Полный текст (3 515 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
قوله: » يوم الفتح «يعني: يوم فتح مكة في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وبقي النبي ﷺ في مكة تسعة عشر يومًا من أجل ترتيبها، وكما تعلمون جميعًا فهي أم القرى تحتاج إلى مدة يبقى فيها الفاتح يدبر ويتصرف، بقي-﵊-تسعة عشر يومًا منها نحو عشرة أيام في رمضان والباقي من شوال، وكان لا يصوم، أى: لم يصم رمضان مع أن العشر الأواخر أفضل رمضان، ولم يصمها النبي ﷺ وكان يصلي ركعتين كل هذه المدة ويقول: » يا أهل مكة، أتموا فإنا قوم سَفر «فأثبت ﷺ انهم سَفر مع انهم أقاموا أكثر من أربعة أيام، ومن المعلوم أن أحتمال أن ينقضي التدبير والتصريف لهذه البلد المفتوحة في أقل من أربعة أيام هذا الاحتمال بعيدًا جدًا، يعني: حسب الأحوال نجزم بأن الرسول قد نوى اكثر من أربعة أيام؛ لأن المقام والحال تقتضي ذلك أن يبقى مدة، ومن ثم بقي تسعة عشر يومصا يقصر الصلاة ولم يُحد للأمة حدًا معينًا، يقول: من بقي هذه المدة فقد انقطع حكم السفر في حقه، بل أطلق الأمر، فما دام الإنسان مسافرًا مفارقًا وطنه وعنده نية الرجوع إلى الوطن متى انتهى عمله فإنه مسافر، حتى إن العلماء قالوا: لو بقي إلى أن يموت أربعين سنة وخمسين سنة فهو مسافر، لكنهم اختلفوا هل هذا إذا لم يُحدد أو مطلقًا؟ فالمشهور من المذهب- وعليه أكثر أهل العلم-أنه بشرط ألا يحدد، فإذا أقام لقضاء حاجة ولكن تمدت الأيام فهو في حكم المسافر ولو بقي سنين، لكن لو حدد فهذا هو موضع الخلاف بين أهل العلم، وابن القيم في زاد المعاد قال: لم يرد عن النبي ﷺ تفريق بين من حدد وبين من لم يحدد بل أطلق على كل: هذه المسألة الخلاف فيها معروف، لكن قصدنا أن الفتح كان في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة.
فقال: » مرحبًا بأخي وشريكي «، الرُحب بمعنى: السعة، ومنه رحبة البيت: المكان المتسع أمامه، ورحبة المسجد: المكان المتسع في المسجد، فمعنى مرحبًا، أي: سكنت مكانًا مرحبًا أي: واسعًا، أكثر الناس يرون أن مرحبًا تحية، لكن لا يدرون ما معناها، لو قلت ما معناها؟ يقول: تحية، أما لو قلت له: مرحبًا مشتق من الرحبة ومنه رحبة المسجد ورحبة البيت، قال: لا نعرف هذا هي تحية، المهم هذا معناها في اللغة.
وقوله: » أخي وشريكي «الشاهد قوله» شريكي «، فقرر النبي ﷺ الشركة، والشركة كما سمعتم آنفًا في اللغة هي الخلطة أو الاختلاط، وفي الاصطلاح: هي اجتماع لاستحقاق أو تصرف.
من فوائد الحديث: جواز الشركة، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أقرها بعد الفعل، وفيه دليل على أن ممارسة البيع والشراء لا تقدح في المروءة؛ لأن النبي ﷺ شارك السائب المخزومي، فممارسة العقود لا تعتبر قدحًا في الإنسان، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه باع واشترى، بل إنه
стр. 1997
توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، لكن قال العلماء: ينبغي للقاضي، ومن حكمه من ذوي الأمر ألا يُباشر البيع والشراء بنفسه نظرًا لفساد الناس كيف ذلك؟ قالوا لأن الناس سوف يُحابونه، فتكون هذه المحاباة بمنزلة الرشوة؛ لأن لولا أنه في هذا المكان من السلطة ما حباه الناس، فتكون مباشرته للبيع والشراء سببًا لأن يحابيه الناس فيقع هو وهم في الإثم.
ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي ﷺ حين رحب بشريكه فقال: » مرحبًا باخي وشريكي «، وهكذا ينبغي للإنسان إذا عامل شخصًا أن يقابله بحسن الخلق بقدر المستطاع، ولقد جاء عن رسول الله ﷺ : » رحم الله امرأ سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضي «.
٨٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: » اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ... «. الحديث رواه النسائي.
الحديث أنه قال: جاء سعد بأسيرين ولم أجاء أنا وعمار بشيء، » يوم بدر «، يعني: يوم غزوة بدر، وكان في رمضان في السابع عشر السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها أن النبي ﷺ سمع أن عير قريش خرجت من الشام، فأراد النبي ﷺ أن يتعرض لها ليأخذها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قريشًا اعتدوا عليه وجنوا عليه وعلى أصحابه، حيث أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، ولم يكن بينه وبينهم عهد، فكانت أموالهم بالنسبة له حلالًا له من أجل عدوانهم، وعدم المعاهدة بينه وبينهم، فخرج إلى العير بنحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، لا يريد قتالًا وكان معه سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون على هذه الرواحل، فأرسل أبو سفيان - وكان أمير العير-إلى قريش يستنجدهم لما سمع بما أراد النبي ﷺ ثم سلك طريق الساحل بعيدًا عن المدينة لينجو بعير قريش، فلما بلغ قريشًا ما أراد النبي ﷺ واستصراخ أبي سفيان إياهم اجتمعوا برؤسائهم لأمر أراده الله فجمع الله بينهم وبين رسوله ﷺ على غير معاد، وحصل في هذه الغزوة من النصر المبين لرسول الله ﷺ وأصحابه ما أعز الله به جنده وخذل به أعداءه، وقتل من صناديدهم من قتل، وسحب منهم أربعة وعشرون رجلًا من كبرائهم وألقوا في قلبيب من قلب بدر جيفًا منتنة، فوقف النبي ﷺ عليهم بعد ثلاثة أيام من انتهاء المعركة،
стр. 1998
وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: » فلان بن فلان «، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًًا، فإني وجدت ما وعد ربي حقًا؟ . فقالوا: يا رسول الله كيف تكلم قومًا جيفوا؟ فقال: » ما أنتم أسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون «، وههذه الغزوة كانت قبل أن تفرض الأنفال وتُبين، فكانت لله ورسوله، فكان النبي ﷺ يعطي منها من اقتضت المصلحة إعطاؤه، فاجتمع الناس كل ينفله ما شاء مما يرى أنه من الحكمة، من جملة ما كان من النفل الأسري، لأنه أسر من قريش سبعون رجلًا وقُتل منهم سبعون رجلًا، يقول عبد الله بن مسعود: أنه اشترك هو وعمار وسعد فيما يصيبون يوم بدر فأصابوا أسرى جاء سعد بأسيرين، ولم يأت ابن مسعود ولا عمار بشيء، وبناء على عقد الشركة يكون الأسيران بينهم أثلاثًا لكل واحد ثلثا أسير، لكن بعد هذا تقرر قسمة الغنائم وأنزل الله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤٠]. فصارت الغنيمة تُقسم خمسة أقسام أربعة منها للغانمين وواحد لهؤلاء الخمسة ﴿فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ واستقر الأمر على ذلك إلى اليوم وإلى يوم القيامة، لكن قبل ذلك لم تكن الغنيمة تُقسم على هذه القسمة.
ففي الحديث دليل على جواز الاشتراك فيما يُحصله المشتركون ويُسمى عند أهل العلم-هذا النوع من الشركة-شركة الأبدان؛ لأنها مبنية على عمل البدن المحض، ليس هناك مال بلا عمل بدن، فإذا اشترك شخصان فيما يكتسبان من حشيش او حطب أو سمك من البحر، أو صيود من البر، أو ما أشبه ذلك مما يكون نتيجة العمل البدني فالشركة جائزة، ويكون الملك بينهما على ما اشترطاه يعني: لا على رءوسهم قد يكون ثلاثًا ويشترطون الربح أرباعًا لواحد منهم النصف، والاثنين على ربع، حسب ما يرونه من قوة هذا الرجل وحدقه، واكتسابه، وقد تكون بالتساوي كما لو اشترك أربعة فيما يكتسبون وجعلوا المال بينهم أرباعًا، المهم أن الملك على ما شرطاه؛ لأن هذا عقد يرجع أمره إلى العاقد، فإذا قال: نشترك في الاحتطاب نجمع حطبًا ونبيعه، وما رزقنا الله فهو بيننا، هو أربعة لكن منهم واحدًا جيدًا نشيطًا يأتي بما يأتي به الرجلان، فقالوا: نجعل لك الثلث ولنا نحن الثلاثة الثلثان يجوز هذا؛ لأن الأمر راجع إليهم.
فإن قال قائل: هذا فيه جهالة وغرر، لأن أحدهما قد يُحصل والآخر لا يحصل كما في هذا الحديث هو وعمار لم يُحصلا شيئًا وسعد حصل اثنين فيكون في هذا غرر.
نقول: نعم، هذا لا شك أن فيه شيئًا من الغرر لكن ليس فيه معاوضة، يعني: ليس فيه مال بمال يُخشى بينهما الاختلاف، إنما المسألة عمل بدن فقط، فإذا قُدر أن أحدهم أتى بكثير
стр. 1999
والآخر أتى بقليل فليس هناك معاوضة حتى نقول: إن أحدهما إما غانم وإما غارم، أرأيت لو أن أحدهما قال للثاني: أنا سأذهب وأصيد لك؟ فهذا ليس فيه شيء، فنقول: هذه الشركة جائزة وتسمى شركة الأبدان، ومنها شركة الصنائع، يعني: من هذا النوع من الشركة شركة الصنائع يشترك رجلان صانعان في عمل كأبواب الحديث مثلا أو المواسير أو ما أشبه ذلك هذا يجوز.
واختلف العلماء هل تجوز شركة الصنائع مع اختلاف الصنعة بأن يكون أحدهما حداداً والثاني نجاراً؟ على قولين: فمنهم من قال: بالجواز، لأن الغاية واحدة وهي الاكتساب، ومنهم من قال: إنه لا يجوز مع اختلاف الصنائع لأن الحداد ربما يكون إنتاجه أكثر بكثير من النجار، أو بالعكس، بخلاف ما إذا كانا مشتركين في الصنعة، فإن الغالب أنهما متقاربان أو متساويان، والمعروف في المذهب عندنا أن هذه الشركة جائزة ولو مع اختلاف الصنائع، لأن الغاية هي الربح في هذه الصنعة وهي حاصلة سواء مع اتفاق الصنائع، يعني: من هذا النوع من الشركة شركة الصنائع يشترك رجلان صانعان في عمل كأبواب الحديث مثلا أو المواسير أو ما أشبه ذلك هذا يجوز.
واختلف العلماء هل تجوز شركة الصنائع مع اختلاف الصنعة بأن يكون أحدهما حداداً والثاني نجاراً؟ على قولين: فمنهم من قال: بالجواز؛ لأن الغاية واحدة وهي الاكتساب، ومنهم من قال: إنه لا يجوز مع اختلاف الصنائع؛ لأن الحداد ربما يكون إنتاجه أكثر بكثير من النجار، أو بالعكس، بخلاف ما إذا كانا مشتركين في الصنعة، فإن الغالب أنهما متقاربان أو متساويان، والمعروف في المذهب عندنا أن هذه الشركة جائزة ولو مع اختلاف الصنائع؛ لأن الغاية هي الربح في هذه الصنعة وهي حاصلة سواء مع اتفاق الصنائع أو اختلافها، لو اشترك شخصان أحدهما في الاصطياد من البر والثاني في الاصطياد من البر والثاني في الاصطياد من البحر واشتركاً على أن ما يكتسبان فبينهما، فالحكم الجواز مع أنه قد يأتي صاحب البحر بسمك كثير، وصاحب البر لا يأتي إلا بشيء قليل أو يكون العكس يأتي صاحب البر بصيود كثيرة، وصاحب البحر لا يأتي إلا بقليل، المهم أن هذا جائز ولا بأس به.
ومن فوائد الحديث: جواز الاشتراك فيما يكتسبه الرجلان من أسرى، أو صيود، أو احتطاب، أو حشيش أو غير ذلك، مما تكون الوسيلة فيه العمل البدني المحض.
ومنها: سعة الشريعة وذلك بتنويع موارد الرزق، لأن الإنسان ربما لا يكتسب إذا كان وحده، وإذا كان له شريك اكتسب ونشط على العمل.
ومنها: أن اكتساب المال بالطرق المباحة جائز؛ لأن هذا النوع لا شك أن يساعدون بعضهم بعضا، وأنهم ربما يتسابقون أيهم أكثر إنتاجاً وعملاً.
وهل نقول: ومنها جواز الاشتراك في الأسرى؟ لا، لأن بعد استقرار تقسيم الغنيمة صار السرى أمرهم على الإمام لا للمجاهدين، نعم لو اشتركوا فيما يجعله الإمام من النفل فلا بأس، مثل أن يقول الإمام: من قتل قتيلا فله ما عليه من السلاح هذا جائز؛ لأنه فيه تشجيعاً على قتل الأعداء، وهو نوع اكتساب، فإذا قال الإمام أو قائد الجيش: من قتل قتيلا فله ما عليه من السلاح، واشتركا اثنان فيما يكتسبانه من هذا الوجه فهو جائز كما اشترك عبد الله بن مسعود وعمار وسعد فيما يحصل من الأسرى.
стр. 2000
الوكالة:
٨٤٥ - وعن جار بن عبد الله ﵁ قال: «أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر، فخذ منه خمسة عشر وسقا» رواه أبو داود وصححه.
الظاهر جواز سكون السين وفتحها، قال: «أردت الخروج إلى خيبر» ما هي خيبر؟ خيبر مكان يقع من المدينة نحو مائة ميل نحو الشمال الغربي، وفيه حصون وقصور ومزارع لليهود، وسبب مجيء اليهود إلى خيبر وإلى المدينة أنهم قد قرءوا في التوارة أنه سيبعث نبي يكون مهاجره المدينة، فصاروا يجتمعون من أقطاب الأرض في المدينة انتظاراً لهذا النبي الذي أخبرت به التوراة، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، يعني: يستنصرون، ويقولون: سيبعث نبي ونكون من أتباعه ونغلبكم، ولكن لما بعث النبي ﷺ من العرب أنكروا وتنكروا لهذا، وقالوا: ليس هذا النبي الموعود، لأنهم ظنوا أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل، ولكن كان من بني إسماعيل من بني عمه، والغالب أن بني العم يقع بينهم الحسد، ولاسيما مثل اليهود الذين هم أشد الناس حسداً، فحسدوا العرب، وقالوا: ليس هذا النبي الذي أخبرت به التوراة، وأنكروا المهم: أن الرسول ﷺ غزاهم في خيبر، فلما حصل الفتح طلبوا من النبي ﷺ أن يبقيهم في خيبر على أن يكونوا عمالاً فيها مزارعين في الزرع ومساقين في النخل، لأن العمل في النخل يسمى مساقاة، والعمل في الزرع يسمى مزارعة، فعاملهم النبي ﷺ وأعطاهم خيبر على النصف، نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع يكون لليهود والنصف الثاني للمسلمين، وحصل بفتحها خير كثير ورزق كثير للصحابة- ﵃ وكفاهم اليهود المؤنة والتعب وبقي المسلمون على ما هم عليه من الجهاد في سبيل الله والتفرغ للدعوى، وخيبر تدر عليهم.
