← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

على كل حال في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز الصلح بين المسلمين لقوله: «الصلح جائز» وقد ذكرنا أن كلمة «جائز» تشمل الجواز التكليفي، والجواز الوضعي، فنقول في الجواز التكليفي: جائز. وليس بحرام، ونقول في الجواز الوضعي: نافذ وليس بفاسد. فإن قال قائل: منطوق الحديث جواز الصلح بين المسلمين، مفهومه عدم جواز الصلح بين المسمين والكافرين أو بين الكافرين؟ فيقال: هذا القيد أغلي «بين المسلمين» والقيد الأغلبي لا يكون مفهومه مخالفاً لمنطوقه، ولهذا جرى الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش، وهو صلح بين مسلمين وكافرين، وكذلك لو تصالح كافران واحتكما إلينا، وجب علينا أن ننفذ الصلح إذا لم يكن مخالفاً للشرع، إذن هذا القيد أغليي. ومن فوائد الحديث: أن حكم الله لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراماً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن: ﴿من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]. ومن فوائد الحديث: أن حكم الله لا يغيره حكم المخلوق لقوله: «إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حرامأً» فكل شيء يجري بين الناس مخالفا للشرع فإنه لا ينفذ، لأن حكم الله هو الحكم الأحسن ﴿من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠] ومن فوائد الحديث: جواز الشروط بين الناس لقوله: «والمسلمون على شروطهم» وكذلك نقول في المسلمون على شروطهم إنه قيد أغلبي فإذا وجدت الشروط بين المسلم والكافر في عقد من العقود فهي نافذة، وكذلك لو وجد شروط بين الكافرين في عقد من العقود فهي نافذة. ومن فوائد الجملة الأخيرة: أن الشرط المخالف للشرع باطل غير نافذ لقوله: «إل شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً» ومن فوائده: أن حكم الشرع فوق حكم المخلوق، ولهذا إذا خالف شرط المخلوق شرط الخالق وجب إبطاله. ومن فوائد الحديث: من عمومه: بطلان جميع الأنظمة المخالفة للشرع، لأن الأمر المخالف للشرع [عبارة عن] شروط توضح وضعها البشر، فكل القوانين المخالفة للشرع مهما كان واضعها فهي فاسدة لا يجوز تنفيذها بل يجب إبطالها، وقد أبطل النبي ﷺ الشرط الفاسد حتى بعد أن اشترط في قصة بريرة. ٨٣٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره ن يغرز خشبة في جداره ثم يقول أبو هريرة ﵁: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمي نبها بين أكتافكم» متفق عليه

стр. 1962

يجوز في «يمنع» وجهان: الوجه الأول: لا يمنع، والوجه الثاني: لا يمنع، فعلى الوجه الأول تكون «لا» نافية والفعل بعدها مرفوع؛ لأن «لا» النافية لا تغير الفعل، وعلى الوجه الثاني: تكون «لا» ناهية والفعل بعدها مجزوم. فإن قال قائل: هي ناهية واضحة أن الرسول بنهى، لكن إذا كانت نافية. فنقول: هذا النفي بمعنى النهي، ويأتي النفي بمعنى النهي تأكيداً، يعني: كأنه لا يمكن أن يمنع جار جاره، فيكون هذا أبلغ من النهي، ولهذا قال العلماء: قد يأتي الخبر بمعنى الأمر وقد يأتي النفي بمعنى النهي فقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] هذا خبر بمعنى الأمر، وهذا الحديث بمعنى الأمر، «لا يمنع جار جاره» نفي بمعنى النهي، قوله: «جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» «خشبة» فهذا عام، وصيغة العموم أنه جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وعلى رواية الإفراد «خشبة» نقول: هو نكرة في سياق النهي فيكون عاماً أي خشبة تكون، على هذا فمؤدى اللفظين واحد. قوله ﷺ «لا يمنع جار جاره» المراد بالجار هنا: الجار الملاصق، لأن خشبة الجار لا توضع على الجدار إلا إذا كان الجار ملاصقاً، أما الجار الذي ليس بملاصق وإن كان له حق لكن لا يدخل في هذا الحديث. وقوله ﷺ : «أن يغرز خشبة» «يغرز» يعني: يغرس، يحفر لها حفرة ويضعها فيها، أو أن يضعها على ظهر الجدار، فالغرز هنا ليس بشرط، معنى الغرز: أن يفتح مكاناً للخشبة ويدخلها فيه ويضعها على ظهر الجدار واضح، وإذا كان الرسول نهى أن يمنع جار جاره من غرز الخشبة فنهيه عن منع جاره من وضع الخشبة على ظهر الجدار من باب أولى؛ لأن الغرز أشد وقوله: «في جداره»: جدار الجار أو جدار المانع؟ جدار المانع؟ لأن جدار الجار الواضع لا يمكن أن ينهى عنه الرسول، لأنه ملكه، لكن الكلام على جدار المانع. ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: بيان حقوق الجار، وأن للجار أن ينتفع بملك جاره بما لا ضرر عليه فيه، ومن ذلك وضع الخشبة وهل يلحق بوضع الخشبة ما يساويها؟ الجواب: نعم، وذلك لأن الخشبة إذا وضعها الجار على الجدار استفاد الجار الواضع والجار صاحب الجدار، كيف ذلك؟ أما صاحب الخشبة فاستفادته واضحة؛ لأنه بدلاً من أن يقيم أعمدة أو جداراً آخر ملاصقا لجدار جاره يضع هذه، وأما استفاده الجار صاحب الجدار فلأن وضع الخشب على الجدار تثبيت له وتقيه السيول، وهذا ينتفع به الجدار، لاسيما فيما سبق لما كان الجدار من الطين صار الانتفاع بذلك واضحاً، وهذا الحديث ظاهره يمنع صاحب

стр. 1963

الخشبة لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أنه لا يحل لك أن تضر غيرك بمنفعة نفسك. إذا قال قائل: ما رأيكم فيما لو أراد أن يجري الماء على أرضه إلى أرضه التي وراءها يعني: أراد صاحب الماء أن يجري الماء على أرض جاره إلى أرض له وراء أرض جاره فمنع الجار. نقول: هذا لا يجوز لصاحب الأرض أن يمنع صاحب الماء من إجرائه على الأرض إلا أن يكون في ذلك ضرر، فإن لم يكن في ذلك ضرر فإنه لا يجوز أن يمنع، ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أراد أن يمنع محمد بن سلمة من جريان الماء لجاره فقال عمر: «والله لتمرن به ولو على بطنك» يعني: لو فرضنا أننا أجريناه على بطنك لا يمكن تمنع، لماذا؟ لأن فيه منفعة لصاحب الأرض وفيه منفعة لصاحب الماء، أما صاحب الماء، فلأن الماء يصل إلى أرضه الأخرى، وأما صاحب الأرض؛ فلأنه يمكن أن يغرس على الماء، وكذلك الزرع حول الماء ينتفع لكن لو قال صاحب الأرض: أنا سابني على الأرض بناء فهل له أن يمنع؟ نعم، له أن يمنع، لأن الماء لو مشى من تحت البناء أضر به. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب على المسلم ألا يمنع أخاه حق الانتفاع بملكه إذا لم يكن عليه ضرر، وجهه: نهي النبي ﷺ عن ذلك، وعلى هذا فلو أن رجلا مر برجال جالسين تحت جداره مستظلين به من الشمس، فقال: قوموا هذا ظلال جداري، هذا له الحق أو لا؟ لا، ليس له الحق، لكن لو دخلوا البيت واستظلوا بظل الجدار، معلوم له الحق ليس من أن يخرجهم من الظل ولكن يخرجهم من بيته، ولما جاءت امرأة إلى الإمام أحمد ﵀ تسأله قالت: يا أبا عبد الله إن السلطان إذا مر بنا في الليل ونحن نغزل ازداد غزلنا بواسطة الأنوار التي يمر بها فهل يحل لنا ذلك- أي: هذه الزيادة/ لأن أنوار السلاطين في ذلك الوقت ليست نزيهة من كل وجهن فقال الإمام أحمد: نعم يحل هذا، ولما أدبرت سأل من بجنبه قال: كيف هذه تسأل هذا السؤال الدقيق؟ قال: هذه أخت إبراهيم بن أدهم، فدعا بها فقال: لا يحل لكم، كيف؟ قال: نعم من بيتكم خرج الورع، انظر كيف اختلفت الفتوى.

стр. 1964

على كل حال: أقول: إن مثل هذه المنافع العامة لا يجوز لأحد أن يمنع منها من ينتفع بها. ومن فوائد الحديث: أنه إذا غرز الجار الخشبة لم يلزم بما يسمونه المباناة عندنا، يعني: أن الجار إذا بني وأحاط بيته بجدار، ثم بني جاره وأراد أن يغرس خشبة على الجدار قال: لا يمكن حتى تسلم نصف قيمة الجدار وتسمى المباناة. ولكن ظاهر الحديث أنه ليس للجار أن يطلب هذه القيمة؛ لأن الجدار لمن؟ الجدار له، ولهذا قال: «على جداره» فهو ملكه كيف تطالبني أن أحمل عنك بعض نفقة ملكي؟ فإذا قال: نعم تحمل بعض نفقة ملكي لأنك انفقت به، فالجواب: أن هذا النفع قد جعله الشارع لي ونهاك أن يمنعني، لكن الواقع أن الأمر عندنا على خلاف ذلك، والحكام يحكمون بوجوب دفع نصف النفقة ولعلهم يلاحظون في هذا قطع النزاع؛ لأنهم يخشون أن يتأخر الجار في البناء من اجل أن يقيم جاره الجدار وربما يتكلف عشرة آلاف أو أكثر؛ فإذا بني شرع هذا في البناء فيكون هذا حيلة فلذلك كان القضاة عندنا يحكمون بدفع المباناة يعني: دفع نصف التكاليف على هذا الجدار؛ إذا دفع نصف التكاليف يكون الجدار الآن مشتركاً بين الطرفين لو آل للسقوط ألزم الطرفان ببنائه، وعلى عدم تحميل نصف التكاليف يكون الجدار للأول، ولا يلزم إذا مال الجدار للسقوط ببنائه. قال: «ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ » يعني: أي شيء لي «أراكم عنها» أيك عن هذه السنة التي حدثتكم بها عن رسول الله ﷺ «معرضين» يعني: لا تعملون بها، «والله لأرمين بها» أي: بالسنة، «بين أكتافكم حتى تنزل عليكم من فوق فترهقكم عملاً» وقيل: «والله لأرمين بها» أي: بالخشبة، أي: لا جعلنها على أكتافكم إن منعتم من وضعها على الجدار، فعلى الوجه الأول يكون الضمي في قوله: «بها» عائداً على السنة، وعلى الثاني يكون عائداً على الخشبة، ولكن أيهما أنسب؟ قال بعض العلماء: الأنسب الثاني، ويؤيد ذلك أمران الأول: أن أبا هريرة ﵁ قال ذلك حين كان والياً على المدينة لمروان فهو أمير والأمير له سلطة التنفيذ ولو بالقوة، والثاني: أنه يبعد أن يقول أبو هريرة عن السنة: لأرمي نبها بين أكتافكم؛ لأن السنة الأليف أن يقال فيها: لألقينها بين أيديكم ولا توصف بالرمي بين الأكتاف حتى تكون وراء الظهور، بل تلقى بين الأيدي حتى يقتدي بها الناس، ثم هناك وجه ثالث يرجح أن ما بين الأكتاف هو موضع الحمل عادة، فكان أنسب أن يكون المراد بها الخشبة، ونظير هذا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «والله ليمرن به ولو على بطنك» يعني: الساقي للماء الذي يمر في ملك الجار.

стр. 1965

ومن فوائد الحديث: أن المنافع المتحمضة التي ليس فيها ضرر لا يجوز الامتناع؛ وذلك لأن وضع الخشب فيه مصلحة للطرفين؛ أما صاحب الجدار؛ فلأن وضع الخشب عليه يقيه من الشمس والأمطار ويزيده شدة وقوة، لأن البناء يشد بعضه بعضا، وأما صاحب الخشب فالمنفعة له ظاهرة، وظاهر هذا الحديث أنه لا يشترط الضرورة، يعني: لا تشترط للنهي عن منعه أن يكون صاحب الخشب مضطراً إلى ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يشترط أن يكون مضطراً إلى ذلك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا على جدار جاره، فإن كان يمكنه التسقيف على الجهة الأخرى فإنه يجوز للجار أن يمنعه، وكذلك يمكنه التسقيف بإقامة أعمدة وجسر على الأعمدة توضع عليه الخشب فلا ينهي الجار عن منعه من وضع الخشب على الجدار، ولكن ظاهر الحديث أولى بالتقديم، وهو أنه لا تشترط الضرورة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يتضرر الجدار بذلك أو لا يتضرر، ولكن هذا الظاهر غير مراد، ما الذي يخرجه عن الإرادة؟ الأحاديث العامة الأخرى الدالة على أنه «لا ضرر ولا ضرار» ومعلوم أن هذا فيه الضرر وإذا كان الجار قد أراد الضرر صار إضراراً أيضا. ومن فوائد الحديث: تعظيم حق الجار على جاره؛ ولهذا أضافه قال: «جار جاره» من باب التحنن والتعطف على الجار، ولا شك أن للجار حقاً عظيما على جاره، حتى قال الرسول ﷺ «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقال النبي ﷺ «والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» فالجار له حق على جاره، ومن حقوق ألا يمنعه هذا الحق. ومن فوائد الحديث: أنه لو كان الجدار مشتركاً فإنه لا يمنعه من وضع الخشب على جداره، يقال: إنه منع، أو إذا نهى عن منعه من وضع الخشب على الجدار الخاص بالجار فمن باب أولى إذا كان الجدار مشتركاً؛ لأن الجار له حق فيه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للأمير ومن ولاه الله على شيء أن يكون قوياً في إمرته لقوله: «ما لي أراكم عنها معرضين ... إلخ» واللين له موضع، والشدة لها موضع، فإن هدي الرسول ﷺ استعمال اللين فهو خال من الحكمة، فأنتم قد مر عليكم مسائل كثيرة استعمل

стр. 1966

فيها الرسول ﷺ اللين، وأخرى استعمل فيها الشدة، الرجل الذي كان لابسا خاتم ذهب فنزعه النبي ﷺ من يده ورماه به، وهذا نوع من الشدة، والذين اشترطوا الولاء في قصة بريرة قام ﷺ وخطب خطاباً توبيخياً عظيماً، فالمهم أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل الشدة في موضعها واللين في موضعه، ولهذا قال المتنبي وهو شاعر حكيم في الحقيقة: [الطويل] (ووضع الندار في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا) وهذا صحيح إذا وضعت الندا يعني: الكرم والعطاء في موضع السيف فهذا مهانة وذل، بالعلا كوضع السيف في موضع الندا، يعني: في موضع الكرم لا تضع السيف، وفي موضع السيف لا تضع الكرم، بل كن حكيما في هذا وهذا. ومن فوائد الحديث: استعمال المبالغة في الوعيد لقوله: «والله لأرمي نبها بين أكتافكم» لأن الظاهر أن أبا هريرة لم يقصد بهذا أن توضع الخشب على الأكتاف، لأن هذا أمر لا يطاق، فيكون هذا من باب المبالغة في الوعيد مع أنه أقسم ﵁. ٨٣٧ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه» رواه ابن حبان، والحاكم في صحيحهما. قوله: «لا يحل لامرئ» هذه من أسماء الأجناس للرجال، ويقال في النساء امرأة، ولكن تعليق الحكم بالرجال في قوله: «لامرئ» من باب التغليب وليس من باب التقيد. وقوله: «أن يأخذ عصا أخيه» أي: في الدين، وإن اجتمع الدين والنسب صار تأكيداً على تأكيد، وقوله: «بغير طيب نفس» أي: بغير رضا منه، لأن الإنسان إذا رضي طابت نفسه، وإذا لم يرضي لشحت نفسه بالشيء. ففي هذا الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن أن يأخذ الإنسان عصا أخيه بغير نفس منه، لأنه عدوان، وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩] وعلى هذا أساس كل معاملة، كل معاملة لابد فيها من رضا وطيب نفس إلا ما استثنى فإن الإكراه قد يكون بحق، وإذا كان بحق صار كالرضا، لأن من لم يرض بالشرع ألزم بالرضا به. ومن فوائد الحديث: تحريم أخذ مال الغير بغير حق.

