق من تصرف له على هذا التصرف، فإن لم يوافق لم يصح، فلو أن شخصًا باع سيارة شخص على آخر اعتبارًا بالمصلحة وانتهازًا للفرصة، ثم أخبر صاحب السيارة بأنه باع سيارته فقال: جزاك الله خيرًا أنا موافق، فالبيع صحيح، ودليله هذا الحديث، فإن قال: لا آذن ولا أرضى، فالبيع غير صحيح وترد السيارة ويأخذ المشتري ثمنها، فإذا أدعى المشتري أن صاحب السيارة قد وكَّل البائع، فإننا نقول له: أقم بينة، وإلا فالأصل أنه لم يأذن له وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم أن تصرف الفضولي نافذ إذا أجيز، فإن لم يجز فسد، وقال بعض العلماء: إن تصرف الفضولي فاسد لا يصح حتى لو أجيز: لأن العبرة بالعقد وهو حين العقد ليس وكيلًا ولا مأذونًا له، فإذا لم يكن وكيلًا ولا مأذونًا له فقد وقع التصرف من غير أهله؛ لأنه ليس من مالك ولا من يقوم مقام المالك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، ولا يجيزون تصرف الفضولي إلا في بعض الأحوال للضرورة، كالتصرف في مال المفقود فيتبين بعد ذلك أنه حي، ولكن أيهما أولى أن نقدم الأثر أو نقدم النظر؟ الأثر؛ لأن الأثر حاكم على النظر ولا عكس، على أنه يمكن أن نقول: إن النظر يؤيد الأثر، كيف ذلك؟ لأن منع الإنسان من التصرف في مال غيره إنما هو حماية لحقوق الغير ومنعًا للفوضى، فإذا أذن فقد زالت هذه العلة، وحينئذ يكون النظر مطابقًا للأثر، وهذا هو المعلوم في جميع الأحكام الشرعية أنها موافقة، للنظر لكن للنظر الصحيح المبني على التروي والتأني دون النظر السطحي، فإن النظر السطحي قد يتوهم الإنسان به مخالفة الحكم الشرعي للمعقول ولهذا روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من

стр. 1811

أعلاه، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح أعلى الخفين، كيف؟ لأن بادئ الرأي ذا بدء أن يكون الأسفل أولى من التطهير من الأعلى، لأن الأسفل هو الذي يلاقي النجاسة والأوساخ، ولكن نحن نقول إن الرأي الصحيح المبني على التأني موافق للحكم الشرعي ويدل على صحة الحكم الشرعي، ويشهد له بالاعتبار، كيف ذلك؟ لأن هذا المسح لا يعطي تنظيفًا، وإنما هو مجرد تعبد لله ولو أننا مسحنا أسفل الخف لزدناه تلويثًا بهذا المسح؛ لأنه لن يتطهر به وتلوثت اليد، وبهذا نعرف أن الدين موافق للرأي، لكن الرأي الصحيح المبني على التأني، وحينئذٍ نقول: إن تنفيذ تصرف الفضولي عند الإجازة جائز موافق للنظر الصحيح والقياس، وقول هؤلاء: إن التصرف وقع من غير أهله لأنه ليس بمالك ولا قائم مقام مالك، نقول: نعم، هو كذلك، لكن المالك أجازه، والأصل في منع صحة التصرف من غير مالك أو من يقوم مقامه، أن ذلك لحماية أموال الناس، وعدم الاعتداء عليهم، فإذا وافق صاحب المال فما المانع؟ إذن هذا الحديث يدل على تصرف الفضولي وهو الصحيح. ومن فوائد الحديث: جواز بيع الأضحية بعد التعيين، هكذا الذي ذكره بعض العلماء، ولكن هل فيه دليل؟ ليس فيه دليل؛ لأن عروة ﵁ إن كان عالمًا بأن الرسول ﷺ يريدها أضحية فليس له حق التعيين. ثم نقول: إن عروة لم يعيِّن تلك الشاتين؛ لماذا؟ لأنه يعلم أن الرسول ﷺ سوف يضحي بواحدة، فلا يمكن أن يعيِّن تلك الشاتين بل هو عيَّن واحدة قطعًا إن كان قد عيّن، هو لم يعيّن، وإن فرض أنه عيَّن فلن يعيِّن أكثر من واحدة، ومن المعلوم أنه إذا عين واحدة من هاتين الشاتين لتكون أضحية واختارها، فلن يبيع الذي عيِّن وسيبيع غير المعينة، وحينئذ لا يكون في هذا الحديث دليل على جواز بيع الأضحية المعينة؛ إذن نفهم أن الأضحية المعينة لا يجوز بيعها وهو كذلك، فإذا قال: هذه أضحية عني وعن أهل بيتي صارت كالمنذور ويجب ذبحها ولا يجوز أن يبيعها، وهل يجوز أن يبدلها بخير منها؟ الصحيح: أنه يجوز أن يبدلها بخير منها، ودليل ذلك: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي ركعتين في بيت المقدس فقال: صلِّ هاهنا، فأعاد عليه فقال: صل هاهنا، فأعاد عليه فقال: شأنك إذن، فأباح له الرسول ﷺ أن يدع المعيَّن بالنّذر إلى ما هو أفضل منه، فدلّ ذلك على أن نقل الإنسان الشيء الذي أخرجه لله إلى ما هو أنفع وأفضل

