Полный текст (3 515 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
هو المتعين التقسيم الذي في الآية، فالله ذكر طهارتين موجبين للطهارة، فالطهارتان: المائية والترابية، والموجبان للطهارة: الحدث الأصغر، والحدث الأكبر.
﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأصغر ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ هذه طهارة مائية في الحدث الأكبر ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦].
قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ ﴿فتيمموا﴾، لكن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، "أو" هنا بمعنى "الواو" يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، جاء أحد منكم من الغائط هذا موجب للطهارة الصغرى، ﴿أو لمستم النساء﴾ هذا موجب للطهارة الكبرى، لو قلنا: "لامستم النساء"، يعني: انتقض الوضوء بمس المرأة لكان الذي ذكر في الآية موجبا واحدا مكررا، وحذف منها موجب آخر لابد من ذكره حتى تكون الآية دالة على الحدث الأصغر والأكبر، ثم نقول: والدليل الآخر أن الله تعالى يعبر عن الجماع بالمس كقوله ﵎: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أي: تجامعوهن؛ فتبين بهذا أن المراد بالملامسة الجماع، ذكرنا أن قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ بمعنى: وجاء فهل هناك شاهد بأن "أو" تأتي بمعنى "الواو"؟
الجواب: نعم، ومنه قول النبي ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
فقوله: "سميت به نفسك، أو أنزلته" بمعنى: وأنزلته في كتابك؛ لأن ما سمى الله به نفسه إما أن يكون نازلا في الكتاب، أو علمه الله أحدا من خلقه عن طريق الوحي، فثبت بالسنة، أو استأثر به في علم الغيب عنده. فتبين أن "أو" تأتي بمعنى الواو في اللغة العربية، وعليه فنقول: إذا قبل الرجل امرأته وهو على وضوء لشهوة ولو مع انتصاب ذكره، فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بمذي أو غيره فينقض بالحدث، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
стр. 212
خروج الريح:
٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه مسلم.
قوله ﷺ : "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا" يعني: شيئا من الحركة التي هي الريح، "فأشكل عليه" أي: شك، "أخرج منه شيء أم لا"، المراد بالشيء هنا: الريح، "أم لا؟ فلا يخرجن" قال: "أم" وهذا هو الأفصح ويجوز أن يحل محلها أو "أو لا" ولكنها إذا جاءت بمثل هذا التركيب فالأولى "أم". "فلا يخرجن من المسجد" لماذا؟ ليتوضأ وليس المعنى لا يخرجن من المسجد لأن من أحدث حرم عليه البقاء في المسجد لكن فلا يخرجن من المسجد ليتوضأ. "حتى يسمع صوتا"، إن كان الخارج له صوت، "أو يجد ريحا" إن لم يكن له صوت؛ لأن الخارج من الريح إما أن يكون له صوت مسموع، وإما أن تكون له رائحة، وإما أن يجتمع الأمران، وإما أن يعدم الأمران لكن يتيقن الإنسان، كرجل لا يشم ولا يسمع فإنه إذا تيقن أنه خرج انتقض وضوؤه وإن لم يسمع ولم يشم. هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا شك في الحدث وهو على طهارة فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الطهارة متيقنة والوضوء باق والحدث مشكوك فيه، ولا يترك اليقين بالشك. هذه قاعدة، يعني: أخذ العلماء من هذا الحديث قواعد:
منها: أن اليقين لا يزول بالشك.
ومنها: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
ومنها: أن اليقين يزول باليقين الطارئ عليه؛ لقوله: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الدين الإسلامي يريد من أهله أن لا يبقوا في قلق وارتباك وريب؛ لأن الإنسان إذا مشى على هذه القاعدة استراح لكن إذا صدع للأوهام والوساوس تعب فنحن نقول: استرح لو شككت وأشكل عليك فالأصل بقاء الطهارة.
ومن فوائد الحديث: أنه لو غلب على ظنه أنه أحدث فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الرسول ﷺ علق وجوب الوضوء بأمر متيقن وهو سماع الصوت، أو الرائحة، أما ما سوى ذلك فلا، وعلى هذا فلا يعمل هنا بغلبة الظن، يعني: لو أشكل على الإنسان أخرج منه شيء، سواء ريح أو بلل في رأس ذكره، أو بلل في حلقة الدبر، أو ما أشبه ذلك، وأشكل عليه وغلب على ظنه أنه خارج فلا يلتفت إليه حتى يتيقن.
стр. 213
ومن فوائد هذا الحديث: أن المساجد ليست محلا للوضوء وأن العادة في عهد النبي ﷺ أنه لا وضوء في المساجد لقوله: "فلا يخرج من المسجد" يعني: ليتوضأ، لكن إذا أعد مكان للوضوء في المسجد ولم يحصل به أذية على أهل المسجد فلا بأس أن يتوضأ فيه، أما إذا لم يكن هناك مكان معد مثل أن يأتي عند البرادة التي في وسط المسجد مثلا فيتوضأ فليس ذلك بجائز؛ لما في ذلك من تلويث المسجد، إما من هذا الرجل، أو من يقتدي بهذا الرجل؛ ولأن الماء الذي في البرادة إذا سحبه الإنسان سوف ينقص التبريد لاسيما في أيام الصيف فيكون هذا استعمالا للماء في غير ما وقف له.
إذن إذا شك المتوضئ في انتقاض وضوئه هل يعمل بهذا الشط؟ لا يعمل، وهل هو آثم إذا لم يلتفت إليه؟ لا، يل هذا هو السنة وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يسير عليه.
هذا الحديث بنى عليه العلماء مسائل كثيرة في الطلاق، وغيره، يعني: لا يخلو باب من الفقه إلا ويمكن أن تجد فيه لهذا الحديث فرعا، فمن ذلك لو قال قائل: إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق وهو لا يرى الطير ولا يدري ما هو أتطلق؟ لا، لماذا؟ لأننا شككنا ما ندري هذا الطائر فإذا شككنا فالأصل عدم الطلاق، ولا يقال إن الورع أن تطلق لأن هذا ليس هو الورع، الورع أن تلتزم بالسنة.
لو قال هذا الذي شك في الحدث اطرد الشط باليقين وسيحدث هل هذا بدعة أو سنة؟ هذه بدعة؛ لأن الرسول ﷺ وجهك إلى شيء غير هذا؛ لأن بعض الناس إذا شك في انتقاض وضوؤه ذهب ينقض وضوءه عمدا زعما منه أنه سوف يستريح، وليس كذلك لن يستريح الشيطان متى غلب عليه حتى فعل مثل هذا الفعل، فلن يستريح وكذلك في الطلاق بعض الناس يكون عليه الوسواس، ثم يشك هل طلق زوجته أو لا، فيقول: أستريح وأطلقها، وهذا غلط بل الراحة اتباع السنة وهو البقاء على الأصل.
أسئلة:
- لماذا أتى المؤلف بحديث عائشة؟ ليبين أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
- وهل الأمر يحتاج إلى ذلك؟
- ما حكم مس المرأة أينقض الوضوء أم لا؟ لا.
- لو استدل بقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ هل نوافقه؟ لا.
- هل لتفسير ابن عباس ما يؤيده من القرآن؟
- حديث أبي هريرة: "إذا وجد أحدكم في بطنه .. إلخ" ذكر العلماء أنه أصل أصيل في مسائل كثيرة من العلم منها؟
-
стр. 214
إذا شك الإنسان في نقض الوضوء لتعارض الأدلة كيف يمكن أن نعرف الحكم من هذا الحديث؟
- قوله ﵊: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" فإذا كان الرجل لا يشم ولا يسمع وشك أنه خرج منه ريح فماذا يصنع؟
مس الذكر:
٦٦ - وعن طلق بن علي ﵁ قال: "قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ فقال النبي ﷺ : لا، إنما هو بضعة منك". أخرجه الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: "هو أحسن من حديث بسرة".
"طلق بن علي" يروي عن رجل أنه قال للرسول ﵊: "مسست ذكري"، فأضاف المس إلى نفسه، والمس لابد أن يكون مباشرة، فأما مع الحائض فليس بمس لوجود الحائل الذي يحول، وقوله: "مسست" الغالب أن المس إنما يطلق على المس باليد، والمعنى: "مسست ذكري"، أو قال: "الرجل يمس ذكره"، يعني: بيده، وقوله: "في الصلاة" يعني: حال كونه في الصلاة، وهذا يوجد إشكالا وهو أنه كيف يمكن أن يمس الإنسان ذكره وهو يصلي؛ لأن عليه لباس، عليه قميص وسراويل كيف يمس؟ نقول: لا إشكال، ما دمنا عرفنا أن المس في اللغة العربية إنما يكون مباشرة وبدون مباشرة لا يكون مسا، وإنما مس الحائل حينئذ يزول الإشكال، فالإنسان مثلا وهو يصلي ربما يحتاج إلى مس الذكر مباشرة فيمسه، وما دام يمكن أن ينزل المعنى اللغوي على الواقع فإنه يزول الإشكال، "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه الوضوء، واعلم أن كلمة "على" من أدوات الوجوب، يعني: "يجب" من أدوات الوجوب، "يلزم" من أدوات الوجوب، "عليه كذا" من أدوات الوجوب وإن كانت ليست بصريحة فيه لكنها ظاهرة في ذلك.
وقوله: "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه أن يتوضأ، فقال النبي ﷺ : "لا" أي: لا يجب؛ فالسؤال الآن عن الوجوب، والجواب على نفي الوجوب، يعني: لا يجب، وعلى هذا لا يمنع أن يكون مستحبا، ولكن سننظر الحديث الذي بعده إن شاء الله.
قال: "إنما هو بضعة منك"، هذا تعليل للحكم وهو انتفاء الوجوب، كأن سائلا سال: لماذا لا
стр. 215
يجب؟ قال: "إنما هو بضعة منك"، "بضعة" يعني: قطعة من الإنسان كسائر الأعضاء كاليد والرجل، والأصبع والأذن، وما أشبه ذلك، فهل إذا مس الإنسان أذنه ينتقض وضوؤه؟ لا، إذن إذا مس ذكره لا ينتقض الوضوء؛ لأنه جزء منه، وهذه العلة علة لا يمكن زوالها أبدا ولا تشكل على أحد، يعني: لا قال: إن هذه علة وصفية يمكن أن يجادل فيها، هذه علة محسوسة أن الذكر بضعة من الإنسان فإذا كان الإنسان إذا مس بقية أعضائه لا ينتقض وضوؤه فكذلك إذا مس ذكره.
ففي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز السؤال عما يستحيا منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وجهه: إنه سأل عن مس الذكر، فإن هذا يستحيا منه، ولكن دعت الحاجة إلى ذلك من أجل أن يبين للمفتي الأمر على حقيقته، ولابد أن يبين الأمر على حقيقته.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مس الذكر لا يوجب الوضوء لقوله ﷺ : "لا" و "لا" جواب يفيد النفي.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يذكر الحكم وعلته، وذلك في قوله: "إنما هو بضعة منك"، ونأخذ منه فائدة تترتب على ذلك: أنه ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء أن يذكر الدليل أو التعليل ليطمئن السائل، لاسيما إذا وجده قد استغرب الحكم أو استنكره؛ فإنه حينئذ يتعين أن يبين له مآخذ الحكم ليأخذ الحكم عن اقتناع؛ لأن كثيرا من الناس إذا سأله العامي قال: هذا حرام، أو هذا حلال ويمشي، لكن إذا شعرت أن الرجل لم يقتنع، وأنه استغرب الحكم فعليك أن تبين الدليل، والمؤمن يقتنع بالدليل؛ ولهذا تحس دائما أن الرجل إذا سألك عن مسألة، ثم أفتيته بها ورأيت أنه ليس بقابل إلى ذلك الحد، ثم قلت: إن الرسول ﵊ قال كذا؛ تجده يسفر وجهه ويقتنع تماما، وهذا أمر قد يغفل عنه كثير من الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه إن مس الذكر على وجه آخر يخالف مس بقية الأعضاء فله حكم آخر، وذلك إذا مسه لشهوة، فإنه إذا مسه لشهوة لا يكون كبقية الأعضاء؛ لأن بقية الأعضاء لا يمكن للإنسان أن يمسها بشهوة، لكن الذكر يمكن أن يمسه لشهوة؛ فعليه نقول: إذا مس الذكر مسا ليس على مس الأعضاء العادي وجب عليه الوضوء؛ لأن النبي ﷺ نفي الوجوب وعلل، وهذه علة منصوصة، وعلة لا يمكن أن تعتل أو تزول، "إنما هو بضعة منك"، وعليه فإذا مسه على وجه الشهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهذا هو الصحيح أن مس الذكر إن كان لشهوة انتقض به الوضوء، وإلا فلا.
فإن مسه غيره فهل ينتقض وضوؤه؟ أي: الممسوس. الفقهاء يقولون: لا ينتقض وضوؤه،
стр. 216
ولكن إذا رجعنا إلى العلة قلنا: إنه ينتقض، كرجل مست امرأته ذكره وحصل شهوة، العلة واحدة؛ وربما يكون إثارة شهوته بمسه امرأته أشد من إثارة شهوته بمسه هو.