لما حصل الفتح كان النبي ﷺ وكيل في خيبر من أجل ملاحظة الثمار التي للمسلمين ومن أجل مقاسمة اليهود، فأراد جابر أن يخرج إلى خيبر، قال: «فأتيت النبي ﷺ » أي: ليخبره بأنه سيخرج إلى خيبر، فقال له النبي ﷺ «إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقا» وتمام الحديث، «فإن أراد منك أمارة فضع يدك على ترقوته» وليت المؤلف جاء بها، كأن الرسول ﷺ جعل آية بينه وبين وكيله على هذا الوجه أنه إذا جاء أحد يقول: أرسلني الرسول قال: ما العلامة إذا كان صادقاً أن الرسول بعثه سيضع يده على ترقوته قال هذه العلامة وإن لم يكن صادقاً فلا يدري.
стр. 2001
نقول: في هذا الحديث عدة فوائد منها: أن النبي ﷺ جعل وكيلاً في خيبر؛ لأن هذا من الحزم، فإن الإنسان مهما كان لا يمكن أن يحيط بجميع الأعمال المنوطة به، والنبي ﷺ كما تعلمون قد أنيطت به الأمة كلها، فلابد أن يتخذ أعواناً ووكلاء، من جملة من اتخذ من الوكلاء هذا الرجل وكيلا في خيبر من أجل جمع ما للمسلمين من الثمار والزروع من خيبر ومراقبة اليهود.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الوكالة، فما هي الوكالة؟ الوكالة سبقت تفسيرها بأنها لغة: التفويض، ومنه التوكيل على الله تفويض الأمر إليه، وفي الاصطلاح تفويض غيره في عمل يملك التصرف فيه.
ومن فوائد الحديث: أن الصحابة- ﵃ إذا أرادوا أمراً، ولاسيما فيما يتعلق بشئون المسلمين العامة أخبروا النبي ﷺ لأن جابراً أخبرا رسول الله ﷺ على أنه يحتمل أن جابراً إنما أخبر النبي ﷺ من أجل أن يأمر له بشيء.
ومن فوائد الحديث: جواز إعطاء الإمام ما يعطيه من الرعية على حسب ما يرى أنه مصلحة ولا يلزمه أن يسوي الناس في هذا، بل الواجب أن يعدل بين الناس، وهنا فرق بين التسوية وبين العدل، والعدل إعطاء كل ذي حق ما يستحقه، والتسوية أن يسوي بين الناس، هنا نعرف خطأ من يقول: إن الدين الإسلامي جاء بالمساواة فإن هذا خطر عظيم ومبدأ لغرض فاسد، والدين الإسلامي أبعد ما يكون عن المساواة ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥] ﴿هل يستويان مثلا﴾ ﴿قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] وإذا قلنا بأن الدين الإسلامي دين المساواة احتج علينا من يقول: إذن المرأة يجب أن تساوي الرجل، فإذا قلنا: إن الدين الإسلامي دين العدل انفصلنا وانفككنا عن هذا المبدأ؛ لأنه ليس من العدل أن تسوى المرأة بالرجل، المهم: أن الرسول ﷺ كان يتصرف فيما يعطي من بيت المال بحسب ما تقتضيه الحكمة والعدل لا بالتسوية، صحيح أن دين الإسلام يسوي بين الشيئين المتفقين وهذا لا نسيمه تسوية بل نسميه عدلاً، لأن التسوية ليس فيها معنى العدل، العدل قد تضمن معنى لا يتضمنه لفظ التسوية.
ومن فوائد هذا الحديث حسب الجملة التي حذفها المؤلف ﵀ أنه ينبغي للإنسان أن يجعل أمارة يعرف بها صدق المدعي× لأن النبي ﷺ جعل أمارة بأن يضع المدعي يده على ترقوته.
نسبت أن أتكلم عن الوسق هو الحمل الذي تحمل به الإبل، ومقداره ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ فكم تكون خمسة عشرة وسقا؟ تسعمائة ساع بالصاع النبوي.
إذا قال قائل: هذا العطاء كثير كيف يعطي النبي ﷺ رجلا واحدا خمسة عشرة وسقا؟
فالجواب: أن هذا العطاء ليس عندنا دليل أنه لجابر وحده، قد يكون جابر ومعه آخرين، وإذا كان لجابر ومعه آخرين فليس غريبا أن يعطيه النبي ﷺ هذا العطاء الكبير.
стр. 2002
حكم الوكالة وشروطها:
٨٤٦ - وعن غزوة البارقي ﵁: «أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية» الحديث. رواه البخاري في أثناء حديث، وقد تقدم.
ذكر المؤلف هذا الحديث للاستدلال على جواز الوكالة، فقد وكل النبي ﷺ عروة البارقي ﵁ أن يشتري له شاة أضحية بدينار، فاشترى بالدينار أضحيتين ثم باع إحداهما بدينار، فجاء إلى النبي ﷺ بأضحية ودينار، فدعا له النبي ﷺ بالبركة في البيع، فكان لا يبيع شيئا إلا ربح فيه حتى التراب ببركة دعاء النبي ﷺ له.
ففي هذا الحديث دليل على جواز التوكيل في الشراء؛ لأن الرسول ﷺ وكل عروة أن يشتري له أضحية بدينار.
ومن فوائده: أن لا يشترط في الوكالة أن يعين الموكل مقدار الثمن فيما إذا وكله في شراء فيقول مثلا: اشتر لي كذا وكذا بدون أن يقدر الثمن، وذلك لأن هذا الوكيل محل ائتمان عند الموكل، وإذا كان محل ائتمان فإنه لن يشتري له إلا بمثل الثمن ولا يمكن أن يشتري بأكثر، ولكن إن خاف الموكل أن يكون الثمن مرتفعا ارتفاعاً لا يخطر له على بال كما لو كانت الأسعار مضطربة ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً، فحينئذ ينبغي أن يقيد له الحد الأعلى، فيقول مثلا: أنت وكيل أن تشتري لي كذا بشرط ألا يتجاوز كذا وكذا، ومثاله يقول: وكلتك أن تشتري شاة أضحي بها بشرط ألا تتجاوز خمسمائة ريال، أما إذا كانت الأسعار ثابتة فإنه لا حاجة إلى تقدير الثمن، كذلك لو وكله أن يبيع له، قال: خذ هذا الثوب فبعه فإنه لا يشترط أن يبين له مقدار الثمن الذي يبيع له، لماذا؟ لأنه قد ائتمنه وإذا كان قد ائتمنه فلا يمكن أن يبيع بأقل من ثمن المثل، ولكن لو خاف أن يبيعه بنقص فحينئذ يحدد الحد الأدني فيقول: بعه على ألا ينقص الثمن عن كذا وكذا حتى لا يقع في مشكلة فيما بعد، لأني قد أوكله أن يبيع لي هذا الثوب وكنت أقدر أن يبيعه بعشرة ثم يأتيني بخمسة، وهذا مشكلة وقد يتهمه الوكيل، فإذا خفت من أن ينقص عما في ضميرك فينبغي أن تحدد الثمن.
وفي الحديث دليل على مشروعية الأضحية؛ لأن الرسول ﷺ وكله أن يشتري له أضحية، والأمر كذلك، وقد ضحى رسول الله ﷺ في المدينة من حين قدم، ولم يتخلف عن الأضحية إلا في حجة الوداع، لأنه لما حج أهدى ولم يضح، ولهذا لا يشرع للحاج أن يضحي اكتفاء بالهدي.
стр. 2003
ومن فوائد بقية الحديث الذي لم يذكره المؤلف هنا: أنه يجوز للوكيل أن يتصرف فيما هو أحظ للموكل وإن لم يستأذن منه، لكن بشرك أن يحافظ على ما وكل فيه، دليله: أن عروة اشترى بالدينار شاتين ثم باع إحداهما بدينار ورجع بشاة ودينار، وهذا ما يسمى عند أهل العلم بتصرف الفضولي، هل هو جائز ونافذ؟ والصحيح أنه جائز نافذ إذا أجازه من تصرف له فيه، أما إذا لم يجزه فإنه يرد ووجه ذلك: أنه إذا أجازه فإنه حق آدمي رضي به فأجيز، أما إذا لم يجزه فإن الممتصرف تصرف فيما ليس له فيه حق، مثال ذلك: لنفرض أني أعلم أنك سوف تبيع سيارتك فجاء شخص وقال: من له هذه السيارة فبعتها عليه بدون أن أستأذن منك وبدون أن توكلني، ثم بعد ذلك أخبرتك بأنني بعتها، فقلت: لا بأس أنا قد أجزتك، فهل يصح بيعي؟ الصحيح أنه يصح، وذلك لأن الأصل في منعي من التصرف في هذه السيارة مراعاة حقك فإذا رضيت بذلك زال المانع، وهذا عروة البارقي ﵁ لم يأذن له الرسول ﷺ أن يبيع الشاة الثانية، لكنه ﵁ لما علم أن المقصود الذي كان النبي ﷺ يريده حاصل إذا باع الشاة الثانية، قال: إذن أتصرف لأنها في مصلحة الموكل، أما لو تصرف على وجه لا يحصل به مقصود الموكل فإن ذلك لا يصح، مثل أني قول: خذ اشتر لي سبع ضحايا فيجد بقرة تباع فقال: أشتريها بدلاً عن السبع، فإن هذا لا يصح، لأن مقصود الموكل يفوت، فإن الأضحية بالغنم أفضل من الأضحية بالبقرة.
على كل حال: هذا الحديث يدل على جواز تصرف الفضولي بشرط أن يجيزه ويمضيه، ولكن لو كان هذا التصرف يحتاج إلى نية مثل أن يؤدي عنه زكاة شخص يعرف أن هذا الرجل الغني عنده زكاة فمر به فقير يعرف حاله تماماً فأعطاه دراهم ينويها زكاة عن التاجر، والتاجر لم يوكله فهل يجوز ذلك؟ في هذا خلاف، فمن العلماء من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: إنه جائز، واستدل من قال بالجواز بفعل أبي هريرة ﵁؛ حيث جعله رسول الله ﷺ على صدقة الفطر، فجاءه ذات ليلة رجل هو الشيطان على صورة رجل وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة، وقال لأخبرن عنك رسول الله ﷺ ، فادعى هذا الرجل أنه فقير وذو عيال، فرق له أبو هريرة وأطلقه، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال له: «ما فعل أسيرك البارحة» قال: يا رسول الله ادعى أنه ذو حاجة وعيال فأطلقته وقال: إنه لن يعود، فقال النبي ﷺ «كذبت وسيعود» معنى «كذبك» يعني: كذب عليك، يعني: سيعود- فلما كانت الليلة الثانية ترقبته وعلمت أنه سيعود؛ لأن النبي ﷺ قال: إنه سيعود، فجاء هذا فأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فقال: لا تفعل، وادعى أنه ذو حاجة وعيال فرق له أبو هريرة
стр. 2004
وتركه، فلما غدا إلى رسول الله ﷺ فقال له: «ما فعل أسيرك البارحة» قال: يا رسول الله ادعى أنه ذو حاجة وعيال فأطلقته وقال: إنه لن يعود فقال: «كذبت وسيعود» فجاء في الثالثة فأمسكه وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ فادعى أنه ذو حاجة وعيال، فقال: لا، لأرفعنك، فقال: ألا أخبرك بآية إذا قرأتها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال: بلي أخبرني، فقال: آية الكرسي، فلما أصبح أبو هريرة أخبر النبي ﷺ بذلك فقال: «صدقك وهو كذوب» صدقك في آية الكرسي، ثم قال: «أتدري يا أبا هريرة من تخاطب منذ ثلاث» قلت: الله ورسول أعلم، قال: «ذاك شيطان»
الحاصل/ أن النبي ﷺ لم يقل لأبي هريرة: لماذا تمكنه من الأخذ وأنا لم أوكلك، فأجاز النبي ﷺ تصرف أبي هريرة مع أنه يتصرف في مال زكوي، القول الثاني: أنه إذا كان زكاة فإنه لا يجوز، لأن الزكاة لا تصح إلا بنية سابقة على الفعل، وأنا متردد إلا في مسألة الزكاة المجموعة التي أمر الإنسان أن يحفظها ثم جاء مستحق وأعطاه، فهذه لا شك أن حديث أبي هريرة يدل عليها، وأما الزكاة التي لم تعد وأخرج عن صاحب المال بدون إذنه فهي محل تردد، لكن لو جاءني أحد يستفتي وقد فعل فقلت له: لا بأس، أما أنه سيفعل لقلنا: لا تفعل حتى تراجع صاحب المال.
جواز التوكيل في قبض الزكاة:
٨٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة ... » الحديث متفق عليه.
«بعث رسول الله عمر على الصدقة» عمر بن الخطاب ﵁ معروف لدى الجميع، بعثه النبي ﷺ ذات عام على الصدقة، يعني: يجمعها من الناس، هذا يدل على جواز التوكيل في قبض الزكاة وأنه يجوز لولي الأمر أن يوكل من يقبض الزكاة من أهلها، وإذا قبضها العامل من أهلها فإنها تبرأ بذلك ذممهم، فلو تلفت فلا ضمان على أهل الأموال، لو فرض مثلا أن إنساناً أخذ الصدقة من قبل الحكومة من أهلها ثم تلفت، مثل أن تكون بعيراً فندت أو دراهم فاحترقت أو ما أشبه ذلك، فإن أهل الزكاة الذين دفعوها لا يضمونها؛ لأن ذممهم برئت باستلام وكيل ولي الأمر، ولكن هل يضمن هذا الوكيل العامل؟ إن تعدي أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان، ومن هذا النوع الجمعيات الخيرية التي فيها ترخيص من الدولة، فإن قبضتها كقبض الدولة فلو أعطيتها زكاة ثم تلفت أو سرقت فإن ذمتك تبرأ، ولا ضمان عليهم إذا لم يتعدوا أو يفرطوا.
