← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وجوه، أولاً: أن الآفات تكثر عليه قبل أن ينضج، وثانيًا: أنه يزداد نموه فيحدث في المبيع ما لم يقع عليه العقد، وثالثًا: أنه قد يؤدي إلى النزاع بين البائع والمشتري في سقيه وملاحظته، فأما إذا كان قد بلغ أن يطعم فإن أخذه وجنبه قريب لا يؤدي إلى النزاع، لكن إذا كان قبل ذلك فقد يؤدى إلى النزاع بينهما، فيقول المشتري مثلاً: أسقه، ويقول: سقيته، يقول: هذا لا يكفي، يقول الآخر: يكفي وما أشبه ذلك من النزاعات التي ترد فيما لو باعه قبل أن يطعم. وكذلك أيضًا: "لا يباع صوف على" ظهر إلى أن يجز الصوف على الظهر لا يجوز بيعه لماذا؟ لأن موضع الجز مجهول قد يريد المشتري أن يجز الصوف من أصله، ويريد البائع أن يجز من فوق من نصف الشعر مثلاً فيقع في ذلك نزاع، ثم إن الإحاطة به على وجه الكمال قد تكون متعذرة أو متعسرة، ثم إن المنع ليس منعًا يخل بمصالح العباد؛ لأنه من الممكن أن يقال للبائع جزّ الصوف ثم بعه؛ لأن الذي اشتراه إن لم يجزه في الحال فإنه ينشأ صوف جديد لم يقع عليه العقد فيختلط بما وقع عليه العقد، ويكون التمييز بينهما صعبًا أو متعذرًا، فيختلط مال البائع الجديد بمال المشتري القديم، وذهب بعض العلماء إلى جواز بيع الصوف على الظهر بشرط أن يكون معلومًا وأن يجزّ في الحال، وقال: إن المرجع في جزّه على ما جرت به العادة وأنه يغتفر الغرر اليسير في مثل هذا؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى بيعه على الظهر، ولكن إذا قلنا بهذا القول من يكون عليه الجزّ المشتري أو البائع؟ يكون الجزّ على المشتري إلا أن يشترطه على البائع، كالثمرة إذا بيعت فإن جزّها يكون على المشتري إلا أن يشترطها على البائع، ولكن على القول بالجواز كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجاب عن هذا الحديث بأحد جوابين: إما بالضعف، وإما بأن يحمل على صوف لا يدرك أو على صوف يبقى بعد الشراء بحيث يحدث صوف لم يقع عليه العقد فتكون فيه الجهالة والصحيح أنه جائز إذا جزّ في الحال وكان معلومًا. - وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة، [وهو الراجح]. - وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي. يعني: أنه موقوف، ومعلوم أنه إذا كان موقوفًا فإنه يتنزل على خلاف العلماء: هل قول الصحابي حجة أو لا؟ فمن قال: إن قوله حجة احتج به، ومن قال: إنه ليس بحجة لم يحتج به؛ إلا أن يكون هذا القول مما لا مجال للاجتهاد فيه ولم يعرف قائله بالأخذ عن بني إسرائيل فإنه يكون له حكم الرفع، هذه المسألة المروية عن ابن عباس إذا اتبع الإنسان فيها ابن عباس

стр. 1822

رضي الله عنهما فله ذلك؛ لأنه صحابي، وإن لم يتبعه، وقال: إن الذي جاء به النهي ما كان فيه غرر وإلا فالأصل حلُّ البيع لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فكل بيع فهو حلال إلا ما قام الدليل على منعه. بيع المضامين: ٧٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين، والملاقيح". رواه البزار، وفي إسناده ضعف. لكن معناه صحيح، نهى عن بيع الملاقيح، وهي التي يلقحها الفحل في بطن الأنثى بأن يقول صاحب الفحل: أنا أبيع عليك ضراب فحلي من ناقتك يعني: يضربها هذه المرة فيبيع عليك هذا الضراب فلا يجوز؛ لأنه أجهل من بيع المحمل، فإن هذا اللقاح قد يكون صحيحًا وقد يكون فاسدًا، فإذا منع الحمل فهذا من باب أولى. والحاصل: أن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن معناه صحيح، والعلة في النهي عن بيع هذين النوعين من البيوع هي الجهالة والغرر، إذن نقول- في هذا وما سبق: القاعدة أن كل بيع يتضمن جهالة وغررًا بحيث يكون العاقد فيه دائرًا بين الغنم والغرم فإنه بيع محرم فاسد، والعلة فيه أنه يفضي إلى العداوة والبغضاء فهو من الميسر الذي قال الله فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. الإقالة: ٧٩١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقال مسلمًا بيعته؛ أقاله الله عثرته". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. عندي يقول في الحاشية: إن هذا الحديث موضعه أول الخيار في نسخ صحيحة فليحرر، على كل حال لا يهم. قال: "من أقال مسلمًا بيعته"، و"الإقالة": هي طلب فسخ العقد، تكون أحيانًا مطلوبة من المشتري، وتكون أحيانًا مطلوبة من البائع، أحيانًا يأتي المشتري إلى البائع ويقول: أقلني، يعني: يندم المشتري على الشراء فيطلب من البائع أن يقيله، وأحيانًا يكون بالعكس يأتي

стр. 1823

الطلب من البائع يندم على البيع فيأتي للمشتري فيقول: أقلني، والحديث يشمل هذا وهذا، فـ"من أقال مسلمًا بيعته" يعني: البيعة التي وقعت بينه وبينه، "أقال الله عثرته"، عثرته في أمور الدنيا أو عثرته في أمور الدنيا والآخرة؟ نقول: يشمل الأمرين جميعًا، وفضل الله واسع، وإقالة العثرة لاشك أنها أمر مطلوب لكل واحد؛ إذ أنه لا يخلو واحد منا من العثرات، فإذا أقال الله عثراتنا فهذا فضل عظيم ينبغي للإنسان ألا يفرَّط فيه، والمسألة سهلة جدًا. وقوله: "من أقال مسلمًا" هل مثل ذلك لو أقال ذميًّا؟ الجواب: نعم، ويكون ذكر المسلم بناء على الغالب، ويؤيد ذلك أن في بعض الألفاظ: "من أقال نادمًا بيعته" فيشمل المسلم وغير المسلم. ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: جواز الإقالة وهو كذلك، فالإقالة جائزة، بل نقول: في الحديث دليل على أن الإقالة مطلوبة مستحبة، ووجه الدلالة: أن الشارع رتب عليها ثوابًا، وهذا ترغيب من الشارع لفعلها، والترغيب إذا علَّق على حكم دلّ ذلك على أن هذا الحكم مطلوب شرعًا إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون مستحبًا حسب ما تقتضيه الأدلة. ولكن هل الإقالة عقد جديد أو فسخ لعقد مضى؟ الجواب: الثاني أنها فسخ لعقد مضى؛ ولهذا تجوز قبل قبض المبيع ولو كان من الكيل أو الموزون الذي يحتاج إلى حق توفية، وتجوز بعد نداء الجمعة الثاني، وتجوز أيضًا بعد إقامة الصلاة إذا لم تمنع عن الصلاة؛ لماذا؟ لأنها ليست بيعًا. هل تجوز في المسجد؟ نعم تجوز، لأنها ليست بيعًا، ولكن هل يشترط أن تكون بمثل الثمن أو لا بأس أن يزيد الثمن أو ينقص؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فإن أسقط أو زاد لم تصح، قالوا: لأنه إذا أسقط أو زاد فقد لاحظ في إقالته المعاوضة، وإذا لاحظ المعاوضة لم تكن إقالة، ولكن الصحيح الجواز ومحظور الربا فيها بعيد، فمثلاً إذا بعت عليك سيارة بعشرين ثم جئت إليّ وقلت: أقلني أنا الآن لا أريد السيارة، فقلت: لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين من الثمن، فقال: أعطيك، فمن قال: إنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، قال: إن هذه الإقالة لا تصح، ومن قال بالجواز- وهو الصحيح- قال: إن هذه الإقالة صحيحة، وكذلك بالعكس لو أن البائع هو الذي طلب الإقالة فقال المشتري: أنا لا أقيلك إلا إذا أعطيتني ألفين، فالصواب: أنه جائز ولا بأس به، وذلك لأن الإقالة قد يكون فيها ضرر على المقيل وربما يكون باع هذه السيارة بعشرين ألفًا، ولكنها وقت الإقالة وصلت إلى عشرين ألفًا، فإذا ردَّها عليَّ فإنها قد لا تبلغ عشرين ألفًا، أو لأن الذين يزيدون فيها قد تفرقوا، والثاني أن الناس قد يقولون: لماذا ردها لولا أن فيها عيبًا ما ردها فتنقص القيمة، لهذا نقول: الصحيح جواز الإقالة بمثل الثمن أو فوقه أو دونه.

стр. 1824

ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هذا الذي أقال المسلم بيعته يقيل الله عثرته؛ لأن الغالب أن الإقالة إنَّما سببها الندم، فإذا أقلته وأزلت الندم عنه أقال الله عثرتك، فأزال الندم الذي يكون لك بالعثرة. وهنا أسئلة: أولاً: هل يلحق غير البيع بالبيع؟ الجواب: نعم، يعني: لو أنه أجره بيته وبعد أن استأجره جاء إليه وقال: استأجرت البيت منك ولكن أرجو منك الإقالة، فأقاله هذا يندب له، لكن هل يحصل على هذا الثواب؟ نعم، الظاهر أنه يحصل؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فهي وإن لم تكن كالبيع؛ لأن البيع تطول مدته ويملك به العين والمنفعة بخلاف الإجارة، لكنه يعطى من الأجر بمثل ما نفع هذا المستقبل. هل يلحق بهذا عقد النكاح؟ الزوج بعد أن عقد جاء إلى الزوجة أو إلى ولي الزوجة وقال: أقلني؟ هذا لا يلحق؛ لأنه يمكن أن يتخلص منه بالطلاق وهذا بالنسبة للزوج واضح، لكن بالنسبة للزوجة هل نقول إذا جاءت الزوجة إلى الزوج وطلبت منه الطلاق فوافقها على ذلك وطلقها هل يحصل له هذا الأجر؟ الظاهر أنه يحصل له هذا الأجر إن لم يكن أكثر؛ لأن المرأة قد لا تطيق الصبر مع الزوج هذا، ومشكل لا يمكن الانفكاك عنه، أما المشتري إذا كان لا يريد هذه السلعة وندم عليها يمكن أن يتخلص بالبيع، لكن المشكل الزوجة كيف تتخلص من زوجها؟ الزوج ذكرتم أنه يتخلص منها بالطلاق، لكن الزوجة تريد أن تتخلص منه، فالظاهر أنه إذا أقالها- أي: طلقها- بناء على رغبتها فإنه يرجى أن يكتب له هذا الأجر؛ لأنه فكها من ندم عظيم، لولا طلاقه لبقيت في أتعب ما يكون. ثانيًا: إذا أقال الإنسان هذا الرجل فهل يشترط أن يقبض المبيع في نفس المكان أو لا يشترط؟ يعنى: مثلاً اشترى منه ذهبًا بفضة ثم رجع إليه واستقاله فأقاله، هل يشترط قبض العوضين في المجلس، الجواب: لا، لماذا؟ لأن الإقالة فسخ وليست بيعًا، فلا يثبت لها أحكام البيع. ثالثًا: هل يشترط للإقالة رضا المقيل؟ نعم، لابد من هذا، وبناء على ذلك لو أن شخصًا أكره آخر على أن يقيل فلانًا وقال له: أقل فلانًا وإلا فإني أفعل وأفعل وهو قادر على تنفيذ ما هدده به فإن الإقالة لا تصح. السؤال الرابع: هل لولي اليتيم والوكيل ونحوهم أن يقيلوا؟ الجواب فيه تفصيل بالنسبة للولي إذا رأى المصلحة في الإقالة فله أن يقيل، وإن لم ير

стр. 1825

المصلحة فليس له أن يقيل؛ فإذا قال: أنا أريد الأجر، قلنا: المحافظة على أداء الأمانة أولى من طلب الأجر بالإقالة؛ لأن المحافظة على الأمانة واجبة، والإقالة سنة، وليست بواجبة، أما بالنسبة للوكيل فليس له أن يقيل إلا أن يجعل إليه؛ لأن الوكالة مقيدة بما وكَّل فيه، وهو إنما وكل بالبيع، ولم يوكل بالإقالة؛ ولأن الموكَّل قد لا يرضى بذلك بخلاف الولي، الولي مستقل عنده نوع استقلال ليس فوقع أحد، بل هو متولَّ على مال اليتيم فله أن يقبل إذا رأى المصلحة، وأما الوكيل فلا؛ إلا أن يجعل إليه أو يراجع الموكل. ومن فوائد الحديث- وإن كان يتكرر علينا كثيرًا-: الرد على الجبريّة، حيث قال: "من أقال مسلمًا"، وهذا يدل على أن للإنسان اختيارًا في الإقالة وعدمها، والجبريّة يرون أنه لا اختيار للإنسان، وأن الإنسان مجبر على عمل. وفي الحديث أيضًا: ردُّ على غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله بأفعال العباد، ووجه ذلك قوله: "أقال الله عثرته"، ولم يقل: "عثرته" إلا بعد العلم بإقالته. * * *

стр. 1826

٢ - باب الخيار الخيار اسم مصدر اختار وليس مصدراً؛ لأن المصدر اختيار، وأما خيار فهو اسم مصدر، واسم المصدر عندهم: هو ما دل على معنى المصدر واشتمل على حروفه الأصلية دون الزائد، الخيار اسم مصدر اختار واختار بمعنى: أخذ بخير الأمرين، فنقول مثلاً: اخترت كذا دون كذا؛ أي أخذت بما أراه خيراً، والخيار أقسام منها: خيار المجلس ، وإليه الإشارة في قوله: خيار المجلس: ٧٩٢ - عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع». متفق عليه، واللفظ لمسلمٍ. قال: «إذا تبايع الرجلان» أي: عقدا صفقة بينهما، والرجلان هنا وصف أغلبي فلا يكون له مفهوم، بل يشمل الحكم حتى المرأتين، وقوله ﷺ : «فكل واحد منهما» أي: من البائع والمشتري، "بالخيار" بين الإمضاء وارد، "ما لم يتفرقا" أي: من مكان العقد، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، وليس عن عقد البيع؛ فإن بعض العلماء يقول: "ما لم يتفرقا" عن عقد البيع؛ يعني: ما لم يحصل الإيجاب والقبول، فإن حصل الإيجاب والقبول فلا خيار، وهذا التفسير بعيد لفظاً وبعيد معنى؛ لأنه لا يقال فيمن عقد عقداً فأوجب أحدهما وقبل الآخر لا يقال: تفرقا، وأيضاً لا يصدق عليهما أنهما تبايعا حتى يتم الإيجاب والقبول فلا تبايع إلا بإيجاب وقبول، وعلى هذا يكون المراد: ما لم يتفرقا بأبدانهما، ويؤيد ذلك قوله: "وكانا جميعاً"، فإن هذه الجملة كالتفسير للجملة التي قبلها، والتفرق قلنا: إنه عن مكان العقد، فإذا قاما عن مكان العقد جميعاً فهل نقول: تفرقا، يعني: هما فارقا مجلس العقد، ولكنهما لم يتفرقا، إذا كانا في الطائرة مثلاً وتعاقدا في الطائرة وزمن الطيران عشر ساعات يكونان بالخيار لمدة عشر ساعات؟ نعم، كما لو كانا جالسين في هذا المكان لمدة عشر ساعات. وهل يحصل التفرق بالنوم، كما تبايعا وهما يفرشان فراشهما وقبلا وتم البيع وناما ولما استيقظا قال أحدهما: رجعت، هل يملك ذلك؟ هل تفرقا؟ لا لم يتفرقا، لكن مثل هذا ينبغي أن يقال: إذا خيف الإشكال فلتكن على الحال الأخرى.