стр. 1967

فإذا قال قائل: أنت تقول: «مال» والحديث «عصا» ومال أعم من عصا، فكيف تستدل بالأخص على الأعم، لأن القاعدة أن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يدل على جميع أفراده، لا أن يستدل بالأخص على الأعم، يعني: أن الدليل لا يكون أخص من المدلول. فالجواب: أن ذكر العصا تنبيه على ما هو أعظم منه، وعلى هذا فيكون مراد النبي ﷺ العموم، ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي ﷺ : «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرام: الغراب، والحدأ، والفارة، والعقرب، والكلب العقور» فهذه الخمس لا يقال: إن غيرها لا يقتل في الحرم، بل ما كان مثلها في الأذى كان مثلها في الحكم، وما كان أعظم منها كان أولى منها بالحكم، فالذئب مثلا يقل في الحرم؛ لأنه أشد من الكلب العقور، والحية تقتل؛ لأنها كالعقرب أو أشد، الجرد يقتل؛ لأنه كالفارة وعلى هذا فقس. ومن فوائد الحديث: أنه إذا أخذ الإنسان مال أخيه بطيب نفس منه فلا بأس بذلك، ولكن هذا الإطلاق يقيد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لابد أن يكون المعامل جائز التصرف إن كان تصرفاً، وجائز التبرع إن كان تبرعاً، أيهما أوسع: التصرف أو التبرع؟ التصرف أوسع، ولهذا نقول: من جاز تبرعه جاز تصرفه، ولا نقول: من جاز تصرفه جاز تبرعه، فولي اليتيم يجوز أن يتصرف في مال اليتيم، ولكن لا يجوز أن يتبرع منه، الوكيل يجوز أن يتصرف فيما وكل به، ولكن لا يجوز أن يتبرع به، الذي عنده دين مستغرق لماله يجوز أن يتصرف في ماله ولا يجوز أن يتبرع فيه فالتبرع أضيق، وظاهر الحديث أنه لو طابت نفسه بعد التصرف جاز ذلك، وعليه فيكون فيه دليل على جواز تصرف الفضولي، وهو أن يتصرف الإنسان بمال غيره بغير ولاية ثم يأذن الغير في هذا التصرف، يسمى تصرف فضولي؛ لأنه متوقف على إذن الغير، فهذا التصرف فيه خلاف بين العلماء، والراجح أنه ينفذ في كل مسألة أجازها من له الحق، فلو بعت ملكك بدون توكيل منك ثم بعد ذلك أذنت لي وأجزت التصرف فيه خلاف بين العلماء، والراجح أنه ينفذ في كل مسألة أجازها من له الحق، فلو بعت ملكك بدون توكيل منك ثم بعد ذلك أذنت لي وأجزت التصرف فالصحيح الجواز، قال: ثم هنالك أن الإنسان يتردد فيما إذا كان الأمر يحتاج إلى نية، كما لو أديت الزكاة عنك ثم أجزتني بعد ذلك هل نقول: بأن الزكاة أجزأتك؟ أما على قول من يقول: إن تصرف الفضولي لا ينفذ إلا في مسائل معينة، فظاهره أن الزكاة لا تجزئ، وأما على القول بأن الأصل في تصرف الفضولي الصحة إذا أجيز، فإن الزكاة عندي فيها نظر، وذلك لاشتراط النية ممن تجب عليه عند الدفع، فقد يقال: إنها لا تجزئ؛ لأن المالك حين الدفع لم ينو، وقد يقال: إنها تجزئ؛ لأن الدافع فقد يقال: إنها لا تجزئ؛ لأن المالك حين الدف لم ينو؛ وقد يقال: إنها تجزئ؛ لأن الدافع نواها زكاة عن صاحبها وإذا كان نواها زكاة أجزأت، وربما يقوي هذا الاحتمال ما جرى من أبي هريرة مع الشيطان، أبو هريرة كان وكيلاً على زكاة الفطر في رمضان وقد جمع تمراً كثيراً،

стр. 1968

وفي ذات ليلة جاءه شخص في صورة فقير فأخذ من التمر فأمسك به أبو هريرة وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فقال: أنا فقير وذو عيال، فرق له أبو هريرة وأطلقه، فلما أصبح أبو هريرة غدا إلى الرسول ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة» أخبره الله من طريق الوحي، فقال: يا رسول الله، إنه ادعى أنه ذو حاجة وذو عيال فأطلقته، قال: «كذبك وسيعود». يقول: فعلمت أنه سيعود لقول النبي ﷺ سيعود، فجاء فأخذ من التمر، فقلت: لأرفعنك إلى الرسول، فادعى الفقر فأطلقه، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما فعل أسيرك البارحة؟ » قال: يا رسول الله، ادعى الفقر فأطلقته، قال: «كذبك وسيعود» فجاء فأخذ من التمر فأمسكته، فقلت: لن أتركك أبداً إلا عند الرسول ﷺ ، قال: سأخبرك بآية من كتاب الله إذا قرأتها لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، آية الكرسي: فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ لم يضمن أبا هريرة الزكاة التي دفعها إلى هذا الشخص مع أنه لم يوكل في الدفع، إنما وكل في الحفظ فقط، فنقول: إن الحديث الذي معنا يدل على جواز تصرف الفضولي، لأنه بطيب نفس من صاحبه. إذا قال قائل: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث عقيب حديث أبي هريرة؟ قال الشارح: ليتبين أن قوله: «لا يمنع جار جاره» على سبيل الأولوية، وذلك لأننا لو مكنا الجار من وضع الخشب على جدار الجار لكان اعتدى على مال أخيه ووضع الخشب على جداره، فكأن المؤلف يقول: إن حديث أبي هريرة ليس للتحريم ولكن من باب الأولى، لكن هذا ليس بصحيح، ما أظن أن المؤلف أراد هذا، وذلك لأن حديث أبي هريرة لا يتنافى مع هذا الحديث، حديث أبي هريرة من حقوق الجار على الجار وليس فيه أخذ للمال الجدار يبقى على ملك صاحبه ولم يتضرر الجدار بذلك، ثم إن الحديث «لا يحل لامرئ ... إلخ» ليس على عمومه، فإنه يخصص منه أشياء كثيرة منها: الرهن مثلاً، الرهن يباع بغير طيب نفس من صاحبه؛ يعني: مثلا أن تطلب من زيد ألف ريال فرهنك زيد مالاً وقال: خذ هذا المال رهنا عندك إذا حل الأجل ولم يوفك فبعه وخذ حقك رضي راهنه أم لم يرض، كذلك تؤخذ النفقة ممن تجنب عليه رضي أم لم يرض، فالحديث ليس على عمومه، يعني: خصص بأدلة أخرى تدل على أن الإنسان إذا امتنع من حق واجب عليه أخذ منه قهراً رضي أم لم يرض.

стр. 1969

٨ - باب الحوالة والضمان هذه الترجمة تضمنت بابين: الباب الأول: «الحوالة» وهي نقل الحق من ذمة إلى ذمة، و «الضمان» التزام ما على غيره من الحقوق، وجمع المؤلف بينهما لما بينهما من التشابه؛ لأن الضامن ينقل الحق على الذي عليه الحق إلى ذمته، والمحيل ينقل الحق من ذمته إلى ذمة غيره ففيهما تشابه، الحوالة: نقل حق من ذمة إلى أخرى، مثاله: زيد يطلب من عمرو مائة ريال وعمرو يطلب من خالد مائة ريال فجاء زيد على عمرو وقال: أعطني حقي، فقال: إن لي حقاً عند خالد هو مائة ريال وقد أحلتلك عليه، هذه حوالة تحول الحق من ذمة عمرو إلى ذمة خالد، فانتقل من ذمة إلى ذمة عمرو في هذه الحال هل يكون مطالباً بشيء؟ لا لأن الحق تحول من ذمته إلى ذمة خالد. أركان الحوالة لابد فيها من خمسة: محيل ومحال ومحال به ومحال عليه وصيغة المحيل: من عليه الحق، والمحال: من له الحق، والمحال به: من الدين الذي على المحيل، والمحال عليه: الدين الذي على المحال عليه، وصيغة يعني: لفظ يحصل به التحول، فالأركان إذن خمسة، لأننا لو نقول: لزيد على عمرو مائة ريال جمعت هذه ثلاثة ولعمرو على خالد مائة ريال هذه أربعة، بعد ذلك الصيغة قال عمرو لزيد: أحلتك على خالد، هذه الصيغة هي الخامسة، وهي في الحقيقة من عقود الإرفاق، لأن فيها إرفاقاً بالطالب والمطلوب والمحال عليه، وأركانها خمسة: محال ومحيل، ومحال عليه، أم الضمان: فهو التزام الشخص مع ما وجب أو يجب على غيره من الحقوق التي يصح ضمانها، وهو أيضا من عقود الإرفاق، وهو مشتق من الضمن، لأن ذمة المضمون تكون ضمن ذمة الضامن؛ لأنها تدخل ذمة المضمون في ذمة الضامن، وذمة الضامن في ذمة المضمون، وهي من عقود الإرفاق لما فيها من التيسير على كل من الطالب والمطلوب، مثال التزام ما وجب: أن ترى شخصاً ممسكاً بشخص يريد أن يحاكمه ويخاصمه ويرفعه إلى ولاة الأمور فتأتي أنت وتحسن، وتقول لهذا الطالب: أنا ضامن ما على فلان، هذا ضمن ما وجب، ومثال ضمان ما يجب: أن يقول لك شخص: إني أريد أن أشترى من فلان سيارة وهو لا يعرفه فأريد أن تضمنني في قيمتها، فتكتب له وثيقة بأنني ضامن ما يجب على فلان من قيمة السيارة التي يشتريها من المعرض الفلاني، فهذا ضمان ما يجب؛ لأن الحق لم يجب بعد لكنه سوف يجب فالضمان إذن له صورتان، وهو من عقود الإرفاق والإحسان، لأنه فيه إرفاقاً بالمضمون عنه.

стр. 1970

حكم الحوالة وشروطها: ٨٣٨ - عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» متفق عليه. وفي رواية أحمد: «ومن أحيل فليحتل» قوله: «مطل الغني ظلم» «المطل» هو المنع، يعني: منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين يسمى مطلاً، والغني هنا هو القادر على الوفاء، وإن كان قد يسمى فقيرا في عرف الناس كرجل عليه مائة درهم وهو لا يملك إلا مائة درهم، فهذا في عرف الناس في وقتنا الحاضر فقير، ولكنه باعتبار قدرته على الوفاء غني فمطل هذا ظلم، يعني: منعه من وفاء الحق الذي عليه ظلم، والظلم في الأصل في اللغة العربية بمعنى: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين أتت أملها ولم تظلم منه شيئا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئا، وقال تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ [الزخرف: ٧٦] أي: ما نقصناهم مما يجب لهم أو مما هو من حقوقهم، ولكن هم الظالمون، ثم إن الظلم وإن كان بمعنى النقص فإنه أن كان في ترك ما يجب فهو ظلم في واجب، وإن كان في فعل محرم فهو ظلم في محرم ... إذن الظلم نقص، والنقص هنا نقص واجب أو فعلي محرم مطل الغنى ظلم نقص واجب لأن الواجب على الغنى أن يبادر بالوفاء فإن لم يفعل فقد نقص ما يجب عليه فكان ظالماً صورة المسألة رجل مدين لشخص بألف درهم، وهذا الشخص يطلبه: أعطني حقي والآخر يماطله يقول: غدا بعد غد بعد غد، نقول: هذا الرجل المطلوب يعتبر ظالماً، لأنه مطل في الحق الذي عليه، أي منعه مع قدرته على القيام به. ق ال: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» «أتبع» فسرته رواية الإمام أحمد ﵀ وهي قوله: «من أحيل» ومعنى «أتبع» أي: طلب منه أن يتبع غيره؛ أي: أحيل، يقول ﷺ : «من أحيل مليء» المليء مأخوذ من الملاءة أي: على قادر على الوفاء بماله وبدنه وحاله، معناه: أن نقدر على الاستيفاء منه بماله وبدنه وحاله. أما المال فهو أن يكون واجداً للمال الذي أحيل به عليه، فإن كان فقيراً معدماً ليس عنده مال فليس بمليء. «قادراً ببدنه» أي: يمكن أن يحضر لمجلس الحكم عند المحاكمة فيما لو امتنع من الوفاء فإن لم يكن إحضاره لسلطته أو قرابته فليس بملئ لأنه لا يمكن استيفاء الحق منه.

