Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
المسألة الخامسة - لو أن المشتري أخر جني الثمر عن وقته حتى أصيب بجائحة فهل على البائع ضمان؟ لا، الضمان على المشتري؛ لأنه مفرط بتأخيرها عن وقت جزها حتى تلفت.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه إذا تلفت بعض الثمرة دون بعضها فلكل حكم لقوله: "يم تأخذ مال أخيك بغير حق"، فإذا أخذ البائع عوضاً عن التمر الباقي صالحاً فقد أخذه بحق، لكن لا يأخذ عن التمر التالف وهل يأخذه بقسطه من القيمة أو بقسطه من الثمن؟ مثال ذلك: اشترى هذه الثمرة بمائتي درهم وأصاب نصفها جائحة وبقي النصف الثاني بمائة عندما أردنا تقويمها، قالوا: الآن الثمرة لو كانت صالحة لا تساوي إلا مائة فقط، فهل نقول: يأخذها باعتبار القيمة فيكون عليها خمسون أو باعتبار الثمن ويكون عليه مائة؟ نقول: باعتبار الثمن؛ لأن الرجل اشتراها بمائتي درهم فذهب نصفها يسقط عنه نصف الثمن، ولو قلنا: نصف القيمة كم يسقط عنه؟ يسقط عنه خمسون، والعكس بالعكس، وقد تكون القيمة أكثر مما وقع عليه العقد.
ومن فوائد الحديث: أن دين الإسلام دين العدل، بحيث لا يحكم بجوز على أحد المتعاقدين، بل هو دين العدل، وهذه الفائدة يتفرع عليها مسائل كثيرة في باب الجنايات، وفي باب القصاص، وفي مسائل كثيرة، فمثلا لو أن رجلا قطع يد رجل في مخلب -الذي يحصد به الزرع وتجظ به الثمرة- وحكمنا عليه بالقصاص، يعني: على القاطع فهل نقطع يده بمخلب أو بآلة حادة سريعة؟ نقطعها بمخلب؛ لأن هذا هو العدل، كيف نقطع هذا الجاني المجرم بشيء سريع مريح وهو قد آذى المجني عليه، ويدل لذلك عموم قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. ويدل له أيضا خصوص الحديث الوارد في قصة اليهودي الذي رض رأس الجارية الأنصارية وأخذ منها أوضاحها، وهي من ذهب أو من فضة فأدركوها وهي في آخر رمق، فقالوا: من فعل بك هذا فلان، فلان، فلان حتى وصلوا إلى اليهودي، فأومأت برأسها: أن نعم، فأمر النبي ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين مع أنه ممكن أن يذبحه بالسيف لكن العدل يقتضي أن يفعل بع كما فعل، والمهم أن دين الإسلام مبين على العدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. ومر علينا مسائل كثيرة تنبني على هذه القاعدة مثل قوله ﷺ : «الخراج بالضمان». وأمثلتها كثيرة.
من فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ وذلك بذكر العلة بعد الحكم؛ لأن في ذكر العلة بعد الحكم فوائد:
стр. 1892
منها: بيان سمو الشريعة وأنها مبنية على العلل والمعاني الصحيحة الموجبة للأحكام.
والثانية: طمأنينة النفس بالحكم؛ لأن الإنسان إذا عرف مأخذ الحكم ازداد طمأنينة، لا شك في هذا، ولهذا أنتم الآن تسألون إذا قلنا: هذا حرام، تقولون ما الدليل، وإن كان ليس عندك دليل أعطنا تعليلاً حتى وإن كنتم موافقين بالمجيب لكن تريدون زيادة الطمأنينة.
الثالثة: إن كان القياس فيما وجدت فيه هذه العلة.
الرابعة: أنه لو تخلف العلة لتخلف الحكم، مثال ذلك: قال النبي ﷺ : «لا يتناجي اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه»، يعلم من هذا أنه إذا كان لا يحزنه فلا نهي، لأن انتفاء العلة يقتضي انتفاء الحكم، وأنه لو وجدت العلة في غير المناجاة وهو إحزان الجليس لثبت الحكم وإن لم تكن مناجاة، ومثال ذلك: رجلان يعرفان اللغة الفارسية وأنا عندهما لا أعرف الفارسية، فبدأ كل واحد يكلم الآخر باللغة الفارسية ويجعل كلما كلمه جعله ينظر إليه، هذا أمر يحزنني مع أنهما لم يتناجيا، بل حصل ذلك هنا برفع صوت لكن لما كانت لا أدري ما يقولون بحسب اللغة صارا كالمتناجيين اللذين يتكلمان سرا إذن فوائد قرن الحكم بالتعليل أربعة.
٨١٨ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع الذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع». متفق عليه.
"ابتاع" بمعنى اشترى، وباع، بمعنى: شرى ومثله قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يرشى نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ [البقرة: ٢٠٧]. يشري بمعنى: يبيع.
قوله: "من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر" هل المراد: أصل النخل، أو المراد: ثمر المخل؟ المراد: أصل النخل، يعني: رجل باع نخله، وقوله: "بعد أن تؤبر"، التأبير هو التلقيح، "فثمرتها للبائع" يعني: هذه الثمرة الموجودة في النخلة تكون للبائع مبقاة إلى أوان أخذها، "إلا أن يشترط المبتاع" يعني: يشترط أن هذه الثمرة المؤبرة له، فإن اشترط ذلك وتنازل عنها البائع فالحق له فلا بأس، هذا معنى الحديث.
وقوله: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر ... إلخ» يستفاد منه فوائد:
الفائدة الأولى: أن من اشترى نخلا بعد التأبير فثمرتها للبائع، والحديث في ذلك صريح، والحكمة هو أن البائع عمل في هذه الثمرة عملاً يصلحها لأن التأبير يصلح الثمرة، فلما عمل فيها عملاً يصلحها تعلقت نفسه بها، وصار له تأثير فيها فلذلك جعلها الشارع له.
стр. 1893
ومن فوائد الحديث: أنه لو باعها قبل التأبير فثمرتها للمشتري؛ لأن البائع لم يفعل فيها شيئاً، وظاهره حتى وإن تشقق الثمر، يعني: انفرج الكافور عن الثمرة حتى بدت، خلافاً لقول بعض العلماء: إنه إذا تشقق الثمر فهو للبائع، وهذا القول ضعيف بلا شك؛ لأننا لو علقنا الحكم بالتشقق لكنا محرفين للنص من وجهين:
الوجه الأول: أننا اعتبرنا مناط الحكم شيئاً لم يعتبره الشارع وهو التشقق.
الثاني: أننا ألغينا وصفا اعتبره الشارع، وهذا لا شك أنه جناية، الشارع جعل الوصف للتأبير والعلة واضحة فيه، فلا يصح إلحاق التشقق به، ونظير هذا التحريف -تحريف بعض العلماء ﵏ قول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
وقوله: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». حيث حرفوا الحديث إلى أن المراد به: من تركها جاحداً لوجوبها، ولا شك أن هذا القول ضعيف، لأن من جحد وجوبها كفر سواء تركها أو لم يتركها، حتى لو جاء الإنسان مبكرا إلى الصلاة وحافظ عليها، لكن يرى أنها سنة فهو كافر، فحينئذ نقول: اعتبرنا وصف لم يعتبره الشرع، وألغينا وصفا اعتبره الشارع، وهو الترك، وهذا تحريف بلا شك أن يلغي الإنسان وصفا علق الشارع الحكم عليه، ثم يأتي بوصف آخر ثم هو منتقض بمن يصلي وهو يعتقد عدم الفرضية فإن عندهم كافر، والحديث لا يدل على كفره لو أخذنا بالدلالة التي زعموها؛ لأن الحديث يدل على من ترك، وهذا التأويل الذي يصح أن نقول: إنه تحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤهم جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ [النساء: ٩٣]. قال المراد بذلك: من قتله مستحلاً لقتله، وقد عرض هذا القول على الإمام أحمد فتبسم، وقال: إذا استحل قتله فهو كافر وإن لم يقتله والوعيد على القاتل، فهذا اعتبار وصف لم يعتبره الشارع وإلغاء وصف اعتبره الشارع.
وسبب ارتكاب مثل هذه الأمور العلة التي يجب التخلي منها وهي أن الإنسان يعتقد ثم يستدل؛ لأنه إذا اعتقد أولاً ثم استدل حاول في كل النصوص التي تخالف اعتقاده أن يحولها إلى ما يقتضيه اعتقاده، وحينئذ يجعل النصوص تابعة لا متبوعة، والواجب على كل مؤمن أن يستدل ثم يعتقد، فيجعل الاعتقاد تابعاً للاستدلال حتى تكون الأدلة متبوعة لا تابعة، على كل حال: نحن نريد استطراد هذا، لكن (زيادة شرح)، إذا باع نخلاً قبل أن تؤبر وقبل أن تشقق فثمره للمشتري، لأن هذا ظاهر الحديث قالوا جب العمل به.
стр. 1894
فمن فوائد الحديث: مراعاة النفوس فيما تتعلق به؛ لأن الشارع راعى البائع الذي أبر النخل حيث تتعلق نفسه به، وهذه حتى في مسائل العبادة، يعني: في المعاملات قد تكون ظاهرة ألم تروا إلى الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ في عام الفتح فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صل هاهنا فأعاد عليه، قال: صلى هاهنا فأعاد عليه قال: شأنك إذن، فلما رأى نفسه متعلقة أن يذهب إلى بيت المقدس قال: دعوه يذهب، وأم المؤمنين عائشة ﵂ أحرمت متمتعة بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع فأصابها الحيض في سرف ولم تتمكن من إتمام العمرة، فأمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمرة، ويحصل لها بذلك أجر عمرة وحجة، حتى قال لها: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك»، لكن لم انتهى الناس من الحج ألحت على رسول الله ﷺ إلا أن تأتي بعمرة، فأذن لها الرسول ﷺ وأرسل معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، ولم يقل له: أحرم بالعمرة؛ لأنك ذاهب إلى الميقات ولم يرشده لذلك؛ مما يدل على أن العمرة بعد الحج خاصة بمن كان مثل عائشة لا لكل أحد.
على كل حال: إن الشرع يعطي النفس شيئا من الحظوظ أجاز النبي ﷺ من إنسان يموت أن يحد في خلال ثلاثة أيام إذ أن النفس قد تنكسر بالمهيبة ولا تستطيع أن نفعل ما كان يفعله الإنسان وهو غير مصاب، فأذن له الشرع بأن يحد ثلاثة أيام فقط، المهم أننا نقول: هذا أن الشرع -ولله الحمد- مناسب للفطرة ولما تقتضيه النفوس وهذه من نعمة الله .
ومن فوائد الحديث: جواز بيع النخل وعليه الثمرة وجواز بيعه قبل التأبير وبعده، ولكن إذا باع النخل فما الذي يتناوله البيع؟ هل يتناول البيع الشجرة نفسها والأرض أو الشجرة وحدها، يعني مثلا بعت عليك نخلة فهل يشمل أرضها أو هو خاص بالنخل فقط، والفرق بين الأمرين أننا إذا قلنا: إنه يشمل الأرض فماتت تلك الشجرة أو أصابها ما يتلفها فهل تبقى الأرض للمشتري أو لا؟ إن قلنا: إن الأرض تتبع النخل فإنه تبقى للمشتري، وإن قلنا: إن الأرض لا تتبع النخل فإن الأرض باقية للبائع، هذه المسألة نقول: المرجع فيها إلى العرف، والعرف عندنا أنه إذا قال الناس: باع فلان نخلة يريدون البستان كله، أرضه وشجره، فإذا كان العرف يقتضي أن النخل هو الشجر فقط دون الأرض، فإن النخلة إذا تلفت فإن المشتري لها لا يملك غرس شيء مكانها؛ لأن البيع لا يشمل الأرض، وهذا قال العلماء فيما إذا رهن نخلا أو أو أوقف نخلا أو ما أشبه ذلك، هل الأرض تتبع النخل أو لا؟ فالأصل أن الأرض لا تتبع، لأن الأرض أصل
стр. 1895
والشجر فرع كما أن الشجرة أصل والثمر فرع، إلا أن يكون هناك عرف يخالف هذا فالمرجع فيه إلى العرف، فالحديث الذي معنا يقول: "من باع نخلا" فالمعقود عليه هو النخل ومعلوم أن النخل في الغالب أنه إذا بيع بعد التأثير سيبقى، ولكن إذا الذي ذكرناه لا يؤخذ في الحيقية من الحديث لا نقيا ولا إثباتا لكن ذكرناه للأهمية.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للمشتري أن يشترط الثمرة بعد التأبير لنفسه؛ لقول النبي ﷺ : «إلا أن يشترط المباع».
ومن فوائد الحديث: أنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا وجهه: أنه لو اشترى إنسان الثمرة وحدها بعد التأبير وقبل بدو صلاحها فقد سبق لنا أنه لا يجوز، ولو اشترى النخل بعد التأبير والثمر في هذه الحال للبائع، واشترطه لنفسه جاز، لماذا؟ لأن الثمر الآن صار تبعا للشجر، أما ما ورد النهي عنه فهو بيع الثمر وحده، وهذه القاعدة أقرها أهل العلم مستندة إلى ما جاءت في السنة أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالا، لو أنه باعه قبل التأبير واشترط على المشتري أن تكون الثمرة له فهل يجوز، يعني: عكس ما جاء به الحديث؛ لأن الحديث باع بعد التأبير واشترط المشتري أن الثمرة له، الصورة التي ذكرت الآن باعه بعد التأبير فالثمرة للمتري لكن البائع اشترطها لنفسه هل يجوز؟ إذا قلنا: يجوز فيبقى هنا إشكال وهو أن البائع تملك الثمر قبل بدو صلاحه، فما الجواب؟ نقول: هذا استدامة ملك، وليس استحداث ملك بمعنى: أن البائع لما باعه استثنى هذه الثمرة من البيع، أي: أبقى ملكه عليه، فظهر الفرق بين شخص يشتري الثمر مستقلا، وبين أن يبقى ملكه عليه.
فإن قال قائل: وإذا قلنا بصحة البيع وأصاب الثمرة جائحة فهل يضمن المشتري البائع؟ لأن الرسول ﷺ قال: «لو بعت من أخي شيئا فأصابته فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا»، فهل هذا البائع الذي اشترط أن الثمرة له إذا أصيبت الثمرة يرجع على المشتري؟
الجواب: لا يرجع، فإن أشكل عليه فإن الحديث واضح يقول: «لو بعت من أخيك ثمرا»، والبائع هنا لم يشتر وإنما استبقى ملكا، فهو لم يملكه من جهد المشتري حتى يضمن إياه ولكنه أبقى ملكه عليه، وعلى هذا فلو أصيب هذا الثمر الذي اشترطه المشتري الثمر الذي يستحقه البائع فأصيب بجائحة، فهل يرجع المشتري على البائع؟
стр. 1896
الظاهر لي أنه لا يرجع، وعلى كل حال: لو قيل: يرجع بقدر النخل خاليا من الثمرة وبقدر فيه الثمرة وما بينهما هو قيمة الثمرة، لكنه لا يقدر؛ لأن هذا تابع والحديث يقول: «لو بعت من أخيك ثمرا»، وأنا ما بعت، فهو يشبه -والله أعلم- الصفة، والقول بالرجوع له وجه قوي في الواقع؛ لأن الظاهر أن اشتراط المشتري للثمر سوف يزيد به الثمن يعني: ليس سواء عن البائع أن يبيعه والثمرة له أو أن يبيعه والثمرة للمشتري، فلا شك أن الثمن سيزيد، فلهذا يترجح القول بأنه يرجع على البائع؛ لأن المشتري اشترط أن يكون الثمر له، ويكون قول الرسول ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمراً» هذا بناء على الغالب أما من باع نخلا وعليه ثمر للبائع واشترطه، الظاهر أن القول بأنه يرجع كما لو اشتراه استقلالا قوي، والمسألة تحتاج إلى تأمل؛ لأنه -كما ذكرت- إذا اشترط المشتري أن الثمرة له فسوف يزيد في الثمن بلا شك.
