← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

عليه، وقد روى ابن ماجه حديثًا في ذلك ذكره ابن القيم في آخر كتاب (إعلام الموقعين)، في فتاوى النبي ﷺ ذكره، وقال به نأخذ، وهذا القول هو القول الراجح. من فوائد الحديث: أن القاتل لا يرث شيئا لا قليلاً ولا كثيرا وعموم الحديث يدل على أنه لا يرث سواء ورث بالسبب أو بالنسب الذي يرث بالنسب هم القرابة، والذي يرث بالسبب الزوجية والولاء، فالحديث ظاهره العموم. ومن فوائده: أن الشريعة اعتبرت سد الذرائع، يعني: أن ما كان ذريعة للشيء فإنه يُمنع إن كان ذريعة إلى محرم، وجهه أن منع القاتل من الميراث سد لذريعة القتل من أجل الميراث. ظاهر الحديث أن القاتل لا يرث مطلقًا ولو قتل بحق، لكن هذا غير مراد؛ لأن التهمة في حق القاتل بحق غير واردة؛ لأن سبب الحق قائم، وهو استحقاق القصاص مثلاً، فلا يمكن أن تُرد الشبهة في حقه، لو أنه قتله تطببا أي: عالجه وهو إنسان حاذق فهلك المريض بسبب علاج هذا الشخص، فظاهر الحديث أنه لا يرث، ولكنه غير مراد فإنه في هذه الحال يرثه؛ لأنه مُحسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾ [التوبة: ٩١]. فيكون وارثا، والضابط الذي لا ينخرم أنه إن قتل بحق فإنه يرث، وإن قتل بغير حق فإنه لا يرث إلا إذا تيقنا أنه خطأ من غير احتمال العمدية فإن الصحيح أنه يرث. ٩١٥ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحرز الوالد أو الود فهو لعصبته من كان». رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن المديني، وابن عبد البر. «أحرز» بمعنى كسب وأخذ الوالد فهو لعصبته وما أحرز الولد فهو أيضا لعصبته ولكن سبق لنا أن النبي ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» فذاك الحديث يخصص هذا الحديث فهو لعصبته أي: إذا لم يكن له ذوو فرض فإن كان له ذوو فرض فإنهم -.مقدمون على العصبة. في هذا الحديث: دليل على أن التوارث بين الوالد والولد ثابت فإن وجد مانع من موانع الورث فإنه للعصبة الذين من وراء الولد والذين من وراء الوالد فلو فرض أن شخصا توفي عن ?

стр. 2207

أب رقيق وعن عم حر فالميراث للعم الحر ولا يرث الأب الرقيق، وذلك لأنه لو ورث لصار المال لسيده وسيده أجنبي فلا يرث وفي قوله فهو لعصبته من كان، يعني: أيا كان العصبة سواء كان قريبا أم بعيدا، فإن المال يكون له لكنه كما ذكرت لكم مقيد بما إذا لم يكن صاحب فرض. (٩١) ٦ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب». رواه الحاكم من طريق الشافعي، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، وصححه ابن حبان، وأعله البيهقي. «الولاء» مبتدأ، و «لحمة» خبر، والولاء: هو ما يثبت للمعتق على عتقه من الولاية وهو أخص من الولاية المطلقة فإذا أعتق الإنسان عبدا ثبت له عليه الولاء لقول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق»، والولاء ثابت للمعتق أيًا كان العتق، والعتق أنواع تارة تعتقه تقربًا إلى الله، وتارة تعتقه في كفارة، وتارة تعتقه في زكاة؛ لأن الزكاة ذكر الله للرقاب نصيبًا منها، إذا أعتقه تقربا إلى الله فلا شك أن الولاء له، لقوله: «إنما الولاء لمن أعتق»، وإذا أعتقه فى كفارة فهل يكون الولاء له أو يكون الولاء لأهل الكفارة وهم الفقراء، وإن كان للفقراء فهو في بيت المال، وإذا أعتقه في زكاة فهل يكون الولاء للمعتق أو يكون الولاء لأهل الزكاة؟ لأن هذا أعتق في زكاة، فمن العلماء من قال: إن المعتق في كفارة أو زكاة كالمعتق تقربًا فيكون ولاؤه للمعتق، واستدلوا بعموم الحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». ومنهم من قال: بل إن الولاء فيما إذا أعتقه في كفارة يكون للفقراء وفيما إذا أعتق زكاة يكون لأهل الزكاة، لأننا لو رددنا الولاء للمعتق تعاد إليه شيء من كفارته أو من زكاته ولتسارع الناس إلى مثل هذه الحال من أجل أن يعود النفع إليهم في المستقبل، وهذا القول أقرب من الأخذ بالعموم. وعلى كل حال: فمتى ثبت الولاء فإن الرسول ﷺ يقول: «إنه لحمة» بمعنى: التحام كلحمة النسب، أي: كالتحام النسب، والنسب حق شرعي لا يورث ولا يباع ولا يوهب، ولهذا لو جاءنا رجل، وقال: أنا وهبت نفسي لكم لأكون منكم، يقوله لشخص معروف من قبيلة معروفة قال ?

стр. 2208

له هذا الكلام، فهل يثبت النسب للموهوب له؟ لا ولو أن رجلا باع نسب ابنه على شخص فإن هذا لا يصح لأن النسب ثابت حق شرعي لا يمكن إزالته. الولاء كذلك ثابت حق شرعي لا يمكن إزالته حتى إن الرسول ﷺ لما بلغته عائشة ﵂ فى الأنصار الذين باعوا عليها بريرة واشترطوا أن يكون ولاؤها لهم قال النبى ﷺ : «خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق وأبطل الشرط»، مع أنه قد شرط والتزمت به عائشة بأمر النبى ﷺ فدل هذا على أن الولاء لا يمكن إسقاطه عن المعتق لا بشراء ولا بهبة ولا بغيرها كما أن النسب لا يمكن إسقاطه لا يمكن أحد أن يبيع نسبه أو نسب ابنه أو نسب ابنته لا يباع ولا يوهب، يعني: لو أن شخصا أعتق عبدا ثبت له الولاء فلو جاءه شخص وقال بع علي ولاء عبدك الذي أعتقته فإن البيع لا يصح كما لو جاء شخص لآخر، وقال: بع علي نسبك، فإنه لا يصح كذلك الولاء ولو أن المعتق وهب الولاء لشخص آخر، فكذلك لا يصح كما لو وهب الإنسان نسب ابنه إلى شخص آخر فإنه لا يصح، وهل يورث؟ لا يورث لأنه لو صح نقل الملك فيه بهبة أو بيع لصبح نقل الملك فيه بالإرث إذن فلا يورث فلو أن شخصنا أعتق عبدا وخلف عقارا وكان له ابنان فكيف يكون الإرث بالنسبة للاثنين؟ العقار بينهما نصفان والولاء لا يورث لكن لو مات العتيق كيف يرثانه؟ إذا لم يوجد عصبة نسب يرثانه بالسوية، لكنهما يرثانه إرث استحقاق لا انتقال، مات أحد الابنين عن أبن والعقار موجود والعتيق موجود كيف يكون العقار ينتقل إلى من؟ إلى ابن الابن يرث نصف العقار من أبيه، لكن هل يرث من أبيه ولاء العبد؟ لا، لا يرث ولهذا لو مات العبد عن ابن سيده الذي أعتقه وابن ابنه من الذي يرث العبد؟ ابن السيد الذي أعتقه دون ابن ابنه، ولو كان الولاء يورث لورثه ابن الابن والابن نصفين لكن الولاء لا يورث. الولاء يثبت للمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم، فإذا هلك هالك عن ابن وبنت وله عبد عتيق موجود كيف يرث الابن والبنت أباهما؟ يرثانه بالتعصيب للذكر مثل حظ الانثيين، لكن مات العتيق عن ابن معتقه وبنت معتقه من يرثه؟ الابن فقط، ابن العتيق هو الذي يرثه ولو كان يورث لورثت البنت كما ورثت من أبيها إذن الولاء لا يورث؟ هذه نتمم التمثيل فيها لنبين لكم أنها تسمى مسألة القضاة يقولون: إن ملكا سأل عنها سبعين قاضيًا من قضاة المدينة كلهم أخطأوا فيها. على كل حال نقول: ابن وبنت اشتريا أباهما من شخص مالك له، يعني: الأب رقيق وهما ?

стр. 2209

أحرار ثم إن الأب عتق؛ لأن الإنسان إذا اشترى أباه عتق الأب واشترى عبدا فأعتقه ثم مات الأب وهما قد اشترياه نصفين، يعني: هي سلمت عشرة والابن سلم عشرة كيف يرثانه؟ يرثانه أثلاثا للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لأنهما يرثانه بجهتى تعصيب، تعصيب نسب وتعصيب ولاء سبب أيهما أقوى؟ تعصيب النسب إذن يرثانه بتعصب النسب فيكون أثلاثا، مات العتيق عتيق الابن كيف يرثانه؟ البنت لا ترث؛ لأن ابن المعتق يعصب بالنسب فهو أقوى من تعصيبه لأبيه بالولاء، فيكون ميراث المعتق لابن المعتق لا لبنته وكذلك الآن أنه لا غرابة أن يغلط فيها إن صحت الرواية سبعون قاضيا من قضاة المدينة. النهاية أن الولاء كما قال النبي ﷺ : «لحمة كلحمة النسب» لا يمكن استبداله لا بيع ولا هبة ولا بإرث ينتقل على أنه لحمة كلحمة النسب، ثم إن كان هذا السند معلولا لكن يشهد له حديث عائشة الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق». ٩١٧ - وعن أبي قلابة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفرضكم زيد بن ثابت». أخرجه أحمد، والأربعة سوى أبي داود وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وأعل بالإرسال. هذا الحديث -كما قال المؤلف - أعل بالإرسال والعلة أحد أسباب القدح في الحديث؛ لأن من شروط الصحة أن يكون غير معلل ولا شاذ، فالحديث إذن ضعيف وعلى تقدير صحته فإنه خطاب لقوم معينين وليس خطابا للأمة جميعها لم يقل الرسول ﷺ أعلم أمتي بالفرائض زيد بن ثابت ولا أفرض أمتي زيد بن ثابت وإنما قال: «أفرضكم» والخطاب لقوم معينين وهذا على تقدير صحته مرفوعا إلى رسول الله ﷺ لا يقتضي أن يكون زيد أفرض هذه الأمة ثم على فرض أنه موجه للأمة لا يقتضي أن يكون زيد معصوما من الخطأ؛ لأني إذا قلت: فلان أعلم من فلان لا يعني أن الأعلم معصوم، فإن الأعلم قد يخطئ لأنه ليس أحد من الناس حاويا لجميع العلوم، ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم﴾ [يوسف: ٧٦]. حتى تنتهي إلى علام الغيوب . فالحاصل: أن الحديث أولاً ضعيف، ثانيا لو صح فهو مخاطب به جماعة معينة، ثالثًا لو فرض عمومه للأمة فلا يستلزم عصمة زيد من الخطأ، ولهذا لا يمكن لأي إنسان أن يحتج علينا في مسألة فرضية بأن هذا قول زيد بن ثابت، لأننا نقول في جوابه زيد بن ثابت غير معصوم حتى لو

стр. 2210

كان أعلم الأمة على تقدير صحة الحديث فإنه لا يقتضي أن يكون معصومًا، لأنه لا يوحى إليه، عل كل حال أخذ بهذا كثير من العلماء واختاروا من أجله مذهب زيد بن ثابت، ومنهم الشافعي كما قال صاحب الرحبية: (فكان أولى باتباع التابعي ... لاسيما وقد نحاهُ الشافعي) ولكن مع ذلك نقول: إنه وإن تابعه من تابعه من العلماء، فإنه ليس معصوما من الخطأ، ولهذا تجدون الخطأ واضحًا في مسألة الجد والإخوة، وتفاصيله وتقسماته تدل على ضعفه، وأنه قول لا أصل له، لأنكم تعرفون فيه تقسيمات، يقسم أولاً إلى قسمين: أن يكون معه صاحب فرض، وألا يكون، وإذا لم يكن معه صاحب فرض يُخيّر الجد بين المقاسمة أو ثلث المال، وإذا كان معه صاحب فرض يخير بين المقاسمة أو ثلث المال أو السدس إلا إذا لم يبق إلا السدس، فإنه يأخذه الجد إلا في الأكثرية استثناء، ثانيا: فإنه يفرض للأخت ثم يقسم بينهما وبين الجد هذه التقسيمات لو كانت صحيحة لوجدت في القرآن والسنة لما أراد الله ﷺ بيان تصيب الأم المقسم بينه ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء: ١١]. مع أن التقسيم فيه دون التقسيم في باب الجد والإخوة كما أن باب الجد والإخوة فيه أيضا شيء من الظلم؛ لأنك إذا جعلت الإخوة في منزلة الجد فإما أن تعطيهم كما تعطي الجد وإما ألا تكون عدلاً بينهم، فالحاصل أن هذا المذهب الذي هو مذهب زيد ﵁ في باب الجد والإخوة بين الضعف وبه يتبين أنه مهما كان الحديث المذكور صحيحًا فإنه لا يعنى عصمة زيد من الخطأ. ٢١ - باب الوصايا المؤلف جعل الوصية بعل الفرائض، ولكن الفقهاء من الحنابلة جعلوا الوصايا قبل الفرائض وترتيب فقهاء الحنابلة أقرب للصواب: أولاً: لأن الوصية تكون قبل الموت. وثانيًا: أن الوصية مقدّمة على الميراث، كيف ذلك؟ لو أن رجلاً أوصى بثلثه وهلك عن أمه وأخيه الشقيق وخلف عشرين ريالاً، بل خلف واحد وعشرين ريالاً، الوصية لها الثلث، والأم مع الأخ الشقيق لها الثلث، والباقي الثلث للأخ الشقيق، هنا لو قلنا إن الوصية لا تُقدّم