стр. 1827

قال: "يخير احدهما الآخر"، ومعنى يخير أحدهما الآخر: يقول الخيار لك وحدك بأن يتنازل عن حقه، فإذا تنازل احدهما عن الآخر صار الذي تنازلا لا حق له في الخيار، والثاني له الخيار، وإذا تنازل كل منهما عن الخيار فلا خيار لواحد منهم، لأن النبي ﷺ لما أسقط الخيار عمن تنازل عنه فالخيار عمن تنازل عنه من الطرف الثاني أيضاً جائز، وعلى هذا إذا تبايعا على أن لا خيار لأحدهما، أو تبايعا ثم أسقط أحدهما خياره، فهذا جائز كما يدل عليه الحديث، قال: "أو يخير أحدهما الآخر" يعني: يقول: الخيار لك وحدك. قال: "فإن خير أحدهما الآخر فتبايع على ذلك فقد وجب البيع" أي: لزم على حسب ما اشترطاه، فإن خير كل واحد منهما الآخر فلا خيار، وإن البائع المشتري فالخيار للمشتري وحده، وإن خير المشتري البائع فالخيار للبائع وحده. "وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" "وجب" أي: لزم وثبت فصار وجوب البيع في صورتين: الأولى: إذا خير أحدهما الآخر لزم في حق المخير، وإن خير كل واحد منهما الآخر لزم في حقهما جميعاً. الصورة الثانية التي يجب فيها البيع: إذا تفرقا، والتفرق ليس له حد شرعي فيرجع في ذلك إلى العرف. من فوائد الحديث: أولاً: ثبوت الخيار للمتبايعين ما داما لم يتفرقا لقوله ﷺ : "فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا". والثاني من فوائده أيضاً: مراعاة الشرع لأحوال الناس؛ لأن هذا الخيار الذي جعل للمتبايعين إنما جعل رفقاً بهما، فإن الإنسان إذا لم تكن السلعة عنده فهي غالية في نفسه، تجده حريصاً على أن يملكها فإذا ملكها فربما ترخص في نفسه ويختار ألا يتملكها وهذا شيء معلوم، ولهذا يقال: أجب شيء إلى الإنسان ما منع، فهي لما كانت في ملك غيره يجد نفسه متعلقة بها، فإذا ملكها هانت عنده، فجعل الشارع له الخيار ولكنه لم يجعله خياراً مطلقاً؛ لأنه لو جعله خياراً مطلقاً لزم يكون العقد اللازم عقداً جائزاً، وإن جعله- أي: الخيار- إلى مدة غير معلومة بل هي منوطة بما يتشهى كل واحد صار الخيار مجهولاً، فلهذا جعله الشارع لمدة معينة تجعل للإنسان حرية بعض الشيء، ولا تذهب لزوم العقد، ولا توقع العقد في جهالة، فالمسألة إما أن يقال: لا خيار مطلقاً، أو بثبوت الخيار مطلقاً، أو بثبوته ما داما راضيين به، أو بثبوته ما داما في المجلس، فإذا قلنا: لا خيار لزم من ذلك التضييق على الناس وألا يعطوا فسحة يتروى فيها الإنسان، وإذا جعلنا الخيار مطلقاً لزم أن يكون العقد اللازم جائزاً، وإن قلنا: لهما الخيار

стр. 1828

إلى أن يرضيا صار الأجل مجهولاً، وإن جعلنا الخيار إلى مدة التفرق أعطيناهما بعض الحرية بدون جهالة وبدون ضرر. ومن فوائد الحديث: جواز قطع هذا الخيار منهما أو من أحدهما لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، أما من أحدهما فواضح لقوله "أو يخبر أحدهما الآخر"، وأما منهما، فلأنه إذا جاز في حق أحدهما جاز في حق الآخر؛ لأن الحق لهما، فإذا أسقطاه وتبايعا على أن لا خيار بينهما بأن قال: بعتك هذا البيت بمائة ألف درهم على أن لا خيار لواحد منا، هذا بيع على أن لا خيار، أو يقول: بعتك بيتي بمائة ألف درهم ثم في أثناء المجلس قالا: لنتفق على قطع الخيار، فإذا اتفقا انقطع الخيار، وإن أيي أحدهما وقطعة الآخر فالحق له القول: "أو يخير أحدهما الآخر". ومن فوائد الحديث: جواز مد الخيار إلى ما بعد التفرق، يؤخذ من الاحتمال الثاني في قوله: "أو يخير أحدهما الآخر"؛ لأنه صالح للأمرين: فإن قلت: كيف صالحاً لأمرين متضادين: الأول في قطع الخيار، والثاني في مدة؟ قلنا: لأن النصوص العامة تدل على جواز الشروط بين المتعاقدين ما لم تخالف الشرع، وهنا لا مخالفة للشرع. ومن فوائد الحديث: أن الحق الخاص لآدمي يجوز له إسقاطه لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، فإن كان الحق حقاً محضاً للآدمي فله أن يسقطه؛ لأنه لا أحد يطالبه في إثباته. ومن فوائد الحديث: أن البيع من العقود اللازمة لقوله: "فقد وجب البيع"، وكونه من العقود اللازمة هو الموافق لمصالح العباد؛ لأنه لو كان البيع من العقود الجائزة ما تمكن أحد أن يتصرف فيما انتقل إليه من العوض على وجه تطمئن إليه نفسه؛ لأنه يخشى في كل لحظة أن يقول الآخر: قد فسخت البيع، فلهذا كان من المصلحة لعباد الله أن يكون عقد البيع من العقود اللازمة لكل من الطرفين. ومن فوائد الحديث: جواز إسقاط الإنسان ما هو حق له وإن لم يرض الآخر لقوله: "ولم يترك واحد منهما البيع"، فإذا قال البائع مثلاً للمشتري لما قال اخترت فسخ العقد قال: لا يمكن؛ لأن هذا يضر بالسلعة ويهدم مستقبلها، فجوابه أن يقول له: هذا حق جعله الشارع لي ولا يمكن أن تمنعني إياه، ولكن يجب أن نعلم أنه متى قصد المختار إضرار صاحبه كان ذلك حراماً عليه، وإن كنا نحكم له بظاهر الحال، لكنه حرام عليه لو أنه سامها ثم سامها حتى انتهى السوم إليه ثم باعه عليه، وكان من نيته أن يفسخ البيع من أجل أن ينزل قيمة السلعة في نفوس الناس فإن ذلك حرام عليه، لأنه إضرار بأخيه، لكن إذا كان فسخ البيع عن رغبة لا عن قصد الإضرار فإن هذا حق له، واعلم أن الناس اختلفوا في هذا الحديث اختلافاً عظيماً، والحقيقة أنه

стр. 1829

اختلاف لا طائل تحته، وأن من تأمل الحديث وما يتضمنه من المعاني الجليلة وجد أنه لا يخالف القاعدة، ولا يخالف القياس، وأنه مقتضى القياس والنظر الصحيح وأن المراد بالتفرق هو التفرق بالبدن، وليس هو التفرق بالقول، وأن دعوي أنه تفرق بالقول وأن البيع يلزم بمجرد الإيجاب والقبول قول ضعيف جداً، وابن عمر ﵄ راوي الحديث كان إذا باع عليه أحد شيئاً قام من المجلس وفارق المجلس لئلا يستقبل أو لئلا يفسخ البائع، وهذا يدل على أن المراد بالافتراق هو افتراق الأبدان، ولا حاجة إلى التكلف الذي ذهب إليه من زعم أنه ليس في البيع خيار المجلس. ٧٩٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله». رواه الخمسة إلا ابن ماجة، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن الجارود. - وفي رواية: "حتى يتفرقا من مكانهما". هذا كالحديث الأول فيه أن البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، وهو مثل قول: "إذا تبايع الرجلان" إلا أن هذا قال: البائع والمبتاع، ففصل أحدهما عن الآخر، فالبائع هو جالب السلعة والمبتاع مشتريها، يقول: "بالخيار" يعني: كل واحد منهما له الخيار يختار ما يراه أنفع وأصلح لنفسه من أي شيء؟ "يتفرقا من مكانهما" وهذا نص صريح بأن المراد بذلك تفرق أبدان قال: "إلا أن تكون صفقة خيار"، الصفقة: هي عقد البيع، وسميت صفقة؛ لأن كل واحد منهما يصفق بيده على الآخر عند العقد، وهذا في زمن مضى، أما الآن فلا تحصل الصفقة. وعلى كل حال: المعنى إلا أن تكون البيعة بيعة خيار، وبيعة الخيار نقول فيها ما قلنا في قوله في الحديث السابق: "أو يخير أحدهما الآخر"، فتشمل ما إذا كانت صفقة خيار؛ أي: صفقة إسقاط خيار، فإذا كانت صفقة إسقاط خيار وسقط خيار المجلس بمجرد العقد، ويحتمل أن يكون المراد: صفقة خيار؛ أي: صفقة شرط فيها الخيار إلى مدة معينة بعد التفرق، وعلى هذا فيكون في ذلك إثبات خيار الشرط. قال: "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"، يشمل البائع والمشتري، وقوله: "أن يستقيله" أي: أن يفسخ العقد، فالاستقالة هنا بمعنى: فسخ العقد، وذلك لأنه لو كان المراد بها: الاستقالة

стр. 1830

التي هي فسخ العقد برضا الطرفين لم تقيد بالمفارقة؛ لأن الإقالة تجوز بعد مفارقة المجلس وقبل مفارقته، لكن المراد بالاستقالة هنا: فسخ العقد، وقوله: "ولا يحل له" أي: للمبتاع والمشتري أن يفارقه؛ أي: يفارق صاحبه خشية أن يستقبله وهو صريح في أن المراد: مفارقة البدن. ففي هذا الحديث من الفوائد: ما سبق من ثبوت خيار المجلس، وأن هذا الخيار يجوز إسقاطه ويجوز مد الخيار إلى ما بعد التفرق. وفيه أيضاً: أنه يحرم على الإنسان أن يفارق المجلس خوفاً من اختيار صاحبه فسخ العقد؛ لأن هذا تحيل إلى إسقاط حق أخيه بعد ثبوته، ولا يجوز التحيل على إسقاط حق الغير. ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار النية في العمل، فإن المفارق لمجلس عقد البيع قد يكون فارق المجلس؛ لأنه انتهت حاجته، وقد يكون فارق المجلس من أجل ألا يفسخ صاحبه لئلا يمكن صاحبه من الفسخ، فعلى الأول تكون مفارقته جائزة، إنسان جاء لشخص واشترى منه وذهب، وعلى الثاني تكون المفارقة حراماً؛ لأن المقصود بها إسقاط حق أخيه الثابت في العقد. فإن قال قائل: أليس هذا الحق له؟ فالجواب: بلى الحق له، لكن ليس له الحق في إسقاط حق أخيه بدون مصلحة له، وهذا موجود كثير في الشريعة أنه لا يحل للإنسان أن يمنع أخاه من شيء ينتفع به أخوه وهو لا يضره، كما جرى لعمر بن الخطاب مع محمد بن مسلمة حين منع جاره أن يجري الماء من أرض محمد فقال عمر: "لأجرينه ولو على بطنك"، وكما قال أبو هريرة في وضع الخشب على الجدار: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم"، فهذا الرجل لا يحل له أن يسقط حق أخيه الثابت له بدون مصلحته وهو ليس قصده إلا الإضرار. فإذا قال قائل: أليس ابن عمر ﵄ كان إذا عقد الصفقة قام وفارق المجلس خشية أن يستقيله صاحبه، فما الجواب؟ الجواب: أن هذا فعل ابن عمر، وفعل ابن عمر لا يحتج به على الحديث، ولكن يلتمس له العذر فلعله ﵁ لم يبلغه هذا الحديث، وإلا فإننا نعلم أن ابن عمر ﵄ من أشد الناس تمسكاً بالسنة، ولو علم أنه لا يحل له أن يفارقه ما فارقه قطعاً، هذا هو ما نعلمه من حال ابن عمر ﵄، فيحمل ما ورد من فعله على أنه لم يبلغه الخبر.