стр. 1971

الثالث: بحاله، يعني: ألا يكون مماطلاً فإن كان غنياً يمكن إحضاره لمجلس الحكم لكنه مما طل لا يوفي فإنه ليس بمليء، إذن فالمليء من يمكن استيفاء الحق منه بماله وبدنه وحاله، فإن كان فقيرا فإنه لا يجب التحول عليه مثل أن يحيلك شخص على آخر بدراهم تطلبه إياها لكن هذا المحال عليه فقير ليس عنده مال فإنه لا يلزمك أن تتحول، لأن في ذلك إضرار عليك. ببدنه: فلو أحالك على أبيك قال: أنت تطلبني مائة ريال وأن أطلب أباك مائة ريال فأنا حولتك على أبيك فإنه لا يلزمك أن تتحول لماذا لأنه لا يمكن أن تحاكم أباك وتحضره إلى مجلس الحكم، لو أحالك على سلطان فإنه لا يلزمك أن تتحول، لماذا؟ لأنه لا يمكن مطالبته وإحضاره لمجلس الحكم رجل أمير في القرية أو شيخ القبيلة مثلا لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم فلا يلزمك أن تتحول، فلو أحالك على شخص معروف بالمماطلة لا يمكن أن يوفي بل يلعب على الناس فإنه لا يلزمك أن تتحول، لأن في ذلك إضراراً بك؛ إذ يستحيل عليك أن تستوفي مالك. وقوله ﷺ : «فليتبع» اللام هنا للأمر ولام الأمر مكسورة إلا إذا وقعت بعد حرف من حروف العطف وهي الواو والفاء وثم فإنها تكون ساكنة قال الله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق: ٧] مكسورة هنا، ﴿من قدر عليه رزقه فلينفق﴾ ولم يقل: فلينفق، لماذا؟ لأنها أتت بعد الفاء، وقال تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩] ولم يقل: ثم ليقضوا لأنها وقعت بعد ﴿ثم﴾ و [ليوفوا] ولم يقل: وليوفوا؛ لأنها وقعت بعد الواو هنا «فليتبع» بسكون اللام، لأنها وقعت بعد الفاء ومعنى «فليتبع» أي: فليحتل كما تفسره رواية أحمد، وهذا اللام قلنا: إنها للأمر، ولكن هل الأمر للوجوب أو الأمر للاستحباب والإرشاد؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمنهم من قال: إن الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأن صاحب الدين الذي أحيل يقول: أنا لا أقبل إلا من لي عليه الدين، والآخر ليس لي عليه دين ولا سبيل فلا يلزمني أن أتحول، وقال بعض العلماء: بل الأمر للوجوب؛ لأنه ذكر بعد قوله: «مطل الغني ظلم» حيث إنه قال: وتحول المحال على المليء عدل، والعدل واجب، وهذا القول الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد على أنه يجب أن يتحول إذا أحيل على مليء ولكن جمهور أهل العلم يرون أن التحول ليس بواجب، وأنه من باب حسن الاقتضاء، فإن فعله الإنسان وتحول كان ذلك خيراًن وإن لم يفعل فهو حر؛ لأنه لا يلزمه أن يستوفى دينه من غير مطلوبة، مثال ذلك: زيد يطلب من عمرو مائة ريال وعمرو يطلب من بكر مائة ريال، فقال عمرو لزيد: أحلتك بالمائة التي لك على المائة التي لي عند بكر وكان بكر مليئاً فهل يلزم زيدا أن يتحول؟ على قول من قال: إن اللام في قوله: «فليتبع» للوجوب يجب على زيد أن يتحول، وعلى القول

стр. 1972

الثاني لا يجب، ولكنه إذا تحول فله أجر؛ لأن هذا من حسن الاقتضاء، وربما تناله الرحمة التي دعا بها الرسول ﷺ فقال: «رحم الله امرأ سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتض». في هذا الحديث فوائد كثيرة: أولاً: تحريم مطل الغني لقوله: «مطل الغني ظلم» والظلم حرام لقول الله تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾ [الشورى: ٤٢] ولقول النبي ﷺ : «الظلم ظلمات يوم القيامة» ومن فوائده: أن مطل غير الغني ليس بظلم، يؤخذ من قوله: «مطل الغني» وهذا وصف مناسب للحكم وهو كن المطل ظلماً فإذا كان مناسباً للحكم كان قيداً فيه فإذا مطل الإنسان الفقير فليس بظالم، بل الظالم من يطالبه لقوله الله تعالى: ﴿إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يطالب صاحب الحق بحقه فإن تأخير وفائه ليس بظلم، كشخص أقرض شخصاً مائة ريال، ولم يقيده بأجل، ولم يطالبه به، فنقول: ما دام المقرض لم يطالبك فلست بظالم، لماذا؟ لأنك لست بمماطل وهو كذلك، لكن إن علم من قرينة الحال مثل أن نعلم أن هذا الطالب فقير لكنه رجل كريم خجول لا يطالب أحداً فمطله حينئذ ظلم، لأننا نعلم أن الأمر لو عاد إليه لطالب لكنه رجل خجول وكريم، ولا يحب أن يقول لأحد: أعطني حقي، فإذا منعته حقه فإنك مماطل فتكون ظالماً، أما لسان المقال فمثل أن يؤجل الحق إلى أجل، فإن الحق إذا أجل إلى أجل كان ذلك دليلاً على أن صاحبه يريد وفاؤه إذا جاء ذلك الأجل، مثل أن يقول بعتك هذا الشيء بمائة ريال تحل على رأس المحرم في أول يوم منه، فإذا جاء أول يوم من محرم وجب على المشتري أن يسدد؛ لأن تأجيله هذا الأجل المعين، يعني: أنه إذا جاء هذا الأجل وجب على المطلوب أن يوفي الطالب، ومن فوائد الحديث: إثبات القصاص بين الناس، لأن الظلم لابد أن يقتص منه صاحبه، أي: المظلوم كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: «من تعدون المفلس فيكم؟ » قالوا: من لا درهم عنده ولا دينار، أو قالوا: ولا متاع، فقال: المفلس من يأتي بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذان وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار. ومن فوائد الحديث أن لصاحب الحق أن يطالب من عليه حقه ووجه الدلالة: أنه جعل

стр. 1973

مطل الغني ظلم، فإذ كان ظلما كان لصاحب الحق أن يطالبه لأنه صاحب حق، على هذا فلا يجوز أن نلوم صاحب الحق إذا طالب بحقه من له مطالبته، وما يجري على ألسنة بعض الناس من كونهم إذا رأوا الشخص يطالب غيره بحقه لاموه، وقالوا: عندك حلال كثير، لماذا تطالب؟ فنقول: ما دام الحق له فهو غير ملوم، ولهذا جعل الله تعالى من استعمل حقه غير ملوم فقال: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦] فلا يجوز أن يلام شخص يطالب بحقه. ومن فوائد الحديث: جواز الدعاء على المماطل الغني، وأن دعوة من مطله حرية بالإجابة، لأنه إذا ثبت أن مطل الغني ظلم كان الممطول مظلوماً، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». ومن فوائد الحديث في قوله: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» جواز الحوالة وأنها ليست من الربا؛ لأنها عقد إرفاق فهي كالقرض ولو كانت عقد معاوضة لم تصح، لأنها بيع دين بدين، ولأنها ربا إذا كانت في أموال ربوية، ولكن لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة، مثلا أنا أطلب شخصاً مائة ريال وآخر يطلبني مائة ريال، فإذا أحلت الطالب لي على الذي أنا أطلبه جاز ذلك مع أنني لو بعت عليه ما في ذمة المطلوب لي كان البيع حراماً وفاسداً، لأنني بعت دينا بدين على غير من هو عليه، حرام كما سبق، ولأني بعت بدراهم بدراهم بدون قبض فلا يجوز، لكن الحوالة تجوز مع أن حقيقتها أنني بادلتك بالدين الذي لي بالدين الذي علي، وهذا هو البيع، ولكن لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة كالقرض، أرأيت لو أعطيتك قرضا مائة ريال ثم أوفيتني بعد شهر أليس هذا جائزاً؟ نعم، ولو اشتريت منك مائة ريال بمائة ريال إلى أجل لكان هذا حراماً، والفرق بينهما لأنني في الأول قصدت لإرفاق، وفي الثاني قصدت المعاوضة والاكتساب، والحوالة نفس الشيء لما كان المقصود بها الإرفاق صارت جائزة، ولو كان المقصود بها المعاوضة صارت حراماً، ولهذا لو أحلت بفضة على ذهب كان ذلك حراماً، لأن هذه معاوضة اختلف الجنس، ولو أحلتك ببر على شعير كان ذلك أيضا حراماً؛ لأنه معاوضة بيع، ولو أحلتك بمائة على مائتين كان ذلك حراماً لأنه صار معاوضة، مثال: أن تطلب مني مائة وأنا أطلب شخصا مائتين فقلت: أحلتك بالمائة التي تطلبني على المائتين التي أطلب هذا الشخص، كان ذلك حراماً لماذا؟ من أجل الزيادة صارت معاوضة تحولت من إرفاق إلى اكتساب والعكس لو أحلتك بمائة على ثمانين الصحيح جوازها؛ لأن هذا إرفاق وزيادة وليس فيه ربا، المسألة الأولى: إذا أحلتك مائة على مائتين فيها ربا لكن

стр. 1974

أحلتك بمائة على ثمانين وقيلت هذا في الحقيقة إرفاق وزيادة إرفاق، لأنك قبلت التحول بحقك من ذمتي إلى ذمة فلان وزيادة؛ لأنك أبرأتني وأسقطت عني، فإذا كان يجوز أن أحيلك بمائة على مائة فجواز أن أحيلك بمائة على ثمانين من باب أولى، لأنه إرفاق بلا شك كما لو كان في ذمتي مائة وطلبت مني ثمانين وأسقطت الباقي فإن الصحيح جوازه فهذا مثلها، وإن أحلتك بثمانين على ثمانين من المائة التي أطلب شخصا مائة وأنت تطلبني ثمانين فأحلتك بثمانين على ثمانين من المائة التي أطلب هذا الشخص، هذا يجوز قولا واحداً؛ لأنني ما نقصت حقك ولا زدته، ولكنني أحلتك أن تستوفي بعض حقي الذي في ذمة هذا الشخص، إذن الحوالة لابد فيه من اتفاق الدينين حنساً، نأخذها من أن جوازها إنما هو للإرفاق فإذا اختلف الجنس صارت معاوضة، فصارت ربا ليست إرفاقا ولو أحلتك بمائة على مائة وعشرين من جنسها كان حراماً لأنه ربا، وعلى هذا فيشترط أيضا اتفاق الدينين قدراً، فلا يصح أن يحال بناقص على زائد، يعني: يحال بمائة على مائة وعشرين لا يصح، فإن أحيل بمائة وعشرين على مائة فهذا فيه خلاف، والصحيح أنه جائز؛ لأنه لم يخرج عن الإرفاق، بل فيه إرفاق وزيادة، إذن يشترط اتفاق الدينين قدرا ولكن هل يجوز أن يحال بناقص على زائد أو بزائد على ناقص أو بعبارة أخرى يشترط إنفاق الدين قدراً فلا يحال بناقص على زائد ولا بزائد على ناقص، بناء على اشتراط هذا الشرط، إلا أن القول الراجح أنه يجوز الإحالة بزائد على ناقص لماذا؟ لأن هذا إرفاق وزيادة، والرجل المحال لم يقصد المعاوضة ولا التكسب، لو قصد التكسب أو المعاوضة ما أخذ ثمانين عن مائة، وهل يشترط اتفاق الدينين أجلا فلا يحل حال على مؤجل ولا مؤجل على حال؟ ننظر إذا كان كل من الدينين المحال به والمحال عليه حالا مع اتفاق الجنس والقدر فالحوالة جائزة، وليس فيه إشكال، وإذا كان المحال به حالا والمحال عليه مؤجلا فقد أحلنا بحاضر على مؤجل، أيهما أنقص؟ المؤجل، يعني: إذن أحلنا بزائد على ناقص، الإحالة بالزائد على الناقص جائزة، وعلى هذا فإذا أحلنا بحال على مؤجل لكنه غير زائد، بعني: بمائة حالة على مائة مؤجلة فالحوالة جائزة لماذا؟ لأنها اشتملت على الإرفاق وزيادة، وهذا الرجل المحال لم يقصد المعاوضة؛ لأنه لو قصد المعاوضة ما أخذ مؤجلاً بحال؛ إذ لا يعقل أن يأخذ مؤجلا بحال، بالعكس لو أحلنا بمؤجل على حال؟ هناك ناقص على زائد لكنه ليس زائداً قدراً بل هو زائد وصفا؛ زيادة الوصف هذه لمن؟ للمحيل، فإذا أسقطها فإنه لا بأس بذلك؛ يعني مثلا: لو أحال بمؤجل على حال الآن المؤجل حق للمحيل؛ لأنه هو الذي يتوسع إلى صاحب الحق المؤجل عليه، فإذا رضي بإسقاطه فهو كما أوفاه قبل الأجل، ومعلوم أنه إذا أوفاه قبل الأجل بدون نقص فإنه جائز قولا واحدا، فهنا إذا قال أن الحق لي أن يبقي الدين مؤجلا على لكن أنا مسقط هذا الحق وأنا أحيلك على فلان وديني

стр. 1975

عليه، حال فإن هذا لا بأس فيه، وإن كان في الحقيقة إحالة بناقص على زائد لما كان القدر لا يختلف، وإنما الاختلاف في الوصف حق لمن أسقطه كان ذلك جائزاً، هذا هو القول الصحيح، ومن العلماء من يرى أنه لا يصح، ويرى أنه لابد أن يتساوى الدينان جنساً ووصفا وقدراً، لو أحاله برديء على جيد أو بجيد على رديء فهنا إذا أحاله بجيد على رديء فقد أحاله بزائد على ناقص فيجوز، لأن المحال أسقط بعض حقه والحق له، وبالعكس لو أحاله برديء على جيد فهنا ننظر هل الزيادة هنا في القدر أو بالوصف، هنا بالوصف، فعلى القاعدة التي أصلنا وأن الاختلاف في الوصف لا يضر، نقول: هذا لا بأس به، ولاسيما إذا أحيل بجيد على رديء هذا لا شك أنه من الإرفاق وأنه إسقاط لبعض حقه، أما إذا أحيل برديء على جيد فهنا قد نتوقف في جواز ذلك لماذا؟ لأن المحال أخذ أكثر من حقه، ولأن الغالب أن المحيل لا يحيل برديء على جيد إلا من أجل إحراج وضغط فربما يكون الطالب المحال قد أحرج المطلوب المحيل وضغط عليه فأراد أن يتخلص منه، فقال: أنا أطلب فلان مائة صاع من البر وأنت تطلبني مائة صاع فأحلتك عليه، فهنا ربنا نتوقف فيما إذا أحال برديء على جيد، أما العكس فلا شك في جوازه. وقوله: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» من فوائده: أنه إذا أحيل على غير مليء فإنه لا يلزمه الإتباع لماذا؟ لأنه علق الحكم على وصف مناسب له، فإذا انتفى هذا الوصف الذي علق عليه الحكم وهو مناسب له انتفى الحكم ضرورة أن المعول يتبع العلة، والحكم تابع للعلة وجودا وعدماً، فإذا أحيل على غير مليء فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لأن الحق له. ومن فوائد الحديث: أنه لو كان المحال متصرفا لغيره فهل يجوز أن يحتال مع كون المحال عليه غير مليء أو لا يجوز؟ يعني: إنسان يتصرف لغيره كولي اليتيم، وكيل لشخص أحيل على غير مليء فهل يجوز أن يحتال أو لا؟ لا يجوز؛ وذلك لأن المتصرف لغيره لا يجوز أن يتصرف إلا بالتي هي أحسن لقول الله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٣٤] ومن المعلوم أنه إذا أحاله الغني على شخص غير مليء فليس هذا بأحسن بل هو إضرار. وعلى هذا فنقول: لو أحيل الوكيل بالدين على شخص غير مليء فإنه لا يجوز له أن يقبل، مثاله: وكلت شخصاً ليبيع لك سيارة فباعها على إنسان غني، فقال الغني الذي اشترى السيارة: أنا أحيلك على فلان يقول للوكيل، وكان فلان غير مليء فهل يجوز للوكيل في هذه الحال أن يقبل ويتحول؟ لا: لأنه يتصرف لغيره، والمتصرف لغيره يجب أن يكون تصرفه بما هو أحسن ولا يجوز أن يتصرف بما فيه الضررر، لو كان هذا الذي باع السيارة باعها لنفسه فهل يجوز أن يتحول على غير مليء؟ نعم يجوز،