стр. 2211

على الميراث لكان للوصية الريع وللأم الربع وللأخ النصف، يعني: تجعل النقص على الجميع لكننا نقدم الوصية ثم نقسم الباقي على أصحاب الميراث، فنقول: التركة واحد وعشرون ريالاً أوصى بالثلث سبعًا، يبقى أربعة عشر للأم ثلثها أربعة وثلثان انظر الآن كان بالأول الأم لها الثلث فتستحق سبعة من واحد وعشرين الآن لم تستحق إلا أربعة، وثلثان من أربعة وعشرين ولو لم تقدم الوصية لتساوى صاحب الوصية مع الأم، والأخ الشقيق يُعطى النصف كم بقي للأخ؟ يبقى له تسعة وثلث، وكان الأول يرث أربعة عشرة إذن نقول: إن الترتيب الذي سلكه الفقهاء من الحنابلة أقرب للصواب من الترتيب الذي ذكره المؤلف. الوصايا جمع وصية وهي ما يُعهد به على وجه الاهتمام به، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٢١] أما في الاصطلاح فالوصية هي التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعده، التبرع بالمال بعد الموت، مثل أن يقول: إذا مت فأخرجوا ثلثي مالي في أعمال البر، أو يقول: إذا مت فأعطوا فلانا كذا وكذا، الأمر بالتصرف بعده، مثل أن يقول: إذا مت فالناظر على أولادي الصغار فلان، هنا لم يوص بمال، ولم يتبرع بمال، لكن أمر بالتصرف بعد الموت ما هو التصرف؟ النظر في حق أولاده الصغار، إذن الوصية تكون بالمال وتكون بالحقوق. حكم الوصية: يقول العلماء: إن الوصية تجري فيها الأحكام الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام، وهذه الأحكام الخمسة التي تجري في الوصية مأخوذة من الكتاب والسنة، إما دليلاً، وإما تعليلاً، فنبدأ أولاً بالوصية الواجبة وهي تكون في كل دين واجب على الموصي ليس به بينة سواء كان هذا الدين لله كالزكاة والنذر أو كان للمخلوق كثمن المبيع والأجرة والقرض، فكل دين واجب ليس فيه بينة فالوصية به واجبة، لماذا؟ لأنه لو لم يوص به لضاع حق من له الحق، وهذا حرام، وما لا يتم درء الحرام إلا به فهو واجب؛ لأن درء الحرام واجب، فإذا قدرنا أن شخصا في ذمته لفلان مائة ريال، وليس به بينة، وجب عليه أن يُوصي بأن في ذمتي لفلان مائة ريال، فإن كان به بينة سقط الوجوب، وبقي الاستحباب، سقط الوجوب لأن الحق لا يضيع مع وجود البينة، لكن يبقى الاستحباب فيستحب أن يُوصي ولو مع وجود البيئة لأمرين: الأول: لاحتمال ألا تقوم البينة إما لنسيانها، أو لإنكارها، أو لموتها، أو لمشقة إقامتها، كل هذا وارد.

стр. 2212

ثانيًا: أنه إذا كانت الوصية من الموصي سهل على الورثة أن يقوموا بتنفيذها لكن إذا لم تكن بوصية منه فربما يحوجون صاحب الحق إلى المحاكمة، فينكرون وويقولون: هاتوا شهودًا، وهذا لا شك أنه ضرر بالنسبة لصاحب الحق، إذن فمن عليه دين واجب ليس به بينة فالوصية به واجبة، وإن كان به بينة فالوصية مستحبة للوجهين اللذين ذكرناهما، هناك وصية واجبة مختلف فيها وهي الوصية للأقارب الذين لا يرثون فهذه الوصية اختلف العلماء في وجوبها، فأكثر العلماء على عدم الوجوب، وذهب بن عباس وجماعة من السلف والخلف إلى وجوب الوصية للأقارب غير الوارثين، وكل منهم استدل بآية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. كتب، حقًا على المتقين، ثلاثة مؤكدات تؤكد الوجوب؛ لأن «كتب» بمعنى فرض كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. و «حقا» بمعنى ثابتا واجبًا، «على المتقين» الذين يتقون الله، فهذه ثلاثة مؤكدات تؤكد وجوب الوصية للوالدين والأقربين. ولكن جاءت آيات المواريث فأخرجت الوارث من هؤلاء، وقال النبي ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»، فخرج الوالدان الوارثان، وخرج الأقارب الوارثون لا يُوصى لهم اكتفاء بما جعل الله لهم من الميراث، فيبقى من لم يرث من الوالدين والأقربين، فمن العلماء من قال: إن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث، ومنهم من قال: إنها مخصوصة بآيات المواريث، وهو الصواب، أي: أنها مخصوصة؛ لأنه متى أمكن العمل بالدليلين كان واجبا، والعمل بالدليلين عن طريق تخصيص العموم ممكن فيكون واجباً. الوصية المحرمة أن تكون لوارث أو زائدة على الثلث مطلقًا، لوارث أو أجنبي دليل ذلك أن الله قسم المواريث وقال في الآية الأولى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ [النساء: ١١]. فقال: فريضة، فدل هذا على أن تقسيم التركة على هذا النحو فريضة واجبة من الله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]. وقال في الآية الثانية بعد أن ذكر ميراث الزوجات والإخوة من الأم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٣، ١٤]. فالزوج مثلاً إذا أوصى لزوجته بعشرة ريالات كان هنا قد تعدى الحدود؛ لأن الله إنما فرض لها ثمنا أو ربعًا، فإذا أعطاها ولو عشرة ريالات من مليون فقد تعدى الحدود وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]، في الآية الثالثة لما ذكر الله ميراث الحواشي: الإخوة الأشقاء أو لأب قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. فدل ذلك

стр. 2213

على أن ما خالف ما بين الله فهو ضلال، إذن هذه أدلة تدل على تحريم الوصية للوارث، ما زاد على الثلث دليله حديث سعد بن أبي وقاص حينما أصيب بمرض في حجة الوداع فجاءه النبي ﷺ يعوده فقال: إنه ذو مال كثير ولا يرثه إلا ابنة له، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث، قال: الثلث والثلث كثير، فقول النبي ﷺ ، لا في الموضعين يدل على التحريم؛ لأن الوصية خير وأجر للإنسان ولا يمكن أن يمنع النبي ﷺ هذا الخير والأجر إلا لامتناعه شرعا، فيحرم أن يُوصي بشيء زائد على الثلث سواء لأجنبي أو للوارث. إذن الوصية المحرمة نوعان: الأول: الوصية لوارث مطلقًا. والثاني: الوصية بزائد على الثلث مطلقا. الوصية المباحة هي: أن يوصي الإنسان بالثلث فأقل، إذا كان ورثته أغنياء فهنا الوصية مباحة، وقد نقول إنها مستحبة إذا كان وارثه غنيًا؛ لأنها خير وإذا كانت خيرا ولا تضر الوارث شيئا؛ لأنه غني فالخير مطلوب، وسيأتي فيما بعد أن الوصية ينبغي ألا تزيد على الخمس وأن أفضل جزء يُوصى به الخمس، لأنه الذي ارتضاه أبو بكر ﵁ لنفسه، والنبي ﷺ قال: «الثلث والثلث كثيرة». أما المكروهة فهى: وصية الشخص الذي ماله قليل ووارثه فقير، فإذا كان وراثه فقيرا وماله قليل فإن الوصية حينئذ تكون مكروهة لما فى ذلك من الإضرار بالوارث، والرجل الميت ماله قليل ووارثه أحق الناس به، فلهذا قال العلماء: إن هذا القسم تكون الوصية فيه مكروهة. وتكون مباحة فيما سوى ذلك، مثل: إذا أوصى الإنسان بماله كله إذا لم يكن له وارث، فهذا مباح؛ لأنه في هذه الحال لا يضر بأحد، فله أن يوصي بجميع ماله، أو إذا كان وارثه غنيًا وأوصى بالثلث فإن ذلك أيضا من المباح، لكن ذكرنا قبل قليل أنه ينبغي أن يكون من الأشياء المستحبة. حكم كتابة الوصية: ٩١٨ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». متفق عليه. هذا الحديث فيه إشكال من حيث الإعراب، أولاً: قوله: «ما حق امرئ» ما هذه نافية، وهل هى حجازية أو تميمية؟ الحجازية هي التي تحمل عمل ليس، ومعلوم أن «ما» هذه معناها: ليس سواء

стр. 2214

جعلناها حجازية أم تميمية، لكن اختلف الحجازيون والتميميون في عملها، فالحجازيون أعملوها بشروط والتميميون أهملوها مطلقا، وقال الشاعر يصف معشوقته: (ومُهفهف الأعطاف قلتُ له انتسب ... فأجاب ما قتل المحاسب حرام) ما هنا تميمية، هنا نقول في الحديث هي تميمية ونقول: ينبني على الإعراب. يقول: وحقه مبتدأ «لامرئ» مضاف إليه ومسلم صفة لامرئ «له شيء»، صفة لامرئ يريد صفة لشيء، «يبيت ليلتين» يُحتمل أن تكون صفة لامرئ، ويحتمل أن تكون خبر المبتدأ، يعني: ما حقه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده وإلا أداة حصر والواو «وصيته» للحال «ووصية» مبتدأ و «مكتوبة»، خبره، فالإعراب الآن واضح. «ليلتين»، ما إعرابها؟ ظرف منصوب على الظرفية، وهي في محل نصب خبر يبيت؛ لأن بات ترفع المبتدأ وتنصب الخبر واسمها هنا مستتر وليلتين ظرف هو الخبر. قوله: «ما حق»، يعني: ما الذي ينبغي له أن يفعل فهنا حقه بمعنى: المنتفي، أي: ليس ينبغي له أن يبيت ليلتين إلا ووصيته ... إلخ. وقوله: «امرئ مسلم»، يُقال للرجل ويقال للمرأة امرأة، وكثيراً ما يرد علينا نصوص في الكتاب والسنة تقييد الخطاب أو الحكم بالرجال، وهذا من باب التغليب الشرف الرجال على النساء، والقاعدة: أن ما ثبت في حق الرجال، يثبت في حق النساء إلا بدليل، وقوله: «مسلم» ضدها الكافر، فهل نقول: إن هذا قيد شرطي أو قيد أغلبي؟ فيه خلاف، بعضهم قال: إنه شرطي، وبعضهم قال: إنه أغلبي، وأن الذي عليه الحق ليس له أن يبيت إلا ووصيته مكتوبة. وقوله: «شيء» كلمة شيء من أعم إن لم تكن أعم شيء، تشمل المال والتصرف والمنافع والاختصاصات، كل شيء، ليس له حق ... إلخ. وقوله: «يريد أن يوصى فيه»، أي: يعهد به إلى أحد. «بيت ليلتين»، يعني: ليس له الحق أن يبيت ليلتين، وكلمة ليلتين هل هي من باب المبالغة فيكون المراد يبيت زمنا قليلاً أو من باب التحديد وأن الشارع أعطى مهلة للإنسان يفكر في أمره ويتروى، ولكنه لم يمد له في الأجل خوفا من أن يهاجمه الموت، فجعل له ليلتين يفكر في نفسه ويستخير ربه ويشاور غيره؟ الظاهر الثاني، وأن الشرع له قصد، يعني: أنه لا يتأخر عن ليلتين، لكن إن زاد يكون مُفرطا. وقوله: «إلا ووصيته» معروفة، ولم يقل: إلا وقد كتب وصيته، بل قال: «مكتوبة»، ليعم ما إذا كتبها هو بيده أو كتبها غيره، والمراد بالكتابة هنا الكتابة المعروفة التي يُعتمد عليها؛ لأنه ليس كل كتابة تكون عمدة، فالكتابة التي ليست مشهورة بين الناس لا تفيد إلا إذا صدقت من جهة رسمية كالمحاكم مثلاً.

стр. 2215

في هذا الحديث يقول الرسول ﷺ : «إن الجد كل الجد والحزم لمن أراد أن يوصي ألا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة»؛ لأن الإنسان قد يفاجئه الموت، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، "، وكم من إنسان قد مدّ خيوط الأمل فانبترت ولم تتجاوز قدمه؛ فليبادر الإنسان ما دام يريد أن يُوصي، وحث الرسول ﷺ أن تكون مكتوبة؛ لأن المسموعة قد تُنسى فلو أن الإنسان أشهد على نفسه شفويا بالوصية لكان هذا كافيا، لكن لا شك أن الكتابة أضبط. من فوائد هذا الحديث: أن الدين الإسلامي يأمر بالحزم وألا يؤخر الإنسان أموره؛ لأن الرسول ﷺ جعل لمن أراد أن يُوصى ليلتين. ومن فوائده: أن الوصية ليست بواجبة؛ لقوله: «يريد أن يوصي فيه»، ووجه ذلك: أن المعلق على إرادة الإنسان لا يكون واجبا؛ لأن الواجب لابد أن يفعله الإنسان شاء أم أبى، ولهذا لما سئل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم»، قالوا: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت»، علمنا أن الوضوء من لحم الإبل واجب، وأن الوضوء من لحم الغنم غير واجب؛ لأنه علق الوضوء من لحم الغنم على مشيئة الإنسان، فهنا قال: «يريد أن يوصي فيه»، فهذا يدل على أن الوصية ليست واجبة، ولكن هذا الاستنباط في نظر ظاهر؛ لأن الإرادة هنا لا تنصب على مطلق الوصية بل على النوع الذي يوصي فيكون له شيء يريد به أي: بهذه الشيء المعين، فالإنسان قد يوصي بعقار وقد يوصي بمال، وقد يُوصي بمنافع، وقد يُوصي بنظر على أولاده، فالإرادة متوجهة إلى نوع ما يوصي به، ولهذا قال: «شيء يريد أن يوصي به»، ولم يقل: «ما حق امرئ مسلم يريد أن يوصي» بل قال: «له شيء يريد أن يوصي به»، وبين العبارتين فرق ظاهر. وجه آخر: أنه قد يعلق الشيء على الواجب على الإرادة باعتبار فعله، فلو قلت: إذا أردت الصلاة فتوضأ، هل هذا يدل على أن الصلاة ليست بواجبة؟ لا، لكن الإرادة مُعلقة على الفعل، قد يكون الشيء واجبًا، لكن لا يريد أن يفعله في الحاضر، بل يريد أن يؤجله فيكون التعليق على الإرادة لا يدل على أن المراد ليس بواجب إذا وجدت أدلة أخرى تدل على الوجوب، وقد علمتم أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ ... ﴾ إلخ. يدل على وجوب الوصية، إذن فالاستدلال بهذا الحديث على عدم وجوب الوصية فيه نظر من وجهين. ?