стр. 1831

خيار العين: ٧٩٤ - وعن عمر ﵄ قال: ذكر رجل للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوت فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة». متفق عليه. هذا رجل كان يخدع في البيوع خداعاً يخفى عليه دون غيره، لأن الخداع نوعان خداع عام وخداع خاص، كما سيأتي. وقوله: "يخدع في البيوع" بماذا يخدع؟ يحتمل أنه يخدع في السلعة تظهر له جيدة وهي رديئة، أو يكون فيها عيب وهو لا يعرف العيوب، أو يخدع في القيمة فتضاعف عليه، المهم: أنه يخدع في كل ما يعد خديعة، والحديث عام. فأرشده النبي ﷺ إلى التخلص من هذه الخديعة بأن قال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" أي: لا خديعة، فكان إذا باع يقول: "لا خلابة" فإذا ثبتت الخلابة فسخ العقد، وذكر أنه كان يقول: لا خدابة، أنه ألثغ، لسانه فيه شيء، المهم المعنى. أنه كان يقول إذا بايع لا خلابة، فإذا ظهر أنه مخلوب فسخ العقد. في هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز تصرف الإنسان الذي يخدع في البيع، ولكن يشترط لنفسه أنه لا خلابة. فإن قال قائل: إذا كان يخدع في البيع فهو سفيه، ومعلوم أن السفيه يحجز عليه. فيقال: نعم، الحجر عليه هو الأصل، لكن أحياناً لا يصبر عن البيع والشراء، فهذا إذا تصرف يشترط لنفسه فيقول: "لا خلابة"، فإذا قال: لا خلابة فظهر أنه مخدوع فله الفسخ. ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت خيار الغبن إلا بشرط؛ لأنه لو كان يثبت بلا شرط ما احتيج أن يقال لا خلابة؛ إذ إنه إذا غبن فسخ سواء كان لا خلابة أم لم يقل، هذا هو مذهب كثير من أهل العلم أنه لا خيار في الغبن، ولكن هذا المذهب فيه نظر؛ لأن هناك قضايا تدل على خيار الغبن منها ما سبق في تلقي الجلب، فإن النبي ﷺ جعل للجالب إذا أتى السوق جعل له الخيار؛ لأنه قد يغبن ومنها ما سبق في المصراة فإن النبي ﷺ جعل الخيار للمشتري بعد أن يحلبها ثلاثة أيام، وهذا يدل على ثبوت الغبن، وممكن الجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين السابقين الدالين على أنه يثبت الخيار في الغبن. يمكن أن يقال: إن الغبن نوعان: غبن عام يخفي على كل أحد، فهذا فيه الخيار سواء اشترط المشتري أو ذلك أم لم يشترط، مثل التدليس، فإن التدليس لا يعلم به أحد، وكذلك

стр. 1832

الجلب فإنه يخفى على كل الركبان، وغبن آخر يغبن به الغرير الذي لا يعرف، فهذا الذي يحتاج إلى قوله: "لا خلابة" أو يجعله بوجه آخر، ويقال: إنه يثبت خيار الغبن مطلقاً سواء كان الغبن عاما أو خاصاً، لكن قوله: "لا خلابة" من باب التأكيد وقطع النزاع، فإن الخديعة منفية شرعاً؛ لأنها خلاف النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولكن إذا نفاها عند العقد صار ذلك من باب التأكيد وقطع النزاع، أما كونها من باب التأكيد فواضح؛ لأن نفي الخلابة ثابت سواء شرط أو لم يشترط، لا يجوز لأحد أن يغبن أحداً لكونه غريراً أو لا يعرف الأسعار، بقطع النزاع؛ لأنه إذا ثبت الخديعة ثبت الخيار بدون نزاع، فلا يقول البائع إذا غر المشتري: أنت الذي أخطأت على نفسك، أنت الذي لم تحتط لنفسك؛ لأنه يقول: أنا أحطت لنفسي بقولي: لا خلابة، هذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله، يعني: أحسن من تقسيمنا الغبن إلى قسمين. فنقول: إن هذا الحديث يدل اشتراط الغبن للفائدتين المذكورتين وهي التوكيد، وقطع النزاع. ومن فوائد هذا الحديث- على هذا التقدير الذي قررنا-: ثبوت خيار الغبن لكل مغبون، فكل من غبن بتغرير في الثمن أو في المثمن فإن له الخيار. ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يكون التعامل بين المسلمين بالنصح بالبيان والصدق وعدم التغرير، وهذا هو الواجب لقول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ومعلوم أن من غرر أخاه وخدعه في البيع أو الشراء فإنه لم يجب لأخيه ما أحب لنفسه، لأن الذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه حقيقة هو الذي يعامل أخاه بما يحب أن يعامل به. هل يمكن أن يقال: إنه يقاس على البيوع ما سواها من العقود بحيث لا يجوز الخداع فيها؟ الجواب: نعم لا يجوز الخداع في جميع العقود، إما أن نأخذها بالقياس على هذا الحديث، يعني: إما أن نأخذ حكمها بالقياس على هذا الحديث، وإما أن نقول: إنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. فإن من الإيفاء بالعقود أن تعامل إخوانك بالنصح، وفي قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وفي قوله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ [هون: ٨٥]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنه يجب أن تكون معاملة الإنسان لغيره قائمة على النصح بالبيان والصدق. وفي الحديث هذا دليل على أن الشريعة الإسلامية كما جاءت بإصلاح أحوال الناس في أمور الدين جاءت بإصلاح أحوالهم في أمور الدنيا؛ لأن النبي ﷺ أرشد هذا الرجل إلى أن يقول: لا خلابة.

стр. 1833

وفيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يرشد الغرير الجاهل إلى ما يسلم به من غائلة هذا الجهل والمغرة؛ لأن هذا من النصح، فلا يجوز للإنسان إذا رأى شخصاً غريراً وقف على دكان يسأله عن سلعة فقال له صاحب الدكان: ثمنها سبعمائة وهو يدري أن قيمتها خمسين ويسكت، بل الواجب عليه أن يقول لهذا المشتري: إن قيمتها في السوق خمسون، ولا يعد ذلك من قطع الرزق كما يظنه بعض العامة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا خيار في الغبن إلا إذا شرط؛ يعني: إذا شرط المغبون بأن له الخيار، ووجه ذلك: أنه لو كان يثبت الخيار بالغبن ما احتيج إلى اشتراطه، وسبق لنا الجواب على ذلك، وقلنا: إن هذا إنما ذكر من اجل التوكيد وقطع النزاع؛ لأن هناك أحاديث تدل على ثبوت الغبن مثل النهي عن تلقي الجلب والمصراة، فإن هذا يدل على خيار الغبن وهذا هو الصحيح. **** ٣ - باب الربا الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [فصلت: ٣٩]. أي: علت وزادت، ومنه قوله تعالى: ﴿وءاوينهما إلى ربوةٍ ذات قرار ومعين﴾ [المؤمنون: ٥٠]. أي: إلى مكان مرتفع زائد عن مستوى الأرض، أما في الشرع: فإنه الزيادة بين شيئين حرم الشارع التفاضل بينهما بعوض أو التأخير في قبض ما يشترط قبضة، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو من كبائر الذنوب، بل من الموبقات السبع التي قال فيها رسول الله ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر أكل الربا، وفيه وعيد عظيم في القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام ﵀: إنه لم يرد في ذنب دون الشرك مثل ما رد في الوعيد على آكل الربا؛ وذلك لأنه فساد للمجتمع في دينهم ودنياهم؛ فإنه يقتضي أن يتغذى الناس بالحرام ويقتضي أن تختلف طبقات الناس، فيكون منهم من هو في القمة، ومنهم من هو في القمامة، ويحصل به التضخم المالي المدمر للاقتصاد بين الأمة، فهذا وردت فيه نصوص كثيرة في الوعيد وإنما وردت فيه بالوعيد الشديد؛ لأن النفوس تحب المال، كما قال الله تعالى: ﴿وتحبون المال حباً جماً﴾ [الفجر: ٢٠]. فتحتاج إلى رادع قوي يمنعها من أكل هذا المال المحرم؛ لأنه لو كان الوعيد خفيفاً هان على الإنسان أن يأكل هذا المال المحرم، لكن إذا كان الوعيد عظيماً ارتدع من قلبه إيماناً، ثم إن هذا الربا العظيم الذي توعد الله عليه في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، وأجمع المسلمون على تحريمه، لا فرق بين أن يكون المرابي

стр. 1834

محتاجاً أم غير محتاج، لو أخذ الحبل يحتطب ويأكل لكان خيراً له من أن يعطي الربا، ثم اعلم أن الربا سيكون في أشياء معينة تذكر في الأحاديث التي تأتي- إن شاء الله- من أدلة الكتاب على تحريمه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافاً مضعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]. وهذا يدل على أن آكل الربا مهدد بالنار المعدة للكافرين، وقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وما أتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما أتيتم من زكوةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٢٩]. أما في السنة فاستمعوا إلى حديث جابر ﵁. تحريم الربا: ٧٩٥ - عن جابر ﵁ قال: "آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء". رواه مسلم. - وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة. لعن خمسة- والعياذ بالله- في الربا: "آكله" بدأبه؛ لأنه المستفيد من الربا فلذلك بدأ به، وهو أشدهم- والعياذ بالله- لأنه يأكل الربا، وأكل مال محرم سحت يتغذى جسده بالسحت، فإذا دعا لم يكن حرياً بالإجابة، فلو فعل أسباب الإجابة ما ذكر النبي ﷺ : «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، وملبسه حرام، ومطعمه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك». "وآكل الربا" لا يعني من أكله فقط، بل من أخذه سواء أكله أو لبسه أو شربه أو غير ذلك، وإنما ذكر الأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأنه يتغذى به البدن، فاللباس يقيه الحر والبرد لكن ليس كنفع الأكل، لأن نفع الأكل أدخل مباشرة في البدن، وأما قول بعضهم: أعم وجوه الانتفاع، فلأن الغالب أن الإنسان ينتفع أكلاً أكثر مما ينتفع بماله شرباً أو لبساً لكن الظاهر أنه خص الأكل؛ لأنه أخص الانتفاع بالربا، ولكن هل المراد خصوص الأكل؟ الجواب: لا، بل المراد: أخذه للأكل أو لغيره، ولهذا قال الله تعالى في اليهود: ﴿وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ [النساء: ١٦١].

стр. 1835

ثانياً: "موكله"، الموكل هو الذي يعطي الربا، واستحق اللعنة على فعل تكون به اللعنة والمعين على المحرم كفاعل المحرم، كما أن المعين على الخير كفاعل الخير. "كاتبة" أيضاً ملعون، لأنه أعان على تثبيته بكتابته، ولأنه لم يكتبه إلا وقد رضي به، فصار مشاركاً للفاعل، ويقال كذلك في "شاهديه" اللذين يشهدان به، فإنهما داخلان في اللعنة؛ لان شهادتهما بذلك تثبته، ولأن شهادتهما به تدل على رضاهما به، والراضي بالمحرم كفاعل المحرم، وعلى هذا يكون الربا يلعن فيه خمسة: الآكل، والموكل، والكاتب، والشاهدين، يلعن فيه هؤلاء الخمسة، وعرفتم وجه اللعن فيما عدا الأكل؛ لأن لعن الأكل واضح، ولعن غيره من أجل السببية. وفي الحديث دليل على أن أكل الربا وتأكيله والشهادة في وكتابته من كبائر الذنوب، وجه ذلك: أنه رتب على هذه الأفعال اللعنة وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. ومن فوائده: أن المعين المحرم كفاعل المحرم حتى وإن كان مظلوماً به، فالموكل مظلوم بالمحرم بالربا ومع ذلك كان له إثم الآكل لإعانته إياه على أكله ورضاه بذلك. ومن فوائد الحديث: تحريم الشهادة بما يكون حراما؛ لأن الرسول ﷺ لعن الشاهد، وكذلك نقول في الكتابة، فإذا كان الشيء عند الشاهد حرام عند غيره فإن كان حراماً عند المتعامل به كانت شهادة الشاهد به حراماً وإن كان يرى الحل لماذا؟ لأنه أعان على المحرم فهو يعتقد أن هذا الذي شهد له بهذا المحرم يعتقد تحريمه فيكون شاهداً له بالمحرم، وإن كان هو يرى الحل كمسائل البيوع التي اختلف فيها العلماء أو مسائل الوقف المختلف فيها، أو الرهن أو غير ذلك، شهدت لشخص يعتقد أن هذا العقد محرم وأنت تعتقد أنه حلال، فنقول: هذا حرام عليك، لأنك أثبت لهذا الشخص ما يعتقد أنه حرام، وكذلك بالعكس لو كان هذا الشخص يعتقد الحل وأنت ترى التحريم حرم عليك أيضاً أن تشهد؛ لأنك ستشهد بما تعتقد أنه حرام، ولكن يدخل في هذه المسألة الشهادة على الطلاق الثلاث هل يشهد الإنسان أولا يشهد؟ رجل طلق زوجته ثلاثاً ثم ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثاً، وأنكر الزوج، ويوجد من يشهد من حضر طلاقه هل يشهد بهذا الطلاق أو لا يشهد لأنه محرم؟ الجواب: أنه يشهد، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أمر كبير، وأنا الآن لا أشهد به إقراراً له، ولكن لأجل ما يترتب على هذا من البينونة الكبرى لمن يرى أن الثلاث تبين به المرأة، أو التأديب عند من يرى أن المرأة لا تبين به ولكنه حرام، المهم: أنه إذا سمع شخصاً يطلق زوجته ثلاثاً ودعت الحاجة أن يشهد بذلك عند القاضي فإنه يشهد؛ لأن هذا أمر وقع ولم يبق إلا أن تشهد

стр. 1836

به من أجل ترتب الآثار عليه بخلاف ما لو شهد على بيع خمر، فإنه لا يشهد بذلك؛ لان بيع الخمر حرام يجب رده على البائع بل يجب إتلافه، وليس للبائع عوض عن هذا الخمر، وإن كان القول الراجح في هذه المسألة في أنه يجبر المشتري على أن يتصدق بهذا الثمن الذي جعله ثمناً للخمر لئلا يجمع له بين العوض والمعوض. من فوائد الحديث: أن المعين للحرام مساوٍ للمباشر له لقول النبي ﷺ : "هم سواء"، ولكن هذا مشكل، وجه الإشكال: أنه ليس الشاهد والكاتب والموكل كالمباشر الذي انتفع بالربا، ولكن يمكن أن نقول: إن الحديث تحمل فيه التسوية على أنهم سواء في أصل الإثم أو في أصل اللعنة وإن اختلفوا في كيفيتها، ولا يلزم من التساوي في الأصل التساوي في الكيفية، وإنما قلنا: إن هذا محتمل؛ لأننا نعلم أن جزاء الله- مبنى على العدل التام نعم، لو كان لا يثبت الربا للآكل إلا بشهادة هؤلاء فربما نقول: إنهم يتساوون حتى في كيفية اللعنة وصفة العقوبة. وقوله: "وللبخاري نحوه ... الخ"، "نحوه" يعني: ما يقاربه، لأن في حديث أبي جحيفة: "لعن النبي ﷺ آكل الربا وموكله"، وليس فيه ذكر الكاتب والشاهدين. ٧٩٦ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم». رواه ابن ماجه مختصرا، والحاكم بتمامه وصححه. قوله: "الربا" نتكلم أولاً عن هذا الحديث من جهة المتن فنقول: لا شك أن في متنه شيئاً من النكارة؛ وذلك لأن أكل المال بالربا أعظم من أكل العرض، اللهم إلا إذا كان العرض بالقدر، ثانياً: ولأن قوله: «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، ومن أيسر الأبواب مثلاً أن يبيع صاعاً طيباً بصاعين رديئين مستاويين له في القيمة ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، وهذا تشنيع عظيم في أيسر الربا، فمثل هذا المتن في القلب منه شيء وذلك لعظم العقوبة في أمر يظهر للإنسان أن ما مثل به أشد وأعظم من الممثل، فالله أعلم، ولكن سند الحديث لا بأس به. «الربا ثلاثة وسبعون باباً»، الباب بمعنى: الصنف والجنس، ومنه قول بعض العلماء: لم يصح في هذا الباب شيء أي: في هذا الصنف من مسائل العلم فهو ثلاثة وسبعون باباً، ما هذه

