← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

هذا الحديث فيه فوائد منها: أن إبهام صاحب القصة لا حرج فيه، ولا يعد ذلك من كتمان العلم إذا كان لا يتعلق بتعيينه فائدة، دليل ذلك قوله: "كان عند بعض نسائه"، فأما إذا كان يتعلق بتعيينه فائدة فإنه لا ينبغي إبهامه. ومن فوائد هذا الحديث: اعتناء السلف بالمعنى والقصة دون من وقعت منه إلا إذا كان في تعيينه فائدة لقوله: "كان عند بعض نسائه". ومن فوائد الحديث: إثبات الأمومة لزوجات الرسول ﷺ بالنسبة للمؤمنين لقوله: "أرسلت إحدى أمهات المؤمنين"، وهذا ثابت في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦]. ومن فوائد الحديث: جواز استخدام الخادم؛ لقوله: "مع خادم له بقصعة"، وهذا هو الأصل، إلا إذا كان في ذلك محظور، فإنه إذا كان في ذلك محظور يمنع، كما لو خشيت الفتنة أو الانغماس في الترف كما يوجد عند بعض الناس خدم أكثر من أفراد عائلتهم، يذكر أن بعض الناس لا يكون في البيت إلا هو وزوجته ومع ذلك عنده ثلاث خادمات هذا إسراف. ومن فوائد الحديث: جواز إهداء الطعام. ومن فوائده: حل الهدية لرسول الله ﷺ وآل البيت من قوله: «فيها طعام»، وقول النبي ﷺ «كلوا»، أما الصدقة فلا تحل للنبي ﷺ وآله، أما النبي ﷺ فلا تحل له صدقة التطوع ولا الزكاة، وأما آله فتحل لهم صدقة التطوع أيضًا، لعموم قول النبي ﷺ : «إن الصدقة لا تحل لآل محمد»، ولكن هذا العموم يخصصه التعليل لقوله: «إنما هي أوساخ الناس»، والأوساخ لا تكون إلا في الزكاة؛ لأنها هي التي تطهر المال. ومن فوائد الحديث: أن ما فعل على سبيل الغيرة فإن الإنسان لا يلام عليه، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يلم الزوجة التي كسرت القصعة، ولكن لا يرفع ذلك الضمان؛ يعني: ما فعل على سبيل الغيرة لا يرفع الضمان إن كان فيه ضمان، وجهه: أن النبي ﷺ حبس القصعة المكسورة وأرسل القصعة الصحيحة ولكنه لم يقتد بضرب اليد. ومن فوائد الحديث: أنه لا قصاص في اللطمة والضرب على الظهر والضر على اليد وما أشبه ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقتص من المرأة التي ضربت يد الخادم، هكذا استدل بعض أهل العلم على انتفاء القصاص في الضربة واللطمة ونحوها، وقال بعض العلماء: بل القصاص ثابت

стр. 2032

في الضربة واللطمة ونحوهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقوله: ﴿وجزؤا سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. ولكن بشرط أن يؤمن التعدي في الاستيفاء بحيث يكون القصاص على يد شخص نعلم أنه لا يزيد؛ لأن هناك فرقًا بين الضرب الخفيف والضرب الثقيل، وهذا القول هو الصحيح أن القصاص ثابت في الضرة واللطمة وشق الثوب لعموم الأدلة الدالة على جواز ذلك؛ فإذا قال قائل: لماذا لم يقتص النبي ﷺ إذا قلتم بثبوت القصاص في اللطمة ونحوها فلماذا لم يقتص النبي ﷺ للخادم؟ فالجواب: إما أن يقال: إنه لما كان هذا الفعل صادرًا عن قوة الغيرة والإنسان لا يملك نفسه عند قوة الغيرة عفا عنه النبي ﷺ ، وإما أن يقال: إن الخادم لم يطالب بحقه، وإما أن يقال: هذه قضية عين يحتمل أن الرسول ﷺ استسمح الخادم، ويحتمل أنه أعلمه وسامح هو بنفسه، ويحتمل احتمالات أخرى، وقضايا الأعيان لا تقضي على عمومات الكتاب والسنة. ومن فوائد الحديث: سعة حلم النبي ﷺ ؛ حيث لم يوبخ هذه الفاعلة على ما فعلت وجعل يضم القصعة المكسورة ويضع الطعام فيها. ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء المثلي يضمن بمثله سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو مصنوعًا أو غير ذلك، وجهه: أن الرسول ﷺ حبس المكسورة، وأرسل الصحيحة، وهذه القاعدة، أي: أن الشيء المثلي يضمن بمثله والمتقوم يضمن بقيمته، قاعدة متفق عليها في الجملة، ولكن ما هو المثلي وما هو المتقوم؟ قال بعض العلماء: المثلي كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السلم فيه، "كل مكيل أو موزون" هذا الجنس، "ليس فيه صناعة مباحة"، هذا النوع "يصح السلم فيه" هذا أيضًا للنوع، مثل البر هذا مكيل، مثل اللحم، سكر هذا موزون، ليس فيه صناعة مباحة، فإن كان فيه صناعة مباحة خرج عن كونه مثليًا بسبب الصناعة كالحديد فإنه - قبل الصناعة - موزون، لكن إذا صنع منه الأواني خرج عن المثلية وصار متقومًا فإن كانت الصناعة حرامًا كما لو صنع من الذهب فإن هذه الصناعة حرام لم يخرج عن كونه مثليًا؛ وذلك لأن هذه الصناعة لا قيمة لها فلا تخرجه عن أصله، "يصح السلم فيه"، احترازا مما لا يصح السلم فيه مثل المكيلات المختلفة كبر اختلط في شعير وما أشبه ذلك مما لا

стр. 2033

يصح السلم فيه فإنه لا يكون مثليًا، وهذا التعريف هو الذي مشى عليه فقهاء الحنابلة ﵏ ولكن القول الصحيح: أن المثلي ما له مثيل ونظير، سواء كان مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا أو مذروعًا أو حيوانًا أو غير ذلك، كل شيء له مثيل ونظير فهو مثلي حتى وإن كان مصنوعًا، ويدل لهذا أن الرسول ﷺ أرسل القصعة السليمة مكان القصعة التي كسرت، ولو كان هذا من باب المقومات لأرسل النبي ﷺ القيمة دون القصعة. فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أن من أعتق شقصًا له في عبد وله شريك لم يعتق فإن العتق يسري إلى العبد بقيمته - بقيمة الشقص المشترك - ومعلوم أن العبد له مثيل؟ الجواب أن نقول: بلى قد يثبت هذا عن النبي ﷺ ، لكن شقص العبد ليس مثليًا لأنه ليس له مثل، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في عبد، فأعتق زيد نصيبه من هذا العبد، حينئذ يسري العتق إلى نصيب شريكه فيعتق العبد كله جبرًا بدون اختيار، ويضمن زيد الذي أعتق نصيبه لشريكه عمرو قيمة نصف العبد، فهنا أوجب النبي ﷺ القيمة مع أن العبد له، مثل عبد بعيد، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: أنه هنا ليس عبدًا كاملاً ولكنه نصف عبد، ونصف العبد لا يوجد، لاسيما إذا قلنا: إن العبد إذا أعتق نصفه صار العتق إلى بقيته، إذن فوجود المثل في هذه المسألة متعذر فيكون فيها دليل على أنه إذا تعذر المثل رجعنا إلى القيمة، هذا هو الصحيح ويدل عليه هذا الحديث. لو أن رجلاً أتلف لرجل شاة فبماذا يضمنها؟ شاة على القول الراجح، وعلى قول من يقول: إن المثلي المكيل والموزون بالشروط المعروفة فإنه يضمنها بالقيمة. فإذا قال قائل: هل يلزم أن تكون الشاة البديلة مماثلة للشاة المضمونة أو لا؟ نقول: أما شرعًا فلا يجوز أن يضمن هزيلة بشاة سمينة أو شاة سمينة بشاة هزيلة، وأما عند المخاصمة والمشاحة فإنه لابد أن تكون البديلة مثل المضمونة، فمثلاً رجل أتلف لشخص شاة هزيلة تساوي عشرة ريالات، وعند المتلف شاة سمينة تساوي عشرين، فقال المتلف لصاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة: خذ شاتي بدلاً عن شاتك، يجوز هذا ما دام برضاه يجوز، وكذلك العكس لو كانت الشاة المتلفة السمينة تساوي عشرين درهمًا ليس عند المتلف شاة إلا هزيلة لا تساوي إلا عشرة ورضي صاحب الشاة المتلفة بالشاة الهزيلة، يجوز، لأن الحق له، ومعلوم أن الإنسان يجوز أن يستوفي حقه بأقل من ماله وبأكثر إذا رضي الطرف الآخر، إذن هذه القصعة الصحيحة هل هي تساوي الأخرى أو مثلها أو أحسن منها؟ محتمل، ليس في الحديث ما يدل على هذا، وإذا كان محتملاً وجب الرجوع إلى القواعد العامة، وهو أن الواجب أن يضمن الشيء بمثله، ولكن إذا اختار أحد الطرفين أن يأخذ أقل من حقه أو أكثر فلا بأس.

стр. 2034

حكم الزرع في الأرض المغصوبة: ٨٥٧ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه. هذا أيضًا من الغصب، رجل غصب أرضًا وزرع فيها ثم خرج الزرع ونما، فلمن يكون الزرع؟ يقول الرسول ﷺ : «ليس له من الزرع شيء» أي: لصاحب الزرع الذي زرع في أرض غيره ليس له شيء؛ لأن الأرض ليست له بل مغصوبة، ولكن له نفقته، ما هي نفقته؟ أجرة الحرث وقيمة الحب، أما نماء الزرع فهو لصاحب الأرض؛ لأنه نما من أرضه ومائه، فليس لهذا الغاصب إلا ما أنفق على هذا الزرع فيعطى قيمة الحب وأجرة الحرث: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥]. لماذا لا تقولون: إن الزرع له وعليه الأجرة لصاحب الأرض؟ قلنا: قد قال بذلك من قال من أهل العلم، وعلى هذا نقول: الزرع لك وأنفق عليه حتى يخلص ولصاحب الأرض عليك أجرة المثل، أو سهم المثل، ولكن هذا القول يخالف ظاهر الحديث ويؤدي إلى أن يعتدي الناس بعضهم على بعض، فكل من أراد أن يزرع لذهب إلى أرض فلان وفلان وزرع فيها، فإذا طالبه قال: أعطيك أجرة المثل، أو سهم المثل، فإذا قلنا له: ليس لك شيء والنفقة التي أنفقت نعطيك إياها، حينئذ لا أحد يتجرأ؛ لأنه إذا كان لا يأخذ إلا النفقة صار عمله وحبس نفسه على هذا الزرع ذهب هباء، وحينئذ لا أحد يقدم على هذا العمل. هناك قول ثالث: أنه ليس له شيء إطلاقًا؛ أي: لصاحب الزرع لقول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق»، وهذا القول فيه شيء من الضعف، ولو قيل بأن هذا الزارع يعطي قيمة الزرع فقط؛ لأن الزرع ملكه، وأما الحرث والحبس فليس له شيء؛ لأن الحرث انتفاع بأرض غيره فلا يعطى عنه عوضًا، وأما الحب لما كان ملكه فإننا نعطيه، لو قيل بهذا لكان قولاً جيدًا، ويمكن أن يحمل قوله ﷺ : «وله نفقته» أي: عوض ما اشترى من الحب، وأما ما عمل في الأرض فالأرض أرض غيره، وهذا القول قول قوي، فصارت الأقوال ثلاثة مع احتمال القول الرابع. وقولنا: أجرة المثل أو سهم المثل الفرق بينهما: أن الأجرة ما لها دخل في الزرع، يعني: لو فرض أن الزرع تلف نسلم الأجرة وإذا قلنا بسهم المثل فإنه يعطي مثلا إذا كانت مثل هذه الأرض تزرع بالنصف يعطى بالنصف قل أو

стр. 2035

كثر، والاحتمال الرابع يحصل به العدل من جهة أننا رددنا إلى الزراع عين ملكه ويحصل به منع الظلم من حيث إن الزارع لم يحصل على كسب بل حصل على خسارة. ٨٥٨ - وعن عروة بن الزبير ﵁ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : «إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً، والأرض للآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله. وقال: ليس لعرقٍ ظالم حق». رواه أبو داود، وإسناده حسن. هذا أيضًا فيه غصب يقول: "قال رجل من أصحاب النبي ﷺ "، وهذا فيه إشكال من جهة أن هذا الراوي مجهول، ومعلوم أن جهالة الراوي توجب الطعن في الحديث، فإن أسباب الطعن كما في نخبة الفكر، عشرة منها جهالة الراوي، فيكون هذا الحديث ضعيفا لجهالة رواية؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وأصل التعليل بجهالة الراوي من أجل أننا لا نعلم عدالته، فإذا كان الصحابة ﵁ كلهم عدول فإنه لا يضر أن تجهل عين الراوي من الصحابة. فإن قال قائل: قولكم: إن الصحابة كلهم عدول منقوض بالقرآن؛ لأن الله قال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن له شهداء ... ﴾ [النور: ٦]. وقد وقعت هذه القصة مع الصحابة، فإن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء وكلاهما صحابيان، وقال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]. وهذا إثبات بالفسق فيمن جاء بالنبأ، فكيف تقولون: أن الأصل في الصحابة العدالة وأن جهالتهم لا تضر؟ فالجواب: عن ذلك أن نقول: هذه القضايا المعينة المحصورة بعدد ضعيف لا تمنع من الحكم بالجملة على العدالة في جميعهم؛ لأن الأصل هو العدالة، ثم إن هذا الذي يقع منهم إذا وقع في شخص معين لا يقتضي أن يكون قدحًا في الجميع، ثم إنه إذا وقع من هذا الشخص المعين فإن له من الصحبة وتقدم الإسلام والغزوات مع الرسول ﷺ وغير ذلك من المقامات الفاضلة ما ينتفي به القدح فيهم ﵃ ولهذا كان جهالة الصحابي لا تضر وإن كان يقع من بعضهم ما يقع، فهو قيل النذر لا من حيث عمل الفاعل ولا من حيث عدد الصحابة مغمور في جانب ما لهم من الفضائل العظيمة الكثيرة.

