Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
يمكن الجمع ولا الترجيح؛ لأن الاضطراب يشترط فيه شرطان: ألا يمكن الجمع وألا يمكن الترجيح، فإن أمكن الجمع جمع وزال الاضطراب، وإن أمكن الترجيح أخذ بالراجح وشذ فيما سواه، ولكن الصحيح ما حققه ابن حجر ﵀؛ لأن الاختلاف في مثل هذا لا يضر؛ لأن الاختلاف فيه لا يعود إلى أصل الحديث؛ إذ إن أصل الحديث متفق وهو بيع القلادة بذهب، وأما الاضطراب فلا يتعلق به حكم، ونظير ذلك اختلاف الرواة في مقدار جمل جابر، فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً ومع ذلك لم يعد هذا من الاضطراب؛ لأن الاختلاف ليس في أصل الحديث، أما الاختلاف في أصل الحديث- مثل أن يكون أحدهم روى النهى، والثاني رواه بلفظ الأمر مما يعود إلى أصله- فهذا نعم يحكم بالاضطراب، إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح، والذي يهمنا صيغة العقد والمعقود عليه جنسه، أما قبضه فلا يهم.
يقول: "باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز" كما هي العادة في القلادة أن يكون فيها خرز من ذهب وخرز من خزف ونحوه، يقول: "ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً"، يعني: من الذهب، وذلك بالوزن، فكان الذهب الذي فيها يزن أكثر من اثني عشر ديناراً، ومعلوم أن بيع الذهب بالذهب لابد فيه من التساوي.
يقول: "فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل" أي: تفصل من الخرز ويجعل الذهب وحده، والدنانير وحدها ثم توزن، فإذا تساوت وزناً جاز بيعها، وقوله: "لا تباع" لم يقل: لا تفعل، فيفيد أن هذا البيع يجب إبطاله وإعادته؛ لأنه بيع فاسد باطل.
هذا الحديث فيه شراء جنس من الربوي بجنسه مع التفاضل، والقاعدة الشرعية في بيع الربوي بجنسه أنه لا يجوز مع التفاضل.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن ما غنم من مال الكفار فهو ملك للغانمين؛ ولذلك صح العقد عليه، فهل ما ملكوه منا ملك لهم؟ الصحيح: نعم أنه ملك لهم؛ لأنهم يأخذونه على أنه حل لهم؛ ولأن الكفار في عهد النبي ﷺ يكسبون من المسلمين ويبيعونه تبع أموالهم، فما ملكناه من أموالهم فهو لنا، وما ملكوه من أموالنا فهو لهم، كما أن من قتلوه منا لا يضمنونه ولو أسلموا؛ لأنهم يعتقدون أن هذا حلال.
ومن فوائد الحديث: أن الصنعة لا تؤثر في اشتراط التساوي إذا بيع الربوي بجنسه، وجه ذلك: أن النبي ﷺ قال: «لا تباع حتى تفصل».
فإن قال قائل: الزيادة هنا في المصنوع وكلامنا إذا كانت الزيادة في غير المصنوع.
فقال: إذا منع الشرع الزيادة في المصنوع فعكسه من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه معه
стр. 1857
أو معهما من غير جنسهما، مثال ذلك: باع برا وتمراً ببر هذا لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس، ولأننا نقول إن الجنس هنا مساوياً للجنس الذي جعل عوضاً عنه، فالذي معه يعتبر زيادة، يعني: باع صاع بر ومعه نصف صاع تمر بصاع البر، نقول: هذا صار براً ببر ومع أحدهما زيادة وهذا لا يجوز وإن كان البر الذي معه التمر وبيع به البر أنقص من البر الذي جعل عوضا عنه، فقد بيع البر بالبر مع التفاضل وهذا أيضاً لا يجوز، فإن كان البر المفرد أطيب من البر الذي معه غيره بحيث تكون قيمة الاثنين مساوية لقيمة البر فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه سبق لنا أن الوصف لا يبيح الزيادة، فإن كان المفرد الذي ليس معه شيء أكثر من الذي معه شيء لكن زيادة المفرد تقابل الشيء الذي معه -مع العوض- فهل يجوز؟ ، مثال ذلك: باع صاعين من البر بصاع من البر وصاع من التمر والقيمة سواء، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يجوز جعل الصاع الزائد في المفرد في مقابل المشفوع في المثنى يعني: يقول هذان الصاعان بصاع من البر وصاع من التمر نجعل صاعاً من التمر في مقابل صاع من البر وصاعاً من البر في مقابل الصاع من البر، وحينئذً لا ربا، فيقول هذا القائل: إنه إذا كان في المفرد زيادة تقابل ما مع المشفوع من غير جنسه فإن ذلك جائز، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد، فيجعلون الزيادة في الجنس في مقابل المصاحب للمشفوع ويقولون: نجعل صاعاً بصاع وصاعاً من التمر بالزيادة التي مع البر، وكذلك لو باع صاع بر وتمر بصاع بر وتمر يقولون أيضاً لا بأس به؛ لأننا نجعل البر مقابل التمر والتمر مقابل البر يقولون مثلاً: رجل أتى بصاع من البر وصاع من التمر وباعهما على شخص آخر بصاع من البر وصاع من التمر يقولون: هذا أيضاً جائز؛ لأنك إن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من البر وصاعاً من التمر في مقابل صاع من التمر فهذا جائز، وإن جعلت صاعاً من البر في مقابل صاع من التمر وصاعاً من التمر في الطرف الآخر في مقابل صاع البر فهذا أيضاً جائز، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصحيح؛ لأن العلة منتفية، فإذا كان هذا الزائد الذي مع العوض المقابل له زيادة في هذا فقد بعت طعاماً بطعام مع التساوي ولا محظور في ذلك؛ لأن الكمية الزائدة في المفرد تقابل بالمشفوع مع الطرف الآخر، وهذا الحديث لا يمنع القول بذلك؛ لأن هذا الحديث فيه أن القلادة زادت على الثمن، فإذا كانت زادت على الثمن فهي ليست موضع النزاع، فإن ما دل عليه الحديث هذا ممنوع على القولين جميعاً، أما لو فرض أنها أقل من الدنانير ومنعها الرسول ﷺ لكان هذا فصل للنزاع ودليل على أنه لا يجوز أن يكون العوض المفرد مقابلاً بشيئين من جنسين ولو كانت القيمة واحدة.
стр. 1858
ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن فضالة بعد أن اشتراها ذكر ذلك للنبي ﷺ .
ومنها: أن الله حافظ دينه ومتممه، وأن الشيء إذا وقع على خلاف ما يرضاه فلابد أن يقيض الله حالاً يبين بها ما يرضي الله ، وجه ذلك: أن هذا ذكر ذلك للرسول ﷺ بعد أن أتم العقد وإلا لو سكت ما كان هناك شيء بالنسبة للرسول ﷺ وإن كان إقرار الله يدل على رضاه به.
ومن فوائد الحديث: أن ما وقع على وجه فاسد وجب ردة لقوله: "لا يباع حتى تفضل"، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان عالماً أو جاهلاً فلو عقد عقداً فاسداً وهو جاهل فإن العقد لا يصح، ولكن لا يؤاخذ الإنسان بهذا العقد إذا كان جاهلاً لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ومن فوائد الحديث: سد الذرائع الموصلة إلى الربا مما يدل على أن الربا أمره عظيم، وأن الشارع سد كل ذريعة تؤدي إلى الربا، وإلا فمن الجائز أن يقال: إن القيمة تعتبر واحدة؛ لأن الذهب المصوغ دون الذهب غير المصوغ.
بيع الحيوان بالحيوان:
٨٠٤ - وعن سمرة بن جندب ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة». رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن الجارود.
في الحاشية أن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة ولا يصح سماعه منه. هذه المسألة في الحديث يقول: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» أي: مؤخرا بدون قبض، والحيوان عرفاً هو البهيمة، ولا يطلق على الإنسان حيوان، وما ذهب إليه المناطقة من وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق فهو اصطلاح، وإلا فإن العرف ما ذكرنا وأظن اللغة العربية كذلك لا تجيز أن الإنسان حيواناً، وقوله: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» أي: في حال حياتهما وأما بعد الذبح فإنه لا يسمى حيواناً وإنما يسمى لحماً.
ففهم من هذا الحديث: تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مثل: أن يبيع الإنسان بعيراً ببعير بدون قبض، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون البعيران من جنس أو من جنسين مثل: أن يبيع بعيراً ببقرة أو بعيراً ببعير، ولكن هذه المسألة فيها خلاف؛ فمن العلماء من قال:
стр. 1859
الحيوان بالحيوان- أي: من جنسه- كبيع البر بالبر، أما إذا كان من غير الجنس فإنه لا بأس بيعه به نسيئة، مثل: أن يبيع بقرة ببعير أو بقرة بثلاث شياه أو أربعة أو ما أشبه ذلك، قالوا: لأنه إذا كان لا يجري الربا في بيع الجنس بغير جنسه في الطعام ففي الحيوان من باب أولى؛ لأن الحيوان لا يكال ولا يوزن فليس فيه علة ربا النسيئة، وإذا قلنا بأن الحديث ليس بصحيح وأنه منقطع فإنه يجوز أن يباع الحيوان بالحيوان نسيئة، كما يجوز بيع الحيوان بالحيوان مقبوضاً غير مؤخر، وسيأتي -إن شاء الله- في حديث ابن عمرو أن الرسول ﷺ أمره أن يجهز جيشاً فنقدت الإبل، فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة، فإن هذا الحديث فيه التفاضل مع النسيئة.
من فوائد الحديث: إذا صح النهي عن بيع الحيوان بالحيوان بدون قبض، وجواز بيع الحيوان بالحيوان مع القبض، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكونا متساويين كبعير ببعير أو أحدهما أكثر من الآخر كبعير ببعيرين.
بيع العينة:
٨٠٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقالٌ.
- ولأحمد: محوه من رواية عطاءٍ، ورجاله ثقاتٌ، وصححه ابن القطان.
"تبايعتم" يعني: أوقعتم عقود البيوع، وسمي هذا العقد مبايعة؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه إلى الآخر ليسلمه العوض، فالمشتري يمد باعه إلى البائع ليسلمه الثمن، والبائع يمد باعه إلى المشتري ليسلمه المثمن.
وقوله: "بالعينة"، العينة على وزن فعلة من العين، وهو الورق أو الذهب أو النقد عموماً، والمراد بالعينة: أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، سواء كان هذا الشيء ربوياً أو غير ربوي، مثال ذلك: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى مدة سنة ثم عاد فاشتراها منه نقداً بخمسة عشر ألفاً، فإن هذا بيع عينة، وسمي بذلك؛ لأن المشتري لم يرد السلعة وإنما أراد العين، أي: النقد لينتفع به، ودليل ذلك أنه اشتراها بثمن زائد مؤجل ثم باعها على من اشتراها منه، فكأنه لم يقصد هذه السلعة، وإنما قصد الثمن -الدراهم- فلهذا سمي بيع عينة، هذا بيع
стр. 1860
محرم؛ لأنه رتبت عليه عقوبة، وإنما كان بيعاً محرماً؛ لأنه وسيلة إلى الربا بحيلة، والحيل لا تبيح المحرمات ولا تسقط الواجبات.
الوصف الثاني: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"، وهاتان الجملتان متلازمتان؛ لأن قوله: "أخذتم أذناب البقر" يعني: للحرث عليها، فإن الحارث على البقرة يكون وراءها يسوقها فيأخذ بذنبها ويسوقها، "رضيتم بالزرع" يعني: زرع الأرض التي حرثتم بها على هذه البقر، "وتركتم الجهاد" يعني: لم تجاهدوا في سبيل الله لا بأموالكم ولا بأنفسكم ولا بألسنتكم، ركنتم إلى الخلود ولم تتحركوا لنصرة دين الله، والغالب أن هذا ملازم لهذا، يعني: أن الذي ينهمك في طلب الدنيا ويتحيل في الحصول عليها حتى بما حرم الله الغالب أنه يترك الجهاد، لأن قلبه اشتغل عنه.
قال إذا حصل هذه الأربع: "سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" يعني: ضربكم بذل، والذل ضد العز، صرتم أذلة أمام الناس، حتى ترجعوا إلى إقامة الدين على الذي يرضاه الله ، لأن الإنسان لا يخرج بهذه الأوصاف عن الإسلام، لكنه يخرج عن كمال الإسلام.
هذا الحديث فيه الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات الأربع.
ففي هذا الحديث فوائد: الأولى: تحريم بيع العينة وهي كما ذكرت لكم أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل ثم يشتريه بأقل منه نقداً، مثل أن يبيع سيارة بعشرين ألفاً ثم يشتريها من مشتريها بخمسة عشر ألفاً نقداً، هذا عينة، فإن اشتراها من غير مشتريها، يعني: بأن باعها الذي اشتراها منه ثم اشتراها الأول من المشتري الثاني، فإن هذا ليس من العينة؛ لأنه ليس فيه حيلة، إلا أن يكون هناك موافقة بأن يقول البائع الأول للمشتري: بعها على فلان فأشتريها منه، فإن الحيلة لا تنفع فإن باعها بعد أن تغيرت صفتها ثم اشتراها البائع بأقل مما باعها به بعد تغير الصفة فهل هذا جائز؟ ينظر في النقص إن كان في مقابل ما نقص من قيمتها التي باعها به فإن هذا لا بأس به مع أن الورع تركه لئلا ينفتح الباب، مثاله: باع عليه سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة ثم حصل عليها حادث فنقصت قيمتها خمسة آلاف فاشتراها بخمسة عشر ألفاً فهل يجوز هذا؟ يجوز، لكن مع ذلك الأروع والأحوط تركه لئلا يكون ذلك زريعة إلى بيع العينة، فإن اشتراها بأقل من نقص السعر لا لفوات صفة فالظاهر أن ذلك لا يجوز، يعني: كانت تساوي عشرين ألفاً لكن نزل السعر فاشتراها بقدر ما نزل فقط، لا بالفرق بين النقد والمؤجل، فالظاهر أن ذلك لا يجوز وإن اختلف السعر؛ لأن ذلك حيلة، فإن اشتراها بمثل ما باعها به فهذا لا بأس به؛ لأنه من الجائز أن يبيعها علي بعشرين ألفاً إلى ستة وهي تساوي خمسة عشر ألفاً، ثم
стр. 1861
ترتفع الأسعار فتكون تساوي عشرين ألفاً نقداً، فاشتراها بعشرين ألفاً يعني: بمثل ما باعها به فإن هذا لا بأس به، فصارت مسائل العينة لها عدة صور منها الجائز ومنها الممنوعة، الممنوعة أن يبيعها بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه، لنقص السعر هذه لا تجوز أن يبيعها بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه ويكون النقص بمقدار ما نقص من صفتها لحدوث عيب فيها أو هزال في حيوان فهذه جائزة، ولكن الأولى تركها، الرابعة: أن يشتريها بمثل ما باعها به فهذا جائز؛ لأنه ليس فيه محظور، الخامسة: أن يشتريها بأكثر مما باعها به فهذا جائز من باب أولى؛ لأنه ليس في ذلك محظور.
