Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
صور العمرى والرقبى:
(٨٩٣) - وَعَن جابر ﵁ قال: قال رَسول الله ﷺ : «العُمرى لِمنْ وهبَتْ لَهُ». مُتفق عليه.
- ولمسلم: «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا، ولعقبه».
- وفي لفظٍ: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها».
هو حديث واحد فيه بيان العُمرى والرقبى، العمرى: فُعلى مأخوذة من العمر، والرُّقبى على وزن َفُعْلى أيضا، مأخوذة من المراقبة، وكلاهما بمعنى واحد على القول الراجح، وهي أن يهب الإنسان شيئا لشخص هبة مُقيّدة بعمره، فيقول: وهبتك هذه عمرك، أو يقول: أعمرتك هذه أو أرقبتك هذه إذن فهي نوع من أنواع الهبة، لكنها مقيدة بالعمر، ولها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يُصرح بأنها له ولعقبه، فيقول: أعمرتك هذا البيت لك ولعقبك.
الصورة الثانية: أن يُصرح بأنها له مدة عمره فقط. فيقول: أعمرتك هذا البيت مدة حياتك ثم هو لي.
هاتان الصورتان الأمر فيهما واضح في الصورة الأولى تكون للمعمر ولعقبه يجري فيها الميراث ويكون قوله: «هي لك ولعقبك» من باب التوكيد؛ لأن مقتضى الهبة أن تكون للموهوب له ولعقبه.
في الصورة الثانية: أن يقول: هي لك ما عشت فإذا مت فإنها ترجع إليَّ أو يقول: هي لك ما عشت وليس لعقبك منها شيء هذه الصورة واضحة أيضا ترجع إلى المغير لأنه قيدها، بماذا قيدها؟ قيدها في حياته وأنه ليس لعقبه منها شيء، وهذه أشبه ما تكون بالعارية إلا أنها تختلف عنها بأنها لو تلفت فليس على المعمر ضمان، لأنها موهوبة له فى هذه المدة.
الصورة الثالثة: أن يُطلق فيقول: أعمرتك هذا البيت فقط، فهذه المسألة تكون للمعمر ولعقبه، يعني: تكون كالصورة الأولى، يعني: أنها له ولعقبه فلا ترجع إلى المعمر، هذا هو الذي
стр. 2137
يدل عليه حديث جابر ﵁، وهذا هو الموافق للقواعد العامة؛ لأن القواعد العامة أن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، فإنه يسقط.
فلننظر الآن إلى الأحاديث يقول: «العمرى لمن وهبت له»: العمرى: هى الهبة المقيدة بالعمر «لمن وهبت له» يعني: ملكا وإذا كانت له فإنه يجري فيها الميراث، أنه إذا مات المُعمّر رجعت إلى ورثته على حسب الميراث، وهذا نصر صريح بأن العمرى لمن وهبت له، لكن المراد بها: العمرى المطلقة، يعني: التي لم تقيد بعمر المُعمر ولم تقيد بأنها له ولعقبه؛ لأنها لو قُيدّت بذلك فأمرها ظاهر، لكن إذا أطلق فيقول الرسول ﷺ : «لمن وهبت له؟ » قال: ولمسلم: «أمسكوا عليكم ... الخ» الخطاب هنا لمن؟ للمعمرين الواهبين، «ولا تفسدوها» يعني: بإخراجها عن ملككم فالمراد بالإفساد هنا ليس هو الإفساد الذي ضد الإصلاح، بل المراد إخراجها عن ملككم، يعني: أمسكوها ولا تخرجوها عن ملككم وذلك لأن العمرى يخرج بها الملك من المُعْمِر إلى المُعْمَر، ولهذا فرع عليها قوله: «فإنه من أعمر عُمرى فهي للذي أعمرها ... إلخ»، إذن لا تظن أنك إذا قلت: أعمرتك هذا البيت أن البيت سيرجع إليك، بل يكون للمعمّر، وحينئذٍ يفسد عليك كيف يفسد على المعمر؟ لأنه خرج عن ملكه، وفسد تصرفه فيه، لم يملك أن يتصرف، فكان النبي ﷺ يقول: تصرفوا على بصيرة فإنكم إن أعمرتم شيئا أفسدتموه على أنفسكم ونقلتم ملكه إلى المعمر حيا وميتا ولعقبه وقوله: «حياً» واضح أنه لو لم يكن حيا لكان ميتا و «لعقبه» كيف تكون هذه العمرى له ميتا ولعقبه؟ نقول: يمكن مثل أن يُوصي بجزء من ماله مثلاً إذا أوصى بثلث ماله ومن جملته هذه العُمرى صارت له ميتا، والثلثان للورثة لعقبه فكان الرسول ﷺ يقول: «هي له في حياته وبعد مماته ولعقبه»، أو يقال: له حيا وميتا فيما لو أوقفها على أعمال البر ومات فإن ثوابها يكون بعد موته له، أي: للمُعْمَر، أما عقبه فهو إذا أوقفها خرجت عن مُلكه وعن ملكهم أيضا، فصار قوله: «ميتا ولعقبه» لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يُوصى بالثلث فإذا أوصى بالثلث صار ثلث المعمّر داخلاً في الوصية، والثلثان للورثة.
الصورة الثانية: أن يُوقف هذا الذي يعمره فيكون هذا وقفا في سبيل الله فحينئذ تكون له ميتا، وهل لعقبه منها شيء في هذه الصورة؟ ليس لعقبه منها شيء فيكون قوله: «ميتا ولعقبه» على وجه التوزيع، إما له خالصة إذا وقّفها، وإما لعقبة خالصة إذا لم يُوص بشيء فتكون كلها لعقبه.
على كل حال: هذا الحديث يدل على أن العُمرى تكون ملكا تامًا للمُعْمَر يجري فيها الميراث، والوصية وكل شيء.
стр. 2138
?
ثم قال: وفي لفظ: «إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك» يعني يقول: أعمرتك هذا البيت لك ولعقبك، وهذه هي الصورة الأولى التي ذكرناها المقيدة بأنها له ولعقبه، فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها.
«ما» هنا مصدرية ظرفية يُحول الفعل معها إلى ظرف ومصدر فيكون التقدير مدة عيشك، فإذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها وهو المُعْمِر بالكسر، إذن ذكر في الحديث صورتين: الصورة المقيدة بأنها له ولعقبه، والصورة الثانية بأنها له ما عاش، وبقي علينا الصورة المطلقة التي يقول أعمرتك هذا البيت، ولا يقول: ما عشت، ولا يقول: لك ولعقبك، وهذه تكون هبة تامة للمعمر حيا وميتاً ولعقبه.
خلاصة الكلام: أن العمرى نوع من أنواع الهبة، وأن لها ثلاث صور: تارة تُقيّد بحياة الإنسان، وتارة تُقيّد بأنها له ولعقبه، وتارة تُطلق فإذا قيدت بحياة الإنسان رجعت إلى المعمر، إذا قيدت بأنها له ولعقبه، فهي له ولعقبه أي: للمعمر ولعقبه، وإذا أطلقت فهي للمعمر ولعقبه.
ولأبي داود والنسائي: «لا تُرقبوا ولا تُعمروا» الرُقبى هي: العُمرى، لكن سُمّيت بذلك، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، فإن المعمر أو المرقب يرقب موت المرقب إذا مات سوف ترجع إليه يقول: فمن أرقب شيئا أو أعمر شيئا فهو لورثته، يعني: من بعده، وهذا كالحديث السابق.
يُستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: أن العمرى والرقبى جائزة شرعا لأن النبى ﷺ أجازها.
ومن فوائده: اعتبار الشروط في العقود؛ لقوله في رواية مسلم: «هي لك ... إلخ» وهذا قد دل عليه القرآن ودلت عليه السُنة في مواضع كثيرة فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والأمر بالإيفاء بالعقود أمر بإيفاء أصل العقد ووصفه الذي هو الشروط وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرطه»، مفهومه كل شرط في كتاب الله فهو صحيح، وقال ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالاً»، وعلى هذا فالشروط في العقود جائزة ما لم تتضمن حرامًا فإن تضمنت حرامًا فهي حرام، لو قال المقرض مثلاً للمقترض: أقرضتك ألف ريال على أن تخدمني كل يوم ساعة هذا حرام، لماذا؟ لأنه أحل حرامًا، إذ إن المقترض لا يجوز أن ينتفع من المقرض بشيء
حكم شراء الهبة:
стр. 2139
حتى الهدية لو أهدى إليه المقترض لا يجوز له قبوله، لأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا، هذه القاعدة معروفة. ومن فوائد الحديث: إرشاد النبي ﷺ إلى الاحتفاظ بالأموال في قوله: «أمسكوا عليكم أموالكم»، وهذا يدل بالمفهوم علي النهي عن إضاعة الأموال وقد دل عليه الكتاب والسُنة، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. وثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال، وأن الإنسان يُسأل عن ماله فيما أنفقه، وهذا يدل على وجوب حفظ الأموال حتى لو كان الإنسان غنيًا لا يجوز له أن يبذر، كما قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧]. لما قال بين ذلك فيه احتمال أن يكون إلى التقتير أكثر أو إلى الإسراف أكثر، فإن كان إلى التقتير أكثر كان مذموما، وإن كان إلى الإسراف أكثر كان مذمومًا، ولهذا قيدها بقوله: ﴿قَوَاماً﴾ يعنى: مستقيمًا ليس فيه ميل إلى هذا ولا إلى هذا.
ومن فوائد الحديث: أن الرقبى التي تمضي للمعمر أو للمرقب تكون إذا أطلقت، وإذا قيدت بأنها له ولعقبه، أي: في صورتين، وأنها إذا قيدت برجوعها إلى المرقب أو المعمر فإنها ترجع إليه.
حكم شراء الهبة:
(٨٩) ٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم ... ». الحديث متفقٌ عليه.
قوله: «حملت على فرس في سبيل الله»، «حملت» لها مفعول محذوف تقديره: حملت ر جلاً على فرس، فالمعنى: أنه تصدق على هذا الرجل بفرس يُجاهد عليه في سبيل الله.
وقوله: «فأضاعه» يعني: أهمله فلم يقم بواجبه يعني: أجاعه أعطشه ولا أعلفه، فضعف الفرس.
وقوله: «فظننت أنه بائعه برخص» أي: بثمن قليل.
وقوله: سألت الرسول ﷺ عن ذلك كأنه ﵁ تردد في جواز شرائه بعد أن أخرجه في سبيل الله، فقال: «لا تبتعه» يعني: لا تشتره، وعندنا كلمتان: باع وابتاع، يعني: بذل الشيء بثمن، ابتاعه: اخله بثمن، ونظيرها شرى واشترى، شرى، يعني: باع، واشترى، يعني: أخذ،
стр. 2140
عندنا أن شرى بمعنى اشترى، يقول القائل: شريت السلعة وهو قد اشتراها، وهذا لا يستقيم في اللغة العربية، بل يُقال: اشترى فإذا قال: شريت السلعة فالمعنى بعتها، ولهذا لو أن شخصا قال لك: يا فلان لماذا تشتري بيت فلان، وأنا لي فيه نظر؟ فقلت: والله ما شريته تكون بارا بيمينك، إذن في هذا تورية بناء على استعمال الناس لهذه المادة شرى أي: اشترى.
وقوله: «وإن أعطاكه بدرهم» يعني: ولو كان بثمن رخيص، ومعلوم أنه لو طلب عليه ثمنا كثيرا ما اشتراه عمر، لكن يقول: لا تشتره بأي حال من الأحوال.
تمام الحديث: «فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»: الحديث الصورة فيه واضحة.
في هذا الحديث فوائد كثيرة: منها جواز إيقاف الحيوان في سبيل الله لقوله: «حملت على فرس في سبيل الله» فإن الظاهر أنه أوقفه، ويُحتمل أنه ﵁ تصدّق به على الرجل صدقة مطلقة على أنه ملكه.
فإن قال قائل: أفلا يكون قوله ﷺ : «لا تعد في صدقتك، فإن العائد ... إلخ» أليس هذا يقوي أن عمر تصدق به على ذلك الرجل تمليكا؟ !
فالجواب: أن الوقف يُسمّى صدقة كما مر علينا في كتاب الوقف أن النبي ﷺ قال لعمر: «تصدق بثمره» فالوقف يُسمّى صدقة، على كل حال: سواء أوقفه عمر أو أعطاه هذا الرجل على أنه صدقة تمليك، فهو دليل على جواز ذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يشتري الإنسان صدقته، لأن النبي ﷺ نهى عمر عن
شراء هذا الفرس.
ومن فوائده: أن الشراء نوع من الرجوع في الهبة أو الصدقة، وجهه أن النبي ﷺ قال: «لا تعد في صدقتك ... إلخ».
فإن قال قائل: كيف يكون عودًا في الصدقة وهو قد اشتراه بثمن؟
فجوابه: أن العادة في مثل هذا أن المتصدق عليه يعطي المتصدق الشيء بأقل من ثمنه فإذا نقص الثمن فكأنه عاد ببعض الصدقة.
مثاله: إذا قدرنا أن هذا الفرس يُساوي مائة درهم، فأراد عمر أن يشتريه بثمانين درهمًا فقد عاد بعشرين درهمًا يعني: خمس ما تصدق به، فهذا نوع من الرجوع في الصدقة، وكذلك لو وهبت شخصا هبة ثم اشتريتها منه فإنه لا يجوز لأن العادة تقتضي أن يخفض من الثمن لأنك أنت الذي مننت عليه فلا يمكن أن يُماكسك في الثمن، ويكون التنزيل نوعا من الرجوع، فإن قال قائل: ما تقولون فيما لو باعه بثمن المثل تمامًا بحيث إن هذا الفرس مثلاً نودي عليه في
стр. 2141
السوق وسامه الناس ووقف ولم يزد فاشتراه الذي تصدق به هل تجوزون هذا؟ الجواب: قل نجوزه بناء على أن الرجوع في هذه الصورة لم يتحقق وقد تمنع منه سلا للذريعة، لئلا يتجاسر الناس على هذا الأمر، ويشترون ما تصدقوا به أو ما وهبوه بثمن أقل، لأننا لو قدرنا أن الثمن يكون مطابقا للقيمة في صورة من الصور فإن هذا قد لا يتأتى في جميع الصور يعني: أن يكون الواهب ورعًا لا يمكن أن يأخذه بأدنى من قيمته، لكن يأتى واهبون كثيرون يأخذونه بأقل من قيمته، فلذلك نقول: إن باب سد الذرائع وهي قاعدة معروفة عند الأصوليين والفقهاء أيضا تقتضي المنع مطلقا، أي: لا يشتريه ولو بثمن المثل.
فإن قال قائل: لو أن هذا الرجل باعه على شخص آخر فهل يجوز أن يشتريه من الشخص الآخر؟ الجواب: نعم؛ لأنه انتقل منه على وجه الشراء، ويدل لهذا الأصل أن النبي ﷺ دخل ذات يوم فوجد اللحم على النار، فقيل: إنه تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا منها هدية.