стр. 2216

ومن فوائد الحديث: أن الموصى به لا يتقيد بشيء معين، لقوله: «له شيء يريد أن يُوصي به»، ولكنا نقول: هو مطلق «له شيء، لكن يجب أن يكون مقيدا بالشرع، فلو أن الإنسان أوصى بشيء محرم بأن أوصى بعشرة آلاف ريال يشترى بها خمر لمن أراد أن يشرب الخمر، فهذا لا يجوز، إذن هذا المطلق يقيد بالشرع بما دلت الشريعة على جوازه. ومن فوائد الحديث: أن تخيير الوصية لا يكون أكثر من ليلتين لقوله: «يبيت ليلتين» فإنه إذا بات أكثر من ليلتين ليس له حق في ذلك، وهو يدل على أنه يجب أن يبادر بالوصية إذا كان يريد أن يُوصي بشيء، لكن كما تعلمون هذا إذا كانت الوصية واجبة أما إذا كانت غير واجبة فله الحق أن يبيت ليلتين أو أكثر. ومن فوائد الحديث: العمل بالكتابة لقوله: «إلا ووصيته مكتوبة عنده». ومن فوائده: أن الكتابة أبلغ في الحفظ من السماع، وجهه أنه لم يقل: إلا وقد أشهد على وصيته بل قال: «مكتوبة عندمه، ومن ثم نعرف أن من طعن بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه إنما يروي الحديث عن صحيفة، فإن طعنه مطعون فيه، لماذا؟ لأن الرواية من الصحيفة إذا كانت محفوظة لم تختلف فيها الأيدي أثبت من الرواية عن طريق السماع والحفظ؛ لأن الكتابة أوثق. قوله: «إلا ووصيته مكتوبة» لو قال قائل: الحديث يدل على مطلق الكتابة، فهل هذا مراد؟ فالجواب: لا المراد به الكتابة التي تثبت بها الوصية، وما هي الكتابة التي ليست بوصية؟ هي الكتابة المعروفة أو الموثقة من طريق يحصل به التوثيق، فلو أن الشخص مثلاً كتب وصية لكن خطه غير معروف فهل تفيدنا شيئا؟ لا، فلابد أن يكون خطه معروفا أو موثقا من قبل جهة يحصل بها التوثيق كالمحكمة أو الإمارة أو إمام الحي، المهم لابد أن تكون الوصية معروفة أو موثقة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحتفظ بالوثائق وألا يهمل فيها لقوله: «عنده» لا يهمل ويفرط بل يحفظ الوثائق؛ لأن الإنسان إذا أهمل فربما يزاد في الشيء ويُنقص، فإذا كان الشيء عنده وفي حوزته كان ذلك أضبط. ومن فوائد الحديث: الرد على الجبرية، وهذه مسألة عقدية، لقوله: «يريد أن يُوصى فيه»؛ لأن الجبرية لا يثبتون للإنسان إرادة، بل يقولون: الإنسان يتحرك بدون إرادة، فالذي يحرك يده

стр. 2217

هكذا مثل الذي ترتعش يده بلا إرادة، يقولون: لا فرق بينهما، ويقولون: إن حركات الإنسان كحركات الريش في الهواء بدون إرادة، وهذا في الحقيقة قول مجرد تصوره كافٍ في إبطاله ورده ولهذا لو أنك أمسكت واحدا من هؤلاء وضربته على أم رأسه، وقلت له: هذا قضاء الله وقدره، ما بيدي حيلة، شيء بغير إرادة، هل يقبل؟ ربما يقول: نعم أقبل منك ولكن سأضربك بخشبة وأقول: هذا ليس بيدي، ولهذا يُذكر أن أمير المؤمنين عمر جيء إليه بسارق فأمر بقطع يده، فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين والله ما سرقت المال إلا بقدر الله، فقال: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله فاحتج عليه بحجته مع أن أمير المؤمنين ﵁ يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، وأما السارق فيسرق بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله لم يأذن له بالسرقة، ولكن عمر ﵁ ما حاول أن يقول: نقطعك بالقدر والشرع، احتج عليه بحجته؛ لأنها تُلقمه حجرا. ومن فوائد الحديث: أن المسلم هو الذي يكون حازمًا دائمًا لقوله: «ما حق امرئ مسلم»، فالمؤمن كيس فطن عاقل يحتاط للأمور ويرتبها، ليس المسلم الذي يهمل نفسه، ومن ثمّ ولاسيما في وقتنا الحاضر - ينبغي للإنسان أن يرتب وقته، يعني: الصباح لكذا، والمساء لكذا، يوم السبت لكذا، ويوم الأحد لكذا، حسب ما تقضية الحاجة حتى لا يضيع عليه الوقت؛ لأنه قال: «ما حق امرئ مسلم»، فوصفه بالإسلام وإن كان عامًا فإنه يدل على أن هذا شأن المسلم أي: أنه لا يضيع الفرصة أبدا. ضوابط الوصية: ٩١٩ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: «يا رسول الله، أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. قلت: أفاتصدق بثلثه؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». متفق عليه. سعد بن أبي وقاص ﵁ هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وله مقامات عظيمة في الجهاد وتاريخه مشهور، مرض في حجة الوداع فجاءه النبي ﷺ يعوده كعادته ﷺ في كونه يتفقد أصحابه ويعود من يحتاج إلى العيادة، فجاءه فوجده يبكي، قال: «ما يبكيك؟ » قال: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي، وكانوا يكرهون أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها، وسعد من المهاجرين، فقال له النبي ﷺ : «إنك لن تُخلف»، وهذه بشرى له، يعني: لن تموت في مكة، «ولعلك أن تُخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون»، وأن تخلفه الثانية غير

стр. 2218

الأولى، تُخلف الأولى، يعني: لن تُخلف عن أصحابك فتموت في مكة، ولعلك أن تُخلف أي: تُعمّر وتبقى عمرا طويلاً حتى ينتفع بك أقوام، ويُضر بك آخرون، وهذا الذي توقعه النبي ﷺ وقع، فإن سعدا خلف وانتفع به أقوام وهم المسلمون في الفتوحات العظيمة وضر به آخرون وهم الكفار بما حصل فيهم من قتل وأسر وغنيمة لأموالهم، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ . «لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، وهو من المهاجرين، يعني: يتوجع له الرسول ﷺ أن مات بمكة، وإن كان الأمر بيد الله هو الذي يُميت من شاء في أي مكان وفي أي زمان. ثم قال: يا رسول الله: «أنا ذو مال»، مال هنا نكرة، والمراد بها التكثير أي: ذو مال كثير، «ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة»، أي: لا يرثني من أولادي وذريتي إلا ابنة لي واحدة، وليس المراد لا يرثني بالتعصيب؛ لأن سعد بن أبي وقاص له عصبة كثيرون بني عم، لكن لا يرثني من أولادي إلا ابنة لي واحدة، هكذا قال في ذلك الوقت، ولكنه «﵁» مات عن سبعة عشر ابنا واثنتي عشرة بنتا، وكان يتوقع أنه لا يرثه إلا واحدة، حتى خلف ومات عن هؤلاء التسعة والعشرين ولذا. يقول: «أفأتصدق بثلثي مالي؟ » هذا مبني على قوله: «لا يرثني إلا ابنة لي» يعني: وفي هذه الحال «أفأتصدق بثلثي مالي؟ » أي: باثنتين من ثلاثة، والهمزة في قوله: «أفأتصدق» للاستفهام، والمراد بالاستفهام هنا الاستعلام والاستفتاء، والفاء عاطفة، ولكن هل هذا مكانها أو أن مكانها قبل الهمزة، لكن قُدمت الهمزة عليها؛ لأن لها الصدارة؟ في هذا قولان لعلماء النحو: الأول: أن الفاء في محلها وأن همزة الاستفهام دخلت على شيء مُقدّر، والفاء حرف عطف على ذلك المقدر، وهذا المحذوف يقدر بحسب ما يقتضيه السياق. والقول الثاني: أن الفاء ليست في محلها، وأنها سابقة على الهمزة، لكن قدمت الهمزة عليها؛ لأن لها الصدارة فعلى الأول يكون التقدير جملة مناسبة للسياق. «ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة»، أأتبرع بشيء من مالي فأتصدق بثلثي مالي، يكون المحذوف تقديره هكذا، وعلي الثاني يكون التقدير فأتصدق بثلثي مالي، ذكرنا في قراءة التفسير أن الثاني أقل تكلفا؛ لأن الأول قد يصعب تعيين المحذوف المقدر؛ لأنه يتصيد من السياق، وقد يصعب على الإنسان أن يقدر الشيء المناسب، أما الثاني فهو أسهل، لأنك تقول: حرف العطف الواقع بعد الهمزة حرف عاطف على الجملة السابقة، ولا تحتاج إلى تقدير. قوله: «أتصدق بثلثي مالي»، يعني: أتبرع به صدقة، والصدقة ما يُراد بها وجه الله، وظاهر هذا اللفظ أنه ﵁ أراد أن يتصدق به حالاً في حال حياته؛ لأن هذا مقتضى الصدقة، وفي بعض ألفاظ الحديث: «أوصي بثلثي مالي»، وعلى هذا فيكون سعد سأل عن الوصية لا عن الصدقة.

стр. 2219

فإذا قال قائل: هل هناك فرق بين الصدقة وبين الوصية؟ قلنا: نعم الصدقة تكون عطاء منجزا قبل الموت، والوصية تكون عطاء مؤخرا بعد الموت، وقد ذكر الفقهاء بين العطية والوصية فروقا تبلغ إلى عشرة فروق، ولكن حديث سعد لما كان بعض ألفاظه قد صرح فيه بأنه وصية وحينئذ لا يكون هناك احتمال لكونها عطية، يقول: «أفأتصدق بثلثه مالي؟ قال: لا. قلت: أفأتصدق بشطره أي: بنصفه. قال: لا. قلت: أفأتصدق بثلثه؟ أي: بواحد من ثلاثة. قال: الثلث والثلث كثير»، يعني: الثلث جائز، «والثلث كثير»، فالثلث الأول مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: جائز، وأما الثلث الثاني فهو أيضاً مبتدأ وكثير خبره، وفي بعض الروايات - وهي مرجوحة- والثلث كبيرة يعني: جزء كبير النسبة بالنسبة للمال، ثم علل النبي ﷺ منعه من الوصية بما زاد على الثلث، فقال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» في «أن» روايتان إحداهما: «أن تذر»، والثانية: «إن تذر» والفرق بينهما أن «أن تذر» مصدرية تنصب الفعل فيجب أن يكون الفعل بعدها منصوبا، أما «إن» فهي شرطية ويكون الفعل بعدها مجزوما فنقرؤها هكذا: «إنك إن تذر ورثتك». على رواية «أن» كيف يكون إعرابها نقول: «أن تذر» مصدرية وهي في محل المبتدأ يعني: يقدر ما بعدها مصدرا في محل نصب على أنه بدل اشتمال من الكاف في قوله: إنك ويكون التقدير: إن وذرك ورثتك أغنياء خير، ويكون «خير» خبر إن، أما على رواية الكسر «إن تذر» ف «إن» شرطية وتذر فعل الشرط، وجواب الشرط جملة خير من أن تذرهم، ولكن لابد فيها حينئذ من تقدير، والتقدير: إنك إن تذر ورثتك أغنياء فهو خير، وعلى هذا فيكون قد حذف صدر الجملة الواقعة جوابًا، وما هو؟ «هو» وحذفت الفاء أيضا من الجواب، مع أن الجواب هنا جملة أسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء، لكن قد تُحذف أحيانا - أي: القاع- ومنه قول الشاعر: * منْ يفعل الحسنات الله يشكرها *

стр. 2220

والتقدير: فالله يشكرها، لكن حذفت، هذا إعراب هذه الجملة، أما المعنى فيقول النبي ﷺ معللاً منعه الصدقة بما زاد على الثلث، يقولون إن ذلك من أجل الورثة، وأنك إذا تركت ورثتك أغنياء فهو خير من أن تذرهم عالة، «أغنياء»، مفعول ثان لتذر؛ لأن تذر تنصب مفعولين، ولكن ما معنى أغنياء؟ أي: غير محتاجين للناس بما تتركه لهم من الميراث، خير من أن تذرهم عالة أي فقراء، لأن عالة جمع عائل. وقوله: «يتكففون الناس»، أي: يمدون أكفهم إلى الناس ليسألونهم: يا عم أعطني، يا عم أعطني. ففي هذا الحديث عدة فوائد منها أولاً: حسن خلق النبي ﷺ ورعايته، لكونه كان يعود أصحابه ويرعى أحوالهم. ومنها: حرص الصحابة ﵃ على الفقه في الدين، ولهذا لم يقدم سعد ابن أبي وقاص على الصدقة بشيء من ماله في هذه الحال حتى سأل النبي ﷺ ، ويتفرع على هذه القاعدة أنه ينبغي لنا أن نقتدي بالصحابة في هذه الأمور، فلا نقدم على شيء من العقود أو المعاملات حتى تعلم حكمه في شريعة الله، لتكون المعاملات على بصيرة، أما عمل الناس اليوم فيتبعون كل ما جد من العقود والشركات بدون أن يسألوا أهل العلم، فهذا خلاف ما كان عليه الصحابة (رضى الله عنهم). ومنها: جواز البناء على الظاهر، وأن الخبر لا يعد كليا لقوله: «ولا يرثني إلا ابنة لي»، فإن هذا بناء على الظاهر الواقع، وقد تختلف الأحوال. ومنها: أن السائل ينبغي له أن يذكر الحالة على حقيقتها؛ لأن سعداً ﵁ ذكر أنه ذو مال، وأنه لا يرثه إلا ابنة له، ولم يعم الأمر على رسول الله ﷺ ، لم يسأله إلا حيث بين له الحال تمامًا، وهلا أمر واجب على المستفتي إذا استفتى الإنسان أن يشرح له الحال على الوجه الذي يسأل عنه خلافا لبعض المستفتين الآن، تجده يستفتي في شيء فيذكر كلامًا مجملاً ثم مع النقاش يتبين أن الأمر على خلاف ما صوره لك أولا. ومن فوائد الحديث: أن من كان عنده مال كثير فإنه لا حرج عليه أن يوصي به أو يتصدق به في مرضه، لقوله: «وأنا ذو مال»، لأنه سبق لنا في الشرح أن المراد بقوله: «ذو مال»، أي: مال كثير. ومن فوائد الحديث: جواز تصرف المريض ولو كان مرضه مخوفا؛ لأن الظاهر من حال سعد ﵁ أنه كان متصورا أن هذا المرض مخوف، ومع ذلك أجاز له النبي ﷺ أن يتصرف على الوجه الذي لا ينافي الشريعة، فهل نقول: يجوز للمريض أن يبيع ماله في مرضه المخوف؟ نعم يجوز؛ لأنه إذا باعه سوف يأخذ ثمنه وليس هذا تبرعا، لكن لا يجوز أن يحابي

