Полный текст (3 515 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هي المحبة ماذا نقول؟ نقول: ميل الإنسان إلى الشيء، إذا قلت: ميل الإنسان إلى الشيء، فمعناه: أنك عرفت المحبة بأثرها؛ لأن الميل إلى الشيء نتيجة المحبة؛ ولهذا لما ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه "روضة المحبين" تفسيرات للمحبة أظن أنها بلغت العشرين قال: "ولا يمكن أن تحد المحبة بأحسن من لفظها". المحبة المحبة، الكراهة الكراهة، الحزن الحزن، الحياء أيضا لا يمكن أن تحده بأوضح من لفظه، وأما قول من قال: انكسار يأخذ الإنسان عند فعل ما يخجل أو ما أشبه ذلك، فهذا إنما هو آثاره.
إذن نقول: في هذا الحديث شدة استحياء النبي ﷺ أن يرى على صفة مكروهة، من أين تؤخذ؟ "فانطلق حتى توارى عني".
ويؤخذ منه فائدة أيضا: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في برية، وأراد قضاء الحاجة أن يبتعد حتى لا يرى، وما أبعد ما يمشي إذا كان في أرض مستوية.
الأماكن المنهي عن التخلي فيها:
٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا اللاعنين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم". رواه مسلم.
قوله: "اتقوا" أي: احذروا؛ لأن التقوى معناها: اتخاذ الوقاية من محذور، فيكون معنى اتقوا: احذروا، وقوله: "اللاعنين" اسم فاعل، وهل هو على ما اشتق منه، أي: إنه اسم فاعل، أو إنه فاعل بمعنى مفعول؟ يحتمل هذا وهذا، فعلى الأول "اتقوا اللاعنين" أطلق عليه اسم اللاعن؛ لأنه يكون سببا في اللعن، وعلى الثاني يكون بمعنى مفعول؛ لأن اسم الفاعل يأتي بمعنى اسم المفعول كما في قوله: ﴿فهو في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١]. أي: مرضية، على كل حال حتى إذا قلنا: إنها بمعنى اسم مفعول؛ أي: الملعونين؛ فالمراد بالملعون هو الفاعل، ومعنى اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وسئل النبي ﷺ عن اللاعنين، فقال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". "يتخلى"؛ أي: يقضي حاجته ويفرغ ما في بطنه من الأذى، "في طريق الناس"؛ أي: ما يستطرقه الناس، "أو ظلهم" أي: ما يستظلون به، وذلك أن الناس في أيام الصيف يحتاجون إلى الظل فيستظلون عن الشمس بظل الجدران أو الأشجار أو غيرها؛ وذلك لأن الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم لا شك أنه يؤذيهم من عدة أوجه:
أولا: من حيث الرائحة؛ لأن رائحة الخلاء خبيثة منتنة.
стр. 247
ثانيا: من حيث التقزر والتكره؛ لأن الإنسان إذا رأى الخلاء فإنه يتكره هذا الشيء ويتضرر منه ويتقزز، وربما يكون من بعض الناس الذين لا يقدرون على رؤية ما يكرهون حتى يتقيئوا.
ثالثا: أنه يؤذيهم من حيث تلوثهم به، فإنهم إذا تلوثوا بهذا الخلاء ماذا يحدث؟ يحدث تنجس أرجلهم أو خفافهم أو ثيابهم أيضا.
رابعا: فيه أذية من حيث حرمانهم من هذا المجلس الذي يأوون إليه يتحدثون، يذهبون عنهم السآمة والملل؛ فلهذا جعل النبي ﷺ التخلي في هذا من أسباب اللعن، أي: أن الإنسان يلعن بسبب ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: تحريم التخلي في الطريق، وتحريم التخلي في الظل، ووجه التحريم ظاهر وهو أن النبي ﷺ جعله سببا للعن.
ومن فوائد الحديث: أن المتسبب في الإثم كالمباشر؛ لأننا نعلم أن اللاعن ليس هو المتخلي. من اللاعن؟ الناس الذين يتأذون بهذا؛ ولهذا نقول: المتسبب في الإثم كالمباشر، أما في الضمان فإنه يختلف على تفصيل عند الفقهاء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لعن من فعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ أخبر عن هذا محذرا من أن تقع اللعنة على الفاعل، ولا يمكن أن تقع اللعنة على الفاعل إلا إذا كان اللاعن محقا، أما إذا كان غير محق فلا يمكن أن تقع اللعنة على الملعون، وعلى هذا فيجوز أن يلعن الإنسان فاعل ذلك، ولكن هل يلعنه على سبيل التعيين، يعني: لو فرض أن الإنسان شاهد هذا الإنسان الذي يتخلى في الطريق أو في الظل هل يلعنه بعينه؟ الذي نرى أنه من الورع ألا يلعنه بعينه، ولكن يقول: اللهم العن من فعل كذا؛ لأن من المعلوم أن لعن المعين حرام، حتى لو كان من أكفر عباد الله، حتى لو رأيت رجلا يسجد لصنم لا تقل: اللهم العنه، فهذا - أعني: التخلي في ظل الناس أو طريقهم- ليس أشد من عبادة الصنم.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشريعة الإسلامية لأمتها من الأذى؛ لأن الغرض من ذلك هو تحذير الناس من أذية المؤمنين، الرسول ﵊ لم يأمرنا أن نتقي اللاعنين من أجل أن نعرف أنه ملعون، بل من أجل التحذير من أذية المؤمنين، وقد قال الله ﵎: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو كان الطريق واسعا، والناس يستطرقونه من وسطه أو من
стр. 248
أطرافه بحيث لا يتمكنون من الاستطراق في وسطه؛ فإنه لا بأس أن يتخلى الإنسان في هذا الجانب الذي لا يستطرقه الناس؛ لأنه قال: "طريق الناس"، ولم يقل: الطريق عامة، فعلى هذا لو كان الطريق واسعا واحتاج الإنسان أن يتغوط أو يتبول في هذا الطريق الذي لا تطرقه الأقدام فظاهر الحديث أنه لا بأس به، ولكن هاذ مشروط بألا يكشف عورته أمام الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يحرم التخلي في الظل مطلقا، بل في الظل الذي يقصده الناس لقوله: "أو ظلهم"، أما مجرد الظل فلا يحرم.
استثنى بعض العلماء ﵏ قال: ما لم يكونوا يقصدون الظل للجلوس فيه لغيبة الناس، يعني لو كان هؤلاء يجلسون في الظل يغتابون الناس أو يشربون الخمر أو يفعلون معصية يأوون إلى الظل لهذا الغرض؛ فإنه لا بأس أن يتخلى فيه؛ لأن ذلك سبب لبعدهم عنه، ولكن هذا الاستثناء فيه نظر؛ لأنهم إذا بعدوا عنه ذهبوا يلوثون ظلا آخر يعني: لن ينتهوا، ثم إنه لو حصل هذا التخلي في هذا الظل الذي يقصده هؤلاء ربما يقصده أناس يحتاجونه ولا يعملون فيه المعصية فهذا الاستثناء فيه نظر.
والصواب: أنه إذا كان هذا الظل مأوى لمن يعمل فيه المعاصي أن يجلس الإنسان فيه حتى إذا جاء الذين يعتادونه للمعاصي ينكر عليهم، هذا هو الحل، أما أن يتغوط أو يبول في هذا المكان الذي حذر منه النبي ﵊ ففيه نظر.
هل يمكن أن نأخذ من هذا الحديث قاعدة عامة وهي تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى؟ نعم، نقول: إن هذا الحديث يدل على تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى سواء بالقول، أو الفعل، أو اللمس، أو أي شيء.
٨٤ - وزاد أبو داود، عن معاذ ﵁: "والموارد". ولفظه: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
"اتقوا الملاعن" نقول: في "اتقوا" كما قلنا في الأولى؛ أي: احذروا، و"الملاعن" مكان اللعن، يعني: الأمكنة التي تكون سببا للعن، وذلك مفسر في قوله: "البراز في الموارد"، والمراد ب"البراز" هنا: قضاء الحاجة، يفسره الحديث الذي قبله: "الذي يتخلى في طريق الناي أو ظلهم".
"الموارد" جمع مورد، وهو ما يرده الناس للشرب، أو للاستسقاء من حوض أو غدير، أو ساقية، أو نهر أو ما أشبه ذلك، المهم أن الناس يردونه للاستسقاء والشرب، فإنه لا يحل للإنسان أن يتبرز فيه.
"وقارعة الطريق" هناك "طريق الناس" وهنا قال: "قارعة الطريق" يعني: التي تقرعها الأقدام.
стр. 249
والثالث: "الظل" وهنا أطلق، ولكن ينبغي أن يحمل على ما سبق وهو ظل الناس ليس كل ظل، فزاد أبو داود موضعا ثالثا وهو: "الموارد"، قال:
٨٥ - ولأحمد عن ابن عباس ﵄: "أو نقع ماء" وفيهما ضعف.
"نقع ماء" يشبه الموارد إلا أنه أعم؛ لأن نقع الماء أعم من كونه موردا أو غير مورد؛ لأنه إن كان موردا ففيه جنايتان، وإن كان غير مورد ففيه جناية واحدة، وهو إفساد الماء؛ لأنه إذا خلى الإنسان في نقع ماء فلا شك أن يفسده، إما أن ينجسه إن كان قليلا وإما أن يفسده وإن لم يكن نجسا هذه أربعة.
٨٦ - وأخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة.
هذا خامس: "الأشجار المثمرة" أيضا ينهى عن قضاء الحاجة تحتها، لكن بشرط أن تكون الثمرة مقصودة سواء كانت تؤكل أو لا تؤكل، فإن كانت تؤكل ففي قضاء الحاجة تحتها إساءتان الإساءة الأولى إلى من قصدها، والإساءة الثانية إلى تلويث الطعام بالخبث، ومعلوم أن تلويث الطعام بالخبث حرام؛ ولهذا نهى عن الاستجمار بالعظم؛ لأنه زاد إخواننا من الجن، والمراد إذن: الأشجار المثمرة يجب أن نقيدها بالمقصود، أما أشجار مثمرة ثمرتها لا تقصد وتبقى بالأرض لا يأخذها الناس فلا بأس؛ لأنه ليس فيها أذية لأحدكم هذه خمسة، والسادس قال:
- وضفة النهر الجاري. من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
- "ضفة النهر الجاري"، يعني: طرفه، وذكر الجاري على أنه وصف كاشف؛ لأن النهر لا يكون إلا جاريا، لكن لو فرضنا أن هذه الأحاديث لم تصح فلدينا القاعدة العامة التي أشرنا إليها أولا وهي: كل موضع يتأذى به المسلمون فإنه لا يجوز أن يتخلى فيه.
- فإن كان هذا الطريق لغير المسلمين فهل يجوز للإنسان أن يتخلى فيه؟
الجواب: ى؛ لأن حديث رواية مسلم "يتخلى في طريق الناس" ولم يقيدها ب"المسلمين"؛ ولأن الدين الإسلامي ليس فيه عدوان وأذية، فما دام بيننا وبين هؤلاء الكفار عهد أو ذمة فإنه لا يحل لنا إيذاءهم، ثم قال المؤلف:
стр. 250
الكلام عند قضاء الحاجة:
٨٧ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا. فإن الله يمقت على ذلك". رواه أحمد. وصححه ابن السكن، وابن القطان، وهو معلول.
"تغوط" أي: أراد الغائط، وأصل الغائط: المحل المنخفض من الأرض هذا الأصل، ثم نقل من هذا المسمى إلى قضاء الحاجة، ووجه الارتباط والعلاقة: أن الناس كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف في بيوتهم، فإذا أرادوا البراز خرجوا إلى الأماكن المنخفضة يقضون حوائجهم.
فعلى هذا نقول: "تغوط" بمعنى: أراد أن يتغوطا، أي: أرادا أن يقضيا حاجاتهما وسمى قضاء الحاجة بذلك لأنه ينتابه الناس فيما سبق وإلا فالأصل أن الغائط هو المكان المنخفض من الأرض، "فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه" يتوارى؛ أي: يستتر كل واحد عن صاحبه وجوبا أو استحبابا؟ وجوبا فيما إذا كان يؤدي إلى كشف العورة، استحبابا فيما إذا كان لا يؤدي إلى كشف العورة؛ بحيث يكون كل واحد منهما يستدبر الآخر.
قال: "ولا يتحدثا" يعني: يحدث أحدهما صاحبه، "فإن الله يمقت على ذلك"، قوله: "يمقت" المقت أشد البغض، و"على ذلك" أي: على هذا الفعل؛ وهو أن يجلس الرجلان أحدهما إلى الآخر على قضاء الحاجة يتحدثان، ووجه النهي عن ذلك: إن كان مع كشف العورة فالأمر واضح؛ لأن هذه حال سيئة وهيئة مكروهة، وإن كان مع غير ستر العورة فلأنهما إذا صارا يتحدثان سوف يمكثان طويلا على هذه الحال؛ لأن التحدث غالبا يطول بين الناس وينسى الإنسان الحال التي هو عليها؛ فلهذا كان سببا لمقت الله ﵎.
في هذا الحديث فوائد:
منها: أن الدين الإسلامي دين الأدب والخلق الرفيع؛ لأن هذه الحالة التي ذكرت في الحديث لا شك أنها مخالفة للأدب؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عنها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الرجلان أن يتغوطا فإن السنة أن يبتعد كل واحد منهما عن الآخر حتى لا يراه فضلا عن كونه يرى عورته.
