Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
بمائة درهم، زرعتها أو لم تزرعها لا دخل لي، أنا لي أجرة معينة عقد مستقل سواء خسرت أو ربحت، ولهذا أجاب رافع قال: "لا بأس به" أي: أنه جائز، والبأس هنا بمعنى: الحرج يعني: ليس فيه حرج ولا ضيق، إنما هو جائز، إنما قال: "وإنما كان ... إلخ"؛ لأن من العلماء في عهد رافع من منع أجرة الأرض، وقال: لا يجوز أن يؤجر الإنسان أرضه، بل إن كان به قدرة على زرعها زرعها وإلا أعطاها أخاه المسلم يزرعها، وليس لصاحب الأرض شيء، ولا يجوز أن يأخذ عليها أجرة، كما سيأتي في حديث لم يذكره المؤلف أن الرسول ﷺ أمر من كان عنده أرض أن يزرعها أو يمنحها لأخيه، ومنع من الإجارة والمزارعة، فرافع ﵁ قال: إن هذا لا بأس به، ثم استدل قال: "إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ ... الخ".
"الماذيانات" هي ما على مسايل الماء، يعني: الذي يكون على البركة، أو على الساقية، أو على النهر، يقول: ما على أطرافه فهو لك والباقي لي، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يكون الذي على الماذيانات كثيرًا والآخر قليلاً، أو يكون العكس، هذا غرر لا يجوز؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم يشترك صاحب الأرض والمزارع في المغنم والمغرم.
وقوله: "أقبال الجداول" يعني: السواقي التي تتفرع من الماذيانات، وهي معروفة من شاهد المزراع عرفها، و"أقبال" يعني: مقدم وأوائل الجداول، يقول: لك أول هذا السقي ولي آخره، أو العكس، وأشياء من الزرع يعينها، فيقول: أعطيتك الأرض تزرعها لي الجانب الشرقي ولك الجانب الغربي، أو لي الجانب الشمالي ولك الجانب الجنوبي، أو لي الشعير ولك الحنطة، أو لي السكري في النخل ولك الشقر، أو ما أشبه ذلك في أشياء من الزرع، هذا أيضًا لا يجوز، ولهذا قال: «فيهلك هذا ويسلم هذا، ويهلك هذا ويسلم هذا» يعني: يسلم ما عين لمالك الأرض ويهلك ما عين للمزارع أو العكس.
قال: "فلذلك" اللام: للتعليل، أي: فلأجل هذا الغرس والجهالة زجر عنه، أيكنهى بشدة، والزاجر رسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: "على عهد رسول الله ﷺ " فالضمير يعود على النبي ﷺ زجر عنه الناس لما فيه من الغرر، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به، يعني: فأما إذا ذكر شيء معلوم مضمون فلا بأس به، ما هو المعلوم المضمون؟ الأجرة؛ لأنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة، وكراء الأرض بالذهب والفضة شيء مضمون معلوم للجميع، مضمون لصاحب الأرض؛ لأنه أعطاه الأرض بمائة درهم مضمون فهذا جائز.
وقوله: «وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض»، يعني: أنه ثبت
стр. 2067
في الصحيحين أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض، فحمل هذا على أن المراد بذلك: الكراء الذي يؤدي إلى الجهالة، أما الكراء المعلوم فإنه لا بأس؛ لأن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الشرع على تحريمه.
في هذا الحديث فوائد منها: حرص السلف على السؤال عن العلم، وسؤال السلف عن العلم إنما يصدون به العمل لا يقصدون به أن يعلموا ما عند الإنسان من علم، خلافًا لما يفعله كثير من الناس اليوم، تجده يسأل العالم لينظر ما يجد ما عنده من العلم، ثم يسأل عالمًا آخر وهكذا، أما السلف فإنهم يسألون عن العلم من أجل أن يعملوا به، وهذا فرق بين بين السؤالين.
ومن فوائد الحديث: جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، يعني: أن أستأجر منك أرضك لأزرع فيها بدراهم أو دنانير، الدراهم الفضة، الدنانير بالذهب، فجوز أن أستأجر منك أرضك لمدة سنتين أو ثلاث كل سنة بكذا من الدراهم، أو من الدنانير وأزرع فيها وأنا وحظي قد أكسب من الزرع أضعاف أضعاف الأجرة، وقد أخسر، لكن صاحب الأرض ليس له أجرة معينة.
وهل يقاس على ذلك ما لو استأجرتها بمائة كيلو من التمر أو مائة كيلو من البر أستأجرها بمنقول غير الطعام كأن أستأجرها بسيارة أو قطعة أرض أو ما أشبه ذلك؟
الجواب أن يقال: نعم لا بأس به، وعلى هذا فيجوز أن أكري الأرض بأصواع معلومة من البر لمن يزرعها من البرد بشرط ألا أقول: إنها مائة صاع مما تزرع؛ لأني لو قلت: مائة ضاع مما تزرع لكان في ذلك غرر؛ لأنه يكون حينئذ مزارعة، والمزارعة لا يجوز فيها اشتراط شيء معين لأحدهما، مثلاً استأجرت منك هذه الأرض بمائة صاع من البر لأزرعها برًا هذا جائز ويثبت في ذمة المستأجر مائة صاع بر سواء زرع أم لم يزرع، اتفقت معك على أن أزارعك هذه الأرض ولي من الزرع الذي يخرج مها مائة صاع، والباقي لك هذا لا يجوز؛ لأن هذه شركة والمشاركة لابد أن تكون مبنية على العدل، وهو الاشتراك في المغنم والمغرم، وأنا إذا اشترطت مائة صاع مما يخرج منها من البر فأنا غانم وأنت قد تكون غانمًا وقد تكون غارمًا؛ لأن الزرع قد يحصل منه شيء كثير مئات الأصواع، وقد لا يحصل منه إلا مائة وقد لا يحصل منه إلا أقل، وقد لا يحصل منه شيء إطلاقًا فهذه المشاركة لم يتساو فيها الشريكان في المغنم والمغرم وإذا لم يتساو فيها الشريكان كانت ميسرًا وغررًا وحرامًا، إذن لو آجرتك إياها بثلث ما يخرج منها هل يجوز؟
نعم يجوز، فصارت الأجرة تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: أن تكون الأجرة بشيء مما يخرج من الأرض آصع معلومة مما يخرج من الأرض فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ميسر فهو مزارعة لكن مبنية على ميسر.
стр. 2068
الثاني: أن يكون بشيء معلوم من جنسه لا منه هذا جائز.
الثالث: أن يكون بجزء مشاع كنصف وثلث وربع هذا أيضًا جائز، وهو في الحقيقة مزارعة.
الرابع: أن يكون بذهب وفضة أو غيرهما مما يجوز أجرة فهذا أيضًا جائز ولا بأس به ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز المؤاجرة بشيء معلوم لأحدهما من الخارج من الأرض مثل الماذيانات وأقبال الجداول، وما على البركة من النخل وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه غرر، والمشاركة مبنية على التساوي في المغنم والمغرم.
ومن فوائد الحديث: كمال الشريعة الإسلامية؛ وذلك بتحريم المعاملات المتضمنة للغرر لما في هذه المعاملات من إلقاء العداوة والبغضاء؛ لأنها إذا كانت غير مبنية على العدل، فإن من يتصور نفسه مغلوبًا فسوف يكون في نفسه شيء على الغالب فتقع العداوة بين المسلمين.
ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على إبعاد الناس عن كل ما يلقي العداوة والبغضاء بينهم لأننا نعلم أن الحكمة في منع معاملات المغالبات هي اتقاء ما يحصل بها من العداوة والبغضاء، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩]. وبين الله تعالى أن إثمهما أكبر من نفعهما، وقال: ﴿يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلمكم تفلحون إنما يريد الشطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. الخمر واضح أنه يلقي بالعداوة؛ لأنه ربما يجترئ السكران على من عنده بالأذى والضرر، وربما بالقتل، والميسر كذلك؛ لأن المغلوب سوف يكون في قلبه شيء على الغالب وربما يقول: إنك لم تغلبني، ويحصل نزاع وعداوة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمسئول إذا سئل عن شيء أن يبين الجائز والممنوع إذا كان يحتاج إلى تفصيل، بل قد يجب عليه؛ لأن رافع بين خديج بين ما هو جائز وما هو ممنوع.
ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي أصلح المعاملات الجارية بين الناس في الجاهلية كما أصلح العبادات؛ لأنهم في الجاهلية يؤاجرون على هذا الوجه الذي فيه الغرر، فأصلحه الشرع، مثل: المضاربة، فإن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الشرع، ومنها ما منع الشرع ما كان محرمًا مائة وأبقى ما كان جائزًا كالربا مثلاً؛ لأن الرسول ﷺ لما خطب الناس في عرفة، قال: ربا الجاهلية موضوع وأبقى رأس المال، فقال: «وأول ربًا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»، فهنا أجاز النبي ﷺ أصل رأس المال ومنع الزيادة، القسم الثالث: ما عدله يعني: معناه أنه كان يتعامل به الناس على وجه غير مرضي
стр. 2069
فعدله، مثل هذا الحديث، فإن الناس كانوا يؤاجرون الأرض في المزارعة ، لكن على وجه مجهول منوع فعدله النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: ما أشار إليه المؤلف أنه يبين ما أجمل من النهي عن كراء الأرض، وينبني على هذه الفائدة أن النصوص الشرعية يبين بعضها بعضًا وهو كذلك، فالقرآن يبين بالنسبة، والسنة يبين بعضها ببعض، والقرآن يبين بعضه ببعض أيضًا.
المزارعة:
٨٦٩ - وعن ثابت بن الضحاك ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة». رواه مسلم أيضًا.
"النهي": طلب الكف على وجه الاستعلاء، فإذا قال لك شخص: لا تفعل فقد طلب منك الكف عن هذا الفعل على وجه الاستعلاء، ويزاد في التعريف: "بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية"، وإنما زيد هذا القيد لئلا يدخل في التعريف: "اتركوا كذا"، "اجتنبوا كذا"، فإن هذا طلب الكف على وجه الاستعلاء لكن ليس بصيغة المضارع المقرون بلا الناهية، فلا يسمى هذا نهيًا وإنما يسمى أمرًا بالترك أو أمرًا بالاجتناب، إذن صيغته لا تفعل، يعني: المضارع المقرون بلا الناهية.
إذا قال قائل: هل قول الصحابي: "نهى" صريح في النهي أو غير صريح؟
فالجواب أن نقول: يرى بعض العلماء أن هذا ليس بصريح وأنه مرفوع حكمًا، وعللوا ذلك بأنه يحتمل أن الصحابي فهم من كلام الرسول ﷺ النهي وليس بنهي، وقال بعض العلماء: بل إنه صريح؛ لأنه أضاف النهي إلى من؟ إلى الرسول ﷺ ، واحتمال أن النبي ﷺ لم ينه عن الشيء ولكن فهمه الصحابي احتمال بعيد؛ لأن الصحابي لسانه عربي، والنبي ﷺ لسانه عربي، والصحابي ثقة أيضًا فلا يمكن أن يقول: نهي إلا وهو متيقن أنه نهى، سواء جاء بصيغة النهي أو بغير الصيغة وهذا القول هو الصحيح، أما إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا بالبناء للمجهول فهو مرفوع حكمًا؛ لأنه لم يصرح بالناهي أو الآمر، فأما إذا صرح بأن قال: أمرنا رسول الله أو نهانا، فالصحيح الذي لا شك فيه أنه مرفوع حكمًا، وأنه منزلة صيغة النهي، "نهى عن المزارعة"، وقد سبق أنها دفع أرض لمن يزرعها بجز معلوم مشاع من الزرع، وهنا يقول: "نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة" الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، والمراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول باللسان والعمل بالجوارح، فإذا قلت: قل: لا إله إلا الله فقد أمرته، وإذا قلت: ارجع واسجد فقد أمرته، إذن الأمر هو طلب الفعل، والمراد بالفعل هنا ليس
стр. 2070
ما يقابل القول، بل المراد بالفعل: الإيجاد، فيشمل القول والعلم، قوله: "بالمؤاجرة" يعني: أن يؤجر الإنسان أرضه بشيء معلوم كمائة درهم، عشرة دنانير، وما أشبه ذلك، وقوله: "أمر" المراد بالأمر هنا: الإباحة بلا شك؛ لأنه في مقابلة نهي، فهو أمر في مقابلة النهي فيكون رافعًا للنهي، ولذلك لا نقول للإنسان: يستحب لك أن تؤجر أرضك أو يجب عليك أن تؤجر أرضك؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، بل نقول: لا يحرم عليك أن تؤجر الأرض؛ لأن النبي ﷺ نهى عن المزارعة، ونظير هذا قوله ﵎: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلئد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانًا وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ١ - ٢]. فهذا الأمر للإباحة لوروده بعد النهي، كذلك إذا قيل: "نهى"، و"أمر" فالأمر هنا للإجابة بلا شك.
في هذا الحديث النهي عن المزارعة، وقلنا: إن الأصل في النهي التحريم، واختلف العلماء ﵏ في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث رافع بن خديج؛ فإن حديث رافع يدل على جواز المزارعة، وهذا يدل عل النهي عن المزارعة، فكيف نجمع؟ اختلف العلماء في هذا، فقال بعض العلماء: إن هذا النهي كان قبل الإذن بالمزارعة فيكون النهي على هذا القول منسوخًا وعللوا ذلك بأن النبي ﷺ أول ما قدم المدينة كان المهاجرون لا مال عندهم فكانوا يحتاجون إلى الزرع ليعيشوا، فنهى النبي ﷺ عن المزارعة من أجل أن يبقى الباب مفتوحًا للمهاجرين يزرعون ويغنمون، وهذا القول فيه نظر؛ لأن من شروط النسخ: العلم بتأخر الناسخ، وهذا ليس بعلم بل مجرد الاستنتاج ولا يسمى علمًا، وقال بعض أهل العلم: إن المزارعة المنهي عنها هي المزارعة التي كان الناس يفعلونها، والتي أشار إليها رافع بن خديج بقوله: "على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع"، فتكون "أل" في المزارعة ليست للعموم لكنها للعهد الذهني، يعني: المزارعة المعروفة المعهودة عندكم وهي المبنية على الغرر والجهالة، وقال بعض العلماء: إن النهي هنا للكراهة فلا يدل على التحريم، وقال آخرون: بل النهي في المزارعة لمن عنده فضل أرض لا يحتاجها فلا يزارع عليها بل يمنحها لأخيه بلا مزارعة، وأصح الأقوال في ذلك: أن المزارعة يراد بها المزارعة المعهودة عندهم المبنية على الغرر، وهي التي ذكرت في حديث رافع بن خديج بان يقول لك: أزارعك في ارض هذا لك الشرقي ولي الغربي، أو لك الشعير ولي البر مثلاً، أو لك الذي على مجاري الماء ولي الباقي، فهذا كله حرام؛ لأنه مبني على الغرر، وهو الذي ورد النهي عنه.