стр. 1837

الأبواب؟ الأبواب- والله أعلم- كناية عن صور تتضمن مسائل، وبإمكان طالب العلم أن يتأمل هذه ويجدها؛ لأننا ما دمنا نقول: إن الربا بمعنى الزيادة، فليس من لازم ذلك أن يكون بيع ذهب يذهب مع التفاضل فقط، بل بيع ذهب مع التفاضل والقبض، بيع ذهب بذهب مع التفاضل والتأخير، بيع ذهب بذهب مع التساوي والتأخير، بيع ذهب بذهب زائد عليه ويجعل مع الناقص دراهم، هذه عدة صور في بيع الذهب، ويمكن أن تجعل أيضاً صوراً أخرى في بيع الفضة، ويمكن أن يأتي ربا القرض وهو القرض الذي يجر منفعة. فالمهم: أنه يمكن لطالب العلم أن يأمل في هذه الأبواب ويجد هذا العدد المشار إليه في الحديث، لكن يقول: «أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه»، ومعلوم أن نكاح الرجل لأمه مستقبح شرعاً وعقلاً وعادة، كل الناس يستقبحونه، لم يستحله إلا قوم من أراذل عباد الله وهم المجوس، استحلوا أن يتزوج الرجل محارمه فيتزوج أمه وأخته وبنته، وإنما مثل النبي ﷺ بالأم؛ لأنه من المعلوم أن الناكح مستعل على المنكوح، فالناكح أعلى والمنكوح أسفل، فهذا يقتضي أن يعلو الرجل على أمه، وهو أقبح من أن يعلو على بنته؛ لأن للأم من الاحترام ما ليس للبنت. وقوله: «وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم»، إذن نكاح الرجل أمه أهون من عرض المسلم، هذا مقتضى الحديث؛ لأن الرسول صلى الله ﵇ ذكر أن عرض الرجل هو أربى الربا؛ أي: أعلاها، ونكاح الرجل أمه أيسرها، وهذا يقتضي أن عرض الرجل أعظم من نكاح الرجل أمه أيسرها، وهذا يقتضي أن عرض الرجل أعظم من نكاح الرجل أمه، وهذا الذي يجعل في القلب شيئاً من هذا الحديث وقلقاً من صحته؛ لأن مثل هذا غريب من أن يكون قد صدر من الرسول ﷺ ، لكن يمكن أن يوجه ويقال: إن معنى "أربى الربا" أي: ليس معناه أربى الربا المحرم، أربى الربا من حيث الزيادة؛ لأن الإنسان إذا استطال في عرض المسلم بدأ يزداد فيكون هذا من باب الربا اللغوي، يعني: أن من انهمك في أعراض الناس ازداد حتى يتراكم عليه الربا ويكون هذا أربى الربا من حيث الزيادة والكمية أن يستطيل الرجل، كما في اللفظ الآخر: «استطالة الرجل في عرض أخيه»، يعني: أنه ليس كالمال، المال قد لا يحصل على الربا لو أراده، لكن الكلام يحصل يستطيع الإنسان أن يملأ الدنيا كلاماً، والإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر أي: يأكل لحوم الناس استزاد وصار لا يستأنس ولا ينشرح إلا إذا أكل جيف بني آدم- نعوذ بالله- فيمكن أن يكون هذا وجه الحديث إن صح عن النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 1838

أنواع الربا: ٧٩٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز». متفق عليه. ٧٩٨ - وعن عباده بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيدٍ، فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». رواه مسلم. ٧٩٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثلٍ، والفضة وزنا بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو رباً». رواه مسلم. هذه ثلاثة أحاديث في بيان الأصناف التي فيها الربا وفي بيان أنواع الربا أيضاً فهي تبين ما يكون فيه الربا وتبين أنواع الربا، والربا نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة، ويقال للثاني: الربا الجلي، وللأول: الربا الخفي، وقد قيل: إن الثاني الذي هو ربا الفضل إنما حرم، لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة- والله أعلم-، لكن على كل حال الربا نوعان: ربا جلي واضح وهو ربا النسيئة، والثاني: ربا خفي وهو ربا الفضل، أي: الزيادة، أما ربا النسيئة: فإنه المؤخر بأن يبيع ذهباً بذهب مع التأخير، والغالب أنه لا يكون إلا بفضل؛ لأنه ليس من المعقول أن يأخذ الإنسان ديناراً وزنه مثقال حاضراً بدينار وزنه مثقال مؤجلاً، هذا لا يكون على سبيل المعاوضة، أما على سبيل القبض فالأمر واضح، لكن على سبيل المعاوضة فربما النسيئة لا يخلو من ربا الفضل ولهذا سمي جليا واضحا، وإما ربا الفضل فغنه يقع أيضاً كثيراً، ولكن ربما يكون التبادل بين الجنس الواحد بدون مفاضلة لسبب من الأسباب كما سيأتي، المهم: أن ربا النسيئة يجري في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، فإن وقع التبادل بين جنس واحد، اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، هذا هو الضابط، فربا النسيئة يكون بالتبادل بين جنسين ربويين، وربا الفضل يكون بالتفاضل بين جنس واحد فإذا اتفقا جنساً اشترط في أمران الأول: التساوي، والثاني: القبض قبل التفرق، فإن زيد أحدهما على الآخر مع القبض فهو ربا فضل، وإن تأخر قبض أحدهما بدون فضل فهو ربا نسيئة، وإن تأخر أحدهما مع الفضل فهو ربا فضل ونسيئة، إذن قد يجتمعان وقد يفترقان هذا إذا بيع جنس بجنس، إذا بغير جنسه وهو مما يشاركه في علة

стр. 1839

الربا يجري فيه نوع واحد من الربا وهو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فلا يجري فيه، كالبر بالشعير فهما جنسان يتفقان في علة ربا الفضل فيحرم بينهما التأخير ولا يحرم التفاضل، هذا هو مجمل ما يقال في الربا، هناك أموال ليست ربوية هذا ليس فيها رباً لا فضل ولا نسيئة تبيعها متفاضلة تبيعها متأخرة. نبدأ بالحديث الأول: يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا»، شفى تكون بمعنى: زاد وتكون بمعنى: نقص، فإن عديت بـ"عن" فهي بمعنى نقص، شفه عن كذا يعني: نقص، وإن عديت بـ"على" فهي بمعنى زاد، ولكن أن الزيادة والنقصان متقابلان لا يقبل أحدهما بدون الآخر، متى ثبتت الزيادة ثبت النقصان في الجانب الآخر، يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل» وهذا يعني في الوزن وليس في الصفة؛ يعني: لا يزيد وزن أحدهما عن الآخر، وأما في الصفة فلا بأس أن تبيع ذهبا جيداً بذهب رديء مع التساوي في الوزن، أو ذهبا قد صيغ معينة قديمة عدل الناس عنها، لكن وزنا بوزن، المهم: أ، المماثلة هنا بالوزن؛ أي: بالكم لا بالكيف. فإذا قال قائل: وهل يأتي المثل بمعنى الكم؟ قلنا: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. بالكمية وليست بالكيفية، إذن المماثلة بالوزن وهو كم وليس بكيف. الثاني: «ولا تشفوا بعضها على بعض» أي: لا تزيدوا على بعض، وظاهر الحديث أنه لا يزاد في الذهب إذا بيع بعضه لا من جنسه ولا من غير جنسه، وعلى هذا فإذا باع ديناراً وقيمة الدينار عشرون درهما بنصف دينار وعشرة دراهم فظاهر الحديث أنه لا يجوز، لماذا؟ لأن الذهب لم يوازن الذهب، وزن الذهب نصف والباقي قيمة، والنبي ﷺ يقول: «لا تشفوا بعضها على بعض». كذلك لو باع الإنسان ذهباً مصوغاً بسبائك ذهب وأخذ الفرق مقدار أجرة الصنعة فهل يجوز؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز. فإذا قال قائل: كيف لا يجوز إذا زدنا أجرة الصنعة وهي من صنع الآدمي، والآدمي يحتاج إلى أجرة ولا يمكن أن نقيسه على زيادة الصفة من خلق الله؟ فالجواب: مسائل الربا ليست من مسائل القياس المحض؛ لأن فيها أشياء ليس فيها نقص ولا ظلم ومع ذلك حرمها، فقد جيء إلى رسول الله ﷺ بتمر طيب جيد فسأل فقيل له: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال: "هذا عين الربا"، وأمر برده مع أن هذه المسألة ليس فيها ظلم بوجه من الوجوه، وليس فيها إكراه، وكل أحد يعلم أن هذا لا محظور فيه من الناحية النظرية، ومع ذلك قال الرسول ﷺ : "هذا عين الربا"، فدل ذلك على أن مسائل الربا يجب فيها الوقوف على مقتضى النص.

стр. 1840

فلو قال قائل: إن هذا من صنع الآدمي فالزيادة في الصنعة بخلاف طيب التمر؟ قلنا: نعم هذا صحيح، لكن قد يكون في طيب التمر أيضاً من صنع الآدمي، وسببه إذا لم يلقح النخلة صار تمرها رديئاً، والحديث عام قال: «هذا عين الربا»، ثم إنه تنتقض- مسألة الصنعة- بما إذا أبدل دنانير مسبوكة بسبائك من الذهب هل يجوز التفاضل؟ لا يجوز، حتى عند الذين يقولون بجواز التفاضل في الصنعة مع أن الدراهم المسبوكة فيها صنع آدمي ومع ذلك لا تجيزونه، قد يقولون: إن الصنعة غير مقصودة لذاتها إنما صنعها عام من أجل الرواج، وأن تكون أقيم الأشياء بخلاف الصنعة الخاصة التي صنعها الإنسان لتكون حليا على صفة معينة وسلم أجرتها، فيقال: هب أن الأمر كذلك لكن ماذا نصنع بالتمر إذا كان سوءه من صنع الآدمي وطيبة من صنع الآدمي، أي: بسبب الآدمي، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لا يجوز التفاضل بين الذهب بالذهب ولو من أجل الصنعة، وأن الباب يجب أن يغلق؛ لأن النفوس تحب المال، فإذا أجيز التفاضل من أجل الصنعة تدرجت النفوس إلى التفريط من أجل الرداءة والجودة، وحينئذ يقع الناس فيما كان حراماً بلا إشكال. قال النبي ﷺ «ولا تبيعوا الورق» المراد بالورق هنا: الفضة سواء جعلت دراهم أم لم تجعل وهذا متفق عليه، مع أن بعض العلماء في باب الزكاة لما قالوا في الرقة ربع العشر قالوا: المراد بالرقة: الدراهم المضروبة، وأخرجوا منها الحلي الذي يستعمل، قالوا: ليس قيه زكاة، ولكن الصحيح أن الزكاة واجبة في الحلي سواء سمي ورقاً أو لم يسم، مع أن ابن حزم قال: إن الورق اسم للفضة مطلقاً سواء مضروبة أم غير مضروبة، وهي هنا اسم للفضة مطلقاً سواء كانت مضروبة أم غير مضروبة، حتى عند القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي، ولكن الصحيح كما مر علينا أنه تجب الزكاة في الحلي مطلقاً. قال: «ولا تشفوا بعضها على بعض»، "تشفوا" هنا بمعنى: تزيدوا بدليل "على". قال: «ولا تبيعوا منها غائباً بناجز»، "غائباً": يعني لم يحضر "بناجز" مقدم منقود، وهذه الجملة الأخيرة فيها تحريم النسيئة بين الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والذهب بالفضة، ولهذا جاءت الجملة بعد ذكر البيع في الجنسين في الذهب وفي الفضة، يعني: "لا تبيعوا غائباً بناجز" جاءت بع ذكر الأمرين، فالغائب بالناجز لا يجوز سواء باع الإنسان ذهباً بذهب أو فضة بفضة أو ذهباً بفضة، لا يجوز التأخير وهذا التأخير يسمى ربا النسيئة وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا للاستثمار أو للاستغلال، فالاستثمار هو أن تكون المصلحة للطرفين، والاستغلال هو أن تكون لطرف واحد، مثال الأول: رجل أخذ ذهباً بمائة دينار من أجل أن

стр. 1841

يكتسب بمائة الدينار التي أخذها فلا يأتي حلول الأجل إلا وقد ربح خمسين ديناراً هذا استثمار؛ لأن الطرفين كسبا، رجل مثلاً عرضت عليه سلعة بمائة دينار وهو يعرف أن هذه السلعة بع ستة أشهر تكون بمائة وخمسين، لكن ما عنده مائة دينار، فذهب إلى تاجر وقال: أعطني مائة دينار بمائة وعشرين إلى ستة أشهر فقال: خذ واشتر السلعة، وبعد مضي ستة أشهر باعها بمائة وخمسين ديناراً استفاد الطرفان، يسمى هذا في لغة العصر استثماراً؛ لأن الطرفين انتفعا، الاستغلال: يأتي إنسان فقير محتاج إلى زواج وبيت وسيارة فيذهب إلى تاجر فيقول: أنا ما عندي شيء أعطني دراهم أشتري سيارة أو أبني بيتاً أو أتزوج، مائة الدينار بمائة وعشرين، هذا يسمونه استغلالاً، والحقيقة أنه لا فرق، الكل استفاد، لكن في الصورة الأولى استفاد معطي الربا فائدة مالية، وهذا استفاد فائدة عينية أو فائدة تمتعية فالكل مستفيد. التفريق بين هذا الاستثمار والاستغلال لا وجه له، وعلى هذا فيحرم الربا سواء كان استثماراً أو استغلالاً. قال في الحديث الثاني: وعن عبادة بن الصامت، قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب» الباء هنا للبدل، يعني: إذا بيع الذهب أو أبدل الذهب والفضة بالفضة كذلك والشعير بالشعير والبر بالبر والتمر بالتمر والملح بالملح، هذه ستة أشياء هذه يقول إذا بيع كل صنف بمثله مثلاً بمثل كمية سواء بسواء كمية وعلى هذا فتكون الثانية توكيداً للأولى، وإنما أكدها النبي ﷺ لاقتضاء الحال ذلك؛ لأن الناس قد يتهاونون في التفاضل، فأكده النبي ﷺ بقوله: «سواء بسواء يداً بيد» يعني: مقابضة تعطيه وتأخذ في الأول مثلاً بمثل سواء بسواء تحريم التفاضل يداً بيد تحريم التأخير وهو ربا النسيئة. يقول: «فإذا اختلف هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»، فإذا بعت ذهباً بفضة فبع كيف شئت، مثلاً بمثل أو زائداً بناقص، لكن بشرط أن يكون يداً بيد، وإذا بعت برا بشعير فبع كيف شئت زائداً بناقص لا مانع، لكن يداً بيد، تمراً بشعير، كذلك بع زائداً بناقص لكن يداً بيد، وكذلك الملح بعت ملحاً ببر لا بأس بالزيادة، ولكن يداً بيد، بعت ذهباً ببر كذلك لا بأس بالزيادة والنقص لكن يداً بيد، هذا مقتضى الحديث. نحن الآن بين أيدينا حديث إذا اختلف هذه الأصناف فلا بأس لكن يداً بيد، ولكن إذاً بيع الذهب بالفضة فقد دل حديث أبي سعيد أنه لا يباع منها غائب بناجز، ولكن إذا بيع ذهب بتمر أو بشعير أو ببر أو بملح أو فضة بذلك، فظاهر حديث عبادة أنه لا بد من القبض لقوله: «إذا كان يداً بيد»، لكن قد دلت السنة في موضع آخر أنه إذا كان أحد العوضين من الذهب أو الفضة فإنه لا يشترط التقابض ولا يشترط أيضاً التساوي بالطبع، وذلك فيما صح به الحديث عن ابن عباس ﵁ قال: "قدم النبي ﷺ وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في