ومن فوائد الحديث: جواز الشرط في البيع، أو بعبارة أصح: جواز البيع مع الشرط، وهذا له أصول كثير تشهد له عموما وخصوصا، فمن الأدلة العامة على جواز الشروط في العقد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. والوفاء بالعقد يتضمن الوفاء بأصله والوفاء بوصفه وكل شرط يشترط قي العقد فهو من أوصافه، والأمر في الآية عام للوفاء بالأصل والوصف ولقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٤]. والمشترط على نفسه شروطا معاهد لمن اشترطه، فتكون هذه الآية تدل على جواز الشروط والوفاء بها، ولقول النبي ﷺ : «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» كل هذه أدلة عامة من الكتاب والسنة، دليلان من القرآن، ودليلان من السنة، أما الخاصة فقد ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث جابر أن الرسول ﷺ اشترى منه جملا واشترط جابر عليه أن يحمله إلى المدينة، فقبل الرسول ﷺ هذا الشرط، وهذا نص في الشرط في البيوع.
وثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ في قصة بربرة حيث اشترطوا أن يكون الولاء لهم فأبطله الرسول ﷺ وقال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فهو دليل على أن هذا الشرط الخاص بالعقد -عقد البيع- لو كان لا يخالف الشرع لكان صحيحاً، وهذا الحديث معناه واضح، إذن فيكون ما جاء في الحديث: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط» يجب أن يكون محمولا على شرط له أثر في إبطال العقد، وأما ما لا أثر في إبطال العقد فلا يعمه هذا الحديث، وقد سبق لنا مثل هذا كثيرا مثل نهي عن بيعتين في بيعة، وقلنا: إن مثل هذه المنهيات تنزل على بقية النصوص، وتحمل على ما دلت النصوص على بطلانه.
стр. 1897
إذا قال قائل: هلى يلحق بالنخل ما عداه كالعنب والتين والبرتغال؟ نعم يلحق به، فما سواه في العلة مثله؛ لأن القاعدة الشرعية أن الشرع لا يتناقض ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا﴾ [النساء: ٨٢]. أما ما كان من عند الله فليس فيه خلل فالشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تساوي بين متفرقين، وإذا توهمت شيئا خلاف هذه القاعدة فاتهم نفسك ولا تعتد برأيك فإن الرأي خوان؛ لأن النصوص محكمة من عند الله محفوظة بحفظ الله، ووهمك قاصر معرض الخطـ فاتهم الرأي في مقابل الشرع ولا تعتد بنفسك.
وعلى هذا فتقول ما ساوى النخل في العلة فهو مثله، فإذا كان الثمر لم يتفتح زهره فإنه يتبع الشجرة ويكون للمشتري، وإذا تبع وتعلقت به النفوس وتفتحت أزهاره فإنه يكون للبائع، ويرجع في هذه الأمور التي ليست فيها تأبير إلى ما قاله أهل الصنف فيها.
* * * *
٥ - أبواب السلم، والقرض، والرهن
كيف قال: "أبواب السلم" والسلم ليس له إلا باب واحد؟
نقول: جمع ذلك باعتبار أنه متضمن لثلاثة أبواب من أبواب العلم، وهي السلم والقرض والرهن، فلنبدأ أولا بالسلم وما هو؟
السلم في اللغة: يظهر لي أنه اسم مصدر تسليما، يقال: سلك تسليما وسلما، ويحتمل أن يكون فعل بمعنى: مفعول؛ أي: مسلم، ويقال في لغة أخرى: السلف، وهو لغة العراقيين، وهو مأخوذ من أسلف أي: قدم، وكلاهما بمعنى التقديم، فهو تقديم العوض وتأخير المعوض، هذا السلم في اللغة، أن تقدم العوض وتؤخر المعوض كيف ذلك؟ أردت أن تشتري مائة صاع بر فجئت إلى فلاح وقلت: بعني مائة صاع بر فقال: ما عندي بر الآن، انتظر حتى يأتي وقت الحصاد، فقال: أعطني دراهم أن محتاج الآن، فأعطيته دراهم وكتبت ما بيني وبينه يسمى هذا سلم وهو الذي قدم فيه الثمن أو العوض وأخر المعوض الذي هو المثمن، وقال الفقهاء: إنه عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد، هذا تعريف طويل، عقد على موصوف في الذمة" أولا: "على موصوف" أنه لا يصح على معين؛ يعني: لا يمكن الإسلاف في شيء معين مثل أن أسلم إليك دراهم في سيارة كالمعلومة هذه لا يصح، وقولهم: "على موصوف في الذمة" أي: لا يصح أيضا على موصوف معين؛ لأن الموصوف قد يكون في
стр. 1898
الذمة وقد يكون معينا، الموصوف المعين مثل: أن أقول بعت عليك سيارتي التي في جراجي صفتها كذا وكذا موديلها (٨٥) ... إلخ، وأذكر نوعها، هذا نسميه موصوف معين؛ لأني ما أشرت إليه لكن عينته بالوصف، وهو يعرف أنه بالجراج، على موصوف في الذمة مثل: أن أقول على سيارتي صفتها كذا وكذا غير معين، والفرق بينهما ليس هذا محل بسطه لكن الكلام على "وصوف في الذمة" ليخرج به شيئان هما: المعين المشار إليه، والمعين الموصوف، "مؤجل" لابد أن يكون هناك تأجيل كما سيأتي في الحديث، "ثمن مقبوض في مجلس العقد"؛ لأنه لا يتحقق الإسلاف إلا بالتقديم، ولأن هذا هو الحكمة من جواز كما سيأتي إن شاء الله.
أما القرض فهو تمليك مال لمن ينتفع به ويرد بدله مأخوذ من القرض بمعني: القطع، لأن المقرض يقطع شيئا من ماله لينتفع به المقترض، ويرد بدله يسمى عند الناس -القرض-: السلف فهذا هو القرض، وسيأتي -إن شاء الله- أن الحامل على القرض ابتغاء وجه الله، ولهذا لا يجوز فيه الربا. وأما الرهن فهو توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو استيفاء بعضه منها أو من بعضه، هذا طويل مأخوذ من الرهن بمعنى: الحبس، قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. أي: حبيسة، نقول الرهن هو: توثقة دين بعين، والرهن عين يمكن استيفاؤه أي: الدين أو بعضه إذا كان أكثر من قيمة العين، منها إذا كان تغطي الدين، أو من بعضها إذا كانت أكثر من الدين.
القرض قلنا: "إنه تمليك مال .... إلخ"، فقولنا: "تمليك مال" خرج به الإجارة والعرية ودخل فيه البيع، لأن فيه تمليك، ودخل فيه الهبة؛ لأن فيها تمليك، لكن سيخرج البيع والربا قولنا: "لمن ينتفع به ويرد بدله" البيع ليس الأمر فيه كذلك؛ لأن البيع تمليك بعوض يأخذ وينتهي، أما هذا فلابد أن أرد بدله، خرج به العرية فإنها ليست تمليكا، ولابد أن أردها بعينها.
حكم هذه الأشياء الثلاثة كغيرها من المعاملات وهو الحل؛ لأن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع، ولذلك أي شخص يقول: هذه المعاملة حرام، تقول له: هات الدليل إن جاء بدليل وصار دالاً على ما قال وجب علينا قبوله والعمل به، بأن ننتهي عن المعاملة، وإن لم يأت بذلك فالأصل الحل؛ لأن الله ، أراد أن يوسع على العباد، ولهذا أنا أسال المعاملة بطمأنينة، ولو كان الأصل التحريم في المعاملة لكان في ذلك تضييق على الخلق، كيف ذلك؟ لأن الواجب على كل إنسان قبل أن يقوم بأي معاملة أن يعلم حكم الشرع فيها من حيث الحل أو الحرمة وهذا يصعب على الناس، لاسيما العامة في أسواقهم وتجاراتهم فالأصل أن أتعامل بما شئت حتى يقوم دليل على المنع.
إذن نقول: السلم والقرض والرهن الأصل فيها الحل، قال بعض الناس: إن السلم على
стр. 1899
خلاف القياس؛ لأن السلم بيع معدوم، والقياس أن بيع المعدوم لا يجوز وغير صحيح، فهو ليس بشيء حتى يعقد عليه فإذا جاءت السنة بجواز السلم فهذا على خلاف القياس فأولا: يجب أن ننظر في هذا القول هل هو سليم أو كسير؟ هذا كسير كسراً لا ينجبر لماذا؟ لأن السنة أصل بنفسها فلا يمكن أن يأتي دليل من الكتاب والسنة ثم نقول: أنه على خلاف القياس أو على خلاف الأصل، من الذي يؤصل الأصول؟
الله ورسوله، فإذا جاءت السنة بدليل يدل على أن هذا جائز أو هذا حرام، لا يسوغ لنا أن نقول: هذا على خلاف الأصل، بل نقول: هذا على وفق الأصل؛ لأن الكتاب والسنة هما الأصل، فهذا القول باطل من أصله ولا يمكن أن يقال عن شيء ثابت بالكتاب والسنة إنه على خلاف الأصل، العجيب أن بعض الناس قال: إن النكاح على خلاف الأصل، معناه أن كل زيجاتنا على خلاف الأصل، لماذا؟ قال: لأنه عقد على منفعة مجهولة لا تدري متى تموت المرأة أو متى تموت أنت، وأنت عاقد عليها إلى الموت وأنت لا تدري متى تموت وهي كذلك، إذن هذا على خلاف الأصل وخلاف القياس، أقول: هذه الكلمة باطلة من أصلها بماذا نبطلها؟ بأن نقول: ما ثبت بالدليل الشرعي فهو أصل بنفسه، الكتاب والسنة هما أصل الأصول.
نرجع هل صحيح أن هذا على خلاف الأصل الذي أصلوه؟ الجواب: لا، ليس بصحيح، لأن السلم عقد على موصوف في الذمة، والممنوع شرعا أن يعقد على معين غير موجود، لو عقد على معين غير موجود صح، وكيف يكون بعينه وهو غير موجود مثل أن يقول: أسلمت إليك فيما تحمل به هذا الشاة، هذا لا يصح؛ لأنه معين، أو على قول كثير من العلماء: أسلمت إليك فيما يحمل بستانك هذا لا يجوز؛ لأنه معين ويستقضي أن يكون بيع معدوم، وإذا كان الرسول ﷺ نهى عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحها، فنهيه عن بيع قبل أن تخلق من باب أولى.
على كل حال نقول: هذا عقد على موصوف بالذمة متعلق بذمة العاقد وليس له دخل بالمعقود عليه، المعقود عليه غير معتبر، المعتبر ذمة العاقد، ولهذا لو أن النخيل أو نخلي أنا أيها المسلم إليه لم يثمر يبقى المبيع في ذمتي فهو على وفاق الأصل؛ لأنه لم يخالف الأصول وفيه مصلحة عامة للمسلمين، فكان موافقا للأصل، وهذه النقطة ينبغي لطالب العلم أن يدركها، وهو يرى في كلام بعض أهل العلم يمر به أشياء يقول فيها: هذا على خلاف الأصول، فنقول: هذا قول باطل ليس في القرآن والسنة ما هو على خلاف الأصل، ثم نقول: إن السلم على وفاق الأصل لما فيه من المصالح العظيمة: مصلحة المسلم والمسلم إليه والمعقود عليه غير معين، فلا ينطبق عليه أن بيع معدوم.
стр. 1900
أما الرهن فهو توثقة دين بعين الموثق بالدين هو المطلوب ويسمى راهناً، والموثق له هو الطالب ويسمى مرتهنا، وقول المؤلف: "توثقة دين" يعني: أنه لا يصح الرهن لتوثقة عين، مثل أن يأتيني رجل فيقول: أعرني كتابك، فأقول: لا أعيرك إلا برهن، فيقول: هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ليس توثقة دين، والصحيح أنه يجوز توثقة الدين، والعين، والمنفعة، كما لو استأجرت أجيراً وطلبت منه الرهن؛ لأن المقصود هو التوثيق في أي حق من الحقوق سواء كان دينا أو عينا أو منفعة، وقوله: "توثقة دين بعين" ظاهرة أيضا أنه لا يصح أن أوثق دينا بدين، كيف ذلك؟ يأتي رجلا يقول أقرضني ألف ريال، فأقول: لا بأس، لكن تطلب من فلان ألف ريال يكون رهنا للدين عند فلان، وتخبره بذلك، فيقول: نعم، أنا قصدي لما قلت: الدين لذمة فلان توثة لأن فلانا عندي أوثق من هذا الرجل هذا ممكن أن يقول بعض العلماء: لا يجوز، ولكن الصحيح أنه جائز؛ لأن هذا عقد ضمان ليس عقد معارضة، حتى نقول: لابد فيه من القدرة على التسليم، يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، صحيح لأنه لو لم يمكن استيفاؤه ما صح الرهن لو جاء إلى رجل وقال: أقرضني مائة ريال فقلت: أرهني كلبك، الرهن هنا لا يصح لماذا؟ لأنه لا يمكن استيفاء الكلب منه إذ إن الكلب لا يصح بيعه فلا فائدة.
٨١٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: «قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». متفق عليه.
- وللبخاري: "من أسلف في شيء".