стр. 1812

جائز، وينبني على هذا ما ذكرناه من إبدال الشاة المعينة أضحية بخير منها، وكذلك أيضًا ينبني عليه جواز إبدال الوقف الشيء الموقوف بخير منه، فلو أني وقفت مسجدًا وصلى الناس فيه أذن المؤذن وأقاموا وصلى الناس، ثم إننا رأينا موقعًا أحسن منه وأنفع للحي فنقلناه إليه، فهل يجوز؟ نعم يجوز المسجد الأول، ماذا يكون بعد نقله؟ يصير ملكًا لنا يجوز أن نقطعه حجرًا نسكن فيه أو دكاكين نؤجِّرها أو نهدمه ونجعله مواقف؛ لأنه الآن لما أبدل بغيره انتقل الحكم من هذا المكان الجديد. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان مكافأة من أحسن إليه، وجهه: أن النبي ﷺ دعا لهذا الرجل أن يبارك الله له في بيعه، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه"، وهذا كما أنه من أوامر الشرع فهو من الأخلاق النبيلة الفاضلة، كثير من الناس تحسن إليه ولا تجد منهم مكافأة ولا بطلاقة الوجه، بل يمكن أن يعبس في وجهك لا تسمعه يقول: جزاك الله خيرًا ولا ينشرح صدره لإحسانك، والإنسان المحسن -وإن كان مخلصًا لله- لا يريد منهم جزاء ولا شكورًا، لكن لا شك أن من الأدب أن تكافئ من صنع إليك معروفًا، لو أن رجلًا تصدق على فقير جاءه ويقول: أنا عليّ دين كثر فأعطاه مائة ريال، قال: لا تعطني غير مائة، الله لا يكثر خيرك، ثم اكفهر في وجهه وألقى بالمائة، هل هذا موافق للشرع أم مخالف؟ مخالف، كان الذي ينبغي له أن يقول جزاك الله خيرًا ويأخذ المائة ينتفع بها إن كان عليه عشرة ملايين ريال الآن صار عليه عشرة إلا مائة إذا كان صادقًا، والعامة يقولون: القطر مع القطر يأتي غدير، والشاعر يقول: لا تحقرنَّ صغيرة***إنَّ الجبال من الحصى لكن أقول: إن بعض الناس حرم هذا الأدب، والخلق النبيل الذي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله وفعله، "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه" هذا قوله، وكونه دعا لعروة هذا فعله. ومن فوائد الحديث: حدوث آية لرسول الله ﷺ وهي إجابة الدعاء، حتى إن هذا الرجل لو اشترى ترابًا لربح فيه، ومواضع إجابة دعوة الرسول ﷺ كثيرة، وكلها تأييد لرسالته ﷺ ، وإذا وقع مثل هذا لمتبع الرسول ﷺ سميناه كرامة لمن وقع له، ومعجزة أو آية للرسول ﷺ وهو المتبوع؛ لأن إظهار هذه الكرامة لمتبع الرسول ﷺ شهادة من الله أن هذا على حق، فيكون متبوعة أيضًا على حق.

стр. 1813

ومن فوائد الحديث: أن المكافأة تكون من جنس المكافأ عليه، من أين يؤخذ؟ دعا له بالبركة في بيعه؛ لأن الذي وقع منه إسداء معروف في بيعه، فينبغي أن تكون المكافأة من جنس الإحسان، إلا إذا رأى الإنسان أنه لا يليق أن يعطيه من جنس إحسانه أو أن يخشى أو خشي أن يظن الفاعل المعروف أن هذا ردُّ لمعروفه، فهنا ينبغي أن يكافئه من جنس آخر، مثال ذلك: رجل أهدى إلي بمناسبة ظهور أول الرطب فصل من الرُّطب فأهديت أنت إليه كافأته بفصل من الرطب مثل رطبه هذا أشبه أن يكون ردَّا، لكن أهدى عليه مثلًا فصلًا من العنب، المهم: ينبغي للإنسان في مثل هذه الأحوال أن يحرص غاية الحرص على ألَّا يخدش المحسن إليه بحيث يشعر أن هذا ردٌّ لجميله. ومن فوائد الحديث: أن الربح لا يحدد، فيجوز للإنسان أن يربح الربع أو الخمس أو العشر أو الأكثر، لكن بشرط ألا يكون في ذلك غبن، فإن كان عن طريق الغبن، فإنه يحرم ما زاد على العادة، وأما إذا كان عن طريق الكسب؛ أي: أن السوق زادت قيمة السلع فيه أو أن البائع الأول قد حاباه، أو أن المشتري الثاني قد حاباه فإن هذا لا بأس به وقد يكون البائع الأول يعرف أن هذه السلعة تساوي عشرين، فباع عليك بعشرة، إذا بعت بثمن المثل فبكم تبيعها؟ بعشرين أو أكثر هذا لا يضر؛ لأن الأول حاباك، أو أن يكون المشتري الثاني يعلم أن قيمتها عشرة لكن أراد أن ينفعك فاشتراه بعشرين، هذا لا بأس به، وإن كانت السلع في الأسواق لم يحصل منها زيادة. الحاصل لنا: أن في هذا الحديث دليلًا على أنه لا تحديد للربح. فإذا قال قائل: إذن لو اتفق أهل السوق على أن يجعلوا ما يساوي مائة بثلاثمائة. قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه احتكار، وقد قال النبي ﷺ : "لا يحتكر إلا خاطئ". ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لو أعطاك مالًا تشتري به حاجة معينة واشتريتها بأقل مما أعطاك وجب عليك أن ترد الباقي، ولو قال: خذ هذه السلعة بعها بمائة فبعتها بمائة وعشرين فهل يجب عليك أن تعطيه مائة وعشرين، أو تقول: هو قال: بعها بمائة والعشرين لي؟ الأول؛ لماذا؟ لأنه قد يكون البائع يحدد الثمن ظنًا من أنها لن تزيد عليه فيكون السوق قد أخلف، أو يأتي إنسان محتاج ولا يهمه أن يزيد عليه الثمن، ولكن لو قال: بع هذه بمائة وما زاد فلك؛ فهذا جائز، ولا يقال: إن هذا مجهول، نقول: لأن المالك قد علم الثمن الذي قدره فلا يريد أكثر من ذلك. وقوله: وأورد التِّرمذيُّ له شاهدًا من حديث حكيم بن حزام. "الشاهد" هو ما يدل على معنى الحديث، وللعلماء حول هذا الموضوع ثلاثة أشياء: اعتبار

