Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
أن تعمل عندي ثلاثة أيام، هذا لا يجوز، المنفعة بدنية، المالية أن يقول: أقرضك عشرة آلاف ريال بشرط أن تعطيني مسجلك هذا أيضا لا يجوز، الثالث: عينية يقول: أقرضتك عشرة آلاف ريال بشرط أن أسكن بيتك سنة هذا لا يجوز، إذا كل منفعة عينية أو مالية أو منفعة مجردة يشترطها المقرض، فإنها ربا.
فإن قال قائل: ما ذكرتم يخالف حديث أبي رافع السابق: "خيار الناس أحسنهم قضاء".
فنقول: إنه لا يعارضه، لأن حديث أبي رافع وقعت الزيادة عند الوفاء غير مشروطة، وإذا وقعت الزيادة عند الوفاء غير مشروطة أو وقعت بعد الوفاء مكافأة، فإن ذلك لا بأس به، إذن فالمحرم ما شرط في العقد أو ما حصل قبل الوفاء أيضا فهو محرم، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى أن يدع المقرض حقه ما دام هذا الرجل يعطيه، المستقرض يعطي هذا المقرض من أجل أن يسكت عن المطالبة، وربما يستغله أكثر مما أعطاه.
لهذا نقول: صورتان جائزتان، وصورتان ممنوعتان، الصورتان الجائزتان: ما كان عند الوفاء أو بعد الزفاء، والصورتان الممنوعتان: ما كان مشروطا ولو مع الوفاء أو كان قبل الوفاء، وظاهر كلام أهل العلم أنه لا فقر بين أن تكون المنفعة يسيرة جرت بمثلها أو لا، فمثلا لو أقرضت صاحبي تاكسي قيمة السيارة ثلاثين ألفا ثم صلى معك في المسجد وقلت: احملني إلى بيتي، فلما أنزلك عند البيت قلت: جزاك الله خيرا وانصرفت هل يجوز؟ الجواب: لا يجوز، أعطه حقه، أسقط حق الأجرة وليكون خمسة ريالات من الثلاثين ألفا، لمادا؛ لأن هذا قبل الوفاء، استثنى العلماء من هذا ما لا تأثير للقرض فيه وهو ما جرت به العادة من قبل العرض فهذا جائز يعني: ما حصل للإنسان المقرض مما جرت به العادة قبل القرض فلا بأس به، لماذا؟ لأنه لا تأثير للقرض فيه، مثل أن يكون صديقا لم وجرت العادة أنه إذا سافر ثم رجع يأتي بما يسمونه عندنا بالحقاق، يعني: الحق الذي يعطي للصبيان، فلما رجع هذا الرجل من سفره أعطى أولاد المقرض ما جرت به العادة هل هذا حرام؟ قالوا: ليس بحرام، لماذا؟ لأنه لا تأثير للقرض فيه، فهو قد جرت العادة بأن يعطي هؤلاء ما يفرحهم عند قدومهم، وبناء على ذلك نقول في مسألة التاكسي التي تحدثنا عنها قبل قليل: إذا جرت عادة صاحب التاكسي أن يركب مثل هذا فليس عليه شيء، ولا يلزمهم احتسابه من الدين؛ لأن هذا لا أثر للقرض فيه.
حكم الجمعية وهل هي ربا أو لا ؟
جرت مسألة عند كثير من الناس الموظفون يقتطعون من رواتبهم كل شهر كذا وكذا يعطونه واحدا منهم في الشهر ويعطونه الثاني والشهر الثالث للثالث حتى يدور عليهم، فهل هذا من القرض الذي جر نفعا؟ لا، لأنه ما جر نفعا لن يأخذ الإنسان أكثر مما أعطى، قالوا: أليس يشترط أن يوفى إياه،
стр. 1927
وهذا شرط في قرض؟ قلنا: لكن هذا ليس شرط عقد آخر، إنما هو شرط للوفاء، يعني: أنا أعطيتك على شرط أن ترد علي فقط وما رددت على أكثر مما أعطيتك، وحينئذ يعتبر القول بأنه من القول الذي جر نفعا يعتبر وهما؛ لأنه ليس فيه نفع إطلاقا، نعم، لو أنه قال: أنا أريد أن أسلفك من راتبي ألفا على أن تسلفني من راتبك ألفين لكان هذا لا يجوز، لأنه قرض جر نفعا.
* * * *
٦ - باب التفليس والحجر
"التفليس" تفعيل من الفلس، والفلس هو الإعدام والفقر؛ لأن الفقير المعدم ليس عنده فلوس فهو مفلس؛ أي: خال اليد من الفلوس، وأما التفليس فهو الحكم بإفلاس من حكم عليه به، يعني إذا أفلسه القاضي وحكم عليه بالفلس، فهذا يسمى تفليسا فعندنا فلس وإفلاس بمعنى واحد، تفليس: الحكم عليه بأنه مفلس، والإفلاس والفلس هو الفقر والإعدام.
أما "الحجر" فهو في اللغة: المنع، والمراد به: منع المالك من التصرف في ملكه، ولكن الحجر ينقسم إلى قسمين: حجر لمصلحة الغير، وحجر لمصلحة الغير، وحجر لمصلحة المحجور عليه، فالحجر للسفه أو الجنون هذا حجر لمصلحة المحجور عليه، فالحجر للسفه أو الصغر أو الجنون هذا حجر لمصلحة المحجور عليه، والحجر لحق الغرماء حجر لمصلحة الغير، هناك أنواع من الحجور كحجر الراهن من التصرف في الرهن، هذا نوع من الحجر لمصلحة المرتهن، لكن هذا غير مراد، مراد المؤلف: بمن حجر عليه إما لمصلحة غير؛ كمدين أفلس، أو لمصلحة نفسه كالصغير والمجنون والسفيه.
٨٢٧ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من غيره». متفق عليه.
"قد أفلس" يعني افتقر إذا أدركه بعينه فهو أحق به من غيره، هذا الحديث يقول: «من أدرك»، وكلمة "من" هذه شرطية فتفيد العموم، يعني: أي إنسان أدرك ماله عند رجل ... إلخ.
وقوله: "ماله بعينه" المال هو كل ما يجمعه الإنسان من نقود وعروض ومنافع وغيرها، وأحيانا يقال: المال هو منفعة، فيراد بالمال: الأعيان، وبالمنافع: المنافع، وقوله: "بعينه" يعني: لم يتغير بل أدركه كما هو لم يتغير بعيب أو غيره.
وقوله: "عند رجل قد أفلس"، "رجل" هذه كلمة للمذكر -كما هو معروف- لكنها ليست خاصة بالرجل بل حتى لو أدركته بعينه عند امرأة لكن ذكر الرجال تغليبا وتشريفا، تغليبا لأن
стр. 1928
أكثر من يتعامل بالمال الرجال، وتشريفا؛ لأن الرجل أشرف من المرأة، لأن الله تعالى فضل الرجال على النساء.
"فهو أحق به من غيره"، "أحق" اسم تفضيل من الحق، بمعنى: الاستحقاق، يعني: فيستحقه هو دون غيره، وإن لم يكن لهذا الذي أفلس مال سواه يكون صاحبه أحق به من غيره، وصورة المسألة: رجل باع على شخص سيارة، ثم إن هذا الرجل الذي اشترى السيارة انكسر بماله، يعني: أفلس، فنقول لصاحب السيارة: أنت أحق بسيارتك، صاحب السيارة قد باعها بعشرة آلاف ريال، والرجل صار عليه مائة ألف ريال لعشرة أنفس من جملتهم صاحب السيارة قد باعها بعشرة آلاف ريال، والرجل صار عليه مائة ألف ريال لعشرة أنفس من جملتهم صاحب السيارة الذي عليه مائة ألف منها عشرة لصاحب السيارة وتسعة وتسعون لغرماء آخرين تسعة رجال كل واحد عشرة آلاف، الآن المال الذي عليه مائة ألف، والغرماء عشرة كل واحد منهم له عشرة آلاف، هذا الرجل الذي أفلس ما وجدنا عنده إلا السيارة، كم لصاحب السيارة؟ عشرة آلاف ريال لو جعلنا لصاحب السيارة أسوة الغرماء لم يأته إلا ألف ريال لماذا؟ لأننا نقسمها على عشرة أنفس لا يأتيه إلا ألف، لكن مقتضى الحديث أن نقول: لك السيارة وهي لم تتغير، فيكون صاحب السيارة لم يفته شيء، والباقون فاتهم، هذه صورة المسألة التي دل عليها الحديث، وإنما كان أحق؛ لأن ماله الذي لزم المفلس الدين به موجود ومال الآخرين مفقود غير موجود، فكيف يجعل مال هذا الرجل فداء لمال الآخرين، هذا ليس بحق، ولهذا قلنا: إنك أنت يا صاحب السيارة أحق بسيارتك، ولكن هل إذا أحق يأخذها بالغة ما بلغت قيمتها أو يرجع بما نقص ويرد ما زاد؟ قول النبي ﷺ : «فهو أحق به» يدل على أنه أحق به من غيره، لكن لا يدل على أن حقه يثبت، يعني: لو فرضنا أن السيارة لا تساوي الآن إلى تسعة آلاف وقد باعها بعشرة، هل نفول بقي له ألف في ذمة المفلس، أم نقول: ليس لك إلا مالك؟ نقول بقي له ألف أنت أحق، يعني: أنت مقدم على غيرك فيه، كذلك لو فرض أن هذه السيارة تساوي الآن عشرين هل يأخذها بعشرين أو نقول: خذها بعشرة واردد عشرة؟ الثاني، فإذا قال: أنا لا أريد أن أرد عشرة، قلنا: إذن تباع السيارة فتكون أسوة الغرماء.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولا: تقديم صاحب السلعة بالشرط الذي ذكره النبي ﷺ وهو أن يكون بعينه أي: لم يتغير.
ومن فوائد الحديث: أنه لو تغيرت السلعة بزيادة أو نقص فإنه ليس أحق بها؛ لأن قيد "بعينه" تخرج ما تغير بزيادة أو نقص، ما تغير بالزيادة مثل أن تكون بعيرا فسمنت أو حملت هذه الزيادة، النقص: مثل أن تكون هذه البعير قد هزلت، أما الأول -وهو ما إذا زادت- فظاهر أنه ليس أحق بها؛ لأن الزيادة حصلت على ملك المشتري المفلس فلا يمكن أن تكون أنت أحق
стр. 1929
بها، وأما الثاني إذا نقصت فقد يقال إن البائع إذا رضي بها ناقصة فإنه يعطى إياها؛ لأن في هذا مصلحة للمشتري، فمثلا إذا قدر أنها هزلت حتى كانت لا تساوي إلا نصف القيمة وقال: أنا راض بالقيمة كلها، فهنا قد نقول: إنه له حق فيها؛ لأن هذا من مصلحة المشترى حيث إنه سيسقط عنه في هذه الحال نصف الدين.
فإن قال قائل: هذا يضر بالغرماء لو تقاسموها لحصل لهم منها شيء؟
قلنا: إذا كان أخذه إياها وهي تساوي عشرة قد أباحه الشرع مع أن فيه إضراراً بالغرماء فإباحته إذا كانت دون ذلك وأسقط الباقي من باب أولى، والشرع كله مبني على العدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]. وفي هذا عدل.
من فوائد الحديث: أن البائع له أن يسقط حقه؛ لأن الحق له، يعني: لو أن البائع رحم المشتري والغرماء وقال: أنا أسقط حقي وأجعل نفسي كغريم منهم، فهل له ذلك؟ نعم، لأنه قال: "فهو أحق"، نجعل الحق له، فإذا رضي بإسقاطه فلا حرج عليه، وهذا لمصلحة الغرماء ومصلحة الغريم المفلس، أما الغرماء فظاهر، وأما الغريم؛ فلأنه يسقط من ذمته شيء من ديون الغرماء، وأنتم تعلمون أن الغرماء يختلفون، بعض الغرماء يكون شديدا لا يخاف الله ولا يرحم مخلوقا، فتجد المدين يود أن يقضي دين هذا الرجل حتى يسلم منه، فإذا رضي البائع بأن العين هذه التي هو أحق بها من غيرها تضاف إلى ما لديه من المال، وتجعل للغرماء جميعا فهذا لا بأس به؛ لأن الحق حقه.
- ورواه أبو دواد، ومالك: من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلا بلفظ: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء»؟ .
- ووصله البيهقي، وضعفه تبعا لأبي داود.
لماذا كان مرسلا؟ لأن أبا بكر بن عبد الرحمن تابعي، وليس صحابيا، استفدنا من هذا الحديث المرسل فائدة وهي أنه يشترط ألا يكون البائع استوفى شيئا من ثمنه، فإن كان استوفى شيئا من ثمنه ولو كان درهما واحدا من ألف درهم فليس أحق به من غيره، إذن نضيف هذا الشرط إلى ما سبق من أنه يشترط ألا يتغير ويشترط أيضا ألا يكون قد قبض من ثمنه شيئا فإن كان قد قبض من ثمنه فلا حق له فيه ويكون صاحبة أسوة الغرماء، وهذا الشرط لا يتنافي مع الحديث الصحيح المتصل؛ لأن قوله: "من أدرك ماله بعينه" قد يؤخذ من كلمة "بعينه" أنه إذا
стр. 1930
قبض من ثمنه شيئا لم يصدق عليه أنه وجده بعينه، قد يؤخذ من كلمة "بعينه" أنه إذا قبض من ثمنه شيئا فقد بقي بعض المبيع، وهو الجزء المقابل لما أخذ من الثمن بقي طليقا ليس للبائع فيه حق، وحينئذ يكون لم يجده بعينه.
إذا كان قد باعه بمائة درهم وقبض عشرة كم صار يستحق من هذا المبيع؟ تسعين، يعني: تسعة أعشار المبيع فقط، والعشر الباقي لا حق له فيه، إذا فكأنه لم يدركه بعينه، كأنه أدركه ناقصا، العشر المقابل لما قبضه من الثمن.
على كل حال: سواء أمكن أن نأخذ هذا الشرط أم لم يمكن فإن هذا الحديث المرسل فيه أنه يشترط ألا يكون قد قبض من ثمنه شيئا.