стр. 2071
وقوله: "أمر بالمؤاجرة" فيه دليل على إباحة دفع الأرض بأجرة تسلم لصاحب الأرض سواء زرعا المستأجر أم لم يزرعها، وسواء كسب من ورائها مثل الأجر أو أقل أم لم يكسب شيئًا، انتهى الكلام عن المساقاة.
وهنا مسألة: وهي لو أعطيت الأرض شخصًا وقلت: إن زرعتها برًا فلك النصف، وإن زرعتها شعيرًا فلك الثلث فهل يجوز هذا؟ الصحيح أنه يجوز، وقد ثبت ذلك من فعل عمر فقد كان ﵁ يدفع الأرض للزارع ويقول: أنت بالخيار، لكن إن زرعت برًا فلي النصف ولك الباقي، وإن زرعت شعيرًا فلي الثلثان ولك الباقي لماذا زاد سهمه إذا كان شعيرًا؟ لأن الشعير أرخص من البر؛ ولهذا يبعد أن يقول: إن زرعتها برًا فلي النصف، وإن زرعتها شعيرًا فلي الثلث، هذا بعيد، لكن ربما يأتي يوم من الأيام يكون الشعير أغلى من البر.
على كل حال: هذا لا بأس به، وهذا الأثر الوارد عن عمر ﵁ بجواز هذا دليل على جواز قول القائل: أبيعك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بعشرين لمدة سنة ثم يقبل المشتري بأحد الثمنين، فإن الصحيح أن ذلك جائز، وأن هذا ليس من البيعتين في بيعة.
حكم أخذ الأجرة عن الحجامة:
٨٧٠ - وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: «احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الذي حجمه أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه». رواه البخاري.
قوله: "احتجم" أي: طلب من يحجمه، والحجامة: عبارة عن إخراج الدم الفاسد في البدن، وهي نافعة قرنها النبي ﷺ بالعسل والكي وقال: "الشفاء في ثلاث وذكر منها شرطة محجم"، ولها أطباء معروفون يعرفون من أين يحجمون وفي أي موضع، ويعرفون الإنسان يحتاج إلى الحجامة أو لا يحتاج، وقد كان الناس يفعلونها كثيرًا، وإذا اعتادها الإنسان فإنه لابد أن يفعلها، وإذا لم يفعلها كثر عليه الدم، وربما يؤثر عليه، حتى إن الإمام أحمد قال: لو هاج به الدم وهو صائم في رمضان فله أن يحتجم ويفطر، ثم إن الحجامة لها مواضع معينة في البدن، ولها أزمنة من الشهر، فلا تفعل في نصف الشهر ولا في أول الشهر ولا في آخر الشهر، يعني: لا تفعل حين ضعف الهلال من أول الشهر، ولا من آخره، ولا حين امتلائه بالنور؛ لأن فوران الدم في الأجسام له صلة بنور القمر فهو يغار في أول الشهر وفي آخره وعند
стр. 2072
وسطه يزداد فورانه، والحجامة في هذا وفي هذا ليست جيدة؛ لأنها في حال فوران الدم ربما يخرج دم كثير من الإنسان يضره وفي حال انقباضه وغوره ربما تكون الحجامة مؤثرة؛ لأن الدم يكون أنقص، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد الأوقات التي ينبغي أن يحتجم فيها الإنسان، من أراد أن يطلع عليه فليفعل.
يقول: "احتجم وأعطى الذي حجمه أجره"، ولم يبين الأجر؛ لأنه لا فائدة من بيانه.
ثم قال: "ولو كان حرامًا لم يعطه" يعني: لو كان أجر الحاجم حرامًا لم يعطه النبي ﷺ إياه؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يفعل الحرام؛ لأنه مشرع؛ ولأنه أتقى الناس لله وأخشاهم له فعلا يفعل.
٨٧١ - وعن رافع بن خديجٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كسب الحجام خبيث» رواه مسلم.
هل كسب الحجام من البيع بالبر والرز والسكر والثياب؟ لا، ولكن من حجامته، من أين نأخذ من حجامته؟ من الوصف، يعني: كسب الحجام بحجامته كما لو قلت: المتقي في الجنة من أجل تقواه.
"كسب الحجام خبيث" يعني: أجرة الحجام التي يكتسبها من حجماته خبيثة، الخبيث يطلق على الحرام، ويطلق على الرديء، ويطلق على المكروه الذي تكرهه النفوس وتعافه النفوس، فمن إطلاقه على الحرام قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبت ويحرم عليهم الخبئث﴾ [الأعراف: ١٥٧]. إذن يحرم المحرمات، فالخبيث هنا المحرم، ومن إطلاقه على الردي قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. الخبيث: يعني: الرديء، ومن إطلاقه على ما تعافه النفس وتكرهه قول النبي ﷺ في البصل والثوم: «إنها شجرة خبيثة»، يعني: تكرهها النفوس وتعافها.
نأتي إلى كسب الحجام هل نقول: إن المراد بقوله "خبيث": حرام؟ ممكن، هل المراد بذلك أن النفس تعافه؟ ممكن، هل المراد أنه رديء مخالف للمروءة؟ ممكن، إذن ما دام الاحتمال قائمًا بين هذا وهذا وهذا فإنه لا يمكن الاستدلال بالحديث على التحريم، لماذا؟ لأنه مع قيام الاحتمال سقط الاستدلال، إذ لا يتعين أن المراد بالخبيث: الحرام، ولهذا احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره، ولو كان المراد بالخبيث الحرام لم يعطه، وكان الذي ينبغي من حيث الترتيب أن يذكر حديث ابن عباس بعد حديث رافع لأجل أن يرفع حديث ابن عباس الوهم الذي يحصل من حديث رافع، لكن على كل حال المسألة من باب الأولوية.
стр. 2073
هذان الحديثان - كما ترون - قد يبدو بينهما تعارض، فإن حديث رافع بن خديج احتمال أن يكون المراد به التحريم، وأن النبي ﷺ وصفه بالخبيث من أجل المبالغة في التنفير عنه، ولم يقل: لا يأخذ الحجام الأجرة، بل قال: خبيث مبالغة في النفير عنه، وإلى هذا ذهب بعض العلماء وقال: إنه لا يجوز أن يأخذ أجرة على حجامته، لكن هذا القول ضعيف ويضعفه حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره.
ثانيًا: يضعفه أن لقوله: "كسب الحجام خبيث" ثلاثة معانٍ، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
ثالثاً: أنه مخالف لقواعد الشريعة؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما جاز أخذ العوض عنه كما أشار إلى ذلك النبي ﷺ : «إن الله حرم شيئًا حرم ثمنه»، فمفهومه: أنه إذا أباح شيئا أباح ثمنه، وإذا كان عملاً فإن ثمنه الأجرة، فإذا أبيح العمل أبيحت أجرته.
والحجامة هل هي حرام أو حلال؟ حلالا، هذا أدنى ما يقال فيها، فإذا كانت حلالاً فأخذ العوض عليها حللا، وبهذا تبين أن الذين قالوا بتحريم كسب الحجام واستدلوا بالحديث تبين أن قولهم هذا ضعيف لوجوه ثلاثة.
هل يمكن أن نستدل بمعنى آخر وهو أننا لو قلنا بأن كسب الحجام حرام لأدى ذلك إلى عدم وجود الحجامين؟ نعم، فتعطل مصلحة للمسلمين وهي الحاصلة بالحجامة؛ لأننا لو قلنا للحجام استأجر حانوتًا وهات كراسٍ وهات آلات الحجامة، واقتطع جزءًا كبيرًا من وقتك لتحجم الناس ثم إياك أن تأخذ منهم قرشًا لأنه حرام ماذا يقول؟ يقول: لا أشتغل، فيتعطل شيء فيه مصلحة وهي الحجامة.
من فوائد حديث ابن عباس: جواز الحجامة؛ لأن النبي ﷺ احتجم، بل إن الحجامة أحيانًا تكون مطلوبة وذلك فيما إذا تضرر الإنسان بتركها، والذين يعتادونها إذا تركها يتضررون ويبتعهم فوران الدم حتى يحتجموا.
ومن فوائد الحديث: أن الحجامة طب نبوي؛ لأن الرسول ﷺ كان يفعلها.
ومن فوائد الحديث: أن أجرة الحاجم حلال، وجهه: أن النبي ﷺ أعطى الحاجم أجره، ولو كان حرامًا لم يعطهز
ومن فوائده: الاستدلال بفعل النبي ﷺ وأن الأصل أن لنا فيه أسوة هذا هو الأصل، فلو ادعى مدعٍ الخصوصية قلنا: عليك الدليل، وبهذا نعرف ضعف ما سلكه بعض العلماء المتأخرين
стр. 2074
كالشوكاني ﵀ في أنه أدنى معارضة لقول الرسول ﷺ مع فعله يحملها على الخصوصية مع أن الجمع ممكن، وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن فعل النبي ﷺ حجة وسنة كما أن قول كذلك، فمتى أمكن الجمع بين الفعل والقول وجب الجمع بينهما، ولا يحمل على الخصوصية إلا إذا تعذر الجمع.
ومن فوائد الحديث: بيان فقه ابن عباس ﵁ وأنه أتى بدليل منطقي في مقدمة ونتيجة قال: "أعطاه ولو كان حرامًا لم يعطه"، وبه نعرف أن ما ذهب إليه المنطقيون من تضخيم على المنطق، وأن من لم يحط به علمًا على يقين من أمره، ولهذا قالوا: لابد أن نتعلم المنطق من أجل أن نعتقد المعتقد الصحيح، ولكن شيخ الإسلام قابل هذه الدعوى عندهم فقال: إني كنت أعلم دائمًا أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، إذن فهو إضاعة وقت.
أما حديث رافع بن خديج وهو قول النبي ﷺ : "كسب الحجام خبيث" ففيه دليل على دناءة كسب الحجام، واستدل به بعض العلماء على أن كسب الحجام حرام، ووجه استدلاله بأن النبي ﷺ قال: «كسب الحجام خبيث ومهر البغي خبيث»، فقرنه بمهر البغي، والبغي هي الزانية، ومهرها هو ما تعطاه على الزنا، ومعلوم أنه حرام، قالوا: فهذا دليل على أن كسب الحجام حرام، ولكن يعارض هذا الاستلال بما استدل به عبد الله بن عباس من أن النبي ﷺ أعطى الحجام أجره ولو كان حرامًا لم يعطه، ثم نقول: إن دلالة الاقتران ضعيفة، صحيح هي قرينة لكنها ليست لازمة بمعنى: أنه إذا اقترن شيئان في حكم لا يلزم أن يكونا فيه سواء وإلا فلا شك أن اقترانهما يدل على تساويهما، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً﴾ [النحل: ٨]. فقرن الخيل بالبغال والحمير، وبالبغال والحمير حرام، والخيل حلال، استدل الحنفية على تحريم الخيل بهذه الآية، وقالوا: إن الخيل حرام؛ لأن الله تعالى قرن الثلاثة في حكم واحد، كما قلت لكم: إن دلالة الاقتران ضعيفة، ولكنها قوية من وجه، فإذا قلنا بأن الآية دالة على التحريم مثلاً في الثلاثة قلنا: الآية لا تدل على تحريم الأكل بل إنما تدل على أغلب الانتفاع بها وهو الركوب والزينة، أما الأكل فليس في الآية تعرض له هذا من وجه، من وجه آخر أنه قد ثبت في صحيح مسلم من حديث أسماء ﵂ قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ ونحن في المدينة وأكلناه"، وهذا نص صريح عن أن الخيل حلال، إذن رددنا هذا الاستدلال بكون كسب الحجام حرامًا بما ذكره ابن عباس ﵁، وذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان أجرة يعني: معاقدة فهو حرام وإن أعطي على ذلك مكافأة فهو
стр. 2075
حلال، وحملوا حديث ابن عباس على أن الذي أعطاه النبي ﷺ الحجام مكافأة، ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن ابن عباس قال: أعطى الحجام أجره، ولم يقل: كافأه، والأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا بدليل على خلاف ذلك.
التحريز من منع الأجير حقه:
٨٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره». رواه مسلم.
قوله: "أنا خصمهم" يعني: أنا الذي أخاصمهم، ومن المعلوم أن من كان خصمه الله فهو مخصوم، كما أن من كان محاربًا لله فهو مهزوم، وقوله: "ثلاثة أنا خصمهم" ليس المراد ثلاثة أعيان بل المراد: ثلاثة باعتبار الجنس والوصف، قد يكون ثلاثة ملايين.
وقوله: "أنا خصمهم يوم القيامة" بينه، "يوم القيامة" هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة؛ لأنه يقام فيه العدل، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم الناس من قبورهم.
الأول: "رجل أعطى بي" يعني: أعطى العهد، أي: عاهد بالله على شيء من الأشياء ثم غدر مثل أن يقول: لك علي عهد الله ألا أخبر بما قلت لي ثم يخبر، فهذا أعطى بالله ثم غدر، أو يعطيه شيئًا أمانة فيقول: لك على عهد الله ألا أخون هذه الأمانة، ثم يخون، هذا أيضًا غدر بالعهد، فكل من أعطى شيئًا بالله ث غدر فهو داخل في هذا الحديث؛ لأنه انتهك ذمة الله، فكان الله خصمه، ولهذا قال النبي ﷺ وهو يبعث البعوث: «إذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تنزلهم على ذمة الله وذمة رسوله، ولكن أنزلهم على ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله ورسوله»، فإذن نقول: إنما كان الله خصمه؛ لأنه غدر بذمة الله وعهد الله.
الثاني: "رجل باع حرًا فأكل ثمنه" استولى على حر وباعه على أنه عبد مملوك فأكل ثمنه، وإنما كان الله خصم هذا؛ لأن الحرية من حقوق الله، فالله خلق الخلق أحرارًا، فإذا استرق الإنسان أحدًا بغير سبب شرعي كان قد انتهك حرمة من حرره واسترقه، ولهذا نقول أن الحق في الحرية، والعبودية لله ، لا يمكن لأحد أن يسترق بشرًا إلا حيث أذن الله في نقول أن الحق في الحرية، والعبودية لله ، لا يمكن لأحد أن يسترق بشرًا إلا حيث أذن الله في ذلك، أما أن يستولي على حر ويبيعه ويأكل ثمنه فالله تعالى خصمه؛ لن الحرية من حقوق الله
стр. 2076
عز وجل، لو أن رجلاً باع ابنه وأكل ثمنه لا يجوز، لأن الحرية لله، وقول الرسول ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» يعني: في المنافع لا في الاسترقاق.