قوله: "قدم المدينة" يعني: في الهجرة في السنة الثالثة عشرة من بعد البعثة، وكلكم تعرفون أسباب هجرة النبي ﷺ وكيف هاجر، وقدم في ربيع الأول، "وهم يسلفون" الجملة هذه جملة حالية، يعني: والحال أن أهل المدينة، "يسلفون في الثمار" أي: يقدمون فيها، المقدم: المشتري والمقدم إليه: البائع، ولهذا يقال: أسلف الثمر يعني: قدم الثمن في الثمر الذي اشتراه، فيأتي الفلاح إلى الرجل ويقول: أسلفني دراهم بثمر، فيسلفه دراهم بثمر، ينتفع الطرفان، الفلاح ينتفع بالدراهم يقضي بها حوائجه، والتاجر ينتفع بزيادة المبيع؛ لأننا إذا قدرنا أن الثمر يباع بدرهم فسوف يأخذ الصاع في السلم بثلاثة أرباع درهم، أو أربعة أخماس درهم، وليس من المعلوم عادة أن يسلم إلى شهر بالثمن الحاضر؛ لأن الناس يريدون التجارة والربح من وراء المعاملات، يعني: مثلا لا يمكن أن يسلم مائة درهم بمائة صاع، والصاع يساوي درهما وقت
стр. 1901
الإسلاف لماذا؟ لأنه ليس له مصلحة ولا فائدة، إنما يمكن أن يسلم خمسة وتسعين درهماً بمائة صاع، والصاع يساوي درهما فيربح خمسة وعشرين في المائة المهم: أن الرسول ﷺ أقرهم، فقال ﷺ : «من أسلف في ثمر»، وفي لفظ: "في ثمر"، وفي لفظ للبخاري: «في شيء» فيكون أعم، «فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، «من أسلف»، يعني: قدم الثمن، «في شيء» هذا هو المثمن مؤخر لقوله: "إلى أجل"، "فليسلف" اللام هذه للأمر وهي جواب الشرط جواب "من" واقترنت هذه الجملة بالفاء؛ لأنها طلبية، وقد نظم في هذا البيت: [الكامل]
(اسمية طلبية وبجامد ... وبما قد وبلن وبالتنفيس]
وقوله: "فليسلف" اللام هذه للأمر؛ يعني: فليقدم، "في كيل معلوم ووزن معلوم" فحصر المسلف فيه إما مكيلا وإما موزونا، الثما واضحة أنها مكيلة، فهي لا تكون موزونة، فما الجواب عن هذا، هل نقول: هذا يدل على أنه يجوز الإسلاف في المكيل وزنا أو أن الرسول ﷺ أراد أن يعمم فيذكر ما يحتاج الناس إليه من الكيل وما قد يصدر من الشيء الموزون؟ هذا محل خلاف، والحديث محتمل، والخلاف موجود بين العلماء، قال: "إلى أجل معلوم" الأجل: المدة المتأخرى، "معلوم" يعني: غير مجهول، وقوله: "إلى أجل معلوم" هل الشرط هنا منصب على قوله: "معلوم"، أو على الأمرين جميعا إلى أجل ومعلوم؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: إن الشرط منصب على الموصوف والصفة، الموصوف الذي هو "الأجل" والصفة التي هي "معلوم" فعلى القول الأول يجوز السلم حالاً، وعلى القول الثاني لا يجوز.
فهذا الحديث فيه توسعة على المسلمين في معاملاتهم؛ لأن هذا السلم نوع من المعاملات التي فيها سعة للبائع والمشتري، فيكون هذا فرداً من أفراد لا تحصى دالة على أن هذه الشريعة سمحة موسعة ولله الحمد.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: جواز السلم، لأن النبي ﷺ أقرهم عليه لكن أدخل عليه لكن أدخل عليه شروطا، إنما هذا مأخوذ من جواز السلم في الأصل، وهو أمر مجمع عليه -فيم أعلم- وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس ﵁: إن السلم حلال في كتاب الله ثم تلا هذه الآية، وعلى هذا فيكون السلم ثابتا بالكتاب والسنة.
وهل السلم على وفق بالقياس، أو على خلاف القياس؟ ذكرنا أن هذه العبارة التي كانت
стр. 1902
من بعض العلماء فيها نظر من وجهين، الوجه الأول: أن كل حكم ثبت بنص فهو على مقتضى القياس؛ لأن النص أصل برأسه وقياس برأسه، فلا حاجة إلى أن نقول: إن هذا على خلاف القياس أو على وفقه، الثاني: أن كل شيء قالوا: إنه على خلاف القياس فإنه عند التأمل تراه موافقا للقياس، فالعبارة فيها نظر من وجهين، فنحن نقول: السلم على وفق القياس للوجهين المذكورين، أولاً: أنه قد ثبت به النص، وثانيا: أن فيه منفعة للخلق، فالبائع ينتفع والمشتري ينتفع، وتوهم بعض العلماء، فقال: إن هذا من باب بيع المجهول، وبيع المجهول الأصل فيه المنع، فيكون هذا على خلاف القياس في منع بيع المجهول، نقول: هذا غلط ووهم، لأن السلم ليس بيع شيء معين، إنما هو بيع موصوف في الذمة، فهو كعقد الإجازة أعقد على شيء هو عمل ما فعلته لم أره ولم أستوفه، لكن العمل موصوف في ذمة العامل فهذا مثله فليس فيه شيء على خلاف القياس.
ومن فوائد الحديث: بيان توسعة الشريعة الإسلامية في المعاملات، وأن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع.
ومن فوائد الحديث: اغتفار الجهل اليسير الذي ينغمر في المصلحة؛ لأن الواقع أن السلم فيه من الجهالة ما هي؟ أنه قد لا يوجد المسلم فيه عند حلول الأجل، فيبقى فيه شيء من الجهالة، ثم إنه ليس الموصوف كالشاهد، كما قال النبي ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» فلا يسلم من جهل، لكنه مغتفر بجانب المصلحة.
يتفرع من هذه الفائدة: أن الجهالة اليسيرة المنغمرة في جانب المصلحة لا تضر، وينبني على ذلك جواز بيع البصل والفجل ونحوهما قبل قلعه، هذا البصل يغرس في الأرض والمقصود منه مستتر، لكن لما كانت الجهالة فيه يسيرة منغمرة في جانب المصلحة اغتفرها الشارع، ولم يلتفت إليها، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن يجوز بيع البصل ونحوه مما المقصود منه مستتر في الأرض؛ لأن الجهالة فيه يسيرة مغتفرة في جانب المصلحة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب علم المسلم فيه بالكيل لقوله: "في كل معلوم"، أو الوزن لقوله: "ووزن معلوم".
ولكن هل يجب أن يسلم في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا، أو يجوز أن يسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا؟ فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه يجوز أن يسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا فنقول مثلا: هذه مائة درهم بمائة كيلو من البر هذا وزن، أو هذه مائة
стр. 1903
درهم بمائة صاع من البر هذا كيل، وهذا القول هو الصحيح أنه يجوز الإسلاف في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا بخلاف بيع المكيل بالمكيل فلابد أن يكون بالمعيار الشرعي، إذا بعنا برا ببر لابد أن نقدر بالكيل؛ وذلك لأنه يشترط التساوي، أما في باب السلم فليس هناك عوض مع عوض آخر يجب أن يساوية.
ومن فوائد الحديث: أنه لو أجله إلى أجل مجهول بطل السلم أو لم يصح السلم لقوله: "إلى أجل معلوم"، فلو قال: أسلمت إليك مائة درهم مائة صاع من البر إلى قدوم زيد، فهذا لا يجوز؛ لأن قدوم زيد غير معلوم، فإن قال: إلى رمضان صح؛ لأنه معلوم، وإن قال: إلى الحصاد أو الجزاز ففيه خلاف، منهم من أجاز ذلك، ومنهم من منعه، والصحيح: الجواز، وقد مر علينا غير بعيد ما يدل على جواز ذلك وهو أن الرسول أجاز أخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وهي ليست معلومة ليست معلومة ليوم معين، ولكن لزمن، إذا لصحيح أنه يجوز إلى الحصاد والجزاز.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يكون السلم مؤجلا لقوله: "إلى أجل معلوم"، ولكن الأجل إلى متى، طويل أو قصير؛ يعني: هل يكتفي إلى أجل مثل أن أقول: أسلمت لك مائة درهم بمائة صاع بر لمدة ستين دقيقة؟
العلماء ﵏ قالوا: لابد من أجل له وقع في الثمن، يعني: أن الثمن ينقص به، أما ما لا يتأثر فهذا في أول زمن الشتاء، وأسلمت إليه بثياب شتاء، المدة الوجيزة لها وقع في الثمن؛ لأن الناس يقبلون على طلب هذه الثياب، وبناء على ذلك ينظر إلى المدة التي يقول أهل الخبرة: إن لها تأثيرا ووقعا في الثمن، وقيل: إنه يصح السلم في الحال، وجعلوا الشرط منصبا على الصفة دون الموصوف، ما هى الصفة؟ "معلوم" يعني: أنك إذا أسلمت إلى أجل فليكن الأجل معلوما، وإن سلمت في حاضر فلا بأس، وبناء على ذلك فيجوز أن أسلم إليك مائة درهم بمائة صاع من البر ولا نذكر الأجل وتأتي بها في آخر النهار؛ ولكن الذين يقولون بعدم الجواز يقولون: إن هذا يكون بيعا لا سلما فيحملونه على الوجه الذي يصح وهو البيع، ولكن الذي يظهر أن الغالب أن مقتضى الحال في السلم أن يكون إلى أجل من أجل أن ينتفع البائع والمبتاع.
ومن فوائد الحديث: جواز استصناع الصنعة؛ يعني: تأتي إلى نجار وتقول: أسلم مائة درهم بباب تصنعه لي وتذكر صفته؛ لأنه إذا جاز في الأعيان جاز في الصنائع، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال بالجواز، ومنهم من قال بالمنع، والصحيح الجواز، وهو الذي عليه عمل الناس، يأتي الإنسان إلى النجار يقول: أصلح لي الباب، يأتي إلى الحداد
стр. 1904
يقول: أصلح لي شبكات، يأتي إلى الحذاء يقول: أصلح لي حذاء، فالصواب أنه يجوز استصناع الصنعة سواء أتيت أنت بالمادة أم لم تأت بالمادة مثل أن تأتي بالخرقة للخياط وتقول: اصنع لي هذا الثواب على الوجه الفلاني وتعين، أو هو بنفسه تكون الخرفة منه وتستصنع منه الثوب كاملا.
يستفاد من هذا الحديث: اشتراط العلم بوصف المسلم فيه يعني: أنه لا يجوز أن تقول: أسلمت إليك مائة صاع من البر حتى تصف هذا البر، يؤخذ من قوله: "في كيل معلوم"، لأن هذا يشمل علم القدر وعلم الصفة، فإن أبيت إلا أنه يختص بعلم القدر، فإننا نقول: علم الصفة مقيس على علم القدر، فإذا كان الشارع اشترط أن يكون القدر معلوما فكذلك الصفة يجب أن تكون معلومة، إذا وصفته بأنه طيب أسلمت إليك من الدرهم بمائة صاع بر طيب صحيح، إذا وصفته بأنه أطيب شيء، ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح؛ لأن أطيب شيء لا يمكن الإحاطة به، إذ ما من شيء إلا وفوقه أطيب منه، فإذا قلت: أطيب شيء وفشى في البلد أن هذا أطيب شيء، ولكنه ليس بأطيب شيء في الدنيا، ذهب إلى بريدة وأحضر الطيب يقال: إن الرياض أطيب فذهب إلى الرياض، فأقول له: في جدة أطيب منه، في بشارور أطيب منه وهكذا فلذلك قال العلماء: لا يجوز أن تقول: أطيب؛ لأن أطيب اسم تفضيل يقتضي أن يكون ليس فوقه شيء، وقال بعض العلماء: بل يجوز أطيب، ويحمل على ما جرى به العرف، يعني: أطبب ما يوجد في السوق أو في البلد، أما أطيب ما يوجد في الدنيا فهذه لا تخطر على بال أحد، وهذا هو الذي عليه العمل، حتى عمل الناس الآن في مكانتهم يقولون: أطيب ما يكون، ويرون كلهم أن قوله: أطيب ما يكون أي: في هذا البلد أو في السوق.
ومن فوائد الحديث: حكمة الشريعة في منع المعاوضة بالمجهول؛ وذلك لأن المعاوضة بالمجهول تؤدي في النهاية إلى النزاع المقضي إلى العداوة والبغضاء، والشريعة الإسلامية تحارب كل شيء يوجب العداوة والبغضاء بين أبنائها؛ لأنه إذا كان لم يكن تواد وائتلاف تفرقت الأمة وتمزقت.
ومن فوائد الحديث: في رواية البخاري: جواز الإسلاف في كل شيء، ومن ذلك أن يسلم في السيارات، في الحيوانات، من بهيمة الأنعام وغيرها لعموم قوله: "من أسلف في شيء"، فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" فيحمل العموم في قوله: "في شيء" أي في شيء مما يكال أو يوزن، فما الجواب؟ الجواب: على هذا أن تقول: إن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء يعني: إذا جاء النص عاما ثم فرع على بعض أفراده، فهل يحمل على هذا الفرع الذي فرع عليه، ويجعل ذكر الفرد كالمثال، يعني: إذا جاء
стр. 1905
النص عاما ثم ذكر بعد هذا العموم ذكر يختص ببعض الأفراد فهل يحمل العموم على الاختصاص، أو لأنه ذكر ما يدل عليه، أو يحمل على العموم ويكون ذكر بعض الأفراد على سبيل التمثيل يحضرني الآن ثلاثة أمثلة: هذا واحد "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، فإذا نظرنا في "شيء" وجدنا أنها تعم المكيل والموزون والمعدود والمذروع، وإذا نظرنا إلى "فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم"، قلنا: إنها تختص، إنه عام أريد به الخاص فيختص بما يكال وما يوزن.
المثال الثاني: حديث جابر "قضى النبي ﷺ في الشفعة في كل ما لم يقسم" هذا عام يشمل حتى الثياب والسيارات وأي شيء، "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، هذا الحكم يختص ببعض أفراد العموم وهي العقارات، فهل نقول إن الشفعة خاصة بالعقارات، أو نقول: إنها عامة وذكر ما يختص بالعقار على سبيل التمثيل؟ في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: إن الشفعة في كل شيء حتى لو كان بينك وبين صاحبك سيارة أو ثياب وباع فلك الشفعة، ومنهم من خصها بالعقار، ومنهم من ضيقها بالعقار الذي تجب قسمته.
مثال ثالث: قال الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإذا نظرنا إلى العموم في قوله: ﴿والمطلقات﴾ رأينا أنه يشمل البائن والرجعية، وإذا نظرنا إلى قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ قلنا: إن المطلقات عام وأريد به الخاص وهن الرجعيات، ولهذا اختلف العلماء هل المطلقة التي ليست برجعية هل تعتد بثلاثة قروء تستبرئ بحيضه؟ على قولين لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تستبرئ بحيضة، ومنهم من قال: إنه لابد أن تعتد بثلاث حيضات، والذي يظهر لي أن الأخذ بالعمود هو الأولى إلا أن يكون هناك قرينة قوية تدل على أنها للخصوص، وبناء على ذلك نقول: إن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء وإن كان بائنات، ونقول: الشفعة في كل العقار وغيره، ونقول: السلم في المكيل والموزون وغيره.
في مسألة الطلاق قد يورد علينا مورد بأن الخلع لا يجب فيه عدة، وإنما يجب فيه استبراء فما الجواب؟ الجواب: أن الخلع له أحكام خاصة؛ ولهذا لا يحسب من الطلاق، فلو خالع الإنسان زوجته عشر مرات لحلت له بدون زوج، ولو طلقها ثلاث مرات لا تحل إلا بعد زوج، فالخلع له أحكام خاصة، ومنها أن المرأة المعتدة تعتد بحيضة واحدة بل تستبرئ بحيضة واحدة، إذن القول الراجح في باب السلم أنه يصح في كل شيء، لكن لابد أن يكون معلوم الصفة ومعلوم المقدار وبأجل معلوم.