стр. 2036

قال: «رجلين اختصما»، و"رجلين" مبهم، وهذا يوجب القدح في الحديث أو لا؟ لا يوجب إطلاقًا؛ لأن معرفة صاحب القضية ليس شرطًا في الصحة. يقول: "اختصما إلى رسول الله ﷺ "، "إلى" هنا للغاية وللانتهاء، أي: أن خصومتها بلغت رسول الله ﷺ ، والاختصام افتعال، من خصمه إذا غلبه في الحجة، فمعنى "اختصما" أي: كل واحد منهما طلب أن يكون هو الغالب في الحجة، محل الخصومة أرض لواحد والنخل لواحد، يعني: أن أحدهما غرس في أرض الآخر. يقول: "فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها" "قضى": أي: حكم بأن الأرض لصاحبها، وهل صاحب النخل الذي غرس؟ أقر بأنها مملوكة لغيره؟ قطعًا، وإلا فكل واحد منهما مقر بأن ملك صاحبه لصاحبه، فصاحب النخل يقر بأن الأرض ليست له، وصاحب الأرض يقر بأن النخل ليس له، "وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله"، يعني: يقتلعه من الأرض من أجل أن يخلي الأرض لصاحبها، ولكن هذا قد يكون فيه ضياع للمال ومفسدة؛ لماذا؟ لأن ربما هذا النخل يموت، لكن الرسول ﷺ قال: «ليس لعرق ظالم حق»، فهذه العروق عروق النخل ليس لها حق؛ لأنها وضعت بغير رضا صاحب الأرض. فوائد الحديث الذي قبله، أولاً: تحريم الزرع في أرض قوم بلا إذنهم، وجه ذلك: أن النبي ﷺ جعل الزرع لصاحب الأرض ولو كان بحق، ولو كان جائزًا لكان الزرع لصاحبه؛ أي: للزارع. ومنها: أن ما حرم لحق العباد جاز إذا أسقطوا حقهم لقوله: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم»، فعلم من هذا أنهم لو أذنوا فلا حرج. وهل يمكن. أن يؤخذ من عمومه أنهم لو أذنوا ولو بعد خروج الزرع؟ إن صح أن تؤخذ هذه الفائدة صار في ذلك دليل على جواز تصرف الفضولي ونفوذه إذا أجيز. ومن فوائد الحديث: أنه إذا وقعت مثل هذه الصورة فإن الزرع يكون لصاحب الأرض وللزارع نفقته. أما الحديث الثاني: ففيه دليل على وقوع المخاصمة بين الصحابة ﵃ وجه ذلك: أن النبي ﷺ أقر اختصام الرجلين في هذه المسألة. وفيه دليل على أن الأختصام لا ينافي العدالة إذ لو نافي العدالة لكان في هذا الاختصام قدح في الصحابيين المختصمين إلا إذا كان الاختصام في باطل فإن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان".

стр. 2037

ومن فوائد الحديث: أن من غصب أرضًا فغرس فيها ألزم بقلع النخل، ولكن هاهنا مسائل، أولاً: هل يجوز إلزامه بقلع النخل ولو تضرر؟ نعم؛ لأنه هو الذي جلب الضرر على نفسه. ثانيًا: لو قلع النخل وبقي أثره في الأرض وصار فيها حفر وهذا [منخفض] وهذا مرتفع فهل يضمن صاحب النخل؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا أثر فعله. ثالثا: لو أن صاحب الأرض طلب أن يبقى النخل ويقوم وتعطى قيمته لصاحب النخل فأبى صاحب النخل ذلك، فهل يلزم صاحب النخل بأن يبقي نخله ويعطيه صاحب الأرض قيمة النخل؟ المذهب لا يلزم؛ لأن النخل ملكه، ولكن ينبغي أن يقال: إن كان في قلعه فائدة لم يلزم، وإن لم يكن في قلعة فائدة ألزم؛ لأنه إذا لم يكن في قلعة فائدة حصل في قلعه مفسدة وهي إضاعة مال النخل وتفويت منفعة الأرض على صاحب الأرض؛ لأن صاحب الأرض إذا غرس من الآن سيبقى سنوات ينظر الثمر، أما إذا كان النخل باقية قائمة انتفع بها من الآن، فإذا علمنا أن صاحب النخل ليس له غرض صحيح في طلب القلع فإننا نمنعه من ذلك. [نقول]: الحديث يدل على أن الزرع لصاحب الأرض وعليه النفقة، نقول: إذا كانت النفقة أكثر من قيمة الزرع بأن كان هذا الغاصب أنفق على هذا الزرع على حرثه وسقيه وبذره عشرة آلاف ريال وقيمته في السوق خمسة آلاف ريال هل يلزم صاحب الأرض أن يأخذ الزرع بنفقته أولا؟ الجواب: لا؛ لأنه لم يأذن بهذا الزرع حتى نقول: هذا أمر الله وجاءت الخسارة من عند الله، نقول لا نلزم صاحب الأرض بأخذ الزرع ويكون الزرع للغاصب، يبقى النظر تعطيل الأرض مدة الزرع، هل يطالب صاحب الأرض بأجرة أو بسهم بأجرة المثل أو بسهم المثل؟ أجرة المثل يقال: لو استأجرت الأرض للزرع فقال: تؤجر بألف ريال، سهم المثل يقولون: لو زرعت استحق صاحب الأرض الخمس، ربما يختار صاحب الأرض ما هو أكثر، لكن نحن نريد أن نحكم حكمًا شرعيًا هل الأرق أن تكون بالسهم أو تكون بالأجرة؟ نقول: يرجع في هذا إلى عادة الناس في هذا المكان، إذا كان عادة الناس أنهم يؤجرون أراضيهم للمزارعين أخذنا بأجرة المثل وإذا كان عادتهم أنهم يعطون أراضيهم بسهم من الزرع أخذنا بسهم من الزرع، هذه المسألة إن كنت قد قلتها فيعتبر هذا القول تأكيدًا لا تأسيسًا وإن لم أكن قلتها فهو تأسيس.

стр. 2038

ويستفاد من الحديث: أن العرق غير الظالم له حق، مثاله: استأجرت منك أرضًا لأغرس فيها شجرًا لمدة عشر سنوات وانتهت المدة والشجر باقٍ فهل يطالبني صاحب الأرض أن أقلع الشجر ويتلف علي؟ نقول: الحديث يدل على أن العرق لو كان بحق فلصاحبه حق، وحينئذ لا نلزمك بقلع هذا الشجر الذي غرسته بل يبقى لك بالقيمة، فيقال: قدر الأرض خالية من الشجر، وقدرها فيها الشجر، فإذا قدرناها خالية من الشجر بمائة ألف وقدرناها موجودًا فيها الشجر بمائة وخمسين ألفًا فتكون قيمة الشجر خمسون ألفًا، فنقول لصاحب الأرض: هذه العرق ليس بظالم فله حق، وحينئذ يبقى العرق مقومًا عليك بقيمته خمسين ألفًا في المثال الذي ذكرنا فإن قال صاحب الشجر: أنا أريد أن أقلع شجري، نظرنا فإن كان قصده الإضرار منعناه، وإن كان له غرض مقصود وافقناه؛ لأنه الآن له غرض مقصود؛ كأن يقول: أريد أن أقلع الشجر بعروفه لأغرسه في أرض لي ويثمر من سنته، هذا له غرض مقصود فنقول: لك الحق الشجر شجرك، وإن قال: أقلعه وأرميه، لكن لا أريد أن ينتفع صاحب الأرض بغرس من الآن وينتظر عشر سنين، ماذا نقول؟ نمنعه؛ لأن في هذا إضرارًا بنفسه وإضرارًا بأخيه، وقد قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»، وأنت الآن تتلف هذا الشجر على صاحبك، وأنت أيضًا تخسر خمسين ألفًا. - وآخره عند أصحاب السنن من رواية عروة، عن سعيد بن زيدٍ. - واختلف في وصله وإرساله، وفي تعيين صحابيه. أما الاختلاف في تعيين صاحبيه فإنه لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وأما الاختلاف في الوصل والإرسال، فقد اختلف أهل الحديث هل هذه العلة قادحة أو ليست قادحة؟ والصحيح أنها ليست قادحة إذا كان الواصل ثقة؛ لأن مع الواصل زيادة علم، ولا ينافي الإرسال، لو كان الوصل ينافي الإرسال طلبنا الترجيح، لكنه لا ينافيه؛ لأن المحدث أحيانا يصل الحديث وأحيانًا يرسله، بل أحيانًا يرفعه وأحيانًا يقفه، أحيانًا يرويه عن النبي ﷺ ، وأحيانًا يحدث به من عند نفسه، مثلاً حديث عمر بن الخطاب: "إنما الأعمال بالنيات" ربما يسنده عمر إلى النبي ﷺ ، وربما يقول عمر لشخص من الناس: "إنما الأعمال بالنيات"، فيرويه الراوي عن عمر بالصيغة الثانية على أنه موقوف، ويرويه الأول على أنه موصول مرفوع. فالحاصل: أنه إذا اختلف في الوصل والإرسال؛ فالصحيح أننا نأخذ بالوصل ما دام الواصل ثقة؛ وذلك لأنه لا منافاة بين الوصل والإرسال.

стр. 2039

٨٥٩ - وعن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى: "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". متفق عليه. كان من هدي الرسول ﷺ أنه يتحين الفرص في إبلاغ القواعد العامة، ولا فرصة أعظم من اجتماع الناس في الحج؛ لأن الناس كلهم مجتمعون حتى إنه قبل: إن الذي حج معه نحو مائة ألف والصحابة كلهم مائة وأربعة وعشرون ألفًا، يعني: عامة المسلمين حجوا معه، فكان ﷺ في هذا الحج يخطب الناس يعلمهم مناسك الحج؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ويعلمهم القواعد الثابتة الراسخة، منها هذا الحديث، وقد سألهم النبي ﷺ : "أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟ "، سألهم ليستعدوا لما سيلقي عليهم، لأن المقام مقام عظيم. لما سألهم أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه؛ إذ استبعدوا أن يسأل الرسول ﷺ عن هذا اليوم وهو معروف أنه يوم النحر، قال: "أليس يوم النحر؟ " قالوا: يقولوا: شهر ذي الحجة كما أنه بين لهم أن هذا اليوم يوم النحر، لكن قالوا: ربما يكون أراد يوم النحر ولم يرد شهر ذي الحجة، لا ندري، فمن كمال أدبهم ﵃ أن قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس شهر ذا الحجة؟ » قالوا: بلى، «أي بلد هذا؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس البلد الحرام؟ » قالوا: بلى، قال: «إن دمائكم وأموالكم - والذي أحفظه - أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». فأكد تحريم الدماء والأموال، الدماء تطلق على القتل فما دونه من الجروح، فإن القتل لا شك أنه يريق الدم، والجرح الذي دون القتل أيضًا يريق الدم وكلاهما حرام، لكن هناك مستثنيات مثل النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة، المهم: هذه القاعدة لها استثناء، كذلك أيضًا الأموال حرام لا يحل للإنسان شيء من مال أخيه بغير حق، لا أن يكتم ما يجب عليه ولا أن يأخذ ما ليس له؛ لأن أخذ الأموال إما كتم ما يجب بذله، وإما أخذ ما لا يجوز أخذه، فإذا كان في ذمة زيد لعمرو مائة درهم وجحدها زيد، هذا أكل للمال بالباطل، لكن عن طريق جحد ما يجب بذله، رجل آخر اعتدى على دكان شخص أخذ مائة مائة درهم هذا أيضًا حرام، نوعه أخذ ما لا يجوز أخذه، فالأموال مثل الزكاة، الرهن الحجر كما هو معروف، المهم: أن هذه القاعدة لها استثناءات، "كحرمة يومكن هذا" هذا من باب التأكيد، "حرمة يومكم هذا": يوم النحر، "في شهركم هذا": مكة.

стр. 2040

يوم النحر أفضل أيام شهر ذي الحجة؛ لأن الله سماه يوم الحج الأكبر وقيل: يوم عرفة أفضل منه، والأصح أن كل واحد منهما له مزية ليست للآخر، أفضل الأشهر الحرم: الثلاثة المتوالية: شهر ذي الحجة؛ لأن شهر ذي الحجة اكتنفه شهران محرمان هما ذو القعدة ومحرم، مكة معلومة أعظم حرمة في الأمكنة، مكة ويليها المدينة، ويليها القدس. ومن فوائد الحديث: أولاً: حرص النبي ﷺ على تبليغ الشريعة، وأنه ينتهز الفرصة ليبلغها في الأماكن العامة، ولهذا ينبغي لطالب أن يتبع النبي ﷺ في تبليغ الشريعة في الأماكن العامة، لكن بشرط أن يكون الناس مستعدين لقبول كلامه وخطبته لا أن يأتيهم في مكان غير لائق. ثانيًا: من فوائد الحديث: استحباب خطبة الإمام في الحج يوم النحر أو نائبه في الحجيج، لأن أهل العلم يقولون: إنه ينبغي أن يكون للحج إماما إما الإمام الأعظم إن تيسر وإما نائبه؛ لأن الناس غالبًا يحتاجون إلى إمام يقتدون به، ولهذا لما تخلف الرسول ﷺ في السنة التاسعة عن الحج أمر على الناس أبا بكر ﵁، فلابد للحجاج من أمير، من جملة وظائف الأمير في الحج: أن يخطب الناس يوم النحر، ويوم عرفة أيضًا يعلمهم القواعد العامة في الشريعة والأحكام الخاصة في الحج. ومن فوائد الحديث: تأكيد تحريم الدماء والأموال؛ لأن الرسول ﷺ أكد ذلك بتأكيد حرمة الزمان والمكان الشهر واليوم والبقعة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يلقي المتكلم على السامع ما يجعله ينتبه ويستعد لقبول ما يلقى إليه، وهذا بناء على ما أشرت إليه في الحديث أنه سألهم أي يوم هذا؟ .. إلخ. **** ١٣ - باب الشفعة الشفعة: مأخوذة من الشفع، والشفع ضد الوتر، وسميت شفعة؛ لأن الشفيع يشفع المشتري في استبقاء المبيع؛ وذلك لأن الشفعة هي انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه، مثال ذلك: رقم واحد له شريك، رقم اثنين، فباع رقم واحد على رقم ثلاثة على غير الشريك، الشريك الآن رقم واحد خرج؛ لأنه باعه على رقم ثلاثة غصبًا عليه بدون رضاه حتى لو قال: أنا اشتريت وسلمت الثمن وكتبت باسمي نقول: ولو كان كذلك أنا لي الحق أن أنتزعها منك غصبًا، إذن تعريف الشفعة اصطلاحًا: انتزاع الشريك حصة شريكه ممن اشتراها منه. حكم الشفعة: حكمها: أنها ثابتة بدليل السنة، واختلف العلماء هل هي على وفق القياس؛ أو على خلاف القياس فبعضهم قال: إنها ليست على القياس؛ لأن المشتري يؤخذ من حقه بغير رضاه، إذن