стр. 1842

شيء فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم"، ويسلفون في الثمار يعني: يعطون دراهم إلى الثمرة الآتية، وهذا بيع تمر بدراهم مع تأخر القبض، وعلى هذا يكون هذا الحديث مخصوصاً بحديث ابن عباس ﵁ في السلم، ولهذا قال الفقهاء في هذا الحكم: ليس أحدهما نقداً، يحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة، ربا الفضل ليس أحدهما نقداً، فإن كان أحدهما نقداً فإنه يجوز النساء، أما التفاضل فمعلوم. مسألة: هل يلحق بالأصناف التي فيها الربا غيرها؟ خصص فيه الرسول ستة أشياء فهل يلحق بها غيرها ؟ قال بعض العلماء: لا يلحق بها غيرها؛ لأن التخصيص والتعيين يدل على اختصاص الحكم بما ذكر؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فأطلق، فإذا كان لدينا آية يقول الله فيها وأحل الله البيع على سبيل العموم فإنه يجب ألا تضيق على عباد لله، وأن تجعل التحريم خاصاً بما جاءت به السنة في هذه الأصناف الستة فقط وما سواها لا نقيسه عليها، وإلى هذا ذهب الظاهرية وهم- كما تعلمون- أهل ظاهر يأخذون بالظاهر ولا يلتفتون إلى المعنى، هذه جادة مذهبهم، مع أنهم أحياناً يلتفتون إلى المعاني، وقد ذكر إلى أن أول من ذهب إلى هذا القول قتادة بن دعامة، وذهب بعض العلماء إلى اختصاص الحكم بهذه الأشياء الستة من أهل النظر، يعني: لا من أهل الظاهر، وعللوا ما ذهبوا إليه بأن العلماء اختلفوا في العلة- علة الربا-، واختلافهم في العلة يدل على أن العلة مضمونة؛ لأن العلة المتعينة لا يختلف الناس فيها غالباً، فلما اختلفوا فيها إلا على أنها مضمونة وإذا كانت مضمونة فلا يعمل بها، وعلى هذا فنقتصر على هذه الأصناف الستة لا من أجل أننا لا نعقل العلة أو أن ليس لها علة، لكن لأن العلة ليست معينة لدينا، لا بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإجماع، فالناس مختلفون فيها مضطربون، إذن نلغي هذه الأقوال كلها ونقول: نقتصر على ما جاء به النص والباقي على الحل، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب الإمام أحمد كابن عقيل من كبار أتباع الإمام أحمد ﵀ وقال بعض أهل العلم: بل يلحق بهذه الأصناف الستة ما سواها في العلة، ثم اختلفوا على ذلك ما هي العلة؟ فقيل: العلة في الذهب والفضة أنهما موزونان، لأن الناس في عهد الرسول ﷺ يتبايعون في الذهب والفضة بالوزن وأحياناً بالعد، قال النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمس أوراقٍ صدقة» هذا وزن، وفي حديث أنس بن مالك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ﵁ في الصدقات: "في الرقة في مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا عشرون ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها"

стр. 1843

هذا عد، فقالوا: الذهب والفضة في عهد الرسول ﷺ تباع بالوزن وتباع بالعد، والرسول ﷺ قال: «وزناً بوزن سواء بسواء»، فالعلة في الذهب والفضة هو الوزن، وعلى هذا فكل موزون فهو ربوي، الحديد ربوي، والنحاس والرصاص كله ربوي، لأن العلة هي الوزن، العلة في البعضية الكيل، قالوا: فكل مكيل فإنه ربوي سواء مطعوماً أو غير مطعوم حتى الأشنان مثلاً تغسل به الثياب يجري فيه الربا، حتى الحنة الذي تمشط به المرأة يكون فيه ربا؛ لأنه مكيل، ولا عبرة بالأكل أو الاقتيات وهذا هو المشهور من مذهب الأمام أحمد بن حنبل ﵀، إذن إما غير معلل أو هو معلل، والعلة: الكيل والوزن. وقال بعض العلماء: العلة في الذهب والفضة الوزن، والعلة فيما عداهما الطعام، يعني: مطعوم يؤكل، وعلى هذا سيجري الربا في كل ما يؤكل سواء كان مكيلاً أم غير مكيل، ولا يجري فيما لا يؤكل ولو كان مكيلاً، بناء على هذا القول الأشنان والسدر والحنة ليس فيه ربا، البرتقال والتفاح والرمان فيه ربا؛ لأنه مأكول مطعوم، فالعلة الطعام الرز البر والشعير فيه ربا على القولين جميعاً؛ لأنه مكيل ومطعوم. القول الرابع يقول: العلة الاقتيات أنه مطعوم، ويقتات يعني: يتخذ قوتاً يأكله الناس على أنه قوت لا على أنه تفكه، وعلى هذا فنقول: إذا وجد شيء يكال أو يوزن لكنه ليس قوتاً للناس فإنه ليس فيه ربا، وهذا مذهب مالك ﵀ وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن العلة هي القوتمع الكيل فإذا لم يوجد إحدى العلتين فإنه ليس فيه ربا. وإذا دققت النظر وجدت أن الأشياء الأربعة التي ذكرها الرسول ﷺ البر والشعير والتمر والملح وجدت أنها مكيلة لا شك وأنها مطعومة يقتاتها الناس. والقول الخامس: أن العلة في الذهب والفضة الثمينة أنها ثمن الأشياء وقيمة الأشياء والعلة في الأربعة أنها قوت للناس يقتاتونها وليست من الكماليات، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن على ذلك القول يجري الربا في كل ما كان أثماناً سواء كان من الذهب أو من الفضة أو من الحديد أو من الخشب أو من الورق أو من أي شيء ما دام جعل ثمناً للأشياء ففيه الربا، وما كان قوتاً ففيه الربا، وما ليس بقوت فلا ربا فيه، وما ليس بثمن فلا ربا فيه، وهذا القول لا بأس به لكنه يرد عليه أنه ثبتت السنة بجريان الربا في الذهب وليس بثمن ويعني: وهو

стр. 1844

ليس بثمن كما في حديث فضالة بن عبيد في شراء القلادة من الذهب بأثني عشر ديناراً فنهى النبي ﷺ أن تباع حتى تفصل؛ لأن فيها خرزاً. والظاهر لي- والله أعلم- أن نقول: العلة في الذهب والفضة أنها ذهب وفضة فيجرى الربا في الذهب والفضة مطلقاً كما جاء به النص سواء كان ثمناً أو كان حلياً أو تبرا أو غير ذلك يجري في الربا بكل حال، أما إذا كان هناك أثمان من غير الذهب والفضة فإنها تلحق به إلحاقاً في أن العلة هي الثمينة؛ يعني: فيه شبهة قوية، ولأننا لو لم نلحق هذه الأثمان بالذهب والفضة لأرتفع الربا غالباً في الوقت الحاضر؛ لأن الناس الآن لا يتعاملون إلا بالأوراق النقدية، وإذا قلنا: ليس فيها ربا معناه: أن هذه البنوك ليست تتعامل بشيء محرم لأنه ليس في الورق ربا، والفقهاء- ﵏ قالوا: إذا كان النقد من الذهب والفضة فيه الربا ربا الفضل وربا النسيئة، وأما إذا كان النقد غير ذهب ولا فضة ففيه ربا النسيئة دون ربا الفضل فقالوا: ليس في الفلوس ربا إلا أن تكون نافقة يعني: دارجة متداولة ففيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وبعضهم عبر بقوله: لا ربا فيها مطلقا، لكن القول الأول أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل هو الصحيح، وعلى هذا فالأوراق النقدية لا يجري فيها ربا النسيئة، قول متوسط، ليس كقول من يقول: إنها عروض مطلقاً ليس فيها ربا وليس فيها زكاة، وليس كقول من يقول: إنها كالذهب والفضة فيها ربا فضل ونسيئة، بل هذا وسط بين القولين أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، يعني: لا يجوز أن أصرف نقداً بنقد غائباً بناجز، ولكن يجوز أن أصرف عشرة بثمانية ناجزاً يداً بيد أو أكثر أو أقل؛ لأن هذه الأشياء ليس لها قيمة ذاتية، إنما قيمتها تبع للعرض والطلب أو سبب لما تقرره الدولة أو الحكومة، فمثلاً عندنا قدرت الحكومة أن الورقة ذات الريال الواحد تقدر بريال واحد من المعدن ولو شاءت لقالت: تقدر بريالين كالنصف والربع/ فهذا تقويم نظامي فقط، وعلى هذا فيمكن أن يكون خاضعاً للعرض والطلب، فإذا رخصت الأوراق صار صرف هذه العملة النقدية أرخص، وإذا غلت صارت أغلى، وأنا أذكر أن الناس كانوا يفضلون الورق النقدي على الريال الفضي، والآن الريال الفضي يساوي عشرة ريالات ورقية. فأصبح الأقوال في هذه المسألة: أن العلة في الذهب والفضة كونها ذهباً وفضة، يعني: هذا الجنس يجري فيه الربا على كل حال، ثم لشبهة علة الثمنية أن أقول: ما جعل ثمناً في الأشياء وقيمة فإنه يجري فيه ربا النسيئة دون ربا الفضل؛ لان الأصل الحل: ﴿وأحل الله البيع﴾ حتى نتيقن أنه يدخل في الأموال الربوية، ولولا الفساد الكبير لقلنا: إنه لا يجري فيه لا ربا الفضل ولا ربا النسيئة، لكن لا شك أن هذا القول يترتب عليه فساد عظيم، يترتب عليه حل، ويترتب

стр. 1845

سقوط الزكاة عن الأغنياء في الوقت الحاضر؛ لان أموال الناس الآن أوراق، فلو قلنا بأنها عروض مطلقا- كما قال به بعض الفقهاء- لسقط الربا فيها، ولسقطت الزكاة، ولحصل فساد كبير، فالحاصل: أن القول الوسط أننا نلحقها بالثمينة في وجوب الزكاة وفي ربا النسيئة فقط، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، بل إنه ﵀ يجيز تأخير القبض إذا تؤجل إذا لم يكن فيه أجل؛ يعني: أنه تصرف عشرة دراهم سعودية بدينار كويتي مثلاً مع تأخر القبض بشرط ألا يكون التأخير مؤجلاً ولكن الذي أرى أنه يجب التقاضي قبل التفرق ولا يجوز التفرق قبل القبض. ما تقول في رجل أبدل برتقالة مغربية ببرتقالتين مصريتين؟ على قول من يقول: إن العلة الطعم فإنه لا يجوز، وعلى قول من يقول: إن العلة في الاقتيات فإنه يجوز؛ لأن هذا ليست بقوت، وكذلك من يرى أن العلة الكيل فإنه يجوز؛ لأنه لا يكال. ما تقول فيمن أبدل صاعا من السدر بصاعين من السدر؟ من قال: إن العلة في الكيل فإنه لا يجوز؛ لأنه مكيل ومن قال: إن العلة الطعم فإنه يجوز. على كل حال: الآن فهم الحكم، الأحكام هذه تبني على اختلاف العلماء- ﵏ في علة الربا. من فوائد الحديث الأول حديث ابن مسعود: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ وذلك بتصنيف الكلام وتنويعه حيث قال: «الربا ثلاث وسبعون باباً». ومن فوائده: أن الشارع قد ينص على الشيء مجملاً ويكل العلم بتفصيله إلى الناس ليتتبعوه، وهذا فيما يمكن أن يدرك بالتتبع؛ لأنه قال: "ثلاث وسبعون باباً"، ولم يبينها، لكن العلماء يتتبعونها حتى يعرفون، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»، ولم يبينها لكنها مبينة بالتتبع تعرف وإنما قلت لكنها مبينة لئلا يرد علينا مذهب أهل التعطيل في صفات الله كالذين يقولون: إن الله أراد بها معنى غير ظاهرها ووكل علمه إلى الناس ليدركوه بعقولهم، فإن هذا قول باطل وليس مثل مسألتنا؛ لان نصوص الصفات بينه واضحة لا تحتاج إلى تحريف. ومن فوائد الحديث: أن الربا من أكبر الكبائر؛ لأنه جعل أيسر هذه الأبواب مثل أن ينكح الرجل أمه.