ومن فوائد الحديث: التحذير من التشاغل ببيع العينة لقوله: "إذا تبايعتم بالعينة".
وهل هذا التحذير على سبيل التحريم أو على سبيل الإرشاد؟ نقول هو على سبيل التحريم، من أين أخذنا ذلك؟ أخذناه من أنه حيلة واضحة قريبة من الربا؛ لأنني إذا بعت عليك هذه السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة ثم رجعت فأخذتها بخمسة عشر ألفاً نقداً كأنما أعطيتك خمسة عشر ألفاً نقداً بعشرين ألفاً على سنة، وهذا حيلة؛ ولهذا قال ابن عباس: "إنها دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة" يعني: خرقة، وكأنه سئل عن ثوب من الحرير مؤجل ويشتري بكذا نقداً.
ومن فوائد الحديث: أنه لو اشتراها البائع الأول من غير المشتري فلا حرج، مثل أن يبيعها زيد على عمرو ثم يبيعها عمرو على بكر فيشتريها زيد من بكر فهذا لا بأس به؛ لأن الحيلة فيها بعيدة، وقد تعرضنا في الشرح فيما لو اختلفت السلعة أو اختلفت القيمة فهل هذا مؤثر؟ ذكرنا خمس صور.
ومن فوائد الحديث: التحذير من التشاغل بالزرع عن الجهاد لقوله: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع".
ومن فوائد الحديث: أن الجهاد واجب؛ لأن النبي ﷺ حذر من التشاغل بغيره عنه بأن الله يصيب الأمة بذل لا ينزعه حتى يرجعوا إلى دينهم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسلمين ألا ينهمكوا في طلب الدنيا؛ لأنها تشغلهم عن الآخرة، وفتح باب الانهماك في الدنيا لا شك أنه ينسي الإنسان ذكر الله ، ونحن الآن في عصر انهمكت الناس فيه في طلب الدنيا، فكثر التحيل عليها بالربا وبالميسر وبالأسهم، ولهذا ما أكثر الذين يسألون اليوم عن المساهمات والمضاربات التي لا تحل؛ لأنهم اشتغلوا رأوا مكاسب كثيرة بعمل يسير وزمن قريب، فانهمكوا في الدنيا حتى صار الناس كأنهم ماديون لا شك أن هذا فيه خطر عظيم على المسلمين؛ لأن القلب وعاء إذا امتلأ بشيء لم
стр. 1862
يبق للشيء الآخر محل، إذا امتلأ القلب بحب الدنيا اشتغل عن حب الله ورسوله وصار الإنسان ليس له هم إلا الكسب، ولكننا نحمد الله على كل حال، ونحمد الله أنه يوجد كثير من الناس لا يقدمون على مثل هذه المضاربات إلا بعد السؤال، وهذا شيء لا شك أنه من نعمة الله، إن ما فتح هذه الأبواب للناس فتح باب الميسر بالمسابقات المحرمة لا شك أنه ضرر.
هذا الحديث كثير من العلماء ضعفه كما يفيده كلام الشارح ﵀ ولا شك أن معناه إذا كان الجهاد فرضاً معناه صحيح، فإن الناس إذا تركوا ما أوجب الله عليهم من الجهاد وتشاغلوا بالدنيا عنه فإن هذا من أسباب الذل والهزيمة، وإذا كان الصحابة ﵃ في غزوة أحد لما أرادوا الدنيا، ونزلوا من الجبهة التي رتبهم النبي ﷺ فيها حصل من الهزيمة ما حصل فكيف بغيرهم، فمعنى الحديث صحيح لكن أسانيده ضعيفة.
سبق لنا في الشرح أن قلنا: إن الجهاد يشمل كل ما يدافع به عن دين الله من الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم وأن الناس إذا كانت الأمة الإسلامية تحتاج للعلم الشرعي الصحيح كان التشاغل به كالتشاغل بالجهاد المسلح، بل قد يكون أفضل منه؛ لأن الحاجة إليه عامة للمسلمين وغير المسلمين، حتى المسلمون يحتاجون إلى إقامة دينهم المبينة على الكتاب والسنة، فهم في حاجة بأن يقوموا على شريعة الله التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم في حاجة أيضاً إلى أن يعرفوا حدود الله بالنسبة لمعاملة الكفار في السلم والحرب.
الشفاعة المحرمة:
٨٠٦ - وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعةً، فأهدى له هديةً فقبلها؛ فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا». رواه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده مقال.
الشفع مأخوذة من لفظها وهي جعل الواحد اثنين، قال الله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ [الفجر: ٣]. فالشفع ضد الوتر، وهي: أن يتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثال الأول: لو شفعت لشخص بأن يوضع في مرتبة عالية فهذا جلب منفعة، ومثال الثاني: أن تشفع لشخص يريد أحد أن يظلمه فتدفع عنه المظلمة، هذه دفع ضرر، إذن فالشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي -أي: الشفاعة- على حسب المشفوع فيه: إن كانت في خير فهي خير، وإن كانت في شر فهي شر، فمن شفع لأخيه ليتوصل إلى باطل فهي شر ولهذا حرمت الرشوة، ومن شفع لأخيه للتوصل إلى حق فهي خير، قال الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنةً يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعةً سيئة يكن له كفل منها﴾ [النساء: ٨٤ - ٨٥]. فالشفاعة قد تكون حسنة.
стр. 1863
فقوله ﷺ : «من شفع لأخيه شفاعة» المراد بها: الشفاعة في الخير، وهي قد تكون واجبة؛ لأن الواجب على المسلم أن يدفع الظلم عن أخيه بقدر ما يستطيع حتى لو لم تطلب منه الشفاعة، إلا إذا علم رضا المظلوم فإنه لا يلزمه أن يشفع، لكن إذا علم أنه لا يرضى كما هو الغالب وهو يستطيع أن يشفع فالواجب عليه أن يشفع، أما إذا كانت الشفاعة في أمر ليس فيه ظلم لكن فيه حصول مطلوب فالشفاعة هنا ليست بواجبة، لكنها خير يؤجر الإنسان عليها، كما لو طلب شخص منك أن تشفع له في حصول أمر يرغب فيه وهو لا يضره شرعاً، فهنا نقول: الشفاعة سنة وفيها خير، لكن ليست بواجبة، بخلاف الشفاعة في دفع الظلم فإنها واجبة ما لم تعلم رضا المظلوم، أما الشفاعة السيئة فهي حرام، وهي من باب التعاون على الإثم والعدوان، ولا يجوز لأحد أن يشفع لأحد فيها؛ لأنه يكون معيناً له على [العدوان]، مثال ذلك: رأيت أن شخصاً قد هيئ لشغل منصب من المناصب فجاءك رجل وقال: يا أخي، أريد أن تشفع لي في حصول هذا المنصب، فهنا لا يجوز لك أن تشفع له؛ لماذا؟ لأنك بهذا تعتدي على حق السابق، والسابق أحق، اللهم إلا إذا علمت أنه ربما يولى هذه المرتبة وهو ليس لها بأهل، فحينئذٍ لا بأس أن تشفع لهذا الرجل إن كان أهلاً؛ لأنك في هذه الحال مصلح تريد أن تحول بين هذا الرجل الذي ليس بأهل وبين المرتبة التي يريد أن يشغلها.
الحاصل: أن الشفاعة في الحقيقة تكون بحسب المشفوع فيه إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
يقول ﷺ : «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية» يعني: أعطاه شيئاً في مقابل شفاعته، «فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا» المراد بذلك: الربا اللغوي، وهو الزيادة، دون الربا الشرعي، وهو الزيادة في أشياء مخصوصة؛ لأن الربا الشرعي لا ينطبق على هذا، لكن الربا اللغوي ينطبق عليه، كيف الربا اللغوي؟ لأن هذا حصل الأجر والسمعة الحسنة بالشفاعة لأخيه، فإذا قبل الهدية فذلك زيادة على ما حصله بالشفاعة، ثم إن الهدية في الغالب لا يعلم الناس بها فيظنون أن هذا الشافع محسن إحسانا محضاً فيكسب سمعة حسنة ليس لها بأهل، ويكسب المال الذي أهدى له، وهذا زيادة ورباً، هذا هو ما ينزل عليه الحديث إذا صح، أما إذا لم يصح -كما قال المؤلف- فقد كفينا إياه، ثم يقال: إن كانت الشفاعة واجبة حرم عليه أخذ الهدية؛ لأنه قد قام بواجب، ولا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضاً مالياً عن قيامه بواجب؛ لأنه ملزم به من قبل الشرع، فكيف يأخذ شيئاً على أمر هو ملزم به، وهذا وجه آخر، لكون هذه الهدية رباً؛ أي: زيادة على ما كان يستحقه الشافع.
وقوله ﷺ : «من شفع لأخيه» هل المراد: أخوة النسب، أو أخوة الدين؟ الثاني، وهو أيضاً
стр. 1864
مبني على الغالب، فإن الإنسان قد يشفع لغير المسلم؛ لأن ذا الذمة له حق وحماية، فإذا رأيت أحداً يريد أن يظلمه وشفعت له لدفع الظلم عنه كنت مأجوراً بذلك؛ لأنك تفعل هذا وفاء بالعهد والذمة الذي بين المسلمين وهذا الذمي، فيكون تقييدها بالأخوة من باب التغليب وليس من باب القيد.
من فوائد هذا الحديث: جواز الشفاعة، ووجهه: إثبات النبي ﷺ لها وإقراره إياها، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، بل على حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية والأصول المرعية، فإذا شفع في أمر باطل كانت شفاعته باطلة، وحراماً إذا كان حراماً ولكن المراد الشفاعة في الخير.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز لمن شفع في أمر يجب عليه الشفاعة فيه أن يأخذ هدية؛ لان وصف النبي ﷺ لها بالربا يراد به التنفير منها، وكذلك من شفع لأخيه في غير الواجب، فإنه لا يأخذ على ذلك هدية؛ لما أسلفناه من أن الإنسان يكسب ويحصل ما لا يستحقه.
فإن قال قائل: ما تقولون فيما لو طلب منه الشفاعة وقال له المطلوب: أنا لا أشفع لك إلا بكذا وكذا من الأصل فهل يجوز؟
أقول: إنه إذا كان من الأصل لم تكن هذه شفاعة لم يحصل بها منة من الشافع بل هي إجارة ما لم تكن الشفاعة واجبة، إن كانت واجبة فلا يجوز له أن يقول لا أشفع إلا بكذا وكذا؛ لانه واجب ملزم به من قبل الشرع مثل أن يشفع له في دفع الظلم عنه أو حصول واجب له.
الرشوة:
٨٠٧ - وعن عبد الله بن عمر بن العاص ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي". رواه أبو داود، والترمذي وصححه.
"لعنه" أي قال: لعنة الله عليه وهو خبر بمعنى: الدعاء؛ أي: دعا عليه باللعنة، والعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، قال تعالى لإبليس: ﴿وإن عليك اللعنة﴾ [الحجر: ٣٥]. وفي آية أخرى: ﴿وإن عليك لعنتي﴾ [ص: ٧٨]. أي: حقت عليه اللعنة، وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله أبد الآبدين؛ لان قوله: ﴿إلى يوم الدين﴾ لا يقتضي أنه بعد يوم الدين ترتفع اللعنة عنه، لكن من لعن إلى يوم الدين فهو ملعون أبد الآبدين، نسأل الله العافية.
стр. 1865
"لعن" أي: دعا عليه باللعنة؛ أي: بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، "الراشي": هو باذل الرشوة، "والمرتشي": آخذ الرشوة، والرشوة بفتح الراء وكسرها وضمها مثلثة الراء، يعني تقول: رشوة فيكون صحيحاً، رشوة صحيح، رشوة صحيح، يقال: مثلث الراء، ويقال: بالمثلثة وبينهما فرق، إذا قيل: مثلث الراء باعتبار الحركات، وإذا قيل بالمثلثة باعتبار النقط، فالثاء نقول فيها: مثلثة ورشوة نقول بتثليث الراء. ما هي الرشوة؟ الرشوة في الأصل: العطاء الذي يراد به التوصل إلى مقصود، مأخوذة من ارشاء الذي هو حبل الدلو الذي ينزل في البئر للسقيا؛ لأن الرشاء يتوصل به الإنسان إلى مقصوده إلى الماء، ولكن المراد بالرشوة هنا التي لعن فاعلها هي البذل للتوصل إلى باطل، أو إسقاط حق، وأكثر ما تكون في المحاكمات يبذل الخصم للقاضي- للحاكم- شيئا ليحكم له بما يريد من باطل، فهذه الرشوة وكذلك في غير القضاء، يبذل الإنسان شيئا إلى رئيس دائرة ما أو مديرها لينصبه في وظيفة وهو ليس لها بأهل.
فالقاعدة إذن: أن الرشوة المحرمة هي بذل مال للتوصل إلى باطل أو إسقاط حق، هذه المحرمة، وأما ما يبدل للتوصل إلى حق فهي حرام بالنسبة للآخذ حلال بالنسبة للباذل، كرجل تسلط عليه ظالم فأعطاه رشوة لأجل منع الظلم عنه فهذا لا بأس به، إنسان آخر له حق ولا يستطيع التوصل إلى يبذل المال ليصل إلى حقه فهذا ليس حراماً عليه والإثم على الآخذ، ولكن لا ينبغي أن نلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة القصوى؛ لأننا لو بذلنا هذا بسهولة لفسد من يتولى أمور الناس وصار لا يمكن أن يعمل إلا برشوة، كما يوجد في بعض البلاد لا يمكن أن تقضى حاجته التي يجب قضاؤها على الموظف إلا برشوة، يأخذون بالقاعدة الأصلية الثابتة الراسخة عند العامة وهي: "ادهن السير يسير يعني: ما يمكن إنه يسير أمره ويسهل إلا إذا دهن السير وإذا دهنته كثيرا يمشي ويسرع وإن دهنته قليلاً يقطع".