٦٧ - وعن بسرة بنت صفوان ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ". أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان.
- وقال البخاري: "هو أصح شيء في هذا الباب".
"من" شرطية تفيد العموم، وقوله: "مس ذكره فليتوضأ" اللام في قوله: "فليتوضأ" لام الأمر فيفيد فوائد؛ منها: أن الرجل إذا مس ذكره فإنه مأمور بالوضوء لقوله: "فليتوضأ".
قوله: "من مس ذكره" ظاهره أنه لا فرق بين أن يمسه لشهوة أو لغير شهوة، وبين أن يمسه عمدا أو غير عمد؛ لأن الإنسان ربما يمس ذكره عن غير عمد، أما إذا أراد أن يرفع إزاره أو يرفع سراويله فمسه عن غير عمد فظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يقصد ذلك أو لا.
وقد يقال إن قوله: "من مس" ظاهر في أن المراد: تعمد المس، لكن الفقهاء الحنابلة ﵏ يقولون: إنه إذا مس ذكره ولو عن غير قصد فإن وضوءه ينتقض.
وقوله: "من مس ذكره" ولم يقل: من مس الذكر، فيقتضي أنه إذا مس ذكر غيره لا ينتقض وضوؤه، كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
وقوله: "فليتوضأ" لم يذكر إلا الوضوء، فلا يجب الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء إنما يجب من بول أو غائط.
في هذا الحديث فوائد منها: أن من مس ذكره فإنه مأمور بالوضوء مطلقا لشهوة أو لغير شهوة، عن عمد وعن غير عمد، لكن كما ذكرنا آنفا أن الظاهر أن المراد العمد.
وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ اختلف العلماء ﵏ في هذا القول؛ فقيل: إن ألأمر للوجوب: وقيل: إن الأمر للاستحباب لم يكن بينهما تعارض، فهل نقول في الجمع بينهما: الأمر في حديث "بسرة" للاستحباب، ونفي الوجوب في حديث "طلق" لا يعارض ثبوت الاستحباب، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقالوا: إنه إذا مس ذكره استحب أن يتوضأ سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، ولا يجب سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وقيل: إن الجمع بينهما إذا قلنا الأمر للوجوب أن يحمل حديث "بسرة" على من مسه لشهوة، وحديث "طلق" على من مسه لغير شهوة، والتعليل
стр. 217
يدل على هذا الجمع، ما هو التعليل؟ لقوله: "إنما هو بضعة منك"، فيكون إن مسه هو بشهوة فقد مسه لا على أنه بضعة منه فيجب عليه الوضوء، وإذا كان لغير شهوة لم يجب، لكن إذا قلنا: لا يجب ألا يمكن أن نقول: يستحب؟ الجواب: بلى، نقول: إنه يستحب.
فإذا قال قائل: كيف تقولون إنه يستحب، وأنتم لو أن أحدا سألكم عن شخص مس أذنه أيستحب أن يتوضأ؟ قلنا: لا؛ إذن لماذا؟
نقول: احتياطا لأن هذا - أعني: مس الذكر- ورد الأمر فيه بالوضوء بخلاف مس الأذن.
وعلى هذا فيكون خلاصة القول: إن مسه لشهوة وجب عليه الوضوء، وإن مسه لغير شهوة لم يجب عليه الوضوء، لكن يستحب احتياطا، وحينئذ نكون جمعنا بين الحديثين، ولا نحتاج إلى الترجيح؛ لأن ابن المديني ﵀ يرى أن حديث "طلق" أرجح من حديث "بسرة"، والبخاري يقول: "إنه أصح شيء في هذا الباب". ولا يخفى أن البخاري ﵀ اطلع على حديث "طلق"، ولكن يرى أن هذا أصح شيء في هذا الباب، ونقول: لا حاجة إلى الترجيح ما دام الجمع ممكنا.
بقي علينا "مس الأنثيين"، هل ينقض الوضوء؟ الجواب: لا، حتى وإن كان لشهوة فإنه لا ينتقض الوضوء، أيضا من مس ذكر غيره فهل ينتقض وضوؤه؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وظاهره ولو لشهوة كما لو مست المرأة ذكر زوجها لشهوة لكن هنا ينبغي الوضوء.
مسألة: لو أن المرأة تطهر طفلها الصغير من النجاسات وغيره هل ينتقض وضوؤها؟ لا ينتقض؛ لأنها قطعا لم تمسه لشهوة، ثم هي مست ذكر ابنها فلا يدخل في هذا الحديث.
أيضا مسألة: لو أنه مس الدبر فهل ينتقض وضوؤه؟ لا ينتقض، لكن في بعض ألفاظ الحديث: "من مس فرجه"، وعلى هذا اللفظ نقول: إنه يستحب الوضوء من ذلك ولا يجب.
القيء والرعاف والقلس:
٦٨ - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "من أصابه قيء أو رعاف، أو قلس أو مذي؛ فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم". أخرجه ابن ماجه، وضعفه احمد وغيره.
стр. 218
أولا: نسأل لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث مع أنه ضعيف مخالف للأصول؟ نقول: أتى به ﵀ ليبين حاله - حال هذا الحديث- وأنه ضعيف؛ ولأن بعض العلماء أخذ به، فأتى به ليبين مرتبة هذا الحديث وحاله، وأن من أخذ به فهو قد بنى على حديث ضعيف.
قوله: "من أصابه قيء" القيء خروج الطعام أو الشراب من المعدة، "أو رعاف" خروج الدم من الأنف، "أو قلس" خروج الطعام أو الشراب من المعدة، ولكن ملء الفم فقط؛ يعني: ليس بكثير، "أو مذي" هو الماء الذي يخرج عند الشهوة، وسبق الكلام عليه، "فلينصرف" من أي شيء؟ من المسجد، لكن الحديث يدل على أن المصلي ينصرف من الصلاة، قال: "فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته"، فهذا الرجل الذي أصيب بهذه الأشياء وهو يصلي نقول: انصرف توضأ، وابن على صلاتك، ولكن لا تتكلم لأنك لو تكلمت بطلت الصلاة، لكن هذا الحديث - كما قال ابن حجر ﵀ ضعفه أحمد، [في الحاشية] عندي ضعفه الشافعي، والداقطني؛ لأن رفعه إلى النبي ﷺ غلط والصواب إرساله. هذا الحديث ضعيف من حيث السند، وأيضا ضعيف من حيث المتن؛ لأنه مخالف لأصول الشريعة.
فإذا قلنا: إن هذه الأشياء الأربعة نواقض للوضوء، فكيف يصح بناء آخر الصلاة على أولها مع وجود ناقض، هذا لا يمكن، والرسول ﵊ قال في حديث أبي هريرة إنه إذا سمع صوتا أو وجد ريحا ماذا يجب عليه؟ يجب أن ينصرف ويتوضأ، فيكون هذا الحديث مخالفا له.
ثانيا: من منكرات هذا الحديث أنه قال: "وهو في ذلك لا يتكلم". فيقال: سبحان الله!
الحدث لا يبطل الصلاة والكلام يبطل أيهما أهون؟ الكلام، ولهذا لو تكلم الإنسان جاهلا في صلاته أو ناسيا فصلاته صحيحة، لكن لو أحدث ناسيا بطلت صلاته.
على كل حال: هذا الحديث لا يصح، وإذا لم يصح لم يبن عليه حكم، فلنرجع إلى هذه الأشياء.
هل " "القيء" ينقض الوضوء؟ الصواب: لا، قل أو كثر، وذلك لعدم الدليل الصحيح على نقض الوضوء به، ولا فرق بين أن يتقيأ الشيء وهو بحاله، يعني: الآن أكل أو شرب ثم تقيأ والطعام لم يتغير والشراب لم يتغير، أو كان قد تغير بأن أخذ مدة ثم تقيأ فإنه لا ينقض وضوءه لا القليل ولا الكثير، ولا المتغير ولا غير المتغير.
"الرعاف" مثله نقول: لا ينقض الوضوء حتى لو كثر. فإن قال قائل: أليس جاء في الحديث: أن الرجل إذا أحدث في صلاته خرج من الصلاة ووضع يده على أنفه كأنه أرعف، ألا يدل هاذ على نقض الوضوء بالرعاف؟ فالجواب: لا، لكن من المعلوم أن الإنسان إذا أرعف وهو يصلي، فإنه لا يتمكن من إتمام الصلاة وحينئذ لابد ان يخرج؛ لأن لا يمكنه إتمام الصلاة
стр. 219
على الوجه المطلوب مع وجود الرعاف؛ وإذا كان نهي أن يصلي وهو يدافع الأخبثين فكذلك هنا سوف يشتغل.
"القلس" نقول: إذا لم ينقض القيء فالقلس من باب أولى.
"المذي" ينقض الوضوء لحديث علي بن أبي طالب ﵁: "توضأ وانضح فرجك" فهو ناقض للوضوء، فصار الثلاثة الأولى: "القيء، والرعاف، والقلس" كلها لا تنقض الوضوء؛ وذلك لأن الأصل بقاء الوضوء وعدم الناقض إلا بدليل صحيح.
حكم الوضوء من لحوم الإبل:
٦٩ - وعن جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلا سأل ﷺ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم". أخرجه مسلم.
هذا يقال فيه ما قيل فيما سبق من جهة السؤال، قال: "أتوضأ من لحوم الغنم" يعني: إذا أكلها، فقال له: "إن شئت" يعني: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ، "أتوضأ من لحوم الإبل"، قال: نعم، يعني: أنه يجب أن تتوضأ، ووجه قولنا: يجب أن تتوضأ؛ لأنه علق الوضوء من لحم الغنم على مشيئته، وهذا يستلزم أن لا مشيئة له في أكل لحم الإبل، وأنه يجب أن يتوضأ.
أسئلة:
- اختلف العلماء ﵏ في حديث طلق، وبسرة اللذين ظاهرهما التعارض، فسلكوا مسلك الترجيح، فهل هذا المسلك صحيح؟ لا، لماذا؟ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع.
- كيف يمكن الجمع؟
- حديث عائشة ذكره المؤلف وقال: إنه ضعفه أحمد فما فائدة ذكره؟ ليبين ضعفه.
- ما الفرق بين القيء والقلس؟
- هل قال أحد بأن القيء والرعاف ينقض الوضوء كثيره دون قليله؟ نعم، فقهاء الحنابلة، والراجح خلافه.
- هل المذي ينقض الوضوء؟
- نكمل حديث جابر قال: "أن رجلا سأل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم"، كلمة "رجل" مبهم لم يعين، وهل الحكم يتوقف على تعين هذا الرجل؟ لا يتوقف، وعلى هذا فلا يضر عدم معرفة الرجل المذكور بعينه؛ لأن المقصود هو الحكم، سأل النبي ﷺ : أنتوضأ من لحوم
стр. 220
الغنم؟ قال: "إن شئت" يعني: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، وهذا يدل على أن من الأعمال ما يجوز فعله؛ ولكن لا يستحب، لكن إن فعله الإنسان فلا حرج عليه؛ لأن كون الرسول ﵊ يضيف هذا الشيء للمشيئة يدل على أن الإنسان إن توضأ لم يؤجر، وإن ترك لم يأثم ولم يؤجر، قال: "إن شئت".
قال: "أتوضأ من لحوم الإبل" قال: "نعم"، "نعم" يعني: توضأ فقوله: "من لحوم"، ولحوم يشمل كل ما يحمله قدم ورجل الحيوان فإنه يسمى لحما، فيدخل فيه لحم القلب، والكبد، والكرش، والأمعاء، وكل ما شمله جلد هذه البهيمة فإنه داخل؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل، واللحم عند ذكر الحل والتحريم أو ترتيب الأحكام يشمل الجميع، قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣]. ومن المعلوم أن لحم الخنزير يشمل جميع ما أدخل جلده من لحم أحمر وأبيض وأمعاء وكرش وكبد وغير ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة منها: حرص الصحابة ﵃ على تعلم العلم؛ ولهذا لا يدعون صغيرة ولا كبيرة يحتاجون إليها في الدين إلا سألوا عنها، ومن تتبع الأسئلة الواردة من الصحابة على النبي ﵊ تبين له أن قول بعض الجهال: إن الصحابة ﵃ لم يتعمقوا في العلم ولا في السؤال عنه قول باطل؛ لكنهم لم يتعمقوا تعمق المتأخرين الذين يضربون الأمثال، ويصورون الصور البعيدة الوقوع، بل الممتنعة الوقوع، الصحابة ﵃ يأتون الأمور بظاهرها ولا يتعمقون، لكنهم موفقون للعلم الصحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لحم الغنم لا يجب الوضوء منه سواء كان نيئا أو مطبوخا/ وجه الدلالة: الإطلاق أن النبي ﷺ لم يفصل، والسائل لم يستفصل، فمن أكل لحم غنم نيئا كان أو مطبوخا لم يجب عليه الوضوء. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال: "توضئوا مما مست النار"؟
قلنا: "بلى"، لكن هذا الحديث ورد ما يدل على أنه ليس بواجب، أعني: الوضوء مما مست النار لقول جابر - أظنه جابرا-: "كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار". وهذا الترك لبيان الجواز، وعليه فيكون قوله: "إن شئت" عاما للحم المطبوخ واللحم النيئ.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المشيئة للعبد، وأن العبد له مشيئة تامة لقوله: "إن شئت"، وفي هذا رد على طائفة مبتدعة مخالفة للمعقول والمنقول والمحسوس ألا وهي الجبرية الذين
стр. 221
يقولون: إن الإنسان ليس له مشيئة، وإنما يعمل اضطرارا لا اختيارا، ولما قيل لهم: إن هذا يستلزم أن يكون الله تعالى ظالما إذا عاقبه على معصية لم يردها، قالوا: إن هذا ظلم لو كان الفاعل يتصرف في غير ملكه، أما إذا كان يتصرف ف ملكه فليس بظلم، وهذا لا شك أن قول باطل؛ لأن الله قال عن نفسه: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقال في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي". وفي هذا دليل على إمكانه لو شاء لظلم لكنه لا يظلم، فدل ذلك على أن قولهم هذا باطل، وأن الإنسان له مشيئة.