стр. 2221

به فيبيعه برخص إلا بمقدار الثلث، فلو كان عنده عقار يساوي ثلاثمائة ألف فباعه على شخص بمائة وخمسين ألفا، فإن هذا البيع لا يجوز، باعه بمائتي ألف يجوز، باعه بمائتين وخمسين يجوز من باب أولى. ومن فوائد الحديث: تحريم الصدقة للمريض مرضا مخوفا بما زاد على الثلث، وجهه: أن النبي ﷺ منعه من التصدق بثلثي ماله، أو بالشطر، فإن كان صحيحا فهل يجوز أن يتصدق بما زاد على الثلث؟ نعم، ويجوز بالنصف وبالثلثين، بل بماله كله، لكن بشرط أن يكون عنده قدرة على التكسب لعائلته، فإن لم يكن له قدرة على التكسب لعائلته، فإنه لا يجوز أن يتصدق بما ينقص كفايتهم. ومن فوائد الحديث: جواز استعمال «لا» في الجواب، وأنه لا يُعد جفاءً، وجهه أن أكمل الناس خلقا رسول الله ﷺ قال في جوابه: «لا»، لكن للأسف بعض الناس الآن يرى من الجفاء أن تقول للشخص: «لا»، وما دام النبي ﷺ قال: لا، وهو أكمل الناس خلقا ﷺ ، فإننا نعلم علم اليقين أن استعمالها لا يُعد جفاءً، ولا يخالف حسن الخلق. ومن فوائد الحديث: جواز التنازل في المطلوب، وأن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس، يعني: إذا مُنع من شيء أن يُعرض، بل ينزل إلى ما دونه، لأنه إذا لم يُحقق رغبته فيما زاد يمكن أن تتحقق له الرغبة فيما دون ذلك، ولهذا لم ييأس سعد ﵁ لما قال الرسول ﷺ : «لا» لم ييأس نزل قال: الشطر، فقال: «لا»، ولم ييأس. قال: الثلث. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يقصر الموصي أو المتصدق في مرض موته عن الثلث، لقوله ﷺ : «الثلث والثلث كثير»، ولهذا صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الريع، فإن النبي ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثيرة» وأبو بكر ﵁ اختار الوصية بالخمس، وقال: أختار ما اختاره الله لنفسه؛ لأن الله قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ولا شك أن ما اختاره أبو بكر ﵁ مع قول الرسول ﷺ : «الثلث، والثلث كثير» يكون هو الأفضل، ولهذا قال الفقهاء ﵏: يُسن أن يوصي بالخمس. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ لأنه قال: والثلث كثيره ثم علله، وهذا من حسن التعليم؛ لأن الحكم إذا قرن بعلته استفدنا من ذلك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: بيان سمو هذه الشريعة وأن أحكامها معلقة بالمصالح ومعللة بها. والثانية: زيادة الطمأنينة بالحكم، لأن الإنسان إذا علم بحكمة الحكم ازداد طمأنينة. ?

стр. 2222

والثالثة: القياس إذا كان الشيء مما يقاس عليه. والرابعة: انتفاء الحكم بانتفاء علته؛ لأن العلة المنصوصة يتبعها الحكم بخلاف العلة المستنبطة، وفي حديثنا هذا نقول: لو لم يكن للإنسان وارث وأوصى بما زاد على الثلث فوصيته جائزة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا خلف مالاً للورثة فهو مأجور عليه، وجهه أن النبي ﷺ قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير ... إلخ»، فجعل بقاء المال للورثة خيرا من الصدقة به لكنه أباح الثلث توسعة للإنسان، لئلا يُحرم الإنسان من ماله عند انتقاله من الدنيا. ومن فوائد هذا الحديث: البناء على الظاهر؛ لأن الرسول قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء»، مع احتمال أن يموت ورثة سعد ويبقى سعد، لكن الأمور تُبنى على الظاهر، وقد مر علينا كثيراً أن الاحتمالات العقلية لا تُعارض الأحكام الشرعية، يعني: أن حكم الشرع مبني على الظاهر، ولو جعلنا للاحتمالات العقلية مدخلاً في نصوص الكتاب والسُنة ما بقي دليل واحد إلا ويحتمل عدة معان إلا أن يشاء الله. هل يصح إقرار المريض بمال لشخص أو لا يصح؟ يعني: هل نقول: إن إقراره كالصدقة إن أقر بها دون الثلث قبلناه وإلا فلا، أم ماذا؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إذا أقر بما زاد على الثلث لم يقبل إلا بإجازة الورثة، ومنهم من قال: بل يُقبل مطلقا؛ لأن الإقرار إضافة استحقاق سابق بخلاف العطية المبتدأة فإنها كما عرفتم لا تصح إلا من الثلث فأقل لكن الإقرار ليس عطية، بل هو نسبة حق إلى أمر سابق، لاسيما إذا قال: إنه باقي ثمن البيت أو باقي ثمن السيارة أو قيمة كتب شرعية يعني: نسبه إلى سبب، فهذا لا شك أنه يقبل حتى لو استوعب جميع المال. إذا أقر لوارث في مرض موته فهل يقبل أو نقول إن إقراره للوارث كالوصية للوارث؟ لا تقبل أو تفصل؟ فهاهنا ثلاثة احتمالات: هل يقبل أو لا يقبل أو يفصل؟ المشهور من المذهب أنه لا يقبل إقراره بالمال للوارث؛ لأنه متهم إلا إذا عزاه إلى سبب، فإن هناك قولاً آخر بالتفصيل وهو الصحيح أنه إذا عزاه إلى سبب فإنه يقبل بأن قال: لأخي عندي عشرة آلاف ريال باقي قيمة البيت، وقد علم أن أخاه قد باع عليه البيت، فهنا يقبل لماذا؟ لأنه عزاه إلى سبب، ومن ذلك إذا قال: إن في ذمته مهر امرأته وقدره عشرة آلاف، فإن الصحيح أنه يُقبل، المذهب: لا يُقبل حتى وإن عزاه إلى سبب، ولكنه إذا أقر بمهر لامرأته فإن لها مهر المثل لا ما أقر به، وليس لها مهر

стр. 2223

المثل أيضا بإقراره ولكن بالزوجية؛ لأن الأصل عدم تسليم المهر، يعني: رجل مريض قال في ذمتي لامرأتي عشرة آلاف مهرا مات الرجل هل تأخذ عشرة آلاف من التركة بناء على إقراره؟ نقول: على حسب ما اخترناه نعم تأخذ إلا إذا قيل إن هذا زائد زيادة فاحشة على مهر المثل؛ فإننا لا نقبل ما زاد على مهر المثل، أما إذا كان عادة فلها ذلك، لكن المذهب يقول: لها مهر المثل بكل حال بالزوجية لا بإقراره، وذلك لأن الأصل عدم قبضها المهر فيكون باقيا في ذمته. ومن فوائد الحديث: تفاضل الأعمال لقوله: «أغنياء خير من أن .... إلخ». مسألة: لو أن الورثة أجازوا ما زاد على الثلث، يعنى: أوصى الرجل بأكثر من الثلث فأجازوه فهل تنفذ الوصية أو لا؟ إذا أجازوها بعد الموت، فإنها تنفذ؛ لأن الحق لهم، وقد ثبت أن المال لهم بعد موت المورث، فإذا أجازوه فلا إشكال في الجواز، وأنه يثبت للموصي، وقالت الظاهرية: إنه لا يثبت ولو أجازه الورثة واحتجوا بأن النبي ﷺ منع من الوصية فيما زاد على الثلث، أما إذا أجازوها قبل الموت بأن أوصى رجل بأكثر من الثلث فقال: إني أوصيت بنصف مالي بعد موتي فهذا إما أن يكون مريضا مرض الموت أو صحيحًا، إن كان صحيحا فإن إجازتهم لا تؤثر ولا تنفع، ولهم أن يردوا الإجازة بعد الموت إذا كان صحيحًا لماذا؟ لأنه لم يوجد سبب الموت وهو المرض، فليس لهم في ماله أي تعلق، ولا يدري فلعلهم يموتون قبل، أما إذا كان في مرض الموت ففيه خلاف قوي، فمن العلماء من قال: إنه لا تنفع إجازتهم، ومنهم من قال: إنها تنفع، وهذا هو الصحيح إلا إذا علمتا أنهم إنما أجازوها حياء وخجلاً، فإنها لا تنفذ، ولا يجوز للمريض أصلاً أن يستأذنهم في ذلك. مثاله: رجل مريض مرض الموت، وعنده عقار بيت هو كل ماله فجمع ورثته وقال لهم: أنا مريض وأريد أن أوصي بجميع بيتي، فهنا ربما يقولون: نعم حياء وخجلاً، فهنا نقول: لا يجوز له أن يفعل؛ لماذا؟ لأنه بالضرورة رجل مريض يدعو ورثته، ويقول: أسمحوا لي أن أجعل بيتي وقفا لي، فالعادة أنهم يخجلون ويوافقون لاسيما إذا كانوا أبناءه، فالصحيح في هذه المسألة الإجازة بعد الموت صحيحة ونافذة، الإجازة في حال الصحة غير مفيدة ووجودها كالعدم، ولهم أن يرجعوا بعد الموت، الإجازة في مرض الموت على القول الراجح صحيحة ونافذة إلا إذا علمنا أنهم أجازوا خجلاً فإنها لا تنفذ.

стр. 2224

حكم الصدقة عمن لم يوص: ٩ (٢٠) - وَعَنْ عَائشة ﵂: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ أُمِّي اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَنَا أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ لَتَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. قالت: «أن رجلاً» يعمدُ كثير من المحدثين إلى معرفة المبهمات من هذه الأسماء، وهذا لا شك أنه علم، ولكنه ليس كبير علم إذا كان لا يتعلق بمعرفة الشخص فائدة شرعية، أو يختلف به الحكم، مثل أن يكون ابن عم في القضية أو خال فإن التعيين ليس بذات أهمية كبيرة؛ لأن المقصود معرفة الحكم من القصة يقطع النظر عن الرجل إلا إذا كان تعيينه يختلف به الحكم، فحينئذٍ لابد من البحث عنه حتى يُعرف اسمه بعينه. «فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلتت» يعني: أُخذت فلتة، ومعنى فلتة أي: بغتة، أي أنها لم تكن مريضة ولكنها ماتت فجأة. «ولم تُوص» يعني: لم تعهد إلى أحد في التصدق بعدها، وكأن هذا معروف بينهم أن الميت يوصي؛ لأنه سبق أن الراجح من أقوال أهل العلم وجوب الوصية للأقارب. قال: «وأظنها لو تكلمت تصدقت» وذلك بناء على ما عرفه من حال أمه أنها تُحب الصدقة، وأنها لو تكلمت تصدقت لكن أخذها الموت فجأة قبل أن تتكلم وأفلها أجر إن تصدقت» قال: «نعم» هذه الصيغة يأتي مثلها كثيرًا في القرآن، وهي أن يأتي حرف الاستفهام وبعده حرف عطف الفاء أو الواو أو ثم، وقد ذكرنا أن لعلماء النحو فيها قولين: القول الأول: أن تكون الفاء مقدمة على الهمزة ولكن الهمزة قُدَّمَت لأن لها الصدارة. والثاني: أن تكون الهمزة في مكانها والفاء في مكانها والمعطوف عليه محذوف يقدر بحسب ما يقتضيه السياق، وقد ذكرنا أن الوجه الأول غالبًا أسهل؛ لأنه يجعل هذه الجملة معطوفة عليل ما قبلها. وقوله: «أفلها أجره» أي: ثواب عند الله «وإن تصدقت عنها» هذه «إن» شرطية، والشرط يحتاج إلى جواب، فأين الجواب؟ قال ابن القيم: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج فيه الشرط إلى جواب استغناء بما سبق عنه، وقال بعضهم: إن هذا التركيب له جواب ويقدر بجنس ما قبله فمثلاً أفلها أجر إن تصدقت عنها فلها أجر ولا شك أن ما ذكره ابن القيم أقرب للصواب؛ لأن كل أحد يعرف أن مثل قول القائل: «أفلها أجر إن تصدقت عنها» لا يحتاج إلى جواب لأن الجواب

стр. 2225

مفهوم، والشيء المفهوم المعلوم الذي يقتضيه السياق قطعًا لا حاجة إلى تقديره، قال النبي ﷺ : «نعم» وهي حرف جواب تفيد الإثبات أي إثبات ما سبق، أي: إثبات ما بعد الاستفهام إن كان نفيا فنفي وإن كان إثباتا فإثبات، فإذا قلت: أقام زيد؟ فقال المخاطب: نعم، فهذا إثبات القيام، وإذا قلت: ألم يقام زيد؟ فقال المخاطب: نعم، فهذا نفي القيام، يعني: أنه لم يقم والعامة يظنون أنك إذا قلت: ألم يقم زيد؟ فقال المخاطب: نعم، يعني: أنه قام وليس كذلك، بل إذا قال: نعم فهو تقرير لما بعد النفي؛ إن كان ما بعد النفي نفيًا فهذا نفي، وإن كان ما بعده إثباتًا فهذا إثبات، ويذكر عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: لو قالوا: «نعم» لكفروا؛ لأنهم إذا قالوا «نعم» أثبتوا النفي: أي: لست بريتا وهذا كفر فلما قالوا: بلى صار هذا نفيًا للنفي، أي: إثباتًا لا نفيًا، ولهذا لو قلنا لعامي: ألم تطلق امرأتك؟ قال: نعم، نعم ماذا يقصد؟ أنه طلقها؛ ولهذا جاء بها بغلظة وكررها مما يدل على أنه قصد الطلاق، لكن لو قالها طالب علم قيل له: ألم تطلق امرأتك؟ قال: نعم، فلا تطلق لأن طالب العلم لما قال: نعم، يعني: لم يطلق لكن العامي قال: نعم، يعني: أنه طلق. على كل حال: هذه القاعدة، لكن مع ذلك قال النحويون: إنها قد تأتي في محل بلى إذا دلت على ذلك القرينة، وأنشدوا عليه قول الشاعر: [الوافر] (أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيَّانا فذاك لنا تلداني) (نعم وترى الهلال كما نراه ... ويعلوها النهار كلما علاني ( الشاهد في قوله: «نعم في جواب أليس الليل يجمع أم عمرو إلى قوله نعم، قال «نعم» يعني: أن لها أجرًا. هذا الحديث ليس بغريب على الصحابة ﵃ أنهم كانوا يسألون النبي ﷺ عن أحكام الشريعة لكنهم كان من عادتهم أن يسألوه في الغالب قبل أن يقعوا في الأمر وهذا هو الأدب، وهو حقيقة الطلب أما بعد أن يفعل الإنسان الشيء ويقدم عليه يأتي فيسأل وربما لا يسأل إلا بعد سنين طويلة أحيانا يسأل الناس عن أشياء فعلوها منذ عشر سنوات أو أكثر ولكن قد يعذر الناس في الوقت الحاضر في تأخير السؤال لأن الناس من قبل ليس عندهم تفتح للعلم أما الآن -والحمد لله- فقد حصل تفتح كبير للعلم وصاروا يسمعون من هنا وهناك، وصاروا يسألون عن أشياء قديمة جدا. ?