стр. 2041

هي على خلاف القياس؛ لأن القياس ألا يؤخذ المال إلا برضا: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجرة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩]. ولكنه لا يصح القول أبدًا أن في الشريعة ما هو على خلاف القياس، كل ما في الشريعة فهو على وفق القياس؛ لأن معنى خلاف القياس أن العقل لا يؤيده أو أنه مناقض للقاعدة المطردة في الإسلام، لكن ليس في الشريعة الإسلامية ما يخالف العقل، وليس في الشريعة ما يخالف القواعد العامة في الشريعة. فإن قال قائل: أليس يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت النبي ﷺ يمسح على خفيه". فالجواب: أن هذا الحديث إن صح لأنه مختلف في تصحيحه ولكنه حسن فمراده بالرأي الذي يكون بادي الرأي لأول وهلة، أما عند التأمل فإنه يتبين أن مسح أعلى الخف أولى من مسح أسفله، كيف؟ لأن المسح ليس غسلاً حتى نقول: إنه يحصل به التنظيف، وأنت لو مسحت أسفل الخف لازداد تلويثًا ولوث يدك أيضًا؛ فلهذا كان العقل والرأي العميق أن يسمح أعلى الخف؛ لأنه يحصل به التعبد لله تعالى، فليس في الإسلام - ولله الحمد - ما يخالف العقل وما يخالف القياس، وما ذكر من أن السلم والشفعة والإجارة والنكاح على خلاف القياس ليس بصحيح حتى النكاح على خلاف القياس مشكل كيف ذلك؟ قالوا: نعم؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي مجهولة ربما تموت المرأة أو ليلة وربما تبقى عشرين سنة فهي مجهولة، إذن هذا عقد على شيء مجهول فهو مخالف للقياس، لكن نقول: ليس في الشريعة الإسلامية ما يخالف القياس، تأمل حتى يتبين لك أن الشريعة كلها على وفق القياس، الشفعة الآن وهي التي استطردنا في الكلام من أجلها، الشريك ينتزع من المشتري حصة شريكه قهرًا فيأتي المشتري يصبح قهرني هذا الرجل أخذ مالي غصبًا علي ما هذا القياس؟ نقول: نعم، هذا هو القياس، أنت رجل جديد وهذا أمكن منك في الملك، وربما تنكد عليه، وكم من شريك تمنى شريكه ألا يكون معه شركة إطلاقًا، فلدفع ما يخشى منه من المخاصمات والمنازعات والمضادة، جعل الشارع للشريك أن يشفع فصار موافقًا للقياس تمامًا؛ لأن الشريعة تدرأ كل ما يمكن أن يكون فيه نزاع وبغضاء، وإذا جاء هذا الشريك الجديد وصار شاذا وعقبه كئودًا أتعب من الشريك الأول؛ ولهذا إذا كان المشتري الجديد شريكًا يشتري بالثمن هل يشفع الشريك الأول؟ الغالب ألا يشفع، يقول: الحمد لله الذي أبدل درهمنا شريكنا الأول بدينار ويبقيه، لكن يأتي رجل مجهول أو رجل يعرف بسوء الشركة وينزل علي ويتعبني، إذن الشفعة موافة تمامًا

стр. 2042

للقياس وهي مقتضى الشرع؛ لأنا نعرف أن الشريعة الإسلامية تنبذ كل شيء يؤدي إلى النزاع والعداوة والبغضاء: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه"، "لا ينكح على نكاحه" لا يؤجر على إجارته، لا يسم على سومه، كل شيء يوجب العداوة والبغضاء الشريعة تمحوه محوًا ولا تأتي به أبدًا، ولننظر إلى الحديث الأول: ٨٦٠ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». متفق عليه، واللفظ للبخاري. "قضى" بمعنى: حكم، والقضاء إما أن يكون كونيا وإما أن يكون شرعيًا، فإن كان مما يتعلق بالشرع فهو شرعي، وإن كان مما يتعلق بالكون فهو كوني، ففي قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسراءيل في الكتب لتفسدن في الأرض﴾ [الإسراء: ٢]. هذا قضاء كوني ولا يمكن أن يكون قضاء شرعيًا؛ لأن الله لا يقضي بالفساد ولا يحب الفساد ولا المفسدين، وفي قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣]. هذا شرعي، يعني: أمر ولذلك لم يكن كل الناس يعبدون الله، وفي قوله تعالى: ﴿والله يقضى بالحق﴾ [غافر: ٢٠]. شمول لهما جميعًا يقضي شرعًا وقدرًا وكونًا بالحق: ﴿والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيءٍ﴾، وقوله هنا: "قضى بالشفعة" أي: قضاة شرعيًا حكم حكمًا شرعيا بالشفعة، أي: بأن ينتزع الشريك حصة شريكه ممن أشتراها منه. "في كل ما لم يقسم"، هنا عمومان "كل" و"ما" و"فكل" من صيغ العموم، و"ما" اسم الموصول من صيغ العموم، "كل ما لم يقسم" قضى بالشفعة فيه فلو باع رجل نصيبه من سيارة مشتركة فإن الحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع نصيبه من كتاب فإن الحديث يدل على أن فيه الشفعة، ولو باع نصيبه من أرض فالحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع من بستان، فالحديث يدل على أن فيها الشفعة، ولو باع نصيبه من بيت فالحديث يدل على أن فيه الشفعة، يؤخذ من عموم قوله: "في كل ما لم يقسم" فيشمل العقار، والمنقول، والجماد، والحيوان، وكل شيء هذا عموم لفظي، المعنى أيضًا يقتضيه؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد لا يختلف فيه عقار وغيره بل قد يكون العقار أهون من غيره، لكن قال: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا الوصف لا ينطق إلى على ما كان عقارًا؛ لأن غير العقار ليس فيه حدود ولا تصريف طرق، فمن ثم ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا شفعة إلا في العقار؛ لأن قوله: "فإذا وقعت الحدود" الفاء للتفريع، والتفريع يدل على أن المفرع عليه يوافق الفرع في الحكم، فعلى هذا الرأي يكون العموم في قوله: "في كل ما لم يقسم" عمومًا أريد به الخصوص،

стр. 2043

أي: في كل ما يقسم من الأرض والعقار وشبهها مما له حدود وطرق، وبناء على ذلك لا شفعة في منقول، ما هو المنقول؟ هو الذي ينقل كالسيارات والحبوب الثمار والثياب؛ لأن هذه كلها ليس لها حدود ولا طرق، ثم إن قوله: "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" استدل به أيضًا بعض الفقهاء على مسألة أخص من مطلق العقار، وقالوا: إن الشفعة لا تجوز إلا في عقار يمكن قسمه وتحديه، فأما ما لم يمكن قسمه من العقار فليس فيه شفعة، مثل البيوت الصغيرة والبساتين الصغيرة التي لا يمكن أن تقسم، فهذه ليس فيها شفعة، وبناء على هذا القول تكون الأشياء ثلاثة أقسام: منقول وعقار يمكن قسمته وعقار لا يمكن قسمته، فالمنقول ليس فيه شفعة، والعقار الذي لا يمكن قسمته ليس فيه شفعة، والعقار الذي يمكن قسمته فيه شفعة؛ لأن قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" يدل على أن هذا العقار مشترك يمكن أن تقع فيه الحدود وتصرف فيه الطرق، ولنضرب لهذا ثلاثة أمثلة: المثال الأول: رقم واحد واثنين شريكان في سيارة، فباع رقم اثنين على رقم ثلاثة نصيبه من السيارة فهل لرقم واحد أن يأخذه بالشفعة من رقم ثلاثة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا منقول. واحد واثنين شريكان في بيت صغير لا يمكن أن ينقسم فباع رقم اثنان على رقم ثلاثة نصيبه فهل لرقم واحد أن يشفع على رقم ثلاثة؟ لا، لماذا؟ لأنه لا تمكن قسمته، والحديث يقول: "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، ومن المعلوم أن ضرر الشريك في عقار لا تمكن قسمته أعظم من ضرر الشريك الجديد في عقار تمكن قسمته، لماذا؟ لأن العقار الذي تمكن قسمته إذا رأى الشريك الأول ضررًا من الشريك الجديد قال لهم القسمة، وقال: قسمه وتخلص منه، لكن المشكل إذا كان العقار لا ينقسم فهذا لا يمكن أن يطلب القسمة؛ لأنه لو طلب القسمة قال: لا يمكن أن ينقسم وحينئذ يبقى ضرره متحققًا لا يمكن دفعه، وهذا لا شك أن الشريعة العادلة لا يمكن أن تثبت الشفعة فيما تمكن قسمته وتمنع الشفعة فيما لا تمكن قسمته؛ لأن هذا خلاف الصواب في المسألة. إذن عندنا الآن ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الشفعة تثبت في كل شيء، القول الثاني: أن الشفعة تثبت في كل عقار يمكن قسمته أو لا يمكن، القول الثالث: لا تثبت إلا في عقار يمكن قسمته، وقد علمتم وجهة النظر من الحديث، ولكننا إذا تأملنا وجدنا أن القول الصحيح أن الشفعة ثابتة في كل شيء حتى في المنقول، فلو باع شخص سيارة، يعني: رقم واحد واثنان شريكان في سيارة باع رقم اثنان على رقم ثلاثة نصيبه من هذه السيارة فلرقم واحد أن يشفع على رقم ثلاثة ويأخذ نصيبه؛ لأن عموم قوله: "كل ما لم يقسم" يتناول هذه الصورة، فأما التفريع فإن القول الراجح أن ذكر الحكم لبعض أفراد العموم لا يقتضي تخصيص العموم،

стр. 2044

يعني: إذا جاء عموم ثم فرع عليه بذكر حكم يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، ولهذا قال الجميع في قوله تعالى: ﴿والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قالوا: إن الآية عامة في البوائن والرواجع، يعني: يشمل المطلقة ثلاثًا والمطلقة واحدة، يعني: "أل" في المطلقات من ألفاظ العموم ولم يقولوا: إنه خاص بالرجعيات؛ لأنه فرع عليه قوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ فإن قوله: ﴿وبعولتهن﴾ خاص بالرجعيات ومع هذا قالوا: إن العموم في قوله: ﴿والمطلقت﴾ باق على عمومه شامل لمن بعلها أحق بردها ولمن لا يحق لبعلها في ردها، إذن القول الصحيح أنه شامل لكل شريك باع حصته في مشترك فإن لشريكه أن يشفع، وفهم من قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" أنه لا شفعة للجار؛ لأنه إذا وقعت الحدود صار الشريك جارًا وليس شريكًا، يعني: لو أن واحدا أو اثنين شريكان في أرض اقتسماها ووضعا الحدود صار الشريكان الآن جارين؛ لأنه وقعت الحدود، فهذا الحديث يدل على أن الجار ليس له شفعة لأنه وقعت الحدود، لكن الحديث عندنا فيه أمران: وقوع الحدود وتصريف الطرق، فيؤخذ من هذا أنه لو وقعت الحدود ولم تصرف الطرق فالشفعة باقية، مثل أن تكون الأرض ليس لها إلا شارع واحد فقسمت فصار الشارع مشتركًا بين الجارينن فظاهر الحديث أن الشفعة باقية؛ لأنه اشترط أمرين، الأول: وقوع الحدود وبه يثبت الجوار وتنتفي الشركة، يعني: يكون جارًا لا شريكًا، اشترط شيئًا آخر وهو تصريف الطرق فإن بقي الطريق واحدًا فالشفعة باقية، والحكمة من ذلك: أنه إذا بقي الطريق واحدًا فإن الأذى يحصل من الشريك الجديد، في أي شيء؟ في المشاركة في الطريق، كل يوم يوقف سيارته بالطريق، وأحيانًا يوقف أكبر من ذلك ونكون كل يوم في نزاع هذا تعب، هو يقول: أنا شريكك في هذا الطريق ماذا أقول؟ نعم أنت شريكي فيقول: أفعل ما أريد أوقف سيارة أو أي شيء، إذن فيه تعب فحينئذ نقول لهذا الجار: لك الشفعة؛ لأن الحديث يدل على أنه لابد من شيئين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، فإذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق فالحكم باقٍ، والشفعة باقية وعليه فنقول: هذا الحديث يدل على أنه ليس للجار شفعة إلا إذا كان بينه وبين جاره طريق مشترك. - وفي رواية مسلم: «الشفعة في كل شركٍ: في أرضٍ، أو ربعٍ، أو حائطٍ». "في كل شرك" أي: في كل مشترك، "في أرض أو ربع أو حائط"، "أرض" واضحة، "ربع": دار "حائط": بستان، فهذه ثلاثة أشياء، أرض بيضاء مشتركة إذا باع أحد الشريكين فلشريكه الشفعة،

стр. 2045

ربع يعني: دارًا مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه فلشريكه الشفعة، "حائط": بستان باع أحد الشريكين نصيبه منه فلشريكه الشفعة. قوله: "لا يصلح"، وفي لفظ: «لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه». لا يحل أو لا يصلح؛ لأن نفي الصلاح نفي للحل وزيادة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» يعني: لا يحل، "فلا يصلح" كقوله: «لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه»، الضمير في قوله: «أن يبيع على الشريك»؛ لأنه قال: "في كل شرك"، إذن لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فإذا حرج أو ساوم على الأرض وأراد أن يبيع فإنه لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه وينظر هل له نظر في هذا الشخص أو ليس له نظر، ووجه التحريم: أن فيه قيامًا بحق الجار؛ لأن الشريك جار وزيادة، فإذا كان جار له حق فالشريك من باب أولى شريك مخالط مقارب وهذا مخالط، أيهما أعظم حقًا؟ الشريك المخالط، فإذا كان جارك له عليك حق فكذلك الشريك من باب أولى. ثانيًا: أنه إذا عرض عليه وكان له رغبة كان أهون من أن ينتزعها من المشتري أولاً؛ لأنه إذا اشتراها قبل أن يبيعها شريكه لم يكن هناك أحد ينازع؛ لأنها لم تنقل لأحد. ثالثًا: أنه ربما إذا اشتراها أحد يتصرف فيها تصرفًا يمنع الشفعة؛ لأن المشتري لو وقف الأرض التي اشتراها امتنعت الشفعة؛ لأن الوقف لا يمكن بيعه فيفوته هذا النصيب. رابعًا: أنه إذا عرض عليه واختاره سلم من منازعة المشتري؛ لأن المشتري ربما ينازع يكون عنده قوة فيحصل عداوة بين المشتري وبين الشريك، ومن أجل هذه المصالح حرم النبي ﷺ على الشريك أن يبيع حتى يعرض على شريكه، لكن إن باع فهل يصح البيع أو لا يصح؟ البيع صحيح مع الإثم، وذلك لأن النهي هنا لا يعود إلى معنى في العقد، وإنما يعود إلى حق الغير فلم يمنع صحة البيع، فالبيع صحيح لكنه قد فعل إثمًا والبيع هنا لا يسقط حق الشريك من الشفعة إلا أن يتصرف المشتري تصرفًا يمنع الشفعة فحينئذ يضيع حقه. - وفي رواية الطحاوي: «قضى النبي ﷺ بالشفة في كل شيءٍ». ورجاله ثقات. في رواية مسلم: «الشفعة في كل شرك»، ثم أبدل من هذا العموم بعضًا من كل فقال: «في أرض أو ربع أو حائط»، وهذا يسمى بدل بعض من كل في إعادة العامل وهو "في"؛ لأنه لو كان بدلاً بدون إعادة العامل لقال: في كل شرك أرض أو ربع أو حائط لكنه بدل بإعادة العامل، فهل البدل يخصص المبدل منه؟ ينبني على ما سبق، وقد يقول: إنه لا يخصص، وأن المراد بهذا