الثاني: «رجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره»، استأجر أجيرًا على عمل معين أو زمن معين على عمل معين، مثل أن أستأجره لينظف بيتي، على زمن، مثل أن أستأجره لمدة شهر على عمل كخياطة، أو تشغيل ماكينة هذا إما زمن وإما عمل، "فاستوفي منه" يعني: أخذ حقه كاملاً من هذا الأجير في الواقع يمد يدًا قصيرة، لاسيما وأنه في هذه الحال لا بينه له؛ لأنه لو كان له بينة لكانت حجته قوية ولم يمتنع المستأجر من منع الأجرة في الغالب، فلهذا كان الله تعالى خصم هذا الرجل.
والشاهد من هذا الحديث لباب الإجارة: الصنف الثالث: "رجل استأجر أجيرًا فاستوفي منه ولم يعطه أجره".
في هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: إثبات الحديث القدسي وهو الذي رواه النبي ﷺ عن ربه، وسمي قدسيًا لقداسته؛ لأنه أعلى ربتة من الحديث النبوي، فكل ما رواه النبي صلى الله لعيه وسلم عن ربه فإنه يسمى حديثًا قدسيًا.
ومن فوائد الحديث: إثبات القول لله؛ لقوله: "قال الله"، وإثبات القول هو مذهب أهل السنة والجماعة، أي: أن الله يقول ويتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء.
ومن فوائده: إثبات المخاصمة بين الله تعالى وبين هؤلاء الثلاثة لقوله: "أنا خصمهم" إذا جعلنا الخصم من باب التخاصم، أما إذا جعلنا خصم بمعنى خاصم فإنه لا يكون هناك خصومة من الطرف الثاني، والحديث يحتمل أن يكون الله يخاصمهم ويتكلم معهم، ويقول: لماذا فعلتم، أو ما أشبه ذلك، ويحتمل ان ينزل العقوبة بدون مخاصمة؛ لأنهم مخصومون عند الله.
ومن فوائده: إثبات القيامة التي يكون فيها الجزاء.
ومن فوائد الحديث: عظم هذه الذنوب الثلاثة وأنها من كبائر الذنوب، ووجه كونها من كبائر الذنوب: أن فيها عقوبة معينة ووعيدًا.
ومن فوائد الحديث: وجوب الوفاء بالعهد؛ لأنه إذا كان الغدر به يستلزم خصم الله للإنسان كان ذلك دليلاً على وجوب الوفاء بالعهد، وقد دل عليه القرآن والسنة، حتى إن النبي ﷺ جعل من لم يوف بالعهد قد ارتكب صفة من صفات المنافقين.
стр. 2077
ومن فوائد الحديث: تحري بيع الحر لقوله: "ورجل باع حراً فأكل ثمنه".
فإن قال قائل: الحديث دل على تحريم من أكل الثمن ولكن ما تقولون فيما لو باع حرًا وتصدق بثمنه؟ حرام أيضًا، لكن عبر بالأكل بناء على الغالب، فهو كقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ [النساء: ١٠]. ولو أخدوها بغير الأكل لكان الحكم واحدًا.
ومن فوائد الحديث: تحريم قتل الحر؛ لأنه إذا حرم استرقاقه فقتله من باب أولى؛ لأنه إتلاف له نهائيًا واسترقاقه تغيير وصف الحرية إلى رق مع بقاء الحياة، على كل حال تحريم القتل معروف؛ لأن كونه تأخذه من هذا ليس معناه أنه لا يوجد أدلة صحيحة في تحريم القتل.
ومن فوائد الحديث: وجوب تسليم الأجرة على المستأجرة للأجير، وجه ذلك: أن المانع للأجرة يكون الله خصمه يوم القيامة، وفيه تهديد لما يوجد اليوم في الكفلاء الذي يحرمون الأجراء الذين يستقدمونهم من بلادهم، فتجده يماطل بأجرته، ويخفضها عما تم الاتفاق عليه، وربما لا يعطيه شيئًا يلجئوه إلى أن يفر إلى أهله دون أن يأخذ شيئًا، هؤلاء يكون الله تعالى يوم القيامة خصمهم؛ لأنهم خانوا هؤلاء الأجراء ولو أن الأجير ترك من العمل أدنى شيء لأقام عليه الدنيا، وهو مع ذلك يأكل أجره ولا يبالي! !
جواز أخذ الأجرة على القرآن:
٧٨٣ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». أخرجه البخاري.
أولا: لنعرف كلمة "أجرًا" ما الذي نصبها؟ مفعول "أخذ"، وهي في أول وهلة يظن الظان أنها تمييز لأنها وقعت اسم التفضيل، لكن ليس كذلك، يعني: إن أحق شيء أخذتم عليه أجرًا كتاب الله وهو خبر "إن"، هذا أحق ما يؤخذ عليه أجر.
وهذا أتى به المؤلف في باب الإجارة ليستدل به على جواز أخذ الأجرة على القرآن، وقوله: "كتاب الله" نسبه إلى الله كما نسبه الله تعالى إلى نفسه في عدة آيات؛ لأنه تكلم به ، فالقرآن كلام الله تكلم به وكتب في الصحف التي في أيدي الملائكة، وكتب كذلك في الصحف التي بأيدينا، فسمي كتاب الله، ولا نعلم أن الله كتبه بيده، وإنما كتب التوراة بيده كما قال تعالى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل﴾ [الأعراف: ١٤٢].
стр. 2078
الأخذ على كتاب الله له ثلاث صور:
الصور الأولى: أن يأخذ أجرًا على التلاوة.
الصورة الثانية: أن يأخذ أجرًا على تعليم القرآن.
الصورة الثالثة: أن يأخذ أجرًا على الاستشفاء به، هذه ثلاث صور فأيها المراد؟
نقول: إن السنة دلت على أن المراد بذلك صورتان: الصورة الأولى، التعليم، والثانية الاستشفاء، أما مجرد التلاوة فإن الأدلة تدل على تحريم ذلك، مثال التلاوة: ما يصنعه بعض الناس الآن من أنه إذا مات الميت أتوا بقارئ يقرأ القرآن، يقولون: إنه لروح الميت، وهذا العمل حرام؛ لأنه لا يجوز أخذ الأجرة على مجرد القراءة، وهو كذلك بدعة؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلونه، فهو حرام من جهة أخذ الأجرة على القراءة ومن جهة كونه يدعه، ولهذا يعتبر صرف المال لهذا العلم إضاعة للمال، ولا يجوز لأحد أن يفعل ذلك، فإن قال: المال لي بعد انتقاله من الميت، قلنا: نعم هو لك لكن أضعته وإضاعة المال حرام، فكيف إذا كان في الورثة صغار وأخذ هذا من نصيبهم يكون أشد وأشد، ثم إن الميت لن ينتفع بهذه القراءة، حتى على القول بأن الميت إذا قرئ له شيء ينفعه، فإن في هذا لا ينتفع به، لماذا؟ القارئ ليس له أجر، ووصول الأجر إلى الميت فرع عن ثبوت الأجر للقارئ، والقارئ هنا لا أجر له؛ لأنه أراد بعلم الآخرة الدنيا، وكل عمل للآخرة فإنه لا يجوز أن يجعل للدنيا لقول الله تعالى: ﴿كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦]. إذن هذه الصورة حرام بدليل الآية التي سقتها لكم.
الصورة الثانية: أن يأخذ على القرآن أجرًا على تعليمه يقول: أنا أعلمك كل سورة بكذا فهذا على القول الراجح جائز لدخوله في عموم قوله: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"، ولأن النبي ﷺ قال للرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ﷺ قال له: «ألتمس ولو خاتمًا من حديد» فقال: لا أجد شيئًا فقال: «أمعك شيء من القرآن؟ » قال: نعم سورة كذا وكذا، فعلهما، فقال: «قد زوجتكما بما معك من القرآن»، فجعل تعليمه لها مهرًا، والمهر لا يكون إلا مالاً؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]. وإذا كان مالاً صح عقد الأجرة عليه، إذن فتعليم القرآن يجوز أخذ الأجرة عليه حتى مع المعاقدة، بأن يقول: لا أعلمك إلا بكذا، أما المكافأة على التعليم فلا شك في جوازها.
الصورة الثالثة: الاستشفاء به بأن يكون مريض يذهب إلى قارئ يقرأ عليه من أجل أن يبرأ من مرضه فهذا أيضًا جائز؛ لأن هذا العوض في مقابلة قراءته التي يراد بها الاستشفاء فهي
стр. 2079
عوض عن أمر دنيوي وهو شفاء هذا المريض، هذا من حيث التعليل أما من حيث الدليل فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ أنه كان في سفر ومعه جماعة فنزلوا على قوم من العرب ليلاً فاستضافوهم، ولكنهم لم يضيفوهم فتنحى أبو سعيد ومن معه ناحية، فأذن الله ، أن يلدغ رئيس القوم الذين منعوا الضيافة لدغته عقرب فعملوا كل عمل لعل الألم يسكن عنه ولكنه لم يجد شيئًا، فقالوا: اذهبوا إلى هؤلاء النفر لعل فيهم من يقرأ، فجاءوا إلى النفر من الصحابة قالوا: إن سيدهم لدغ فهل عندكم من راق؟ يعني من قارئ، قالوا: نعم، فذهب أبو سعيد ﵁ إلى هذا الرجل فقرأ عليه حتى تعطونا أجرًا فجعلوا لهم قطيعًا من الغنم، فلما أخذوه وأرادوا أن يقتسموه، قال أبو سعيد: لا نقتسمه حتى نسأل الرسول ﷺ ، قال ذلك من باب الاحتياط، فلما قدموا أخبروا النبي ﷺ قال: «أصبتم خذوا واقتسموا واضربوا لي معكم سهما» وضحك صلى الله عله وسلم، فهذا دليل على جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن للاستشفاء، هذا هو حاصل هذا الحديث.
إذن "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" يكون هذا مخصوصًا بالصورتين الآخيرتين: التعليم والاستشفاء.
ومن فوائد الحديث: جواز أخذ الأجرة على القرآن؛ لقوله: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، وعرفتم أنه إنما يكون ذلك في التعليم أو في الاستشفاء، أما مجرد القراءة فلا.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال تتفاضل لقوله: "إن أحق" و"أحق" اسم تفضيل.
ومن فوائده: أن استحقاق الأجرة بقدر المنفعة، فكلما كانت المنفعة أعظم كان أخذ الأجر عليها أحق.
ومن فوائده: إثبات أن القرآن كتاب الله لقوله: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتبا الله"، ووجه نسبته إلى الله: أنه كلامه، وليس المعنى أنه كتبه بيده كما كتب التوراة ولكنه كلام الله.
ومن فوائد الحديث: وجوب تعظيم القرآن؛ لأنه كلام الله، وتعظيم الكلام تعظيم للمتكلم به.
стр. 2080
٨٧٤ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». رواه ابن ماجة.
"الأجير" فعيل بمعنى: مفعول، أي المأجور أي: المستأجر، أعطوه أجره، يعني: عوض منفعته وعلمه، وسمي أجرًا لأنه في مقابل عمل، وكل شيء في مقابلة عمل فإنه يسمى أجرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حسابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
قال: "قبل أن يجف عرقه" يعني: من عمله، ومعلوم أن العرق لا يدوم طويلاً، فمراد النبي ﷺ أن نعطيه أجره فورًا؛ لأن الأجير قد يعمل ولا يعرق، وقد يعمل ويعرق، ومراد النبي ﷺ المبادرة بإعطائه أجره حتى يعطي قبل أن يجف عرقه، فلو عمل عملاً ليس فيه عرق يعطى من حين أن ينتهي، والأمر هنا ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب؛ لأن المبادرة بإعطاء الأجر أفضل ما لم يصل إلى حد المماطلة، فإن وصل إلى حد المماطلة صار التأخير حرامًا لقول النبي ﷺ : «مطل الغني ظلم».
إذن نأخذ من هذا الحديث: استحباب المبادرة بإعطاء الأجير أجره.
ومن فوائده أيضًا: أن الأجير إنما يستحق الأجرة بتمام العمل، فإن لم يتم العمل نظرنا إن كان لغير عذر فلا حق له في شيء من الأجرة، وإن كان لعذر فله من الأجرة بقدر ما عمل، مثاله: رجل استأجر شخصًا أن يعمل له يومًا كاملاً فلما أذن الظهر قال: لا أريد العمل بدون عذر، ففي هذه الحال يضيع عليه عمله في أول النهار هدرًا، لماذا؟ لأنه ترك إتمام العمل بلا عذر، وعقد الإجارة عقد لازم من الطرفين، فإذا تركه بلا عذر فلا حق له فيما عمل، أما لو في أثناء النهار عند أذان الظهر أصيب بمرض لا يستطيع معه أن يعمل، ففي هذه الحال نقول: إنه يستحق من الأجرة بقدر ما عمل، فإذا كان قد عمل النصف أعطيناه نصف الأجرة أو الربع أعطيناه الربع، وهكذا؛ لأنه ترك بقية العمل لعذر فاستحق ما عمله، فإن كان ترك الإتمام من المستأجر لا من الأجيرة فإننا نقول: إن الأجير يستحق جميع الأجرة إلا إذا كان لعذر فله من الأجر بقدر ما عل، مثال ذلك: استأجر شخص رجلاً ليبني له جدارًا فلما كان في أثناء العمل أتى السيل فهدم الجدار وليس عند المستأجر شيء يكمل به الجدار أو يبني به الجدار الجديد فهنا لا يستحق العامل إلا مقدار ما عمل، وذلك لأن عدم إتمام العمل ليس باختيار المستأجر، أما لو كان في أثناء العمل قال: أريد عدم البناء يعني: بدا لي ألا أبني هذا الجدار، فإننا نقول
стр. 2081
للمستأجر: عليك جميع الأجرة؛ لأنك أبطلت عمل هذا الرجل بدون عذر لك، والأجير مستعد يقول: أنا ما عندي مانع أن أكمل.
لو قال قائل: إذا اتفق المستأجر والأجير على تأجيل الأجرة لشهر أو أكثر فهل يجوز؟ نعم يجوز، لأن الحق لهما، فإذا اتفقا على تأجيل الأجرة جاز، كما أنهما لو اتفقا على تعجيل الأجرة فإنه جائز، ثم قال:
- وفي الباب عن أبي هريرة ﵁ عند أبي يعلي والبيهقي، وجابر عند الطبراني، وكلها ضعاف.
ولكن حتى لو كانت ضعافًا فإننا نقول: إن الأحاديث الضعيفة إذا تعددت طرقها فإنها ترقي إلى درجة الحسن، هذا من وجه، من وجه آخر القياس، والقواعد الشرعية تقتضي أن يعطي الأجير أجره فورًا؛ لأنه استكمل العمل فوجب أن يعطي أجره فورًا بدون تأخير، فهذا الحديث إذا كان ضعيفًا من حيث تعدد الأسانيد فإننا نقول: إن بعضها يقوي بعضًا، وعلى تقدير أنه لا يتم هذا المدعى فإن القواعد الشرعية تقتضي مدلول هذا الحدوث، أي: أن تبادر بإعطاء الأجير أجره.