قال: "وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، أضف إلى هذين الشرطين السابقين شرطا ثالثا، وهو أن يكون المشتري حيا، فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء، يعني: ليس له حق فيه هو وغيره سواء، ونبقى مفرعين على المثال السابق الذي باع عليه سيارة بعشرة آلاف ريال، وكان الدين الذي عليه مائة ألغ لتسعة غرماء آخرين، قلنا: لصاحب السيارة أن يأخذ سيارته عن دينه، لكن لو مات الذي اشترى السيارة قبل أن يأخذ البائع سيارته صار البائع أسوة الغرماء، أي: أن هذه السيارة تكون مشتركة بين الغرماء العشرة بالتساوي، وهذا الشرط أيضا يمكن أن يؤخذ من الحديث من قوله: «من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس» وبعد موته لا يكون أدركه عند الرجل، بل يقال: أدركه عند الورثة، وحينئذ يكون القيد في قوله: "عند رجل قد أفلس" مخرجا لما إذا مات هذا المفلس وانتقل المتاع إلى ورثته، فإنه لا حق لصاحب المتاع فيه بل يكون أسوة الغرماء فإن مات صاحب المتاع فهل يسقط حق ورثته، أو نقول: إن الورثة نزلوا منزلة الموروث وهذا حق يورث؟ الثاني، من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، هذا الذي باع متاعه على رجل وأفلس الرجل، نقول: أنت الآن أحق بمتاعك من غيرك لكنه مات البائع فهو ينزل الورثة منزلته؟ قال الله تعالى: ﴿ما ترك﴾ [النحل: ٦١]، وهذا حق متروك ثابت للمورث، فإذا كان حقا متروكا ثابتا للمورث دخل في عموم ما ترك أزواجه أو ما تركتم وما أشبه ذلك، إذن المسألة فيها قولان، والقول الراجح: هو أنه يورث فيكون الورثة أحق به من بقية الغرماء؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ما ترك﴾ [النحل: ٦١]، والترك يكون في الأصل، ويكون في الوصف، وكما أن الوارث يرث حق الشفعة وحق الخيار كذلك يرث حق الأخذ بالمال، ولا فرق.
بقي عندنا الجواب عند حجة المعارض، لأننا ذكرنا أن الترجيح لابد فيه من أمرين: إقامة الحجة، والرد على الحجة، إقامة الحجة لك، والرد على حجة المعارض، فيكف يرد على
стр. 1931
حجة المعارض وهو واحد، وقد ذكر ابن جرير أن الواحد لا يخرق الإجماع، ومسألة توزبع المال على الغرماء يكون بالقسط، كيف ذلك؟ أن ننسب الموجود من المال إلى المطلوب الذي يطلب منه ونعطي كل واحد من دينه بمثل تلك النسبة، فإذا قدرنا أن المطلوب خمسون ألفا والموجود عشرة آلاف فقط كم مسبة العشرة للخمسين؟ الخمس نعطي كل واحد خمس دينه، الذي له خمس ريالات نعطيه ريالا، والذي له خمسون ألفا نعطيه عشرة آلاف، والذي له خمسمائة ألف فعطيه مائة ألف إذن نقلل، الذي له خمسون ألفا أعطيناه عشرة، والذي له مائة ألف تعطيه عشرين، وعلى هذا فقس، المهم أن الطريق هو أن ننسب الموجود على المطلوب، ونعطي كل واحد من دينه بمثل تلك النسبة، هذا معنى قوله: "أسوة الغرماء".
وهل يفرق بين صاحب الدين السابق واللاحق؟ الجواب: لا نفرق الدين السابق الذي له عشر سنوات والدين اللاحق الذي ليس له إلا عشرة أيام كلها سواء.
- ورواه أبو داود، وابن ماجه: من رواية عمر بن خلدة قال: "أتينا أبا هريرة ﵁ في صاحب لنا قد أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : "من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به" وصححه الحاكم، وضعف أبو داود هذه الزيادة في ذكر السموات.
يقول: رواه أبو داود من رواية عمر بن خلدة، قال: "أتينا أبا هريرة ﵁"، أبو هريرة كان أميرا على المدينة في وقت من الأوقات، وكان في جملة ما يقول: "لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة على جداره، ثم يقول: ما لي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم" أي: بهذه السنة بين أكتفاكم وإن كرهتموها، أو لأرمين بالخسب بين أكتافكم حتى تحملوها إن لم تحملها جدركم؟ الثاني أنسب، وهذا نظير قول عمر بن الخطاب ﵁ لمحمد بن مسلمة لما منع من إجراء الماء على أرضه لأرض جاره قال عمر: لتجرينه أو لأجرينه على بطنك، فهذا قسط من سياق هذه القصة أن أبا هريرة ﵁ كان أميرا على المدينة في وقت من الأوقات، وكان يلزم الناس بسنة الرسول ﷺ ، وهكذا يجب على كل وال أن يكون إلزامه للناس بما تقتضيه سنة الرسول ﷺ لا بما تهواه نفسه، ولذلك يحرم على ولي الأمر أن يلزم الناس التمذهب بمذهبه، لو كان مثلا حنبليا لا يجوز أن يلزم الناس بالمذهب الحنبلي، أو حنفيا لا يجوز له أن يلزم الناس بالمذهب الحنفي، وهكذا، بل يدع الناس وما يرون في دين الله، أما إذا رفع الأمر إلى الإنسان فإن الواجب عليه أن يحكم ويلزم بما يرى أنه الحق، وليس عليه ملامة في ذلك.
стр. 1932
يقول: "لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ ، قوله: "بقضاء" قال بعض العلماء: أي بمثل قضاء؛ لأن قضاء النبي ﷺ قد انتهى حياته، ولا يمكن أن تكون القضية التي قضى بها أبو هريرة أو غيره من حكام المسلمين هي القضية التي قضى بها رسول الله ﷺ ، ولكن المسألة على حذف مضاف، أي: بمثل قضاء، وبعضهم يقول: لا حاجة إلى التقدير، لأن الأمر معلوم، وإذا كان معلوما فلا حاجة إلى التقدير، قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وسئل القرية التي كنا فيها﴾ [يوسف: ٨٢]. لا حاجة أن نقول: واسأل أهل القرية؛ لأن الأمر معلوم.
ثم قال: «من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به»، وهذا الحديث كما ترون يوافق ما سبقه في مسألة الإفلاس، لكنه يخالفه في مسألة الموت؛ لأن الحديث السابق يدل على أنه إذا فصاحب المتاع أسوة الغرماء، وهذا يدل على أنه إذا مات فإن صاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه، ولهذا قال: صححه الحاكم وضعفه أبو داود، وضعفه أيضا هذه الزيادة في ذكر الموت؛ لأنها تخالف الحديث السابق، والحديث السابق أصح، والقاعدة في مصطلح الحديث: أنه إذا تعارض لفظان وكان أحدهما أرجح من الآخر رواية أو متنا فإن المرجوح يسمى شاذا، حتى لو فرض أن هذا الحديث الشاذ روي بسند متصل، رواته ثقات، لكنه يخالف ما هو أرجح منه، فإنه يعتبر شاذا، على أنه لو انفرد لقبل، ومن ذلك ما رواه أهل السنن من النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان، فإن الإمام أحمد ﵀ ضعفه، وقال: إنه شاذ، لماذا؟ قال: لحديث أبي هريرة "لا يتقدمن من أحد رمضان بصيام يوم أو يومين"، فإن هذا الحديث يدل على أن النهي خاص بما يسبق رمضان يوما أو يومين لا من النصف، والذين قالوا: لا شذوذ قالوا: يمكن الجمع، فيحمل النهي في حديث أبي هريرة على التحريم، وفي الحديث الثاني على الكراهة، إنما قصدي أن العلماء ﵏ يستعملون الشذوذ في مخالفة الأحاديث التي هي أصح وإن اختلف المخرج، يعني: لو كان المخرج مختلفا وقد كان عند كثير من الطلبة أن الشذوذ لا يحكم به إلا إذا كان المخرج واحدا، يعني: مثل أن يختلف راويان في حديث واحد ولكن تبين من صنيع أهل العلم أنه إذ خالف ما هو أرجح منه ولو كان الحديث مباينا لهذا الحديث فإنه يعتبر شاذا.
على كل حال: الذي نحن فيه الآن هذا الحديث يدل على أنه إذا مات الغريم المفلس فإن صاحب المتاع أحق به من غيره، والأول يدل على أنه أسوة الغرماء، والراجح الأول؛ لأن الثاني ضعيف، الفوائد مثل الأول لكن فيه زيادة إذا صح الحديث.
فمن فوائده: أنه ينبغي للحاكم أن يطمئن الخصوم عند الحكم لقوله: "لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ "، وكذلك أيضا المفتي ينبغي له أن يطمئن المتستفتي إذا أفتاه، لاسيما إذا
стр. 1933
رأى على وجه المستفتي شيئا من الغرابة؛ لأن المستفتي أحيانا يثق بالمفتي ولا شك، لكن يستغرب الشيء، ويظهر ذلك من ملامح وجهه فيجب أن تطمئنه، وأحيانا إذا كان لا يهابه يقول: ما هذا؟ ما الدليل؟ على كل حال إذا وجدت المستفتي طالبا الدليل بلسان الحال أو المقال فينبغي أن تذكره له.
ومن فوائد الحديث: فضيلة أبي هريرة ﵁، حيث اعتمد في قضائه على قضاء رسول الله ﷺ ، وبقية الفوائد مثل الحديث السابق.
التحذير من مماطلة الغني:
٨٢٨ - وعن عمر بن الشريد، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لي الواجد يحل غرضه وعقوبته». رواه أبو داود، والنسائي، وعلقه البخاري، وصححه ابن حبان.
قوله: "لي الواجد"، "اللي" بمعنى: المطل، و"الواجد" الغني القادر على الوفاء، وقوله: "يحل عوضه" أي: يبيحه، والعرض الكلام فيه، "وعقوبته" أي: تعزيره بما يراه الحاكم، والحديث هذا في بيان ما يجب على من عليه دين أو يبادر وألا يماطل فيه.
ففي الحديث أولا: التحذير من مماطل الغني بالدين، ووجهه: أن الشارع جعل هذا مبيحا لعرضه وعقوبته، مع أن الأصل أن عرض المسلم محرم وعقوبته كذلك محرمة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لي غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته، يؤخذ من قوله: "لي الواجد"، فإن مفهومه أن غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته.
ويستفاد من هذا الحديث: تحريم مطل الغني ووجهه: أن الشارع أباح منه ما كان محترما وهو العرض والعقوبة ولاستباح المحترم إلا بشيء محرم.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز مطل غير الواحد؛ لأنه لا يستطيع، ويؤخذ من قوله: "لي الواجد"؛ لأنه لا يستطيع، والله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لا يجب الوفاء إذا لم يطلب لقوله: "لي"، ولا مطل إلا بامتناع، فإذا سكت عنه فإن ذلك ليس بمطل منه، ولا يحل عرضه وعقوبته، ولكن الطلب نوعان: طلب باللفظ وطلب بالحال، الطلب باللفظ أن يقول صاحب الحق: أعطني، والطلب بالحال أن يؤجله فيقول: يحل بعد شهر، بعد سنة، فإن تأجيله يستلزم المطالبة به بلسان الحال عند حلول الأجل، ولولا ذلك ما أجله.
стр. 1934
ومن فوائد الحديث: جواز تكلم صاحب الحق بمن ما طله لعموم قوله: «يحل عرضه» وهذا يشمل الشكاية وغيرها لكنه لا ينبغي أن يتكلم فيه بغير الشكاية إلا إذا كان في ذلك مصلحة، المصلحة قد تكون للطالب، وقد تكون لغيره، فالمصلحة للطالب أن يكون كلامه في هذا الرجل حاثا له على الوفاء، يعني: إذا رأى أنه يتكلم عند الناس به قال: أنا أوفيه وأسلم من شره، هذه المصلحة للطالب، وقد تكون لغيره بحيث يحظر الناس منه، فإن هذا مصلحة للغير؛ لأن كثيراً من الناس لا يعلم عن معاملة هذا الشخص، وقد يكون هذا الشخص على هيئة يحسن الظن به، ويكون الأمر بخلاف الواقع، فإذا تكلم به لمصلحة التحذير مننه كان هذا خيراً أما التكلم من أجل الشكاية فهو حاجة، إذن نقول: إنه يجوز أن يتكلم الطالب بالمماطل في الشكاية وفيما إذا كان هناك مصلحة له أو مصلحة لغيره وإلا فلا ينبغي أن يتكلم.
ومن فوائد الحديث: جواز عقوبة المماطل إذا كان واجداً لقوله: «وعقوبته» والمراد بالجواز هنا: رفع المنع، فلا يمنع أن تكون عقوبته واجبة، فلا ينافي أن تكون عقوبته واجبة، ولهذا يجب على ولاة الأمور أن يعاقبوا المماطلين حتى لا تضيع أموال الناس.
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بحماية الأموال؛ لأنه إنما أبيح عرض المماطل وعقوبته من أجل حماية المال.
هل نقول: إنه يمكن أن تقاس جميع الحقوق على هذا الحقوق المالية؟
الجواب: نعم، يمكن أن تقاس جميع الحقوق على الحقوق المالية، فإذا ماطل الزوج بحق زوجته أو الزوجة بحق زوجها كان داخلاً في هذا الحديث من باب القياس.
٨٢٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم.
«أصيب» يعني: أصابته مصيبة، وبين هذا قال: «فكثر دينه» فأفلس.
قوله: «في ثمار» جمع ثمر، والظاهر- والله أعلم- أنه تمر، لأن غالب ثمار المدينة في التمر، وقوله: «ابتعاعها» يعني: اشتراها، «فكثر دينه فأفلس»، يعني: افتقر، فقال النبي ﷺ : «تصدقوا عليه» قال: يعني: للناس «تصدقوا عليه» أي: أعطوه صدقة لجبر كسره، والصدقة بذل المال تقرباً إلى الله ، وسميت صدقة؛ لأنها دالة على صدق إيمان صاحبها؛ لأن المال محبوب إلى النفس،
стр. 1935
ولا يترك المحبوب إلا لما هو أحب منه، وما هو الذي أحب من المال بالنسبة للمتصدق؟ الثواب الذي يحصل له، فكونه يبذل ما يحب في هذه الدنيا رجاء لما يحبه في الآخرة دليل على صدق إيمانه، ولهذا سمي بذل المال تقربا إلى الله صدقة، فإن قصد به التودد والمحبة فهو هدية، وإن قصد به نفع الغير فقط دون التودد والمحبة ودون التقرب إلى الله فهو هبة، فبذل المال إذن إن أريد به التقرب إلى الله فهو صدقة، إن أريد به التودد فهو هدية، إن أريد به نفع المعطي فقط بقطع النظر عن كون الإنسان يتقرب إلى الله أولا يتقرب فهذا هبة، المراد هنا: «تصدقوا عليه» أي: أعطوه مالاً متقربين بذلك إلى الله، فتصدق الناس عليه امتثالاً لأمر النبي ﷺ ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، يعني: لم يصل إلى وفاء الدين مثل أن يكون دينه ألف درهم فجمع له خمسمائة فهنا المجموع لم يصل إلى حد الدين ولم يف به، فقال النبي ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» ما الذي وجدوه؟ الذي وجدوه ما تصدق به الناس؛ لأن الرجل أفلس ما بقي عنده شيء.