стр. 1906
فإذا قال قائل: هل يصح الإسلام في السيارات؟ يصح بشرط أن توصف دقيقا، فإذا قال هل يصح أن يسلم في ٩٠؟ الاختلاف في الغالب يسير، وقد قال الإمام أحمد رحمه أحمد: "كل سلم يختلف؛ لأن ضبط السلم مائة في المائة صعب، حتى لو قلت: أسلمت إليك في تمر طيب أو بر طيب لابد من تفاوت، ونحن نعلم أن هذه الموديلات لا تختلف اختلافا كثيرا تجده مثلا يكون الراديو مختلف عن الأول هذا مدور وهذا مربع والمفاتيح تخلتف، أو ما أشبه ذلك، والأصل أنها سواء، في الواقع هذا لا يعتبر شيئا، لكن هم يريدون أن يمشوا صنعتهم أحيانا يختلف في التلوين والخطوط، على كل حال السلم لابد أن يتفاوت، فإن أسلم ولم يظهر تفاوت بين، فالسلم صحيحو إذا أسلم في الحيوان يجوز، ويدل لمسألة الحيوان حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأخذ البعير بالبعيرين، ولابد أن تذكر أوصافها فيدل ذلك على جواز الإسلام في الحيوان.
٨٢٠ - وعن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى ﵁ قالا: "كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية: والزيت - إلى أجل مسمى. قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك". رواه البخاري.
"المغانم" جمع مغنم، وهو في الأصل: ما اكتسبه الإنسان بدون معاوضة يسمى: مغنما، وفي الشرع: ما أخذ من مال الكفار بقتال وما ألحق به فهو غنيمة، وأما أخذ منهم عن طريق السرقة والانتهاب فليس بغنيمة، إذن ما أخذ من مال الكفار بقتال وما ألحق القتال واضح، والملحق بالقتال، قال العلماء مثل: أن يتلصص جماعة على بلاد الكفار ويغتمون، فإن هذا ملحق بالقتال فيكون غنيمة، والمغانم كانت حراما على من كان قبلنا وأحلها الله لهذه الأمة كما قال النبي ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء ... وذكر منها: أحلت لي الغنائم ولا تحل لأحد كان قبلي، وقد ذكروا أنها فيما سبق تجمع الغنائم ثم ينزل الله عليها ناراً من السماء فتأكلها، ولكن الله تعالى أحلها لهذا الأمة ليستعينوا بها على مصالح دينهم ودنياهم.
قال: "وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام"، الأنباط جمع نبطي، والنبطي هو العربي المتعجم أو المعجمي المعرب، هذا هو النبطي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يستنبطون الماء أي: يستخرجونه لعلمهم بكونهم أهل زرع فيعرفون مواقع الماء فسموا أنباطا.
стр. 1907
قال: "كنا نسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب والزيت"، أربعة أشياء: الحنطة والشعير والزبيب، الحنطة هي البر، والشعير معروف، والزبيب: العنب، والزيت زيت الزيتون، وهو معروف في الشام بكثرة.
قال: "وإلى أجل مسمى" يعني: معين محدد، "فقيل لهما: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك" يعني: أكان لهم زرع حتى تسلفون عليهم في زروعهم فقالا: ما كنا نسألهم عن ذلك.
فيستفاد من هذا الحديث: حل المغانم بهذه الجملة لقوله: "كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، ولكن لم يذكر في هذا الحديث كيف تقسم، وقسمتها معروفة تقسم أولا خمسة أسهم فتوزع أربعة أخماس على المقاتلين، والخمس الآخر يوزع على خمسة أسهم: سهم لله ورسوله، وسهم لذوي القربى، وسهم لأبناء السبيل قال تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١] هذا واحد، ﴿ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]. فأما سهم الله ورسوله فيجعل في بيت المال لمصالح المسلمين، وأما سهم ذوي القربى فقد اختلف العلماء في المراد به، فقيل: المراد بذوي القربى؛ قرابة ولي الأمر، وقيل المراد بذوي القربى: قرابة النبي ﷺ وهذا هو الأقرب؛ لأن لقرابة النبي ﷺ حقا لا يشركهم فيه أحد زائدا على حق الإسلام، ولأن ذلك أبعد عن التهمة والأثرة التي يستأثر بها ولي الأمر إذا قلنا: المراد قرابته ربما يستأثر بهذا ويكون ذلك فتح باب عليه، أما اليتامى فهم الصغار الذين ماتت آباؤهم، والمساكين الفقراء وابن السبيل المسافرون هذه خمس، يجعل خمسة أسهم سهم لله ورسوله وهذا يصرف الفيء في عموم مصالح المسلمين وأربعة أخماس لمن عينت لهم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الإسلام مع الشخص الذي ليس من أهل البلد، ولا يعد ذلك تفريطاً في المال، لقوله: "كان يأتينا أنباط من أنباط الشام".
ومن فوائده: جواز الإسلاف في هذه الأشياء الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد من تعيين الأجل لقوله: "كنا نفعل إلى أجل مسمى"، لكن هل يفيد الوجوب؟ الواقع أنه لا يفيد الوجوب، ولذلك تحرروا لا تستنبطوا أحكاما لا تدل عليها النصوص فتقعوا في حرج، إنما يدل على أن هذا هو المعروف في عهد الصحابة ﵃ أنهم يعينون الأجل، وحديث ابن عباس السابق يدل على الوجوب.
ومن فوائد الحديث: جواز الإسلاف في الثمر قبل حصوله؛ لقوله: "أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك".
стр. 1908
وعلى هذا فنقول: يجوز الإسلاف في الثمر قبل حصوله، فمثلا تسلم الآن في ثمر عام (١٤١١) بعد سنة لا يضر لا بأس به.
هل نقول: إن هذا الحديث يدل على جواز الإسلام في الحقل المعين لقولهم: "أكان لهم زرع؟ " هذا لا يدل على الجواز، ولا على المنع، لكن قال أهل العلم: إنه لا يصح الإسلام في حقل معين، فتقول: أسلمت إليك عشرة آلاف ريال بزرعك الذي تزرعه في العام القادم، لماذا؟ لأنه قد يزرع وقد لا يزرع، وقج يزرع فيموت فيحصل نزاع، ولكن أسلم هذه الدراهم بشيء في ذمته موصوف، ولكن من المعلوم أن الإنسان لن يسلم إلى شخص دراهم في ثمر إلا إذا كان عنده شيء مما يمكن أن يوفي به، أما إذا لم يكن عنده شيء مما يوفي به، فالغالب أنه لا يسلم إليه في شيء.
ومن فوائد الحديث: أن عدم السؤال عن الشيء يدل على عدم اشتراطه، وذلك لأنه لو كان شرطا لوجب السؤال عنه.
ويبني على هذه الفائدة فائدة أصولية مهمة وهي: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فإذا كان احتمال الاستفصال واردا ولم يستفصل كان ذلك دليلا على العموم، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، انه إذا ورد النص غير مفصل مع احتمال التفصيل فإن ذلك بدل على العموم غير مراد لفصل لأن الله قال: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم﴾ [الأنعام: ١١٩]. انظر الآية: ﴿فصل لكم ما حرم﴾ [الأنعام: ١١٩]، وما أحل لهم يفصل هل هذا قصور؟ لا، لأن الأصل الحل في المأكولات والمشروبات والمطعومات والمباح الذي أباحه الله للعباد أكثر من الحرام الذي حرمه عليهم؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه.
٨٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها؛ أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله». رواه البخاري.
هذا الحديث وضعه المؤلف في باب السلم؛ لأن مناسبته ظاهرة، فإن المسلم إليه يأخذ أموال الناس ولا يوفيهم مثمنها إلا بعد أجل، فربما يعرر بالناس فيأخذ منهم الدراهم وهو يريد ألا يوفيهم، فكانت مناسبة الحديث للباب ظاهرة جدا، وهو أن المسلم إليه يأخذ الدراهم فإن كانت نيته طيبة يريد الأداء فإن الله يؤدي عنه، وإن كانت النية سيئة، فإن الله تعالى يتلفه.
стр. 1909
قوله: «من أخذ أموال الناس»، "من" هذه شرطية، وجواب الشرط: "أدى الله عنه"، و"من أخذها يريد إتلافها" أيضا شرطية وجواب الشرط: "أتلفه".
قوله: "من أخذ أموال الناس" يشمل من أخذها بقرض، ومن أخذها بعربة، ومن أخذها بوديعة، ومن أخذها ببيع، ومن أخذها برهن أو بأي سبب من الأسباب، إذا أخذها فلا يحل إما أن يكون مريدا للأداء، وأن يؤديها إلى أصحابها فهذا يؤدي الله عنه، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ومن أخذها بالعكس يريد إتلافها وتحيل على الناس وباع عليهم شيئا ليس موجودا لأجل أن يأخذ الدراهم منهم ثم يأكلها، أو ارتهن شيئا وهو يريد أن يأكله، المهم أي عقد من العقود يصل به مال الإنسان إلى شخص فأخذه بهذا العقد وهو يريد فإن إتلافه فإن الله يتلفه، وهنا لم يذكر ﵊ مكان الإتلاف ولا زمن الإتلاف، أو كان الإتلاف في الدنيا أو كان في الآخرة، المهم أن من أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: إثبات الإرادة للعبد لقوله: "يريد أداءها"، فيكون في هذا رد على الجبرية الذين يقولون. إن الإنسان لا إرادة له ولا اختيار له، وإنما يفعل فعله بغير اختيار فهو يمشي مكرها، ويجلس مكرها وينام مكرها، ويضطجع مكرها، لا اختيار له فيما يفعل، ولا شك أن هذا قول ضلال في الدين، وسفه في العقل؛ لأنه مخالف للواقع، فكل إنسان يعرف أنه يفعل باختياره، ويفرق بين ما يقع منه على وجه الاختيار وما يقع منه على وجه الاضطرار، ولو أنك أخذت واحدا من هؤلاء الجبرية وضربته حتى يغشى عليه، ثم أفاق وقال: لم فعلت؟ فقلت: هذا ليس باختيار مني، ماذا يقول؟ لا يرضى بل يمكن أن يضربك أكثر مما ضربت، ويقول: هذا بغير اختيار مني، ماذا يقول؟ لا يرضى بل يمكن أن يضربك أكثر مما ضربت، ويقول: هذا بغير اختيار مني، وذكروا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه جيء إليه بسارق فأمر بقطع يده فقال: مهلا يا أمير المؤمنين إنما فعلت ذلك بقدر الله، فقال: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله، فرد عليه من جنس حجته وإلا فعند أمير المؤمنين عمر حجتان شرعية وهي قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. وقدرية وهي أن الله تعالى لما أمر بقطع يد السارق صار تنفيذه إذا نفذه العبد بإذن قدري وأيضا هو حجة على الذي قال: أنا ما سرقت إلا بقدر الله، المهم أن هذا الحديث دليل على أن العبد له إرادة.
ومن فوائد الحديث: عظم شأن النية، وأنها تكون سببا للفلاح أو الخسارة لقوله: "يريد أدائها" يريد ذاته، وأن النية لها شأن كبير وتأثير عظيم حتى في مجريات الأمور، ولهذا يقول العامة
стр. 1910
كلمة لها روح حيث يقولون: "النية مطية"، والمطية هي الناقة تركب، يعني: إن كانت نيتك طيبة فمطيتك طيبة، وإن كانت رديئة فمطيتك رديئة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه ولكن كيف يؤدي عنه، هل الله يسلم دراهم لصاحب المال؟ لا، بل ييسر لهذا الآخذ الأداء، فيسهل عليه الأداء فإن لم يتيسر له في الدنيا أدى الله عنه في الآخرة.
فإن قال قائل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: أن من مات وعليه دين وهو معروف بحسن القصد وإرادة الأداء فإنه يبرأ من دينه؛ لأن الله يؤدي عنه؟
فالجواب: لا، لا يلزمنا؛ لأن أحكام الدنيا على الظاهر، والظاهر أن هذا الرجل مات وعليه دين فلابد أن يقضى عنه، أما في الآخرة فالأمر إلى الله وهو العليم ببواطن الأمور .
ومن فوائد الحديث: إثبات أفعال الله التي يسمونها الاختيارية وكل أفعال الله اختيارية؛ لأن الله لا مكره له، لكن العلماء يعبرون عنها بأفعال الله الاختيارية لقوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصاص: ٦٨]. من أين يؤخذ هذا القول من هذا الحديث؟ من قوله: "أدى الله عنه"، وأفعال الله هل هي قديمة أو حادثة؟ نقول: في هذا تفضيل؛ أما من حيث الجنس وأصل الصفة فهي قديمة غير حادثة؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالا، وأما من حيث النوع أو الواحد فهي حادثة، مثال النوع: الاستواء على العرش حادث؛ لأنه كان بعد خلق العرش، النزول إلى السماء الدنيا حادث لأنه بعد خلق السماء الدنيا، الآحاد نزول الله كل ليلة إلى السماء الدنيا هذا آحاد، كذلك كل أفعال الله التي لا تحصى وهو دائما يخلق ويرزق ويحيى ويميت كل أفعاله هذه حادثة، الآحاد بالنسبة لتعلقها بالمخلوق المفعول. هل يوجد من ينكر قيام الأفعال الاختيارية بالله؟ الجواب: نعم، هناك من يقولون: إن الله لا يفعل فعلا حادثا، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فلو جوزنا أن يفعل الله الأفعال الحادثة لكان لازم ذلك أن يكون الله حادثا بعد أن لم يكن، وبكن هذا قياس فاسد لمخالفته النص وقياس باطل من أصله؛ لأن هذا التلازم الذي ذكروه ليس بصحيح، أما الأمل فلأننا لو أخذنا بهذا القياس لزم أن ننكر كل فعل من أفعال الله، ومن العجائب أنهم لا ينكرون حدوث المفعول، ثم ينكرون حدوث الفعل، لا ينكرون: إن زيدا وعمرا حادث بعد أن لم يكن، ولكن تعلق الخلق به كان في الأزل معدوم وهذا في الحقيقة عندما تتأمله تراه أنه لا يصح إطلاقا، هل يمكن أن يقع فعل ولا يوجد المفعول؟ يعني: خلق زيد وعمرو متى كان؟ في الأزل الذي لا نهاية له، وكيف يخلق من الأزل البعيد، ثم لا يوجد. في المخلوق إلا في هذا الزمن؟ واضح أنه باطل جدا، فالقول أن
стр. 1911
الفعل قديم والمفعول حادث باطل، ثم إن الفعل أيضا ليس فعلا في نفس الله بل يفسرونه بالمفعول، هذا كله باطل، فمذهب أهل السنة والجماعة الذي دل عليه السمع والعقل أن الله تعالى فاعل بإرادته يفعل ما يشاء ويختار، وأن فعله يكون حادثا لتعلقه بماذا؟
بالمفعول، لكن أصل الفعل، وأن الله لم يزل فعالا، وأنه لم يأت عليه وقت من الأوقات معطلا عن الفعل هذا قديم أزلي.
ومن فوائد الحديث: بيان كرم الله علة من كان حسن القصد، حيث يؤدي الله عنه.
