← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

نقول: الوقف: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ولم يكن هذا التصرف في المال معروفًا في الجاهلية، وأول وقف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب الآتي في الحديث الذي بعد الحديث الأول، والوقف في الأصل يقصد به البر والتقرب إلى الله ، لأن الإنسان يوقفه ليبقى العمل له بعد موته، فيكتسب بذلك أجرًا وصوابًا بع الموت وبناء على هذا؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يوقف وقفًا محرمًا، مثل: أن يوقف على بعض أولاده على الآخرين، والتفضيل حرام، والوقف إنما يقص به التقرب إلى الله ، ولا يمكن أن تقرب الإنسان إلى الله بمعصية الله. فبدأ المؤلف بحديث أبي هريرة: ٨٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». رواه مسلم. "إذا مات ابن آدم انقطع" هذه جملة شرطية يتوقف فيها الجواب على الشرط، فإذا مات الإنسان، انقطع عمله، وانتقل إلى دار الجزاء؛ لأنه دار العمل هي الدنيا فقط، وبعد الموت لا عمل وليس فيه إلا الجزاء. "إلا من ثلاث" فإنه لا ينقطع عمله قال: "صدقة جارية": الصدقة الجارية كل نفقة تكون بعد الموت في سبيل الله، أي: فيما يقربه إلى الله، ولا يختص ذلك بالفقراء والمساكين، بل لو وقف شيئًا على المار في هذا الطريق وقف شيئًا للشرب يشرب منه الأغنياء والفقراء، بنى مسجدًا يصلي فيه الأغنياء والفقراء، فكل هذا داخل في الصدقة الجارية، ومعنى جارية: أي مستمرة بخلاف الصدقة المقطوعة فهي أن يتصدق الإنسان بدراهم على شخص وينتهي، الصدقة الجارية أن يستمر هذا الإنفاق مثل أن يوقف بيتًا على طلبة العلم، هذا البيت سوف يبقى الانتفاع به ما دام البيت باقيًا، فإذن الصدقة فيه جارية مستمرة كذلك لو أوقف سيارة للحجاج والعمار فالانتفاع بهذه السيارة باقٍ مستمر، فيكون من الصدقة الجارية، أوقف عين ماءٍ لمن يشرب من المسلمين هذه أيضًا صدقة جارية. الخلاصة الآن: أن الصدقة الجارية كل ما ينفق تقربًا إلى الله سواء كان على الفقراء أو على جهات أخرى والصدقة الجارية قد تكون خاصة، وقد تكون عامة، فالخاصة مثل: أن يقول: هذا البيت وقف على الفقراء من ذريتي هذا خاص للفقراء من الذرية، والعام مثل: أن يقول: هذا البيت وقف على الفقراء من المسلمين، فيشمل كل من افتقر من المسلمين، ومن العام أن

стр. 2102

يبني مسجدًا يصلي فيه المسلمون، فإن هذا المسجد سوف يعم من المسلمين الأمم الكثيرة التي قد لا تكون على فكر الذي أوقفه. "أو علم ينتفع به" يعني: إذا مات الإنسان وانتفع الناس بعلمه بعد موته؛ فإنه يجري له أجره سواء كان ذلك مما ينتفع به في الدنيا، أو مما ينتفع به في الآخرة؛ لأن الذي ينتفع به في الدنيا في أجر، لكن الذي ينتفع به في الآخرة أكثر أجرًا، فإذا خلف الإنسان علومًا شرعية، وانتفع الناس بها عبد موته فهذا علم لا ينقطع، إذا خلف علومًا دنيوية ينتفع الناس به كعلم الخياطة، وعلم البناء، وما أشبه ذلك، فإنه أيضًا له أجره، كما لو زرع الإنسان زرعًا أو غرس غرسًا وانتفع الناس به أكلوا من ثمره فإنه يؤجر عليه، كذلك إذا انتفعوا بعلمه الدنيوي الذي ينفع الناس؛ فإنه يؤجر عليه، لكنه ليس كالأجر على العلم الشرعي الذي ينتفع الناس به في دينهم، أما إذا كان علمًا آخر يضر الناس؛ فإنه لا أجر له فيه، كما لو علم الناس علومًا من الألعاب المحرمة، أو المعازف المحرمة؛ فإن ذلك يكون وزرًا عليه ما دام الناس يأخذون به. قال: "أو ولد صالح يدعو له": قوله: "ولد صالح" هل هو شرط أو هو لبيان الواقع؟ قال بعض العلماء: إنه شرط؛ لأن غير الصالح لا تستجاب له دعوى، فلا ينتفع به والده، وقيل: إنه لبيان الواقع؛ لأن الغالب أنه لا يدعو للأب إلا الصالح سواء استجيب أو ما استجيب، وغير الصالح ربما يستجاب له، وهذا هو الأقرب أن هذا القيد لبيان الواقع؛ لأن غير الصالح ينسى والده، لكن الصالح هو الذي يذكر والده فيدعو له. وقوله: "أو ولد" يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الجنسين جميعًا كما قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]. قال: أولادكم، ثم فصل فقال: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، إذن فالولد اسم يشمل الذكور والإناث. وقوله: "يدعو له" أي: يسأل الله له المغفرة، والرحمة، والجنة، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا من العمل؛ لأنه إذا دعا له بالمغفرة واستجاب الله دعاءه انتفع الولد بغفران الذنوب، وهذا من العمل، والشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ : "صدقة جارية"؛ لأن الوقف صدقة جارية، فيكون الواقف منتفعًا بوقفه بعد موته. وفي هذا الحديث فوائد: أولاً: الحث على العمل الصالح والمبادرة به؛ لقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله"، والإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ فإذا كان لا يدري متى يفجؤه الموت، وقد علم أنه إذا مات انقطع عمله أوجب له ذلك كثرة العمل الصالح، والمبادرة به، وعدم الكسل والتهاون. ومن فوائد الحديث: فضيلة الصدقة الجارية لقوله: "إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية".

стр. 2103

ومن فوائده أيضًا: فضيلة العلم، وأن الإنسان إذا خلف علمًا، وانتفع الناس به بعد موته فهو عمل له يكسب به أجرًا، الغالب أن انتفاع الناس بالعلم أكثر من انتفاعهم بالمال، والدليل على ذلك أنك ترى أهل العلم الذين انتفع الناس بعلمهم سواء انتفعوا بروايتهم أو بتفقههم تجد انتفاع الناس بهم منذ سنوات عديدة، والصدقات الجارية تندثر وتزول، انظر مثلاً: صدقة عمر ﵁ التي تصدق بها في خيبر أين هي؟ تلفت، انظر إلى علم أبي هريرة تجده باقيًا، وكذلك علم عمر فيما رواه عن النبي ﷺ ، وفيما رواه تفقهًا، إنما العلم أعظم نفعًا، وأكثر وأعم من الصدقة الجارية. ومن فوائد الحديث: إثبات مشروعية الوقف، وأن الوقف ليس من الأمور البدعية، بل هو من الأمور المشروعة؛ لأنه داخل في قوله: "صدقة جارية". ومن فوائد الحديث: الحث على نشر العلم، وأنه ينبغي لطالب العلم أن ينتهز الفرص، وألا يدع فرصة تذهب إلا وهو ناشر لعلمه؛ لأنه كلما انتشر العلم كثر الانتفاع بالعلم، وكلما كثر الانتفاع، كثر الأجر والثواب، فينبغي لك أن تنشر العلم. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أن يكون العلم كثيرًا وافرًا؛ لأن كلمة علم نكرة، والنكرة تدل على الإطلاق، فهو علم بلا قيد، أي علم ينتفع به؛ فإنه ينفعك بعد موتك حتى لو علمت الناس بسنة من السنن الرواتب، أو بسنة مما يفعل أو يقال في الصلاة، وانتفع الناس بها بعد موتك، كان لك أجرها جاريًا كما قلت، وجه الدلالة من الحديث: أنه مطلق "علم ينتفع به" لم يقل: "علم كثير"، فكل علم ينتفع به ولو قل؛ فإنه يكتب للإنسان بعد موته، هل نقول: لو أن الإنسان أوقف شيئًا على طباعة كتب العلم هل يدخل في الصدقة الجارية أو في العلم الذي ينتفع به؟ في الاثنين؛ لأنه صدقة جارية وعلم ينتفع به؛ لأن الإعانة على العلم لها أجر العلم. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعتني بتربية أولاده على الصلاح؛ لقوله: "أو ولد صالح" ومعلوم أن التربية لها أثر كبير في إصلاح الأولاد، وأنت إذا اتقيت الله تعالى فيهم في التوجيه والأدب اتقوا الله فيك، وإذا أهملت حق الله فيهم فيوشك أن يهملوا حق الله فيك جزاءً وفاقًا، إذن نأخذ من كلمة "ولد صالح" أنه ينبغي - إن لم نقل يجب - أن يعتني بتربية أولاده على الصلاح. ومن فوائد الحديث: أن الدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه، يعني: أن تدعو له أفضل من أن تصلي له ركعتين، أو أن تتصدق عنه بدرهمين، أو أن تضحي عنه، أو أن تحج عنه، أو أن تعتمر عنه، فالدعاء أفضل، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ قال - وهو يتحدث عن العمل -: "أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل: أو ولد صالح يصلي له أو يتصدق عنه أو يصوم عنه أو ما

стр. 2104

أشبه ذلك، ولهذا لم يكن من عهد السلف أن يكثروا التصدق أو العمل للأموات، وإنما حدث هذا في الأزمنة المتأخرة. فلو سألنا سائل: ما تقولون: أيهما أفضل أن أصوم يومًا لأبي الميت، أو أدعو له؟ قلنا الأفضل أن تدعو له، وصمم لنفسك، وادعوا الله له، ولاسيما عند الفطر، لو سألنا: هل الأفضل أن أعتمر لأبي أو أدعو له؟ قلنا: اعتمر لنفسك وادع الله له في الطواف في السعي، وهذا هو الأحسن، وأنت أيضًا سوف تحتاج للعمل سيمر بك الذي مر على أبيك، فلا توزع عملك على فلان وفلان، واجعل العمل لك وهؤلاء ادع الله لهم. ومن فوائد الحديث: أن الأولاد غير الصالحين لا يؤمل فيه الخير؛ لأن النبي ﷺ قيد ذلك بالولد الصالح؛ فالولد غير الصالح لا يؤمل في الخير، وهذا هو الغالب أن الولد غير الصالح يكون نكدًا على أبيه وعلى أهله، ولكن مع ذلك ينبغي للإنسان إذا وهب الله له ولدًا غير صالح أن يحرص على إصلاحه، وأن يلح على الله بالدعاء في أن يصلحه، وألا ييأس من روح الله، فكثيرًا ما يصلح الولد بعد أن كان فاسدًا، لا يقول: والله عجزت، وهذا لا ينصلح حاله، هذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري كم أناس صلحوا بعد أن كانوا فساقًا! ٨٨٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: «أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخير لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه. فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر ﵁: أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقًا غير متمولٍ مالاً». متفق عليه، واللفظ لمسلمٍ. وفي روايةٍ للبخاري: «تصدق بأصلها، لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره». "خيبر": هي حصون ومزارع لليهود تبعد عن المدينة نحو مائة ميل في الشمال الغربي افتتحها النبي ﷺ قسم منها ما قسم على الصحابة، وأصاب عمر أرضًا من خيبر فلما أصابها أتى النبي ﷺ يستأمره فيها، يعني: يأخذ أمره ومشورته فيهان فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب .. الخ، أصبت: يعني: حصلت على أرض، وقوله: "لم أصب مالاً" المال: اسم لكل ما يتمول من أعيان ومنافع وحقوق، أعيان مثل الدور والأراضي، والمنافع كمنافع

стр. 2105

الأشياء التي استأجرها فإن الإنسان إذا استأجر بيتًا أو استأجر سيارة يملك منافعها أو حقوقًا كحق الشفعة مثلاً، فالمال شامل لهذا كله، وقوله: "قط" هذه ظرف لما مضى وهو مبني على الضم في محل نصب، وتأتي غالبًا بعد النفي، فيقال: ما ملكته قط، وهنا قال: "لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه" أنفس بمعنى: أغلى وأحب، والمال النفيس هو: المال الذي كون محبوبًا عند الناس وغالبًا في نفوسهم، فقال النبي ﷺ مشيرًا عليه: «إن شئت حبست أصلها»، ولم يقل: أحبس أصلها، لئلا يظن عمر ﵁ أن هذا على سبيل الوجوب، بل قال له: «إن شئت حبست أصلها» يعني: وقفته «لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدقت بها» أي: بثمرها، كما جاء رواية أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يكون المراد تصدقت بالأصل؛ لأن قوله: "حبست أصلها" لا يتطابق مع قوله: "تصدقت"؛ لأن التصدق ينافي الحبس أو التحبيس، ولهذا نقول! تصدقت بها أي: بثمرها كما جاء مفسرًا في رواية أخرى، قال: فتصدق بها عمر، أي بالثمر، قال: أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب؛ لأن هذا هو معنى الحبس، لا يباع الأصل، ولا يوهب، ولا يورث، والفرق بين البيع والهبة: ظاهر البيع عقد معاوضة، يعني: أنك تعطي الشيء وتأخذ بدله، مثل أن أقول: بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف، هذا عقد معاوضة، أما الهبة فهي عقد تبرع، بمعنى: أن تبذل المال ولا تأخذ عوضًا عنه، قال: "ولا يورث"، يعني: الأصل لا يورث والإرث: انتقال التركة من الميت إلى من يرثه، وعلى هذا فلا تدخل هذه الأرض في ملك عمر الذي يرثه من بعده ورثته. "فتصدق بها في الفقراء": هذا بيان لمصارف الوقف الذي وقفه عمر، ويدخل في هذا المساكين، وهم الذين لا يجدون الكفاية، وكذلك يدخل فيه المغارمون، وهم الذين لا يجدون ما يوفون به ديونهم. والثاني: "ذي القربى": أختلف شراح الحديث في المراد بها، فقيل المراد: قربى رسول الله ﷺ ، وقيل المراد: قربى عمر، وهذا هو الصحيح. "وفي الرقاب"، يعني: العبيد يشترون من مغلة هذا الوقف ويعتقون أو عبيد مكاتبون، والعبد المكاتب هو: الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجلٍ، فهنا نعطيهم من حق الرقاب ما يوفون به كتابتهم. إذن الرقاب يشمل العبيد والمكاتبين، العبيد بمعنى: أن نشتري عبيدًا فنعتهم، والمكاتبين هم: الذين اشتروا أنفسهم من سادتهم، فنعطيهم معونة تفي بدين الكتاب، ويدخل في ذلك فك الأسرى المسلمين من الكفار، يعني: لو أن الكفار أسروا أحدًا من المسلمين، وأعطيناه من هذا المال الذي تصدق به عمر لكان هذا صحيحًا كما نعطيهم من الزكاة.