ومن فوائد الحديث: ورع عمر ﵁ حيث توقف في الأمر حتى سأل النبي ﷺ .
ومنها: أن الله تعالى قد يعطي الإنسان الذي عُرف بالورع كرامة بحيث لا يقدم على شيء فيه حرج وشك، فإن عمر لو أقدم بسرعة على هذا الفعل لوقع في المحظور، لكنه من كرامة الله له أن توقف حتى يسأل ﷺ .
ومنها أيضا: حرص الصحابة على العلم، ولكن الصحابة يحرصون على العلم ليعملوا به بخلاف ما كان الناس عليه من زمن بعيد، يحرصون على العلم حرصا نظريًا فقط لا عمليا، فتجده يحرص على العلم ويحقق المسألة، ويعرف الحكم، لكن لا يعمل بها، فهذه مشكلة، وهي موجودة الآن بكثرة عند الناس، وهذا يكون حجة عليه، وأنا أذكر لكم بالنسبة للورع قصة وقعت لشخص من الناس كان قد قطع أثلاً له، يعني: جرّه ولما جاء ليأخذه وإذا جاره قد قطع أثله أيضا، وجعله كومة إلى جنب كومة الرجل، فأناخ بعيره وحمل عليها الخشب وربطه وزجر البعير لتقوم فأبت أن تقوم لأنها حمل عليها حطب غيره، وكان الرجل معروفا بالورع والصلاح، فزجرها وضربها فأبت، فتعجب، ناقته يعرفها، فلما فكر وقعت عينه على خشبة وعرف أنه أخطأ وأنه حمل خشب غيره فأنزل الخشب وحمل خشبه، فلما انتهى بمجرد ما كلم البعير بأدنى زجر قامت ومشت! هذا شيء حُكي لنا، وهذا من حماية الله للإنسان فقد يحصل أن الله يُعسر عليه الشيء المحرم الذي يضره من حيث لا يشعر. قد يحرمك الله شيئا تحب أن يتحصل لك، لكن في النهاية يكون خيرا لك.
стр. 2142
الحث على الهدية:
٨٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا». رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى بإسناد حسن.
«تهادوا»: فعل أمر من الهدية، والمعنى ليهد بعضكم إلى بعض، وسبق لنا أن الهدية نوع من الهبة، ولكنه يقصد بها التآلف والتودد، ولهذا تُسمّى هدية.
وقوله: «تحابوا»، فعل مضارع حُذفت منه إحدى التائين، والتقدير: تتحابون، وحُذفت النون منه، لأنه مجزوم على أنه جواب الأمر في قوله: تهادوا تحابوا يعني: أنكم إذا تهاديتم كان ذلك سببا للمودة فيما بينكم، فإن الهدية تُوجب المحبة إذا أهدى إليك شخص شيئا فإنك تحبه، هذه فطرة الناس التى فطرهم عليها، ومن ثمّ كان للمؤلفة قلوبهم نصيب من الزكاة؛ لأنهم إذا أعطوا منها أحبوا المُعطي وألفوه وازدادت قوة إيمانهم أو انكف شرهم إن أعطوا لكف الشر.
يُستفاد من هذا الحديث: استحباب الهدية، لأن النبي ﷺ أمر بها، ولكن لابد لذلك من
شروط:
الشرط الأول: أن يكون المهدي قادرا عليها فلا يذهب يستدينها ثم يهديها كما يفعل بعض الناس يستدين قيمة الهدية ثم يهديها إلى تاجر أو أمير أو ملك يرجو من وراء ذلك أن يعطى أكثر ثم قد لا يُعطى ويُنسى، فلابد من هذا القيد.
الشرط الثاني: ألا تكون عونا للمهدى إليه على معصية الله، فإن كان يُهدي إلى هذا الشخص ثم يذهب المهدى إليه فيشتري بها شيئا محرمًا، فإنه لا يجوز الإهداء إليه، لأن القاعدة الشرعية أن ما ترتب عليه الإثم فهو إثم لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] هذا بالنسبة للمهدى لابد أن يكون واجداً، ولابد ألا يستعين المهدى إليه بها على شيء محرم، بقي علينا قبول الهدية هل يُشرع للإنسان أن يقبل الهدية أو أن يردها أم ماذا؟ سبق لنا حديث عائشة أن النبي ﷺ «كان يقبل الهدية ويثيب عليها»، وعلى هذا فنقول: يُسن للإنسان قبول الهدية إذا كان يريد أن يثيب اقتداء برسول الله ﷺ ، وسبق لنا هناك أنه يُشترط للقبول ألا يخاف الإنسان منة المهدي، فإن خاف أن يمن عليه فإنه لا يلزمه القبول، ولا يشرع له القبول؛ لأن بعض الناس إذا أهدى هدية صار يمن بها على المهدى كلما جلس معه مجلساً، قال: يا فلان لا تنس هديتي ذلك اليوم، فيكسر على رأسه البيض، وهو قد أهدى إليه، هذا لا يلزمه
стр. 2143
القبول، بل ولا يشرع له، إذن نقول للمُهدّى إليه: إذا كنت تخشى أن يمن عليك هذا المُهدي فإنه لا يُشرع لك أن تقبل لئلا يؤذيك ويشترط لقبولها أيضا ألا تعلم أو يغلب على ظنك أنه إنما أهداها حياء أو خجلاً، فإن علمت أو غلب على ظنك أنه أهدى حياء أو خجلاً، فإنه لا يجوز لك أن تقبل، ولكن هل تقول: أنا لا أقبل الهدية، لأنك ما أعطيتني إلا خجلاً أو تردها بردّ لطيف؟ الثاني، لكن أنت إذا علمت أن هذا الرجل لم يهد إليك الهدية إلا خجلاً منك أو حياء: فقل يا أخي جزاك الله خيرا أنا مستغنٍ عنها وأنت ربما تكون أحوج بها وكلامًا لطيب خاطره.
ومن فوائد الحديث: أن الهدية سبب للمحبة؛ لأن النبي ﷺ جعل ذلك جوابًا للأمر بها في قوله «تهادوا».
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل كل ما فيه جلب المودة بينه وبين الناس سواء في الهدية أو في لين الجانب أو في الكلام الحسن أو في طلاقة الوجه، كل ما يوجب المودة بينك وبين الناس فافعله بقدر المستطاع، ولكن يعتري الإنسان أحيانا حالات قد لا يكون فيها على الوجه الذي ينبغي، فمثل هذه الحال ينبغي له أن يعتذر لصاحبه، أحيانا قد يكلمك شخص وأنت مثلاً مشغول فكريا أو مشغول بدنيًا أو مشغول اجتماعيا بشيء لا يمكنك أن تنبسط مع هذا الرجل فحينئذ ينبغي أن تعتذر منه من أجل أن يطيب قلبه وتقضي حاجتك أنت.
قال: رواه البخاري في «الأدب المفرده وهو كتاب للبخاري غير الصحيح، وقد جمع فيه ﵀ أحاديث جيدة في الأخلاق والسلوك لكنها ليست في الصحة كالصحيح؛ ولهذا قال المؤلف هنا: وأبو يعلى بإسناد حسن مع أن البخاري هو الذي رواه.
? ? ? - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تهادوا، فإن الهدية تَسُلُّ السخيمةَ». رواه البزار بإسناد ضعيف.
«تهادوا» أي: ليهد بعضكم إلى بعض، وهذا أمر ثم علل هذا الأمر بقوله: «فإن الهدية تسل السخيمة»، وهي: الضغينة والحقد والكراهة، وهو بمعنى الحديث الأول، «وتسل السخيمة» أي: تذهبها فإن الإنسان قد يكون في قلبه شيء عليك فإذا أهديت إليه شيئا فإنه يزول عنك ما في قلبك، ولكن يشترط في هذه الهدية، وهو ينبغي أن يكون في الحديث السابق - ألا تكون الهدية سببًا لترك واجب أو فعل محرم، فإذا كانت سببًا له فهي ممنوعة، وهذا يتصور فيما لو أهدى
стр. 2144
إليك رجل من التجار هدية، وهو ممن يتعامل بالربا من أجل ألا تنكر عليه فهنا لا يجوز لك القبول؛ لأنه متى كانت الهدية وقاية لدينك فلا تقبلها، وهذا يقع كثيرا، فإن بعض الناس يُماكس بعض العلماء على مسائل الدين فيكثر لهم من الهدايا، من أجل أن يسكتوا عنه، فإذا كانت الحال هكذا فإنه لا يجوز قبول الهدية، لأنك صرت الآن بعت دينك بها، اشتريت بآيات الله ثمنا قليلاً، لكن هذين الحديثين على ما فيهما من ضعف معناهما صحيح، لا شك أن الهدية تجلب المودة وتذهب السخيمة.
(٨٩٧) - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». متفقٌ عليه.
قوله ﷺ : «يا نساء المسلمات» من باب إضافة الموصوف إلى صفته، يعني: يا أيتها النساء المسلمات، وخص النداء بنساء المسلمات؛ لأن المرأة المسلمة هي التي يحملها إسلامها على قبول ما جاء به النبي ﷺ ، فهو من باب الإغراء والحث على قبول ما أمر به ﷺ .
وقوله: «لا تحقرن»، هذا نهي، وفيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن المعروف أن «لا» الناهية تجزم الفعل، وهنا الفعل آخره الراء وهو غير مجزوم بل هو مفتوح ولننظر ماذا تقولون؟ لأنه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، لكن يرد على هذا قوله تعالى: ﴿ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. فإن الفعل هنا متصل بنون التوكيد ولم يُبْنَ؟ إذن نقول: يبنى على الفتح إذا كانت مباشرة لفظا وتقديرا، وهذه لفظا لا تقديرا يقول: «لا تحقرن جارة لجارتها»، الجارة: هي القريبة وليس المراد بالجارة: الضرة، يعني: الزوجة الثانية للزوج المراد بالجارة هنا القريبة قال: «ولو فرسن شاة»، فرسن الشاة هو للغنم بمنزلة الخف للإبل، وهو مما يضرب به المثل في القلة والزهد فيه، والحديث يقول الرسول ﷺ : «لا تحقر المرأة أن تهدي لجارتها شيئا من بيتها ولو كان شيئا قليلاً مثل فرسن الشاة».
فنستفيد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يهدي لجيرانه ولو شينَا قليلاً وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اشتريت لحمًا فأكثر مرقها وتعاهد جيرانك»، حتى في هذا الأمر، وذلك لما يترتب عليه من الفائدة وهي الألفة بين الجيران، ولا شك أن الألفة بين الجيران فيها مصالح كثيرة منها: التعاون على البر والتقوى فيما إذا كان أحدهما مقصراً، ومنها: الحماية والرعاية، لأن جارك يحميك.
стр. 2145
ومنها: التغاضي عن الحقوق إذا كان بينك وبينه حق ومعلوم أن الجار بينه وبين جاره حق فإذا كنت تهدي إليه ويهدي إليك تغاضى عن حقوقك وتغاضيت أنت عن حقوقه.
ومنها: أن الإنسان ينال بها كمال الإيمان لقول الرسول ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». ولهذا أمر النبي ﷺ بالهدية إلى الجيران حتى في الشيء القليل.
ومنها جواز هدية المرأة من بيت زوجها للشيء اليسير لقوله: وجارة لجارتها، والعلماء ﵏ قيدوا ذلك بشرط ألا يكون الزوج بخيلاً لا يرضى فإن كان بخيلاً لا يرضى فإنه لا يجوز لها أن تُهدي شيئا من بيت زوجها حتى ولو قليلاً وقد كان بعض النساء المجتهدات المحبات للخير تُهدي الشيء القليل ولو كان الزوج قد نهاها وتقول: إنه يفسد؛ لأن بعض الأزواج يقول لزوجته: لا تهدي شيئا أبداً ولو فسد الطعام، فمن النساء من تقول: إذا كان يفسد فأنا سأهدي، وجوابنا على ذلك أن نقول لها: لا يحل لكي أن تهدي إذا نهاك عن الهدية، لأن المال ماله، والبيت بيته، والإثم الحاصل بفساد هذا المال عليه هو، أما أنت فليس لك الحق، لكن في هذه الحال ينبغي لها أن تعظه وتخوفه من الله فإذا بقي شيء من الطعام الذي يفسد لو بقي تحثه على أن يتصدق به، وهذا يقع كثيرا فيما إذا كان عند الزوج وليمة، أما إذا كانت المسألة عادية، فإنه يمكنها أن تجعل الطعام بقدر الحاجة فقط، وحينئذ لا يبقى شيء في الغالب، لكن إذا كان هناك دعوة فربما يبقى شيء كثير.
ومن فوائد الحديث: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، وجهه أنه إذا جاز أن تتصدق من مال زوجها اليسير فمن باب أولى أن تتصدق بشيء من مالها.
(٨٩٨) - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من وهب هبه؛ فهو أحق بها ما لم يثب عليها». رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر، عن عمر قوله.
يعني: المحفوظ أنه موقوف وليس بمرفوع، موقوف على عمر يقول: «من وهب هبة فهو أحق بها»، هذا ليس على إطلاق بل المراد من وهب هبة ثواب فهو أحق بها ما لم يُثب عليها، وذلك أن الهبة على نوعين: نوع يُراد به الثواب، فهذه حكمها حكم البيع إذا لم يحصل لك الثواب فلك أن تردها، ونوع يُراد به التبرع المحض، فهذه تكون ملكا للموهوب له سواء أثابك أم لم يثبك، فيحمل هذا الحديث على النوع الأول أي: على الهبة التي يريد بها المهدي الثواب.
стр. 2146
فإذا قال قائل: ما الذي يدرينا أنه أراد الثواب، أو التبرع المطلق؟ نقول: القرينة، فإذا جاءنا رجل فقير أهدى لشخص غني، فهنا القرينة تدل على أنه أراد الثواب، فإذا لم يثبه فهو أحق بهبته يرجع بها، لكن إذا كانت الهبة بين شخصين متساويين فإن الظاهر أنها ليست للثواب، وأنها تبرع محض، لكن إذا قامت قرينة تدل على أنها ثواب، فإنه يردها إذا لم يثب عليها.
يُستفاد من الحديث: أن هبة الثواب إذا لم يثب عليها الواهب فإنه يرجع فيها.
ومن فوائده: العمل بالقرائن، لأننا لا نعلم أنها هبة ثواب إلا بقرينة، أما لو صرح وقال: سأهدي عليك هذا الكتاب لتهدي علي كتابك فهذا بيع محض، لكن إذا لم يصرح ودلت القرينة على أنه للثواب عمل بها.