فإذا قال قائل: بماذا كثر دينه وكيف أفلس، هل لأن الثمار فسدت وصار ضمانها عليه، أو لغير ذلك؟
الجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا؛ فقيل: لأن الثمار فسدت، وإذا فسدت نقصت قيمتها، أو عدمت بالكلية، قالوا: وهذا دليل على أن قوله ﷺ : «إذا بعت من أخيط ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ » دليل على أن هذا الحديث إنما هو سبيل الاستحباب، أعني قوله: «فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً» وعلى هذا القول تكون الجوائح غير موضوعة، فجعلوا هذا الحديث معارضاً للحديث السابق، وجمعوا بينهما بأن الحديث السابق على وجه الاستحباب، وأن لبائع الثمار أن يلزم من اجتيحت الثمار عنده بالقيمة كاملة، ولكن هذا الجمع غير صحيح، لأن مبني على فهم غير صحيح مبني على أن بين الحديثين تعارض، والواقع أنه ليس بينهما تعارض، بل كل واحد منهما له وجه، كيف ذلك؟ نقول: الرجل في حديث أبي سعيد يحتمل أنه أصيب بنزول السعر، فمثلاً إذا اشترى بعشرة آلاف، إذن هو أصيب بنزول السعر هذا وجه، ويحتمل أنه أصيب بثمار، أي: أخر جزها عن وقت العادة، فجاءت الأمطار فأصابتها، وفي هذه الحال الضمان على المشتري؛ لأنه هو الذي فرط بتأخير جزها في أوانه، والبائع ليس منه تفريط، إذن فللحديث هنا وجهان:
الوجه الأول: أن تكون الثمار رخصت فنقص، والثاني: أن يكون أخر جزها عن عادته فأصيب
стр. 1936
بالأمطار أو ما أشبه ذلك، وبهذا عرفنا أن هذا الحديث له وجه والحديث الأول له وجه آخر، وأما حمل الحديث الأول على الاستحباب، فهذا لا يمكن؛ لأن لفظ الحديث يمنع من هذا حيث قال: «فلا يحل لك ... إلخ» فكيف تحمل هذا على الاستحباب، والنبي ﷺ يقول: «فلا يحل لك» ويعلل هذا بأنك أخذته بغير حق؟ فالحمل هذا ضعيف، ولهذا نعرف أن مدارك أهل العلم تختلف اختلافاً عظيماً، والآفة تأتي من كون الإنسان يعتقد أولاً ثم يستدل ثانياً، لأنه إذا اعتقد أولاً أن الحكم كذا وكذا صار كلما أتى نص يخالف ما يعتقد حاول أن ينزله على ما يعتقد، وهذه آفة عظيمة، هذه الطريق توجب أن يكون الإنسان قد جعل النصوص تابعة لا متبوعة، والواجب على الإنسان أن يجعل النصوص متبوعة لا تابعة حتى يسلم من هذه الآفة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: أنه لا حاجة إلى العناية باسم صاحب القضية لقوله: «أصيب رجل» وكثير من الناس يتعب في تعين صاحب القضية، وربما يقضي أوقاتاً كثيرة في مراجعة بطون الكتب لعله يعرف من هذا وهذا لا حاجة إليه، إذ إن المقصود بالقضية معرفة الحكم الناتج عن مجريات أمورها.
ومن فوائد الحديث: جواز بيع الثمار على رءوس النخل لقوله: «في ثمر ابتاعها» هذا هو الظاهر، مع أنه يحتمل أن الرجل ابتاع الثمار بعد جزها، وهذا وجه ثالث أضيفوه إلى الوجهين السابقين حتى لا يكون هذا معارضاً للحديث الأول.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لذي الجاه المطاع أن يشفع لمن أصيب، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر بالصدقة عليه، هذا الأمر هل هو للوجوب؟ لا، ولكن للمشورة والاستحباب، وقرينة ذلك أنه أمر بالصدقة، والصدقة ليست بواجبة.
ومن فوائد الحديث: مبادرة الصحابة- ﵃ إلى امتثال أمر النبي ﷺ لقوله: «فتصدق الناس عليه» والفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
ومن فوائد الحديث: أنه لا حق للغرماء فيما زاد على ما عنده لقوله: «وليس لكم إلا ذلك» ولكن هل هذا يعني سقوط بقية الدين، أو أن المراد سقوط الطلب ببقية الدين؟
الصحيح: أن المراد به الثاني سقوط الطلب ببقية الدين، لا أن الدين يسقط.
فإذا قال قائل: ما الذي حمل الحديث على ذلك مع أن ظاهره خلافه؟
الجواب: أن نقول: إن الدين لما ثبت في ذمته صار مالاً للغير، ومال الغير لا يسقط إلا بإسقاط لقول الله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم﴾ [النساء: ٢٩] فما دام صاحب الدين لم يرض بسقوط ما بقي فهو له.
فلو قال قائل: لو مات المفلس في هذه الحال قبل أن يقدر على وفاء دينه فهل يأثم؟
стр. 1937
نقول: هذا ينبني على قاعدة مرت في حديث أخرجه البخاري، «من أخذ الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» في هذا الحديث لم يذكر أن النبي ﷺ حجر عليه. فيستفاد منه: أنه إذا لم يطلب الغرماء الحجر ، فإنه لا يحجر عليه، ولكن يتولى الإمام أو الحاكم بيع ماله وقسمه بين الغرماء بدون حجر.
الحجر:
٨٣٠ - وعن ابن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁: «أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه» رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا ورجح إرساله.
كعب بن مالك ﵁ هو أحد الثلاثة الذين خلفوا يعني: تخلفوا عن غزوة تبوك، وخلفوا في الحكم عليهم، لا أن المعنى خلفوا عن الغزوة، بل أنهم خلفوا، يعني: أرجئ أمرهم حتى يقضي الله فيهم كما هو مصرح به في حديث الثلاثة، وقوله: «حجر على معاذ» هو ابن جبل ﵁، وكان عليه دين وماله لا يفي بما عليه فحجر عليه، «ماله» يعني: أنه منعه من التصرف فيه؛ لأن الحجر بمعنى: المنع، «وباعه» أي: النبي ﷺ «في دين كان عليه».
ففي هذا الحديث الحجر على الإنسان في ماله وبيعه بغير رضاه، ووجه الدلالة: أن ذلك وقع من النبي ﷺ ، ولكن متى يكون الحجر؟ نقول: المدين له أربع حالات: إما أن يكون ماله أكثر من دينه، أو يكون دينه أكثر من مله، أو يتساوى دينه وماله أو لا يكون عنده مال أصلاً، إذا لم يكن عنده مال حرم التعرض له ولا يجوز طلبه ولا مطالبته، ولا حسبه بل يجب تركه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] إذا كان ماله أكثر من دينه فإن لا يحجر عليه أيضاً، ولكن «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» يعني: أننا نعاقبه حتى يوفي نأمر بالوفاء، فإن أبي حبسناه، فإن أبي ضربناه حتى يوفي، فإن أبي بالكلية أوفينا من ماله قهراً عليه بدون حجر، الحال الثالثة: أن يكون ماله ودينه سواء، فهذا أيضا لا يحجر عليه ولكن يؤمر أولاً بالوفاء فإن أبي حبس، فإن أبي ضرب، فإن أبي بيع، الحالة الرابعة: أن يكون دينه أكثر من ماله، يعني: عنده مال لكن الدين أكثر من المال، فماله عشرة ودينه عشرون، هذا لا يترك ولا يحبس ولا يضرب، ولكن يحجر عليه؛ أي: أننا نمنعه من التصرف في ماله، ويتولى الحاكم الشرعي بيع ماله ويفرقه على الغرماء كل بقدر دينه بالقسط، وفي هذه الحال بأي شيء نبدأ؟ نبدأ أولاً بالرهن، فإذا كان لأحد رهن في المال فهو أحق به، ثم بمن وجد عين ماله، وقال
стр. 1938
بعض أهل العلم: نبدأ بمن وجد عين ماله، فإن لك يكن أحد وجد عين ماله بدأنا بالرهن وحجة من قال بالأول- البدء بالرهن- قال؛ لأن هذا المفلس تصرف بالرهن على وجه صحيح؛ لأنه رهنها- هذه العين- قبل أن يحجر عليه، ولما رهنها تعلق بها حق الغير وهو المرتهن فصار مقدماً، وحجة من قال يبدأ بمن وجد عين ماله قالوا: لعموم الحديث: «من أدرك ماله بعين عند رجل قد أفلس فهو أحق به» ثم بعد ذلك بالغرماء، هل نقدم الأول أو الأخير؟ هم على حد سواء ونعطيهم بالقسط بالنسبة، وكيف النسبة؟ نحصي دينه، ثم نحصي ماله، ثم ننسب المال إلى الدين، ونعطي كل واحد من دينه بمثل هذه النسبة، فإذا قدرنا أن دينه عشرة وماله خمسة، كم نعطي كل واحد؟ نصف حقه، نصف دينه، فمن له درهمان نعطيه درهماً، ومن له ألفان نعطيه ألفاً، المهم أننا ننسب الموجود إلى المطلوب، ونعطي كل واحد مثل تلك النسبة.
هناك أيضاً بحث آخر هل يحجر عليه في ماله وذمته أو في ماله فقط؟ نقول: يحجر عليه في ماله فقط، فلا يتصرف في ماله لا في بيع ولا شراء ولا غير ذلك، أما في ذمته فلا يحجر عليه، فمثلاً هذا الرجل الذي وجدنا أن دينه عشرة وماله خمسة حجرنا عليه إذا باع شيئاً من ماله فالبيع غير صحيح، وأما إذا اشترى شيئاً في ذمته فالشراء صحيح؛ لأن ذمته قابلة للتحمل والتصرف بخلاف أعيان ماله، فإنه قد حجر عليه فيها، ولهذا حديث معاذ: «حجر عليه ماله»، أما ذمته فإنها طليقة يتصرف فيها إن شاء استأجر وإن شاء اقترض وإن شاء اشترى بثمن مؤجل.
ومن فوائد حديث معاذ: إثبات الحجر على من استحقه، وسبق لنا أن الحجر لا يكون إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان الدين أكثر من المال ولا حجر في ثلاث صور: إذا كان المال أكثر من الدين، أو كان مساوياً، أو لم يكن له مال، الحجر إنما يكون فيمن عنده مال لكن دينه أكثر من ماله.
ومن فوائد حديث معاذ: جواز بيع الإنسان وإن لم يرض بالبيع إذا كان بحق لقوله: «وباعه في دين كان علي» وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ يستثنى منها هذه المسألة، فإن المحجور عليه يباع ماله قهراً لأن ذلك بحق.
ومن فوائد حديث معاذ: خطر الدين وعظم شأنه، وأنه قد يؤدي بصاحبه إلى أن يباع ماله.
ومن فوائده: أنه إذا كان يباع المال الموجود في قضاء الدين فما بالك بالشخص يشتري شيئاً ديناً عليه وهو ليس له حاجة فيه؛ لأن بعض الناس الآن يذهب يستدين من أجل أن يشتري الكماليات ليس بحاجة ولا بضرورة إليها، وهذا لا شك أنه من السفه من سفه الإنسان أن يذهب ويستدين من أجل مسائل كمالية، وإذا كان الرسول ﷺ لم يرشد الذي أراد أن يزوجه وليس عنده شيء وقال: «التمس ولو خاتماً من حديد» قال: لا أجد، لم يرشده النبي ﷺ إلى أن
стр. 1939
يستدين مع أنه محتاج إلى الزواج، وإنما زوجه بما معه من القرآن، وإذا كان النبي ﷺ في أول الأمر إذا قدمت له الجنازة عليها الدين ليس له وفاء لا يصلي عليها دل هذا على خطر الدين وأهميته، ولهذا ينبغي لكم أن تلاحظوا هذه المسألة لأنا وجدنا كثيراً من الناس يستدين لأجل أن يكون كالأغنياء في مأكله ومشربه وملبسه ومركوبه ومسكنه، وهذا لا شك أنه من السفه، يعني: رجل لا يملك من هذه الأشياء إلا بدين وآخر يملك أضعافها من عنده غني يريد الأول أن يكون مثل الثاني لا شك أنه سفه، وأن الإنسان ينبغي له أن يتحرز من الدين بقدر استطاعته.
٨٣١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني» متفق عليه.
وفي رواية للبيهقي: «فلم يجزني، ولم يرني بلغت» وصححها ابن خزيمة.
أتى المؤلف بهذا الحديث؛ لأن الحجر يكون لحظ الإنسان المحجور عليه ولحظ غيره، ففي حديث معاذ كان الحجر لحظ الغير، وفي حديث ابن عمر الإشارة إلى الصغر، والصغير لا يعطي ماله كما قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء: ٥].
وقال: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]
فاشترط الله تعالى لجواز دفع مال اليتيم إليه، اشترط شرطين: الأول البلوغ لقوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ والثاني: الرشد لقوله: ﴿فإن أنستم منهم رشداً﴾ ومع ذلك لا تدفع إليهم هذا إلا بعد أن نبتليهم أي: نختبرهم، فيختبر قبل البلوغ بما يليق به، وينظر هل هو رشيد أو لا، فإذا كان رشيداً دفع إليه المال من حين أن يبلغ.
فهنا نقول: الحديث يدلنا على سن البلوغ، وأنه خمس عشرة فنبدأ أولاً بشرحه:
قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد» وأحد كانت في السنة الثالثة في شوال، وكان ابن عمر له أربع عشرة سنة، يعني: لم يبلغ خمس عشرة، قال: «وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة» وهذا فيه إشكال من حيث الظاهر؛ لأن عزوة الخندق كانت في السنة الخامسة وأحد كانت في السنة الثالثة، ومن له أربع عشرة في السنة الثالثة يكون له في السنة الخامسة ست عشرة، وهنا يقول: «وأنا ابن خمس عشرة» ففيه إشكال، حيث إن ظاهره التعارض، ولكن الجواب على ذلك من أحد وجهين:
стр. 1940
إما أن يقال: إن ابن عمر ألغى الكسر، فيقول: وأنا ابن أربع عشرة سنة أي: قريبا من تمامها وأنا ابن خمس عشرة يعني: في أولها، فإذا كان في أحد في أول الرابع عشر وفي الخندق في آخر الخامس عشر فيلتقي أول الرابع عشر وآخر الخامس عشر يلتقيان في شهر واحد فيصح، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن يكون معنى قوله: «وأنا ابن خمس عشرة» أي: قد بلغتها، فلا ينافي أني كون زائداً عنها وعلى هذا فلا إشكال، وقوله: «عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة» يعني: عرضت عليه لأكون مقاتلاً، فلم يجزه النبي ﷺ ، لأنه لا يجوز أن يمكن من مل يبلغ من القتال لعدة أوجه:
منها: أن من لم يبلغ لا يتمكن من تحمل القتال، لأن حتى الآن لم يكن شيئاً بل يمكن من أول ما يهجم العدو يفر وفي هذا من الضرر ما فيه.
ومنها: أنه ربما يكون لقمة سائغة للعدو فيأسره ويكون أسيراً عندهم وربما ارتد عن الإسلام؛ لأن صغير، والصغير يتكيف حسب ما يوجه إليه.