стр. 251
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التحدث على قضاء الحاجة حتى وإن كان أحدهما لا يرى الآخر كما لو كانا في مرحاضين متجاورين بينهما جدار قصير، فصار كل واحد منهما يحدث الآخر.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المقت لله؛ أي: إثبات وقوع المقت من الله، وهو أشد البغض وقد ثبتت هذه الصفة - أعني: البغض- بوصف المقت وبوصف البغض أيضا، فجاءت في السنة بلفظ البغض، وجاءت في القرآن بلفظ المقت، قال الله تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢].
وأخبر الرسول ﵊: "إن الله يبغض من الرجال البذيء". وهذا يدل على ثبوت هذه الصفة لله شديدة وخفيفة: خفيفة في البغض، وشديدة في المقت.
- فما معنى البغض المضاف إلى الله ، أو المقت؟
نقول: أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إنه حقيقة أن الله يبغض ويحب حقيقة؛ لأن هذا ما جاءت به النصوص وهذا أمر غيبي، والأمر الغيبي يجب على الإنسان أن يصدق به على ظاهره، وأما عند أهل التأويل والتعطيل فيقولون: لا، إن الله لا يبغض ولا يمقت، وإنما المراد بالبغض والمقت: العذاب والانتقام، ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن الانتقام والعقوبة غير البغض ولكنها من لازم البغض، فإذا أبغض الله الإنسان عاقبه وليست هي البغض، وما المانع من أن تقول: إن الله يبغض الشيء، أو يمقت على الشيء على وجه الحقيقة؟ لا مانع، فإذا كان لا مانع وجب علينا أن نصدق به، وألا نحرف الكلم عن مواضعه، وهذا يقال في وصف العجب، والرضا والمحبة، والكراهة، السخط، يقال فيها كما نقول في البغض، يجب إثبات هذه الصفة لله على وجه الحقيقة.
ولكن هل يكون بغضه كبغض المخلوقين؟ لا، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة عامة محكمة وهي قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. فجميع صفاته ﵎ ونعوته لا يمكن أن تماثل صفات المخلوقين ونعوتهم.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم هذه الهيئة، وهي أن يجتمع اثنان يقضيان حاجتيهما ويتحدثان، بل لو شاء لقلنا: إنه من كبائر الذنوب؛ لأنه رتب عليه الوعيد، وإذا رتب عليه الوعيد فقد ذكر العلماء ﵏ أن كل ذنب ختم بوعيد فهو من كبائر الذنوب.
стр. 252
النهي عن مس الذكر باليمين في البول:
٨٨ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: "لا يمسن أحدكم ذكره" فيه إشكال في الإعراب، وهو أن الفعل هنا مفتوح مع كونه يلي "لا" الناهية؟ لأنه اتصل بنون التوكيد، يرد على هذا قول الله ﵎: ﴿قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن﴾ [التغابن: ٧]. فالثاء آخر الفعل وهي مضمومة والهمزة آخر الفعل وهي مضمومة؛ لأن النون في الآية غير مباشرة، ما الذي حال بينهما وبين الهمزة والثاء؟ واو الجماعة المحذوفة، والمقدر كالموجود، إذن يبنى الفعل المضارع على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد المباشرة لفظا أو تقديرا؛ إذن هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم.
وقوله: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه" أي: بيده اليمنى، وقوله: "وهو يبول" الجملة حال؛ يعني: في حال البول، "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" يعني: لا يتمسح من الخلاء الذي هو الغائط بيمينه، بل والبول أيضا؛ لأن الخلاء هو قضاء الحاجة أو مكان قضاء الحاجة، "ولا يتنفس في الإناء" يعني: عند الشرب لا يتنفس في الإناء؛ أي: إناء الشرب، وذلك لأنه إذا تنفس فيه فقد يخرج مع النفس شيء يسقط في الماء يقذره على غيره وربما يحدث له شرق إذا تنفس في الماء فيتأذى أو يتضرر، أو ربما يحصل منه - كما قال أحدهم- جراثيم تعلق في الماء فيكون في ذلك ضرر على صحته أو صحة غيره.
فإن قال قائل: ما العلاقة بين قوله: "ولا يتنفس في الإناء"، وبين النهيين قبله؟
قلنا: يحتمل أن أبا قتادة ﵁ رواهما منفردين، بمعنى: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، ثم سمعه في مكان آخر يقول: "لا يتنفس في الإناء"، فجمعهما أبو قتادة في سياق واجدا اختصارا، وربما يقال: إنه لما كذر ايتعلق بالتخلي عن الأكل والشرب ناسب أن يذكر ما تعلق بالشرب فقال: "ولا يتنفس في الإناء".
أما هذا الحديث ففيه فوائد:
أولا: نهي الإنسان عن مس ذكره بيمينه وهو يبول والنهي هنا صريح، وهذا النهي أيضا مؤكد بنون التوكيد، فهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ جمهور العلماء على أنه للكراهة
стр. 253
وليس للتحريم؛ لأنه من باب الأدب؛ إذ النهي لا يعدو أحد أمرين إما أن يكون تكريما لليمين، وإما أن يكون لخوف أن تتلوث اليمين بالبول فتكون منتنة، وأيا كان فإن هذا لا يقتضي أن يكون النهي للتحريم، لكن حقيقة الأمر أن القول بأنه للتحريم قول قوي؛ لأنه مؤكد حيث قال: "لا يمسن"، وهذا قول أهل الظاهر أن النهي للتحريم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مس الإنسان ذكره بيده اليمنى في غير حال البول، من أين تؤخذ؟ من قوله: "وهو يبول"، وهذا هو الأصل في المفهوم أن يكون مفهوم مخالفة؛ أي: أن المفهوم يخالف المنطوق بالحكم هذا هو الأصل، وربما يقوي هذا الأصل أنه إذا مس ذكره بيمينه وهو يبول صارت عرضة للتلوث بالنجاسة بخلاف ما إذا مسه من غير أن يكون على البول، ومن العلماء من قال: إنه لا يمسن ذكره بيمينه لا حال البول لا غيره، وأنه إذا كان النبي ﷺ نهى عن مس الذكر باليمين حال البول مع أن الإنسان قد يحتاج إليه ففي غير ذلك من باب أولى، وعلى هذا فالمسألة محتملة، وإذا كانت محتملة فما هو الورع؟ عدم المس مطلقا؛ لكننا لا نجزم بأن هذا عام؛ لأن التقييد بكونه يبول لا شك أن له مناسبة وهي الحاجة.
فإن قال قائل: إذا كانت الإنسان لا يستطيع أن يستجمر باليسار فماذا يفعل؟
قلنا: الحاجة لها أحكام وسيأتي - إن شاء الله- الكلام عليها في الحديث الذي بعده.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اليمين خير من اليسار وهذا مطرد في الأمر الكونية والأمور الشرعية، أما الأمور الكونية فلا يخفى علينا جميعا أن الله تعالى جعل في اليمين من القوة ما ليس في اليسار فهي التي يأخذ بها ويكتب بها، ويأكل بها، ويحمل بها الثقيل، وهذا من الميزة القدرية، وأما الشرع فكما رأيتم أنه نهى عن مس الذكر باليمين في حال البول، والمس باليسار لا بأس به.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بلفظ البول، وأنه لا يعد مخالفا للحياء؛ لأن الذي عبر به أحيا الناس وهو النبي ﵊، فقال: "وهو يبول" وأما ما يستعمله الناس الآن إذا أراد أن يبول يقول: أطير الماء فهذا لا أصل له، بل قال صاحب الفروع ﵀: الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء؛ لأن البول ليس ماء؛ ولأن التعبير بالبول ومشتقاته وارد في السنة، قال النبي ﵊ في البول: "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول". وهنا المشتق وهو يبول، فالصواب جواز التعبير بهذا.
стр. 254
فإذا قال قائل: إنه يعتبر مخالفا للمروءة، أعني: التصريح بالبول في عرفنا الآن، فهل نقول: العرف كما يغير المعاني فهو أيضا يغير الأحوال، أليس المرجع في الإيمان إلى ما تقتضيه الكلمة في العرف قبل أن نرجع إلى ما تقتضيه في اللغة، فإذا كان العرف المطرد عند الناس كراهة التصريح بالبول ومشتقاته وعبروا عن ذلك بكناية تدل عليه، وليس فيها محذور شرعي فعندي أنه لا بأس بها؛ ولهذا قال صاحب الفروع: "الأولى"، ولم يقل: يجب، بل قال: الأولى، ولعله في عرفه - صاحب الفروع- لم تصل الحال إلى ما وصلت إليه اليوم، فإن لفظ البول اليوم جدا مكروه عند الناس في غير الحديث، الحديث يقبله الناس إذا مر به، لكن في الكلام العادي لو قلت: أبول، أو بلت اليوم، عند العامة ماذا يقول؟ يستقذر جدا ويقول: هذا ما يصلح، فلا أرى مانعا إذا كان هذا عند الناس من الألفاظ التي يستحيا منها ويكنى عنها بما يدل عليها من غير محذور شرعي لا أرى في ذلك بأسا.
أسئلة:
- ما حكم التخلي في طريق الناس؟
- لماذا سماه الرسول ﷺ اللاعنين؟ لأنه تسبب في لعن نفسه.
- مر علينا في هذه الأحاديث إثبات صفة من صفات الله ما هي؟
- هل جاءت هذه الصفة في القرآن الكريم؟
- ما موقف أهل السنة والجماعة من مثل هذه الصفة؟
- ماذا تسمى هذه الصفات عندهم؟ تسمى صفات فعلية.
- هل يدل هاذ الحديث على تحريم هذه الهيئة- اللذان يتحدثان وهما يتغوطان-؟
- في حديث أبي قتادة في آخره: "ولا يتنفس في الإناء"، ما صلة آخر الحديث بأوله؟
- هل القيد في حديث مس الذكر باليمنى في أثناء البول هو قيد شرطي أو وصفي؟
- قوله: "لا يتمسح من الخلاء" ما معنى "من" هنا؟
- ما المراد بيتخلى البول أو الغائط؟
نعود إلى الحديث: قوله: "ولا يتنفس في الإناء" ذكرنا أن بعض العلماء علل بأنه ربما يخرج منه أشياء مؤذية، وبعضهم علل بأنه ربما يشرق، فعلى الأول يكون النهي خاصا بما إذا كان يريد غيره أن يشرب من هذا الإناء وعلى الثاني يكون عاما، والحديث عام فعلى هذا نقول: لا يتنفس في الإناء حذرا من أن يتقابل النفس والماء فيحصل بذلك الشرق ويتأذى الإنسان أو يتضرر.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التمسح من الخلاء باليمين، لقوله: "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، وهل هو مكروه أو محرم؟ ذكر بعض العلماء أنه حرام؛ لأنه هو الأصل في
стр. 255
النهي؛ ولأنه إذا تمسح باليمين تلوثت اليمين بالنجاسة، واليمين لها الكرامة والبعد عن هذا الشيء، ولهذا كان الاستنثار وهو ليس نجسا باليسار، ومن العلماء من قال: إن النهي للكراهة؛ لأن من باب الأدب والورع أن يتجنب الإنسان هذا إلا للحاجة.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التنفس في الإناء لقوله: "ولا يتنفس في الإناء"، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا الإناء يشرب منه غيره أو لا يشرب؛ لأنه مطلق "ولا يتنفس في الإناء".
فإن قال قائل: وإذا اضطر الإنسان إلى التنفس إما لكونه قصير النفس، أو لكونه يحتاج إلى شرب ماء كثير لا يدركه بنفس واحد؟
قلنا: يفصل الإناء ويتنفس، والسنة أن يتنفس في الشراب ثلاث مرات، فإن النبي ﷺ قال: "إن هذا أهنأ وأبرأ وأمرأ". ثم قال المؤلف:
النهي عن الاستنجاء باليمين:
٨٩ - وعن سليمان ﵁ قال: "لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم". رواه مسلم.
سلمان الفارسي قال ذلك ردا على رجل من المشركين، قال هذا الرجل: إن نبيكم علمكم حتى الخراءة، يعني: حتى آداب الخراءة، فقال له: أجل علمنا حتى هذا.
قوله: "نهانا"، قال العلماء: والنهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، أي: أن الناهي يشعر بأن له السلطة وله القول على من وجهه النهي إليه، وقوله: "أن نستقبل بغائط أو بول" يعني: أن يجلس الإنسان على بوله أو على غائطه، والقبلة أمامه، وذلك تكريما للقبلة؛ لأن القبلة محل التكريم، ومحل اتجاه العبادة إلى الله تعالى في أشرف العبادات من بعد الشهادتين؛ فلذلك يجب أن تكرم.
وقوله: "أو أن نستنجي باليمين" يعني: ونهانا أن نستنجي باليمين، وهذا كالأول الذي فيه: "ولا يتمسح من الخلاء باليمين"، والاستنجاء إزالة النجس وهو العذرة.