стр. 2005
وقول المؤلف: «الحديث» كيف نقرؤه؟ يعني: الحديث أو الحديث أو الحديث؟ يجوز النصب، يعني: اقرأ الحديث، ويجوز الجر، يعني: إلى آخر الحديث، لكن النصب هو المشهور، يعني: اقرأ الحديث، وإذا كان يريد المؤلف أن نقرأ الحديث فنقول: إن عمر لما رجع ذكر للرسول ﷺ أنه منع الصدقة ثلاثة رجال: ابن جميل واسمه عبد الله، والعباس بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد ثلاثة، وكلهم حكم لهم النبي ﷺ بما يقتضيه العدل، فقال ﷺ في ابن جميل: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» يعني: ما ينكر إلا هذا وهذا ينكر أو يشكر؟ يشكر، ولهذا قال العلماء: إن هذا من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهذا معروف في البلاغة إذن أنكر عليه الرسول ﷺ وكان عليه أن يشكر الله على نعمته ويؤدي الزكاة قال: «وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً» انظر الدفاع العجيب، قال: «أما خالد فإنكم تظلمون خالداً» ولم يقل: تظلمونه، بل أظهر في موضع الإضمار تفخيماً له؛ لأنه ذكره باسمه أعظم وأفخم، «فقد احتبس أدرعه وأعتداه في سبيل الله» والذي يحتبس أدراعه وأعتداه في سبيل الله هل يمنع الزكاة، وهو يفعل التطوع؟ لا يمكن هذا إن لم ينقل/ أن الأعتاد والأدراع جعلها من الزكاة في سبيل الله، لكن الظاهر أنها وقف، لأنه قال: احتبس يعني فكأنه يقول: إن الذي يفعل التطوع لا يمكن أن يمنع الواجب، أما العباس فقال أكرم الخلق صلى لله عليه وسلم: «هي علي ومثلها» لماذا قال: هي على ومثلها؟ قيل: إن هذا عبارة عن تأجيل الزكاة، يعني: إذا منع أن يعطيكم هذه السنة فأنا أعطيكم زكاة هذه السنة وزكاة العام المقبل، ولكن الذي يظهر لي- والله أعلم- أن هذا من حكمة الرسول ﷺ وليس من باب تعجيل الزكاة، وذلك أن العباس قال فيه الرسول ﷺ «أما شعرت يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه» الصنو: النخلتان في جذع واحد، كما قال تعالى: ﴿صنوان وغير صنوان ... ﴾ [الرعد: ٤] العم والأب صنو؛ لأن أصلهما واحد، وهو الجد أنا أقول: إن ألتزام الرسول ﷺ قوله: «على ومثلها» من باب الكرم من وجه، ومن باب إدلال قرابة الوالي من وجه آخر، العباس عم الرسول فإذا منعها فينبغي أن يضعف عليه الزكاة بأن يؤدي زكاتين لئلا يدل قرابة الوالي لقرابتهم له، وهذا ما يسمى عندنا في العرف الحاضر استخدام الوجاهة أو استخدام المنصب، يعني: بعض الناس يستخدم منصبه ووجاهته في الأمور من أجل أن يدفع اللوم عن نفسه، أو من أجل أن يأخذ من الناس ما يأخذ، ونظير هذا أن عمر بن الخطاب ﵁ إذا نهى الناس عن شيء جمع آل الخطاب وقال لهم: «إني نهيت الناس عن كذا وكذا، فوالله لا أرى أحدا فعله إلا أضعفت عليه العقوبة» أين هو من حكم الناس اليوم؟ إذا كان أحد من الأقارب يفعل الشيء يضعف عليه العقوبة؛ لماذا؟ لأنه أقاربه انتهكوا هذا الشيء من أجل
стр. 2006
أمرين أولاً: ضعف الإيمان، والثاني: قرابتهم للحاكم، يظنون أن هذا يمنعهم لكن عند عمر بالعكس يضعف عليه العقوبة، فأظن هذا من الرسول ﷺ أظنه من هذا الباب، أي: أنه إذا كان العباس منع من أجل قرابته من الرسول فكأنه يقول: أنا قريب الرسول ما علي زكاة، فأرد الرسول ﷺ أن يجعل في هذا شيئاً من التأدين، بأن يضعف عليه الزكاة.
الشاهد من هذا الحديث: جواز توكيل الإمام من يقبض الزكاة من أهلها، وهل يجوز أن يوكل من يفرقها في أهلها؟ الجواب: نعم، وسيأتينا في الحديث القادم إن شاء الله.
جواز التوكيل في ذبح الهدي والأضحية وتفريقهما:
٨٤٨ - وعن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين، وامر عليا ﵁ أن يذبح الباقي» الحديث رواه مسلم
اختصر المؤلف الحديث اختصاراً مخلا جدا لأننا ما ندري أين كانت هذه، ولكن نظراً لأنه سبق في كتاب الحج كأنه اعتمد على ذلك، حديث جابر هذا هو حديثه الطويل في صفة الحج الذي يعتبر أصلا في المناسك، لأن جابراً ﵁ ذكر حج النبي ﷺ منذ خرج من المدينة إلى أن حل يوم النحر في حج الرسول ﷺ أهدى رسول الله ﷺ مائة بعير عن كم شاة؟ عن سبعمائة شاة مع أنه ﷺ حالته المادية ضعيفة جدا إذ مات ودرعه مرهونة عند يهودي، والناس الآن يسألون عن نسك الإفراد، لماذا؟ لأنه ليس فيه هدي يقول: نبغي نسك ما علينا فيه هدي ولو كان التمتع أفضل وهذا النبي ﷺ أهدى في حجة الوداع مائة ناقة عن سبعمائة شاة، ولما كان يوم العيد ورمى الجمرة ذهب إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده الكريمة، هذا مع المعاناة والتعب والمجيء على الإبل والشمس والرمي نحو ثلاثا وستين وأعطى علي بن أبي طالب البقية ينحرها وهي سبعة وثلاثون بعيراً، والمهم أعطى علي بن أبي طالب فنحر الباقي وأمره أن يتصدق بجلودها ولحمها معروف وجلالها حتى الجلال الذي يرفع على ظهر البعير أمره أن يتصدق به ثم أن يأخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من اللحم وشرب من المرق امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] وهذا رسول الله ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يحافظ هذه المحافظة حتى يأخذ من كل بعير قطعة، فإذا أكل من اللحم وشرب من المرق فقد نال جسده كل ما في هذه الإبل من الطعام، نسأل الله أن يعيننا إذا رأينا أنفسنا نتهاون ونتكاسل، فقد يقول قائل: خذ هذه الدراهم أعط شركة الراجحي يذبحون عنك، أو خذ هذه الدراهم اجعلها في بلاد أخرى من بلاد المسلمين ولا تضخ، سبحان الله ضح، كل من أضحيتك أهد كل من هديك لابد من تعب حتى تحقق العبادة لله من كل وجه.
стр. 2007
على كل حال: الشاهد من هذا الحديث أن النبي ﷺ وكل علي بن أبي طالب في أن ينحر بقية الهدى هذا واحد، وأمره أن يتصدق، وهذا الثاني، ففي هذا دليل على جواز التوكيل في ذبح الهدي وإذا جاز التوكيل في ذبح الهدي جاز التوكيل في ذبح الأضحية، لأنهما سواء لا فرق بينهما، وكذلك إذا جاز التوكيل في تفريق لحم الهدي جاز التوكيل في تفريق لحم الأضحية، وإذا جاز التوكيل في تفريق لحم الأضحية، جاز التوكيل في تفريق الزكاة والصدقة قياساً، لأن الكل مال يخرج تقرباً إلى الله قال بعض أهل العلم: وفي نحر الرسول ﷺ ثلاثاً وستين بيده مناسبة لسنوات عمره الشريف، لأن النبي ﷺ كان عمره ثلاثاً وستين سنة، وكان هدية الذي نحره في آخر سنة من سنواته ثلاثا وستين فنطاق، هذا العدد مع عدد سنواته والله أعلم هذا أمر مقصود، أو أنه أمر جاء على سبيل المصادفة.
جواز الوكالة في إثبات الحدود وتنفيذها:
٨٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ في قصة العسيف: قال النبي ﷺ «لأغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» الحديث متفق عليه.
«في قصف العسيف» وفي رواية: في قصة الأجير: والعسيف كالأجير لفظاً ومعنى، لفظاً لأن كل واحد منه على وزن فعيل، ومعنى لأن العسيف بمعنى الأجير، قصة هذا الرجل أن شخصاً استأجر شاباً يعمل عنده فزنى هذا الشاب بامرأة الرجل، فما زنى بها أخبر أبوه بأن عليه الرجم على هذا الشاب- وتعرفون الأب وربما لا يكون له ولد إلا هذا أدركته الشفقة فقال: أنا أعطيكم وليدة ومائة شاة، الوليدة هي الجارية، فافتدى بهذا المال، والذي قال له ذلك: أي: الذي قال: إن على ابنك الرجم جاهل انظر إلى ضرر الفتيا بجهل، قال: ولد هذا يرجم فصدق الرجل؛ لأنه جاهل فافتداه بمائة شاة ووليدة يقول: ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني بأن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، ثم قال الرسول ﷺ «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك» رد بمعنى: مردود كما في قوله: ﷺ «من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» الغنم والوليدة رد عليك، لأنها أخذت بغير حق، وما أخذ بغير حق وجب رده، ليطابق الحق، «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» لماذا؟ لأنه غير محصن، والزاني غير المحصن يعني: الذي لم يتزوج ويجامع زوجته- عليه جلد مائة وتغريب عام، «واغد يا أنيس» هذا الشاهد لرجل من أسلم «أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» فغدا أنبي إلى امرأة الرجل فاعترفت فرجمت.
стр. 2008
والشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلك وكل هذا الرجل في إثبات الحد وفي تنفيذ الحد يعني: استيفاؤه، فدل هذا على أنه يجوز للإمام أن يوكل من يثبت الحد بالإقرار أو بغيره ويجوز أيضا للإمام أن يوكل من يستوفي الحد، فلو قال مثلا القاضي أو الإمام ومن له تنفيذ الحدود: يا فلان، اذهب إلى فلان فإن اعترف بالسرقة فاقطع يده، فذهب إليه فاعترف، فإنه يقطع يده بناء على توكيل الإمام في هذا الحديث، قال النبي ﷺ : «فإن اعترفت فارجمها» ولم يقل: إن اعترفت أربع مرات، ولا إن اعترفت مرتين، إنما قال: «إن عرفت» فقط، ففيه دليل على ان الاعتراف بالزنا يكفي فيه مرة واحدة، وقد جرى مثل ذلك للغامدية، وحيث اعترفت مرة واحدة، فأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليها، وفعلاً قالت للرسول ﷺ أتريد أن تردني كما رددت ماعزاً ﵁، لكن يشكل على هذا قصة ماعز بن مالك ﵁ حيث جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني زنيت، فتنحى عنه الرسول ﷺ فأعاد عليه، وقال: يا رسول الله، إني زنيت، فتنحى عنه، فأعاد عليه ثالثة، فتنحى عنه، فأعاد عليه رابعة، وقال: إنه زنى، فقال: «شهدت على نفسك أربعا قال: أبك جنون» قال: لا، وسأل عنه من يعرفه هل في الرجل شيء، حتى ذكر أن الرسول أمر من يقوم يستشمه لعله شرب خمراً، فلما تمت القضية أمر النبي ﷺ برجمه فرجمه الناس، فلما أذلقته الحجارة ومسته هرب ﵁ حتى لحقوه وأدركوه وأتموا عليه فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال لهم: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» ما عنفهم ولا قال: اضمنوا الرجل؛ لأنهم إنما رجموه بأمر الرسول ﷺ ، ما علموا أنه إذا هرب يترك، فهم استندوا على أمر شرعي، المهم: أن بعض أهل العلم أخذ بحديث ماعز وقال: لابد في الإقرار بالزنا من أربع مرات، وقالوا: إن النبي ﷺ قال: «شهدت على نفسك أربعا» وقالوا: إنه لما كان لابد في ثبوت الزنا من شهادة أربع رجال كان لابد في الإقرار به من تكرار الإقرار أربع مرات، ولكن كل هذه أدلة ضعيفة والصحيح أن الزنا يثبت بالإقرار مرة إذا أتمت شروط الإقرار، ولا يحتاج إلى تكرار، لأنه شهد على نفسه، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥] وهل الشاهد إذا شهد نقول: كرر الشهادة، لو جاء إنسان يشهد يقول: أشهد أن فلانا يطلب فلاناً من أجل ألف ريال هل نقول: كرر؟ لا، ما نقول هذا؛ لأنه شهد على نفسه فلا حاجة إلى التكرار، وقصة ماعز قضية عين، ما قال الرسول ﷺ : من لم يشهد أربع مرات فلا تقيموا عليه الحد، قضية عين، ويظهر فيها- إذا تأملتها أن رسول الله ﷺ رأى من هذا الرجل أنه لابد
стр. 2009
من استثبات؛ ولهذا سأله: «أبك جنون؟ » وأمر الناس أن يشموه وسأله عنه من حوله، كل هذا يدل على أن الرسول ﷺ أراد بالتكرار الاستثبات والتثبيت؛ لأن المسألة ليست هينة، بل فيها قتل فيرجم حتى يموت، فلهذا استثبت الرسول ﷺ وأما قولهم إن الرسول قال: «شهدت على نفسك أربع مرات» فنعم نقول: الرسول ما قال: ولو شهدت أقل من أربع ما أقمنا عليك قال: «شهدت على نفسك» يعني: والآن ما بقي شيء، وأما قياسه على الشهادة فمن أبطل القياس؛ لأننا لو قسناه على الشهادة لقلنا: إذن والمال لابد فيه من مرتين؛ لأنه لابد من رجلين في المال فلابد من الإقرار مرتين ولم يقل به أحد، حتى الذين قالوا بالإقرار أربعاً في الزنا ما قالوا بالإقرار مرتين في الأموال وشبهها، ويدل لذلك حديث أبي هريرة حيث قال الرسول ﷺ لأنيس: «إن اعترفت فارجمها» ولم يقل: إن اعترفت أربعاً، ولكن في الحديث إشكال وهو كيف يقول الرسول ﷺ لأنيس: «اذهب فإن اعترفت فارجمها» مع أن الأفضل لمن أتى حدا أن يستر على نفسه ولا ينبغي لمن زنى أن يذهب للقاضي ويقول: إنه زنى، يعني: فعل ماعز جائز ولكن ليس هو الأفضل، بل الأفضل أن يستر على نفسه ويتوب فيما بينه وبين ربه، فكيف يأمر النبي ﷺ أنيساً أن يذهب ليقرر المرأة؟ نقول: إنما أرسل النبي ﷺ إليها، لأن المسألة اشتهرت فالرجل صار يسأل وزوج المرأة حاضر ووافق على قول والد العسيف، هذا قرينة تدل على الأمر واقع، وما دام وقع واشتهر فلا ينبغي كتمانه؛ لأن هذا ضرر إذا اشتهرت الفواحش وكتمت فففيها شر، فلما اشتهر هذا الأمر كان لا وجه لستره، ولذلك أرسل النبي ﷺ إليه من يقررها فلما أقرت رجمها.
هل يجوز التوكيل في الصلاة؟ إنسان قال لأخيه: أنا الآن بي نوم وأنام قبل أن يؤذن العشاء فوكلتك أن تصلي العشاء؟ لا يجوز إذا وكله في الوضوء والصلاة أيضا لا يجوز، لماذا، لأن هذا عبادة متعلقة ببدن الإنسان، لو وكله في الصوم لا يجوز، وكله في الحج؟ فيه تفضيل إذا كان عجز عن الحج عجزاً مستمراً جاز كما جاءت به السنة وإلا فلا يجوز.