ومنها أيضاً: أنه ليس فيه قوة على الهجوم لضعفه، وهذا ليس هو معنى الوجه الأول؛ لأن الوجه الأول يفر، وهذا لا يهجم، لأنه صغير، وإذا لم يستطع الهجوم، وصار حائلاً بين العدو وبين البالغين صار في هذا مفسدة، ولهذا نقول: إن ذهاب الصغر إلى القتال خطأ عظيم، المسألة ليست جمع رجال فقط بل المسألة جهاد، فإذا لم يكن أهلاً للجهاد فإن يجب منعه حتى وإن كان عاقلاً فاهماً، إذن يقول: «فلم يجزني» لأنه غير أهل للقتال، «وعرضت عليه يوم الخندق» وكانت في شوال سنة خمس وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، يعني: رخص لي في الغزو.
وهذا الحديث الذي في الصحيحين ليس فيه الإشارة إلى أن البلوغ يكو بخمس عشرة سنة، بل فيه دليل على أن الإنسان إذا بلغ خمس عشرة سنة صار أهلاً للقتال، وما دونها ليس بأهل، هذا ما يدل عليه الحديث، لكن رواية البيهقي تدل على أن سبب الرد أنه لم يبلغ، وسبب القبول أنه بلغ، وعلى هذا فتكون السن الخمس عشرة من علامات البلوغ.
من فوائد الحديث: أنه يجب على أمير الجيش أن يفتقد الغزاة، وألا يأخذ كل من هب ودب، ولذلك يمنع الصبيان، ويمنع من لا يصلح للقتال، ويمنع الخذل، ويمنع المرجئ المخذل الذي يخذل الناس، والمرجئ الذي يقول: عدوكم كثير ليس لكم به طاقة، فيجب على ولي الأمر في الغزو أن يمنع مثل هؤلاء ويجب عليه أن يتفقد الغزاة قبل الشروع في الغزو.
ومن فوائده: أنه يجب رد من لا يصلح؛ لأن النبي ﷺ رد عبد الله بن عمر ﵁ في أحد مع أن الصحابة يحرصون على أن يجاهدوا، حتى جاء رجل أعرج يستأذن النبي ﷺ في
стр. 1941
الجهاد، فقال: «إن الله لم يجعل عليك حرجاً» قال: إني أحب أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فأجازه النبي ﷺ .
من فوائد الحديث: أن البلوغ يحصل بتمام خمس عشرة سنة لقوله: «فلم يجزني ولم يرني بلغت» يعني: وفي الثانية أجازني لأنني بلغت.
ومن فوائد الحديث: أن الخندق كانت في السنة الخامسة، لو قال قائل: إن الخندق في السنة الرابعة لكان أقرب، نقول: لا؛ لأن قريشاً واعدوا النبي ﷺ بعد أحد بدراً في السنة الرابعة ولكنهم لم يحضروا، كما قال ابن القيم في زاد المعاد، في السنة الخامسة ألبوا عليه الأحزاب والقبائل وحضروا إلى المدينة.
يؤخذ من هذا الحديث- وإن كان على بعد-: زوال الحجر بالبلوغ، ولكنه لا يؤخذ من مجرد الحديث، يؤخذ بانضمامه إلى الآية: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦]. فإن بلوغ النكاح يعني: البلوغ، فيؤخذ منه: أنه تم له خمس عشرة سنة فقد بلغ، فينظر إلى الشرط الثاني وهو الرشد.
ومن فوائد الحديث: الرد على من قال: إنه لا بلوغ بالسن، يؤخذ من قوله: «فلم يجزني ولم يرني بلغت» ولهذا اختلف العلماء: هي يحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة أو بتمام ثماني عشرة سنة، فمذه أبي حنيفة ﵀: أنه لا بلوغ قبل تمام الثماني عشرة والجمهور على خلافه، وقول الجمهور أصح لحديث ابن عمر هذا.
وللأثر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يعطي من تم له خمسة عشرة سنة بغرض له في العطاء فينزله منزلة البالغين.
٨٣٢ - وعن عطية القرطبي ﵁ قال: «عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي» رواه الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.
عطية القرظي هذا من بني قريظة وهم طائفة من اليهود، واليهود- كما نعلم- كانوا ثلاث قبائل في المدينة حين قدم إليها النبي ﷺ ، وإنما قدموا إلى المدينة من أذرعاء من الشام؛ لأنهم قرأوا في كتبهم أنه سيبعث نبي ويكون مهاجره المدينة، فلما قرأوا هذا قدموا إلى المدينة؛ لأنهم كانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا يقولون: سيبعث نبي وننتصر عليكم، فتجمعوا في
стр. 1942
المدينة ثلاث قبائل وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ولما قدم النبي ﷺ عاهدهم جرى بينه وبينهم عهد، ولكنهم نقضوا العهد وكان آخرهم بنو قريظة، وكان النبي ﷺ حينما رجع من الأحزاب وألقى عدة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى غزو بني قريظة؛ لأنهم خانوا العهد حينما تمالئوا مع الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم وحاصرهم نحو خمس وعشرين ليلة، وطال الحصار، ثم طلبوا النزول على حكم سعد بن معاذ لأن سعد بن معاذ كان حليفاً لهم، فظنوا أنه سيفعل فيهم كما فعل عبد الله بن أبي ببني النضير؛ لأن عبد الله ابن أبي كان حليفاً لبني النضير وتوسط فيهم إلى الرسول ﷺ ، فظنوا أن سعد بن معاذ يفعل كفعله يكون شافعاً لهم؛ لأنه حليفهم، ولكنه ﵁ كان قد أصيب في أكحله يوم الخندق، والأكحل عرق في الإبهام وينزف دم وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب ﵁؛ لأنه رجل فاضل هو سيد الأوس، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : «لمناديل سعد في الجنة خير من هذا» في خرقة حرير، وقال: إنه لما مات اهتز له عرش الرحمن في هذا يقول حسان بن ثابت: [الطويل].
(وما اهتز عرش الله من أجل هالك ... سمعنا به إلا سعد أبي عمرو)
نزلوا على حكمه، فأرسل إليه النبي ﷺ من يأتي به من المسجد، فجيء به على حمار، فلما أقبل قال النبي ﷺ : «قوموا لسيدكم» يقوله للأوس، فقاموا إليه وأنزلوه من الحمار ونزل، فأخبره النبي ﷺ : أن بني قريظة جعلوه حكماً، فقال: يا رسول الله، حكمي نافذ على هؤلاء يشير إلى اليهود؟ قال: «نعم» و «على هؤلاء» ولكنه ﵁ خجل أن يتجه إلى الرسول ﷺ فيقول: حكمي عليكم؛ يعني: لم يلتفت إجلالاً للرسول ﷺ ، لا يحب أن يكون حكمه هو على الرسول ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة» ثم نفذ هذا الحكم؛ وكان ﵁ حينما أصيب في أكحله يوم الخندق قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة، فأقر عينه، وأي قرار عين من أن يكون هو الحكم فيهم، حكم فيهم هذا الحكم الموافق لحكم رب العالمين، فأمر النبي ﷺ أن يقتلوا، وكانوا نحو سبعمائة نفر، فقتلوا كلهم وسبيت نساؤهم
стр. 1943
وذريتهم، ومن بين السبي صفية بنت حييي ﵄ زوج النبي ﷺ ، وإحدى أمهات المؤمنين، لكن كيف يعرف المقاتل من غيره؟ كانوا يعرضونهم على الرسول ﷺ المشتبه فيهم وإلا الواضح فواضح، فمن أنبت قتل ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأن من أنبت صار من المقاتلة، ومن لم ينبت لم يقتل؛ لأنه صار من الذرية سبي، وهذا عطية ﵁ كان من اليهود ومن الله عليه، فأسلم، كان ممن لم ينبت فخلي سبيله وأسلم.
من فوائد هذا الحديث: أولاً: أن الله قد يمن على من يشاء من عباده فيهدي الضال كما جرى لعطية القرظي، وهل أحد من اليهود أسلم غير عطية؟ نعم، أسلموا وحسن إسلامهم، ومنهم عبد الله بن سلام ﵁ فإنه حبر من أحبارهم وسيد من أسيادهم.
ومن فوائد الحديث: جواز الكشف عن العورة عند الحاجة إليه لقول: «عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قتل»، ومعلوم أنه لا يعرف أنه أنبت أو لم ينبت إلا بالكشف عن مؤتزره، ولكن يجب أن يكون ذلك بقدر الحاجة فإذا كان يمكن أن نعرف أنه أنبت أو لم ينبت بدون أن نكشف عن السوءة لم يجز أن نكشف عن السوءة؛ وإذا كان لا يمكن إلا بالكشف عن السوءة كشفنا عن السوءة، المهم أن العورة ينظر إليها بقدر الحاجة فقط.
ومن فوائد الحديث/ جواز الحكم بقت المقاتلة كما فعل سعد بن معاذ وأقره النبي ﷺ بل أقره الله.
ومن فوائد الحديث: فضيلة سعد بن معاذ ﵁؛ حيث وافق حكمه حكم الله .
ومن فوائد الحديث: أن من لم ينبت فهو من الذرية فيكون سبياً وغنيمة للمسلمين لقوله: «ومن لم ينبت خلي سبيله».
ومن فوائد الحديث: أن من بلغ من الناس فإنه لا يكون في منزلة أبيه في الجنة، وإنما الذرية الذين يكونون مع آبائهم هم الذين لم يبلغوا؛ لأن قول سعد: «تسبي ذريتهم» ثم يكشف عن المؤتزر فمن أنبت قتل علم أن لفظ الذرية لا يكون إلا لمن لم يبلغ، ولأن من بلغ استقل بنفسه، فله منزلة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿والذين أمنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١].
فجعل الذي يلحق بأبيه المتبع الصغير الذي يكون إيمانه تبعاً لأبيه، ويدل لذلك أيضاً من حيث العقل أننا لو قلنا بأن المراد بالذرية ما يعم البالغين، لكان أهل الجنة كلهم في منزلة واحدة، وقال: أبناء الأبناء كذلك، وصار الناس كلهم في منزلة واحدة، فيقال: من بلغ لم يشمله حكم الذرية التابعة فيكون في منزلته التي يستحقها، ومن لم يكن بالغاً، فإنه في منزلة أبيه، وهذا هو السر، والله أعلم في التعبير بقوله: ﴿وأتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾
стр. 1944
ومن فوائد هذا الحديث: ما أراده المؤلف ﵀ في إيراده في هذا الباب وهو أن البلوغ يحصل بإنبات شعر العانة، لكن أهل العلم قالوا: بشرط ألا يكون الإنبات عن طريق العلاج، كيف ذلك، يعني: ألا يضع دواء في موضع العانة من أجل أن تخرج وهذا يمكن أن يكون، إنسان يريد ماله عند وليه وهو يتيم لم يبلغ ووليه ماطل وهو يريد أن يأخذ ماله، فقال: إذن ما الحيلة؟ أقول: إني بلغت ست عشرة سنة، فيقول: كذبت، أنت الآن في أربع عشرة سنة، ولو قال: بلغت باحتلام يمكن أن يكذبه الولي إذ قال: إنه بلغ بالإثبات وهو أمر حسي يشاهد، فذهب يستعمل دواء من أجل أن ينبت فهل يكون بالغاً؟ قال العلماء: لا، لأن هذا أنبت بعلاج ومحاولة فيكون إثباته في غير وقته الطبيعي فلا يحكم ببلوغه.
تصرف المرأة المالي:
٨٣٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بأذن زوجها».
وفي لفظ «لا يجوز للمرأة أمر في مالها، إذا ملك زوجها عصمتها» رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا الترمذي، وصححه الحاكم.
يقول: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والجد المذكور عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أن النبي ﷺ قال: لا يجوز لامرأة عطيته، يحتمل أن يراد بالجواز هنا النفوذ يعني: لا ينفذ، ويحتمل أن يكون المراد بالجواز: الحل ويكون معنى «لا يجوز» أي: لا يحل، فعلى الأولى يكون المعنى: أن المرأة وإن أعطت شيئاً من مالها فإنه لا ينفذ، وعلى الثاني: لا يحل لها العطاء، ولكن لا يلزم من هذا ألا ينفذ.
قال: «لا يجوز لامرأة عطية» «امرأة» نكرة في سياق النفي و «عطية» نكرة في سياق النفي، والعطية هنا هي التبرع بالمال سواء كان في حال الصحة أو حال المرض، أما عن الفقهاء فالعطية هي التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، أما في لسان الشارع فالعطية هي التبرع بالمال سواء في مرض الموت المخوف، أو في الصحة، أو في المرض غير المخوف، كل التبرع يسمى عطية، وقوله: «عطية» يشمل القليل والكثير؛ يعني: يشمل الثلث وما زاد وما نقص، وقوله: «إلا بإذن زوجها» أي: برضاه وموافقته، ويكون هذا الحكم من حين أن يملك عصمتها، أي: من حين العقد.
стр. 1945
يقول: وفي لفظ: «لا يجوز للمرأة» أمر في مالها وهذه أعم مما سبق؛ لأن أمر واحد الأمور وهو نكرة في سياق النفي، فيعم العطية والبيع والرهن والاستعمال وكل شيء، في مالها إذا ملك زوجها عصمتها لا يجوز أمر، أي: لا ينفذ، ولا يحل إذا ملك زوجها عصمتها، وملك العصمة يكون بالعقد، لأنه إذا عقد على المرأة صار هو المسئول عنها وصارت عصمتها بيده منها أكثر مما يملك أبوها، والحديث معناه واضح، يعني: فلا تتبرع ولا تبيع ولا تؤجر ولا تتصدق، بل ظاهره ولا تزكي إلا بإذن الزوج، لأنه ملك عصمتها، وقوله هنا في حديث «عطية» في اللفظ الأول والثاني: «أمر» قد يقول قائل: إن بينهما تعارضاً؛ لأن العطية أخص من الأمر، إذ أن الأمر يعم والعطية تخص فهل تقيد العموم بالخصوص؟ لا، لأن حكم الخاص لا يخالف العام وقد مرت علينا هذه القاعدة وهو أنه إذا ذكر الخاص بحكم يوافق العام فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، ويسمونه مفهوم اللقب، لأنه نص على بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام فلا يقتضي التخصيص.
هذا الحديث يستفاد منه فوائد: أولاً: عظم حق الزواج على المرأة حتى إنها لا تتصرف إلا بإذن الزوج مع أن البنت إذا كانت رشيدة تتصرف بمالها وإن لم يأذن أبوها، وهذا يدل على عظم حق الزوج، ويدل لذلك أيضا قول الرسول ﷺ : «لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها».