وقوله: "أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" يعني: ونهانا أن نقتصر على حجرين، أو على حجر واحد، وقوله: أو أن نستنجي" يفيد أنه فيما إذا كان الخارج ذا بلل، وأما إذا كان الخارج يابسا- أحيانا يكون الخارج يابسا، ولا يتلوث المحل إطلاقا- فإنه لا يدخل في الحديث؛
стр. 256
لأنه لا يجب الاستنجاء منه في هذا الحال، لكن إذا كان الخارج رطبا فلا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار حتى لو أنها أنقت.
"أو أن نستنجي برجيع أو عظم" "الرجيع": الروث، و"العظم": معروف؛ وذلك لأن الرجيع زاد بهائم الجن تأكله كمال تأكل بهائمنا العلف، أما العظم فلأنه زاد إخواننا من الجن يجدون كل عظم ذكر اسم الله عليه، أوفر ما يكون لحما، سبحان الله! يعني: هذا العظم الذي يلوح يجده الجن عليه اللحم أوفر ما يكون مع أننا لا نشاهد هذا؛ لأن الجن وأحوالهم من أمور الغيب.
ففي هذا الحديث: بيان شمول الشريعة الإسلامية لكل ايحتاج الناس إليه؛ لأن النبي ﷺ علمنا حتى الخراءة، علمنا آداب الأكل، وآداب الشراب، آداب النوم، آداب دخول البيت، والخروج منه، آداب اللباس، ما من شيء نحتاجه إلا علمنا إياه ﵊ تحقيقا لقول الله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لنبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. ولقوله تعالى: ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. وإذا كان الدين الإسلامي وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد بينت حتى هذه الأمور الطفيفة فغيرها من باب أولى؛ ولذلك غلط من قال: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم معناها، وصاروا يفوضون المعنى، فإن هؤلاء غلطوا أكبر غلط، فيقال: شبحان الله! أنتم الآن تقرون بأن قصة فرعون وهامان وقارون وغيرهم من طغاة العالم وقصص الصالحين كلها مفهومة المعنى عندكم، وما ذكره الله عن نفسه فهو عندكم غير معلوم بمنزلة الحروف الهجائية، كيف يكون هاذ؟ ! فجميع ما يحتاج الناس إليه في معبودهم، وعباداتهم، وفي أحوالهم، وفي معاملاتهم كله بين، ولكن الناس يختلفون؛ منهم من يعطيه الله تعالى علما واسعا يحيط بكثير من السنة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من يعطيه الله تعالى فهما ثاقبا يفهم ما يسمع وما يقرأ، ومن الناس من هو دون ذلك، وفضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول؛ لقوله: "نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول" والأصل في النهي التحريم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز استقبال الشمس والقمر، كيف ذلك؟ لأن أهل المدينة إذا لم يستقبلوا القبلة فسوف يستقبلون الشرق أو الغرب؛ حينئذ يكونون مستقبلين إما للمش وإما للقمر، وذكرت هذا لأن بعض أهل العلم ﵏ قالوا: إنه يكره للإنسان أن
стр. 257
يستقبل الشمس أو القمر، وعللوا لذلك بتعليل عليل منتقض: لأن في الشمس والقمر نورا فما فيهما من نور الله يجعلهما محترمين؛ فنقول:
أولا: لا يجوز أن نثبت الأحكام الشرعية بمثل هذا التعليل.
وثانيا: هو تعليل منتقض، النجوم فيها أيضا نور من الذي أشاءها؟ الله هل نقول للإنسان: لا تستقبل النجوم، وإن قلنا: لا تستقبل النجوم فكيف يجلس؟ لأن النجوم على يمينه، وعلى يساره، وأمامه وخلفه؛ فلهذا ذكرت ذلك ليعلم أن ما قاله بعض الفقهاء ﵏ في هذا قول ضعيف لا دليل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاستنجاء باليمين، وإذا كنا نقول في استقبال القبلة أنه حرام، فيجب أن نقول في هذا إنه حرام؛ لأن الحديث واحد، والغالب أن المسائل المذكورة في حديث واحد أن حكمها واحد، أقول: الغالب، لكن ليس هذا دلالة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]. فذكر الخيل والبغال والحمير مع أن الخيل جلال، والبغال والحمير حرام، ولا عبرة بدلالة الاقتران؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أن الصحابة نحروا فرسا في عهده - علي الصلاة والسلام- وأقرهم على هذا.
المهم إذا لم نجد صارفا يصرف النهي إلى الكراهة في الاستنجاء باليمين، فالواجب أن يكون للتحريم. فإذا قال قائل: إذا كان الإنسان أشل في يده اليسرى؟ نقول: حينئذ يكون مضطرا إلى الاستنجاء باليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩].
ومن فوائد هذا الحديث: تكريم اليمين، وهو كذلك؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏ في ذلك ضابطا مهما، قالوا: إن اليسرى تقدم للأذى، واليمنى لها سواها، اليسرى تقدم للأذى كالاستنجاء، والاستنثار، وغسل الأوساخ، وما أشبه ذلك، واليمنى لها سواها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستنجاء بالحجار؛ لقوله: "أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" فإنه يفيد أن الثلاثة فما فوق يجوز الاستنجاء به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة حتى لو طهر المحل لابد من ثلاثة، قال النبي ﷺ : "من استجمر فليوتر".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو استنجى بحجر ذي شعب، فإن ذلك جائز؛ لأن كل شعبة بمنزلة حجر، ومن العلماء من قال: لا يجوز بحجر ذي شعب؛ لأن الحديث أقل من ثلاثة أحجار،
стр. 258
لكن هذا القول جمود على اللفظ؛ لأن مراد النبي ﷺ بثلاثة أحجار ألا يمسح بوجه مرتين أو أكثر، وإنما مراده: أن يكون كل وجه له مسحة إما بثلاثة أحجار أو بحجر ذي شعب، ولم يذكر الرسول ﵊ الحجر ذا الشعب؛ لأن هذا قد يكون نادرا أن يجد الإنسان حجرا فيه ثلاث شعب متوازية بحيث إذا مسح بشعبة لم تتلوث الأخرى هذا نادر.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن لاستنجاء بالرجيع، والرجيع ما هو؟ الروث؛ لأن الروث إن كان طاهرا فهو علف بهائم الجن، وإن كان نجسا فالنجس لا يطهر، وكما تعلمون أن الروث ينقسم إلى قسمين على القول الراجح: طاهر؛ وهو روث المأكول، ونجس؛ وهو روث غير المأكول.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاستنجاء بالعظام لقوله: "أو عظم"، سواء كانت هذه العظام عظام ميتة او عظام مذكاة، أو عظام مباح الأكل أو غير مباح الأكل؛ لأنه إذا كانت العظام عظام ميتة فهي نجسة عند جماهير العلماء، وإذا كانت نجسة فالنجس لا يمكن أن يطهر، وإن كانت مذكاة فهي طعام الجن، ولا يحل لنا أن نعتدي عليهم بإفساد طعامهم، وإن كان العظم من غير المأكول فهو نجس، والنجس لا يطهر.
فإن قال قائل: هل يقيسون على هذا تحريم الاستنجاء بعلف بهائم الإنس؟
فالجواب: نعم، نقيسه قياسا جليا واضحا؛ لأنه إذا كان لا يجوز أن نفسد علف بهائم الجن، وهو عالم غيبي فعلف بهائم الإنس من باب أولى.
وإن قال قائل: وهل يقسمون على النهي عن الاستنجاء بالعظم الاستنجاء بطعام الإنس كاللحم أو الخبز أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: نعم من باب القياس الأجلى والأوضح؛ لأنه إذا كان إفساد طعام الجن حراما فإفساد طعام الإنس من باب أولى.
فإن قال قائل: وهل تجيزون أن يستنجي الإنسان بغير الأحجار مما يزيل الأذى؟
فالجواب: نعم نجيز ذلك، فلو استنجى الإنسان بمناديل طاهرة منقية فلا بأس، وإن استنجى بخشبة فلا بأس، وإن استنجى بمدر - وهو الطين اليابس- فلا بأس أيضا، ولو استنجى بزجاجة لا يجوز؛ لأنها لا تنقي، ولو استنجى بحجر رطب لا يجوز؛ لأنه لا يطهر ولا ينشف.
فإن قال قائل: إذا لم ينق بثلاث - أعني: الاستجمار- هل يجب أن يزيد رابعة؟ نعم يجب أن يزيد رابعة، وإذا أنقى برابعة فالأفضل أن يزيد خامسة؛ لقول النبي ﷺ : "من استجمر فليوتر".
من فوائد الحديث - ونسيت أن أقولها-: تحريم العدوان على حق الغير لنهي النبي ﷺ عن الاستنجاء بالرجيع أو العظم، فإذا كان يحرم العدوان من الإنس على الجن فإنه حرام من الجن
стр. 259
على الإنس؛ ولهذا كان العلماء الذين وهبهم الله ﵎ من القوة في الإيمان كانوا ينكرون على الجن الذين يصرعون الإنس ويقولون لهم: هذا حرام عليكم وعدوان، والله تعالى لا يحب المعتدين، فربما يدي الله هاذ الجن ويخرج وقد لا يخرج، لكن الكلام على أن العدوان محرم من الإنس على الجن، ومن الجن على الإنس.
النهي عن استقبال واستدبار القبلة بغائط أو بول:
٩٠ - وللسبعة عن أبي أيوب ﵁: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا".
قوله: "عن أبي أيوب ﵁" أي: عنه، عن النبي ﷺ ، وسبق في حديث سلمان: "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول"، ويكون هذا الحديث زائد على ما سبق الاستدبار.
"القبلة": هي الكعبة أو جهتها، وقوله: "ولكن شرقوا أو غربوا" هذا التوجيه لأهل المدينة، ومن كانت قبلته قبلتهم؛ لأن أهل المدينة قبلتهم الجنوب فإذا شرقوا أو غربوا صارت القبلة عن أيمانهم أو عن شمائلهم، فيكون في هذا الحديث خطاب موجه لطائفة من الناس خاصا بها وبمن كان مثلها.
يستفاد من هذا الحديث: تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط أو البول لقوله: "بغائط أو بول".
ويستفاد منه: بمفهومه أنه لا يحرم أو ينهى عن استقبالها أو استدبارها بالاستنجاء؛ يعني: لو أن الإنسان تخلى في مكان وقام ليستنجي في مكان آخر؛ فإنه لا حرج أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، وأما قول بعض الفقهاء ﵏ أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء؛ فهذا يحتاج إلى دليل.
ومن فوائد هذا الحديث: احترام القبلة، وألا يتوجه الإنسان إليها حال قضاء الحاجة ولا يستدبرها.
ومن فوائد الحديث: أن الأكمل أن تكون القبلة عن يمينه، أو عن يساره.
ومن فوائد الحديث: أن الانحراف اليسير لا يعتبر مخالفة؛ لأنه قال: "شرقوا أو غربوا"، وهذا انحراف كثير ولا يكفي الانحراف اليسير، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي استقبال القبلة في حال الصلاة، وأن الإنسان إذا استقبل القبلة حال الصلاة ولو انحرف يسيرا فإن ذلك لا يضر، والذي لا يضر أن ينحرف كثيرا بحيث تكون القبلة عن يساره أو عن يمينه.
стр. 260
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطاب بلفظ يعم الأمة ولفظ يخص بعض الأمة، أيهما الذي يعم الأمة؟ "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط أو بول" هذا عام لجميع الأمة، "ولكن شرقوا أو غربوا" خاص بأهل المدينة، ومن كان مثلهم بالنسبة لنا هنا نقول: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن أشملوا أو أجنبوا"؛ لأن القبلة في القصيم جهة الغرب فيقال لأهل القصيم: "أشملوا أو أجنبوا".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز ذلك؛ أي: استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول ولا في البنيان؛ لأن الحديث عام ما قال: "إلا في البنيان"، والأصل العمل بالعموم حتى يقوم دليل على التخصيص؛ ولهذا يقول أبو أيوب ﵁: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله". وهذا يدل على أن أبا أيوب فهم أن الحديث عام سواء كان ذلك في البنيان أو في القضاء، وجه ذلك: أن الإنسان يقال إنه مستقبل القبلة ولو كان في البنيان ولهذا لو كان في الحجرة واستقبل القبلة في الصلاة يقال: إنه مستقبل، وعلى هذا فلا فرق، لكن في حديث عبد الله بن عمر ﵄ يقول: رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة". فهنا نقول: جاز استدبار الكعبة في البنيان لفعل النبي ﷺ ، ولأن الاستدبار أهون من الاستقبال؛ لأن الإنسان يستحي أن يستقبل الناس بوجهه حال قضاء الحاجة، لكن لا يستحي أن يستدبرهم؛ ولهذا يدل على أن الاستقبال أكثر من الاستدبار، فهل يقاس عليه الاستقبال؟ من العلماء من قال: يقاس عليه، وأنه في البنيان لا بأس من استقبال القبلة واستدبارها، وعلى هذا فالمراحيض التي ببيننا الآن إذا كانت مستقبلة الكعبة أو مستدبرتها فلا بأس بها، ولكن الصحيح العموم أنه لا يجوز لا في القضاء ولا في البنيان.