٨٧٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من استأجر أجيرًا فليسلم له أجرته». رواه عبد الرازق وفيه انقطاع، ووصله البيهقي من طريق أبي حنيفة.
قوله: «من استأجر أجيرًا فليسلم له» أي: يعين له أجرًا بعينه جنسًا وقدرًا ووصفًا، فمثلاً: إذا استأجره بدراهم يبين له جنس الدراهم وقدرها، فمثلاً بقول: دراهم سعودية، دراهم مصرية، دراهم عراقية، دراهم يمنية، ويعينها أيضًا بالقدر كأن يقول: دراهم عشرة، مائة ألف المهم أن يعين، وذلك أن تسمية الأجرة فيها فوائد أهمها: قطع النزاع عند الاختلاف؛ لأننا لو اختلفنا فيما بعد، وطلب الأجير أكثر مما يتصوره المتسأجر صار فيه نزاع، مثاله: لو قلت لرجل: تعال احمل لي هذا المتاع من مكان إلى مكان ولم تسم الأجرة، فحمله، فلما وصل إلى المكان الذي طلبت أن يحمله إليه قال: الأجرة مائة ريال والشيء نفسه يساوي خمسين ريالاً يحصل نزاع، يقول صاحب الشيء: خذ الشيء كله لك؛ لأن قيمته خمسون ريالاً وهو طالب
стр. 2082
عليه مائة ريال، وهذا مشكل، ولهذا لابد من التسمية، قال أهل العلم ﵏ بتسمية الأجرة شرط، وذلك من باب القياس؛ لأن الإجارة نوع من البيع، والبيع يشترط فيه العلم بالثمن والعلم بالمثمن، فيجب أن تكون الأجرة معلومة، لكنهم قالوا: تكون الأجرة معلومة بالعرف ومعلومة بالشرط اللفظي، يعني: بالقول، المعلوم بالقول مثل أن يقول: أعمل لي هذا بكذا وكذا من الدراهم، المعلوم بالعرف مثل: أن يسلم الإنسان الرجل الخياط خرقة ويقول: خطها لي ثوبًا بدون أن يقدر الأجرة هذا معلوم بالعرف لأن الخياط قد أعد نفسه لهذا العمل وأجرته عند الناس معروفة، فإاذ انتهى من خياطته يقول: لك الأجرة كذا وكذا، ومثله أيضًا القصار أعيطت ثوبك قصارًا ولم تعين الأجرة فلما انتهى قال: أجرته كذا وكذا هذا أيضًا معلوم بالعرف، وما هو القصار؟ الغسال، وليس القصار الذي يجعل الثياب قصيرة كما هو المتبادر من اللفظ، فأنت إذا أتيت إلى صاحب المغسلة وقلت له: خذ هذا الثوب واغسله ولم تقل بكذا فعليك أجرة المثل، لكن هذا في الحقيقة أحيانًا يكون فيه نزاع؛ لأن بعض الخياطين تكون خياطته رفيعة ليست عادية إذا خاط الناس الثوب بعشرة يخيطه هو بعشرين أو بثلاثين، وحينئذ يغتر صاحب الثوب؛ لأنه أعطاه إياه بناء على أنه من العاديين، يعني: بعشرة مثلاً ثم يقول له: بثلاثين أو أربعين، فهذه ترد على هذه المسألة التي ذكرها العلماء وهي: أن من أعطى ثوبه خياطًا أو قصارًا بدون قطع الأجرة فإنه يستحق أجرة المثل، ولكن يقال: الأصل العمل على الغالب، ويقال للذي أعطى الثوب: أنت المقصر لماذا لم تسأله؟ أنت أعطيت شخصًا من عادته يخيط بكذا وبكذا بأجرة رفيعة فلماذا لم تحتط لنفسك وتبين، إذن تسمية الأجرة يكون بالنطق حين العقد ويكون بالعرف، ثم قد تكون الأجرة بالمعاقدة سواء عين الأجرة أو لا، وقد يكون بغير المعاقدة، أي: تدل عليه قرينة الحال، مثاله: إنسان أنقذ مال شخص من هلكة بنية الرجوع على صاحبه فله أجر المثل، مثاله: رأيت مال فلان تلتهمه النار فأنقذت المال من النار ثم طالبت صاحبه بالأجرة وأنت ناو للرجوع ولم تنو التقرب إلى الله، فلك الأجرة وإن لم يكن عقدًا، لماذا؟ لأنك أنقذته من هلكة، فلو قال لك صاحب المال الذي أنقذته من الهلكة: من قال لك أنقذه؟ لماذا لم تتركه؟ نقول إذن: اذهب - أيها الرجل - بالذي أنقذته وبعه في السوق وخذ أجرتك، هل سيوافق صاحب المال على هذا؟ لا يوافق، فنقول: كلامك غير وارد وغير معقول ويعتبر سفهًا، وإذا كنت صادقًا فيما تقول فقدر أن الرجل تركه واحترق، اذهب يا فلان وبع المال وخذ مقدار أجرتك، والباقي إذا جئنا به على صاحبه فسيقول: جزاكم الله خيرًا الذي أعطيتموني هذا ولم تتركه تأكله النار.
стр. 2083
فصار عندنا ثلاثة أشياء: أجرة معينة بالتعاقد يقول مثلاً: استأجرتك تعمل كذا بكذا، الثاني: أجرة بعقد لكنها مقدرة بالعرف، مثل الغسال والخياط والنجار، الثالث: أجرة بلا عقد لكن دل عليه العرف، وذلك فيمن أنقذ مال غيره من هلكته فإنه يستحق أجر المثل، يوجد قسم رابع مثال: رأيت شخصًا لم تجر عادته بأن يعمل، قلت: يا فلان، من فضلك خذ هذا واحمله إلى البيت، فحمله إلى البيت، ثم طالبني بالأجرة قال: أعطين أجرة هل يستحق الأجرة أم لا؟ تقول: هذا الرجل إن كان أعد نفسه لهذا العلم كالحمالين فله أجر المثل، وإن لم يكن أعد نفسه لهذا العمل فلا شيء له؛ لأنه متبرع، هكذا قال أهل العلم.
من فوائد الحديث: مشروعية تسمية الأجرة للأجير لقوله: "فليسم له أجرته".
ومن فوائده: حرص النبي ﷺ على ما يكون به قطع النزاع؛ لأن تسمية الأجرة قطع للنزاع.
ومن فوائده: مشروعية تعيين العمل المستأجر عليه، وهذه تؤخذ من أنه إذا كان يشرع تسمية الأجرة والأجر أحد العوضين، فإن ذلك يقتضي أن يشرع تسمية العمل المستأجر عليه لأنه أحد العوضين، وهذا أيضًا كالأجرة، فإذا جئت مثلاً لشخص تعطيه ثوبك ليخيطه ثم خاطه على العادة وقال: أجرته كذا وكذا وجبت الأجرة، ولا يلزمه أكثر من خياطة العادة، فلو قال صاحب الثوب: أنا أريد أن تطرزه وتجعل فيه عشرة أزرة فهذا الرجل ليست له ذلك، نقول: ذلك خلاف العادة، ولا يلزمه إنما يلزمه ما جرت به العادة ما لم يكن هناك شرط، كذلك يستحق أجرة العادة التي تعطي لمثله.
****
١٦ - باب إحياء الموات
يعني: إحياء الأرض الميتة، ولكن العلماء سموها مواتًا؛ لأنه ليس فيها حياة، والحياة بالإحياء، وسيأتي إن شاء الله، وأيضًا سموها الموات للفرق بينها وبين الأرض المجدية، فالمجدية تسمى ميتة: ﴿وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها﴾ [يس: ٣٣]. الموات مأخوذة منا لموت، وهي في الاصطلاح: الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، "المنفكة" يعني: الخالية كالأرض التي ليست لأحد ولم يختص بها أحد مثل الأرض التي في البر، أما المملوكة فلا تسمى مواتًا وإن كانت هامدة مجدبة، وكذلك ما كانت مختصة مثل الأشياء التي تتعلق بمصالح البلد كمسايله ومطايله ومراعيه وأفنية البيوت هذه لا تسمى مواتًا في الاصطلاح، لماذا؟ لأنه يتعلق بها حق الغير، فإذا وجدنا أرضًا إلى جانب بيت لكنها فناء للبيت تلقى فيها كناسة البيت وتوقف فيها سيارة صاحب البيت، فهل نعتبرها مواتًا، أو نقول: ليست مواتًا؟ ليست مواتًا؛ لأنها تتعلق بها مصالح المحيي، كذلك مسايل البلد، وكانوا فيما سبق يزرعون
стр. 2084
على حواشي الأودية، فلو أتى إنسان وأراد أن يحيى هذه المسايل قلنا: لا؛ لأنها تتعلق بها مصالح البلد، كذلك مراعي البلد القريبة منه التي يخرج الناس إليها مواشيهم لترعى ليست مواتًا فليس لأحد أن يحييها، إذا تبين هذا فهل إذا استولى الإنسان على أرض ميتة يملكها أو لا؟ نقول: نعم يملكها، كما دل عليه الحديث الآتي:
٨٧٦ - عن عروة، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «من عمر أرضًا ليست لأحدٍ؛ فهو أحق بها»، قال عروة: «وقضى به عمر في خلافته». رواه البخاري.
قال: "من عمر" وأطلق النبي ﷺ العمارة قال: "من عمر" فيرجع في ذلك إلى العرف، فما سماه الناس تعميرًا فهو تعمير، وما لم يسمه الناس تعميرًا فليس بتعمير، فإذا كانت أرضًا زراعية وجاء شخص وأحاطهم بمراسيم - أحجار توضع على حدود الأرض - فهل هذا الرجل أحياها أولا؟ لا، لم يحييها، لكن لو زرعها صار محييًا لها، كذلك لو خط أرضا ليبني فيها قصرًا لكنه لم يبن القصر حتى الآن، فهل يعتبر محييًا لها؟ لا، لم يعمرها، فإذا بنى القصر صار معمرًا لها، إذا عمرها يقول الرسول ﷺ : "فهو أحق بها"، يعني: ليس لأحد أن يزاحمه فيها ولا أن يهلكها، قال عروة: وقضى به عمر في خلافته، وفائدة هذا الأثر: أن هذا الحكم باق لم ينسخ، وفهم من قوله: "ليست لأحد" أنه لو عمر أرضًا لأحد قد ملكها من قبل ثم تركها ثم جاء شخص فزرعها وعمرها، فهي للثاني أو للأول؟ للأول؛ لأن النبي ﷺ اشترط قال: "ليست لأحد"، فعلم من هذا أنها لو كانت لأحد قد أحياها من قبل فهي للأول.
من فوائد الحديث: أولاً: أنه لا إحياء بدون تعمير لقوله: "من عمر أرضً".
ثانيًا: أطلق النبي ﷺ العمارة فيرجع في ذلك إلى العرف على القاعدة المشهورة:
(وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف احدد)
وقوله: "كالحرز" يعني: حرز الأموال، والحرز نحتاج إليه في باب الوديعة وفي باب السرقة، فالسرقة من غير حرز ليس فيها قطع وإذا وضع الوديعة في غير حرز فهو ضامن.
ومن فوائد الحديث: أنه لو اجتمع معمران لأرض فهي للأول، لقوله: "ليست لأحد".
ومن فوائده: أن من ورد على تعمير آخر يعني: شخص عمر وترك الأرض برهة من الزمن واندثرت ثم جاء آخر فعمرها بعد، فهي للأول يعني: معناه سواء كان أثر إحياء الأول باقيًا أم داثرًا فإن الثاني لا يملكها.
стр. 2085
٨٧٧ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له». رواه الثلاثة، وحسنة الترمذي، وقال: روي مرسلاً. وهو كما قال، واختلف في صحابيه، فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمر، والراجح الأول.
قوله: "من أحيا أرضًا" هي على وزان قوله في الحديث السابق "من عمر أرضًا"، وقوله: "ميتة" هي بوزان قوله: "ليست لأحد"، وقوله: "فهي له" بوزان قوله: "فهو أحق به"، إذن هذا الحديث بمعنى الحديث الأول أن الإنسان إذا أحيا أرضًا ميتة منفكة عن الاختصاصات وملك معصوم فهي له.
مثال ذلك: رجل خرج من البلد فوجد مساحات كبيرة ليست ملكًا لأحد ولا تتعلق بها مصالح البلد فأحياها، نقول: هذه الأرض التي أحييتها هي ملك لك تبيعها، وتؤجرها، وترهنها، وتوقفها، وتهبها وتورث من بعدك، هي لك ملكك، وذلك لأنه استولى عليها من غير منازع فكانت له، كما لو خرج إلى البر فاحتش الكلأ أو الحطب فإنه يكون له؛ لأنه حاذه وملكه، وعموم الحديث يقتضي أنه لا يشترط في ذلك إذن الإمام، واعلموا أن العلماء إذا قالوا: الإمام فيعنون به الرئيس الأعلى للدولة يعني: لا يشترط أن يكون قد استأذن أو أخذ منه مرسومًا أو ما أشبه ذلك؛ لأن الحديث على من أحيا أرضًا ميتة فهي له ولم يقل النبي ﷺ : إلا أن يمنعه الإمام كما أنه لم يقل: إن أذن له الإمام، فدل ذلك على أنه يملكها سواء أذن الإمام أم لم يأذن.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين: وهما في مذهب الإمام أحمد: فمن العلماء من قال: إنه لا يملكها إلا بإذن الإمام، وأن قول الرسول ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة» هذا إذن منه، يعني: من باب الإذن كما لو قال الإمام في بلده أو في مملكته: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، فيرون أن هذا من باب الإذن السلطاني؛ يعني: أنه أذن بأن أحيا أرضا ميتة فهي له، قالوا: ولابد من إذن الإمام؛ لأن هذه أرض ليست مملوكة لأحد وليس لأحد ولاية عليها فيكون وليها الإمام، فإذا اعتدى أحد عليها وأحياها بلا إذنه فقد اعتدى على حق الإمام وافتات عليه، فكما أنه لا يملك أحد أن يقيم الحدود على الناس فكذلك لا يملك احد أن يأخذ أرضًا ليست لأحد
стр. 2086
والولي عليها ولي الأمر إلا بإذنه، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا.