ومن فوائد الحديث: أنه لا يصح تصرف المرأة في مالها إلا بإذن الزوج سواء كان ذلك بعطية أو بغير عطية، وإذن الزوج قد يكون بصريح القول، وقد يكون بالإقرار، فبصريح القول مثل: أن يقول لها: «تصدقي إن شئتي» وبالإقرار مثل: أن يراها تتصدق ولا يمنعها أو تتصرف ولا يمنعها.
ومن فوائد الحديث: أن للزوج أن يمنع زوجته من التصرف في مالها؛ لأنه إذا كان تصرفها بإذنه فهو بالخيار له أن يأذن وله ألا يأذن، ولكن ليس له أن يمنع من أداء الواجب في مالها كالزكاة، فإن منع فلها أن تعصيه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الممنوع منه إذا كان لحق العبد فإنه يزول المنع بإذن العبد بخلاف الممنوع لحق الله، فلا يزيل منعه إلا الله وهكذا جميع الحقوق- حقوق العباد- تسقط إذا وافقوا على إسقاطها.
стр. 1946
هذا الحديث يفيد: منه المرأة من التصرف في مالها إلا بإذن الزوج، وقد اختلف العلماء- ﵏ في الحكم الدال على هذا الحديث؛ فمنهم من قال: إن هذا الحديث محكم وأنه لا يجوز للمرأة أن تتصرف بشيء من مالها إلا بإذن الزوج، ومنهم من قال: هذا الحديث محكم لكن عمومه بالنسبة للمال مخصوص بالثلث فأقل، يعني: أن لها أن تتصرف بالثلث فأقل وليس لها أن تتصرف فيما زاد، وهذا مذهب مالك، وقال: إنه إذا جاز للمريض مرض الموت المخوف والموصي له أن يتصرف بالثلث مع تعلق حق الورثة بالمال فهذه من باب أولى، ومنهم من قال: إن كلمة «امرأة» نكرة، لكن يراد بها الخاص عام يراد به الخاص، والمراد بها: المرأة السفيهة التي لا تحسن التصرف، ووجه قوله هذا بأن المرأة السفيهة إذا تزوجت فإن ولاية أبيها عليها تنتقل إلى ولاية الزوج، لأن الزوج مقدم على الأب؛ لأنها صارت معه في بيتها وهذا القول له وجهة نظر قوية، ومن العلماء من يقول: هذا الحديث منسوخ بالأحاديث الكثيرة الدالة على تصرف النساء في أموالهن في عهد الرسول ﷺ من غير أن يستأذن أزواجهن فها هي أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت لبريرة- وقد كوتبت بريرة على تسعة أواق من الفضة: «إن شاء أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت» بدون أن تستأذن الرسول ﷺ ، والحديث متفق عليه أقوى من هذا سنداً وهاهن النساء حين وعظهن الرسول ﷺ في عيد الفطر، خطبهن ووعظهن وقال: «يما معشر النساء تصدقن» فجعلن يلقين في ثوب بلال من الخواتم- الحلي- بدون إذن الأزواج، والحديث أيضاً في الصحيحين وهو أقوى سنداً من هذا، وعلى هذا فيكون هذا الحديث منسوخاً بالأحاديث الكثيرة الدالة على تصرف المرأة في مالها بدون إذن الزوج فصار الناس في هذا الحديث على هذه الطرق:
الأول: أنه محكم عام في المرأة والمال.
الثاني: أنه محكم مخصوص بالمال وهو ما دون الثلث، أي: من الثلث فأقل؛ يعني: لا تتصرف فيما زاد على الثلث، أما الثلث فأقل فلها ذلك.
والقول الثالث: أنه عام أريد به الخاص في المرأة السفيهة.
والرابع: أنه منسوخ، الذين قالوا بالأول قالوا: هذا مقتضي الحديث، والأصل بقاء الحديث على عمومه في المال وصاحب المال، ولأن المال مقصود للزوج، قد لا يتزوج المرأة إلا من أجل مالها كما قال النبي ﷺ : «تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها» فإذا كان المال من مخصوصات العقد، فكما أن المرأة لا تفوت على زوجها منفعة بدنها فلا تفوت منفعة مالها؛ لأنه مقصود للزوج.
стр. 1947
وقالوا أيضا: الزوج يتبسط بمال زوجته كما جرت العادة، ولو سمح لها بأن تتصرف كما شاءت لفقد هذا التبسط، من أين يتبسط لو تصدقت لا يبقى له شيء يتبسط به، قالوا: وأيضا إذا كان عندها مال هان عليه البذل في النفقة؛ لأنها إذا كان عندها مال لا تلح عليه في الإنفاق تقول: أعطني كذا، فإن تيسر وإلا أنفقت من مالها فلا تلح عليه، لكن إذا بذلت مالها وبقيت صفر اليدين لا يمكن أن تجعله يطمئن، كلما دخل البيت: أعطنة لكذا، وإذا جلس يتغذى: أعطني لكذا، يتعشى: أعطني لكذا، عند المنام: أعطني لكذا، لماذا؟ لأنها معدمة، لكن إذا كان عندها مال فإنها تنفق إن تيسر أعطاها وإلا أخذت من مالها فلهذا كان لها الحق في السيطرة على مالها، وألا تتصرف إلا بإذنه، لو قال قائل: ألا يمكن حمل الحديث على وجه خامس، بأن نقول: المراد بالمال المال الخاص، أي: المال الذي تتعلق به رغبة الزوج كالحلي والثياب الجميلة وما أشبهها بخلاف المال الذي لا تتعلق به رغبة الزوج وليس للزوج فيه مدخل فيكون المال عاماً أريد به الخاص، لأن هذا تتعلق به رغبة الزوج إذا أصبح الزوج بل إذا أمسى الزوج وإذا الحلي الذي كانت في يد امرأته مملوءة به لا يوجد منه شيء لا شك أن هذا سيقلل الرغبة بالنسبة للزوج ويفوت به شيء من المتعة، حتى لو كان عندها مال تصرفت في الحلي قد يقول اشترى بدله، وتقول: إن شاء الله، ويأتي يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، ثم سنة، وهي تقول: أشتري ولكن لا تشتري، أقول: إن كان أحد قال بهذا الوجه فهو جيد، فصار أحسن ما يقال في هذه الأقوال، هذا أن يحمل الحديث على المرأة السفيهة ويكون المراد بالمرأة المراد بهذا العموم المخصوص أو يحمل المال على المال الذي تتعلق به متعة الزوج وهو الحلي وما تتجمل به لزوجها ويكون المراد بمال أيضا عاماً أريد به الخاص ولا عجب أن يوجد عام يراد به الخاص، لأن هذا كثير في القرآن والسنة: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم﴾ [آل عمران: ١٧٣]
ومن الناس؟ نعيم بن مسعود الأشجعي واحد، إن الناس من؟ أبو سفيان أو أشراف قريش، لكن ليسوا كل الناس قد جمعوا لهم، إذن عام أريد به الخاص، فلا غزو أن يوجد عام يراد به الخاص، فأوجه ما أرى في هذا الحديث أحد هذين الأمرين: إما أن يكون المراد بالمرأة: المرأة السفيهة ويعني هذا: أن ولاية أبيها تنتقل إلى الزوج، أو أن المراد بالمال: ما تتعلق به رغبة الزوج، وليتم به متاعه، ويكون هذا في الحلي وشبهه؛ لأن ذلك يفوت على الزوج شيئاً من المتعة وحينئذ يبقى الحديث ليس فيه إشكال.
стр. 1948
٨٣٤ - وعن قبيضة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة؛ فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتي يصيب قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة» رواه مسلم.
هذا الحديث في حل المسألة، وجعله المؤلف في باب التفليس والحجر؛ لأن المناسبة فيه ظاهرة، فإن الإنسان إذا أصيب بجائحة صار مفلساً وحينئذ يكون هذا الحديث له ارتباط وثيق في باب الحجر.
يقول ﷺ : «إن المسألة لا تحل ... إلخ» «المسألة» يعني: سؤال الناس العطاء، لا تحل «إلا لأحد ثلاثة» ثم بينهم، وقوله: «إلا لأحد ثلاثة» هذا مجمل بينه فيما بعد، والإجمال أولاً ثم التبيين ثانياً من أساليب اللغة العربية، وهو من مقتضى البلاغة، وذلك أن الشيء إذا جاء مجملاً فإن النفس تتطلع إلى بيان هذا المجمل، فإذا جاء التفصيل ورد على نفس متشوفة لتفصيل هذا المجمل، ومعلوم أن الشيء إذا ورد على نفس متشوقة صار أسرع في فهمه، وأرسخ في بقائه، فلهذا كان من أسلوب النبي ﷺ أنه يجمل أولاً ثم يفصل ثانياً.
وقوله في الحديث: «رجل تحمل» «رجل» بالجر على أنه بدل بعض من كل، والبدل- كما تعرفون- أقسامه خمسة، وبعضهم يجعله ستة، لكن من أقسامه: البعض من الكل، ف «أحد ثلاثة» هذه كل «رجل» هذا بعض من هذا الكل، «رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» «تحمل» يعني: التزم في أمر عام ومصلحة عامة حمالة، فهذا له أن يسال حتى يصيبها ثم يمسك ولو كان غنياً.
والثاني قال: «ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش» «أصابته جائحة» ما يجتاح الشيء، أي: يتلفه مثل الحريق أو غرق أو هدم، اجتاحت ماله كرجل صاحب غنم أتاه الوادي فاجتاح الغنم وتلفت عليه، فهذا رجل أصابته جائحة، «تحل له المسألة حتى يصيب قواماً» أي: ما يقوم به وهو ما تنحل به الضرورة فقط، ثم بعد ذلك يمسك.
الثالث: «رجل أصابته فاقة» شدة الفقر، «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة» فهذا تحل له المسألة.
стр. 1949
هؤلاء الثلاثة هم الذين تحل لهم المسألة ومن عداهم لا تحل له المسألة، هذا الحديث يبين خطر المسألة وأنها لا تحل إلا في حال الضرورة، وذلك لأن المسألة ذل للسائل وإحراج للمسئول ففيها مفسدتان مفسدة للسائل، يقول: أعطني، ومفسدة للمسئول فيه إحراج، قد يكون المسئول ليس عنده شيء، وقد يكون غير متقاد لإعطاء هذا السائل وقد يكون هناك أسباب كثيرة لا يمكن أن يعطي وإذا سئل فأكثر الناس يخجل أن يمنع إذا سئل فلهذا حرم النبي ﷺ المسألة إلا في حال الضرورة، وذلك كما قلت أنها ذل للسائل وإحراج للمسئول لكن في حال الضرورة ذكر النبي ﷺ لذلك ثلاثة أمثلة: الأول: «رجل تحمل حمالة» أي: تحمل حمالة لمصلحة عامة فهذا يسأل وإن كان غنياً، لماذا؟ لأنه قام بمهمة ومصلحة عامة فيشجع على ذلك ويعطي ما غرم، وهذا ما يعرف عند أهل العلم في باب الزكاة بالغارم لغيره، فهذا يعطي من أجل ما قام به من المصلحة، ومن أجل تشجيعه وغيره على القيام بمثل هذا الأمر، وهذا ليس في الحقيقة ضرورة، لأن الرجل غني لكن من أجل مراعاة المصلحة العامة حتى لا يسند باب التحمل والإحسان إلى الناس.
الثاني: الرجل الذي أصابته جائحة اجتاحت ماله فهذا تحل له المسألة، لأنه أصابه ذل بعد عز وانكسار بعد جور ولو لم تحل له المسألة لحصل له نكسة نفسية؛ لأنه كان بالاول على جانب كبير من العز من المال الذي يعتز به ثم بعد يصاب بهذه الجائحة، فمن أجل جبره رخص له الشارع أن يسأله وإلا لكان الأصل ألا يسأل الثالث: رجل أصابته فاقة وإن لم يكن باجتياح ماله قد تكون جائحة لكن خسارة من وراء خسارة حتى ينفد المال، هذا تحل له المسألة، لكن الرسول ﷺ اشترط لإعطائه شرطاً وهو أن يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، الحجى يعني: العقل والتمييز والخبرة لقد أصابت فلاناً فاقة فهذا يعطي.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: تحريم مسألة الغير لقوله: «لا تحل المسألة» وإذا انتفى الحل ثبت التحريم لأنه ضده.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشارع لعزة الإنسان وشرفه؛ وذلك لأن السؤال- كما قلت- ذل، فحرم عليه أن يسأل ليبقى عزيز النفس قد حفظ ماء وجهه ولم يحتج لأحد من الناس.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل ولا غير المال؛ لأن المعنى الحاصل بسؤال المال حاصل في غيره، وإن كان لا يساوي الذل الحاصل بسؤال المال، ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الإنسان إذا سأل غيره أن يدعو له فهو من المسألة المذمومة إلا إذا قصد بذلك مصلحة الغير، كيف ذلك؟ يعني: يقصد بذلك أن هذا الغير إذا دعا لك بظهر
стр. 1950
الغيب انتفع هو؛ لأن الملك يقول: آمين ولك بمثله، وهذا مصلحة له، فإذا قصد بذلك مصلحة غيره من هذه الناحية فإنه لا يدخل في المسألة المذمومة؛ لأنك لا تريد مصلحتك الخاصة، إنما تريد مصلحتك مع مصلحة هذا الرجل، كذلك أيضا يلاحظ مصلحة الغير بحصول الأجر له؛ لأنه إذا دعا لك فقد أحسن إليك، وإذا أحسن إليك ناله من الأجر بقدر إحسانه، فيكون هذا أيضا ملحوظاً يفيد ذم المسألة، أما إذا قصد مصلحته الخاصة كما هو المتبادر لكل إنسان طلب من غيره أن يدعو له فهذا يقول فيه شيخ الإسلام أنه من المسألة المذمومة.
ولكن قد يقول قائل: أليس قد سأل النبي ﷺ عدة مرات أن يدعو للغير؟
فنقول: بلى فقد سألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو الله لها فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك» قال: أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها، أقرها النبي ﷺ على ذلك، وكذلك الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، ولما حدث أن من أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، والأمثلة في هذا كثيرة، فهل نقول: إن مثل هذه الأدلة ترد على شيخ الإسلام ابن تيمية، أو نقول: إن هناك فرقاً بين الرسول ﷺ وبين غيره؟ الظاهر الثاني.
وأما مسألة طلب الدعاء للمصلحة العامة فهذا لا يدخل في كلام شيخ الإسلام؛ لأن الإنسان لم يسأل لنفسه؛ فلو جاء رجل إلى الخطيب يوم الجمعة وقال: «ادع الله أن يغيث المسلمين» فهذا ليس من السؤال المذموم؛ لأنه ليس خاصاً، بل هو لمصلحة الغير كما لو قلت لشخص: تصدق على فلان فإنه فقير فإنه لا يدخل في المسألة المذمومة.
ومن فوائد الحديث: جواز السؤال لمن تحمل حمالة لكن بشرط أن يكون بقدر ما تحمل لقوله ﷺ «تحمل حمالة حتى يصيبها ثم يمسك».