١٩ - باب اللقطة
اللقطة: على وزن فعلة، وهي بمعنى الشيء الملقوط، وفسرها أو عرفها الفقهاء بأنها: «مال أو مختص ضل عن ربه أو أضاعه ربه»، المال: ما يصح عقد البيع عليه، والمختص: ما لا يصح عقد البيع عليه، فالكلب المعلم مختص، فإذا وجد الإنسان كلبًا معلمًا فهو لقطة، وهو مختص يعني: لقطة بالمعنى العام، وإن كان يُسمّى ضالة وإذا وجد كتابًا فهو مال، إذن ما أضاعه ربه من ماله المختص فإنه لقطة، فإذا كان حيوانا فله اسم خاص وهو الضال.
واللقطة تنقسم إلى ثلاث أقسام:
قسم يملكه الإنسان بمجرد ما يجده: وهو الشيء اليسير الزهيد الذي لا تتبعه همة الناس مثل الريال والريالين، هذه متى وجدها الإنسان فهي له ما لم يعلم صاحبها، فإن علم صاحبها فهي لصاحبها، لكن إذا لم يعلم فهو لمن وجده، ومثل القلم الذي قيمته ثلاثة ريالات وريالين هو لمن وجده ما لم يعلم صاحبه.
القسم الثاني: الحيوان.
والقسم الثالث: ما عدا ذلك، وإن شئتم جعلنا الحيوان قسماً مستقلاً، وقسمنا غيره القسم الثاني ما تتبعه همة أوساط الناس فهذا نقول: يُعرفه الإنسان الواجد له مدة سنة فإذا جاء صاحبه، وإلا هو للواجد كالدراهم الكثيرة، والكتب الثمينة، والآلات الثمينة، والحلى وما أشبه ذلك، ولكن أحيانا يكون الشيء مما يسرع إلي الفساد بمعنى: أن لو بقي إلى سنة لفسد فحكمه أنه يبيعه الواجد ويحفظ ثمنه ويُعرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا فهو له، مثل أن يجد كيسا من
стр. 2147
الخضروات يساوي خمسة ريال، فهذا لو أبقاه لمدة سنة لفسد فنقول: عرفه تمامًا ثم بعه واحتفظ بقيمته، ثم ابحث عن صاحبه لمدة سنة، فإن جاء صاحبه وإلا فهو لك، القسم الثالث: الحيوان، وهو ينقسم إلى قسمين: بل إن شئت فقل إلى ثلاثة.
القسم الأول: حيوان أعلم أنه مُسيب متروك فهذا لمن وجده كشاة هزيلة لا تستطيع المشى أعرف أن صاحبها بمقتضى العادة قد تركها زهدا عنها، فهذه تكون لمن وجدها لأن صاحبها لا يريدها، كما في حديث جابر قال: أردت أن أسيبه.
القسم الثاني: ما لا يعلم أنه مُسيّب ولكنه يمتنع من صغار السباع مثل الإبل، فهذا لا يجوز التعرض له يُترك كما سيأتي.
القسم الثالث: ما لا يعلم أنه تركه رغبة عنه، ولكنه لا يمتنع من صغار السباع، مثل الغنم، فهذا أيضا سيأتي حكمه وبيانه إن شاء الله.
٨٩٩ - عن أنس ﵁ قال: «مَرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها». متفق عليه.
أي طريق هذا؟ طريق من طرق المدينة، والمدينة تجبى إليها زكاة التمور، فمر النبى ﷺ بتمرة في الطريق فأراد أن يأخذها ليأكلها، فقال ... إلخ، الصدقة يعني: الصدقة الواجبة؛ لأن هذا هو المعروف فيما يُجبى من التمر أنه يُجبى الشيء الواجب، وقوله: «لأكلتها»، لأنها مباحة لا تتبعها همة أوساط الناس ولا يهتمون فيأكلها، لأنها لمن وجدها، وإنما قال: لولا أن أخاف أن تكون من الصدقة، لأن النبي ﷺ يحرم عليه أكل الصدقة الواجبة والمستحبة أيضا، وأما آل النبي ﷺ فإنها لا تحرم عليهم صدقة التطوع على القول الراجح، وإنما يحرم عليهم الصدقة الواجبة.
في هذا الحديث: دليل على أن من وجد شيئا ليس له أهمية عند الناس فهو له، وجه الدلالة أنه قال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها»، والمانع هذا لا يتأتى في كل أحد، فدل ذلك على أن وجودها سبب لتملكها إلا أن يوجد مانع. ومن فوائد الحديث: شدة ورع النبي ﷺ ، لأنه خاف أن تكون من الصدقة فلم يأكلها.
стр. 2148
ولكن قد يقول قائل: هل لنا في هذا أسوة؟ بمعنى أننا إذا وجدنا شيئا نشك في تحريمه، والأصل عدم التحريم أي: أن ندعه خوفا من أن يكون محرمًا؟ يُقال: إن كان هناك قرينة تقتضي أن يكون من الشيء المحرم فالورع تركه، وإلا فإنه لا وجه لتركه، ويدل لذلك ما ثبت في البخاري عن عائشة أن قومًا سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا». قالت: وكانوا حديث عهد بكفر فلم يأذن لهم في التورع منه؛ لأن الأصل الحل فالجمع بين هذا وهذا بأحد وجهين، إما أن يقال: إن النبي ﷺ له مقام لا يساويه أحد في تورعه ﷺ ، وإما أن يقال إن النبي ﷺ وجد قرائن تدل على أنها من الصدقة، وأنه إذا وجدت قرائن في الحرام فالورع تركه، أما على الوجه الأول وهو أنه يفرق بين قوي الورع وبين عامة الناس فإن في النفس منه شيئا، وإن كان الإمام أحمد في ظاهر فتواه يدل على ذلك على أن الناس يختلفون في تجنب الشيء ورعا منه، فإنه يذكر عنه أنه سألته -أظن- رابعة العدوية قالت: إن السلطان يمر بنا ونحن نغزل في الليل وأنه إذا مر ازداد الغزل من أضواء سرج السلطان فهل تُجوز لنا هذه الزيادة؟ فتعجب الإمام أحمد من هذا السؤال فقال: نعم، لأن السلطان مار بالسوق، على كل حال وأنتم ما ذهبتم تقصدون الاستضاءة بنور سرجه، ثم أدبرت فدعاها؛ لأنه سأل صاحبه قال: من هذه؟ فقال: هذه فلانة فدعا بها وقال: لا تزيدي غزلكم فإن بيتكم خرج الورع فهذا يدل على أن الفتوى في هذا الأمر تختلف، أما إذا قلنا بالثاني وهو أنه كان عند النبي ﷺ قرينة تدل على أنه من الصدقة فالأمر ظاهر، وهو أنه كلما قويت القرائن كان الورع تركه.
ومن فوائد الحديث: أن التمر والطعام إذا وقع في الطريق بدون قصد فإنه لا يأثم صاحبه، لأن النبي ﷺ لم ينكر ذلك، واستشكل بعض العلماء هذا الحديث من وجه وقال: كيف لم يرفعها النبي ﷺ ولم يحتفظ بها؛ لأنها إن كانت من الصدقة فهي من مال بيت المسلمين، وإن كانت من غير الصدقة فإنه ينتفع بها يتصدق بها على فقير، المهم ينتفع بها، فلما لم يرفعها النبي ﷺ والجواب على هذا الاستشكال أنه في غير محله لأن النبي ﷺ لم يقل: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة» لرفعتها بل قال: «لأكلتها»، وفرق بين الرفع والأكل، فالحديث ليس فيه دليل على أنه لم يرفعها، بل لو قال قائل: إن فيه دليلاً على أنه رفعها لكان له وجه، على هذا يكون هذا الاستشكال غير وارد.
أتى المؤلف بهذا الحديث في هذا الباب ليستدل به على ما ذكرنا آنفا من أن الشيء القليل
стр. 2149
الذي لا يهتم به الناس فإنه يملكه من وجده، ولكنا اشترطنا ألا يعلم صاحبه فإن علم صاحبه وجب عليه أن يسلمه له، أو على الأقل يعلمه به، فيقول: وجدت لك كذا وكذا، وهذا يقع كثيرا، مثل: سقط من بيت جارك طاقية فأطارتها الريح إلى بيتك، طاقية تساوي ريالين لكنك تعلم صاحبها فيجب عليك أن توصلها إياه، أو أن تعلمه بها تقول: سقطت علينا طاقية من البيت.
٩٠٠ - وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة؟ فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها. قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب. قال: فضالة الإبل؟ قال: ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها». متفق عليه.
قوله: «جاء رجل» يرد في الحديث كثيرا إبهام الرجل أو إبهام المرأة، وذلك أن تعيينها لا يتعلق به حكم، فإذا تعلق به حكم فإنه لابد من ذكره، لكن اذا لم يتعلق به حكم وكان المقصود بيان حكم هذه القضية فإن الصحابة ﵃ وكذلك من بعدهم من الرواة لا يهتمون بتعيين المبهم، فقوله: «جاء رجل إلى النبي ﷺ ، لو قال لنا قائل: عينوا هذا الرجل نقول: إنه ليس بنا حاجة إلى تعيين أو عدم تعيينه لا يختلف به الحكم فسأله عن اللقطة يعني: ماذا يصنع بها؟ واللقطة سبق لنا تعريفها وهي: مال أو مختص ضل عن ربه يعني: ضاع عن صاحبه سأله عنها فقال: «اعرف» وإذا فسرناها بالتفسير الذي سمعتم صارت بمعنى اسم المفعول أي: لقطة بمعنى ملقوطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة»، الوعاء: الوعاء التي فيه هذه اللقطة الكيس مثلاً، وكاءها: ما تربط به من حبل أو غيره قد تكون مربوطة بحبل أو بإزرار، المهم أن المراد بالوكاء: ما تربط به، وقوله ﷺ : «اعرف عفاصها» يتناول معرفة العفاص من أي مادة هل هو من جلد أو خرق أو بلاستيك أو ما أشبه ذلك، وهل هو ثخين أو رفيع وهل هو أحمر أو أسود، المهم اعرف نوعه وصفاته، ويمكن أن نقول هل هو كبير زائد على ما فيه، أو صغير ضيق بما فيه كل هلا لابد من معرفته، الوكاء يعرف هذا، الوكاء من أي نوع وكم شداً شُد؟ يعني: هل شُد مرتين أو ثلاثا، وهل هو ربط شديد، أو ما أشبه ذلك؟ والحكمة من ذلك من معرفة العفاص والوكاء من أجل أن يضبط صفاتها، حتى إذا جاء من يصفها بعده سلمها له. فإن قال قائل: ألا يكفي أن يحفظها عن معرفة العفاص والوكاء؟ قلنا: نعم، ربما يكفي لكن قد تتغير الأمور وينسى عينها، يعني: عنده أشياء لها عفاص ووكاء تخلط به فينساها أو ربما تحترق العفاص ويتلف الوكاء، المهم أن معرفة ذلك أمر مهم.
стр. 2150
فإن قال قائل: هل يلزمه أن يكتب هذا؟ قلنا: إن توقفت معرفة ذلك على كتابته وجب عليه؛ لأن ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، قال: «ثم عرفها سنة»، يعني: اطلب من يعرفها، هذا معنى التعريف، بأن يقول: من ضاعت له اللقطة، من ضاعت له الدراهم، من ضاعت له الأقلام، من ضاعت له الساعات؟ وما أشبه ذلك، ولكن هل يصفها عند التعريف؟ لا، لئلا يدعيها من ليست له لكنه يجملها، في هذا الحديث لم يقل الرسول ﷺ : اعرف عددها أو نوع ما فيها من النقود قد يكون فيها دولارات وقد يكون فيها ريالات تالفة فيقال: المفروض أن الواجد لا يفتحها لأنها أمانة وليس له الحق أن يفتحها، لكن إن قدر أنها تخرقت الخرقة أو تمزقت فحينئذٍ يعدها ويعرف عددها، وقوله: «عرفها سنة»، أي سنة هي؟ السنة العربية الإسلامية اثنا عشر شهراً وهذه السنة هي السنة التي وضعها الله لعباده ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦]. إلى يوم القيامة ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذه الأشهر هي الأشهر التي تتقيد بالأهلة لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. إذن السنة اثنا عشر شهرا في كتاب الله والمراد بالشهر للشهر ما بين مطلع الهلالين بدليل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وبذلك نعرف سفه قوم من العرب المتأخرين حيث عدلوا عن التوقيت العربي الإسلامي إلى توقيت جاهلي نصراني؛ لأن التوقيت الذي يسمّى الميلادي مبني على ميلاد عيسى بن مريم ﵊ فالذين وضعوه النصارى، ويا عجبا لقوم يقولون: إنهم عرب ثم ينتسبون أيضا إلى الإسلام ثم يعدلون عن التوقيت العربي الإسلامي إلى هذا التوقيت! وهذا -أيها الإخوة- يعطي الكفرة - من النصارى وغيرهم- زهوا وعلوا واستكباراً علينا، حيث عدلنا عن تاريخنا العربي الإسلامي إلى تاريخهم! والتاريخ ليس بالأمر الهين، بل إنه يعتبر عزا للأمة وفخر، فإذا انضم الناس إليه فإنهم بذلك يكسبونهم ويقولون: آل بهم الأمر إلينا، ولما كانت هذه الأمم العربية التي تُنسب للإسلام وتنطوي تحت لوائه، لما كانت مقهورة مستعمرة من الكفار فإنها قد تكون معذورة؛ لأن المغلوب المقهور لا يستطيع أن يتصرف، ولكن مع الأسف أنها حين تحررت من الاستعمار لم تُعد إلى أصلها وشرفها بالدين الإسلامي وبالتوقيت الإسلامي وبقيت على ما كانت عليه وهذا والله يندي له الجبين أن نكون أمة ذيلاً لغيرنا حتى في التاريخ الإسلامي نعدل عنه لنؤرخ بتاريخ نصراني، ولقد حدثني بعض الناس الذين قدموا للتدريس هنا وهم من غير السعوديين قال: والله ما عرفت الأشهر العربية إلا حين جئت لهذا البلد وهو يدرس، يعني: عمره ذهب منه جزء كبير، وهو لا يعرف الأشهر العربية الإسلامية،
стр. 2151
فلهذا ينبغي لنا أن نكون أمة لنا شخصيتنا ولنا مقوماتنا ولنا تاريخنا، وألا نكون أذيالاً لغيرنا وإذا اضطررنا إلى أن نؤرخ بتاريخهم نظرا لانفتاح الناس بعضهم على بعض، فمن الممكن أن نجعل الأصل التاريخ الإسلامي العربي ونقول: الموافق لكذا، ليس فيه مانع أما أن نمحو التاريخ الإسلامي ولا يعرف ثم نجعل بديلاً عنه هذا التاريخ النصراني، فلاشك أن هذا خطأ عظيم، ولقد نص الإمام أحمد أنه كره هو نفسه أن يؤرخ بأشهر الفرس، وهو إذا قال: أكره فهو عند أصحابه للتحريم، فالحاصل أن السُنة إذا أطلقت فالمراد بها: السنة الإسلامية العربية، وهي السنة الهلالية التي مدتها اثنا عشر شهرا، والشهر مربوط بالأهلة، وهو ما بين الهلالين ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. والعجيب أن هذه الأشهر النصرانية مبنية على أوهام ليست حقائق؛ لأن بعضها ثمان وعشرون، وبعضها واحد وثلاثون، فعلى أي أساس، والعجيب أني رأيت في كتاب، ما أنهم هموا بأن يجعلوا السنة اثنا عشر شهرا حسب سير الشمس، لكن يجعلون الأيام متساوية قالوا: لأنه أضبط فقامت الكنيسة عليهم باسم الدين قالوا: لا يمكن أن تغيروا دعوها على ما هي عليه من عوج ولا تغيروها، لأن تغيير التاريخ ليس هينا لاسيما ونحن الآن إذا غيرنا التاريخ سنغيره من أشرف مناسبة وهي الهجرة إلى مناسبة يتخذها النصارى عيدا لهم، وهي ميلاد عيسى ابن مريم ﵊ وحينئذ ربما يأتي اليوم الذي نجعل هذا عيدا لنا نصنع ما يختص بالعيد، وقد قال ابن القيم ﵀: من هنأهم بأعيادهم فإنه إن لم يكفر فقد أتى أمرا عظيما، قال: لأن التهنئة بأعيادهم -والأعياد مواسم دينية- رضا بالكفر، قال: وهو أعظم من أن يهنئهم بالسجود للصنم، لو واحد يسجد للصنم، وقلت له: تقبل الله وهنأته، يقول: هذا أشد من التهنئة بالأعياد، وأشد من تهنئته بشرب الخمر، لو وجدت واحد يشرب الخمر من النصارى وقلت له: هنيئا مريئا تهنيه بهذا يقول: تهنئتهم بعيدهم أشد؛ لأنه إشعار بالرضا بالكفر، وهذا أمر عظيم، وقد بلغني أن من المسلمين -مع الأسف - من يهنئهم بأعيادهم بل من يسافر إلى بلادهم يشاركهم الأفراح بهم، نعوذ بالله- تستعينون بنعم الله المال الذي أعطاه الله على معصية الله، نسأل الله لنا ولكم الهداية.