стр. 1814

وشاهد ومتابع، كلها تتعلق في تقوية الأحاديث بعضها ببعض، فأما الشاهد: فهو ما روي من حديث آخر يؤيده في المعنى هذا يسمى شاهدًا، وأما المتابعة: فهو أن يتابع الرجل الضعيف رجلًا آخر في الأخذ عن شيخه هذا يسمى متابع ثم إما أن تكون قاصرة إن كانت فيمن فوق الشيخ، وقد تكون تامة إذا كانت في الشيخ، وأما الاعتبار فهو تتبع طرق الحديث لينظر هل لهذا الحديث شاهد أو لهذا الراوي متابع، مثال لذلك: روى زيد عن عمرو حديثًا وزيد من الضعفاء، فروى بكر عن عمرو هذا الحديث تسمى هذه متابعة، لأن بكرًا تابع زيدًا في الأخذ عن عمرو، وهذا يقوي، أما الشاهد فهو أن يروي حديثًا يوافقه في المعنى، لكن من طريق آخر، هذا هو الشاهد وسميناه شاهدًا؛ لأنه أجنبي من هذا الحديث، وتتبع الطرق لهذا الشيء يسمى اعتبارًا؛ لأن العلماء إذا رأوا الحديث الضعيف ذهبوا يبحثون في كتب الحديث لعلهم يجدون له شاهدًا، أو يجدون لراوية متابعًا من أجل أن يتقوى؛ لأننا مأمورون بحفظ السنة، فإذا رأينا حديثًا ضعيف السند ولا يخالف الأحاديث الصحيحة، فلنبحث عنه لننظر هل نرى له شاهدًا، أو لراويه الضعيف متابع أما إذا كان حديث شاذ المتن فأمره هيّن؛ لأننا لو تعبنا ووجدنا له طرق صحيحة وهو شاذ المتن لم يكن صحيحًا، يعني: لا تتعب نفسك فيما إذا رأيت هذا الحديث مخالفًا للأحاديث الصحيحة، لأنك لو رأيت فالحديث الشاذ ليس بصحيح، لكن أحيانًا يكون الضعف من حيث السند، والحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة أو ربما تؤيده الأحاديث الصحيحة بمعناها العام فإنه ينبغي بل يجب أن تتبع الطرق من أجل أن تحصل على ما يقويه من شاهد أو متابع. بيع الغرر: ٧٨٧ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد وهو آبقٌ، وعن شراء المغانم حتَّى تقسم، وعن شراء الصَّدقات حتَّى تقبض، وعن ضربة الغائص". رواه ابن ماجه، والبزَّار، والدَّارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ. قوله: "ما في ضروعها" يعني: من اللبن، و"العبد" أي: المملوك، و"آبق" بمعنى: شارد عن سيده هارب منه، و"المغانم" جمع مغنم، وهو ما يغنمه المسلمون من الكفار من الأموال عند القتال وما ألحق به، و"الصدقات" يعني: الزكوات، يعني: يقال لشخص: ما لك عندنا صدقة

стр. 1815

زكاة فلا يبيعها حتى يقبض، وقوله: "الغائص" أي: الذي يغوص في البحر لاستخراج الدِّرر منه فيقول: أضرب الآن، يعني: أغوص فما أخرجته فهو لك بكذا، كم هذه من نوع؟ ستة أنواع يجمعها معنى واحد وهو الغرر. وقد صحّ من حديث أبي هريرة ﵁، أن النَّبيّ ﷺ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. الفرق بين بيع الحصاة والرحى: حدثني في المدينة هذه الأيام يقول سمع شيخًا من أئمة المساجد يقول إن النَّبيّ ﷺ نهى عن بيع الحصاة وهؤلاء الله يهديهم يبيعون الرَّحى، فهو آخذ بظاهر اللفظ، وظن أن الحصاة هي الرحى، فمثل هذا جهله يسمى جهلًا مركبًا، المهم أن هذه الأنواع الستة يجمعها الغرر في كلِّ منها، وقد ثبت النهي عن الغرر كما ذكرنا، وهذه تعتبر قاعدة من قواعد الشرع في البيوع، فأولًا نهى عن شراء ما في بطون الأنعام، وهي جمع نعم وهي: الإبل والبقر والغنم، ويقاس عليها ما سواها، وإنما نهى عن بيعها؛ لأنها غرر عظيم، فالذي في بطون الأنعام قد يكون متعددًا وقد يكون واحدًا، وقد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، وقد يخرج حيًا وقد يخرج ميتًا، وقد يكون مشوَّها، وقد يكون سليمًا، المهم: أن كثيرًا من احتمالات الغرر ترد على ما في بطون الأنعام، إذن متى يصح بيعها؟ قال: "حتى تضع"، والنبي ﷺ لا يسد الأبواب كلها من كل وجه فقال: "حتى تضع" بدل ما تبيعها اليوم بعها غدًا إذا وضعت، ويستفاد من هذه الجملة: تحريم بيع ما في بطون الأنعام وفساد البيع أيضًا؛ لأنه قد تقرر في علم الأصول أن ما نهي عنه فهو فاسد، سواء من العبادات أو من المعاملات، ووجه ذلك: أن ما نهي عنه فإنَّ النهي يستلزم البعد عنه وعدم تنفيذه فإذا نفِّذ وصحَّح فقد ضاد الإنسان أمر الله . فيستفاد من هذا الحديث: جواز بيع الحامل وما في بطنها؛ لأن النهي إنما ورد عن بيع ما في بطونها لا عن الحوامل، وعلى هذا فإذا باع الإنسان أنثى حاملًا من بهيمة الأنعام أو من غيرها فالبيع صحيح. ويستفاد من هذا الحديث: ما أشار إليه ابن رجب في قواعده، من أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ويغتفر في التابع ما لا يسوّع في المتبوع، ثاميًا: قال: "وعن بيع ما في ضروعها" يعني: حتى يحلب، فينهى عن بيع ما في ضروع بهيمة الأنعام؛ لأنه مجهول؛ ولأنه غير مقدور على تسليمه؛ أما الجهالة فظاهر حتى لو رأيت حجم الضرع فقد يكون اللحم الذي في داخل الضرع كثيرًا وقد يكون قليلًا، فإذا كثر قلّ اللبن وإذا قلّ كثر اللبن، إذن اللبن مجهول، ثانيًا: أنه