ولكننا ننكر قولا آخر مضادا له ألا وهو قول القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل ب‘رادته ومشيئته؛ لأننا نعلم أن إرادة العبد ومشيئته من إرادة الله أي: تابعة لإرادة الله وليست مستقلة، والإنسان يريد الشيء ويعزم عليه ويؤكده ويأتيه مانع من الله إما بصرف الهمة، وإما بوجود مانع خارجي لا يستطيع معه أن يفعل، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
وفائدة القول بأننا نقول أنها تابعة لمشيئة الله: أننا نعلم أن العبد متى شاء شيئا فقد شاءه الله ، فإذا وقع تحقق دون ذلك، أما مجرد مشيئة العبد فالعبد قد يشاء، ومشيئة هذه لا شك أنها من مشيئة الله لكن قد يقع وقد لا يقع؛ لأنه قد تحصل موانع تمنع الإنسان من فعل ما أراد، وفي هذا أيضا دليل على أن الشيء يكون جائزا شرعا فلا يسمى الفاعل مبتدعا، ولكنه لا يطلب من الإنسان، الرسول ﵊ قال له: "إن شئت".
وهذا الذي قلته أنا له دليل، بعث النبي ﷺ رجلا على سرية، فجعل يقرأ لأصحابه ويختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾، فبلغ ذلك النبي ﷺ ولم ينكر عليه. فدل ذلك على أن مثل هذا الفعل لا يسمى بدعة في دين الله ولا يأثم به الإنسان، لكن هل نقول: إنه سنة، وأنه ينبغي للإنسان إذا قرأ في الصلاة أن يختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾؟ لا نقول هذا؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولم يأمر به الأمة، غاية ما هنالك أنه أقر هذا الرجل على هذا الفعل فيكون مباحا.
وكذلك سعد بن عبادة سأله أيتصدق ببستانه ونخله على أمه بعد موتنها؟ قال: "نعم".
لكن هل نقول: إن هذا سنة؟ لا؛ ولهذا لما ذكر النبي ﵊ بر الوالدين بعد موتهما ما ذكر الصدقة؛ ذكر الدعاء والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم، ولم يذكر الصدقة، ولو كانت الصدقة عن الأموات مشروعة بمعنى أنها مطلوبة من المكلف لثبت ذلك بالسنة القولية أو الفعلية، لكن لا نقول لمن تصدق عن والديه: إنك مبتدع، بل نقول: هذا شيء
стр. 222
أقره النبي ﷺ فلا بأس به، ففرق بين أن نقول: هذا سنة مشروع للأمة أن تقوم به، وبين أن نقول: إن هذا لو فعله فاعل فهو جاهل، إذن نأخذ من هذا الحديث، ومن أحاديث أخرى ما قررناه الآن.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من لحم الإبل، لقوله: "نعم".
فإن قال قائل: إن قول الرسول ﵊: "نعم" تعطي الرخصة من وضوء الإبل؛ لأن الرجل سأل أنتوضأ، قال: "نعم"؛ يعني: ليس فيه مانع، هذا مقتضى اللفظ لو قدرناه من منفصل عن الأول أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" يعني: ليس فيه مانع، لكن إذا قارنا قول: "نعم" بقوله في لحم الغنم: "إن شئت" دل ذلك على أن المعنى أنه ليس راجعا إلى مشيئتك، بل يجب أن تتوضأ وهو كذلك، ويؤيده أمر النبي ﷺ بالوضوء من لحم الإبل، فقد أمر بالوضوء من لحم الإبل. فإذا اجتمع هذا وهذا علمنا أنه - أي: لحم الإبل- ناقض للوضوء، وأن من أكل وجب عليه الوضوء، يبقى لنا رأي هل هذا يشمل النيئ والمطبوخ؟ الجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"؟
قلنا: سبحان الله! النسخ لا يمكن أن يقام إلا بشرطين: العلم بالتاريخ، وتعذر الجمع، وهنا لا علم لنا بالتاريخ، ولا يتعذر الجمع؛ لأن الأول ترك الوضوء مما مست النار ناسخ لقوله: "توضئوا مما مست النار". هذا هو الذي يقابل هذا، وكلمة "مست النار" يشمل اللهم لحم الإبل، والغنم، والبقر، والطيور، بل والخبز، لكن الله خفف - والحمد لله- على الأمة، ونسخ هذا، أما أن ينسخ شيئا خاصا فهذا ليس بصواب، فالحديث محكم ثابت.
فإن قال قائل: اللحم هل يشمل اللحم الأحمر، والأبيض، والأسود كالكبد وغير ذلك؟
فالجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هذا خلاف العرف؛ لأنك لو قلت للخادم: خذ هذا اشتر به لحما، وأتى إليك بمصران امتثل أو لا يمتثل؟ لا يمتثل، إذن المصران لا يتصف باللحم، لو أتى إليك بكبد لم يمتثل.
فيقال: الحقائق الشرعية ليست هي الحقائق العرفية، الشاة عندنا في العرف؟ الأنثى من الضأن، وفي الشرع: تشمل الأنثى من الضأن والمعز، والذكر من الضأن والمعز، ففرق بين الحقائق الشرعية والعرفية، والشارع يحمل كلامه على الحقائق الشرعية؛ لأنه يتكلم بلسان
стр. 223
الشارع فيكون شاملا، ثم نقول: هل تقولون إن لحم الخنزير في قوله: ﴿ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣].
خاص باللحم الأحمر؟ فسيقولون: لا، عام، وهذا أيضا مثله عام ولا فق.
ثالثا: نقول لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض أحكامه بحسب أجزائه أبدا، هذا يوجد في الشريعة اليهودية، حرم الله بعض أجزاء الحيوان لظلمهم ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾ [النساء: ١٦٠]. وبين ذلك في قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾ [الأنعام: ١٤٦]. هذه واضحة، حرم كل الحيوان، ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ [الأنعام: ١٤٦]. فهذا حيوان واحد اختلفت أحكامه بحسب أجزائه، لكن في الشريعة الإسلامية لا يمكن، فلو قلنا بما قال به بعض العلماء ﵏ انه لا ينقض من لحم الإبل إلا اللحم الأحمر؛ لزم من ذلك تبعض الأحكام في حيوان واحد، فهذا إذا أكل من الكبد نقول: صل بلا وضوء ما دمت على وضوئك الأول، والثاني الذي أكل من اللحم الأحمر نقول: توضأ وهو حيوان يسقى بماء واحد ويتغذى بغذاء واحد فلا فرق.
فإن قال قائل: يلزم على قياسكم هذا على لحم الخنزير أن توجبوا الوضوء من المرق ومن اللبن.
فالجواب: التزم بهذا بعض العلماء وقال: يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، ومن ألبان الإبل، وهذا اللزوم يدفع الاعتراض الذي اعترض به من منع قياس لحم الخنزير، لكن نقول: إنه قد دل الدليل على أن الوضوء من ألبان الإبل ليس بواجب في قصة العرنيين الذين اجتووا المدينة وأصابهم مرض فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يقل: توضئوا مع أالمقام يقتضي أن يقوله لو كان الوضوء واجبا؛ إذ إنهم قوم جهال بالشريعة يحتاجون إلى بيان فهذا هو الذي منعنا أن نوجب الوضوء من ألبان الإبل، والمرق من باب أولى لا يجب.
فلو قال قائل: إذا أكل شيئا يسيرا كرأس العصفور يتوضأ أو لا؟ نعم يتوضأ، هل يمكن أن نقول: إذا أكل ما يفطر به الصائم توضأ، يعني: ولو يسيرا، يعني: ولو كان خلال الأسنان؟
الجواب: هذا هو الظاهر ما دام أكل شيئا له جرم يصل إلى المعدة فإنه يجب عليه أن يتوضأ.
فإن قال قائل: فهمنا الحكم وسلمنا ورضينا، وقلنا: لله تعالى أن يحكم بما شاء، فهل تلحقون بلحم الإبل لحم البقر؛ لأن كلا منهما يجزئ عن سبع شياه؟
стр. 224
فالجواب: لا، لا نلحقه به؛ لأن هذا حكم خاص في الإبل، فلا نلحق البقر بذلك.
هل تلحقون بذلك اللحم الحرام كما لو اضطر الإنسان إلى أكل لحم خنزير فأكل؟
الجواب: لا؛ لأنه ليست العلة نجاسة لحم الإبل حتى نلحق هذا بهذا، فإن قال قائل: ما العلة إذن؟ نقول: عندنا علة لا لأحد ينكرها وهي أن هذا حكم رسول الله ﵊ هو العلة وهو الحكمة؛ ولهذا استدلت عائشة ﵂ بهذا الدليل نفسه حين سألتها المرأة نقضي الصوم، ولا نقضي الصلاة، قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
إذن الحكم وهو وجوب الوضوء من لحم الإبل يعتبر من الأحكام التعبدية التي ليس للإنسان فيها إلا التسليم والانقياد بقطع النظر عن كونه يعرف أو لا يعرف مع أن بعض العلماء ﵏ أراد أن يستنبط علة هي في الحقيقة عميقة فقال: إنه ثبت أن الإبل خلقت من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة وليس المعنى: أن الشيطان أب لها أو أم لها كقوله: ﴿خلق الإنسن من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. المعنى: أن طبيعته العجلة هذا ايضا مثله خلقت الإبل من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة، وصاحبها يكون عنده الفخر والخيلاء كما قال النبي ﵊: "الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل". هذه الطبيعة التي فيها قد توجب للإنسان أن يكتسب من هذا الفخر والعلو والزهو، والماء يبرد الجسم ويخفف الحرارة ولهذا أمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ لإطفاء حرارة الغضب، فإن كانت العلة هذه فهذه العلة تعتبر كسبا، وإن لم تكن إياها فالعلة أمر النبي ﷺ .
أسئلة:
- في الحديث ما يدل على وجوب الوضوء من لحم الإبل فما هو؟ تخيير النبي ﷺ له في الغنم يدل على النقض في الإبل.
стр. 225
- قررنا أيضا لحم الإبل يشمل جميع ما في جلدها؟ لأن اللحم إذا أطلق يشمل جميع افي البهيمة.
- أوردنا على هذا أنه إذا كان ذلك لزم أن يكون مرقه ناقضا للوضوء، فما الجواب؟ لم يأمر العرنيين بالوضوء من لبن الإبل فكيف بالمرق والأفضل الوضوء.
- هل يشمل اللحم النيئ والمطبوخ؟ نعم. كيف عرفت؟ من العموم.
- لو قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر فما الجواب؟ لابد من شروط النسخ.
حكم من غسل ميتا:
٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه. وقال أحمد: "لا يصح في هذا الباب شيء.
سبق أنا أوردنا على المؤلف ﵀ أنه يورد الأحاديث الضعيفة، وبينا الجواب على هذا؛ لأن هذا الحديث قد يحتج به المحتج فيبين المؤلف أنه لا حجة فيه لضعفه.
يقول ﵊ إن صح عند هذا الحديث: "من غسل ميتا فليغتسل" تغسيل الميت معلوم لنا جميعا أنه فرض كفاية لأمر النبي ﷺ به في حديث الذي وقصته ناقته، فقال: "اغسلوه بماء وسدر". ولأمر النبي ﷺ النساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك". وهل هو عن حدث، قيل بذلك إنه عن حدث، وبناء عليه إذا تعذر غسله يمم، وقيل: للتطهير بدليل قوله: "إن رأيتن ذلك" وعلى هذا القول إذا تعذر تغسيله لكونه محترقا، أو لعدم وجود الماء فإنه لا ييمم؛ لأن الحكمة قد فاتت، ولكن نقول: لا يضر أن ييمم إذا تعذر الغسل.