стр. 2046

البدل التمثيل، يعني: مثل الأرض مثل الربع مثل الحائط وتكون، رواية مسلم موافقة لرواية الطحاوي التي فيها: "كل شيء" عام. وقوله: "ورجاله ثقات" إذا قال أهل الحديث: رجاله، فالمراد: الرواة، حتى لو فرض أن السند كله نساء لا يمكن أن يقول: نساؤه ثقات، بل يقول رجاله؛ لأن المراد الرواة. في هذا الحديث فوائد: أولاً: ثبوت الشفعة في المشترك لقوله: «قضي النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم». ومن فوائد الحديث: أنه لا شفعة لجار إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق. ومن فوائده: ثبوت الشفعة للجار إذا شارك جاره في الطريق، ويقاس عليه كل منفعة يشتركان فيها كما لو كانا شريكين في البئر، أي: أن الجارين بينهما وادي شريكان فيه فباع أحد الجارين، فلجاره أن يشفع؛ لأن بينهما شيء مشترك وهو البئر، فهو كالطريق بل قد يكون أشد الطريق إذا قل ماء البئر وكان أحد الجارين أرضه كبيرة، والثاني أرضه صغيرة، فقال صاحب الأرض الكبيرة: نريد أن نحفر زيادة، الماء قل، فقال صاحب الصغيرة: لا هذا يكفينا؛ لأنه لا يحتاج إلى ماء كثير حينئذ يتنازعان فتحصل العداوة والبغضاء، فإذا كان الجاران مشتركين في شيء من حقوق الملك ومصالح الملك فللجار أن يشفع. ومن فوائد الحديث: ثبوت الشفعة في كل شيء مشترك لقوله: «في كل ما لم يقسم»، «في كل شرك» «في كل شيء»، كلها عمومات وتفريع حكم بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص. ومن فوائد الحديث: تحريم بيع الشريك بيع الشريك نصيبه حتى يعرضه على شريكه؛ لقوله: «لا يحل أن يبيعه حتى يعرض على شريكه». ومن فوائده: أنه لو عرض على شريكه ثم قال الشريك: ليس لي رغبة فيه ثم باعه فهل تثبت الشفعة بعد البيع أو لا؟ في هذا خلاف، أكثر العلماء قالوا: له الحق، قالوا: لأن إسقاطه للشفعة قبل وجود السبب، ما سبب ثبوت الشفعة؟ البيع، والبيع ما حصل، فإذا أسقط الشفعة قبل وجود الشفعة فقد أسقط الشيء قبل وجود سببه فلا يثبت، قالوا: ونظير ذلك لو أن الرجل قال لورثته: أنا أريد أن أوصي بنصف مالي تسمحون؟ قالوا: نعم نسمح، فأوصى بنصف ماله ثم مات، فهل لهم أن يعارضوا فيما زاد على الثلث؟ لا فرق بينهما وبين المسألة السابقة، والقول الراجح في مسألة الورثة أنه إذا كان في مرض موته المخوف فإسقاطهم صحيح لازم، وهذا هو القول الصحيح؛ لأن السبب - سبب تعلق الورثة بالتركة - وجد وهو مرض الموت المخوف بخلاف ما كان صحيحًا، والمسألة فيها ثلاثة أقوال: الصحة مطلقًا، وعدم الصحة

стр. 2047

مطلقًا، والتفصيل، هذه المسألة أكثر أهل العلم يقولون: إنه إذا أسقط الشريك الشفعة وقال: ليس لي فيه غرض فإنه تثبت له الشفعة بعد البيع، وعللوا ذلك بأن إسقاطها قبل البيع إسقاط للشيء قبل وجود سببه فلا يثبت، والقول الثاني: أن استحقاقه للشفعة يسقط، قالوا: لأن هذا هو الفائدة من عرضه على الشريك، وهذا القول هو الذي قواه الشارح صاحب سبل السلام على أنه إذا أسقط حقه من الشفعة فليس له أن يشفع بعد ذلك، ويمكن أن يقال: يفرق بين أن يقول: ليس فيه رغبة وبين أن يقول: الآن ما لي رغبة، لكن لما باعه ندم وأخذ بالشفعة بخلاف ما إذا قال: أنا مسقط للشفعة، فهذا صريح في أن الرجل أسقط حقه وحينئذ لا يعود حقه. ومن فوائد الحديث: أن الشفعة لا تكون إلا في البيع؛ لقوله: «لا يحل أن يبيع حتى يعرض على شريكه» وبناء على هذا لو وهب أحد الشريكين نصيبه لشخص فليس للشريك الشفعة؛ لأن الحديث يقول: "لا يحل له أن يبيع" وهذا ليس بيعًا، ولكن بعض أهل العلم يقول: بل تثبت الشفعة حتى في الهبة؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد لا فرق فيه بين أن يكون الانتقال بهبة أو بغير هبة، ولكن يقدر الشقص بقيمة ويرجع الموهوب له بهذه القيمة على الشريك، فيقال مثلاً: هذا النصيب المبيع يساوي مائة ألف وهو قد آتاك مجانًا بدون شيء فعلى الشريك أن يدفع لك مائة ألف، وهذا القول أصح أي: أن الشفعة تثبت في كل انتقال اختياري، أما إذا كان الانتقال غير اختياري - كما لو مات أحد الشريكين وانتقل النصيب إلى ورثته - فإنه ليس للشريك أن يشفع؛ لأن هذا انتقال اضطراري وليس باختياره، إذا انتقل بإجارة مثل أن يقوم بين اثنين حوض كبير يؤجرانه للبضائع أو للورش أو ما أشبه ذلك فأجر أحد الشريكين نصيبه لشخص ثالث فهل لشريكه أن يشفع ويقول: أنا أحق بالإجازة؟ فنقول: من خصه بالبيع لم يثبته في الإجارة؛ لأن الإجارة انتقال المنفعة لمدة معلومة، والبيع يخالف الإجارة من وجهين: أولاً: أن البيع انتقال العين بمنافعها، والثاني: أن البيع مؤبد والإجارة مؤقتة، فحتى لو حصل فيها ضرر فالضرر مؤقت سنة أو سنتين ثم يزول، ولكن الذي يظهر أن الإجارة تثبت فيها الشفعة لأن الضرر حاصل، وإن كان نسبة الضرر بالنسبة للإجارة أقل بكثير من نسبة البيع، لكن يقال: أن النزاع سيحصل حتى في الإجارة، ويكون تقييد المسألة بالبيع في الحديث بناء على الأغلب؛ لأن كون أحد الشريكين يؤجل نصيبه مع بقاء الملك، هذا قليل، والحديث بناء على

стр. 2048

الأغلب، وما كان بناء على الأغلب فإنه لا مفهوم له، ويمكن أن يقال في وجه آخر: بأن هذا على سبيل التمثيل والعلة في البيع والإجارة واحدة. ومن فوائد الحديث: حكمة التشريع الإسلامي وأنه يحارب كل ما فيه نزاع؛ لأن الإسلام يريد من أبنائه أن تكون قلوبهم صافية بعيدة عن الحقد والغل والكراهية والبغضاء؛ لأن القلوب إذا تنافرت حصل الضرر العظيم، ويقول الشاعر: [الكامل] (إن القلوب إذا تناثر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر) إذا انكسر قدح من الطين يمكن جبره لكن من زجاج لا يمكن، وإن كان في الوقت الحاضر أظنه يمكن، لكن في الزمن الأول لا يمكن، وعلى كل حال هذا الدين - ولله الحمد - محارب كل شيء يوجب العداوة والبغضاء إلا في الدين، فالدين أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله. ومن فوائد هذا الحديث: أن لكل شريك على شريكه حقًا لقوله: «لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه»، والشفعة هل هي حق للمالك يعني: هل يعتبر فيها المالك أو هي حق للشركة، يعني: هل هي من حقوق الملك؟ أو من حقوق المالك، يرى بعض العلماء أنها من حقوق الملك ويرى آخرون أنها من حقوق المالك، فمن قال: إنها من حقوق المالك قال: لا شفعة لكافر على مسلم، فإذا كان هذا المشترك بين ذمي ومسلم، فباع المسلم نصيبه على مسلم، فليس للذمي أن يشفع لأنه لا شفعة لكافر على مسلم، ومن جعل ذلك من حقوق الملك قال: لا فرق بين أن يكون المستحق للشفعة كافرًا أو مسلمًا، وأنه إذا باع شريك الذمي نصيبه على مسلم فاللذمي أن يشفع، وإذا باع المسلم نصيبه على ذمي وشريكه ذمي فله أن يشفع؛ لأنه ذمي مثله، ولو باع على ذمي وشريكه مسلم فله أن يشفع من باب أولى. شفعة الجار وشروطها: ٨٦١ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جار الدار أحق بالدار». رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وله علة. "الجار": هو من جاورك وصار إلى جنبك من أي جهة كان، ولكن هذا الحديث يقول

стр. 2049

المؤلف: "وله علة"، والعلة - كما يقول [في الحاشية عندي]- لأنه رواه جماعة من الحفاظ عن أنس وآخرون عن الحسن عن سمرة وقالوا: هذا هو المحفوظ، لكن صحح ابن القطان الطريقين، وإن كان في سماع الحسن من سمرة خلاف. يقول: "جار الدار أحق بالدار"، وهذه الأحقية هل هي أحقية شفعة، بمعنى: أنه يستحقها إذا بيعت أو أحقية أولوية، يعني: أنه ينبغي للجار أن يعرض على جاره قبل أن يبيع؟ هذا فيه خلاف؛ فمنهم من يرى الأول، يعني: أنه له الشفعة، يعني: أن الجار له الشفعة وهو أحق بالدار إذا بيعت، فله أن يأخذها بالشفعة، وقال آخرون: بل هو أحق؛ أي: أنه يراجع ويعرض عليه البيع أولاً؛ لأنه جار، ومن إكرامه والقيام بحقه أن تعرض عليه قبل أن تبيع؛ لأنه قد يأتي الجار ما ينكد عليه وربما يضره فكونك تراجعه هذا أولى وأقوم بحق الجار، وهذا القول هو الصحيح، أن المراد بالأحقية يعني أحق أن يباع عليه من غيره، فأما إذا بيع فقد تعلق بالشقص حق المشتري، والمشتري أولى من الجار؛ لأنه لا علاقة بين الجار وجاره إلا حق الجوار فقط، أما الملك فملكه مستقل، فلا يمكن أن يرجع أو أن يسقط حق المشتري حتى يعرضه على الجار. ٨٦٢ - وعن أبي رافعٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بصقبه». أخرجه البخاري، وفيه قصة. "بصقبه" أي: بجواره وقربه، والباء إما أن تكون للتعدية، أي: تعدية الحق، وإما أن تكون للسببية أي: أحق بما جواره؛ لأنه قريب وأيًا كان هذا أو هذا فإنها تدل على أن الجار أحق من غير الجار بسبب قربه وجواره وهذه الأحقية ما هي؟ نقول فيها ما قلنا في الحديث الأول: إما أنها أحقية شفعة، وإما أنها أحقية جوار ومراجعة وعرض قبل أن تباع، والثاني هو الصحيح؛ لأن الأحاديث السابقة كلها تدل على أن الجار ليس له الحق في الشفعة إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ٨٦٣ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا». رواه أحمد، والأربعة، ورجاله ثقات. قال: "إذا كان طريقهما واحدًا" فهنا الحديث صريح بأن المراد بالأحقية أحقية الشفعة،

стр. 2050

لكنه يختلف عن الحديثين السابقين بأن الحديثين السابقين مطلقان وهذا مقيد بما إذا كان طريقهما واحدًا، وإذا قيد الحكم بهذا لم يكن مخالفًا للأحاديث السابقة، وهي قوله: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»؛ لأن قوله: «إذا كان طريقهما واحدًا» يدل على أن الطرق لم تصرف وحينئذ تجتمع الأحاديث. نرجع أولاً إلى فوائد الأحاديث الثلاثة: فيها دليل على مراعاة حق الجار، ولا شك أن للجار حقًا كبيرًا على جاره، حتى إن النبي ﷺ جعل إكرام الجار من مقتضى الإيمان فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»، وحتى نفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه»، يعني: ظلمه وغشمه. ومن فوائد الأحاديث: أن من حق الجار إذا أراد جاره أن يبيع ما جاوره فليعرض عليه؛ لأنه أحق بجواره. ومن فوائد الأحاديث الثلاثة: أنه إذا كان بين الجارين طريق مشترك فللجار حق الشفعة، وحق الشفعة أخص من الحق المطلق العام، وعلى هذا فنقول: إذا كان بين الجارين طريق مشترك فللجار أن يشفع إذا باع جاره. فإن قال قائل: كيف تقولون: إنه يشفع وقد قال النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وأنتم إذا سلطتم الجار على الأخذ بالشفعة استحللتم مال المسلم بغير رضًا منه، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩]. فالجواب عن ذلك أن نقول: إننا سلطنا الجار على الأخذ بالشفعة من أجل دفع الضرر الذي يتوقع من هذا الجار الجديد؛ لأن بينهما طريقًا مشتركًا هذا الطريق ربما يتعرض الجار الجديد لأذية الجار الأول بالمزاحمة ووضع الحصى والسيارات وهكذا، أما إذا كان ليس بينهما شيء مشترك لا طريق ولا بئر ولا ماء ولا غيره فإنه لا شفاعة؛ لأن الأصل تحريم أخذ المال من المشتري بغير حق، أصل المال محترم اشترى بماله والملك ملكه كيف نأخذه منه قهرًا. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال أعني هل للجار شفعة أو لا؟ فمن العلماء من قال: لا شفعة له مطلقًا؛ لأن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شرك أي: في كل مشترك، والجوار ليس شركًا، فمنطوق الحديث: أن الشفعة ثابتة في المشترك، ومفهوم الحديث: أنه لا شفعة في غير المشترك، ولأن الأذية في المشترك أشد من الأذية في المجاور،