ثم قال النبي ﷺ : «فإن جاء صاحبها» يعني: في هذه المدة مدة السنة، وإلا، يعني: وإلا يأتي فشأنك بها نقرأ شأنك بالفتح وبالضم، فإن كانت بالضم فهي مبتدأ والجار والمجرور بعدها خبر، وإن قرأت بالفتح فهي مفعول لفعل محذوف تقديره: الزم شأنك بها أو اتبع شأنك بها، وفي هذه الجملة حذف فعل الشرط وبقاء أداة الشرط، لأن قوله: «وإلا»، يعني: وإلا يجيء صاحبها، وإنما جاز حذف فعل الشرط مع بقاء أداة الشرط، لأنه معلوم، وقد ذكر ابن مالك ﵀ قاعدة في المحذوفات في باب المبتدأ والخبر فقال:
стр. 2152
(وحذفُ مَا يُعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما)
كل ما يُعلم فحذفه جائز، قوله: «فإن جاء صاحبها» من صاحبها؟ الذي يعرفها ويقول: ضاع لي كذا وكذا، ويصف العفاص والوكاء، ويصف نوع ما فيها، وجنسه وقدره إن كان معدودًا، المهم أنه لابد أن يضبطها بصفات لا تتجاوزها، وهل يلزم أن يذكر صاحبها الزمن أو لا يلزم؟ لا يلزم ذكر الزمن ولا ذكر المكان، وذلك لأنها قد تسقط منه في أول يوم من الشهر مثلاً، ولا توجد إلا في اليوم العاشر من الشهر، كذلك أيضا ربما لا يدري في أي مكان تسقط يكون قد مشى من طرف البلاد إلى طرفها وسقطت منه في وسط البلد، أو في طرف البلد الشرقي أو في طرفها الغربي، فالمكان والزمان ليس ذكرهما شرطا، المهم العفاص والوكاء إذا احتيج إلى ذلك.
وقوله: «وإلا فشأنك بها»، يعني: أن الأمر إليك فتدخل في ملكك ويكون التصرف فيها كما يتصرف في ملكه، وذلك بعد السنة، وقد أطلق النبي ﷺ التعريف، لم يقل: عرفها سنة كل يوم، ولا كل أسبوع، ولا كل شهر، فيرجع في ذلك إلى العُزف بناء على القاعدة المعروفة: أن ما لا يُحدّ شرعا فمرجعه إلى العرف، وعلى هذا قول الناظم:
(وكل مَا أتى وَلَم يُحَدد ... بالشرع كالحرز فبالعرفِ احدُدِ)
يقول: «قال: فضالة الغنم؟ » من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: فالغنم الضالة يعني: ماذا أفعل بها فهي مبتدأ والخبر محذوف، فضالة الغنم يعني: ماذا أصنع فيها، والضالة من الغنم هي: الضائعة التي لا تعلم أين تتجه، أما إذا كانت الغنمة ماشية في طريقها إلى أهلها، فإنه لا يقال إنها ضالة، فلو وجدت شاة في زقاق في البلد تمشي ليست واقفة ولا تتردد يمينا ويسارا، فلا يُقال عنها إنها ضالة، لماذا؟ لأن القرينة تمنع أن تكون ضالة، حيث إنها سائرة في طريقها، وكثير من الغنم تخرج تأكل من الأسواق ثم ترجع إلى أهلها إنما الكلام على الضائعة. قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، «هي لك» الخطاب لمن وجدها، يعني: لك أيها الواجد، أو لأخيك يعني: صاحبها أو غيرك ممن يجدها بعدك، فالمراد بأخيك: من هو أعمُ من صاحبها، «أو للذئب»، الذئب المعروف الذي يأكل الغنم، وهذا ليس خاصا بالذئب، المراد بذلك: ما يأكل الغنم سواء كان ذئبا أو سبعًا آخر كالنمر والأسد، المهم أن الرسول ﷺ ذكر الذئب، لأنه الغالب في الجزيرة العربية، وإلا فغير الذئب مثل الذئب، هي لك إن أخذتها أو
стр. 2153
لأخيك إن تركتها وسلمت من الذئب إن تركتها وأكلها الذئب، إذا أكلها الذئب فعلى من يكون الضمان؟ ليس على الذئب ضمان، وإن أكلتها أنت فليس عليك ضمان، أو لأخيك كذلك إن أكلها أخوك فلا ضمان عليه، لأنه لا يضمنها الذئب، فكذلك ابن آدم لا يضمنها، هذا هو ظاهر الحديث، وهو ما ذهب إليه أهل الظاهر، وهم دائما يذهبون إلى الظاهر، فيقولون: هي لك ملكك، لأخيك ملكه، للذئب ملكه، وإن كان لا يملك، فهو لا يضمن وأنت كذلك إذا أكلتها لا تضمن، لأن إتلافك أنت خير من إتلاف الذئب، فإن إتلاف الذئب لا ينتفع به الآدمي، وإتلافك أنت ينتفع به الآدمي، ولا شك أن هذا ظاهر الحديث، هذا ما ذهب إليه أهل الظاهر استنادا إلى ظاهر الحديث، ولكن المشهور عند الفقهاء أن الحديث ليس على ظاهره، قالوا: هي لك إن لم يأت صاحبها بعد تعريفها سنة؛ لأنه إذا كان الرسول ﷺ ذكر أن اللقطة تُعرف سنة، فلا فرق بينها وبين الضالة، لأن كلاً منهما مال محترم قد ضاع عن صاحبه، فإذا كان كذلك فإن الحكم فيهما سواء فتُعرف ضالة الغنم، تُعرفها سنة، فإن جاء صاحبها فهى له، وإن لم يأت فهي لك.
إذا قال قائل: إن الرسول ﷺ فرق بينهما في سياق واحد، فكيف يصح القياس مع تفريق الشرع بينهما في سياق واحد؟
فالجواب: -والعلم عند الله-: أن البهيمة - أي: الضالة من الغنم - لا تبقى كما يبقى المال، لأنها تحتاج إلى إنفاق وربما يكون الإنفاق عليها أضعاف أضعاف قيمتها، فالإنسان الواجد محتاج إلى أن يبادر بذبحها فمن ثم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»؛ لأن صاحبها الذي وجدها لن يبقيها لمدة سنة فإنها قد ترهقه بالنفقات، فإذا رجع على صاحبها ربما يكون قد أنفق عليها أكثر من قيمتها، ولهذا نقول: إن واجدها لا يجوز أن يبقيها ويُنفق عليها ما لم يعلم أن الإنفاق عليها خير من بيعها أو ذبحها، وإلا فلا يجوز له لأنه مؤتمن، والمؤتمن يجب عليه أن يفعل ما هو أصلح وأنفع.
قوله: «لك أو لأخيك» الكلام هنا في الضالة أما المعلوم صاحبها فإنها للأخ قطعا الذي هو صاحبها، فإذا كنت تعلم أن هذه شاة فلان، فإنها ليست بضالة يجب عليك أن تبين له أنها عندك حتى يأتي إلى أخذها.
قال: «فضالة الإيل؟ » قال: «ما لك ولها» فضالة الإبل يعني: الضائعة من الإبل، والإبل معروفة وهي من أكبر الحيوانات الأليفة جسمًا، ومن أكثرها نفعًا، فيها منافع ومشارب ومآكل
стр. 2154
وتجارة، قال النبي ﷺ : وما لك ولها، يعني: أي شيء لك ولها يجمع بينكما حتى تأخذها وهذا يُراد بمثله أي: بمثل هذا التركيب البراءة منها وألا تأخذها وألا تقربها، ولهذا جاء الحديث بلفظ آخر: «دعها»، وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ غضب ﵊ قال: «ما لك ولها؟ »، و «ما» هنا استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبر المبتدأ، أو المراد بالاستفهام هنا: الإنكار، يعني: اتركها دعها ما لك ولها. «معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر» صحيح البعير معها السقاء والحذاء، السقاء هو: البطن لأنها إذا ملأت بطنها من الماء بقيت مدة طويلة ما تشرب حتى في أيام الصيف، وحذاؤها أي: خفها خف رجليها تتوقى به الشمس والحصى، فهي قوية صبور ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، ترد الماء فتشرب، ولذلك الإبل إذا شربت تشرب حتى تروي ثم تتقدم عن مكان الماء، ثم تقف تتبول مدة من الزمن، ثم ترجع تشرب حتى تظن أنها ملأت البطن وأنه يكفيها لمدة أيام وتأكل الشجر؟ نعم، والحشيش أيضا تأكله، لكنه قال: تأكل الشجر لأن الغالب أن الشجرة تبقى خضراء، لكن الحشيش من حين أن يأتى الصيف ييبس، إنما الشجر يبقى أخضر غالبًا، فلهذا قال: تأكل الشجر، الشاة لا تأكل إلا الشجرة القصيرة إلا غنم الحجاز فغنم الحجاز، تأكل الشجر لأنها تصعد للشجرة، لكن الغالب أن الغنم لا تأكل الشجر إلا الشجر القصير.
قال: و «حتى يلقاها ربها»، أو هي تصل إلى ربها، يعني: يلقاها إما هو الذي يطلبها حتى
يجدها، أو هي تصل إليه.
هذا الحديث فيه فوائد عديدة: أولا: حرص الصحابة ﵃ على السؤال لأنهم يريدون أن يعبدوا الله على بصيرة، والإنسان الذي يريد ذلك لابد أن يسأل، فمن حرصهم كانوا يسألون النبي ﷺ عن كل شيء.
ومن فوائده: أن الدين الإسلامي كما نظم العبادة وهي معاملة الإنسان بينه وبين ربه، فقد نظم المعاملة بينه وبين العباد، وذلك في المعاملات، فالدين الإسلامي ليس مقتصرا على العبادة التي بينه وبين ربه، ولكنه شامل منظم للحياة كلها، الحياة التي يتعامل الإنسان فيها مع ربه، والتي يتعامل فيها مع عباد الله، ومن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض فهو كافر به، كل من قال: أنا أعترف بالدين الإسلامي بما يتعلق بالعبادات فقط، وأما المعاملات فإنها من شئون البشر ينظمونها، وليس للدين فيها مدخل، من أعتقد هذا الاعتقاد فهو كافر حتى بدين العبادات، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ [النساء: ١٥٠].
стр. 2155
وقال لبني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب﴾ [البقرة: ٨٥]. وهذا العقاب لا يصلح إلا للكافر، ويقال لهذا الإنسان من الناحية العقلية: إذا كنت تؤمن بالله ربًا في تنظيمه للعبادة، لزمك أن تؤمن به ربًا في تنظيمه للمعاملة بين الخلق، إذا قال لك: الله حرم الربا، تقول: لا أقبل الربا ثروة اقتصادية يُنمي الاقتصاد وينعش الحياة، ما نقبل هذا التحريم! هل هذا إيمان بالله ربًا؟ أبدا، إذا قال: حرم الله الزنا، قال: لا، الزنا إذا كان واحد فقير وشاب وعنده شهوة قوية دعوه يتمتع ويتلذذ، وبعد ذلك إذا أغناه الله يتزوج، نقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٢]. كيف تؤمن بالله وأنت تقول هذا الكلام، إذا حرم الله الميسر قال: لا، الإنسان ممكن أن يصبح غنيّا في لحظة، فتقول: أيضا ممكن يُمسي غنيًا ويصبح أفقر عباد الله، حرم الله الميسر كما حرم الخمر أنت تقبل أو لا تقبل؟ إذا قال: لا، هذا فيه تنمية اقتصادية، انظر للدول الغربية كيف اغتنت؟ ! نقول: هذا كفر ما رضيت بالله ربًا، ونقول لك: إن الدول الغربية تعاني من الطبقية طبقة غنية، وطبقة فقيرة، لا يوجد تكافل اجتماعي، لا يعرفون زكاة ولا صدقة، ولكنهم وحوش ترعى وتشبع، ولو مات غيرها جوعاً.
على كل حال أقول: إن فى هذا الحديث دليلاً على أن الشريعة نظمت المعاملة بين الخلق كما نظمت المعاملة بين الخالق، وأن العبد الحقيقي لله هو الذي يأخذ بتنظيم الله في كل شيء، ومن أخذ بتنظيم الله في العبادة دون المعاملة فإنه متبع لهواء لا لشرع الله.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا وجد لقطة وجب عليه أن يعرف الأمور التي ذكرها الرسول ﷺ : العفاص والوكاء، لكن لم يقيد الرسول ﷺ المعرفة، والمراد المعرفة: التي يتميز بها المعرف يعني: معرفة تامة باللون والشكل والنوع وكل شيء، كل ما فيه معرفة للعفاص والوكاء ولم يفصح السائل ولا النبي ﷺ .