стр. 2106

الرابع قال: "وفي سبيل الله": المراد الجهاد في سبيل الله، سواء أعطى المجاهدين أو صرف في السلاح والمركوب. الخامس قال: "وابن السبيل": هو المسافر الذي انقطع به السفر، ولو كان غنيًا في بلده، مثال ذلك رجل من أهل المنطقة الشرقية سافر إلى الحج ونفدت نفقته، وهو غني في بلده، واحتاج إلى نفقة توصله إلى المنطقة الشرقية، فهذا من أبناء السبيل، نعطيه حتى من الزكاة؛ لأنه الآن محتاج فيعطى. السادس: "الضيف"، يعني: الذي ينزل ضيفًا على عمر أو على آل عمر، فإنه يستحق من هذا الوقف، فصارت المصارف الآن التي وجه عمر وقفه إليها ستة اختارها ﵁، ولم يجعل الوقف على أولاده أو ذريته فيحصره فيهم، ويكون كأنه لم يخرجه عن الورثة، بل جعله عامًا في كل ما يقرب إلى الله. ثم قال: «لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف»: لا جناح يعني: لا إثم ولا حرج، "على من وليها": أي ولي الأرض التي تصدق بها وحبس أصلها، وقوله: "على من وليها": هنا لم يبين في هذه الرواية من الذي جعله عمر واليًا عليها، لكنه بين في رواية أخرى بأنه جعل الولي عليها ابنته حفصة وذوي الرأي من أهله، يقول: أن يأكل منها بالمعروف، يأكل من الثمرة، أما الأرض فهي واقفة لا يمكن أن تباع، وقوله: "بالمعروف": أي بما جرى به العرف، ولكن هل المراد بما جرى به العرف من نفقة أو بما جرى به العرف من أجرة؟ اختلف في ذلك شراح الحديث، فقيل: المراد بما جرى به العرف من أجرة، وقيل: المراد بما جرى به العرف من نفقة، والقولان يختلفان، فإذا قلنا: بما جرى به العرف من النفقة فإنه يأكل مقدار نفقته، ولو زادت على أجرته، لو فرضنا أنه لو استأجر ناظرًا على هذا الوقف بمائة درهم في الشهر، ولكن النفقة لا يكفيه إلا مئتان صارت النفقة أكثر، فإذا قلنا: المراد بالمعروف أي بالأجرة المعروفة، قلنا: لا تأخذ أكثر من مائة درهم، وإذا قلنا: إن المراد بالمعروف يعني: النفقة بالمعروف قلنا لك: أن تأخذ مائتي درهم، بالعكس لو كانت الأجرة مائتي والنفقة مائة انعكست الأحكام، فنقول: إذا قلنا بأن المراد بالمعروف الأجرة فله أن يأخذ مائتين، وإذا قلنا: الإنفاق، فلا يأخذ إلا مائة، والأقرب أننا نقول: إن كان فقيرًا فيأخذ المعروف من النفقة، وإن غنيًا فإنه يأخذ المعروف من الأجرة؛ لأنه ليس له حاجة في الزائدة، وهذا عمل معروف كل شهر بمائة، فلا يأخذ أكثر من مائة. يقول: "وبطعم صديقًا" يعني: ولا حرج عليه أن يطعم صديقًا أي الولي يعني: إن كان له صديق يخرج معه في آخر كل نهار وفي البستان عنب وتين، وجلس معه هل نقول إنك تأكل أنت أيها الولي وصديقك الذي معك لا يأكل؟ ! عمر يقول: لا بأس أن يطعم صديقًا لكن غير

стр. 2107

متمول مالاً يعني: لا يأكل يقصد التمول من الأصل، بمعنى لا يبيع شيئًا منها من أجل أن يتموله، وكذلك لا يطعم الصديق من أجل التمول، يعني: يقيد عليه بحساب إذا أطعمه كيلو عنب قيده عليه في هذه الحال يكون متمولاً، وهو اشترط ألا يكون متمولاً مالاً. ثم قال: وفي رواية للبخاري: «تصدق بأصلها لا يباع ولا يوهب ولكن ينفق ثمره»، المراد بأصلها: أصل الأرض، ويشمل ما فيها من الأشجار والنخيل، يقول: "لا يباع ولا يوهب"، هذا من كلام الرسول ﷺ ، والبيع هو: المعارضة يعني: يبدل بغيره على سبيل البيع، ولا يوهب، يعني: إعطائه تبرعًا بدون مقابل، ولكن ينفق ثمره، وإذا أنفق الثمر فإن المنفق عليه يتصرف فيه كما شاء لأنه ملكه، فالثمر إذن يملك ويباع ويوهب، ولكن الأصل لا يباع ولا يوهب يبقى ثابتًا محبسًا. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة: أولاً: فيه دليل على أن خيبر ملكها المسلمون، وجه ذلك أن إثبات الوقفية دليل على ثبوت أصل لملك؛ لأنه لا يمكن أن يوقف أحد شيئًا لا يملكه. ومن فوائده: استشارة أهل العلم والفضل فيما يقوم به الإنسان من تصرف؛ لأن عمر استشار النبي ﷺ ، وهذا مقيد فيما إذا خفي على الإنسان كيف يتصرف، وأما إذا كان وجه الصواب معلومًا ووجه المصلحة معلومًا فلا حاجة إلى الاستشارة؛ لأن الاستشارة للخلق كالاستخارة للخالق والاستخارة لا تكون إلا في الأمر الذي ينبهم على المرء ولا يدري ما عاقبته ولا مصلحته؛ ولهذا كان الرسول ﷺ لا يستخير الله في كل شيء، لكن هل تقدم الاستشارة على الاستخارة أو العكس؟ من العلماء من قال: استخر ثم استشر من أجل أن تكون الاستشارة إذا أشير عليك برأي صار هذا دليلاً على أن الله اختار لك هذا الرأي، ومنهم من قال: ابدأ بالاستشارة، والصحيح البدء بالاستخارة أولاً؛ لأنه إذا التبس الأمر عليك وأنت صاحب الشأن فإن غيرك سوف يكون مثلك ولأن النبي ﷺ أمر بالاستخارة إذا هم الإنسان بالأمر وأشكل عليه ولم يأمر بالاستشارة. إذن في الحديث مشروعية استشارة أهل العلم والفضل. ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة عمر بن الخطاب ﵁ حيث إنه لجأ إلى الرسول ﷺ مع أنه من أثقب الناس رأيًا وأصحهم فهمًا حتى قال الرسول ﷺ : «إن بك فيكم محدثون - يعني ملهمون - فعمر» وكان مشهورًا ﵁ في إصابة الصواب ومع ذلك رجع إلى النبي ﷺ .

стр. 2108

ومن فوائد الحديث: اتهام الرأي الإنسان لا يعجب برأيه، بل يتهم رأيه فهذا هو الذي أمر به عمر ﵁ قال: أيها الناس اتهموا الرأي ثم استشهد بذلك بما جرى منه في صلح الحديبية حيث عارض النبي ﷺ في الشروط التي اشترطها على نفسه مع الكفار؛ لأن عمر في صلح الحديبية تأثر من الشروط وناظر الرسول ﷺ وناقشه قال له: ألست كنت تحدثنا أننا نطوف بالبيت؟ قال: بلى ولكن هل قلت: أنك تطوف به هذه السنة؟ قال: لا قال: إنك آتيه ومطوف به وقال له: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: لم نعطي الدنية في ديننا؟ لماذا نقول: من جاء منكم مسلمًا رددناه إليكم ومن جاءكم منًا فلا تردوه علينا؟ وهذا فيه غضاضة في ظاهره فقال الرسول ﷺ : «أما من جاءنا منهم مسلمًا ورددناه فإن الله سيجعل له فرجًا ومخرجًا، وأما من ذهب منا إليهم فهو الذي اختار لنفسه هذا» هذا معنى الكلام في الجملة الأخيرة، ثم قال له: «إني رسول الله وليست عاصيه وهو ناصري»، ثم ذهب عمر إلى أبي بكر وناقشه في ذلك، فكان جواب أبي بكر كجواب النبي ﷺ سواء بسواء، الآن كان عمر عند المناقشة يرى أن رأيه أصوب، ولكن كان ما سلكه النبي ﷺ هو الصواب، فالمهم: أنه ينبغي للإنسان أن يتهم رأيه مهما كان من الذكاء والفطنة فهو ناقص. ففيه: فضيلة عمر في استشارته النبي ﷺ . وفيه أيضًا: منقبة لعمر، حيث اختار أن يخرج أنفس ماله لله لقوله: «لم أصب مالاً هو أنفس عندي منه» وهكذا كانت عادة الصحابة ﵃ إذا رأوا المال الذي يعجبهم تصدقوا به ويتأولون قول الله : ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. وأبو طلحة ﵁ لما نزلت هذه الآية كان له بستان قريب من مسجد النبي ﷺ وكان فيه ماء طيب عذب يأتيه الرسول ﷺ ويشرب منه ولما نزلت هذه الآية وإذا أحب ماله إليه هذا البستان ببرحاء فجاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل قوله: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وإن أحب مالي إلي ببرحاء وإني أخرجه صدقة إلى الله ورسوله قال النبي ﷺ : «بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح» صحيح هذا الربح ليس الربح أن تنمي مالك لوارثك ثم قال: أرى أن تجعلها في الأقربين فأوقفها أبو طلحة في قرابته وبني عمه وهكذا عمر ﵁ هذا المال أنفس ماله عنده ومع ذلك استشار النبي ﷺ أن يضعه. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن تتعلق نفسه بشيء من ماله لأن أنفس يعني:

стр. 2109

أطيب وأغلى، وهو مأخوذ من النفس بأن النفس تتعلق به، فإذا تعلقت نفسك بالمال فهذا من طبيعة الإنسان، ولولا طبيعة الإنسان وتعلق نفسه بالمال ما كان للإنفاق فائدة، لأن إنفاق ما ليس بمحبوب أمر سهل، لكن الحقيقة أن المحك هو أن تنفق شيئًا محبوبًا لك فحب الإنسان للمال أمر طبيعي لا يلام، عليه وإذا أدي ما أوجب الله عليه فيه فقد سلم منه. ومن فوائد الحديث: حسن تعبير الرسول ﷺ لأن قول عمر: مرني ماذا أفعل بها؟ لو أن الرسول ﷺ تابعه على تعبيره وقال: أفعل كذا لكان ذلك على سبيل الوجوب لكنه خرج من ذلك بقوله: «إن شئت حبست أصله» لئلا يلتزم عمر بما لا يلزمه من أمر النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: ثبوت هذا النوع من التصرف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة ويسمى عند العلماء: الوقف لأن هذا تصريف غريب، العادة أن الإنسان يتصرف في الشيء يخرجه من ملكه، لكن هذا لم يخرج من الملك على سبيل الإطلاق، بل خرج خروجًا مقيدًا لأن أصله ثابت، ولكن ثمرته غير ثابتة يستغلها من هي له استغلالاً كاملاً ويملكها ملكًا مطلقً، ومن فوائد هذا الحديث: جواز تحبيس الإنسان ماله وإن لم يملك سواه يعني: يجوز للإنسان أن يوقف جميع أملاكه؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل لم يقل لعمر: هل لك مال غيره؟ فلما لم يستفصل علم أن الحكم عام، ومن القواعد المقررة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقام، ولكن يستثى من ذلك ما إذا كان الإنسان في مرض الموت المخوف، فإنه لا يملك أكثر من الثلث، ودليل ذلك أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما استأذن النبي ﷺ أن يتصدق بثلثي ماله منعه فقال: بالشطر فمنعه، فقال: بالثلث فقال: "الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس" فهذا دليل على أن الإنسان المريض مرض الموت المخوف لا يملك أكثر من الثلث. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن الوقف مبني على البر؛ لقوله: "تصدق" والصدقة بذل المال تقربًا إلى الله وعلى هذا فلو وقف على جهة إثم فإن الوقف يقع باطلاً لو وقف بيته لأصحاب الأغاني والمعازف فالوقف باطل؛ لماذا؟ لأنه ليس على جهة بر بل هو جهة محرمة، لو وقف بيته على الأغنياء لم يصح؛ لأن الأغنياء ليسوا أهلاً للصدقة، لو وقفه على القرابة وفيهم أغنياء صح لأن صلة القرابة بر وعبادة، لو وقف هذا الماء على المارين بالشارع صح، ولو مر في الشارع كفار لا يضر لأنهم يأتون تبعًا؛ ولهذا لو وقف على أهل الذمة فقط ما صح؛ لأن أهل الذمة كفار لكن إذا وقف وقفًا عامً على المار به في الشارع فلا بأس.

стр. 2110

المهم أن نأخذ من هذا الحديث: أن أصل الوقف مبني على البر على أن يكون طاعة الله، فإذا كان على إثم أو على شيء لا إثم فيه ولا بر فإنه لا يصح، إلا إذا كان على معين فإنه يصح فيما هو على بر وفيما ليس على بر ولا إثم، فلو وقف على بيت وهو غني فهذا صحيح؛ لأنه ليس على جهة عامة. من فوائد الحديث: أنه لا يباع الوقف لقوله: "ولا يباع" كما قال الرسول صلى الله عليه، فلا يجوز بيع الوقف ولأننا لو أجزنا بيع الوقف لفات معنى التحبيس، لكن هل تجوز المناقلة به يعني: أنه لو وقف بيتًا هل يجوز أن يناقل فيبدله ببيت آخر؟ لا يجوز لأن المبادلة أو المناقلة بيع، البيع هو: مبادلة مال بمال. فإذن لو بدل هذا الوقف ببيت آخر فإنه لا يجوز، حتى ولو كان هو الواقف فلو أنه أوقف بستانه الشرقي لم بدا له أن ينقل الوقف إلى البستان الغربي فهذا لا يجوز؛ لأنه معاوضة وإن كان هو نفس الذي يعواض لكن ما دام أخرجه لله لا يرجع فيه إلا إذا دعت الضرورة إلى بيعه مثل أن تتعطل منافعه كمسجدٍ بناه لله وانتقل أهل الحي أو أهل البلدة كلهم، انتقلوا فهنا بيعه جائز لماذا؟ للضرورة لأن منافعة تعطلت وكذلك لو وقف بيتًا وانهدم البيت وليس له ما يعمره به ففي هذه الحال يجوز أن يبيعه للضرورة؛ لأن منافعة المقصودة بالوقف تعطلت، واختلف أهل العلم هل تجوز المناقلة به للمصلحة والمنفعة يعني: أن ينقله لما هو أنفع وأصلح؟ فمن أهل العلم من أجاز ذلك، ومنهم من منع ذلك قال: إن حديث عمر يقول: "لا يباع"، وليس فيه استثناء هذا دليل، قالوا: ولأننا لو أجزنا البيع للمصلحة أو المناقلة للمصلحة لحصل في ذلك تلاعب من ناظر الأوقاف، إذ كل واحد يتراءى له أن المصلحة في نقله ينقله فتمنع المناقلة سدًا للباب، كما فعل مالك ﵀ حين استأذنه الرشيد الخليفة العباسي المعروف أن يهدم الكعبة ويردها على قواعد إبراهيم قال له: لا، لا تفعل، لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، كلما جاء إنسان من الملوك قال: أغير فيه. مع أن المصلحة: إن عموم حديث عمر ليس فيه استثناء والتعليل سدًا للباب لئلا يتلاعب ناظر الأوقاف فيها، يكون كل واحد منهم يقول: المصلحة في هذا فيناقل، أما من أجاز المناقلة للمصلحة فاستدلوا بأدلة عامة وأدلة خاصة تصح أن يقاس عليها، أما الأدلة العامة فقالوا: إن الشارع ينظر دائمًا إلى المصلحة فيما كان أصلح فإن الشارع لا يمنع؛ لأن أصل الشريعة كلها مبني على المصالح وعلى تحصيلها، وتقليل المفاسد، فإذا كانت المصلحة متعينة فهو داخل في هذا الإطار العام للشريعة، أما