القول الثاني: أنه لا يشترط إذن الإمام وأن قول رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» من باب التشريع الإذن الشرعي والتمليك الشرعي، وليس من باب الإذن السلطاني، فيكون الرسول ﷺ قال قولاً تشريعيًا وليس تنظيميًا، وبناء على هذا فإذا أحيا الإنسان أرضًا ميتة فهي له؛ لأن هذه ليست ملكًا لأحد، قالوا: وكما أن الإنسان إذا خرج إلى البر واحتش الحشيش واحتطب الحطب واستسقى من النهر وما أشبه ذلك، فإنه لا يشترط فيه إذن الإمام بالاتفاق فهذا كذلك لا يشترط فيه إذن الإمام، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يملكه أي: يملك ما أحياه سواء أذن الإمام أم لم يأذن، وأجاب الآخرون أعني: الأولين عن الماء والكلأ، وقالوا: إن الرسول ﷺ شرك الناس فيها فقال: «الناس شركاء في ثلاثة: الماء، والكلأ، والنار»، ولم يقل: والأرض، فإذا لم يقل: والأرض صار تدبير الأرض إلى ولي الأمر، ولكن الذي يظهر أن القول الصحيح أن من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وذلك لأن الأصل في كلام الرسول ﷺ أنه تشريع لا تنظيم حتى يقوم دليل على أنه تنظيم.
ولهذا قلنا: إن الإنسان إذا قتل قتيلاً في الحرب فله سلبه؛ لأن الرسول ﷺ قال: «من قتل قتيلاً فله سلبه» يعني: ما عليه من الثياب وما أشبهها.
ومن العلماء من قال: إن المراد بحديث: "من قتل قتيلاً" هو أيضًا الإذن السلطاني، وأنه لا يملك المقاتل سلب القتيل إلا إذا قال قائد الجيش: "من قتل قتيلاً فله سلبه.
على كل حال: القاعدة الأصلية: أن الأصل في كلام الرسول ﷺ هو التشريع، ولكن لو أن ولي الأمر منع من الإحياء إلا بإذنه فله ذلك؛ لأنه قد يرى من المصلحة تنظيم الإحياء حتى لا يعتدي الناس بعضهم على بعض، ولا يحصل نزاع، وتكون المسألة تخطط الأراضي وما أشبه ذلك من قبل الدولة، وترقم، ومن جاء من الناس يحيي قلنا له: هذه أرضك.
стр. 2087
٨٧٨ - وعن ابن عباس ﵁ أن الصعب بن جثامة ﵁ أخبره أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله». رواه البخاري.
ابن عباس صحابي، والصعب بن جثامة صحابي أيضًا، وقد كان كريمًا مضيافًا عداء يسبق الظباء، ولما نزل به الرسول ﷺ بودان أتى له بحمار وحشي وأهداه إليه، وقيل إنه ذبحه وأتى بلحمه؛ فرده النبي ﷺ وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»؛ لأنه لما رده صار في وجهه شيء، أي: تغير وجهه، فقال له النبي ﷺ ذلك، يعني: إنا محرمون مع أن أبا قتادة ﵁ اصطاد حمارًا وحشيًا وأكل منه أصحابه وهم محرمون، ولكن الجمع بينهما أن أبا قتادة لم يصطده لأصحابه، وإنما اصطاده لنفسه، وأطعم أصحابه منه، وأما الصعب بن جثامة فاصطاده للرسول ﷺ ، والصيد إذا صيد من أجل المحرم صار حرامًا على المحرم، وإن كان لم يصده.
يقول: أخبره أن الرسول ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ورسوله»، الحمى معروف، وهو في اللغة: المنع، ومنه الحمية وهي الامتناع عن شيء معين من الطعام أو غيره، فالحمى معناه: المنع، وهو عبارة عن منع أرض معينة يحميها الرئيس أو الشريف في القبيلة حتى لا يرعاها أحد، وتبقى هي لرعي إبله وغنمه ويشارك الناس في مراعيهم، كانوا في الجاهلية يفعلون هذا؛ يحمي السيد أو الشريف أو الكبير في قومه أرضًا يقول: لا يسمها احد ولا يقربها أحد لتكون لمن؟ لماشيته من إبل أو بقر أو غنم، وهو مع ذلك يشارك الناس في بقية المراعي وهذا ظلم واضح، فأبطل النبي ﷺ هذا، وقال: «لا حمى إلا لله ورسوله»، لا حمى إلا لله: الله غني عن كل شيء، ولا يحتاج إلى أحد يحمي له؛ لأنه يطعم ولا يطعم، ولكن ما أضيف إلى الله من مثل هذه الأمور، فالمراد به المصالح العامة مثل: إبل الصدقة أو خيل الجهاد، وما أشبه ذلك، فإذا حمى ولي الأمر أرضًا لإبل الصدقة، أو لخيل الجهاد، أو لإبل الجهاد، أو ما أشبه ذلك من المصالح العامة فإن ذلك جائز؛ لأنه يحمي لله لا يدخل عليه شيء ولا يختص بشيء دون المسلمين يحمي شيئًا للمسلمين، وهو في الواقع أن هذا الحمى لله، أما قوله: "ولرسول الله": فقد اختلف فيها أهل العلم، فقيل: المراد بذلك ما كان للرسول ﷺ شخصيًا، يعني: أن للنبي ﷺ أن يحمي ما شاء لنفسه هو - يعني: الرسول ﷺ له أن يختط أرضًا معينة، ويقول: هذه لي، وعلى هذا القول فاختلف العلماء: هل ذلك من خصائصه، بمعنى: أن غيره من ولاة الأمور ليس لهم الحق أن يحموا لأنفسهم، أو أن ذلك له ولمن كان بمنزلته من ولاة الأمور الذين لهم الولاية العامة؟ على قولين، أما القول الثاني في أصل المسألة فيقولون: إن عطف الرسول على
стр. 2088
الله من باب عطف المشرع المبلغ عن الشرع، وأن المراد بما لرسول الله هو ما كان لله كقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١]. والخمس الذي لله والرسول هو خمس واحد، لكن لما كان النبي ﷺ مشرعًا مبلغًا عن الله صار ما يقوم به نيابة عن الله هو خليفة الله تعالى في خلقه، وبناء على هذا القول نقول: إنه لا يراد بالرسول هنا الرسول ﷺ شخصيًا ماذا يراد به؟ يراد به أنه مشرع فيكون ما لله فهو لرسول الله، فيحمل الحديث إذن على أن المراد بالحمى هنا: حمى ما كان لله ، كإبل الصدقة وإبل الجهاد وما أشبهها، وهذا القول أصح، ويرجحه أن الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنار، وإذا كانوا شركاء في ذلك فليس لأحد أن يختص به دونهم، كما لو أنه اشترك اثنان في بيت مثلاً فليس لأحدهما أن يختص به دون الآخر، ولو اشترك اثنان في مزرعة فليس لأحدهما أن يختص بها دون الآخر، فالصواب أن المراد يحمى الله ورسوله: ما حمي للمصالح العامة أما الخاصة فلا، هذا القول هو الراجح ويليه في الرجحان أن المراد بالرسول: خوصية شخصه ﷺ ، لكن هذا خاص به هو ولا يشاركه أحد من ولاة الأمور والخلفاء؛ لأن عمر ﵁ لما حمى ما حماه من المراعي حول المدينة صرح بأنه لا يحميه لنفسه إنما يحميه للناس لصاحب الغنيمة، وكذلك للمصالح العامة، فالصواب في هذه المسألة أنه ليس لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يحمي أرضًا يختص بها؛ لأن الناس شركاء في ارض الله .
المؤلف ﵀ جاء بهذا الحديث في باب إحياء الموات فما مناسبته؟ المناسبة أن الحمى نوع من الاختصاص؛ لأن الحامي يختص بهذه الأرض المحمية ويمنع غيره منها.
من فوائد الحديث:
أولاً: ثبوت الحمى يعني: أنه يجوز في الأصل لكن بشروط.
ثانيًا: أنه لا يجوز الحمى لشخص معين لقوله: "إلا لله ورسوله".
ثالثًا: جواز الحمى للمصالح العامة، يعني: المواشي التي مصلحتها للمسلمين ولكن ينبغي أن يقال أو يسأل لو أن أحدًا تجرأ واحتش من هذا الحمى أو تجرأ ورعى إبله فيه فهل يكون آثمًا؟ الجواب: يكون آثما لدخوله في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. فإذا حمى ولي الأمر هذا المكان لدواب المسلمين العامة فإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه.
стр. 2089
٨٧٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». رواه أحمد، وابن ماجه. وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ مرسل.
"وعنه" أي: عن ابن عباس ﵁.
"الضرر": ما يحصل به ضرر من مال أو بدن أو جاه أو غير ذلك، وهو ضد النفع؛ لأن الأشياء إما نافعة وإما ضارة، [وإما ما لا ضرر فيه ولا نفع] وكلها إما في البدن أو المال أو الجاه أو العرض أو غير ذلك.
وقوله ﷺ : "لا ضرر" هذا نفي، ولكن هل هو نفي لوجود الضرر أو لانتفائه شرعًا، يعني: هل النفي نفي لوجوده في الواقع أو نفي لوجوده في الشرع؟ نفي لوجوده في الشرع، وذلك أن النفي في الأصل يعود إلى الواقع، فإذا وحد في القرآن أو السنة نفي يحمل على الوجود، أي: أنه لا وجود له في الواقع، فإن تعذر نفيه على الوجود في الواقع حمل على نفيه في الوجود الشرعي فيكون نفيًا للصحة، فإن دل دليل على أنه صحيح وأن حمله على انتفاء الصحة لا يصح حمل على نفيه في الوجود الشرعي فيكون نفيًا للصحة، فإن دل دليل على أنه صحيح وأن حمله على انتفاء الصحة لا يصح حمل على انتفاء الكمال، وعلى هذا فنقول: "لا ضرر" ليس نفيًا لوجود الضرر، بل الضرر موجود، والضرار موجود أيضًا، لكنه لانتفائه شرعًا، يعني: أن الضرر منفي شرعًا، وقلنا لكم: إن الضرر يكون في البدن والمال والجاه وغير ذلك، كل ما يحصل به فوات منفعة فهو ضرار.
وقوله: "ولا ضرار" قيل: إن معناه الضرار هو معنى الضرر، لكنه يزيد في بنيته للمبالغة، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية بمعنى الجملة الأولى، فهي على هذا كالتوكيد، ولكن هذا ليس بصحيح، وذلك لأن التوكيد يأتي بدون ذكر حرف العطف مثل أن تقول: لا ضرر لا ضرر، أما إذا جاء حرف العطف فإن العطف يقتضي المغايرة، أي: أن الثاني غير الأول، وعلى هذا فلابد من فرق بينهما، الفرق بينهما أن الضرر ما حصل بدون قصد، والضرار ما حصل بقصد، وذلك لأن الضرار مصدر ضار يضار مثل قاتل يقاتل قتالاً، وهذا ضار يضار ضرارًا فهو ضرر مقصود، وعليه فيكون الحديث نفي الضرر الحاصل بلا قصد ونفي الضرر الحاصل بقصد، ثم هذا النفي معناه النهي يعني: أن النبي ﷺ نهى عن الإقرار على الضرر وعن الإضرار؛ وذلك لأن النفي يأتي بمعنى النهي من باب المبالغة كأن هذا الشيء مفروغ منه من حيث تجنبه وحيث
стр. 2090
ينفي وجوده لا إيجاده؛ لأن النهي عن الشيء نهي عن إيجاده ونفي الشيء نفي لوجوده، فقد يعبر بالنفي عن النهي من باب المبالغة كأن هذا الشيء أمر لابد من تجنبه، فلذلك عبر عن النهي عنه بالخبر عنه وهو نفيه.
في هذا الحديث: ينهي رسول الله ﷺ عن الضرر، وهذا النهي يتضمن وجوب رفع الضرر سواء كان بالمال أو بالنفس أو بالجاه أو بالعرض أو بأي نوع من أنوع الضرر؛ لأن قوله: "لا ضرر" يقتضي رفعه ففيه إذن تحريم الضرر أو تحريم إبقاء الضرر.
ومن فوائده: تحريم المضارة وقد ثبت في ذلك الوعيد عن رسول الله ﷺ وأن من ضار ضار الله به، فلا يجوز للإنسان أن يضار غيره.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يؤذي الناس أو يشغلهم بالأصوات المنكرة كما يفعل بعض الناس، تجده مثلاً يستمع إلى الأغاني المحرمة ويجعلها بصوت عال يفزع من حوله من الجيران، وربما يكون من حوله من أهل المساجد، كأن يكون يسكن حول مسجد فتجده يشغل هذا الشيء بصوت عال فيؤذي الناس، فهذا لا شك أنه من الضرر، وإن كان ليس ضررًا بدنيًا، لكنه ضرر ديني، فهو يشغل الناس عن دينهم ويوقعهم في الإثم، أو العب، وهذا الحديث في الحقيقة أنه يعتبر قاعدة؛ لأنه يمكن أن يدخل في جميع أبواب الفقه فمتى وجد الضرر وجب رفعه ومتى قصدت المضارة فإنها حرام؛ ولهذا ذكر بعض العلماء هذه القاعدة، وقال: إن الضرر منفي شرعًا، يعني: لا يمكن أن يقع.
إذا قال قائل: لماذا جاء به المؤلف في باب إحياء الموات بعد قوله: «لا حمى إلا لله ورسوله»؟
قلنا: جاء بذلك لنستفيد منه تقييد الحمى بعدم الضرر، أي: أنه إذا تضمن الحمى ضررًا على المسلمين وجب منعه حتى وإن كان لماشية المسلمين، ولنفرض أن الإمام الذي له الماشية أو الذي يتولى ماشية المسلمين حمى حمى قريبًا من البلد بحيث تضرر أهل البلد بذلك فإنه يمنع، وكانوا في الزمن السابق يخرجون إلى قريب البلد يحتشون ويحتطبون، تخرج المرأة والصبي إلى قريب من البلد ليأتوا بالحشيش ويبيعونه، فإذا قدر أن هذا وقع هكذا وأن ولي الأمر حمى لمواشي المسلمين بهذا القرب من البلد الذي يضرهم قلنا: هذا لا يجوز،
стр. 2091
حتى لو قال: إن هذا لمواشي المسلمين نقول: لا يجوز، لا ضرر ولا ضرار، وأنت يمكنك أن ترتفع في مكان بعيد عن البلد وتحمي لمواشي المسلمين؛ لأن مواشي المسلمين لا يحتاجها الناس يوميًا بخلاف بهائم البلد ومواشي البلد، فإن الناس يحتاجونها يوميًا.
ثم قال: «وله من حديث أبي سعيد مثله وهو في الموطأ مرسلاً».
نقول: حتى ولو كان في الموطأ مرسلاً فقد وصله أحمد وابن ماجه، ثم على فرض أن فيه شيئًا من الضعف فإن نصوص الكتاب والسنة تشهد له، فالشرع كله يحارب الضرر ويمنع الضرر، وإذا نشأ الضرر عن مضارة كان أشد وأعظم، لأن الضرر إذا حصل عن مضارة فقد باء الإنسان بالإثم من أصل الضرر، لكن إذا حصل الضرر بدون قصد المضارة فهذا لا يأثم به الإنسان لكن يلزمه أن يرفع الضرر فإن أبقاه مع علمه به صار مضارًا، وهذا أيضًا من الفروق بين الضرر والضرار، أن الضرر قد يأتي بلا علم الإنسان فنقول: هو لا يأثم ما دام أتى بلا علم لكن من علم ولم يرفعه كان آئما.