مسألة: فى حكم التقاط اللقطة هل يلتقطها أو لا؟ هذه المسألة حسب النصوص الشرعية فى الأصل مباحة، يعنى: لا نقول لك: متى وجدت لقطة فخذها ولا نقول لك: متى وجدت لقطة فلا تأخذها، الأمر راجع إليك، مباح إلا أن العلماء يقولون: قد يجب الالتقاط، وقد يُستحب، وقد يحرم فقالوا: هو في الأصل مباح، لكن قد يجب، وقد يُستحب، وقد يحرم. يجب إذا كانت اللقطة في مكان لا تأمن أن يجدها شخص فيكتمها، لأن اللصوص أو أهل الطمع والشح كثيرون، فتخشى إن تركتها أن يعقبك عليها رجل يأكلها، فهنا يجب عليك أن تأخذها؛ لأن هذا فيه حفظ لمال أخيك، لا سيما إذا كنت تعلم صاحبها.
стр. 2156
متى يحرم؟ يحرم إذا كان لا يأمن نفسه عليها، كيف ذلك؟ نعم الإنسان يعرف أنه ذو طمع شديد، وأنه لو أخذها أكلها، لا يأمن نفسه هنا نقول: يحرم عليك أخذها، كذلك يحرم أن تأخذها إذا كانت في مكة إلا إن كنت تريد أن تنشدها دائمًا، يعني: اللقطة في مكة لا تؤخذ محترمة إلا الإنسان يريد أن ينشدها دائمًا، دليل ذلك قول النبي ﷺ : «لا تحل ساقطتها إلا لمنشدٍ»، يعني: إذا كنت تنشدها مدى الدهر، وهذا أمر لا يستطيعه الإنسان، ولهذا يتأكد على المسئولين في مكة أن يجعلوا طائفة من الأمناء تتلقى ما يُلقط في مكة من أجل أن تريح الناس، ويكون ذلك أقرب لحفظ الملتقطات، وفي الحرم المكي طائفة تتلقى هذا، فإذا وجدت شيئا في المسجد الحرام فاذهب به إلى هذه الطائفة، وتبرأ ذمتك، لأنه أحيانا يجد الإنسان في المسجد الحرام دراهم كثيرة، وأشياء ثمينة ومهمة، يجد حُلي، المهم أنه من فضل الله أنه يوجد في المسجد الحرام طائفة نصبتهم الدولة من أجل تلقي هذه الملتقطات، وهذا فيه راحة.
بقي علينا المستحب، يُستحب التقاط اللقطة إذا غلب على ظنه أنه يؤدي الواجب من التعريف وأن ذلك أحفظ من تركها، فهنا يُستحب أن يأخذها، لكن إذا كان يخشى أن تشق عليه وأن تصده عما هو أنفع وأهم فلا يأخذها.
ومن فوائد الحديث: وجوب تعريفها سنة لقوله: «ثم عرفها سنة»، وكيفية التعريف أن يطلب من يعرفها، فيقول: من ضاعت له الضائعة في المكان الفلاني، لكن لا يذكر جنسها ونوعها، وعددها وعفاصها ووكاءها، لأنه لو ذكرها كانت عُرضة لأن يأخذها كل واحد لكن يجعلها مبهمة ويُعين المكان والزمان.
الحديث لم يبين الرسول ﷺ فيه كيف التعريف، هل هو كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر؟ وإذا كان لم يبينه الرسول ﷺ رجع في ذلك إلى العُرف، والعرف يقتضي أن تتابع التعريف أول ما تجدها، لأن صاحبها حينئذٍ يكون كثير الطلب لها، فتكثر التعريف. قال بعض العلماء: يكون التعريف في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع مرة، إلى شهر، ثم كل شهر مرة، وعلى كل حال هذا اجتهاد ممن قدّره، والأعراف قد تختلف قد يكون هذا الإنسان وجدها في موسم يكثر الناس فيه، ولكنهم لا يأتون إلى هذا المكان إلا بعد أسبوع كما يوجد في بعض البلاد يجعلون التجارة موزعة يقول مثلا يوم السبت يجتمعون في البلد الفلاني، ويوم الاثنين في البلد الثاني، وهكذا، فهنا نقول: إذا كنت وجدتها في مكان الموسم فلا حاجة أن تعرفها كل يوم، تعرفها في مكان الموسم، وإذا جاء الأسبوع الثاني تعرفها، فمادام الأمر راجعا إلى العُرف فإننا لا نحدده، لكن التحديد الذي ذكره بعض العلماء، والذي ذكرته لكم هذا مقارب.
стр. 2157
مسألة مهمة: كيف تكون وسائل التعريف؟ قال العلماء: يُعرف عند أبواب المساجدوليس في المسجد، يقول: من ضاع له الشيء الفلاني، لكن لو عرفها في نفس المسجد فإنه لا يجوز، قال بعض أهل العلم: يكره. أما من أنشد في المسجد، وقال: من عيّن لي اللقطة أو الضالة، فهنا نقول: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تُبن لهذا، لكن لو أنه وجد مفاتيح وعلقها في قبلة المسجد هل يكون هذا تعريفا؟ نقول: إذا جرت العادة به فهو تعريف.
لكن إذا قال قائل: إذا علقناها في المسجد كل واحد يقول إنها لي؟ نقول: لا هذا غير صحيح الذي ليست له لا يستفيد منها شيئا، لكن لو وجد صرة دراهم وعلقها في قبلة المسجد لا يجوز؛ لأن كل واحد يقول لي، أما الشيء الذي تعلم أنه لن يدعيه إلا صاحبه، فهذا لا بأس أن يُعلق فى المسجد فيما يظهر، لا يُقال: إن المسجد لم يبن لهذا، لأننا نجيب عن
ذلك بأن هذه وجدت في المسجد وأقرب من يعرفها من يرتاد المسجد.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا جاء صاحب اللقطة في زمن التعريف وجب ردها إليه؛ لقوله: «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» لأن تقدير الكلام فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: «فإن جاء صاحبها» فمتى يثبت أنه صاحبها؟ قال بعض العلماء: لابد أن يأتي ببيتة، لعموم قول النبي ﷺ : والبينة على المدعي، وهذا المال مجهول صاحبه، فلابد أن يأتي المدعي بالبينة، فإن لم يأت ببينة فليس له فيها حق، هذا قول، قالوا: إن النبي ﷺ لم يبين من صاحبها، فهو مطلق، والنصوص الأخرى تبين من صاحب المال، وهو المدعي إذا كان له بينة، وقال بعض أهل العلم: مَن وصفها وصفا يُطابق وصفها حين وجودها فهو صاحبها، لأن النبى ﷺ أطلق، وإذا جاءنا رجل يصفها وصفا مطابقا لوصفها حين وجودها فإن القرينة تدل على أنه صاحبها>
وأما الحديث: «البينة على المدعي» فهذا الحديث إنما يكون على من ادعى أن ما في يده له فيأتي إنسان ويدعيه، والدليل سياق الحديث: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر»، وواجد اللقطة هل يدعي أنها له؟ أبدا، لا يدعيها يقول: أسأل الله أن يأتي بصاحبها، فإذا جاء صاحبها ووصفها الوصف المطابق لوصفها حين وجودها فتعطى إياه، إذن القول الراجح في هذه المسألة أن صاحبها من وصفها وصفا لما هي عليه حين وجدانها.
стр. 2158
من فوائد الحديث: أنه بعد تمام الحول إذا لم يأت صاحبها تكون لواجدها؛ لقوله: «فشأنك بها»، فهذا يدل على ملكه إياها، إذ لا يملك الشأن المطلق بها إلا مَن كان مالكا، والشيء يعرف بالنص عليه أو لوجود لازمه، فهنا من لازم الملك أن يكون شأنه بها، وهل هذا الدخول دخول اختياري أو دخول قهري؟ يعني: هل لو شاء لم يتملكها لو قال: أنا لا أريد أن أتملكها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم: المشهور من مذهبنا أنه ملك قهري بمعنى: أنه إذا تم الحول ولم يأت صاحبها، دخلت في ملكك قهرا شئت أم أبيت، كما أن الميت إذا مات وخلف ورثة، فإن المال مال الميت يدخل فى أملاكهم قهرا عليهم حتى لو قالوا: ما نريده، مثال ذلك: واحد مات له أب، الأب خلف عشرة ملايين، قيل للابن: بارك الله لك فيها، قال: لا أريدها! ماذا نقول له؟ نقول: دخلت في ملكك قهرا غصبًا عليك؛ لأن الله ملكك إياه في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. لم يملكك المخلوق حتى نقول باختيار لك، الذي ملكك الله، فكذلك اللقطة ملكك إياها رسول الله ﷺ ، إذن فهي دخلت في ملكك قهرا ليس لك خيار، ويكون ضمانها عليك عينا ومنفعة.
إذن نقول من الفوائد: أنه إذا تم الحول دخلت اللقطة في ملك الواجد قهرا عليه، يترتب على هذا لو كان الإنسان الذي وجدها مدينا وله غرماء يطالبونه ووجد عشرة آلاف ريال وعرفها إلى تمام السنة، فلم تُعرف، تمت السنة، أين مصير العشرة؟ تدخل في ملكه قهرا، فإذا جاء الغرماء يطلبونه قال: يا أيها الناس! ما عندي شيء قالوا: عندك عشرة آلاف ريال، قال: أنا لا أريدها ماذا يقولون؟ نحن نريدها هي دخلت في ملكك قهرا، وعلى هذا فيلزم أن يسدد الدين من هذه الدراهم التى وجدها.
ومن فوائد الحديث أنه لا يجب الإشهاد على اللقطة إذا وجدها لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك في هذا الحديث، وإنما أمر بتعريف عفاصها ... إلخ.
ومن فوائد الحديث: أن التعريف لا يتقيد بيوم معين أو أسبوع معين بل يرجع في ذلك إلى العرف، لأن النبي ﷺ لم يقيدها، لكن بعض العلماء يقول: في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع، ثم كل شهر، لكن المرجع في هذا إلى العرف كما مر.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان يعرف صاحبها فإنه لا يحتاج إلى تعريف بل يسلمها إليه إما بحملها إليه أو بإخباره بها. يُؤخذ من قوله: «فإن جاء صاحبها»، لأن المعنى أن صاحبها عرفها فجاء فأدها إليه، فإذا كنت تعلم صاحبها من أول فلا حاجة إلى التعريف.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أنه يعرف اللقطة مطلقًا قلت أم كثرت.
وقد يقول القائل: إن هذا ليس ظاهر الحديث، لأن قوله: «أعرف عفاصها ووكاءها» يدل
стр. 2159
على أنها ذات أهمية قد جُعلت في وعاء وقد أوكي عليها الوكاء، وهذا يدل على أنها ذات أهمية، فإن كان الأمر كذلك فهو واضح، وإن لم يكن كذلك وجب أن يقيد إطلاق هذا بالحديث الذي قبله، وهو أنه إذا كانت اللقطة يسيرة لا يهتم بها عادة فهي لواجدها، ولا تحتاج إلى تعريف؛ لأن الرسول ﷺ قال في التمرة: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها».
إذن لنا في هذا تخريجان: أحدهما: أن نقول إن هذا الحديث يدل على أن اللقطة ذات أهمية؛ لأنها ذات عفاص ووكاء، أو يُقال: إن كان مطلقا فيقيد بالحديث السابق.
ومن فوائد الحديث: أن أجرة التعريف على الملتقط لقوله: «عرفها» فالأمر موجه إلى الملتقط، وعلى هذا فإذا كان التعريف يحتاج إلى أجرة فالأجرة على الواجد؛ لأنه هو المطالب بالتعريف، فمثلاً: إذا وجد صرة فيها ألف درهم واستأجر مُعرفا بمائة درهم، فالمائة درهم على الواجد، وإذا وجد صاحب اللقطة أعطي الألف كاملة، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء المتأخرون من أصحاب الإمام أحمد، وقالوا: إن الأجرة على الواجد، وقيل: بل الأجرة على صاحب اللقطة على رب اللقطة، وقالوا: لأن هذا التعريف من مصلحته، فهو الغانم، والغرم للغنم، فإذا كان هو الغانم، وجب أن يكون هو الغارم، وعلى هذا فتكون أجرة التعريف على رب اللقطة، وهذا القول هو الصحيح، لأن التعليل قوي، وإيجاب الشارع التعريف إنما هو من أجل حفظها على صاحبها، لأنه لو لم يُعرفها لم يتمكن صاحبها من الوصول إليها، فإذا كان التعريف لمصلحة صاحبها، فكيف يلزمني أن أقوم بما يعود إلى مصلحته؟ ! ، وهذا القول هو الصحيح: أن التعريف أجرته على صاحب اللقطة.
من فوائد الحديث: أن الواجد إذا تمت السنة فإنه يملكها ملكا تامًا لقوله: «وإلا فشأنك بهاه، ولكن إذا جاء ربها بعد السنة ووجدها قد تلفت فهل يضمنها الواجد؟ إذا قلنا: إن الواجد يملكها صار له سلطة عليها تامة بمعنى أنه إن شاء أكلها إن كانت تؤكل، وإن شاء استعملها بلباس أو غيره إن كانت تُلبس، وإذا كان له سلطة عليها تامة فكيف يُضمّن؟ ولهذا قال بعض العلماء: إنه إذا تمت السنة ولم يأت صاحبها فإنه لا يضمنها لصاحبها إلا أن تكون موجودة بعينها فيردها، أما إذا كان قد تصرف فيها فإنه لا يضمن، يعنى: مثل أن تكون ثيابًا لبسها وتمزقت، فإنه لا يضمن، لماذا؟ لأن الشارع ملكه إياها وأذن له أن يفعل فيها ما يشاء، فهي إذا تلفت تحت يده فقد تلفت بإذن من الشارع، «وما ترتب على المأذون فليس بمضمون»، أما
стр. 2160
إذا كانت موجودة فليردها على صاحبها، لأنها عين وُجد مالكها فلا عذر لأحد في عدم الدفع له، وقال بعض العلماء: بل إذا تلفت بعد تمام الحول فعليه ضمانها مطلقا سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد أو لم يفرط، وسواء بقيت العين أم لم تبق، لأنه لما ملكها دخلت في ضمانه عينا ومنفعة، وإذا دخلت في ضمانه وجب ضمانها لصاحبها بكل حال، وهذا الأخير هو المشهور من المذهب، على أنه يضمنها بكل حال، وعليه فهي من غرائب العلم تكون هذه اللقطة بالأمس غير مضمونة على الواجد، وفي اليوم مضمونة عليه يعني: بالأمس قبل أن يتم السنة هي غير مضمونة فهو أمين إن تعدى أو فرط ضمن، وإلا فلا، في اليوم بعد تمام السنة تكون مضمونة، وأنا أضرب لكم مثلاً يتبين فيه الأمر: هذا رجل وجد مائة ألف ريال لقطة وصار يُعرفها، فلما بقي على تمام السنة يوم واحد أتاها حريق بغير اختياره فاحترقت فهل عليه ضمان؟ لا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه أمين لم يتعد ولم يفرط، بعد أن تمت السنة أتاها حريق فاحترقت فعليه الضمان، بالأمس المال لغيره وهو أمين عليه فلا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، اليوم المال له داخل في ضمانه عينا ومنفعة فيكون عليه الضمان، هذا هو المشهور من المذهب، وهو من غرائب العلم يُقال لما كانت في ملكه يضمن مطلقا، ولما كانت في ملك غيره لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط، أما القول الثاني: فقالوا في هذه الصورة: لا ضمان عليه، لأنه لما تم الحول دخلت في ملكه وتلفت، فسواء بفعله أو بفعل له فلا ضمان عليه، لأنه صاحب ملكه، وهذا القول أصح، الصحيح أنها بعد تمام الستة ملك للواجد يتصرف فيها كما شاء، فإن جاء ربها وهي باقية دفعها إليه، وإن جاء ربها وهي تالفة فلا شيء عليه.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مخير في أخذ ضالة الغنم، لقوله: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» لكن هذا التخيير هو تخيير إرادة أو تخيير مصلحة؟ ، ربما نقول: إن التخيير تخيير مصلحة يعني: إن رأى المصلحة أخذها وإلا تركها.