بقي علينا: هل لنا أن نخصص هذا النهي وهو سنة قولية بالسنة الفعلية؟
من العلماء من يرى أن الألفاظ لا تخصص بالأفعال، وأننا نحن مطالبون بتنفيذ السنة القولية، أما السنة الفعلية فلا؛ لأن السنة الفعلية تحتمل الخصوصية وتحتمل الحاجة؛ أي: أنه فعل ذلك لحاجة، وتحتمل أن الرسول ﷺ فعله بسبب آخر، وهو لم يعلنه على الناس، هو في بيت حفصة مستدبر الكعبة لم يعلنه فلا يمكن أن نخصص به اللفظ العام، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، ومنهم الشوكاني في شرح المنتقى، ولكن الصحيح: أن السنة القولية تخصصها السنة
стр. 261
الفعلية؛ لأن الكل حق، واحتمال الخصوصية غير وارد، واحتمال النسيان غير وارد، واحتمال سبب آخر غير وارد؛ لأن الأصل التشريع في أقوال النبي ﷺ والتأسي به، ثم إنه لا حاجة إلى أن نقول بتقديم القول إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، فإذا كان ممكنا وجب العمل بالحديثين جميعا؛ لأنك لو قلت: هذا الفعل لا يخصص ألغيت سنة، ولو قلت: هذا الفعل يخصص إذا كان في البنيان لم تلغ سنة؛ إذن القول الراجح: أن حديث عبد الله بن عمر ﵄ مخصص لعموم حديث أبي أيوب.
بقي أن يقال: هل يقاس عليه الاستقبال؟
الجواب: لا، لا يقال؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، والتساوي هنا لا يوجد، ويدل لهذا أن حديث سلمان في النهي عن الاستقبال دون الاستدبار مما يدل على أنه الاستقبال أشنع، وإذا كان أشنع فإنه لا يمكن أن يقاس على ما هو أهون منه.
فإن قال قائل: إذا كان الرجل قد بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة فماذا يصنع؟
نقول: يجب عليه أن ينقضها ويخلفها، فإن قال: أنا أنحرف. نقول: أنت إذا استطعت أن تنحرف فربما يخلفك من لا ينحرف، فتكون أنت السبب في انتهاك حرمة الكعبة، وعلى هذا فلابد لمن بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة أن ينقضها ويوجهها إلى جهة أخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: ما سبق من تعظيم القبلة واحترامها.
ستر العورة أثناء قضاء الحاجة:
٩١ - وعن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ قال: "من أتى الغائط فليستتر". رواه أبو داود.
أضف هذا إلى حديث المغيرة السابق، أن النبي ﷺ قال: "خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني". أضف هذه السنة القولية إلى السنة الفعلية السابقة.
قوله ﵊: "من أتى الغائط" ماذا يريد بالغائط؟ يريد به: المكان المطمئن من الأرض؛ لأنه هو الذي يؤتى إليه، لكن هذا الغائط - أعني: المكان المنخفض من الأرض- لا ينتابه الناس إلا لأجل قضاء الحاجة، وقوله: "فليستتر" اللام هنا للأمر، والأمر يحتمل الوجوب، ويحتمل الاستحباب، والفاء في قوله: "فليستتر" رابطة للجواب؛ لأن الجواب إذا اقترن بلام الأمر وجب أن يقرن بالفاء.
стр. 262
ففي هذا الحديث من الفوائد: الإشارة إلى أن الناس فيما سبق كانوا يقضون حوائجهم في الأماكن البرية أو الداخلية في البلد، لكن بشرط أن تكون منخفضة مطمئنة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاستتار على من أتى الغائط؛ لأن هذا ظاهر الأمر، لكن القواعد تقتضي أنه يختلف، فالاستتار بحيث لا ترى العورة واجب، والاستتار فيما زاد على ذلك سنة.
الدعاء بعد قضاء الحاجة:
٩٢ - وعنها ﵂: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك". أخرجه الخمسة، وصححه أبو حاتم والحاكم.
قولها: "كان إذا خرج" يعني: إذا خرج بالفعل، يقول عند خروجه: "غفرانك"، وغفران مصدر غفر، فرجحان مصدر رجح، والشكران مصدر شكر، وهو منصوب بعامل محذوف تقديره:
أسألك غفرانك، وإنما كان يدعو بهذا الدعاء قيل: لأنه في حال قضاء الحاجة لا يذكر الله فاستغفر من أجل أنه امتنع عن ذكر الله في هذه الحال، فكأنه أضاع وقتا من عمره الثمين فاستغفر الله لذلك، وفي هذا التعليل نظر؛ لأنه إذا لم يذكر الله في هذا المكان فهو ممتثل متبع؛ ولهذا لا نقول للحائض إذا طهرت واستغفرت وصلت: استغفري الله؛ لأن امتناعها عن الصلاة بأمر الله وقال بعض العلماء: إن سؤال المغفرة هنا له مناسبة وهو أن الإنسان لما تخلى من المؤذي الحسي تذكر المؤذي المعنوي، وهي الذنوب، فإن حمل الذنوب أشد من حمل الغائط والبول فنذكر عندئذ الذنوب فسأل الله أن يغفر له، وهذا هو الصحيح.
فيستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا خرج من الخلاء أو من الغائط فليقل: "غفرانك" اتباعا لسنة النبي ﷺ .
فإن قال قائل: ما هي المغفرة التي يسألها الإنسان دائما؟
قلنا: المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، وإنما وصفناها بهذين الوصفين الستر والتجاوز؛ لأن الاشتقاق يدل على هذا، فهي مشتقة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند القتال، وهذا المغفر يفيد الرأس فائدتين:
الفائدة الأولى: الستر. والفائدة الثانية: الوقاية؛ ولهذا لا يصح أن نقول: المغفرة هي ستر الذنب، بل لابد أن نقول: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ويدل لهذا المعنى أن الله -
стр. 263
يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه ويقول: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم". ففرق الله بين الستر وبين المغفرة؛ فدل ذلك على أن المغفرة ليست مجرد الستر، بل هي شيء زائد عليه.
ضرورة الاستجمار بثلاثة أحجار:
٩٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة، وقال: هذا رجس، أو ركس". أخرجه البخاري. وزاد أحمد، والدارقطني: "أئتني بغيرها".
قوله: ﵁: "أتى النبي ﷺ الغائط" يعني: مكان قضاء الحاجة، "فأمني أن آتيه بثلاثة أحجار"، وذلك من أجل أن يستجمر بها، فوجد حجرين ولم يجد الثالث، ولكنه أتى بروثة، والروثة هنا هي روثة الحمار، وليست روثة البعير، بل هي روثة الحمار، بدليل ما يأتي في الحديث، يقول: "فأخذهما - أي: أخذ الحجرين- وألقى الروثة، وقال: هذا رجس" هنا قال: "هذا" ولم يقل: "هذه" باعتبار المشار إليه؛ يعني: هذا المشار إليه رجس ولا يريد هاذ الإتيان؛ لأن ابن مسعود أتى بشيء ليس برجس وهما الحجران، ثم قال: "أو ركس"، والخلف لاختلاف اللفظ والمعنى واحد، والمراد بالركس هنا: النجس.
زاد أحمد والدارقطني: "اثتني بغيرها"؛ أي: بغير الروثة؛ لأن الروثة نجسة، والنجس لا يمكن أن يطهر.
من فوائد هذا الحديث: منقبة لعبد الله بم مسعود، كيف ذلك؟ لكونه خدم النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: جواز استخدام الأحرار؛ لأن ابن مسعود كان حرا.
ومن فوائده: أن أمر الخادم ونحوه لا يعد سؤالا مذموما؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر خدمه، الناس لا يعدون هذا سؤالا، بل يعدونه أمرا، ويرون أن الآمر فوق المأمور.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستعانة بالغير في الطهارة؛ لأن الرسول ﷺ استعان بعبد الله بن مسعود أن يحضر ما يتطهر به.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاجتهاد إذا خالف النص فهو باطل، من كون النبي ﷺ رد اجتهاد عبد الله بن مسعود وقال: "إن هذا رجس"، لكنه لم يوبخه؛ لأنه مجتهد، وإلا فمن المعلوم أن
стр. 264
كونه يأتي بروثة على النبي ﷺ ليتطهر بها، أن فيها شيئا من الاستخفاف، لكنه ﵁ مجتهد؛ فيستفاد منه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلام على خطئه؛ لأنه مجتهد، وهذه هي قاعدة الشريعة والحمد لله أن الحاكم إذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، بل إن النبي ﷺ جعل للرجل الذي تيمم وصلى ثم وجد الماء فتوضأ وأعاد الصلاة جعل له الأجر مرتين مع أنه مخطئ في هذا العمل؛ حيث إن صاحبه الذي لم يعد قال له النبي ﷺ : "أصبت السنة".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار، وجه ذلك: أن النبي ﷺ طلب من عبد الله بن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، ثم قال حين رد الروثة: "ائتني بغيرها"؛ فدل هذا على أنه لابد من ثلاثة أحجار.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستجمار مطهر لقوله: "هذا رجس"، والرجس لا يطهر، فدل هذا على أنه لو كان طيبا طاهرا لكان مطهرا، وهذا هو الصواب أن ما يحصل من الاستجمار فهو تطهير، وبناء على ذلك لو أن الإنسان استجمر من بول أو غائط بأحجار أو تراب؛ أو مناديل، ثم عرق أو أصاب ثوبه بلل وصل إلى مقعدته أو إلى ذكره فهل نقول: إن ما أصابه الماء والبلل والعرق ومن هذا المحل يكون نجسا؟ الجواب: لا، وهذا هو القول الراجح المتعين.
ومن العلماء من يقول: إن الاستجمار لا يطهر، وأنه لا يعفى عن أثر الاستجمار إذا تجاوز غير محله، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب: أنه مطهر تطهيرا تاما، فهل يقاس على ذلك ما لو أزيلت النجاسة في غير هذا الموضع بحجر حتى لم يبق لها أثر؟ الجواب: نعم؛ وذلك لأن النجاسة عين خبيثة متى أزيلت بأي مزيل سواء كان بحجر أو بغير ذلك فإنها تطهر، لكن بشرط أن تكون الإزالة إزالة تامة.
فإن قال قائل: قياسكم غير هذا المحل عليه فيه نظر؛ لأن هذا المحل يكثر تلوثه بالنجاسة، فإن الإنسان دائما يبول، ودائما يتغوط، وغير هذا المحل لا يكثر فيه التلوث بالنجاسة فلا يمكن القياس، ويدل لعدم إمكان القياس أن النبي ﷺ قال في بول الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "أريقوا عليه سجلا من ماء". فهذا يدل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء؛ فجوابنا على هذا أن يقال: إن النبي ﷺ أمر أن يصب عليه ماء من أجل الإسراع في تطهيره؛ لأنه لو بقي
стр. 265
ما يطهر الآن يحتاج إلى وقت، ولكن الرسول ﵊ أراد أن يبادروا في تطهيره فأمر أن يصب عليه ماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأرواث نجسة؛ لأن ابن مسعود أتى بروثة، والرسول ﷺ قال: "إنها نجسة"، ولم يبين عبد الله بن مسعود أنها روثة حمار أو روثة بعير، فيدل على أن جميع الأرواث نجسة، وجميع الأبوال نجسة، وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ أن جميع الأبوال نجسة ولو مما يؤكل، وجميع الأرواث نجسة ولو مما يؤكل، ولكن هذا القول ضعيف، فقد دلت السنة على طهارة بول ما يؤكل وروثه، فإن النبي ﷺ أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، ولم يأمرهم بالتنزه منها؛ ولأن النبي ﷺ سئل أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". ومعلوم أن مرابضها لا تخلو من بول أو روث، فدل هذا على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر؛ إذن يجب أن نحمل قوله: "روثة" على روثة حمار؛ لأن روث الحمار نجس وبوله نجس.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي ﷺ ، حيث إنه ألقى الروثة ولم يوبخ عبد الله بن مسعود، ولم يغضب ويدع أمره مرة أخرى، بل قال: "ائتني بغيرها".
النهي عن الاستجمار بعظم أو روث:
٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران". رواه الدارقطني وصححه.
قوله: نهى أن يستنجى بعظم أو روث" ما المراد بالعظم هنا؟ المراد: جميع العظام؛ لأن العظم إن كان من مذكاة فقد لوثه على الجن، وإن كان من غير مذكاة فهو نجس، وكذلك يقال في الروث: إن كان طاهرا فهو علف بهائم الجن، وإن كان نجسا فالنجس لا يطهر، وقال: "إنهما لا يطهران" أي: العظم والروث لا يطهران، وجه ذلك: أن النجس منهما لا يطهر، هو نجس فكيف يطهر، والطاهر منهما لا يطهر؛ لأنه لا يحصل الإنقاء التام به، لكن إذا صحت اللفظة وهي: "إنهما لا يطهران" فينبغي أن يحمل العظم والروث على العظم النجس، وذلك أن العظم الطاهر إذا استوى في ذلك واستجمر به إنسان فلا وجه لكونه لا يطهر، صحيح أنه حرام عليه لكن الحرام شيء، والتطهير شيء آخر، فيقال لمن استنجى أو استجمر بشيء محرم: إنه آثم، والمحل يطهر؛ لأنه من نجاسة، فإذا زالت بأي مزيل كفى.
стр. 266
الأمر بالاستنزاه من البول:
٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استنرهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه". رواه الدارقطني.
٩٦ - وللحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول". وهو صحيح الإسناد.