стр. 1816

غير مقدور على تسليمه لماذا؟ لأن البهيمة قد تعاكس، فإذا كان غير مقدور على تسليمه ولا معلوم فلا يصح لأنه غرر. الثالث: وعن شراء العبد وهو آبق، نرجع إلى الجملة الأولى: "شراء ما في ضروعها حتى تجلب"، فإذا حلبت صح بيع الحليب؛ لأنه من الشيء المباح، هل يقاس على ذلك ما في وعائه من الثمار كأن يقال لا يصح بيع الرمان في قشرة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا لا يمكن بيعه إلا على هذا الوجه؛ إذ لو أ/رنا البائع بأن يفتحه لكان ذلك عرضة لفساده، وهو مما جرى بين المسلمين بيعه في قشرة بيع السنبل في حبه أجازه الشارع فنهى عن بيع الحب حتى يشتد، فإذا اشتد جاز بيعه ولو في سنبله مع أنه في سنبله فيه شيء من الجهالة لكن لما كان لا يمكن بيعه إلا على هذا الوجه اغتفرت فيه الجهالة. هل يقاس على ذلك بيع الفجل في الأرض والثوم والبصل وشبهها؟ أيضًا قاسه بعض العلماء على هذا، وقال: لا يصح بيع البصل والثوم والفجل وما مأكوله في باطن الأرض؛ لأنه مجهول لا يعلم، ولكن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله تعالى- جواز بيع ذلك، قالا: لأنه مما جرت به العادة؛ ولأنه مغروس بأصل الخلقة فيكون كالرمان والبطيخ وليس كاللبن في الضرع من كل وجه؛ لأن اللبن في الضرع فيه بالإضافة إلى الجهالة أنه غير مقدور على تسليمه وأيضًا أنه ينمو فكلما حلبت نزل اللبن بخلاف هذا، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم من جواز بيعه، وهو أيضًا معلوم عند أهل الخبرة يعرفون أن البصل كبير ولو كان في باطن الأرض مما يظهر من سوقه وأوراقه. قال: "وعن شراء العبد وهو آبق" من العبد؟ الرقيق، يعني: المملوك وقد أطلق الله على المملوك اسم العبد فقال: ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٢٢]، وقوله "وهو آبق" أي: هارب من سيده، إلى متى؟ الجملة هذه حال، "وهو آبق" أي: في حال إباقه، أما إذا رجع فإنه يصح شراءه، ولكن لو اشتراه الإنسان دون أن يخبره بائعه بأنه قد أبق، فهل له الخيار في رده؟ نعم، لماذا؟ لأن الإباق عيب، ومن أبق عند سيده الأول فلا يضمن أن يأبق عند الثاني، ويستفاد من هذه الجملة من الحديث: جواز بيع وشراء العبد. فإذا قال قائل: إن في هذا ظلمًا لهم كيف تجعله كالبهيمة يباع ويشترى؟ قلنا إنهم لم يظلموا، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم؛ لأن سبب الرق هو الكفر، فإذا كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم فإننا لم نظلمهم، وقد جاءت النصوص الكثيرة بالحث على مواساتهم وعلى الرأفة بهم والرحمة وعلى العتق حتى جعل له الشارع أسبابًا كثيرة من المعاصي التي تكفر بالعتق، وهل

стр. 1817

هذا النهي عن شراء العبد وهو آبق على إطلاقه، أو نقول: إنه إذا قدر الإنسان المشتري على رد هذا العبد الآبق جاز الشراء، من نظر إلى ظاهر اللفظ قال: إن النهي عام، وقد تظن أنك قادر على رده ولكن لا تستطيع، ومن نظر إلى المعنى قال: إنه إذا كان الإنسان قادرًا على رده فلا بأس، لأن الحكم يدور مع علته؛ فإذا كان هذا عنده من وسائل الطلب ما يستطيع به أن يرد هذا الآبق كرجل مثلاً عنده سيارة جيب تجوب الرمال والجبال حتى يجد هذا الرجل، فلا بأس بشرائه الآبق: وأما إذا لم يكن عنده ولكنه خاطر فإن هذا لا يجوز. ومن فوائد الحديث: "وعن شراء المغانم حتى تقسم" النهي عن شراء المغانم حتى تقسم، وكما في الجملة الأولى أن النهي يقتضي الفساد، وفي هذه الجملة دليل على أن المغانم تملك لقوله: "حتى تقسم"، وهو كذلك، فإن الغنائم أحلت لهذه الأمة ولم تحل لأمة قبلها، أحلت لهم ليستعينوا بها على الجهاد في سبيل الله، وعلى حوائجهم الأخرى، أما الأمم السابقة فإن الغنائم لا تحل لهم، وقد ذكروا أنها كانت تجمع في مكان وتنزل عليها نار من السماء فتحرقها. ومن فوائد هذه الجملة: أن المغانم مشتركة لقوله: "حتى تقسم"، والقسم يكون بعد الاشتراك، ولكن بين من؟ قال العلماء: الغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال، وأما من ليس من أهل القتال فليس لهم سهم، ولكن يعطى منها شيئًا لا يبلغ حد سهم المقاتل. ومن فوائد الحديث: في قوله: "وعن شراء الصدقات حتى تقبض" أي: أن شراء الصدقات لا يجوز ممن استحقها حتى يقبضها، والعلة في ذلك أولاً: عدم الملك، وهذا فيما إذا لم يعين نصيبه في شيء من الصدقة، فإن عين نصيبه في شيء من الصدقة فإن العلة عدم تمام الملك؛ لأنه لا يتم ملكه حتى يقبضها، فلو قال الساعي الذي يجبي الزكاة لخمسة فقراء لكم كذا وكذا من الزكاة صار الآن مشتركًا معينًا مملوكًا، لكنه لا يتم ملكه حتى يقبضه أصحابه، فإذا قبضوه جاز بيعه، وعلم من هذا الحديث أنه إذا قبضت جاز بيعها وإن لم تقسم؛ ولهذا صرح في المغنم قال: "حتى تقسم" وفي الصدقات قال: "حتى تقسم" فإذا قال الساعي لجماعة من الفقراء خمسة: هذا لكم، فإذا قبضوه وحازوه جاز لأحدهم أن يبيع نصيبه منه، فإذا كانوا خمسة كم لكل واحد؟ الخمس، وجاز أن يبيعوه جميعًا وإن لم يقسم؛ لأنه كسائر الأملاك المشتركة. ويستفاد من هذا الحديث: من قوله: "وعن ضربة الغائص" جواز الغوص في البحر لطلب الدُّرر وغيره مما هو موجود في البحر، وهذا مقيَّد بما إذا كان الغالب السلامة، فإن كان الغالب الهلاك فالغوص حرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وإن تساوى الأمران فالاحتياط التحريم؛ لأن من القواعد المقررة: "أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلّب

стр. 1818

جانب الحظر"، فالسلامة مبيحة والهلاك حاظر، وقد اجتمع في هذا الفعل ولم يترجح أحدهما فغلّب جانب الحظر، فنقول: لا يجوز أن تغوص. ومن فوائد هذا الحديث: جواز بيع ما يستخرجه الإنسان من البحر، يؤخذ من قوله"وعن ضربة الغائص"، لأنها مجهولة، لكن إذا علمت فإن ذلك لا بأس به، فإن الإنسان يملك ما يستخرجه من البحر كما يملك من في البرّ، ما يحشه من البر ومثل ذلك ما لو قال قائل أنا سأذهب ألقط لك الكمأة ولك ما أجنيه من الآن إلى الظهر، هذا يقوله في الصباح أو في الظهر، يقول من الظهر إلى الغروب؟ لا، لماذا؟ لأنه غرر قد يجني كثيرًا وقد يجني قليلاً، لو استأجرت شخصًا يجني الكمأة من الظهر إلى الغروب يجوز؛ لأن العقد هنا وقع على المنفعة لا على التحصيل. ويستفاد من هذا الحديث ككل: عناية الشرع بحماية البشر مما يوجب النزاع بينهم؛ لأن هذه الأنواع التي فيها الغرر سوف يكون من المغبون فيها حقد وعداوة وبغضاء على من؟ على الغابن، وتكون من الغابن تطاول، وفخر على المغبون، فالشارع حمى الناس من هذه الورطة التي يتورطون فيها. ومن فوائده أيضًا: أنه يجب البعد عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء، دل ذلك على أن كل ما ساواها في هذا المعنى فهو مثلها منهي عنه، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تباغضوا" يعني: لا تفعلوا الأشياء التي توجب البغضاء، وأخبر أن البغضاء مما يريده الشيطان في بني آدم: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]. ومن فوائد الحديث: أنه إذا نهي عن الأسباب التي توجب العداوة والبغضاء فإن المعنى يقتضي الأمر بالأسباب التي توجب الولاية والمحبة؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، ولاشك في هذا أن الشرع يأمر بكل ما يوجب المودة والمحبة والولاية- ولاية المؤمنين بعضهم لبعض- فإن الله تعالى يقول: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. ويقول النبي ﷺ : "والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ ". فكل ما يوجب الولاية والمحبة فإنه مأمور به شرعًا، فإن كان مأمورًا به شرعًا فإن العاقل سوف يفعله مع ما في المحبة والولاية من الإلفة والطمأنينة، وصلاح الأحوال، وانشراح الصدر. أنت الآن لو فردت نفسك لا تلاقي شخصًا إلا وفي قلبك عداوة وبغضاء له، هل تكون مسرورًا؟

стр. 1819

أبدًا تضيق بك الأسواق، لكن إذا كنت لا تضمر لإخوانك المسلمين إلا المحبة والولاء فإنك سوف تكون مسرورًا بكل من تلاقيه من المسلمين، لأنك تلاقي من تحب ومن تتولاه ويتولاك، فهذه أيضًا فيها راحة نفسية لا توجد في كل إنسان يكره الناس ويبغضهم. فإذا قال قائل: إذا كان في الإنسان ما يوجب المودة والمحبة ما يوجب البغضاء والعداوة ما العمل؟ نقول: إن الله قال: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ [الإسراء: ٣٥]. أحببه بما معه مما يقتضي المحبة واكرهه بما معه مما يقتضي الكراهة ولا تغلب جانبًا على جانب، الرسول ﷺ قال: "لا يفرك مؤمن مؤمنة- يعني: لا يبغضها على سبيل الإطلاق- إن كره منها خلقًا رصي منها خلقًا آخر". هكذا الميزان لا تكاد تجد أحدًا يسلم مما يوجب الكراهة إلا نادرًا، لكن قارن بين هذا وهذا وأعط كل شيء حكمه. ومن فوائد الحديث: منع الإنسان من كل ما يؤدي إلى الميسر والمقامرة، لماذا؟ لأن هذه الموانع كلها فيها خطر وغرر، قد يكون الإنسان فيها غانمًا وقد يكون فيها غارمًا، وإذا اعتاد الإنسان هذا النوع من المعاملات طمعت نفسه وصار يتعامل بمثل هذه المعاملات المبنية على الخطر والغرر حتى تؤدي إلى معاملات أكبر، ولهذا كثيرًا ما يفتقر أصحاب القمار في ليلة، تجد هذا الرجل مثلاً عنده ملايين فيقامر فيغلب، يغلب أول ضربة بمليون، فيقول: ألعب ثانيًا لأجل أن أرجع المليون فيضرب ضربة أخرى بمليونين يقول: ألعب ثالثًا حتى أرجع ثلاثة، ولكن يضرب بضربة قاصمة ثلاثة ملايين، ولو كان عنده مائة مليون يصرفها في ليلة، بعد ما كان غنيًا يصبح فقيرًا، وهذه البيوع لا تظن أنها هينة، إذا اعتادت النفس على هذه المكاسب المبنية على الغرر والخطر صارت تتطلع إلى ما هو أعظم وأكبر ووقعت في الميسر الذي هو قرين الخمر في كتاب الله، بل قرين عبادة الأصنام في كتاب الله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. ٧٨٨ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر". رواه أحمد، وأشار إلى أن الصواب وقفه. وهو كذلك الظاهر أنه موقوف، "لا تشتروا السمك في الماء"، وعلل ذلك بأنه غرر، السمك