وقوله: "ميتا" يشمل الصغير والكبير حتى ولو كان طفلا فغسله ثبت في حقه هذا الحكم، وقوله: "فليغتسل" الفاء هنا رابطة للجواب، جواب "من" واللام للأمر "فليغتسل". والاغتسال
стр. 226
معروف وهو - أعني: الاغتسال- أن يعم بدنه بالماء، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الأنف والفم من الوجه.
"ومن حمله فليتوضأ" "من حمله" قيل: من أراد حمله، وأطلق الفعل على الإرادة؛ لأن ذلك مستعمل في اللغة العربية كثيرا مثل قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة﴾ [المائدة: ٦]. يعني: إذا أردتم القيام إليها، وكحديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث". وهذا كثير، فقيل: "من حمله" أي: من أراد حمله "فليتوضأ"، وذلك من أجل أن يكون متهيئا للصلاة عليه، وقيل: من حمله فعلا فليتوضأ، وحمل الوضوء على هذا الوجه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو النظافة، وأيضا "فليتوضأ" أي: فلينظف يده لمباشرتها لحمل الميت لكن هذا فيه نظر؛ لأن يديه وإن حملت الميت وباشرت الميت طاهرة لا تحتاج إلى أن تغسل الأيدي منها.
"أخرجه أحمد والنسائي، والترمذي، وحسنه، وقال أحد: لا يصح في هذا الباب" يعني: باب الوضوء، أو في هذه المسألة؟ الثاني هو المراد؛ يعني: لا يصح في هذه المسألة شيء، وإذا كان لا يصح بطل العمل به؛ لأنه من شرط العمل بالحديث أن يكون صحيحا أو حسنا، وإذا لم يكن صحيحا ولا حسنا فلا يعمل به.
أما فوائد هذا الحديث: ففيه وجوب الاغتسال على من غسل ميتا صغيرا كان أو كبيرا؛ لظاهر الأمر لقوله: "فليغتسل"، لكن نقل بعضهم الإجماع على أنه لا قائل بالوجوب، يعني: على أن العلماء أجمعوا أنه ليس بواجب الاغتسال من تغسيل الميت، وعلى هذا فيكون مستحبا وليس بواجب، لكن هل نقول هذا على تقدير صحة الحديث، أو نقول كما ذهب إليه صاحب النكت أن الحديث إذا كان ليس بحجة - يعني: ضعيف- ما يصل إلى درجة الاحتجاج فإنه يحمل الأمر فيه على الاحتياط والاستحباب، وإذا كان نهيا حمل على الكراهة احتياطا لاحتمال أن يكون حجة.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية تغسيل الأموات لقوله: "من غسل ميتا فليغتسل"، وجه المشروعية: أنه رتب على هذا الاغتسال حكما وشرعيا، ولو كان الاغتسال غير مشروع لم يترتب عليه شيء.
ولكن من يباشر تغسيل الميت؟ الرجل يباشر تغسيل الرجال، والمرأة تباشر تغسيل النساء، إلا الزوجين فإنهما لا بأس أن يغسل أحدهما الأخر، وكذلك الرجل مع سيرته لعموم قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].
стр. 227
وذكر العلماء أن من دون السبع لا حكم لعورته فيغسله الرجال والنساء سواء كان ذكرا أو أنثى.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الاستعداد لفعل العبادة، قبل أن يباشرها على تقدير الذي ذكرنا في قوله: "ومن حمله فليتوضأ".
ومن فوائده: وجوب الوضوء للصلاة على الميت على التقدير الذي ذكرنا أن من حمله - أي: أراد حمله ليصلي عليه فليتوضأ- ولا شك أن الصلاة على الميت لا تصح إلا بوضوء لقوله النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وعموم قوله: "لا صلاة بغير طهور".
حكم مس القرآن بغير وضوء:
٧١ - وعن عبد الله بن أبي بكر ﵀: "أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم:
ألا يمس القرآن إلا طاهر". رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول.
ظاهر العبارة الموجودة عندي - والظاهر أن هذا خطأ من الطابع-: عن عبد الله بن أبي بكر ﵁، ظاهره أن هذا أبي بكر الصديق وليس كذلك، بل هذا عبد الله بن أبي بكر بم محمد بن عمرو بن حزم، وليس أبا بكر الصديق.
عمرو بن حزم: هو جد أبي عبد الله بن أبي بكر، وهذا هو وجه الصلة في كونه نقل الكتاب المكتوب لعمرو بن حزم. قال: "أن الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر"، قوله: "في الكتاب ألا يمسه" يفهم من هذا التعبير أن في الكتاب أشياء غير هذا؛ لأن قوله: "في الكتاب ألا يمس" إذن هناك مسائل أخرى في هذا الكتاب وهو كذلك فيه مسائل كثيرة، وقد ذكره صاحب الإلمام بكماله تاما، فيه مسائل كثيرة في الديات، وفي الزكاة وفي غيرها؛ ولهذا نقل هذا الحديث بالتواتر، واشتهر بين العلماء وقبلوه وفرعوا عليه مسائل كثيرة.
"ألا يمس القرآن إلا طاهر" المراد بالقرآن هنا: ما كتب في القرآن، يعني: المصحف، اللوح، الأوراق، الأحجار؛ لأنه ليس المراد بالقرآن الذي هو كلام؛ إذ إلا الكلام لا يمس ولكنه يسمع، والمراد: ما كتب فيه القرآن من أوراق وأحجار وغير ذلك.
стр. 228
"إلا طاهر" كلمة "طاهر" قال بعض أهل العلم: أي: إلا مؤمنا، واستدل لهذا بقول النبي ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس". وإذا كان لا ينجس لزم أن يكون طاهرا؛ لأن النجاسة والطهارة شيئان متقابلان، وقال بعض العلماء: "إلا طاهر" أي: إلا متوضئ، يعني: طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا بقول الله ﵎ لما ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. فسمى الله الوضوء والغسل والتيمم لمن لم يستطع جعله تطهيرا، وقال تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرهن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وردوا على الآخرين فقالوا: إنه لم يعرف في القرآن ولا في السنة أن يعبر عن المؤمن بالطاهر، وإنما الطاهر وصف وليس يعبر به عنه، وفتش هل يوجد في القرآن والسنة التعبير عن المتقين والمؤمنين بالطاهرين؟ لا يوجد لكن وصف المؤمن أنه لا ينجس، فإذا كان كذلك فإنه يبعد جدا أن يراد بالطاهر هنا المؤمن.
"رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول" المحدثون اختلفوا في وصله وإرساله، لكن شهرة هذا الكتاب وتلقي العلماء له بالقبول وتفريعهم عليه يدل على أن له أصلا صحيحا، وهو كذلك وهذا مما ذكره العلماء في المصطلح مما يتقوى به المرسل إذا تلقي بالقبول فإن نقله بين الناس واشتهاره بينهم يدل على أنه صحيح، وهو كذلك هو صحيح، في هذا الحديث دليل على أن تبليغ الرسالة والشريعة يكون باللفظ المسموع وبالكتاب المقروء، وجه الدلالة: أن هذه طريقة النبي ﷺ تارة يبلغ الرسالة بالقول وتارة بالكتابة.
ومن فوائده: عظمة القرآن، وأنه يجب أن ينزه عن النجس سواء قلنا: إنه من كان محدثا، أو قلنا: إنه من كان كافرا.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء لمس المصحف؛ لقوله: "لا يمس القرآن إلا طاهر" هذا ما رجحناه أخيرا، وإن كنا بالأول نميل أن المراد بالطاهر: المؤمن، لكن بعد التأمل تبين لي أن المراد بالطاهر: الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر.
وهل المراد "ألا يمس القرآن" يعني: القرآن الذي في الأوراق؛ بمعنى: لا يضع يده عليه، أي: على المكتوب دون ما كان من حواشيه وجوانبه؟
الجواب: لا، المراد ألا يمس الذي كتب فيه القرآن كله، وعليه فإذا كتب القرآن بوسط الصفحة فجوانبها تمس؛ أي: لا يمسها المحدث، وإذا كان على المصحف جلدة مقواة فإنه يمسها إن كانت لاصقة به، أما إذا كانت وعاء ينفصل فإنه لا بأس أن يمسها من ليس بمتوضئ.
стр. 229
ومن فوائد هذا الحديث: أن المصحف لا يمسه إلا طاهر سواء كان صغيرا أو كبيرا؛ يعني: فالصغير الذي بلغ ست التمييز لا يمس القرآن إلا إذا تطهر، وقال بعض العلماء: إنه يرخص للصغار في مسه عند الحاجة، فإن الصغار يعطون شيئا من القرآن، إما في اللوح، وإما بأوراق خاصة كأجزاء جزء "عم"، جزء "تبارك"، ويشق أن نلزمهم بالوضوء، ولا شك أنه إذا كان هناك مشقة فإنه لا ينبغي إلزامه؛ لأن من دون البلوغ قد رفع عنه القلم، لكن يؤمرون ولا يلزمون.
فإن قال قائل: ما تقولون فيمن استدل لهذا بقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩].
قلنا: لا دليل في الآية، يتبين هذا بتلاوتها ﴿إنه لقرءان كريم في كتب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ فالضمير هنا يعود إلى أقرب مذكور وهو "الكتاب المكنون"، وإن كان القول بأنه يعود إلى القرآن من حيث إن السياق في القرآن والحكم على القرآن، لكن يضعفه قوله: ﴿إلا المطهرون﴾ وهي اسم مفعول، ولو كان المراد: إلا من تطهر؛ لقال: (إلا المطهرون) أي: المتطهرون، فالآية ليس فيها دليل على ذلك، لكن بعض العلماء استنبط وقال: إنه إذا كان لا يمس الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، فكذلك أيضا المصحف الذي فيه القرآن الكريم، ولكننا لسنا بحاجة إلى هذا الاستنباط الذي قد يبدو بعيدا؛ إذ إن لدينا لفظ الحديث.
٧٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه". رواه مسلم، وعلقه البخاري.
قولها: "كان رسول الله ﷺ يذكر" ذكر العلماء في أصول الفقه أن "كان" إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل على الدوام غالبا، وليس دائما، كان يفعل يعني: باستمرار، وهذا على الغالب وليس على الدائم، والدليل على أنه الغالب أنه ثبت في السنة أن النبي ﷺ "كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية". وجاء في لفظ آخر: "كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين". فلو قلنا: إن "كان" تدل على الدوام دائما لكان في الحديثين تعارض وتناقض، لكن نقول: إنها تدل على الدوام غالبا لا دائما.
قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه" "يذكر الله" يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا: الذكر اللفظي باللسان، وهذا هو الظاهر؛ يعني: أن يقول: "لا إله إلا الله"، ويحتمل أن يكون عاما لذكر القلب، والجوارح، واللسان؛ لأن الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان،
стр. 230
ويكون بالجوارح، الذكر بالقلب هو تذكر الله وعظمته ورجاؤه وخوفه، وخشيته، ومحبته، وتعظيمه، وما أشبه ذلك، هذا ذكر الله بالقلب، وذكر الله باللسان: التسبيح، والتكبير، والتهليل، وما أشبه ذلك، وهو بالمعنى العام يشمل كل قول يقرب إلى الله وذكر الله بالجوارح الركوع، والسجود، والقيام، والقعود في الصلاة، والمشي بالدعوة إلى الله وغير ذلك، فالذكر إذن متعلق بالقلب واللسان والجوارح.
والذي يظهر من حديث عائشة ما يتعلق باللسان؛ أي: أن الرسول ﵊ يذكر الله دائما، وقولها: "على كل أحيانه" يعني: على كل حين يمر به، وهو بمعنى قول القائل: على كل أحواله، يعني: قائما، وقاعدا، وعلى جنبه، كما قال الله ٠ ﵎: ﴿الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١].
هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ في باب نواقض الوضوء ليفيد أنه لا يشترط لذكر الله أن يكون الإنسان على طهارة؛ لأن الرسول ﷺ يذكر الله على كل أحواله، فأما قول النبي ﷺ للرجل الذي سلم عليه ولم يرد ﵇ حتى تيمم، ثم رد ﵇، وقال: "إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر". فهذا من باب الاستحباب، وليس من باب الواجب؛ بمعنى: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طهر، ولكن لو ذكر الله على طهر فلا إثم عليه ولا حرج علي.
يستفاد من هذا الحديث فوائد:
منها: معرفة عائشة ﵂ بأحوال النبي ﷺ ، ويتفرع على هذه الفائدة: أن ما روته عن الرسول ﵊ وعارض ما رواه غيرها فإن روايتها تقدم؛ يعني: أن روايتها مرجحة؛ لأنها من أعلم الناس بحال النبي ﷺ .