على كل حال أقول: إن الإنسان الذي يبذل الشيء ليتوصل إلى حقه أو دفع الظلم عنه ليس عليه إثم، بل الإثم على الآخذ، وقد نص على ذلك أهل العلم الشراح الذين يشرحون الحديث باعتباره شرحاً فقيها، والشراح الذين يشرحون باعتباره شرحاً لغوياً كصاحب النهاية مثلاً، إذن الرشوة التي لعن فاعلها ومن فعلت له هي التي يتوصل بها إلى باطل أو إسقاط حق، هذه يلعن فيها الراشي والمرتشي، وإنما لعنهما رسول الله ﷺ لما يتضمن فعلهما من المفاسد العظيمة وتعطيل حقوق الناس والتلاعب بهم، والناس- كما تعلمون- إذا لم نقض حوائجهم على الوجه المطلوب حصل بذلك فتن عظيمة وكراهة لولاة الأمور الذين يتولون هذه الأشياء، ويأخذون عليها رشوة والواجب على الإنسان أن يتقي الله فيمن ولاه الله عليه وأن يسير بهم بالعدل والقسط، ويعطي كل ذي حق حقه، وألا يستعمل سلطته ليتوصل بها إلى أكل أموال الناس بالباطل.
стр. 1866
من فوائد الحديث: جواز لعن الراشي والمرتشي، لكن على سبيل العموم لا التخصيص، فتقول: لعنة الله على الراشي والمرتشي، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لعنهما، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "ما لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ، ولكن على سبيل التعيين لا يجوز وإن رشا؛ لأنه من الممكن أن يهديه الله ويسلم من الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وإذا كان الكافر- وهو أشد من المرتشي- لا يجوز لعنه بعينه فما بالك بالمرتشي، لا يجوز من باب أولى، ولهذا لما صار النبي ﷺ يدعو على قوم من العرب «اللهم العن فلاناً وفلاناً» نهاه الله، وقال له : ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظلمون﴾ [آل عمران: ١٢٨].
فكذلك هؤلاء الفسقة الذين لعنوا على لسان محمد ﷺ لا يجوز أن نلعن الإنسان منهم بعينه لكن على سبيل العموم، وبهذا نعرف الفقه في هذه المسألة وهي الفرق بين التعيين بالجنس والتعيين بالشخص، التعيين بالجنس أوسع وهو أن أقول: اللهم العن الرشاة والمرتشين عموماً، لكن التعيين بالشخص، اللهم العن فلانا لأنه يرتشي لا يجوز، اللهم العن فلاناً لأنه كافر لا يجوز، لكن لو قلت: لعنة الله على الكافرين جائز للعموم، وهذا كما أنه في العقوبات فهو كذلك في الثواب، فلا تشهد لشخص معين بأنه في الجنة وإن كان مؤمناً، ولا تشهد لمن قتل في الجهاد بأنه شهيد وإن قتل فيه، ولكن نقول كما أرشد إليه عمر ﵁: "من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد" على سبيل العموم؛ لأننا لو قلنا بجواز الشهادة بالتعيين لكنا نشهد لكل واحد بأنه في الجنة من المؤمنين وهذا لا يكون.
ومن فوائد الحديث: وجوب القيام بالعدل بين الناس؛ لأن الرشوة في الغالب يكون فيها جور؛ حيث إنه يقدم الراشي على غيره، وربما يحكم له بالباطل مع أن الحق مع غيره.
فإن قال قائل: ما وجه إدخال هذا الحديث في باب الربا؟
نقول: وجه ذلك: هو أن الجامع بينه وبين الربا أن هذا الآخذ بغير حق من أكل المال بالباطل فهو كالربا.
стр. 1867
بيع الحيوان بالحيوان نسيئة:
٨٠٨ - وعنه ﵁: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة. قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". رواه الحاكم والبيهقي، ورجاله ثقات.
"وعنه": أي عبد الله بن عمرو، "أمره أن يجهز جيشاً"، يعني: يقوم بمصالح الجيش ويشتري حوائجه وينفذه، والجيش هو الطائف من الجنود تتجاوز أربعمائة، وقوله: "فنفدت الإبل" يعني: الإبل المعدة للجهاد نفدت وانتهت، "فأمره النبي ﷺ أن يأخذ على قلائص الصدقة"، "قلائص": جمع قلوص وهي الناقة، وأضافها إلى الصدقة؛ لأنها تجبي من أموال أهل الإبل ويؤتي بها إلى المدينة، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، "قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" شراء قطعا، وليس قرضاً؛ لان الباء هنا للمعاوضة، ولأنه من المعلوم أن القرض بذلك يكون من الربا، فلا يجوز للإنسان أن يعطى واحداً ويأخذ اثنين، لأنه يكون رباً لأنه قرض جر نفعاً وهو ربا، وقوله: "إلى إبل الصدقة" أي: إلى أن تأتي إبل الصدقة.
فهذا الحديث فيه فوائد: جواز التوكيل في تجهيز الجيش لان النبي ﷺ وكل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
ومنها: منقبة لعبد الله بن عمرو؛ حيث ائتمنه النبي ﷺ على هذا الأمر العظيم، وهذا يدل على حنكة الرجل وأمانته.
ومنها أيضاً: التأهب والاستعداد في تنفيذ الجيوش؛ لقوله: "أن يجهز"، والتجهيز أن يقوم بجهازه وكل ما يلزمه من مؤنه، فلا يبعث الجيش هكذا بدون أن يجهز.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهذا الحديث أقوى من الحديث السابق- حديث سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة- فهو أصح منه وأقرب إلى القواعد، فعلى هذا يكون مرجحاً على حديث سمرة.
ومن فوائد الحديث أيضاً: أنه يجوز النساء بل تجوز الزيادة في بيع الحيوان بالحيوان، وجهه: قوله: "كنت آخذ البعير بالبعيرين ... الخ".
стр. 1868
ومنها: جواز الزيادة في بيع التقسيط، وجهه: أن هذه الزيادة في مقابلة الأجل، وهذا أمر لا يشبه على أحد، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع العلماء على جواز بيع التقسيط إذا كان قصد المشتري السلعة بخلاف ما إذا كان قصده المال فقد عرفتم أنه من باب التورط وأنه يرى تحريمه، لكن إذا كان قصده السلعة فلا بأس أن يأخذها مؤجلة بزيادة، وهذا هو الموافق للفطر، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل كئمنه إذا كان نقداً، هذا مستحيل، اللهم إلا محاباة للمشتري لقرابة أو صداقة أو ما أشبه ذلك، وأما البيع المعتاد فإنه لا يمكن أن يبيع شخص سلعة تساوي مائة الآن بمائة بعد سنة، لابد أن يأخذ على هذا التأجيل مقابلاً وليس هذا من باب الربا في شيء، بل هو من باب الأمر الجائز. هل يجوز بيع البعير بثلاثة أبعرة؟ يجوز؛ لأنه إذا جاز البعيرين جاز الثلاثة والأربعة، ويدل على انه لا ربا في بيع الحيوان- بيع بعضه ببعض- وعلى هذا فتجوز الزيادة.
ما رأيكم لو عامل الإنسان معاملة فجاء شخص وقال له: ما دليلك على الجواز، هل طلب الدليل هنا صحيح؟ طلب الدليل هنا في غير محله، نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لان الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع.
المزابنة:
٨٠٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله" متفق عليه.
"المزابنة" مفاعله، وهذه الصيغة تدل على الاشتراك في الغالب، الغالب أن المفاعلة تدل على اشتراك بين اثنين وأكثر كالمقاتلة والمجاهدة والمغارسة والمساقاة وقد لا تدل على الاشتراك كالمسافرة يقال: سافر الرجل مسافرة وهو واحد ليس له طرف آخر، المزابنة من الأفعال المشتركة، وهي مأخوذة من الزبن وهو الدفع، فهي مبايعة بين شخصين، لكنها خصت بنوع خاص من البيوع وإلا فإن جميع البيوع فيها مزابنة؛ لأنها من الدفع، فالبائع يدفع السلعة والمشتري يدفع الثمن، ولكنها خصت بنوع معين من البيوع، ولا مانع من أن نخصص المعنى العام في شيء من أفراده.
المزابنة فسرها بقوله: "أن يبيع ثمر حائطة"، و"أن" هنا مصدرية، إما أن يكون في محل جر
стр. 1869
بيان للمزابنة؛ لان المزابنة مجرورة بـ"عن"، "أن يبيع" أي: البائع "ثمر حائطه ... الخ" هذه ثلاث صور الصورة: الأولى: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، فيأتي شخص إلى صاحب الحائط ويقول: بعني ثمرة هذه النخلة بتمر هذه مزابنة لا تجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، والعلة في ذلك أنها بيع تمر بتمر، وبيع التمر بالتمر يشترط فيها التساوي كيلاً، ومعلوم أن التمر على النخل لا يمكن فيه الكيل، وإذا لم يمكن في الكيل فإنه لا يتحقق التساوي.
فإن قال قائل: نحن نخرصه بما يئول إليه تمره، ونقول: هذه النخلة إذا أثمرت يأتي منها خمسون صاعاً من التمر، فإذا دفع المشتري خمسين صاعاً من التمر بثمر هذه النخلة فقد قابل التمر الذي دفعه ثمر النخل بماذا؟ بالخرص.
فالجواب على ذلك أن نقول: إن الخرص ظن وتخمين، والكيل علم ويقين، ولا يمكن أن يقابل الظن والتخمين بالعلم واليقين، ولدينا قاعدة في باب الربويات وهي: "أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل"، ونحن الآن نجهل التساوي كيلاً؛ لأن الخرص ليس علماً بل هو ظن وتخمين، وكذلك أيضاً بالنسبة للعنب "إن كان كرما" أي: عنباً "أن يبيعه بزبيب كيلاً" الزبيب هو العنب المجفف، والكرم هو العنب الطري، فيكون رجل عنده شجرة من العنب وفيها عنب فيأتي إليه شخص ويقول: أنا أشتري منك عنب هذه الكرم بزبيب كما يأتي هذا العنب فيقول: يأتي إذا يبس خمسين صاعاً، فأقول: هذه خمسون صاعاً من الزبيب، فهذا مزابنة ولا يحل، وعلته ما سبق أن التساوي أو التماثل بينه وبين الزبيب مجهول، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، "وغن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام"، الزرع يشمل الشعير ويشمل البر، فهذا رجل عنده مزرعة يأتي منها مائة صاع فجاء إليه وقال: بعني هذه المزرعة بمائة صاع حب، الذي عبر عنه في الحديث بالطعام؛ لأنه يطعم، فنقول: هذا لا يجوز، والعلة فيه أنه بيع بر ببر أو شعير بشعير مع الجهل بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، هذا الحديث إذن يدخل في باب الربا.
أرأيتم لو أنه باع تمر نخله بزبيب كيلاً فهل يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن بيع التمر بالزبيب لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخله بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، وكذلك لو باع ثمر نخلة بطعام كيلاً فإنه لا بأس به؛ لأن هذا لا تشترط فيه المماثلة، لكن إذا باع تمراً بزبيب أو طعاماً ببر أو شعير فلا بد من التقابض لاشتراكهما في الكيل الذي هو علة الربا، بل في الكيل والطعام والقوت.
стр. 1870
مسألة في بيع العرايا وشروطه:
يستثنى من هذا الحديث ما يثبت به السنة من العرايا في تمر النخل وكذلك في العنب على القول الصحيح، فلو أن إنساناً أراد أن يشتري ثمر نخل بتمر فإنه يجوز في باب العرايا لكن بشروط:
الشرط الأول: ألا يكون عند المشتري نقد.
والشرط الثاني: أن يكون محتاجاً للرطب يعني: يريد أن يتفكه، ليس إنساناً لا يهمه أن يأكل تمراً أو رطباً بل نفسه تشتاق إلى الرطب فهو في حاجة له.
والشرط الثالث: أن يكون في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاغاً أي: ثلاثمائة صاع، فإن زاد عليها فإنه لا يجوز.
الشرط الرابع: أن يكون الرطب في خرصه بمقدار ما يئول إليه مساوياً للتمر؛ بمعنى: أن نقول: هذا الرطب إذا يبس يأتي منه مائة صاع ويبدل بمائة صاع بدون زيادة، يعني: يكون خرص الرطب بما يؤول إليه تمراً مساوياً للتمر الذي دفع.
الشرط الخامس: أن يأكله رطباً؛ أي يأكله المشتري رطباً، فلو تركه حتى أثمر بطل البيع، اللهم إلا أن يدعه لعذر كأن يحال بينه وبينه فهذا يعذر فيه، فهذه الشروط الخمسة يجوز بيع الرطب بالتمر، وإذا لم توجد هذه الشروط الخمسة فإنه لا يجوز، العنب كالتمر؛ لأن الناس يحتاجون إلى التفكه فيه، أما الزرع فلا؛ لأن الزرع مهما كان سوف يتحول إلى حب ولن ينتفع به قبل أن يكون حباً.
في هذا الحديث من الفوائد: أولاً: أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا فرق بين أن يكون الرطب على رءوس النخل أو قد فرك وجني، ويستثنى من ذلك ما أشرنا إليه من العرايا، في العرايا ذكرنا خمسة شروط، ونزيد شرطاً سادساً: وهو أن يكون الرطب على رءوس النخل، فإن كان قد جني فإنه لا يصح، لابد أن يكون على رءوس النخل لأجل أن يجنيه شيئاً فشيئاً.
يستفاد من هذا الحديث أيضاً: مراعاة تجنب الربا ولو على وجهه بعيد؛ لأنه حرم بيع الرطب بالتمر والزبيب بالعنب وكذلك الزرع بالحب.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز بيع الرطب باليابس فيما يشترط فيه التماثل وإن لم يكن على الوصف الذي ذكر في الحديث، فلو فرض أن لدينا تمراً طرياً -لكنه ليس رطباً- وتمر آخر يابساً فإنه لا يجوز بيع هذا بهذا، لماذا؟ لأن ذلك سوف يختلف في الكيل، فإن كيل الرطب ليس ككيل اليابس.
* * *
стр. 1871
٨١٠ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر. فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك». رواه الخمسة، وصححه ابن المديني، والترمذي، وابن حبان، والحاكم.
جملة "يسأل" حال من "النبي" يعني: سمعت مسئولاً، "اشتراء الرطب بالتمر" من باب شراء الربوي بجنسه، ومعلوم الاختلاف بين الرطب والتمر، وأنه لا يمكن فيهما التساوي، ولهذا سأل النبي ﷺ : «أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم»، وسؤال النبي ﷺ عن نقصان الرطب إذا جف ليس سؤال استخبار؛ لأنه يعلم ذلك لكنه سؤال تقرير للحكم، وإشارة إلى العلة من أنه ينقص إذا جف، وبيع التمر بالتمر يشترط فيه التساوي وهو هنا معدوم، حتى لو أن الرطب خرص بما يئول إليه تمراً مساوياً بالتمر الذي بيع به فإنه لا يجوز؛ وذلك لأن الخرص ظن وتخمين، والمشترط العلم واليقين.
