← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قَالَ: «كتاب»؛ وذلك لأنه يتضمن أبوابًا كثيرة، وقد ذكرنا فيما سبق أن العلماء يصنفون التأليف إلى كتاب وباب وفصل، والفرق بينها: أن الكتاب جنس يشمل أنواعا كثيرة، مثلا: كتاب الطهارة يشمل المياه، الأواني، الاستنجاء، الوضوء، الغُسل، التيمم، إزالة النجاسة، الحيض، فالباب يتضمن نوعًا من جنس مثل كتاب المياه هو نوع بالنسبة للطهارة، الوضوء هو نوع بالنسبة للطهارة وهكذا، أما الفصل فهو جملة مسائل من نوع واحد يعمد المؤلفون إليه إما لطول الباب، وإما لأهمية المسائل؛ لأن التفصيل في التأليف بقولك: فصل كذا، فصل كذا، فصل كذا، هذا يؤدي إلى عدم الملل والسآمة. وقد ذكر المؤلف هنا كتاب النكاح لأنه جنس يتضمن أشياء كثيرة كما سيأتي. أولاً: نتكلم عن حكم النكاح وسيأتي في حديث ابن مسعود، لكن ما هو تعريف النكاح؟ أصله من الاجتماع، يقال: تناكح القوم، يعني: اجتمعوا فيما بينهم، وأما في الشرع فهو اجتماع بين رجل وأنثى على صفة مخصوصة، هذه الصفة: هي ما دل عليه الشرع من عقد النكاح بشروطه المعروفة. حكم النكاح: ٩٢٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ». متفق عليه. قوله: «لنا» يعني: لنا نحن معشر الشباب الصغار من الصحابة، قَالَ: «يا معشر» «معشر» بمعني: طائفة، وقوله: «الشباب» هنا جمع شاب، ويُحتمل أن يكون مصدرا، فيكون معشر بمعنى: يا أصحاب الشباب، والشاب يُطلق على مَن تجاوز البلوغ إلى ثلاثين سنة، وبعضهم قال: إلى أربعين سنة ثم يكون كهلاً ثمّ شيخا. «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» وخصّ الشباب بالخطاب؛ لأنهم هم الذين يحتاجون إلى ما وجههم إليه، فالشهوة فيهم أكثر من الشهوة في الشيوخ، «الباءة» أي: قدر على الباءة،