стр. 2051

فلا يمكن أن نقيس المجاور على المشترك؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، إذن فالجار انتفي أن يكون له حق الشفعة بمتضى النص ومقتضى القياس فلا شفعة له. القول الثاني: أن للجار شفعة، وأخذوا بعموم الحديثين: "الجار أحق بصقبه"، والثاني: "جار الدار أحق بالدار" وقالوا: هذا عام، والمنطوق في حديث جابر لا يعارضه؛ لأن المنطوق في حديث جابر ما هو؟ ثبوت الشفعة في المشترك، مفهومه عدم ثبوتها في عدم المشترك، والمنطوق عند أهل العلم مقدم على المفهوم، كون الجار لا شفعة له نستدل عليه من حديث جابر بالمفهوم، ونستدل على ثبوت الشفعة له بالمنطوق في الحديثين الأخيرين، والقاعدة عند الأصوليين أنه إذا تعارض المنطوق والمفهوم فإنه يقدم المنطوق؛ لأن دلالته أقوى، إذن فللجار حق الشفعة مطلقًا. القول الثالث: قول وسط يأخذ بالحديثين فيقول: إذا كان بين الجارين حقوق مشتركة كالطريق والماء وما أشبه ذلك من الحقوق فللجار أن يشفع، وإن لم يكن بينهما حقوق مشتركة فليس للجار شفعة، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ لأن هذا القول دل عليه النص والمعنى، واجتمعت به الأدلة، فالنص حديث جابر: «الجار أحق بجاره إذا كان طريقهما واحدًا» وحديث جابر أيضًا الذي صدر به المؤلف الباب، "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، فيفهم منه أنه إذا لم تصرف الطرق فالشفعة ثابتة وإن وقعت الحدود؛ لأنه بوقوع الحدود يكون الشريك جارًا وبتصريف ينفصل انفصالاً تامًا، فيفهم منه أنه إذا لم تصرف الطرق فإن الشفعة ثابتة، وهذا القول به تجتمع الأدلة كما عرفتم، وهو الصحيح. إذا قال قائل: "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" خاص بالأرض وشبهها فما تقولون إذا كان الجوار في منقول؟ نقول: إذا كان الجوار في منقول فلا أحد يقول بالشفعة فيه، يعني: لو أضع مسجلي إلى جنب مسجله ثم أبيعه هل تشفع؟ لا، لا أحد يقول بهذا، وعلى هذا فتكون الشفعة للجار خاصة في العقار، أما المنقول فلا أحد يقول فيه. في الحديث الأخير قال: «ينتظر بها وإن كان غائبًا» يستفاد منه: أن الشفعة لا تسقط بطول المدة؛ لقوله: "ينتظر بها"، فإذا كان الجار غائبًا وكان بينهما طريق مشترك فإن الشفعة لا تسقط ينتظر بها، ولكن إذا علم بها الشريك بالبيع فهل له أن يؤخر حتى ينتظر ويتروى ويفكر أو يحصل الثمن إن كان ليس عنده، أو نقول: إما أن تأخذ الآن وإما أن يسقط حقك؟ ظاهر

стр. 2052

حديث جابر، أنه ينتظر بها ويمهل؛ لأن الإنسان قد لا يستوعب النظر في الأخذ بالشفعة في حال علمه بالبيع، لاسيما إذا كان العقار كبيرًا والثمن كثيرًا؛ لأنه محتاج إلى نظر وترو، وهذا القول هو الذي يدل عليه الحديث وهو الصحيح، والقول الثاني: أن لشفعة لابد أن تكون فورية؛ يعني: على الفور، فإن لم يطالب بها على الفور فإنها تسقط، واستدل أصحاب هذا القول بقول المؤلف: ٨٦٤ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الشفعة كحل العقال». رواه ابن ماجه والزار، وزاد: «ولا شفعة لغائب» وإسناده ضعيف. هذا الحديث: «الشفعة كحل العقال» أي عقال؟ عقال البعير؛ لأنه هو الذي يحل، وحل عقال البعير إذا أراد الإنسان أن يحله لا يحتاج إلى مدة؛ لأنه لا يعقد وإنما يجعلونه نشيطًا يعني: ينشط نشطًا بحيث إذا جذبته انحل، هذا العقال ينحل بسرعة، فالحديث يدل على أنه لابد من المبادرة ولا شفعة لغائب، وظاهره وإن لم يعلم بالبيع، وهذا الحديث - كما ترون - ضعيف السند شاذ المتن، ضعف السند حكم به المؤلف والشذوذ في المتن؛ لأنه قال: «ولا شفعة لغائب» والحديث الذي قبله أصح منه، قال: «ينتظر بها وإن كان غائبًا»، وعلى هذا فيكون الحكم المستفاد من هذا الحديث حكمًا باطلاً ضعيفًا لا يعتمد، والشفعة كغيرها من حقوق الإنسان لا تسقط إلا بما يدل على إسقاطه إياها بالقول أو بالفعل. ولكن إذا قال قائل: إلى متى؛ لأن المشتري يقول: أخبرني هل أنت تريد الشفعة فخذ مالك وأعطني الدراهم أو لا تريد فدعني أتصرف؟ نقول: إذا طالب المشتري بيان الحال وقال للشريك: أعلمني بماذا تريد فإنه يجبر الشريك على أن يأخذ أو يدع، ويمهل المدة - إذا طلب الإمهال - التي يمكنه أن يتروى فيها وينظر، فإذا قدرنا أن هذا الشريك باع نصيبه بخمسمائة ألف وجاء المشتري وقال: تأخذ بالشفعة قال: أنظرني حتى أرى هل أنا سأحصل خمسمائة ألف أو لا أحصل، هل إنه من المصلحة أن آخذ بالشفعة أو لا؟ ففي هذه الحال نقول له: حق يمهل لا دائمًا، ولكن المدة التي لا يتضرر فيها المشتري، ويقال لابد أنه يمهل. خلاصة هذا الباب: أن الشفعة ثابتة في كل شيء مشترك.

стр. 2053

ثانيًا: أن الشفعة ثابتة للجار بشرط أن يكون بينه وبين جاره حقوق مشتركة مثل الطريق والماء. ثالثًا: لابد أن يبادر بالشفعة، ويمهل المدة التي يقدرها الحاكم إذا طلب الإمهال على وقت لا يتضرر الشفيع بذلك. **** ١٤ - باب القراض "القراض": مصدر قرض يقارض قراضًا ومقارضة: وهو مأخوذ من القرض وهو القطع، فالقراض في اللغة: من القرض وهو القطع، وفي الاصطلاح: "دفع مال لمن يعمل فيه بجزء مشاع معلوم من ربحه وإن شئت فقل بجزء من ربحه"، ولابد أن يكون هذا الجزء مشاعًا معلومًا مشاعًا، يعني: عامًا لا معينًا معلومًا لا مجهولاً، وتسمى بالمضاربة، والمضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السفر؛ لأن الغالب أن الذي يأخذ المال يسافر من أجل أن يشتري السلع من خارج البلد ليأتي بها إلى البلد فيربح، إذن لها اسمان: مضاربة ومقارضة وقراض مثالها: أعطيتك عشرة آلاف ريال على أن تتجر بها ولك نصف الربح، فاتجرت بها وصارت اثني عشر ألفًا، فكم نصيبك منها؟ ألف، ولابد أن يكون هذا الجزء مشاعًا، فلو قلت: خذ عشرة آلاف ريال اتجر بها ولك من الربح خمسمائة ريال والباقي لي أو لي خمسمائة والباقي لك هذا لا يصح؛ لأنه لابد أن يكون الجزء مشاعًا لا معينًا، لأن المعين ربما لا يربح المال إلا هذا القدر المعين، وربما لا يربح ولا القدر المعين، وربما يربح شيئًا كثيرًا يكون هذا قدرًا معينًا قليلاً بالنسبة للربح، فإذا قلنا: لك نصف الربح، لك ربع الربح صار صاحب المال والعامل مشتركين في المغنم والمغرم، أعطيتك عشرة آلاف ريال على أن تتجر بها ولك بعض ربحها مشاعًا لكنه غير معلوم؛ لأن البعض مجهول، إذن لا تصح المضاربة، لماذا؟ لأننا قلنا: لابد أن يكون الجزء مشاعًا معلومًا. مثال رابع: أعطيتك عشرة آلاف ريال على أن تتجر بها ولك من الربح ما شئت ما تقولون؟ هذا لا يصح أيضًا؛ لأنه مجهول ما ندري، ربما يشاء النصف، ربما يشاء الثلثين، ربما يقول كل الربح لي، إذن لابد أن يكون مشاعًا معلومًا وإلا لم تصح، هذه المعاملة ادعى بعض العلماء أنها على خلاف القياس، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل من ادعى شيئًا ثبت شرعًا أنه على خلاف القياس فقوله هو خلاف القياس أي: قول هذا المدعي هو خلاف القياس لماذا؟

стр. 2054

لأنه ليس في الشرع شيء يخالف القياس؛ لأن المراد بالقياس: النظر والعقل، فتقول أنت دعواك أن في الشرع ما يخالف القياس هي خلاف القياس، ما من شيء في الشرع وهو على وفق القياس، هذه المضاربة قالوا: إنها على خلاف القياس؛ لأن الربح مجهول قد يأخذ عشرة آلاف ريال على أنه سيربح خمسة آلاف ريال ولكنه لا يرح إلا عشرة ريالات، كم نصيبه؟ إنسان صار يكدح ليلاً ونهارًا بهذا المال عشرة آلاف ريال، ويضرب الفيافي والقفار والجبال والأودية، فلما رجع وصفي المال فإذا الربح خمسة ريالات وهو أخذه بالخمس - خمس الربح - يكون نصيبه ريالاً واحدًا فيكون هذا مجهولاً وربما يكسب خمسة آلاف ريال فيكون ألف ريال قالوا: هذا مجهول، فهذا العقد على خلاف القياس؛ لأننا أجريناه مع جهالة الربح، فيقال: بل هذا على وفق القياس؛ لأن المتجر بماله ربما يربح وربما يخسر، الذي يتجر بماله تجده يسعى ويسافر ويخاطر ويضرب البحار ويضرب البراري ثم لا يربح بل قد يخسر، إذن كونه يربح أو لا يربح هذا ليس خطرًا ولا فيه غرر؛ لأن الإنسان نفسه يعمل بماله ويربح ويخسر، ثم نقول: بل هي على وفق القياس تمامًا؛ لأن فيه مصلحة للطرفين، من هما؟ صاحب المال والعامل، فصاحب المال يكسب من ماله وهو مستريح، والعامل يكسب من مال الرجل، ولولا هذا لم يكن عنده مال يتجر به فصار فيها مصلحة للطرفين للمضارب والمضارب وهذا هو عين القياس، ونظيره أن الرسول ﷺ عامل أهل خيبر منهم العمل والأصل لمن؟ للمسلمين والثمرة بينهم، وهذا تمامًا نظير المضاربة، المال من رب المال، والعمل من العامل، والربح بينهما، الربح في مسألة خيبر يوازي الثمر، والأصل في خيبر النخل والأرض يوازي رأس المال من المضارب. إذن المضاربة يتبين أنها على وفق القياس، وأنها من المصلحة للطرفين المضارب والمضارب الذي أخذ المال وأتجر به، ولهذا إذا خرجت عن العدل صارت حرامًا لو أعطاه المال وقال له: خذ هذا المال واتجر به ولك ربح الرز ولي ربح السكر صارت حرامًا لا تجوز، لماذا؟ لأن السكر قد يربح كثيرًا والرز لا يربح أو بالعكس، فيكون أحدهما غانمًا والثاني غارمًا، ومثال آخر: خذ هذا اتجر به ولي من الربح ألف والباقي لك أيضًا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربما لا يربح إلا هذا الألف فيكون خسرانا وربما تتوقع أنه سيربح ألفين ويكون الربح بينكما نصفين ولكنه يربح عشرة آلاف، فلا يكون لرب المال من الربح إلا العشر، بل إنما كنا نتوقع أنه يسكون له النصف، إذن إذا خرجت عن العدل حينئذ تكون خارجة عن القياس ولا تصح، إذا لم تصح فماذا نعطي العامل هل نقول: ليس للعامل شيء لأن هذا عقد فاسد محرم فلا يترتب عليه شيء، أو تقول: للعامل أجرة المثل، يعني: كأنه خادم يشتغل بالمال فتعطيه أجرة مشاهرة كل شهر كذا، أو نقول: للعامل سهم المثل أيهما أقرب؟ عرفتم في قواعد ابن رجب

стр. 2055

أن في المسألة خلافًا، وأن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن للعامل سهم المثل؛ لأننا إذا قلنا: سهم المثل فإننا لو قدرنا أن العقد صحيح ولم يربح ماذا نعطيه؟ لا شيء، ولو قلنا أجرة المثل لزم أن نعطيه أجرة المثل وإن لم يربح المال، أيضًا ربما يربح شيئًا كثيرًا وربما يربح ما لو أعطي نصيبه لصار له في الشهر عشرة آلاف وأجرة المثل له في الشهر ألف فإذا قلنا: له سهم المثل نقول: الآن نقدر كأن المضاربة صحيحة، وكم يأخذ من السهم، قال: وهذا عادة يأخذه على نصف الربح، نقول: إذن كم ربحت الآن؟ قال: عشرة آلاف، فنعطيه خمسة آلاف قال: ربحت ألفين نعطيه ألفًا وهلم جرا، الآن ما ربح شيئًا فلا نعطيه شيئًا، وذلك لأن العامل إنما دخل على أنه مضارب ما دخل على أنه أجير حتى نعطيه أجرة إنما دخل على أنه مضارب وأنه خاضع للربح أو للخسران فكيف تعطيه أكثر مما توقع أو نعطيه أقل لو كان الربح كثيرًا، فالصواب إذن أنها إذا فسدت فإننا نعطيه سهم المثل، لو قدر أن الاتفاق الذي بينهما كان على نصف الربح، وأن سهم المثل لو نظرنا إلى السعر العام بين الناس لكن المضارب يعطي الثلث، فماذا نفعل نعطيه الثلث أو النصف؟ نعطيه الثلث ما دام قلنا سهم المثل؛ وذلك لأنه ربما يكون هناك محاباة أو ضرورة إلى من يعطيه النصف، والعادة أنه لا يستحق إلا الثلث، فنقول: ما دام هذا العقد فاسدًا وتبين أنه باطل فإننا نرجع إلى سهم المثل، ونقول: ماذا يكون سهم العامل في أوساط الناس؟ قالوا: يكون الثلث، نقول: ليس له إلا الثلث. ٨٦٥ - عن صهيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجلٍ، والقارضة، وخلط البر بالشعر للبيت، لا للبيع». رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ. "ثلاث" مبتدأ و"فيهن البركة" مبتدأ وخبر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، فالخبر هنا جملة أسمية: "فيهن بركة"، والبركة: هي الخير الكثير الثابت، وأصله: مأخوذ من البركة؛ لأنها تجمع الماء وهي كبيرة ويثبت فيها الماء بخلاف الساقية؛ لأن الساقية يمشي منها الماء، يعني: فيهن الخير الكثير الثابت. أولاً: "البيع إلى أجل"، وهذا يشمل تأجيل الثمن وتأجيل المثمن، فتأجيل الثمن مثل أن أقول: بعت عليك هذه الدار بعشرة آلاف مؤجلة إلى سنة، هذا تأجيل الثمن، تأجيل المثمن، مثل: أن أقول للفلاح: هذه بمائة درهم بمائة صاع توفين إياها بعد سنة، هذا أيضًا إلى أجل، المؤجل فيه المثمن وهذا الأخير يسمى السلم وقد ثبتت به السنة.