стр. 1820

يعيش في الماء كما هو معلوم، فإذا قلت: أبيع عليك ما في هذا الجانب من النهر من السمك، فإنه لا يجوز، وعلل النبي ﷺ ذلك بأنه غرر، والغرر جهالة، والعقود التي تتضمن الجهالة لابد أن يكون فيها نزاع بين المتعاقدين يؤدي إلى العداوة والبغضاء والحقد، والدين الإسلامي جاء بمحاربة ما يؤدي إلى ذلك، ولكن العلة أو التعليل الذي في هذا الأثر: "فإنه غرر" يقتضي أنه متى كان غير غرر فلا بأس به، مثل أن يكون السمك في مكان يحيط به العلم بأن يكون في مكان ضيق، والماء صاف والسمك يرى، ويمكن السيطرة عليه بحيث لا يخرج إلى النهر أو إلى البحر الواسع، فإذا بيع هذا السمك فإنه لا بأس به كما لو كان في بركة محجوزة بجوانبها وهو يرى لكون الماء صافيًا فإن ذلك لا بأس به، لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا كانت العلة هي الغرر وانتفي الغرر فإن البيع يصح، وهذا كالذي سبق كله مداره على الجهالة والغرر، وكل عقد يكون فيه جهالة وغرر مما يؤدي إلى النزاع فإن ذلك لا يجوز، قولنا: إن الجهالة والغرر يؤدي إلى النزاع والنزاع يؤدي إلى العداوة والبغضاء، أرأيتم لو كان العقد لا يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء مثل الهبة كما لو وهب الإنسان عبدًا آبقًا فهل يصح؟ الجواب الصحيح: أنه يصح، وأن هبة المجهول جائزة؛ لأن الموهوب له إما غانم وإما سالم، بخلاف عقود المعاوضات، فإن الجهالة فيها تقتضي أن يكون فيها إما غانمًا وإما غارمًا وبينهما فرق عظيم. هبة العبد وهو آبق قلنا: إنها جائزة وصحيحة؛ لأن الموهوب له إن أدركه فهو غانم وإن لم يدركه فهو سالم، هبة الغنيمة قبل القسمة كذلك، هبة السمك في الماء ولو كان مجهولاً فهي صحيحة وذلك للقاعدة التي ذكرنا وهي أن العقد هنا دائر بين الغنم والسلامة فقط لا بين الغنم والغرم، وإذا كان دائرًا بين الغنم والسلامة، فإنه لن يحصل فيه نزاع؛ لأن الموهوب له مثلاً لو وهب له عبد وهو آبق وعجز عن تحصيله هل يأتي إلى الواهب يخاصمه ويطالبه؟ لو أتاه قيل له: ليس لك حق. ٧٨٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع". رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني. "تطعم" يعني: حتى تكون صالحة للطعام، ويشمل هذا ثمر النخل وثمر العنب ثمر الرمان البرتقال، فلا يجوز بيعه حتى يكون صالحًا للطعام؛ لأن بيعه قبل ذلك يؤدي إلى الغرر من

стр. 1821

وجوه، أولاً: أن الآفات تكثر عليه قبل أن ينضج، وثانيًا: أنه يزداد نموه فيحدث في المبيع ما لم يقع عليه العقد، وثالثًا: أنه قد يؤدي إلى النزاع بين البائع والمشتري في سقيه وملاحظته، فأما إذا كان قد بلغ أن يطعم فإن أخذه وجنبه قريب لا يؤدي إلى النزاع، لكن إذا كان قبل ذلك فقد يؤدى إلى النزاع بينهما، فيقول المشتري مثلاً: أسقه، ويقول: سقيته، يقول: هذا لا يكفي، يقول الآخر: يكفي وما أشبه ذلك من النزاعات التي ترد فيما لو باعه قبل أن يطعم. وكذلك أيضًا: "لا يباع صوف على" ظهر إلى أن يجز الصوف على الظهر لا يجوز بيعه لماذا؟ لأن موضع الجز مجهول قد يريد المشتري أن يجز الصوف من أصله، ويريد البائع أن يجز من فوق من نصف الشعر مثلاً فيقع في ذلك نزاع، ثم إن الإحاطة به على وجه الكمال قد تكون متعذرة أو متعسرة، ثم إن المنع ليس منعًا يخل بمصالح العباد؛ لأنه من الممكن أن يقال للبائع جزّ الصوف ثم بعه؛ لأن الذي اشتراه إن لم يجزه في الحال فإنه ينشأ صوف جديد لم يقع عليه العقد فيختلط بما وقع عليه العقد، ويكون التمييز بينهما صعبًا أو متعذرًا، فيختلط مال البائع الجديد بمال المشتري القديم، وذهب بعض العلماء إلى جواز بيع الصوف على الظهر بشرط أن يكون معلومًا وأن يجزّ في الحال، وقال: إن المرجع في جزّه على ما جرت به العادة وأنه يغتفر الغرر اليسير في مثل هذا؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى بيعه على الظهر، ولكن إذا قلنا بهذا القول من يكون عليه الجزّ المشتري أو البائع؟ يكون الجزّ على المشتري إلا أن يشترطه على البائع، كالثمرة إذا بيعت فإن جزّها يكون على المشتري إلا أن يشترطها على البائع، ولكن على القول بالجواز كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجاب عن هذا الحديث بأحد جوابين: إما بالضعف، وإما بأن يحمل على صوف لا يدرك أو على صوف يبقى بعد الشراء بحيث يحدث صوف لم يقع عليه العقد فتكون فيه الجهالة والصحيح أنه جائز إذا جزّ في الحال وكان معلومًا. - وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة، [وهو الراجح]. - وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي. يعني: أنه موقوف، ومعلوم أنه إذا كان موقوفًا فإنه يتنزل على خلاف العلماء: هل قول الصحابي حجة أو لا؟ فمن قال: إن قوله حجة احتج به، ومن قال: إنه ليس بحجة لم يحتج به؛ إلا أن يكون هذا القول مما لا مجال للاجتهاد فيه ولم يعرف قائله بالأخذ عن بني إسرائيل فإنه يكون له حكم الرفع، هذه المسألة المروية عن ابن عباس إذا اتبع الإنسان فيها ابن عباس