قوله ﵊: "استنزهوا" أي: اطلبوا النزاهة، والنزاهة هي النظافة، وقوله: "من البول" أي: تخلوا عنه، ثم علل هاذ بقوله: "إن عامة عذاب القبر منه" يعني: أكثر عذاب القبر من عدم الاستنزاه من البول، وقوله: "من البول" هل هو عام؟ سبق لنا أن الشافعي ﵀ يرى أن جميع الأبوال نجسة، فعلى هذا يكون الحديث عاما، لكن هذا القول ضعيف لما ذكرنا قبل قليل من الأدلة؛ ولأنه في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان، حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال: "أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله", هكذا في إحدى روايات البخاري، وعلى هذا فيكون المراد من البول - أي: البول الذي يلابسه كثيرا- وهو بول نفسه، فإن عامة عذاب القبر منه، وللحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول".
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب التنزه من البول لقوله: "استنزهوا من البول".
نعود لحديث أبي هريرة: "استنزهوا" أي: اطلبوا النزاهة من البول، يعني: التنظيف منه، وقوله: "من البول" "أل" للعهد الذهني، يعني: البول المعهود الذي هو بول الآدمي؛ وليست للعموم كما سنذكره، "فإن عامة عذاب القبر منه" يعني: أكثر عذاب القبر بالنسبة للمؤمنين من عدم التنزه من البول، أما الكفار فإن عامة عذاب القبر عندهم من الشرك والكفر، وغير ذلك.
في هذا الحديث فوائد:
أولا: وجوب الاستنزاه من البول، لقوله: "استنزهوا من البول"، والأمر للوجوب.
ومن فوائده: أنه لا يعفى عن يسيره - أي: عن يسير البول- لقوله: "استنزهوا من البول"؛ لكن استثنى الفقهاء ﵏ يسير البول ممن به سلس دائم مع كمال التحفظ - يعني: المصاب بسلس البول- يعفى عن يسير البول بشرط أن يكون قد تحفظ تحفظا كاملا، وعللوا ذلك بأن التحفظ من يسيره وكثيره شاق وحرج، وقد قال الله ﵎: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. وهذا عام في كل مسائل الدين، وذكر نفي الحرج في الطهارة خاصة فقال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. وهذا
стр. 267
الذي استثناه الفقهاء ﵏ وجيه جدا؛ وذلك لانتفاء الحرج؛ أي: أننا استثنينا يسير البول ممن به سلس مع كمال التحفظ من أجل الحرج، وكما يقول العامة: لا يحس بحرارة الجمرة إلا من وطأها، يعني: لا يحس بالمشقة العظيمة في هذا الأمر إلا من ابتلي به، أعاذنا الله وإياكم منه.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاستنزاه من كل بول إذا جعلنا "أل" للعموم، ولكن هذه الفائدة ليست صحيحة؛ لأن العموم لا يستقيم بالنسبة للشريعة الإسلامية، ووجهه: أنه قد دل الدليل على أن ما يؤكل لحمه طاهر وهو إذن النبي ﷺ إلى العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وأبانها، ولم يأمرهم بالتنزه منها، وأيضا لو كان بول الإبل نجسا لكان شربه حراما؛ والحرام لا يجوز التداوي به.
فإذا قال قائل: لماذا تجعلونه عاما وتستثنوا منه بول ما يؤكل لحمه، فيكون شاملا لبول الحدأة والحمير، والكلاب، وما أشبه ذلك.
نقول: هذا ممكن، لكن حمله على المعهود الذهني الذي يكثر من الإنسان مماسته أولى، وما هو المعهود الذهني الذي يكثر من الإنسان مماسته؟ بوله هو.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات عذاب القبر لقوله ﷺ : "فإن عامة عذاب القبر منه"، وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة، أما في القرآن، فقوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. عرضهم على النار غدوا وعشيا هذا قبل قيام الساعة؛ لقوله: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ [نوح: ٢٥]. والأصل: أن التعقيب فوري، قلت ذلك؛ لأن التعقيب قد يكون غير فوري كما لو قيل: "تزوج فلان فولد له" ومعلوم أنه لا يمكن أن يولد له في ليلة الزواج، وكما في قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]. فإن الأرض لا تصبح مخضرة صباح نزول المطر، لكن هذا التعقيب على حسب ما تقتضيه الحال، وهذا دل عليه قرينة، وإلا فالأصل أن التعقيب يكون فوريا.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ [الأنعام: ٩٣]. اليوم متى؟ يعني: يوم الوفاة.
﴿تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق﴾ [الأنعام: ٩٣].
أما في السنة فلي أن أقول: إن السنة متواترة في ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يتعوذ بالله من
стр. 268
أربع بعد التشهد الأخير ذكر منها: عذاب القبر، وما زال المسلمون يدعون بذلك في كل صلواتهم، فهو من أشد الأحاديث تواترا، وأقواها معلوما.
فإن قال قائل: وهل العذاب الذي يكون في القبر يكون على البدن أو على الروح؟
نقول: الأصل أنه على الروح هذا هو الأصل، لكن قد يتصل بالبدن؛ يعني: قد يتصل العذاب بالبدن؛ ولهذا ذكر في منامات كثيرة أنه عثر على المعذبين ووجد آثار العذاب في أجسادهم وإلا فالأصل أنه على الروح.
فإن قال قائل: وهل عذاب القبر ينجو منه من احرق أو غمس في البحر، أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: لا، لأننا نقول: الأصل أن العذاب على الروح، والروح منذ خلقها الله لا تفنى ولكنها تفارق البدن وتعاد إليه يوم القيامة.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على حماية أمته مما يضرها؛ حيث قال: "استنزهوا"، وهذا يدل على نصيحة الرسول ﷺ لأمته، ولا شك أنه أنصح الخلق للخلق لا شك في هذا، ومن تتبع سيرته عرف نصحه ﵊، ومن ذلك: أي: من نصحه- أنه ينزل الناس منازلهم؛ فالصغار يخاطبهم بما تقتضيه عقولهم يمزح معهم ويلاطفهم ويعطيهم ما يريدون مما أحل الله، والكبراء يعاملهم بما يستحقون وأوساط الناس بما يستحقون، ولا شك أن هذا من النصح؛ لأنك لو أردت أن تعامل أكبر الناس جاها وعلما وإحسانا وفضلا كما تعامل أرذل الناس لقال الناس: هذا سفه مناف للحكمة؛ بل تنزل كل إنسان منزلته، حتى إنه روي عن النبي ﵊ أنه قال: "أنزلوا الناس منازلهم".
ومن فوائد هذا الحديث: أن عدم الاستنزاه من البول كبائر الذنوب؛ لأن قوله: "إنه من عذاب القبر" يدل بفحوى الكلام وقوة الكلام أن من لم يستنزه من البول فإنه يعذب في قبره، وهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان"، وذكر أن أحدهما كان لا يستنزه من البول.
فإن قال قائل: ألا يفتح هذا التأثيم باب الوسواس على بعض الناس؟
стр. 269
فنقول: ربما يفتحه على ضعيف الإدراك أما القوي - قوي الإدراك، قوي العزيمة- الذي يربط الأدلة بعضها ببعض فإن ذلك لا يؤثر عليه شيء؛ لأن بعض الناس يقول مثلا من جملة الاستنزاه النتر والنضح، وما أشبه ذلك لئلا يبقى في قنوات البول شيء، حتى ذكر بعض أهل العلم أشياء عجيبة ذكر أن بعضهم إاذ انتهى من البول علق حبلا في السقف وتمسك به وجعل يهز نفسه من أجل الا يبقى شيء، اللهم عافنا هذه وساوس بلوى، كل هذا لأنهم يقولون: نخشى ألا نكون استنزهنا من البول، ولكن من عرف موارد الشريعة وجمع الأدلة بعضها إلى بعض تبين له أن هذا ليس بواجب، بل ولا مستحب، بل هو مكروه إن لم نقل إنه محرم، لأنه بدعة في الدين وإلحاق المضرة على النفس وإلحاق القلق، وإذا كان النبي ﵊ يقول فيمن وجد في نفسه شيئا: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". وقد وجد قرائن كيف بمن ليس عنده إلا الوهم؛ ولهذا ينبغي لنا نحن طلبة العلم إذا جاءنا من يشكو هذه الحال نقول: تلهى عنه كما قال أئمتنا ﵏ تلهى عنه لا تذهب، تقول: أنظر هل هناك شيء أو لا، بعض الناس يقول: إذا أحس ببرودة أو أحس بوهم قال: أذهب، ثم يذهب يعصر ذكره فلا يجد شيئا، اترك هذا كله دع الوساوس، وهذا - بإذن الله- سوف يذهب عنك الشيطان مثل الكلب، الكلب إن حارشته نجسك وآذاك بالنجاح، وإن سكت عنه سكت عنك؛ فهكذا الشيطان يجس الإنسان وينظر إذا رأى أنه هش لين بالوساوس ابتلاه بها، وإن رأى أنه رجل حازم وأنه ذو قوة، وأنه يتمشى مع الشرع يعجز عنه وينصرف.
٩٧ - وعن سراقة بن مالك ﵁ قال: "علمنا رسول الله ﷺ في الخلاء: أن نقعد على اليسرى، وننصب اليمنى". رواه البيهقي بسند ضعيف.
"في الخلاء" أي: في الجلوس لقضاء الحاجة، "أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى"، الفقهاء عبروا بكلمة "يتكئ"، والحديث "نقعد" وبينهما فرق؛ لأننا لو أردنا أن نأخذ بظاهر الحديث لقلنا: إن الإنسان يقعد على رجله اليسرى يفترشها وينصب اليمنى، يعني: ارتفاع ساقه، أما كلام الفقهاء فلا يدل على هذا، يدل على أنك تتكئ على اليسرى وتنصب اليمنى، وهذا فيه مشقة شديدة لا سيما على من لا يخرج منه الخبث بسرعة، فإنه إذا بقي هكذا لمدة خمس دقائق أو عشر دقائق لا شك أنه يتكلف؛ ولهذا الحمد لله أن جعل الله هذا الحديث ضعيف حتى
стр. 270
لا نستن به، فما دام هذا الحديث ضعيفا فإنا إما أن نرجع إلى أهل الطب في الأمر، وما هي الجلسة التي تكون أهون لخروج الخبث، وإما أن يكون الإنسان طبيب نفسه، هل إذا قعد مستقيما يكون أريح له وأسهل لخروج الخبث؛ أو إذا انحرف يسيرا، أو إذا اتكأ على اليمنى يسيرا، أو على اليسرى يسيرا، الإنسان طبيب نفسه في هذا وهو يعلم.
فإذا قال أهل الطب: إن الأحسن الجلسة الفلانية، وليس في الشريعة ما يدل على جلسة معينة، فإننا نأخذ بكلامهم؛ لأن هذه المسائل تتعلق بصحة البدن تعلقا كبيرا، والمرجع فيما يتعلق بصحة البدن إلى من؟ إلى الأطباء، لكن لو فرض أنه تعارض قول الطبيب وما جاءت به السنة قدم ما جاءت به السنة؛ ولهذا لما وصف النبي ﷺ للرجل المبطون العسل، فشرب العسل؛ فزاد بطنه انطلاقا؛ فجاء أخوه إلى الرسول ﵊ قال له: يا رسول الله، أخي شرب العسل، ولكن زاد بطنه، قال: "صدق الله وكذب بطن أخيك". فأي مادة أو قاعدة أو ضابطة يعارض ما صحت به السنة وجاء القرآن من الطب فإننا لا نقبله؛ لأن الكلام صدر ممن - إذا كان في الكتاب والسنة-؟ من الله وهو العليم الخبير، وما يقوله الأطباء فهو إما عن تجارب، أو عن قرائن قد تخطئ وقد تصيب.
على كل حال: لو صح هذا الحديث لقلنا به، وقلنا: يستحب للإنسان أن يفعل هذا، وأما إذا لم يصح فقد كفينا إياه؛ ولهذا ينبغي لنا عند المناظرة والمجادلة أن نهدم الدليل من أصله قبل كل شيء، قبل المجادلة في معناه، فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة المعلومة الصحة، قلنا لمن أدلى به: نطالبك بصحة الدليل كما كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يجادل الرافضي في منهاج السنة بهذه العبارة أو ما يسوق كلام الرافضي يقول: الوجه الأول أننا نطالبك بصحة الدليل، وإذا لم يصح الأصل بقي الفرع، وهذه قاعدة قد بينه الإنسان إذا أورد عليه المجادل حديثا ربما أن هذا المجادل لا يعلم عن صحة الحديث فيظنه صحيحا ثم ينبهت، وما أكثر المجادلين أهل البدع، وأعني بذلك: أهل البدع الذين يأتون بالأحاديث الضعيفة، ولذلك أدمغ رءوسهم قبل كل شيء بالمطالبة بصحة النقل، ثم إذا ثبتت صحة النقل حينئذ نتكلم في المدلول.
٩٨ - وعن عيسى بن يزداد، عن أبيه ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات". رواه ابن ماجه بسند ضعيف.
стр. 271
أولا: "عيسى بن يزداد"، هل "يزداد" مصروفة أو لا؟ الجواب: لا، ليست بمصروفة، والمانع لها من الصرف العلمية ووزن الفعل.