في هذا الحديث من الفوائد: حرص الصحابة ﵃ على تعلم العلم؛ لأنهم سألوا النبي ﷺ عن هذه المسألة الدقيقة.
ومن فوائده: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ حيث يقرن الحكم بالعلة، وقرن الحكم بالعلة له فوائد:
منها: طمأنينة المكلف، فإن الإنسان إذا بين له الحكم بعلته ازداد طمأنينة، ولا شك أن المؤمن مطمئن بحكم الله ورسوله على كل حال لكنه يزداد، قال إبراهيم: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى قال أو لم تؤمن﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ومن فوائد قرن الحكم بالعة: بيان سمو الشريعة، وأن أحكامها مبنية على حكم وأسرار، ولكن هذه الأحكام المبنية على الحكم والأسرار قد تكون حكمها وأسرارها معلومة، وقد تكون مجهولة؛ لأننا نحن لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وليس كل حُكم حَكم الله به ورسوله نعلم حكمته؛ لأننا قاصرون، فلذلك كان ذكر علة الحكم مبيناً لسمو الشريعة وأن لها في أحكامها أسراراً وحكماً عظيمة.
стр. 1872
ومن فوائد ذكر العلة المقرونة بالحكم: إمكان القياس بحيث يلحق بهذا المنصوص عليه ما يساويه في تلك العلة.
فإن قال قائل: إمكان القياس حاصل وإن لم تذكر العلة.
فالجواب: أن الأمر كذلك، ولكن لا شك أن العلة المنصوصة أقوى من العلة المستنبطة؛ العلة المستنبطة قد تكون هي المرادة للشارع وقد لا تكون؛ لكن العلة المنصوصة لا شك أنها هي المقصودة للشارع، فهي أقوى، ثم إن العلة المنصوصة يقوي الإنسان على إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق إذا شاركه في العلة، بخلاف العلة المستنبطة، ولهذا لما قال النبي ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه»، هذه العلة استفدنا منها فوائد عظيمة، وهي: أن كل ما يحزن المسلم فإنه منهي عنه، وكل ما يسره فإنك مأمور به وإن لم تؤمر به لعينه، لكنك مأمور به لجنسه، فكل ما يسر المؤمن فإنك مأمور به كما أنك منهي عن كل ما يحزنه.
ومن فوائد الحديث: أن هذا الحكم -أعني: بيع الرطب باليابس- من الربويات إذا كان من جنسه عام في التمر بالرطب وغيره، وعلى هذا فيكون بيع الحب بالحب اليابس غير جائز؛ لأنه سوف ينقص إذا جف.
بيع الدين بالدين:
٨١١ - وعن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني: الدين بالدين». رواه إسحاق والبزار بإسنادٍ ضعيفٍ.
والنهي: طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أنه يوجه إلى شخص طلب الكف عن شيء معين على وجه الاستعلاء، فقولهم: "طلب الكف" خرج به الأمر وما ليس بأمر ولا نهي: الإباحة؛ لأن الأمر طلب الفعل، والإباحة لا بطلب فعل ولا كف، وقولهم: "على وجه الاستعلاء" خرج به ما كان على وجه المساواة أو كان على وجه الأدنى، بمعنى: أن الأدنى يوجه النهي إلى الأعلى، فالأول يسمونه التماس كقول الزميل لزميله لا تشوش علي، وإذا كان من أدنى إلى أعلى يسمى دعاء وسؤالاً، ومعلوم أن توجيه الرسول ﷺ النهي لأمته من باب طلب الكف على وجه الاستعلاء؛ لأن أمره مطاع ﷺ ؛ ولكنه أشد الناس تواضعاً للخلق.
стр. 1873
وللحق قال: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني: المؤخر بالكالئ بالمؤخر، وهذا الحديث أولاً: إسناده ضعيف، وثانياً: ليس على إطلاقه ولا عمومه، وإنما يشمل صوراً معينة وهي التي يكون فيها شيء من المحظور الشرعي، وله صور منها: بيع الدين بالدين على الغير مثل: أن يحضر إلي شخص ويقول: أنت تطلب فلاناً مائة صاع بر يعني: إياه بمائتي ريال أسلمها لك بعد سنة، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه بيع دين في ذمة الغير قد يقدر على استلامه وقد لا يقدر، وثانياً: أن فيه ربحاً فيما لم يضمن، وقد مر أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، يعني: أم الدين الذي في ذمة الغير لي لم يدخل في ضماني، متى يدخل في ضماني؟ إذا تسلمته، ومن المعلوم أنني إذا بعته مؤجلاً فإنه سيزيد ثمنه؛ لأنه ليس البيع المؤجل كالبيع الحاضر وحينئذ بعت ما لم يدخل في ضماني وبعت ما يكون مشكوكاً في القدرة عليه، هذه صورة، كذلك أيضاً من بيع الدين أن يكون عند شخص لي مائة درهم فتحل المائة ويأتي إلي ويقول: ليس عندي شيء، فأقول: نجعل المائة بمائة صاع بر إلى سنة فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه -كما قلنا- سوف يربح فيما لم يضمن؛ لأنه ليس ثمن الحاضر كثمن المؤجل، فمائة صاع بر بمائة درهم، التي في ذمتي مائة درهم وأنا بعته بمائة صاع بر يمكن لو بعته بحاضر لا أحصل بمائة درهم إلا تسعين صاعاً، والآن أنا بعت بمائة فربحت فيما لم أضمن؛ ولأنه يؤدي إلى قلب الدين بهذه الحيلة على المدين كيف ذلك؟ لما حل الأجل لمائة الدرهم جعلناها بمائة صاع إلى سنة فحلت السنة وليس عنده بر، فأقول: تكون بمائة صاع شعير، أو أقول: بعت مائة صاع بر تكون بمائة وعشرين درهم، وحينئذ تؤدي إلى قلب الدين ويكون ذلك شبيهاً بما نهى الله عنه في قوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربوا أضعافاً مضاعفةً﴾ [آل عمران: ١٣٠].
وقد يكون أيضاً من صوره: أن يبيع الإنسان ما في ذمة الغير المعسر على شخص آخر بدراهم أقل، ففي ذمة هذا الفقير لشخص ألف درهم فيأتيه إنسان ويقول: بعه علي بخمسمائة درهم وأنا وحظي مع هذا الفقير، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه أولاً: بيع دراهم بدراهم بدون قبض، والثاني: لأنه بيع شيء لم يدخل في ضمانه، والثالث: أنها شبيهة بالميسر؛ لأن هذا اشتراها- الألف بخمسمائة- إن قدر عليها فهو غانم وإن عجز فهو غارم، وهذه هي قاعدة الميسر كل عقد يتضمن إما الغرم وإما الغنم.
وعلى هذا نقول: هذا الحديث إن صح يجب أن يحمل على ما دلت النصوص على منعه لا على كل دين بدين، وبناء على هذا لو اشتريت منك مائة صاع بر بمائة درهم ولا أحضرنا الدراهم ولا البر فإن ذلك على القول الراجح جائز ولا بأس به؛ لأن كلا منها غير مؤجل بل هو حاضر وليس فيه محظور إطلاقاً، وعمل الناس الآن على هذا فيأتي الإنسان يشتري من شخص
стр. 1874
طعام: سكر، بر، أي شيء بدراهم لا يسلمه له في الحال فهو بيع دين بدين لكنه جائز؛ لأنه ليس فيه محظور إطلاقا لا جهالة ولا غرر ولا ربا، والأصل في العقود الحل إلا ما قام الدليل على منعه، وهذا لم يقم دليلا على منعه؛ لأن هذا الحديث ضعيف، ولأنه يصدق ولو بصورة واحدة، يعني: إذا صدق النهي ولو بصورة واحدة كفى؛ لأن لدينا أدلة تدل على أن الأصل هو الجواز، فإذا ضح الحديث حمل على الصورة التي يعلم منعها بالأدلة الأخرى.
هل يجوز بيع الدين على غير من عليه بسعر يومه إذا بيع بما لا يشترط فيه التقابض أو لا يجوز؟ مثاله: رجل عنده لي مائة صاع بر فجاءني شخص وقال: بعها علي بمائة درهم بقيمتها الحاضرة بدون أي ربح أو لا يجوز؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا يجوز، لأن هذا ليس عنده وقد نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عنده، ومنهم من قال بالجواز، لكن إن قدر على قبضه تم البيع وإلا فله الرجوع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا قد يحتاج إليه الإنسان فيما لو كان المطلوب في بلد آخر، لو كان المطلوب في بلد آخر وجاء شخص من أهل البلد الذي فيه المطلوب واشترى منه ما في ذمته بعوض لا يجري بينه وبينه ربا النسيئة فهنا قد يحتاج إليه، لكن بشرط أن يكون بسعر اليوم لئلا يربح فيما لم يضمن.
فإن قال قائل: هذا القول يرد عليه حديث ابن عمر: "كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء".
فالجواب: أن هذا لا يرد، لأن بيع الدراهم بالدنانير أو بالعكس يشترط فيه التقابض قبل التفرق، وبيع الدراهم بالدنانير ولو كان حاضرا بحاضر لابد فيه من التقابض قبل التفرق، لقول النبي ﷺ : «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم»، أما صورتنا هذه فهي بيع شيء بآخر لا يجري بينهما ربا النسيئة، ولكن لا شك أن الاحتياط الأخذ بالقول الثاني، وهو ألا يبيعه حتى يقبضه، لأنه إذا فتح هذا الباب فربما يتبايع الناس ديونا لا يرجى حصولها ويكون هذا من باب الميسر، وربما يبيعون ديونا يرجى حصولها لكن بربح، وكل هذه من المحظورات الشرعية، فالأولى والاحتياط الأخذ بالمنع، وألا يبيع الإنسان دينا في ذمته غيره حتى يقبضه.
* * * *
стр. 1875
٤ - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار
"الرخصة" في اللغة بمعنى: السهولة، وفي الشرع: التيسير والتسهيل في أمر ملزم به أن يرخص في أمر ملزم به في الأصل ويسهل فيه، فالرخصة شرعا: التسهيل في أمر ملزم به إما بتركه وإما بفعله، وقوله: "في العرايا" جمع عرية فعيلة بمعنى: مفعولة، أي: معراة من النقد كما سيأتي، "وبيع الأصول والثمار"، الأصول ضد الفروع، والأصل في كل مكان بحسبه، فعندكم في الفرائض أصول المسائل، وفي أصول الفقه الأصول، كذلك في علم العقائد يقال: الأصول، بل حتى في الفقه يقال: الأصل في كذا قوله تعالى، أي: الدليل الذي يعتمد عليه، والمراد بالأصول هنا: الأراضي والعقارات والأشجار، وهذه أصول للثمرات التي يحصل عليها منها، فالأرض تؤجر وتستغل، والأشجار فيها الثمار، والدور ونحوها فيها الإجارة والاستغلال. وأما الثمار فهو جمع ثمر وهو ما يحصد من ثمر النخل والعنب ونحوها.
بيع العرايا:
٨١٢ - عن زيد بن ثابت ﵁: «أن رسول الله صلى الله رخص في العرايا: أن تباع بخرصها كيلا». متفق عليه.
"رخص" يعنى: سهل من المنع؛ لأن الأصل في بيع الرطب بالتمر التحريم، ولكنه رخص في العرايا وسهل، قال: "أن تباع بخرصها كيلا"، الضمير في "تباع" يعود على الرطب، وسميت عرية؛ لأنها عرت عن النقد؛ إذ إنها بيعت بتمر، ولهذا قال: "بخرصها كيلاً" كيف قال: كيلاً؟ لأن التمر يباع في عهد النبي ﷺ بالكيل لا نأتي نقول: أعطني كيلو تمر، نقول: أعطني صاع تمر أو مد تمر يكال بالمكيال، إذن نقول: هذه سميت عرية؛ لأنها عرت من النقد ليس فيها دراهم، بل هي تمر بتمر، لكن هذه رطب وهذه تمر يابس، قوله: "بخرصها"، الخرص معناه: التقدير والتخمين، ولابد أن يكون من عالم به، لا من أي أحد من الناس؛ لأنه فن يعرفه أصحابه، ولا يصح أن يكون الخرص من أي أحد يقولون: إن شخصاً من الناس كان عاملاً على الزكاة وكان خرصه ضعيفا، وربما لا يرفع رأسه إلى الثمرة فوقف تحت جذع نخلة وإذا هو قد خرص واحدة قبله، قال: نحن خرصنا مائتين وزنا هذه نجعلها أربعمائة وزنا؛ لأنها نشيطة، فرفعوا رءوسهم وإذا النخلة فحل، ما فيها ثمرة إطلاقا؛ لأن هذا الرجل لا ينظر، فلابد أن يكون الخارص خبيراً، فإذا أراد أحد أن يتعامل بهذه المعاملة في العرايا فلابد أن يأتي
стр. 1876
شخص كبير يقال له: كم تخرص هذه الثمرة إذا يبست؟ قال أخرصها بمائة صاع، تباع بكم؟ بمائة صاع، قال: أخرصها بخمسين تباع بخمسين وهل يعتبر الخرص وقت كونها رطباً؟ الجواب: لا، لأن وقت كونها رطباً كما أشار إليه النبي ﷺ يختلف عن وقتها تمراً، فإنها إذا يبست سوف تنقص، خذ هذا قيداً، وهو أن تباع بالخرص، فلا يجوز أن تباع جزافا.
لو قال: أخذت هذه الثمرة بهذه الصبرة من التمر لا يجوز، أخذت هذه الثمرة بهذه الثمرة الصبرة من البر يجوز بشرط التقابض، لماذا؟ لأن بيع التمر بالبر لا يشترط فيها المساواة - ولمسلم: «رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يألكونها رطباً».
هذا بيان للخرص، هل تخرص رطباً أو تخرص تمراً فبين أنها تخرص تمراً، إذن تخرص بما تئول إليه تمر.
قال: "يأكلونها رطباَ"؛ لأنه إذا لم يأكلونها رطبا سوف تتحول تمراً، وحينئذ لا فرق بينها وبين التمر الذي يبعت به، فتضيع الفائدة التي من أجلها رخص في العرايا، خذ هذا قيداً آخر وهو أن تؤكل رطباً، فإن أخرت حتى يبست بطل العقد، لأن الفائدة التي من أجلها رخص في بيع الرطب بالتمر تزول.
٨١٣ - وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق». متفق عليه.