ومن فوائد الحديث: أن الغنم غير الضالة لا يجوز التعرض لها، بل تترك وتذهب هي بنفسها إلى صاحبها لقوله: «فضالة الغنم» يعني: الضائعة أما التي عرف بأنها غير ضائعة مثل ما يوجد الآن الغنم تترك ترعى سواء في المدن أو في البر، تُترك ترعى ثم تأوي إلى أهلها فهذه لا يجوز التعرض لها، لأنها ليست بضالة بل هي مهتدية تعرف بيتها.
ومن فوائد الحديث: أن من وجد ضالة الغنم ملكها بدون تعريف لقوله: «هي لك» ولم يأمره بالتعريف، في اللقطة أمره بالتعريف، وهنا لم يأمره بالتعريف، وهذا ما ذهب إليه كثير من
стр. 2161
العلماء، قالوا: إنها للإنسان بمجرد ما يجدها ما لم يعلم ربها، لكن جمهور العلماء على وجوب التعريف، قالوا: لأنها من حيث التمول كاللقطة تمامًا، فإذا كانت اللقطة تعرف فكذلك ضالة الغنم، وعلى هذا فيكون قوله: «هي لك» أي: بعد التعريف، وهذا الذي عليه الجمهور.
وهل من فوائد الحديث: أن الذئب يملك لقوله: «أو للذئب؟ » لا؛ لأن اللام هنا للاختصاص كما تقول السرج للدابة، بل تقول: الحوش للغنم، الجراج للسيارات وهي لا تملك لكن هذا من باب الاختصاص.
ومن فوائد الحديث: أنه يُسن قتل الذئب؛ لأن إتلافه للمال فسوق، وقد قال النبي ﷺ : وكلهن فاسق، لأنها تؤذي، وهذا أيضا يؤذي بأكل الأموال، وهو كذلك، أي: أنه يُسنّ قتل الذئب، وكل مؤذ فإنه يُسن قتله، لكن ما آذى بطبعه من قتله، وإن لم يؤذ، وما آذى عرضا أذية طارئة فإنه لا يُقتل إلا حين يكون مؤذيا، فمثلاً: الإبل الأصل فيها أنها لا تؤذي، فلو فرض أن بعيراً منها صار يأكل الناس، فإنه يُقتل، فصار ما طبعه الأذى يُقتل بكل حال، وما تجدد له الأذى أو طرأ عليه الأذى فإنه لا يُقتل إلا حين يطرأ عليه الأذى.
ومن فوائد الحديث: تحريم التقاط ضالة الإبل لقوله: «مالك ولها؟ »، وفي رواية: «دعها» والأصل فى الأمر الوجوب أو وجوب الترك.
ومن فوائده: أن العلة في وجوب ترك الإبل أنها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، فيؤخذ من هذه العلة أنه لو كانت الإبل صغيرة لا تملك هذا الذي علل به النبى ﷺ فإنها يجوز التقاطها.
ويؤخذ من ذلك أيضا: أنه لو كانت الإبل في مسبعة كثيرة السباع بحيث لا يستطيع البعير الواحد مقابلة عشرة ذئاب، فإنه يجوز أخذها، ويؤخذ منه أيضا أنه لو كانت في أرض مملوءة بقطاع الطريق الذي يأخذون هذه البعير فيحولون بينها وبين صاحبها، فإنه يجوز التقاطها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز التقاط الظباء؛ لأنها تسلم من الذئب بسرعة عدوها.
ومن فوائد الحديث: تحريم التقاط ضالة الطير كالحمام وشبهها قياسا على الإبل، لأنها تطير حتى تصل إلى ربها أو يجدها ربها.
ومن فوائد الحديثه: جواز إطلاق الرب على غير الله لقوله: «حتى يلقاها ربها»، وهذا كثير في السُنة، ولكنه كما تشاهدون رب مقيد - ربها، والرب المطلق لا يكون إلا لله. أما المقيد مثل رب الدار، رب البعير، رب السيارة، فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: تحريم التقاط البقر بالقياس لأنه يمتنع من الذئاب.
ومن فوائد الحديث تحريم التقاط الحمير الوحشية؛ لأنها تسلم، أما الأهلية فقال بعض
стр. 2162
العلماء: إنها كالإبل تسلم، وقال آخرون: بل هي كالغنم لا تسلم، وهو الصحيح أنها لا تسلم، الواقع أن الحمير لا تمتنع من صغار السباع تأكلها الذئاب، بل هي من أكثر الحيوانات جبنا، يقولون: إن الشاة ربما إذا شمّت رائحة الذئب تهرب، لكن الحمار إذا شم رائحة الذئب فرّق بين رجليه وجعل يبول ولا يتحرك، هذا هو المشاهد، فإذن نقول: إنها لا يمكن أن تُقاس على الإبل، لأنها لا تتحمل أن تأكل الشجر وترد الماء حتى يجدها ربها، بل هي من أجبن الحيوان، كما أنها أيضا من أبلد الحيوان، ولهذا قال لى بعض مشائخنا: الحمار أدل ما يكون لمكانه الذي يستوطنه؛ لأنه ليس عنده تفكير مركب على الأمور الحسية، ويقول: ولذلك مَن ليس عندهم تفكير من بني آدم تجدهم أدل ما يكون للبيوت، لكن هذا الظاهر أنه غير مُسَلم، إنما بالنسبة لدلالة الحمار إلى بيته ومأواه هذا شيء مشهور وهو يعلله - شيخنا هذا- بأنه بليد لا يفكرلذلك كان فكره سطحياً.
بقي علينا مسائل تتعلق بالحديث إذا وجد شاة فمن المعلوم أن الشاة تحتاج إلى نفقة من أكل، وشرب، وتدفئة، فهذه النفقات على من؟ هذه النفقات على صاحبها حتى تتم سنة، فإذا تمت سنة فهي على الواجد.
ثانيًا: إذا كانت فيها نماء ونتاج كما لو كانت شاة فيها لبن فيها ولد فلمن يكون النماء؟ النماء قبل تمام السنة لصاحبها، وبعد تمام السنة لواجدها، لماذا؟ لأنها قبل تمام السنة ملك لصاحبها، وبعد تمام السنة ملك لواجدها، النماء المتصل كالسمن؛ لأن اللبن والولد نماء منفصل، النماء المتصل كالسمن يعني: هذه سمنت فهل هو لصاحبها أو لواجدها؟ ما كان قبل الحول فلا شك أنه لصاحبها، لأن عليه النفقة وله الغنم، وما كان بعد الحول فهو لواجدها، وقال بعض العلماء: بل النماء المتصل تابع لها مطلقا، وعلى هذا فيكون لصاحبها إذا وجد، وعلل ذلك فقال: إن النماء المتصل لا يمكن تمييزه بخلاف النماء المنفصل، فالدماء المنفصل قبل الحول لصاحبها وبعده لواجدها، والنماء المتصل كله لصاحبها، لكن الصحيح أنه ما كان قبل الحول فهو لصاحبها وما بعده لواجدها، فإذا قال قائل: كيف نميزه؟ نقول: تُقوم هذه الشاة عند تمام الحول تساوي مائتين وبعد أن وجدنا صاحبها لمدة شهرين أو ثلاثة صارت تساوي بسبب السمن مائتين وخمسين فالفرق إذن خمسون ريالاً فتكون للواجد؛ لأنها نمت بما يقابل الخمسين، وهي على ملك الواجد، وهذا القول هو الصحيح، لأن النفقة بعد تمام الحول على الواجد، فإذا كان له الغرم فيجب أن يكون له الغنم في مقابل غرمه.
стр. 2163
من فوائد الحديث: حكمة الشريعة في التفريق بين المتفرقات حيث جعلت لهذه الأنواع لكل واحد منها حكمًا يناسبه؛ اللقطة لها حكم يناسبها، الضالة من الغنم لها حكم يناسبها، ضالة الإبل لها حكم يناسبها، فهذا من تمام الشريعة ومراعاتها للحكم والمصالح.
حكم إيواء الضالة دون تعريفها:
٩٠١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من آوى ضالة فهو ضالٌ، ما لم يُعرفها». رواه مسلم.
قوله: «من آوى» إيواء الشيء بمعنى: استقباله وضمه إلى ماله إذا كان مما يتمول، فمن آوى ضالة يعني: استقبلها وأدخلها في ملكه فهو ضال.
وقوله: «ضالة» يعني: من الحيوانات؛ لأن ما سوى الحيوان يسمى لقطة؛ لأن غير الحيوانات ليس مما يهتدي ويضل، الذي يهتدي ويضل هو الحيوان.
وقوله: «ما لم يعرفها» فإن عرفها فليس بضال.
هذا الحديث ظاهره: أن من آوى ضالة ولو من الغنم فهو ضال، وأن من آوى ضالة ولو من الإبل فهو ضال ما لم يعرفها، ولكن يجب أن يُحمل هذا الحديث على الضالة من غير الإبل، لأن الضالة من الإبل من آوها فهو ضال سواء عرفها أم لم يعرفها.
فيستفاد من الحديث: أنه لا يجوز لمن وجد ضالة أن يؤويها، إلا إذا كان يريد التعريف وقد مر علينا أن هذا شرط لجواز الالتقاط، كل شيء ضاع من ربه من ضوال أو لقط فإنه لا يجوز للإنسان أن يأخذه إلا بشرط أن ينوي التعريف.
ومن فوائد الحديث: تحريم إيواء الغنم وغيرها بغير قصد التعريف كما لو أخذها يريد أن يتملكها فإنه ضال.
ومن فوائده: أنه إذا آواها بغير قصد التعريف فهو ضامن سواء تعدى وفرط أم لم يتعد ولم يفرط، لماذا؟ لأنه غير مأذون له في الأخذ، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
سؤال: إذا وجد الطفل لقطة فمن يعرفها؟ الجواب: يعرفها وليه.
стр. 2164
الإشهاد على اللقطة وحكمه:
٩٠٢ - وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدلٍ، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم، ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء». رواه أحمد، والأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان.
اللقطة سبق لنا أنها المال أو المختص الذي ضل عن ربه بشرط ألا يكون زهيدا فإن كان زهيدا لا تتبعه همة أوساط الناس فليس بلقطة؛ لأن الذي يجده يملكه مالم يعلم صاحبه، وقد مر علينا هذا ونعيده الآن لأهميته، ومن وجد شيئا وهو لا يعرف صاحبه فإن كان من الأمور الزهيدة التي لا يهتم بها أوساط الناس فهو له، ولا يحتاج إلى تعريف ودليله حديث التمرة: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها»، من وجد لقطة وهي ذات أهمية فإنه يجب عليه أن يُعرفها، بعد أن يعرف عفاصها ووكاءها على ما سبق، من وجد ضالة فإن كانت تمتنع من صغار السباع كالإبل فهذه لا يجوز التقاطها، وتترك كما قال النبي ﷺ : «مالك ولها ... إلخ»، وقلنا لكم إن مثل ذلك ما يمتنع من صغار السباع بالطيران أو بالعدو، الضالة التي لا تمتنع من صغار السباع كالغنم ذكرنا أن العلماء اختلفوا فيها منهم من قال إنها لواجدها لقوله: «هي لك»، فإن تركها فهى لأخيه، وإن لم يجدها أخوه فهى للذئب، ولكن المشهور عند أهل العلم أنها كاللقطة تُعرف سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهى لواجدها لكنا ذكرنا في هذا القسم: أنه إذا كان يخشى أن تأكل شيئا كثيرًا في النفقة فإنه يبيعها ويحفظ قيمتها.
وهنا قال: «من وجد لقطة»، حتى الزهيد، لا لأن الزهيد لواجده، «فليشهد ذوي عدل»، الفاء رابطة للجواب جواب الشرط الذي هو «من»، وجواب الشرط يجب ربطه بالفاء في مواضع سبعة جمعت في بيت واحد وهو:
(اسميةٌ طلبيةٌ وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس)
التي معنا «فليشهد» لماذا اقترنت بالفاء؟ لأنها طلبية إذ إن اللام في قوله: «فليشهد» لام الأمر، وقوله: «ذوي عدل» أي: صاحب عدل، والعدل هو الاستقامة في الدين والمروءة، مأخوذ من العدالة عدل أي: مستقيم في دينه ومروءته، في دينه بألا يفعل كبيرة ولا يصرّ على صغيرة، في مروءته بألا يفعل ما يخل بالمروءة.
стр. 2165
وقوله: ذوي عدله أي: صاحبي عدل، وهو واضح في أنه وصف المذكر؛ لأن وصف
المؤنث يقال ذواتى، كما قال تعالى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. لكن هنا قال: «ذوي» يعني: رجلين ذوي عدل، وإنما أمر بالإشهاد لئلا يحصل نزاع بين الواجد وبين صاحبها إذا وجدها، فقد يدعي صاحبها أنها أكثر عددًا أو أنها أطيب وصفا، فإذا أشهد أستراح على الأقل من اليمين، فلا توجه إليه اليمين ما دام عنده بينة واشترط أن يكون ذوي عدل؛ لأن الفاسق لا يُقبل
خبره ولا يرد؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. ما قال: فردوه ولا فاقبلوه، بل قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ لماذا؟ لأن الفاسق قد يصدق، قد توجد قرائن تدل على صدقه، ولهذا لا يرد خبر الفاسق مطلقًا ولا يقبل مطلقا، لكن العدل: فليشهد ذوي عدل يُقبل خبره، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يكون الشاهدان ذوي عدل.
«وليحفظ عفاصها ووكاءها»، هل المراد بذلك حفظ ذاتها، أو المراد حفظ ذاته، أو أوصافه؟ الثاني، يعني: فليحفظ العفاص، وهو الوعاء الذي فيه اللقطة، والوكاء: الحبل الذي رُبطت به إما بنات أو بأوصافه.