في هذا الحديث فوائد: ولتكم الفوائد دائرة على جميع القصة، جواز استئجار الأجير للخدمة، وجه ذلك: أن هذا العقد وقع في عهد النبي ﷺ وعلم به وأقره.
وفيه خطورة تأجير الشباب، لأن هذا الرجل وهو صحابي حصل منه الزنا بامرأة من استأجره، فإذا كان هذا في عهد الرسول ﷺ ومن الصحابة فما بالك في عهدنا اليوم، ولهذا نعتبر أن الخدم الذين يكونون في البيوت من أخطر ما يكون على أعراض أهل البيت، كما أن الخادمات اللاتي تكون في البيوت من أخطر ما يكون على أعراض أهل البيت، وقد سمعنا قضايا مفزعة مشينة تجري من الخدم الذكور والإناث لا يليق بنا أن نتكلم بها في هذا الموضع
стр. 2010
ولكنها مشهورة ومعروفة، ولهذا نحن نحذر من استقدام الخدم واستقدامهم إلا عند الضرورة، وكنت أتساهل في موضوع بقاء المرأة خادما بلا محرم لكن بعد أن سمعت ما أصم أذني من القضايا أرى أنها لا تستقدم إلا بمحرم يكون معها يحفظها هي بنفسها ويحفظ منها، ولاسيما إذا كان في البيت شباب، والمسألة خطيرة، وفشو الزنا في المجتمع سبب للدمار، قال الله ﴿وإذا أردنا أن تهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فحق عليها القول فدمرناها تدميراً﴾ [الإسراء] ولا تستبعد العقوبة، ولا تغرنك الدنيا والإمهال، فإن الرسول صلى لله عليه وسلم قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» وتلا قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد﴾ [هود: ١٠٢] فالنعمة التي نحن فيها اليوم من الأمن والرخاء والرغد الذي وصل إلى حد يضرب به المثل، ووصل إلى حد يستقدم الخادم من لا يحتاجه، حتى بلغني أن شخصا وزوجته عنده ثلاث خدم هو وزوجته فقط واحدة لغسيل البيت، وواحدة للطعام، وواحدة لتنظيف الثياب، وما أدراك ما تنظيف الثياب أمور مفزعة مشيبة، والذي يحصل على هذا الترف والغفلة عن توجيهات الشرع، وإرشاد الشرع حيث نهى عن البزخ، ونهى عن الإسراف وأمر بالاقتصاد ولكن مع الأسف الشديد أن غير المسلمين خير من المسلمين في هذا الباب في الاقتصاد والحرص على حفظ الوقت، وعلى حفظ المال، والناس يحدثوننا عن الأمم الكافرة في حرصهم على الاقتصاد وعلى الوقت، شيء عظيم نعلم أن ما ذهبوا غليه وساروا عليه هو الشرع، لكننا أضعناه وأخذوا به، لهذا أنا أرجو منكم أنتم بما أنكم طلبه علم أن تختلطوا بالمجتمع وتحذروا المجتمع من هؤلاء الخدم ذكورا كانوا أو إناثاً، وتقولوا: من اضطر إلى ذلك اضطرارا حقيقياً فليأت بالمرأة ومحرمها حتى يسلم من شره وتسلم من شره، يعني: أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، حتى إن يكون الرجل عند النساء المتعددات الشابات الجميلات وعمره نحو ستين سنة ثم تأتيه الخادمة ويزني بها! ! عمره ستون سنة قد نضبت شهوته وعنده ثلاث نساء هذه من جملة ما حدثت به وشكي إلى - ويزني بالخادمة التي قد تكون أقبح من نسائه، لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والذي ينبغي أن نستصرخ إخواننا الدعاة للتحذير من هؤلاء الخدم، سواء كانوا ذكورا أم إناثاً، وإذا أردنا أن نأخذ شاهداً قلنا: كان هذا في خير القرون خطر الخدم والأجراء في البيوت.
ومن فوائد الحديث: أن ما أخذ على وجه باطل فإنه يجب رده، دليل ذلك: قول النبي ﷺ «الوليدة والغنم رد عليك» فأبطل هذا ﷺ كما أبطل شرط الولاء لغير المعتق في قصة
стр. 2011
بريرة، وكما أبطل بيع التمر بأكثر منه، حين قال ﷺ لما جيء له بتمر طيب قال: «كل تمر خبير هكذا» قالوا: لا، لكن نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: «عين الربا ردوه» فأمر بده وإبطاله وهكذا كل ما خالف الشرع يجب على المسلمين إبطاله؛ لأن الله أبطله.
وفي هذا الحديث: خطورة الفتيا بغير علم وأنها تؤدي إلى تغيير حدود الله، وإلى أكل المال بالباطل، فهذه الفتيا التي أتي بها أن على ابنه الرجم أدت إلى أمرين. على تعطيل الحد الشرعي وهو جلد المائة وتغريب عام، وإلى أكل المال بالباطل، وهكذا الفتيا بغير علم خطرها شديد ولهذا جعلها الله تعالى من أصول المحرمات التي حرمت في جميع الشرائع وهي خمسة: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣] فجعلها من هذه الأصول حتى قال بعض العلماء: أن القول على الله بلا علم أشد مما سبق، لأن الإشراك لا يفسد به إلا صاحبه، لكن القول بلا علم تفسد به أمم، ولهذا يجب الحذر من الفتيا بغير علم، ويمر بنا أشياء غريبة جداً منها قال رجل يدعي العلم: إذا وجبت عليك رقبة فاقض دينا عن شخص محبوس وهذا عتق رقبة كفارة قتل، انظر محبوس من خمس ريالات وأخرجه من الحبس، وقل: الحمد لله أعتقت رقبة، هذا شيء واقع أن سئلت عنه، وقال رجل ممن سافر لرمضان في العمرة فإنه يحرم عليه أن يفطر، لماذا؟ لأن الصوم واجب، والعمرة تطوع، والتطوع لا يسقط الواجب، ما شاء الله قياس! ! إذا سمعت هذا الكلام قلت: هذا كلام ابن تيمية، لكن هل هذا صحيح، هل يجب الصوم في السفر حتى نقول: إن السنة لا تسقط الواجب، الصوم في السف لا يجب، لو سافر الإنسان في رمضان للنزهة جاز له الفطر، بل قال أبو حنيفة ﵀ وشيخ الإسلام ابن تيمية لو سافر سفرا محرما فإنه يجوز له أن يفطر في رمضان، أعرفتم مضرة الفتيا بغير علم وأشياء طويلة وعريضة بعضها نسيته ولكن هذا شيء سمعته من قرب، فالحاصل: أن الفتيا بغير علم فيها مضار عظيمة، لو لم يكن منها إلا أنها تؤدي إلى عصيان الله في قوله تعالى ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾
من فوائد الحديث: أن الزاني إذا كان غير محصن وجب جلده مائة جلدة وتغريبه سنة كاملة؛ لقول الرسول ﷺ «لأقضين بينكما بكتاب الله» فبين أن عليه الجلد وتغريب عام، ولكن
стр. 2012
هذا الحديث فيه إشكال، أما جلده مائة ففي كتاب الله واضح: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدة منها مائة جلدة﴾ [النور: ٢] لكن تغريب العام أين هو في كتاب الله؟ نعم في كتاب الله، لأن ما ثبت بسنة رسول الله ﷺ فقد أوجب الله علينا اتباعه، إذن هو في كتاب الله من حيث وجوب العمل به.
ومن فوائد الحديث: أن الزاني المحصن يرجم؛ لقول الرسول ﷺ : «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» والرجم: أن يوقف الزاني أمام الناس، ويضرب بالحصى لا كبيرة ولا صغيرة حتى يموت، والمحصن هو الذي تزوج وجامع زوجته، فأما من لم يتزوج فليس بمحصن، ومن تزوج وطلق قبل الجماع فليس بمحصن، لابد أن يكون تزوج وجامع، ولا فرق بين أن تكون الزوجة باقية معه حتى زنى أو قد طلقها أو ماتت عنه لا فرق.
ومن فوائد الحديث: الاكتفاء بمرة في الإقرار بالزنا، وجهه: أنه قال: «فإن اعترفت» ولم يقيد الاعتراف بأربع وهذا هو القول الراجح، وقد سبق بيان رجحانه والإجابة عن حديث ماعز.
стр. 2013
١٠ - باب الإقرار
«الإقرار» مصدر أقر، ومعناه: الاعتراف واعلم أن الإنسان إما أن يقر بحق عليه، أو يقر بحق لهن أو يقر بحق لغيره على غيره، ثلاثة أقسام، إذا أقر بحق عليه فهو مقر وشاهد على نفسه، وإن أقر بحق على غيره، فهو مدع على غيره، وإن سماه إقرارا فهو دعوى، وإن أقر بحق لغيره على غيره فهو شاهد، شهد لفلان على فلان الإقرار بالحق الذي على الإنسان واجب، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]
فيجب على الإنسان أن يقر بالحق الذي عليه، ومن أقر ألزم بمقتضى إقراره قليلاً كان أو كثيراً بشرط أن يكون ممن ينفذ إقراره فيما أقر به، إذن لابد أن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً، إذا كان إقراره بالمال أو بما يقصد به المال؛ لأن هذا هو جائز التصرف فلو أقر الصبي الصغير فقال: في ذمتي لفلان ألف ريال فإن إقراره لا يصح؛ لأنه لو تصرف بألف ريال ما قبل أو ما صح تصرفه فكذلك إقراره فلابد من أهلية المقر فيما أقر به، وإلا فلا يقبل، إذا رجع عن إقراره فهل يقبل منه الرجوع، نقول: أما في حق الآدمي فلا يقبل منه الرجوع، فلو قال: في ذمتي لفلان مائة درهم ثم رجع وقال: رجعت في إقراري وليس في ذمتي له شيء فإن إقراره لا يقبل، لأنه يثبت حق الآدمي عليه والآدمي رفع حقه مبني على المشاحة، ولا يمكن أن يقبل الرجوع إلا إذا وافق صاحب الحق على الرجوع فالحق له، وأما في حق الله فيقبل الرجوع في غير الحد مثل أن يقول: أنا لم أؤد الزكاة ث رجع، وقال: قد أديتها فإننا فيقبل الرجوع في غير الحد مثل أن يقول: أنا لم أؤد الزكاة ثم رجعن وقال: قد أديتها فإننا نقبل منه الرجوع ونكل أمره إلى دينه ولا نلزمه بأداء الزكاة، وكذلك لو قال: أنا لم أصم القضاء الذي علي من رمضان ثم رجع، وقالك قد قضيته فإننا لا نطالبه.
أما في الحدود فقد اختلف العلماء في ذلك: هل يقبل رجوعه ويرفع عنه الحد أو لا يقبل؟ هذا محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: يقبل، ومنهم من قال: لا يقبل على الإطلاق، ومنهم من فصل فقال: إن قامت قرينة على كذبه في رجوعه فإننا لا نقبل منه الرجوع، وإن لم تقم قرينة فإنه يقبل، مثال ذلك: لو قامت قرينة على أنه عذب عند الإقرار بغير حق ثم رجع فهنا نقبل رجوعه، ولو قامت قرينة على أن رجوعه ليس بصحيح بحيث يكون قد وصف القضية فقال مثلا أنا قرعت الباب على هذه المرأة في الساعة الواحدة ليلاً، ودخلت عليها وفعلت بها الفاحشة وخرجت في الساعة الرابعة ليلاً؛ ونمت على سرير صفته كذا وكذا وكانت
стр. 2014
الحجرة صفتها كذا وكذا طولاً وعرضاً ثم بعد هذا كله قال: رجعت عن إقراري هل نقبله؟ أبداً لا نقبله؛ لأن هذه قرائن تدل على كذبه في الرجوع.
ما الدليل القائلين بقبول الرجوع فيما يوجب الحد؟ دليلهم: حديث ماعز بن مالك ﵁ أنهم لما بدءوا يرجمونه وأذلقته الحجارة هرب حتى أدركوه وأكملوا عليه، فقال النبي ﷺ : «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه»، فقالوا: إذا كان النبي ﷺ قبل توبة هذا الرجل فقبول الرجوع كذلك، ولاشك أن هذا قياس مع الفارق العظيم؛ لأن المقر أراد رفع الحكم من أصله، أما هذا فقد بقى على إقراره بالزنا، لكن أراد المخرج بالتوبة فقال: «هلا تركتموه ... الخ» لو أن المقر هذا جاءني وقال: أنا أقررت ومازلت على إقراري، ولكن دعوني أتوب إلى الله ولم تبلغ الحدود إلى السلطان فإننا ندعه ونقول: دعوه يتوب فيتوب الله عليه، أما إذا وصلت إلى السلطان فلا ترفع، لأن الله قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليه﴾ [المائدة: ٣٤].
على كل حال: لا دلالة في حدث ماعز على قبول رجوع المقر، وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية دلالة حديث ماعز على ذلك وقال إنه لو قبل رجوع المقر بالحد عن إقراره ما أقيم حد في الدنيا؛ لأن غالب الحدود في الزنا إنما تثبت عن طريق الإقرار، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابة «منهاج السُنّة» قال: إنه لم يثبت الحد بالبيّنة إلى يومنا هذا، كل الحدود التي أقيمت في الزنا إنما كانت بالإقرار؛ وذلك لأن الشهادة بالزنا ليست هينة لابد أن يتفق الشهود على الشهادة، ولابد أن تكون الشهادة على أنهم رأوا ذكره في فرجها، من يرى هذا؟ صعب حتى رأوه فوقها لا يستطيعون أن يقولوا: إن ذكره في فرجها، ولذلك لا يثبت حد الزنا بشهود أبدًا ولا أظنه يثبت، لكن لو قال لنا قائل: يمكن الآن يثبت بماذا؟ بالتصوير، قلنا: ولا يثبت بالتصوير؛ لأن هناك ما يسمى بالدبلجة، المهم يمكن أن يأخذوا من هذا ومن هذا ويكونّون صورة، فلسنا على يقين حتى في التصوير مشكل والحد لابد فيه من ثبوت، فإذن إذا قلنا بأنه لابد من أن يقيم المقر على إقراره، وفتحنا باب الرجوع فإنه لا يمكن أن يقام حد الإقرار على سبيل الوجوب؛ لأن كل مقر يمكنه أن يرجع لاسيما في عهدنا الحاضر يُحبس ويُلقن الرجوع ثم بعد أن يكتب إقرارًا وإمضاءه على الإقرار ويثبت كل شيء ويحبس يقول له الذين في الحبس: أنكر وأرجع، فيقول: رجعت، فيأتي من الغد يقول: رجعت عن إقراري؟ فماذا نقول له؟ بعد العمليات كلها وإضاعة الوقت والإثبات عليه يرجع في إقراره ويذهب.