стр. 2226

في هذا الحديث من الفوائد: أولاً: حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية حيث يأتون يستفتون رسول الله ﷺ ثانيًا: أنه ينبغي للعاقل الحازم أن يبادر بالأمر الذي يُوصي به خوفًا من أن يأتيه الموت بغتة قبل أن يوصي، ويدل لهذا أيضًا ما سبق من حديث ابن عمر «وما حق أمرى مسلم ... » إلخ. ومن فوائد الحديث: أن الوصية كانت معروفة عندهم، حيث قال: «إنها افتلتت نفسها ولم توص»، فهذا يدل على أن الوصية كانت معروفة عندهم وأن من لم يوص فإن أمره يكون غريبًا. ومن فوائد الحديث: العمل بالظن ولكن لابد أن يكون هناك قرائن فإن لم يكن قرائن فإن الظن أكذب الحديث، لكن إذا وُجِدَت قرائن فلا حرج أن يعمل الإنسان بظنه، إلا أن يترتب على ذلك محظور شرعي فإنه لا يُعمل بالظن ولو قويت القرينة، فلو أن شخصا رأى امرأة تدخل بيتًا فيه غير محارم لها والبيت محل تهمة فهل يجوز أن يشهد بأن هذه المرأة زنت مع أنه كان يغلب على ظنه؟ لا يجوز أن يشهد بذلك لأنه يترتب على هذا مفسدة عظيمة. وفي القصة التي وقعت في عهد عمر ﵁ أن أربعة شهدوا على رجل بالزنا فقال عمر: تشهدون بالزنا؟ قالوا: نعم، قال: تشهدون أن ذكره في فرجها؟ قالوا: نعم، فأمسكهم واحدًا واحدًا؛ لأنه استبعد أن يقع الزنا من المشهود عليه فأمسك بهم واحدًا واحدًا، أمسك بالأول وقال: تشهد بهذا؟ قال: «نعم» والثاني والثالث مثله وثبتوا عل شهادتهم: الرابع لما لم يبقَ إلا هو قال المشهود عليه: يا فلان! اتق الله لا تشهد بما شهد به أصحابك والله لو كنت بين أفخاذنا ما استطعت أن تشهد بما شهدوا به! فقال الرابع: مهلاً يا أمير المؤمنين! أنا رأيت استا تنبو وذكرًا ينزو، لكنني لا أشهد أن ذكره في فرجها فكبر عمر فرحًا قال: الله أكبر، وجلد الثلاثة الأول كل واحد ثمانين جلده وأبرأ الرابع لماذا؟ لأن هؤلاء الثلاثة قذفوه والرابع لم يقذف، فانظر الآن مع أن القرينة قوية لكن يترتب عليها هدم عرض المسلم وعرض المسلم ليس بهين، فبذلك رُفِعَ حدُّ القذف عن الرابع لأنه لم يصرح أما الثلاثة فإنهم صرحوا بالزنا، ولهذا قلت لكم: إن الأربعة شهدوا بالزنا، ولكن لما جاء بهم واحدًا واحدًا ثبت ثلاثة منهم على أنهم رأوا الذكر في فرجها، أما الرابع فلم يقل ذلك لكن رأى أمرًا عظيمًا، إذن العمل بالظن جائز إلا في المواضع التي يُشترط فيها اليقين، ويكون فيها ضرر؛ فإنه لا يُعمل بالظن. من فوائد الحديث: انتفاع الأم بصدقة ابنها لقوله: «وأفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» فأثبت النبي ﷺ الأجر لأمه إذا تصدّق عنها، وفي هذا دليل على أن الجواب يُغني عن?

стр. 2227

إعادة السؤال؛ لقوله: «نعم»، ويتفرع على هذا مسائل كثيرة في الإقرارات والعقود، فمثلاً: لو قلت لشخص: أبعت بيتك على فلان؟ قال: نعم. فقال للثاني: أقبلت؟ قال: نعم. كل واحد لم ينطق بالبيع ولا بالشراء، فهل ينعقد البيع؟ نعم؛ لأن حرف الجواب يُغني عن إعادة السؤال. ولو سئل الرجل أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، تُطلق. ولو قال الولي: زوجتك ابنتي. فقيل للزوج: أقبلت؟ قال: نعم، انعقد النكاح. ولو سئل شخص: أقتلت فلانًا؟ قال: نعم، ثبت الإقرار وهكذا. المهم أن هذه القاعدة مفيدة أن الجواب يُغني عن إعادة السؤال إن كان الجواب للإثبات فهو للإثبات، وإن كان للنفي فهو للنفي، ولهذا لو قال: لا، كان التقدير لم أفعل. فلو سئل شخص: أبعت بيتك على فلان؟ قال: لا، لم يثبت البيع، ولو قال: بعت بيتي على فلان، فقيل للثاني: أشتريت البيت؟ . قال: لا، لم يثبت شيء. هذا الحديث فيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فهذا القول يدل على أن سعي غيره لا ينفعه، فليس له إلا ما سعى فقط، فما هو الجواب؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه لا تعارض بين الكتاب والسُنة التي تصح عن الرسول ﷺ ؛ لأن الكل حقٌ من عند الله فلا تعارض، وعليه فيقول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] إن قُدر أنها معارضة للحديث، فالحديث مخصص، والتخصيص سائغ في الأدلة وكثير، وعلى هذا فتخص الآية بما إذا عمل الولد لأمه، والولد بُضعة من أبيه كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في قوله: «إن فاطمة بضعة مني يريبها ما رابني»، وإذا كان بضعة منه صار عمله كأنه عمل أبيه، ولهذا جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» وعلى هذا فتخصُّ الآية في هذا الحديث بما إذا عمل الإنسان لأمه، وكذلك إذا عمل لأبيه من باب أولى، فإن جزئية الابن للأب أقوى من جزئيته لأمه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن ماء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦، ٧]. ومن المعلوم أن الماء الدافق هو ماء الأب، على هذا نقول: يُستثنى من عموم الآية ما إذا عمل الولد عملاً صالحًا لأبيه أو أمه، ولكن هل نطلق ونقول: إذا عمل عملاً صالحًا، أو نقول: ما إذا عمل عملاً صالحًا هو المال فقط؟ قال بعض العلماء كذلك، ضيق الخناق وقال: لا يخصص العموم إلا بالصورة الواقعة فقط، وهي ما إذا تصدق الإنسان عن أبيه وأمه، وأما لو قرأ القرآن أو صلى ركعتين أو صام يومًا أو يومين تطوعًا، فإن

стр. 2228

ذلك لا ينفعه؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ولأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» والميت لم ينو هذا العمل، فكيف يكون له بلا نية بل ربما يكون الميت يكره الأعمال التطوعية ربما يكون الميت ليس على دينه قويمًا، فكيف نلزمه بشيء يكرهه في حياته؟ على كل حال أقول: إن بعض العلماء ضيق هذا وقال: إن هذا خاص في الصدقة فقط، ولكن القول الثاني في هذه المسألة أن الأمر واسع، وأن الإنسان يجوز أن ينوي العمل الصالح لأبيه وأمه وأخيه وأخته وعمه وعمته وخاله وخالته وأي واحد من المسلمين، ويجيب عن الآية ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] أي: أنه لا يُحمل عليه سعي غيره بمعنى أنه لا يُعطى من سعي غيره، ولكن إذا أعطاه غيره من سعيه، فلا بأس لأن غيره إذا أعطاه من سعيه، فقد أعطاه باختياره، بخلاف ما إذا قلنا: أنت يا فلان ترتفع درجتك بعمل أخيك، أنت يا فلان ترتفع درجتك بعمل زوجتك، وهكذا، فإن هذا لا يمكن فالإنسان ليس له إلا سعيه، ولا يمكن أن يأخذ من سعي غيره ليوضع على سعيه، لكن إذا أراد غيره أن يعمل له فلا بأس، واستدلوا لذلك بأدلة منها هذا الحديث، قالوا: إذا جازت الصدقة عن الميت فالصدقة عمل صالح، فما الذي يجعل هذا العمل نافذًا للغير ويمنع غيره؟ لا فرق، كله قُربى، الصدقة قربى، والصلاة قربى، والقرآن قربى، فإذا صح أن القرب تجعل للأموات؛ فإنه لا فرق، فإن التعيين بالصدقة قضية عين ليست من كلام الرسول ﷺ حتى نقول: هذا كلامه يثبت الحكم بما نصَّ عليه، وينتفي عما سواه، هذا رجل حصل له هذه القضية وجاء يسأل هل نستطيع أن نقول: إن غيرها ليس مثلها؟ لا نستطيع أن نقول هذا، لأنه لو وقع شيء آخر فإن الجواب أقل ما نقول فيه: إنه غير معلوم، ويُقاس على ما كان معلومًا، كذلك أيضا هناك أعمالٌ بدنية جاءت بها الشريعة «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وهذا وإن كان بعض العلماء قال: إنه في النذر خاصة فهذا التخصيص غير صحيح، ولا يمكن أن نحمل قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» لا يمكن أن نحمله على النذر ونخرج صوم رمضان، لأننا لو حملناه على النذر دون صوم رمضان لكنا حملناه على المعنى الأقل، ونفينا الحكم على المعنى الأكثر، أيهما أكثر: أن يموت المسلم وعليه صيام من رمضان، أو يموت وعليه صيام نذر؟ الأول بلا شك، لأن صيام النذر ممكن أن تمضي حياته كلها لا ينذر لله ، ولو نذر يمكن أن ينذر غير الصيام، ينذر صدقة أو صلاة أو ما أشبه ذلك، المهم أنا نقول العبادات البدنية المحضة كالصوم جاءت الشريعة بانتفاع الغير بها «ومن مات وعليه صيام صام عنه وليه»، في الحج قالت امرأة: يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة

стр. 2229

الله على عباده في الحج شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نعم». وهذا في حجة الوداع من آخر الأحكام الشرعية، والحج عبادة بدنية محضة في الأصل، والمال ليس شرطًا فيها ولا ركنًا فيها، قد يحج الإنسان على رجليه من الصين وأنا عهدت أناسًا يأتوننا من أفغانستان ومن غيرها، يأتون على أقدامهم إلى مكة ستة أشهر ذهابًا، وستة أشهر رجوعًا، هذا معلوم، إنها أعمال بدنية المهم أن الحج إن شئتم قولوا: مُركبةً، وإن شئتم قولوا: بدنية محضة، وأهل مكة أيضًا يحجون حجا بدنيًا محضًا يحمل متاعه على ظهره ويمشي. على كل حال: الحج عبادة بدنية، وجاءت السَّنة بالنيابة فيها وانتفاع الغير بها، فإذا قلت: هذه بنت تحج عن أبيها، وهي بضعة منه، قلنا: ماذا تقول في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: «لبيك عن شُبرمَة، قال: مَنْ شُبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: «أحججت عن نفسك؟ » قال: لا. قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة». فهنا يقول: أخ أو قريب والأخ أو القريب ليس بضعة منه فأجاز الحج عنه، وقد ذكر صاحب الفتوحات الإلهية على تفسير الجلالين - وهو ما يُعرف بحاشية الجمل- ذكر على الآية التي أشرت إليها أولاً: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ذُكِرَ عن شيخ الإسلام ابن تيمية أكثر من عشرين وجها كلها تدل على أن الإنسان ينتفع بعمل غيره وهذا من الغرائب؛ لأني طلبت هذا الكلام الذي نسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى وغيره مما يُنسب للشيخ ما وجدته، لكن لعل هذه فتوى وقعت عند الجمل فكتبها على هذه الآية؛ لذلك نقول: إن القول الراجح عندنا هو أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحا بنية أنه لفلان فإنه يقع لفلان سواء كان ماليا أو بدنيًا أو مركبًا منهما، ولكن إذا كان قد عمل العمل أولاً ثم قال: اللهُمَّ ما كتبت من ثواب لي على هذا العمل فاجعله لفلان، فهل ينفع؟ هو بالنية الأولى ناويه لنفسه، ثم بعد ذلك قال: اجعله لفلان، فالظاهر أنه لا ينفع، لأنه بعد أن كتب لك لا تملك هبته الذي كتب لك الآن هو الثواب فلا تملك هبته، وقال بعض الفقهاء: إنه يملك أن يهبه، وأنه لو قال بعد فراغه من العمل: اللهُمْ ما كتبت من ثواب فاجعله لفلان فإن ذلك جائز، ولكن الذي يترجح عندي الأول، أنه لابد أن ينوي من الأصل أنه لفلان، فإذا نوى أنه لفلان نفع، ولهذا ذكر الفقهاء عن الإمام أحمد ﵀)