стр. 2111

الدليل الخاص فهو ثابت في الصحيح في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت المقدس فقال: صل هاهنا فأعاد عليه، فقال: صل ها هنا فأعاد عليه الثالثة فقال له: شأنك إذن»، وهذا لا شك أنه تغيير للنذر، لكنه تحويل له من مفضول إلى أفضل قالوا: فإذا جاز تحويل النذر من المفضول إلى الأفضل فالوقف مثله؛ لأن الوقف التزام من الإنسان بأن يصرف المال إلى هذه الجهة فإذا جاز تحويل النذر إلى ما هو أفضل فكذلك تحويل الوقف، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم وهو الصحيح، لكن يجب أن يقيد هذا بمراجعة القضاء - والمحاكم الشرعية - لئلا يتلاعب ناظر الأوقاف، فلابد من مراجعة المحاكم وإذا أقرت المحكمة هذا فلا حرج. ومن فوائد الحديث: أنه لا تجوز هبة الوقف يعني: بدله تبرعًا بدون عوض لقوله: «ولا يوهب» حتى الواهب لا يجوز أن يهبه للموقوف عليه لأنه لو وهبه للموقوف عليه لملك عينه وجاز له أن يتصرف فيه، ولكنه يعطيه الموقوف عليه على أنه وقف لا على أنه هبة. ومن فوائد الحديث: أن الهبة غير البيع، وجه ذلك: أنها عطفت على البيع، والأصل في العطف المغايرة؛ يعني: المعطوف غير المعطوف عليه، والغرض من هذا أننا إذا قلنا: إن الهبة ليست بيعًا فإنها لا توافق البيع في أحكامه يكون لها أحكام خاصة، فلو وهب الإنسان شيئًا بعد أذان الجمعة الثاني وهو ممن تلزمه الجمعة فالهبة صحيحة، ولو وهب شيئًا في المسجد فالهبة صحيحة ولو وهب شيئًا مجولاً فالهبة صحيحة، فالمهم أننا إذا قلنا: إن الهبة غير البيع صارت مفارقة له في أحكامه وهو كذلك. ومن فوائد الحديث: حسن اختيار عمر ﵁ في تصريف الوقف حيث وقفه على وجهات ينتفع بها المسلمون عمومًا، الفقراء، القربى، الرقاب، سبيل الله، ابن السبيل، الضيف، وإذا قارنا بين وقف عمر وأوقاف الناس اليوم تبين الفرق العظيم؛ أوقاف الناس اليوم يخصونا بالذرية ثم مع تخصيصهم إياها بالذرية يحصل بهذا من النزاع بين الذرية لصلب الواقف وبين ذرية الذرية ما يوجب أن تتقطع الأرحام بينهم وتحصل الشحناء والعداوة كما هو واقع فإنه يحصل بين العم في أوقاف جدهم مثلاً من النزاع والشحناء والعداوة ما يوجب التقاطع بينهم، فربما ينال الموقف من هذه العداوة والبغضاء شيء من الإثم لأنه السبب، وقد حكى لي بعض الناس أن بني عم تخاصموا في وقف لهم فقال أحدهم: لعنة الله على جد جمعنا في هذا الوقف! انظر كيف وصل به الأمر؟ لأنه أحس بشيء عجز أن يتحمله من العداوة والبغضاء والخصومات، لكن وقف عمر بعيد من هذا الذي يوجب النزاع.

стр. 2112

ومن فوائد الحديث: فضيلة الصرف في هذه الجهات، أما الفقراء فظاهر، والقربى كذلك ظاهر؛ لأن الصرف في القربى من باب صلة الرحم وصلة الرحم من أفضل الأعمال حتى إن الله تكفل للرحم أن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، وأما الرقاب فالفضل فيها ظاهر؛ لأن الشرع حث على العتق ورغب ورغب فيه، حتى إن من أعتق عبدًا من العبيد أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار ممن أعتقه، وهذا فضل عظيم، وأما سبيل الله فظاهر، الجهاد في سبيل الله ذروة الإسلام، ويشمل الجاهد بالقتال وبالعلم كل هذا داخل في سبيل الله، وأما ابن السبيل فالصرف فيهم ظاهر أيضًا ما هي الفائدة في الصرف في ابن السبيل؟ لأن ابن السبيل فالصرف فيهم ظاهر أيضًا ما هي الفائدة في الصرف في ابن السبيل؟ لأن ابن السبيل يكون منقطعًا ليس معه شيء يوصله إلى البلدة، انقطع به السفر فهو في ضرورة إلى ما يوصله إلى بلدة، وأما الضيف فالصرف فيه ظاهر؛ لأن الضيف مسافر نزل بك يحتاج إلى عناية؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وكثير من الناس قد يخجل من أنه يبقى في السوق من مر مد يده إليه وقال: أعطني فإذا نزل الضيف على ناظر الوقف الذي أوقفه عمر كفاه المؤونة، والعلماء اختلفوا في وجوب الضيافة في المدة التي فيها مطاعم وفنادق هل تجب أو لا تجب؟ فمن العلماء من قال: لا تجب لأن الضيف غير مضطر، ومنهم من قال: بل تجب وهو ظاهر النصوص أن الضيافة تجب إذا نزل بك الضيف وإن كان يوجب مطاعم أو فنادق، وقوله: «ولا يورث» فالمعنى: أن أصل الموقوف لا يورث أي: لا ينتقل بالإرث. فيستفاد منه: انه لا يجري فيه الميراث؛ لأن الموقوف عليه يتلقى الوقف من الواقف، فإذا وقف شخص بيته على أولاده وكانوا ثلاثة ومات الرجل أو بقي حيًا، فإن أولاده يستحقون هذا البيت أثلاثًا، فإذا مات أحدهم عن أولاده فإن الولدين الباقيين يستحقان البيت أنصافًا فإذا مات أحدهما فإن البيت يستحقه الباقي وحده أما ورثة الأول وورثة الثاني فلا ينتقل إليهم نصيب آبائهم؛ لأن الوقف لا يورث، ولو قلنا: إنه يورث لكان الميت الأول إذا مات يستحق ورثته نصيبه فيشاركون أخويه، وكذلك الثاني لكن الوقف لا يورث، ولو قلنا: إنه يورث لكان الميت الأول إذا مات يستحق ورثته نصيبه فيشاركون أخويه، وكذلك الثاني لكن الوقف لا يورث ينتقل من الواقف رأسًا إلى الموقوف عليه إذن الوقف لا يورث. ومن فوائد الحديث: بعد نظر عمر ﵁ حيث جعل الوقف مشاعًا بين هؤلاء الأصناف الستة وهل هؤلاء الأصناف الستة، يعتبر المصرف جميعهم أو مجموعهم؟ يعني: هل هو المجموع أو الجميع؟ الجميع معناه: أننا نوزع الثمر على جميع الأصناف الستة، والمجوع أن يكون المصرف هؤلاء وإذا اقتصرنا على واحد جاز، فهل المراد أن يصرف للجميع أو للمجموع؟ نقول: لا شك أنه إذا لم يوجد بعضهم فإنه يتوفر الثمر للباقي؛ لأن الاشتراك هنا

стр. 2113

اشتراك تزاحم، فإذا قدر أن الواقف ليس له قريب، أو لم يوجد ضيف فإن نصيب هذا المفقود يكون للموجود بلا إشكال، إذا وجد الجميع فهل يوزع الثمر بينهم أو يكتفي بواحد منهم؟ بناء على أن الصرف يكون في المجموع لا في الجميع هذا ينبني على الخلاف في أصناف الزكاة المذكورين في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠]. فهؤلاء الأصناف الثمانية اختلف أهل العلم هل يجب استيعابهم أو لا؟ فمنهم من قال: يجب استيعابهم، وأن الزكاة تجزأ إلى ثمانية أسهم لكل واحدٍ سهم، ثم منهم أيضًا من قال: إن ما ذكر بصيغة الجمع يجب أن يعطى جمعًا فنعطي من الفقراء ثلاثةً والمساكين ثلاثةً والعاملين عليها ثلاثة والمؤلفة قلوبهم ثلاثةً وفي الرقاب ثلاثةً والغارمين ثلاثةً وفي سبيل الله ثلاثةً أو واحد ممكن، نقول: هذه ليس فيها جمع وابن السبيل واحد، لكن الصحيح أن آية الزكاة تصرف في المجموع أي: أن هؤلاء الثمانية جهة الاستحقاق وأنه لا يجب توزيع الزكاة على الثمانية؛ والدليل على ذلك أن النبي ﷺ حين بعث معاذًا إلى اليمن قال «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». فاقتصر على صنف واحد فهل نقول: إن مثل هذا الذي ذكر عمر ينبني على الزكاة؟ نقول هذا هو الظاهر والفقهاء ﵏ ذكروا في هذه المسألة أنه إذا وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي، وإن كان لا يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي، وإن كان لا يمكن حصرهم جاز التفصيل والاقتصار على واحد منهم، فهنا لا يمكن حصر هؤلاء، فيجوز أن نقتصر على صنف واحد إلا إذا علمنا أن مراد الواقف التوزيع على الجهات فيجب اتباع ما أراده الواقف. ومن فوائد الحديث: ثبوت أصل الولي في الوقف وأنه لابد أن يكون له ولي؛ لقوله: «لا جناح على من وليها» ولأنه لو لم يوجد ولي للوقف لضاع وتلف؛ ولأنه لو لم يوجد للوقف لضاع تنفيذه وصار ملعبة للناس. فإذن فلابد للوقف من ولي يليه ويسمى عند الفقهاء الناظر، ناظر الوقف، وولي الوصية يسمى وصياً، والمأذون له بالتصرف في حال الحياة يسمى وكيلاً، والمأذون له من قبل الشرع يسمى وليًا، فالولي من ولاه الشرع كولي اليتيم، وولي المرأة في النكاح الوصي من أوصى إليه بعد الموت كشخص قال: يفرق ثلثي في سبيل الله والوصي عليه فلان، والناظر من وكل إليه شأن الوقف، والوكيل من أذن له في التصرف في حال الحياة، كرجل قال الشخص: خذ هذا وبعه لي أخذ هذه الدراهم اشتر لي كذا وكذا، المهم أن هذا الحديث فيه الإشارة إلى أنه لابد للوقف من ولي، فمن الذي يليه؟ نقول: يليه من عينه الواقف فإذا عين الواقف شخصًا تعين، وليس لأحد أن يعترض عليه، وقد عين عمر ﵁ على وقفه ابنته حفصة، ثم ذوي الرأي من أهلها، فإن لم يعين ناظرًا فمن الناظر؟ الموقوف عليهم إن

стр. 2114

كانوا محصورين مثل الذرية، إذا قال: وقف على أولادي أو ذريتي فهؤلاء معينون محصورون، فيكونون هم نظار، وعلى هذا فإذا كان الموقوف عليهم عشرة فيكون الناظرون عشرة؛ لأنهم محصورون، وإن كان الوقف على جهة أو على قوم غير محصورين فالناظر القاضي، مثال الذي على الجهة: أن يقول هذا وقف على المساجد، مثال الذي على قوم لا يحصرون هذا الوقف على الفقراء فالناظر هنا القاضي، الآن نبدأ أولاً بما عينه الواقف، فإن لم يعين فالموقوف عليهم إذا كانوا معينين محصورين فإن لم يكن كذلك- بأن كان الوقف على جهة أو على قوم غير محصورين- فالناظر هو القاضي. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للواقف أن يشترط للناظر شرطاً لقوله: «لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف» وهل يجوز أن يشترط في الناظر شرطاً بأن يقول: لا يتولى وقفي هذا إلا طالب علم؟ يجوز، إذا نقول: يجوز للوقف أن يشترط للناظر شرطاً، فإن لم يشترط له شرطاً فماذا نصنع؟ إذا قال الناظر: فلان على الوقف ولم يجعل له أجرة لا أجرة لا أكلاً بمعروف ولا جزءاً مشاعاً من الثمرة ولا شيئاً مقدراً في كل شهر لم يجعل شيئاً فهل للناظر أن يطلب شيئاً على نظره؟ الجواب: نعم، له أن يطلبه، له أن يقول: أنا لا أنظر على هذا الوقف إلا بأجرة إما كل شهر بكذا وإما بشيء مشاع من الثمرة كالربع والخمس والعشر وما أشبه ذلك، وإلا فالأكل، قال: أنا فقير إذا فرغت نفسي للنظر في هذا الوقف فأنا أشترط أن أنفق منه على نفسي وأهلي فلا بأس فإن أبى أهل الوقف وقالوا: لا نعطيك أجرة ولا سهماً مشاعاً ولا أكلاً بمعروف فله أن يرفض النظر، ولكن في هذه الحالة إذا تخلى يجب أن يبلغ القاضي ولا يتركه هكذا؛ لأن مستحقو الوقف ربما يتلاعبون به إذا لم يكن له ناظر، فلا بد أن يبلغ القاضي؛ لأن القاضي له النظر العام على مصالح المسلمين. من فوائد الحديث: جواز الرجوع إلى العرف لقوله: "بالمعروف" وهذا في الأمور الجائزة كالنظر والوكالة وما أشبه ذلك لا شك في جوازه، لكن في الأمور اللازمة كالإجارة التي تكون عقداً ملزماً للطرفين، هل يجوز أن يرجع فيها إلى العرف؟ الصحيح الجواز، إذا استأجر شخصاً وقال: كم أجرتك؟ قال: مثل الناس، فالصواب أن هذا جائز ولا بأس به، وهل يتعدى ذلك إلى المعاوضة بالبيع بمعنى: أن يقول البائع أو المشتري: آخذه كما يبيع الناس هل يجوز؟ الصحيح أنه يجوز؛ لأن العرف مطرد، وأقرب إلى عدم الغبن، فبيع المساومة قد يكون فيه غبن، لكن بيع العرف بلا شك أقل غبنا من المساومة؛ لأن المساومة إذا جئت لصاحب الدكان وقلت: بع علي هذا الكتاب، فقال: الكتاب بكم؟ أنا غريب لا أعرف قيمة هذا الكتاب، فقلت: بعشرة وهو يساوي خمسة بالمكتبات، لكن من أجل أن الكتاب غال عندي ولا أعرف الثمن

стр. 2115

قلت بعشرة، قال: لا زد ... إنه رجل عفريت! فقال: زد، فقلت بخمس عشرة، فقال: زد فقلت: بعشرين فيكون ذلك غبناً وحراماً، لكن إذا قال: كم تدفع في الكتاب؟ فقلت بما يساوي في المكتبات فذهبنا وسألنا في المكتبات ولاسيما العمد فهنا لا شك أنه أقل خطراً في مسألة الغبن؛ ولهذا كان شيخ الإسلام-﵀ يرى أنه يجوز أن يبيع الإنسان بالعرف، أي: أن يبيع كما يبيع الناس، وذكر لهذا أصولاً كثيرة، أليس مهر المثل ثابتاً شرعاً؟ ومهر المثل معناه: الرجوع إلى ما يتعارف الناس في مهر هذه المرأة. على كل حال: نحن نرى أنه يجوز أن توكل أجرة الوقف إلى العرف. من فوائد الحديث: جواز إطعام الصديق، إذا شرطه الواقف فقال: لا جناح على من تولى هذا الوقف أن يطعم صديقه، وهنا يوجد إبهام لأن الأصدقاء قد يكثرون قد يكون هذا الرجل محبوباً عند الناس وكل الناس أصدقاء له، وقد يكون رجلاً غير محبوب ولا يجد صديقاً فنقول: هذا لا يضركما أن الضيف قد يكثر وقد يقل هذا لا يضر. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى حق الضيق على أهل البلد، ووجهه: أن عمر جعل للضيف في هذا الوقف حقاً. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط في الموقف أن يتبين حدوده إذا كان معلوماً؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لعمر: هل حددت؟ وكم متراً هو؟ فإذا كان الشيء معروفاً فلا حاجة إلى بيان مقداره بالأمتار؛ ولهذا كانت مكاتب الأولين يقول: باع فلان على فلان بيته في الحي الفلاني شهرته تغني عن تحديده ويصدق القضاة على هذا ويعتبرونه بيعاً صحيحاً لأنه مشهور، لكن لما تغير الناس وكثر الباطل صار القضاة اليوم يحافظون محافظة تامة على ذكر الحدود والمقدار بالأمتار، ولاشك أن هذا أضبط وأقطع للنزاع؛ لأن هذه البيوت لو فرضنا أنها تهدمت لاشتبك الناس بعضهم مع بعض كل واحد يقول: أنت دخلت على أرضي؛ فإذا كانت محددة بالجيرة والأمتار صارت منحصرة وصار هذا أسلم للنزاع فعمل القضاة اليوم لاشك أنه أضبط وأبلغ وأقطع للنزاع، فلا حرج من العمل به، ولا يقال: إن هذا من باب التنطع؛ لأننا نقول: لما أحدث الناس أحدث الله عليهم كما تكونون يولى عليكم.