ومن فوائد الحديث: أن من أخذ لسبب يقتضي الأخذ فإنه يقتصر على ذلك السبب فقط، وجهه أنه قال: «حتى يصيبها ثم يمسك» وبناء على ذلك لو أن رجلاً مديناً أخذ الزكاة لقضاء دينه فإنه لا يصرفها في غير قضاء الدين؛ لأنه أخذها لهذا الغرض، وقد مر علينا هذا وأخذناه من قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ عطفاً على قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ وأن صرف الزكاة للغارم صرف إلى جهة لا يملكها الغارم، فإذا أعطي للغرم فإنه لا يصرفه في غيره؛ لأنه أعطي لجهة معينة.
стр. 1951
ومن فوائد الحديث: أن للضرورات أحكاماً تخالف حال الاختيار؛ وذلك لأن المسألة حرام إلا في هذه الأحوال التي هي ضرورة.
ومن فوائد الحديث: تشوف الشارع إلى المصالح العامة والإصلاح بين الناس وذلك بإباحة المسألة لمن تحمل حمالة لهذا الغرض، مع أن الأصل في المسألة التحريم.
ومن فوائد الحديث: أن من اجتاحت ماله جائحة فإنه لا يحل له أن يأخذ بقدر الجائحة بل يأخذ ما يقوم به العيش فقط، فلو فرض أن ماله الذي أصابته الجائحة يساوي مائة ألف وهو يكفيه لقوام العيش مائة ريال فقط فإنه لا يأخذ أكثر من مائة ريال، لأن المقصود بهذه المسألة هو رفع الضرورة عنه لا أن يرد عليه ما أصيب به من الجوائح.
ومن فوائد الحديث: أن الجائحة التي تصيب الثمار تكون على المستوى ولا يتحملها البائع لعموم قوله: «اجتاحت ماله فحلت له المسألة» وبذلك أخذ بعض أهل العلم وقال: إن حديث وضع الجوائح الذي مر علينا منسوخ بهذا الحديث، ولكن الصحيح خلاف ذلك، لأن الحديث عام وذلك خاص، [وصورة المسألة]: إذا اشترى شخص تمراً من إنسان على رؤوس النخل وأصيب هذا الثمر بجائحة، فقد مر علينا أن الجائحة تكون على البائع، وأن الرسول ﷺ قال: «لا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» وهذا الحديث لو أخذنا به لكان يقتضي أن تكون الجائحة على المشتري؛ لأن الثمر ماله بعد الشراء، ولكن يقال: هذا عام، وحديث وضع الجوائح خاص، والمعروف عند أهل العلم أن الخاص يقتضي على العام.
ومن فوائد الحديث: أن من أصيب بفقر بعد غنى فإنه لا يحل له الأخذ أو لا يعطي من الزكاة إلا إذا شهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه بأنه فلاناً أصابته فاقة.
ومن فوائد الحديث: اعتبار العقل والخبرة في الشاهد لقوله: «من ذوي الحجى من قومه» فقوله: «ذوي الحجى» هذا العقل و «من قومه» هذه الخبرة؛ لأن قومه أخبر به من غيره، فلابد من اعتبار هذين الأمرين في الشهادة: العقل؛ وأن تكون الإنسان ذا خبرة بما شهد به.
ومن فوائد الحديث: أنه كلما كان الشيء أشد امتناعاً كان ثبوته أكثر، يعني: كان طلب ثبوته أكثر وأشد تحرياً، فهذه المسألة لابد فيها من شهود ثلاثة، يعني: لا يصلح أن يأتي رجلان ويقولان: نحن نشهد بأن هذا الرجل كان غنياً ثم افتقر لا يكفي بل لابد من ثلاثة لماذا؟ لأن هذا الذي ادعى الفقر بعد الغنى تعلق بدعواه حق الغير لأنه إذا أخذ من الزكاة فسوف يزاحم غيره، فتكون الشهادة الآن على استحقاقه، وعلى مزاحمة غيره على استحقاقه بكونه افتقر، وعلى مزاحمة غيره؛ لأنه إذا أعطي من الزكاة حجز ما أعطيه عن غيره، ولذلك كانت البينة فيه
стр. 1952
مركزة من ثلاثة شروط، والشهادة بالمال يكفي فيها رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، لكن هنا لما كانت الشهادة هذه تضمن ثبوت استحقاقه ومزاحمة غيره جعل الشرع لها ثلاثة شهود، وتكميلاً لهذا البحث نقول: إن البينات في الشرع قد تكون أربعة رجال، وقد تكون ثلاثة، وقد تكون رجلين وقد تكون رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ويمين المدعي، وقد تكون رجلاً واحداً، وقد تكون امرأة واحدة، هذه ستة أنواع، أربعة رجال هذا في الزنا واللواط لا يقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال؛ لقول الله تعالى: ﴿لولا جاء وعليه بأربعة شهداء﴾ [النور: ١٣] ولقوله: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] ثلاثة رجال هذه المسألة إذا ادعى الفاقة بعد الغنى فلابد من ثلاثة رجال، لقوله «حتى يشهد ثلاثة»، «ثلاثة» عدد مؤنث، والعدد المؤنث يكون فيه المعدود مذكراً، رجلان في الحدود والقصاص لابد من رجلين، فلو شهد على شخص أنه سرق رجل وامرأتان لم تقبل الشهادة، لو أربع نساء لم تقبل الشهادة لماذا؟ لأنه لابد من رجلين فجميع الحدود ما عدا الزنا- لأنه لابد فيه من أربعة: رجال- لابد فيها من رجلين، والرابعة رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، وهذه في المال وما يقصد به المال، قال الله تعالى ﴿واستشهد شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] وصح عن النبي ﷺ أنه قضي بالشاهد مع اليمين فالمال وما يقصد به المال ببناته ثلاثة، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي، الخامس رجل واحد وذلك عند الضرورة تقبل شهادة رجل واحد إذا حصلت قضية ليس في المكان إلا رجل واحد فهذه تقبل، وكذلك السادس امرأة واحدة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء في الغالب كالرضاع واستهلال الجنين إذا سقط من بطن أمه حياً وما أشبه ذلك، وإذا قبلت المرأة فالرجل من باب أولى. هذه أقسام البينات، أما القرائن فهي كثيرة لا حصر لها.
ومن فوائد الحديث: أن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله، فالرجل الذي تحمل حمالة يعني: أصلح بين جماعة وتحمل مالاً للإصلاح بينهم، هذا يباح له أن يأخذ بدل هذه الحمالة التي تحملها ويجوز له أن يسأله ويجوز أن يأخذ إذا أعطي وأن يسأل إذا لم يعط.
стр. 1953
٧ - باب الصلح
الصلح: هو قطع الخصومة، والنزاع بين المتخاصمين والمتنازعين، ويكون في مواضع كثيرة، منها: الإصلاح بين الزوجين، كمال قال تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا﴾ [النساء: ١٢٨]
ولقوله تعالى: ﴿وإذا خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها أن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ [النساء: ٣٥]. ويكون كذلك بين الطوائف التي بينها عداوة، كما يحصل من العداوة بين القبائل، فيصلح بينهما، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩] ويكون أيضا من المسلمين والكفار في الحال التي لا يستطيع المسلمين أن يقاتلوا الكفار، فإنه يجرى الصلح بينهم كما جرى ذلك النبي ﷺ مع قريش في صلح الحديبية، ولكن هل يصح الصلح إلى الأبد يعني: غير مؤجل أو لا يصح إلا مؤجلاً لاحتمال قوة المسلمين؟ الذي يظهر أنه لا يجوز الصلح إلا مؤجلاً؛ لأن المسلمين قد تتغير حالهم ويكون عندهم قدرة على قتال الكفار، ولأن الصلح غير المؤجل يستلزم سقوط جهاد الكفار؛ لأنه لا يمكن إذا صالح المسلمون أحدا من الكفار، إلا إذا نقص الكفار العهد، ولهذا قال الله ﴿إلا الذين عاهدتهم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظهروا عليكم أحد فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين﴾ [التوبة: ٤]
وقال فيما إذا خفنا منهم خيانة: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]. يعني: لا تغدرهم إذا خفت بيننا وبينكم، أما إذا نقضوا العهد فإنهم يقاتلون كما قال الله تعالى: ﴿أل تقتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة﴾ [التوبة: ١٣] فالصلح بين الكفار والمسلمين حائز عند الحاجة إليه ثم مقام المسلمين مع هذا العدو المصالح على ثلاث درجات الأولى: إذا لم يكن من هؤلاء نقض للعهد، فالواجب إتمام العهد.
الثاني: إذا خيف نقض العهد ولم ينقض العهد، فالواجب نبذ العهد، يعني: أن نخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينكم، لا نباغتهم وننقض العهد، بل نخبرهم.
الثالث: إذا نقضوا العهد فإنه يسقط عهدهم وحينئذ نقاتلهم، وكل هذا موجود في كتاب الله .
يكون الصلح أيضا بين المتخاصمين في المال، وهذا يقع كثيراً في المعاملات كالبيع والإجارة والرهن وغيره ذلك، وكل هذه الأمور الأصل فيها الجواز، ولكن قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة وإلا فلا أحد يمنع من الصلح بين المتخاصمين والمتنازعين أبداً، فالأصل الجواز.
стр. 1954
٨٣٥ - عن عمرو بن *** المزني ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحة *** حلالا أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراماً».
قوله: «جائز» يعني بذلك: الجواز التكليفي والجواز الوضعي كيف ذلك.
الجواز التكليفي ضد المحرم، فمعنى جائز أي: ليس بحرام، الجواز الوضعي بمعنى: النافذ ليس بفاسد، فضد الجائز من هذا الوجه ضده الفاسد الذي لا ينفذ، إذن الصلح جائز من حيث التكليف الشرعي، وجائز من حيث الوضع، يعني: أنه نافذ ولا يجوز إبطاله بل يجب إتمامه.
وقوله: «بين المسلمين» هذا لا مفهوم له؛ لأنه قيد أغلبي، فإن الصلح بين المسلمين والكافرين جائز بالسنة الفعلية كما صالح النبي ﷺ قريشا في الحديبية.
قال: «إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراماً» فالصلح الذي حرم الحلال ويحلل الحرام هذا ليس بجائز؛ وذلك لأنه مضاد لله في حكمة، تصالح شخصا على شيء محمر هذا لا يجوز، تصالحه على شيء تحرمه عليه عليه وهو حلال له بالشرع- هذا لا يجوز ٠ مثال الأول: رجل حصل بينه وبين زوجته نزاع فاصطلحا على أن يطلق زوجته الأخرى، هذا الصلح لا يجوز، لماذا؟ لأنه أحل حراماً، ما هو الحرام؟ الاعتداء على حق الزوجة الأخرى، ولهذا قال النبي ﷺ «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها» فهذا صلح محرم غير نافذ.
صار بين شخص وآخر خصومة ونزاع فصالحه على أن يبيح له فرج أمته لمدة أسبوع هذا حكمه حرام، لماذا؟ لأنه أحل حراما إذ لا تجوز استباحة الفرج إلا بنكاح أو ملك، وهذا ليس نكاحاً ولا ملكاً، مثال تحريم الحلال: صالحه على ألا يأكل الخبز لمدة ثلاثة أيام هذا ينظر إذا كان فيه مصلحة فإن جميع المصالحات لابد فيها أن يحرم الإنسان من الحلال الذي أحله الله له، لأن الصلح لابد فيه من أن يتنازل الإنسان عن شيء من حقه، وهذا التنازل يقتضي تحريم الحلال باعتبار الصلح. شخص آخر قال لشخص بينهما معاملة قال: أنا لا أقر لك إلا إذا أسقطت عني نصف الدين هذا حرام، لماذا؟ لأنه يحرم الحلال، والحلال هو أن صاحب الدين له
стр. 1955
المطالبة بجميع حقه، فإذا صالحته على أن يسقط عنك نصف الدين فقد حرمت عليه الحلال، ما هو الحلال؟ بقية دينه، وهذا لا يجوز، فإن أقر له، وتوسط أناس بينهما على أن يسقط عنه بعض الدين بعد الإقرار يجوز؛ لأن هذا ليس بصلح إذ إن الحق قد ثبت الآن، ولكن هذا من باب الشفاعة على إسقاط بعض الحق وهذا جائز «اشفعوا تؤجروا».
هناك فرق بين أن أقول: لا أصالحك إلا بكذا وبين شخص تم الإقرار وثبت له الحق ثم شفع إليه شخص آخر على أن يسقط منه، فهذا لا بأس به وهو جائز، ولا يعد هذا من باب الصلح الذي أحل حراما أو حرم حلالاً بل هو من باب الشفاعة التي أسقط بها الإنسان بعض حقه.
رجل عنده دين لشخص يحل بعد سنة فاصطلحا على أن يعجل الدين، ويسقط بعضه، وأقر له، قال: نعم، عندي لك ألف ريال لكن لو تحب أن أعطيك ثمانمائة الآن نقداً وتسمح عن المائتين، قال: ليس عندي مانع، هذا جائز على القول الراجح، لأنه ليس فيه ربا، هذا فيه مصلحة للطرفين ليس فيه ربا لأن صاحب الحق لم يأخذ أكثر من حقه بل أخذ أقل من حقه واستفاد المطلوب بسقوط بعض ما عليه واستفاد الطالب بالتعجيل ففيه مصلحة والربا على العكس من ذلك، الربا فيه ظلم لأحد الطرفين وذهب بعض العلماء بأن هذا لا يجوز، قال: لأن هذا شراء مؤجل بمعجل وأنت لو اشتريت ألف ريال بثمانمائة نقداً لكان هذا ربا لا يجوز، قال: هذا مثله، وأنك أخذت الآن ثمانمائة عن ألف، لكن هذا القول قول ضعيف، لأن هذا ليس من باب المعاوضة، هذا من باب الإسقاط، صحيح أنك لو جئت إلى رجل ثالث وقلت: أنا طلب من فلان ألف ريال الألف ريال التي في ذمته بثمانمائة أعطني ثمانمائة وأنا أحيلك عليه هذا لا يجوز، أما رجل أبرأته من بعض دينه فليس في هذا ربا ولا بيع وشراء أيضا بل هذا يسمى إسقاطا وإبراء.
والحاصل: أن الرسول ﷺ أعطانا قاعدة أصلها لنا: «الصلح جائز إلا صلحاً أحل حراماً او حرم حلالا» وهذا يشمل كل شيء، هل يشمل المصالحة على الدية فيمن يثبت عليه القصاص؟ يعني: رجل قتل رجلا عمداً عدوانا محضا، فطالب أولياء المقتول بالقصاص، فثبت القصاص: فصالح المحكوم عليه أولياء المقتول على أن يسقطوا عنه القصاص بمال جائز، ولكن هل يجوز المصالحة بأكثر من الدية، يعني: الدية عندنا الآن مائة ألف قال أولياء.