ومن فوائده: الحث على حسن القصد، حيث يؤدي الله عنه.
ومن فوائده: الحث على إحسان النية في المعاملة لذكر الثواب في الحديث؛ لأن كل إنسان يعلم بهذا الثواب وأنه إذا أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، إما في الدنيا أو في الآخرة فسوف يرغب في إحسان النية.
ومن فوائد الحديث: التحذير من سوء القصد في المعاملة، لقوله: «ومن أخذها يريد إتلافها ... إلخ» فالمراد التحذير.
ومن فوائد الحديث: أن النية السيئة تحط بصاحبها، ولهذا قال: «أتلفه الله».
فإن قال قائل: هل المراد بذلك إتلاف نفس الشخص، أو المراد إتلاف ماله، وعلى الثاني هل المراد إتلاف المال حقيقة أو إتلافه معنى؟ بالنسبة للأول الظاهر أنه إتلاف ماله؛ لأننا نجد أناسا كثيرين معروفين بسوء النية ويعمرون، وعلى الثاني هل المراد إتلاف المال حسا وحقيقة أو المراد إتلاف المال معنى بحيث يفقد الإنسان الانتفاع به؟ يشمل الأمرين، فكثير من الناس إذا أخذ أموال غيره بنية سيئة يسلط الله عليه ما يتلف ماله إما بتلف نفس المال الذي أخذ وإما بغير ذلك.
هل يدخل في هذا الحديث ما لو استعار عرية فجحدها بنية الجحد؟ نعم، يتلفه الله، وربما يستدل بعض الناس بهذا الحديث على أن جاحد العرية لا تقطع يده فيقول: إن الرسول ﷺ : قال: «أتلفه الله»، وهذا يقتضي أن تكون العقود قدرية لا شرعية، وأنتم إذا أوجبتم قطع يد المستعير الجاحد فقد جعلتم العقوبة شرعية، فالجواب: أن نقول: إن جاحد العرية فيه عند أهل العلم قولان: الأول: أنه يقطع، والقول الثاني: أنه لا يقطع، فأما على القول بأنه يقطع فنخرج هذا الحديث على أحد وجهين: إما أن نقول: إنه عام خص بجاحد العرية، وإما أن نقول: إن المراد بقوله: «أتلفه الله» أي: إتلافا كونيا أو إتلافا شرعيا وقطع يد السارق من باب الإتلاف الشرعي، وعلى هذا يتخرج هذا الحديث، أما على قول من يرى أن جاحد العرية كجاحد الوديعة لا يقطع فلا إشكال فيه بالنسبة لهذا الحديث، لكننا ذكرنا أن الصحيح أن جاحد العرية تقطع يد، مثال ذلك: رجل استعار منك ساعة قال: ساعتي اختلت فأعرني ساعتك،
стр. 1912
فأعرته إياها، ثم جئت تطلبها منه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ليس لك عندي ساعة جحدها ثم ثبت ببينة أن عنده ساعة فلان وأنها هذه فما الحكم؟ الصحيح: أنها تقطع يد هذا الجاحد، والدليل على أن هذا أن امرأة من بني مخزوم، وبنو مخزوم قبيلة لها سيادتها في العرب كانت تستعير المتاع فجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأمر قريشا شأنها، وقالوا: من يشفع فيها إلى رسول الله ﷺ ، فرأوا أن أقرب الناس شفاعة أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه، فذهب أسامة إلى النبي ﷺ فأنكر عليه وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ » أنكر عليه ثم قام فخطب الناس، وقال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، أقسم وهو الصادق البار بدون قسم، لمن لتطمئن نفس من كان في قلبه شيء، ولا شك أن فاطمة أشرف النساء نسبا وأنها سيدة نساء أهل الجنة، ومع ذلك أقسم لو سرقت لقطع يدها، فهذا الحديث واضح في أن جاحد العرية تقطع يده، والذين قالوا: لا تقطع قالوا: إن في الكلام حذفا، والتقدير: أن امرأة كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقت، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فلنا: لماذا التقدير، الأصل عدمه وحذف مثل هذا المقدر لا يجوز، لماذا؟ لأنه يختلف به الحكم، صحيح أن ما يكون فهمه من السياق يمكن حذفخ: ﴿ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ [القصاص: ٢٢ - ٢٥]. هذه القصة فيها عدة أشياء محذوفة ﴿تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير فجاءته إحداهما تمشى على استحياء﴾ هذا فيه جمل محذوفة، التقدير: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فأخبرتاه ثم أمرهما فرجعا إلى موسى، فيه تقدير أن السياق يدل عليه، لكن هذا لا يوجد فيه شيء يدل عليه، بل فيه ما يدل على عدم الحذف؛ لأن الحذف يختلف به الحكم، ونحن إذا ألغينا هذا الوصف الذي رتب عليه الحكم بالفاء "كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر" وصف رتب عليه الحكم بالفاء، إذا ألغينا هذا الوصف وادعينا وصفا آخر فقد حرفنا النص من وجهين:
الوجه الأول: إلغاء الوصف المذكور.
الثاني: اعتبار وصف غير مذكور، وهذا لا شك أنه جناية على النصوص، لكن إخواننا كبروا علينا وقالوا: الله أكير وسبحان الله والحمد لله أليس الله يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. وهذه لم تسرق؟ قلنا: أما قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾
стр. 1913
فبلى قد قاله الله، وأما كونها لم تسرق فكلا هي سرقت لكنها سرقت طريق خفي بدل أن تذهب وتفتح الصناديق أو الأبواب وتخاطر بنفسها فعلت حيلة، تقول: جزاك الله خيرا أعرني الدلو أنا عطشانة فرق لها ورحمها وأعطاها الدلو، ثم بعد ذلك قالت: دونك، الدلو دلوي وفي بئري، هذا محسن هي بدل أن تذهب إلى بيته وتكسر الباب وتأخذ الدلو تحيلت هذه الحيلة، فهذه جمعت بين السرقة والخيانة.
إذا قال قائل: ينقض عليكم هذا في الخيانة في الوديعة إذا أودع الإنسان شخصا دراهم ثم يحدها المودع ثم ثبتت بينة فهل تقطع يد المودع؟
لا، لا تقطع ولا ينتقض ما سبق بهذا، لماذا؟ لأن المودع أخذ المال لمصلحة مالكه، ولم يطلبه، ولأن المودع محسن إليه والمعير محسن فكيف نجازي المحسن يجحد ماله ونقيس عليه من جحد مال من أحسن إليه، هذا قياس مع الفارق الواضح.
على كل حال: نحن استطردنا كثيرا لكن لا بأس، المهم أن يعرف الطالب المناقشة بين آراء العلماء؛ لأنها تفيد الطالب وهذا هو حقيقة طلب العلم أن يكون عندك ملكة في مناقشة الآراء وبيان الراجح وكيف يرجح.
٨٢٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، إن فلانا قدم له بز من الشام، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة؟ فبعث إليه، فامتنع». أخرجه الحاكم، والبيهقي، ورجاله ثقات.
تقول: "إن فلانا قدم له بز من الشام"، وكان النبي ﷺ محتاجا إلى ثياب، والبز نوع من أنواع الثياب، وقولها: "إن فلانا" يحتمل أنها عينته وأن الرواة طووا ذكر اسمه سترا عليه، ويحتمل أنها لم تذكره أيضا هي حينما حدثت بالحديث، أما ذكرها إياه للرسول ﷺ فلابد أن تعين، تقول: إن فلانا، يعني: اسمه حتى يعلمه الرسول ﷺ .
وقولها: "من الشام"؛ لأن الشام في ذلك الوقت كان مركزا تجاريا عظيما؛ لأنه قريب من الجزيرة العربية، فلذلك كان العرب يذهبون إلى الشام في أيام الصيف وإلى اليمن في أيام الشتاء، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش إءلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ [قريش: ١ - ٢].
قوله: "فلو بعثت ... ألخ"، يعني: أرسل إليه شخصا يطلب منه أن يبيع عليه ثوبين نسيئة إلى ميسرةـ يعني: إلى أن ييسر الله على المشتري، فامتنع الرجل، وهذا الرسول الذي أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 1914
يحتمل أنه أخبر الرجل بأن الذي أرسله هو النبي ﷺ ويحتمل أنه لم يبلغه؛ لأنه لا يشترط في الوكالة أن يعين الوكيل اسم الموكل، بل يصح أن يشتري له بحسب الوكالة وإن لم يعين اسمه، وقوله: "فامتنع" يعني: امتنع من البيع إلى ميسرة؛ لأن الغالب على التجار الذي يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله أنهم يحبون أن يستلموا القيم حتى يذهبوا مرة أخرى ليشتروا سلعة أخرى، ولا يناسبهم التأجيل، خصوصا أن التأجيل هنا على أجل غير معلوم إلى ميسرة، ومتى ييسر الله على المشتري؟ الأمر مجهول ولذلك امتنع الرجل.
في هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: بيان حال الرسول ﷺ وما هو عليه من قلة ذات اليد مع أنه ﷺ لو أراد الدنيا كلها بحذافيرها لحصل عليها، ولهذا خيره الله في آخر حياته بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، وهنا كما ترى في هذا الحديث ليس عنده دراهم يشتري بها ثياب.
ومنها: حسن خلقه ﵊ حيث كان متواضعا لأهله، فإن إقدام عائشة على المشورة عليه يدل على أنه ﷺ ليس عنده كبرياء ولا عظمة خلافاً لما يوجد من بعض الأزواج الذين لا يكاد أهليهم يخاطبونهم إلا باستئذان، فالنبي ﷺ كان أسمح الخلق وأسهلهم وأيسرهم.
ومنها: جواز الكناية عن المعين لغرض إذا كان لا يفوت مقصود الحديث لقولها: "إن فلانا".
ومنها: جواز شراء ثوبين، والثوبان قد يكونان في الغالب أكثر من الحاجة، فإذا اشترى الإنسان ثوبين لنفسه فلا بأس، وقد يقال: إن المراد بالثوبين هنا الإزار والرداء، وهما بقدر الحاجة، ولكن على كل حال الأصل أنه يجوز أن يقتني الإنسان لنفسه أكثر من ثوب ما لم يصل إلى حد الإسراف.
ومن فوائد الحديث: جواز الشراء مع عدم القدرة على الوفاء، وإن شئت فقل: جواز الاستدانة مع عدم القدرة على الوفاء في الحاضر، دليله؟ الدليل: أن الثوبين إلى أجل استدانة في الواقع ولكن هذا مشروط بأمرين، الأول: أن يكون على الإنسان حاجة تلجؤه إلى الاستدانة، والثاني: أن يرجو الوفاء، فإن لم يكن كذلك فلا ينبغي له أن يستدين؛ لأن الدين في الحقيقة أسر وذل للمستدين، ولهذا لم يرشد النبي ﷺ الرجل الذي قال: إنه ليس عنده ما يمهر به المرأة لم يرشده إلى الاستدانة، وإنما طلب منه أن يعلم المرأة شيئا من القرآن عوضا عن المهر، وكذلك أيضا في القرآن الكريم لم يرشد الله إلى الاستدانة، بل قال: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٣]. ولم يقل: وليستدن، لكن قد تكون الحاجة إلى الثياب أشد من الحاجة إلى الزواح.
ومن فوائد الحديث: جواز التأجيل بالميسرة لقوله: "ثوبين نسيئة إلى ميسرة"، ولكن هذا قد يشكل، وهو أن الميسرة مجهولة، قد يوسر الإنسان بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة، وقد لا يوسر
стр. 1915
إلا بعد سنين، وقد لا يوسر أبدا، فكيف صح هذا الشرط وهو مجهول، وقد ثبت النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغدر، فالجواب على ذلك: أن هذا شرط هو مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرط أم لم يشرط، إذا علم العاقد الآخر بحال العاقد المعسر كيف ذلك؛ لأن مقتضى العقد إذا كان العاقد فقيراً ألا يطالب حتى يوسر لقول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فإذا بعت على شخص شيئا وأنت تعلم أنه معسر فمن المعلوم أنك لا تطالبه إلا بعد إيساره، فيكون هذا الشرط توكيدا لما يقتضيه العقد، بمعنى: حتى لو لم يشترط فهو مقتضى العقد، فإن العقد مع الفقير يستلزم ألا يطالبه العاقد إلا بإيساره؛ بمعنى: حتى يوسر، وعلى هذا فيكون هذا الشرط توكيدا لا تأسيا ولذلك صح، بخلاف ما لو قلت: اشتريت منك هذين الثوبين إلى أجل، إلى أن يقدم زيد، وليس لزيد وقت معلوم في قدومه، فههنا لا يصح هذا الشرط، لماذا؟ لأنه مجهول وليس مقتضى العقد، بخلاف ما إذا قلت: بعد علي مؤجلا بإيسار الله علي، فإن هذا الشرط صحيح، لأنه مقتضى العقد.
ومن فوائد الحديث: جواز الامتناع من البيع من الرجل الشريف وكبير القوم والمعظم؛ لأن هذا الرجل امتنع من البيع على رسول الله ﷺ بثمن مؤجل، ولا يعد ذلك معصية لرسول الله ﷺ ؛ لأن طلب النبي ﷺ البيع هنا ليس من باب التشريع بل من باب المعاملة؛ ولهذا لا يعد هذا الرجل عاصيا ولا يعد جابر بن عبد الله ﵁ حين سأم النبي ﷺ جمله فأبى أن يبيعه عليه لا يعد أيضا عاصيا؛ لأن مسائل المعاملات ليست من باب العبادات التي يكون المخالف فيها للرسول ﷺ ولم يجب طلبه يكون عاصيا.
وفيه أيضا: ما كان عليه النبي ﷺ من إجراء الناس على مقتضى فطرهم فإن الرسول ﷺ لم يعاتب هذا الرجل، ولم يوبخه، ولم يرسل إليه مرة أخرى ويقول: أعطني الثوبين غصبا عليك، لأن هذا مقتضى الفطرة أن الإنسان حر في بيعه وشرائه، إن طاب له الثمن باع وإن لم يطب فهو حر لا يبيع.
ما وجه إدخال هذا الحديث في باب القرض والسلم والرهن، هل هو من السلم؟
لا، ليس بسلم، هل هو قرض؟ لا، هل هو رهن؟ ليس برهن، لكن فيه شائبة من السلم أو شبه من السلم وتأجيل الثمن والسلم تأجيل المثمن.
* * *
стр. 1916
الرهن:
٨٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذين يركب ويشرب النفقة». رواه البخاري.