стр. 2116

ومن فوائد الحديث: أن الموقوف لا يوهب كيف ذلك؟ يعني: أن الموقوف عليه لو أراد أن يهب الوقف لشخص فإنه لا يملك هذا؛ لأن الهبة: التبرع بالعين ومنافعها والوقف لا يمكن أن يتبرع الإنسان بعينه؛ لأن الهبة تنقل الملك من الوقفية إلى الملك المطلق الذي غير موقوف، وهذا لا يجوز، وبناء على ذلك لو كان عند الإنسان كتاب موقوف وأراد أن يهبه لصديق له نقول: هذا حرام لا يجوز، وإذا استغنى عنه وقال: أنا أعطيه صديقي فهل له أن يستغنى عنه أو لا؟ يتنازل عن حقه له ولهذا نقول: ليست هبة؛ لأنها لو كانت هبة لجاز للثاني أن يبيعه ولورث عند الثاني ولهذا نقول. من فوائد الحديث: أن الوقف لا يصح إلا من مالك، فلو أن شخصاً قال: هذا البيت وقف في سبيل الله ثم ذهب واشتراه من صاحبه فهل يكون وقفاً أو لا؟ لا لماذا؟ لأنه وقفه قبل ملكه والحديث يقول «أصاب عمر أرضاً بخيبر» أصابها يعني: ملكها فلا وقف إلا بعد الملك، لو قال: إن ملكت هذا البيت فهو وقف فملكه هل يكون وقفاً؟ نعم يكون وقفاً لأنه يجوز شراء الأرض للتقرب بها إلى الله فإذا علق التقرب بها إلى الله على ملكها كان ذلك جائزاً، كما لو علق عتق العبد شرائه فقال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر فهذا يصح عند الإمام أحمد ﵀ قال: لأن العتق قربة، وبناء عليه نقول: إن الوقف قربة لكن أكثر أهل العلم يقولون: لا يصح حتى في العتق؛ لأن النبي ﷺ قال: لا عتق لابن آدم فيما لا يملك، وهو حين التعليق غير مالك له، وإذا لم يصح في العتق مع قوته ونفوذه وسريانه لم يصح أيضا في الوقف. إذن فالعلماء مختلفون على قولين فمن صحح تعليق العبد بالملك فإنه يصحح تعليق الوقف بالملك ومن لا فلا، والتصحيح أنه يصح إذا علقه لكن بشرط أن يكون هذا متقارباً يعني: أنه يقول هذا ويشتريه فوراً، أما لو طال الوقت فإن هذا قد يكون فيه غرر على الإنسان، ربما يكون الإنسان عنده رغبة في أن يشتري هذا البيت فيوقفه ثم يشتري بيتا آخر فيوقفه فتتغير الحال، ففي هذه الحال له أن يبطل هذا التعليق وإذا أبطله واشترى البيت لم يكن وقفاً. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز لإنسان أن يتحدث عن أبيه باسمه فيقول مثلاً: قال فلان، يعني: أباه، ولا يقول: قال أبي، لقول عبد الله: "أصاب عمر"، لكن هذه الفائدة مبنية على أن قول الصحابي حجة إذا لم يخالفه دليل أو صحابي آخر، أما إذا قلنا: بأن قول الصحابي ليس بحجة وأن فيما قاله الله ورسوله أو أجمع عليه الناس فإنه لا تستفاد هذه الفائدة من هذا الحديث، ولكن هل للإنسان أن ينادي أباه باسمه في الغيبة؟ واضح، أما مناديه باسمه فيمكن أن نرجع فيه إلى العرف، فيقال: إذا كان في ذلك غضاضة وإهانة للأب فإنه لا يجوز، أما إذا لم يكن فلا بأس به أن يناديه باسمه فيقول: يافلان.

стр. 2117

ومن فوائد الحديث: جواز إطعام الضيف من الوقف إذا اشترط استحقاقه؛ لقوله "والضيف" ولا فرق بين أن يكون الضيف غنياً أم فقيراً. ومن فوائده: جواز تولية المرأة على الوقف؛ لأن الثابت أن عمر جعل وليه على هذا الوقف ابنته حفصة ﵂. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للواقف أن يبين الشروط حتى لا يكون التباس؛ لقوله: "غير متمول" إذ إن قوله: "يطعم صديقاً" لو جاءت على إطلاقها لأمكن أن يعطي حتى من عين الوقف لكن لما قال: "غير متمول" دفع هذا الاحتمال. ٨٨٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عن- قال: «بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة» الحديث، وفيه «وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» متفق عليه. "بعثه" يعني: أرسله وعلى الصدقة يعني: ولياً على الصدقة هنا: الزكاة من أجل أن يقبضها، وكان من عادة النبي ﷺ أنه يبعث على الزكاة من يقبضها من أهلها فبعث عمر ذات سنة من السنوات على الصدقة فلما رجع قيل إنه منع ثلاثة: العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن جميل وخالد بن الوليد، أما عبد الله بن جميل فقال الرسول ﷺ في حقه: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأعناه الله»، وهذا ذم عظيم لهذا الرجل، لكنه ذم أتى بصيغة تشبه المدح، وهذا ما يعرف عند البلاغين بالذم الذي يكون بما يشبه المدح، وهو أشد من الذم المطلق، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]. وهل كون الإنسان فقيراً فيغنيه الله، هل هذا عذر له في منع الصدقة، أو أبعد له من العذر؟ الثاني، ولهذا قال: ما ينقم يعني: ما ينكر من نعمة الله عليه إلا هذا، فهو تأكيد الذم بما يشبه المدح، وأما العباس، فقال: «هي علي ومثلها»، وقد سبق لنا في زمن غير طويل أن الرسول ﷺ تحمل صدقة العباس مضاعفة؛ لأن العباس كان من قرابته، وذكرنا عن عمر في هذا سنة أنه إذا نهى عن شيء جمع أهله، وقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، ولا أعلم أحداً منكم فعل ذلك إلا أضعفت عليه العقوبة، وأما خالد قال: "فأما خالد فقد أحتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"، لكن المؤلف لم يأت إلا بالشاهد، وإلا فقد قال الرسول ﷺ : «وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً»، ولم يقل: تظلمونه تفخيماً له وإعلاء له، فالإظهار في مكان الإضمار من باب التفخيم والتعظيم في المدح والثناء، يعني: تظلمون خالداً ذلك الرجل الذي ليس أهلاً لأن يظلم؛ لأنه حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، والأدراع: جمع

стр. 2118

درع وهي: ألبسة الحرب، وهي عبارة عن قميص منسوج من حلقات الحديد يلبسه المقاتل ليتقي بذلك السهام، وأما الأعتاد فكل ما يعتد به في الحرب من سيف ورمح وقوس وغير ذلك، "احتبسها في سبيل الله" أي: جعلها حبيسة في سبيل الله للمجاهدين، وهذا يحتمل وجهين: الأول: أنه ﵁ جعل الزكاة في هذا الوجه أي: في سبيل الله فلم يمنعها بخلاً أو شخاً أو استكباراً، وإنما أداها لكن جعلها في سبيل الله. والوجه الثاني: أنه ﵁ وقف هذه الأشياء في سبيل الله على المجاهدين، وكأنه يقول ﷺ : إن رجلاً تبرع بماله لا يمكن أن يمنع الواجب لأنه ليس من المعقول ولا من الشرع أن تبذل التطوع وتمنع الواجب؟ ! لاسيما مثل الصحابة ﵃ الذين هم أشد الناس تمسكا بدين الله، وأعقل الناس بلا شك وحينئذ يكون المعنى: أن من احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله تطوعاً فلا يمكن أن يمنع زكاة ماله الواجبة، وأياً كان الاحتمال فإن هذا بلا شك دفاع عن خالد -رضي الله عن-. يستفاد من الحديث: مشروعية بعث السعادة لقبض الزكاة من أهلها لفعل النبي ﷺ ، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ فيه قولان لأهل العلم، منهم من قال: يجب أن يبعث العمال لقبض الزكاة؛ لأن الناس ليسوا كلهم على حد سواء، ومنهم من قال: إن هذا على سبيل الاستحباب، وهو الصحيح إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك مثل أن يكون طائفة ممتنعة عن أداء الزكاة فحينئذ يجب أن يبعث إليهم من يقبضها. ومن فوائد الحديث: ثقة النبي ﷺ بعمر بن الخطاب، فينبني على هذا حصول منقبة له للأمانة والقوة؛ لأن الرسول ﷺ لا يأتمن إلا من تحقق فيه شرطا الولاية، وهما القوة والأمانة ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾ [القصص: ٢٦]. ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]. فالنبي ﷺ لا يمكن أن يولي على هذا الأمر إلا من علم أن فيه القوة والأمانة، وهما شرطا الولاية، وفيه إطلاق الصدقة على الزكاة كما في القرآن: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وفيه الدفاع عمن ليس مستحقا للدم؛ لأن الرسول ﷺ دافع عن خالد بن الوليد ﵁، وهذا شيء واجب يعني: يجب على المسلم أن يذب عن عرض أخيه المسلم فإذا سمع أحداً يتكلم فيه بما لا يستحق وجب عليه أن يدافع وأن يبين الحق. ومن فوائد الحديث: جواز وقف الأعيان غير الثابتة؛ لقوله: "احتبس أدراعه وأعتاده" بخلاف الأراضي والعقار فهي ثابتة لكن هذا إنما يتم لو كان الحديث لا يحتمل إلا هذا الوجه أما مادام يحتمل احتمالاً آخر، وهو أن المراد بذلك صرف هذه الأشياء في سبيل الله على أنها

стр. 2119

زكاة، فإذا كان هذا الإحتمال فإن الحكم الأول لا يتعين، لأنه من المعروف أنه إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فلو استدللت بهذا الحديث على جواز الأعيان غير الثابتة لقال لك خصمك -الذي يقول لا يجوز-: هذا لا دليل فيه، لأن خالداً لم يوقف وقفاً إنما احتبسها احتباساً لغوياً أي: جعلها في الجهاد في سبيل الله على إنها زكاة لأن السياق قد يؤيد ذلك حيث إن الرسول ﷺ بعث عمر على الصدقة فقال: إن خالداً قد أدى صدقته بجعلها في سبيل الله، وحينئذ لا يتم الاستدلال، ولكن يقال في حكم هذه المسألة - أعنى وقف الأعيان غير الثابتة- يقال: إن الأصل في التصرف الصحة حتى يقوم دليل على المنع، ولا دليل على المنع، فإن هذه الأشياء مثل الدرع والعتاد يمكن الانتفاع بها إلا بذهاب عينها فهذه لا يصح وقفها، وإن قدر أن أحداً أوقفها فهى صدقة، فلو قال شخص: وقفت هذا الخبز على الفقراء لا يصح، ويكون صدقة، وبناء على ذلك لو أراد أن يبيع هذا الخبز الذي أوقفه على الفقراء لجاز، لأننا نقول: إن الصدقة لا تلزم إلا بتسليمها للمتصدق عليه. على كل حال: هذه المسألة مرت علينا في باب الوقف في الفقه، وذكرنا خلاف العلماء وأن بعضهم استثنى الماء وقال: إنه يصح وقف الماء، وإن كان لا ينتفع إلا بإتلافه بخلاف الطعام، وأن من العلماء من أجاز وقف الطعام، وهذا القول هو الصحيح. **** ١٨ - باب الهبة والعمرى والرقبى الهبة: مشتقة من هبوب الريح لأنها تمر دون مقابل، وهي: التبرع بتمليك المال بلا عوض لمنفعة المعطى وذلك أن التبرع بلا عوض قد يراد به التقرب إلى الله وقد يراد به التودد إلى المعطى يسمى هدية، وما يراد به مجرد نفع المعطى بقطع النظر عن الموادة والتقرب إلى الله يسمى هبة، وتشترك الثلاثة في أنها تبرع بدون عوض، والأصل في الهبة الجواز كما انه الأصل في جميع العقود، وإذا عرفت في جميع العقود الجواز، فاعلم أنه متى ادعى مدع أن هذا العقد حرام فعليه الدليل، لأن استصحاب الأصل دليل شرعي. وأما العمرى والرقبى فهي الهبة المقيدة بالعمر، وسيأتي بيان أوصافها. الهبة المقيدة بالعمر تسمى عمرى وتسمى رقبى، أما كونها تسمى عمرى فواضح لأنها مشتقة من العمر، وأما كونها

стр. 2120

تسمى الرقبى، فلأن كل واحد منهما يرقب موت الآخر، لأنها مقيدة بالعمر، وبعد العمر ترجع إلى صاحبها على خلاف وتفصيل يأتى إن شاء الله. الهبة وضوابطها: ٨٨٨ - عن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: «إنى نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ : فأرجعه». - وفي لفظ: «فانطلق أبى إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي. فقال: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم فرجع أبى، فرد تلك الصدقة» متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: «فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواءً؟ قال: بلى. قال: فلا إذن». "نحلت": أعطيت ابني، ومنه قوله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقتهن نحلة﴾. أي: عطية تامة، وقوله "إنى نحلت ابنى هذا غلاماً كان لى" قد يقول قائل: لماذا أتى به الرسول ﷺ ؟ وهل من شرط أن يشهد عليها رسول الله ﷺ ؟ فالجواب: ليس من شرط الهبة أن يشهد عليه رسول الله ﷺ لكن بشير بن سعد رضى الله عنه كان له ابن من عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، وأهداه هذا الغلام فقالت أمه عمرة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، لأنها خافت أن ينازعه أحد من إخوانه من الزوجة الأخرى، فقالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله، فجاء ليشهده، وأخبره بأنه نحل ابنه هذا هذه النحلة، وأن أمة عمرة بنت رواحة قالت: لا أرضى حتى تشهد الرسول ﷺ فجاء به إلى النبي ﷺ فقال له: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ » أولاً: نسأل لماذا سأل النبي ﷺ : هل نحل بقية ولده مثل ذلك أم لا؟ وهل يجب مثل ذلك؟ الجواب: إنما سأله لأنه أخبره أن هذا الابن ابن لعمرة بنت رواحة وسأل لعله خص هذا الابن من هذه المرأة دون إخوته فلذلك سأل، وسيأتى في الفوائد أن مثل هذا السؤال لا يجب إلا بقرينة، ونسأل مرة أخرى عن قوله: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ » لماذا نصب كل وهى مبتدأ بها؟ والجواب على ذلك: أن هذه الجملة من باب الاشتغال والاشتغال أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عامل يعمل في ضمير ذلك الاسم، وسمى اشتغالاً لأن العامل اشتغل بضميره عنه، مثاله: زيد ضربته. اشتغلت "ضرب" بضمير "زيد" فصار مرفوعاً، ولولا هذا الإشتغال لوجب أن تنصب زيد فنقول" زيداً