على كل حال: الإقرار في حق الآدمي لا يقبل الرجوع، وفي حق الله من العبادات الخاصة يقبل الرجوع؛ لأن هذا شيء بينه وبين الله في الحدود فيه خلاف بين العلماء، والراجح أنه لا يقبل الرجوع ما لم تقم بيّنة تؤيد رجوعه بحيث يقيم بينة أنه أكره على الإقرار لم يثبت ثبوتًا
стр. 2015
شرعيًا تبرأ به الذمة، أما حكم الإقرار فإنه يقبل الرجوع؛ لأن أصل إقراره لم يثبت ثبوتًا شرعيًا تبرأ به الذمة، أما حكم الإقرار فهو واجب؛ يعني: يجب على الإنسان أن يقر بما عليه في أصله ووصفه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. وإذا أقر الإنسان في الدنيا وأخذ الحق منه كان هذا أفضل له وأطيب مما لو جحد وأخذ منه في الآخرة؛ لأنه في الدنيا يؤخذ منه من ماله والمال يأتي خلفه، لكن في الآخرة لا يوجد خلف إذا أُخذ من أعماله الصالحة، ولهذا سأل النبي ﷺ أصحابه قال: «ما تعدون المُفلس فيكم؟ »، قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، قال: «لا المُفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هل من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم وطرح عليه، ثم طُرح في النار»، وهذا هو المُفلس، ولهذا ذكر عن بعض السلف أنه إذا قيل له: إن فلانًا اغتابك أرسل إليه هدية، فيقول: ما هذا؟ قال: لأنك أهديت إليّ حسناتك، وأنا أهدي إليك متاع الدنيا، أيهما أبقى؟ الحسنات خير وأبقى، وهذا هو الواقع.
إذن الواجب على الإنسان أن يقر بما عليه في الدنيا حتى يستوفي قبل أن يموت.
٨٥٠ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «قل الحق ولو كان مرا». صححه ابن حبان في حديث طويل.
«قل» فعل أمر، والأمر للوجوب، «قل الحق ولو كان مرا» يعني: ولو كان القول مُرًّا، وهذا أحسن من أن تقول ولو كان الحق مرًا؛ لأن الحق وإن كان مر المذاق في أول وهلة لكن عاقبته أن يكون حلوًا، فلو قلنا: قل الحق ولو كان القول مرًا صارت المرارة وصفًا للقول لا للمقول؛ لأن المقول حتى والحق حلو.
وقول النبي ﷺ : «قل الحق» ما هو الحق؟ الحق هو ما وافق الواقع؛ لأن ما وافق الواقع هو ثابت، فيكون حقًا، والحديث يدل على وجوب قول الحق ولو أذاق الإنسان مرارة قوله، فلو أن رجلًا جنى على شخص مثلًا قطع يد إنسان عمدًا ثم أمسك الجاني وليس للمجني عله بنية، فإن بإمكان الجانب أن يرفع القطع بماذا؟ بالإنكار، فيقول للمدعي: هات بنية أني أنا الذي قطعت يدك، لكن إذا قال: نعم. أنا الذي قطعت يده فهذا القول سيكون مرًا عليه لكنه حق، كيف يكون مرًا؟ لأنه إذا أقرّ فسوف تقطع يده، وهذا لاشك أنه مرّ على الإنسان وصعب، لكن
стр. 2016
المؤمن لا يهمه أن يفوت عضو منه في الدنيا لبقاء حسناته في الآخرة، وعموم الحدث يقتضي أيضًا أن يقول الحق ولو كان مرًا في غير إقرار مثل أن يقول كلمة حق عند سلطانٍ جائر، فإن هذا الحق سيكون مرًا؛ لأن السلطان يخشى من بطشه إذا قيل الحق عنده وهو لا يوافق هواه، ولهذا ورد في الحديث: «أعظم الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر»، ويشمل الحديث شهادة الإنسان على أبيه، وعلى ابنه، وعلى أخيه، وعلى قريبه؛ لأن شهادة الإنسان على هؤلاء ستكون مره لكنها قول حق، وقد أمر النبي ﷺ بقول الحق، ولو كان القول مرًا ويؤخذ من مفهوم الحديث: وجوب اجتناب قول الباطل، ولو كان حلوًا فلا يجوز للإنسان أن يشهد لأحد من أقاربه بشيء هو يعلم أنه كاذب، وإن كان هذا قد ينال لذة ومتعة بهذه الشهادة للقريب، لكن ذلك خلاف الحق، فلا يجوز له أن يشهد به، ومن ذلك إذا كان في قول الإنسان الباطل انتصار لنفسه كما يجري بين الطلبة في المناظرات فتجد الإنسان يعدل عن قول الحق إلى قول الباطل من أجل أن ينتصر لنفسه، فيجد لذلك متعة لأنه انتصر ولو بالجدال بالباطل، وهذا حرام لا تقل الباطل، ولو كان حلوًا؛ لأن الأمر بقول الحق ولو كان مرًا يدل على النهي عن قول الباطل ولو كان حلوًا، ومن ذلك ما يفعله بعض المنافسين عند السلاطين والولاة يأتون إليهم يما يُخالف الواقع مما يكون في رعيتهم من أجل أن يدخلوا عليهم السرور في تلك اللحظة فيجدون في ذلك متعة أنهم قالوا شيئًا يُعجب رئيسهم ومديرهم وإن كانوا يعلمون أن هذا خلاف الواقع، فهؤلاء خالفوا ما أمر به رسول الله ﷺ ؛ لأن الواجب أن تجتنب قول الباطل مهما كان، ولو كان في القول به إرضاء أبيك أو أبنك أو أخيك.
«قل الحق ولو كان مرًا» ما وجه دخول الإقرار في هذا الحديث؟ وجه ذلك: أن المُقرّ بما عليه يجد أن في هذا الإقرار مرارة، لكن يجب عليه أن يقول به، عدل المؤلف عن حديث الإقرار من هذا وهو ما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا عُذر لمن أقر» هذا الحديث روي عن النبي ﷺ لكنه ضعيف إلا أن الفقهاء ﵏ يعبرون به في كتبهم، ويقولون: «لا عذر لمن أقر»، وإذا أقر الإنسان بما عليه فهل يجب أخذه بمتض هذا الإقرار؟ الجواب: نعم، هل يقبل رجوعه
стр. 2017
عن هذا الإقرار؟ فيه تفصيل إن كان في حق المخلوق فإن رجوعه لا يقبل، وإن كان في حق الخالق ففيه خلاف
١١ - باب العارية
ويقال: العارية بالتشديد، والعارية من الإحسان الذي أمر الله به في قوله: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥]. لأنها -أي العارية- إباحة نفع عين تبقى بعد استيفاءه، أي: استيفاء النفع وتأمل التعريف «إباحة النفع»، وليست تمليك بل إباحة نفع، يعني: أنني أنا المعير أبحت لك أن تنتفع بما أعرتك لم أملكك إياه بل هو ملكي، والنفع لي لكني أبحتك أن تنفع نفع عين، تبقى بعد استيفائه، فإذا أباحة العين فهذا ليس عاري، إذا أباحه نفع عين لا تبقى بعد استيفائه، مثال لك: إن قال: أعرتك هذه الخُبزة، ما هو نفع الخُبزة؟ الأكل، إذا أكلتها لم تبق بعد الاستيفاء، ولهذا إذا أضيفت العارية إلى عين لا تبقى بعد استيفاء المنفعة فإنها لا تصح، لكن هل تنزل على المعنى الذي تصح عليه وهو الهبة، أو يُقال: لم تصح العارية مُطلقًا، وأن هذا المستعير إذا أكل الخبزة الني أعير فإنه يضمن قيمتها؛ لأن العارية لم تصح، أو يقال: إنها تصح على الوجه الذي يمكن أن تنزل عليه من وجوه الانتفاع.
وقولنا: إباحة نفع وليس بتمليك يُستفاد منه: أن المستعير لو أراد أن يؤجر العين التي استعارها فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟ لأن المنفعة ليست ملكًا له لكن أبيحت له إباحة، لو أراد أن يُعيرها مثل: أن يستعير شخص كتابًا من زميله ثم يطلبه زميل آخر فيعيره إياه فهل يملك؟ لا؛ لأنه لم يملك النفع، وإنما أبيح له أن ينتفع، ونظير ذلك من بعض الوجوه: أن الإنسان لو مرّ ينخل عليه تمر وليس عليه حائط ولا حوله ناظر فله أن يقف تحت التمر ويأكل حتى يملأ بطنه لكن لو قال: أنا أملأ بطني: كيلو وآخذ كيلو أبيعه فلا يملك هذا؛ لأنه إنما أبيح له الأكل فقط لا أن يحمل أو يمتلك، كذلك العارية إنما أبيح له أن ينتفع فقط وليس مالكًا للنفع.
حكم العارية:
حكم العارية ذكرت أنها سنة؛ لأنها داخلة في عموم قول الله تعالى: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥]. لكنها قد تجب أحيانًا، إذا رأيت شخصًا يحتاج إلى ثوب في الشتاء لشدة البرد وأنت معك ثياب فهنا يجب عليك أن تعيره ثوبك كي يدفع به شدة البرد، وجدت شخصًا عطشان، ولكن ليس معه إناء يستقي به من البئر ومعك دلو يمكن أن يستقي به من البئر فحكم العارية واجبة؛ لأن فيها إنقاذ لمعصوم، إنما الأصل فيها أن مستحبة، جاءك شخص يستعير منك سلاحًا لينحر به ناقة فلان ليأكلها هذا حرام؛ لأنها إعانة على محرم، إذن فالأصل أنها سنة وقد تحرم وقد تجب.
стр. 2018
وجوب العناية بالعارية وردّها على المُعير:
٨٥١ - عن سمرة بن جندب ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». رواه أحمد، والأربعة، وصححه الحاكم.
«على اليد ما أخذت» عني: على اليد ضمان ما أخذت ورعاية ما أخذت من الأعيان حتى تؤديه إلى صاحبه.
وعموم هذا الحديث يتناول عدة مسائل، أولًا: ما أخذ على سبيل العارية، يعني لو أخذت منك شيئًا عارية فعلي رعايته وصيانته وحمايته مما يُتلفه ورده إليك، ومنها: ما أخذ على سبيل الإجارة، كما لو استأجر شخص مني ساعة يستيقظ بها من النوم. فإن عليه حماية هذه الساعة وصيانتها وحفظها وردها إلي، آخذ مي المرتهن رهنًا في دين علي فعليه ما أخذ حتى يؤديه، المهم كل من أخذ شيئًا فإن عليه حماية هذا الشيء والقيام بمصالحه ما دام عنده وأداؤه على صاحبه.
«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ومن ذلك العارية، فإذا استعار شخص مني كتابًا مثلًا فعليه حماية هذا الكتاب ورده عليّ، لكن ما تقولون في رجل استعار كتابًا من أخيه وملأه من الحواشي يخط رديء -لا يُقرأ- مداخل لأسطر الكتاب، وفي النهاية جعله كراريس بدلًا ما كان محبوكًا هل يجوز؟ إذا قال هذا المستعير: أنا فعلت كذلك لأجل أن يكون هناك حواش كثرة تنفعك لكن حواشيه غلط بدل أن يكتب الفاعل مرفوعًا يكتب الفاعل منصوبًا والمفعول مجرورًا بالكسرة، نقول: هذا حرام عليه، بل لو وضع حاشية مفيدة صحيحة كان حرامًا عليه حتى يأذن صاحبه، أما تفكيك الكتاب حتى يجعله كراريس ويدعي أن ذلك من مصلحة القارئ لأن حمل الإنسان عشرة ورقات أحسن من حمله ستمائة صفحة، فهذا أيضًا حرام لا، إذا استعار المِنشفة التي تُعلّق بالجدار وتنشف به بعد الغسل، من المعلوم أنك إذا تنشفت بها سوف يزول خملها، فهل نقول: لا تتنشف، لأنك إن فعلت زال الخمل الذي فيها؟ لا، لا نقول هذا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع بها أن يزول هذا، كذلك إنسان أعارني رِشاء -شيء يُربط به الدلو وينزل في البئر ويُستقى به- فاستعار مني الرشاء لكن بدأ يستخرج الماء بالرشاء، فالرشاء لا شك أنه سيضعف، فهل نقول له: إن عليك الضمان؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تُؤديه؟ لا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع به.
стр. 2019
استعرت منه سيارة لأسافر بها إلى الرياض وأرجع، من المعلوم أن السيارة إذا مشت على الإزفلت سوف تتآكل عجلاتها فهل نقول لا تمش فيها لأنك لو مشيت لتآكلت العجلات فتؤديها لصاحبها على غير ما أخذت عليه؟ لا، لماذا؟ لأن هذا من لازم الانتفاع، إذن يُخصص من عموم هذا الحديث أنه متى نقصت العارية بالانتفاع المأذون فيه فإنه ليس على المستعير ضمانها.
يؤخذ من هذا الحدث فوائد: أولًا: حرص الإسلام على أداء الأمانة؛ لقوله: «حتى تؤديه»، فلو استعرت من سيارة سافرت عليها ورجعت وانتهت الاستعارة فقلت: تعال خذ سيارتك، قال: لا، أحضرها أنت، من الصواب معه؟ مع صاحب السيارة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «حتى تؤديه».
استعرت منه مُسجلًا أسجل به قراءة وانتهيت من التسجيل فقلت: تعالى خذ المسجل، فقال: ائت بالمسجل أنت، فقلت: كيف؟ المسجل لك متى شئت خذه، هل أنا ظالم؟ نعم، المستعير ظالم، كيف يحسن إلي وأقول: أنت الذي تأخذ مالك: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» مرّ علينا قبل مدة أن الواجب على من أطارت الريح ثوب جاره إلى بيته أن يعلمه به أو يسلمه له، فلماذا تقول يكفي الإعلام؟ لأني لم آخذه لمصلحة، لم يكن في بيتي لمصلحة حتى أؤديه، إنما أطارته الريح على بيتي وأنا لست مُلزمًا بأن أحمله إليه، وربما يكون الشيء ثقيلًا يحتاج إلى مؤنه قد تحمل الريح من على سطح جاري شيئًا ثقيلًا حينئذ لا يلزمني حمله بل يكفي الإعلام.
ومن فوائد الحديث: وجوب العناية بالعارية وحفظها عن التلف؛ لأنه لا يمكن أداؤها كما أخذها الإنسان إلا بذلك.
ويترتب على هذه الفائدة: أنه لو تعدى أو فرّط فهو ضامن؛ لأنه ترك ما يجب عليه، ومن ترك ما يجب عليه لم تكن يده يد أمانه، وكل يد ليست يد أمانه فإنها ضامنة، أما حديث أبي هريرة:
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، صححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي، وأخرجه جماعة من الحُفّاظ وهو شامل للعارية.
«أدِّ» الخطاب لواحد، لكن المراد به كل يتأتى خطابه، وعلى هذا فيشمل جميع الأمة أد.
стр. 2020
أيها المُخاطب الذي تعقل الخطاب، «أد الأمانة»، يعني ما ائتُمنت عليه، «إلى من ائتمنك» فأدها كاملة دون تعد ولا تفريط ولا نقص، «ولا تخن من خانك»، الخيانة هي الغدر في موضع الائتمان، قال النبي ﷺ : «لا تخن من خانك»، وإنما قال ذلك؛ لأن من خان الإنسان قد تأمره نفسه أن يخونه كما خانه أولاً فيُجازى بمثله.
هذا الحديث يستفاد منه فوائد منها: وجوب أداء الأمانة ومن بينها العارية، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذا الحديث.