يقول: «ثم لا يكتم ولا يغيب»، «لا يكتم» يعني: يُعرف؛ لأن السكوت عن التعريف كتم، و «لا يُغيّب» أي: لا يُخفي منها شيئًا، بل ينشد ويصدق فيما يبدي منها.
«فإن جاء ربها فهو أحق بها» أي: رب اللقطة وهو المالك أو من ينوب منابه، «فهو أحق بها» يعني: فهي له، لأنه إذا كان أحق فإنه لا منازع له في هذا الحق، «وإلا» يعني: وإلا يأتي «فهو مال الله» هذه الجملة «وإلا» ترد علينا كثيرا في كلام العرب، وفي السُنة أيضا، فما كيفية تركيب هذه الجملة؟ نقول: أصلها إن الشرطية ولا النافية وما بعدها جواب الشرط وفعل الشرط محذوف، إن هنا ليست محذوفة لكنها مدغمة بلا وأصلها «وإن لا»، فعل الشرط محذوف يفهم مما سبق، قال: وإلا، قدر الفعل «وإلا يجد»، جملة «فهو مال الله» جواب الشرط، واقترن بالفاء لأن الجملة اسمية، وإلا، يعني: وإلا يجيء ربها فهو أي: الموجود ولم يقل: فهي فأعاد الضمير على المعنى، وإلا لقال: فهي، «فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، أي: يعطيه، ومن الذي أعطيه في هذه الصورة، الواجد يعني وإلا يجيء صاحبها فهي لمن وجدها مال الله يؤتيه من يشاء.
هذا الحديث فيه فوائد: أولا: الأمر بالإشهاد على اللقطة حين وجودها لقوله: «فليشهد» هذا الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب والإرشاد؟ في هذا قولان لأهل العلم فمنهم من قال: إن الإشهاد واجب واستند إلى أن الأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل على صرفه
стр. 2166
عن الوجوب، وقال: من وجد لقطة وجب عليه أن يشهد، وقال بعض أهل العلم: بل الأمر هنا للاستحباب، لأن الرسول ﷺ لم يأمر به في حديث زيد بن خالد مع أن السائل يبدو - والله أعلم - أنه أعرابي لا يفهم الشروط والحدود الشرعية، ولو كان الإشهاد واجبا لبينه النبي لهذا الأعرابي الذي أراد أن يسأل ويمشي، الأول مذهب الشافعي، والثاني مذهب أحمد، يعني: الإشهاد إما واجب، وإما سنة، ولا شك أن الاحتياط الإشهاد؛ لأن الإنسان ربما تغلبه نفسه الأمارة بالسوء فيما بعد ويكتم اللقطة ولاسيما وإذا كانت لقطة ذات أهمية كبيرة، فالإشهاد أحوط بلا شك، وينبغي مع الإشهاد إتمامًا للاحتياط أن يكتب ذلك لأن الشهود ربما يغيبون أو ينسون أو يموتون.
ومن فوائد الحديث: أن الإشهاد المعتبر إشهاد ذوي العدل، وأن الإنسان لا ينبغي أن يشهد إلا ذوي العدل، لأنه هو المقبول الشهادة.
فإن قال قائل: لو أشهد فاسقا ثم تاب الفاسق وأذى وهو عدل هل تُقبل شهادته؟ قلنا: نعم، قبل اعتبار بحال الأداء، كما أنه لو أشهد وهو عدل ثم فسق فإنها لا تقبل.
ولو أشهد صغيرا ثم بلغ وضبط الشهادة فإنها تُقبل اعتبارا بحال الأداء.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن المرأة لا تُقيل شهادتها بهذا، ولكن هذا الظاهر غير مراد لأن الله قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد ذكر أهل العلم أن المال وما يقصد به المال يُستشهد فيه الرجلان والرجل والمرأتان.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يحفظ عفاصها ووكاءها؛ لقوله: «وليحفظ» وهذا الأمر لم يعارضه شيء يدل على عدم الوجوب فيه، بل جاء ما يشهد للوجوب في قوله في حديث زيد بن خالد: «اعرف عفاصها ووكاءها».
ومن فوائده: تحريم كتم اللقطة لقوله: «ثم لا يكتم»، وتحريم تغييب شيء منها لقوله: «ولا يغيب».
ومن فوائده الإشارة إلى وجوب القيام بالأمانة في أموال الغير لأن كل هذه الأوامر الأربعة: «فليشهد»، «وليحفظ»، «ثم لا يكتم»، «ولا يغيب» كل هذا من أجل المحافظة على مال الغير وهو كذلك؛ أي: أنه يجب على الإنسان إذا كان مؤتمنا على مال الغير أن يحافظ عليه.
стр. 2167
ومن فوائد الحديث: أنه إذا جاء ربها فهو أحق بها مطلقا سواء قبل الحول أم بعده لعموم قوله: «فإن جاء ربها».
ومن فوائده: جواز وصف المالك بالرب لقوله: «ربها» لكن الربوبية المطلقة لا تكون إلا لله، فالربوبية التي تُضاف إلى غير الله ربوبية خاصة، وربوبية ضعيفة، خاصة فيما يملكه الرب، وهي ضعيفة لأن هذه الربوبية لا تمكنك أن تفعل ما تشاء في مالك، لأن تصرفك في مالك مُقيد بالشرع.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يأت ربها فهي لواجدها لقوله: «وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء».
ومن فوائده: جواز إضافة المال إلى الله فيقال هذا مال الله، فإن كان المال من الأموال الشرعية كالزكاة والغنيمة والفيء وما أشبه ذلك فواضح، لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ [الأنفال: ٤١]. وإن كان من الأموال الخاصة فإنه مال الله حقيقة لأنك أنت ومالك لله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم﴾ يعني: المكاتبين ﴿مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وهنا قال: «وإلا فهو مال الله».
ومن فوائد الحديث: إثبات المشيئة لقوله: «من يشاء»، والمشيئة ليس فيها إشكال فيما يتعلق بفعل الله، والمسلمون كلهم مجمعون على مشيئة الله فيما يتعلق بفعله سُنيهم وبدعيهم لكن ما يتعلق بفعل العبد هذا محل الخلاف، فانقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط، طرف بالغ في الإثبات، وطرف بالغ في النفي، وطرف توسط، فالذين بالغوا في الإثبات الجبرية، وقالوا: إن فعل العبل واقع بمشيئة الله وليس للعبد فيه أي مشيئة هؤلاء بالغوا في إثبات مشيئة الله وجعلوها تجبر حتى في المسائل الاختيارية، وقسم آخر غلوا في النفي فقالوا ليس لله تعالى مشيئة في فعل العبد، والعبد مستقل بفعله ما يشاؤه سواء شاء الله أو لم يشأ، وهم القدرية مجوس هذه الأمة المعتزلة، والثالث توسط وقالوا: مشيئة الله نافذة في كل شيء، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقول الله تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [الكوثر: ٢٨]. وهذا هو الحق الذي تجتمع به الأدلة.
ومن فوائد الحديث: أن الله تعالى قد ييسر للإنسان مالاً بلا كسب منه أو بلا تعب هذه اللقطة بلا تعب وجدت مالاً في السوق قدره مائة ألف وأنشدته ولم يأت صاحبه هل تعبت فيه؟ أبدا، الله تعالى قد ييسر للإنسان مالاً بلا تعب.
فإن قال قائل: إذا ثبت أنه ملك فهل يجب فيه الخمس كما يجب في الركاز - الذي يوجد مدفونا في الأرض وليس له مالك- إذا وجده الإنسان؟ فقد قال النبي ﷺ : «في الركاز الخمس»
стр. 2168
فهل هذا الذي وجدته على ظاهر الأرض بدون حفر وبدون تعب هل إذا تملكته يكون فيه الخمس؟ نقول: لا يجب فيه الخمس لأن النبي ﷺ قال: «مال الله يؤتيه من يشاء».
وأيضا يمكن أن يفرق بينه وبين الكنوز فإن هذا المال حصل فيه شيء من التعب وهو الإشهاد والإنشاد والمعاناة فى حفظه سنة كاملة، لكن الركاز تملكه بمجرد ما تحصل عليه تنتفع به في لحظة.
حكم اللقطة في مكة:
(٩٠٣) - وعن عبد الحمن بن عثمان التيمي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج». رواه مسلم.
» نهى» ما هو النهي؟ طلب الكف على وجه الاستعلاء من الطالب، لأنه لولا أنه أعلى ما نهى؛ لأن الذي يكون بمنزلتك إذا نهاك عن شيء فإنما يلتمس يعني: يترجى، والذي يكون دوني يُسمّى دعاء، يعني: يستجدي لكن الذي ينهاك هو من كان أكبر منك فمثلاً هذا رجل ظالم باطش أراد أن يُوقع بك فقلت: لا تحبسني لا تضربني هذا استجداء يسمونه دعاء، لكن ينبغي أن يكون الدعاء لله رب العالمين، هذا لا يمكن نسميه نهيا، فإذا قال رجل لابنه: يا ولد لا تخرج، هذا نهي، لماذا؟ لأنه على سبيل الاستعلاء، زميل قال لزميله: من فضلك لا تفعل معي كذا، هذا التماس.
على كل حال: النهي هنا من الناهي؟ الرسول ﷺ ، ولا شك أن توجيه النهي إلينا على سبيل الاستعلاء يعني: أنه جاء من أعلى إلى أدنى، وإن كان النبي ﷺ ليس فيه علو وليس فيه تكبر، بل هو أشد الناس تواضعًا، لكنه جاء من أعلى إلى أدنى.
وقوله: «عن لقطة الحاج» اللقطة سبق تعريفها، و «الحاج» هو: من قصد مكة لأداء المناسك، ويصح أن نصفه بأنه حاج بمجرد إحرامه بالحج، فلو أحرم من ذي الخليفة قيل: إنه حاج، لقول عائشة ﵂: وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فمن حين يحرم بالحج يقال: إنه حاج، فإذا ضاع من المحرم بالحج لقطة فإن الحديث ينطبق عليه في ظاهره أنه ينهى عن لقطته فإذا وجدّت في مكان الحاج الذي نزلوا فيه لقطة ولو كانوا في بدر، فإنك لا تأخذها لأن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج، وهؤلاء محرمون بالحج، فلقطتهم لقطة حاج، هذا ظاهر الحديث لكن الظاهر -والله أعلم- أن المراد بلقطة الحاج، إنما نهى عنها، لا لأنه حاج، ولكن لأنه في مكة، وإنما قيل: الحاج بناء على الغالب، هذا الذي يظهر وهو وإن كان خلاف ظاهر اللفظ، لكن
стр. 2169
أحوجنا إليه أن النبي ﷺ قال في مكة: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد»، وعلى هذا فنقول: إن النهي عن لقطة الحاج لا لأنه حاج، ولكن لأنه بمكة، ويكون المراد النهي عن لقطة من في مكة.
هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟ الصحيح أنه للتحريم، وأنه لا يجوز للإنسان أن يلتقط اللقطة في مكة إلا إذا كان يريد إنشادها ولا يريد أن يتملكها، لأن اللقطة في غير مكة يلتقطها الإنسان على أنه يشدها وبعد سنة يتملكها لكن في مكة لا يجوز أن يلتقطها إلا بنية أنه سينشدها دائماً.
فيستفاد من الحديث: تحريم التقاط اللقطة في مكة، ولكن لو قال قائل: ما الحكمة من ذلك؟
نقول: الحكمة أن هذا من باب احترام هذا المكان، لأن هذا المكان يجب أن يكون آمنا، أنظر إلى الشجر والحشيش في هذا المكان آمن لا يجوز لأحد أن يقطع شجره أو يحش حشيشه، الصيد آمن فإذا كان كذلك فأموال الآدميين يجب أن تكون آمنة، افرض أن أمامك الآن رزمة دراهم عشرة آلاف ريال وجدتها في السوق، نقول: لا تأخذها إلا إن كنت تريد أن تنشدها دائما، لماذا؟ لأنك إذا تركتها أنت وتركها من بعدك والثالث والرابع وهكذا، في النهاية يأتي صاحبها ويجدها.
ولكن إن قال قائل: لو أن الإنسان خاف أن يجدها شخص لا يعرفها يتملكها، فهل له أن يأخذها؟
نقول: له ولكن بشرط الإنشاد أو أن يعطيها الجهات المسئولة إن كان هناك جهات مسئولة مرتبة لاستقبال ما يلتقطه الناس، وهذا في الحقيقة بالنسبة لمكة أمر ينبغي أن تقوم الدولة به أي: بأن تضع لجنة مأمونة لاستقبال ما يلتقطه الناس في مكة، لأن هذا فيه حفظ للأموال، وفيه إزالة الحرج عن الناس، لأني أنا سأكون محرجًا إذا وجدت عشرة آلاف على الطريق إن أخذتها مشكل، وإن تركتها مشكل، فأبقى محرجا، لكن إذا علمت أن هناك جهة مسئولة تستقبل هذه الملتقطات، سهل علي أن آخذها وأوصلها إليها
стр. 2170
حكم لقطة المعاهد:
٩٠٤ - وعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها». رواه أبو داود.
لماذا كانت معد يكرب مع أنها مضاف إليها؟ لأنها اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف: العلمية والتركيب المزجي.
«ألا» أداة استفهام، لها فائدتان: التنبيه والتوكيد، واعلم أن كل حرف جر زائد فإنه يفيد التوكيد في أي مكان في أول الجملة أو في وسطها أو في آخرها، كنون التوكيد، فإن كان في أول الجملة فأضف إليه إفادة التنبيه؛ لأن التنبيه يكون في أول الكلام، وهذه قاعدة مفيدة في البلاغة.
«ألا لا يحل ذو» أي: صاحب «ناب من السباع» الناب هو السن فيما وراء الرباعية، والمراد بالناب هنا ليس مجرد الناب إنما المراد به: الناب الذي يفترس به، وقوله: ومن السباع، وصف آخر فإذا كان هناك سبع وله ناب فإنه لا يحل أكله مثل الذئب والكلب والنمر والأسد لا يحل أكلها، لماذا؟ لأن الإنسان يتأثر فيما يتغذى به، فإذا تغذى بلحم هذا النوع من الحيوان اكتسب من طباعه فيكون محبًا للعُدوان، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان أن يسترضع لابنه امرأة حمقاء؛ لأن ابنه يكون أحمق، إذن الألبان المجففة التي ترد الآن للأطفال باعتبار أن الطفل هل يكتسب من طباع الغنم إذا كان اللبن من غنم حتى لو اكتسب فطباعها هادئة.
على كل حال: إنما نهى عن أكلها لأن الجسم إذا تغذى قد يكتسب من طبيعة أصلها، وهي العدوان فيحب الاعتداء.