٨٨٠ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحاط حائطًا على أرضٍ فهي له». رواه أبو داود، وصححه ابن الجارود.
"من" شرطية، ودليل ذلك أن الجواب أتى مربوطًا بالفاء في قوله: "فهي له"، وإنما ربط الجواب بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، والجملة الأسمية أحد الجمل التي تربط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط، وقد جمعت الجمل التي يجب ربطها بالفاء إذا وقعت جوابًا في قوله:
(أسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن بالتنفيس)
قوله: "من أحاط حائطًا على أرض" لم يقيد النبي ﷺ ارتفاع الحائط فيرجع في ذلك إلى العرف، يعني: ما عد حائطًا فإنه يحصل به الإحياء والتملك، وقيده بعض العلماء بما إذا كان الحائط على قدر قامة الرجل، وقيده بعضهم بما إذا كان لا يمكن الدخول منه إلا بتسلق وإن لم يصل إلى قامة الرجل، وهذا أقر إلى لفظ الحائط؛ لأن الحائط ما أحاط بالشيء، لكن الحائط قد يكون قصيرًا كالعتبة، هذا لا يعتبر حائطًا، وقد يكون أرفع من ذلك يحتاج إلى تسلق، وإن لم يكن طول قامة الرجل فهذا يحصل به الإحياء.
стр. 2092
قوله ﷺ : «من أحاط حائطًا على أرض»، "أرض": نكرة تشمل كل أرض لكنها مقيدة بما سبق بألا تكون مملوكة لأحد، وألا يتعلق بها حق أحد من الناس، وقوله: "فهي له" اللام هنا للتمليك "فهي" أي: الأرض التي أحاطها بحائط "له" ملكًا تدخل في ملكه ويتصرف فيها كما يتصرف الملاك في أملاكهم.
في هذا الحديث من الفوائد: أن الإنسان إذا أحاط أرضًا بحائط على حسب ما ذكرناه فهي له.
ومن فوائده: أنه لا يشترط في هذه الأرض التي أحاطها بحائط أن يزرعها أو يخرج ماءها بل يملكها بمجرد هذا التحويط.
ومن فوائده: أنه لو وضع عليها كومة من الترب أحاطها بكومة من التراب فإنه لا يملكها بذلك؛ لأن هذا لا يعد حائطًا.
ومن فوائده: أنه لو وضع عليها كومة من التراب أحاطها بكومة من التراب فإنه لا يملكها بذلك؛ لأن هذا لا يعد حائطًا.
ومن فوائده: أيضًا أنه لو قسمها بمراسيم، بأحجار، علامة على حدودها فإنه لا يملكه لأن هذا ليس بحائط، بل لابد من أن يكون هناك حائط.
٨٨١ - وعن عبد الله بن مغفل ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا لماشية». رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ.
هذا الحديث يقول: " من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته" يعني: حفر بئرًا للماشية، وكانت البادية يحفرون آبارًا يسقون بها إبلهم وغنمهم، فتجد كل طائفة حولها بئر تسقي منه، فحدد النبي ﷺ هذا بأربعين ذراعًا لعطن الماشية أربعين ذراعًا من أي جانب؟ من جميع الجوانب، فتكون الساحة ثمانين من أربع جهات ثمانين من الشرق إلى الغرب، وثمانين من الشمال إلى الجنوب.
في هذا الحديث من الفوائد: أن للبئر حريمًا يعني: مكانًا محترمًا بحيث إنه لا يعتدي عليه أحد.
وفيه أيضًا من الفوائد: إن حريم البئر التي للماشية تقدر بأربعين ذراعًا، والذراع: نحو ثلثي مرت، ولم يتكلم النبي ﷺ عن البئر التي تحفر للزراعة؛ لأن هذا الحديث كما تشاهدون في بئر الماشية، ولكن إذا كان البئر للزرع فكم يعطى صاحبه؟ يقال: أن صاحبه يملك كل ما
стр. 2093
تزرعه هذه البئر، يعني: ما جرت العادة بأن هذه البئر تزرعه فإنه يملكه، ومن المعلوم أنه يختلف، فمثلاً إذا كانت البئر عميقة وماؤها كثير فإنها تحتاج إلى أرض كبيرة، وإذا كانت بالعكس كفاها الأرض الصغيرة، ثم إن الحاجة لا تقتصر على ما يريد أن يزرعه؛ لأن الزرع يحتاج إلى جرين - وهو المكان الذي توضع فيه السنبل من أجل الزرع لا يتقيد بأربعين ذراعًا ولا بخمسة وعشرين ولا بخمسين، (وإنما) يتقيد بما يمكن أن يحييه بهذه البئر حسب العادة وما ذكره بعض العلماء: من أن حريم البئر العادية خمسون ذراعًا من كل جانب، وحريم البئر الجديدة خمسة وعشرون من كل جانب، فهذا وردت فيه أحاديث أيضًا لكن تحمل على ما إذا كانت للماشية، أما الزرع فلا يمكن أن يحفر بئرًا ويتكلف عليها ثم نقلو: ليس لك إلا خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب، لو قلنا بهذا ما ملك أحد شيئًا إلا أن يحفر الأرض كلها آربارًا، فنقول: البئر إما أن يحفره الإنسان لماشيته فيعطي مقدار عطن الماشية وهو أربعون ذراعًا كما في الحديث الذي ذكره المؤلف، وبعضهم يقول: إنها خمسون ذراعًا في المادة وخمسة وعشرون ذراعًا في الجديدة كما هو المشهور، أما بئر الزرع فإنه يعطى قدر ما تسقيه هذه البئر بحسب العادة قل أو كثر، وذكرنا أيضًا أنه يعطى قدر ما تسقيه هذا البئر بحسب العادة قل أو كثر، فذكرنا أيضًا أنه يعطى قدر ما تسقيه وما تتعلق به مصالحه مثل الجرين - مكان الدياس وكذلك الأرض البيضاء التي تجمع فيها الذب لأنه يحتاج إلى ذلك فكل ما يتعلق بمصالح هذه الأرض يكون له.
٨٨٢ - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁: «أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضر موت». رواه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان.
- وعن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه، فقال: أعطوه حيث بلغ السوط». رواه أبو داود وفيه ضعف.
هذان الحديثان في الإقطاع والإقطاع هو: أن الإمام أو ولي الأمر يقتطع جزءًا من الأرض
стр. 2094
يعطيه شخصًا، فهذا الذي أقطع يكون أحق به من غيره ولا أحد يزاحمه فيه، وقال بعض العلماء: بل إن هذا الذي أقطع يملكه ملكًا تامًا ويكون إقطاع الإمام له بمنزلة الإحياء؛ لأن الإمام له ولاية على أراضي المسلمين فله أن يقطع من شاء. المهم أن الإقطاع هو أن يقتطع الإمام قطعة من الأرض غير مملوكة ويعطيها لشخصٍ معينٍ، فالحديث الأول عن علقمة عن أبيه وهو وائل بن حجر وهو حضرمي أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضر موت، يعني: قال هي لك ولم يبين مقدار الأرض لأنه لا حاجة إلى ذلك؛ إذ إن بيانها يعين: قلتها وكثرتها بحسب ما يراه ولي الأمر، يعني: ليست محددة بحد معين إذا رأى أن المقطع يتمكن من إحياء هذه الأرض أعطاه بقدر ما يتمكن، وقوله: "حضر موت" هي مقاطعة في اليمن معروفة، والإقطاع معناه: التمليك، يعني: ملكه أرضًا، أي: قال: لك هذه الأرض، ولكن أهل العلم يقولون: إن الإقطاع ينقسم إلى قسمين: إقطاع تمليك بمعنى: أن الإمام أو نائب الإمام يملك شخصًا من الناس أرضًا معينة، الثاني: إقطاع إرفاق بمعنى: أن الإمام أو نائبه يمنح هذا الرجل الانتفاع بهذه الأرض يمنحه أن ينتفع بها فقط، مثل: أن يعطيه أرضًا في السوق يضع فيها بضاعته يستقل فيها البضائع من الناس ليبيعها، فأما إقطاع الإرفاق فإنه لا يملكه المقطع؛ لأنه إقطاع انتفاع فقط والأرض ليست له، لكن ما دام الإقطاع باقيًا والرخصة قائمة فهو أحق بهذا المكان من غيره؛ لأنه لولا الإقطاع لكان المكان لمن سبق، ولنفرض أن هذه أرض واسعة في وسط السوق يجلب الناس فيها بضائعهم فيأتي الإمام ويقطع شخصًا معينًا قطعة من هذه الأرض ينتفع بها وحده هذا إقطاع إرفاقٍ، فيكون هذا المقطع أحق بها من غيره؛ لأن ولي الأمر منحه إياه، أما إذا لم يكن إقطاعًا، فالناس في هذا المكان سواء ويكون المكان لمن سبق إليه كما قال النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». هذا إقطاع إرفاق، إقطاع التمليك أن يقطعه قطعة من أرض على أن تكون ملكًا له، هذا الإقطاع اختلف أهل العلم هل يملكه المقطع ويكون إقطاع ولي الأمر بمنزلة الإحياء أو يكون المقطع أحق به من غيره لا يزاحمه فيه أحد، ولكن إذا لم يحيه فليس ملكًا له؟ الثاني وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أي: أن الإقطاع لا يحصل به الملك، ولكن المقطع يكون أحق به، وعلى هذا فلا يزاحمه أحد في إحيائه، ولكن لو حصل
стр. 2095
تشوف لإحياءه - يعني: واحد يقول: أنا أريد أن أحيي هذه الأرض، وقد أقطعت لشخص - فإنه يقال لهذا المقطع: إما أن تحييها وإما أن ترفع يدك، وبضرب له مدة يقدرها الحاكم بحيث يتمكن من إحيائها، ومن العلماء من يرى أن إقطاع التمليك يحصل به الملك، وعلى هذا فإذا أقطع الإمام أو نائبه شخصًا أرضًا مواتًا فإنه يملكها بهذا وتكون ملكًا له، يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم من بيع وهبة ورهن ووقف وغير ذلك، ولكن الأقرب المذهب أن الإقطاع لا يحصل به التمليك، لكن فائدته أن المقطع يكون أحق به من غيره لا يزاحمه فيه أحد، ويرجع هذا قول النبي ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، فقال: «من أحيا» فرتب الملكية على الإحياء، وإقطاع الإمام ليس فيه إحياء؛ لأن الإمام نفسه لو تحجرها لنفسه لم يكن تحجره إحياءً فكيف بمن كان فرعًا عنه؟ ! إذن فالقول الراجح في هذه المسألة: أن المقطع لا يملك الأرض، ولكن يكون أحق بها من غيره بحيث لا يمكن أن يملكها أحد ما دام له فيها حاجة.
من فوائد الحديث: جواز إقطاع الإمام أرضًا لمن يحيها، ودليله فعل النبي ﷺ ، والأصل فيما فعله التشريع، ولكن هذا الجواز يجب أن يقيد بالقاعدة العامة، وهو أنه لا يجوز للإمام أن يقطع إلا لمصلحة فلا يحابي أحدًا في الإقطاع، يعني: لا يكون إذا جاءه شخص قريب له أو صديق له أو له جار أقطعه، وإذا جاءه الفقير البعيد لم يقطعه، هذا لا يجوز، الواجب أن يراعي العدل، كذلك لا يجوز أن يقطع الشخص أرضًا واسعة وهو لا يستطيع أن يعمرها؛ لأن ذلك تحجر لأرض المسلمين، وإنما يقطع المقتطع ما يمكن أن يحييه ويعمره، ثالثًا: لا يجوز - بناء على القاعدة العامة - أن يقطع ما فيه ضرر على المسلمين، مثل: أن يقطع أحد من الناس محل المراعي وما أشبه ذلك من مصالح المسلمين، لأنه إذا كان لا يملك حمى هذه الأرض فكيف يملك إقطاعها؟ !
ثم ذكر الحديث الثاني أن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه ... الخ. قوله: «أقطع الزبير» هذا الإقطاع إقطاع تمليك. وقوله: "حضر فرسه" أي: منتهى عدوه، يعني: قال ركض الفرس حتى يقف فإذا وقف فهو لك - هذا معنى حضر فرسه، يعني: منتهى عدوه، يقول: فأجرى الفرس يعني مشاه وسيره حتى وقف، فلما وقف - من حرص الزبير على سعة الأرض رمى بسوطه من أجل أن يزيد المساحة، وكان النبي ﷺ ، كما نعرف جميعًا، من خلقه كان ﷺ أكرم الناس لما رأى طمع هذا في الأرض ورمى بسوطه، قال: «أعطوه حيث بلغ السوط»، وهذا من حسن خلقه ﷺ ؛ لأنه لو كان من الولاة الجبابرة، لقال: أنقصوا له على قدر ما بلغ سوطه. لماذا يتعدى ويتجاوز ما حددنا له، نحن حددنا له منتهى عدوه، وهو الآن زاد فعاقبوه بأن ينقصوا من مقدار ما بلغ سوطه، ولكن الرسول ﷺ من أحسن الناس سياسة وأكرمهم وأحسنهم خلقًا، فلما رأى هذا الرجل متشوفًا متطلعًا إلى الزيادة قال: «أعطوه حيث بلغ السوط».
стр. 2096
الحديث على كل حال: إسناده ضعيف، لكن معناه لا ينافي القواعد الشرعية، كيف ذلك؟ نقول: لأن الإقطاع تبرع؛ إذ قد يقول قائل بعكس ما قلت الآن، قد يقول قائل: إن هذا ينافي القواعد الشرعية لأن حضر الفرس مجهول، فكيف يصح وهو مجهول؟ ! لكن الجواب أن نقول: إن الذي يمتنع فيه الغرر ما كان عقد معاوضة، أما عقود التبرعات فلا بأس ان يكون فيها جهالة؛ ولهذا صححنا أن يهب الإنسان شيئًا مجهولاً، صححنا أن يهب العبد الآبق والجمل الشارد، ولا بأس؛ لأن هذا الموهوب له إن حصل على الهبة فهو غانم، وإن لم يحصل فليس بغانم بخلاف البيع والشراء، فهو إذا لم يحصل على العوض صار غارمًا، وإن حصل صار غانمًا.
إذن نقول: هذا فيه دليل على جواز إقطاع المجهول؛ لأن النبي ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، ومنتهى سوطه حيث بلغ السوط، هل يمكن في الوقت الحاضر أن نقطعه حضر سيارته؟ لا، لماذا؟ لأن السيارة لا تتعب، ممكن يقودها من هنا إلى مكة، فهذا لا يصح لأنه لا منتهى له في الواقع، لكن إذا كان عنده فرس، عنده بعير، عنده حمار يمكن.