ومن فوائد الحدث أيضًا: أن الإنسان لا يرد الأمانة إلا لمن ائتمنه، فلا يردها إلى شخص آخر إلا أن تقوم بينه أو قرينة فليفعل، بيّنة مثل أن يأتي شخص ببينة بأن أمره صاحب الأمانة بان يقبضها، فهنا يتعين أن ترد إليه بالبينة، أو قرينة مثل أن يردها على من يحفظ ماله عادة كرجل استعار من شخص إناء ثم عاد فقرع بينه فسأل عنه، قالوا: إنه في السوق فأعطى الإناء أهل البيت فهل يبرأ بذلك؟ نعم يبرأ؛ لأن هذا هو ما جرت به العادة، ولا يلزمه أن يذهب ويتطلب هذا الرجل.
من فوائد الحديث: تحريم الخيانة مطلقًا لقوله: «لا تخن من خانك»، أما تحريم الخيانة لمن خانك فهو منطوق الحديث، وأما تحريم الخيانة مما لم يخن؛ فلأن هذا من باب أولى، وما كان من باب أولى فقد اختلف العلماء هل هو داخل في المنطوق دخولًا لفظيًا، ويكون ذكر الأدنى تنبيهًا على ما فوقه أو هو داخل بالقياس، فيكون اللفظ لا يتناوله لكن تناوله من حيث المعنى؛ لأن القياس الجلي الذي يكون فيه المقيس أولى بالحكم من المقيس عليه لا شك أنه داخل في ضمن اللفظ من حيث المعنى.
على كل حال: إذا كان الحديث يدل على تحريم الخيانة لمن خانك فإنه يدل على تحريم الخيانة، من العلماء من أخذ بظاهر الآية وأعلّ الحديث وقال: إن الحديث ضعيف ولم يأخذ به، ولكن هذا ليس بسديد، والجمع بينهما أن نقول: إن العدوان ليس فيه ائتمان المعتدي الذي اعتدى عليك عدوانًا ظاهرًا لكن الذي ائتمنك لا يجوز أن تعتدي عليه في مقابل أنه خانك، لأن مقتضى الأمانة دفع الخيانة، وأنت أمين فليس هذا من باب ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة ١٩٤].
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين حديث هند بنت عتبة حين شكت زوجها أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
стр. 2021
فالجواب على ذلك أن نقول: هذا ليس فيه ائتمان، فأبو سفيان لم يأتمنها على ماله، لكنها أخذت قدر حقها الواجب عليه من ماله بدون ائتمان، وهناك فرق بين رجل يأخذ ما يجب له بدون ائتمان وشخص ائتمنه غيره فخان الأمانة.
يبقى النظر إذا قال قائل: إذا قلتم بهذا فكل من كان له على شخص دين وقدر على شيء من ماله فله أن يأخذ بمقدار دينه، لأن المدين لم يأتمنه فهو يأخذ من ماله بقدر دينه، كما أذن النبي ﷺ لهند أن تأخذ من مال زوجها بدون علمه؟
فالجواب: أن هذه المسألة يُعبّر عنها عند أهل العلم بمسألة الظفر، يعني: الذي يظفر بماله، شخص له عليه حق هل يأخذ بقدر حقه، وهذه المسألة فيها أربعة أقوال للعلماء:
القول الأول: المنع مطلقًا، واستدلوا عليه بهذا الحديث.
القول الثاني: الجواز مطلقًا، واستدلوا عليه بالآية: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليك﴾ [البقرة: ١٩٤]. حتى إن ابن حزم قال: يجب أن تأخذ من ماله بمقدار مالك؛ لأن الله أمر قال: ﴿فاعتدوا﴾ لكن هذا ليس على سبيل الوجوب؛ لأن قوله: ﴿فاعتدوا﴾ على سبيل الإذن والإباحة، ولهذا لو أسقطت حقك وسمحت كان هذا جائزًا بالاتفاق على كل حال: هذا قول.
القول الثالث: إن كان ما أخذته من جنس ما هو لك فلا بأس مثل أن يكون في ذمته لك مائة صاع من بُرّ فتأخذ من ماله مائة صاع من بُرّ، وأما إذا كان من غير الجنس فإنه لا يجوز؛ لأنه إذا كان من غير الجنس صار مبادلة ومعاوضة فيكون عقد بيع، وعقد البيع لا يجوز إلا برضاً من البائع، وعلى هذا فلا يجوز.
لو كان في ذمته لك مائة صاع من البر ولم تجد عنده إلا رزًا فهل تأخذ؟ الجواب على هذا القول: لا؛ لأنه ليس من جنس مالك.
القول الرابع: أنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلك أن تأخذ بمقدار حقك، وإن كان باطلًا فليس لك أن تأخذ، واستدلوا لذلك بما إذا كان ظاهرًا أن النبي ﷺ أذِن لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها؛ لأن سبب وجوب النفقة ظاهر، وهو الزوجية، فهي زوجته فلو أخذت منه ثم عثر عليها ثم طالبها لم يقل الناس: إنها خائنة؛ لأن الناس يعرفون أنها زوجته، ولها حق النفقة، وكذلك أذن الرسول ﷺ لمن نزلوا على قوم ضيوفًا ولم يعطوهم حق ضيافتهم أن يأخذوا من أموالهم بمقدار ما لهم من الضيافة، لماذا؟ لأن الحق سببه ظاهر وهو الضيافة، هذا القول هو
стр. 2022
الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد على أنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلك أن تأخذ بغير علم من له الحق، وإن لم يكن ظاهرًا فليس لك أن تأخذ، واستدلوا لذلك بأن الأصل احترام مال المسلم: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»، هذا عام خُص منه ما دلّ الدليل على جوازه، وهو أخذ المرأة من المال زوجها كحديث هند، وأخذ الضيوف مِن مال من استضافوه ولم يضيفهم، هل مثل ذلك الأب لو قصّر لابنه في النفقة، أو الأخ لو قصر أخوه في النفقة الواجبة ولا؟ نعم مثله، وعلى هذا فنقول: الأصل في الأموال التحريم، فلا يحل لأحد أن يأخذ من مال أخيه شيئًا إلى بدليل شرعي، ووقد دل الدليل على جواز أخذ من له النفقة ومن له الضيافة فتقتصر على ما دلّ عليه الدليل، وأما قوله سبحانه: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا﴾ فقد بينا أن هذا في العدوان الظاهر إنسان ضربك اضربه، إنسان نهب منك مالاً انهب المال الذي معه، وما أشبه ذلك، أما الأشياء الخفية فلا، ولأنه لو أجيز الأخذ بما سببه خفي لكان في ذلك فوضى بين الناس؛ لأن كل واحد يقول: أخذت من ماله لأني أطلبه، فيكون هناك فوضى، هات بينة، وقد يعثر استرجاع الحق به، وأما الحديث الذي معنا: «ولا تخن من خانك» فهو بمعزل عن هذا كله؛ لأن الذي ائتمنك جعلك أمينًا والأمين لا يجوز أن يكون خائنًا؛ لأن ذلك ينافي متضى العقد فلا تخن من خانك، وقوله شامل للعارية؛ أي: في قوله: «أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك».
أنواع العارية:
٨٥٣ - وعن يعلى ابن أمية ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا أتتك رسلي فأعطيهم ثلاثين درعًا، قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عاري مؤداه؟ قال: بل عارية مؤداه». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.
قوله: «إذا أتتك رسلي»، يعني: الذين أرسلهم إليك، «فأعطهم ثلاثين درعًا» ولم يطلب النبي ﷺ منه علامة كما قال ذلك فيمن أرسله إلى وكيله في خيبر يقول: «فقلت يا رسول الله، أعارية مضمونة أم عارية مؤداه؟ » قال: «بل عارية مؤداه»، الفرق بينهما أن العارية المؤداة هي التي ترد بعينها إن بقيت، فإن تلفت فليس على المستعير ضمان، والعارية المضمونة هي التي لو تلفت لضمنها المستعيد.
وهذا الحديث فيه فوائد: أولاً: جواز استعارة الدروع وهي عبارة عن قمص من حديد
стр. 2023
مُحلق مربوطة كل خلقة في الأخرى حتى يصير كأنما نسج من حديد يتخذه الناس عند القتال ليتقوا به رءوس السهام؛ لأن السهم إذا ضرب الحديد ما ينفذ وجُعل ليسهل التحرك فيه، وهو موجود أظنه عند بعض الناس هنا لمن أراد أن يطلع عليه، وفيه دليل على أن العارية حسب شرط المعير على المستعير، إن كانت مؤداه فهي مؤداه، وإن كانت مضمونة فهي مضمونة، ولا إشكال في أنه إذا وجد الشرط فالحكم على حسب الشرط، لكن إذا فقد الشرط فهل هي مؤداه أو مضمونة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: إنها مؤداه، ومعنى مؤداه: أنه لا ضمان على المستعير إلا بتعدٍّ أو تفريط لقوله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك»، وهذه أمانة، ومنهم من قال: إنها ليست مضمونه إلا أن يشترط، فإن اشترط، فإن اشترط فهي مضمونة سواء تعدي أو فرط، واستدلوا بهذا الحديث وبالذي بعده وبعموم قوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا»، وعلى هذا فتكون مضمونه إن شرط أنها مضمونة، وإن لم يشترط فلا ضمان ما لم تعد أو يفرط.
القول الثالث: أنها مضمونة ما لم يشترط عدم الضمان، فإن اشترط عدم الضمان فلا ضمان وإلا فهي مضمونة، والفرق بينه وبين الأول: أن الأول يقول: هي مضمونة لكل حال سواء فرّط أو لم يفرط تعدي أو لم يتعدّ، والقول الصحيح في هذا أنها ليست مضمونة إلا بالشرط، وذلك لأنها أمانة داخلة في عموم الأمانات التي ليس فيها ضمان إلا بتعد أو تفريط، فإن شرط ضمانها فعلى ما شرط؛ لأنه هو الذي ضيق على نفسه، مثال ذلك: استعار منك شخص كتابًا فقلت له: عليك ضمانه فالتزم، فهنا يضمن الكتاب سواء تعدّى أو فرّط أم لم يتعدّ ولم يفرط؛ لأنه شرط عليه فإن شرط عدم الضمان فلا ضمان، وإن سكت ففيه خلاف: هل تضمن أو لا تضمن؟ والصحيح: أنه لا ضمان، ويستثنى من ذلك ما مر علينا، فمثلًا: إذا تلفت العارية فيما استعيرت له، مثل المنشفة إذا أصابها خمل فإنه لا ضمان عليك، وكذلك الكتاب لا شك أنه مع الاستعمال يضعف تجهيزه فليس عليك ضمان، لأنه تلف فيما استعمل له فليس فيه ضمان.
٨٥٤ - وعن صفوان بن أمية ﵁: «أن النبي ﷺ استعار منه دروعًا يوم حنين. فقال: أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة». رواه أبو داوود، وأحمد، والنسائي، وصححه الحاكم.
стр. 2024
- وأخرج له شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباس.
استعار منه النبي ﷺ وذلك قبل أن يسلم صفوان، وقوله: "أغصب"، يعني: أهي غصب؟ وقوله: «عارية مضمونة»؛ يعني: علينا ضمانها لو تلفت، في الأول قال الرسول: «بل عارية مؤداة» وهنا قال: «عارية مضمونة»؛ لأن هذا كافر لم يسلم بعد، فأراد النبي ﷺ أن يطمئن قلبه بأنها مضمونة فأعاره، ولما أسلم وأراد النبي ﷺ أن يردها عليه تسامح فيها وقال: "يا رسول الله إني أسلمت" يعني: وإني أريدها لله فصار ذلك خيرًا له.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز استعارة أدوات الحرب من الكافر؛ لأن النبي ﷺ استعار هذه الدروع من صفوان قبل أن يسلم، ويقاس على الدروع كل عتاد الحرب، لكن بشرط أن نأمن من غشه أما إذا لم نأمن فإنه لا يجوز أن نشتريه منه؛ وذلك لأنه - أي: الكافر - عدو للمسلمين بكل حال كما ذكر الله تعالى في عدة آيات: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١]. ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء ... ﴾ [المائدة: ٥١]. فهم يخشى منهم، فإذا أعطونا عتادًا حربيا من سلاح أو دروع أو وقاية من أشياء مهلكة أو ما أشبه ذلك، فإنه لا بأس به بشرط أن نكون في ضرورة إلى ذلك، فإذا كان هناك ضرورة إلى الاستعانة بهم، وأمنا من شرهم فلا بأس لأجل الضرورة، وليس هذا من توليهم، الذي يكون من توليهم هو أن نذهب إليهم لنعينهم على عدوهم مثل أن يقاتلهم عدو لهم فنذهب معهم نقاتل نعينهم على عدوهم فهذا من ولايتهم ولاشك، فإن كان عدوهم مسلمًا فإنه يخشى على من أعانهم أن يكون كافرًا؛ لأنه أعان كافرًا على مسلم، وإن كان عدوهم كافرًا فإن هذا حرام ولا يجوز بلا شك، ويمكن أن يلتحق المعين بالكافرين في هذه الحال إذا تولى هؤلاء وناصرهم محبة لهم، وأما إذا أعانوك هم على عدوك فليس هذا من باب الولاية، ولكن من باب دفع الضرورة إن اضطررت إليهم وأمنت من سوء عاقبتهم فلا حرج، وهذا هو القول الوسط في هذه المسألة، فإن من العلماء من قال: لا يجوز مطلقًا ومنهم من قال: يجوز ولو أدنى حاجة، ومنهم من قال: يجوز للضرورة وهذا هو الأقرب أنه إذا دعت الضرورة القصوى فلا بأس، أما مجرد الحاجة فلا، ولكن على كل حال ليس هذا من جنس الاستعانة بهم في أدوات الحرب وعتاد الحرب؛ لأن أدوات الحرب وعتاد الحرب الذي يستعمله المسلمون اليوم أغلبها من بلاد الكفار، لكنه يجب أن نأمن من أن يكون هذا العتاد عتادًا فاسدًا أو ضارًا بحيث أننا نضيع أموالنا في مثله ويخوننا عند الحاجة إليه؛ لأنهم لا يؤمنون أعداء بلا شك.
ومن فوائد الحديث: أن العارية إذا شرط المستعير ضمانها فهي مضمونة، وإن لم يشترط فليست بمضمونة؛ لأن يد المستعير يد أمانة، والأصل في يد الأمانة أنه لا ضمان عليها إلا بتعد أو تفريط.