"رخص في بيع العرايا ... إلخ" كل هذه الألفاظ بكلمة رخص؛ وذلك لأن الأصل المنع والتخريم، قال: بخرصها من التمر" أي: بما يساوي خرصها من التمر وهي تخرص تمراً فيقدم المشتري مائة صاع من التمر إذا كان خرص هذا الرطب تمراً يكون مائة صاع ولابد من التساوي بالكيل المعلوم والخرص.
يقول: "فيما دون خمسة أوسق" "أو" هذه للشك من الراوي، "فيما دون" أي: فيما أقل من خمسة أوسق، "الأوسق" جمع وسق وهو الحمل، وسمي وسقاً؛ لأنه يوسق أي: يشد ويربط، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ، فتكون الخمسة ثلاثمائة صاع يصاع النبي ﷺ ، ولكن الحديث الآن فيه شك.
هل هو في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق؟ وهنا ثلاث صور: أن تكون بأقل، أن تكون في أكثر، أن تكون في الخمسة، أما فيما هو أقل فلا شك أن الحديث يتناوله، وأما ما هو
стр. 1877
أكثر فلا شك أن الحديث يدل على المنع فيه، وأما ما كان خمسة أوسق فهو محل شك، وما هي القاعدة في مثل هذا؟ القاعدة: أن نحول المشكوك فيه إلى الشيء المتيقن، والمتيقن في هذا أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز، فتبقى الخمسة مشكوكاً فيها فهل تجوز أو لا؟ والأصل المنع، وعلى هذا فنأخذ هذا الشرط الثالث أن يكون فيما دون خمسة أوسق، الشروط الآن ثلاثة، من أين تؤخذ؟
الأول قال: "أن تباع بخرصها".
والثاني: "أن يأكلوها رطبا".
والثالث: أن "تكون فيما دون خمسة أوسق".
الرابع: "التساوي بين الرطب والتمر" لكن بما يئول إليه الرطب، يعني: لا يقول: المائة بتسعين، بل لابد من التساوي.
الخامس: "أن يكون المشتري محتاجاً إلى الرطب"، فإن لم يكن محتاجاً فإنها لا تجوز، لو قال: لا يهمني أكل تمراً أو آكل رطباً، قلنا: إذن لا حاجة إلى أن تتجشم الشيء المحرم الذي لم يرخص إلا لحاجة وأنت لست محتاجا إليه.
السادس: "ألا يكون عنده نقد" ليس فلوس هكذا قال العلماء، ولعل مرادهم: ألا يكون عنده عوض غير التمر، بمعنى: أنه إذا كان عنده بر مثلا أو شعير فإنه لا يحتاج إلى أن يشتريها بتمر.
السابع: "التقابض بين الطرفين" ما هو الدليل على شرط التقابض؟ الدليل على ذبك: أن الأصل في بيع التمر بالتمر أنه لابد فيه من الشرطين: التساوي والتقابض، التساوي هنا عرفنا أنه رخص فيه، والتقابض لم يرخص فيه فيبقى على الأصل، وعلى هذا فلابد من التقابض، وكيف يكون التقابض؟
قال العلماء: أما في النخل فبالتخلية، وأما في التمر فبالكيل، الكيل والأخذ، التمر مبذول من المشتري، لابد أن يكال ويستلمه البائع، الرطب قبضه بالتخلية، كيف ذلك؟
أن يقول البائع للمشتري: هذه النخلة وثمرتها لك يخلي بينه وبينها، الثامن: "أن تكون على رءوس النخل"؛ لأنه هكذا جاء في الحديث: "على رءوس النخل"، فإن كانت قد جزت فهل تجوز أو لا؟ الجمهور على أنها لا تجوز؛ لأن الفائدة التي من أجلها رخص فيها تزول؛ إذ إنه رخص فيها تزول؛ إذ إنه رخص فيها من أجل أن يأخذها المشتري رطباً شيئاً فشيئاً، لكن ينزله أربعة أوسق رطب لا يستفيد، قال بعض الناس: وبما يكون عنده ثلاجة ويستفيد، نقول: بدل من أن يجعله في الثلاجة ويخسر عليه الكهرباء وربما تفسد الثلاجة أو تطفأ الكهرباء ويفسد عليه التمر نجعله على رءوس النخل أحسن وأولى، لهذا فهذا الشرط لابد منه أن يكون على رءوس النخل.
стр. 1878
فإن قال قائل: إذا كان هذا الفقير أتى بشيء قليل كصاع مثلاً واشترى به رطباً يئول إلى صاع، إذا صار تمراً من أجل أن يقدمه إلى صيوف عنده فهل ترخصون له في ذلك؟
نقول: على رأي جمهور العلماء لا نجيزه؛ لأنهم يشترطون أن يكون على رءوس النخل، ولكن لو قال قائل: إن اشتراطه على رءوس النخل فيما إذا كان غرض المشتري أن يأخذه شيئا فشيئاً، فأما إذا كان غرض المشتري دفع حاجته الحاضرة فالظاهر أنه لا بأس به، لاسيما إذا تعذر أو تأخر بيع هذا التمر بدراهم ثم يشتري بالدراهم رطباً، أما إذا أمكن بسهولة أن يبيع التمر بالدراهم ثم يشتري الرطب فهذا كما قال النبي ﷺ : «بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا»، فصارت الشروط ثمانية.
من فوائد الحديث: أولاً: الدلالة على ما ذكره العلماء من أن المشقة تجلب التيسير، وهذه مأخوذة من عدة نصوص منها قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٨٧]. فلما شق على هذا التفكه بالرطب يسر الله له بجواز شرائه بماذا؟ بالتمر، فالمشقة تجلب التيسير.
ومن فوائد الحديث: الدلالة على القاعدة العامة أن الدين الإسلامي لم يكن فيه حرج لا في العبادات ولا في المعاملات، فإذا تعذر على الإنسان إلا أن يتعامل بهذه الصفة فإنه من قواعد الشريعة أن ييسر له الأمر، ولكن التعذر لابد أن يتحقق.
ومن فوائد الحديث: ما أشار إليه ابن القيم أن ما حرم تحريم الوسائل فإن الحاجة تبيحه دون الضرورةـ يعني: أن القاعدة في المحرم ألا يباح إلا عند الضرورة بشرط أيضا أن تندفع ضرورته به، وفد مر علينا هذا أن الحرم يجوز للضرورة وأن تندفع الضرورة به، الشرط الأول للضرورة: ألا يوجد مباح سواه، والثاني: أن تندفع ضرورته، فإن لم تندفع ضرورته به فإنه لا يحل، ولهذا حرم التساوي بالشيء المحرم؛ لأنه لا ضرورة إليه لجواز أن يشفى المريض بدونه، ولأنه لا يتيقن زوال الضرورة بتناوله، فالشرطان كلاهما مفقود في التداوي بالمحرم، المهم: أن القاعدة التي دل عليها المحرم لا يبيحه إلا للضرورة إذا اندفعت الضرورة به، دليله قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩]. لكن قال
стр. 1879
العلماء ما كان محرما تحريم الوسائل فإن الحاجة تبيحه، وذكروا لذلك أشياء منها: مسألة العرايا لا يجوز بيع الرطب بالتمر كما في الحديث السابق أن الرسول سئل عن شراء الرطب بالتمر فقال: «أينقص إذا جف؟ » قالوا: نعم، فنهى عن ذلك، لكن في العرايا أجاز الشارع اشتراء الرطب بالتمر، لماذا؟ لأن منع بيع الرطب بالتمر خوفاً من أن يكون وسيلة إلى ربا الفضل أن الناس يتدرجون فيقولون: إذا جاز البيع بالرخص في الرطب مع التمر فليجز أيضاً في التمر مع التمر، وحينئذ يقعون في الربا، فلما كان تحريم ذلك من باب تحريم الوسائل أباحه الشارع للحاجة إليه، ومن ذلك: تحريم الحرير على الرجال فإن الحاجة تبيحه، فالحكة التي تصيب الإنسان تجيز له أن يلبس الحرير لتخف عنه، ومن ذلك تضبيب الآنية بالفضة تبيحه الحاجة، لماذا؟ لأن أصل تحريم هذا خوفاً من أن يتدرج الإنسان منه إلى أن يتخذ إناء كاملاً من الفضة ويستعمله في الأكل والشرب، فتحريم التضبيب بالفضة تحريم وسائل فأباحته الحاجة، ولماذا لا تقول الضرورة؟ بإمكانه أن يشرب في إناء آخر وبإمكانه أن يضبب بحديد أو رصاص.
ومن ذلك أيضا: تحريم النظر إلى وجه المرأة الأجنبية فإنه كم باب تحريم الوسائل لكونه وسيلة إلى الزنا ولهذا أجاز النظر إليه للحاجة كالخطبة، فإن الخطيب يجوز أن ينظر إلى وجه المخطوبة، ولو كان تحريمه تحريم قصد وغاية ما جاز؛ لأن نظر الخاطب إلى مخطوبته ليس ضرورة، إذ يمكنه أن يوكل من ينظر إليها من النساء الثقات؛ إذن هذه القاعدة لها عدة صور وهي: ما كان محرما تحريم وسيلة فإن الحاجة تبيحه وإن لم يضطر إليه.
من فوائد الحديث: جواز العرايا في ثمر النخل لقوله في حديث أبي هريرة: "يخرصها من التمر"، وهل يلحق بالنخل ما سواها كالتين والعنب، فيكون الإنسان محتاجاً إلى التفكه بالعنب فيشتريه بالزبيب أو إلى التين الرطب فيشتريه بتين يابس، اختلف العلماء في هذا فقال بعض العلماء: إنه لا يجوز القياس؛ لأن لدينا حديثا عاماً نهى عن بيع المزاينة استثنى منه العرايا فيبقى العام على عمومه، وتخرج منه صورة التخصيص، وهي العرايا في التمر، أما غيرها فلا يجوز، قالوا: ولو جازت العرايا في غير التمر لجازت بين الحب والزرع، والحب والزرع لا يجوز للإنسان أن يشتري زرعاً بحب وهو يريد سنبله، وهذه الصورة ممنوعة بالاتفاق فيما أعلم، ولكن بعض أهل العلم ذهب إلى جواز العرايا في العنب والتين ونحوهما مما يتفكه به ويمكن
стр. 1880
خرصه، واستدل لذلك بأن الشريعة مطردة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مفترقين، وإنما ذكرت العرايا في التمر؛ لأن هذه المعاملة هي التي كانوا يفعلونها، العنب ليس كثيراً عندهم ولهذا يأتيهم الزبيب من الشام والتين، كذلك المدينة أكثر ما فيها التمر فلهذا جاءت العرية في التمر؛ لأنه الكثير عندهم، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وهذا القول هو الصحيح، وأما النقد بمسألة الحب بالزرع على أهلها لإخراج زكاتها، السنة جاءت بخرص ثمار النخل، أما الزروع فلم تآت به، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع العلماء على أن الزروع لا تخرص من أجل معرفة مقدار الزكاة فيها، وعللوا ذلك بأنه لا يمكن الإحاطة بها، إذ إن الحب محفوف بقشر، والقشر عليه عود، لهذا لا يمكن أن نقيس الرطب المشاهد المعلوم الممكن خرصه لا يمكن أن نلحق به ما كان مستوراً بقشوره.
من فوائد الحديث: التضييق في مسألة العرايا بأن تكون فيما دون خمسة أوسق، وهل هذا الشرط في الصفقة الواحدة أو في صفقات متعددة؟ فيه خلاف، فمن العلماء من قال: إنه شرط في الصفقة الواحدة، ومنهم من قال: إنه شرط في الصفقات كلها، وبيان ذلك: رجل عنده عائلة كبيرة احتاج إلى عشرة أوسق فاشترى من فلاح ثلاثة، ومن فلاح ثلاثة، ومن فلاح أربعة، كل صفة بمفردها لا تبلغ خمسة أوسق، لكن مجموعها عشرة فهل المعتبر كل صفقة بمفردها أو المعتبر حاجة الإنسان ويشتري ما زاد على الخمسة أو الخمسة فما زاد بصفقة أخرى؟ فيه خلاف، فقيل: متى اشترى الإنسان دون خمسة أوسق لم يشتر أكثر ولو في صفقة ثانية وثالثة ورابعة، ولكن الصحيح أن المعتبر الحاجة، وأن تكون فيما دون خمسة أوسق في الصفقة الواحدة، وعلى هذا إذا كان الإنسان عنده عائلة كبيرة أو كان رجلاً مضيافاً يغشاه الناس واحتاج أكثر من خمسة أوسق واشترى من عدة بائعين فإن ذلك لا بأس به، والدليل أن الرجل لو اشترى دون خمسة أوسق هل يشتري أخرى؟ نعم، إذا فالمدار على الحاجة لكن لا تبلغ خمسة أوسق في كل صفقة.
ومن فوائد الحديث: أن العبرة بحاجة المشتري، فإذا كان المحتاج البائع فهل تراعيه؟ يعني: صاحب البستان عنده عمال لا يأكلون إلا التمر وهو ليس عنده تمر ويقول: العمال يجوعون وتقولون يثمر بعد شهرين وأنا محتاج، فهل تقول: إن الشرع إذا أجاز للمشتري هذه الصفقة لحاجته للتفكه بالطرب فإجازته للبائع المحتاج للتمر لا تفكها من باب أولى؟ العلماء فيها على قولين: منهم من قال: إن هذه المسألة خرجت من القياس وعن العموم فلا يتعدى فيها النص والحاجة في الحديث للمشتري، ومنهم من قال: إن الشارع لا يفرق بين حاجة
стр. 1881
المشتري وحاجة البائع، فإذا كانت تجوز للمشتري من أجل التفكه بالرطب فجوازها للبائع من أجل حاجته للتمر من باب أولى، والمسألة لا شك أن تجاذبها الدليلان دليل القياس الذي قد يكون جلياً أو مساوياً؛ ودليل الاقتصار على النص فيما ورد فيه التخصيص، على كل حال هذه الحال واردة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن وهذه قاعدة معروفة في الفقه لاعتبار الخرص، وهو أمر ظني من أجل تعذر اليقين، وهذا أمر مطرد، بمعنى: أنه إذا تعذر رجعنا إلى غلبة الظن، ولكن هذا الرجوع إلى غلبة الظن أمر مطرد أم ماذا؟ أحيانا نقول: ارجع لغلبة الظن، وأحيانا نقول: ارجع إلى اليقين، فالظاهر لي بعد تتبع بعض المسائل أن ما كان من العبادات اكتفي فيه بغلبة الظن، مثلاً: إنسان استنجى وغلب على ظنه أنه طهر المحل يكفي ولا نقول باليقين، فقد يتعذر اليقين، وقد يكون هذا الرجل عنده شيء من الوسواس لو يبقى من المغرب إلى العشاء ما تيقن في الوضوء، فيكفى غلبة الظن، ولولا أنه يكفي غلبة الظن لقلنا بوجوب الدلك كما قال به مالك، فالدلك ليس بفرض يكفي أن تضع يديك تحت الماء أو تلقي الماء وترده على ذراعك إذا غلب على ظنك، الصلاة إذا شككت في عدد الركعات وغلب على ظنك الزيادة أو النقص تعمل بها، الطواف كذلك، المهم أن الظن له اعتبار في الشرع حتى فيما يشترط فيه اليقين، إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، في المعاملات لابد من اليقين، فمثلاً: لو أن رجلاً له مريض مورث يرث هذا المريض وغلب على ظنه أن المريض مات قال: الحمد لله مات وأنا وارثه وذهب يبيع أمواله بناء على ظنه أن هذا مات، نقول: لا يجوز هذا، لماذا؟ لأن هذا تصرف في مال الغير والأصل بقاء ملكه، فلا يجوز أن تتصرف حتى تتيقن أنه ميت، ففي المعاملات لابد من اليقين مع أنها قد تخرج في بعض المسائل كتصرف الفضولي.