стр. 2121

ضربت؛ لأن العامل إذا لم يشتغل عنه تسلط عليه فنصبه، فإذا قلت: زيد ضربته جاز لك في إعراب زيد وجهان: الرفع: "زيد ضربته" على أن يكون زيد مبتدأ وجملة ضربت خبر، "وزيداً ضربته" على أن يكون زيد مفعولاً لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: ضربت زيداً، ولكن أيهما أرجح النصب أو الرفع؟ هذا الحكم تجرى فيه الأحكام الخمسة وجوب النصب، ومنعه، وترجيحه، ومرجوحيته والتساوى التي هي الإباحة. على كل حال: لا نفصل في هذا، لكن الذي يهمنا أن الهمزة في قوله: " أكل ولدك؟ " همزة استفهام والغالب أن تختص بالفعل، الغالب أن أدوات الاستفهام تدخل على الأفعال، فإذا جاء المشغول عنه بعد همزة الاستفهام ترجح نصبه، لأن الغالب -كما قلت- أن أدوات الاستفهام يليها الفعل، فإن كانت الأداة التي وليها المشغول عنه تختص بالفعل ولا تدخل على الاسم تعين النصب، وهنا نقول: النصب راجح أو متعين؟ راجح، لأن الاستفهام يدخل على الأسماء والأفعال، لكن الغالب في الأفعال، ولهذا نقول: يجوز في هذه الجملة: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ويجوز "أكل ولدك؟ "، لكن النصب أرجح، لأن أدوات الاستفهام لا يليها إلا الفعل غالباً، "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " "ولد" مفرد مضاف يعم جميع الأولاد، كما أن "كل" أيضاً مفيدة للعموم وقوله: "ولدك" يشمل الذكور والإناث، وفي رواية لمسلم: «أكل بنيك نحلته مثل هذا؟ » ولنا عليها عودة -إن شاء الله-، قال "لا" يعنى: لم أنحله مثل هذا، فقال رسول الله ﷺ "فأرجعه" يعنى: رده واعتبره لاغياً، وإرجاع الشيء معناه: إبطال ما سبق فيرجع الشيء إلى ما كان عليه قبل التصرف، وفي لفظ «فانطلق أبى إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي» بناء على اقتراح زوجه عمرة بنت رواحة يعني: على الصدقة التي تصدق بها على فالإضافة إلى المفعول به لأنك تضيف الصدقة إلى نفسك أحياناً وإلى من تصدقت بها عليه، فإذا قلت: صدقة وكلت عليها فلاناً فقد أضفتها إلى نفسك إلى الفاعل، وقد تضاف إلى المفعول به فيقول المعطى: صدقتي يعني: التي تصدق بها على، وهذا الحديث من هذا الأخير وسماها صدقة، لأنها تجتمع مع الصدقة في أن كل واحد منهما بلا عوض، على أن العطية أيضاً إذا أريد بها وجه الله ولو كانت للأبناء فهي من الصدقات، كما أخبر النبي ﷺ بأن صدقة الإنسان على نفسه وعلى أهله فقال: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟ »، الجملة هنا كالجملة السابقة إلا أنه ليس فيها اشتغال قال: لا فقال النبي ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، يعني: اتخذوا وقاية من عذابه وذلك بفعل الطاعة واجتناب المعصية وهنا يراد بها اجتناب المعصية، وهي تخصيص بعض الأولاد بالعطية دون بعض، قال: "واعدلوا" يعنى: ساووا بينهم. والأولاد جمع مضاف فيشمل الذكور والإناث والصغار ويشمل من كان غنياً ومن كان فقيراً، قال «فرجع أبي فرد تلك الصدقة» "رجع" يعني: على

стр. 2122

النعمان فأخذ الصدقة منه وهي الغلام، وفي بعض الروايات أنها حائط، وجمع بينهما بأنها حائط وفيه غلام، وفي رواية لمسلم قال: «فأشهد على هذا غيري»، لأنه جاء به ليشهد النبي- ﷺ «أشهد على هذا غيري»، وفي رواية: «فإني لا أشهد على جور»، إذن فقوله: «أشهد على هذا غيري» للتوبيخ وليست للإباحة، ولا للوجوب ولا للاستحباب، ولكنها للتوبيخ، لأنه قال: "إني لا أشهد على جور" فإذا كان الرسول ﷺ قال: "أشهد على هذا غيري" فهذا يوبخه، ثم قال: «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ » السرور معروف، سرور القلب وهو راحته وطمأنينته وانشراحه، "أيسرك أن يكونوا" يعنى: الأولاد، "لك في البر سواء؟ "، قال: "بلى" هنا واقعة موقع نعم، لأن الجواب في مثل هذا يكون "بنعم" في حال الإثبات إلا إذا كان الاستفهام داخلاً على نفي مثل: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨]. فنقول: "بلى"، أما إذا كان الاستفهام داخلاً على الإثبات فإن جوابه إما نعم وإما لا، لكن قد تنوب بلى مناب نعم كما تنوب نعم مناب بلى فمن الأول هذا الحديث ومن الثانى قول الشاعر: "الوافر": (أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تدانى) (نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني) الشاهد قوله: "نعم" في جواب: "أليس؟ "، والأصل أن يقال: "بلى"، وهذا الشاعر من أزهد الناس وأقلهم شوقاً وطمعاً، لأنه يكفيه من معشوقته أن يجمع الليل بينه وبينها ولو كانت هي في المشرق وهو في المغرب ما دام ترى الهلال وهو يرى الهلال، فذلك لهم تدان، ما أدرى هل عشقه إياها ضعيف؟ وإلا فهو رجل قنوع في الواقع، قال النبي ﷺ لما قال له سعد: بلى أي نعم، قال "فلا إذن"، أي: فلا تعطه إذن، أي: في هذه الحال، أي: في الحال الذي يسرك أن يكونوا لك في البر سواء فلا تعطه من بينهم. هذا الحديث كما ترون فيه هبة لكنها هبة حصل فيها مانع وهو عدم التسوية. - ففي الحديث من الفوائد فوائد كثيرة: أولاً: جواز عطية الوالد لولده، وأن ذلك يسمى عطية، وهذا خلاف النفقة، فإن النفقة إلزام على الأب أن ينفق على ولده كما قال الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣].

стр. 2123

ومن فوائد الحديث: جواز تملك الرقيق؛ لقوله: «إنى نحلت ابنى هذا غلاماً». ومن فوائده أيضاً: تعيين الموهوب له، وتعيينه يكون بالإسم، ويكون بالإشارة، وطريقه هنا الإشارة. ومن فوائده: أن الإشارة تقوم مقام العبارة في التعيين، ويتفرع من هذه الفائدة: أن الرجل لو زوج ابنته بالإشارة صح العقد، فلو قال زوجتك ابنتي هذه، وهي حاضرة، ولم يسمها صح العقد، لأن الإشارة تقوم مقام العبارة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب على المفتي أن يستفصل إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لأن النبي ﷺ سأله: "أكل ولد نحلته مثل هذا؟ " أما إذا لم يكن هناك حاجة، فإنه لا يجب السؤال، ولا الاستفصال، ولهذا كان النبي ﷺ يسأل كثيراً عن مسائل ولا يستفصل، ولو وجب ذلك لكان فيه مشقة. فإذا قال قائل: إني بعت بيتي على فلان فلا حاجة أن يقول: يعته بثمن معلوم، والبيت معلوم، ويستفصل عن جميع الشروط، وهل بعته بعد أذان الجمعة الثاني أو في وقت آخر ويذكر كل الشروط والموانع؟ هذا صعب، لكن إذا دعت الحاجة إليه وكان المقام يقتضى فلابد من الإستفصال. فلو سألك سائل فقال: هلك هالك عن بنت وأخ وعم شقيق، هنا سنقول: للبنت النصف، هذا لا يحتاج تفصيل، لها النصف على كل الأحوال، الأخ والعم يحتاج إلى تفصيل، لأنك ستقول: هل الأخ شقيق أو لأب أو لأم؟ إن قال السائل: لأم، فالباقي بعد فرض البنت للعم، لأن الأخ من الأم لا يرث مع الفرع شيئاً، وإن قال: إن الأخ شقيق أو لأب، فالباقي له، ولا شيء للعم، فهل يجب على المفتى في مثل هذا السؤال أن يستفصل؟ نعم، لأن الجواب يترتب على الإستفصال. ومن فوائد الحديث: أنه يجب التسوية في عطية الأولاد، لقوله: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ "، لأن المماثلة تقتضى التسوية، وظاهره أنه لا فرق بين الذكر والأنثى فإذا أعطى الذكر مائة فليعط الأنثى مائة، لأن هذه مماثلة، والنبي ﷺ لم يستفصل، قال: "أكل ولدك؟ "، إلى هذا ذهب كثير من أهل العلم، وهو رواية عن أحمد، بمعنى: أن الواجب التسوية بين الذكر والأنثى، وقال بعض العلماء: بل الواجب التفضيل، أي: نفضيل الذكر في العطية على الأنثى، وأن الإنسان إذا أعطى ولده مائة فليعط الأنثى خمسين، وإذا أعطى الأنثى مائة، فليعط الذكر مائتين، واستدل هؤلاء بأنه لا أحد أعدل من الله، وقد قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]. ولأن المال لو بقى عند الأب حتى مات لكانت قسمته على

стр. 2124

الأبناء والبنات بالتفضيل للذكر مثل حظ الأنثيين، فكيف تقول: إذا قدم تملكهما وجب التسوية؟ فما دام هذا المال لو بقي حتى مات الأب لاقتسموه بالتفضيل، فكذلك إذا قسمه هو فليكن بالتفضيل، وأجابوا عن الحديث بأن كلمة ولد صالحة للذكور والإناث، وإحدى رواية مسلم: «ألك بنون؟ » تفيد بأن بشير بن سعد كان عنده من الأولاد بنون وليس عنده بنات، ومن المعلوم أنه إذا أعطى أولاده وكانوا كلهم بنين فإن الواجب التسوية، وهذا الأخير أقرب، أي: أن التسوية بينهم تكون بحسب الميراث. ومن فوائد الحديث: أن التسوية فيما إذا كان الشيء مثله، يعني: عطية مجردة أما إذا كان لسد الحاجة والنفقة، فإن العدل بينهم أن يعطي كل واحد ما يسد حاجته ويكفيه سواء كان أكثر من الثاني أم أقل أم مساوون، فإذا قُدر أن له ولدين أحدهما صغير والثاني كبير طويل، الصغير يكفيه من الثياب متر، وهذا الكبير الطويل يحتاج إلى خمسة أمتار مثلاً، فهل نقول: إذا كسوت الكبير خمسة أمتار فادخر للصغير ما يُقابل الزائد؟ الجواب: لا؛ لأن النفقة العدل فيها أن تعطي كل واحد منهم كفايته، كذلك لو كان عنده أبناء بلغ أحدهم سن الزواج فزوجه، والآخرون صغار، فهل يعطي الآخرين مثل المهر الذي أعطاه الكبير؟ لا، بل لو أعطاهم لوجب أن يعطي الكبير مثل ما أعطاهم، هل يجوز أن يُوصي بمثل ما أعطى الكبير مهرا للصغير؟ لا يجوز، ولو أوصى لبطلت الوصية، بل نقول: العدل بينهم أن من بلغ سن الزواج وطلب الزواج تزوج، ولكن لو سألنا قال: أنا زوجت الكبير في زمن الرخص حيث كان المهر مائة ريال، والصغير الآن بلغ سن الزواج في زمن الغلاء، المهر بعشرة آلاف ريال، ماذا نقول؟ أعطه عشرة آلاف لأنك أعطيت الأول مهرا، أعط هذا مهرا، ولو كان الأمر بالعكس زوج الكبير في حال الغلاء، ثم رخصت المهور، فهل يُعطى الصغير الذي زوجه حال رخص المهور يعطيه ما زاد في مقابل ما أعطى الكبير؟ لا؛ لأن هذا كفاية، ومثل ذلك لو احتاج أحد الأولاد إلى علاج، وأعطاه علاجا أو عالجه في بلد آخر، فإن هذه النفقات لا يلزم أن يعطي مثلها الآخرين، لأنها للحاجة، لو أعطى أحدهم لكونه طالب علم، فأعطاه من أجل طلب العلم ولم يعط الآخرين، فهل يجب عليه أن يعطى الآخرين؟ نقول: نعم إذا كان مستعداً أن يعطى الآخرين مثل ما أعطى هذا إذا طلب العلم هذا لا بأس به، لاسيما إذا قال لهم: أنا أعطيت أخاكم من أجل أنه طالب علم، فإن هذا لا بأس به في التشجيع على العلم، نعم لو فرض أن أحدهم كان فيه مانع من طلب العلم مثل أن يكون أشل فأعطى طالب العلم، فهنا قد يتوجه القول بأن يعطي الأشل، لأنه إنما ترك طلب العلم عجزاً عنه لا زهدا فيه ورغبة عنه، لو كان أحدهم يعمل معه في فلاحته أو تجارته فنحله شيئا دون الآخرين هل يجوز؟ نقول: إذا كان هذا العمل مع أبيه متبرعا وقصده البر؛ فإنه لا يجوز أن يعطيه شيئًا يخصه به لأن هذا يريد ثواب الآخرة، فله ثواب الآخرة، أما إذا