стр. 2025
وقوله: «أخرج له شاهد ضعيفًا عن ابن عباس»، من الذي أخرج؟ الحاكم؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور، والعلماء يقولون - في المصطلح -: هنا ثلاثة أشياء: أولاً: شاهد، والثاني: متابع، والثالث: اعتبار الشاهد، هو أن يروي حديثًا بمعناه من طريق آخر فهنا الحديث الأول عن صفوان، والثاني عن ابن عباس، إذن نقول: هذا شاهد، والمتابع أن يتابع الضعيف راو آخر في الأخذ عن شيخه مثل أن يكون هذا الحديث روي من طريق أحد رجاله ضعيف لكن جاء من طريق آخر يوافق هذا الضعيف في شيخه، فهنا نقول: هذا الضعيف وجد له متابع في شيخه فيقوى الحديث هنا؛ لأن جانب الضعيف قوي بالمتابع الذي تابعه في الأخذ عن الشيخ، أما الاعتبار فهو أن يتبع الإنسان طرق الحديث إذا كان فيه راوٍ ضعيف يتبع طرقه لعله يجد متابعًا أو يتبع جميع المسانيد لعله يجد شاهدًا، واعلم أننا لا نحتاج إلى المتابع ولا إلى الشاهد فيما إذا كان السند صحيحًا؛ لأن المتابعات والشواهد إنما نحتاج إليها لتقوية الضعيف، فإذا استغنينا عنه فلا حاجة إلى طلب المتابع والشاهد، وحينئذٍ لا حاجة إلى التتبع لأنه مضيعة وقت، ولكن يجب أن نعلم أن الشاهد إذا كان الضعيفان على وجه لا ينجبر بالشاهد - يعني: كل م الحديثين المرويين من طريقين ضعيف للغاية - مثل: أن يكون كل من الراويين عن هذا الشيخ معروفين بالكذب، الضعف هنا شديد هذا لو يأتي ألف واحد يتابعون في هذا الشيخ الثقة فإننا لا نقبل، لماذا؟ لأن الضعف شديد وإذا كان الضعف شديدًا فإن الحديث لا يتقوى بالمتابع ولا بالشاهد، لكن إذا كان الضعف يسيرًا فإنه يقوى حتى يصل إلى درجة الحسن لكن الحسن لغيره.
****
١٢ - باب الغصب
"الغصب" مصدر: غصب يغصب، وهو أخذ الشيء قهرًا، وفي الاصطلاح: الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، فخرج بقولنا: "الاستيلاء على مال الغير" ما لو استولى الإنسان على ماله من غيره قهرًا مثل أن يجد المسروق منه ماله عند السارق فيأخذه منه قهرًا، فهذا ليس بغصب؛ لأنه استولى على ملكه لا على ملك غيره، وخرج بقولنا: "قهرًا" السرقة، فإن السرقة يستولي السارق فيها على مال الغير خلسة بدون أن يشعر، وخرج بقولنا: "بغير حق" ما لو استولى على مال غيره بحق كالاستيلاء على المرهون فيباع من أجل مصلحة الغريم، فهنا يستولي القاضي على هذا المال المرهون لبيعه قهرًا على صاحبه لكن هذا بحق فلا يسمى عصبا.
стр. 2026
حكم الغصب:
والغصب محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بالبطل إلا أن تكون تجرةً عن تراضٍ﴾ [النساء: ٢٩]. فقال: ﴿لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل﴾، وكل مال أخذ بغير حق فهو باطل، فيدخل في هذا النهي.
وأما في السنة فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ تواترًا معنويًا على تحريم مال المسلم، ومنها: أن النبي ﷺ أعلن يوم عرفة في أكبر مجمع للمسلمين فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وكذلك في يوم النحر في منى أكد ذلك: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».
وأما الإجماع فقد انعقد على تحريم الاستيلاء على مال الغير بغير حق، والمغصوب إما أن يكون عقارًا، وإما أن يكون منقولاً، فالعقار مثل الأرض والأشجار وشبهها، والمنقول كالذي ينقل من مكان إلى مكان كالدراهم، والدنانير، والثياب، والسيارات، والأواني، والأمتعة وكلها يدخل فيها الغصب أعني العقار والمنقول ويحرم فيها الاستيلاء على حق الغير بغير حق، ثم ذكر المؤلف حديث سعيد بن زيد.
٨٥٥ - عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين». متفق عليه.
"اقتطع" يعني: أخذ قطعة من الأرض ظلمًا، "الشبر": هو ما بين رأس الخنصر والإبهام عند مد الأصابع، وكان هو المقياس منذ عهد بعيد؛ لأنه في الحقيقة متر لازم للإنسان دائم كل إنسان معه متر إذا اعتبرنا الشبر وكذلك إذا اعتبرنا الذراع، وهو ما بين رأس المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى وهو مقياس، وكذلك "الباع" ما بين الخطوتين عند مد الرجل هذا أيضًا مقياس، ثم ظهرت المقاييس الأخيرة وهي المتر وفوعه، لكن أدنى شيء يقدر به في عهد الرسول ﷺ في الغالب الشبر، وإن كان قد يقاس بالأنملة كما في قص المرأة رأسها عند النسك.
وفي رواية للبخاري: «من اقتطع شيئًا»، فيشمل الشبر فما دونه وما فوقه.
وقوله: «شبرًا» هذا تقدير بالأقل للمبالغة، وما كان تقديرًا للمبالغة فليس له مفهوم لا قلة
стр. 2027
ولا كثرة، ففي قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فإن عمل دون ذلك يراه أيضًا، وكذلك ما ورد في الأكثر مثل: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. فلو استغفر أكثر لم يغفر لهم، المهم أن ما قصد به المبالغة قلة أو كثرة فإنه لا مفهوم له.
وقوله ﷺ : «ظلما» هذه متعلق بقوله: «اقتطع» يعني: الذي عمل فيها كلمة اقتطع، فيحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، أي: من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، ويحتمل أن تكون صفة لمصدر محذوف تقديره: من اقتطع اقتطع اقتطاعًا ظلمًا، ويحتمل إعرابًا ثالثًا وهي أن تكون مفعولا من أجله، أي: من اقتطع شبرًا من الأرض من أجل الظلم، يعني: الذي حمله عليه الظلم فجزاؤه كذا وكذا، هذه ثلاثة أوجه أقربها - والله أعلم - أن تكون مصدرًا في موضع الحال ظالمًا، والظالم هو المعتدي الذي لا وجه لاقتطاعه.
"طوقه الله إياه يوم القيامة"، الضمير في "إياه" يعود على هذا الشبر الذي اقتطعه، ومعنى "طوقه" أي: جعله طوقًا في عنقه كالطوق الذي تلبسه المرأة للزينة، وقوله: "يوم القيامة" يعني: يوم الجزاء والحساب، وهذا اليوم له أسماء كثيرة: اليوم الآخر، ويوم الحساب، ويوم الحشر، ويوم المعاد، وأسماء كثيرة، وذلك لأنه يتضمن هذه الأوصاف التي سمي بها، ويوم القيامة سمي بهذا الاسم، لأنه يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ يوم يقوم الناس لرب العلمين﴾ [المطففين: ٤ - ٦]. ولأنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد﴾ [غافر: ٥١]. ويقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿ونضع الموزين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. إذن سمي يوم القيامة لهذه الوجوه الثلاثة.
"من سبع أراضين" متعلق بـ"طوق"، يعني: يطوقه الله إياه من سبع أرضين، وذلك لأن الإنسان إذا ملك شيئًا من الأرض ملكه وما تحته إلى الأرض السابعة، فإذا ظلم أحد شبرًا من الأرض العليا صار كأنه ظالم من كل أرض مقدار شبر.
هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من اقتطع شبرًا من الأرض أو أكثر أو أقل.
وفيه أيضًا: أن من اقتطع شبرًا من الأرض بحق فليس عليه شيء؛ لأن مفهوم قوله: "ظلمًا" أنه إذا لم يكن ظلمًا فليس فيه وعيد، مثل: لو أن رجلاً له جار في الأرض فجاء هذا الجار فأدخل جزءًا من أرض جاره على أرضه، فجاء الآخر الذي قد أخذ من أرضه ما أخذ فأدخل الذي أخد منه إلى أرضه، فهذا لا شك أنه اقتطع شبرًا من الأرض أو أكثر لكن بحق؛ لأن الأرض أرضه، فلا يلحقه هذا الوعيد، وفيه أن هذا العمل من كبائر الذنوب، وجهه: أن فيه وعيدًا في
стр. 2028
الآخرة، وكل شيء فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو نفي إيمان أو ترتيب غضب أو تبرؤ منه أو ما أشبه ذلك فإنه من كبائر الذنوب، بل قال شيخ الإسلام ﵀: كل شيء رتب عليه عقوبة خاصة في الدنيا أو في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب، وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع يذكر أن هذا الشيء محرم أو ينهي عنه مثلاً، ولكن لا يذكر فيه وعيد فهذا يكون من الصغائر، ونوع آخر يذكر فيه وعيد، يعني: يرتب عليه عقوبة خاصة به ففي هذا يكون هذا الشيء من كبائر الذنوب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وذلك أن هذا الرجل لما تحمل هذا الإثم بالنسبة للأرض جوزي بأن يتحمل العقوبة بمثلها يوم القيامة.
وفيه: إثبات يوم القيامة، وهذا شيء دل عليه السمع والعقل، أما السمع ففي القرآن آيات كثيرة تدل على ثبوت هذا اليوم، والسنة كذلك، كما قال النبي صلى الله عليه والسلام: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»، وأما العقل فلأن العقل يحيل أن يخلق هذه الخليفة العظيمة ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب، ثم تكون النتيجة أن تموت هذه الخليفة ولا يترتب على ذلك شيء، فإن هذا بلا شك ينافي حكمة الله تعالى، كما قال الله تعالى: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص: ٨٥]. فيبن الله أن الذي أنزل عليه الكتاب لابد أن يرده إلى معاد يجازي فيه الناس على هذا القرآن.
ومن فوائد الحديث: أن الأرضين سبع لقوله: "من سبع" وثبوت كونها سبعًا بهذا العدد المعين ليس مذكورًا في القرآن لكنه مشار إليه في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. فإن المثلية هنا في العدد؛ لأنها ليست مثلهن في الكيف؛ لأن السماء أعظم من الأرض وأوسع، فلا يمكن أن تكون مثلها في الكيفية، إذن هي مثلها في العدد، لكن هذا ليس بصريح، أما السنة فإنها صريحة في ذلك.
ومن فوائد الحديث: أن هذه الأرضين متطابقة، هذا هو الظهار؛ يعني: ليس بينها فاصل؛ لأنه لو كان بينها فاصل ما جوزي الإنسان بالعقوبة إلا على الأرض العليا فقط دون الأرض السفلى، وما بينهما مع أنه يحتمل أن نقول: إن هذا ليس بصريح في أنها متطابقة، لأنه إذا كانت الأرضون السفلى ليس فيها سكان يعمرونها فإنه يكون لمن في الأرض العليا الحق في هذه الأرضين.
ومن فوائد الحديث: ما ذكره الفقهاء ﵏ أن القرار تابع لما فوقه، كما أن الهواء
стр. 2029
تابع لما تحته، فالإنسان يملك ما تحت أرضه إلى الأرض السابعة، ويملك ما فوق أرضه إلى السماء، فلو أن أحدًا أراد أن يحفر سربًا تحت أرضه فله أن يمنعه، ولو أراد أن يخرج جناحًا من بنائه على هواء جاره فله أن يمنعه من ذلك؛ لأن الإنسان يملك ما تحت أرضه إلى الأرض السفلى، وما فوق أرضه إلى السماء الدنيا.
ومن فوائد الحديث: أن يوم القيامة لا يقاس بأيام الدنيا؛ لأن تطويق الشخص من سبع أراضين بمقدار ما غصب من الأرض العليا أمر يبدو مستحيلاً في الدنيا، ولنفرض أنه اقتطع أميالاً ظلمًا فإنه يطوق إياه يوم القيامة كما أخبر النبي ﷺ ، وهذا لا يمكن في الدنيا أن يتحمله الإنسان، ولكن يقال: إن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، بل هي تختلف اختلافًا عظيمًا، ولهذا تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق بمقدار ميل، ولا يحترقون مع أنها لو دنت إلى الأرض الآن بمقدار أنملة لفسدت الأرض واحترقت، كذلك أيضًا يحرق الناس يوم القيامة، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم يلجمه العرق وهم في مكان واحد، كذلك أيضًا يوم القيامة، نور المؤمنين يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وغير المؤمنين في ظلمة، وهذا أيضًا لا يمكن أن يكون في الدنيا، إذن فأحوال الآخرة لا يمكن أن تقاس بأحوال الدنيا أبدًا لوجود الفارق العظيم، والأبدان يوم القيامة تعطي طاقة عظيمة أكثر من طاقتها؛ لأنها تنشأ للبقاء لا للفناء، أما في الدنيا فإنها تنشأ للفناء، ولكن في الآخرة تنشأ للبقاء، فتكون الطاقات في ذلك اليوم غير الطاقات في هذا اليوم، يتفرع على هذه القاعدة: أننا لا نورد على أنفسنا ولا على غيرنا كيف يكون كذلك، لماذا؟ لوجود الفارق العظيم بين هذا وهذا، ويتفرع على هذا أيضًا: أنه إذا كان الاختلاف بين الخلق لاختلاف الدارين فما بالك بالاختلاف بين الخلق والخالق، وعلى هذا فلا يمكن أن تقول في شيء من صفات الله يستحيل أن يوجد في صفات المخلوقين لا يمكن أن نقول: كيف ولم فمثلاً علو الله فوق المخلوقات كلها أمر ثابت ونزوله إلى السماء الدنيا نفسه أمر ثابت أيضًا، وهذا يبدو بالنسبة للمخلوق أمرًا مستحيلاً لكنه بالنسبة للخالق ليس بمستحيل، أي: ليس بمستحيل أن يكون الله فوق كل شيء وهو نازل إلى السماء الدنيا؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، وهذه قاعدة ينبغي لكم أن تفهموها: أنه لا يمكن أن يقاس الغائب بالشاهد، فإذا صح النقل عن صفة من صفات الغائب وجب قبوله ولا نفسه بالشاهد.
стр. 2030
٨٥٦ - وعن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعةٍ فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسورة". رواه البخاري، والترمذي، وسمى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي ﷺ : «طعام بطعامٍ، وإناء بإناءٍ» وصححه.