قوله: "الظهر" المراد به: ظهر الحيوان الذي يركب مثل البعير والحمار والبغل والخيل هذه تركب، "يركب الظهر بنفقته إذا كان مرهونا"، "بنفقته" الباء هنا للعوض يعني: بمقدار نفقته، وقوله: "يركب" الفعل هنا مبني للمجهول، فمن الراكب؟ الراكب: المرتهن، وقوله: "بنفقته" قلنا: إن الباء للعوض؛ يعني: يركب ركوبا بقدر النفقة وهي المؤونة من علق وسقي ورعاية، وقوله: "إذا كان مرهونا" سبق لنا معنى الرهن وهو لغة: الحبس، واصطلاحا: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، وسبق أيضا الخلاف هل يجوز رهن دين بدين، وهل يجوز الرهن بالعين؟
يقول: "ولبن الدر يشرب بنفقته" من يشربه؟ المرتهن، "لبن الدر" يعني: لبن البهيمة المرهونة، وسمي "لبن در"؛ لأنه يدر كلما حلب در مثل لبن البعير، لبن البقرة، لبن الشاة، لبن الفرس، "يشرب بنفقته" يعني: بقدر النفقة، "إذا كان مرهونا"، "وعلى الذي يركب" وهو المرتهن، "ويشرب" وهو المرتهن أيضا عليه النفقة، "النفقة" هنا مبتدأ مؤخر.
في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ خبرا يرد به الحكم، أن المرتهن إذا ارتهن شيئا يركب فله ركوبه، لكن بقدر النفقة، وإذا ارتهن شيئا ذا لبن فله شرب لبنه، لكن بقدر نفقته.
فيستفاد منه فوائد: الفائدة الأولى" جواز رهن الحيوان، وجهه: قوله: "بنفقته"، و"لبن الدر بنفقته"، أما قوله: "يركب" فليس فيه دليل على رهن الحيوان؛ لأن من المركوب ما ليس بحيوان.
ومن فوائد الحديث أيضا: أن المرتهن يقبض المرهون؛ لقوله: "يركب"، و"يشرب" والآكل والشارب هو المرتهن، إذا فالمرتهن يقبض المرهون، ولا شك أن قبضه أشد توثقة مما لو لم يقبضه، ولكن هل القبض شرط للزوم أو شرط لكمال التوثقة؟
يرى بعض العلماء: أنه شرط للزوم، وأنك إذا رهنت شيئا ولم تسلمه للمرتهن فلك الرجوع في الرهن؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وعلى هذا فإذا رهنتك السيارة وهي بيدي فالرهن غير لازم، لي أن أبيعها وأتصرف فيها كما شئت؛ لأن قائل هذا القول يرى أن الرهن إذا لم يقبضه المرتهن فله أن يفسخه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. واستدلوا أيضا بهذا الحديث.
стр. 1917
والقول الثاني: القبض ليس بشرط للزوم وإنما هو لكمال التوثقة؛ لأن كون الرهن بيد المرتهن أقوى بالتوثقة مما إذا كان في يدي الراهن، وأما أن يكون شرطا للزوم فلا، واستدولوا بعموم قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. والرهن يتم عقدا بالإيجاب والقبول وتعيين المرهون فيدخل في عموم قوله: ﴿أوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٤]. والعاقد معاهد للمعقود معه فيجب عليه الوفاء، واستدلوا أيضا بأن القول بعدم اللزوم يفضي إلى تصرف الراهن في الراهن على وجه يسقط به حق المرتهن، وهذا خيانة لمن؟ للمرتهن، والخيانة محرمة، قال النبي ﷺ : «لا تخن من خانك»، فكيف بمن لمن يخنك؟ كيف بشخص وثق بك وأبقى الرهن بيدك وتخونه؟ وأما الجواب عن الآية والحديث التي استدل بهما من يرى أن القبض شرط للزوم، فقالوا: إن الآية لم يذكر الله تعالى فيها القبض على وجه الإطلاق وإنما ذكره في حال معينة، ما هي؟ ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فهنا لا يمكن التوثق إلا برهن مقبوض، لأنك إذا لم تقبض الرهن وليس بينكما مكاتبة صار ذلك عرضة لأن يجحدك الراهن، ويقول: ما رهنتك فيكون في هذا إضاعة لحقك، وإعادة للراهن على الخيانة وعدم الوفاء، فلهذا قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وأنتم لا ترون أن القبض شرط للزوم في هذه الصورة فقط بل ترونه شرطا للزوم حتى وإن كان في حضر، وإن وجدا كاتبا فلم تستدلوا الآية، ومن المعلوم عند العلماء أنه إذا كان الدليل أخص من المدلول بطل دلالته على ما خرج عن الخصوص، بخلاف ما إذا كان الدليل أعم فإنه يدخل فيه الخصوص فلا يمكن أن تستدل بدليل خاص على مسألة عامة، وإذا تنازلنا معكم قلنا: إن القبض شرط للزوم في هذه الحال المعينة فقط، ومما يدل على ذلك من الآية قوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليود الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهذا يدل على أنه إذا أمن بعضنا بعضا فلا حاجة إلى قبض الرهن اعتمادا على الأمانة، فليست في الآية دليل على اشتراط القبض للزوم الرهن، أما الحديث فليس فيه إطلاقا ذكر اشتراط القبض للزوم، بل فيه أن الرهن إذا سلم للمرتهن وهو مما يركب فله ركوبه بقدر النفقة، وله شرب لبنه إذا كان مما فيه اللبن بقدر النفقة فقط.
ومن فوائد الحديث: عناية الشارع بالحيوان لقوله: "بنفقته"؛ لأن ركوب المرتهن له بحمله على الإنفاق عليه، لكن لو قيل له: لا تركب ولا يحل لك ركوبه فهل ينفق؟ لا ينفق، وإذا أنفق فإنما يتفق بشح.
стр. 1918
ومن فوائد الحديث: جواز التصرف في مال الغير لمصلحة ماله -مال الغير- هنا الركوب جائز وإن لم يستأذن المالك؛ لأنه لمصلحة ملكه؛ إذ أنني سأركب وأدفع النفقة.
ومن فوائده: جواز ركوب المرتهن للرهن، وحلبه إياه مع أنه ملك غيره، وهذا من التصرف في ملك الغير، ولكنه للمصلحة كما ذكرنا، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا يجوز للمرتهن أن يركب الرهن إلا بإذن من المالك، فإن لم يأذن حرم عليه أن يركب، ومن العلماء من قال: إن تعذر استئذان المالك ركب، وإن لم يتعذر فلابد من استئذانه، والصحيح خلاف ذلك، وأنه يركب وإن لم يستأذن؛ لأن الذي أباح له الركوب رسول الله ﷺ وهو لم يركب على وجه يضر الملك بل سيركب بالنفقة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يزيد في الركوب على قدر النفقة، فإذا قدرنا أن الإنفاق عليه كل يوم خمسون درهما وركوبه يساوي مائة درهم، فهل يركب بالنفقة، أو نقول: اركب وادفع خمسين درهما، هذا رجل يقول: إن الحيوان لو أجر يوميا لكان يساوي مائة درهم والنفقة تساوي خمسين فهل أن يركبها بالنفقة في هذه الحال، أو نقول: اركبه وسلم خمسين درهما، لأنه يؤجر بمائة أيهما؟ أما ظاهر الحديث فالأول: أنه ينفق ويركب سواء كانت أجرة ركوبة أكثر من النفقة أو أقل، ولكننا إذا أمعنا النظر في قوله: "بنفقته"، رجعلنا للبائع العوض فإن العوض لابد أن يكون مساويا للمعوض، فإذا كانت النفقة أقل من أجرة الركوب وجب عليه ما زاد على النفقة ويسقط من دين صاحب الرهن؛ لأن المنفعة الزائدة على قدر النفقة لمالك الرهن فلا يمكن أن نضيعها عليه، فنقول: اركب بقدرها إذا كانت الأجرة مائة والإنفاق بخمسين اركب بخمسين والباقي أسقطه من دين صاحبه وبالعكس لو فرض أن الإنفاق عليه بمائة وأن ركوبه بخمسين هل يرجع على صاحبه بما زاد على أجرة ركوبه؟
إذا قلنا: أن النفقة عوض، ولابد من مساواة العوض فإنه يرجع؛ لأنه أمين وقد أنفق على ملك غيره فيرجع على غيره بمقدار ما أنفق على ملكه، فإن تساوى هذا وهذا فلا رجوع له على أحد ولا رجوع لأحد عليه، وكذلك نقول في لبن الدر.
ومن فوائد هذا الحديث: عناية الشارع بحماية الأموال من الضياع؛ حيث جعل المرهون لا يترك هدرا بل ينتفع به، لا يقول: أنا أبقي هذه البعير لا أنفق عليها وأرجع بالنفقة على صاحبها ولا أستعملها؛ لأن في ذلك إضاعة للمال، وكذلك اللبن لا يقول: أتركه في الضرع لست بملزوم على أن أحلبه لأن تركه بالضرع إضاعة مال، وهو كذلك أن الشرع اعتنى بحماية الأموال ونهى عن إضاعتها؛ لأن المال قيام للإنسان في دينه ودنياه، والإنسان وإن توفر عنده المال في يوم من الأيام فقد لا يترفر في أيام أخر، قد يتلف المال وقد تأتي نفقات في غير
стр. 1919
الحسبان تقضي على المال، ومن جهل الإنسان وسفهه أنه إذا كثر المال في يده صار يسرف في الإنفاق، يقول: الحمد لله الدرج مملوء والبوق مملوء، ما يهمه وهذا خطأ، نقول: يا أخي، الله قال: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «كل واشرب وتصدق من غير سرف ولا مخيلة»، ليس من الحكمة إذا توفر عندك المال أن تسرف في إنفاقك، بل كن معتدلاً، وأنفق بالمعروف، ظن بعض العلماء أن النفقة هنا لا يزاد عليها ولا ينقص سواء كان الانتفاع أكثر منها أو أقل فأشكل عليه هذا الأمر، وأجاب بعض العلماء بأن هذا من جنس الصاع الذي يرد مع المصراة ولكن عندي أن هذا الإشكال من أصله مرافع، لماذا؟ لأننا جعلنا الباء للعوض، وهذا يقتضي تساوي الانتفاع بالإنفاق، فإن زاد أو نقص فبحسابه، وحينئذ لا يبقى عندنا إشكال في الحديث.
لكن لو قال قائل: لماذا أذن الشرع في انتفاع المرتهن بالرهن بدون إذا صاحبه.
قلنا: لأن في ذلك مصلحة للطرفين؛ لأنها لا تخلو من أن يبقى هذا المركوب معطلا فيفوت نفعه على الراهن وعلى المرتهن، أو نقول: أجره أيها المرتهن ولا تركبه، وإذا أجره فربما لا يعتني به المستأجر كما يعتني به المرتهن، لماذا؟ لأن المرتهن له فيه حظ نفسي، إذ إنه قد وثق دينه به فلابد أن يكون اعتناؤه به أكثر من اعتناء المستأجر، ثم إن في هذا أيضا مشقة، كلما استأجر وقبض أجرة جعلها عنده رهنا أو سلمه لصاحب البعير، وهذا فيه شيء من المشقة، ولهذا كان إذا الشارع في هذا من أقيس الأقيسة ومن زعم أن هذا خارج عن القياس، فقد مر علينا أن كل قياس يخالف النص هو قياس فاسد والقياس المخالف للنص هو المخالف للقياس؛ لأنه فاسد، والقياس لا يعتبر قياسا إلا إذا كان صحيحا غير مصادم للنص.
[سؤال]: هل يسكن الرهن بأجرته؟
الحواب: لا، لا يسكن بأجرته ويبقى معطلا لا ينتفع به المرتهن ولا الراهن، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ولكن الصحيح: أنه لا يبقى معطلا لا البيت المرهون ولا السيارة المرهونة، ولا كل شيء يمكن أن ينتفع به لا يبقى بدون نفع؛ لأن إبقاءه بدون نفع تفويت لمصلحة تعود للطرفين، للراهن بأن يسقط من دينه، وللمرتهن لأنه يستوفي به أو يبقيه عنده تبعا للرهن، ولأن في ذلك إضاعة للمال، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فإضاعة
стр. 1920
المنفعة التي في هذه السيارة أو في هذا البيت إضاعة مال أعيان ومنافع، فالصحيح: أنه وإن كان الرهن لا يركب وليس له لبن يشرب فإنه إذا أمكن الانتفاع، به وجب الانتفاع ثم إما أن يؤجر على نفس المرتهن أو على رجل آخر، ولا مانع إذا لم يقبض الرهن كما هي العادة عند الناس اليوم إذا لم يقبض الرهن، الآن الإنسان يرهن ملكه وهو في يده -في يد الراهن- فقد قال بعض العلماء: إن هذا الرهن ليس بلازم، وإن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وبناء على ذلك القول يجوز للراهن أن يبيع الرهن لأنه ليس بلازم، ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه يلزم بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعهود﴾ [المائدة: ١]. وليس هناك دليل على اشتراط القبض للزوم الرهن، وأما قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ١٨٣]. فلأن الله تعالى إنما أرشدنا لقبض الرهن في هذه الحال؛ لأنه لا توثقة لنا إلا به، أي: بالقبض. ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ١٨٣].
فإذا لم تقبض الرهن فسيضيع، ربما ينكر الراهن ويقول: ما رهنتك، ولهذا فنجد الذين يقولون بأن القبض شرط للزوم لا يقيدونه بهذه الحال التي قيدها الله به وهي ما إذا كان الإنسان على سفر ولم يجد كاتبا بل يقول: لابد من قبضه وإن كنت في الحضر ووجدت كاتبا وشهودا. مما يدل على ضعف المستند الذي سلكوه.
والخاصل: أن الرهن إذا لم يقبضه المرتهن وكان مما يمكن الانتفاع به وجب الانتفاع به، إما أن يؤجر على المرتهن أو على رجل آخر، أو إذا أذن المرتهن للراهن أن ينتفع به هو نفسه، ويأخذ مغلة للإنفاق على نفسه؛ لأن بعض الناس يقول: أنا رهنت بيتك ولكن اجلس فيه أنت وأهلك ولا تخرج، أو يقول: رهنت سيارتك ولكن استعملها وخذ أجرتها لك ولأهلك؛ لأن الغالب الذي يرهن سيارته أو بيته الغالب أن يكون فقيرا.
فالخلاصة الآن: أن الصحيح أن الرهن لا يمكن أن يبقى معطلا أينا سواء كان في يد الراهن أو في يد المرتهن، لأن تعطيله تفويت للمصلحة وإ ضاعة للمال، والصحيح أيضا أنه لا يشترط للزوم الرهن القبض، بل يلزم بمجرد العقد لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] والعمل عن الناس على هذا، تجد الإنسان يرهن بيته وهو ساكن فيه، يرهن سيارته ويستعملها فهذا هو القول الراجح.
* * *
стр. 1921
غلق الرهن:
٢٨٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه». رواه الدارقطني والحاكم، ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
قوله: "لا يغلق الرهن"، "يغلق" الغلق معناه: الحيلولة بين الإنسان والشيء، ومنه إغلاق الباب، لأنك إذا أغلقت الباب فإنك تحول بين من يدخل إلى البيت ومن كان في البيت، فمعنى "لا يغلق الرهن من صاحبه" أي: لا يمنع من صاحبه ويغلق دونه، ولكن كيف إغلاق الرهن؟ إغلاق الرهن له صورتان:
الصورة الأولى: أن المرتهن يأخذ الرهن ويستغله فيأخذ أجره كمؤجر ومنافع ينتفع بها ولا يكون للراهن منها شيء، وهذا إغلاق؛ لأنك حلت بينه وبين صاحبه، فإن منافع الرهن لا شك أنها لصاحب الرهن، ويدل لهذا التفسير قوله: "له غنمه وعليه غرمه"، وكانوا في الجاهلية إذا رهنوا شيئا استغله المرتهن وصارت منافعه كلها للمرتهن، والصورة الثانية لأغلاق الرهن: أنه إذا حل الأجل ولم يوف الدين أخذه المرتهن رغما على أنف الراهن سواء كان ذلك بقدر الدين، أو أقل أو أكثر، يأخذه فإذا رهنه بيته بدين إلى سنة وتمت السنة ولم يوفه أخذ البيت، وقال: اذهب وراءه هذا إغلاق لأنك منعت صاحبه من فصار إغلاق الرهن له صورتان: الأولى: أن يستغل المرتهن منافعه دون أن تعود إلى الراهن.