стр. 2125

كان من نيته أن يرجع على أبيه بمقدار عمله، فهنا يعطيه أبوه مقدار عمله، ويعامله كأنه أجير أجنبي، فإن كان لا ينوي الرجوع على أبيه لكن صار بينه وبين أبيه سوء تفاهم، فقال لأبيه: أنا أريد مقابل عملي في مالك أو فلاحتك فهل يُعطى بأثر رجعي؟ لا؛ لأنا نقول: إنك عملت متبرعا، ولهذا نقول: ينبغي للأب أن يكون عنده شيء من العدل، فإذا كان هذا الولد يعمل معه في فلاحه وفي تجارته ينبغي له أن يجعل له سهمًا من الربح، لكنه سهم كسهم الأجنبي لا يبر ولده بزيادة لاسيما إذا كان الأخوة الآخرون لهم تجارات ومزارع يختصون بها، وهذا منقطع على أبيه، فإن مثل هذا يتعين أن يفرض له الأب شيئا إما من الربح وإما بأجرة شهرية، لكن لا يزيد على أجرة المثل. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز قول: لا، أمام من يستحق التعظيم؛ لقوله: لا، وقد ورد في حديث جابر ما هو أعظم من ذلك، حيث قال له النبي ﷺ : «بعني» يعني: الجمل «بأوقية»، قال: لا، فإذن يجوز أن يخاطب الكبير والشريف ومن له التعظيم بمثل هذا، أما قول العامة يقولون كلمة ما أدري ما، هي كلمة يريدون بها التعظيم والاحترام فالظاهر لي -إن شاء الله- أنها جائزة، وقد يقول قائل: لعل هذا من باب التنطع إذا كان الصحابة ﵃ وهم أحسن منا خُلقا وأكمل منا أدبًا يخاطبون النبي ﷺ وهو أحق البشر أن يُعظم بكلمة «لا»، فلماذا لا نقول: لا؟ ولهذا أنا ربما أقيس هذه على قول بعض العلماء: الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء، بعض الناس يقول: أطير الماء، فيقولونها من باب التأدب بالألفاظ وقد ذكر صاحب الفروع ﵀ الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء. حكم الرجوع في الهبة: (٨٨٩) - وَعَن ابن عبّاس ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «العَائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يَعُودُ في قيئه». مُتفق عليه. - وفي رواية للبخاري: «ليْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوء، الذي يعودُ في هبته كالكلب يقيء ثُمَّ يَرّجع في قيئه". هنا مُشبَّه ومُشبه به، المشبه العائد، والمشبّه به الكلب، وما هو الجامع بينهما؟ الجامع أشار إليه في قوله: «يقيء ثم يعود في قيئه»، أي: الكلب في رجوعه في قيئه، يعني: أن الكلب يقيء ما في بطنه من الطعام ثم يرجع فيأكل هذا القيء، وذلك لأن الكلب إذا جاع أكل ما يليه أي شيء يصادفه يأكله، فهذا الذي أعطى الهبة ثم بعد ذلك رجع فيها، نقول: أنت مثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه، وفي رواية البخاري: «ليس لنا مثل السوء» بمعنى: العيب والنقص، والمثل

стр. 2126

يعني: صفة ليست صفة السوء لنا نحن المسلمين؛ لأن الإسلام أعلى ما يكون في العبادة والأعمال والأخلاق، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مثّل رسالته ﷺ بقصر مشيد مبني إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون ويتعجبون منه إلا موضع هذه اللبنة، يعني يقولون: ما أحسن هذا القصر ما أجمله لولا وضعت هذه اللبنة، يقول: فأنا اللبنة، يعني: أنه ﷺ أتم الله به البناء، وذكر عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكل مثل سوء في المعاملات فإن الإسلام بريء منه، ولهذا قال: ليس لنا مثل السوء، لنا، يعني: معشر المسلمين؛ لأن ديننا كامل تام من كل وجه. «الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه»، هذا كالأول في قوله: «الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع» بدل يعود والمعنى واحد، يعني: أنه يشبه الكلب، ووجه الشبه بينهما: أن كلا منهما عاد فيما أخرج منه الكلب عاد في القيء وهذا عاد في الهبة. هذا الحديث: يدل على تحريم الرجوع في الهبة؟ ولكن ما إذا قبضت؛ وذلك لأن مقتضى التشبيه أن تكون الهبة قد خرجت من يد الواهب وانفصلت؛ لأن القيء قد أنفصل من الكلب ثم يرجع، فإذا وهب الإنسان شيئا وأقبضه فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه، فإن رجع كان ذلك حرامًا، وجهه: أن النبي ﷺ شبهه بأقبح صورة وأخبث ذات؛ فإن الكلب من أخبث الدواب حتى من الخنزير، ولهذا كانت نجاسته لا تطهر إلا بسبع غسلات، إحداها بالتراب، وطهارة الخنزير تطهر بإزالتها، فالكلب أخبث الحيوانات، ثم هذه الصورة من أبشع الصور أن يقيء ثم يعود في قيئه، فهذا دليل على تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض، أما قبل القبض فليس الرجوع فيها حرامًا لكنه من إخلاف الوعد، والعلماء مختلفون في إخلاف الوعد، هل هو حرام أو مكروه؟ فجمهور أهل العلم على أنه مكروه، واختار شيخ الإسلام أنه حرام، وأن من وعد وجب عليه الوفاء، واستدل لذلك بأن النبي ﷺ جعل عدم الوفاء بالعهد من سمات المنافقين تحذيرا منه، وبأن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٤٣]. فأنت إذا أعطيت شخصا قلت: هذا الكتاب يا فلان لك، لكنه لم يقبضه خرج من المجلس ثم بعد إذن رجع عليه ليأخذ الكتاب فقلت له: رجعت في هبتي، نقول: هذا ليس حرامًا من جهة الرجوع في الهبة؛ لأن الهبة لم تُقبض بعد، وهي لا تلزم إلا بالقبض، لكنه حرام من جهة إخلاف الوعد؛ لأن قولك له: هذا الكتاب لك أدنى ما فيه بأنه وعد بتمليكه إياه، فإذا رجعت فهذا إخلاف الوعد، إذن الرجوع في الهبة على القول الراجح حرام سواء قبضت أم لم

стр. 2127

تقبض، لكن إن كان قبل القبض فهي من باب إخلاف الوعد، وإن كان بعده فهي من باب الرجوع فيما ملكه الموهوب له، لأنه يملكها بالقبض، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وقال بعض العلماء: إن الرجوع في الهبة مباح، لأن النبي ﷺ شبه الراجع بالكلب، والكلب عمله لا يتعلق به تكليف، فرجوعه في قيئه لا يأثم به، وإذا كان لا يأثم كان المشبه -وهو الراجع في الهبة- لا يأثم برجوعه، لأن التشبيه إلحاق المشبه بالمشبه به، ولكن هذا لا شك أنه من تحريف النص وتعطيل معناه، فهو رجوع بالنص إلى غير ما يريده الرسول ﷺ ، ففيه تحريف لمعنى النص، وتعطيل له؛ لأنا إذا قلنا بجواز الرجوع في الهبة، وقلنا: إن هذا الحديث يدل على الجواز، عطلنا الحديث عن معناه المراد به؛ إذ معناه التحذير من هذا العمل، والآن جعلنا معناه الإباحة لهذا العمل، فعطلنا النص، ثم هو أيضا تحريف للنص، إذ إن النص لا يدل على ذلك، بل النص يدل على التحذير من هذا غاية التحذير، لو أنك قلت لرجل من الناس: يا كلب، قال: لماذا؟ قلت: لأنك رجعت في الهبة، قال: إذن لا أوصف بأني كلب، لأن الرجوع في الهبة جائزة فتقول: الذي وصفك بهذا الرسول ﷺ ، هل يرضى بهذا أو يفهم أن الرسول ﷺ وصفه بذلك من أجل أن يقول له: ارجع في هبتك كما أن الكلب يرجع؟ هذا شيء مستحيل، ولم يشبه الآدمي الذي فضله الله على كثير ممن خلق، لم يشبه بالحيوان إلا في مقام الذم، شبّه الذين حُمَلوا التوراة بالحمار يحمل أسفارا ذمًا، وشبه الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بالكلب ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦]. ذماً لا مدحاً، وشبه الذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة بالحمار يحمل أسفارا مدحا أو ذمًا؟ ذمًا، إذن لم يشبه الآدمي الذي فضله الله على كثير ممن خلق بالحيوان إلا في مقام الذم، ولهذا نهى الرسول ﷺ أن يبرك الإنسان في سجوده كبروك البعير، ونهى أن يبسط الساجد ذراعيه افتراش السبع، إذن لا يمكن أن نقول: إن هذا الحديث يدل على جواز الرجوع في الهبة. ثم يبطل هذا القول غاية الإبطال قول النبي ﷺ : «ليس لنا مثل السوء»، وهو صريح في أن الرجوع في الهبة مثل سوء تبرأ منه الرسول ﷺ ، ولو ذهب ذاهب إلى أن الرجوع في الهبة بعد القبض من الكبائر لم يبعد، لماذا؟ لتبرأ النبي ﷺ من ذلك: «ليس لنا مثل السوء». ومن فوائد الحديث: أنه لا فرق بين كون الراجع غنيًا أو فقيرا، فلو افتقر الواهب ثم أراد أن يرجع على الموهوب له، قلنا: لا يجوز، ولا فرق بين أن يرجع على الموهوب له بصفة صريحة أو بحيلة، مثال الصفة الصريحة: أن يذهب إليه ويقول: أعطني ما وهبتك، والحيلة: أن يشتريه بأقل من ثمنه، فإذا كان الموهوب يساوي مائة، واشتراه بثمانين، فقال رجع بالخمس

стр. 2128

مشاعا، فلا يجوز، بل إن بعض العلماء حرم شراء الإنسان ما وهبه لغيره، ولو بثمن المثل، وعلل ذلك بأنه حيلة على الرجوع في الهبة، واستدل لذلك بقصة عمر بن الخطاب أنه حمل رجلاً على فرس في سبيل الله أعطاه إياه يجاهد عليه، فأهمله الرجل فأراد عمر أن يشتريه ظنا منه أنه سيبيعه برخص، فاستأذن النبي ﷺ ، فقال: «لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»، فجعل النبي ﷺ شراء ذلك من باب الرجوع؛ لأنه قال: «فإن العائد في صدقته كالكلب»، وهذا القول ليس ببعيد، لاسيما إذا اشتراه الرجل مباشرة، فإن الغالب أن الموهوب له سوف يخجل ولا يماكسه في الثمن. ومن فوائد الحديث: دناءة الكلب وخسته حيث كان يفعل هذا الفعل، ولا ندري عن بقية الحيوانات هل تفعل مثل ذلك أم لا؟ لكن إن فعلت فهذه دناءة أن يتقيء ثم يرجع في قيئه، ولا تستغرب إذا قلنا في ذلك دناءة الكلب وخسته؛ لأنك قد تقول: هذه بهائم وما لها وللخسة؟ ! وما لها ولكرائم الأخلاق؟ ! فنقول: بل إن البهائم تُمدح على كرائم الأخلاق، فإن ناقة النبي ﷺ في غزوة الحديبية لما بركت وخلأت - أبت أن تستمر في السير إلى مكة - صاح الناس، وقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، يعني: حرنت ووقفت، فقال النبي ﷺ : «والله ما خلأت وما ذاك لها بخلق»، فدافع عنها «ولكن حبسها حابس الفيل» ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها شعائر الله إلا أجبتهم عليها»، الحاصل: أن الرسول ﷺ دافع عن ناقته أن تُوصف بسوء الخلق، قال: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق»، فبعض الحيوانات يكون دنيئا خسيسًا، ويدل ذلك على خبثه، وبعض الحيوانات قد يترفع عن مثل هذه الخسة، ويدل لهذا أيضا أن النبي ﷺ قال: «خمس من الدواب كلهن فاسق»، فوصفهن بالفسق، ويدل لهذا أيضا أن النبي ﷺ «حرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيرة»، لماذا؟ قال العلماء: لأن الآكل لذلك إذا تغذى بهذا اللحم تأثر به، صار يأكل الناس، لأنه أكل لحم السباع، فيخشى أن يكون سبعًا، وإذا لم تتحقق السبعية فربما يكون من طبيعته محبة أذى الناس، فلذلك نهى عنه، وقد أخذ العلماء بهذا فقالوا: يكره للإنسان أن يسترضع لولده امرأة

стр. 2129

حمقاء، قالوا: لأن ذلك يُؤثر في طبيعة الولد، يكون الولد أحمق، تُطلب له امرأة تكون حليمة حسنة الأخلاق، لأنه يتأثر بذلك. على كل حال هذا الحديث يدلنا على خسة الكلب ودناءته، وبه نعرف خسة من أكرموا الكلب وعظموا الكلب، وصاروا يجعلونه ينام على السرير، وهم ينامون على الأرض، ويختارون له من اللحم أطيبه، يعطونه إياه، ويغسلونه بالصابون المطيب والشامبو، وهم لو غسلوه بماء البحر فهو عين نجسة خبيثة، لكن سبحان الله ربما يكون قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. يتناول حتى هذا، وهي أن النفوس الخبيثة تألف الخبيثة، ومن ثمّ نسمع عنهم لخبثهم أن الواحد منهم إذا علا الخلاء، وتعرفون أن كراسي الخلاء عندهم مرتفعة، قال: هاتوا الجرائد، ثم جلس على هذا الخلاء كاشف العورة وهو يقرأ الصحف -ويستريح في هذا، مع أن المكان خبيث، كان الرسول ﷺ إذا أراد أن يدخله قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، لكن هم لخبث أنفسهم يألفون هذا، وهذه المعاني لا يدركها إلا من تأمل في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. لا يوجد أعظم من هذا الوصف، لكن أكثر الناس يظنون أن الإنسانية إنسانية حتى فيمن انحرف عن مقتضى الإنسانية، ولكن الإنسانية إنسانية إذا وافق الإنسان الطبيعة والفطرة التي خلق عليها الإنسان، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها أن أقوم لله بدين الله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٢٠].هذه فطرة الله إذا لم تقم وجهك للدين حنيفا فقد خالفت الفطرة وخرجت عن مقتضى الإنسانية وصرت مثل البهائم بل أشرُ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٢]. فكل من لم يسمعه الله دينه، فإنه أصم أبكم وهو شر الدواب، ولكن مع الأسف نرى أن كثيرًا من الناس اليوم لا يرون هذا شيئا بل قد يرون أن بعض الكفار الذين أخذوا من محاسن أعمال الفطرة ما أخذوا خيرًا من المسلمين! اعلم أنه ليس في الكفار صدق ولا وفاء بعهد ولا حُسن في معاملة إلا وهو في الإسلام، كل شيء من محاسن الكفار فهو موجود في الإسلام، لكن من أصمه الله من المسلمين وصار أذنابًا لهم يرى أن كل خُلق حسن ومعاملة طيبة فهى منهم، حتى إننا سمعنا بعض الناس يقول - إذا أراد أن يحث صاحبه على الوفاء بالوعد -: إنه وعد إنجليزي، لماذا لا تقول: أنه وعد مؤمن؟ لأن المؤمن هو الذي لا يُخلف، وليس في الإنجليز ولا في الأمريكان ولا في الروس ولا

стр. 2130

غيرها شيء من محاسن الأخلاق إلا وهو عند المسلمين، لكن المسلمين حقيقة فرطوا وأضاعوا وصاروا يتخلقون بأخلاق الكفار، والكفار يتخلقون بأخلاقهم في المعاملة التي يُمَشون فيها دنياهم، أما في العبادة فهم ما أخلوا شيئا من الإسلام. حكم رجوع الوالد في هبته لولده: ٨٩٠ - وَعَن ابن عُمَرَ، وَابْنِ عَبّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: «لا يَلُ لِرَجُلٍ مُسلم أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها؛ إلا الوالد فيمَا يُعطي وَلَدَهُ». رَوَاهُ أَحْمَد، وَالأربَعَة، وَصَحْحَهُ الترمذي، وَابْنُ حِبانَ، وَالحَاكم. قوله: «لا يحل» من المعلوم أن الحل يقابله التحريم أو يقابله الحرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلَالٌ وَهذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. ولقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فإذا نفى أحدهما ثبت الآخر، فقوله: «لا يحل» كقوله يحرم، وقوله: «لرجل مسلم» الرجل: هو الذكر البالغ، والمسلم هو الذي أسلم لله بالتزام شرع محم ﷺ ِ، وذكر الرجل بناء على الأغلب؛ لأن المرأة مثله ووصف بالمسلم من باب الإغراء على تجنب هذا العمل، كأنه يقول: إن كان مسلمّا فليجتنب كما نقول للإنسان: لا يحل لكريم أن يبخل يعني: بمقتضى كرمه، فلا يحل لرجل مسلم أي: بمقتضى إسلامه فهو من باب الإغراء، وقوله: «أن يعطى العطية» العطية فعيلة بمعنى مفعولة، يعني: أن يعطي شيئا ثم يرجع فيه بعد أن يسلمه، «إلا الوالد فيما يعطي ولده» الوالد اسم فاعل من ولد يلد وهو شامل للذكر والأنثى، لأن الأم تُسمّى والدة، والأب يسمى والد، وقوله: «فيما يُعطي ولده» يشمل الذكر والأنثى يعني: كل الذي يعطيه فإنه يجوز أن يرجع، ووجه ذلك أن الوالد له أن يتبسط بمال ولده يعني: له أن يأخذه منه بلا عوض، فإذا كان كذلك فله أن يرجع فيما وهبه له، ولو بعد ملكه إياه. ففي الحديث فوائد: أولا: تحريم الرجوع في العطية، يُؤخذ من قوله: «لا يحل». ومن فوائده: إبطال قول من يقول: إن العود في الهبة جائز، لأن النبي ﷺ شبه ذلك برجوع الكلب في قيئه، ورجوع الكلب في قيئه لا يترتب عليه إثم فيكون جائزا، فنقول: هذا الحديث مما يردُ به على هذا التأويل الفاسد. ومن فوائد الحديث: أنه لا يحل للرجل أن يعطي عطية ثم يرجع، فمفهومه أن الأنثى تحل لها أن تعطي عطية ثم ترجع، ولكن هذا المفهوم غير معتبر، وذلك لأن التعبير بالرجل من باب