стр. 1976

في هذا الحديث: دليل على مراعاة الحقوق، وأن هذه الشريعة الإسلامية كاملة في مراعاة الحقوق فالأول: في القضاء الجملة الأولى: «مطل الغني ظلم» الثانية: في الاقتضاء منع حيلة، ففي الأولى مراعاة جانب القضاء وأنه يجب على الإنسان أن يقض الدين ولا يماطل، وفي الثانية مراعاة جانب الاقتضاء، وأنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلا فيقتضي حقه إما ممن عليه الحق وإما ممن أحيل عليه، فالشريعة الإسلامية لكمالها تراعي الجانبين جانب القضاء وجانب الاقتضاء. ومن فوائد الحديث: أنه لابد من رضا المحيل المطلوب فلا يجبر على الإحالة، يؤخذ من قوله: «وإذا أتبع» وهذا يدل على أن الأمر موكل إلى المتبع وهو المحيل، وهل يشترط رضا المحال عليه؟ الجواب: لا، فلو أحال زيد عمرا على بكر، وقال بكر لزيد: أنا لا أقبل حوالة عمرو، لأن عمراً رجل صعب لا يمهل ولا يمهل، وأريد أن يكون صاحبي أنت يقول: المحال عليه للمحيل فهل يلزم المحيل قبول ذلك، أو نقول: لا يلزم؟ نقول: لا يلزم، فرضا المحال عليه ليس بشرط، ووجهه أن لصاحب الحق أن يستوفى الحق بنفسه وبمن يقوم مقامه، والمحال قائم مقام المحيل، فالمحيل يقول للمحال عليه، أد حقي وأنا لي أن أستوفي حقي بنفسي أو بمن يقوم مقامي، فهمنا الآن رضا المحيل لابد منه، أما رضا المحال عليه ليس بشرط بقينا برض المحتال إن كان المحال عليه معسراً غير مليئ اشترط رضاه؛ يعني: فقيراً أو مما طلاً فإنه يشترط رضا المحتال وإن كان مليئاً، فإن قلنا: إن لام الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب فإنه لا يشترط رضاه، وإن قلنا للاستحباب فإنه يشترط، فصار رض المحيل شرطاً لكل حال، رضا المحتال عليه إن كان على غير مليء اشترط رضاه، وإن كان على مليء إن كان الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب فلا يشترط رضاه، وإن قلنا: إنه للاستحباب اشترط رضاه. ضمان دين الميت: ٨٣٩ - وعن جابر ﵁ قال: «توفي رجل منن فغسلناه وحنطناه، وكفناه ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خطأ، ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران علي، فقال رسول الله ﷺ : حق الغريم وبريء منهما الميت؟ قال: نعم، فصلى عليه» رواه أحمد وأبو داود، والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. قوله: «منا» يعني: من الأنصار، وقوله: «غسلناه» يعني: تغسيل الميت وصفته أن يغسل فرج الميت، ثم يغسل رأسه برغوة السد، وهو الورق المعروف يدق ويجعل في الماء، ويضرب

стр. 1977

باليد حتى يكون له رغوة فتؤخذ رغوته فيغسل بها رأس الميت ولحيته دون السفل، لأن السفل لو غسل به الشعر لبقي فيه الشعر ودخل فيه فيغسل الرأس واللحية بالرغوة ثم يغسل بقية البدن بالسدر ويغسل ثلاثا أو خمساً أو سبعا أوتسعاً أو أكثر من ذلك، ما دام الميت محتاجاً إلى التنظيف. وقوله: «حنطناه» يعني: جعلنا فيه الطيب، وأحسن ما يكون الكافور؛ لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً» وهو نوع من الطيب معروف يدق ويخلط في الماء في آخر غسلة، وله ثلاث فوائد: أولاً: أنه طيب، الثاني أنه يصلب البدن، والثالث أنه يطرح الهوام عن الميت لئلا تنال جسده بسوء، والمسألة كلها مؤقتة لابد من التغير إلا أن يشاء الله. «وكفناه» يعني: لففناه في كفنه وبقي أن يصلى عليه. قال: «ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: تصلي عليه» «تصلى» هذه جملة خبرية لكنها في الواقع طلبية، يعني: أنها إما بمعنى الأمر؛ أي: صل عليه، والأمر هنا بلا شك للالتماس؛ لأن مقام النبي ﷺ أرفع من مقامهم وإذا وجه الطلب إلى من هو أربع من مقام الطالب سمي التماساً أو سؤالاً، ويحتمل أن تكون خبرية نزعت منها همزة الاستفهام، أي: أتصلي عليه؟ والمراد بالاستفهام هنا: العرض، يعني: يعرضون على النبي ﷺ أن يصلي عليه، وأيا كان فإنما جاءوا به إلى رسول الله ﷺ ليصلي عليه، لأن صلاة النبي ﷺ على الميت شفاعة له، وهو ﷺ أعظم الشافعين قدرا عند الله. يقول: «فخطا» «خطا» يعني: تقدم ليصلي عليه، ثم قال «أعليه دين؟ » فقلنا: ديناران، «فانصرف» الديناران مبتدأ خبره محذوف، يعني: عليه ديناران، والديناران هما نقد الذهب لأن الند إن كان من الفضة سمي دراهم وإن كان ذهب سمي دنانير «فانصرف» أي لم يصل عليه وكان ﷺ في أول الأمر إذا قدم إليه ميت للصلاة عليه وعليه دين لم يصل عليه لأن صلاته على الميت شفاعة ومن عليه دين لا تنفع فيه الشفاعة، لأن حق الآدمي لابد من وفائه ولهذا كانت الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين، فيتأخر الرسول ﷺ ويقول: «صلوا على صاحبكم» والحكمة من هذا: حث الناس على التقليل من الدين، وعدم الاستدانة لأن الإنسان إذا علم أن الرسول ﷺ لم يصل على هذا الرجل من أجل دينه وهو عليه دين فإنه سوف يتحرز تحرزاً شديداً من الاستدانة. يقول: «فتحملهما أبو قتادة فأتيناه» لأن الرسول ﷺ كان قد انصرف فقال أبو قتادة: «أنا أتحملهما» ﵁ وجزاه خيراً، فأتيناه فقال أبو قتادة: «الدينارات علي» وهذا ضمان للدين من أبي قتادة لصاحب الحق، فقال رسول الله ﷺ «حق الغريم وبرئ منهما الميت» «حق الغريم» هذا

стр. 1978

مصدر مؤكد لمضمون الجملة الخبرية وهي قوله: «الديناران علي» كأنه قال: تلتزمهما التزام حق ثابت لا يتغير فقال أبو قتادة: نعم، فتضمن قوله ﵁ تضمن التزاماً وإبراء التزاما على نفس وإبراء للميت، ولهذا قال النبي ﷺ : «وبرء منهما الميت، قال: نعم، فصلى عليه» وأصل الحديث في البخاري فالحديث صحيح. يستفاد من الحديث عدة فوائد: أولاً: أنه من المقرر عند المسلمين أن الميت يغسل لقوله: «غسلناه» وهذا التغسيل واجب فرض، لكنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، والدليل على فرضيته قول النبي ﷺ في الذي وقصته ناقته في عرفة قال: «اغسلوه بماء وسدر» وقوله ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثا أو خمساً ... إلخ» والأصل في الأمر الوجوب، وظاهر السنة أنه لا فرق بين أن يكون الميت نظيفاً أو غير نظيف حتى لو اغتسل قبل موته بدقائق، ثم مات، فإنه يجب أن يغسل، لأن الموت نفسه موجب الغسل. ومن فوائد الحديث أيضا: أنه قد تقرر عند الصحابة ﵃ مشروعية التحنيط لقوله: «وحنطماه» وليس التحنيط أن يطلي الميت بما يبقي بدنه، وإنما التحنيط أن يجعل فيه الطيب، ويدل على أن هذا أمر معتاد مشروع أن النبي ﷺ قال للذين خاطبهم في تغسيل الميت الذي مات في عرفة: «لا تحنطوه» وهذا يدل على أن من عاتهم تحنيط الميت. ومن فوائد الحديث أيضا: أن من المتقرر عند الصحابة الكفن، وتكفين الميت فرض لقول النبي ﷺ «كفنوه في ثوبيه» والأصل في الأمر الوجوب فيجب أن يكفن يعني يغطى في ثوب يستر جميعه، ولهذا قال العلماء: إن الميت كله عورة يجب أن يكفن فإن لم يوجد ما يكفي وضع علي أوراق شجر، ولا يترك كما صنع الصحابة في مصعب بن عمير ﵁ واستشهد في أحد وكان عليه بردة إن عطوا رأسه بدت رجلاه وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يغطي رأسه وأن يجعل على رجليه شيء من الإذخر ليسترهما. ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة على أن يصلي النبي ﷺ على موتاهم، ويتفرع علي هذا أنه ينبغي أن نحرص على أن يصلي على الميت من كان أقرب إلى الإجابة لإيمانه وروعه لأن الصحابة كانوا يتحرون ذلك، أي: أن يصلي على موتاهم رسول الله ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج أن يسأل الإنسان عن المانع، هل وجد أم لا، وذلك أن الأصل في الميت المسلم أن يصلي عليه ولا يسأل عن حاله، لكن لا بأس أن نسأل عن المانع

стр. 1979

ولهذا سأل النبي ﷺ هل عليه دين؟ فإن قلتم: إنه قد مر علينا أن نجري الأحكام على ظاهرها وألا نسأل عن المانع، ولهذا لو قال لك قائل: هلك هالك عن أبي وأم فكيف نقسم المال؟ هل تقول: الأب والأم مسلمان أو كافران أو لا يلزم؟ لا يلزم، لأن الأصل أنهما مسلمان، فلماذا سأل النبي ﷺ أو كان يسأل هل عليه دين أفليس الأصل عدم الدين؟ الجواب: بلى، إذن ما الداعي للسؤال ما الداعي أن نبحث عن المانع الذي يمنع من الصلاة؟ والجواب عن هذا الإشكال وهو إشكال حقيقي واقع: أن الصحابة- ﵃ يغلب عليهم الفقر، والاستدانة واردة، ولما كان الدين شأنه عظيم صار النبي ﷺ يسأل هل عليه دين أم لا، هل يقاس على هذه المسألة ما إذا كان المشتهر عن هذا الرجل أنه لا يصلي وقدمت إلينا جنازته فهل نسأل هل كان يصلي أو لا؟ نعم القياس يقتضي هذا إذا علمنا أن هذا الرجل متهاون لا يصلي وهذا السؤال فيه شيء من الحرج، وفيه شيء من المنفعة، أما الشيء الذي من الحرج فإن فيه إحراجاً لأهل الميت، لأنهم لا شك سيحرجون إن كان لا يصلي فأخبروا بالصدق فهذه مصيبة، وإن أخبروا بالكذب فهذه أيضا مصيبة، فنقول: نعم، هذا لا شك أنه حرج وإحراج، لكن يترتب عليه مصالح عظيمة، يترتب عليه أن الذي يترك الصلاة سيحسب ألف حساب، ولأنه إذا علم أنه إذا مات سيسأل عن حاله ويفضح أمام الناس، ثم يحمل ويقال: لا نصلي عليه، ثم إن كان عندنا عزم وقدرة وقوة قلنا: ولا ندفنه في المقبرة بلي إذهبوا به بعيدا واحفروا له حفرة وأغمسوه فيها، الإنسان إذا علم أن هذا مآله في الدنيا والخزي في الآخرة أعظم فإنه ربما يرتدع عن ترك الصلاة فيكون في هذا فائدة عظيمة. على كل حال: هذا الحديث يدل على هذه الفائدة وهي أنه إذا كان المانع متوقعاً فلا بأس من السؤال عنه وإلا فإن الأولى ترك السؤال، لأن السؤال عن الموانع من باب التنطع الذي قال فيه الرسول ﷺ «هلك المتنطعون» لكن إذا كان المانع متوقعاً وكانت الفائدة كبيرة من معرفته فلا بأس من الاستفهام عنه. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي قصد من ترجى إجابته ليصلي على الميت، ويؤخذ من كون الصحابة يقصدون النبي ﷺ ليصلي على جنائزهم؛ لأن الصلاة على الميت شفاعة له، ومن أقرب إلى الإجابة لصلاحه وتقواه كان أقرب إلى الشفاعة. ومنها: حسن أدب الصحابة في مخاطبة النبي ﷺ لقولهم: «فصلى عليه» ولم يقولوا: صل عليه، وتصلي كما قلنا في الشرح- جملة خبرية لكنها إنشائية، إذ أنها على تقدير همزة الاستفهام أي: أتصلي عليه؟

стр. 1980

ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن الجنائز تقدم في مكان يحتاج إلى مشي؛ لقوله: «فخطا خطوات» وكان الغالب في الجنائز في عهد الرسول ﷺ أنها يصلى عليها في مكان غير المسجد يسمى مصلى الجنائز، خاص بالصلاة على الجنائز ويصلى أحيانا على الأموات في المسجد عكس ما كان عليه الناس اليوم، فاليوم يصلي الناس على الجنائز في المساجد وليس لها أمكنة خاصة للصلاة عليها. ومن فوئد الحديث: جواز السؤال عن المانع إذا كانت الحال تقتضي وجوده لقوله: «أعليه دين؟ » فإن لم تقتض الحال وجود المانع فالسؤال عنه من التنطع، فمثلا إذا جاءنا رجل وقال: إنه طلق زوجته هل نسأله أطلقتها وهي حائض، أم نقول بصحة الطلاق بدون سؤال عن المانع؟ الثاني هو الأولى، لأن الأصل عدم وجود المانع إلا إذا كان في بيئة لا يعرفون أن طلاق الحائض حرام، فحينئذ نسأل هذا إذا قلنا بأن طلاق الحائض لا يقع، أما إذا قلنا بأن طلاق الحائض واقع فإنه لا حاجة إلى السؤال، لماذا؟ لأنه واقع بكل حال حتى وإن كانت حائضا. وهل نسأل عن فوات الشرط؟ يعني: قلنا وجود المانع لا نسأل عنه هل نسأل عن فوات الشرط أو لا؟ لا نسأل عن فوات الشرط، لأن الأصل وقوع الشيء على وجه صحيح، والدليل على هذا ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن قوما جاءوا إلى الرسول ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: «سموا أنتم وكلوا» وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يسألوا لأن الذبح ليس من فعلهم فهم ليسوا مسئولين عن فعل غيرهم، وإنما يسألون عن فعلهم هم، ولهذا قال: سموا وكلوا، يعني: سموا على فعلكم وهو الأكل وأما الذبح الذي ليس من فعلكم فلا تسألوا عنه، إذن الأصل ألا نسأل عن فوات الشرط ولا وجود المانع إلا إذا اقتضت الحال ذلك فحينئذ لا بأس، كما سأل النبي ﷺ «أعليه دين». ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم الدين، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يستدين إلا عند الضرورة الملحة، لأنه إذا كان الدين يمنع شفاعة الشافعين فهو خطير، فإن الرسول ﷺ كان يمتنع عن الصلاة على من عليه دين، لأن صلاته شفاعة، والدين لا تنفع معه الشفاعة حتى الاستشهاد وفي سبيل الله الذي يكفر جميع الأعمال لا يكفر الدين. ويتفرع على هذه الفائدة: بيان سفه بعض الناس الذين يستهينون بالديون وتجده يستدين لأدنى حاجة عنده سيارة تكفيه لشغله وزيادة لكنها من طراز قديم لها عشر سنوات، يعني: من