ومن فوائد الحديث: أن النفوس مجبولة على الطمع، فهذا الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه من أفضل الصحابة، ومع ذلك - إن صح الحديث - طمع هذا الطمع، لما وصل منتهى عدو الفرس رمى بسوطه، والطمع فيما ليس بمحرم لا يلام عليه الإنسان، أما الطمع في المحرم، فهو حرام، وكذلك الطمع الذي يشغل عن واجب هو حرام، والطمع الذي يشغل عن مستحب ليس بحرام، لكن الزهد تركه، والذي يشغل عن واجب الورع تركه، لماذا؟ لأن هناك فرقًا بين الورع والزهد، أكثر الناس لا يعرفون الفرق. الورع: ترك ما يضر، والزهد: ترك ما لا ينفع، إذن إذا كان يشغل عن الواجب كان تركه ورعًا؛ لأنه لو باشره ترك واجبًا، وترك الواجب يضر في الآخرة، ترك ما يشغل عن المستحب هذا زهد؛ لأنه لو ترك المصلحة بدون شاغل لم يضره في الآخرة، لكنه يفوت النفع، فهنا ترك ما لا ينفع يسمى زهدًا، فإذا قيل: فلان زاهد، فلان ورع، أيهما أعلى حالاً؟ الزاهد أعلى حالاً من الورع.
إذن نقول: في الحديث دليل على جواز طمع الإنسان في الأمور المباحة له.
ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي ﷺ ، فإنه يجب أن يعطي النفس ما يلائمها بشرط ألا يوقع في محظور، وهذا من هديه ﷺ ، كل شيء يتطلع إليه الغير وهو لا يضر، فإن النبي ﷺ يوافق عليه لحسن خلقه، وهذا من تأليفه للناس، وتحبيب الناس إليه، يذكر في إسلام سلمان الفارسي أنه كان عند أناس من أهل الكتاب كل واحد من أسياده يوصيه أن يكون عند سيد آخر عنده علم من الكتاب؛ لأنهم يعرفون أن النبي ﷺ قد حان وقت خروجه إلى أن وصل إلى المدينة، وقصته مشهورة، لكن كان من جملة العلامات التي ذكرت لسلمان الفارسي أن
стр. 2097
بين كتفيه خاتم النبوة، يقول: «فوجدته في جنازة، فجلست خلفه، وعليه رداؤه، فجعلت أتطلع أنظر، فلما رآني أتطلع أنزل الرداء، من أجل أن أرى» وهذا من حسن الخلق، إذا رأيت أخاك المسلم يتطلع إلى شيء وهو لا يضرك أن يطلع فالأحسن أن تريه إياه، يعني: لو كان معك شيء غريب ساعة، قلم، أي شيء، وهذا يتطلع إليه؛ فدعه يراه تدخل عليه السرور، وأنت لا يضرك، المهم أن هذا من أخلاق الرسول ﷺ .
٨٨٤ - وعن رجل من الصحابة ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ فسمعته يقول: الناس شركاء في ثلاثٍ: في الكلأ، والماء، والنار». رواه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات.
«الناس شركاء في ثلاثة» أولاً: قوله: «غزوت مع النبي ﷺ » الغزو هو الخروج لقتال الأعداء، وكل غزوات الرسول ﷺ كلها جهاد في سبيل الله، ما خرج يومًا من الأيام إلا لتكون كلمة الله هي العليا، وكان ﷺ قد حضر بنفسه بضعًا وعشرين غزوة، إما سبعًا وعشرين، وإما تسعًا وعشرين غزوة ﷺ .
"الناس": مبتدأ، و"شركاء" خبره يعني: مشتركون في ثلاث، وهذا حكم شرعي، "في الكلا"، وهو العشب الذي ينبته الله بدون فعل فاعل، هذا الكلأ يعني: ما يكون من الأمطار، فالناس فيه شركاء حتى ولو كان في أرضك، فالناس فيه مشاركون لك لعموم الحديث.
الثاني: الماء النابع من الأرض أو النازل من السماء، الناس فيه شركاء، ولو كان في أرضك، لماذا؟ لأن هذا الماء من فعل الله ليس من فعلك، أنت لو حفرت إلى الأرض السابعة لا تستطيع أن تخرجه، من الذي يخرجه الله ﴿أفرءيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٩]. ﴿قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فيمن يأتيكم بماء معين﴾ [الملك: ٣٠]. فالله تعالى هو الذي أخرج هذا الماء ليس لك فيه حول ولا قولة، غاية ما هنالك أنك سبب فيه، الثالث: النار: اختلف العلماء في النار، ما المراد بها؟ فقيل: وقود النار، وقيل: هي النار نفسها، فعلى الأول يكون المراد بذلك الحطب وشبهه، الناس فيه شركاء، لا يختص به أحد دون أحد، ولا يجوز أن يخصص به أحد دون أحد؛ لأن الناس شركاء فيه، وقيل: المراد بها: النار نفسها وهذا هو المتبادر من اللفظ، والقاعدة عندنا أن الواجب حمل الكلام على المتبادر منه ما لم تمنع منه قرينة، وهنا لا مانع منأن تقول: النار هي النار نفسها، ولكن كيف يكون الناس فيه شركاء يعني: مثلاً إذا أوقدت نارًا وأتيت بماء لي أسخنه عليها ليس لك الحق أن تمنعني من ذلك، لا
стр. 2098
تقول: لا؛ لأني أنا وأنت شركاء فيها، كذلك لو أردت أن أستوقد منها أتيت مثلاً بعود من الحطب لأستقود من نارك لك الحق أن تمنعني من ذلك لأنني شريك معك، لماذا؟ لأن هذه النار هل هي بفعلك أو بفعل الله؟ بفعل الله ، ما تستطيع أن توقدها أبدًا لو أنفقت ما في الأرض كلها، لم تستطيع أن توقد شررة منها، فالله تعالى هو الذي أنشأها، فإذا كان كذلك فالناس فيها شركاء.
إذن الناس شركاء في هذه الثلاث: الكلأ، والثاني: الماء، والثالث: النار، أما ما حازه الإنسان من الكلأ، وما حزه من الماء، فهو ملكه، فلو حششت الكلأ وأودعته في بيتك، فهل الناس شركاء لك فيه؟ لا؛ لأنك ملكته، وكذلك لو استسقيت من الماء ووضعته في السقاء أو في الجالون فهو ملكك، لا أحد يشركك فيه؛ لأنك حزته، وكذلك الحطب لو احتطبته وأدخلته في بيتك، فإنه يكون ملكًا لك، لا أحد يشاركك فيه، هل نقول: وكذلك لو عبأت نارًا؟ أنا لا أدري إذا كان يمكن أن يخزن اللهب، لكنك إذا استطعت تخزينه صار ملكًا لك، أما الغاز فهو وقود مثل الحطب.
قوله: «غزوت مع النبي ﷺ » يستفاد من هذا أن رسول الله ﷺ كان لا يشح بنفسه أن يغزو مع الصحابة، بل كان الرسول ﷺ لولا أنه يراعي بعض أصحابه الفقراء الذين لا يجدون ما يحملهم عليه ما ترك غزوة إلا خرج معها، لكن الغزوات الكبار يحضرها ولابد.
ومن فوائد الحديث: أن الناس شركاء في هذه الأمور الثلاثة، وهذه دلالة المنطوق في الحديث، مفهومه: أن الناس ليسوا شركاء فيما سواها، وأن كل إنسان يملك ملكًا خاصًا، فهو له لا يشاركه في أحد، فيكون في هذا الحديث رد لقول من استدل به على ثبوت الاشتراكية في الإسلام؛ لأنه كان في زمن من الأزمان يدندن الاشتراكيون حول هذا الحديث، ويقولون: إن الاشتراكية من الإسلام، حتى قيل في خطاب الرسول ﷺ : والاشتراكيون أنت إمامهم! !
وكذبوا في ذلك، أنا أقول: هذا الحديث الذي استدللتم به الآن على الاشتراكية هو في الحقيقة دليل عليكم؛ لأن تخصيص الاشتراك في ثلاث يدل على انتفاء الاشتراك فيما وساه، وهذا هو إثبات الملكية الخاصة، وهذا من حكمة الله أن كل مبطل يستدل بدليل صحيح على باطله فإن الدليل يكون دليلًا عليه، وليس دليلاً له، ولهذا التزم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" أو ما يسمى بالعقل والنقل، التزم انه ما من شخص يستدل بدليل صحيح على باطل إلا كان الدليل عليه لا له؛ فحينئذٍ نقول: هذا دليل على بطلان الاشتراكية.
стр. 2099
ومن فوائد الحديث: أن الأشياء التي لا صنع للآدمي فيها، وإنما هي من فعل الله يكون الناس فيها شركاء؛ لأن الناس كلهم عند الله سواء، فما دام الله تعالى لما قد أخرج هذا لعباده ينتفعون به، فإن الناس فيه سواء، ولا يمكن أن يختص به أحد دون الآخر.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يخصص أحد بهذه الأشياء المشتركة، فلا يجوز حتى للإمام أن يقول لشخص من الناس: لك كلأ هذه الأرض دون غيرك، وقد سبق لنا أنه لا يجوز الحمى إلا للمواشي العامة للمسلمين، بشرط ألا يضرهم.
ومن فوائد الحديث: أن ما نبت في ملكك من الكلأ أو ما نبع من الماء فالناس مشاركون لك فيه، ولكن أهل العلم يقولون: إن صاحب الأرض أحق به من غيره؛ لأنه مالك أرض فيكون أحق بفرعها من غيره؛ لأن الفرع تبع للأصل، وعلى هذا فإذا كان هذا الماء النابع في أرضي لا يكفي زرعي أو يكفيه ولا يزيد عليه؛ فإنه ليس لأحد أن يزاحمني في الماء؛ لأنني أنا أحق به من غيري، ولهذا جاءت الأحاديث في تحريم بيع فضل الماء، أما ما كان في حاجة صاحب الأرض الذي نبع الماء في أرضه؛ فإنه لا يزاحمه أحد فيه فهو أحق به.
إذا قال قائل: ما تقولون في رجل عنده كلأ لا يحتاج إليه ليس عنده مواش تأكله، ولكن قد أحاط أرضه بشبك، فهل لأحد أن يعتدي على هذا الشبك، أو لا يجوز إلا بعد مراجعة ولي الأمر؟ الثاني: لأن هذا الرجل الذي أحاط أرضه صار فيها شيء من الحماية، ولكن لولي الأمر أن يلزمه بإزالة هذا الحاجز من أجل أن يرعى الناس هذا الكلأ أو يحشوه إلا إذا كان عنده ماشية ترعاه أو هو يحشه ويبيعه فهو أحق به كما قلنا.
كذلك بالنسبة للماء تقول: إذا كان عند إنسان غدير وهو: الماء المجتمع من الأمطار، واحتاج الناس أن يدخلوا إليه ليسقوا منه مواشيهم أو ليستسقوا منه لأنفسهم فليس له الحق أن يمنع الناس من ذلك؛ لأن الناس شركاء له فيه، لكن إذا كان يحتاجه هو لزرعه فله أن يمنع غيره منه إلا عند الضرورة، فيجب أن يمكن من اضطر إلى الشرب منه.
في الحديث يقول: "عن رجل من الصحابة"، "رجل" مجهول، نقول: لكن هو من الصحابة، وقد قال علماء الحديث: إن جهالة الصحابي لا تضر، ولكن يورد علينا مورد أن من الصحابة من فعل بعض المعاصي الظاهرة، بل بعض الكبائر، فكيف تقولون: إن جهالة الصحابي لا تضر أفلا يمكن أن يكون ممن فعل هذه الكبيرة؟
الجواب: أن الأصل في الصحابة العدالة، وأن من فعل منهم كبيرة، فهو إما أن يكون له حسنات عظيمة كبيرة تنغمر فيها هذه المعصية مثل حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فإنه قد فعل
стр. 2100
كبيرة من كبائر الذنوب، وهي التجسس لحساب المشركين، ولكن النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب حينما استأذنه أن يقتله، قال له: «وما يدريك أن الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فكانت هذه الحسنة العظيمة ماحية لهذه السيئة الكبيرة، والسيئة الكبيرة منغمرة في هذه الحسنة الكبيرة، أيضًا قد يكون منهم من تاب ومن تاب تاب الله عليه، قد يكون منهم من طهر بإقامة الحد عليه أو العقوبة، ومعلوم أن الحدود كفارة للذنوب، قد يكون بعضهم استغفر له الرسول ﷺ لما يسأل بعضهم الرسول يقول: يا رسول الله! استغفر لي، فالمهم أن الأصل فيهم العدالة، وما يروى عن بعضهم من الوقوع في المعصية فإن هذه المعصية لها أسباب كثيرة تنغمر فيها هذه المعصية، ولهذا لا شك أنهم عدول في الأصل، والأصل قبول خبرهم، ولو كانوا مجهولين.
فإن قال قائل: أليس أبو موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب ثلاثًا، ولما لم يأذن له انصرف، ثم لما عابته عمر على ذلك أخبره بأن النبي ﷺ أذن لمن يستأذن ثلاثًا أن ينصرف، فقال له: هات من يشهد معك، فكيف تقولون: إن الأصل قبول خبر الصحابي وأن جهالته لا تضر؟
فالجواب: أن نقول: إن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يتثبت لأنه قد يفهم الشيء على خلاف ما أراده النبي ﷺ ، وليس هذا ردًا لخبر أبي موسى، ثانيًا: أن عمر بن الخطاب أدرك زمن التابعين، فخاف أن يقوم أحد من التابعين بفعل شيء يلام عليه ثم يدعي أن الرسول ﷺ أذن له في ذلك، فأراد ﵁ سد الباب، ولا أظن أن عمر يشك في صدق أبي موسى، وأن أبا موسى أراد أن يحابي نفسه، فيروي عن الرسول ﷺ ما لم يقله، هذا شيء مستحيل.
على كل حال نعود إلى الأصل، وهو أن الأصل في الصحابة العدالة، ولهذا قال أهل الحديث: إن جهالة الصحابي لا تضر.
****
١٧ - باب الوقف
"الوقف": مصدر وقف يقف وقفًا ووقوفًا، وأصل الوقف قطع المشي والسير، ولكنه هنا تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، يعني: أن يحبس الإنسان أصل المال، ويسبل منفعته يطلقه، مثاله: أن يوقف هذا البيت على الفقراء فأصل البيت محفوظ لا يمكن أن يتصرف فيه ببيع ولا هبة ولا ميراث ولا غيره، ومنفعته للفقراء مطلقًا كل من كان فقيرًا استحق من هذا الوقف، ولهذا
стр. 2101
نقول: الوقف: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ولم يكن هذا التصرف في المال معروفًا في الجاهلية، وأول وقف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب الآتي في الحديث الذي بعد الحديث الأول، والوقف في الأصل يقصد به البر والتقرب إلى الله ، لأن الإنسان يوقفه ليبقى العمل له بعد موته، فيكتسب بذلك أجرًا وصوابًا بع الموت وبناء على هذا؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يوقف وقفًا محرمًا، مثل: أن يوقف على بعض أولاده على الآخرين، والتفضيل حرام، والوقف إنما يقص به التقرب إلى الله ، ولا يمكن أن تقرب الإنسان إلى الله بمعصية الله. فبدأ المؤلف بحديث أبي هريرة:
٨٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». رواه مسلم.