стр. 2230

أنه قال: أي قرَّبة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك، لكن مسألة الحي في النفس منها شيء لأننا لو أجزنا ذلك بالنسبة للأحياء لاتكل الأحياء بعضهم على بعض، فالذي يظهر أن الأحياء يُقال اعملوا أنتم. مسألة مهمة: هل في هذا الحديث دليل على مشروعية عمل الإنسان عملاً يجعله لغيره أو على جواز أن يعمل الإنسان عملاً يجعله لغيره؟ الثاني، يعنى: أننا لا تندب الإنسان إلى أن يعمل عملاً يجعله لغير، لكن لو فعل فإننا لا نُنكر عليه، ولا نقول هذا بدعة؛ لأنه لولا أن النبي ﷺ أجاز ذلك لكان العمل بدعة؛ فلما أجازه عُلِمَ أنه جائز وأنه لا ينكر على مَنْ فعله، ولكن هل يندب لكل إنسان أن يفعله؟ بمعنى هل نقول للناس: يُسنّ لكم أن تعملوا أعمالاً من الصدقات أو الحج أو غيرها للأموات؟ الجواب: السُّنة لا تدل على هذا، ولم يأمر النبي ﷺ أمته أن يفعلوا ذلك، لكن أجاز لأمته أن يفعلوا هذا وفرق بين الإقرار على الجواز وبين الإقرار على الندب والطلب من الناس أن يفعلوا ذلك. فإذا قال قائل: هذا شيء غريب أن تجعلوا عبادة أقرَّها الشارع أمرًا مباحًا؟ فالجواب: أنه لا غرابة لأننا لم نجعل العبادة أمرًا مباحًا لكننا جعلنا إهداء العبادة أمرًا مباحًا، وفرق بين هذا وهذا، ويدل لذلك أن الرسول ﷺ أقر عائشة ﵂ حين أُحرمت بالعمرة ثم أتاها الحيض ولم تتمكن من إتمامها وأمرها أن تُدخل الحج على العمرة وتكون قارنه، وقال لها: «طوافك بالبيت والصفا وبالمروة يسعك لحجك وعُمرتك» أقرها على أي شيء؟ على أن تأتي بعمرة بعد انتهاء الحج؛ لأنها طلبت منه أن تأتي بعُمرة وألحت عليه، وقالت: يا رسول الله! يذهب الناس بعمرة وحج وأذهب بحجِّ؟ فأمر أخاها أن يخرج بها إلى التنعيم وتُحرم، ولكن هل أرشد أخاها وقد ذهب معها إلى أن يحرم؟ أبدًا، ولو كان هذا مشروعا ما فوَّت النبي ﷺ أخاها أن يفعله، ثم نقول: هل هو مشروع لمن حصل له مثل حال عائشة؛ لأن من لم يحصل له مثل حال عائشة لا شك أنه ليس بمشروع في حقه أن يأتي بعمرة بعد الحج، ولكن هل هو مشروع لامرأة حصل لها مثل ما يحصل لعائشة أو لرجل أحرم بعمرة بناء على سعة الوقت ثم ضاق الوقت ولم يتمكن من أداء العمرة فأدخل الحج عليها وذهب إلى مشاعر الحج، هل نندب له إذا انتهى من الحج أن يأتي بعمرة لكن من لم تطب نفسه إلا أن يأتي بعمرة؟ نقول له: لا بأس أن تأتي بعمرة، لا نبدِّعك ولا نمنعك. ثانيًا: خرج رجل في سرية وكان إمامًا لأصحابه فجعل يُصلي بهم ويقرأ ويختم بقل هو الله أحد، فلما قدموا على النبي ﷺ أخبروه فقال: «سلوه لأي شيء كان يفعل ذلك؟ » فسألوه

стр. 2231

فقال: لأنها صفة الرحمن فأحبُّ أن أقرأها. فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه»، ولم يُنكر عليه بل أقره فهل نقول: يُشرع لكل مصلِّ أن يختم صلاته بقل هو الله أحد؟ لا، لأن ذلك ليس من هدي الرسول ﷺ ، ولا أمر به، لكن لو فعله فاعل لم ننكر عليه، فهذه ثلاثة أمثلة. هذا الحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ أقرَّ الرجل أن يتصدق عن أمه، ولكن لم يأمر أمته بذلك، وحديث عائشة، وحديث صاحب السرية، حديث سعد بن عُبادة أيضًا كان له نخل بستان فسأل النبي ﷺ أيتصدق به عن أمه، وكانت قد ماتت، فأذن له، وبهذا نعرف أنه لا يُشرع لإنسان أن يتصدق بالصدقة عن الميت أو يوقف له وقفًا، لكن لو فعل فإن ذلك ليس بممنوع، فالمراتب ثلاث: مشروع، وجائز، وممنوع، لو لم ترد السُنة بإقراره لكان ممنوعًا وبدعة، ولو وردت السُّنة بالأمر به ونُدب الناس إليه، لكان مشروعًا وسُنة، ولما أقرت السُّنة فعل من فعله، ولكن لم تأمر الناس به كان جائزاً هو قربة لمن فعله. في هذا الحديث إشكال من الناحية الإعرابية وذلك في قوله: «أظنها لو تكلمت تصدقت»؛ لأن من المعروف أن «أظن» تنصب مفعولين فأين مفعولاها الآن؟ ويوجد إشكال آخر «لو تكلمت تصدقت»، فمعروف أن جواب «لو» إذا كان مثبتا يقرن باللام، لو تكلمت لتصدقت، فماذا نقول؟ هو ليس بواجب، والدليل من القرآن ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]. هل الدعاء للميت أفضل أم إهداء العبادة له أفضل؟ الدعاء أفضل، ودليله أن النبي ﷺ لما سأله رجل عن بر والديه بعد موتهما لم يذكر الصدقة عنه، وإنما ذكر الدعاء. دليل آخر: قول النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فهنا قال: «أو ولد صالح يدعو له» مع أن السياق في باب العمل «انقطع عمله»، فلو كانت أعمال الشخص عن غيره أفضل من الدعاء له لذكرها النبي ﷺ في هذا الحديث. فإذا سألنا سائل: أيهما أفضل أن أتصدق لأبي أو أدعو الله أن يغفر له؟ قلنا: الثاني أفضل، والأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) دعوا لآبائهم، قال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨]. لكن إبراهيم بعد ذلك تبرأ من أبيه لما تبين له أنه عدو لله، وبهذا نعرف أن أبوي نوح كانا مؤمنين، وأن أبا إبراهيم لم يكن مؤمنًا، وأم إبراهيم مؤمنة؛ لأنه دعا بالمغفرة ولم يُنكر عليه ولم يتبرأ منها.

стр. 2232

حكم الوصية للوارث: ٩٢١ - عن أبي أُمَامَة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حقًّ حقَّه، فلا وصية لوارث» رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وحَسَّنَهُ أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة، وابن الجارود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄، وزاد في آخره: «إلا أن يشاء الورثة». وإسناده حسنٌ. قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه» يعني: بعد الموت، «كل ذي حق حقه» أي: كل صاحب حق حقه الذي اقتضته حكمته؛ لقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. فأعطى الأب نصيبه مع الفرع الوارث وعدمه، وأعطى الأم نصيبها مع الفرع الوارث وعدمه، مع الإخوة وعدمهم، أعطى الأزواج نصيبهم مع الفرع الوارث وعدمهم، أعطى الإخوة لأم نصيبهم مع الانفراد والتعدد، أعطى الإخوة الأشقاء نصيبهم ذكورًا وإناثًا، كل أحد أعطاه الله حقه. «فلا وصية لوارث» لا نافية للجنس، ولهذا بُني ما بعدها على الفتح «ولا وصية» لا قليلة ولا كثيرة «لوارث» أي: لمن يرث بالفعل أو بالتقدير، بالفعل يعني: لا لمن يصلح أن يكون وارثًا، ولكن لمن هو وارث بالفعل فإنه لا وصية له، يقول في اللفظة الثانية: «إلا أن يشاء الورثة» فلا بأس، «لا وصية لوارث» لا بقليل ولا بكثير، أخذنا ذلك من أن «الوصية» نكرة في سياق النفي فتعمُ، بل إن هذا النفي أعني نفي «لا» النافية للجنس من أقوى دلالات النفي على الانتفاء، ولهذا يقولون: إن نفيها نصٌّ في العموم أي: لا وصية لوارث لا قليلة ولا كثيرة، لوارث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما، بهما، يعني: سواء كان الوارث وارثًا بالفرض كالزوج أو بالتعصيب كالعم أو بهما كالأب مع الإناث من الفروع فإنه لا وصية لوارث أبدًا، قال في اللفظ الثاني: «إلا أن يشاء الورثة»، هذا مستثنى من قوله: «لا وصية لوارث» وقوله: «إلا أن يشاء الورثة» المراد بالورثة من تعتبر مشيئتهم وهم الذين يصح تبرعهم، فأما السفيه والصغير والمجنون فلا عبرة بمشيئتهم، فلو أن رجلاً له ثلاثة أولاد أوصى لأحدهم بمائة درهم وكان الولدان الآخران

стр. 2233

أحدهما بالغ عاقل رشيد، والثاني صغير فأجاز الكبير والصغير فهل الإجازة نافذة؟ نافذة في حق الكبير دون الصغير؛ لأن الصغير لا يصح تبرعه ومشيئته وجودها كعدمها بخلاف الكبير. يُستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أن المعطي هو الله فهو الذي يُعطي من شاء ويمنع من شاء، ولهذا جاء في الحديث: «ولا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت» وليعلم أن إعطاء الله تعالى نوعان: إعطاء شرعي، وإعطاء كوني، فالمواريث من إعطائه الشرعي والاستحقاق من الزكاة وقسم الزكاة بين أهلها من إعطائه الشرعي، قسم الغنائم من إعطائه الشرعي، كون الله يرزق هذا الإنسان مالاً كثيرًا دون أخيه هذا إعطاء كوني، الإعطاء الكوني لا يمكن لأحد أن يتدخل فيه؛ لأن الإنسان لا يملك أن يرزق الناس أو أن يمنعهم رزق الله، الإعطاء الشرعي يمكن لأحد أن يتدخل فيه، ولكنه ممنوع من تعدي الحدود الشرعية، ولهذا لما قسّم الله المواريث قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وذلك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٣، ١٤]. فالإعطاء الشرعي لا يمكن لأحد مجاوزته بل يجب أن ينفذ على ما أمر الله ورسوله، الإعطاء الكوني قلنا: لا أحد يستطيع أن يمنع رزق الله عن أحد أو يرزق أحدا منعه الله لكن ربما بالعدوان يعتدي أحد على أحد فيسلبه ماله فهنا حصل اعتداء، ولكنه في الأصل لا يمكن أن يملك منع هذا الرزق عن هذا الرجل، إنما يملك التسلط عليه بعد وجوده هذا ممكن، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا اعتدى على شخص بغير سبب شرعي فأخذ ماله فإنما أخذه بعد أن منحه الله. من فوائد الحديث: أنه لا تحل الوصية للوارث. ما الفائدة في أن النفي يأتي في موضع النهي؟ يكون أقوى من النهي. ومن فوائد الحديث: جواز الوصية لغير الوارث ولو كان قريبًا، لقوله: «لا وصية لوارث»، والحكم المعلق بوصف يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه ويقوى بقوته ويضعف بضعفه، ولهذا لو قلت لك: أكرم المجتهد من الطلبة فغير المجتهد لا يستحق الإكرام، المجتهد بقوة يستحق من الإكرام أكثر والمجتهد اجتهادًا يسيرًا أو متوسطًا يستحق إكرامًا يسيرًا أو متوسطًا، ولو قلت: أكرم النائم من الطلبة هذا لا يستقيم. على كل حال: القاعدة عندنا أن الحكم المعلق بوصف يوجد بوجوده وينتقي بانتفائه، ويقوى بقوته ويضعف بضعفه. «لوارث» انتفاء الوصية معلَّق بالإرث، فلو انتفى الإرث ولو كان من أقرب الناس صحت الوصية، ولنضر ب لهذا مثالاً: رجل له ثلاثة أبناء أوصى لواحد منهم ما حكمه؟ لا تصح الوصية

стр. 2234

له ابنان وابنه الثالث قد مات وله أبناء فأوصى لأبناء ابنه هل يصح؟ نعم، لماذا؟ لأنهم غير وارثين فهنا نجد أن الوصية لأبيهم غير صحيحة، والوصية لهم صحيحة، والعلة أن أباهم وارث وهم غير وارثين، وانتفاء الوصية معلق بالإرث «لا وصية لوارث». ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز تقديم الأحكام على حكم الله أي حكم، وجهه قوله: «لا وصية لوارثة، فإذا كان لا يجوز أن يتقدم على حكم الله في نصيب الورثة فما بالك في الحكم العام؟ وعليه فالحكم بالقوانين يُعتبر تعديًا على حدود الله؛ لأنه إذا كان الإنسان لا يزيد وارثًا على ميراثه الذي قدم له؛ لأن ذلك تعد على حدود الله، فكذلك من غير الحكم رأسًا؛ لأن الذين يحكمون بالقانون -نسأل الله لنا ولهم الهداية-، غيروا الحكم رأسًا، يعني: نزعوا حكم الله ووضعوا بذله حكم القانون، ولهذا كانت هذه المسألة كبيرة جداً ليست مثل شخص حكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله؛ لأن واضع القانون واضح أنه استبدل شرع الله بغيره، لكن الذي حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على الحكم هوى النفس مع اقتناعه بحكم الله، قد يكون الحامل له على الحكم العدوان على المحكوم عليه؛ لأنه يبغضه بغير دافع الشرع وواضع القانون محله؛ لأن هذا كفر؛ لأن الذي يرفع الشرع ويضع القانون محله، لا شك أنه يعتقد بأن القانون خير للناس من شرع الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ومن فوائد الحديث: أن تحريم الوصية للوارث إنما هو لحفظ حقوق الورثة وجه الدلالة حديث ابن عباس «إلا أن يشاء الورثة». ومن فوائده: لو أجاز الورثة الوصية لأحد منهم فالوصية نافذة؛ لقوله: «إلا أن يشاء الورثة»، ولكن هل تعتبر مشيئة الورثة بعد الموت فقط، ولا تعتبر قبله أو لا؟ في هذا للعلماء أقوال ثلاثة: الأول: أنهم إذا أجازوا ولو قبل الموت ولو في الصحة فالوصية نافذة، مثاله: رجل صحيح شحيح جمع أولاده الثلاثة اثنان منهم بالغان والثالث صغير، وقال لهم: يا أبنائي! أخوكم الصغير صغير وأنتم عندكم والحمد لله أموال كثيرة اسمحوا لي أن أوصي له بربع مالي، فقالوا: نسمح لك، أنت مسامح، أنت في حل، وإن لم تُوص له لأعطيناه، فأوصى له ثم مرض ومات فهل تصح الإجازة؟ على قول من يرى أن الإجازة صحيحة مطلقًا تصح، ولكن الصحيح أنها لا تصح في هذه الحال، وذلك لأن الرجل صحيح شحيح، ولا ندري أيرث أبناءه أم يرثه أبناؤه، فسبب الموت غير موجود، فلا تصح الإجازة، لكن لو أجازوا بعد موته صار ذلك ابتداء عطية، أو تنفيذًا على خلاف بين العلماء.