стр. 1981

موديل ثمانين، قال: أنا أشتري موديل تسعين فيبيع هذه بثلاثة آلاف ويشتري بثلاثين ألفا وليس عنده من الثلاثين ألفا ولو ريالا إلا قيمة السيارة القديمة، هذا جعل وسفه وضلال، وإذا كان الله في القرآن لم يرشد إلا الاستدانة مع الحاجة التي تكون شبه ضرورة وكذلك النبي ﷺ ، فإن هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يتخلى من الدين، قال الله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٣] ولم يقل: وليستدن الذين لا يجدون نكاحاً، وإنما قال: ﴿وليستعفف﴾ ولما قال الرجل للنبي ﷺ : ليس عندي صداق أدفعه للمرأة لم يقل: استدن، بل قال: «ألتمس ولو خاتما من حديث» فلما لم يجد زوجه بما معه من القرآن. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإمام أن يدع الصلاة على من عليه دين اقتداء برسول الله ﷺ وقال بعض العلماء/ لا هذا من خصائص الرسول ﷺ لأن صلاته شفاعة، وأجيب بأن صلاة غيره شفاعة أيضاً، قال النبي ﷺ «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً غلا شفعهم الله فيه» والإمام مسؤل عن رعيته إذا امتنع من الصلاة على من عليه دين تعزيز له وكذلك تحذيرا من الدين كان ذلك مصلحة للرعية ومعلوم أن المصلحة قد يرتكب من أجلها مفسدة، لكنها دونها: يعني: أن المفسدة التي تحصل تنغمر في جانب المصلحة، فإذا رأى الإمام أو نائب الإمام ألا يصلي على من عليه دين فإن ذلك لا بأس به، وله أصل من هذا الحديث ومن فوائد الحديث: جواز ضمان دين الميت لقوله: «فتحملها أبو قتادة» فأقره النبي ﷺ وإذا جاز ضمان دين الميت، فضمان دين الحي مثله، فيجوز للإنسان أن يضمن الدين عمن هو عليه، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، واختلف العلماء في جواز ضمان الدين المجهول، فقال بعض العلماء: إنه جائز وقال آخرون: إنه لا يجوز، مثال ذلك: أن يرى شخصا قد أمسكه الشرط يريدون حبسه بدين عليه فجاء هذا الرجل المحسن وقال: لدين عليه فجاء هذا الرجل المسحن وقال: الدين علي وهو لا يدري ما قدره، فقال بعض العلماء/ إن هذا الضمان ليس بصحيح لأنه مجهول، وقد يكون الدين كثيراً لم يخطر على بال الضامن ولو تبين لو قدره ما ضمنه فيكون في ذلك ضرر عظيم وربما يجحف بمال الضمان وربما لا يقدر عليه فيتعب به، ومن باب أولى أن يضمن ما يجب على غيره وقد مر علينا أنه يجوز ضمان ما يجب، يعني: بأن أقول: «كل من باع على فلان كذا وكذا فأنا ضامن» وسبق لنا أن المذهب جوازه، ولكن لو قيل بقول وسط في هذه المسألة وهو أن يحدد الضامن حدا أعلى فيقول: أنا ضامنه ما لم يتجاوز عشرة آلاف مثلا، فإنه

стр. 1982

إذا حد الأعلى زال الخطر، لكن يقول: أنا ضامن ما عليه، وقد يكون عليه عشرة ملايين، وهو ما عنده إلا عشرة إلاف هذا صعب، فالقول الوسط في هذه المسألة: أنه يجوز ضمان الدين المجهول إذا حدد الضامن حدا أعلى حتى يكون على بينة من أمره. ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة أبي قتادة ﵁ حيث أحسن إلى هذا الميت حتى صلى عليه النبي ﷺ ، وإذا كان هذا من فضائله فإنه ينبغي لنا أن نقتدي به وبأمثاله من أهل الخير وأن نفرج عن كرب المكروبين، فإن من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للقاضي وولي الأمر أن يستثبت من المقر لقول الرسول ﷺ «حق الغريم وبرئ منها الميت» فقال أبو قتادة: «نعم» وإنما قال الرسول ﷺ ذلك من أجل أن يثبت الحق، وإذا فإن مقتضى الضمان أن يتحمل الضامن حق الغريم، ولكن أراد الرسول ﷺ أن يثبت الأمر فقال: «حق الغريم ... إلخ» فقال: نعم ومن فوائد الحديث: أن المضمون يبرأ بإبراء الضامن له لقوله: «وبرئ منهما الميت» وعلى هذا فلا يرجع أبو قتادة في هذا الحديث في تركة الميت بشيء لأنه التزم مع الميت وأبرأه فلا يرجع بشيء، فإن لم يبرأ الضامن المضمون عنه، بل فأن: أنا ضامن فقط فهل يبرأ بالمضمون عنه؟ الجواب: لا، بل يتعلق الحق بذمة الضامن وذمة المضمون عنه، ويكون لصاحب الحق في استيفاء حقه جهتان جهة: من جهة المضمون عنه، وجهة: من جهة الضامن، فله أن يطالب الضامن وله أن يطالب المضمون، ويذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحق له أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون، وبناء على هذا القول لو جاء الغريم إلى الضامن، وقل: أوف، فله أن يقول: أذهب إلى المضمون عنه، فإذا أبى أن يوفيك فأنا أوفيك، وعلى القول الأول هل يملك الضامن هذا؟ لا، القول الأول أن للغريم مطالبة الضامن والمضمون عنه، على هذا القول إذا جاء الغريم للضامن وقال أعطني ما ضمنت، فليس له الحق أن يقول: أذهب إليه فإن أبي فأتني، ولكن لو شرط الضامن أنه لا يدفع الدين إلا إذا تعذر استفاؤه من المدين ورضي الغريم بذلك فإن المسلمين على شروطهم، ويكون هذا القول قولاً وسطاً بمعنى أن له الحق أن يرجع على الضامن ما لم يشترط أنه لا يرجع عليه أو لا يستوفي منه إلا إذا تعذر الاستيفاء من المضمون عنه. ومن فوائد الحديث: أن المضمون عنه يبرأ براءة كاملة إذا التزم الضامن ذلك وأبرأ المضمون عنه، ووجهه: أن النبي ﷺ لما قال: «نعم» ولولا أنه يبرأ ما صلى عليه؛ لأنه إذا لم

стр. 1983

يبرأ فقد تعلق الدين بذمته، وإذا كان الدين متعلقا بذمته لم يكن هناك فرق بين الحال الأولى التي قبل الضمان عنه والحال الثانية التي بعد الضمان عنه، وهذا القول هو الصحيح أنه إذا تحمل أحد الدين عن الميت على وجه يبرأ به الميت ورضي الغريم فإنه يبرأ الميت براءة تامة، وعلى هذا فلا تتعلق نفسه بدينه كما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» فإذا ذهب الورثة إلى غريم لأبيهم وقالوا: إن الدين الذي لك على أبينا نحن نلتزمه ونبرئ الميت منه فرضي بذلك الغريم فإن الميت يبرأ براءة كاملة، وكذلك إذا وثق حق الغريم برهن فإنه يبرأ الميت براءة كاملة، ولا تتعلق نفسه بدينه، ودليل ذلك أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة بدين عليه عند يهودي، ومن المعلوم أننا لا نقول: إن الرسول ﷺ معلقة نفسه بدينه بل خرج من الدنيا ولم يطلبه أحد- صلوات الله وسلامه عليه- لأنه قد وثق الدين بالرهن بالدرع التي رهنها عند الغريم. ومن فوائد الحديث: الاكتفاء بالجوار ب «نعم» لقوله: «نعم» وعلى هذا فلو قيل لشخص: أعتقت عبدك؟ قال: نعم، فيعتق، طلقت زوجتك؟ قال: نعم طلقت قال ولي المرأة: زوجتك بنتي فقيل له: أقبلت؟ قال: نعم، ينعقد النكاح، أفي ذمتك لفلان مائة درهم؟ قال: نعم، يثبت، المهم أن «نعم» تقوم مقام الجواب، بل هي حرف جواب، وقد قيل: إن السؤال معاد في الجواب، فإذا قيل: أعليك كذا؟ قال: نعم، فالتقدير: على كذا. ٨٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه» متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «فمن مات ولم يترك وفاء» قوله: «يؤتى بالرجل» يعني: يأتي أهل الميت إلى رسول الله ﷺ وقوله: «المتوفى» هذا هو الصواب في نطقها، ولا تقل: «المتوفى» وتقول: «توفي زيد» ولا تقل: توفي، وذلك لأن الميت متوفى وليس متوفياً، قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال الله تعالى: ﴿قال يتوفاكم ملك الموت﴾ [السجدة: ١١] إذن ما تسمعه من بعض الناس من قولهم: «توفي فلان» فهو خطأ من حيث اللغة العربية. «يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين» الجملة هذه حالية من «الرجل» أو نائب فاعل «يتوفى»

стр. 1984

يجوز هذا وهذا، «فيسأل» يعني: النبي ﷺ «هل ترك لدينه من قضاء؟ إلخ» يقول: «فيسال هل ترك لدينه من قضاء؟ » وفي حديث أبي قتادة السابق لم يسأل هل ترك لدينه من قضاء، فإما أن يقال: إن الرسول ﷺ بالنسبة لمن عليهم الدين صار له ثلاث حالات: حال لا يسال، وحال يسأل وحال يقضي الدين، وإما أن يقال: إن حديث أبي قتادة ﵁ قد يكون الرسول ﷺ علم من حال الرجل أنه ليس عنده شيء كان فقيراً يحتمل أن عليه ديناً أم لا، ولهذا سأل هل عليه دين، يعني: كأن الرسول ﷺ يعرفه لكن لا يدري هل عليه دين أم لا فسال، وإذا كان كذلك لم يكن هناك فرق بين حديث أبي هريرة وحديث جابر ﵁، يقول: «هل ترك لدينه من قضاء؟ » فإن حدث أنه ترك وفائ صلى عليه، وذلك لأن حق الغريم صار مضمونا بما ترك الميت من قضاء فيصلي عليه، وإلا يعني إذا قال ما عنده شيء قال: صلوا على صاحبكم، وهل قضاء الدين مقدم على الوصية؟ الجواب: نعم، وهل هو مقدم على الميراث؟ الجواب: نعم أما تقديمه على الميراث فبنص القرآن، فإن الله تعالى لما ذكر المواريث قال: ﴿من بعد وصية يوصين بها أودين﴾ [النساء: ١١] لكن كيف نقول: إن الدين مقدم على الوصية مع أن لوصية مقدمة على الدين في الذكر: ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾ وقد قال النبي ﷺ «ابدأ فيما بدأ الله به» ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم؟ فالجواب: أنه قد صح من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، والمعنى يقتضي ذلك، لأن الدين واجب، والوصية تبرع ليست بواجبة، ولكن قدم ذكر الوصية على الدين من أجل العناية بمراعاتها؛ لأنه لما كانت الوصية تبرعاً فإن من المتوقع أن يتهاون الورثة بها فجبرت بالتقديم، أما الدين فإنهم لم يتهاونوا به ولو تهاونوا به، لوجد من يطالب به، فمن أجل ذلك قدمت الوصية جبراً لما قد يحصل عليها من التفويت والإخلال، ويقول: «فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» لما فتحت عليه الفتوحات وكثر المال عنده، ولاسيما من بعد صلح الحديبية لأنه بعد صلح الحديبية فتح الله على رسول ﷺ فتح عليه خيب، وكان الناس بالأول أجياعا حتى فتحت خيبر فشبعوا وكذلك كانت غزوة حنين حصل فيها مغانم كثيرة لما فتحت الفتوحات قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» إذا كان هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وجب أن يقدموه على أنفسهم، معناه: أني أراعي أنفسهم، إذا كان هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وجب أن يقدموه على أنفسهم، معناه: أني أراعي أنفسهم أكثر مما يراعونها كل إنسان يراعي نفسه، لكن رعاية النبي صلى لله عليه وسلم لنا أكثر من رعايتنا لأنفسنا: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وهذا وجب علينا أن نقدم محبته على محبة أنفسنا، وأن نفديه بأنفسنا، وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا وكل أحد، قال: «فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه» لكن دين له وفاء أو ليس له وفاء؟ ليس له وفاء.

стр. 1985

وفي رواية: «من مات ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه» وقد ورد غب نفس الحديث أن من ترك ضياعاً- يعني: عقارات ومالاً- فلورثته، فكان ﷺ يجبر ولا يجبر كيف ذلك؟ يعني: يقضي الدين ولا يأخذ التركة، إذا مات أحد وعنده تركة لا يأخذها بل تكون لورثته، وإن مات أحد عليه دين وليس له تركة فإنه يقضيه. قال: «هل ترك لدينه»، الدين: كل ما ثبت في الذمة سواء كان ثمن مبيع أو أجرة أم قرضاً أم صداقاً أم ضماناً لمتلف أم غير ذلك، كل ما ثبت في الذمة فهو دين عند العلماء، خلافاً لما يفهمه العامة الآن من أن الدين هو التورق، يعني: أن يبيع الإنسان على شخص شيئاً بثمن مؤجل أكثر من ثمنه حاضراً، ويسمى الدين والوعد والتورق وما أشبه ذلك، لكن الدين في الشرع أعم من ذلك كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع، أو أجرة، أو قرض أو ضمان أو صداق أو خلع أي شيء يثبت في الذمة فهو دين. يقول: «هل ترك لدينه من قضاء؟ » «من» حرف جر زائد لفظاً، لكن له معنى، ولهذا نقول: «من قضاء» مفعول «ترك» منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، «من قضاء» أي: من شيء يقضي منه الدين، «فإن حدث» يعني: يحدث أنه ترك وفاء قال: «صلوا على صاحبكم» والجملة هنا شرطية حذف منها فعل الشرط، وأما أداة الشرط فلم تحذف لكنها أدغمت ب «لا» وتقدير الكلام: وإن لم يحدث أنه ترك وفاء، أما جواب الشرط فهو قوله: قال: صلوا «وإلا قال: صلوا على صاحبكم» يعني: على من أتيتم بصحبته وهو هذا المتوفى سواء كان صاحبا له في الدنيا أم لم يكن؛ لأنهم الآن حين جاءوا به إلى النبي ﷺ ليصلي عليه أصحاب له. «فلما فتح الله عليه الفتوح» «الفتوح» جمع فتح، والمراد بذلك: البلاد التي فتحها الله عليه، ولاسيما مثل خيبر، فإن المسلمين غنموا فيها مغانم كثيرة، وكذلك غزوة حنين غنموا فيها مغانم كثيرة، «لما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» يعني: أنا أوثق ولاية من المؤمنين بأنفسهم، كل ولي نفسه، لكن الرسول ﷺ أولى بالإنسان من نفسه إذا كان مؤمنا فإذا كان المؤمنون بعضهم أولياء بعض فالنبي ﷺ أشد الناس إيماناً وأقواهم، فيكون ﷺ هو أولى المؤمنين بالمؤمنين، ولهذا قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم». «فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه» فيكون الرسول ﷺ ضامناً لديون من مات وليس له وفاء

стр. 1986

وفي رواية للبخاري: «فمن مات ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه» فإن ترك وفاء فإنه يوفي ما تركته؛ لأن حق الورثة لا يرد إلا بعد الدين والوصية كما مر. في هذا الحديث فوائد: أولاً: مشروعية إحضار الميت لم يرجى قبول دعوته ليصلي عليه، الدليل: أن الصحابة كانوا يأتون بموتاهم إلى رسول الله ﷺ ليصلي عليه. يتفرع على هذا فائدة أخرى وهي: أنه ينبغي أن يؤتي بالميت إلى المسجد الذي يكون أكثر جماعة؛ لأن ذلك أقرب للشفاعة فإن من مات وقام على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً شفعهم الله فيه، وربما يؤخذ منه جواز التأخير لكثرة الجمع؛ لأن الذين يأتون بالميت إلى الرسول ﷺ لو أنهم صلوا عليه في أمكنتهم ودفنوه لكان أسرع، لكن يأتون به إلى الرسول ﷺ رجاء الشفاعة، فإذا كان التأخير يسيراً لكثرة الجمع فلا بأس به، وأما التأخير الكثير الذي أصبح الناس اليوم يتباهون به يموت الإنسان اليوم يكون له أقارب في بلاد بعيدة قد يكون حتى في بلاد أوربية فينتظرون به حتى يحضر أقاربه، فهذا خلاف أمر النبي ﷺ بالإسراع بالجنازة، وخلاف ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله» وهو أيضا جناية على الميت، لكن الناس لا يشعرون كيف يكون جناية على الميت؟ لأن الميت إذا كان صالحاً فإن نفسه تقول: قدموني قدموني، تطلب أن توصل إلى القبر الذي فيه النعيم يفتح له باب من الجنة يأتيها من روحها ونعيمها حتى ينسى الدنيا كلها؛ لأنه ينتقل إلى نعيم أعظم بكثير من نعم الدنيا: ﴿الذين توفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم دخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] ادخلوا الجنة اليوم لأنه إذا فتح له باب إلى الجنة وآتاه من روحها ونعيمها فإنه لا شك يوقن أنه في الجنة فكوننا نؤخر الجنازة من أجل حضور فلان كأنما هي فرح وعرس يؤخر حتى يحضر الناس، لا شك أن هذا خلاف السنة وفيه جناية على الميت، أما التأخير اليسير كانتظار الظهر إذا مات بالصبح، أو انتظار الفجر إذا مات بالليل هذا لا بأس به ولا يضر إن شاء الله، لكن تأخيره يوم يومين إلى حد أنهم أحيانا يضعونه في الثلاجة، لأنه سيبقى مدة يومين أو ثلاثة فلا شك أن هذا خطأ، والواجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة أن هذا خلاف السنة، حتى لا يتخذوا ذلك سنة وعادة، لأن الناس إذا ارتكبوا الشيء صعب أن يتحولوا عنه، لكن إذا بين لهم أن هذا من الخطأ تركوه، وحتى الذي قد فعله أو يحدث نفسه بالفعل يرتدع.