"إذا مات ابن آدم انقطع" هذه جملة شرطية يتوقف فيها الجواب على الشرط، فإذا مات الإنسان، انقطع عمله، وانتقل إلى دار الجزاء؛ لأنه دار العمل هي الدنيا فقط، وبعد الموت لا عمل وليس فيه إلا الجزاء.
"إلا من ثلاث" فإنه لا ينقطع عمله قال: "صدقة جارية": الصدقة الجارية كل نفقة تكون بعد الموت في سبيل الله، أي: فيما يقربه إلى الله، ولا يختص ذلك بالفقراء والمساكين، بل لو وقف شيئًا على المار في هذا الطريق وقف شيئًا للشرب يشرب منه الأغنياء والفقراء، بنى مسجدًا يصلي فيه الأغنياء والفقراء، فكل هذا داخل في الصدقة الجارية، ومعنى جارية: أي مستمرة بخلاف الصدقة المقطوعة فهي أن يتصدق الإنسان بدراهم على شخص وينتهي، الصدقة الجارية أن يستمر هذا الإنفاق مثل أن يوقف بيتًا على طلبة العلم، هذا البيت سوف يبقى الانتفاع به ما دام البيت باقيًا، فإذن الصدقة فيه جارية مستمرة كذلك لو أوقف سيارة للحجاج والعمار فالانتفاع بهذه السيارة باقٍ مستمر، فيكون من الصدقة الجارية، أوقف عين ماءٍ لمن يشرب من المسلمين هذه أيضًا صدقة جارية.
الخلاصة الآن: أن الصدقة الجارية كل ما ينفق تقربًا إلى الله سواء كان على الفقراء أو على جهات أخرى والصدقة الجارية قد تكون خاصة، وقد تكون عامة، فالخاصة مثل: أن يقول: هذا البيت وقف على الفقراء من ذريتي هذا خاص للفقراء من الذرية، والعام مثل: أن يقول: هذا البيت وقف على الفقراء من المسلمين، فيشمل كل من افتقر من المسلمين، ومن العام أن
стр. 2102
يبني مسجدًا يصلي فيه المسلمون، فإن هذا المسجد سوف يعم من المسلمين الأمم الكثيرة التي قد لا تكون على فكر الذي أوقفه.
"أو علم ينتفع به" يعني: إذا مات الإنسان وانتفع الناس بعلمه بعد موته؛ فإنه يجري له أجره سواء كان ذلك مما ينتفع به في الدنيا، أو مما ينتفع به في الآخرة؛ لأن الذي ينتفع به في الدنيا في أجر، لكن الذي ينتفع به في الآخرة أكثر أجرًا، فإذا خلف الإنسان علومًا شرعية، وانتفع الناس بها عبد موته فهذا علم لا ينقطع، إذا خلف علومًا دنيوية ينتفع الناس به كعلم الخياطة، وعلم البناء، وما أشبه ذلك، فإنه أيضًا له أجره، كما لو زرع الإنسان زرعًا أو غرس غرسًا وانتفع الناس به أكلوا من ثمره فإنه يؤجر عليه، كذلك إذا انتفعوا بعلمه الدنيوي الذي ينفع الناس؛ فإنه يؤجر عليه، لكنه ليس كالأجر على العلم الشرعي الذي ينتفع الناس به في دينهم، أما إذا كان علمًا آخر يضر الناس؛ فإنه لا أجر له فيه، كما لو علم الناس علومًا من الألعاب المحرمة، أو المعازف المحرمة؛ فإن ذلك يكون وزرًا عليه ما دام الناس يأخذون به.
قال: "أو ولد صالح يدعو له": قوله: "ولد صالح" هل هو شرط أو هو لبيان الواقع؟ قال بعض العلماء: إنه شرط؛ لأن غير الصالح لا تستجاب له دعوى، فلا ينتفع به والده، وقيل: إنه لبيان الواقع؛ لأن الغالب أنه لا يدعو للأب إلا الصالح سواء استجيب أو ما استجيب، وغير الصالح ربما يستجاب له، وهذا هو الأقرب أن هذا القيد لبيان الواقع؛ لأن غير الصالح ينسى والده، لكن الصالح هو الذي يذكر والده فيدعو له.
وقوله: "أو ولد" يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الجنسين جميعًا كما قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]. قال: أولادكم، ثم فصل فقال: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، إذن فالولد اسم يشمل الذكور والإناث.
وقوله: "يدعو له" أي: يسأل الله له المغفرة، والرحمة، والجنة، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا من العمل؛ لأنه إذا دعا له بالمغفرة واستجاب الله دعاءه انتفع الولد بغفران الذنوب، وهذا من العمل، والشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ : "صدقة جارية"؛ لأن الوقف صدقة جارية، فيكون الواقف منتفعًا بوقفه بعد موته.
وفي هذا الحديث فوائد:
أولاً: الحث على العمل الصالح والمبادرة به؛ لقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله"، والإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ فإذا كان لا يدري متى يفجؤه الموت، وقد علم أنه إذا مات انقطع عمله أوجب له ذلك كثرة العمل الصالح، والمبادرة به، وعدم الكسل والتهاون.
ومن فوائد الحديث: فضيلة الصدقة الجارية لقوله: "إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية".
стр. 2103
ومن فوائده أيضًا: فضيلة العلم، وأن الإنسان إذا خلف علمًا، وانتفع الناس به بعد موته فهو عمل له يكسب به أجرًا، الغالب أن انتفاع الناس بالعلم أكثر من انتفاعهم بالمال، والدليل على ذلك أنك ترى أهل العلم الذين انتفع الناس بعلمهم سواء انتفعوا بروايتهم أو بتفقههم تجد انتفاع الناس بهم منذ سنوات عديدة، والصدقات الجارية تندثر وتزول، انظر مثلاً: صدقة عمر ﵁ التي تصدق بها في خيبر أين هي؟ تلفت، انظر إلى علم أبي هريرة تجده باقيًا، وكذلك علم عمر فيما رواه عن النبي ﷺ ، وفيما رواه تفقهًا، إنما العلم أعظم نفعًا، وأكثر وأعم من الصدقة الجارية.
ومن فوائد الحديث: إثبات مشروعية الوقف، وأن الوقف ليس من الأمور البدعية، بل هو من الأمور المشروعة؛ لأنه داخل في قوله: "صدقة جارية".
ومن فوائد الحديث: الحث على نشر العلم، وأنه ينبغي لطالب العلم أن ينتهز الفرص، وألا يدع فرصة تذهب إلا وهو ناشر لعلمه؛ لأنه كلما انتشر العلم كثر الانتفاع بالعلم، وكلما كثر الانتفاع، كثر الأجر والثواب، فينبغي لك أن تنشر العلم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أن يكون العلم كثيرًا وافرًا؛ لأن كلمة علم نكرة، والنكرة تدل على الإطلاق، فهو علم بلا قيد، أي علم ينتفع به؛ فإنه ينفعك بعد موتك حتى لو علمت الناس بسنة من السنن الرواتب، أو بسنة مما يفعل أو يقال في الصلاة، وانتفع الناس بها بعد موتك، كان لك أجرها جاريًا كما قلت، وجه الدلالة من الحديث: أنه مطلق "علم ينتفع به" لم يقل: "علم كثير"، فكل علم ينتفع به ولو قل؛ فإنه يكتب للإنسان بعد موته، هل نقول: لو أن الإنسان أوقف شيئًا على طباعة كتب العلم هل يدخل في الصدقة الجارية أو في العلم الذي ينتفع به؟ في الاثنين؛ لأنه صدقة جارية وعلم ينتفع به؛ لأن الإعانة على العلم لها أجر العلم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعتني بتربية أولاده على الصلاح؛ لقوله: "أو ولد صالح" ومعلوم أن التربية لها أثر كبير في إصلاح الأولاد، وأنت إذا اتقيت الله تعالى فيهم في التوجيه والأدب اتقوا الله فيك، وإذا أهملت حق الله فيهم فيوشك أن يهملوا حق الله فيك جزاءً وفاقًا، إذن نأخذ من كلمة "ولد صالح" أنه ينبغي - إن لم نقل يجب - أن يعتني بتربية أولاده على الصلاح.
ومن فوائد الحديث: أن الدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه، يعني: أن تدعو له أفضل من أن تصلي له ركعتين، أو أن تتصدق عنه بدرهمين، أو أن تضحي عنه، أو أن تحج عنه، أو أن تعتمر عنه، فالدعاء أفضل، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ قال - وهو يتحدث عن العمل -: "أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل: أو ولد صالح يصلي له أو يتصدق عنه أو يصوم عنه أو ما
стр. 2104
أشبه ذلك، ولهذا لم يكن من عهد السلف أن يكثروا التصدق أو العمل للأموات، وإنما حدث هذا في الأزمنة المتأخرة.
فلو سألنا سائل: ما تقولون: أيهما أفضل أن أصوم يومًا لأبي الميت، أو أدعو له؟ قلنا الأفضل أن تدعو له، وصمم لنفسك، وادعوا الله له، ولاسيما عند الفطر، لو سألنا: هل الأفضل أن أعتمر لأبي أو أدعو له؟
قلنا: اعتمر لنفسك وادع الله له في الطواف في السعي، وهذا هو الأحسن، وأنت أيضًا سوف تحتاج للعمل سيمر بك الذي مر على أبيك، فلا توزع عملك على فلان وفلان، واجعل العمل لك وهؤلاء ادع الله لهم.
ومن فوائد الحديث: أن الأولاد غير الصالحين لا يؤمل فيه الخير؛ لأن النبي ﷺ قيد ذلك بالولد الصالح؛ فالولد غير الصالح لا يؤمل في الخير، وهذا هو الغالب أن الولد غير الصالح يكون نكدًا على أبيه وعلى أهله، ولكن مع ذلك ينبغي للإنسان إذا وهب الله له ولدًا غير صالح أن يحرص على إصلاحه، وأن يلح على الله بالدعاء في أن يصلحه، وألا ييأس من روح الله، فكثيرًا ما يصلح الولد بعد أن كان فاسدًا، لا يقول: والله عجزت، وهذا لا ينصلح حاله، هذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري كم أناس صلحوا بعد أن كانوا فساقًا!
٨٨٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: «أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخير لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه. فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر ﵁: أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا غير متمولٍ مالاً». متفق عليه، واللفظ لمسلمٍ. وفي روايةٍ للبخاري: «تصدق بأصلها، لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره».
"خيبر": هي حصون ومزارع لليهود تبعد عن المدينة نحو مائة ميل في الشمال الغربي افتتحها النبي ﷺ قسم منها ما قسم على الصحابة، وأصاب عمر أرضًا من خيبر فلما أصابها أتى النبي ﷺ يستأمره فيها، يعني: يأخذ أمره ومشورته فيهان فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب .. الخ، أصبت: يعني: حصلت على أرض، وقوله: "لم أصب مالاً" المال: اسم لكل ما يتمول من أعيان ومنافع وحقوق، أعيان مثل الدور والأراضي، والمنافع كمنافع
стр. 2105
الأشياء التي استأجرها فإن الإنسان إذا استأجر بيتًا أو استأجر سيارة يملك منافعها أو حقوقًا كحق الشفعة مثلاً، فالمال شامل لهذا كله، وقوله: "قط" هذه ظرف لما مضى وهو مبني على الضم في محل نصب، وتأتي غالبًا بعد النفي، فيقال: ما ملكته قط، وهنا قال: "لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه" أنفس بمعنى: أغلى وأحب، والمال النفيس هو: المال الذي كون محبوبًا عند الناس وغالبًا في نفوسهم، فقال النبي ﷺ مشيرًا عليه: «إن شئت حبست أصلها»، ولم يقل: أحبس أصلها، لئلا يظن عمر ﵁ أن هذا على سبيل الوجوب، بل قال له: «إن شئت حبست أصلها» يعني: وقفته «لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدقت بها» أي: بثمرها، كما جاء رواية أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يكون المراد تصدقت بالأصل؛ لأن قوله: "حبست أصلها" لا يتطابق مع قوله: "تصدقت"؛ لأن التصدق ينافي الحبس أو التحبيس، ولهذا نقول! تصدقت بها أي: بثمرها كما جاء مفسرًا في رواية أخرى، قال: فتصدق بها عمر، أي بالثمر، قال: أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب؛ لأن هذا هو معنى الحبس، لا يباع الأصل، ولا يوهب، ولا يورث، والفرق بين البيع والهبة: ظاهر البيع عقد معاوضة، يعني: أنك تعطي الشيء وتأخذ بدله، مثل أن أقول: بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف، هذا عقد معاوضة، أما الهبة فهي عقد تبرع، بمعنى: أن تبذل المال ولا تأخذ عوضًا عنه، قال: "ولا يورث"، يعني: الأصل لا يورث والإرث: انتقال التركة من الميت إلى من يرثه، وعلى هذا فلا تدخل هذه الأرض في ملك عمر الذي يرثه من بعده ورثته.
"فتصدق بها في الفقراء": هذا بيان لمصارف الوقف الذي وقفه عمر، ويدخل في هذا المساكين، وهم الذين لا يجدون الكفاية، وكذلك يدخل فيه المغارمون، وهم الذين لا يجدون ما يوفون به ديونهم.
والثاني: "ذي القربى": أختلف شراح الحديث في المراد بها، فقيل المراد: قربى رسول الله ﷺ ، وقيل المراد: قربى عمر، وهذا هو الصحيح.
"وفي الرقاب"، يعني: العبيد يشترون من مغلة هذا الوقف ويعتقون أو عبيد مكاتبون، والعبد المكاتب هو: الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجلٍ، فهنا نعطيهم من حق الرقاب ما يوفون به كتابتهم. إذن الرقاب يشمل العبيد والمكاتبين، العبيد بمعنى: أن نشتري عبيدًا فنعتهم، والمكاتبين هم: الذين اشتروا أنفسهم من سادتهم، فنعطيهم معونة تفي بدين الكتاب، ويدخل في ذلك فك الأسرى المسلمين من الكفار، يعني: لو أن الكفار أسروا أحدًا من المسلمين، وأعطيناه من هذا المال الذي تصدق به عمر لكان هذا صحيحًا كما نعطيهم من الزكاة.
следующие страницы →