هذا الحديث يقول فيه: "إذا بال" أي: إذا فرغ من بوله، "فلينتر ذكره ثلاث مرات" يعني: ليهزه من الداخل كأنما يتعصره ثلاث مرات، وذلك من اجل أن يخرج ما بقي من البول، لكن هذا الحديث - والحمد لله- ضعيف؛ ولا يصح عن النبي ﷺ وإذا كان كذلك فإن النتر ليس بسنة، ولذلك صرح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن النتر بدعة لعدم صحة السنى به؛ ولأن ذلك أيضا قد يؤدي إلى أن يكون في الإنسان سلس أو وسواس كما هو معروف.
لكن لو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، إذا كان الإنسان جرت عادته أنه لا يفرغ البول في قنوات البول إلا بالنتر فهل يقولون: إنه مستحب؟
هنا نقول: ربما يقال بذلك، لكن هذا ليس عاما للناس، بل يختص به أحد دون الآخر، وإلا فالأصل أن النتر بدعة يؤدي إلى الوسواس وتشديد لا ينبغي أن يفعله.
٩٩ - وعن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ سأل أهل قباء فقال: إالله يثني عليكم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء". رواه البزار بسند ضعيف، وأصله في أبي داود والترمذي.
قوله: "أن النبي ﷺ سأل أهل قباء" قباء: مكان معروف في المدينة يقع في الجنوب الشرقي، وهو حي معروف نزل فيه النبي ﷺ أول ما نزل المدينة في الهجرة، وأقام فيه المسجد، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ [التوبة: ١٠٨]. وهذا في مقابل مسجد الضرار الذي بناه المنافقون من اجل تفريق المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرار وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله﴾ [التوبة: ١٠٧].
وقد بنوا هاذ المسجد بناء على مشورة من أبي عامر الفاسق المنافق على أنه يريد أن يجمع الناس إليه لمحاربة النبي ﷺ ، وادعى أنه إنما بناه من أجل أن يخفف على الكبار والمرضى ونحوهم حتى لا يتكلفوا الذهاب إلى مسجد قباء الذي أسس على التقوى، وأرسلوا إلى النبي ﷺ بعد فراغهم من بنائه يطلبون منه أن يصلي فيه، وكان ﷺ في تلك الساعة يتجهز إلى غزوة تبوك، فاعتذر بأنه على جناح سفر، وأنه إذا رجع صلى فيه، لما رجع إلى المدينة من غزوة تبوك ولما يبقى عليه إلا ساعات يسيرة نزل الوحي وهو قوله تعالى: ﴿والذين
стр. 272
اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾، وهم يدعون أنهم إنما اتخذوه رفقا بكبار السن، وما أشبه ذلك؛ فنهاه الله.
أما مسجد قباء فإن النبي ﷺ كان يخرج كل يوم سبت راكبا أو ماشيا فيصلي فيه. ورغب ﷺ في الصلاة فيه إذا تطهر الإنسان في بيته وخرج إلى هذا المسجد وصلى فيه ركعتين أو ما شاء الله، كان كمن أتى بعمرة.
أهل قباء وصفهم الله تعالى بأنهم يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين، فقال: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيهفيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التبة: ١٠٨]. أثنى الله عليهم بأنهم رجال بمعنى الرجولة الحقيقية، وأنهم يحبون أن يتطهروا من الأنجاس والأحداث والذنوب، ﴿والله يحب المطهرين﴾، أي: الذين يتطهرون، فسألهم النبي لماذا أثنى الله عليهم؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء، أيهما التابع وأيهما المتبوع؟ الماء تابع، والحجارة متبوع، يعني: إذا استجمروا بالأحجار استنجوا بالماء، وهذا وجه ثناء الله تعالى عليهم.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أن الجمع بين الاستجمار والماء أفضل من الاقتصار على أحدهما، فإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل الماء أو الحجارة؟ قال العلماء: الماء أفضل؛ لأنه أنقى وأطيب، والمقصود: الإنقاء، فمتى حصل إنقاء أكثر وأشد كان أولى وأدنى من ذلك الأحجار لكنها مطهرة، كما سبق أن الاستجمار الشرعي الذي يكون ثلاث مسحات منقية فأكثر يكون مطهرا.
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ ولهذا سألهم لماذا أثنى الله عليهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأعلى منزلة ومرتبة قد يستفيد ممن دونه؛ لأن قوله تعالى: ﴿يحبون أن يتطهروا﴾ لم يعلم النبي ﷺ هذا التطهر، وإنما أخذ المعنى من هؤلاء، فيستفاد منه: أن الأعلى مرتبة ومنزلة يستفيد من الأدنى، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان ألا يحقر غيره، بل أن يتعلم منه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم، ورب علم عند شخص دونك بمراتب لا تدركه أنت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أفعال الله لا تحتاج إلى توقيف؛ بمعنى: أن كل شيء في الكون يخلقه الله لا بأس أن تصفه ﵎ بهذا الأمر الذي فعله فمثلا "يثني".
لو قال قائل: هل من أسماء الله المثنى؟ قلنا: لا، لكنه فعل من فعله بأن أثنى على هذا كذلك الخالق الرازق وغير ذلك من كل أفعال الله لا بأس أن تسندها إلى الله، وإن لم تأت في الكتاب والسنة ما دام إسنادها إلى الله صريحا صحيحا.
فإن قال قائل: ذكرت أن أول مسجد ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم
стр. 273
فيه﴾ ذكرت أنه مسجد قباء، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه المسجد النبوي حيث قال: "إنه مسجدي هذا".
فالجواب: أن العلماء اختلفوا أيهما يكون؟ والصواب: أن لا منافاة، فإن مسجد النبي ﷺ أسس على التقوى من أول يوم وصل المدينة فيه لا شك، فيكون المسجدان كلاهما أسس على التقوى من اول يوم، مسجد قباء من أول يوم وصل إلى قباء، ومسجد المدينة من أول يوم وصل إلى المدينة، ثم بعد ذلك نرجح أيهما أفضل؟ لا شك أن المسجد النبوي أفضل؛ ولهذا تشد الرحال إليه، ولا تشد الرحال إلى مسجد قباتء فهو أفضل، فيكون المسجدان اشتركا في أن كل واحد منهما أسس على التقوى من أول يوم، وانفرد المسجد النبوي بأنه يجوز شد الرحال إليه بخلاف مسجد قباء، قال:
١٠٠ - وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي لله عنه بدون ذكر الحجارة.
يعني: أنهم ذكروا أنهم يسنجون بالماء فقط، ولا يستعملون الحجارة، ولكن الأمر كما بينا قبل قليل على الترتيب الجمع بين الماء والحجارة أفضل من الماء، والماء أفضل من الحجارة، وهذا معلوم من المعنى، وإن كان ليس هناك نص يبين هذا الترتيب لكنه معلوم من المعنى، وبهذا انتهى الكلام على باب الاستنجاء، ونعود إلى هذا الباب ونذكر ماذا استفدنا منه:
أولا: استفدنا منه ما يسن عند دخول الخلاء، وهو أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
ثانيا: استفدنا منه ما يقوله إاذ خرج من الخلاء وهو: "غفرانك"، أما في ذكر البسملة عند الدخول فهذه ورد فيها حديث ولكنه ليس بذاك القوي: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: بسم الله". وكذلك أيضا "غفرانك". ورد في بعض الأحاديث زيادة: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني". ويذكر عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه". يشير إلى الغذاء من طعام وشراب.
ثالثا: استفدنا أيضا تحريم التغوط فيما يكون أذى للناس أو ضررا عليهم.
стр. 274
رابعا: استفدنا أيضا جواز استخدام الغير في إعداد الأحجار التي يستجمر بها، وأن ذلك لا ينافي الحياء؛ لأنه فعله من هو أشد الناس حياء وهو رسول الله ﷺ .
خامسا: استفدنا أيضا أنه يكره على رأي الجمهور مس الذكر باليمين حال البول والتمسح من الخلاء به، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وسبق أن العلماء اختلفوا هل النهي للتحريم أو للكراهة.
سادسا: استفدنا أيضا أنه لابد من أن يكون الاستجمار بثلاثة أحجار فأكثر، والاستنجاء لم يرد فيه العدد؛ لأن المقصود: إزالة الأذى والقذر بواحدة أو اثنين أو ثلاث أو أكثر، واختلف العلماء هل البول كالغائط لابد فيه من ثلاث مسحات، أو يكفي مسحة واحدة إاذ طهر بها المحل؟ والجمهور على أنه لابد من ثلاث مسحات في البول والغائط أيضا.
سابعا: استفدنا مما مر أن الاستنزاه من البول واجب، وكذلك من الغائط، وأن أكثر عذاب القبر من البول، أي: من عدم التنزه منه.
ثامنا: استفدنا أيضا أنه لا يجوز الاستجمار بما يكون محترما من طعام لنا أو لدوابنا، من أين أخذنا هذا؟ من أن النبي ﷺ نهى عن الاستجمار بالعظام؛ لأنها طعام الجن، وعن الاستجمار بالروث؛ لأنها طعام بهائمهم، ولا شك أن الإنس أكرم من الجن.
أسئلة:
- هل النبي ﷺ كان يلبس خاتم ولماذا؟ وما الذي كتب فيه؟
- هذا الحديث على ما قيل فيه، ما الذي يدل عليه؟ يعني: مجرد فعل الرسول في الترك يدل على الكراهة؟
- كم وجها في الخبث، وما معناها، وأيهما اولى؟
- ما الذي يدل عليه تواري النبي ﷺ في حديث المغيرة؟
- لماذا سمى من يتغوط في طريق الناس باللاعنين؟
- وهل يجوز أن نقول إذا رأينا غائطا في السوق: اللهم العن من فعل ذلك؟
- ما هو الضابط في استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة؟
- ما دليلك على جواز الاستدبار في البنيان؟
- لو قال قائل: تعارض قول الرسول وفعله؟
- وجه تقديم القول على الفعل مع إمكان الجمع؟
- لماذا نهي عن استقبال القبلة واستدبارها؟ لتعظيم بيت الله؛ ولئلا يستوي من كان في الصلاة ومن كان في الأذى، ولهذا قلنا: الاستدبار أهون.
- ما هو الدليل على أنه يجوز الاقتصار على الماء دون الاستجمار؟
стр. 275
٨ - باب الغسل وحكم الجنب
"الغسل" يقال: بالضم، ويقال: بالفتح، ويقال: بالكسر، فهل هي لغات أو لكل حركة معنى؟ الأطهر أن لكل حركة معنى.
أولا: الغسل: التطهير؛ ولهذا نقول: غسل ثوبه من النجاسة غسلا.
ثانيا: الغسل: استعمال الماء - يعني: الاغتسال- على صفة مخصوصة يسمى غسلا:
ثالثا: الغسل: ما يخلط بالماء من إشنان أو نحوه لتكميل الاغتسال لتكميل تنظيفه يسمى غسلا بالكسر، فصارت الحركات ثلاث والمعاني تختلف.
ومن اللغويين من قال: إن الأمر في هذا واسع، وأنه يجوز الغسل والغسل سواء للفعل أو للاغتسال.
أما الجنب: فكل من جامع أو أنزل يسمى جنبا، وأصله: من جانب المار محله، وهذا يحصل بالإنزال على وجه ظاهر؛ وبالجماع لأنه سببه.
الجنابة من موجبات الغسل:
١٠١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء".
رواه مسلم، وأصله في البخاري.
"الماء من الماء" يعني: هذا يسميه البلاغيون: الجناس، يعني: أن تأتي كلمتان لفظهما واحد، ومعناهما مختلف؛ الماء الأول ماء الاغتسال، والماء الثاني المني؛ لأن المني كما قال الله ﵎: ﴿فلينظر الإنسن مم خلق خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٥، ٦]. وقال الله ﵎: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]. كل شيء يدب صغيرا أو كبيرا فإن أصله الماء، لكن ماء كل شيء بحسبه؛ ماء الحيوانات الكبيرة يختلف عن ماء الحيوانات الصغيرة، وإلا فالأصل أن جميع الدواب من الماء.
وأما قوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فهو مثل قوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾، يعني: كل شيء حي فأصله الماء، والعوام يؤولون الآية على معنى آخر يقولون: إن كل شيء يحيا بالماء، وهذا غلط، هذا تحريف للقرآن؛ لأن الله إذا أراد ذلك لقال: "وجعلنا من الماء كل شيء حيا" يعني: صيرناه حيا بالماء، لكن معنى الآية: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ أي: أن كل حي فأصله من الماء، فهو يطابق قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾.
إذن معنى: "الماء من الماء" يعني: إذا نزل المني وجب الاغتسال، وانظر الكناية من النبي - عليه
стр. 276
الصلاة والسلام - حيث قال: الماء من اماء"، قد يقول قائل: إن هذا ليس فيه بيان؛ لأن الأول يصدق في الوضوء مثلا؛ لأن المتوضئ قد يستعمل الماء فيقال: إن النبي ﷺ كنى بهذا يخاطب قوما يعلمونه ويفهمونه، وإذا كانوا يعلمونه ويفهمونه فهذا غاية البيان، المسألة في غاية البيان؛ لأنه يخاطب أناسا يفهمون هذا الماء من الماء له منطوق، المنطوق الأول أنه متى نزل المني وجب الغسل هذا المنطوق.