стр. 2056

البيع إلى أجل بين طرفين سواء في الثمن أو في المثمن فيه بركة وذلك من وجهين: الأول: أنه لابد أن يكون فيه زيادة، فالذي يباع نقدًا بمائة إذا بيع مؤجلاً سكون بمائة وعشرة مثلاً ففيه زيادة. الوجه الثاني: أن فيه راحة للمشتري، فبدلاً من أن نسلم الثمن نقدًا يؤجل إليه إلى سنة فيكون في هذا سعة له، ففيه إذن بركة من وجهين: وجه للبائع بزيادة الثمن له بسبب التأجيل، ووجه ثان للمشتري بسهولة دفع الثمن؛ لأن النقد أصعب على الإنسان من المؤجل. الثاني: "المقارضة" وهي ما نحن فيه، يعني: المضاربة، ففيها بركة لصاحب المال؛ لأن ماله بكسب من غير أن يتعب، وبركة للعام؛ لأنه يحصل له مال يتجر به، ولولا المضاربة لبقي معطلاً ففيه بركة لكل من المضارب والمضارب. الثالث: "خلط البر بالشعير للبيت لا للبيع"، البر أطيب من الشعير لا شك وأغلى من الشعير فالإنسان إذا كان عنده بر وعنده شعير، إن استعمل البر وأكله صارت النفقة عليه أكثر، فصاع من بر بعشرة، وصاع من شعير بخمسة، فيقوم ويشتري مع البر شعيرًا من البر بعشرة صار الصاعان بخمسة عشر، لكن لو أنه أنفق صاعين من البر صارا بعشرين فصار هذا أسهل ففيه بركة، لكن للبيت أما البيع فلا؛ لأنه لو خلط شعيرًا ببر للبيع صار في ذلك غرر، وربما يكون في ذلك غش، قد يجعل البر الخليط فوق الشعير فيكون في ذلك غش، وقد يخلطه به ويكبس بعضه ببعض فيكون في ذلك غرر؛ لأن الإنسان لا يدرك أيهما أكثر حب الشعير أم حب البر فإذا كان للبيع فليس فيه بركة أما للبيت ففيه بركة. ولكن لو قال قائل: لو خلطنا البر بالشعير على وجه واضح هل في هذا غش؟ فالجواب: لا؛ لأنه ما دام معلومًا ظاهرًا فليس فيه غش. في هذا الحديث من الفوائد: حلول البركة في هذه الأمور الثلاثة: البيع لأجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع. ومن فوائد الحديث: أن الأشياء تتفاوت في بركتها وخيرها، وهذا أمر معلوم مدرك بالحس. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البيع إلى أجل طلبا للبركة، فإذا تمكن الإنسان من البيع إلى أجل كان ذلك خيرًا له من أن يبيع بنقد، ولكن لو باع بنقد فلا بأس، وإذا كان البيع إلى أجل فيه بركة فالنكاح إلى أجل - أعني: تأجيل المهر - فيه بركة أيضًا، ولهذا لو أن الناس سلكوا هذه الطريق وأجلوا بعض المهر واقتصروا في النقد على ما يحتاجون إليه عند الدخول لكان في هذا بركة وتيسير على الناس بدلاً من أن يبذل الإنسان أربعين ألفًا نقدًا للمهر، على أن يبذل

стр. 2057

مثلاً عشرين ألفًا ويكون الباقي مؤجلاً، لو أن الناس سلكوا هذا الطريق لوجدوا بركة؛ لأنه لا شك أن هذا من التيسير. ومن فوائد الحديث: جواز المقارضة وأنها من الصفقات المباركة لقوله هنا "والمقارضة". ومن فوائده: جواز خلط الشعير بالبر للبيت وأن في ذلك بركة. ومن فوائده: تجنب هذا الخلط فيما إذا كان للبيع؛ لأن ذلك يربك المشتري، فيتردد أيهما أكثر: حب الشعير أو حب البر، ولو جعل البر فوق الشعير فهذا لا يجوز. قال المؤلف: "رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف"، ولكن يجب أن نعلم أن الإسناد قد يكون ضعيفًا ويكون المعنى صحيحًا وحينئذ لا نجزم بأن الرسول ﷺ قاله؛ لأن سنده ضعيف، لكن نقول: قواعد الشريعة تشهد له، وقد يكون السند صحيحًا والمتن ضعيفًا لمخالفته لما هو أرجح منه من السنة، وهذا ما يعرف عن أهل العلم بالشاذ فلا يكون صحيحًا. ٨٦٦ - وعن حكيم بن حزام ﵁: «أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً: ألا تجعل مالي في كبدٍ رطبةٍ، ولا تحمله في بحرٍ، ولا تنزل به في بطن مسبلٍ، فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي». رواه الدارقطني، ورجاله ثقات. قوله: "كبد رطبة" يعني: الحيوان، يعني: لا تبيع ولا تشتري في الحيوان، لماذا؟ لسببين: أولاً: أنه عرضة للهلاك؛ لأن الحيوان بقاؤه على الخصب وكثرة الأمطار، وقد يتخلف ذلك، وإذا تخلف احتاج إلى نفقات باهظة، ثانيًا: أن الحيوان ذو روح يحتاج إلى رعاية وعناية، وربما يفعل الإنسان عنه في أيام الصيف فيموت عطشًا، وربما يغفل عنه في الشتاء فيموت بردًا، فالمهم أن مؤنة الحيوان أشد من مؤنة الجماد، والذمة مشغولة بالحيوان أكثر من مشغوليتها بالجماد. قال: "ولا تحمله في بحر"، وهذا في وقته الحمل في البحر في وقته عرضة للهلاك لماذا؟ لأن السفن في ذلك الوقت سفن شراعية تمشي على الهواء ضعيفة لا تتحمل الأمواج ولا العواصف فيها خطورة، فيشترط عليه ألا يحمله في بحر. "ولا تنزل به في بطن مسيل" يعني: في الوادي مجرى الماء، لماذا؟ لأنه إذا نزل في بطن مسيل ربما يبغته السيل فيجري في الماء أو يفسده فيشترط عليه ألا يجعل في بطن مسيل لاسيما المسيل الذي يكون بين الجبال؛ لأن المسيل قد يكون في أرض واسعة فسيحة هذا خطره أقل؛ لأن جريه سيكون بطيئًا ضعيفًا، لكن إذا كا بين جبال في مضايق هذا إذا جاء ينحدر من عال إلى مضيق فيكون عميقًا ويكون جريه قويًا.

стр. 2058

"فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنت مالي"، حكيم بن حزام معروف بأنه صاحب بيع وشراء وتجارة؛ ولذلك كان الرسول يوصيه ويقول: "لا تتبع ما ليس عند" فهو صاحب تجارة، ومن جملة تجارته أنه يعطي ماله مقارضة، يعني: مضاربة يشترط عليه شروطًا أربعة ألا يجعله في حيوان، ولا يحمله في بحر، ولا ينزل به في بطن مسيل، فإن فعل فهو ضامن؛ إن هلك الحيوان ضمنه، إن غرق المال ضمنه، إن نزل به في بطن مسيل ضمنه. فيستفاد من هذا الحديث: جواز شروط مثل هذا في المضاربة، فإن لم يشترط وحصل اختلاف وحمله في البحر أو في بطن مسيل أو جعله في كبد رطبة، فهل عليه الضمان؟ نقول: لا ضمان عليه، اللهم إلا في بطن المسيل إذا كان في وقت نزول المطر في ايم الشتاء، أما في الصيف فلا بأس، والقاعدة عندنا أنه إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه، "كل يد أمينة إذا لم يحصل تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه"، وعلى هذا فالمضارب إذا لم يحصل منه تعد ولا تفريط فليس عليه ضمان، لكن كيف التعدي؟ التعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، ففعل ما لا يجوز مثل: أن يلقي بالمال إلى التهلكة، وفعل ما لا يجوز: أن يستعمل المال في حاجته الخاصة. - وقال مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده: «أنه عمل في مالٍ لعثمان على أني الربح بينهما» وهو موقوف صحيح. "موقوف" يعني: على عثمان، وهو أحد الخلفاء الراشدين لهم سنة متبعة، وهو معروف ﵁ بأنه صاحب ثراء وغنى، فيعطي ماله مضاربة على أن الربح بينهما، فبناء على ذلك يجوز أن أعطي شخصًا مالاً على أن الربح بيني وبينه، ولكن قلنا: لابد أن يكون مشاعًا معلومًا، وبيني وبينه معلوم إذا كان لي ربعه وله ثلاثة أرباعٍ هل هو بيننا؟ بيننا، له عشرة ولي تسعة أعشاره أيضًا هو بيننا، إذن إذا قلت الربح وصار الربع والعشر والثلث كله بينية عاد إلى الجهالة، فيقال: نعم الأصل أن البينية فيها إبهام لكنها عند الإطلاق تقتضي المساواة، هذه أيضًا من القواعد الفقهية، البينية عند الإطلاق تقضي المساواة، ولهذا لو أعطيت فقراء عشرة طعامًا وقلت: هذا بينكم وجاء واحد منهم وأخذ نصفه وقال: نصفه لي ولكم الباقي، هل يملك هذا؟ لا، لماذا؟ لأن البينية تقتضي المساواة، فإذا قلت: هذا بينكم وهم عشرة فلكل واحد عشرة ولا يمكن أن يتعدى، إذن الذي جعل البينية هنا صحيحة لأنها عند الإطلاق، وعلى هذا فإذا قال: الربح بيننا فهو نصفان.

стр. 2059

١٥ - باب المساقاة والإجارة ليته قال: والمزارعة كان أحسن، وجعل للإجارة بابا مستقلاً؛ لأن بينهما فروقًا كثيرةن أي: أن بين المساقاة والمزارعة وبين الإجارة فروقًا كثيرة، لكن المساقاة والمزارعة هما المتشابهتان. "المساقاة" في اللغة: مأخوذة من السقي؛ لأن حروفها الأصلية سين، وقاف، وباء، إذن هي من السقي، وهي معروف يعني: صب الماء على الأرض لتشربه، فهي من المساقاة وهي: دفع أرض وشجر لمن يقوم عليه بجزء مشاع معلوم من ثمره، مثال ذلك: رجل عنده بستان وتعب من العمل فيهن وجاء إلى شخص وقال: هذا بستاني خذه واعمل فيه ولك نصف ثمره، هذه المساقاة جائزة؛ لأن فيه مصلحتين: مصلحة لصاحب الأرض، ومصلحة للعامل، فصاحب الأرض يستريح ويكفيه هذه المؤنة والتعب، والآخر استفاد لأنه ليس عنده ما يشتري ثمرًا ولي عنده بستانًا فيعمل في هذا البستان ويحصل الثمر، ففيها مصلحة للطرفين؛ وهي تشبه تمامًا المضاربة. "الإجارة": مأخوذة من الأجر وهو الثواب، أي: مكافأة العامل على عمله، ولهذا لو قلنا: فلان له أجر عند الله، يعني: ثوابًا مكافأة على عمله فهي في الأصل من الأجر وهو الثواب، أي: المكافأة على العمل، وأما في الاصطلاح فهي: دفع عين لمن ينتفع بها بعوض معلوم أو القيام بعوض معلوم أو القيام بعوض معلوم، فالبيت إذا أعطيته عاملاً ليخيطه لك فهذا دفع عين لمن ينتفع بها بعوض معلوم، والثوب إذا أعطيته عاملاً لخيطه لك فهذا دفع عين لمن يعمل فيها بعضو معلوم، والعامل إذا استأجرته ليعمل عندك فهذا عقد على عمل معلوم بعوض معلوم، فالإجارة قد تكون على عمل وعلى عمل في عين، وعلى نفع في عين، ولكها جائزة: ﴿إن خير من استئجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦]. حكم المساقاة: ٨٦٧ - عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ». متفق عليه. "عاملهم" أي: أعطاهم الأرض على أن يعملوا فيها، "بشطر ما يخرج منها"، شطر يعني: نصف من ثمر هذا باعتبار الشجر، أو زرع باعتبار البقول، الزروع يعني: على النصف من الثمر في الأشجار والزرع في البقول، وقوله: "عامل أهل خيبر" وهم اليهود، خيبر حصون ومزارع تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي، فتحها النبي ﷺ ، ولما فتحها إذ الناس لا

стр. 2060

يستطيعون القيام عن العمل بها لاشتغالهم وهي مزارع، فطلب اليهود من الرسول ﷺ أن يعملوا فيها على النصف، ولهذا قال: - وفي رواية لهما: «فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها، حتى أجلاهم عمر ﵁». إذن هم الذين طلبوا البقاء فيها يكفونهم المؤنة، يعني: العمل على هذه الأشجار والأرض ولهم نصف الثمر، فقال النبي ﷺ : «نقركم بها على ذلك ما شئنا»، فقروا حتى أجلاهم عمر ﵁، "نقركم على ذلك ما شئنا" يعني: لكم نصف الثمر، لكن ما شئنا حسب مشيئتنا، وإذا رأينا ما يقتضي أن نخرجكم منها أخرجناكم، فوافقوا على هذا الشرط، فبقوا آخر حياة النبي ﷺ يعني: أربع سنوات قبل أن يموت، وبقوا خلافة أبي بكر كلها وبقوا في خلافة عمر حتى أجلاهم عنها، وكان إجلاؤه إياهم عنها في سنة عشرين من الهجرة، أجلاهم إلى فدك، إذن بقوا بعد الفتح أربع عشرة سنة، وكان سبب إجلائهم أربعة أمور: منها ما ثبت في الصحيح، ومنها ما ثبت في غيره، فالذي ثبت في الصحيحين أنهم فدعوا عبد الله بن عمر كان عندهم فألقوه من ظهر بيت ففدعوه، والفدع: انسلاخ الكف من الذراع أو القدم من الكعب، ويسمى عندنا الفك يعني: أنفكت قدمه، فأجلاهم عمر؛ لأن ابن عمر ﵁ نزل هناك في ليلة من الليالي فحصل منهم ذلك، فقال عمر ﵁: ليس لنا عدو هنالك إلا اليهود، وإني سأجليهم؛ لأنه رأى أن اعتداءهم على ابن الخليفة يعنيك اعتداءهم على الإسلام وتحديًا للمسلمين فرأى ﵁ أن يجليهم، فجاءه زعيمهم وقال: كيف تجلينا وقد أقرنا محمد ﷺ ؟ قال أتظن أني نسيت ما قال لك رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا خرجت بك قلوصك تخطو بك يومًا فيومًا"، يعني: من خيبر، قال: يا عمر، قالها محمد هزيلة، يعني: يضحك - هزل ليس جد - قال: كذبت يا عدو الله، فأخرجهم هذا في البخاري وغيره. السبب الثاني: أنه لما ثبت عند عمر أنه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب، واليهود في خيبر يقيمون دينهم، قال: لا يمكن ما دام الرسول ﷺ قاله: «لا يجتمع دينان» سأجليهم، فأجلاهم عمر لهذا السبب. السبب الثالث: أن رجلاً من الأنصار قدم من الشام إلى المدينة فنزل في خيبر ومعه علوج،