стр. 1846

ومن فوائد الحديث: أن استطالة الإنسان في عرض المسلم من أربى الربا؛ لانه لا يكلفه شيئاً فيزداد في استطالته في عرضه فيكسب آثاماً كثيرة وهو لا يدري لقوله: "أربى الربا"، وعلى هذا فيكون اسم التفضيل بالنسبة للكمية لا للكيفية. ومن فوائد الحديث: التحذير من الربا؛ لان رسول الله ﷺ جعل أيسره مثل أن ينكح الرجل أمه. ومن فوائده: التحذير من أعراض المسلمين؛ حيث قال: «إن أربى الربا عرض الرجل المسلم». وأما حديث أبي سعيد ففيه دليل على: تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلاً، ويؤخذ من عمومه: أنه لا فرق بين كون أحد العوضين أجود من الآخر؛ لعموم قوله": "لا تبيعوا الذهب بالذهب"، أو مصنوعاً والآخر غير مصنوع لعموم قوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل". ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ويقال فيها ما قيل في الذهب. ومن فوائد الحديث: أنه يحرم تأخير القبض فيما إذا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والذهب بالفضة، ولهذا أعقب الجملة فقال: "لا تبيعوا منها غائباً بناجز". ومن فوائد الحديث: كمال بيان الرسول ﷺ ، حيث إنه- ﵊ فصل تفصيلاً كاملاً في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. وحديث عبادة بن الصامت فيه دليل على: أن هذه الأصناف الستة يجري فيها الربا، وأن الربا فيها نوعان: ربا فضل وربا نسيئة، فغن بيع الشيء بجنسه اجتمع في ربا الفضل وربا النسيئة، وإن بيع بغير جنسه ففيه ربا النسيئة فقط، والدليل قوله ﷺ : «مثلاً سواء بسواء يداً بيد» هذا فيه التماثل والتقابض، فإذا اختلفت هذه الأصناف "فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" هذا فيه ربا النسيئة إذا اختلف الجنس، وظاهر الحديث شمول هذا الحكم فيما إذا باع تمراً بدراهم أو بدراهم أو شعيراً بدراهم أو ملحاً بدراهم، لكننا ذكرنا في أثناء الشرح أن السنة قد دلت على عدم وجوب التقابض فيما إذا كان أحدهما نقداً، وما هي السنة التي بينت ذلك؟ حديث ابن عباس: «كان الناس يسلفون الثمار السنة والسنتين فأقرهم النبي ﷺ على ذلك». [نكمل حديث أبي هريرة] وقوله في حديث أبي هريرة: "فمن زاد أو أستزاد فهو ربا". زاد شيئاً بدون طلب، "استزاد": طلب الزيادة، فالذي يزيد ويعطي الزيادة مربي، والذي يطلب الزيادة أيضاً مربي، ومعلوم أن الزيادة فيها باذل ومبذول له، فالمبذول له هو المستزيد، والباذل هو الزائد، وكلاهما واقعان في الربا، أما الآخذ للزيادة فوقوعه في الربا ظاهر، وأما الثاني فلأنه

стр. 1847

معين على ذلك وراضٍ به، ولأن هذه الزيادة نشأت من عقد واحد فكانا فيها سواء، فلهذا قال: "فمن زاد أو استزاد فهو ربا". وهذا الحديث وحديث عبادة وحديث أبي سعيد الأول يغني عنهما حديث عبادة؛ لانه أشمل واوسع مدلولاً، وفيه ذكر النوعين من الربا ربا: الفضل وربا النسيئة، يعني: لو أن المستدل الذي أراد أن يتكلم على تحريم الربا اقتصر في الاستدلال على حديث عبادة لكان كافياً، لكن أتى المؤلف بهذين الحديثين من باب توكيد المسألة، وأن الأمر لم يأت من طريق واحد عن رسول الله ﷺ بل جاء من عدة طرق. في هذا الحديث دليل على ما سبق من وجوب التساوي في بيع الذهب بعضه ببعض، ووجوب التساوي في بيع الفضة بعضها ببعض، وأن المعيار لابد أن يكون هو الوزن، وان الآخذ للربا والمعطي كلاهما واقعان في الربا. ٨٠٠ - وعن أبي سعيد ألخدري وأبي هريرة ﵁ "أن رسول الله «استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً». وقال في الميزان مثل ذلك. متفق عليه. - ولمسلم: "وكذلك الميزان". قوله: "استعمل رجلاً"، هذا الرجل اسمه سواد بن غزيه، وإبهام الرجل أو بيان اسمه الغالب أنه لا يتعلق به حكم ويكون خفاء اسمه من الشيء الذي إن جهله الإنسان لا يضر وإن علمه فهو زيادة خير لكن ليس بلازم في الغالب ولا يترتب عليه حكم يقول: "استعمل على خيبر" أي جعله وكيلاً في قبض ما يستحقه المسلمون منها "فجاء بتمر جنيب" التمر الجنيب هو الطيب الذي يكون قاسياً شديداً لأن التمور تختلف منها ما يكون ليناً ليس فيه شحم ومنها ما يكون صلباً قوياً شديداً طيباً فالثاني يسمى الجييب يعني: التمر الطيب فقال النبي ﷺ : «أكل تمر خيبر هكذا؟ » يسأل لأن النبي ﷺ لا يعلم عن هذه الأشياء ولا يعلم عن كل تمر خيبر فسأل فقال: "لا والله يا رسول الله" يعني: ليس كل تمر خيبر هكذا بل فيه التمر الطيب وفيه التمر الرديء "وإنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة" قوله بالصاعين أي من تمر خيبر وبالثلاثة أي من تمر خيبر أيهما أرخص الصفقة الأولى أو الثانية الصاع بالصاعين يعني: المائة بالمائتين، الصاعين بالثلاثة يعني المائتين بخمسمائة، يعني ثلاثة أخماس هذا نسبة الثلاثمائة، إلى الخمسمائة ثلاثة أخماس وذلك نسبته النصف فأيهما أكثر؟

стр. 1848

لو أخذنا بالأول الصاع بالصاعين كم يكون الصاعين؟ أربعة، وإذا كان الصاعين خمسة صار الصاعين أربعة أصواع ونصف صار الأخير أرخص، يعني: التمر الرديء أرخص يأخذ الصاع بصاع ونصف، يعني الطيب أرخص بالنسبة للذي أخذ صاع بصاعين، وبالعكس إذا أخذ الصاعين بالثلاثة، المهم أنهم كانوا يأخذون إما المائة مائة أو المائتين ثلاثمائة، يعني: معناه أرخص من الأول، فقال النبي ﷺ : "لا تفعل هذه " "لا" ناهية يعني: لا تفعل هذا الفعل فتشتري شيئاً أقل بشيء أكثر من التمر ثم أرشده فقال: "بع الجمع بالدراهم" لما منعه من صورة الربا أرشده إلى صورة الحلال فقال: "بع الجمع بالدراهم" الجمع هو: التمر المجمع المخلوط، والغالب أن التمر المجمع المخلوط أنه يكون رديئاً؛ لأنه يكون من الأنواع الرديئة ويخلط جميعاً ولا يعتني به ما ينقي ولا يهذب، "ثم ابتع بالدراهم جنيباً" يعني: اشتر تمراً طيباً. وفي لفظ لمسلم قال: "ردوه" يعني: ردوا هذا التمر، وهذا اللفظ فيه فائدة عظيمة وهي أن العقد وإن كان صاحبه جاهلاً إذا كان محرماً يجب رده وإبطاله؛ لأن في إنقاذه معصية لله ورسوله واعتباراً لما ألقاه الشرع. وقال: "في الميزان مثل ذلك" ما المراد بالميزان؟ قال بعض العلماء: المراد به: كل ما يوزن، وقال بعض العلماء: المراد بالميزان: الذهب والفضة لأنها توزن، يعني قال بالذهب والفضة مثل ما قال في بيع التمر بالتمر. فإذا قال قائل: ما مناسبة ذكر الميزان في هذه الصورة؟ فالجواب: أن رسول الله ﷺ كان من حسن تعليمه إذا ذكر الشيء ذكر ما يمكن أن يحتاج إليه السائل وغن لم يسأل عنه، وهذا من الجود بالعلم، كما لو سألك فقير قال: أعطني قميصاً، فأعطيته قميصاً وعمامة، فغن هذا من الكرم بالمال والزيادة على سؤال السائل، ونظير هذا أن النبي ﷺ سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، مع انه لم يسأل عن الميتة، لكن من ركب البحر سيحتاج إلى الأكل، فبين النبي ﷺ ما يمكن أن يحتاج إليه؛ لان ميتته طاهرة، هذا الحديث كما ترون أصله بيع تمر بتمر متقابلاً هذا أصله، والرسول ﷺ حكم هذه المسألة بياناً شافياً كاملاً. فيستفاد من الحديث: جواز استعمال الرجل الواحد في قبض الزكاة ومحاسبة الشركاء، وجهه: أن النبي ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، ومن المعلوم أن خيبر ثمارها شطرها للمسلمين والشطر الثاني للهيود على سبيل المساقاة، ولكن يشترط في العامل أن يكون ذا خبرة وأن يكون أميناً، وهذان الشرطان شرط في كل معاملة أسندت إلى شخص أن يكون الشخص ذا خبرة وأن يكون أميناً، وقد أشار الله إلى ذلك في كتابه، فقال عن العفريت من الجن الذي قال لسليمان: ﴿أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوى﴾ [النمل: ٣٩]. وهذه الخبرة ﴿أمين﴾ وهذه

стр. 1849

الأمانة، وقالت ابنة شعيب صاحب مدين: ﴿يا أبت استئجره -يعني: موسى- إن خير من استئجرت القوى الأمين﴾ [القصاص: ٢٦]. فلابد فيمن استعمل على عمل أن يكون ذا خبرة وأن يكون أمينا. ومن فوائده: أن اختلاف الجنس في الجودة والرداءة لا يؤثر في منع الربا، وجه ذلك: أن النبي ﷺ قال في رواية أخرى: "عين الربا" يعني: هذا عين الربا مع أن القيمة مختلفة، فإن الرديء لا يساوي في القيمة الجيد ومع ذلك منع الرسول ﷺ الفضل بينهما بين التمرين؛ لأنهما من جنس واحد. ومن فوائد الحديث: أن اختلاف النوع لا يؤثر أي في منع الربا، والفرق بين النوع والجنس؟ التمر كله جنس، لكنه أنواع: سكري، شقراء، أم الحمام، أنواع كثيرة، لكن ثلاثة أنواع: الأول أحسن، وعلى هذا فلا يجوز أن أبيع صاعا من السكري بصاعين من الشقر وإن كان النوع مختلفا، بدليل أن "الجمع" تمر مخلط مختلف الأنواع، ومع ذلك منع الرسول ﷺ بيعه متفاضلا بالجنيب الذي لم يخلط معه شيء، فدل هذا على أن اختلاف النوع لت يؤثر في منع الربا. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز إمضاء العقد المشتمل على محرم؛ بل الواجب أن يعاد هذا العقد وأن يفسخ لقول الرسول ﷺ في الرواية الأخرى: "ردوه" وهذا يدل على بطلان العقد وإن كان الإنسان جاهلا. فإن قال قائل: أليس الله تعالى قال في كتابه: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فالجواب: بلى قال ذلك، ونحن لا نقول: إننا نؤاخذك بخطئك أو نسيناك، بل أنت معذور وليس عليك إثم، لكن إمضاء العقد الذي أبطله الشرع بعد أن تعلم أنه باطل لابد أن تبطله لو أنك تعمدت عن علم وذكر لكنت آثما مع وجوب الرد، أما الآن فلست بآثم لكن يجب الرد. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان المفتي إذا ذكر المنع أن يذكر للناب باب الحل حتى إذا أغلق الباب من جهة انفتح من جهة أخرى، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ أرشده إلى هذا لما قال هذا ممنوع أرشده فقال: "بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا"، وهكذا ينبغي للمفتي وللعالم ولكل من يتكلم في أمر الشرع إذا ذكر للناس الباب الممنوع أن يذكر لهم الباب الجائز حتى تمشي أحوالهم؛ لأن الناس لابد أن يتعاقدوا ويتعاملوا، ومن هذا لو أن الإنسان ذكر للناس بدعة يتعبدون لله وقال لهم: هذه بدعة ينبغي أن يفتح لهم باب سنة، فمثلا يقول: يغني عنها كذا وكذا، مثلا إذا قال: بدعة المولد وما دمنا الآن في شهر ربيع الأول الليلة الخامسة عشرة فإننا قريب عهد بمن يختلفون بالليلة الثانية عشر من هذا الشهر بما يقولونه من صلوات على النبي ﷺ إذا قلنا لهم: إن هذا بدعة وليس بسنة لا عن الرسول ولا

стр. 1850

عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة المسلمين نقول: بدل من هذا الذي تدعون أن فيه ذكرا للرسول ﷺ إما أن نقول لكم: إن ذكر الرسول ﷺ فرض كفاية على المسلمين كل يوم خمس مرات عند حلول الصلوات في الأذان أشهد أن محمدا رسول الله على رءوس الأشهاد، وإن ذكر الرسول ﷺ في كل عبادة فإن الإنسان الفطين الكيس يذكر النبي ﷺ ليس باسمه ولكن يذكر بالاتباع كل عبادة فيها من الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ ، وأنت حين تستحضر المتابعة سيكون في قلبك ذكر للرسول ﷺ ، ثم في الصلوات الخمس السلام عليك أيها النبي فرض إما أن تكون فرضا مرتين في الصلاة الخمس السلام عليك أيها النبي فرض إما أن تكون فرضا مرتين في الصلاة أو مرة واحدة، فإذا ذكرنا لهم هذه البدعة نقول: عندكم سنن كثيرة، فالمهم أن الإنسان الذي يتصدى الناس بالإفتاء أو غيره إذا ذكر لهم الشيء الممنوع فليذكر لهم الشيء الذي يحل محله، وهذا كما أنه مما وجه إليه الرسول ﷺ فإنه مما وجه إليه الخالق عز وحل فقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]. لما نهى عن هذه اللفظة ﴿راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فتح لهم لفظ آخر فقال: ﴿انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤] حتى يستغنوا بما أباح الله عما حرم الله ومن ذلك قول لوط ﵊ لقومه: ﴿أتأتوان الذكران من العالمين وتذرونا ما خلق لكم من أزواجكم﴾ [الشعراء: ١٦٦]. فالحاصل: أن هذه من الأشياء التي في كتابه ووجهت إليها المرسل، بمعنى: أنك إذا سددت بابا على الناس فافتح لهم أبواب الحل. ومن فوائد الحديث: أن بعض العلماء استدل به على جواز العينة أو على جواز الحيلة كما يقولون: بع التمر بالدراهم إذا بعته على زيد بدراهم واشتريت به -بالدراهم- تمرا طيبا فيقولون: إن هذا يدل على جواز التحيل على الربا؛ كيف؟ لأنك بدلا من أن تقول: خذ هذه التمر الرديء بعشرة ريالات وأعطني صاعا بعشرة ريالات، وهذه حيلة، يعني: تمر دخلت بينهما دراهم غير مقبوضة، ولكن هذا الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن قول الرسول ﷺ : «بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا» مطلق، ما قال: اشتر ممن تبيع عليه ولا اشتر من غيره، فهو مطلق، والمطلق يقيد بما دلت عليه السنة طريق آخر، فإن السنة دلت على تحريم الحيل كما في قوله ﷺ : «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها حملوه، يعني: أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه»، فدعا عليهم لكونهم تحيلوا لما حرمت عليهم الشحوم قالوا: لا نأكلها نذوبها ثم نبيعها ثم نأخذ الدراهم. وقال صاحب كتاب "الحيل" عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود

стр. 1851

فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، ومن المعلوم أن الذي يحرم صاعا بصاعين من التمر تأبى حكمته أن يحل لك أن تقول بعتك هذين الصاعين بعشرة دراهم فأعطني بها صاعا من التمر الطيب! ! هذا تلاعب، فليس في الحديث دليل على ما ذهبوا إليه، لأنه مطلق، والمطلق يجب أن يقيد بما دلت عليه النصوص من تحريم الحيلة. ومن فوائد الحديث: جواز اختيار الأجود من المأكولات وأنه لا ينافي الزهد؛ لأن النبي ﷺ أقر الرجل على اختيار التمر الجيد ليطعم النبي ﷺ ولم يقل: لا، فاختيار الأجود من الأنواع لا شك أنه جائز لهذا الحديث، ولم يناف الزهد؛ لأن الزهد حقيقة ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فالزهد يترك كل شيء لا ينفعه في الآخرة. فإن قال قائل: إذا قلنا: إن اختيار الأجود من المأكولات لا ينافي الزهد فهل يمكن أن نحوله إلى زهد؟ فالجواب: نعم، إذا صد الإنسان التعبد بهذا المأكول الطيب لمنة الله به عليم وليعرف منة الله بذلك صار عبادة فصار نافعا في الآخرة. ومن فوائد هذا الحديث: جريان الربا في الذهب والفضة إذا خصصنا لفظ "الميزان" بهما أو في كل موزون إذا قلنا بالعموم، وأنه لا يجوز التفاضل. ومن فوائد الحديث: الرد على الذين قالوا بجواز الربا إذا لم يشتمل على ظلم، حيث عللوا تحريمه بأنه ظلم وقالوا: إذا انتفت العلة انتفى الحكم وبنوا على هذا جواز الربا للاستثمار لا للاستغلال من أين يؤخذ؟ من أن هذه المعاملة أخذ منه صاع طيب ورد عليه صاعان رديئان، وكذلك باذل الزيادة لم يظلم، لأنه يرى أن أخذ الصاع الطيب بالصاعين كسب له وليس فيه ظلم له، فدل هذا على أن الربا ممنوع سواء وجدت العلة التي من أجلها ثبت الحكم أم لم توجد، وهذا الحديث لا شك أنه يدمغ هؤلاء الذين قالوا بالجواز إذا كان الربا من أجل الاستثمار وتنمبة الاقتصاد كما زعموا، فنقول: هذا الحديث ليس فيه ظلم بل فيه اختيار. ومن فوائد الحديث: أن الله سبحانه إذا حرم على عباده شيئا فتح لهم بابا للحل، بل إننا نقول: إن أبواب الحل أكثر من أبواب المنع أخذا من قوله فيما كتب عنده: "إن رحمتي سبقت غضبي"، فالغضب يترتب عليه المنع كما حرم الله على الذين هادوا بسبب ظلمهم: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠]. والرحمة سبب السعة والحلم، وباب المباحات في المعاملات أكثر من باب المحرمات.

стр. 1852

بيع التمر بالتمر وشروطه: ٨٠١ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «نهى رسول الله عن بيع الصبرة من التمر التي لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر». رواه مسلم. "النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة وهي المضارع المقرون بلا الناهية، فقولنا: "طلب الكف" خرج به الأمر وما ليس ينهي مما أبيح، وقولنا: "على سبيل الاستعلاء" خرج به الدعاء والالتماس ونحوهما، وقولنا: "بصيغة مخصوصة" خرج به الأمر المفيد للكلف أو الأمر الذي يفيد طلب الكف مثل: دع، واترك، واجتنب، لأن هذا يفيد معنى النهي، لكنه بلفظ الأمر فلا يسمى نهيا اصطلاحا. و"الصبرة" الكومة من التمر، وسميت صبرة لأنها محبوسة مجموع بعضها إلى بعض مثل: أن يكون عند الإنسان كومة من التمر، يقول: "التي لا يعلم مكيلها" يعني: لا يعلم كم كيلها، "بالكيل المسمى" أي: المعلوم من التمر، ووجه النهي أنه يشترط في بيع التمر بالتمر المساواة في الكيل، فهنا لا تعلم المساواة؛ لأن هذه صبرة غير معلومة، والعوض تمر معلوم، ولكن المعلوم من المجهول لا يجعل المجهول معلوما؛ فلهذا نهى النبي ﷺ عن بيع البصرة بالتمر المعلوم كيله؛ لأن التساوي فيه غير معلوم. فإن قال قائل: أرأيتم لو خرصه وقال: إنها تساوي مائة صاع ثم باعها صاع؟ فالجواب: لا يفيد ذلك شيئا ولا يفيد الحل؛ لأن الخرص ظن وتخمين لا تعلم به المساواة. فإن قال قائل: أليست السنة قد جاءت بجواز بيع العرايا؛ وهو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر المعلوم بخرص الرطب؟ فالجواب: بلى، ولكن هناك فرق بين العرايا وهذه الصبرة؛ لأن العرايا فيها رطب، والرطب يعتبر أكله تفكها في وقته، والإنسان في حاجة إلى التفكه في وقت الرطب بالرطب، فمن أجل هذه الحاجة أباح الشارع العرايا، أما تمر بتمر صبرة مكومة فليس فيه حاجة، فلهذا يكون الفرق بينها وبين العرايا ظاهرا. ففي هذا الحديث من الفوائد: أولا: تحريم بيع الصبرة من التمر بكيل معلوم منه؛ لأن الأصل في النعي التحريم. ومن فوائده: أنه لة جرى العقد على ذلك فالعقد فاسد؛ لأنه منهي عنه لعينه، والشيء إذا نهي عنه لعينه فإنه لا يصح؛ لأن تصحيحنا إياه مع نهي الشارع عنه مضادة لحكم الله فإن نهي الشارع عنه يقتضي البعد وإحباط هذا الشيء، فإذا صححناه فمقتضى ذلك الإذن بممارسته والعمل به.

стр. 1853

ومن فوائد الحديث: التشديد في مسألة الربا، حيث إن ما يشترط فيه التماثل، فلابد أن يكون تماثله معلوما. ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان الصبرة معلومة الكيل فباعها بتمر معلوم الكيل فلا بأس بذلك، وظاهر الحديث -أي: ظاهر هذا المفهوم - أنه لا يشترط إعادة كيل الصبرة بعد العقد؛ لأن الأصل بقاؤها على ما هي عليه، وإن كان احتمال النقص أو الزيادة وارداً لكن الأصل بقاؤها على ما كانت عليه، نعم لو فرض أن كيلها كان سابقا بزمن يمكن أن تتغير فيه فإنه لابد أن يعاد كيلها. من أين نأخذ جواز بيع الصبرة بالتمر المعلوم كيله إذا كانت معلومة كيله؟ من قوله: "التي لا يعلم مكيلها"، فإنه يؤخذ منه: أنه إن كان يعلم مكيليها فلا بأس، ولا حاجة إلى إعادة الكيل، خلافا لبعض أهل العلم الذين قالوا: لابد من الكيل بعد العقد؛ لأنه يحتمل أن تكون اختلفت، فإت التمر إذا ضمر مثلا نقص عن الكيل الأول، فنقول: نعم إذا تقدم الكيل بزمن يمكن فيه التغير وجب إعادة كيله وإلا فلا. ومن فوائد الحديث: جواز قبض المكيل بالكيل الحاصل قبل العقد إذا لم يمض زمن يمكن أن يتغير، يعني مثلا: لو اشتريت منك طعاما كيلا بدراهم فإنه لا يجوز أن أبيعه حتى - أكيله، هكذا جاءت السنة، لكن إذا كان البائع قد كاله أمامي قبل العقد وعرفت أنه لم يتغير فإنه يجوز الاعتماد على الكيل الأول، والدليل على هذا ظاهر هذا الحديث، فإن ظاهره أنه إن كانت الصبرة معلومة الكيل فلا حاجة إلى إعادة الكيل، كذلك الطعام الذي اشتريته مكايلة وقد كاله البائع بزمن لم يتغير فيه لا بأس أن أقبضه بناء على الكيل الأول. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز بيه صبرتين من التمر بعضهما ببعض؛ لماذا؟ لأن هذا شبه جهالة مما إذا كان أحدهما معلوما إلا إذا علمنا كيلهما بزمن لا يتغير فيه التمر فلا بأس. ٨٠٢ - وعن معمر بن عبد الله ﵁ قال: إني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير». رواه مسلم. هذه حكاية حال ماضية بالفعل المضارع الدال على الحال، وأفاد ذكر التعبير هكذا الإشارة إلى أن يتصور الأمر وكأنه الآن تأكيد لضبطه إياه، وإلا فممن الممكن أن يقول: "إني سمعت"، ومن المعلوم لنا جميعا أن الرسول ﷺ لم يكن دائما يتكلم بهذا وهذا يسمعه دائما، لكن سمعه دائما، لكن سمعه مرة، وإنما قال: "كنت أسمع" تحقيقا لضبطه لهذا السماع وكأنه حاضر الآن. يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" يعني: في القدر ليس في الصفة؛ لأنه في الصفة لا

стр. 1854

يجوز أن أبيع صاعاً طبياً بصاعين طيبين، زلا يمكن أن أبيع صاعاً طيباً بصاع طيب من جنس واحد؛ لأن هذا عبث، لكن المراد بقوله: "مثلاً بمثل" في المقدار، وقد سبق لنا الاستشهاد بمجيء المثل بمعنى المقدار في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: "وكان طعامنا يومئذ الشعير"، في النسخة التي عندي هكذا بالنصب على أن طعام خبر مقدم، والتقدير: وكان الشعير طعامنا يومئذٍ، وفائدة تقديم الخبر: الحصر، يعني: كأنه يقول: ليس لنا طعام إلا الشعير، ويجوز أن يقال: "وكان طعامنا يومئذ الشعير"، يعني: الإخبار عن طعامهم بأنه الشعير لا عن الشعير بأنه طعامهم، لكن صح في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري -في زكاة الفطر- قال: "كنا نخرجها على عهد النبي ﷺ صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والتمر والزبيب والأقط"، والجمع بينهما إما أن يقال باختلاف الأحوال، فأحياناً لا يوجد في الغالب إلا الشعير، وقد توجد الأصناف الأربعة، وإما أن يقال بأن الأصناف كلها موجودة ولكن أكثرها الشعير وهذا هو الأقرب. على كل حال: هذا الحديث يدل على أن بيع الشعير بالشعير لابد أن يكون متماثلاً ولكن قوله: "الطعام بالطعام" قد يقال: إن في ذلك إشارة إلى علة الربا وهي: الطعم، ولكن لا شك- على هذا التقدير- أنه لا يراد به كل مطعوم، إذ لو أريد به كل مطعوم لدخل حتى الماء؛ لأن الماء عند الإطلاق يدخل في الطعام كما قال تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده ﴿[البقرة: ٢٤٩]. ولكن المراد بالطعام: ما يطعم على أنه قوت، فإن الناس في عهد الرسول ﷺ يأكلون الشعير على أنه قوت؛ يعني: الذي هو مدد غذائهم، وعلى هذا فيكون في هذا الحديث إشارة إلى القول الراجح في هذه المسألة، وهو أن علة الربا في الأصناف الأربعة التي في حديث عبادة بن الصامت هو الطعم، لكن يضاف إلى ذلك الكيل؛ لأن كل الأحاديث الواردة كذلك تقدر هذا بالكيل، وعلى هذا فالطعام المكيل الذي يطعم ويقتاته الناس هو الذي يجري فيه الربا، وأما الطعام الذي لا يكال أو ما ليس بكيل فإنه لا يجري فيه الربا، مثل: الفاكهة على اختلاف أنواعها والخضروات والسدر والإشنان والحناء وما أشبهها. في هذا الحديث من الفوائد: أولاً: أن بيع الطعام بالطعام لابد أن يكون متماثلا لقوله: "مثلاً بمثل". ثانياً: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شغف العيش، وأن طعامهم الشعير الذي في عصرنا هذا لا يمكن أن يكون طعاماً للآدمي، وفي هذا دليل على أن إمداد الناس

стр. 1855

بالمال والبنين لا يدل على أنهم خير القرون؛ لأنه بلا شك خير القرون هم الصحابة ومع هذا فهذه حالهم في عهد نبيهم ﷺ . ومن فوائد هذا الحديث: جواز إخبار الإنسان عن نفسه وإن كان الإخبار يدل على البؤس؛ لقوله: "وكان طعامنا الشعير"، والإنسان إذا أخبر بما يفيد البؤس عن نفسه فلا يخلو إما أن يكون المقصود مجرد الخبر، أو يكون المقصود التسخط على القدر، أو يكون المقصود التشكي إلى المخلوق، فأما الأول فلا بأس به، وقد قال لوط ﵊ للملائكة: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ [هود: ٧٧]. وأما الثاني الذي يقصد به التسخط ولوم القدر فإن هذا لا يجوز، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر مقلب الله والنهار»، وأما الثالث- وهو الذي يقصد به التشكي إلى المخلوق- فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن المخلوق لا يرحمك، والله يرحمك، ولهذا قيل: [الكامل] وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم وهذا صحيح، والإنسان لا يجوز له أن يشكو الخالق إلى أحد، فكيف إذا شكاه إلى مخلوق ضعيف؟ هذا المخلوق لو أصيب بمثل مصيبتك لا يستطيع أن يزيل عن نفسه ذلك. بيع الذهب بالذهب: ٨٠٣ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: «اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل». رواه مسلمٌ. قوله: "يوم خيبر" يعني: يوم فتح خيبر، وكانت خيبر حصوناً ومزارع لليهود تقع في الشمال الغربي من المدينة على بعد نحو مائة ميل، وقد فتحها النبي ﷺ في عام ستة من الهجرة، ولما فتحها طلب منه اليهود أن يبقيهم عمالاً فيها لأنهم أهل حرس وزرع، على أن يكون لهم الشطر وللنبي ﷺ الشر، فوافقهم على هذا؛ لأن الذين معه من المهاجرين والأنصار مشغولون معه بمصالح المسلمين من الجهاد وغيره؛ ولأن هؤلاء أهل حرس وزرع فهم أعلم بحروثهم وزروعهم، المهم أن النبي ﷺ غنم منها مغانم، منها الذهب، فكانت هذه القلادة مما غنم فبيعت باثني عشر ديناراً وهذه رواية مسلم. وقد اختلفت الروايات في مقدار الثمن الذي بيعت به اختلافاً كثيراً، حتى إن بعضهم ادعى أن الحديث ضعيف لاضطرابه؛ لأن اضطراب الرواة في نقل الحديث يؤدي إلى ضعفه إذا لم