والصورة الثانية: أن يتملكه إذا انتهى الأجل ولم يوفه، وكلتاهما حرام -أي: الصورتين - وأكل للمال بالباطل، ولهذا نهى النبيي ﷺ فقال: «لا يغلق الرهن» بكسر القاف على أنها حركت لالتقاء الساكنين، ويجوز: "لا يغلق" على أنها جملة خبرية، لكن معناها: النهي، فإن قال صاحب الرهن للمرتهن: إذا حل الأجل ولم أوفك فالرهن لك باختياره، ووافق على هذا المرتهن، فهل هذا يجوز؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يجوز، واستدل بعموم قوله: "لا يغلق الرهن من صاحبه"، وعلل بأن هذا تعليق للبيع على شرط، وتعليق البيع بالشرط مناف لمقتضى العقد؛ لأن مقتضى عقد البيع التنجيز، والتعليق ينافي التنجيز، فله مأخذان عندهم، والصواب أن هذا جائز ولا بأس به، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ وقد فعل ذلك بنفسه فاشترى حاجة من دكان، وقال له: خذ نعلي رهنا عندك إن أتيتك بحقك في الوقت
стр. 1922
الفلاني، وإلا فالنعال لك فوافق صاحب الدكان، وهذا دليل على أنه يرى جواز هذه المسألة، ومن المعلوم أن من رجح قولا على قول فإنه يلزمه أمران: بيان وجه الترجيح والإجابة عن أدلة الآخرين، فما هو وجه ترجيح هذا القول؟ أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]. وقول الرسول ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أخل حراما أو حرم حلالا»، وهذا شرط لا يحل حراما ولا يحرم حالا، وأما الإجابة عن قولهم أن هذا من باب إغلاق الرهن، فنقول: هذا ليس من باب الإغلاق في شيء، لماذا؟ لأنه باختياره، ولم يكرهه على هذا أحد.
من فوائد الحديث: أولا: تحريم أخذ المال بغير رضا صاحبه سواء قلنا: "لا" ناهية أو نافية.
ومن فوائده: أن الرهن لا ينقل الملك عن المرهون بل هو باق على ملك الراهن لقوله: "من صاحبه" وهو كذلك.
ومن فوائد الحديث: تحريم إغلاق الرهن بصورتيه وهو أن يستغل المرتهن هذا الرهن أو يأخذه قهرا إذا حل الأجل بغير رضا صاحبه.
ومن فوائده: الإشارة إلى القاعدة المعروفة وهي أن الغنم بالغرم، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله ﷺ : «الخراج بالضمان» ومن هذا الحديث أيضا لقوله: «له غنمه وعليه غرمه» فمن عليه غرم شيء فله غنمه، كيف تحمل الراهن والغرم ولا نعطيه الغنم؟
الترغيب في حسن القضاء:
٨٢٥ - وعن أبي رافع: «أن النبي ﷺ استلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل نت الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال: لا أجد إلا خيارا رباعيا، فقال: أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء». رواه مسلم.
"استلف" أي: اقترض، لأن السلف يطلق على السلم، ويطلق على القرض؛ لأن في كل منهما تقديما، ففي السلم تقدير الثمن وتأخير المثمن، وفي القرض تقديم المقترض وتأخير الوفائ.
وقوله: "بكره" البكر هو الصغير من الإبل، وقوله: "من إبل الصدقة" يعني: الزكاة وقوله: "يقضيه بكره" أي: يوفيه، وقوله: "بكره" أي: عوض بكره لا البكر الذي استسلف؛ لأن البكر الذي استسلف مضى على سبيله، ويحتمل أن يقال: "بكره" أي: بكرا مماثلا لبكره، وعلى هذا فيكون فيه
стр. 1923
استعارة وهي استعارة المقضي الذي حصل به القضاء للمقضي الأول الذي ثبت به القضاء، الفرق إذا قلنا أن المراد بالبكر هنا البكر الأول الذي استسلف، صار لابد من تقدير ما هو؟ عوض بكره، لأن بكره الأول راح، وإذا قلنا: إن المراد بالبكر هنا البكر المدفوع قضاء صار إطلاق البكر عليه من باب الاستعارة؛ لأن يكون شبيها للأول، كأنه قال: اردد عليه بكرا مثل بكره. فقال: "لا أجد إلا خيارا رباعيا"، الخيار الجيد: الذي يختاره الإنسان على غيره، والرباعي: ما بلغ سبع سنين، هذا بالنسبة للإبل، وبالنسبة للبقر ما بلغ خمس سنين، وبالنسبة للغنم ما بلغ أربع سنين، فالرباعي يختلف، فقال له: "أعطه إياه" بعني: أعطه هذا الخيار الرباعي بدلا عن البكر، "فإن خيار الناس أحسنهم قضاء" "خيارهم"، أي: في الوفاء وقضاء الدين، وليس المراد: الخيار المطلق، بل المراد: خيار الناس في قضاء ما عليه من الدين.
من فوائد هذا الحديث: أولا: بيان ما كان عليه الرسول ﷺ من قلة ذات اليد، ولو كانت الدنيا خيرا لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ ، لكنه ﷺ كان يمضي عليه الشهر والشهران والثلاثة ما أوقد في بيته نار، طعامه الأسودان: التمر والماء.
ومن فوائده: جواز اقتراض الحيوان، فتأتي إلى الشخص وتقول له: من فضلك سلفني شاة، لا بأس بهذا؛ لأن النبي ﷺ استسلف بكرا، جئت إلى شخص وقلت: سلفني حمارا فيجوز، جئت إلى شخص وقلت: أقرضني جاريتك هذا لا يجوز، قالوا: لأنه يؤدي إلى أن يقترض جارية فيطؤها عدة ليال ثم يردها، وهذا معلوم أنه حرام، ولهذا أجاز بعضهم استقراض الذكر فتقول: أقرضني فيقرضه ثم يوفيه عبده.
هل يجوز استقراض السيارات؟ يجوز، القرض غير العرية، العرية لا يملكها المستعير، لكن القرض يمكله.
وهل يجوز التوكيل في الاستقراض والوفاء؟ في القضاء فقط، أما الاستسلاف فلا، إذن في الحديث دليل على جواز التوكيل في القضاء.
ومن فوائد الحديث: أن الوكيل لا يتعدى ما أكثر مما وكل فيه إلا بعد مراجعة الموكل، الدليل: أن أبا رافع لما لم يجد إلا خيارا رباعيا لم يوف حتى استأذن النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: جواز الزيادة في الوفاء؛ لأن النبي ﷺ أوفاه مما استقصى وقال: «إن خير الناس أحسنهم قضاء»، ولكن الزيادة لا تخلو إما أن تكون في الكمية أو في الكيفية، إن كانت في الكيفية فلا شك في جوازها؛ لأن هذا الحديث يدل عليها، يعني: مثلا استقرضت منه صاع بر جيد هذا لا بأس به ولا حرج فيه، ولكن في الكمية هل نقول: بالجواز أو نقول: بعدم الحواز؟ فيه خلاف، يعني: إذا استقرضت واحدا فأوفيت ثلاثة، فالصحيح
стр. 1924
جوازه، وأنه لا فرق بين الكمية والكيفية، وعليه فلو استقرضت منه درهما ورددت عليه درهمين، فلا حرج فهو جائز، لكن يشترط ألا يكون هذا مشروطا في عقد القرض، فإن شرط في عقد القرض فإنه لا يجوز كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
ومن فوائد الحديث: أن المثلي يجري في الحيوان، كيف هذا؟ يعني: أن الحيوان يضمن بمثله لا بالقيمة إلا إذا تعذر المثلي والدليل أن النبي ﷺ رد النبي رد بعيرا عن بعير، وذهب بعض العلماء إلى أن المثلي لا يجري في كل مصنوع ولا في كل ذي روح ويقولن في تعرف المثلي: كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه فيضيقون المثلي، وبناء على هذا القول نقول: إذا استقرص الرجل شاة فإنه لا يرد شاة بل يرد قيمة الشاة وقت القرض، زادت أو نقصت، ولكن هذا الحديث يرد عليه، وهذا هو الصحيح، أي: ما دل عليه الحديث أن المثلي يجري في الحيوان والمصنوع وفي كل شيء له مثل فالثياب مثلا مثلية، والأواني مثلية والفرش مثلية، والحيوان مثلي، والسيارات مثلية، وهكذا لأن المثلي هو ما كان مثيلا للشيء أو مقاربا له.
ومن فوائد الحديث: فضيلة حسن القضاء؛ لقول النبي ﷺ : «فإن خيار الناس أحسنهم قضاء»، وقد جاء في حديث آخر: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى وسمحا إذا اقتضى»، فدعا له النبي ﷺ بالرحمة لسماحته.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وذلك بقرن الأحكام وبعللها، وجهه: أنه قال: «أعطه إياه فإن خيار الناس ... إلخ»، وإلا لكان يكفي أن يقول: أعطه إياه.
ومن فوائد الحديث: تفاضل الناس في الأخلاق لقوله: «فإن خيار الناس»، والناس يتفاوتون في الأخلاق، ويتفاوتون في الأعمال، ويتفاوتون في الإيمان، وفي كل شيء، ويتفرع من هذه القاعدة: أن الإيمان يزيد وينقص، وجهه قوله: «خيار الناس»؛ لأن الرسول فضل بعض الناس على بعض.
ومن فوائد الحديث: أن العقود تنعقد بما دل عليها لقوله: «أعطه إياه»، ولم يقل: أوفه، ومعلوم أن العطية أوسع من الوفاء، قد تكون العطية ابتداء هبة، ولكن القرينة تدل على أن المراد أعطه إياه وفاء، فيستدل به على أن العقود تنعقد وهو القول الراجح.
ومن فوائد الحديث: جواز استدانة ولي الأمر على بيت المسلمين، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ قضى هذا من الصدقة، وقضاؤه إياه من الصدقة يدل على أنه لم يستند به لنفسه؛ لأنه لو كان لنفسه ما أداه من الصدقة لأنه تحرم عليه الصدقة، ولكن يشترط ألا يظهر نفسه بدين لا يرجو وفاءه، بل يستدين للحاجة بقدر للحاجة إذا كان يرجو الوفاء.
стр. 1925
٨٢٦ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض فهو ربا». رواه الحارث بن أبي أسامة، وإسناده ساقط.
- وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد ﵁ عند البيهقي.
- وآخر موقوف عند عبد الله بن سلام ﵁ عند البخاري.
هذا الحديث: «كل قرض جر منفعة فهو ربا» والربا -كما نعلمه- حرام، والقرض مر عليمنا تعريقه، وقوله: «جر منفعة» أي: للمقرض فهو ربا لا للمقترض، المقترض لابد أن يجر إليه القرض نفعا فييسد حاجته، لكن للمقرض، ولأن الربا يكون من جانب واحد وهو الدافع، أما الآخذ فالربا عليه وليس له، فالربا في الواقع يكون من جانب واحد، إذا فالمراد بقوله: «جر منفعة» أي: للمقرض، «فهو ربا» يعني: داخل في الربا، لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، أن إسناده ساقط، والمرفوع ضعيف والموقوف على اسمه فهو قول صحابي، وحينئذ نقول: إن الحديث لا تقوم به حجة، ولكن هل يمكن أن نعرف حكم هذه المسألة من القواعد العامة؟ نقول: يكمن، الأصل في القرض أنه عمل خيري يقصد به المقرض وجه الله، والإحسان إلى المقرض؛ ولهذا جوز الشرع أن أقرضك دينارا وتوفيني بعد شهر أو شهرين دينارا مع أن هذا لو وقع على سبيل المعاوضة والبيع لكان حراما؛ لأنه ربا نسيئة، ولكن لما كان المقصود الإحسان إلى المحتاج وسد حاجته رخص فيه الشرع، وإلا فالأصل أن إبدال دينار بدينار لا يوفي إلا بعد مدة، الأصل أنه ربا لكن من أجل يفتح باب الإحسان وسد الحوائج أجاز الشارع القرض، فإذا اشترطت المنفعة؛ أي: إذا شرط المقرض المنفعة خرج به عن مقصوده وصار الآن الهدف تجاريا والمقصود المعارضة والربح الدنيوي، فمن أجل هذا نقول: إذا جر منفعة للمقرض فهو ربا؛ لأنه خرج عن مقصوده، فمثلا إذا أقرضتك ردهما بشرط أن أركب سيارتك إلى المحل الفلاني صار هذا معاوضة، صار كأنما بعت درهما بدرهم وزيادة ركوب السيارة، وهذا ربا لا شك فيه، ولهذا نقول: هذا الحديث وإن كان لا يصح عن الرسول ﷺ لكن القواعد الشرعية تقتضي تحريم المنفعة التي يشترطها المقرض؛ لأنه حينئذ يخرج بالقرض عن مقصوده الأصلي، وقولنا: "جر منفعة" يشمل أي منفعة كل سواء كانت بدنية أو مالية أو عين؛ لأنه إذا منعت المال فالعين من باب أولى، فالبدنية أن يقول: أقرضك عشرة آلاف درهم بشرط
стр. 1926
أن تعمل عندي ثلاثة أيام، هذا لا يجوز، المنفعة بدنية، المالية أن يقول: أقرضك عشرة آلاف ريال بشرط أن تعطيني مسجلك هذا أيضا لا يجوز، الثالث: عينية يقول: أقرضتك عشرة آلاف ريال بشرط أن أسكن بيتك سنة هذا لا يجوز، إذا كل منفعة عينية أو مالية أو منفعة مجردة يشترطها المقرض، فإنها ربا.
فإن قال قائل: ما ذكرتم يخالف حديث أبي رافع السابق: "خيار الناس أحسنهم قضاء".
فنقول: إنه لا يعارضه، لأن حديث أبي رافع وقعت الزيادة عند الوفاء غير مشروطة، وإذا وقعت الزيادة عند الوفاء غير مشروطة أو وقعت بعد الوفاء مكافأة، فإن ذلك لا بأس به، إذن فالمحرم ما شرط في العقد أو ما حصل قبل الوفاء أيضا فهو محرم، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى أن يدع المقرض حقه ما دام هذا الرجل يعطيه، المستقرض يعطي هذا المقرض من أجل أن يسكت عن المطالبة، وربما يستغله أكثر مما أعطاه.