стр. 2061

يعني: عبيد من الشام، فاتصل اليهود بهؤلاء العلوج وقالوا: اقتلوا صاحبكم تحرروا منه، فقتلوه فصار في هذا غدر من اليهود، فكان من أسباب إجلائهم. السبب الرابع: أن المسلمين كانوا قلة وهم في حاجة إلى عمل أهم، فلما كثر المسلمون واستغنوا عن عمل اليهود في خيبر أجلاهم عمر، ورسول الله ﷺ لم يعطهم عقدًا مؤبدًا بل قال: «نقركم على ذلك ما شئنا» حسب ما تقتضيه المصلحة. لكن هذه الأسباب ليست في الصحيحين، فقد تكون صحيحة وقد تكون ضعيفة، لكنها لها وجه إلا أن كون سبب ذلك قول الرسول ﷺ : «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» فيه إشكال؛ لأن هذا الدين كان موجودًا في عهد الرسول ﷺ فكيف يقرهم وهذا الدين باقٍ، وقد يجاب عنه بأن الرسول ﷺ في ذلك الوقت كان محتاجًا إليهم، ولهذا لم يأمر بإخراج اليهود والنصارى في جزيرة العرب إلا في آخر حياته، حتى قال: «لئن بقيت - أظنه قال: - إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب»، فيكون الرسول ﷺ في الأول متساهلاً في هذا ثم بعد ذلك لما رأى من خطرهم على الجزيرة أمر بإخراجهم، حتى قال في مرض موته ﷺ : «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وهو عام شامل للمشركين الذين يعبدون الأصنام، وكذلك لكل من كان كافرًا بالله العظيم. على كل حال: نحن نقول: إن صحت هذه الأسباب الأربعة فهي أسباب، وإن لم تصح فيكفي السبب الأول الثابت في الصحيح وهو فدع عبد الله بن عمر، فكان في ذلك إذلال للمسلمين عمومًا، فأجلاهم عمر. - ولمسلم: «أن رسول الله ﷺ دفع عن يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولهم شطر ثمرها». النخل معروف، والأرض لأجل الزراعة، فالأرض يزرع عليها والنخل ليقتسم ثمرها، وقوله: «أن يعتملوها» يعني: هم الذين يدفعون أجرة العمل على ثمر النخل وهم الذين يدفعون الحب الذي يزرع، «ولهم شطر ثمرها». يعني: ثمرها وزرعها كما جاء في الرواية التي قبل، يعني: لهم النص من الزرع والنصف من الثمر.

стр. 2062

ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز معاملة اليهود، وهذا أمر مشهور مستفيض، فإن النبي ﷺ كان يعامل اليهود بيعًا وشراء ومساقاة ومزارعة، وكان ﵊ عند موته رهن درعه عند رجل من اليهود بطعام اشتراه لأهله، وكذلك يقاس على اليهود من سواهم من الكفار كالنصارى والوثنيين وغيرهم، إلا أن أهل العلم يقولون: إنه لا ينبغي أن يوليهم ولاية مطلقة؛ لأنهم ربما يتجرون بالخمر وهو لا يعلم، أو يتجرون بالربا وهو لا يعلم، أو يتجرون بالأشياء الممنوعة وهو لا يعلم، فأما الشيء الذي يؤتمنون فيه أو الشيء الذي يكون هو رقيبًا عليهم فإن هذا لا بأس به. وفيه دليل على جواز ائتمان الكافر ما لم تتبين خيانته، ووجه ذلك: أن هؤلاء مؤتمنون على الثمر وبإمكانهم أن يجزوا شيئًا من التمر أو يأخذوا شيئًا من الزرع والنبي ﷺ لم يعلم، فإذا كان الكافر مؤتمنًا فلا بأس من ائتمانهم، أما إذا كان غير مؤتمن فإنه لا يؤمن، لاسيما فيما يتعلق بأمور المسلمين العاملة كمثل هذه المسألة، ومثل كتابة دواوين وغيرها. هل يؤخذ من هذا الحديث بقول الكافر إذا كان أمينًا؟ قد نقول: إنه يؤخذ، وقد نقول: إنه لا يؤخذ، لكن هناك أدلة تدل على جواز الأخذ بقول الكافر إذا كان أمينًا، مثل: استرشاد النبي ﷺ بعبد الله بن أريقط الديلي الذي استأجره النبي ﷺ ليدله على الطريق في سفره إلى المدينة في الهجرة فإن هذا كان مشركًا، ولكنه كان أمينًا فاستأمنه النبي ﷺ حتى على راحلته وراحلة أبي بكر، وقال له: موعدك بعد ثلاث ليال غار ثور، فذهب الرجل بالراحلتين، وأتى بعد ثلاث ليال إلى الغار مع أن المقام خطير جدًا وهو أن قريشًا كانت تطلب الرسول ﷺ وقد جعلت لمن يدلها عليه وعلى أبي بكر مئاتي بعير، وكانت فرصة لهذا المشرك أن يدل قريشًا على النبي ﷺ ، لكنه لما ائتمنه النبي ﷺ أدى الأمانة. فإذن نقول: إن دل هذا الحديث على قبول قولهم والأخذ بقولهم فذاك، وإن لم يدل فهناك أدلة أخرى تدل على أنه يجوز الأخذ بقول الكافر، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى جواز فطر المريض إذا قال له الطبيب الكافر: إن الصوم يضرك، وكذلك جواز الصلاة قاعدًا إذا قال الطبيب: إنه يضرك القيام، وكذلك الإيماء بالركوع والسجود إذا قال له الطبيب: يضرك السجود، المهم: أنه متى وجدت الثقة فإنه لا بأس بالأخذ بقول الكافر.

стр. 2063

ومن فوائد الحديث: جواز المساقاة لقوله: «عامل أهل خيبر»، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة. ومن فوائده: أنه إذا شرط سهم لأحد المتعاملين للآخر، فمثلاً إذا قيل في عقد المساقاة: لرب الشجر الثلث وسكت عن سهم العامل فإن هذا صحيح؛ لأنه إذا تعين سهم أحدهما كان للثاني الباقي، أي: لا يشترط أن أقول في المساقاة: لرب الشجر الثلث وللعامل الثلثان؛ لأنك إذا عينت سهمًا لأحدهما كان الباقي للآخر. ومن فوائد الحديث: جواز المشاركة إذا تساوى الشريكان في المغنم والمغرم؛ لقوله: "بشطر ما يخرج منها". مع أن العامل ربما يعمل ويتعب في ماله وبدنه ثم تفسد الثمرة فيكون غير رابح، لكن كما أنه غير رابح فكذلك صاحب الشجر هو أيضًا غير رابح؛ لأنه كان يؤمل أن شجره يثمر ولم يثمر، فإذا تساوى الشريكان في المغنم والمغرم فإن الشركة جائزة، المحظور هو أن يختلف الشريكان بأن يكون أحدها غارمًا بكل حال والآخر تحت الخطر. ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط أن يكون الغراس في المغارسة والبذر في المزارعة من رب الأرض، مثال ذلك: أعطيت شخصًا أرضًا بيضاء ليغرسها وله نصف الشجر، هذه مغارسة هذا يجوز حتى لو كان هو الذي يشتري الشجر، كذلك أعطيته هذه الأرض البيضاء ليزرعها بنصف الزرع والحب على المزارع هذا أيضًا لا بأس به، هذا ما دل عليه حديث ابن عمر في قصة المساقاة والمزارعة لأهل خيبر، من أين يؤخذ؟ يؤخذ من وجهين: أولاً: في اللفظ المتفق عليه بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولم يذكر أن البذر على النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ هو صاحب الأرض، ثانيًا: في رواية مسلم قال: «على أن يعتملوها من أموالهم»، وهذا صريح في أن المال على المزارع، وهذا القول الذي دل عليه الحديث هو القول الراجح وهو الذي عليه العمل من عهد الرسول ﷺ إلى يومنا هذا على أنه لا يشترط في المزارعة وكذلك في المغارسة أن يكون البذر والغراس من رب الأرض، وذهب بعض العلماء إلى اشتراط أن يكون البدر والغراس من رب الأرض، وعلى هذا فلو أعطيت رجلاً أرضًا بيضاء ليزرعها بالنصف من الزرع وجب علي أن يكون البذر مني، وكذلك الغراس من المغارسة، لماذا؟ قالوا: قياسًا على المضاربة؛ لأن المضاربة يكون المال من صاحب المال المضارب وليس على المضارب إلا العمل، قالوا: فقياس ذلك في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض، ولكن هذا القياس قياس فاسد الاعتبار، لماذا؟ لأنه مصادم للنص، والقياس المصادم للنص فاسد الاعتبار لا عبرة به، ثم هو قياس مع الفارق؛ لأن نظير المال في المضاربة الأرض وقد دفعها، أما مسألة

стр. 2064

الزرع فهي من جنس ما يلزم في المضاربة من سقي الحيوان، لو أشترى المضارب حيوانًا فإنه سوف يسقيه ويروضه وما أشبه ذلك، فالبذر يكون تابعًا لعمل المزارع والمغارس، أما نظير المال فهو الأرض المدفوعة، وبهذا تبين أن هذا القياس فاسد، أولاً: لمصادمته للنص، وكل قياس في مصادمة النص فإنه مرفوض، وثانيًا: أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن المال الذي يقال: إنه يدفعه المضارب نظيره الأرض التي يدفعها من تعامل من تعامل مع شخص في الزراعة. ومن فوائد الحديث: جواز كون المساقاة غير معلومة الأجل، يعني: جواز الأجل المجهول في المزارعة والمساقاة؛ لقوله: "نقركم ما شئنا"، ومعلوم أن مشيئته مجهولة فعليه يجوز عقد المساقاة والمزارعة إلى أجل مجهور، وهذا أحد الأقوال في تخريج هذا الحديث. القول الثاني: أن هذا الحديث يدل على أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، وبناء على ذلك لا يشترط لها ذكر الأجل ولكل واحد منهما - أي: من المساقي والمساقى - أن يفسخ متى شاء. الوجه الثالث في تخريج الحديث: أنه من باب الخيار لأحد المتعاقدين؛ لأن لو كان ذلك من العقود الجائزة ما احتاج أن يقول: "نقركم ما شئنا"؛ لأن العقد الجائز نفسه للمتعاقدين فيه المشيئة متى شاءا فسخا. فإذن الاستدلال بهذا الحديث على أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة غير صحيح، إذ لو كانتا من العقود الجائزة لم يحتج إلى ذكر المشيئة، فإن العقد الجائز لكل من المتعاقدين فسخه ولو لم يشترطا المشيئة، فأقرب ما يقال في ذلك هو أن هذا من باب الخيار، وأنه إذا اشترطا، أو أحدهما الخيار فلا بأس، وبناء على هذا نقول: إن المساقاة والمزارعة من العقود اللازمة، ولابد من تقدير الأجل فيها سنة أو سنتين أو ثلاثًا أو أكثر، لابد من هذا، ولكل من المتعاقدين شرط الخيار إما لهما جميعًا، وإما لأحدهما، والحديث هذا من باب اشتراط الخيار لأحدهما لقوله: "ما شئنا"، ولم يقل: وما شئتم، واستدل به بعض العلماء على جواز الإجارة المجهولة، وأنه يجوز أن تقول للشخص: أستأجر منك هذا البيت حتى أجد بيتًا أشتريه، وإلى هذا ذهب ابن القيم في زاد المعاد، وأنه يجوز الأجرة المجهولة المعلقة بشرط مجهول، قال: لأن هذا ليس فيه شيء، فمثلاً هذا رجل يبحث عن بيتٍ فجاء إلى شخص وقال: أجرني بيتك حتى أجد بيتًا فأجره كل سنة بمائة ريال حتى يجد بيتًا، فوجد بيتًا في نصف السنة، قله أن يفسخ ويعطيه خمسين ريالاً، وهذا القول الذي اختاره ابن القيم وجيه؛ لأن الأصل في العقود الحل في أصلها وشروطها حتى يتبين دليل التحريم، فما دام الأصل الحل وهذا لا يترتب عليه

стр. 2065

أي مفسدة، لاسيما إذا حدد أكثر المد بأن قال: تؤجرني مدة لا تزيد على سنة حتى أجد البيت، فإن هذا أقرب إلى العلم بتحديد أكثر المدة مع أن الصحيح الجواز حتى وإن لم يحدد أكثر المدة. ومن فوائد الحديث: قوة عمر في الحق لقوله: "حتى أجلاهم عمر". فإن قال قائل: كيف يجليهم عمر وقد توفي النبي ﷺ ولم يشأ أن يجليهم، والشرط الذي اتفقوا فيه مع الرسول ﷺ أنه يقرهم على ما شاء؟ فالجواب عن ذلك يسير جدًا أن يقال: إن قوله: "على ما شئنا" إنما قاله باعتبار أنه هو الولي الأعلى للأمة فخليفته يقوم مقامه، فهذا عقد لعموم المسلمين للمصالح العامة، والخليفة الذي يأتي بعد الخليفة الأول يكون نائبًا عنه، وعلى هذا فلا يكون في فعل عمر مخالف لقوله ﷺ : "نقركم على ما شئنا". ومن فوائد هذا الحديث: التصريح بأنه يجوز أن يكون البذر من العامل؛ لقوله في رواية مسلم: "على أن يعتملوها من أموالهم". إجارة الأرض: ٨٦٨ - وعن حنظلة بن قيس ﵁ قال: «سألت رافع بن خديج ﵁ عن كراء الأرض بالذهب والفضة؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ على الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». رواه مسلم. - وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض. رافع بن خديج كان من الأنصار، وكانت الأنصار ﵃ أكثر الناس زرعًا لهم زروع كثيرة، وكانوا يتعاملون بالمزارعة؛ لأن من له حقول كثيرة لابد أن يعلم. قال: «سألت عن كراء الأرض بالذهب والفضة» يعني: أنه جائز، مثل: آجرتك هذه الأرض كل سنة مائة درهم على أن تزرعها، الزرع لمن؟ الزرع للمستأجر، ولرب الأرض الأجرة، وليس هذا من باب المشاركة؛ لأن عقد الأجرة مستقل، وعلى هذا فلا يرد علينا أنه ربما يزرع الأرض ولا يحصل مقدار الأجرة وربما يزرع الأرض ويحصل له أضعاف أضعاف الأجرة، لا يقال: إن هذا غرر؛ لأنها ليست من باب المشاركة بل هي من باب الأجرة وأنا أجرتك كل سنة