стр. 2131

التغليب، وكل شيء يُؤتى به بناء على التغليب فإنه لا يكون له مفهوم، وعلى هذا فإنه لا يحل للمرأة أيضا أن تعطي العطية ثم ترجع فيها. ومن فوائده: أن الإسلام يحث على الأخلاق الكريمة، وجه ذلك: أن الرجوع في الهبة خُلق ذميم، ومن تخلق به فهو لئيم، والمسلم لا يمكن أن يرجع، لأن إسلامه يمنعه من أن يرجع فيما أعطى. ومن فوائد الحديث: أن عدم الرجوع في الهبة من مقتضيات الإسلام، لقوله: لا يحل لرجل مسلم». ومن فوائده: جواز رجوع الوالد فيما وهب ولده؛ لقوله: «إلا الوالد ... إلخ»، وظاهرة أنه يشمل الأم والأب، وذهب بعض العلماء إلى أنه خاص بالأب، وأن الأم لا يحل لها أن ترجع، وعلل ذلك بأن الأب هو الذي يتملك من مال ولده وأما الأم فليس لها حق التملك فإذا لم يكن لها حق التملك لم يكن لها حق الرجوع في الهبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، على أن الرجوع في الهبة جائز للأب خاصة دون الأم، ولكن بعض أهل العلم ذهب إلى العموم وقال: لا فرق بين الأب والأم لأن الحديث يقول: الوالد والأم لا شك أنها والدة. ومن فوائد الحديث: أنه لا فرق بين أن يكون الولد صغيرًا أو كبيرا؛ لقوله: «ولده» لأنها مفرد مضاف فيعم، ولا بين أن يكون ذكراً أو أنثى، ولا بين أن يعطيه ويعطى إخوانه أو لا، ولا بين أن يكون نفقة أو غير نفقة، المهم أن الحديث عامّ، فهل نأخذ بهذا العموم؟ فالجواب: أن الأصل الأخذ بالعموم، ولكن إذا وجدت أدلة تخصص هذا العموم فإنه يخصص فننظر الوالد فيما يعطي ولده يشمل الصغير والكبير، ليس فيه تخصيص، الوالد فيما يعطي ولده إذا كان حيلة على أن يفضل بعض الأولاد مثل أن يعطي الولدين كل واحد سيارة، ثم يرجع في عطية أحدهما وهو من الأصل إنما أراد أن يفضل، فهنا نقول: الرجوع حرام، ما الدليل على التخصيص؟ قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، هل يشمل ما أعطاه للنفقة وما أعطاه تبرعا؟ نقول: لا؟ لا يشمل؛ لأن ما أعطاه للنفقة لا يجوز الرجوع فيه؛ لأن النفقة واجبة، فلو أعطاه مثلاً عشرين ألفا مهرا يتزوج به، فإنه لا يجوز أن يرجع فيه، وذلك لأن الإنفاق واجب عليه، ولا يمكن أن يُسقطه، هل يشمل ما إذا رجع في هبته ليعطيها لولد آخر أو ليتملكها هو؟ لا يشمل هذا فلو رجع في عطية زيد من أبنائه ليعطيها لعمرو الابن الثاني، كان هذا الرجوع حرامًا؛ لأنه قصد به المحرّم وهو التفضيل، وما قُصد به المحرم كان حرامًا.

стр. 2132

ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز لأي واهب أن يرجع إلا الوالد، وظاهره حتى لو أن شخصا وهب إنسانا هبة بناء على سبب معين، وتبين انتفاء هذا السبب، فإنه لا يرجع، ولكن بعض العلماء قال: إنه في هذه الحال يرجع لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، مثال هذا: امرأة أحست من زوجها أنه يريد أن يطلقها أو فعلاً قال سأطلقها، فأعطته دراهم لئلا يطلقها، ولكنه ما كاد أن تصل الدراهم إلى جيبه حتى طلقها، فهذه ذكر أهل العلم أنها ترجع؛ لأنها إنما وهبته من أجل أن تبقى عنده لا من أجل أن يطلقها، فإذا علمنا بلسان المقال أو بقرائن الأحوال أنها إنما وهبته ليبقيها ثم طلقها، فلها أن ترجع، ومثل ذلك لو أن شخصا وهب إنسانا هبة بناء على أنه هو الذي أنجز له الحاجة الفلانية، ثم تبين أنه غيره فله أن يرجع؛ لأن هذه الهبة وإن لم يشترط أنها فى مقابل العمل فالقرينة تدل على أنها فى مقابلة العمل، فإذا تبين أن العمل لم يقع من الموهوب له فللواهب أن يرجع، وقد يُقال: إن هذا لا يدخل في الحديث أصلاً؛ لأن الحديث يقول: «لا يحل لمسلم أن يعطي العطية»، وهو ظاهر في أن هذه العطية ليس لها مقابل، وما ذكر في مسألة الزوجة وفي مسألة العامل إنما أعطي في مقابل شيء لم يحصل فلا يدخل فى هذا الحديث. شروط قبول الهدية: ٨٩١ - وعَنْ عائشة ﵂ قالت: «كان رَسُول الله ﷺ يقبل الهدية، وَيُثيب عليها». رَوَاهُ البخاري. يقول العلماء ﵏: إن «كان» إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل غالبًا على الدوام لا دائما، وما أطلقه بعض العلماء من أن «كان» تفيد الدوام، فليس مرادًا، والدليل على هذا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية، وأنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين، ولا يمكن أن نقول: إن «كان» تدل على الدوام، لو قلنا بذلك لتناقض الخبران، فإذن هي تدل على الدوام غالبًا، نقول: «كان يقبل الهدية ﷺ كان يقبلها من أي شخص حتى قال ﷺ : «لو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلته». مع علو مرتبته ﷺ وشرف مقامه لو أهدي إليه هذا الشيء الزهيد لقبله من أي شخص حتى إنه يقبل الهدية من اليهود، أهدت إليه امرأة من يهود خيبر - حين فتح خيبر- أهدت إليه شاة وقد سألت ما الذي يعجبه من

стр. 2133

الشاة؟ قالوا: كان يعجبه، فجعلت في هذا الذراع سمًا قاتلاً، وأهدت الشاة إلى الرسول ﷺ فدعا أصحابه وأخذ من هذا الذراع فلما لاكه - لم يهضمه مضغه ولكنه ما هضمه ما نزل إلى معدته ثم لفظه ﵊، وتبين أن فيه سما فدعا المرأة فقال: وما الذي حملك على هذا؟ قالت: أردت إن كنت نبيًا فإن الله سوف يُنقذك منه، وإن كنت كاذبًا فنستريح منك، فكان هذا آية للرسول ﷺ أن الله تعالى أنجاه منها، ولكن مع ذلك كان في مرض موته يقول: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني» حتى إن الزهري قال: إن الرسول ﷺ يُعتبر شهيدا؛ لأن اليهود قتلوه، وهذا من عادة اليهود عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة، يقتلون الأنبياء بغير حق، الحاصل: أن الرسول ﷺ يقبل الهدية، وقد ذكر ابن القيم نقلاً عن ابن عساكر أن الرسول ﷺ بعد هذه الأكلة صار إذا قُدم إليه طعام جعل المقدم يأكل منه قبله، أو شراب جعل المقدم يشرب منه قبله احترازا وتحريا، والإنسان مأمور بالتحري. على كل حال: نقول: «كان يقبل الهدية» والهدية: هنا جنس يشمل القليل والكثير من أي مُهدٍ كان، ولكنه لكرمه يثيب عليها يعني: يُعطي مقابلاً لها، هو كريم ﷺ أكرم الخلق فيعطي أكثر، ولكن ربما نقول: إنه يثيب عليها بما تيسر له، المهم أن يكسر منة المهدي حتى لا يقع في نفسه يومًا من الدهر أنه منَّ على الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: قبول الهدية، يعنى: أن قبول الهدية جائز، ولكن اشترط العلماء ألا يعلم أنه أهدى له خجلاً وحياء فإن علم أنه أهدى له خجلاً وحياء فإنه لا يجوز أن يقبلها. ثانيًا: ألا تقع موقع الرشوة بحيث يُهدي الخصم إلى القاضي هدية أمام الحكومة، يعني: أمام المحاكمة لأنها رشوة. ثالثا: ألا تعظم منة المهدي بحيث نعرف أن هذا المهدي من أهل المن يعني: من الناس المنَّانين؛ لأن في قبولها في هذه الحال غضاضة على المهدى إليه، لا يأمن أنه كلما جلس في مجلس وسلم قال: عليك السلام، قال: تذكر لما أعطيتك ذاك اليوم! ! فإن هذا يؤذيه فإذا كان يخشى من الأذية فلا يقبل، والإنسان لا ينبغى له أن يذل نفسه. الشرط الرابع: ألا تكون الهدية محرمة سواء كان التحريم لعينها أو لحق الغير، مثال المحرم لعينه: أن يهدى إليه علبة دُخان، فالقبول هنا حرام حتى وإن كان المهدى إليه لا يشرب الدخان؛ فإنه لا يجوز أن يقبلها، لأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، أو محرمة بعينها لحق الغير

стр. 2134

مثل أن أعرف أن هذا الذي أهدي إلي قد سرقه من فلان أو فلان أو غصبه من فلان، فهنا لا يجوز قبوله، فإن كان الواهب أو المهدي ممن كسبه حرام لكن بعينه يعني: لم يهد إليَّ شيئا محرما لعينه أو بعينه لكن كسبه حرام، فهل يجوز أن أقبل هديته - كشخص يتعامل بالربا- فهل يجوز أن أقبل هديته؟ الصحيح أنه يجوز أن تقبل هديته؛ لأن النبي ﷺ قبل هدية اليهود وهم يأكلون السحت، ويأكلون الربا، ولأن هذا محرم لكسبه، والمحرم لكسبه يتعلق حكمه بالكاسب لا بمن تحول إليه على وجه مباح، نعم لو فرض أن في رد هدية هذا الذي يكتسب المال الحرام ردعا له عن الكسب الحرام كان ردها هاهنا حسنا من باب تحصيل المصالح ودفعا للمفسدة، أما إذا لم يكن فيه مصلحة فلا يجب علي ردها. هذه الشروط التي ذكرناها مأخوذة من أدلة أخرى غير هذا الحديث. فائدة في الإثابة على الهدية وحكمها: وقوله: «يثيب عليها» هل الثواب واجب؟ لا، لكنه من مكارم الأخلاق إلا إذا علمت أنه أهدى إلي لأثيبه، فحينئذ تجب الإثابة، مثال ذلك: هذا رجل أمير أملك جاء شخص صعلوك فأهدى إليه فرسا تساوي خمسة آلاف ريال، فقال له الأمير: جزاك الله خيرا وأخلف عليك، وصرفه، فهل هذا يكفي؟ لا يكفي؛ لأن قرينة الحال أنه يريد الثواب، ولهذا قال العلماء: إنه تجب الإثابة إذا علمنا أن الواهب يريد الثواب، وهذا صحيح كما قالوا: إنه يحرم قبول الهدية إذا علمنا أنه أهدى خجلاً وحياء فإنه يحرم قبول الهدية، فهذه أيضا تجب الإثابة أيهما أولى أن يثيب أو أن يرد الهدية؟ أن يثيب؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، ولأن في هذا جبرًا لقلب المهدي؛ لأنك لو رددت الهدية سوف يحدث في ذهنه لماذا ردها أكراهة لي أم في مالي حرام أم كذا أم كذا؟ لكن إذا قبلت فأثب إذا كنت تخشى أن صاحبك قد خسر عليها شيئا كثيرا، فأثب عليها، ويزول بذلك المحظور. «كان النبي ﷺ يقبل الهدية» وربما سأل الهدية لكن لمصلحة، مثال ذلك قصة السرية الذي بعثهم النبي ﷺ فنزلوا إلى قوم ضيوفا فلم يضيفوهم وقدر الله أن لدغ سيد القوم لدغته عقرب، فطلبوا من يقرأ عليه فقالوا: لعل هؤلاء القوم معهم راقٍ، فجاءوا إلى الصحابة وقولوا: إن سيدنا لُدِغ، وإنا نطلب من يرقي عليه، قالوا: ما نرقي عليه إلا بجعل، والصحابة معهم حق؛ لأنهم ما ضيفوهم، فجعلوا لهم غنما، فذهب أحدهم وجعل يقرأ عليه من فاتحة الكتاب فقط حتى قام الرجل كأنما نشط من عقال، ثم ترددوا في هذا، وقالوا: لا نأكل من الغنم حتى نصل إلى الرسول ﷺ ونخبره، فلما وصلوا إلى المدينة، وأخبروا النبي ﷺ قال: «خذوا

стр. 2135

? واضربوا لي معكم بسهم»، إذن طلب الهدية، لكن لأي شيء؟ لمصلحة القوم؛ لأن الرسول ﷺ إذا أخذ وأكل طابت نفوسهم أكثر، فلهذا نقول: هذا من مصلحة المُهدي، والنبي ﷺ لم يرد أن ينتفع بهذا ولكن لتطمئن قلوبهم، وكذلك دخل يوماً ورأى البرمة على النار وفيها لحم، فقدم إليه الطعام فقال: «ألم أرد في البرمة على النار» فقالوا: هذا لحم تُصدق به على بريرة، قال: «هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية». (٨٩٢) - وَعَن ابن عَباس ﵁ قَال: «وَهَبَ رَجُل لِرَسول الله ﷺ نَاقَهُ، فأثابه عَلَيْهَا، فَقَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: لا، فزاده، فَقَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: لا فزاده، قَالَ: رَضيتَ؟ قَالَ: نعم». رَوَاهُ أَحْمَد، وصححه ابنُ حِبَّانَ. قوله: «وهب رجل لرسول الله ﷺ ناقة»، من المعلوم أن هذا الرجل لم يهد هذه الناقة إلا وهو يترقب عوضا عنها، فالهدية هنا بمنزلة البيع، ولهذا أعطاه النبي ﷺ حتى رضي كما أعطى جابر بن عبد الله حتى رضي، كرر عليه حتى باع عليه، المهم أن النبي ﷺ فهم أن هذا الرجل الذي أهدى الناقة إنما أهداها على وجه المعاوضة فأثابه عليها فقال: رضيت؟ فقال: لا. فزاده ... إلخ، وهذا واضح في أن الرسول ﷺ كان يثيب ما يرضى به المُهدي إما بلسان حاله وإما بلسان مقاله، أما لسان المقال فكما سمعتم فى الحديث، وأما لسان الحال فأن يقدر المهدى إليه أن ما أثاب على هديه أكثر من قيمتها فإذا غلب على ظنه أنه أكثر أو أنه مساوٍ فقد أثاب. ويستفاد من هذا الحديث: أن هبة الثواب لابد فيها من رضا الواهب أو المهدي، الدليل أن النبي ﷺ كرر عليه الاسترضاء، ولكن لو أن المُهدي طلب أكثر مما تساوي مثاله أهدى إليك رجل ناقة تساوي ألفا فأعطيته ألفا، فقلت: رضيت. قال: لا. أعطيته ألفا ومائة. رضيت؟ قال: لا. ألف ومائتين، رضيت؟ قال: لا. والقيمة ألف، هل يلزمني أن أعطيه حتى يرضى ولو زاد على الثمن؟ لا يلزمني في هذه الحال، بل يجوز لي أن أقول: إذا لم ترض خذ ناقتك ولا غضاضة علي في هذا، لأننا عرفنا أن الرجل إنما من ليستكثر، والله يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. ومن فوائد الحديث: حُسن خلق النبي ﷺ حيث نزل كل إنسان منزلته، فأعطى هذا الرجل حتى رضي، وكان يوهب ﷺ من أصحابه، ولم يكن يفعل معهم كفعله مع هذا الرجل.