стр. 2242

والمراد بالباءة هنا: النكاح، ويشمل الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية، لأن الشاب إذا لم يكن عنده استطاعة بدنية فلا حاجة به إلى النكاح، وإذا كان عنده استطاعة بدنية لكن ليس عنده مال فليس عنده قدرة على النكاح، ولكن قد يقول قائل: إن المراد بالاستطاعة هنا: الاستطاعة المالية، لقوله: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن هذا يدل على أن المخاطب لديه قدرة بدنية لكن ليس عنده قدرة مالية، وقوله: «فليتزوج» هذه جواب «مَن»، وقُرنت بالفاء؛ لأن الجملة الواقعة جوابًا طلبية، وهي فعل مضارع؛ لأنها مقرونة بلام الأمر، «فليتزوج». «فإنه» أي: الزواج، «أغض للبصر وأحصن للفرج»، ولم يقال: وأكثر للولد، مع أنه أكثر للولد، لأن غالب الشباب أكبر همهم ما يكون به غض البصر وتحصين الفرج، ولهذا تجد اللذينَ يهنئونه بالزواج لا يتبادر إلى أذهانهم أنهم يهنئونه بأنه وجد حرثا يبذر فيه ويكون له أولاد، بل ربما يقولون: له تريث في الإنجاب لمدة سنتين أو ثلاث أو أربع، إنما يُهنئونه لأجل ما يكون به غض البصر وتحصين الفرج، ولهذا لم يذكر النيي ﷺ الفائدة العظيمة وهي كثرة الولد؛ لأنه يُخاطب الشباب، وأهم شيء لديهم هذان الأمران. «فإنه أغض للبصر» «أغض» يعني: أشد غضًّا للبصر، والغض هو النقص، يعنى: أنه يحجز البصر عن النظر إلى النساء، وهذا شيء مُجرب مشاهد، فالإنسان إذا تزوج غض بصره عن النظر إلى النساء، أما قبل ذلك فإنه يخشى أن يديم النظر إلى النساء بناء على ما جبله الله عليه من هذه الغريزة، وإن كان الإنسان قد يكون عنده من الإيمان ما يمنعه: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. لكن الكثير هو هذا. وقوله: «أحصن للفرج» أي: أمنع، ومنه سمي الحصن، لأنه يمنع من فيه، «أحصن للفرج» يعني: أمنع عن المحرم -عن الفاحشة- فإنه يمنع الإنسان من الفاحشة، ولذلك أمر النبي ﷺ الرجل إذا رأى من امرأة ما يعجبه أن يأتي أهله وقال: «إن ما معها مثل الذي معها»، يعني: مع أهلك مثل الذي كان مع التي أعجبتك. «ومن لم يستطع»، أين المفعول به؟ محذوف، تقديره: الباءة، «فعليه بالصوم»، «عليه» هنا جار ومجرور يُراد به: الإغراء؛ أي: فليلزم الصوم، والمراد بالصوم هنا: الإمساك عن الطعام والشراب تعبداً لله من طلوع الشمس إلى غروب الشمس؛ أي: أن المراد بالصوم هنا: الصوم الشرعي لا الصوم اللغوي، لأن الصوم اللغوي هنا لا معنى له؛ ولأن القاعدة المقررة أن يحمل كلام كل متكلم على عرفه، فإذا جاء الكلام من النبي ﷺ يُحَمل على العرف الشرعي لأنه مُشرع، لكن لو جاءنا من رجل لغوي حملناه على المعنى اللغوي.

стр. 2243

وقوله: «ومَنْ لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجَاء» «من لم يستطع»، أي: لم يستطع الباءة، وقلنا: إنه يُراد بها الجماع، ويُراد بها ما يحصل به الجماع من المال، والمراد بها هنا: ما يحصل به الجماع من المال؛ لقوله: «من لم يستطع»؛ إذ لا يصح أن يحمل، قوله: «من لم يستطع» على الجماع، لأن من لا يستطيع الجماع لا يحتاج إلى النكاح، لكن من لم يستطع المال الذي يحصل به الجماع «فعليه بالصوم»، «عليه» هذه جار ومجرور وهو بمعنى: فليلزم، فهو اسم فعل أمر بمعنى: فليلزم، والعرب تستعمل الجار والمجرور بمعنى اسم الفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: «فإنه له وجاء»، «إنه» أي: الصوم، «له» أي: لمن لم يستطع، «وجاء» أي: مانع يمنع من قوة الشهوة وثورانها، يعني: أن الصوم يقطع الشهوة، فيقل على المرء التعب من أجلها، هذا الحديث خاطب النيي ﷺ فيه الشباب؛ لأنهم أخرى به من الشيوخ، وذلك لأن الشباب هم الذين تتوافر فيهم هذه الشهوة، فلهذا وجّه الخطاب إليهم. فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: حسن خطاب النبي ﷺ حيث وجه الخطاب إلى من هم أولى به. ومن فوائده: أن الشاب القادر على الزواج يجب عليه أن يتزوج لقوله ﷺ : «فليتزوج» واللام للأمر والأصل في الأمر الوجوب، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القادر على الزواج يجب عليه أن يتزوج، لأن الأصل في الأوامر الوجوب، ولما فيه من المصالح العظيمة، وقال بعض أهل العلم: إن الأمر هنا للاستحباب، وعللوا ذلك بأن النكاح تعود مصلحته إلى الفاعل، وهي مصلحة جسدية متعلقة بالشهوة، فيكون الأمر للإرشاد، أي: للاستحباب، ولكن الصحيح أن الأمر للوجوب؛ وذلك لأن النكاح عبادة؛ لأن النبي ﷺ أمّر به، ولأنه من سنن المرسلين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ولقول النبي ﷺ وهو يتحدث عن حاله: «وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني». لكن الفقهاء ﵏ قسّموا النكاح إلى عدة أقسام فقالوا: إنه واجب وحرام ومكروه ومُباح ومسنون على حسب ما تقتضيه الحال، والأصل فيه عند الفقهاء السنية ولا يجب إلا لسبب، فما هو الواجب؟ قالوا: النكاح الواجب هو الذي يكون على من يخاف الزنا بتركه، فالذي يخاف الزنا إذا تركه يجب عليه أن يتزوج، والعلة لأن فيه وقاية من الوقوع في الحرام، والحرام واجب الاجتناب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا خاف ألزنا على نفسه