стр. 2066

بمائة درهم، زرعتها أو لم تزرعها لا دخل لي، أنا لي أجرة معينة عقد مستقل سواء خسرت أو ربحت، ولهذا أجاب رافع قال: "لا بأس به" أي: أنه جائز، والبأس هنا بمعنى: الحرج يعني: ليس فيه حرج ولا ضيق، إنما هو جائز، إنما قال: "وإنما كان ... إلخ"؛ لأن من العلماء في عهد رافع من منع أجرة الأرض، وقال: لا يجوز أن يؤجر الإنسان أرضه، بل إن كان به قدرة على زرعها زرعها وإلا أعطاها أخاه المسلم يزرعها، وليس لصاحب الأرض شيء، ولا يجوز أن يأخذ عليها أجرة، كما سيأتي في حديث لم يذكره المؤلف أن الرسول ﷺ أمر من كان عنده أرض أن يزرعها أو يمنحها لأخيه، ومنع من الإجارة والمزارعة، فرافع ﵁ قال: إن هذا لا بأس به، ثم استدل قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ ... الخ". "الماذيانات" هي ما على مسايل الماء، يعني: الذي يكون على البركة، أو على الساقية، أو على النهر، يقول: ما على أطرافه فهو لك والباقي لي، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يكون الذي على الماذيانات كثيرًا والآخر قليلاً، أو يكون العكس، هذا غرر لا يجوز؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم يشترك صاحب الأرض والمزارع في المغنم والمغرم. وقوله: "أقبال الجداول" يعني: السواقي التي تتفرع من الماذيانات، وهي معروفة من شاهد المزراع عرفها، و"أقبال" يعني: مقدم وأوائل الجداول، يقول: لك أول هذا السقي ولي آخره، أو العكس، وأشياء من الزرع يعينها، فيقول: أعطيتك الأرض تزرعها لي الجانب الشرقي ولك الجانب الغربي، أو لي الجانب الشمالي ولك الجانب الجنوبي، أو لي الشعير ولك الحنطة، أو لي السكري في النخل ولك الشقر، أو ما أشبه ذلك في أشياء من الزرع، هذا أيضًا لا يجوز، ولهذا قال: «فيهلك هذا ويسلم هذا، ويهلك هذا ويسلم هذا» يعني: يسلم ما عين لمالك الأرض ويهلك ما عين للمزارع أو العكس. قال: "فلذلك" اللام: للتعليل، أي: فلأجل هذا الغرس والجهالة زجر عنه، أيكنهى بشدة، والزاجر رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: "على عهد رسول الله ﷺ " فالضمير يعود على النبي ﷺ زجر عنه الناس لما فيه من الغرر، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به، يعني: فأما إذا ذكر شيء معلوم مضمون فلا بأس به، ما هو المعلوم المضمون؟ الأجرة؛ لأنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة، وكراء الأرض بالذهب والفضة شيء مضمون معلوم للجميع، مضمون لصاحب الأرض؛ لأنه أعطاه الأرض بمائة درهم مضمون فهذا جائز. وقوله: «وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض»، يعني: أنه ثبت

стр. 2067

في الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض، فحمل هذا على أن المراد بذلك: الكراء الذي يؤدي إلى الجهالة، أما الكراء المعلوم فإنه لا بأس؛ لأن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه. في هذا الحديث فوائد منها: حرص السلف على السؤال عن العلم، وسؤال السلف عن العلم إنما يصدون به العمل لا يقصدون به أن يعلموا ما عند الإنسان من علم، خلافًا لما يفعله كثير من الناس اليوم، تجده يسأل العالم لينظر ما يجد ما عنده من العلم، ثم يسأل عالمًا آخر وهكذا، أما السلف فإنهم يسألون عن العلم من أجل أن يعملوا به، وهذا فرق بين بين السؤالين. ومن فوائد الحديث: جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، يعني: أن أستأجر منك أرضك لأزرع فيها بدراهم أو دنانير، الدراهم الفضة، الدنانير بالذهب، فجوز أن أستأجر منك أرضك لمدة سنتين أو ثلاث كل سنة بكذا من الدراهم، أو من الدنانير وأزرع فيها وأنا وحظي قد أكسب من الزرع أضعاف أضعاف الأجرة، وقد أخسر، لكن صاحب الأرض ليس له أجرة معينة. وهل يقاس على ذلك ما لو استأجرتها بمائة كيلو من التمر أو مائة كيلو من البر أستأجرها بمنقول غير الطعام كأن أستأجرها بسيارة أو قطعة أرض أو ما أشبه ذلك؟ الجواب أن يقال: نعم لا بأس به، وعلى هذا فيجوز أن أكري الأرض بأصواع معلومة من البر لمن يزرعها من البرد بشرط ألا أقول: إنها مائة صاع مما تزرع؛ لأني لو قلت: مائة ضاع مما تزرع لكان في ذلك غرر؛ لأنه يكون حينئذ مزارعة، والمزارعة لا يجوز فيها اشتراط شيء معين لأحدهما، مثلاً استأجرت منك هذه الأرض بمائة صاع من البر لأزرعها برًا هذا جائز ويثبت في ذمة المستأجر مائة صاع بر سواء زرع أم لم يزرع، اتفقت معك على أن أزارعك هذه الأرض ولي من الزرع الذي يخرج مها مائة صاع، والباقي لك هذا لا يجوز؛ لأن هذه شركة والمشاركة لابد أن تكون مبنية على العدل، وهو الاشتراك في المغنم والمغرم، وأنا إذا اشترطت مائة صاع مما يخرج منها من البر فأنا غانم وأنت قد تكون غانمًا وقد تكون غارمًا؛ لأن الزرع قد يحصل منه شيء كثير مئات الأصواع، وقد لا يحصل منه إلا مائة وقد لا يحصل منه إلا أقل، وقد لا يحصل منه شيء إطلاقًا فهذه المشاركة لم يتساو فيها الشريكان في المغنم والمغرم وإذا لم يتساو فيها الشريكان كانت ميسرًا وغررًا وحرامًا، إذن لو آجرتك إياها بثلث ما يخرج منها هل يجوز؟ نعم يجوز، فصارت الأجرة تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: أن تكون الأجرة بشيء مما يخرج من الأرض آصع معلومة مما يخرج من الأرض فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ميسر فهو مزارعة لكن مبنية على ميسر.

стр. 2068

الثاني: أن يكون بشيء معلوم من جنسه لا منه هذا جائز. الثالث: أن يكون بجزء مشاع كنصف وثلث وربع هذا أيضًا جائز، وهو في الحقيقة مزارعة. الرابع: أن يكون بذهب وفضة أو غيرهما مما يجوز أجرة فهذا أيضًا جائز ولا بأس به ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز المؤاجرة بشيء معلوم لأحدهما من الخارج من الأرض مثل الماذيانات وأقبال الجداول، وما على البركة من النخل وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه غرر، والمشاركة مبنية على التساوي في المغنم والمغرم. ومن فوائد الحديث: كمال الشريعة الإسلامية؛ وذلك بتحريم المعاملات المتضمنة للغرر لما في هذه المعاملات من إلقاء العداوة والبغضاء؛ لأنها إذا كانت غير مبنية على العدل، فإن من يتصور نفسه مغلوبًا فسوف يكون في نفسه شيء على الغالب فتقع العداوة بين المسلمين. ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على إبعاد الناس عن كل ما يلقي العداوة والبغضاء بينهم لأننا نعلم أن الحكمة في منع معاملات المغالبات هي اتقاء ما يحصل بها من العداوة والبغضاء، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩]. وبين الله تعالى أن إثمهما أكبر من نفعهما، وقال: ﴿يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلمكم تفلحون إنما يريد الشطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. الخمر واضح أنه يلقي بالعداوة؛ لأنه ربما يجترئ السكران على من عنده بالأذى والضرر، وربما بالقتل، والميسر كذلك؛ لأن المغلوب سوف يكون في قلبه شيء على الغالب وربما يقول: إنك لم تغلبني، ويحصل نزاع وعداوة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسئول إذا سئل عن شيء أن يبين الجائز والممنوع إذا كان يحتاج إلى تفصيل، بل قد يجب عليه؛ لأن رافع بين خديج بين ما هو جائز وما هو ممنوع. ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي أصلح المعاملات الجارية بين الناس في الجاهلية كما أصلح العبادات؛ لأنهم في الجاهلية يؤاجرون على هذا الوجه الذي فيه الغرر، فأصلحه الشرع، مثل: المضاربة، فإن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الشرع، ومنها ما منع الشرع ما كان محرمًا مائة وأبقى ما كان جائزًا كالربا مثلاً؛ لأن الرسول ﷺ لما خطب الناس في عرفة، قال: ربا الجاهلية موضوع وأبقى رأس المال، فقال: «وأول ربًا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»، فهنا أجاز النبي ﷺ أصل رأس المال ومنع الزيادة، القسم الثالث: ما عدله يعني: معناه أنه كان يتعامل به الناس على وجه غير مرضي

стр. 2069

فعدله، مثل هذا الحديث، فإن الناس كانوا يؤاجرون الأرض في المزارعة ، لكن على وجه مجهول منوع فعدله النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: ما أشار إليه المؤلف أنه يبين ما أجمل من النهي عن كراء الأرض، وينبني على هذه الفائدة أن النصوص الشرعية يبين بعضها بعضًا وهو كذلك، فالقرآن يبين بالنسبة، والسنة يبين بعضها ببعض، والقرآن يبين بعضه ببعض أيضًا. المزارعة: ٨٦٩ - وعن ثابت بن الضحاك ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة». رواه مسلم أيضًا. "النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء، فإذا قال لك شخص: لا تفعل فقد طلب منك الكف عن هذا الفعل على وجه الاستعلاء، ويزاد في التعريف: "بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية"، وإنما زيد هذا القيد لئلا يدخل في التعريف: "اتركوا كذا"، "اجتنبوا كذا"، فإن هذا طلب الكف على وجه الاستعلاء لكن ليس بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية، فلا يسمى هذا نهيًا وإنما يسمى أمرًا بالترك أو أمرًا بالاجتناب، إذن صيغته لا تفعل، يعني: المضارع المقرون بلا الناهية. إذا قال قائل: هل قول الصحابي: "نهى" صريح في النهي أو غير صريح؟ فالجواب أن نقول: يرى بعض العلماء أن هذا ليس بصريح وأنه مرفوع حكمًا، وعللوا ذلك بأنه يحتمل أن الصحابي فهم من كلام الرسول ﷺ النهي وليس بنهي، وقال بعض العلماء: بل إنه صريح؛ لأنه أضاف النهي إلى من؟ إلى الرسول ﷺ ، واحتمال أن النبي ﷺ لم ينه عن الشيء ولكن فهمه الصحابي احتمال بعيد؛ لأن الصحابي لسانه عربي، والنبي ﷺ لسانه عربي، والصحابي ثقة أيضًا فلا يمكن أن يقول: نهي إلا وهو متيقن أنه نهى، سواء جاء بصيغة النهي أو بغير الصيغة وهذا القول هو الصحيح، أما إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا بالبناء للمجهول فهو مرفوع حكمًا؛ لأنه لم يصرح بالناهي أو الآمر، فأما إذا صرح بأن قال: أمرنا رسول الله أو نهانا، فالصحيح الذي لا شك فيه أنه مرفوع حكمًا، وأنه منزلة صيغة النهي، "نهى عن المزارعة"، وقد سبق أنها دفع أرض لمن يزرعها بجز معلوم مشاع من الزرع، وهنا يقول: "نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة" الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، والمراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول باللسان والعمل بالجوارح، فإذا قلت: قل: لا إله إلا الله فقد أمرته، وإذا قلت: ارجع واسجد فقد أمرته، إذن الأمر هو طلب الفعل، والمراد بالفعل هنا ليس

стр. 2070

ما يقابل القول، بل المراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول والعلم، قوله: "بالمؤاجرة" يعني: أن يؤجر الإنسان أرضه بشيء معلوم كمائة درهم، عشرة دنانير، وما أشبه ذلك، وقوله: "أمر" المراد بالأمر هنا: الإباحة بلا شك؛ لأنه في مقابلة نهي، فهو أمر في مقابلة النهي فيكون رافعًا للنهي، ولذلك لا نقول للإنسان: يستحب لك أن تؤجر أرضك أو يجب عليك أن تؤجر أرضك؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، بل نقول: لا يحرم عليك أن تؤجر الأرض؛ لأن النبي ﷺ نهى عن المزارعة، ونظير هذا قوله ﵎: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلئد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانًا وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ١ - ٢]. فهذا الأمر للإباحة لوروده بعد النهي، كذلك إذا قيل: "نهى"، و"أمر" فالأمر هنا للإجابة بلا شك. في هذا الحديث النهي عن المزارعة، وقلنا: إن الأصل في النهي التحريم، واختلف العلماء ﵏ في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث رافع بن خديج؛ فإن حديث رافع يدل على جواز المزارعة، وهذا يدل عل النهي عن المزارعة، فكيف نجمع؟ اختلف العلماء في هذا، فقال بعض العلماء: إن هذا النهي كان قبل الإذن بالمزارعة فيكون النهي على هذا القول منسوخًا وعللوا ذلك بأن النبي ﷺ أول ما قدم المدينة كان المهاجرون لا مال عندهم فكانوا يحتاجون إلى الزرع ليعيشوا، فنهى النبي ﷺ عن المزارعة من أجل أن يبقى الباب مفتوحًا للمهاجرين يزرعون ويغنمون، وهذا القول فيه نظر؛ لأن من شروط النسخ: العلم بتأخر الناسخ، وهذا ليس بعلم بل مجرد الاستنتاج ولا يسمى علمًا، وقال بعض أهل العلم: إن المزارعة المنهي عنها هي المزارعة التي كان الناس يفعلونها، والتي أشار إليها رافع بن خديج بقوله: "على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع"، فتكون "أل" في المزارعة ليست للعموم لكنها للعهد الذهني، يعني: المزارعة المعروفة المعهودة عندكم وهي المبنية على الغرر والجهالة، وقال بعض العلماء: إن النهي هنا للكراهة فلا يدل على التحريم، وقال آخرون: بل النهي في المزارعة لمن عنده فضل أرض لا يحتاجها فلا يزارع عليها بل يمنحها لأخيه بلا مزارعة، وأصح الأقوال في ذلك: أن المزارعة يراد بها المزارعة المعهودة عندهم المبنية على الغرر، وهي التي ذكرت في حديث رافع بن خديج بان يقول لك: أزارعك في ارض هذا لك الشرقي ولي الغربي، أو لك الشعير ولي البر مثلاً، أو لك الذي على مجاري الماء ولي الباقي، فهذا كله حرام؛ لأنه مبني على الغرر، وهو الذي ورد النهي عنه.
следующие страницы →