ومنها: فضيلة إدامة ذكر الله والاستمرار فيه؛ لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه"، ولا شك أن ذكر الله حياة للقلب بمنزلة الماء تسقى به الثمار، لكن بشرط أن يكون الذاكر ذاكر لله تعالى بلسانه وقلبه.
ومنها: أنه لا يشترط للذكر أن يكون [الإنسان] على طهارة لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه".
فإن قال قائل: هل يشمل ذلك ما إذا كان الإنسان على جنابة؟
فالجواب: نعم، يشمل هذا؛ فيجوز للجنب أن يذكر الله بالتسبيح، والتكبير، والتهليل، وقراءة الأحاديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى من الأقوال إلا ذكرا واحدا وهو القرآن، فالصحيح أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وإن كانت
стр. 231
المسألة فيها خلاف، لكن الصحيح أنه لا يجوز له قراءة القرآن؛ لأن النبي ﷺ "كان لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة". كلمة "لا يحجزه" يعني: لا يمنعه، ولأنه كان يقرئ أصحابه القرآن ما لم يكن جنبا. وهذا يدل على أنه ممنوع أن يقرأ القرآن وهو على جنابة؛ لأن النبي ﷺ يجب عليه البلاغ، ومن البلاغ أن يعلم القرآن، فإذا كان يمتنع من ذلك إذا كان على جنابة، دل هذا على أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن؛ لأنه لا يعارض واجب إلا بشيء واجب تركه، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، أن الذي عليه جنابة لا يقرأ القرآن حتى وإن توضأ، بخلاف المكث في المسجد فيجوز للجنب أن يتوضأ، وأما قراءة القرآن فلا يجوز حتى يغتسل.
بقي علينا يقول: "رواه مسلم، وعلقه البخاري" يقول العلماء: إن الحديث المعلق: ما حذف أول إسناده تشبيها له بالمعلق بالسقف الذي لا يتصل بالأرض، فالحديث المعلق هو الذي حذف أول إسناده، ويطلق - أي: المعلق - على ما حذف جميع إسناده، فإذا قال البخاري مثلا: وقالت عائشة: كان النبي ﷺ ، ماذا نسميه؟ معلقا، وإذا قال البخاري عن شيخ شيخه: قال فلان وساق السند نسميه أيضا معلقا، والمعلق من قسم الضعيف وذلك لعدم اتصال السند، إلا إذا كان المعلق التزم مؤلفه ألا يعلق ما صح عنده، فإننا نقول: إن هذا المعلق صحيح لكن ليس صحيحا على الإطلاق، بل هو صحيح عند معلقه، ثم إن كان من الأئمة المشهورين فإن تصحيحه معتبر وإلا فلا.
هل يتوضأ من الحجامة:
٧٣ - وعن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ احتجم وصلى، ولم يتوضأ". أخرجه الدارقطني، ولينه.
"احتجم" الاحجام: إخراج الدم من الجسم بصفة مخصوصة، ولابد فيه من حذف الحاجم وإلا كان على خطر، الصفة المعروفة في عهد النبي ﵊ وإلى عهد قريب: أن الحاجم يشرط الجلد في موضع معين، ثم يضع عليه قارورة لها أنبوبة صغيرة، ثم يجذب الهواء حتى يفرغ القارورة، ثم يسد فم الماسورة الصغيرة فتبقى القارورة مفرغة من الهواء، وإذا بقيت مفرغة من الهواء لصقت بالمكان، ثم بدأ الدم يخرج، فإذا امتلأت القارورة انتهى التفريغ وسقطت وهي مملوءة من الدم.
стр. 232
والحجامة توع من أنواع الدواء كما ثبت عن النبي ﵊: "إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث" وذكر منها "شرطة محجم". يعني: الحجامة، والحجامة لا شك أنها تخفف البدن، وأن من اعتادها فإنه لا يمكن أن يخف بدنه إلا باستعمالها، وأما من لم يستعملها أصلا فإنه لا يتأثر بعدمها، وكان النبي ﷺ يحتجم أحيانا في رأسه، وأحيانا على كاهله حسب ما تقتضيه الحاجة.
وقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ" يعني: لم يتوضأ للصلاة، وأتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث ليفيد أن إخراج الدم من البدن لا ينقض الوضوء، ومعلوم أن الحجامة يخرج بها دم كثير، لكن هذا الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، دليل ذلك: أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ.
في هذا الحديث فوائد منها: استعمال الحجامة، وهل هو جائز أو مستحب أو حرام؟
نقول: هاذ الحديث يدل على جوازه، فيبقى الأمر دائرا بين أن يكون مستحبا أو أن يكون حائزا على وجه الإباحة؛ يعني: مستوى الطرفين، فنقول: إذا كان الإنسان يحتاج إليه كان مستحبا اقتداء بالرسول ﷺ ، وإذا لم يحتج إليه نظرنا إن كان يضره إخراج الدم كان حراما، وإن كان لا يضره كان مباحا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحجامة لا تنقض الوضوء لقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ"، وهل يقاس عليها ما يخرج من الجروح من الصديد والماء وما أشبه ذلك؟
الجواب: نعم، يقاس عليها وأولى؛ لأن كثيرا من العلماء يقولون: عن دم الآدمي نجس، وإن الصيد الذي يخرج من جروحه ليس بنجس؛ لأنه استحال إلى صديد، وعلى هذا نقول: يلحق بها ما يخرج من الجروح من الصديد والمياه التي تخرج بسبب الاحتراق وما أشبه ذلك.
وهنا سؤال: هل نحتاج على ذكر أن الحجامة لا تنقض الوضوء؟ لا نحتاج؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، والذي يقول: إنها تنقض الوضوء هو المطالب بالدليل، ولكن إذا جاء الدليل مؤيدا الأصل كلن هذا نورا على نور.
فيستفاد من هذا الحديث: أن خروج الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الراجح، وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان كثيرا نقض الوضوء، وإن كان قليلا لم ينقض وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ﵏، ولكن هذا القول مرجوح، والصواب: أن
стр. 233
جميع ما يخرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين أو ما كان قائما مقامه مثل أن يعالج الرجل بعملية يجعل في مثانته أنبوب يخرج منه البول، فهنا نقول: البول الخارج من المثانة عن طريق هذا الأنبوب يكون ناقضا للوضوء، وأما ما خرج - يعني: من غير البول، والغائط- فإنه لا ينقض الوضوء ولو كثر.
حكم الوضوء من النوم:
٧٤ - وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء". رواه أحمد، والطبراني وزاد: "ومن نام فليتوضأ".
- وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: "استطلق الوكاء". وفي كلا الإسنادين ضعيف.
أولا: من الناحية الفنية كان الأجدر بالمؤلف أن يضع هذا الحديث عند الحديث الأول "وكان الصحابة ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم"، لكن لعله ﵀ لم يعثر على هذا الحديث إلا بعد أن كتب الباب فألحقه وإلا فلا يخفى على أي إنسان أن سوق الأحاديث في موضوع واحد أولى من تفريقها.
قال: "العين وكاء السه" "العين": هي الباصرة المعروفة، و "السه" - بكسر الهاء--: الدبر، و"الوكاء": ما يربط به الكيس أو نحوه لئلا يتدفق ما فيه، "فإذا نامت العينان" ولم يقل: إذا نامت العين؛ لأن العين في الأول المراد بها: الجنس فتشمل الواحد والمتعدد، "فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" يعني: انطلق ولم يشعر به الإنسان.
في هذا الحديث: إشارة إلى أن النوم الناقض للوضوء إنما هو ما يستطلق به الوكاء وهو النوم العميق الذي يسترخي به الدبر، وتخرج الريح من غير أن يشعر به الإنسان.
وفيه من الفوائد: أن الريح ناقض للوضوء، وقد جاء ذلك صريحا في قوله ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النوم لا ينقض الوضوء إذا لم يستطلق الوكاء سواء كان من قاعد أو ساجد، أو راكع، أو مضطجع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
٧٥ - ولأبي داود أيضا، عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا". وفي إسناده ضعف أيضا.
стр. 234
يعني: لا وضوء على من نام قاعدا، أو قائما، أو راكعا، إنما على من نام مضطجعا، يعني: على جنبه، أو ظهره، أو بطنه؛ وذلك لأن النائم على وجه الاضطجاع أقرب إلى أن يكون نومه عميقا يحدث ولا يشعر بنفسه، فيقول النبي ﷺ إن صح الحديث- ذكر هيئة يكون بها الحديث أقرب، والقاعدة كما مر علينا أنه إذا نام نوما لم أحدث لم يحس بنفسه فعليه الوضوء وإلا فلا وضوء عليه.
التحذير من الوسواس في الوضوء:
٧٦ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته، فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه البزار. وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد.
في هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم في الصلاة ليفسد صلاته عليه؛ لقوله: "ينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث".
ومن فوائده: إثبات الشيطان لقوله: "يأتي أحدكم الشيطان".
ومن فوائده: بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ حيث يريد أن يفسد عليه عبادته.
ومن فوائد هذا الحديث: التحذير من الوساوس لقوله: "فيخيل إليه أنه أحدث"، وطرد هذه التخيلات أن يستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم فإن الله يعيذه إذا كان ذلك بصدق وإخلاص.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اليقين لا يزول بالشك؛ لقوله: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النصوص قد تأتي مقيدة للشيء بناء على الغالب؛ لقوله: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"؛ لأنه من المعلوم لو كان الرجل أصم لا يسمع أو كان لا يشم فإنه لن يجد ريحا ولن يسمع صوتا، فهل نقول: إن هذا الرجل لو خرج منه الريح يقينا فوضوؤه باق؟ لا، لكن النبي ﷺ رتب على هذا في الغالب، وقد ذكر الأصوليون أن القيد الأغلبي ليس له مفهوم.
стр. 235
٧٧ - ولمسلم: عن أبي هريرة رضي الله عن نحوه.
٧٨ - وللحاكم: عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت". وأخرجه ابن حبان بلفظ: "فليقل في نفسه".
"إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت" هل هو قول يسمع أو وساوس وتخيلات؟
الثاني، وقوله: "فليقل كذبت" يعني: يتكلم لكن في نفسه، لا بلسانه كذبت؛ وذلك من أجل أن يمضي في صلاته.
ففي الحديث من الفوائد ما سبق، وفيه أيضا: أن الإنسان ينبغي أن يلاقي عدوه بحزم وقوة؛ لأن "كذبت" فيها شيء من العنف، والشيطان جدير بأن يعنف معه، ويقال له: "كذبت"؛ لأنه كذوب كما قال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: "صدقك وهو كذوب".
مسائل وفوائد:
الصحيح: أن الحائض تقرأ القرآن؛ لأنه ليس يوجد سنة صحيحة صريحة في منعها، لكن نظرا إلى أن الخلاف فيها قوي لا ينبغي أن تقرا إلا لحاجة إما لكونها معلمة، أو طالبة، أو تخشى النسيان، أو تردده على أبنائها وما أشبه ذلك.
- أشرطة القرآن لا تأخذ حكم المصحف؛ لأنه لم يكتب فيها.
- أيجوز أن يقرأ القرآن على الجنب كمريض مجنب يريد أن يقرأ عليه القرآن؟ فلا بأس.