стр. 1856

يمكن الجمع ولا الترجيح؛ لأن الاضطراب يشترط فيه شرطان: ألا يمكن الجمع وألا يمكن الترجيح، فإن أمكن الجمع جمع وزال الاضطراب، وإن أمكن الترجيح أخذ بالراجح وشذ فيما سواه، ولكن الصحيح ما حققه ابن حجر ﵀؛ لأن الاختلاف في مثل هذا لا يضر؛ لأن الاختلاف فيه لا يعود إلى أصل الحديث؛ إذ إن أصل الحديث متفق وهو بيع القلادة بذهب، وأما الاضطراب فلا يتعلق به حكم، ونظير ذلك اختلاف الرواة في مقدار جمل جابر، فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً ومع ذلك لم يعد هذا من الاضطراب؛ لأن الاختلاف ليس في أصل الحديث، أما الاختلاف في أصل الحديث- مثل أن يكون أحدهم روى النهى، والثاني رواه بلفظ الأمر مما يعود إلى أصله- فهذا نعم يحكم بالاضطراب، إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح، والذي يهمنا صيغة العقد والمعقود عليه جنسه، أما قبضه فلا يهم. يقول: "باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز" كما هي العادة في القلادة أن يكون فيها خرز من ذهب وخرز من خزف ونحوه، يقول: "ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً"، يعني: من الذهب، وذلك بالوزن، فكان الذهب الذي فيها يزن أكثر من اثني عشر ديناراً، ومعلوم أن بيع الذهب بالذهب لابد فيه من التساوي. يقول: "فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل" أي: تفصل من الخرز ويجعل الذهب وحده، والدنانير وحدها ثم توزن، فإذا تساوت وزناً جاز بيعها، وقوله: "لا تباع" لم يقل: لا تفعل، فيفيد أن هذا البيع يجب إبطاله وإعادته؛ لأنه بيع فاسد باطل. هذا الحديث فيه شراء جنس من الربوي بجنسه مع التفاضل، والقاعدة الشرعية في بيع الربوي بجنسه أنه لا يجوز مع التفاضل. في هذا الحديث فوائد: منها: أن ما غنم من مال الكفار فهو ملك للغانمين؛ ولذلك صح العقد عليه، فهل ما ملكوه منا ملك لهم؟ الصحيح: نعم أنه ملك لهم؛ لأنهم يأخذونه على أنه حل لهم؛ ولأن الكفار في عهد النبي ﷺ يكسبون من المسلمين ويبيعونه تبع أموالهم، فما ملكناه من أموالهم فهو لنا، وما ملكوه من أموالنا فهو لهم، كما أن من قتلوه منا لا يضمنونه ولو أسلموا؛ لأنهم يعتقدون أن هذا حلال. ومن فوائد الحديث: أن الصنعة لا تؤثر في اشتراط التساوي إذا بيع الربوي بجنسه، وجه ذلك: أن النبي ﷺ قال: «لا تباع حتى تفصل». فإن قال قائل: الزيادة هنا في المصنوع وكلامنا إذا كانت الزيادة في غير المصنوع. فقال: إذا منع الشرع الزيادة في المصنوع فعكسه من باب أولى. ومن فوائد الحديث: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه معه

стр. 1857

أو معهما من غير جنسهما، مثال ذلك: باع برا وتمراً ببر هذا لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس، ولأننا نقول إن الجنس هنا مساوياً للجنس الذي جعل عوضاً عنه، فالذي معه يعتبر زيادة، يعني: باع صاع بر ومعه نصف صاع تمر بصاع البر، نقول: هذا صار براً ببر ومع أحدهما زيادة وهذا لا يجوز وإن كان البر الذي معه التمر وبيع به البر أنقص من البر الذي جعل عوضا عنه، فقد بيع البر بالبر مع التفاضل وهذا أيضاً لا يجوز، فإن كان البر المفرد أطيب من البر الذي معه غيره بحيث تكون قيمة الاثنين مساوية لقيمة البر فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه سبق لنا أن الوصف لا يبيح الزيادة، فإن كان المفرد الذي ليس معه شيء أكثر من الذي معه شيء لكن زيادة المفرد تقابل الشيء الذي معه -مع العوض- فهل يجوز؟ ، مثال ذلك: باع صاعين من البر بصاع من البر وصاع من التمر والقيمة سواء، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يجوز جعل الصاع الزائد في المفرد في مقابل المشفوع في المثنى يعني: يقول هذان الصاعان بصاع من البر وصاع من التمر نجعل صاعاً من التمر في مقابل صاع من البر وصاعاً من البر في مقابل الصاع من البر، وحينئذً لا ربا، فيقول هذا القائل: إنه إذا كان في المفرد زيادة تقابل ما مع المشفوع من غير جنسه فإن ذلك جائز، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد، فيجعلون الزيادة في الجنس في مقابل المصاحب للمشفوع ويقولون: نجعل صاعاً بصاع وصاعاً من التمر بالزيادة التي مع البر، وكذلك لو باع صاع بر وتمر بصاع بر وتمر يقولون أيضاً لا بأس به؛ لأننا نجعل البر مقابل التمر والتمر مقابل البر يقولون مثلاً: رجل أتى بصاع من البر وصاع من التمر وباعهما على شخص آخر بصاع من البر وصاع من التمر يقولون: هذا أيضاً جائز؛ لأنك إن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من البر وصاعاً من التمر في مقابل صاع من التمر فهذا جائز، وإن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من التمر وصاعاً من التمر في الطرف الآخر في مقابل صاع البر فهذا أيضاً جائز، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصحيح؛ لأن العلة منتفية، فإذا كان هذا الزائد الذي مع العوض المقابل له زيادة في هذا فقد بعت طعاماً بطعام مع التساوي ولا محظور في ذلك؛ لأن الكمية الزائدة في المفرد تقابل بالمشفوع مع الطرف الآخر، وهذا الحديث لا يمنع القول بذلك؛ لأن هذا الحديث فيه أن القلادة زادت على الثمن، فإذا كانت زادت على الثمن فهي ليست موضع النزاع، فإن ما دل عليه الحديث هذا ممنوع على القولين جميعاً، أما لو فرض أنها أقل من الدنانير ومنعها الرسول ﷺ لكان هذا فصل للنزاع ودليل على أنه لا يجوز أن يكون العوض المفرد مقابلاً بشيئين من جنسين ولو كانت القيمة واحدة.

стр. 1858

ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن فضالة بعد أن اشتراها ذكر ذلك للنبي ﷺ . ومنها: أن الله حافظ دينه ومتممه، وأن الشيء إذا وقع على خلاف ما يرضاه فلابد أن يقيض الله حالاً يبين بها ما يرضي الله ، وجه ذلك: أن هذا ذكر ذلك للرسول ﷺ بعد أن أتم العقد وإلا لو سكت ما كان هناك شيء بالنسبة للرسول ﷺ وإن كان إقرار الله يدل على رضاه به. ومن فوائد الحديث: أن ما وقع على وجه فاسد وجب ردة لقوله: "لا يباع حتى تفضل"، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان عالماً أو جاهلاً فلو عقد عقداً فاسداً وهو جاهل فإن العقد لا يصح، ولكن لا يؤاخذ الإنسان بهذا العقد إذا كان جاهلاً لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ومن فوائد الحديث: سد الذرائع الموصلة إلى الربا مما يدل على أن الربا أمره عظيم، وأن الشارع سد كل ذريعة تؤدي إلى الربا، وإلا فمن الجائز أن يقال: إن القيمة تعتبر واحدة؛ لأن الذهب المصوغ دون الذهب غير المصوغ. بيع الحيوان بالحيوان: ٨٠٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة». رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن الجارود. في الحاشية أن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة ولا يصح سماعه منه. هذه المسألة في الحديث يقول: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» أي: مؤخرا بدون قبض، والحيوان عرفاً هو البهيمة، ولا يطلق على الإنسان حيوان، وما ذهب إليه المناطقة من وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق فهو اصطلاح، وإلا فإن العرف ما ذكرنا وأظن اللغة العربية كذلك لا تجيز أن الإنسان حيواناً، وقوله: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» أي: في حال حياتهما وأما بعد الذبح فإنه لا يسمى حيواناً وإنما يسمى لحماً. ففهم من هذا الحديث: تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مثل: أن يبيع الإنسان بعيراً ببعير بدون قبض، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون البعيران من جنس أو من جنسين مثل: أن يبيع بعيراً ببقرة أو بعيراً ببعير، ولكن هذه المسألة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال:

стр. 1859

الحيوان بالحيوان- أي: من جنسه- كبيع البر بالبر، أما إذا كان من غير الجنس فإنه لا بأس بيعه به نسيئة، مثل: أن يبيع بقرة ببعير أو بقرة بثلاث شياه أو أربعة أو ما أشبه ذلك، قالوا: لأنه إذا كان لا يجري الربا في بيع الجنس بغير جنسه في الطعام ففي الحيوان من باب أولى؛ لأن الحيوان لا يكال ولا يوزن فليس فيه علة ربا النسيئة، وإذا قلنا بأن الحديث ليس بصحيح وأنه منقطع فإنه يجوز أن يباع الحيوان بالحيوان نسيئة، كما يجوز بيع الحيوان بالحيوان مقبوضاً غير مؤخر، وسيأتي -إن شاء الله- في حديث ابن عمرو أن الرسول ﷺ أمره أن يجهز جيشاً فنقدت الإبل، فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة، فإن هذا الحديث فيه التفاضل مع النسيئة. من فوائد الحديث: إذا صح النهي عن بيع الحيوان بالحيوان بدون قبض، وجواز بيع الحيوان بالحيوان مع القبض، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكونا متساويين كبعير ببعير أو أحدهما أكثر من الآخر كبعير ببعيرين. بيع العينة: ٨٠٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقالٌ. - ولأحمد: محوه من رواية عطاءٍ، ورجاله ثقاتٌ، وصححه ابن القطان. "تبايعتم" يعني: أوقعتم عقود البيوع، وسمي هذا العقد مبايعة؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه إلى الآخر ليسلمه العوض، فالمشتري يمد باعه إلى البائع ليسلمه الثمن، والبائع يمد باعه إلى المشتري ليسلمه المثمن. وقوله: "بالعينة"، العينة على وزن فعلة من العين، وهو الورق أو الذهب أو النقد عموماً، والمراد بالعينة: أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، سواء كان هذا الشيء ربوياً أو غير ربوي، مثال ذلك: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى مدة سنة ثم عاد فاشتراها منه نقداً بخمسة عشر ألفاً، فإن هذا بيع عينة، وسمي بذلك؛ لأن المشتري لم يرد السلعة وإنما أراد العين، أي: النقد لينتفع به، ودليل ذلك أنه اشتراها بثمن زائد مؤجل ثم باعها على من اشتراها منه، فكأنه لم يقصد هذه السلعة، وإنما قصد الثمن -الدراهم- فلهذا سمي بيع عينة، هذا بيع

стр. 1860

محرم؛ لأنه رتبت عليه عقوبة، وإنما كان بيعاً محرماً؛ لأنه وسيلة إلى الربا بحيلة، والحيل لا تبيح المحرمات ولا تسقط الواجبات. الوصف الثاني: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"، وهاتان الجملتان متلازمتان؛ لأن قوله: "أخذتم أذناب البقر" يعني: للحرث عليها، فإن الحارث على البقرة يكون وراءها يسوقها فيأخذ بذنبها ويسوقها، "رضيتم بالزرع" يعني: زرع الأرض التي حرثتم بها على هذه البقر، "وتركتم الجهاد" يعني: لم تجاهدوا في سبيل الله لا بأموالكم ولا بأنفسكم ولا بألسنتكم، ركنتم إلى الخلود ولم تتحركوا لنصرة دين الله، والغالب أن هذا ملازم لهذا، يعني: أن الذي ينهمك في طلب الدنيا ويتحيل في الحصول عليها حتى بما حرم الله الغالب أنه يترك الجهاد، لأن قلبه اشتغل عنه. قال إذا حصل هذه الأربع: "سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" يعني: ضربكم بذل، والذل ضد العز، صرتم أذلة أمام الناس، حتى ترجعوا إلى إقامة الدين على الذي يرضاه الله ، لأن الإنسان لا يخرج بهذه الأوصاف عن الإسلام، لكنه يخرج عن كمال الإسلام. هذا الحديث فيه الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات الأربع. ففي هذا الحديث فوائد: الأولى: تحريم بيع العينة وهي كما ذكرت لكم أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، مثل أن يبيع سيارة بعشرين ألفاً ثم يشتريها من مشتريها بخمسة عشر ألفاً نقداً، هذا عينة، فإن اشتراها من غير مشتريها، يعني: بأن باعها الذي اشتراها منه ثم اشتراها الأول من المشتري الثاني، فإن هذا ليس من العينة؛ لأنه ليس فيه حيلة، إلا أن يكون هناك موافقة بأن يقول البائع الأول للمشتري: بعها على فلان فأشتريها منه، فإن الحيلة لا تنفع فإن باعها بعد أن تغيرت صفتها ثم اشتراها البائع بأقل مما باعها به بعد تغير الصفة فهل هذا جائز؟ ينظر في النقص إن كان في مقابل ما نقص من قيمتها التي باعها به فإن هذا لا بأس به مع أن الورع تركه لئلا ينفتح الباب، مثاله: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة ثم حصل عليها حادث فنقصت قيمتها خمسة آلاف فاشتراها بخمسة عشر ألفاً فهل يجوز هذا؟ يجوز، لكن مع ذلك الأروع والأحوط تركه لئلا يكون ذلك زريعة إلى بيع العينة، فإن اشتراها بأقل من نقص السعر لا لفوات صفة فالظاهر أن ذلك لا يجوز، يعني: كانت تساوي عشرين ألفاً لكن نزل السعر فاشتراها بقدر ما نزل فقط، لا بالفرق بين النقد والمؤجل، فالظاهر أن ذلك لا يجوز وإن اختلف السعر؛ لأن ذلك حيلة، فإن اشتراها بمثل ما باعها به فهذا لا بأس به؛ لأنه من الجائز أن يبيعها علي بعشرين ألفاً إلى ستة وهي تساوي خمسة عشر ألفاً، ثم
следующие страницы →