стр. 1987

ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب لقوله: «فيسال هل ترك لدينه من قضاء؟ » إذ لو كان يعلم الغيب لم يسأل، وهذا الأمر واضح، فإن الله أمر أن يبلغ، فقال الله له: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إن ملك﴾ [الأنعام: ٥٠] فهو لا يعلم الغيب- ﵊ لا في حياته ولا في مماته، وإن كان قد تعرض عليه أعمال أمته، لكن هذا ليس علماً بالغيب بل هذا يوصل إليه ويبلغ به كما كان يبلغ به في حياته. ومن فوائد الحديث: قبول خبر الواحد لقوله: «فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه» كلمة «حدث» مبني للمجهول يصلح أن يكون الذي حدثه واحداً، أو أكثر، لكن نحن نعلم أنه إذا لم يكن للميت إلا ولي واحد فإنه لن يعلم بحاله إلا واحد، أما إذا كان له أولياء متعددون فإنهم يعلمون بحاله، فالظاهر أنه يؤخذ من هذا قبول خبر الواحد، لكن فيما لم يكن فيه نزاع، أما إذا كان فيه نزاع فإنه يوكل إلى الحاكم الشرعي ويقضي فيه بما تقتضيه الأدلة. ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له لقوله: «فإن حدث ... إلخ» وإن لم يوف لماذا؟ لأن حق الغريم صار مضمونا بما تركه من الوفاء، فإن الورثة ليس لهم سلطان على التركة إلا بعد قضاء الدين لقوله تعالى في آيات المواريث ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾ فلو مات ميت وخلف مليوناً من الدراهم وخلف ابنا وبنتا وعليه مليوناً من الدراهم ديناً فليس للابن والبنت شيء من هذا المليون الذي تركه أبوهما، لماذا؟ لأنه لا حق للوارث إلا بعد قضاء الدين، ولهذا إذا قيل: إن خلف وفاء صلى عليه. ومن فوائد الحديث: وجوب الصلاة على الميت لقوله: «وإلا قال: صلوا على صاحبكم والأمر للوجوب». ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن له شأن في البلد إذا مات ميت عليه دين لا وفاء له ألا يصلي عليه، وأن يبين سبب ذلك، فيقول مثلا: هل عليه دين؟ إذا قالوا: نعم، قال: هل له وفاء فإذا قالوا: لا قال: إذن صلوا عليه؛ لأن في ذلك فائدتين: الفائدة الأولى: الاقتداء برسول الله ﷺ لأن الله يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوى حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] الفائدة الثانية: أن ذلك أدعى إلى حذر الناس من الدين وهيبثهم منه، لاسيما في وقتنا الحاضر حيث استهان الناس بالديون، وصار الرجل يستدين الألف والألفين، وكأنما استدان درهما أو درهمين، ولا يبالى ثم إن من الناس من يستدين لأمور كمالية، بل يستدين لأمور إسرافية، يسرف رجل فقير لا يملك إلا مائة ريال، بنى قصراً يبنيه من يملك مليون ريال قال: أبني قصراً مثل فلان، لو أبني بيتاً قال الناس، هذا مسكين فقير قال: لا أنا أريد أن أبني قصراً مشيداً والسيارة عنده سيارة صغيرة على قدر

стр. 1988

حاله لكن قال: لا أنا أشتري «بيوك» مثل الأغنياء هذا مسرف، لأنه أخذ بأكثر من الكمال بلغني أيضاً عن إنسان أنه اشترى فراشاً لدرجه وتدين دينا عشرين ألفا هذا سفه، فالحاص: أن الإنسان إذا كان له شأن في البلد كالقاضي والأمير وما أشبهها وامتنع عن الصلاة على من عليه دين لا وفاء له حذر الناس من الدين وهابوه ورأوا أنه عظيم. ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ أكرم الخلف؛ لأنه لما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وصار يقضي الديون عن المدينين، وهل هذا من خلقه أم من ولايته؟ قال بعض أهل العلم: إن هذا من خلقه، وخلقه الكرم ﷺ ، وبناء على ذلك فلا يلزم ولي الأمر أن يقضي الديون من بيت المال؛ لأن ما فعله الرسول ﷺ إنما فعله لمقتضى خلقه الكريم لا أنه تشريع للأمة، وقال بعض أهل العلم: بل هو تشريع للأمة ومن خلقه وبناء على هذا يجب على ولي الأمر أن يقضي ديون من لا وفاء لهم من بيت المال، وهذا القول هو الصحيح، وأنه يجب على ولي الأمر أن يقضي ديون الأموات الذين ماتوا وليس لهم وفاء، هذا إن تحمل بيت المال ذلك، أما إذا كان بيت المال لا يقوم بمصالح المسلمين كلها، فمعلوم أن المصالح العامة أولى من المصالح الخاصة، لو كان بيت المال لا يتسع لأرزاق المدرسين وأرزاق الأطباء وأرزاق الأئمة والمؤذنين، وإصلاح الطرق وما أشبه ذلك، فمعلوم أن هذا المصالح أولى من المصالح الخاصة؛ لأن نفع هذه متعد وقضاء الدين نفعه قاصر. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز قضاء دين الميت من الزكاة، وأنه لو مات أحد وعليه دين فإنه لا يحل أن نقضي دينه من الزكاة، وأنه لو مات أحد وعليه دين فإنه لا يحل أن نقي دينه من الزكاة، وعلى هذا جمهور أهل العلم، بل حكاه انب عبد البر وأبو عبيدة القاسم بن سلام حكياه إجماعاً، أي: العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز قضاء الدين من الزكاة عن الميت إذا لم يخلف وفاء؛ لأن الله تعالى جعل الدين في تركته فقال: ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾ وإذا كان في التركة ولم يوجد تركة فإنه لا يوفي؟ ودليل آخر: أن النبي ﷺ كان لا يوفي الدين من الزكاة؛ لأنه من المعلوم أن الزكاة مشروعية في السنة الثانية من الهجرة ولم يكن يقضي الدين منها، بل لما فتحت الفتوحات قضي الدين قد يقول قائل: لعل الزكاة قبل فتح الفتوح لا تفي بحاجات الأحياء، ومن المعلوم أن حاجات الأحياء مقدمة على حاجات الأموات، وهذا لا شك أنه احتمال وارد ولكن الواقع بخلافه، فإن من المعروف أن للزكاة إبلاً لها راعي كما في قصة العرنيين الذين أخرجهم الرسول ﷺ لإبل

стр. 1989

الصدقة، وكما ثبت أنه كان يسم إبل الصدقة، وكذلك الطعام عند أبي هريرة في زكاة الفطر يكون كثيراً، فهذا الاحتمال يضعفه من الحال الواقع في عهد الرسول ﷺ ، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قضاء دين الميت من الزكاة، وممن ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وحكاه وجها في مذهب أحمد، والوجه ليس عن الإمام أحمد إذا قيل في المذهب فهو عن أكابر أصحاب الإمام، أما الرواية فهي عن الإمام والقول يحتمل الوجه والرواية، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة ضعيف، وهذا إحدى المسائل التي لا أختار فيها ما اختاره شيخ الإسلام، ومر علينا قبل يومين مسألة ثانية وهي الجمع بين الأختين من الرضاعة فإن الشيخ يرى جوازه والصحيح خلافه، على كل حال: هذا الحديث يدل على أنه لا يقضي دين الميت من الزكاة، اللهم إلا لو لم نجد من أهل الزكاة الأحياء فحينئذ قد نقول بجواز قضاء الدين عن الميت من الزكاة. ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم: وإذا كان أولى بنا من أنفسنا وجب علينا أن نحبه أكثر من أنفسنا؛ لأنه إذا جعل ولايته لنا أشد وأقوى من ولاية أنفسنا لأنفسنا، فإن الواجب أن نكافئه ببعض حقه، وأن نجعل محبته ﷺ أشد من محبتنا لأنفسنا، وهذا هو الواجب، ولا يتم الإيمان إلا به: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» حتى من نفس الإنسان. ومن فوائد الحديث- وهو الذي ساقه المؤلف من أجله-: جواز ضمان الدين عن الميت لقوله: «فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه» وكلمة «علي» هل التزام أو تشريع؟ سبقت الإشارة إلى ذلك، إن قلنا: إنه قالها لمقتضي الكرم فهي التزام، يعني: أنه تكرم وضمن، وإن قلنا: إنها تشريع فإنها تشريع يعني: يخبر خبرا بأن على الإمام الذي يتولى أمور المسلمين أن يقضي ديون أمواتهم وهذا هو الصحيح. الكفالة: ٨٤١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «لا كفالة في حد» رواه البيهقي بإسناد ضعيف. هذا كفالة، والأول ضمان، والفرق بين الكفالة والضمان أن الضمان ضمان الحق، والكفالة

стр. 1990

ضمان إحضار صاحب الحق، فالكفالة للبدن والضمان للحق، ويظهر الفرق بينهما في مثالين المثال الأول: رجل ضمن فلاناً بألف درهم مؤجلة إلى سنة فلما حل الأجل جاء الغريم للضامن يطلب حقه، فقال الضامن: دونك المضمون خذ حقك منه، يقول: لا، ما أريد المضمون أنا أريدك أنت، يلزمه بهذا؟ نعم، الغريم يلزمه؛ لأن الضمان وارد عن الحق الذي عليه، هذا مثال. مثال آخر: رجل أقرض شخصا مائة ردهم فجاء إنسان آخر فكفله كفل الرجل، وهذا الدين لنفرض أنه مؤجل إلى سنة لما حل الأجل أتى الغريم إلى الكفيل، وقال: أعطني الدراهم التي كفلت صاحبها فقال دونك المكفول هل يبرأ الكفيل؟ نعم يبرأ، لأن الكفيل إنما التزم إحضار بدون المكفول ولم يتحمل الدين الذي عليه، فإذا أحضره برئ منه، سواء أوفى أو لم يوف، فهذا هو الفرق بين الضمان والكفالة، والكفالة كفالة من يمكن استيفاء حقه من الكفيل جائزة، كل حق يمكن استيفاؤه من الكفيل فالكفالة فيه جائزة، وكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل فإن الكفالة فيه ليست جائزة فإذا كفل شخصاً بدين يجوز أم لا؟ يجوز، لأنه لو تعذر استيفاؤه من المكفول أخذ من الكفيل، مثلا لو فرضنا أن المكفول ما حضر عند حضور الأجل فيؤخذ من الكفيل، لو كفل شخصا بحد رجل سارق أمسكناه وثبت عليه القطع، ولكن قال: أمهلوني حتى أذهب أزور أهلي وأرجع، فقلنا: ما نأمن أن تهرب، فقال رجل فقال: أنا كفيله، هل تصح هذه الكفالة؟ نقول: لا تصح، لأنه لا يمكن استيفاء الحق من الكفيل، يعني: لو تغيب المكفول الآن ما يمكن أن نقطع يد الكفيل، لأنه حد، ولو قلنا: إنها تقطع يده لزم أن تقيم الحد على من لم يجرم، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وز أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا هو ما دل عليه هذا الحديث مع ضعفه بناء على القاعدة التي ذكرنا وهي أن من كفل شخصا بحق يمكن استيفاؤه من الكفيل لو تعذر إحضار المكفول فالكفالة جائزة، وإن لم يمكن فالكفالة غير جائزة، لو كفل شخصا بقصاص، يعني: شخص وجب عليه القصاص فقال: زروني أذهب إلى أهلي وأوصي وأسلم عليهم وأرجع إليكم واصنعوا ما شئتم، فقلنا: لا نأمن أن تهرب، فقام رجل فقال: أنا كفيله يصح أو لا يصح؟ لا يصح، لأنه لو تعذر إحضاره لم يقتص من هذا. فإن قال قائل: إذا تعذر القصاص فالدية، الحد معروف أنه ليس فيه بدل لكن القصاص فيه بدل. فالجواب عن هذا أن يقال: إذا كانت الكفالة في القصاص فقط دون البدل فإنها لا تصح، وإن كانت في القصاص أو بدله؛ أي: أنه كفل موجب هذه الجناية فالكفالة صحيحة، لأنه إذا تعذر القصاص وجبت الدية.