لهذا نقول: صورتان جائزتان، وصورتان ممنوعتان، الصورتان الجائزتان: ما كان عند الوفاء أو بعد الزفاء، والصورتان الممنوعتان: ما كان مشروطا ولو مع الوفاء أو كان قبل الوفاء، وظاهر كلام أهل العلم أنه لا فقر بين أن تكون المنفعة يسيرة جرت بمثلها أو لا، فمثلا لو أقرضت صاحبي تاكسي قيمة السيارة ثلاثين ألفا ثم صلى معك في المسجد وقلت: احملني إلى بيتي، فلما أنزلك عند البيت قلت: جزاك الله خيرا وانصرفت هل يجوز؟ الجواب: لا يجوز، أعطه حقه، أسقط حق الأجرة وليكون خمسة ريالات من الثلاثين ألفا، لمادا؛ لأن هذا قبل الوفاء، استثنى العلماء من هذا ما لا تأثير للقرض فيه وهو ما جرت به العادة من قبل العرض فهذا جائز يعني: ما حصل للإنسان المقرض مما جرت به العادة قبل القرض فلا بأس به، لماذا؟ لأنه لا تأثير للقرض فيه، مثل أن يكون صديقا لم وجرت العادة أنه إذا سافر ثم رجع يأتي بما يسمونه عندنا بالحقاق، يعني: الحق الذي يعطي للصبيان، فلما رجع هذا الرجل من سفره أعطى أولاد المقرض ما جرت به العادة هل هذا حرام؟ قالوا: ليس بحرام، لماذا؟ لأنه لا تأثير للقرض فيه، فهو قد جرت العادة بأن يعطي هؤلاء ما يفرحهم عند قدومهم، وبناء على ذلك نقول في مسألة التاكسي التي تحدثنا عنها قبل قليل: إذا جرت عادة صاحب التاكسي أن يركب مثل هذا فليس عليه شيء، ولا يلزمهم احتسابه من الدين؛ لأن هذا لا أثر للقرض فيه.
حكم الجمعية وهل هي ربا أو لا ؟
جرت مسألة عند كثير من الناس الموظفون يقتطعون من رواتبهم كل شهر كذا وكذا يعطونه واحدا منهم في الشهر ويعطونه الثاني والشهر الثالث للثالث حتى يدور عليهم، فهل هذا من القرض الذي جر نفعا؟ لا، لأنه ما جر نفعا لن يأخذ الإنسان أكثر مما أعطى، قالوا: أليس يشترط أن يوفى إياه،
стр. 1927
وهذا شرط في قرض؟ قلنا: لكن هذا ليس شرط عقد آخر، إنما هو شرط للوفاء، يعني: أنا أعطيتك على شرط أن ترد علي فقط وما رددت على أكثر مما أعطيتك، وحينئذ يعتبر القول بأنه من القول الذي جر نفعا يعتبر وهما؛ لأنه ليس فيه نفع إطلاقا، نعم، لو أنه قال: أنا أريد أن أسلفك من راتبي ألفا على أن تسلفني من راتبك ألفين لكان هذا لا يجوز، لأنه قرض جر نفعا.
* * * *
٦ - باب التفليس والحجر
"التفليس" تفعيل من الفلس، والفلس هو الإعدام والفقر؛ لأن الفقير المعدم ليس عنده فلوس فهو مفلس؛ أي: خال اليد من الفلوس، وأما التفليس فهو الحكم بإفلاس من حكم عليه به، يعني إذا أفلسه القاضي وحكم عليه بالفلس، فهذا يسمى تفليسا فعندنا فلس وإفلاس بمعنى واحد، تفليس: الحكم عليه بأنه مفلس، والإفلاس والفلس هو الفقر والإعدام.
أما "الحجر" فهو في اللغة: المنع، والمراد به: منع المالك من التصرف في ملكه، ولكن الحجر ينقسم إلى قسمين: حجر لمصلحة الغير، وحجر لمصلحة الغير، وحجر لمصلحة المحجور عليه، فالحجر للسفه أو الجنون هذا حجر لمصلحة المحجور عليه، فالحجر للسفه أو الصغر أو الجنون هذا حجر لمصلحة المحجور عليه، والحجر لحق الغرماء حجر لمصلحة الغير، هناك أنواع من الحجور كحجر الراهن من التصرف في الرهن، هذا نوع من الحجر لمصلحة المرتهن، لكن هذا غير مراد، مراد المؤلف: بمن حجر عليه إما لمصلحة غير؛ كمدين أفلس، أو لمصلحة نفسه كالصغير والمجنون والسفيه.
٨٢٧ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من غيره». متفق عليه.
"قد أفلس" يعني افتقر إذا أدركه بعينه فهو أحق به من غيره، هذا الحديث يقول: «من أدرك»، وكلمة "من" هذه شرطية فتفيد العموم، يعني: أي إنسان أدرك ماله عند رجل ... إلخ.
وقوله: "ماله بعينه" المال هو كل ما يجمعه الإنسان من نقود وعروض ومنافع وغيرها، وأحيانا يقال: المال هو منفعة، فيراد بالمال: الأعيان، وبالمنافع: المنافع، وقوله: "بعينه" يعني: لم يتغير بل أدركه كما هو لم يتغير بعيب أو غيره.
وقوله: "عند رجل قد أفلس"، "رجل" هذه كلمة للمذكر -كما هو معروف- لكنها ليست خاصة بالرجل بل حتى لو أدركته بعينه عند امرأة لكن ذكر الرجال تغليبا وتشريفا، تغليبا لأن
стр. 1928
أكثر من يتعامل بالمال الرجال، وتشريفا؛ لأن الرجل أشرف من المرأة، لأن الله تعالى فضل الرجال على النساء.
"فهو أحق به من غيره"، "أحق" اسم تفضيل من الحق، بمعنى: الاستحقاق، يعني: فيستحقه هو دون غيره، وإن لم يكن لهذا الذي أفلس مال سواه يكون صاحبه أحق به من غيره، وصورة المسألة: رجل باع على شخص سيارة، ثم إن هذا الرجل الذي اشترى السيارة انكسر بماله، يعني: أفلس، فنقول لصاحب السيارة: أنت أحق بسيارتك، صاحب السيارة قد باعها بعشرة آلاف ريال، والرجل صار عليه مائة ألف ريال لعشرة أنفس من جملتهم صاحب السيارة قد باعها بعشرة آلاف ريال، والرجل صار عليه مائة ألف ريال لعشرة أنفس من جملتهم صاحب السيارة الذي عليه مائة ألف منها عشرة لصاحب السيارة وتسعة وتسعون لغرماء آخرين تسعة رجال كل واحد عشرة آلاف، الآن المال الذي عليه مائة ألف، والغرماء عشرة كل واحد منهم له عشرة آلاف، هذا الرجل الذي أفلس ما وجدنا عنده إلا السيارة، كم لصاحب السيارة؟ عشرة آلاف ريال لو جعلنا لصاحب السيارة أسوة الغرماء لم يأته إلا ألف ريال لماذا؟ لأننا نقسمها على عشرة أنفس لا يأتيه إلا ألف، لكن مقتضى الحديث أن نقول: لك السيارة وهي لم تتغير، فيكون صاحب السيارة لم يفته شيء، والباقون فاتهم، هذه صورة المسألة التي دل عليها الحديث، وإنما كان أحق؛ لأن ماله الذي لزم المفلس الدين به موجود ومال الآخرين مفقود غير موجود، فكيف يجعل مال هذا الرجل فداء لمال الآخرين، هذا ليس بحق، ولهذا قلنا: إنك أنت يا صاحب السيارة أحق بسيارتك، ولكن هل إذا أحق يأخذها بالغة ما بلغت قيمتها أو يرجع بما نقص ويرد ما زاد؟ قول النبي ﷺ : «فهو أحق به» يدل على أنه أحق به من غيره، لكن لا يدل على أن حقه يثبت، يعني: لو فرضنا أن السيارة لا تساوي الآن إلى تسعة آلاف وقد باعها بعشرة، هل نفول بقي له ألف في ذمة المفلس، أم نقول: ليس لك إلا مالك؟ نقول بقي له ألف أنت أحق، يعني: أنت مقدم على غيرك فيه، كذلك لو فرض أن هذه السيارة تساوي الآن عشرين هل يأخذها بعشرين أو نقول: خذها بعشرة واردد عشرة؟ الثاني، فإذا قال: أنا لا أريد أن أرد عشرة، قلنا: إذن تباع السيارة فتكون أسوة الغرماء.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولا: تقديم صاحب السلعة بالشرط الذي ذكره النبي ﷺ وهو أن يكون بعينه أي: لم يتغير.
ومن فوائد الحديث: أنه لو تغيرت السلعة بزيادة أو نقص فإنه ليس أحق بها؛ لأن قيد "بعينه" تخرج ما تغير بزيادة أو نقص، ما تغير بالزيادة مثل أن تكون بعيرا فسمنت أو حملت هذه الزيادة، النقص: مثل أن تكون هذه البعير قد هزلت، أما الأول -وهو ما إذا زادت- فظاهر أنه ليس أحق بها؛ لأن الزيادة حصلت على ملك المشتري المفلس فلا يمكن أن تكون أنت أحق
стр. 1929
بها، وأما الثاني إذا نقصت فقد يقال إن البائع إذا رضي بها ناقصة فإنه يعطى إياها؛ لأن في هذا مصلحة للمشتري، فمثلا إذا قدر أنها هزلت حتى كانت لا تساوي إلا نصف القيمة وقال: أنا راض بالقيمة كلها، فهنا قد نقول: إنه له حق فيها؛ لأن هذا من مصلحة المشترى حيث إنه سيسقط عنه في هذه الحال نصف الدين.
فإن قال قائل: هذا يضر بالغرماء لو تقاسموها لحصل لهم منها شيء؟
قلنا: إذا كان أخذه إياها وهي تساوي عشرة قد أباحه الشرع مع أن فيه إضراراً بالغرماء فإباحته إذا كانت دون ذلك وأسقط الباقي من باب أولى، والشرع كله مبني على العدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. وفي هذا عدل.
من فوائد الحديث: أن البائع له أن يسقط حقه؛ لأن الحق له، يعني: لو أن البائع رحم المشتري والغرماء وقال: أنا أسقط حقي وأجعل نفسي كغريم منهم، فهل له ذلك؟ نعم، لأنه قال: "فهو أحق"، نجعل الحق له، فإذا رضي بإسقاطه فلا حرج عليه، وهذا لمصلحة الغرماء ومصلحة الغريم المفلس، أما الغرماء فظاهر، وأما الغريم؛ فلأنه يسقط من ذمته شيء من ديون الغرماء، وأنتم تعلمون أن الغرماء يختلفون، بعض الغرماء يكون شديدا لا يخاف الله ولا يرحم مخلوقا، فتجد المدين يود أن يقضي دين هذا الرجل حتى يسلم منه، فإذا رضي البائع بأن العين هذه التي هو أحق بها من غيرها تضاف إلى ما لديه من المال، وتجعل للغرماء جميعا فهذا لا بأس به؛ لأن الحق حقه.
- ورواه أبو دواد، ومالك: من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلا بلفظ: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء»؟ .
- ووصله البيهقي، وضعفه تبعا لأبي داود.
لماذا كان مرسلا؟ لأن أبا بكر بن عبد الرحمن تابعي، وليس صحابيا، استفدنا من هذا الحديث المرسل فائدة وهي أنه يشترط ألا يكون البائع استوفى شيئا من ثمنه، فإن كان استوفى شيئا من ثمنه ولو كان درهما واحدا من ألف درهم فليس أحق به من غيره، إذن نضيف هذا الشرط إلى ما سبق من أنه يشترط ألا يتغير ويشترط أيضا ألا يكون قد قبض من ثمنه شيئا فإن كان قد قبض من ثمنه فلا حق له فيه ويكون صاحبة أسوة الغرماء، وهذا الشرط لا يتنافي مع الحديث الصحيح المتصل؛ لأن قوله: "من أدرك ماله بعينه" قد يؤخذ من كلمة "بعينه" أنه إذا
стр. 1930
قبض من ثمنه شيئا لم يصدق عليه أنه وجده بعينه، قد يؤخذ من كلمة "بعينه" أنه إذا قبض من ثمنه شيئا فقد بقي بعض المبيع، وهو الجزء المقابل لما أخذ من الثمن بقي طليقا ليس للبائع فيه حق، وحينئذ يكون لم يجده بعينه.
إذا كان قد باعه بمائة درهم وقبض عشرة كم صار يستحق من هذا المبيع؟ تسعين، يعني: تسعة أعشار المبيع فقط، والعشر الباقي لا حق له فيه، إذا فكأنه لم يدركه بعينه، كأنه أدركه ناقصا، العشر المقابل لما قبضه من الثمن.
على كل حال: سواء أمكن أن نأخذ هذا الشرط أم لم يمكن فإن هذا الحديث المرسل فيه أنه يشترط ألا يكون قد قبض من ثمنه شيئا.
قال: "وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، أضف إلى هذين الشرطين السابقين شرطا ثالثا، وهو أن يكون المشتري حيا، فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء، يعني: ليس له حق فيه هو وغيره سواء، ونبقى مفرعين على المثال السابق الذي باع عليه سيارة بعشرة آلاف ريال، وكان الدين الذي عليه مائة ألغ لتسعة غرماء آخرين، قلنا: لصاحب السيارة أن يأخذ سيارته عن دينه، لكن لو مات الذي اشترى السيارة قبل أن يأخذ البائع سيارته صار البائع أسوة الغرماء، أي: أن هذه السيارة تكون مشتركة بين الغرماء العشرة بالتساوي، وهذا الشرط أيضا يمكن أن يؤخذ من الحديث من قوله: «من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس» وبعد موته لا يكون أدركه عند الرجل، بل يقال: أدركه عند الورثة، وحينئذ يكون القيد في قوله: "عند رجل قد أفلس" مخرجا لما إذا مات هذا المفلس وانتقل المتاع إلى ورثته، فإنه لا حق لصاحب المتاع فيه بل يكون أسوة الغرماء فإن مات صاحب المتاع فهل يسقط حق ورثته، أو نقول: إن الورثة نزلوا منزلة الموروث وهذا حق يورث؟ الثاني، من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، هذا الذي باع متاعه على رجل وأفلس الرجل، نقول: أنت الآن أحق بمتاعك من غيرك لكنه مات البائع فهو ينزل الورثة منزلته؟ قال الله تعالى: ﴿ما ترك﴾ [النحل: ٦١]، وهذا حق متروك ثابت للمورث، فإذا كان حقا متروكا ثابتا للمورث دخل في عموم ما ترك أزواجه أو ما تركتم وما أشبه ذلك، إذن المسألة فيها قولان، والقول الراجح: هو أنه يورث فيكون الورثة أحق به من بقية الغرماء؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ما ترك﴾ [النحل: ٦١]، والترك يكون في الأصل، ويكون في الوصف، وكما أن الوارث يرث حق الشفعة وحق الخيار كذلك يرث حق الأخذ بالمال، ولا فرق.
بقي عندنا الجواب عند حجة المعارض، لأننا ذكرنا أن الترجيح لابد فيه من أمرين: إقامة الحجة، والرد على الحجة، إقامة الحجة لك، والرد على حجة المعارض، فيكف يرد على
следующие страницы →