أسئلة:
- ما معنى نواقض الوضوء؟
- هل الفقهاء ﵏ يعتبرون النواقض مفسدات مبطلات وما أشبه ذلك؟
- إذا شك الإنسان بعد أن علم أنه محدث هل يتوضأ أو لا؟
- النوم ناقض للوضوء هل بمجرده؟
- ما هو الضابط من النوم الناقض للوضوء؟
- رجل أرعف أنفه أينتفض وضوؤه أو لا؟
- رجل أكل من كبد بعير والثاني من كبد شاة أيهما الذي يتوضأ؟
-
стр. 236
هل الأمر بالوضوء من لحم الإبل على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، وما الدليل؟
- المؤلف ﵀ ذكر في نواقض الوضوء أحاديث ضعيفة، فكيف يذكرها مع أنه لا يحتج بها؟
- في حديث عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" ما المراد بالطاهر؟
- ما هو الدليل على أنه نجاسة المشرك نجاسة معنوية؟
- ما هو حل المشكلة في مس الصغار للقرآن؟
- هل حديث عائشة: "كل أحيانه" يدل على قراءة الجنب للقرآن؟
٧ - باب آداب قضاء الحاجة
من حكمة الله أنه جعل لذكره أسبابا حتى يستيقظ الإنسان وينتبه لذكر الله، لأن الإنسان قد تستولي عليه الغفلة وينسى ذكر الله، فيجعل الله تعالى لذكره أسبابا كثيرة: دخول المنزل فيه ذكر، الخروج من المنزل فيه ذكر، لبس الثوب الجديد فيه ذكر، الأكل فيه ذكر، التخلي من الأكل فيه ذكر؛ حتى يكون الإنسان دائما على صلة بالله يذكر الله ﵎، وهذا في الحقيقة إنما يحصل لمن يذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه، فأما الذي يذكر الله باللسان والجوارح دون القلب، فإن هذه الفائدة العظيمة تفوته، أسأل الله أن يوقظنا وإياكم من الغفلة؛ لذلك نجد أن الشارع شرع لنا عبادات حتى عند التخلي من الأكل والشرب فضلا عن الأكل والشرب؛ لأن التخلي عن الأكل والشرب نعمة عظيمة لا يدرك نعمة الله علينا بها إلا من فقدها، لو احتبس بول الإنسان لكان يفدي ذلك بالدنيا كلها، أو احتبس غائطه، أو احتبست الريح لتعب تعبا عظيما، ولسلك كل واد ليصل إلى طبيب لينقذه من ذلك، فنعمة الله علينا بالتخلي من الأكل والشرب لا شك أنها عمة عظيمة، له علينا أن نشكره ﵎ عليها، ثم هذا التخلي هو عن طعام وشراب، طعام وشراب من أين جاء؟ من الله ﴿أفرءيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نخن الزرعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] , الجواب: أنت يا بنا الذي زرعت هذا، ولولا أن الله تعالى زرعه ما نما، قال تعالى: ﴿لو نشاء لجعلنه حطما﴾ [الواقعة: ٦٥]. ولم يقل: لو نشاء لم نخرجه؛ لأنه إذا نما وكمل ولم يبق إلا حصاده ودياسه ثم صار حطاما صار أشد حرمانا وأشد حسرة، وتأمل الآيات لم يقل: لو نشاء لم ننبته أو لم نزرعه، قال: ﴿لو نشاء لجعلنه حطما﴾، يعني: بعد أن يخرج وينمو ويشاهده الإنسان وتتعلق نفسه به يجعله الله حطاما وصدق الله العظيم لو شاء لجعله حطاما، وكم من زروع صارت حطاما بعد أن استكملت ونمت يرسل الله عليها رياحا وبردا من السماء فيتلفها.
الشراب أيضا ﴿أفرءيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩].
стр. 237
الجواب: قال الله ﴿لو نشاء جعلنه أجاجا﴾ [الواقعة: ٧٠]. وإذا جعله الله أجاجا لا يمكن أن نشربه مع أنه بين أيدينا، ولم يقل: لو نشاء لم ننزله؛ لأن كون الماء بين أيدينا ولا نستطيع شربه أشد حسرة مما لم نجده.
فالحاصل: أن نعم الله عليك بالتخلي من الطعام والشراب لابد أن تذكر نعمة الله عليك بتحصيل الطعام والشراب، كم من أناس لم يحصلوا عليه إما قدرا وإما شرعا، حرم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم فمنعوا من ذلك شرعا مع أنها طيبة، ويمرض الإنسان ويقال: لا تأكل اللحم الفلاني، أو الطعام الفلاني فيحرم منها قدرا، فهذه من نعمة الله أن الله يسر الطعام والشراب وأحله لك، ومكنك منه هذه نعم، ولو أردنا أن نعد نعم الله علينا في هذا لبلغ المئات، حتى قيل: إنه لا يمكن أن يوضع الطعام بين يديك إلا والله تعالى فيه أكثر من ثلاثمائة نعمة، ولكننا في غفلة عن هذا، لذلك احتاج العلماء ﵏ إلى أن يذكروا آداب قضاء الحاجة، ومعنى قضاء الحاجة يعني: "التخلي عن الأكل والشرب"، لكن من الأدب في الألفاظ أن يكني الإنسان عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه، وهو إذا كنى بما يدل عليه صار حقيقة فيه، وإلا لو رجعنا إلى جانب قضاء الحاجة ماذا تشمل؟ تشمل الذي يذهب يشتري له طعاما أو يشتري شيئا لأهله، لكن لما اصطلح على هذا التعبير صار حقيقة في البول والغائط، إذن قضاء الحاجة مرادفة لأي شيء؟ للتخلي من الطعام، وهو البول والغائط، له آداب قولية ول آداب فعلية عند الدخول وعند الخروج وعند الجلوس، قال المؤلف:
تجنب دخول الخلاء بشيء فيه ذكر لله:
٧٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". أخرجه الأربعة، وهو معلول.
"كان إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد دخوله "وضع خاتمه" أي: أخرجه من أصبعه ووضعه قبل أن يدخل به الخلاء، وكان النبي ﷺ يتختم إما باليسرى، وإما باليمنى، وذكر بعضهم أن تختمه باليسرى أكثر من تختمه باليمنى، وإنما كان يتختم؛ لأنه ﷺ قيل له: إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوما. فاتخذ خاتما ونقش على فصه "محمد رسول الله" أسفل و "رسول"
стр. 238
في الوسط، و"لفظ الجلالة" فوق، حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم، وإنما اختار ﵊ أن يكون خاتمه خاتما بيده؛ لأنه أحوط له من الضياع وآمن من التلاعب، خصوصا وأنه فيما سبق في عهد الرسول ﷺ أكثر لباسهم إزار ورداء ليس هناك جيوب يضعون فيها الأشياء، فإذا قدر أنه جعله في ردائه وصر عليه ربما يتلاعب به.
ففي هذا الحديث من الفوائد:
أولا: جواز لبس الخاتم، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لبسه ولم ينه عنه.
فإن قال قائل: إذن لماذا لا تقولون: إن لبس الخاتم سنة؟
نقول: لا نقول هذا؛ لأنه لا يظهر في لبسه أدب التعبد، وإنما اتخذه النبي ﵊ لحاجة وهي الختم الرسمي كما يقولون، وعليه فنقول: إذا كان الإنسان ذا قضاء، أو حكم، أو إمرة، أو وزارة أو ما أشبه ذلك سن له أن يتخذ الخاتم اقتداء بالرسول ﷺ ، وكما عرفتم العلة في ذلك، وأما عامة الناس فإنه يجوز لهم اتخاذه، أما النساء فهو من زينتهن؛ ولهذا أبيح لهن التختم بالذهب، والعقيق، والفضة، وأما الرجال فلا يجوز لهم التختم بالذهب، ويجوز لهم التختم بالفضة.
ولكن لو قال قائل: إذا كنا في عصر لا يلبس فيه الخاتم إلا من كان مغمورا في الناس ومخالفا للمروءة؟
فنقول: إذا كنا في عهد هكذا فالأولى عدم لبسه؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للغيبة، أو يعرض نفسه لما يكرهه الناس منه، أو ما أشبه ذلك، الإنسان يجب أن يحمي نفسه عن الأذى والضرر، حتى إن الرسول ﵊ نهى أن يهين الرجل نفسه فيتكلم بما لا يطيق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي الدخول للخلاء بشيء فيه ذكر الله، لأن الرسول ﷺ كان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يخشى عليه لو دخل المرحاض ووضعه أن يسرق كما في المجامع، في المساجد، وفي الحرمين وفي غيرها؟
стр. 239
فالجواب: أن الأمر ليس على سبيل التحريم حتى نقول إن هذا يؤدي إلى حرج الأمر على سبيل الاستحباب، وإنما قلنا: على سبيل الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به ولكن فعله، وفعل النبي ﷺ المجرد يدل على الاستحباب لا على الوجوب، فالحمد لله يخلعه من أصبعه ويجعله في جيبه إن كان له جيب، وإن لم يكن له جيب كما لو كان محرما بحج أو عمرة فليبقه على ما هو عليه ولا حرج.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم ما فيه ذكر الله إلى حد أنه لا يدخل به الخلاء، ومن باب أولى ألا يرمى في الطرقات أو في الأماكن القذرة؛ لأن اسم الله تعالى أعظم الأسماء ولاسيما لفظ الجلالة الذي لا يسمى به غيره، وكذلك الرحمن، ورب العالمين، والملك القهار، مما لا يسمى به غير الله فإنه لا يمتهن.
فإن قال قائل: ما تقولون في دخول المتخلي بالمصحف؟
فالجواب: أن العلماء ﵏ صرحوا بأن دخول المخلي بالمصحف محرم؛ لأن عظمة المصحف أعظم من مجرد عظمة الذكر، يعني: أعظم من عظمة الذكر المجرد، فلا يجوز أن يدخل محل قضاء الحجة بالمصحف.
فإن قيل: لو خاف إذا وضعه أن يسرق؟
قلنا: هذه حاجة فله أن يدخل وهو معه للحاجة.
أسئلة:
- ما المراد بآداب قضاء الحاجة؟
- وما المراد بقضاء الحاجة؟
- لماذا كنوا عن هذا بقضاء الحاجة؟
- لماذا كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه؟
- هل هذا الحديث يدل على تحريم دخول ما فيه ذكر الله؟
- هل يدل على كراهة الدخول بما فيه ذكر الله؟
- هل عدم فعل المستحب يكون مكروها؟
- دعاء دخول الخلاء:
٨٠ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". أخرجه السبعة.
стр. 240
قوله ﵁: "إذا دخل الخلاء" أي: أراد دخوله، والتعبير بالفعل عن النية الجازمة التي يكون الفعل منها قريبا شائع في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨].
أي: إذا أردت أن تقرأ بإرادة جازمة قريبة من الفعل فإنه يطلق الفعل على ذلك فيقول: "إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد الدخول عند دخوله، و"الخلاء" اسم للمكان الذي يتخلى فيه الإنسان، أي: يقضي حاجته، وسمي بذلك؛ لأن الإنسان يخلو به عن الناس ويستتر به عن الناس، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" "اللهم" يقول النحويون إن أصلها: يا الله؛ ولهذا بنيت على الضم "الله"، وأن الميم عوض عن الياء المحذوفة، واختير أن تتأخر تيمنا بالبداءة بذكر اسم الله واختيرت الميم؛ لأنها أدل على الجمع من غيرها، فكأن الإنسان جمع قلبه على ربه فسأله، هذا من حيث تصريف هذه الكلمة، أما معناها فمعناها: يالله، إني أعوذ بك، "أعوذ" أي: أعتصم بك، ويقال: عاذ بالشيء، ولاذ بالشيء، والفرق بينهما: أن العوذ مما يذكره، واللياذ مما يجب، فتقول: لذت بفلان ليقضي حاجتي، وتقول: عذت بفلان من شر فلان مثلا وفلان المستعاذ به حي يستطيع أن يدافع عنك، فصار الفرق بين اللياذ والعياذ: العياذ مما يكره، واللياذ فيما يحب، وعلى هذا قال الشاعر: [البسيط]
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
"أعوذ بك من الخبث والخبائث" هذا المستعاذ منه وفيها وجهان:
الوجه الأول: الخبث. والوجه الثاني: الخبث، أما: الخبائث" فهي وجه واحد، فعلى وجه التسكين يكون المراد بالخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، وعلى وجه الضم الخبث تكون جمع خبيث، ويكون المراد بالخبث: ذكران الشياطين، وبالخبائث: إناث الشياطين، وإذا قارنا بين الوجهين وجدنا أن الوجه الأول أعم وأشمل، وأن الوجه الثاني أخص بالمكان؛ وذلك لأن الخلاء موضع أو مكان الشياطين، فالمساجد بيوت الله ومثوى الملائكة، وأما الخلاء فإنه مأوى الشياطين إذن أيهما؟ أقول: ما دام كل واحد منهما يترجح من وجه فماذا أقول؟ أختار أن نأخذ بالأعم "من الخبث والخبائث"، فإذا أردت أن تدخل الخلاء فقل: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، والمناسبة ظاهرة جدا؛ لأن الخلاء مأوى الشياطين وأهل الشر.
стр. 241
ففي هذا الحديث دليل على فوائد:
منها: أن النبي ﷺ مفتقر إلى الله لا يملك لنفسه أن يدفع عنها، وجه ذلك: أنه استعاذ به؛ أي: بالله .
ومن فوائد هذا الحديث استحباب هذا الذكر عند دخول الخلاء اقتداء بالرسول ﷺ . فإذا قال قائل: وإذا كنت في البر فمتى أقوله؟ نقول: تقوله عند آخر خطوة تجلس عندها إذا أردت الجلوس "اللم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات علم الله ؛ لأنه لا يستعاذ بمن لا علم عنده.
ومن فوائده: إثبات قدرة الله وسلطانه ﵎، وأن قدرة الله وسلطانه فوق كل قدر وسلطان.
ومن فوائد هذا الحديث - لاسيما على وجه ضم الباء-: حكمة الله ؛ حيث كانت الأماكن الخبيثة مأوى للنفوس الخبيثة الشريرة، وهذا من الحكمة المساجد طيبة أحب البقاع إلى الله مأوى من؟ الملائكة الكرام، لكن هذه مأوى الشياطين، أعني: بيوت الخلاء، ففي هذا من الحكمة ما هو ظاهر، ويصدق هذا قول الله ﵎: ﴿الخبيثت للخبيثين والخبليثون للخبيثت﴾ [النور: ٢٦]. وهذا وإن كان في البشر لكن المعنى عام، وانظر الآن إلى الكفار كيف يألفون أخبث الحيوانات وأقذرها وأنجسها وهي الكلاب، الكلاب عندهم تستهلك نصف ما يستهلكون في تنظيف أجسادهم أوانيهم يقولون لي: إنهم كانوا ينظفونها بالصابون وبغير الصابون من المنظفات كل صباح، وهل إذا نظفوها ترتفع نجاستها؟ لا؛ لأن النجاسة عينية، والنجاسة العينية لو طهرت بمياه البحر لم تطهر، لكن سبحان الله الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.