стр. 1991

تنازع رجل وزوجته عند القاضي فحكم القاضي بأن تسلم المرأة نفسها إلى زوجها فوراً، فقالت: ذروني أخبر والدي، فقلنا: نخشى أن تهربي، قال رجل: أنا أكفلها ما تقولون؟ لا يصح، لماذا؛ لأنه لا يمكن استيفاء الحق من الكفيل لو تعذر إحضار المرأة، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الكفالة في هذه الأمور، وقال: إنه لا يلزم من الكفالة أن يقوم الكفيل بأداء الحق الواجب على المكفول، إذ أن المقصود أن نلزم الكفيل بإحضار المكفول، فبدلاً من أن نتعب بطلب من وجب عليه القصاص وإحضاره نلزم الكفيل، لكن لو تعذر ومات المكفول فإننا لا نجري الحق على الكفيل، فالكفالة هذه فيها فائدة، ولا يلزم منها أن يؤخذ الحق من الكفيل، وما فائدتها إذن؟ أن نلزم الكفيل بإحضار بدن المكفول، بدلاً من أن نتعب نحن نلزمه هو، قالوا: وهذا يجري كثيراً في مشائخ القبائل: يعني: يجب علي بعض أفراد القبيلة حد فيقول: أمهلوني يوما أو يمين حتى أنظر في أمري، نقول: من يكفلك؟ يقول: شيخ القبيلة، جرت العادة أن شيخ القبيلة يستطيع إحضار بدن الكفيل ما دام على الدنيا؛ لأنه شيخ عندهم مثل السلطان فهذا فيه فائدة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أنه تجوز الكفالة في الحدود لا أن تقام الحدود على من كفل، لكنه يلزم بإحضار بدن الكفول فيكون التعب والطلب على الكفيل، ثم إن فيه أيضا فائدة أخرى وهي اطمئنان من له الحق في مسألة القصاص، مثلاً يطمئن إذا علم أن هذا الرجل الذي له سلطة قد كفل إحضار هذا الرجل الذي عليه القصاص اطمأن، وهذا القول أصلح، لأن الحديث الوارد ضعيف كما رأيتم والكفالة في الحدود والقصاص وشبهها من الحقوق فيها مصالح، ومن المصالح أن الذي عليه الحق وهو المكفول إذا علم أن فلاناً كافله ولاسيما إذا كان من مشائخ قبيلته فإنه لا يمكن أن يهين كفالته يصعب عليهم، عندهم عادات يصعب عليه إهدار كرامته فيذله، فيحضر هو بنفسه المكفول خوفاً من إهانة الكفيل. ٩ - باب الشركة والوكالة يقال: الشركة، ويقال: الشركة، ويقال: الشركة؛ أي بوزن سرقة وثمرة ونعمة فوزن سرقة شركة، ووزن نعمة شركة، وهي في اللغة: الاختلاط اختلاط، شخصين في شيء، ومنه قوله تعالى: وإن كثير من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤] أي: من الشركاء، وأما في الاصطلاح: فهي اجتماع في استحقاق أو تصرف، يعني: أن يجتمع شخصان في شيء مستحق لهما، أو يجتمع شخصان في تصرف بينهما، وتسمى الأولى شركة أملاك، والثانية شركة عقود، مثال الأولى: ورث ابنان بيتاً من أبيهما، الاجتماع بينهما هو اجتماع في استحقاق استحقا ملكية هذا

стр. 1992

البيت، اجتماع في تصرف أعطى شخص ماله عاملاً يعمل فيه بنصف الربح وهي المضاربة، هذه اجتماع في تصرف ليس بينهما مالك مسبق اجتمعا ولكن صار الملك بينهما بسبب العقد الجاري بينهما، أما الوكالة فهي تفويض الشخص غيره في تصرف بملكه مثل أن أقول لشخص: وكلتك أن تشتري لي كذا وكذا، فأنا فوضته في تصرف أملكه، وهو البيع، وهو أيضا يملكه، فإن وكلته في شيء لا يملكه بل هو مطلوب من الموكل نفسه فإن الوكالة لا تصح، فلو وكلت شخصا أن يصلي عني فإن الوكالة لا تصح، لماذ؟ لأن هذا يتعلق بعين الشخص لا تدخله الوكالة. الشركة والوكالة كلاهما جائزان فأن الله تعالى قال: ﴿ضر الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا﴾ [الزمر: ٢٩] فأثبت الشركة في الرجل، وأما الوكالة فهي أيضا ثبتت بها السنة عن الرسول ﷺ وسيذكرها المؤلف. ٨٤٢ - عن أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما» رواه أبو داود وصححه الحاكم هذا الحديث يسميه أهل الحديث: «الحديث القدسي» وهو حديث بين الحديث النبوي وبين القرآن الكريم، لا يلحق بالقرآن الكريم، وهو فوق مرتبة الحديث النبوي، لأن النبي ﷺ أسنده إلى الله إسناداً صريحاً، فقال: «قال الله» لكنه ليس كالقرآن الكريم؛ لأن القرآن معجز بلفظه ومعناه، متعبد بتلاوته، يقرؤه الإنسان في الصلاة وخارج الصلاة؛ لا يقرأه الجنب لا تقرأه الحائض عند أكثر أهل العلم ولا يمس صحيفته إلا طاهر ولا يجوز بيعه عند بعض أهل العلم، حتى قال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصحف، فله أحكام كثيرة لا يساويه فيها الحديث القدسي؛ لأن القرآن الكريم كلام الله لفظاً ومعنى، والحديث القدسي ما رواه النبي ﷺ عن ربه رواية، لكنه قاله من لفظه تعبيرا وليس من كلام الله لفظاً وإلا لكان معجزا لأنه لو كان من كلام الله لفظاً لكان صفة من صفات الله، وصفات الله تعالى لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثله، وهذا هو وجه الإعجاز في القرآن الكريم. ولكن قد يقول قائل: كيف يقول الرسول: «قال الله تعالى» وتقول أنت: ليس من لفظ الله؟ فنقول في الجواب عن هذا: إن القول قد يضاف إلى القائل وإن كان لم يتكلم به، وإنما جواب عن هذا: إن القول قد يضاف إلى القائل وإن كان لم يتكلم به، وإنما

стр. 1993

تكلم بمعناه، والدليل على هذا ما حكه الله عن الرسل السابقين، وعن أقوامهم فإن الله يقول: ﴿وإذ قال موسى ... ﴾، ﴿وقال نوح رب لا تذر على الأرض﴾ [نوح: ٣٣] ومن المعلوم أن نوحاً لم يقل هذا اللفظ؛ لأن لغة نوح غير عربية، ولأنه لو كان هذا هو لفظ نوح لكان معجزاً لأن هذا اللفظ معجز، بل هذا اللفظ كلام الله نقله عن نوح بمعناه، كذلك قول فرعون للسحرة ولموسى ولومه وكذلك محاورتهم له، كل هذا إنما نقل بالمعنى، ومع ذلك يضيفه الله إليهم صراحة، فهكذا الحديث القدسي؛ ولأنه لو كان الحديث القدسي كلام الله لفظاً لوجب أن يساوي القرآن في أحكامه، لماذا؟ لأن الشريعة لا تفوق بين متماثلين ولو كان لفظ الرب لكان كالقرآن سواء، ثم نقول أيضا: لو كان كلام الله لفظاً لكان أعلى سنداً من القرآن، لأن القرآن نزل بواسطة من نزل به؟ جبريل، والحديث القدسي ينسبه النبي ﷺ إلى ربه بدون واسطة يقول: «قال الله» فإذا قال قائل: يمكن أن يقول: «قال الله» وهو بواسطة جبريل، نقول: الأصل أن ما أضافه الرسول إلى ربه مباشرة بدون ذكر الواسطة أنه من الله إلى الرسول، ولهذا لو أن رجلاً من الثقات الذين لا يعرفون بالتدليس قال: قال كذا وكذا ثم أسند الحديث، هل يحمل كلامه على أنه دلس وأسقط رجلا بينه وبين من روى عنه؟ لا، لكن لو رواه المدلس لكان يحتمل سقوط راو بينه وبين من أسند الحديث إليه، والمدلس إذا لم يصرح بالتحديث فإن حديثه محمول على الانقطاع على أن بينه وبين من روى عنه رجلا أسقطه، وغير المدلس إذا قال: قال فلان يحمل على الاتصال وأنه ليس بينهما أحد، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ منزه عن أن يكون مدلساً، فإذا قال: «قال الله» فهو بدون واسطة. على كل حال: هذا الحديث يقول الله : «أنا ثالث الشريكين» ولم يقل: ثاني الشريكين، لأن القاعدة في اللغة العربية أنه إذا كان ثالث الاثنين من غير الجنس فإنه لا يذكر بلفظ مطابق، وإذا كان من الجنس فإنه يذكر بلفظ مطابق، ولنضرب مثلاً في غير هذا الحديث، لو قيل: فلان رابع أربعة ماذا يكون؟ من جنسه ولو قيل: رابع ثلاثة صار من غير جنسه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة/٧] ولم يقل: إلا هو ثالثهم وقال عن النصاري: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣] ولم يقل ثالث اثنين، لماذا؟ لأنهم يجعلون الله ومريم وعيسى سواء، يجعلون الكل جنساً واحداً، وقال تعالى: ﴿وإذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين﴾ [التوبة: ٤٠] لماذا قال ذلك؟ لأنهم من جنس واحد، فهنا قال: «ثالث الشريكين» لأنه- لا مثيل له، فقال: «ثالث الشريكين» كما قال: ﴿إلا هو رابعهم﴾ بماذا يكون ثالث الشريكين؟ بالتسديد والتوفيق، وإنزال البركة في بيعهما وشرائهما وشركتهما، وإلا فمن المعلوم أنه ليس ثالثهما يبيع ويشتري معهما كلا، ولكن

стр. 1994

المعنى: أنه معهما بالتسديد والتوفيق يوفقهما والله إذا كان يسدد الإنسان في بيعه وشرائه حصل خيرًا كثيرًا كما في قصة عروة بن الجعد ﵁ حينما وكله الرسول ﷺ أن يشتري له أضحية وأعطاه دينارًا قال: خُذ هذا الدينار اشتر به أضحية فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار، ورجع بشاة ودينار، فقال النبي ﷺ : » اللهم بارك له في بيعه وشرائه «، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه؛ لأن الله أجاب دعوة نبيه ﷺ ، فإذا سدد الله الإنسان يسر الله له فصار يشتري الشيء ثم يزيد، وإذا خُذل الإنسان ونزع الله منه البركة صار بالعكس يشتري الشيء هو وآخر فيبيعه هو بخسارة، والثاني يبيعه بربح، وهذا مشاهد، كيف يبيعه بخسارة؟ لما هبطت الأشياء بعدما اشترى هو وصاحبه صار متسرعًا وقال: نزلت القيمة اليوم عشرة في المائة أخشى غدًا ان تنزل عشرين في المائة بعد أن نزلت عشرة في المائة فيخسر، باع ما يساوي مائة بتسعين، أما الثاني فقال: لا، لا أبيع بخسارة ربما تزيد، فالذي قدّر النقص يقدر الزيادة فأبقاه يومين، او ثلاثة، فباعه بمائة وعشرة فربح، وكلاهما قد اشترياه على حد سواء، فإذا أنزل الله البركة للإنسان وسدده صار يشتري الشيء ويربح، وغيره يشتري فيخسر، إذن الله سبحانه يكون ثالث الشريكين. قال: » ما لم يخن أحدهما صاحبه «، » ما «يسمونها مصدرية ظرفية، كيف ذلك؟ مصدرية: لأنه يحول الفعل بعدها إلى مصدر، ظرفية؛ لأنه يقدر قبل المصدر ظرف، فيكون التقدير: أنا ثالث الشريكين مدة انتقاء خيانة أحدهما صاحبه، أو مدة عام خيانة أحدهما صاحبه، أيهما أحسن عدم أو انتفاء؟ انتفاء؛ لأننا نقول: » لم «نافية، ولا نقول: عدمية، فالأحسن المطابق للفظ أن نقدر انتفاء، ما هي الخيانة؟ الخيانة: مخالفة الأمانة، وتكون بعدة أساليب مثل أن يكتم عنه شيئًا من الربح تربح السلعة عشرة ويقيد الربح تسعة أو خمسة، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس الوكلاء للدولة- والعياذ بالله-يذهب إلى راعي الدكان ويشتري منه حوائج- مشتريات-يقول: قيدها بالفاتورة عشرة، وهو لا يعطيه إلا خمسة، هذا خيانة للدولة، الدولة التي يجب عليك النصح لها كما تنصح لنفسك؛ لأن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين، لكن هؤلاء لا يخافون الله فيتفق مع صاحب الدكان بأن يقيد بالفواتير السلعة بمائة وهي أقل من ذلك، هذه خيانة، فمثلًا إذا اشترى هذا الشريك الشيء بمائة وهي أقل من ذلك هذه خيانة، قيده بمائة وعشرين فهذه خيانة، ومن الخيانة أيضًا ألا ينصح في البيع والشراء فُيحابي قريبه إذا اشترى بمال الشركة من قريبه زاد في الثمن وإذا باع على قريبه نقص في الثمن، فالمهم أن الخيانة لها صور لا تُحصى جِمَاعُها أنها ضد الأمانة في كل شيء، فإذا حصل خيانة قال: » فإذا خانا خرجتُ من بينهما «، وإذا خرج الله من بينهما فلا تسأل عن الدمار والخسارة؛ لأنهما لا يوفقان أبدًا. «»

стр. 1995

في هذا الحديث فوائد: أولًا: جواز الشركة، ووجه ذلك: أن الله يكون ثالث الشريكين غذا انتفت الخيانة بينهما. ومن فوائده: الترغيب في أداء الأمانة في الشركة، ووجهه: أن النبي ﷺ أخبر بأن الله ثالث الشريكين ترغيبًا في أداء الأمانة، وهل منها أن الشركة مستحبة؟ هي جائزة لا شك، لكن لاحظ أن الله يكون ثالثهما ما لم يخن أحدهما صاحبه، والخيانة واردة أو منتفية؟ واردة، فالإنسان إذا شارك فقد خاطر؛ لأن المسألة ليس الله يكون ثالثهما مطلقًا بل ثالثهما ما لم يخن أحدهما صاحبه، ومن الذي يأمن نفسه من الخيانة؟ ! ! ولهذا إن قلنا بأن الشركة مستحبة فيجب أن يكون ذلك بقيد وهو أمن الإنسان نفسه من الخيانة، ولكن لاشك أن الانفراد أسلم، كون الإنسان ينفرد بماله ولا يشاركه أحد فيه أسلم؛ لأنه يبقى حرًا طليقًا يتصرف بما شاء في ماله حسب الحدود الشرعية، لكن إذا كان مشاركًا مشكل لاسيما إذا كان شريكه من البخلاء؛ لأن أيضًا بعض الشركاء يصير بخيل يقول: لا تصرف قرشًا واحدًا إلا معلمة مشكل هذا، وأيضًا قد يكون المال قليلًا، وإذا كان المال قليلًا فإن كل واحد من الشريكين يريد أن يُبين له كل تصرف، صحيح إذا كثر المال هان عند الشريكين تصرف كل واحد بالمال، لكن إذا كان قليلًا ولاسيما إن نُكبوا بحسرات فلا تسأل، لهذا أرى أن الانفراد أسلم من الشركة، وأننا على فرض القول بأنها مستحبة من أجل أن الله ثالث الشريكين يُشترط فيها أن يأمن الإنسان نفسه، وإلا فلا يشارك. ومن فوائد الحديث: الحث على الأمانة، وأن الأمين يسدده الله . ومن فوائده: التحذير من الخيانة، وأن الإنسان إذا خان نُزعت منه البركة، وتخلى الله عنه، وما بالك بشيء تخلى الله عنه، فيكون عليه الدمار والخسارة. ٨٤٣ - وعن السائب المخزومي ﵁: أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح، فقال: » مرحبًا بأخي وشريكي «.رواه احمد، وأبو داود، وابن ماجه. بعثة الرسول ﷺ كانت وهو على رأس الأربعين من عمره الشريف، وكان بالأول يبيع ويشتري، وكان يرعى الغنم، وكان يأخذ بضاعة لخديجة إلى الشام، ومعروف ﷺ بأنه يبيع ويشتري، ومعروف أيضًا بالأمانة التامة، حتى كانت قريشًا تسميه» الأمين»