стр. 1822

رضي الله عنهما فله ذلك؛ لأنه صحابي، وإن لم يتبعه، وقال: إن الذي جاء به النهي ما كان فيه غرر وإلا فالأصل حلُّ البيع لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فكل بيع فهو حلال إلا ما قام الدليل على منعه. بيع المضامين: ٧٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين، والملاقيح". رواه البزار، وفي إسناده ضعف. لكن معناه صحيح، نهى عن بيع الملاقيح، وهي التي يلقحها الفحل في بطن الأنثى بأن يقول صاحب الفحل: أنا أبيع عليك ضراب فحلي من ناقتك يعني: يضربها هذه المرة فيبيع عليك هذا الضراب فلا يجوز؛ لأنه أجهل من بيع المحمل، فإن هذا اللقاح قد يكون صحيحًا وقد يكون فاسدًا، فإذا منع الحمل فهذا من باب أولى. والحاصل: أن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن معناه صحيح، والعلة في النهي عن بيع هذين النوعين من البيوع هي الجهالة والغرر، إذن نقول- في هذا وما سبق: القاعدة أن كل بيع يتضمن جهالة وغررًا بحيث يكون العاقد فيه دائرًا بين الغنم والغرم فإنه بيع محرم فاسد، والعلة فيه أنه يفضي إلى العداوة والبغضاء فهو من الميسر الذي قال الله فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. الإقالة: ٧٩١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقال مسلمًا بيعته؛ أقاله الله عثرته". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. عندي يقول في الحاشية: إن هذا الحديث موضعه أول الخيار في نسخ صحيحة فليحرر، على كل حال لا يهم. قال: "من أقال مسلمًا بيعته"، و"الإقالة": هي طلب فسخ العقد، تكون أحيانًا مطلوبة من المشتري، وتكون أحيانًا مطلوبة من البائع، أحيانًا يأتي المشتري إلى البائع ويقول: أقلني، يعني: يندم المشتري على الشراء فيطلب من البائع أن يقيله، وأحيانًا يكون بالعكس يأتي

стр. 1823

الطلب من البائع يندم على البيع فيأتي للمشتري فيقول: أقلني، والحديث يشمل هذا وهذا، فـ"من أقال مسلمًا بيعته" يعني: البيعة التي وقعت بينه وبينه، "أقال الله عثرته"، عثرته في أمور الدنيا أو عثرته في أمور الدنيا والآخرة؟ نقول: يشمل الأمرين جميعًا، وفضل الله واسع، وإقالة العثرة لاشك أنها أمر مطلوب لكل واحد؛ إذ أنه لا يخلو واحد منا من العثرات، فإذا أقال الله عثراتنا فهذا فضل عظيم ينبغي للإنسان ألا يفرَّط فيه، والمسألة سهلة جدًا. وقوله: "من أقال مسلمًا" هل مثل ذلك لو أقال ذميًّا؟ الجواب: نعم، ويكون ذكر المسلم بناء على الغالب، ويؤيد ذلك أن في بعض الألفاظ: "من أقال نادمًا بيعته" فيشمل المسلم وغير المسلم. ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: جواز الإقالة وهو كذلك، فالإقالة جائزة، بل نقول: في الحديث دليل على أن الإقالة مطلوبة مستحبة، ووجه الدلالة: أن الشارع رتب عليها ثوابًا، وهذا ترغيب من الشارع لفعلها، والترغيب إذا علَّق على حكم دلّ ذلك على أن هذا الحكم مطلوب شرعًا إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون مستحبًا حسب ما تقتضيه الأدلة. ولكن هل الإقالة عقد جديد أو فسخ لعقد مضى؟ الجواب: الثاني أنها فسخ لعقد مضى؛ ولهذا تجوز قبل قبض المبيع ولو كان من الكيل أو الموزون الذي يحتاج إلى حق توفية، وتجوز بعد نداء الجمعة الثاني، وتجوز أيضًا بعد إقامة الصلاة إذا لم تمنع عن الصلاة؛ لماذا؟ لأنها ليست بيعًا. هل تجوز في المسجد؟ نعم تجوز، لأنها ليست بيعًا، ولكن هل يشترط أن تكون بمثل الثمن أو لا بأس أن يزيد الثمن أو ينقص؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فإن أسقط أو زاد لم تصح، قالوا: لأنه إذا أسقط أو زاد فقد لاحظ في إقالته المعاوضة، وإذا لاحظ المعاوضة لم تكن إقالة، ولكن الصحيح الجواز ومحظور الربا فيها بعيد، فمثلاً إذا بعت عليك سيارة بعشرين ثم جئت إليّ وقلت: أقلني أنا الآن لا أريد السيارة، فقلت: لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين من الثمن، فقال: أعطيك، فمن قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، قال: إن هذه الإقالة لا تصح، ومن قال بالجواز- وهو الصحيح- قال: إن هذه الإقالة صحيحة، وكذلك بالعكس لو أن البائع هو الذي طلب الإقالة فقال المشتري: أنا لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين، فالصواب: أنه جائز ولا بأس به، وذلك لأن الإقالة قد يكون فيها ضرر على المقيل وربما يكون باع هذه السيارة بعشرين ألفًا، ولكنها وقت الإقالة وصلت إلى عشرين ألفًا، فإذا ردَّها عليَّ فإنها قد لا تبلغ عشرين ألفًا، أو لأن الذين يزيدون فيها قد تفرقوا، والثاني أن الناس قد يقولون: لماذا ردها لولا أن فيها عيبًا ما ردها فتنقص القيمة، لهذا نقول: الصحيح جواز الإقالة بمثل الثمن أو فوقه أو دونه.