نعود للحديث: «ألا لا يحل» ألا أداة استفتاح وتفيل التنبيه وزيادة العناية، فهي أداة استفتاح لأنه يفتتح بها الكلام، وتفيد التنبيه لأنها بمنزلة المفتاح للسمع، وتفيد الاعتناء لأنه أوتي بما يقتضي، وكل شيء يُؤتى به للتنبيه، فهو دليل على أن الموضوع مهم، وقوله: «لا يحل ذو ناب» أي: صاحب ناب، والناب هو ما بعد الرباعية من الأسنان ينهش به الحيوان اللحم وغيره.
وقوله: «من السباع»، أي: السباع الضارية، والمراد بذلك: أن الحيوان المفترس، وعليه فلا يحل مثل السبع والذئب والكلب، والحكمة في هذا أن الإنسان إذا تغذى بهذا اللحم فربما
стр. 2171
يكتسب من طبيعته؛ لأن الجسم يتأثر بما يتغذى به، وقد قال أهل العلم إنه يكره أن يسترضع لولده امرأة حمقاء أو سيئة الخلق لئلا يؤثر في طبيعة الصبي، فكذلك كل ذي ناب من السباع إذا صار الإنسان يتغذى به تأثر به وصارت طبيعته طبيعة سبُعية تحب العُدوان.
قال: «ولا الحمار الأهلي»، وهو الحمار المعروف الذي يكون بين الناس، والأهلي احترازاً من الوحش المتوحشي الذي لا يألف الناس، وهو حمار البَرَ أما الأهلي فهو حرام وإن توحش حتى لو فرض أن بعض الحمير توحش وصار كالثعلب والظباء وصار لا يألف الناس ويفر منهم فإنه حرام، وقد حُرمَت الخمر بعد أن كانت حلالاً فأصبحت بعد التحريم نجسة، وهي قبل التحريم طاهرة، فإن الرسول ﷺ حين فتح خيبر أمر أبا طلحة أن ينادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية لأنها رجس»، يعني: نجسة حرامًا فلا تحل.
قال: «ولا اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها، المعاهد هو الذي بيننا وبينه عهد من الكفار، لأنه حصن ماله بهذه المعاهدة، والكفار بالنسبة لنا أربعة أقسام: معاهدون، ومستأمنون، وذو ذمة، ومحاربون.
فأما المعاهدون فهم الذين جرى بيننا وبينهم صلح على وضع الحرب لمدة معينة كما فعل الرسول ﷺ مع قريش في غزوة الحديبية.
وأما المستأمنون فهم الذين طلبوا الأمان لبقائهم في البلاد الإسلامية للتجارة وعرض أموالهم ثم يرجعون، أو للبحث عن الإسلام وشرائعه يستمعون القرآن والحديث ثم يرجعون، هؤلاء نسميهم مستأمنين بالكسر وهم الذين طلبوا الأمان.
الثالث: ذوو الذمة الذين نبقيهم في بلاد الإسلام لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولكن بالجزية نأخذ منهم كل عام جزية يقدرها الإمام.
الرابع: المحاربون وهم من سوى ذلك، المحاربون مالهم حلال ودمهم حلال ولا إشكال في ذلك، والمعاهدون والمستأمنون وذوي الذمة مالهم حرام ودمهم حرام، فلا يجوز أن نغدر بهم، وبيننا وبينهم عهد، ولا يجوز أن نأخذ شيئًا من أموالهم ولا يجوز أن نقول في اللقطة إذا وجدناها من أموالهم: إنها مال كافر فلا تحل لنا، ولهذا قال: «ولا اللقطة من مال معاهد»؛ لأنه قد يقول أحد الناس: إن هذا كافر فماله حلال، نقول: لا ما دام بينك وبينه عهد فقد حصن نفسه وماله فلا يحل لك أن تخونه في أي شيء.
قوله: «إلا أن يستغني عنها» يحتمل معنيين:
стр. 2172
المعنى الأول: إلا أن تكون مما يُستغنى عنه عادة كالشيء الزهيد الذي لا تتبعه همة أوساط الناس.
والثاني: أن يستغني عنها يعني: أن يقول لك: أنا في غنى عنها، وهي لك، وهذا الاستثناء يكون للمسلم أيضا، فإذا وجدت لقطة في بلاد إسلامية فإنها يجب احترامها ما لم يستغن عنها إما بإذن صاحبها وإما بكونها لا يهتم بها الناس.
فإذا قال قائل: كيف أدري أنها مال معاهد؟ فالجواب: أن يُقال إذا وجدتها في بلادهم، مثلاً: صالحنا أهل بلد جيران لنا وهم كفار ثم سافر أحد من الناس فوجدها في بلادهم هذه مال معاهد، لأن البلد ليس فيه إلا كفار معاهدون أو يكون هذا الذي وجدناه من خصائصهم مثل أن يكون صليبا من ذهب فإنه معروف أن الصليب لا يكون إلا للنصارى، أو يكون من ألبستهم الخاصة فيكون لقطة من مال معاهد.
ويستفاد من هذا الحديث: تحريم ذي الناب من السباع، لقوله: «ألا لا يحل».
فإذا قال قائل: هل هناك ضابط للحلال من الحيوان؟ قلنا: نعم له ضابط الأصل في الحيوان الحل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] كل ما في الأرض فهو لنا حلال، ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية: ١٣].
وبناء على هذه القاعدة: لا يمكن أن نحرم [شيئا] من جميع الحيوانات من زواحف وطيور إلا بدليل، ولو تنازع اثنان في حيوان طائر أو زاحف هل هو حلال أو حرام؟ فقال أحدهما: إنه حرام، وقال الثاني: إنه حلال، فالصواب مع من قال إنه حلال حتى يقوم دليل على التحريم.
ومن فوائد الحديث: أن ما كان سبعًا لا ناب له أي: ليس يفترس بنابه فهو حلال، لأن النبي ﷺ اشترط شرطين:
الأول: أن له نابا يفترس به.
والثاني: أنه سبع.
وبناء على هذا تكون الضبع حلالاً لأنها من السباع لكنها ليست ذات ناب، إذ إنها لا تأكل الحيوان إلا عند الضرورة بخلاف الذئب، الذئب يدخل الغنم أربعين شاة يشق بطنها كلها ويأكل كبد واحد والباقي يفسدها، لكن الضبع لا تأكل إلا عند الضرورة، ومن ثم كانت حلالاً، وجعل النبي ﷺ فيها شاة إذا قتلها المحرم.
стр. 2173
ومن فوائد الحديث: تحريم الحمار الأهلي لكن إذا دعت الضرورة لذلك حل، فلو فرض أن رجلاً يسير على حمار، ونفد زاد وجاع وخاف أن يهلك فلا بأس ان يذكي حماره ويأكل منه.
وكذلك ذو ناب من السباع يحل أكله للضرورة، فلو أن إنسانا جائعًا في البر وخشي على نفسه من الهلاك فمر به ذئب فرماه يحل لقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. ولقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. حتى الخنزير لو اضطررت إلى أكله فكله، والكلب أيضاً كله.
فإذا قال قائل: كيف يحل وهو نجس، والنجس مضر؟
قلنا: لأن قوة الطلب تدفع ضرره أو تخفف من ضرره قوة الطلب يعني: الجوع فالمعدة تجدها متأهبة تهضم هذا بسرعة ولا يتأثر، ولهذا ذكر أن صهيباً الرومي كان عند النبي ﷺ وقد أوجعته عينه فجيء إلى رسول الله ﷺ بتمر فأكل مته فطلب صهيب أن يأكل فقال له النبي ﷺ فإنك أرمد، والأرمد يؤذيه التمر» فقال: يا رسول الله أمضغه من الجانب الآخر، فضحك النبى ﷺ ومكنه.
قال ابن القيم ﵀: لأن هذا وإن كان يضر فى الأصل لكن قوة الطلب تجعل المعدة تذهبه. إذن يصير ذو الناب حلالاً عند الاضطرار ولكن لا يأكل منه إلا بقدر الضرورة، لأن ما زاد على الضرورة لا ضرورة إليه، فإذا كان يشبعه نصف كيلو فلا يأكل إلا ما يسد رمقه فقط، فإن جاع ثانيًا أكل ولكن هل له أن يتزود فيحمل معه من هذا اللحم؟ نعم إذا كان يخشى أن يحتاج إليه مرة ثانية فيحمل.
ومن فوائد الحديث: حل الحمار الوحشي لمفهوم قوله: «الأهلي».
ومن فوائد الحديث: تحريم لقطة المعاهد، وأنها كغيرها لقوله: «ولا اللقطة من مال معاهد ... إلخ».
ومن فوائده: أن مال المعاهد محترم وهو ظاهر من قوله: «ولا اللقطة من مال معاهد»، وإذا كان ماله محترمّا فدمه محترم لا يجوز أن نقتله، حتى وإن كان أعدى عدو لنا مادام بيننا وبينه عهد، فإنه لا يجوز قتله، لكن إذا نقض العهد بأي ناقض من نواقض العهد المعروفة عند العلماء حل دمه.
стр. 2174
٢٠ - باب الفرائض
«الفرائض»: جمع فريضة كصحائف جمع صحيفة وهي بمعنى مفروضة، والفرض في الأصل: الحز حز الشيء يعني: لو حزرت لحمة بالسكين فتكون قد فرضتها، والمراد بالفرض في أصول الفقه: ما وجب فعله، والمراد بالفرض هنا: النصيب المقدر شرعا لوارث، فقولنا: النصيب المقدر خرج به التعصيب لأنه غير مقدر، إذ إن العاصب ربما يرث المال كله، وربما يرث نصف المال، وربما لا يرث شيئا، وخرج بقولنا: «لوارث» النصيب المقدر في الزكاة فإنه مقدر لكن ليس لورثة، ولكن لأهل الزكاة وخرج به أيضا الوصية، فإن الإنسان قد يُوصي بربع ماله، أو خمس ماله لشخص فهل تسمى هذا فريضة؟ لا، لأننا نقول: مُقدّر شرعا لوارث ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فربع العشر في المال الذهب أو الفضة نصيب مقدر شرعا لأهل الزكاة، لكن لا يُسمّى فريضة في الاصطلاح، فالفريضة في الاصطلاح: كل نصيب مقدر شرعا لوارث، والورثة و أصحاب الفروض محصورون وأصحاب التعصيب غير محصورين فقد يكون العصبة مئات أو آلاف لكن أصحاب الفروض عشرة فقط لا يزيدون.
أصحاب الفروض:
٩٠٥ - عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». متفق عليه.
«ألحقوا الفرائض» أي: أعطوها أهلها؛ لأن الله فرضها لهم وقال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. وقال في الآية الثانية: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٢]. وقال في الآية الثالثة: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. إذن ما خالف هذا البيان فهو ضلال فيجب علينا أن تُلحق الفرائض بأهلها للأدلة الثلاثة المذكورة وهي ثلاث آيات من سورة النساء.
وقوله: «بأهلها»، أي: بأصحابها وهم عشرة: الزوجان اثنان، والأبوان أربعة، والبنات، وبنات الابن، والأخوات الشقيقات، والأخوات لأب، والأخوات لأم، والجدات، هؤلاء هم أصحاب الفروض فنعطي كل ذي فرض فرضه، ثم إن بقي فيقول الرسول ﷺ : «هو لأولى رجل ذكر» أي: لأقرب، وليس المعنى لأحق، لأنه لو اجتمع عندنا عم غني جداً وابن عم فقير جداً فلمن؟ فللعم لأن أولى، بمعنى: أقرب، لو فسرناها بمعنى أحق لكان لابن العم الفقير، فهي بمعنى: أقرب.
стр. 2175
وقوله: «رجل ذكر» وهل هناك رجل غير ذكر؟ نقول: إن قوله: «رجل» غير قوله: «ذكر» لأن الرجل هو البالغ، والذكر خلاف الأنثى، فيكون قوله: «ذكر» كالتعليل لقوله: «رجل»، يعني: فيُعطى الرجل لذكورته ثم إن قوله: «ذكر» لو لم توجد لكان العاصب من كان رجلا وهو البالغ فيكون الصغير ليس بعاصب، فلابد من ذِكر الذكر وذِكر الرجل؛ لأنه صار أولى بالتعصيب لذكورته ورجولته جميعًا، وتعرفون أن الرجل عليه من المسئوليات المالية أكثر مما على الأنثى، بناء على هذه القاعدة التي أصلها النبي ﷺ نحتاج إلى أن نعرف من الأولى وكيف الأولوية؟ يقول العلماء: الأولوية أن تقدم الأسبق جهة ثم الأقرب منزلة ثم الأقوى وهو الشقيق على الذي لأب.
مراتب العصوبة:
على هذه القاعدة أيضا نحتاج إلى أن نعرف مراتب العصوبة، المراتب بنوة ثم أبوة ثم أخوة ثم عمومة ثم الولاء، هذه خمس هى مراتب العصوبة: التعصيب: البنوة هم الأبناء وأبناؤهم وإن نزلوا إلى يوم القيامة، الأبوة الآباء والأجداد وإن علوا إلى آدم، الأخوة الأخ الشقيق أو لأب وأبناؤهم وإن نزلوا إلى يوم القيامة، العمومة الأعمام الأشقاء أو لأب وأبناؤهم وإن نزلوا إلى يوم القيامة، الولاء هو المُعْتِق الذي أعتق العبد، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم.
هذه خمس مراتب، نقدم الأسبق جهة، وهي جهة البنوة ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، فإذا وجد ابن وابن ابن فكلاهما في جهة واحدة، وهي جهة البنوة، فمن نقدم؟ الابن لماذا؟ لأنه أقرب منزلة، وإذا وُجد أب وجد كلاهما في جهة واحدة وهي الأبوة فتقدم الأب على الجد، لماذا؟ لأنه أقرب منزلة، وجد أخ شقيق وابن أخ شقيق نقدم الأخ الشقيق لأنه أقرب منزلة، وإذا وجد عم شقيق وابن عم شقيق نقدم العم الشقيق، لأنه أقرب منزلة، وإذا وجد ابن ابن ابن ابن عم شقيق كم هذه؟ خمسة، ووجد عمّ أب شقيق نقدم الابن النازل، لأنه أقرب منزلة لأن ابن عمك يلتقي بك في الجد وعم أبيك يلتقي بك في أب الجد، فاتصال ابن العم النازل بك أقرب من أتصال عم أبيك، وإذا وجد مُعتق ومعتق معتق نقدم المعتق لأنه أقرب فإذا كانوا في القرب سواء قدم الأقوى، وهو الشقيق على الذي لأب، فإذا وجد ابن شقيق وابن لأب هذا لا يتصور، أب شقيق وأب لأب لا يتصور.
إذن القوة فى الأبوة والبنوة غير واردة، القوة تكون فى الأخوة والعمومة، وإذا وجد أخوان أحدهما شقيق والثاني لأب نقدم الشقيق لأنه أقوى، الشقيق يدلي بأبوين والذي لأب بأب
?
следующие страницы →