وظاهر الحديث أنه سواء نزل المني بشهوة أو بغير شهوة، ولكن هذا غير مراد، بل المراد: "الماء الدافق"، والماء الدافق هو الذي يخرج بشهوة، أما لو خرج الماء - يعني: المني- بغير شهوة كروعة وسقطة ومرض وما أشبه ذلك؛ فإنه لا يوجب الغسل فلابد أن يكون ماء دافقا، وهذا لا يكون إلا مع الشهوة، وعموم هذا الحديث يشمل ما إذا كان الإنوال بتفكير "الماء من الماء" أو بتقبيل أو بنظرة أو بلمسة، على أي حال: متى نزل الماء الدافق فإنه يجب الغسل سواء كان يقظة أو مناما، وسوف يأتي ذلك إن شاء الله.
مفهوم الحديث: إذا لم يكن ماء فلا ماء؛ يعني: إذا لم يكن إنزال فلا غسل، وهذا المفهوم يعم ما إذا جامع الإنسان زوجته ولم ينزل فإنه لا غسل عليه، ولكن هذا الحكم يعارضه بما أردفه المؤلف ﵀ بهذا الحديث.
١٠٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل". متفق عليه. وزاد مسلم: "وإن لم ينزل".
"إذا جلس" يعني: الرجل، والذي علين الرجل مرجعا للضمير السياق، وهو قوله: "بين شعبها" أي: المرأة، المراد بالجلوس هنا: الجلوس للجماع والتهيؤ له، وقوله: "شعبها الأربع" قيل: إنها فخذاها وساقاها، وقيل: بل رجلاها ويداها، وهذا الأخير هو المتعين؛ لأن الجلوس للجماع يكون بين هذه الأربع، الرجلين وعددهما اثنتان، واليدان وعددهما اثنتان، وقوله: "ثم جهدها" أي: بلغ منها الجهد؛ أي: الطاقة، وهذا يكون بالإيلاج، فإنه يبلغ منها جهدا ومشقة، لاسيما إذا كانت بكرا، المهم على كل حال أن يكون هناك مشقة على المرأة.
قوله: "فقد وجب الغسل" على من؟ عليهما جميعا؛ لأن الرسول ذكر فاعلا ومفعولا به.
وقوله: "وجب الغسل"؛ أي: على هذا وعلى هذا، وليس المراد على الجل وحده، ولا على المرأة وحدها، بل على الجميع.
قال: "متفق عليه، وزاد مسلم: "وإن لم ينزل"، وهذه الزيادة لا شك أنها مفيدة؛ لأن الأول
стр. 277
الذي اتفق عليه الشيخان يدل على وجوب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل، لكن ليس فيه التصريح بعدم الإنزال، فإذا جاء التصريح بعدم الإنزال فإنه يكون أوضح وأبين، لماذا؟ لأننا لو اقتصرنا على قوله: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل" لأمكن لقائل أن يقول: فقد وجب الغسل إذا أنزل، ويجعل الحديث الذي قبله مقيدا له، لكن إذا جاءت لفظ: "وإن لم ينزل" انقطع هذا التأويل، وصار المعنى: أنه إذا جامع سواء أنزل أم لم ينزل.
فإن قال قائل: هل بين الحديثين تعارض؟
فالجواب: لا تعارض بينهما؛ لأن دلالة عدم وجوب الغسل من الحديث الأول دلالة مفهوم، قال الأصوليون: والمفهوم تحصل الدلالة فيه إذا وقعت المخالفة في صورة واحدة، يعني: أنه لا عموم له، هذا معنى ما قلت: المفهوم لا عموم له، وإذا كان لا عموم له فإنه لا ينافي هذا؛ لأن قوله: "الماء من الماء" مفهومه: ولا ماء مع عدم الماء، نقول: نعم هذا ما لم يجامع؛ لأن الإنسان قد يستمتع بزوجته استمتاعا بالغا لكن دون الجماع، ويكون الماء قد تهيأ للخروج ولا يخرج، فيصدق بهذه الصورة، والمفهوم إذا صدق بصورة واحدة كفى العمل به على أنه قد روي أن قوله: "الماء من الماء" كان في أول الأمر ثم نسخ وصار الغسل يجب إما من الجماع، وإما من الإنزال.
في هذا الحديث فوائد منها: التكنية عما يستحيا من ذكره لقوله: "إذا جلس بين شعبها الأربع"، ومعلوم أن الرسول - عليه الصلاة والبسلام- لا يريد أن يجلس على أليته على شعبها الأربع، لا يريد هذا قطعا، وإنما هو كناية عن الجماع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الغسل واجب إذا حصل الجهد، وهذا لا يتحقق إلا إذا التقى الختانان، ختان الرجل وختان المرأة، وهو كناية عن تغييب الحشفة في الفرج، فمتى حصل التغييب وجب الغسل، وأما ما دون ذلك فإنه لا يوجب الغسل إذا لم يكن إنزال؛ يعني: لو أن الرجل وضع رأس ذكره على حافة فرج الأنثى ولم ينزل فليس عليه غسل، لماذا؟ لأنه لم يجهدها ولا تحس بهذا ايضا؛ يعني: من حيث المشقة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره وجوب الغسل سواء كان بحائل أو بغير حائل؛ لأنه إذا غيب ذكره في فرجها بحائل سيبلغ منها الجهد، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقال بعض العلماء: لا يجب مع الحائل؛ لأن في بعض الألفاظ: "إذا مس الختان الختان"، والمس لا يصدق إلا إذا كان بغير حائل؛ ولأن الأصل عدم الوجوب، لكن لو حصل إنزال وجب الغسل بالإنزال.
стр. 278
الاحتلام وأحكامه:
١٠٣ - وعن أنس ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل- قال: تغتسل". متفق عليه.
- زاد مسلم: فقالت أم سلمة: "وهل يكون هذا؟ قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ ".
قوله: "قال رسول الله ﷺ في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل" هذا الحديث نقله المؤلف بالمعنى وأصله: أن أم سليم أتت النبي ﷺ فقالت: "يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتملت؟ " فتأمل هذا الأدب الرفيع من هذه المرأة؛ حيث خاطبت النبي ﷺ وقدمت لخطابها ما يقيم لها العذر، وهو قولها: "إن الله لا يستحي من الحق"، فأجابها النبي ﵊: "بأنها تغتسل إذا رات الماء"، والمؤلف ﵀ نقص هذه العبارة مع أنها مهمة وضرورة، فالمرأة ترى في المنام أن أحدا يجامعها فهل تغتسل أو لا؟ كذلك الرجل يرى في المنام أنه يجامع امرأة، فهل يغتسل أم لا؟ حدد النبي ﷺ ذلك بحد بين واضح قال: "نعم، إذارأت الماء" يعني: رأت الماء الذي هو الجنابة؛ أي: المني فتغتسل.
زاد مسلم: فقالت أم سلمة وهي إحدى زوجات النبي ﷺ : "وهل يكون هذا؟ " قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ " يعني: هل المرأة لها ماء كماء الرجل؟ قال: "نعم"، ثم أتى بدليل حسي واقعي: وهو الشبه، فإن الإنسان يشابه أمه ويشابه أباه، فقال الرسول ﵊: "فمن أين يكون الشبه؟ " لولا أن ماء الرجل يخالط ماء المرأة ما كان هناك شبه للطفل بأمه.
فالحديث فيه فوائد منها: الأدب العالي للصحابة ﵃ وذلك يتمثل في قول أم سليم: "إن الله لا يستحي من الحق".
ومنها: وصف الله تعالى بالحياء لقولها: "لا يستحي من الحق"، ولو كان الحياء ممتنعا على الله لامتنع عليه الحياء مطلقا من حق وغير حق، فلما نفى أن يستحي من الحق دل على أنه تعالى يستحي من غيره، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يوصف بالحياء، وهو صفة حقيقية ثابتة لله على الوجه اللائق به، وليس كحيائنا نحن، بل بينه وبين حيائنا كما بين الإنسان وذات الله ، فهو لا يشبه حياء المخلوقين، وبهذا الطريق وعلى هذا الأساس نسلم من كل شبهة، وتطمئن قلوبنا أيضا؛ لأن مذهب أهل السنة - والحمد لله- هين سهل، فيه براءة للذمة، وفيه إعمال للنصوص كلها، فنحن نثبت الحياء لله على وجه يليق به ولا يشبه حياء المخلوقين، وقد ثبت عن النبي ﵊ وصف الحياء إثباتا لا نقيا؛ حيث قال:
стр. 279
"إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا". فقال: إن الله حيي كريم.
فإن قال قائل: إن الله لا يوصف إلا بالكمال، فهل الحياء كمال؟
فالجواب: نعم، هو كمال؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان". والإيمان كمال، زقال ﵊: "إن مما ادرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت". وهذا الحديث له معنيان:
المعنى الأول: أن الذي ليس عنده حياء يصنع ما يشاء وإلا يبالي.
والمعنى الثاني: أنك إذا أردت أن تفعل شيئا وهو لا يستحيا منه فافعله: "اصنع ما شئت"، وكلا المعنيين صحيح.
فإن قال قائل: هل من الحياء أن يسكت الإنسان عن الشيء من دين الله يشكل عليه؟
فالجواب: لا، ليس هذا من الحياء، بل هذا من الخوف والجبن وضعف الشخصية، والواجب: أن يسأل الإنسان عن كل شيء يتعلق بدينه، لاسيما بعد أن انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ فإننا الآن قد آمنا أن ينزل الوحي بتحريم شيء حلال أو إيجاب شيء غير واجب، فليسأل ولا يستحي نعم، إذا كان الشيء مما يستحيا من التصريح به فليكني عنه، وباب الكناية واسع، وإذا كان مما لابد أن يصرح به لكن أراد الإنسان أن يكون السؤال بينه وبين المسئول فليؤخر لا بأس، أما إذا كان خاليا من هذا فإن الحياء يعني الجبن، وضعف الشخصية، وهو حرام بهذه المثابة، الواجب على الإنسان أن يسأل كما أمر الله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
ومن فوائد هذا الحديث: أن النساء يحتلمن كما يحتلم الرجال لقولها؛ ﵂" "هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت"، و"إذا" في الغالب تقال للشرط المحقق، لكنها شرط للزمان لا للوقوع، بخلاف "إن" فإنها شرط للوقوع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاحتلام بلا إنزال لا يجب فيه الغسل حتى لو أحس الإنسان باللذة ولكن لم يخرج شيء فلا غسل عليه؛ لأن النبي ﷺ قيد هذا بما إذا رأت الماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنها - أي: المرأة- ومثلها الرجل لو رأى بعد استيقاظه أثر الجنابة وتيقن أنه مني وجب عليه الغسل، وإن لم يذكر احتلاما؛ وذلك لأن النبي ﷺ جعل مدار
стр. 280
الحكم على رؤية الماء، وهذا يقتضي أنه متى رؤي الماء وجب الغسل؛ ولهذا قيد بعض الفقهاء هذه فقال: من موجبات الغسل: خروج المني دفقا بلذة من غير نائم، وقصده بذلك: أن النائم قد ينزل ولا يحس بنفسه، لكنه إذا استيقظ رأى أثر الجنابة فهنا يجب الغسل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الغسل بانتقال المني إذا لم يخرج لقوله: "إذا هي رأت الماء". وهذا القول هو الراجح، وقد ذهب بعض أهل العلم إى أن المني إذا انتقل ولكن لم يخرج لفتور الشهوة أو لغير ذلك من الأسباب فإنه يجب عليه الغسل، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ قيد وجوب الغسل برؤية الماء؛ لأن الشيء في باطنه لا يعتبر شيئا؛ ولهذا أجسامنا ممتلئة بالعذرة، وممتلئة بالبول، ولا يكون هذا نجسا، حتى إن العلماء ضربوا مثلا، قالوا: لو أن رجلا حمل وهو يصلي قارورة فيها نجاسة، وظاهرها طاهر مفصول والغطاء محكم؛ فالصلاة غير صحيحة، ولو حمل طفلا فالصلاة صحيحة، مع أن بطنه مملوء بالقاذورات؛ لأن الشيء في معدنه ليس له حكم.
فائدة: هل الإحساس بانتقال الحيض كخروجه؟
إذن نقول: هذا الحديث يدل على أن الإنسان لو أحس بانتقال المني لقوة شهوته ولكن لم يخرج فلا غسل عليه، وهل مثله انتقال الحيض؛ يعني: لو أن المرأة أحست بانتقال الحيض لكن لم يخرج الدم فهل نقول: انتقاله كخروجه؟
الجواب: إن قلنا: إن انتقال المني كخروجه، صار انتقال الحيض كخروجه، وإن قلنا: لا، صار انتقال الحيض ليس كخروجه، وتظهر الفائدة في امرأة صائمة أحست قبل غروب الشمس بقليل بأن الحيض انتقل، ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس؛ فعلى القول بأن الانتقال كالخروج يكون صومها باطلا، وعلى القول الراجح صومها صحيح؛ لأنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الغسل مع الشك؛ يعني: إاذ وجد النائم بللا بعد استيقاظه ولا يدري أهو جنابة أم بول أم مذي ما يدري، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ لا يجب.