стр. 2235

الثاني: رجل مريض مرض الموت المخوف جمع أولاده الثلاثة وقال: اسمحوا لي أن أوصي لأخيكم الصغير أنتم قد أغناكم الله وهو محتاج، فقالوا: قد سمحنا لك، فأوصى له فهل تنفذ الإجازة؟ فيه خلاف، أما من قال بأن الأولى تنفذ فهذه من باب أولى، لكن من قال لا تنفذ ففيه قولان منهم من قال: تنفذ. ومنهم من قال: لا تنفذ، وحجة المانعين قالوا: لأن الورثة لا حق لهم في المال قبل موت المورث ولا ينتقل ملك المورث إلى ملكهم إلا بعد موته، ومن المعلوم أن الإنسان قد يُصاب بمرض الموت الشديد ويموت الصحيح قبله، كم من إنسان في النزاع خرج وارثه إلى السوق فدُهس فمات قبله، فإذن يقول: لا عبرة بالإجازة، ولو كان الموروث في مرض موته. المثال ثالث: بعد أن مات وقد أوصى لابنه الصغير وله أبناء ثلاثة وبعد أن مات اجتمع الأبناء وأجازوا الوصية لأخيهم ما حكمه؟ هذا جائز لأنهم أجازوا بعد أن انتقل المال إليهم فإجازتهم نافذة كما لو أعطوه ابتداءً وهذا لا شك فيه، والقول الراجح من هذه الأقوال الثلاثة أن الإجازة جائزة نافذة فيما إذا كانت بعد الموت أو في مرض الموت المخوف هذا هو الصحيح؛ لأنه إذا كان في مرض الموت المخوف فقد وجد سبب تعلق حق الوارث بمال الميت وقوله: «إلا أن يشاء الورثة» يستفاد منه أنه لابد من إجازة جميع الورثة حتى تنفذ الوصية، فإن أجاز بعضهم دون بعض نفذت الإجازة في نصيبه فقط دون نصيب الثاني. مثال هذا: رجل له ثلاثة أبناء أوصى لأحدهم بالثلث فلما مات أجاز أحد الأبناء الوصية وامتنع الثاني ماذا يستحق من المال؟ تنفذ الإجازة في حق من أجاز دون مَنْ لم يجز، والمال بينهم أثلاث، والثلث الموصى به أجاز واحدا ومنع الثاني والثالث الموصى به لم يوص له ثلثه من أصله ولأخيه الذي أجاز ثلثه وللثالث الذي منع ثلثه، وعلى هذا فنقول: الثالث الذي منع يُؤخذ حقه من الثلث وهو التسع واحد من تسعة فيضاف إلى نصيبه ثلاثة يكون له أربعة ويكون لمن أجاز اثنان، ويكون للثاني ثلاثة. ?

стр. 2236

الوصية بثلث المال: (٩٢٢) - وَعَنْ مُعَاذُ بن جَبَلٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «إنّ الله تَصَدّق عَلَيْكُمْ بثلث أمُوَالِكُمْ عِندَ وَفَاتِكُمْ؛ زِيَادَةً في حسناتكم». رَوَاهُ الدَّارَ قُطني وأخرجه أحمد والبزار من حَديث أبي الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ مَاجَة: مِنْ حَدِيث أبي هُرَيْرَةً ﵁ وَكُلَهَا ضعيفة، لكنْ قَدْ يُقوّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالله أَعْلَمُ. المراد: رخص لكم أن تُوصوا بثلث أموالكم، وليس المراد مطلق الصدقة؛ لأن كل أموالنا صدقة وتفضل من الله علينا، القليل منها والكثير، الذي عند الموت، والذي في الحياة، لكن المراد بقوله: «تصدّق» أذن لكم تفضلاً منه بثلث أموالكم عند وفاتكم. وقوله: «زيادة» يحتمل أن تكون حالاً من ثلث، ويُحتمل أن تكون مفعولاً من أجله أي: من اجل الزيادة في حسناتكم. ففي هذا الحديث: دليل على أنه يجوز للإنسان أن يُوصي بالثلث ولو عند الموت لقوله: «عند وفاتكم» حتى في مرض الموت يجوز أن يُوصي بالثلث، ويجوز أيضًا أن يوصي بالثلث منقلاً بعد موته لحديث سعد بن أبي وقاص وقد سبق، فالوصية تكون بعد الموت والعطية تكون في مرض الموت، والحديث يقول: «عند وفاتكم» يحتمل أن المراد بالعندية: العندية السابقة أو العندية اللاحقة، فإن كان المراد العندية اللاحقة فهي وصية، وإن كان المراد بالعندية العندية السابقة فهي العطية؛ لأن العلماء يقولون: إن التبرع بالمال في مرض الموت المخوف يُسمّى عطية، ولا ينفذ منه إلا الثلث فقط، ولغير وارث. في هذا الحديث فوائد: منها: إثبات الصدقة من اللهم لقوله: «إن الله تصدّق»، وقد جاء مثلها في حديث عمر بن الخطاب ﵁ حين سأل النبي ﷺ عن قوله تعالي: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. فقال: يا رسول الله كيف نقصر وقد أُمنا؟ فقال الرسول ﷺ : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، ففيه إذن إثبات التصدق من الله، وهل تأخذ من إثبات التصدق أن نسميه بالمتصدق؟ لا، بناء على القاعدة العامة من أنه لا يُؤخذ من الصفة اسم، ويُؤخذ من الاسم صفة، يعني: كل اسم فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة تتضمن اسمًا، وذلك لأن الصفات أعم من الأسماء وأشمل، ولهذا تكون صفات الله تعالى حتى فيما يقع منه الشر فالله تعالى خلق كل شيء الخير والشر، فالصفة إذن أعم وأوسع.

стр. 2237

من فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرض الموت أن يتطوع بأكثر من الثلث، لقوله: وبثلث أموالكم». فإن قال قائل: ما وجه هذا؟ قلنا: لأن المقام مقام الامتنان ومقام الامتنان يذكر فيه أعلى ما يكون منة ولو كان هناك منة أكثر من الثلث لكان مقتضى الحال أن تُذكر. وإلا لو قال قائل: الحديث ليس فيه النهي عن أكثر من الثلث، قلنا: نعم لكن لما كان في مقام الامتنان كان المذكور فيه على وجوه الامتنان ولو كان هناك وجه أعلى لبيّنه. ومن فوائد الحديث: جواز تبرع الإنسان عند الموت لقوله: «عند وفاتكم» بالثلث فأقل، ولكن يشترط في هذا شرط وهو أن يكون يعي ما يقول، فإن كان لا يعي ما يقول، مثل أن وصل به المرض إلى حل صار يهدي لا يحسن ما يقول ولا يدري ما يقول، فهنا لا يصح تصرفه ولا تبرعه؛ لأنه ليس له عقل. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يؤجر على ما قدّمه من العمل بعد الوفاة لقوله: «زيادة في حسناتكم» خصوصًا إذا فسرنا العندية بأنها العندية اللاحقة ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ومن فوائد الحديث: بيان منَّة الله وفضله على عباده وذلك بالصدقة حيث أذن لهم أن يتصدقوا بالثلث، يعني: فأقل من أجل زيادة الحسنات. وقوله: «وأخرجه أحمد والبزار ... إلخ»، فقال: وهي ضعيفة قد يقوي بعضها بعضًا، والأحاديث إذا وردت من وجوه ضعيفة ولكن تعددت طرقها فإنها ترتقي إلى درجة الحسن، لكنه حسن لغيره لا حُسن لذاته، والفرق أن الحسن لغيره هو الذي تجبر بغيره، والحسن لذاته هو الذي انجبر بنفسه. ٢٢ - باب الوديعة «الوديعة»: فعيلة بمعنى مفعولة؛ لأن كلمة فعيل تُطلق على اسم الفاعل وعلى اسم المفعول، فيُقال: «فلان سليم» بمعنى سالم، «فلان جريح» بمعنى: مجروح، الوديعة هنا فعيلة بمعنى مفعولة، وسمّيت بذلك لأن صاحبها يودعها عند المتبرع لحفظها. وتعريفها شرعًا: دفع مال لمن يحفظه ويشمل أي مال كان دراهم أو متاعًا أو منقولاً أو غير ذلك، إن كان بأجرة فالمودع أجير، وإن كان تبرعًا فالمودع محسن، وهنا نسأل هل يجوز الإيداع وهل يجوز الاستيداع؟ نقول: نعم يجوز الإيداع أن يجوز للإنسان أن يُودع ماله عند أحد؛

стр. 2238

? لأن الحاجة قد تدعو إليه، وهذا ليس فيه شيء من الذل، حتى نقول: إنه يكره كما يُكره السؤال؛ لأن ذلك مما جرت به العادة، ولا يعد الناس في هذا ذلاً. بالنسبة للاستيداع يعني: أخذ الوديعة ليحفظها لغيره هل هو مباح أو لا؟ . الجواب: أنه مستحب لأنه إحسان، فكم من إنسان تضيق به الأرض وهو يحب أن يجد من يقبل ماله ليكون وديعة عنده فيكون ذلك من الإحسان والإحسان مطلوب؛ لأن الله قال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فصار التوديع مباحًا والاستيداع بمعنى: أخذ الوديعة مستحبة. يد الوديع، يعني: المودع يد أمانة أو يد ضمان؟ يد أمانة، ولهذا تُسمَّى الوديعة عند العامة عُرفا تُسمّى أمانة، إذن يده يد أمانة وإذا كانت يده يد أمانة فلا ضمان عليه فيما لو تلفت الوديعة، إلا أن يتعدى أو يفرط فما هو التعدي؟ التعدي: فعلُ ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، ويظهر هذا بالمثال لو أن شخصًا أودعك شيئًا تتلفه الشمس فوضعته في مكان تأتيه الشمس، هذا تفريط لأنك لم تفعل ما يجب من تظليله عن الشمس، ولو أنه أودعك شيئا ثم استعملته لنفسك، فهذا تعد لأنه فعل ما لا يجوز، ومن ذلك لو أودعك دراهم ثم استعملتها واشتريت بها حاجة لك أو أقرضتها أحدًا فإنك تعتبر متعديًا لأن الوديع لا يحل له أن يتصرف في الوديعة أي تصرف كان. (٩٢٣) - عَنْ عَمرو بن شعيب، عَنْ أبيه، عَنْ جَده ﵁ عن النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أودع وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضمان». أخرَجَهُ ابْنُ مَاجَهُ، وَإسْنَادُهُ ضعيف. من أودع يعني: أعطي وديعة أي: مودوعة أي: مجعولة عنده على سبيل الحفظ فليس عليه ضمان وذلك لأن يده يد أمانة وليست يد ضمان فليس عليه ضمان، لكن إن تعدى وفرط فهو ضامن، لأن التعدي أو التفريط خلاف الأمانة، إذا كان المودع يده يد أمانة فهل يقبل قوله في ردها إلى صاحبها، يعني: لو أن صاحبها أتى إليه يومًا من الدهر وقال: إني قد أودعتك كذا وكذا، فقال: نعم ولكن رددتها إليك فهل يُقبل؟ نعم، يقبل لأن يده يد أمانة، والذي أودعه هذا الشيء ائتمنه بلا شك وهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، لو أودعه بأجرة كما يُصنع في بعض البنوك الآن يجعلون صناديق خاصة للودائع فأودعها إياه بأجرة هل يقبل قوله في الرد؟ عند الفقهاء لا يُقبل قوله في الرد؛ لأنه قبضها لمصلحة نفسه لا لمصلحة مالكها بخلاف المودع مجانًا، فإنه قبضها لمصلحة مالكها فيكون محسنا، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. أما أخذها بأجرة فقد قبضها لحظ نفسه فلا يكون محسنا،

стр. 2239

وإذا لم يكن محسنا فهل الأصل الرد أو الرد دعوة؟ الرد دعوة والدعوة تحتاج إلى بينة؛ لقول النبي ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، ما يفعله الناس الآن في إعطاء الدراهم البنوك وتسميتها وديعة هل هذا صحيح؟ لا، لأن هذه الدراهم التي يعطونها البنوك يعطونها إياهم على أنهم يدخلونها في صندوق البنك يتصرف فيها، والعبرة في الأمور بحقائقها لا بألفاظها، وحقيقة هذا الأمر أنه إذا أعطاك الشخص دراهم وأدخلتها في جملة مالك وانتفعت - حقيقة هذا الأمر- أنها قرض، ولهذا لا يصح أن تُسمى هذا وديعة، الناس يقولون إيداع إيداع، وهو ليس إيداعًا إنما هو إقراض، ولذلك لو أن البنك احترق وتلف ما فيه حتى مالك الذي أعطيته إياه كما إذا أعطيته إياه بعد العصر واحترق بعد المغرب يعني: أنتا تيقنًا أن المال الذي أعطيته إياه دخل في الحريق، فهل يضمنه؟ يضمنه، ولو كان وديعة لم يضمنه، لهذا لا يصح أن نسمى هذا وديعة، تُسميه قرضا، وقد نصر على هذا أهل العلم، وقالوا: لو أن صاحب الوديعة أذن للمودع في التصرف فيها انقلبت إلى قرض بعد أن كانت وديعة، والقرض يختلف عن الوديعة كثيرًا. قال المؤلف: وباب قسم الصدقات تقدم في آخر الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة يأتي عقب الجهاد - إن شاء الله تعالى -. كأنه ﵀ نبَّه على هذا؛ لأن الشافعية يذكرون في كتبهم قسم الصدقات وقسم الفيء والغنيمة كليهما في هذا الموضع، فكأن المؤلف اعتذر عن ذلك بأن قسم الصدقات سبق، وأن قسم الفيء والغنيمة يأتي في باب الجهاد. مِن فوائد هذا الحديث: جواز الإيداع، لقوله: «من أودع وديعة». ومنها: جواز الاستيداع، يعني: قبول الوديعة؛ لقوله: «من أودع»، وجه الدلالة من ذلك أن النبي ﷺ رتب علي هذا الفعل حكمًا شرعيًا فقال: «فليس عليه ضمان»، وما ترتب عليه حكم شرعي فهو صحيح، فيكون هذا الحديث دالّاً على جواز الإيداع والاستيداع. ومن فوائد الحديث: أنه ليس على المودع ضمان؛ لقوله: «ليس عليه ضمان» والتعليل لأنه محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، ولهذا لو خرجت يده عن الإحسان وتعدَّى أو فرَّط صار عليه ضمان.