أدخل المؤلف ﵀ هذا الحديث في باب الغضب؛ لأنه داخل في معنى الغصب، وهو الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، لكن هذا الحديث ليس غصبًا واضحًا؛ لأنه إنما فيه اعتداء لا غصب، هذه القصة كان النبي ﷺ عند بعض نسائه وهي عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂، وكانت أحب نساء النبي ﷺ إليه، وكانت ﵂ أشد نساء النبي ﷺ غيرة فيه لشدة محبتها له، وكانت أصغر نسائه، فاجتمع في حقها ثلاثة أسباب: شدة الغيرة، وصغر السن، وشدة المحبة، فيجري منها هذا، أرسلت إحدى نساء الرسول - وهي زينب بنت جحش - إلى النبي ﷺ طعامًا وهو في بيت عائشة، وهذا شيء عظيم عند الضرة أن ترسل إليها ضرتها بطعام وهو عندها؛ لأن هذا يثيرها، كيف ترسل طعامًا إليه وهو عندي، هل أنا ناقصة، هل أنا لا أجد ما أعطيه؟ هذه مضادة، فلما جاء بها الرسول يقول: ضربت بيدها فكسرت القصعة، يعني: ضربت القصعة حتى وقعت على الأرض وانكسرت، وهذا الفعل قد يدل أيضًا على قوة الغيرة، والغيرة مثل الغضب قد يفقد الإنسان فيها تصرفه، ولا يستطيع أن يملك نفسه، فلم يعنفها ولم يوبخها بل ضم القصعة هكذا وجعل الطعام فيها، والظاهر - والله أعلم - أن هذا الطعام لا يتأثر إذا وقع على الأرض، ولعله كان تمرًا، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: "كلوا" ودفع القصعة الصحيحة - قصعة عائشة - للرسول وحبس المكسورة لعائشة وقال: "طعام بطعام، وإناء بإناء"، وكأن الطعام الذي هيأته عائشة كأنه دفعه مع قصعتها، وقال: "طعام بطعام، وإناء بإناء"، هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون الطعام الذي جاء فسد لوقوعه على الأرض وأخذه النبي ﷺ وجعله في القصعة المكسورة، وقال: "كلوا" وحينئذ يكون طعامًا بطعام وإناء بإناء؛ لأن الطعام الذي بعثت به زينب جعل النبي ﷺ طعام عائشة في قصعة زينب حتى يكون طعام عائشة كأنه طعام زينب، وحينئذ يكون النبي ﷺ أكل طعام زينب لا طعام عائشة، فيكون طعامًا بطعام، أما الإناء فإن الرسول قد أعطى إناء عائشة لزينب وقال: "إناء بإناء".
стр. 2031
هذا الحديث فيه فوائد منها: أن إبهام صاحب القصة لا حرج فيه، ولا يعد ذلك من كتمان العلم إذا كان لا يتعلق بتعيينه فائدة، دليل ذلك قوله: "كان عند بعض نسائه"، فأما إذا كان يتعلق بتعيينه فائدة فإنه لا ينبغي إبهامه.
ومن فوائد هذا الحديث: اعتناء السلف بالمعنى والقصة دون من وقعت منه إلا إذا كان في تعيينه فائدة لقوله: "كان عند بعض نسائه".
ومن فوائد الحديث: إثبات الأمومة لزوجات الرسول ﷺ بالنسبة للمؤمنين لقوله: "أرسلت إحدى أمهات المؤمنين"، وهذا ثابت في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦].
ومن فوائد الحديث: جواز استخدام الخادم؛ لقوله: "مع خادم له بقصعة"، وهذا هو الأصل، إلا إذا كان في ذلك محظور، فإنه إذا كان في ذلك محظور يمنع، كما لو خشيت الفتنة أو الانغماس في الترف كما يوجد عند بعض الناس خدم أكثر من أفراد عائلتهم، يذكر أن بعض الناس لا يكون في البيت إلا هو وزوجته ومع ذلك عنده ثلاث خادمات هذا إسراف.
ومن فوائد الحديث: جواز إهداء الطعام.
ومن فوائده: حل الهدية لرسول الله ﷺ وآل البيت من قوله: «فيها طعام»، وقول النبي ﷺ «كلوا»، أما الصدقة فلا تحل للنبي ﷺ وآله، أما النبي ﷺ فلا تحل له صدقة التطوع ولا الزكاة، وأما آله فتحل لهم صدقة التطوع أيضًا، لعموم قول النبي ﷺ : «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»، ولكن هذا العموم يخصصه التعليل لقوله: «إنما هي أوساخ الناس»، والأوساخ لا تكون إلا في الزكاة؛ لأنها هي التي تطهر المال.
ومن فوائد الحديث: أن ما فعل على سبيل الغيرة فإن الإنسان لا يلام عليه، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يلم الزوجة التي كسرت القصعة، ولكن لا يرفع ذلك الضمان؛ يعني: ما فعل على سبيل الغيرة لا يرفع الضمان إن كان فيه ضمان، وجهه: أن النبي ﷺ حبس القصعة المكسورة وأرسل القصعة الصحيحة ولكنه لم يقتد بضرب اليد.
ومن فوائد الحديث: أنه لا قصاص في اللطمة والضرب على الظهر والضر على اليد وما أشبه ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقتص من المرأة التي ضربت يد الخادم، هكذا استدل بعض أهل العلم على انتفاء القصاص في الضربة واللطمة ونحوها، وقال بعض العلماء: بل القصاص ثابت
стр. 2032
في الضربة واللطمة ونحوهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقوله: ﴿وجزؤا سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. ولكن بشرط أن يؤمن التعدي في الاستيفاء بحيث يكون القصاص على يد شخص نعلم أنه لا يزيد؛ لأن هناك فرقًا بين الضرب الخفيف والضرب الثقيل، وهذا القول هو الصحيح أن القصاص ثابت في الضرة واللطمة وشق الثوب لعموم الأدلة الدالة على جواز ذلك؛
فإذا قال قائل: لماذا لم يقتص النبي ﷺ إذا قلتم بثبوت القصاص في اللطمة ونحوها فلماذا لم يقتص النبي ﷺ للخادم؟
فالجواب: إما أن يقال: إنه لما كان هذا الفعل صادرًا عن قوة الغيرة والإنسان لا يملك نفسه عند قوة الغيرة عفا عنه النبي ﷺ ، وإما أن يقال: إن الخادم لم يطالب بحقه، وإما أن يقال: هذه قضية عين يحتمل أن الرسول ﷺ استسمح الخادم، ويحتمل أنه أعلمه وسامح هو بنفسه، ويحتمل احتمالات أخرى، وقضايا الأعيان لا تقضي على عمومات الكتاب والسنة.
ومن فوائد الحديث: سعة حلم النبي ﷺ ؛ حيث لم يوبخ هذه الفاعلة على ما فعلت وجعل يضم القصعة المكسورة ويضع الطعام فيها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء المثلي يضمن بمثله سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو مصنوعًا أو غير ذلك، وجهه: أن الرسول ﷺ حبس المكسورة، وأرسل الصحيحة، وهذه القاعدة، أي: أن الشيء المثلي يضمن بمثله والمتقوم يضمن بقيمته، قاعدة متفق عليها في الجملة، ولكن ما هو المثلي وما هو المتقوم؟ قال بعض العلماء: المثلي كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السلم فيه، "كل مكيل أو موزون" هذا الجنس، "ليس فيه صناعة مباحة"، هذا النوع "يصح السلم فيه" هذا أيضًا للنوع، مثل البر هذا مكيل، مثل اللحم، سكر هذا موزون، ليس فيه صناعة مباحة، فإن كان فيه صناعة مباحة خرج عن كونه مثليًا بسبب الصناعة كالحديد فإنه - قبل الصناعة - موزون، لكن إذا صنع منه الأواني خرج عن المثلية وصار متقومًا فإن كانت الصناعة حرامًا كما لو صنع من الذهب فإن هذه الصناعة حرام لم يخرج عن كونه مثليًا؛ وذلك لأن هذه الصناعة لا قيمة لها فلا تخرجه عن أصله، "يصح السلم فيه"، احترازا مما لا يصح السلم فيه مثل المكيلات المختلفة كبر اختلط في شعير وما أشبه ذلك مما لا
стр. 2033
يصح السلم فيه فإنه لا يكون مثليًا، وهذا التعريف هو الذي مشى عليه فقهاء الحنابلة ﵏ ولكن القول الصحيح: أن المثلي ما له مثيل ونظير، سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو حيوانًا أو غير ذلك، كل شيء له مثيل ونظير فهو مثلي حتى وإن كان مصنوعًا، ويدل لهذا أن الرسول ﷺ أرسل القصعة السليمة مكان القصعة التي كسرت، ولو كان هذا من باب المقومات لأرسل النبي ﷺ القيمة دون القصعة.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أن من أعتق شقصًا له في عبد وله شريك لم يعتق فإن العتق يسري إلى العبد بقيمته - بقيمة الشقص المشترك - ومعلوم أن العبد له مثيل؟
الجواب أن نقول: بلى قد يثبت هذا عن النبي ﷺ ، لكن شقص العبد ليس مثليًا لأنه ليس له مثل، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في عبد، فأعتق زيد نصيبه من هذا العبد، حينئذ يسري العتق إلى نصيب شريكه فيعتق العبد كله جبرًا بدون اختيار، ويضمن زيد الذي أعتق نصيبه لشريكه عمرو قيمة نصف العبد، فهنا أوجب النبي ﷺ القيمة مع أن العبد له، مثل عبد بعيد، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: أنه هنا ليس عبدًا كاملاً ولكنه نصف عبد، ونصف العبد لا يوجد، لاسيما إذا قلنا: إن العبد إذا أعتق نصفه صار العتق إلى بقيته، إذن فوجود المثل في هذه المسألة متعذر فيكون فيها دليل على أنه إذا تعذر المثل رجعنا إلى القيمة، هذا هو الصحيح ويدل عليه هذا الحديث. لو أن رجلاً أتلف لرجل شاة فبماذا يضمنها؟ شاة على القول الراجح، وعلى قول من يقول: إن المثلي المكيل والموزون بالشروط المعروفة فإنه يضمنها بالقيمة.
فإذا قال قائل: هل يلزم أن تكون الشاة البديلة مماثلة للشاة المضمونة أو لا؟
نقول: أما شرعًا فلا يجوز أن يضمن هزيلة بشاة سمينة أو شاة سمينة بشاة هزيلة، وأما عند المخاصمة والمشاحة فإنه لابد أن تكون البديلة مثل المضمونة، فمثلاً رجل أتلف لشخص شاة هزيلة تساوي عشرة ريالات، وعند المتلف شاة سمينة تساوي عشرين، فقال المتلف لصاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة بالشاة الهزيلة، يجوز، لأن الحق له، ومعلوم أن الإنسان يجوز أن يستوفي حقه بأقل من ماله وبأكثر إذا رضي الطرف الآخر، إذن هذه القصعة الصحيحة هل هي تساوي الأخرى أو مثلها أو أحسن منها؟ محتمل، ليس في الحديث ما يدل على هذا، وإذا كان محتملاً وجب الرجوع إلى القواعد العامة، وهو أن الواجب أن يضمن الشيء بمثله، ولكن إذا اختار أحد الطرفين أن يأخذ أقل من حقه أو أكثر فلا بأس.
стр. 2034
حكم الزرع في الأرض المغصوبة:
٨٥٧ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه.
هذا أيضًا من الغصب، رجل غصب أرضًا وزرع فيها ثم خرج الزرع ونما، فلمن يكون الزرع؟ يقول الرسول ﷺ : «ليس له من الزرع شيء» أي: لصاحب الزرع الذي زرع في أرض غيره ليس له شيء؛ لأن الأرض ليست له بل مغصوبة، ولكن له نفقته، ما هي نفقته؟ أجرة الحرث وقيمة الحب، أما نماء الزرع فهو لصاحب الأرض؛ لأنه نما من أرضه ومائه، فليس لهذا الغاصب إلا ما أنفق على هذا الزرع فيعطى قيمة الحب وأجرة الحرث: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥].
لماذا لا تقولون: إن الزرع له وعليه الأجرة لصاحب الأرض؟ قلنا: قد قال بذلك من قال من أهل العلم، وعلى هذا نقول: الزرع لك وأنفق عليه حتى يخلص ولصاحب الأرض عليك أجرة المثل، أو سهم المثل، ولكن هذا القول يخالف ظاهر الحديث ويؤدي إلى أن يعتدي الناس بعضهم على بعض، فكل من أراد أن يزرع لذهب إلى أرض فلان وفلان وزرع فيها، فإذا طالبه قال: أعطيك أجرة المثل، أو سهم المثل، فإذا قلنا له: ليس لك شيء والنفقة التي أنفقت نعطيك إياها، حينئذ لا أحد يتجرأ؛ لأنه إذا كان لا يأخذ إلا النفقة صار عمله وحبس نفسه على هذا الزرع ذهب هباء، وحينئذ لا أحد يقدم على هذا العمل. هناك قول ثالث: أنه ليس له شيء إطلاقًا؛ أي: لصاحب الزرع لقول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق»، وهذا القول فيه شيء من الضعف، ولو قيل بأن هذا الزارع يعطي قيمة الزرع فقط؛ لأن الزرع ملكه، وأما الحرث والحبس فليس له شيء؛ لأن الحرث انتفاع بأرض غيره فلا يعطى عنه عوضًا، وأما الحب لما كان ملكه فإننا نعطيه، لو قيل بهذا لكان قولاً جيدًا، ويمكن أن يحمل قوله ﷺ : «وله نفقته» أي: عوض ما اشترى من الحب، وأما ما عمل في الأرض فالأرض أرض غيره، وهذا القول قول قوي، فصارت الأقوال ثلاثة مع احتمال القول الرابع. وقولنا: أجرة المثل أو سهم المثل الفرق بينهما: أن الأجرة ما لها دخل في الزرع، يعني: لو فرض أن الزرع تلف نسلم الأجرة وإذا قلنا بسهم المثل فإنه يعطي مثلا إذا كانت مثل هذه الأرض تزرع بالنصف يعطى بالنصف قل أو
стр. 2035
كثر، والاحتمال الرابع يحصل به العدل من جهة أننا رددنا إلى الزراع عين ملكه ويحصل به منع الظلم من حيث إن الزارع لم يحصل على كسب بل حصل على خسارة.
٨٥٨ - وعن عروة بن الزبير ﵁ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : «إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً، والأرض للآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله. وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق». رواه أبو داود، وإسناده حسن.
هذا أيضًا فيه غصب يقول: "قال رجل من أصحاب النبي ﷺ "، وهذا فيه إشكال من جهة أن هذا الراوي مجهول، ومعلوم أن جهالة الراوي توجب الطعن في الحديث، فإن أسباب الطعن كما في نخبة الفكر، عشرة منها جهالة الراوي، فيكون هذا الحديث ضعيفا لجهالة رواية؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وأصل التعليل بجهالة الراوي من أجل أننا لا نعلم عدالته، فإذا كان الصحابة ﵁ كلهم عدول فإنه لا يضر أن تجهل عين الراوي من الصحابة.
فإن قال قائل: قولكم: إن الصحابة كلهم عدول منقوض بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن له شهداء ... ﴾ [النور: ٦]. وقد وقعت هذه القصة مع الصحابة، فإن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء وكلاهما صحابيان، وقال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. وهذا إثبات بالفسق فيمن جاء بالنبأ، فكيف تقولون: أن الأصل في الصحابة العدالة وأن جهالتهم لا تضر؟
فالجواب: عن ذلك أن نقول: هذه القضايا المعينة المحصورة بعدد ضعيف لا تمنع من الحكم بالجملة على العدالة في جميعهم؛ لأن الأصل هو العدالة، ثم إن هذا الذي يقع منهم إذا وقع في شخص معين لا يقتضي أن يكون قدحًا في الجميع، ثم إنه إذا وقع من هذا الشخص المعين فإن له من الصحبة وتقدم الإسلام والغزوات مع الرسول ﷺ وغير ذلك من المقامات الفاضلة ما ينتفي به القدح فيهم ﵃ ولهذا كان جهالة الصحابي لا تضر وإن كان يقع من بعضهم ما يقع، فهو قيل النذر لا من حيث عمل الفاعل ولا من حيث عدد الصحابة مغمور في جانب ما لهم من الفضائل العظيمة الكثيرة.
следующие страницы →