من أين نأخذ هذا؟ من قوله: "إذا رأت الماء". لم يقل: إذا ظنت الماء، أو إذا غلب على ظنها، قال: "إذا رأت الماء"، فإذا استيقظ النائم ورأى بللا ولا يدري أهو عرق، أو بول، أو مذي، أو
стр. 281
سائل آخر أو مني، فليس عليه غسل، ولكن هل يجب عليه ان يغسل ما أصابه؟ نقول: نعم يغسله احتياطا، أما الغسل فلا يجب، ولا فرق في ذلك بين أن يتقدم نومه ما يثير الشهوة أو لا ما دام على شك، فالأصل براءة الذمة، وهذا الحديث يدل على ما ذكرنا.
ومن فوائد الحديث: الفائدة العظيمة وهي أن الشريعة الإسلامية مبنية على الحقائق لا على الأوهام، ولا على الظنون إلا فيما طلب من الإنسان فعله فلا حرج عليه أن يبني عل ظنه أنه أتى بالفعل المطلوب، لكن الأوهام الطارئة على أصل ثابت هذه لا عبرة بها في الشريعة، وهذه قاعدة من أحسن قواعد الإسلام حتى يبقى الإنسان غير متحير ولا قلق، وإلا لبقي الإنسان في أوهام لا نهاية لها، أما ما طولب الإنسان به وغلب على ظنه أنه اداه فإن الظن يكفي ولهذا قلنا: إذا شك هل طاف سبعة أشواط أو ستة وغلب على ظنه أنها سبعة، كم تكون؟ سبعة، كذلك أيضا في الصلاة شك هل صلى ثلاثا أو أربعا وغلب على ظنه أنها أربعا فهي أربعا، لكن الصلاة فيها سجود السهو، والطواف ليس فيه سجود السهو؛ لأن أصله ليس فيه السجود فكذلك سهوه.
المهم: أن هذه من نعمة الله أن الشريعة الإسلامية تحارب القلق محاربة تامة، والحمد لله هذا من تيسير الله، لو أن الإنسان كلما أصيب بما يوجب الشك ذهب مع الشك ما قر له قرار ولا اطمأن له بال، لكن من نعمة الله هو ما ذكرته لكم، كذلك مر علينا من قبل قصة الرجل الذي يجد في نفسه شيئا ويشكل عليه أخرج منه أو لا فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث - ولا سيما زيادة مسلم-: جواز استكشاف الأمر حتى من الكبراء؛ بمعنى: أن الإسلام جعل للإنسان الحرية أن يستكشف عن الأمر الذي يمكن إدراكه وذلك في قول أم سلمة: "هل يكون ذلك" وهي تخاطب الرسول، وهي تعلم ﵂ أن الرسول ﷺ أقر أن المراة تحتلم؛ لأنه من لازم حكمه أن عليها الغسل إذا رأت الماء أن يكون الاحتلام واقعا، فهي قد عرفت أن الرسول أقرها لكن استكشفت كيف يكون ذلك، وهل يكون؟
فمن فوائده: جواز الاستكشاف عما يمكن إدراكه وبيانه، أما ما لا يمكن فالاستكشاف عنه غلط؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه اله في الذي سأل عن كيفية الاستواء قال: السؤال عنه بدعة لكن ما يمكن إدراكه لا بأس أن تسأل.
ومن فوائد هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ التواضع الجم؛ حيث إن زوجته تتكلم تقول:
стр. 282
هل يكون هذا؟ وربما يظن السامع أنها تعترض وحاشاها من ذلك، ولكنها تريد أن تستكشف، بينما لو أن أحدنا كلمته زوجته في مثل هذا جاءت امرأة تستفتيه وقال: عليك كذا وكذا، فقالت الزوجة: كيف يصير علي كذا وكذا هل يمكن؟ ماذا يقول؟ على كل حال هذا: من خلق النبي ﵊ وحسن سيرته، ولكن يا إخوان إذا مر عليكم مثل هذا وقيل: هذا من سيرة الرسول، هذا من خلقه، هل المراد أن تعلموه علما نظريا؟ لا، أبدا المراد أن تطبقوه، وإلا فما الفائدة، فينبغي للإنسان أن يمارس مثل هذه الأمور، وأن يعود نفسهعلى ما كان الرسول ﷺ يعتاده في أهله.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تعداد الأدلة وتنويعها؛ لأن النبي ﷺ قال: "نعم"، وهذا دليل شرعي يكتفى به عند كل مؤمن، وأضاف إلى هذا الدليل دليلا حسيا، وهو قوله: "فمن أين يكون الشبه؟ ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للمستدل أن يذكر الدليل الذي يقتنع به المخاطب من الناحيتين الشرعية والحسية وكذلك العقلية إذا أمكن؛ لأنه كلما ازدادت الأدلة ازداد الإنسان طمأنينة، ويدل لهذا الأصل العظيم: أن إبراهيم الخليل ﵇ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾، فقال الله له: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فليس الخبر كالمعاينة، فأراه الله ذلك فيما أمره به أن يفعل ففعل؛ فرأى كيف يحيي الله الموتى .
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ربما يستدل بالشبه على ثبوت النسب لقوله: "فمن أين يكون الشبه؟ "، ويؤيد هذا ما ورد في قصة عتبة بن أبي وقاص حينما زنى فولد له ولد من الزنا، فلما مات عتبة تنازع اخوه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في هذا الولد الذي ولد، عبد بن زمعة قال: يا رسول الله، هذا أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد: هذا ابن أخي عتبة عهد به إلي، وقالسعد للرسول ﵊: يارسول الله، انظر شبهه، فنظر إليه النبي ﵊ فراىشبها بينا بعتبة فأعمل هذا الشبه لم يلغه، ولكنه احال الحكم على سبب أقوى وهو الفراش، فقال ﵊: "الغلام لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، فثبت الآن أن هذا الغلام أخ لسودة بنت زمعة، زوجة الرسول ﵊، ولكنه لما رأى الشبه بين لعتبة قال لها: "احتجبي منه يا سودة". فهنا أعمل الشبه، مع أن الولد شرعا الذي حصل فيه التنازع لمن؟ لزمعة شرعا، يرثه إخوانه ويرثونه
стр. 283
وبينهما محرمية، لكن أعمل النبي ﷺ الشبه وجعل سودة تحتجب منه من باب الاحتياط نظرا لهذا الشبه، فدل ذلك على اعتبار الشبه في الأمور الاحتياطية.
أسئلة:
- سبق لنا أن الاحتلام يوجب الغسل لكن بشرط؟
- هل يقاس على المرأة الرجل؟
- إذا احتلم الرجل ورأى الماء هل يجب عليه الغسل؟
- لو أن نائما احتلم ولم ير شيئا ما الحكم؟
- لو رأى أثر الجنابة ولم يذكر احتلاما هل يجب الغسل؟
- رجل أحس بشهوة وأن الماء انتقل من موضعه ولكن لم يخرج أعليه شيء؟
- وامرأة أحس بانتقال الحيض ولكن لم يخرج هل عليها الغسل؟
- رجل أحس بأن بوله انتقل من المثالنة إلى قصبة الذكر ولكن لم يخرج شيئا؟
استحباب الاغتسال من تغسيل الميت:
١٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
قالت: "كان يغتسل" قال العلماء ﵏: أن "كان" إذا كان خبرها فعلا فإنها تفيد الدوام الغالب لا المستمر، فإذا قال: "كان يفعل كذا"؛ فإن هذا يدل على أن هذا غالب أحواله، وليس حتما أنه مداوم عليه، فإطلاق بعضهم قول: "كان" تفيد الدوام ليس مرادا والدليل على هذا أن الصحابة ﵃ قالوا: إن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية. وفي حديث آخر: كان يقرأ بالجمعة والمنافقين.
قولها: "يغتسل من أربع" "من" هنا للسببية؛ أي: بسبب أربع، وبينتها بقولها: "من الجنابة" وهذا بدل من قولها: "من أربع"، ولكنه بإعادة العامل وهو من الجنابة، والجنابة تفسر بأمرين: إما بالإنزال، وإما بالجماع، والأصل أنها للإنزال، لكن ألحق بها الجماع شرعا لحديث أبي هريرة السابق.
стр. 284
"من الجنابة" وهي شرعا إنزال المني بشهوة أو بجماع.
وقولها: "ويوم الجمعة" يعني: ويغتسل يوم الجمعة لليوم أو للصلاة؟ للصلاة؛ لأنه لو كان لليوم لكان الغسل جائزا في أول النهار وفي آخر النهار، ولكنه للصلاة.
وقولها: "ومن الحجامة" يعني: ويغتسل أيضا من الحجامة، والحجامة: إخراج الدم بصفة مخصوصة معلومة عند الحجامين.
"ومن غسل الميت" يعني: إذا غسل الميت اغتسل، فهذه أربعة أشياء كان النبي ﷺ يغتسل منها.
أما غسله من الجنابة فهو فرض بالإجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
وهذه أول الفوائد أو من فوائد هذا الحديث: مشروعية الغسل من الجنابة؛ لفعل النبي ﷺ له، لكنه واجب بافجماع لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وأما غسل يوم الجمعة يأتي إن شاء الله، الغسل من الحجامة ليس فيه إلا الفعل فيستفاد منه مشروعية الغسل من الحجامة لا وجوب الغسل على أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث، وقال: إنه لا يسن الغسل من الحجامة؛ لأن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ؛ ولأن الحجامة خروج دم من البدن فلا يشرع ل اغتسال كالرعاف.
ومن فوائده: الاغتسال من تغسيل الميت، وهذا ليس بواجب، وإذا لم يصح الحديث فليس بمشروع، وسبق الكلام عليه في باب نواقض الوضوء، فلم يبق عندنا الآن إلا شيئان: الغسل من الجنابة وهو فرض، والغسل من الجمعة وفيه الخلاف الذي يأتي إن شاء الله.
حكم اغتسال الكافر إذا أسلم:
١٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁: "في قصة ثمامة بن أثال، عندما أسلم وأمره النبي ﷺ أن يغتسل". رواه عبد الرازق، وأصله متفق عليه.
ثمامة بن أثال الحنفي المشهور ﵁، كان كافرا فخرج إلى مكة معتمرا، فصادفته خيل النبي ﷺ فأسروه وجاءوا به إلى المدينة وأسر في سارية المسجد، فكان النبي ﷺ يمر عليه بقوله: "ما عندك يا ثمامة؟ " فيقول: عندي خير إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم أنعمت على شاكر، وإن ترد المال فسل ما شئت، فتركه النبي ﵊، ثم في اليوم الثاني أتى إليه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير، إن تنعم تنعم على شاكر، وتركه في اليوم
стр. 285
الثالث أتى إليه، مر به وقال: "ما عندك؟ " قال: عندي خير وما قلت لك بالأمس، فقال النبي ﷺ : "أطلقوه"، فأطلقوه، فكان في هذا الإطلاق ملك له في الواقع، بمعنى: أن النبي ﷺ بمنه عليه بالإطلاق ملكه، ذهب الرجل إلا حائط واغتسل ودخل المسجد، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أسلم ثم قال: يا محمد، والله ما كان على الأرض أحد أبغض إلي من وجهك؛ ولقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، وما على الأرض دين أبغض إلي من دينك؛ فأصبح دينك أحب الدين غلأي، وما في البلاد بلاد أبغض إلي من بلادك؛ فأصبحت بلادك أحب البلاد إلي، ثم قال: يا محمد، إن خيلك أخذوني وأنا أريد العمرة فما تأمرني - يعني: هل أمضي أو أرجع إلى قومي؟ -فقال له: "امض" وبشره بالخير، فمضى في عمرته.
فلما دخل مكة سمعه أهل مكة يلبي لبيك اللهم لبيك، فقالوا له: لقد صبئت يا ثمامة، فقال: والله ما صبئت ولكني كنت مع محمد ﷺ في دينه، ثم قال لهم: والله لا يأتيكم مني جبة إلا بإذن النبي ﷺ ، وكان أهل مكة يأتون منه بالحب؛ يعني: يمتارون منه، فأقسم ألا يعطيهم إلا بعد أن يأذن النبي ﷺ ، ثم إن قريشا كتبوا إلى النبي ﵊: إنك لتصل الرحم وهذا ثمامة منع منا الحب، يستشفعون بالرسول ﵊ فأرسل إليه وأمره أن يأذن لهم بالامتيار من عنده، فهذه قصة الرجل هذا الرجل أسر في سارية المسجد، وإنما أسر في هذه السارية من أجل أن يرى المسلمين وصلاتهم وتحابهم وتعاطفهم وأخلاقهم تأليفا له على الإسلام لا إهانة له؛ لأنه بالإمكان أن يربط خارج المسجد لكنه ربط بالمسجد من اجل هذه الفائدة العظيمة، وكان الرسول ﷺ يمر به ويسأله كما سمعتم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز ربط الأسير بسارية المسجد؛ لأن النبي ﷺ أقر ذلك إن لم يكن أمر به.
ومنها: ملاطفة الأسير والإحسان إليه؛ لأن في ذلك تأليف له على الإسلام، وقد عرفتم النيجة.
ومنها: جواز مكث الكافر في المسجد؛ لأن ربطه بسارية في المسجد يستلزم مكثه، فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز لبث الجنب في المسجد، وقالوا: إن الكافر حدثه أعظم من حدث الجنب؛ فإذا جاز لبثه في المسجد جاز لبث الجنب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص، فإن النبي ﷺ نهى أن يمكث الجنب في المسجد. بل قال الله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣].
ومن فوائد هذا الحديث: أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال، هذا إن صح الحديث بهذا اللفظ،
следующие страницы →