مسألة: لو نسي الإنسان أن يقول هذا الذكر ودخل - هذه مسألة ليس لها علاقة بالحديث- لو نسي فدخل فهل نقول: قل هذا الذكر وأنت في المرحاض، أو اخرج ثم قله ثم ادخل؟ ونظير ذلك لو انه قدم الرجل اليمنى عند دخول الخلاء والمستحب ا، يقدم اليسرى فهل نقول: امض أو نقول اخرج ثم قدم اليسرى؟ فيه احتمال، لكن قد يرجح الإنسان ألا يقول ذلك، أن لا يقول هذا الذكر؛ لأنه سنة فات محلها، وألا يخرج ويدخل، وقد يقال: إن الرسول ﵊ قال فيمن نسي الصلاة "فليصلها إذا ذكرها". فهذا نسي أن يقدم اليسرى عند الدخول فليصحح، نسي أن يقول دعاء الذكر عند الدخول فليصحح، فالأمر واسع إن شاء فعل هذا أو تركه.
стр. 242
الاستنجاء بالماء:
٨١ - وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء". متفق عليه.
قوله: "كان رسول الله يدخل الخلاء". "كان يدخل"، يقول العلماء: إن "كان" إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل على الدوام غالبا لا دائما، ودليل هذا أن السنة وردت بأن الرسول كان يفعل كذا، وكان يفعل كذا، وهما شيئان مختلفان فدل ذلك على أنها ليست للدوام دائما بل غالبا، وقد يسلب عنها معنى الظرفية وتكون دالة على الالتصاق، أي: التصاق اسمها بخبرها، ومن ذلك قوله تعالى في آيات كثيرة: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ٩٦]. فهنا "كان" ليست للدوام غالبا ولا دائما؛ لأنه سلب منها معنى الظرف، وصار المراد: اتصاف الله تعالى بالمغفرة والرحمة دائما، وقول عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ : "كان يقول في كل ركعتين التحية". هل هو دائما؟ نعم دائم، ولا يقال: إنه يرد على هذا أن الوتر ركعة يقول فيه التحية لأنه تقول: "كان يقول في كل ركعتين التحية"، ولم تقل: "في كل صلاة"؛ فخرج الوتر بقيد قولها: "في كل ركعتين".
قوله: "كان يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة" الغلام يطلق على الصغير، وقد يطلق على من بلغ لكنه لا زال صغيرا، وقد يطلق على المستخدم وإن كان كبيرا، ويطلق على المملوك وإن كان كبيرا، فقوله: "وغلام نحوي" هل المراد نحوي في السن أو نحوي في كونه يخدم الرسول ﵊؟ إذا قلنا: إنه ابن مسعود تعين أن يكون المراد بقوله: "نحوي: أي: في خدمة الرسول ﷺ ، ويكون إطلاق الغلام هنا على من كان بالغا من باب التوسط في الكلام، أما إذا كان غيره آخر صغير لم يذكره أنس، فلا إشكال.
وقوله: "إداوة من ماء" معناه: إداوة فيها ماء، و"الإداوة" جلد صغير يوضع فيه الماء، ويكون حمله سهلا ويسيرا ويشبهه ما كان من القطن ويسمى عندنا المطارة؛ فلا أدري هل هذا عندكم، على كل حال: هي إناء صغير يعلق في الكتف ويحمله المسافر على كتفيه؛ لأنه خفيف المحمل، فالإداوة عبارة عن إناء صغير من جلد أو غيره يحمله المسافر على كتفه؛ لأن حمله سهل.
وقوله: "إداوة من ماء" لو قال قائل: كيف قال من ماء، والإداوة تكون من الجلد؟
قلنا: من ماء، أي: فيها ماء، و"عنزة" العنزة يقول في الحاشية: عصا طويلة أسفلها سن كالرمح، وقيل: إنها الرمح القصير، هذه العنزة كان النبي ﵊ يستعملها في
стр. 243
السفر عند قضاء الحاجة ليضع عليها الثوب حتى يستتر به، ويستعملها أيضا عند الصلاة يجعلها سترة له.
في هذا الحديث فوائد:
منها: استخدام الأحرار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلمن استخدم أنس بن مالك وهو حر.
ومنها: منقبة أنس بن مالك ﵁ وذلك لخدمته النبي ﷺ فإن هذه منقبة وفضيلة لأنس ﵁، ومن الذي يحصل له أن يخدم الرسول ﵊.
ومنها: جواز مساعدة الإنسان في طهارته سواء كان ذلك في الطهارة من الخبث كما في هذا الحديث، أو في الطهارة من الحدث كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ حينما كان يصب الماء على النبي ﷺ يتوضأ به.
ومنها: جواز التعاون في خدمة الشرفاء لقوله: "أحمل أنا وغلام نحوي إدازة من ماء وعنزة"،
وهنا نقول: هل التعاون هنا في هذا الحديث أن أحد الرجلين معه الإداوة، والثاني معه العنزة، أو أنهما يتعاقبانهما يأخذهما واحد مرة، والثاني مرة أخرى؟ الظاهر أن الأول أقرب، فيكون قوله: "إداوة من ماء وعنزة" موزعا على الرجلين، وليس المعنى: أن كل رجل يحملهما جميعا.
ومنها: الاستعداد لما ينبغي أن يفعل لقوله: "وعنزة".
ومنها: تأكد السترة في الصلاة وعند التخلي.
ومنها: جواز الاستنجاء بالماء دون الحجارة؛ لأن أنسا ﵁ لم يذكر أنه كان يحمل أحجارا معه، وإنما ذكر أنه كان يحمل الماء، والماء إنما كان ليستنجي به النبي ﷺ ، وعلى هذا فيدل الحديث على جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء، وإن كانت الدلالة فيها شيء من الضعف، لكن هذا هو الظاهر أنهم حملوا هذا ليستنجي به.
ومن السلف من كره الاقتصار على الماء، ووجه كراهته، أن الإنسان إذا استنجى بالماء لزم منه ان يباشر بيده النجاسة، قالوا: ولا ينبغي للإنسان أن يباشر النجاسة؛ لأنها تعلق به، وعلى الأقل يعلق به ريحها، فلا ينبغي أن يفعل؛ لكن الصحيح وأظنه انعقد الإجماع بذلك على الجواز، وهذا هو الصحيح أنه يجوز أن يقتصر الإنسان على الاستنجاء بالماء ويجاب عن ملامسة النجاسة بأن هذه الملامسة لإزالتها وليست لاستبقائها، فهو يماسها من أجل غزالتها، كما نقول في المحرم: إذا سقط عليه طيب وأراد أن يغسله فله أن يمس ذلك بيده؛ لأن مسه بيده من أجل إزالته لا من أجل استبقائه، فلا نلزمه أن يأتي بعود أو نحوه يغسل به الطيب، بل
стр. 244
نقول: له أن يغسل بيده ولا حرج؛ لأن هذا من أجل إزالته، ونظير ذلك لو أن شخصا غصب أرضا ولما توسط منها ندم وتاب، فماذا نقول: تبقى واقفا في مكانك أم له أن يستعمل الأرض في المشي عليها؟ الثاني، ومشيه هنا ليس عليه فيه إثم، وإن كان هو مستوليا عليها بهذا المشي؛ لأن هذا المشي إنما هو للتخلص منها؛ فالصواب: جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء في تطهير الخارج من السبيلين.
استدراك:
حكم لبس الخاتم: بعض العلماء كرهه إلا لحاجة؛ لأنه ورد حديث ضعيف، لكن بعض العلماء قواه وهو أن الرسول نهى عن التختم إلا لذي سلطان. إلا أن العلماء قالوا: إن هذا حديث ضعيف، والصواب أنه مباح وليس بسنة، وصرح بعض العلماء بكراهة لبسه لمن أراد الزينة، يعني: من الرجال ولو كان مباحا، والصحيح: أنه إذا أبحناه فسواء لبسه الإنسان للزينة أو لبسه لمجرد أنه يهوى هذا الشيء لكنهم قالوا: يكره للرجل أن يجعله في السبابة والوسطى، والأفضل في الخنصر والبنصر والإبهام وليس فيه كراهة وليس فيه استحباب، ولكن الخروج عن العادة قد يلحقه بالشهرة وقد نهى النبي ﷺ عن لباس الشهرة.
أسئلة:
- الخبث فيها روايتان ما هما؟
- معناها على لغة السكون؟ معناها على لغة الضم؟
- ما مناسبة الدعاء بهذا عند دخول الخلاء؟
- متى يعبر بالفعل عن إرادته؟ أن تكون الإرادة قريبة وأيضا جازمة من أجل أن يتحقق الفعل.
- قول أنس: "كان النبي يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام" من المراد بالغلام؟
- لماذا يحمل الإداوة والعنزة؟
- هل يؤخذ من الحديث هذا جواز الاقتصار على الماء في تطهير المحل؟
- كره بعض العلماء السابقين أن يقتصر على الماء، فما تعليله وما الرد عليه؟
- ما تقول في محرم أصابه فجعل يغسله بيده أعليه فدية أو لا؟
- هل مثل ذلك إذا كان على رأس المحرم طيب وأراد أن يتوضأ، هل نقول: يجب أن تأتي بشيء لا تباشر فيه الرأس؟ تقول عائشة: "كنت أنظر إلى النبي وعليه وبيص المسك على رأسه".
стр. 245
٨٢ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : خذ الإداوة، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته". متفق عليه.
المغيرة بن شعبة ﵁ كان مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، وكان مصاحبا له، وكان يخدمه في وضوئه واستنجائه فقال له: "خذ الإداوة" ما هي الإداوة؟ الإداوة هي: إناء من جلد صغير يكون فيه الماء، ويشبهه عندنا ما يسمى بالمطارة، وقوله: "خذ الإداوة" من المعلوم أنه إنما أمره ليأخذها من اجل أن يستنجي بالماء ويتوضأ به، "فانطلق حتى توارى عني" توارى؛ بمعنى: اختفى عنه، "فقضى حاجته" يعني: ببول أو غائط، وإنما فعل ذلك ﵊ لا من اجل ستر لعورة؛ لأن ستر العورة واجب ويحصل بأدنى من ذلك، ولكن من أجل أن يبتعد عن رؤيا الناس له على هذه الحال؛ لأن الرجل الحيي الذي فيه الحياء لا يحب أن يراه الناس وهو يقضي حاجته بل يحب أن يبعد حتى لا يروه، وهذا غير نظر العورة؛ لأن نظر العورة أشد من هذا ويأتي الكلام عليه.
في هذا الحديث فوائد منها: جواز استخدام الأحرار، دليله: أن الرسول استخدم المغيرة بن شعبة.
ومن فوائده: أن أمر الخادم بالشيء لا يعد سؤالا مذموما، فقول الرسول للمغيرة: "خذ هذا" أمر ليس سؤالا؛ لأن الخادم يرى نفسه في منزلة دون منزلة المخدوم، فإذا وجه إليه أمر فليس سؤالا، ولكنه أمر.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة المغيرة ومنقبته في خدمة النبي ﷺ ، ولا شك أن هذه منقبة ومزية أن يكون الإنسان خادما للرسول ﵊ لما في ذلك من الشرف العظيم، ومن العلم الذي يكتسبه من خدمته للرسول ﵊.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء؛ إذ لم يأمر المغيرة أن يحمل أحجارا.
فإن قال قائل: ربما تكون الأحجار عنده فلا يحتاج أن يأمره.
قلنا: نعم، هاذ محتمل، لكن إذا نظرنا إلى حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ أمره أن يأتي بأحجار فأتى بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: "إنها رجس". فهذا يدل على أن الرسول ﵊ إذا أراد الاستجمار بالحجر طلب ممن يخدمه أن يأتيه بالحجر.
ومن فوائد هذا لحديث: شدة حياء النبي ﷺ ، والحياء معروف ولا يمكن أن نحده بأوضح من لفظه، فإن الانفاعالات النفسية لا يمكن للإنسان أن يحدها ويعرفها. لو قال قائل: ما
стр. 246
هي المحبة ماذا نقول؟ نقول: ميل الإنسان إلى الشيء، إذا قلت: ميل الإنسان إلى الشيء، فمعناه: أنك عرفت المحبة بأثرها؛ لأن الميل إلى الشيء نتيجة المحبة؛ ولهذا لما ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه "روضة المحبين" تفسيرات للمحبة أظن أنها بلغت العشرين قال: "ولا يمكن أن تحد المحبة بأحسن من لفظها". المحبة المحبة، الكراهة الكراهة، الحزن الحزن، الحياء أيضا لا يمكن أن تحده بأوضح من لفظه، وأما قول من قال: انكسار يأخذ الإنسان عند فعل ما يخجل أو ما أشبه ذلك، فهذا إنما هو آثاره.