стр. 2136

صور العمرى والرقبى: (٨٩٣) - وَعَن جابر ﵁ قال: قال رَسول الله ﷺ : «العُمرى لِمنْ وهبَتْ لَهُ». مُتفق عليه. - ولمسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه». - وفي لفظٍ: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها». هو حديث واحد فيه بيان العُمرى والرقبى، العمرى: فُعلى مأخوذة من العمر، والرُّقبى على وزن َفُعْلى أيضا، مأخوذة من المراقبة، وكلاهما بمعنى واحد على القول الراجح، وهي أن يهب الإنسان شيئا لشخص هبة مُقيّدة بعمره، فيقول: وهبتك هذه عمرك، أو يقول: أعمرتك هذه أو أرقبتك هذه إذن فهي نوع من أنواع الهبة، لكنها مقيدة بالعمر، ولها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يُصرح بأنها له ولعقبه، فيقول: أعمرتك هذا البيت لك ولعقبك. الصورة الثانية: أن يُصرح بأنها له مدة عمره فقط. فيقول: أعمرتك هذا البيت مدة حياتك ثم هو لي. هاتان الصورتان الأمر فيهما واضح في الصورة الأولى تكون للمعمر ولعقبه يجري فيها الميراث ويكون قوله: «هي لك ولعقبك» من باب التوكيد؛ لأن مقتضى الهبة أن تكون للموهوب له ولعقبه. في الصورة الثانية: أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت فإنها ترجع إليَّ أو يقول: هي لك ما عشت وليس لعقبك منها شيء هذه الصورة واضحة أيضا ترجع إلى المغير لأنه قيدها، بماذا قيدها؟ قيدها في حياته وأنه ليس لعقبه منها شيء، وهذه أشبه ما تكون بالعارية إلا أنها تختلف عنها بأنها لو تلفت فليس على المعمر ضمان، لأنها موهوبة له فى هذه المدة. الصورة الثالثة: أن يُطلق فيقول: أعمرتك هذا البيت فقط، فهذه المسألة تكون للمعمر ولعقبه، يعني: تكون كالصورة الأولى، يعني: أنها له ولعقبه فلا ترجع إلى المعمر، هذا هو الذي

стр. 2137

يدل عليه حديث جابر ﵁، وهذا هو الموافق للقواعد العامة؛ لأن القواعد العامة أن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، فإنه يسقط. فلننظر الآن إلى الأحاديث يقول: «العمرى لمن وهبت له»: العمرى: هى الهبة المقيدة بالعمر «لمن وهبت له» يعني: ملكا وإذا كانت له فإنه يجري فيها الميراث، أنه إذا مات المُعمّر رجعت إلى ورثته على حسب الميراث، وهذا نصر صريح بأن العمرى لمن وهبت له، لكن المراد بها: العمرى المطلقة، يعني: التي لم تقيد بعمر المُعمر ولم تقيد بأنها له ولعقبه؛ لأنها لو قُيدّت بذلك فأمرها ظاهر، لكن إذا أطلق فيقول الرسول ﷺ : «لمن وهبت له؟ » قال: ولمسلم: «أمسكوا عليكم ... الخ» الخطاب هنا لمن؟ للمعمرين الواهبين، «ولا تفسدوها» يعني: بإخراجها عن ملككم فالمراد بالإفساد هنا ليس هو الإفساد الذي ضد الإصلاح، بل المراد إخراجها عن ملككم، يعني: أمسكوها ولا تخرجوها عن ملككم وذلك لأن العمرى يخرج بها الملك من المُعْمِر إلى المُعْمَر، ولهذا فرع عليها قوله: «فإنه من أعمر عُمرى فهي للذي أعمرها ... إلخ»، إذن لا تظن أنك إذا قلت: أعمرتك هذا البيت أن البيت سيرجع إليك، بل يكون للمعمّر، وحينئذٍ يفسد عليك كيف يفسد على المعمر؟ لأنه خرج عن ملكه، وفسد تصرفه فيه، لم يملك أن يتصرف، فكان النبي ﷺ يقول: تصرفوا على بصيرة فإنكم إن أعمرتم شيئا أفسدتموه على أنفسكم ونقلتم ملكه إلى المعمر حيا وميتا ولعقبه وقوله: «حياً» واضح أنه لو لم يكن حيا لكان ميتا و «لعقبه» كيف تكون هذه العمرى له ميتا ولعقبه؟ نقول: يمكن مثل أن يُوصي بجزء من ماله مثلاً إذا أوصى بثلث ماله ومن جملته هذه العُمرى صارت له ميتا، والثلثان للورثة لعقبه فكان الرسول ﷺ يقول: «هي له في حياته وبعد مماته ولعقبه»، أو يقال: له حيا وميتا فيما لو أوقفها على أعمال البر ومات فإن ثوابها يكون بعد موته له، أي: للمُعْمَر، أما عقبه فهو إذا أوقفها خرجت عن مُلكه وعن ملكهم أيضا، فصار قوله: «ميتا ولعقبه» لها صورتان: الصورة الأولى: أن يُوصى بالثلث فإذا أوصى بالثلث صار ثلث المعمّر داخلاً في الوصية، والثلثان للورثة. الصورة الثانية: أن يُوقف هذا الذي يعمره فيكون هذا وقفا في سبيل الله فحينئذ تكون له ميتا، وهل لعقبه منها شيء في هذه الصورة؟ ليس لعقبه منها شيء فيكون قوله: «ميتا ولعقبه» على وجه التوزيع، إما له خالصة إذا وقّفها، وإما لعقبة خالصة إذا لم يُوص بشيء فتكون كلها لعقبه. على كل حال: هذا الحديث يدل على أن العُمرى تكون ملكا تامًا للمُعْمَر يجري فيها الميراث، والوصية وكل شيء.

стр. 2138

? ثم قال: وفي لفظ: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك» يعني يقول: أعمرتك هذا البيت لك ولعقبك، وهذه هي الصورة الأولى التي ذكرناها المقيدة بأنها له ولعقبه، فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. «ما» هنا مصدرية ظرفية يُحول الفعل معها إلى ظرف ومصدر فيكون التقدير مدة عيشك، فإذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها وهو المُعْمِر بالكسر، إذن ذكر في الحديث صورتين: الصورة المقيدة بأنها له ولعقبه، والصورة الثانية بأنها له ما عاش، وبقي علينا الصورة المطلقة التي يقول أعمرتك هذا البيت، ولا يقول: ما عشت، ولا يقول: لك ولعقبك، وهذه تكون هبة تامة للمعمر حيا وميتاً ولعقبه. خلاصة الكلام: أن العمرى نوع من أنواع الهبة، وأن لها ثلاث صور: تارة تُقيّد بحياة الإنسان، وتارة تُقيّد بأنها له ولعقبه، وتارة تُطلق فإذا قيدت بحياة الإنسان رجعت إلى المعمر، إذا قيدت بأنها له ولعقبه، فهي له ولعقبه أي: للمعمر ولعقبه، وإذا أطلقت فهي للمعمر ولعقبه. ولأبي داود والنسائي: «لا تُرقبوا ولا تُعمروا» الرُقبى هي: العُمرى، لكن سُمّيت بذلك، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، فإن المعمر أو المرقب يرقب موت المرقب إذا مات سوف ترجع إليه يقول: فمن أرقب شيئا أو أعمر شيئا فهو لورثته، يعني: من بعده، وهذا كالحديث السابق. يُستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: أن العمرى والرقبى جائزة شرعا لأن النبى ﷺ أجازها. ومن فوائده: اعتبار الشروط في العقود؛ لقوله في رواية مسلم: «هي لك ... إلخ» وهذا قد دل عليه القرآن ودلت عليه السُنة في مواضع كثيرة فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والأمر بالإيفاء بالعقود أمر بإيفاء أصل العقد ووصفه الذي هو الشروط وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرطه»، مفهومه كل شرط في كتاب الله فهو صحيح، وقال ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالاً»، وعلى هذا فالشروط في العقود جائزة ما لم تتضمن حرامًا فإن تضمنت حرامًا فهي حرام، لو قال المقرض مثلاً للمقترض: أقرضتك ألف ريال على أن تخدمني كل يوم ساعة هذا حرام، لماذا؟ لأنه أحل حرامًا، إذ إن المقترض لا يجوز أن ينتفع من المقرض بشيء حكم شراء الهبة:

стр. 2139

حتى الهدية لو أهدى إليه المقترض لا يجوز له قبوله، لأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا، هذه القاعدة معروفة. ومن فوائد الحديث: إرشاد النبي ﷺ إلى الاحتفاظ بالأموال في قوله: «أمسكوا عليكم أموالكم»، وهذا يدل بالمفهوم علي النهي عن إضاعة الأموال وقد دل عليه الكتاب والسُنة، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. وثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال، وأن الإنسان يُسأل عن ماله فيما أنفقه، وهذا يدل على وجوب حفظ الأموال حتى لو كان الإنسان غنيًا لا يجوز له أن يبذر، كما قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧]. لما قال بين ذلك فيه احتمال أن يكون إلى التقتير أكثر أو إلى الإسراف أكثر، فإن كان إلى التقتير أكثر كان مذموما، وإن كان إلى الإسراف أكثر كان مذمومًا، ولهذا قيدها بقوله: ﴿قَوَاماً﴾ يعنى: مستقيمًا ليس فيه ميل إلى هذا ولا إلى هذا. ومن فوائد الحديث: أن الرقبى التي تمضي للمعمر أو للمرقب تكون إذا أطلقت، وإذا قيدت بأنها له ولعقبه، أي: في صورتين، وأنها إذا قيدت برجوعها إلى المرقب أو المعمر فإنها ترجع إليه. حكم شراء الهبة: (٨٩) ٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم ... ». الحديث متفقٌ عليه. قوله: «حملت على فرس في سبيل الله»، «حملت» لها مفعول محذوف تقديره: حملت ر جلاً على فرس، فالمعنى: أنه تصدق على هذا الرجل بفرس يُجاهد عليه في سبيل الله. وقوله: «فأضاعه» يعني: أهمله فلم يقم بواجبه يعني: أجاعه أعطشه ولا أعلفه، فضعف الفرس. وقوله: «فظننت أنه بائعه برخص» أي: بثمن قليل. وقوله: سألت الرسول ﷺ عن ذلك كأنه ﵁ تردد في جواز شرائه بعد أن أخرجه في سبيل الله، فقال: «لا تبتعه» يعني: لا تشتره، وعندنا كلمتان: باع وابتاع، يعني: بذل الشيء بثمن، ابتاعه: اخله بثمن، ونظيرها شرى واشترى، شرى، يعني: باع، واشترى، يعني: أخذ،

стр. 2140

عندنا أن شرى بمعنى اشترى، يقول القائل: شريت السلعة وهو قد اشتراها، وهذا لا يستقيم في اللغة العربية، بل يُقال: اشترى فإذا قال: شريت السلعة فالمعنى بعتها، ولهذا لو أن شخصا قال لك: يا فلان لماذا تشتري بيت فلان، وأنا لي فيه نظر؟ فقلت: والله ما شريته تكون بارا بيمينك، إذن في هذا تورية بناء على استعمال الناس لهذه المادة شرى أي: اشترى. وقوله: «وإن أعطاكه بدرهم» يعني: ولو كان بثمن رخيص، ومعلوم أنه لو طلب عليه ثمنا كثيرا ما اشتراه عمر، لكن يقول: لا تشتره بأي حال من الأحوال. تمام الحديث: «فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»: الحديث الصورة فيه واضحة. في هذا الحديث فوائد كثيرة: منها جواز إيقاف الحيوان في سبيل الله لقوله: «حملت على فرس في سبيل الله» فإن الظاهر أنه أوقفه، ويُحتمل أنه ﵁ تصدّق به على الرجل صدقة مطلقة على أنه ملكه. فإن قال قائل: أفلا يكون قوله ﷺ : «لا تعد في صدقتك، فإن العائد ... إلخ» أليس هذا يقوي أن عمر تصدق به على ذلك الرجل تمليكا؟ ! فالجواب: أن الوقف يُسمّى صدقة كما مر علينا في كتاب الوقف أن النبي ﷺ قال لعمر: «تصدق بثمره» فالوقف يُسمّى صدقة، على كل حال: سواء أوقفه عمر أو أعطاه هذا الرجل على أنه صدقة تمليك، فهو دليل على جواز ذلك. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يشتري الإنسان صدقته، لأن النبي ﷺ نهى عمر عن شراء هذا الفرس. ومن فوائده: أن الشراء نوع من الرجوع في الهبة أو الصدقة، وجهه أن النبي ﷺ قال: «لا تعد في صدقتك ... إلخ». فإن قال قائل: كيف يكون عودًا في الصدقة وهو قد اشتراه بثمن؟ فجوابه: أن العادة في مثل هذا أن المتصدق عليه يعطي المتصدق الشيء بأقل من ثمنه فإذا نقص الثمن فكأنه عاد ببعض الصدقة. مثاله: إذا قدرنا أن هذا الفرس يُساوي مائة درهم، فأراد عمر أن يشتريه بثمانين درهمًا فقد عاد بعشرين درهمًا يعني: خمس ما تصدق به، فهذا نوع من الرجوع في الصدقة، وكذلك لو وهبت شخصا هبة ثم اشتريتها منه فإنه لا يجوز لأن العادة تقتضي أن يخفض من الثمن لأنك أنت الذي مننت عليه فلا يمكن أن يُماكسك في الثمن، ويكون التنزيل نوعا من الرجوع، فإن قال قائل: ما تقولون فيما لو باعه بثمن المثل تمامًا بحيث إن هذا الفرس مثلاً نودي عليه في
следующие страницы →