стр. 1824

ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا الذي أقال المسلم بيعته يقيل الله عثرته؛ لأن الغالب أن الإقالة إنَّما سببها الندم، فإذا أقلته وأزلت الندم عنه أقال الله عثرتك، فأزال الندم الذي يكون لك بالعثرة. وهنا أسئلة: أولاً: هل يلحق غير البيع بالبيع؟ الجواب: نعم، يعني: لو أنه أجره بيته وبعد أن استأجره جاء إليه وقال: استأجرت البيت منك ولكن أرجو منك الإقالة، فأقاله هذا يندب له، لكن هل يحصل على هذا الثواب؟ نعم، الظاهر أنه يحصل؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فهي وإن لم تكن كالبيع؛ لأن البيع تطول مدته ويملك به العين والمنفعة بخلاف الإجارة، لكنه يعطى من الأجر بمثل ما نفع هذا المستقبل. هل يلحق بهذا عقد النكاح؟ الزوج بعد أن عقد جاء إلى الزوجة أو إلى ولي الزوجة وقال: أقلني؟ هذا لا يلحق؛ لأنه يمكن أن يتخلص منه بالطلاق وهذا بالنسبة للزوج واضح، لكن بالنسبة للزوجة هل نقول إذا جاءت الزوجة إلى الزوج وطلبت منه الطلاق فوافقها على ذلك وطلقها هل يحصل له هذا الأجر؟ الظاهر أنه يحصل له هذا الأجر إن لم يكن أكثر؛ لأن المرأة قد لا تطيق الصبر مع الزوج هذا، ومشكل لا يمكن الانفكاك عنه، أما المشتري إذا كان لا يريد هذه السلعة وندم عليها يمكن أن يتخلص بالبيع، لكن المشكل الزوجة كيف تتخلص من زوجها؟ الزوج ذكرتم أنه يتخلص منها بالطلاق، لكن الزوجة تريد أن تتخلص منه، فالظاهر أنه إذا أقالها- أي: طلقها- بناء على رغبتها فإنه يرجى أن يكتب له هذا الأجر؛ لأنه فكها من ندم عظيم، لولا طلاقه لبقيت في أتعب ما يكون. ثانيًا: إذا أقال الإنسان هذا الرجل فهل يشترط أن يقبض المبيع في نفس المكان أو لا يشترط؟ يعنى: مثلاً اشترى منه ذهبًا بفضة ثم رجع إليه واستقاله فأقاله، هل يشترط قبض العوضين في المجلس، الجواب: لا، لماذا؟ لأن الإقالة فسخ وليست بيعًا، فلا يثبت لها أحكام البيع. ثالثًا: هل يشترط للإقالة رضا المقيل؟ نعم، لابد من هذا، وبناء على ذلك لو أن شخصًا أكره آخر على أن يقيل فلانًا وقال له: أقل فلانًا وإلا فإني أفعل وأفعل وهو قادر على تنفيذ ما هدده به فإن الإقالة لا تصح. السؤال الرابع: هل لولي اليتيم والوكيل ونحوهم أن يقيلوا؟ الجواب فيه تفصيل بالنسبة للولي إذا رأى المصلحة في الإقالة فله أن يقيل، وإن لم ير

стр. 1825

المصلحة فليس له أن يقيل؛ فإذا قال: أنا أريد الأجر، قلنا: المحافظة على أداء الأمانة أولى من طلب الأجر بالإقالة؛ لأن المحافظة على الأمانة واجبة، والإقالة سنة، وليست بواجبة، أما بالنسبة للوكيل فليس له أن يقيل إلا أن يجعل إليه؛ لأن الوكالة مقيدة بما وكَّل فيه، وهو إنما وكل بالبيع، ولم يوكل بالإقالة؛ ولأن الموكَّل قد لا يرضى بذلك بخلاف الولي، الولي مستقل عنده نوع استقلال ليس فوقع أحد، بل هو متولَّ على مال اليتيم فله أن يقبل إذا رأى المصلحة، وأما الوكيل فلا؛ إلا أن يجعل إليه أو يراجع الموكل. ومن فوائد الحديث- وإن كان يتكرر علينا كثيرًا-: الرد على الجبريّة، حيث قال: "من أقال مسلمًا"، وهذا يدل على أن للإنسان اختيارًا في الإقالة وعدمها، والجبريّة يرون أنه لا اختيار للإنسان، وأن الإنسان مجبر على عمل. وفي الحديث أيضًا: ردُّ على غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله بأفعال العباد، ووجه ذلك قوله: "أقال الله عثرته"، ولم يقل: "عثرته" إلا بعد العلم بإقالته. * * *
следующие страницы →