стр. 2240

كتاب النكاح

стр. 2241

قَالَ: «كتاب»؛ وذلك لأنه يتضمن أبوابًا كثيرة، وقد ذكرنا فيما سبق أن العلماء يصنفون التأليف إلى كتاب وباب وفصل، والفرق بينها: أن الكتاب جنس يشمل أنواعا كثيرة، مثلا: كتاب الطهارة يشمل المياه، الأواني، الاستنجاء، الوضوء، الغُسل، التيمم، إزالة النجاسة، الحيض، فالباب يتضمن نوعًا من جنس مثل كتاب المياه هو نوع بالنسبة للطهارة، الوضوء هو نوع بالنسبة للطهارة وهكذا، أما الفصل فهو جملة مسائل من نوع واحد يعمد المؤلفون إليه إما لطول الباب، وإما لأهمية المسائل؛ لأن التفصيل في التأليف بقولك: فصل كذا، فصل كذا، فصل كذا، هذا يؤدي إلى عدم الملل والسآمة. وقد ذكر المؤلف هنا كتاب النكاح لأنه جنس يتضمن أشياء كثيرة كما سيأتي. أولاً: نتكلم عن حكم النكاح وسيأتي في حديث ابن مسعود، لكن ما هو تعريف النكاح؟ أصله من الاجتماع، يقال: تناكح القوم، يعني: اجتمعوا فيما بينهم، وأما في الشرع فهو اجتماع بين رجل وأنثى على صفة مخصوصة، هذه الصفة: هي ما دل عليه الشرع من عقد النكاح بشروطه المعروفة. حكم النكاح: ٩٢٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ». متفق عليه. قوله: «لنا» يعني: لنا نحن معشر الشباب الصغار من الصحابة، قَالَ: «يا معشر» «معشر» بمعني: طائفة، وقوله: «الشباب» هنا جمع شاب، ويُحتمل أن يكون مصدرا، فيكون معشر بمعنى: يا أصحاب الشباب، والشاب يُطلق على مَن تجاوز البلوغ إلى ثلاثين سنة، وبعضهم قال: إلى أربعين سنة ثم يكون كهلاً ثمّ شيخا. «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» وخصّ الشباب بالخطاب؛ لأنهم هم الذين يحتاجون إلى ما وجههم إليه، فالشهوة فيهم أكثر من الشهوة في الشيوخ، «الباءة» أي: قدر على الباءة،

стр. 2242

والمراد بالباءة هنا: النكاح، ويشمل الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية، لأن الشاب إذا لم يكن عنده استطاعة بدنية فلا حاجة به إلى النكاح، وإذا كان عنده استطاعة بدنية لكن ليس عنده مال فليس عنده قدرة على النكاح، ولكن قد يقول قائل: إن المراد بالاستطاعة هنا: الاستطاعة المالية، لقوله: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن هذا يدل على أن المخاطب لديه قدرة بدنية لكن ليس عنده قدرة مالية، وقوله: «فليتزوج» هذه جواب «مَن»، وقُرنت بالفاء؛ لأن الجملة الواقعة جوابًا طلبية، وهي فعل مضارع؛ لأنها مقرونة بلام الأمر، «فليتزوج». «فإنه» أي: الزواج، «أغض للبصر وأحصن للفرج»، ولم يقال: وأكثر للولد، مع أنه أكثر للولد، لأن غالب الشباب أكبر همهم ما يكون به غض البصر وتحصين الفرج، ولهذا تجد اللذينَ يهنئونه بالزواج لا يتبادر إلى أذهانهم أنهم يهنئونه بأنه وجد حرثا يبذر فيه ويكون له أولاد، بل ربما يقولون: له تريث في الإنجاب لمدة سنتين أو ثلاث أو أربع، إنما يُهنئونه لأجل ما يكون به غض البصر وتحصين الفرج، ولهذا لم يذكر النيي ﷺ الفائدة العظيمة وهي كثرة الولد؛ لأنه يُخاطب الشباب، وأهم شيء لديهم هذان الأمران. «فإنه أغض للبصر» «أغض» يعني: أشد غضًّا للبصر، والغض هو النقص، يعنى: أنه يحجز البصر عن النظر إلى النساء، وهذا شيء مُجرب مشاهد، فالإنسان إذا تزوج غض بصره عن النظر إلى النساء، أما قبل ذلك فإنه يخشى أن يديم النظر إلى النساء بناء على ما جبله الله عليه من هذه الغريزة، وإن كان الإنسان قد يكون عنده من الإيمان ما يمنعه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. لكن الكثير هو هذا. وقوله: «أحصن للفرج» أي: أمنع، ومنه سمي الحصن، لأنه يمنع من فيه، «أحصن للفرج» يعني: أمنع عن المحرم -عن الفاحشة- فإنه يمنع الإنسان من الفاحشة، ولذلك أمر النبي ﷺ الرجل إذا رأى من امرأة ما يعجبه أن يأتي أهله وقال: «إن ما معها مثل الذي معها»، يعني: مع أهلك مثل الذي كان مع التي أعجبتك. «ومن لم يستطع»، أين المفعول به؟ محذوف، تقديره: الباءة، «فعليه بالصوم»، «عليه» هنا جار ومجرور يُراد به: الإغراء؛ أي: فليلزم الصوم، والمراد بالصوم هنا: الإمساك عن الطعام والشراب تعبداً لله من طلوع الشمس إلى غروب الشمس؛ أي: أن المراد بالصوم هنا: الصوم الشرعي لا الصوم اللغوي، لأن الصوم اللغوي هنا لا معنى له؛ ولأن القاعدة المقررة أن يحمل كلام كل متكلم على عرفه، فإذا جاء الكلام من النبي ﷺ يُحَمل على العرف الشرعي لأنه مُشرع، لكن لو جاءنا من رجل لغوي حملناه على المعنى اللغوي.

стр. 2243

وقوله: «ومَنْ لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجَاء» «من لم يستطع»، أي: لم يستطع الباءة، وقلنا: إنه يُراد بها الجماع، ويُراد بها ما يحصل به الجماع من المال، والمراد بها هنا: ما يحصل به الجماع من المال؛ لقوله: «من لم يستطع»؛ إذ لا يصح أن يحمل، قوله: «من لم يستطع» على الجماع، لأن من لا يستطيع الجماع لا يحتاج إلى النكاح، لكن من لم يستطع المال الذي يحصل به الجماع «فعليه بالصوم»، «عليه» هذه جار ومجرور وهو بمعنى: فليلزم، فهو اسم فعل أمر بمعنى: فليلزم، والعرب تستعمل الجار والمجرور بمعنى اسم الفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: «فإنه له وجاء»، «إنه» أي: الصوم، «له» أي: لمن لم يستطع، «وجاء» أي: مانع يمنع من قوة الشهوة وثورانها، يعني: أن الصوم يقطع الشهوة، فيقل على المرء التعب من أجلها، هذا الحديث خاطب النيي ﷺ فيه الشباب؛ لأنهم أخرى به من الشيوخ، وذلك لأن الشباب هم الذين تتوافر فيهم هذه الشهوة، فلهذا وجّه الخطاب إليهم. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: حسن خطاب النبي ﷺ حيث وجه الخطاب إلى من هم أولى به. ومن فوائده: أن الشاب القادر على الزواج يجب عليه أن يتزوج لقوله ﷺ : «فليتزوج» واللام للأمر والأصل في الأمر الوجوب، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القادر على الزواج يجب عليه أن يتزوج، لأن الأصل في الأوامر الوجوب، ولما فيه من المصالح العظيمة، وقال بعض أهل العلم: إن الأمر هنا للاستحباب، وعللوا ذلك بأن النكاح تعود مصلحته إلى الفاعل، وهي مصلحة جسدية متعلقة بالشهوة، فيكون الأمر للإرشاد، أي: للاستحباب، ولكن الصحيح أن الأمر للوجوب؛ وذلك لأن النكاح عبادة؛ لأن النبي ﷺ أمّر به، ولأنه من سنن المرسلين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ولقول النبي ﷺ وهو يتحدث عن حاله: «وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». لكن الفقهاء ﵏ قسّموا النكاح إلى عدة أقسام فقالوا: إنه واجب وحرام ومكروه ومُباح ومسنون على حسب ما تقتضيه الحال، والأصل فيه عند الفقهاء السنية ولا يجب إلا لسبب، فما هو الواجب؟ قالوا: النكاح الواجب هو الذي يكون على من يخاف الزنا بتركه، فالذي يخاف الزنا إذا تركه يجب عليه أن يتزوج، والعلة لأن فيه وقاية من الوقوع في الحرام، والحرام واجب الاجتناب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا خاف ألزنا على نفسه

стр. 2244

وجب عليه أن يتزوج، وهذا جزء من القول الذي أشرنا إليه آنفا وهو وجوب النكاح على من استطاعة». لأن القائلين بالوجوب يقولون: يجب وإن لم يخف الزنا ما دام فيه شهوة فيجب عليه أن يتزوج. الثاني: ويكون حرامًا إذا كان في دار الحرب، يعني: مثلاً لو أننا كنا نقاتل الكفار ونحن في بلادهم فإن النكاح هنا يحرم؛ لأنه يخشى من استرقاق الولد ربما يستولي الكفار علي المسلمين ويسبوا ذريتهم فيسترقون أولادهم، وما لا يتم دفع الحرام إلا به فهو واجب، إذن فاجتناب النكاح واجب لكن قالوا: إذا كانت هناك ضرورة بأن خاف الزنا بتركه فإنه يجوز. الثالث: ويكره لإنسان فقير ليس له شهوة، لماذا؟ لأن هذا الزواج لا يستفيد منه إلا الإزهاق، يرهق نفسه بالإنفاق على زوجته ورعايتها، وهذا لا شك أنه شاق لا داعي له ما دام الرجل ليس فيه شهوة فلا حاجة للتزوج. الرابع: المباح، ويكون لإنسان له شهوة ولكن لا مال له، فهنا نقول: يُباح لك النكاح من غير وجوب أو استحباب، وذلك لأنك غير قادر على الباءة، فإذا تزوجت فهذا مُباح، لكنه ليس مستحبًا بل هُوَ من باب المباح، وكذلك الإنسان الذي عنده مال وليس له شهوة فالنكاح في حقه من قسم المباح؛ لأنه ليس فيه ما يدعو إلى النكاح لكن إذا تزوج صار فيه مصلحة، فالزوجة تخدمه وهو أيضًا يعف الزوجة ويحصل فيه مصالح. الخامس: المسنون، وهو الأصل؛ ولذلك نجد أن الأحكام الأربعة الأخرى كلها تحتاج إلى سبب يحولها من الاستحباب إلى الوجوب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة. من فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وبيانه لأمته، وهو أنه إذا ذكر الحكم ذكر علته؛ لأن ذكر العلة فيها فوائد ثلاث: الفائدة الأولى: بيان سمو الشريعة وعلوها، وأن أحكامها كلها مبنية على رعاية المصالح. الفائدة الثانية: زيادة طمأنينة المخاطب؛ لأن المخاطب إذا عرف الحكمة اطمأن إلى الحكم أكثر وصار في ذلك أيضا زيادة حث له، لمن؟ للمخاطب، لأنه إذا عرف الحكمة واطمأن فإن ذلك يزيده رغبة في هذا الحكم، ولهذا قوله ﷺ هنا: «أغض للبصر وأحصن للفرج»، لا شك أنه يرغب الإنسان في النكاح. الفائدة الثالثة: قياس ما شارك هذا المعنى أو المحكوم به في المعنى، فإننا إذا وجدنا هذه

стр. 2245

العلة في شيء آخر قلنا: هذا حكمه حكم الذي عُلل بهذه العلة، ووجه ذلك: أن الشريعة الإسلامية لكمالها واطرادها لا تفرق بين مُتماثلين كما أنها لا تجمع بين المتفرقين، فإذا كانت علة الحكم المذكور ثابتة في مكان آخر نقل حكم هذا المذكور إلى ذلك المكان الآخر؛ لأننا نعلم أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين. ومن فوائد هذا الحديث: أن غض البصر مطلوب؛ لأنه إذا كان قد أمر بالنكاح من أجل غض البصر صار سبب الحكم أولى بالحكم من المسبب هذا بقطع النظر عن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] لكن نيد أن نأخذ الحكم من هذا الحديث. ومن فوائد الحديث: مشروعية تحصين الفرج لقوله: «وأحصن للفرج». ومن فوائد الحديث: تجنب كل ما يوجب إطلاق البصر أو وقوع الفرج في السواقط، وجه ذلك: أنه إذا أمر بالنكاح من أجل منفعة غض البصر وتحصين الفرج، فإن ما يوجب خلاف ذلك يكون منهيا عنه، ويتفرع على هذه القاعدة: أن الإنسان إذا وجد من نفسه افتتانًا لمطالعة بعض الصحف التي تشتمل على صور فإنه يجب عليه أن يتجنب ذلك؛ لأن هذا ربما يدعوه إلى إطلاق البصر أو إلى فعل الفاحشة نسأل الله العافية. ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على بعض الحكمة إذا كان المقام يقتضي ذلك، يُؤخذ من أن النبي ﷺ علل الأمر بالتزوج بأنه «أغض للبصر وأحصن للفرج»، مع أن فيه علة أخرى ينظر إليها الشارع نظرة هامة وهي كثرة النسل والأولاد، لكن لما كان يُخاطب الشباب، والشباب لا يهتم في أول الأمر إلا فيما يتعلق بالشهوة وتحصين الفرج وغض البصر علل بالعلة المناسبة للمخاطب وهم الشباب. ومن فوائد الحديث: حكمة الرسول ﷺ فيما إذا تعذر الشيء حسًا أو شرعًا فإنه ﷺ يذكر البديل عنه، لقوله: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» فإذا لم يمكنك القيام بالنكاح قدّرا لأنك معسرًا فعليك بالصوم. ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستقرض ليتزوج، وجه الدلالة: أنه قال: «من لم يستطع فعليه بالصوم»، ولم يقل: فليستقرض، أو فليستدن، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. يعني: بدون واسطة، لم يقل: حَتى يغنيهم الله بأي وسيلة، قال: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] وهذا لا يحصل إلا بالغنى، ويدل
следующие страницы →