стр. 1956
المقتول: لا نسقط القصاص عنك إلا إذا أعطيتنا مليونا هل يجوز؟ هذا فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: لا يجوز أن يصالح بأكثر من الدية لأن الرسول ﷺ قال: «من قتل له قتيل فهو يخبر النظرين إما أن يقتل وإما أن يودي» ولم يذكر شيئاً ثالثا ومن العلماء من قال: إنه يجوز؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الصحابة، ولأن هذا حق لأولياء المقتول فلهم ألا يسقطوه إلا بعوض يريدونه.
على كل حال: إذا قلنا بالمصالحة بمقدار الدية فالأمر فيه ظاهر، وإذا قلنا بالمصالحة فهل يدخل تحت الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين» أو نقول: يدخل تحت الحديث في قوله: «إلا صلحاً أحل حراماً» لأن هذا الصلح أحل حراما ًوهو الأخذ من مال القاتل أكثر من الدية؟ الظاهر الأول أنه داخل في الصلح، لأن أخذنا من مال القاتل هنا باختياره وليس مكرهاً على ذلك، ولأنه هو الذي تسبب في استباحة دمه، فإذا كان هو الذي تسبب في استباحة دنه فإننه هو السبب الأول والأخير.
ثم قال الرسول ﷺ : «والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراماً» يعني: أنهم إذا اشترطوا فإن هذه الشروط لازمة، ودليل هذا من القرآن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود﴾ فإن الوفاء بالعقد يتضمن الوفاء بأصله ووصفه، والشروط من أوصاف العقود، ولقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ والذي اشترط على نفسه شرطاً قد تعهد به فيكون داخلا في ذلك، إذن المسلمون على شروطهم، متى يثبت الشروط بين المتعاقدين وجب الوفاء بها إلا أن يسقطها من هي له فإن أسقطها من هي له فهي حقه، يعني: لو قال الذي شرط له هذا الشرط: أنا أسقطته فله ذلك مثاله باع شخص على آخر بيتا واشترط البائع سكني البيت لمدة سنة فوافق المشتري على هذا، هل يلزمه الوفاء به؟ يلزم يعني: معناه انه لا يجوز للمشتري أن يمنع البائع من سكناه هذه المدة فإن قال البائع: أنا أسقطت شرطي ولا أريد السكني لأن الله يسر لي بيتي هل له ذلك؟ له ذلك، لأنه أسقط حق نفسه، ولا مانع من أن يسقط الإنسان حق نفسه لأنه له، قال: «إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» «حرم حلالاً» بأنه إذا فعل ذلك صار مضاداً لحكم الله «أو أحل حراماً» فهو مضادة لحكم الله، مثال الأول «أحل حراما» إذا قال: بعتك مائة ريال بمائة ريال إلى أجل هذا بيع مشترط فيه الأجل هل يصح اشتراط هذا الأجل؟ لا، لماذا؟ لأنه ربا أحل حراماً إذ إن بيع الفضة بالفضة لابد فيه من التقابض ببذل العقد، قال: بعتك مائة درهم بتسعين درهماً نقداً يعني: بشرط ألا تسعين درهماً هذا لا يجوز؛ لأنه أحل حراماً؛ إذ ن بيع الفضة بالفضة لابد فيه من التقابض ببذل العقد، قال: بعتك مائة ردهم بتسعين درهما نقداً يعني: بشرط ألا أعطيك إلا تسعين درهماً هذا لا يجوز، لأنه أحل حراما، بعتك هذه الناقة بشرط أن يتبعني ما في بطن ناقتك لا يجوز؛ لأن الشرط مجهول، بعتك هذا الست بشرط أن ترهنني ولدك لا يجوز، لأن رهن الولد حرام.
стр. 1957
الثاني: قال: «أو حرم حلالاً» يعني: باعه شيئاً وقال له: أبيعك هذا الشيء بشرط أن تمتنع من شيء أحله الله، فهذا أيضاً لا يجوز، ولكن كما قلت لكم قبل قليل: إن كل الشروط لابد فيها من إسقاط مباح حتى المصالحة فلابد أن يكون هناك شرط يحرم الحلال الذي أحله الله.
على كل حال: شرط الولاء للبائع هذا لا يجوز؛ لأنه بالنسبة للبائع أحل له حراماً، لماذا؟ لأن الولاء ليس له فأحل له الحرام، بالنسبة للمشتري حرم عليه الحلال؛ لأن الولاء من حقوقه، فإذا اشترط عليه للبائع ففيه تحريم الحلال.
- رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه، لأن راوية كثير من عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه.
- وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁.
قال: «رواه الترمذي وصححه» أي قال: إنه صحيح، والصحيح حجة، لأنه لا يكون صحيحاً إلا باجتماع خمسة شروط وهي: أن يكون الراوي عدلاً تام الضبط، ويكون السند متصلاً وأن يكون غير معلل ولا شاذ، هذا هو الصحيح، فالترمذي ﵀ صحح الحديث، لكن أنكروا عليه وهم أئمة المحدثين وقالوا: كيف يصح ورواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو ضعيف، ونحن نقول: من شروط الصحيح أن يكون الراوي عدلا تام الضبط، فإذا كان الراوي ضعيفا فإننا نحكم بضعفه، ولا نقول صحيحاً، وبناء على ذلك هل لك إذا رأيت الحديث بسند ضعيف تعرف أن أحد رواته ضعيف هل لك أن تقول: ضعيف؟ لا، لأنه ربما يروى بسند آخر لهذا الحديث: وإما أن تقيد، فتقول: هو ضعيف من هذا الوجه؛ لأنك إذا قلت: ضعيف من هذا الوجه خرجت من عهدته، لكن إذا قلت: ضعيف وحكمت عليه بالضعف الموجب رده وهو من كلام الرسول ﷺ وهذه مسألة ليست هينة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يحكم على ضعف الحديث بمجرد أن يجده بسند ضعيف إلا إذا تتبع الطرف ولم يجده مروياً إلا من هذا الوجه فحينئذ يحكم بضعفه، وإلا فيجب عليه أن يقيد ويقول: هو ضعيف من هذا الوجه حتى يخرج من عهدته، وكما قرأنا في علم المصطلح أن الرجل قد يكون ضعيفاً باعتبار شيخ من المشاريخ، يعني: أن روايته عن هذا الشيخ ضعيفة وروايته عن المشايخ الآخرين صحيحة، عاصم بن أبي النجود أحد القراء الذين تلقي القرآن منهم ومع ذلك هو في الحديث ضعيف؛ لأن الرجل جعل همته كلها في القرآن والبحث عن طرق القراءات فاشتغل بتحقيق القرآن عن الأحاديث فلهذا صار من حيث السند في الأحاديث ضعيف لكن في القرآن حجة تلقته الأمة كلها بالقبول.
стр. 1958
على كل حال: أنا أقول: حتى ولو كان الراوي ضعيفا فاعلم أنه قد يكون ضعيفاً بالنسبة لشخص، قويا بالنسبة لشخص آخر، فإذا روى هذا الرجل الحديث عن فلان قلنا: ضعيف وإذا روى عن فلان آخر قلنا: ضعيف، ولهذا تجدون في بعض الأحيان في تراجم الرواة: «فلان ضعيف في شيخه الفلاني» يعني: إذا روى عن هذا الشيخ صار ضعيفاً، فلان ضعيف في الشاميين، فلان ضعيف في المكيين، ولهذا علم الحديث من أشد العلوم حاجة إلى المواصلة والتعهد؛ لأنه دقيق، علم الفقه وغيره من المعلوم يستطيع الإنسان أن يحيط به بسهولة، لكن هذا لا يقدر، لأنه مشكل إن اعتمد على صحيح رواية هذا الرجل من طريق واحد وهو ضعيف في الطريق الآخر صار الجاهل كلما وجد هذا الرجل قال: إن الحديث صحيح؛ لأنه لا يعرف أنه يكون صحيحاً من وجه، وإن روى من وجه آخر فهو ضعيف، فعلم المصطلح علم مهم يحتاج إلى عناية.
الترمذي ﵀ صحح الحديث لكنهم أنكروا عليه لهذا السبب، قال: وكأنه أعتبر هذا اعتذار عن الترمذي من ابن حجر، كأنه- يعني: الترمذي- اعتبر الحديث بكثرة طرقه، واستفدنا من هذا فائدة: أن الضعيف بكثرة الطرق يصحح، لكن هذا أيضاً فيه نظر، لأن الضعيف بكثرة الطرق يصل إلى درجة قبل الصحة وهي الحسن، لكن الترمذي أحياناً يريد بالصحيح الحسن، وهذا اصطلاح خاص بالترمذي، فيكون معنى تصحيحه إياه أنه حجة لا أنه معناه أنه بلغ الرتبة العليا لكن صحيح على أنه حجة مقبولة، ومعلوم أن الحديث الحسن عند العلماء حجة مقبولة، يعمل به، هذه نكت جيدة في علم المصطلح.
«وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁» يعني: إذن من طريق آخر، وحينئذ يكون هذا الحديث الذي صححه ابن حبان عن أبي هريرة شاهداً، لأنه جاء من حديث صحابي آخر، لكن لو جاء من حديث شيخ آخر والصحابي واحد يسمى متابعا.
نرجع لشرح الحديث، الصلح أنواع: صلح في الحقوق، وصلح في الأموال، وصلح في الحروب، وصلح في السلم، وذكرنا من صلح الحروب/ صلح الحديبية الواقع بين النبي ﷺ وبين قريش، الصلح في الحقوق كالصلح بين الزوجين، الصلح في الدماء كالصلح بين الطائفتين المقتتلين، الصلح في الأموال يدخل فيه هذا الحديث العام: «الصلح جائز بين المسلمين» قال العلماء: الصلح في الأموال إما على إقرار وإما على إنكار، الصلح على الإقرار مثل: أن يدعي شخص على آخر بشيء فيقر له ثم يصالحه على عوض عنه سواء كان المدعي به ديناً أو عيناًن وهذا لا شك في جوازه من الطرفين، مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بألف
стр. 1959
ريال، فقال: نعم عندي لك ألف ريال، ولكن أريد أن أصالحك على هذا المسجل يعني: أعطيك هذا المسجل بدلاً عن ألف ريال فوافق، هذا يجوز، وسواء كان المسجل يساوي ألف ريال أو يساوي أقل أو يساوي أكثر، الصلح على عين، يعني: إذا كان المدعي به عينا.
قال شخص لآخر: أنا أدعي عليك بأن هذا المسجل لي، قال: نعم، أنا أقر بذلك لكن أريد أن أصالحك على أن تأخذ بدلاً عنه مسجلاً آخر هذا يجوز من الطرفين ولا إشكال فيه، وحقيقته أنه بيع، وإن سمي صلحاً فهو بيع، صالحته عن دين مؤجل ببعضه حالاً يعني: شخص يطلب من شخص مائة ريال مؤجلة إلى سنة فقال: أصالحك على ثمانين ريال نقداً حاضرا يجوز على القول الراجح، لأن هذا ليس من الربا في شيء، فإن صاحب الحق لم يأخذ زيادة وإنما تنازل أصلاً، فهو ضد الربا في الواقع، لكنه أنتفع بشيء وهو تعجيل حقه، فالطالب انتفع بالتأجيل والمطلوب انتفع بالإسقاط فلا ظلم لا في هذا ولا في هذا؟ .
الصلح على إنكار أن يدعي شخص على آخر بألف ريال فيقول المدعي عليه: لا ما عندي لك شيء ثم يخشى أن يحاكمه فيقول: أنا أصالحك على ألف ريال بثمانمائة ريال ودعنا من الخصومة والنزاع، هذا جائز في حق المظلوم، حرام في حق الظالم، أيهما الظالم؟ يحتمل إذا كان المدعي كاذبا، فالمظلوم المدعي عليه، لكنه افتدى بثمانمائة عن ألف خوفاً من المحاكمة إذن المنكر هو الكاذب، والمدعي صادق له، في ذمة هذا الرجل ألف ريال والمنكر كاذب فهنا الظالم المدعى عليه، الصلح هذا جائز ونافذ ظاهراً يعني: في ظاهر الحكم، في الظاهر للناس نافذ لكن في الباطن- أي: ما في بين الإنسان وبين ربه- لا ينفذ في حق الظالم ولا يبرأ منه يوم القيامة؛ لأنه ظالم إما معتد في الدعوى أو معتد في الأنكار، إن كان الكاذب المدعي فهو معتد في الدعوى، وإن كان الكاذب المنكر فهو معتد في الإنكار، إن كان الكاذب المدعي فهو معتد في الدعوى، وإن الكاذب المنكر فهو معتد في الإنكار، المهم أن هذا الصلح صحيح ظاهراً فاسد باطناً، فلو كان المصالح عليه عينا لم يحل للظالم الانتفاع بها، يعني: مثلا ادعى عليه بألف ريال قال: ما عندي لك شيء، فلما رأى أنه سيحاكمه قال: أصالحك عن هذا بهذا المسجل، فأخذه المدعي وهو كاذب فاستعماله لهذا المسجل حرام: كل مرة يستعمله فهو آثم، لأنه ظالم معتد فصار الصلح الآن نوعين على إقرار وعلى إنكار، والذي على إقرار إما على دين، وإما عن عين وكلاهما جائز صحيح، لأنه يفيد الطرفين، وليس فيه كذب ولا إنكار، والنوع الثاني: صلح على إنكار فهذا حكمه أنه جائز صحيح في حق المظلوم حرام فاسد في حق الظالم، سواء كان هو المنكر أو هو المدعي، الشروط الأصل فيها الحل إلى ما أحل حراماً أو حرم حلالاً، والشروط يجب الوفاء بها لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾.
والأمر بالوفاء بالعقد شامل للوفاء بأصل العقد وبوصفه، ووصف العقد هي الشروط المشروطة فيه، الأصل فيها الحل بناء على القاعدة.
стр. 1960
(والأصل في الأشياء حل وامنع ... عبادة إلا بإذن الشارع)
هذا بيت مفيد جداً، كل الأشياء الأصل فيها الحل، والأصل في العبادات الحظر إلا بإذن الشارع، والأصل في غير العبادات من الأعيان، والمنافع والشروط وغيرها الحل، ويدل لذلك أيضا قول الرسول ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو بالطل» فأما ما في كتاب الله حله فهو صحيح نافذ إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، ادعى على رجل بمائة ألف صالح المدعي بولده هل يجوز؟ لا يجوز، لأنه أحل حراماً وهو استرقاق الحر وهو محرم، يقول في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» هؤلاء خصمهم الله ، ومن كان الله خصمه فهو مخصوم مغلوب.
رجل باع على شخص أمة، واشترط البائع على المشتري أن يطأها البائع لمدة سنة، ما تقولون؟ لا يجوز.
رجل اشتري أمة واشترط المشتري أن يطأها دائماً فهذا يجوز، لأنها ملكه.