стр. 1996

قوله: » يوم الفتح «يعني: يوم فتح مكة في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وبقي النبي ﷺ في مكة تسعة عشر يومًا من أجل ترتيبها، وكما تعلمون جميعًا فهي أم القرى تحتاج إلى مدة يبقى فيها الفاتح يدبر ويتصرف، بقي-﵊-تسعة عشر يومًا منها نحو عشرة أيام في رمضان والباقي من شوال، وكان لا يصوم، أى: لم يصم رمضان مع أن العشر الأواخر أفضل رمضان، ولم يصمها النبي ﷺ وكان يصلي ركعتين كل هذه المدة ويقول: » يا أهل مكة، أتموا فإنا قوم سَفر «فأثبت ﷺ انهم سَفر مع انهم أقاموا أكثر من أربعة أيام، ومن المعلوم أن أحتمال أن ينقضي التدبير والتصريف لهذه البلد المفتوحة في أقل من أربعة أيام هذا الاحتمال بعيدًا جدًا، يعني: حسب الأحوال نجزم بأن الرسول قد نوى اكثر من أربعة أيام؛ لأن المقام والحال تقتضي ذلك أن يبقى مدة، ومن ثم بقي تسعة عشر يومصا يقصر الصلاة ولم يُحد للأمة حدًا معينًا، يقول: من بقي هذه المدة فقد انقطع حكم السفر في حقه، بل أطلق الأمر، فما دام الإنسان مسافرًا مفارقًا وطنه وعنده نية الرجوع إلى الوطن متى انتهى عمله فإنه مسافر، حتى إن العلماء قالوا: لو بقي إلى أن يموت أربعين سنة وخمسين سنة فهو مسافر، لكنهم اختلفوا هل هذا إذا لم يُحدد أو مطلقًا؟ فالمشهور من المذهب- وعليه أكثر أهل العلم-أنه بشرط ألا يحدد، فإذا أقام لقضاء حاجة ولكن تمدت الأيام فهو في حكم المسافر ولو بقي سنين، لكن لو حدد فهذا هو موضع الخلاف بين أهل العلم، وابن القيم في زاد المعاد قال: لم يرد عن النبي ﷺ تفريق بين من حدد وبين من لم يحدد بل أطلق على كل: هذه المسألة الخلاف فيها معروف، لكن قصدنا أن الفتح كان في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. فقال: » مرحبًا بأخي وشريكي «، الرُحب بمعنى: السعة، ومنه رحبة البيت: المكان المتسع أمامه، ورحبة المسجد: المكان المتسع في المسجد، فمعنى مرحبًا، أي: سكنت مكانًا مرحبًا أي: واسعًا، أكثر الناس يرون أن مرحبًا تحية، لكن لا يدرون ما معناها، لو قلت ما معناها؟ يقول: تحية، أما لو قلت له: مرحبًا مشتق من الرحبة ومنه رحبة المسجد ورحبة البيت، قال: لا نعرف هذا هي تحية، المهم هذا معناها في اللغة. وقوله: » أخي وشريكي «الشاهد قوله» شريكي «، فقرر النبي ﷺ الشركة، والشركة كما سمعتم آنفًا في اللغة هي الخلطة أو الاختلاط، وفي الاصطلاح: هي اجتماع لاستحقاق أو تصرف. من فوائد الحديث: جواز الشركة، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أقرها بعد الفعل، وفيه دليل على أن ممارسة البيع والشراء لا تقدح في المروءة؛ لأن النبي ﷺ شارك السائب المخزومي، فممارسة العقود لا تعتبر قدحًا في الإنسان، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه باع واشترى، بل إنه

стр. 1997

توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، لكن قال العلماء: ينبغي للقاضي، ومن حكمه من ذوي الأمر ألا يُباشر البيع والشراء بنفسه نظرًا لفساد الناس كيف ذلك؟ قالوا لأن الناس سوف يُحابونه، فتكون هذه المحاباة بمنزلة الرشوة؛ لأن لولا أنه في هذا المكان من السلطة ما حباه الناس، فتكون مباشرته للبيع والشراء سببًا لأن يحابيه الناس فيقع هو وهم في الإثم. ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي ﷺ حين رحب بشريكه فقال: » مرحبًا باخي وشريكي «، وهكذا ينبغي للإنسان إذا عامل شخصًا أن يقابله بحسن الخلق بقدر المستطاع، ولقد جاء عن رسول الله ﷺ : » رحم الله امرأ سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضي «. ٨٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: » اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ... «. الحديث رواه النسائي. الحديث أنه قال: جاء سعد بأسيرين ولم أجاء أنا وعمار بشيء، » يوم بدر «، يعني: يوم غزوة بدر، وكان في رمضان في السابع عشر السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها أن النبي ﷺ سمع أن عير قريش خرجت من الشام، فأراد النبي ﷺ أن يتعرض لها ليأخذها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قريشًا اعتدوا عليه وجنوا عليه وعلى أصحابه، حيث أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، ولم يكن بينه وبينهم عهد، فكانت أموالهم بالنسبة له حلالًا له من أجل عدوانهم، وعدم المعاهدة بينه وبينهم، فخرج إلى العير بنحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، لا يريد قتالًا وكان معه سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون على هذه الرواحل، فأرسل أبو سفيان - وكان أمير العير-إلى قريش يستنجدهم لما سمع بما أراد النبي ﷺ ثم سلك طريق الساحل بعيدًا عن المدينة لينجو بعير قريش، فلما بلغ قريشًا ما أراد النبي ﷺ واستصراخ أبي سفيان إياهم اجتمعوا برؤسائهم لأمر أراده الله فجمع الله بينهم وبين رسوله ﷺ على غير معاد، وحصل في هذه الغزوة من النصر المبين لرسول الله ﷺ وأصحابه ما أعز الله به جنده وخذل به أعداءه، وقتل من صناديدهم من قتل، وسحب منهم أربعة وعشرون رجلًا من كبرائهم وألقوا في قلبيب من قلب بدر جيفًا منتنة، فوقف النبي ﷺ عليهم بعد ثلاثة أيام من انتهاء المعركة،

стр. 1998

وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: » فلان بن فلان «، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًًا، فإني وجدت ما وعد ربي حقًا؟ . فقالوا: يا رسول الله كيف تكلم قومًا جيفوا؟ فقال: » ما أنتم أسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون «، وههذه الغزوة كانت قبل أن تفرض الأنفال وتُبين، فكانت لله ورسوله، فكان النبي ﷺ يعطي منها من اقتضت المصلحة إعطاؤه، فاجتمع الناس كل ينفله ما شاء مما يرى أنه من الحكمة، من جملة ما كان من النفل الأسري، لأنه أسر من قريش سبعون رجلًا وقُتل منهم سبعون رجلًا، يقول عبد الله بن مسعود: أنه اشترك هو وعمار وسعد فيما يصيبون يوم بدر فأصابوا أسرى جاء سعد بأسيرين، ولم يأت ابن مسعود ولا عمار بشيء، وبناء على عقد الشركة يكون الأسيران بينهم أثلاثًا لكل واحد ثلثا أسير، لكن بعد هذا تقرر قسمة الغنائم وأنزل الله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤٠]. فصارت الغنيمة تُقسم خمسة أقسام أربعة منها للغانمين وواحد لهؤلاء الخمسة ﴿فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ واستقر الأمر على ذلك إلى اليوم وإلى يوم القيامة، لكن قبل ذلك لم تكن الغنيمة تُقسم على هذه القسمة. ففي الحديث دليل على جواز الاشتراك فيما يُحصله المشتركون ويُسمى عند أهل العلم-هذا النوع من الشركة-شركة الأبدان؛ لأنها مبنية على عمل البدن المحض، ليس هناك مال بلا عمل بدن، فإذا اشترك شخصان فيما يكتسبان من حشيش او حطب أو سمك من البحر، أو صيود من البر، أو ما أشبه ذلك مما يكون نتيجة العمل البدني فالشركة جائزة، ويكون الملك بينهما على ما اشترطاه يعني: لا على رءوسهم قد يكون ثلاثًا ويشترطون الربح أرباعًا لواحد منهم النصف، والاثنين على ربع، حسب ما يرونه من قوة هذا الرجل وحدقه، واكتسابه، وقد تكون بالتساوي كما لو اشترك أربعة فيما يكتسبون وجعلوا المال بينهم أرباعًا، المهم أن الملك على ما شرطاه؛ لأن هذا عقد يرجع أمره إلى العاقد، فإذا قال: نشترك في الاحتطاب نجمع حطبًا ونبيعه، وما رزقنا الله فهو بيننا، هو أربعة لكن منهم واحدًا جيدًا نشيطًا يأتي بما يأتي به الرجلان، فقالوا: نجعل لك الثلث ولنا نحن الثلاثة الثلثان يجوز هذا؛ لأن الأمر راجع إليهم. فإن قال قائل: هذا فيه جهالة وغرر، لأن أحدهما قد يُحصل والآخر لا يحصل كما في هذا الحديث هو وعمار لم يُحصلا شيئًا وسعد حصل اثنين فيكون في هذا غرر. نقول: نعم، هذا لا شك أن فيه شيئًا من الغرر لكن ليس فيه معاوضة، يعني: ليس فيه مال بمال يُخشى بينهما الاختلاف، إنما المسألة عمل بدن فقط، فإذا قُدر أن أحدهم أتى بكثير

стр. 1999

والآخر أتى بقليل فليس هناك معاوضة حتى نقول: إن أحدهما إما غانم وإما غارم، أرأيت لو أن أحدهما قال للثاني: أنا سأذهب وأصيد لك؟ فهذا ليس فيه شيء، فنقول: هذه الشركة جائزة وتسمى شركة الأبدان، ومنها شركة الصنائع، يعني: من هذا النوع من الشركة شركة الصنائع يشترك رجلان صانعان في عمل كأبواب الحديث مثلا أو المواسير أو ما أشبه ذلك هذا يجوز. واختلف العلماء هل تجوز شركة الصنائع مع اختلاف الصنعة بأن يكون أحدهما حداداً والثاني نجاراً؟ على قولين: فمنهم من قال: بالجواز، لأن الغاية واحدة وهي الاكتساب، ومنهم من قال: إنه لا يجوز مع اختلاف الصنائع لأن الحداد ربما يكون إنتاجه أكثر بكثير من النجار، أو بالعكس، بخلاف ما إذا كانا مشتركين في الصنعة، فإن الغالب أنهما متقاربان أو متساويان، والمعروف في المذهب عندنا أن هذه الشركة جائزة ولو مع اختلاف الصنائع، لأن الغاية هي الربح في هذه الصنعة وهي حاصلة سواء مع اتفاق الصنائع، يعني: من هذا النوع من الشركة شركة الصنائع يشترك رجلان صانعان في عمل كأبواب الحديث مثلا أو المواسير أو ما أشبه ذلك هذا يجوز. واختلف العلماء هل تجوز شركة الصنائع مع اختلاف الصنعة بأن يكون أحدهما حداداً والثاني نجاراً؟ على قولين: فمنهم من قال: بالجواز؛ لأن الغاية واحدة وهي الاكتساب، ومنهم من قال: إنه لا يجوز مع اختلاف الصنائع؛ لأن الحداد ربما يكون إنتاجه أكثر بكثير من النجار، أو بالعكس، بخلاف ما إذا كانا مشتركين في الصنعة، فإن الغالب أنهما متقاربان أو متساويان، والمعروف في المذهب عندنا أن هذه الشركة جائزة ولو مع اختلاف الصنائع؛ لأن الغاية هي الربح في هذه الصنعة وهي حاصلة سواء مع اتفاق الصنائع أو اختلافها، لو اشترك شخصان أحدهما في الاصطياد من البر والثاني في الاصطياد من البر والثاني في الاصطياد من البحر واشتركاً على أن ما يكتسبان فبينهما، فالحكم الجواز مع أنه قد يأتي صاحب البحر بسمك كثير، وصاحب البر لا يأتي إلا بشيء قليل أو يكون العكس يأتي صاحب البر بصيود كثيرة، وصاحب البحر لا يأتي إلا بقليل، المهم أن هذا جائز ولا بأس به. ومن فوائد الحديث: جواز الاشتراك فيما يكتسبه الرجلان من أسرى، أو صيود، أو احتطاب، أو حشيش أو غير ذلك، مما تكون الوسيلة فيه العمل البدني المحض. ومنها: سعة الشريعة وذلك بتنويع موارد الرزق، لأن الإنسان ربما لا يكتسب إذا كان وحده، وإذا كان له شريك اكتسب ونشط على العمل. ومنها: أن اكتساب المال بالطرق المباحة جائز؛ لأن هذا النوع لا شك أن يساعدون بعضهم بعضا، وأنهم ربما يتسابقون أيهم أكثر إنتاجاً وعملاً. وهل نقول: ومنها جواز الاشتراك في الأسرى؟ لا، لأن بعد استقرار تقسيم الغنيمة صار السرى أمرهم على الإمام لا للمجاهدين، نعم لو اشتركوا فيما يجعله الإمام من النفل فلا بأس، مثل أن يقول الإمام: من قتل قتيلا فله ما عليه من السلاح هذا جائز؛ لأنه فيه تشجيعاً على قتل الأعداء، وهو نوع اكتساب، فإذا قال الإمام أو قائد الجيش: من قتل قتيلا فله ما عليه من السلاح، واشتركا اثنان فيما يكتسبانه من هذا الوجه فهو جائز كما اشترك عبد الله بن مسعود وعمار وسعد فيما يحصل من الأسرى.

стр. 2000

الوكالة: ٨٤٥ - وعن جار بن عبد الله ﵁ قال: «أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر، فخذ منه خمسة عشر وسقا» رواه أبو داود وصححه. الظاهر جواز سكون السين وفتحها، قال: «أردت الخروج إلى خيبر» ما هي خيبر؟ خيبر مكان يقع من المدينة نحو مائة ميل نحو الشمال الغربي، وفيه حصون وقصور ومزارع لليهود، وسبب مجيء اليهود إلى خيبر وإلى المدينة أنهم قد قرءوا في التوارة أنه سيبعث نبي يكون مهاجره المدينة، فصاروا يجتمعون من أقطاب الأرض في المدينة انتظاراً لهذا النبي الذي أخبرت به التوراة، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، يعني: يستنصرون، ويقولون: سيبعث نبي ونكون من أتباعه ونغلبكم، ولكن لما بعث النبي ﷺ من العرب أنكروا وتنكروا لهذا، وقالوا: ليس هذا النبي الموعود، لأنهم ظنوا أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل، ولكن كان من بني إسماعيل من بني عمه، والغالب أن بني العم يقع بينهم الحسد، ولاسيما مثل اليهود الذين هم أشد الناس حسداً، فحسدوا العرب، وقالوا: ليس هذا النبي الذي أخبرت به التوراة، وأنكروا المهم: أن الرسول ﷺ غزاهم في خيبر، فلما حصل الفتح طلبوا من النبي ﷺ أن يبقيهم في خيبر على أن يكونوا عمالاً فيها مزارعين في الزرع ومساقين في النخل، لأن العمل في النخل يسمى مساقاة، والعمل في الزرع يسمى مزارعة، فعاملهم النبي ﷺ وأعطاهم خيبر على النصف، نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع يكون لليهود والنصف الثاني للمسلمين، وحصل بفتحها خير كثير ورزق كثير للصحابة- ﵃ وكفاهم اليهود المؤنة والتعب وبقي المسلمون على ما هم عليه من الجهاد في سبيل الله والتفرغ للدعوى، وخيبر تدر عليهم. لما حصل الفتح كان النبي ﷺ وكيل في خيبر من أجل ملاحظة الثمار التي للمسلمين ومن أجل مقاسمة اليهود، فأراد جابر أن يخرج إلى خيبر، قال: «فأتيت النبي ﷺ » أي: ليخبره بأنه سيخرج إلى خيبر، فقال له النبي ﷺ «إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقا» وتمام الحديث، «فإن أراد منك أمارة فضع يدك على ترقوته» وليت المؤلف جاء بها، كأن الرسول ﷺ جعل آية بينه وبين وكيله على هذا الوجه أنه إذا جاء أحد يقول: أرسلني الرسول قال: ما العلامة إذا كان صادقاً أن الرسول بعثه سيضع يده على ترقوته قال هذه العلامة وإن لم يكن صادقاً فلا يدري.
следующие страницы →