بيع الثمار:
٨١٤ - وعن ابن عمر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى الباع والمبتاع». متفق عليه.
- وفي رواية: "وكان إذا سئل عن صلاحها؟ قال: حتى تذهب عاهتها".
"النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء مثل قوله تعالى: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: ٣٦].
стр. 1882
﴿ولا تقربوا الزنى﴾ [الإسراء: ٢٢]. ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ [الأعراف: ٨٥]. وأمثلة هذا كثير، المهم: أنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، أي: أن الناعي يشعر بأنه أعلى من المنهي، فإن كان على سبيل المساوي والند فهو التماس، وإن كان من الأدنى إلى الأعلى فقول المسلمين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا تقول: هذا منهي نقول: هذا دعاء؛ لأنك لست تلتمس ولا تستعلي ولكنك تستجدي تشعر بأن الذي تقول له: لا تؤاخذنا فوقك وأعلى منك؛ إذن "نهى" نقول: طلب الكف على وجه الاستعلاء.
واختلف العلماء في قول الصحابي: "نهى"، هل يحمل على الصيغة التي هي المضارع المقرون بلا الناهية أم ماذا؟ لأن بعض العلماء قال: ليس كالصيغة الصريحة؛ لأن قول الرسول ﷺ : «لا تبيعوا الثمار» هذا نهي صريح ليس فيه إشكال، لكن قول الصحابي: "نهى" زعم بعض العلماء أن هذا ليس بصريح في النهي لأنه قد يفهم ما ليس بنهي على أنه نهي بخلاف ما إذا نقل الصيغة نفسها فقال: لا تبيعوا، لو قال النبي ﷺ : لا تبيعوا لكان الأمر واضحاً وصريحاً، ولكن إذا قال: "نهى" فقد يفهم ما ليس بنهي على أنه نهي، لكن هذا القول مرفوض لوجهين:
الأول: أن الصحابة ﵃ أعلم الناس بمدولولات ألفاظ الرسول ﷺ ؛ لأنهم عاصروه وسمعوه، ومن المعلوم أن الإنسان إذا عاصر الشخص عرف كلامه ومدلول كلامه كما يعرف وجهه، نحن الآن إذا طالعنا كلام عالم من العلماء وأكثرنا مطالعته فإننا نعرف كلامه بمجرد ما يمر بنا، وإن كان لم ينسب إليه، فالصحابة ﵃ لا شك أنهم أعلم الناس بمدلولات ألفاظ الرسول ﷺ .
الوجه الثاني: أن الصحابة أورع الناس فيما ينقلونه عن النبي ﷺ وغيره، فلا يمكن أن يتجرءوا يقول: نهى الرسول ﷺ وهو لم ينه هذا مستحيل، وعلى هذا فهذا القول مردود، والذي نرى أن قول الصحابي: "نهى" كقوله: قال رسول الله ﷺ لا تفعل ولا فرق.
وقوله: "نهى عن بيع الثمار"، الثمار جمع ثمر، والمراد به: ثمر النخل وغيرها كل ما يسمى ثمراً كالتمر والعنب والتين والرمان والخوخ وغيرها مما يسمى ثماراً، نهى النبي ﷺ عن بيعه "حتى يبدو صلاحه"، وصلاح كل شيء بحسبه، منها ما يكون صلاحه باللون، ومنها ما يكون بالطعم، ومنها ما يكون باللمس، وقد يكون منها ما يكون بالرائحة، المهم: أن صلاح كل شيء بحسبه، وصلاحه أن يطيب أكله ويكون مهيأ لما ينتفع به فيه.
وقوله: "نهى البائع والمبتاع" البائع: الباذرل للتمر، والمبتاع: الآخذ له، وإنما نص ﵁ على البائع والمبتاع لئلا يقال: إن النهي خاص بالبائغ، لأنه هو الغابن دون المشتري لأنه مغبون، والمشتري إذا غبن لماذا ينهى وهو راض بالغبن، وجه ذلك: أن الثمار إذا يبعت قبل الصلاح
стр. 1883
فإنها عرضة للآفات والعاهات، فإن انتظر بها الإنسان صلاحها فقد يأتيها عاهات نفسدها، وإن أخذها قبل الصلاح فهذا إضاعة مال، فالضرر في كل حال على المشتري أكثر، ولهذا قال: "نهى البائع والمبتاع"، أما البائع فلأن عقده فلأن عقده هذا قد يكون سببا لأكل مال أخيه بغير حق، وأما المشتري فلأنه يبذل ماله بما لا فائدة فيه، لو أصيب بعاهة تضرر وحصلت خصومة بينه وبين البائع، فالحاصل: أن النهي يشمل البائع والمبتاع.
وقوله: وفي رواية "حتى تذهب عاهتها" العاهة: ما يصيب الثمر من فساد، ففي النخل مثلاً الغبير والحشف وتغير الطعم، وكذلك في العنب عاهته أن يتسلط عليه الطير وينقذه حتى يذهب ماؤه وما أشبه ذلك، المهم أنها حتى تذهب العاهة ويأمن من حدوث العاهات، ولكن سيأتينا ما ذكر المؤلف، على كل حال المراد: حتى يطيب أكله ويكون متهيئا للانتفاع به.
من فوائد الحديث: أولاً تحريم بيع الثمار فبل بدو صلاحها، دليل ذلك أن النبي ﷺ عن بيعها حتى يبدو صلاحها.
ومن فوائد الحديث - وهي متفرعة على ما قبلها -: أنه لو وقع العقد عليها لكان العقد باطلاً، لماذا؟
لأن النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، والنهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه كان فعله فاسد؛ لأنك لو صححت مع نهي الشارع عنه كان لازم ذلك أنك جعلته معتبراً والشارع ما نهى عنه إلا من أجل إفساده والبعد عنه وعدم أثره وتأثيره، فلهذا لو بيعت الثمرة قبل بدو الصلاح لكان البيع فاسداً والثمرة للبائع والثمن للمشتري.
استثنى العلماء من هذا مسألتين:
الأولى: إذا باعه بشرط القبض على شرط أن تقطعه اليوم أو غداً، قالوا: هذا جائز، لماذا؟ قالوا: لأن عاهته مأمونة الآن، سيقطع قبل أن يتعرض للعاهات.
فإن قال قائل: هو إذا اشتراه بهذا الشرط فهذا إضاعة للمال؛ لأنه إذا لم يبدو صلاحه فماذا يفعل به والنبي ﷺ نهى عن إضاعة المال؟
فالجواب على ذلك: أن يقال يمكن أن يشتريه الإنسان علفاً لبهائمه كالبلح مثلاً فينتفع به، أما إذا علمنا أنه اشتراه ليجزه ثم يرمى به في الأرض فمنعه؛ لأنه سفيه ولا نمكنه من إضاعة المال.
المسألة الثانية مما استثنوا: قالوا: لو باعه على مالك الأصل فلا بأس به وإن لم يبدو
стр. 1884
صلاحه، كيف على مالك الأصل؟ رجل أخذ هذا النخل مساقاة، المساقاه الشجر فيما لمن؟ لصاحب الأرض؛ القلاح ماله ما اشترط له من الثمر فجاء الفلاح وباعه على مالك الأرض باع نصيبه على مالك الأرض، يقول بعض العلماء: إن هذا جائز؛ لأنه باعه على مالك الأرض.
ومثال آخر: رجل باع نخلاً بعد أن أبرت، فلمن الثمر؟ للبائع، والتأبير: التلقيح، الثمر هنا للبائع، لكن البائع أراد أن يبيع الثمر على مشتري النخل، بعض العلماء يقول: هذا جائز، لماذا؟ قال: لأنه باعه على مالك الأصل، ولكن هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، فالنبي ﷺ "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" استثناء الصورة الأولى وهي ما إذا شرط القطع وقطعه؛ لأنه مال ينتفع به، لكن هذه المسألة يحتاج من ادعى جوازها إلى دليل، قالوا: عندنا دليل وهو قول النبي ﷺ : "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع"، من المبتاع؟ المشتري، قالوا: فأجاز اشتراط المشتري النخل مع أن الثمر لمن؟ للبائع، بمقتض، لكن لو قال المشتري: الثمر معها جاز لنص الحديث، مع أن الثمر لم يبدو صلاحه، قالوا: فهذا دليل أنه إذا اشترى الثمرة مالك الأصل فذلك جائز، لننظر هل هذا الاستدلال بهذا الدليل صحيح؟ إذا نظرنا إلى هذا الدليل وجدنا أنه لا دليل لهم فيه؛ لأنه في هذه المسألة صار الثمر تبعا للشجر ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالا، أليس الرجل يجوز له أن يبيع الحيوان الحامل وحمله تبعا له ولو باع الحمل وحده ما جاز؟ فنقول: في هذا الحديث الذي ذكرتم بين الرسول ﷺ أن الثمر إذا أبر يكون للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ووجه ذلك: أنه تابع للثمرة والعقد واحد، لكنه عقد مستقل، يعقد على الثمرة تباع على مالك الأصل، ونقول: هذا جائز؟ لا يصح هذا القياس، إذن ما الذي يستثنى من هذا الحديث على القول الصحيح؟ الصورة الأولى، وهي: إذا ما باع الثمر بشترط القطع؛ لأن العلة التي من أجلها كان النهي قد زالت.
من فوائد الحديث: حكمة الشرع في المعاملات بين الناس والحفاظ على أموالهم؛ لأن هذا العقد -بيع قبل الصلاح- يؤدي إلى أحد أمرين: إما إلى ضياع المال، وإما إلى النزاع والخصومة، وهذا لا شك أنه من حفظ الأموال من وجه، ومن حفظ المودة بين المسلمين ومن الإبقاء عليها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا ظن توهم خلاف المراد أن ينص على المراد، وذلك أنه نهى عن بيع الثمر قبل صلاحها قال: "نهى البائع والمبتاع"، مع أنه يكفي أن يقول: نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها؛ لكن لما كان قد يتوهم واهم أن المنهي هو البائع وحده لأن الضرر إنما يخشى على المشتري قال: "نهى البائع والمبتاع".
стр. 1885
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى علة المنع؛ حيث قال لما سئل عن صلاحها: "حتى تذهب عاهتها".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان ألا يتعامل معاملة مخاطرة وإن كانت جائزة؛ وذلك لئلا يقع في الندم، لأن الناس إذا عامل معاملة مخاطرة ثم صار الأمر على خلاف ما توقع ندم وحصل له حزن، والشرع يحارب الندم والغم والهم والأحزان، ولهذا شرع الأوراد للإنسان لأجل أن يبقى دائما في سرور.
٨١٥ - وعن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهى. قيل: وما زهوها؟ قال: تحمار وتصفار». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
هذا الحديث كالذي قبه النهي عن بيع الثمار، إلا أن هذا الحديث يشعر بأن المراد بالثمار: ثمار النخل؛ لأنها هي التي تحمار أو تصفار، وقوله: "تزهى" أو تزهو من الإزهاء وهو الطيب زها يزهو يعني: طاب ولذ، ولكنه سئل: "ما زهوها؟ " قال: "تحمار وتصفار"، فأحال على اللون؛ لأن اللون دليل على الصلاح، ولو قلنا: إن الزهو هو الطعم لاحتاج الإنسان أن يأكل قبل أن يبيع، لينظر هل حصل فيها طعم أو لا، لكن اللون كاف، وقوله: "تحمار وتصفار". لا شك أن في هذا الفعل زيادة، وكأن أصلها تحمر وتصفر فزيدت الألف، فهل الزيادة هنا تدل على المبالغة، وأن المعنى تحمار احمراراً بينا وتصفار اصفراراً بينا، أو أن هذا الألف تدل على المقاربة؟ يعني: تحمار يظهر فيها الحمرة وإن لم تكن بينة مثل ما نقول: هذا الثوب محمر أو مصفر هذا دون قولنا: هذا الثوب أحمر وأصفر؟ في هذا قولان للشارح: قول بأن المعنى: تحمار أي: تبلغ غاية الحمرة، وتصفار كذلك؛ لأن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى في الغالب، وقول أن هذه الصيغة تفعال تدل على المقاربة دون الكمال، يعني: حتى تقرب من كمال الاحمرار والاصفرار، فعلى القول الأول ننتظر حتى يتبين اللون تماما، وعلى الثاني مجرد ما تميل إلى الحمرة، وتبين أنها من النوع الأول يكفي، فمن احتاط وقال: أؤخر حتى تتبين الحمرة تماماً كان أولى، ومن ترخص وقال: إن ابتداء الحمرة دليل على ابتداء الصلاح اكتفى بذلك.
من فوائد الحديث: فيه دليل على ما سبق من النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فإن وقع العقد عليها بدو الصلاح فالعقد باطل.
ومنها: جواز -بل وجوب- السؤال عن الكلمة التي لا يتبن معناها إلا بالسؤال؛ لأنهم سألوا أنس بن مالك عن الزهر ففسرها لهم.
стр. 1886
ومنها: أنه لا يجوز بيع النخل حتى يحمر أو يصفر، لكن هذا فيما يحمر أو يصفر، وأما بعض النخيل الذي يبقى أخضر لكنه يثمر فهذا يكتفى فيه بطيب الطعم، ولا حاجة إلى اللون.