نعود مرة أخرى للفوائد، وقبل الفوائد ننبه على أن تصحيح الترمذي للحديث واعتذار ابن حجر عنه هذا يعتبر من ابن حجر من الأخلاق الفاضلة، أن الإنسان يلتمس العذر لأخيه ما وجد له محملاً لاسيما إذا كان الإنسان المعتذر عنه معروفاً بالاستقامة والنصح، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يتتبع هفواته وزلاته بل يعتذر عنه ما أمكن، احمل الكلام على أحسنه ما وجدت له محملاً، أما من اتبع هفوات الناس فإن يدخل في الحديث: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في حجر أمه» لكن الإنسان الفاضل هو الذي يلتمس غيره له العذر، لكن في الواقع أن ابن حجر ﵀ قال: إنه ضعيف والعلماء تكلموا فيه كلاماً شديداً، في الحاشية عندي قال الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب- الذي هو كثير- ولكن الحديث من حيث المعنى صحيح لا شك فيه وتشهد له الأدلة الشرعية، ولعل الترمذي أيضا صححه لا باعتبار السند ولكن باعتبار المتن.
стр. 1961
على كل حال في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز الصلح بين المسلمين لقوله: «الصلح جائز» وقد ذكرنا أن كلمة «جائز» تشمل الجواز التكليفي، والجواز الوضعي، فنقول في الجواز التكليفي: جائز. وليس بحرام، ونقول في الجواز الوضعي: نافذ وليس بفاسد.
فإن قال قائل: منطوق الحديث جواز الصلح بين المسلمين، مفهومه عدم جواز الصلح بين المسمين والكافرين أو بين الكافرين؟
فيقال: هذا القيد أغلي «بين المسلمين» والقيد الأغلبي لا يكون مفهومه مخالفاً لمنطوقه، ولهذا جرى الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش، وهو صلح بين مسلمين وكافرين، وكذلك لو تصالح كافران واحتكما إلينا، وجب علينا أن ننفذ الصلح إذا لم يكن مخالفاً للشرع، إذن هذا القيد أغليي.
ومن فوائد الحديث: أن حكم الله لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراماً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن: ﴿من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠].
ومن فوائد الحديث: أن حكم الله لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حرامأً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن ﴿من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]
ومن فوائد الحديث: جواز الشروط بين الناس لقوله: «والمسلمون على شروطهم» وكذلك نقول في المسلمون على شروطهم إنه قيد أغلبي فإذا وجدت الشروط بين المسلم والكافر في عقد من العقود فهي نافذة، وكذلك لو وجد شروط بين الكافرين في عقد من العقود فهي نافذة.
ومن فوائد الجملة الأخيرة: أن الشرط المخالف للشرع باطل غير نافذ لقوله: «إل شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً»
ومن فوائده: أن حكم الشرع فوق حكم المخلوق، ولهذا إذا خالف شرط المخلوق شرط الخالق وجب إبطاله.
ومن فوائد الحديث: من عمومه: بطلان جميع الأنظمة المخالفة للشرع، لأن الأمر المخالف للشرع [عبارة عن] شروط توضح وضعها البشر، فكل القوانين المخالفة للشرع مهما كان واضعها فهي فاسدة لا يجوز تنفيذها بل يجب إبطالها، وقد أبطل النبي ﷺ الشرط الفاسد حتى بعد أن اشترط في قصة بريرة.
٨٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره ن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة ﵁: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمي نبها بين أكتافكم» متفق عليه
стр. 1962
يجوز في «يمنع» وجهان: الوجه الأول: لا يمنع، والوجه الثاني: لا يمنع، فعلى الوجه الأول تكون «لا» نافية والفعل بعدها مرفوع؛ لأن «لا» النافية لا تغير الفعل، وعلى الوجه الثاني: تكون «لا» ناهية والفعل بعدها مجزوم.
فإن قال قائل: هي ناهية واضحة أن الرسول بنهى، لكن إذا كانت نافية.
فنقول: هذا النفي بمعنى النهي، ويأتي النفي بمعنى النهي تأكيداً، يعني: كأنه لا يمكن أن يمنع جار جاره، فيكون هذا أبلغ من النهي، ولهذا قال العلماء: قد يأتي الخبر بمعنى الأمر وقد يأتي النفي بمعنى النهي فقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] هذا خبر بمعنى الأمر، وهذا الحديث بمعنى الأمر، «لا يمنع جار جاره» نفي بمعنى النهي، قوله: «جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» «خشبة» فهذا عام، وصيغة العموم أنه جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وعلى رواية الإفراد «خشبة» نقول: هو نكرة في سياق النهي فيكون عاماً أي خشبة تكون، على هذا فمؤدى اللفظين واحد.
قوله ﷺ «لا يمنع جار جاره» المراد بالجار هنا: الجار الملاصق، لأن خشبة الجار لا توضع على الجدار إلا إذا كان الجار ملاصقاً، أما الجار الذي ليس بملاصق وإن كان له حق لكن لا يدخل في هذا الحديث.
وقوله ﷺ : «أن يغرز خشبة» «يغرز» يعني: يغرس، يحفر لها حفرة ويضعها فيها، أو أن يضعها على ظهر الجدار، فالغرز هنا ليس بشرط، معنى الغرز: أن يفتح مكاناً للخشبة ويدخلها فيه ويضعها على ظهر الجدار واضح، وإذا كان الرسول نهى أن يمنع جار جاره من غرز الخشبة فنهيه عن منع جاره من وضع الخشبة على ظهر الجدار من باب أولى؛ لأن الغرز أشد
وقوله: «في جداره»: جدار الجار أو جدار المانع؟ جدار المانع؟ لأن جدار الجار الواضع لا يمكن أن ينهى عنه الرسول، لأنه ملكه، لكن الكلام على جدار المانع.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: بيان حقوق الجار، وأن للجار أن ينتفع بملك جاره بما لا ضرر عليه فيه، ومن ذلك وضع الخشبة وهل يلحق بوضع الخشبة ما يساويها؟
الجواب: نعم، وذلك لأن الخشبة إذا وضعها الجار على الجدار استفاد الجار الواضع والجار صاحب الجدار، كيف ذلك؟ أما صاحب الخشبة فاستفادته واضحة؛ لأنه بدلاً من أن يقيم أعمدة أو جداراً آخر ملاصقا لجدار جاره يضع هذه، وأما استفاده الجار صاحب الجدار فلأن وضع الخشب على الجدار تثبيت له وتقيه السيول، وهذا ينتفع به الجدار، لاسيما فيما سبق لما كان الجدار من الطين صار الانتفاع بذلك واضحاً، وهذا الحديث ظاهره يمنع صاحب
стр. 1963
الخشبة لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أنه لا يحل لك أن تضر غيرك بمنفعة نفسك.
إذا قال قائل: ما رأيكم فيما لو أراد أن يجري الماء على أرضه إلى أرضه التي وراءها يعني: أراد صاحب الماء أن يجري الماء على أرض جاره إلى أرض له وراء أرض جاره فمنع الجار.
نقول: هذا لا يجوز لصاحب الأرض أن يمنع صاحب الماء من إجرائه على الأرض إلا أن يكون في ذلك ضرر، فإن لم يكن في ذلك ضرر فإنه لا يجوز أن يمنع، ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أراد أن يمنع محمد بن سلمة من جريان الماء لجاره فقال عمر: «والله لتمرن به ولو على بطنك» يعني: لو فرضنا أننا أجريناه على بطنك لا يمكن تمنع، لماذا؟ لأن فيه منفعة لصاحب الأرض وفيه منفعة لصاحب الماء، أما صاحب الماء، فلأن الماء يصل إلى أرضه الأخرى، وأما صاحب الأرض؛ فلأنه يمكن أن يغرس على الماء، وكذلك الزرع حول الماء ينتفع لكن لو قال صاحب الأرض: أنا سابني على الأرض بناء فهل له أن يمنع؟ نعم، له أن يمنع، لأن الماء لو مشى من تحت البناء أضر به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب على المسلم ألا يمنع أخاه حق الانتفاع بملكه إذا لم يكن عليه ضرر، وجهه: نهي النبي ﷺ عن ذلك، وعلى هذا فلو أن رجلا مر برجال جالسين تحت جداره مستظلين به من الشمس، فقال: قوموا هذا ظلال جداري، هذا له الحق أو لا؟ لا، ليس له الحق، لكن لو دخلوا البيت واستظلوا بظل الجدار، معلوم له الحق ليس من أن يخرجهم من الظل ولكن يخرجهم من بيته، ولما جاءت امرأة إلى الإمام أحمد ﵀ تسأله قالت: يا أبا عبد الله إن السلطان إذا مر بنا في الليل ونحن نغزل ازداد غزلنا بواسطة الأنوار التي يمر بها فهل يحل لنا ذلك- أي: هذه الزيادة/ لأن أنوار السلاطين في ذلك الوقت ليست نزيهة من كل وجهن فقال الإمام أحمد: نعم يحل هذا، ولما أدبرت سأل من بجنبه قال: كيف هذه تسأل هذا السؤال الدقيق؟ قال: هذه أخت إبراهيم بن أدهم، فدعا بها فقال: لا يحل لكم، كيف؟
قال: نعم من بيتكم خرج الورع، انظر كيف اختلفت الفتوى.
стр. 1964
على كل حال: أقول: إن مثل هذه المنافع العامة لا يجوز لأحد أن يمنع منها من ينتفع بها.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا غرز الجار الخشبة لم يلزم بما يسمونه المباناة عندنا، يعني: أن الجار إذا بني وأحاط بيته بجدار، ثم بني جاره وأراد أن يغرس خشبة على الجدار قال: لا يمكن حتى تسلم نصف قيمة الجدار وتسمى المباناة. ولكن ظاهر الحديث أنه ليس للجار أن يطلب هذه القيمة؛ لأن الجدار لمن؟ الجدار له، ولهذا قال: «على جداره» فهو ملكه كيف تطالبني أن أحمل عنك بعض نفقة ملكي؟ فإذا قال: نعم تحمل بعض نفقة ملكي لأنك انفقت به، فالجواب: أن هذا النفع قد جعله الشارع لي ونهاك أن يمنعني، لكن الواقع أن الأمر عندنا على خلاف ذلك، والحكام يحكمون بوجوب دفع نصف النفقة ولعلهم يلاحظون في هذا قطع النزاع؛ لأنهم يخشون أن يتأخر الجار في البناء من اجل أن يقيم جاره الجدار وربما يتكلف عشرة آلاف أو أكثر؛ فإذا بني شرع هذا في البناء فيكون هذا حيلة فلذلك كان القضاة عندنا يحكمون بدفع المباناة يعني: دفع نصف التكاليف على هذا الجدار؛ إذا دفع نصف التكاليف يكون الجدار الآن مشتركاً بين الطرفين لو آل للسقوط ألزم الطرفان ببنائه، وعلى عدم تحميل نصف التكاليف يكون الجدار للأول، ولا يلزم إذا مال الجدار للسقوط ببنائه.
قال: «ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ » يعني: أي شيء لي «أراكم عنها» أيك عن هذه السنة التي حدثتكم بها عن رسول الله ﷺ «معرضين» يعني: لا تعملون بها، «والله لأرمين بها» أي: بالسنة، «بين أكتافكم حتى تنزل عليكم من فوق فترهقكم عملاً» وقيل: «والله لأرمين بها» أي: بالخشبة، أي: لا جعلنها على أكتافكم إن منعتم من وضعها على الجدار، فعلى الوجه الأول يكون الضمي في قوله: «بها» عائداً على السنة، وعلى الثاني يكون عائداً على الخشبة، ولكن أيهما أنسب؟ قال بعض العلماء: الأنسب الثاني، ويؤيد ذلك أمران الأول: أن أبا هريرة ﵁ قال ذلك حين كان والياً على المدينة لمروان فهو أمير والأمير له سلطة التنفيذ ولو بالقوة، والثاني: أنه يبعد أن يقول أبو هريرة عن السنة: لأرمي نبها بين أكتافكم؛ لأن السنة الأليف أن يقال فيها: لألقينها بين أيديكم ولا توصف بالرمي بين الأكتاف حتى تكون وراء الظهور، بل تلقى بين الأيدي حتى يقتدي بها الناس، ثم هناك وجه ثالث يرجح أن ما بين الأكتاف هو موضع الحمل عادة، فكان أنسب أن يكون المراد بها الخشبة، ونظير هذا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «والله ليمرن به ولو على بطنك» يعني: الساقي للماء الذي يمر في ملك الجار.
стр. 1965
ومن فوائد الحديث: أن المنافع المتحمضة التي ليس فيها ضرر لا يجوز الامتناع؛ وذلك لأن وضع الخشب فيه مصلحة للطرفين؛ أما صاحب الجدار؛ فلأن وضع الخشب عليه يقيه من الشمس والأمطار ويزيده شدة وقوة، لأن البناء يشد بعضه بعضا، وأما صاحب الخشب فالمنفعة له ظاهرة، وظاهر هذا الحديث أنه لا يشترط الضرورة، يعني: لا تشترط للنهي عن منعه أن يكون صاحب الخشب مضطراً إلى ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يشترط أن يكون مضطراً إلى ذلك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا على جدار جاره، فإن كان يمكنه التسقيف على الجهة الأخرى فإنه يجوز للجار أن يمنعه، وكذلك يمكنه التسقيف بإقامة أعمدة وجسر على الأعمدة توضع عليه الخشب فلا ينهي الجار عن منعه من وضع الخشب على الجدار، ولكن ظاهر الحديث أولى بالتقديم، وهو أنه لا تشترط الضرورة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يتضرر الجدار بذلك أو لا يتضرر، ولكن هذا الظاهر غير مراد، ما الذي يخرجه عن الإرادة؟ الأحاديث العامة الأخرى الدالة على أنه «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أن هذا فيه الضرر وإذا كان الجار قد أراد الضرر صار إضراراً أيضا.
ومن فوائد الحديث: تعظيم حق الجار على جاره؛ ولهذا أضافه قال: «جار جاره» من باب التحنن والتعطف على الجار، ولا شك أن للجار حقاً عظيما على جاره، حتى قال الرسول ﷺ «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقال النبي ﷺ «والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» فالجار له حق على جاره، ومن حقوق ألا يمنعه هذا الحق.
ومن فوائد الحديث: أنه لو كان الجدار مشتركاً فإنه لا يمنعه من وضع الخشب على جداره، يقال: إنه منع، أو إذا نهى عن منعه من وضع الخشب على الجدار الخاص بالجار فمن باب أولى إذا كان الجدار مشتركاً؛ لأن الجار له حق فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للأمير ومن ولاه الله على شيء أن يكون قوياً في إمرته لقوله: «ما لي أراكم عنها معرضين ... إلخ» واللين له موضع، والشدة لها موضع، فإن هدي الرسول ﷺ استعمال اللين فهو خال من الحكمة، فأنتم قد مر عليكم مسائل كثيرة استعمل
следующие страницы →