إذن نقول: في هذا الحديث شدة استحياء النبي ﷺ أن يرى على صفة مكروهة، من أين تؤخذ؟ "فانطلق حتى توارى عني".
ويؤخذ منه فائدة أيضا: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في برية، وأراد قضاء الحاجة أن يبتعد حتى لا يرى، وما أبعد ما يمشي إذا كان في أرض مستوية.
الأماكن المنهي عن التخلي فيها:
٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا اللاعنين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم". رواه مسلم.
قوله: "اتقوا" أي: احذروا؛ لأن التقوى معناها: اتخاذ الوقاية من محذور، فيكون معنى اتقوا: احذروا، وقوله: "اللاعنين" اسم فاعل، وهل هو على ما اشتق منه، أي: إنه اسم فاعل، أو إنه فاعل بمعنى مفعول؟ يحتمل هذا وهذا، فعلى الأول "اتقوا اللاعنين" أطلق عليه اسم اللاعن؛ لأنه يكون سببا في اللعن، وعلى الثاني يكون بمعنى مفعول؛ لأن اسم الفاعل يأتي بمعنى اسم المفعول كما في قوله: ﴿فهو في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١]. أي: مرضية، على كل حال حتى إذا قلنا: إنها بمعنى اسم مفعول؛ أي: الملعونين؛ فالمراد بالملعون هو الفاعل، ومعنى اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وسئل النبي ﷺ عن اللاعنين، فقال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". "يتخلى"؛ أي: يقضي حاجته ويفرغ ما في بطنه من الأذى، "في طريق الناس"؛ أي: ما يستطرقه الناس، "أو ظلهم" أي: ما يستظلون به، وذلك أن الناس في أيام الصيف يحتاجون إلى الظل فيستظلون عن الشمس بظل الجدران أو الأشجار أو غيرها؛ وذلك لأن الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم لا شك أنه يؤذيهم من عدة أوجه:
أولا: من حيث الرائحة؛ لأن رائحة الخلاء خبيثة منتنة.
стр. 247
ثانيا: من حيث التقزر والتكره؛ لأن الإنسان إذا رأى الخلاء فإنه يتكره هذا الشيء ويتضرر منه ويتقزز، وربما يكون من بعض الناس الذين لا يقدرون على رؤية ما يكرهون حتى يتقيئوا.
ثالثا: أنه يؤذيهم من حيث تلوثهم به، فإنهم إذا تلوثوا بهذا الخلاء ماذا يحدث؟ يحدث تنجس أرجلهم أو خفافهم أو ثيابهم أيضا.
رابعا: فيه أذية من حيث حرمانهم من هذا المجلس الذي يأوون إليه يتحدثون، يذهبون عنهم السآمة والملل؛ فلهذا جعل النبي ﷺ التخلي في هذا من أسباب اللعن، أي: أن الإنسان يلعن بسبب ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: تحريم التخلي في الطريق، وتحريم التخلي في الظل، ووجه التحريم ظاهر وهو أن النبي ﷺ جعله سببا للعن.
ومن فوائد الحديث: أن المتسبب في الإثم كالمباشر؛ لأننا نعلم أن اللاعن ليس هو المتخلي. من اللاعن؟ الناس الذين يتأذون بهذا؛ ولهذا نقول: المتسبب في الإثم كالمباشر، أما في الضمان فإنه يختلف على تفصيل عند الفقهاء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لعن من فعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ أخبر عن هذا محذرا من أن تقع اللعنة على الفاعل، ولا يمكن أن تقع اللعنة على الفاعل إلا إذا كان اللاعن محقا، أما إذا كان غير محق فلا يمكن أن تقع اللعنة على الملعون، وعلى هذا فيجوز أن يلعن الإنسان فاعل ذلك، ولكن هل يلعنه على سبيل التعيين، يعني: لو فرض أن الإنسان شاهد هذا الإنسان الذي يتخلى في الطريق أو في الظل هل يلعنه بعينه؟ الذي نرى أنه من الورع ألا يلعنه بعينه، ولكن يقول: اللهم العن من فعل كذا؛ لأن من المعلوم أن لعن المعين حرام، حتى لو كان من أكفر عباد الله، حتى لو رأيت رجلا يسجد لصنم لا تقل: اللهم العنه، فهذا - أعني: التخلي في ظل الناس أو طريقهم- ليس أشد من عبادة الصنم.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشريعة الإسلامية لأمتها من الأذى؛ لأن الغرض من ذلك هو تحذير الناس من أذية المؤمنين، الرسول ﵊ لم يأمرنا أن نتقي اللاعنين من أجل أن نعرف أنه ملعون، بل من أجل التحذير من أذية المؤمنين، وقد قال الله ﵎: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو كان الطريق واسعا، والناس يستطرقونه من وسطه أو من
стр. 248
أطرافه بحيث لا يتمكنون من الاستطراق في وسطه؛ فإنه لا بأس أن يتخلى الإنسان في هذا الجانب الذي لا يستطرقه الناس؛ لأنه قال: "طريق الناس"، ولم يقل: الطريق عامة، فعلى هذا لو كان الطريق واسعا واحتاج الإنسان أن يتغوط أو يتبول في هذا الطريق الذي لا تطرقه الأقدام فظاهر الحديث أنه لا بأس به، ولكن هاذ مشروط بألا يكشف عورته أمام الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يحرم التخلي في الظل مطلقا، بل في الظل الذي يقصده الناس لقوله: "أو ظلهم"، أما مجرد الظل فلا يحرم.
استثنى بعض العلماء ﵏ قال: ما لم يكونوا يقصدون الظل للجلوس فيه لغيبة الناس، يعني لو كان هؤلاء يجلسون في الظل يغتابون الناس أو يشربون الخمر أو يفعلون معصية يأوون إلى الظل لهذا الغرض؛ فإنه لا بأس أن يتخلى فيه؛ لأن ذلك سبب لبعدهم عنه، ولكن هذا الاستثناء فيه نظر؛ لأنهم إذا بعدوا عنه ذهبوا يلوثون ظلا آخر يعني: لن ينتهوا، ثم إنه لو حصل هذا التخلي في هذا الظل الذي يقصده هؤلاء ربما يقصده أناس يحتاجونه ولا يعملون فيه المعصية فهذا الاستثناء فيه نظر.
والصواب: أنه إذا كان هذا الظل مأوى لمن يعمل فيه المعاصي أن يجلس الإنسان فيه حتى إذا جاء الذين يعتادونه للمعاصي ينكر عليهم، هذا هو الحل، أما أن يتغوط أو يبول في هذا المكان الذي حذر منه النبي ﵊ ففيه نظر.
هل يمكن أن نأخذ من هذا الحديث قاعدة عامة وهي تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى؟ نعم، نقول: إن هذا الحديث يدل على تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى سواء بالقول، أو الفعل، أو اللمس، أو أي شيء.
٨٤ - وزاد أبو داود، عن معاذ ﵁: "والموارد". ولفظه: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
"اتقوا الملاعن" نقول: في "اتقوا" كما قلنا في الأولى؛ أي: احذروا، و"الملاعن" مكان اللعن، يعني: الأمكنة التي تكون سببا للعن، وذلك مفسر في قوله: "البراز في الموارد"، والمراد ب"البراز" هنا: قضاء الحاجة، يفسره الحديث الذي قبله: "الذي يتخلى في طريق الناي أو ظلهم".
"الموارد" جمع مورد، وهو ما يرده الناس للشرب، أو للاستسقاء من حوض أو غدير، أو ساقية، أو نهر أو ما أشبه ذلك، المهم أن الناس يردونه للاستسقاء والشرب، فإنه لا يحل للإنسان أن يتبرز فيه.
"وقارعة الطريق" هناك "طريق الناس" وهنا قال: "قارعة الطريق" يعني: التي تقرعها الأقدام.
стр. 249
والثالث: "الظل" وهنا أطلق، ولكن ينبغي أن يحمل على ما سبق وهو ظل الناس ليس كل ظل، فزاد أبو داود موضعا ثالثا وهو: "الموارد"، قال:
٨٥ - ولأحمد عن ابن عباس ﵄: "أو نقع ماء" وفيهما ضعف.
"نقع ماء" يشبه الموارد إلا أنه أعم؛ لأن نقع الماء أعم من كونه موردا أو غير مورد؛ لأنه إن كان موردا ففيه جنايتان، وإن كان غير مورد ففيه جناية واحدة، وهو إفساد الماء؛ لأنه إذا خلى الإنسان في نقع ماء فلا شك أن يفسده، إما أن ينجسه إن كان قليلا وإما أن يفسده وإن لم يكن نجسا هذه أربعة.
٨٦ - وأخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة.
هذا خامس: "الأشجار المثمرة" أيضا ينهى عن قضاء الحاجة تحتها، لكن بشرط أن تكون الثمرة مقصودة سواء كانت تؤكل أو لا تؤكل، فإن كانت تؤكل ففي قضاء الحاجة تحتها إساءتان الإساءة الأولى إلى من قصدها، والإساءة الثانية إلى تلويث الطعام بالخبث، ومعلوم أن تلويث الطعام بالخبث حرام؛ ولهذا نهى عن الاستجمار بالعظم؛ لأنه زاد إخواننا من الجن، والمراد إذن: الأشجار المثمرة يجب أن نقيدها بالمقصود، أما أشجار مثمرة ثمرتها لا تقصد وتبقى بالأرض لا يأخذها الناس فلا بأس؛ لأنه ليس فيها أذية لأحدكم هذه خمسة، والسادس قال:
- وضفة النهر الجاري. من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
- "ضفة النهر الجاري"، يعني: طرفه، وذكر الجاري على أنه وصف كاشف؛ لأن النهر لا يكون إلا جاريا، لكن لو فرضنا أن هذه الأحاديث لم تصح فلدينا القاعدة العامة التي أشرنا إليها أولا وهي: كل موضع يتأذى به المسلمون فإنه لا يجوز أن يتخلى فيه.
- فإن كان هذا الطريق لغير المسلمين فهل يجوز للإنسان أن يتخلى فيه؟
الجواب: ى؛ لأن حديث رواية مسلم "يتخلى في طريق الناس" ولم يقيدها ب"المسلمين"؛ ولأن الدين الإسلامي ليس فيه عدوان وأذية، فما دام بيننا وبين هؤلاء الكفار عهد أو ذمة فإنه لا يحل لنا إيذاءهم، ثم قال المؤلف:
стр. 250
الكلام عند قضاء الحاجة:
٨٧ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا. فإن الله يمقت على ذلك". رواه أحمد. وصححه ابن السكن، وابن القطان، وهو معلول.
"تغوط" أي: أراد الغائط، وأصل الغائط: المحل المنخفض من الأرض هذا الأصل، ثم نقل من هذا المسمى إلى قضاء الحاجة، ووجه الارتباط والعلاقة: أن الناس كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف في بيوتهم، فإذا أرادوا البراز خرجوا إلى الأماكن المنخفضة يقضون حوائجهم.
فعلى هذا نقول: "تغوط" بمعنى: أراد أن يتغوطا، أي: أرادا أن يقضيا حاجاتهما وسمى قضاء الحاجة بذلك لأنه ينتابه الناس فيما سبق وإلا فالأصل أن الغائط هو المكان المنخفض من الأرض، "فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه" يتوارى؛ أي: يستتر كل واحد عن صاحبه وجوبا أو استحبابا؟ وجوبا فيما إذا كان يؤدي إلى كشف العورة، استحبابا فيما إذا كان لا يؤدي إلى كشف العورة؛ بحيث يكون كل واحد منهما يستدبر الآخر.
قال: "ولا يتحدثا" يعني: يحدث أحدهما صاحبه، "فإن الله يمقت على ذلك"، قوله: "يمقت" المقت أشد البغض، و"على ذلك" أي: على هذا الفعل؛ وهو أن يجلس الرجلان أحدهما إلى الآخر على قضاء الحاجة يتحدثان، ووجه النهي عن ذلك: إن كان مع كشف العورة فالأمر واضح؛ لأن هذه حال سيئة وهيئة مكروهة، وإن كان مع غير ستر العورة فلأنهما إذا صارا يتحدثان سوف يمكثان طويلا على هذه الحال؛ لأن التحدث غالبا يطول بين الناس وينسى الإنسان الحال التي هو عليها؛ فلهذا كان سببا لمقت الله ﵎.
في هذا الحديث فوائد:
منها: أن الدين الإسلامي دين الأدب والخلق الرفيع؛ لأن هذه الحالة التي ذكرت في الحديث لا شك أنها مخالفة للأدب؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عنها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الرجلان أن يتغوطا فإن السنة أن يبتعد كل واحد منهما عن الآخر حتى لا يراه فضلا عن كونه يرى عورته.
следующие страницы →