ومن فوائد الحديث: لو بدا اللون في نخلة ولم يبد في النخلة الأخرى فإنه يصح بيع النخلة التي بدا فيها اللون ولا يصح بيع النخلة الأخرى، لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته، فهذه وجد فيها علة بيعها، وهذه لم يوجد فلا يصح، فإن باع الإنسان بستانه جميعاً فهل يكفي فيه أن يظهر اللون في واحدة منه؛ لأن الصفقة واحدة، وما لم يظهر فيه اللون فهو تبع، أو لابد أن يكون اللون في كل شجرة أو يكتفى في اللون في كل نوع؟ هذه ثلاث احتمالات، فمن العلماء من قال بالأول وقال: إذا بيع البستان وفيه نخلة واحدة ملونة لكنه صفقه واحدة صح البيع، ومنهم من قال: لا يصح البيع إلا إذا وجد اللون في كل شجرة بمفردها، ومنهم من فصل وقال: إن كان النوع واحداً جاز وإلا فلا، وهذا القول -كما ترون- قول وسط، والغالب أن خير الأمور الوسط، وعلى هذا فإن باع البستان جميعاً وكان فيه أربعة أنواع قد ظهر فقط فالرابع لا يصح في نوعين، فالثالث والرابع لا يصح في واحد، فالثاني والثالث والرابع لا يصح، فإن قلت أرأيت لو باع نوعا من النخل ولم يبد الصلاح إلا في حبة واحدة من شجرة واحدة وقد باع النوع صفقة واحدة فلا يجوز؟ هذا نخل سكري عشر نخلات باعه شخص باعه شخص ولم يكن فيه إلا حبة واحدة من شجرة واحجة فإنه يجوز، قال: فإن صعد الشجرة وأكلها ثم باعها بعد أن أكلها هذه وقعت كانوا يبيعون ثمار النخل وشكوا هل هذه فيها شيء أو لا فصعد واحد الشجرة فوجد فيها حبة ملونة فأكلها ثم نزل فهل يصح بيعها؟ الظاهر لي أنه يصح، لماذا؟ لأنه قد بدا فيها الصلاح، وكونه يأكل أو لا يأكل هذا لا أثر له، نعم لو فرض أنه أكل قبل أن يبحث في الموضوع ونحن لم نعلم قلنا: لا نبيعها حتى يتلون.
٨١٦ - وعنه ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد». رواه الخمسة، إلا النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم.
هذا كالذي قبله تقريبا إنما هو مثال مما قبل، "نهى عن بيع العنب حتى يسوده؛ لأن قبل اسوداده لم يبد صلاحه، وهذا في العنب الذي يلون ويكون أسود، أما الذي لا يلون، كما هو معروف يوجد أصناف كثيرة من العنب لا تلون، فالعبرة بكونها صالحة للأكل تكون لينة وحلوة، فإذا لانت واحلوت حل بيعها، "وعن بيع الحب حتى يشتده، ما هو الحب؟ القمح،
стр. 1887
الذرة الشعير، وفول، وعدس، المهم الحب لا يباع حتى يشتد، أما ما دام لينا فإنه لا يباع؛ لأنه لا يبدو صلاحه وتذهب عاهته إلا إذا اشتد، هل يستثنى من هذا شيء؟ نعم يستثنى من ذلك ما إذا شرط قطعه، فإذا اشترى الزرع قبل أن يشتد يريد أن يكون علفاً فالبيع صحيح، يعني: ينتفع به الآن؛ كذلك العنب إذا اشترى عنبا حصرما، لكن هو يرد الحصرم يخلطه في أدوية أو غير ذلك وسيقطعه الآن فهذا لا بأس به، فإن باعه على مالك الأرض في الحب وعلى مالك الشجر في العنب، ففيه قولان لأهل العلم، منهم أجازه، ومنهم من منعه والصواب مع المنع.
ومن فوائد الحديث: جواز بيع الحب في سنبله؛ لقوله: "حتى يشتده" ووجه الدلالة: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، إذا كان الكلام في سياق النفي أو نهيا وجاءت "حتى"، فإن ما بعدها يخالف ما قبلها، فقوله: "لا تبيعوه حتى يشتد" إذن وبعد الاشتداد يحل، وهنا سؤال: كيف يجوز بيع الحب في سنبله وهو مستتر غير معلوم، ثم السنبل في وسط الزرع غير معلوم؛ لأنكم -كما تشاهدون- الزروع بعضها مرتفع قد بدا سنبله وبعضها نازل لا يرى سنبله، فكيف يصح بيعه مع أنه مجهول من جهتين؟ أولاً: لأنه مغلف بالقشر، والثاني: أن السنبل لا يرى كله في الغالب؟ الحاجة داعية إلى ذلك، ولو كلف الناس ألا يبيعوا إلا بعد إخراج الحب لكان في ذلك مشقة شديدة وربما نخرج الحب ونحن نريد ادخاره يفسد الحب، لأن الحب إذا أخرج من قشره صار عرضة للفساد، وإذا بقي في قشره صار أسلم له، ولهذا قال يوسف ﵇ للذي قص عليه الرؤيا: ﴿فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون﴾ [يوسف: ٤٧]- لماذا؟ لأن بقاءه في السنبل حفظ له، ولهذا يقال: إذا بقي الحب في السنبل لا يمكن أن يدخله السوس أبداً، وإذا أخرج لحقه السوس.
إذا نقول: الحكمة في استثناء ذلك: أن هذا مما دعت الحاجة إليه ويتعذر فيه الوصول إلى اليقين، فصار الظن جاريا مجرى اليقين لدعاء الحاجة إليه.
٨١٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق". رواه مسلم.
- وفي رواية له: «أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح».
"لو" هذه شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع، تقول: "لو جاء زيد لأكرمه" فقد امتنع الإكرام لامتناع المجيء، ويقابلها "لما" فإنها حرف وجود لوجود، تقول لما زرتني أكرمتك، فقد وجد الويقابلها "لما" فإنها حرف وجود لوجود، تقول لما زرتني أكرمتك، فقد وجد الإكرام لوجود الزيارة، ويتوسط بينها "لولا" فإنها حرف امتناع لوجود تقول: "لولا تخلفك عن
стр. 1888
زيارتي لأكرمتك" امتنع الإكرام لوجود التخلف فصارت هذه الحروف الثلاثة استغرقت الأحوال، "لو" حرف امتناع لامتناع، و"لما" حرف وجود لوجود، و"لولا" حرف امتناع لوجود، و"لو" هنا شرطية بمنزلة إذا.
وقوله: "لو بعت من أخيك" "من" بمعنى على، يعني: على أخيك ووصفه بالأخوة من باب التغليب، وإلا فمثله لو باعه على كافر فإن الحكم لا يختلف، لكن علقه بالأخوة من باب التغليب.
وقوله: "ثمرا فأصابته جائحة"، "ثمرا" يعني: ثمر النخل، ثمر العنب، ثمر التين، ثمر البر، تقال: أي ثمر، الحديث عام، صيغة العموم فيه التنكير فيه سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
وقوله: "فأصابته جائحة" اسم فاعل، والجائحة: ما يحوج الشيء، والاجتياح الاستئصال، ومنه الحديث: "إن أبي اجتاح مالي"، فإذن جائحة يعني: أصابه ما يستأصله مثل برد أو عواصف أو حر شديد أيبسه أو غير ذلك هذه الجائحة.
قال: "فلا يحل لك أن تأخذ منه" أي: من أخيك، والشرع يذكر الحل ويقابله التحريم، فإذا نفى الحل يثبت التحريم فهما متضدان شرعا، وإن شئت فقل: متناقضان شرعاً لا حساً وعقلاً فإن الشيء إذا انتفى عنه الحل الشرعي ثبت تحريمه، ألا ترى إلة قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخلاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بنه فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم) [النساء: ٢٣، ٢٤]. فجعل هذا مقابل هذا.
وقوله: "فلا يحل لك أن تأخذ منه" الضمير يعود على الأخ المشتري، "شيئاً" أي شيء يكون؛ لأن الثم فسد كله فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، ثم علل فقال: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " بين السبب والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، يعني: أنه يوبخ من أخذ المال الذي باع به هذه الثمرة، لأنه أخذه بغير حق، وضد الحق الباطل أخذه بباطل، لماذا؟ لأن هذا الثمر الذي باعه لم يستفد منه المشتري شيئاص، جاءه ما يجتاحه، فالحديث كما ترون صورته واضحة:
стр. 1889
رجل باع تمر نخل على آخر، وليكن بمائة ريال، ثم أصاب هذا التمر جائحة نزل عليه مطر وأفسده حتى انهمر في الأرض، فالمشتري إذا لا يستفيد منه شيئا، نقول: لا يحل للبائع أن يأخذ من المشتري مائة ريال، ويكون الثمن الذي فسد للبائع، وهنا يقول: "بم تأخذ مال أخيك؟ " فيدل هذا على أن الثمن لم ينتقل إلى البائع؛ لأنه لو انتقل إلى البائع لم يصح أن يقال: مال أخيك؛ إذن ما زال على المشتري، ولا يحل للبائع منه شيئاً.
ففي هذا الحديث: دليل على مسائل الأولى: ما يعبر عنه أهل العلم بـ"وضع الجوائح" يعني: هل توضع الجوائح أو لا؟ اختلف في هذا أهل العلم، فقال بعضهم: إن الجائحة لا توضع وإنها على المشتري؛ لأن المشتري اشتراها على وجه صحيح الثمن معلوم، والمثمن معلوم، ودخلت ملك المشتري وحصل التسليم؛ لأن تسليم الثمر على النخل يكون بالنخلية، وقد خلى البائع بين الثمرة وبين المشتري، وإذا كان كذلك فإن الجائحة لا توجب انفساخ البيع، ويكون الثمن حلالا للبائع والثمر الذي أصيب بالجائحة للمشتري، وهذا حبه، هذا قول وعرفنا تعليله وهو أن المشتري تملك هذا الثمر بعقد شرعي صحيح، وأن التسليم حصل كاملاً، فالمبيع مقبوض، والبيع صحيح، والخراج بالضمان، فيكون ضمانه على المشتري وليس على البائع شيء في المسألة: أن ثبوت وضع الجوائح، يعني: أننا نثبت ذلك، وأنه إذا أصيب الثمر بجائحة فإنه لا يحل للبائع أن يأخذ شيئاً من المشتري، ويكون التلف على البائع، قال هؤلاء: وبيننا وبينكم سنة رسول الله ﷺ والسنة حاكمة لا محكوم عليها، وكل شيء يخالف السنة ولو بني على رأي ونظر فهو باطل، وعلى هذا فنحن أسعد بالدليل منكم، يقولونه لمن يقولون بعد وضع الحوائج؛ لأن معنا حديث للرسول ﷺ قالوا: يمكن أن يحمل الحديث على أنه من باب المروءة وحسن الخلٌ، فلا ينبغي أن نأخذ منه شيئا؛ لأن الرجل اشترى الثمر للأكل ولم يحصل له أكله، فلا يحسن أن نأخذ منه شيئا، قالوا لهم: هذا يبطله النص؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «فلا يحل لك؟ فالحديث صريح، ونقول: وضعه ليس من باب المروءة، بل من باب الإلزام بالشرع، فلا يحل للبائع شيء، قالوا: إذن هذا الحديث على خلاف الأصول الشرعية، فما الجواب؟ الجواب: أن هذا جاز على الأصول الشرعية، ووجه ذلك: أولا: أن النص أصل شرعي بنفسه؛ لأن بعض الناس يقول: الإجارة على خلاف الأصل؛ لأنها بيع معدوم المنافع تأتي شيئا فشيئا السلم على خلاف الأصل لأنه غرر ويأتون على مثل هذه الأشياء، ويقولون: خلاف الأصل، فنقول: بارك الله فيكم، الدليل أصل
стр. 1890
برأسه فلا حاجة لقولكم: على خلاف الأصل، بل نقول: الدليل هو الأصل، فإذا ثبت الحديث وثبت الدلالة، فهذا هو الأصل، إذن فنقول: هذا على وفق الأصل؛ لأنه نص حديث، والحديث أصل، أنتم دائنا تقولون: الأصل في هذا الكتاب والسنة إذن فهو أصل، ثانيا: من جهة النظر هو جار على الأصل؛ لأن المشتري إنما اشترى الثمرة لينتفع بها ويأكلها فجاءتها جائحة قبل أوان الأكل [فلم ينتفع] هل قضى ما أراد؟ لا، فإذا قالوا: التخلية، قلنا: أي فائدة في التخلية؟ إنما تكون التخلية في العقار في البيت صح إذا أجرته أعطه المفتاح ويدخل، لكن بعت الثمرة ليأكلها وقد أتاها العاهة قبل أوان الأكل ما الفائدة، المشتري يقول: اجعل نخلك عندك حتى يطيب أكلها وتؤكل، إذن فالحديث موافق للأصول من وجهين؛ إذا صار هذا جار على الأصول.
فيستفاد منه: أنه إذا أصيبت الثمرة بجائحة فإنه لا يكون للبائع شيء.
ومن فوائد الحديث: لو أصيب بفعل آدمي غير الجائحة وغير المشتري فهل يأخذ البائع من المشتري شيئا أو لا؟ نقول: إن كان هذا الذي أخذ الثمرة مما لا يمكن تضمينه فهو كالعاهة السماوية، كالجائحة السماوية، مثال من لا يمكن تضمينه كالجنود جاء الجند وأخذوها جاء الكفار وأخذوها ولا يمكن تضمينه، نقول: هذه كالجائحة من السماء لعدم إمكان تضمين الآخذ، وإن كان الآخذ ممن يمكن تضمينه كرجل معين فماذا يكون الحكم؟ قال أهل العلم يخير المشتري بين الرجوع على الذي أخذها أو على البائع، فإن رجع على الذي أخذها سلم البائع، وإن رجع على البائع أخذ البائع من الذي أسلف الثمرة، مثاله: بعت ثمرة على شخص فجاء السارق في الليل فجزها ومشى بها وهو معروف، أو جاء إنسان غلط فيها يحسب أنها نخلة فأخذها معه، فماذا نقول؟ نقول: يخير المشتري بين أن يبقى العقد ويطالب من أخذ الثمرة، أو يفسخ العقد ويكون المطالب البائع، أيهما أحسن؟
ينظر للمصلحة، لأن الخيار هنا خيار تشه إن شاء أمضى البيع ورجع للذي أخذ الثمرة، وإن شاء فسخ البيع والبائع يرجع على الذي أخذ الثمرة، هذه خمس مسائل، بجائحة هذه واحدة، الثانية: بفعل المشتري، والثالثة: بفعل أجنبي، وذكرنا أن هذا ينقسم إلى قسمين إذا أتلفه من يمكن تضمينه أو لا يمكن، الرابعة: إذا تلفت ببهائم جاعت بالليل وأكلت الثمرة ولا يعلم لها مالك فكيف يكون الحكم؟ هذا كالجائحة السماوية، يعني: أن المشتري يرجع على البائع،
стр. 1891
المسألة الخامسة - لو أن المشتري أخر جني الثمر عن وقته حتى أصيب بجائحة فهل على البائع ضمان؟ لا، الضمان على المشتري؛ لأنه مفرط بتأخيرها عن وقت جزها حتى تلفت.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه إذا تلفت بعض الثمرة دون بعضها فلكل حكم لقوله: "يم تأخذ مال أخيك بغير حق"، فإذا أخذ البائع عوضاً عن التمر الباقي صالحاً فقد أخذه بحق، لكن لا يأخذ عن التمر التالف وهل يأخذه بقسطه من القيمة أو بقسطه من الثمن؟ مثال ذلك: اشترى هذه الثمرة بمائتي درهم وأصاب نصفها جائحة وبقي النصف الثاني بمائة عندما أردنا تقويمها، قالوا: الآن الثمرة لو كانت صالحة لا تساوي إلا مائة فقط، فهل نقول: يأخذها باعتبار القيمة فيكون عليها خمسون أو باعتبار الثمن ويكون عليه مائة؟ نقول: باعتبار الثمن؛ لأن الرجل اشتراها بمائتي درهم فذهب نصفها يسقط عنه نصف الثمن، ولو قلنا: نصف القيمة كم يسقط عنه؟ يسقط عنه خمسون، والعكس بالعكس، وقد تكون القيمة أكثر مما وقع عليه العقد.
ومن فوائد الحديث: أن دين الإسلام دين العدل، بحيث لا يحكم بجوز على أحد المتعاقدين، بل هو دين العدل، وهذه الفائدة يتفرع عليها مسائل كثيرة في باب الجنايات، وفي باب القصاص، وفي مسائل كثيرة، فمثلا لو أن رجلا قطع يد رجل في مخلب -الذي يحصد به الزرع وتجظ به الثمرة- وحكمنا عليه بالقصاص، يعني: على القاطع فهل نقطع يده بمخلب أو بآلة حادة سريعة؟ نقطعها بمخلب؛ لأن هذا هو العدل، كيف نقطع هذا الجاني المجرم بشيء سريع مريح وهو قد آذى المجني عليه، ويدل لذلك عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ويدل له أيضا خصوص الحديث الوارد في قصة اليهودي الذي رض رأس الجارية الأنصارية وأخذ منها أوضاحها، وهي من ذهب أو من فضة فأدركوها وهي في آخر رمق، فقالوا: من فعل بك هذا فلان، فلان، فلان حتى وصلوا إلى اليهودي، فأومأت برأسها: أن نعم، فأمر النبي ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين مع أنه ممكن أن يذبحه بالسيف لكن العدل يقتضي أن يفعل بع كما فعل، والمهم أن دين الإسلام مبين على العدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. ومر علينا مسائل كثيرة تنبني على هذه القاعدة مثل قوله ﷺ : «الخراج بالضمان». وأمثلتها كثيرة.
من فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ وذلك بذكر العلة بعد الحكم؛ لأن في ذكر العلة بعد الحكم فوائد:
стр. 1892
منها: بيان سمو الشريعة وأنها مبنية على العلل والمعاني الصحيحة الموجبة للأحكام.
والثانية: طمأنينة النفس بالحكم؛ لأن الإنسان إذا عرف مأخذ الحكم ازداد طمأنينة، لا شك في هذا، ولهذا أنتم الآن تسألون إذا قلنا: هذا حرام، تقولون ما الدليل، وإن كان ليس عندك دليل أعطنا تعليلاً حتى وإن كنتم موافقين بالمجيب لكن تريدون زيادة الطمأنينة.
الثالثة: إن كان القياس فيما وجدت فيه هذه العلة.
الرابعة: أنه لو تخلف العلة لتخلف الحكم، مثال ذلك: قال النبي ﷺ : «لا يتناجي اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه»، يعلم من هذا أنه إذا كان لا يحزنه فلا نهي، لأن انتفاء العلة يقتضي انتفاء الحكم، وأنه لو وجدت العلة في غير المناجاة وهو إحزان الجليس لثبت الحكم وإن لم تكن مناجاة، ومثال ذلك: رجلان يعرفان اللغة الفارسية وأنا عندهما لا أعرف الفارسية، فبدأ كل واحد يكلم الآخر باللغة الفارسية ويجعل كلما كلمه جعله ينظر إليه، هذا أمر يحزنني مع أنهما لم يتناجيا، بل حصل ذلك هنا برفع صوت لكن لما كانت لا أدري ما يقولون بحسب اللغة صارا كالمتناجيين اللذين يتكلمان سرا إذن فوائد قرن الحكم بالتعليل أربعة.
٨١٨ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع الذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع». متفق عليه.
"ابتاع" بمعنى اشترى، وباع، بمعنى: شرى ومثله قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يرشى نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ [البقرة: ٢٠٧]. يشري بمعنى: يبيع.
قوله: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر" هل المراد: أصل النخل، أو المراد: ثمر المخل؟ المراد: أصل النخل، يعني: رجل باع نخله، وقوله: "بعد أن تؤبر"، التأبير هو التلقيح، "فثمرتها للبائع" يعني: هذه الثمرة الموجودة في النخلة تكون للبائع مبقاة إلى أوان أخذها، "إلا أن يشترط المبتاع" يعني: يشترط أن هذه الثمرة المؤبرة له، فإن اشترط ذلك وتنازل عنها البائع فالحق له فلا بأس، هذا معنى الحديث.
وقوله: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر ... إلخ» يستفاد منه فوائد:
الفائدة الأولى: أن من اشترى نخلا بعد التأبير فثمرتها للبائع، والحديث في ذلك صريح، والحكمة هو أن البائع عمل في هذه الثمرة عملاً يصلحها لأن التأبير يصلح الثمرة، فلما عمل فيها عملاً يصلحها تعلقت نفسه بها، وصار له تأثير فيها فلذلك جعلها الشارع له.
стр. 1893
ومن فوائد الحديث: أنه لو باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري؛ لأن البائع لم يفعل فيها شيئاً، وظاهره حتى وإن تشقق الثمر، يعني: انفرج الكافور عن الثمرة حتى بدت، خلافاً لقول بعض العلماء: إنه إذا تشقق الثمر فهو للبائع، وهذا القول ضعيف بلا شك؛ لأننا لو علقنا الحكم بالتشقق لكنا محرفين للنص من وجهين:
الوجه الأول: أننا اعتبرنا مناط الحكم شيئاً لم يعتبره الشارع وهو التشقق.
الثاني: أننا ألغينا وصفا اعتبره الشارع، وهذا لا شك أنه جناية، الشارع جعل الوصف للتأبير والعلة واضحة فيه، فلا يصح إلحاق التشقق به، ونظير هذا التحريف -تحريف بعض العلماء ﵏ قول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
وقوله: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». حيث حرفوا الحديث إلى أن المراد به: من تركها جاحداً لوجوبها، ولا شك أن هذا القول ضعيف، لأن من جحد وجوبها كفر سواء تركها أو لم يتركها، حتى لو جاء الإنسان مبكرا إلى الصلاة وحافظ عليها، لكن يرى أنها سنة فهو كافر، فحينئذ نقول: اعتبرنا وصف لم يعتبره الشرع، وألغينا وصفا اعتبره الشارع، وهو الترك، وهذا تحريف بلا شك أن يلغي الإنسان وصفا علق الشارع الحكم عليه، ثم يأتي بوصف آخر ثم هو منتقض بمن يصلي وهو يعتقد عدم الفرضية فإن عندهم كافر، والحديث لا يدل على كفره لو أخذنا بالدلالة التي زعموها؛ لأن الحديث يدل على من ترك، وهذا التأويل الذي يصح أن نقول: إنه تحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤهم جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]. قال المراد بذلك: من قتله مستحلاً لقتله، وقد عرض هذا القول على الإمام أحمد فتبسم، وقال: إذا استحل قتله فهو كافر وإن لم يقتله والوعيد على القاتل، فهذا اعتبار وصف لم يعتبره الشارع وإلغاء وصف اعتبره الشارع.
وسبب ارتكاب مثل هذه الأمور العلة التي يجب التخلي منها وهي أن الإنسان يعتقد ثم يستدل؛ لأنه إذا اعتقد أولاً ثم استدل حاول في كل النصوص التي تخالف اعتقاده أن يحولها إلى ما يقتضيه اعتقاده، وحينئذ يجعل النصوص تابعة لا متبوعة، والواجب على كل مؤمن أن يستدل ثم يعتقد، فيجعل الاعتقاد تابعاً للاستدلال حتى تكون الأدلة متبوعة لا تابعة، على كل حال: نحن نريد استطراد هذا، لكن (زيادة شرح)، إذا باع نخلاً قبل أن تؤبر وقبل أن تشقق فثمره للمشتري، لأن هذا ظاهر الحديث قالوا جب العمل به.
стр. 1894
فمن فوائد الحديث: مراعاة النفوس فيما تتعلق به؛ لأن الشارع راعى البائع الذي أبر النخل حيث تتعلق نفسه به، وهذه حتى في مسائل العبادة، يعني: في المعاملات قد تكون ظاهرة ألم تروا إلى الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ في عام الفتح فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صل هاهنا فأعاد عليه، قال: صلى هاهنا فأعاد عليه قال: شأنك إذن، فلما رأى نفسه متعلقة أن يذهب إلى بيت المقدس قال: دعوه يذهب، وأم المؤمنين عائشة ﵂ أحرمت متمتعة بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع فأصابها الحيض في سرف ولم تتمكن من إتمام العمرة، فأمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمرة، ويحصل لها بذلك أجر عمرة وحجة، حتى قال لها: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك»، لكن لم انتهى الناس من الحج ألحت على رسول الله ﷺ إلا أن تأتي بعمرة، فأذن لها الرسول ﷺ وأرسل معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، ولم يقل له: أحرم بالعمرة؛ لأنك ذاهب إلى الميقات ولم يرشده لذلك؛ مما يدل على أن العمرة بعد الحج خاصة بمن كان مثل عائشة لا لكل أحد.
على كل حال: إن الشرع يعطي النفس شيئا من الحظوظ أجاز النبي ﷺ من إنسان يموت أن يحد في خلال ثلاثة أيام إذ أن النفس قد تنكسر بالمهيبة ولا تستطيع أن نفعل ما كان يفعله الإنسان وهو غير مصاب، فأذن له الشرع بأن يحد ثلاثة أيام فقط، المهم أننا نقول: هذا أن الشرع -ولله الحمد- مناسب للفطرة ولما تقتضيه النفوس وهذه من نعمة الله .
ومن فوائد الحديث: جواز بيع النخل وعليه الثمرة وجواز بيعه قبل التأبير وبعده، ولكن إذا باع النخل فما الذي يتناوله البيع؟ هل يتناول البيع الشجرة نفسها والأرض أو الشجرة وحدها، يعني مثلا بعت عليك نخلة فهل يشمل أرضها أو هو خاص بالنخل فقط، والفرق بين الأمرين أننا إذا قلنا: إنه يشمل الأرض فماتت تلك الشجرة أو أصابها ما يتلفها فهل تبقى الأرض للمشتري أو لا؟ إن قلنا: إن الأرض تتبع النخل فإنه تبقى للمشتري، وإن قلنا: إن الأرض لا تتبع النخل فإن الأرض باقية للبائع، هذه المسألة نقول: المرجع فيها إلى العرف، والعرف عندنا أنه إذا قال الناس: باع فلان نخلة يريدون البستان كله، أرضه وشجره، فإذا كان العرف يقتضي أن النخل هو الشجر فقط دون الأرض، فإن النخلة إذا تلفت فإن المشتري لها لا يملك غرس شيء مكانها؛ لأن البيع لا يشمل الأرض، وهذا قال العلماء فيما إذا رهن نخلا أو أو أوقف نخلا أو ما أشبه ذلك، هل الأرض تتبع النخل أو لا؟ فالأصل أن الأرض لا تتبع، لأن الأرض أصل
стр. 1895
والشجر فرع كما أن الشجرة أصل والثمر فرع، إلا أن يكون هناك عرف يخالف هذا فالمرجع فيه إلى العرف، فالحديث الذي معنا يقول: "من باع نخلا" فالمعقود عليه هو النخل ومعلوم أن النخل في الغالب أنه إذا بيع بعد التأثير سيبقى، ولكن إذا الذي ذكرناه لا يؤخذ في الحيقية من الحديث لا نقيا ولا إثباتا لكن ذكرناه للأهمية.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للمشتري أن يشترط الثمرة بعد التأبير لنفسه؛ لقول النبي ﷺ : «إلا أن يشترط المباع».
ومن فوائد الحديث: أنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا وجهه: أنه لو اشترى إنسان الثمرة وحدها بعد التأبير وقبل بدو صلاحها فقد سبق لنا أنه لا يجوز، ولو اشترى النخل بعد التأبير والثمر في هذه الحال للبائع، واشترطه لنفسه جاز، لماذا؟ لأن الثمر الآن صار تبعا للشجر، أما ما ورد النهي عنه فهو بيع الثمر وحده، وهذه القاعدة أقرها أهل العلم مستندة إلى ما جاءت في السنة أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالا، لو أنه باعه قبل التأبير واشترط على المشتري أن تكون الثمرة له فهل يجوز، يعني: عكس ما جاء به الحديث؛ لأن الحديث باع بعد التأبير واشترط المشتري أن الثمرة له، الصورة التي ذكرت الآن باعه بعد التأبير فالثمرة للمتري لكن البائع اشترطها لنفسه هل يجوز؟ إذا قلنا: يجوز فيبقى هنا إشكال وهو أن البائع تملك الثمر قبل بدو صلاحه، فما الجواب؟ نقول: هذا استدامة ملك، وليس استحداث ملك بمعنى: أن البائع لما باعه استثنى هذه الثمرة من البيع، أي: أبقى ملكه عليه، فظهر الفرق بين شخص يشتري الثمر مستقلا، وبين أن يبقى ملكه عليه.
فإن قال قائل: وإذا قلنا بصحة البيع وأصاب الثمرة جائحة فهل يضمن المشتري البائع؟ لأن الرسول ﷺ قال: «لو بعت من أخي شيئا فأصابته فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا»، فهل هذا البائع الذي اشترط أن الثمرة له إذا أصيبت الثمرة يرجع على المشتري؟
الجواب: لا يرجع، فإن أشكل عليه فإن الحديث واضح يقول: «لو بعت من أخيك ثمرا»، والبائع هنا لم يشتر وإنما استبقى ملكا، فهو لم يملكه من جهد المشتري حتى يضمن إياه ولكنه أبقى ملكه عليه، وعلى هذا فلو أصيب هذا الثمر الذي اشترطه المشتري الثمر الذي يستحقه البائع فأصيب بجائحة، فهل يرجع المشتري على البائع؟
следующие страницы →