стр. 2244

وجب عليه أن يتزوج، وهذا جزء من القول الذي أشرنا إليه آنفا وهو وجوب النكاح على من استطاعة». لأن القائلين بالوجوب يقولون: يجب وإن لم يخف الزنا ما دام فيه شهوة فيجب عليه أن يتزوج. الثاني: ويكون حرامًا إذا كان في دار الحرب، يعني: مثلاً لو أننا كنا نقاتل الكفار ونحن في بلادهم فإن النكاح هنا يحرم؛ لأنه يخشى من استرقاق الولد ربما يستولي الكفار علي المسلمين ويسبوا ذريتهم فيسترقون أولادهم، وما لا يتم دفع الحرام إلا به فهو واجب، إذن فاجتناب النكاح واجب لكن قالوا: إذا كانت هناك ضرورة بأن خاف الزنا بتركه فإنه يجوز. الثالث: ويكره لإنسان فقير ليس له شهوة، لماذا؟ لأن هذا الزواج لا يستفيد منه إلا الإزهاق، يرهق نفسه بالإنفاق على زوجته ورعايتها، وهذا لا شك أنه شاق لا داعي له ما دام الرجل ليس فيه شهوة فلا حاجة للتزوج. الرابع: المباح، ويكون لإنسان له شهوة ولكن لا مال له، فهنا نقول: يُباح لك النكاح من غير وجوب أو استحباب، وذلك لأنك غير قادر على الباءة، فإذا تزوجت فهذا مُباح، لكنه ليس مستحبًا بل هُوَ من باب المباح، وكذلك الإنسان الذي عنده مال وليس له شهوة فالنكاح في حقه من قسم المباح؛ لأنه ليس فيه ما يدعو إلى النكاح لكن إذا تزوج صار فيه مصلحة، فالزوجة تخدمه وهو أيضًا يعف الزوجة ويحصل فيه مصالح. الخامس: المسنون، وهو الأصل؛ ولذلك نجد أن الأحكام الأربعة الأخرى كلها تحتاج إلى سبب يحولها من الاستحباب إلى الوجوب أو التحريم أو الكراهة أو الإباحة. من فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وبيانه لأمته، وهو أنه إذا ذكر الحكم ذكر علته؛ لأن ذكر العلة فيها فوائد ثلاث: الفائدة الأولى: بيان سمو الشريعة وعلوها، وأن أحكامها كلها مبنية على رعاية المصالح. الفائدة الثانية: زيادة طمأنينة المخاطب؛ لأن المخاطب إذا عرف الحكمة اطمأن إلى الحكم أكثر وصار في ذلك أيضا زيادة حث له، لمن؟ للمخاطب، لأنه إذا عرف الحكمة واطمأن فإن ذلك يزيده رغبة في هذا الحكم، ولهذا قوله ﷺ هنا: «أغض للبصر وأحصن للفرج»، لا شك أنه يرغب الإنسان في النكاح. الفائدة الثالثة: قياس ما شارك هذا المعنى أو المحكوم به في المعنى، فإننا إذا وجدنا هذه

стр. 2245

العلة في شيء آخر قلنا: هذا حكمه حكم الذي عُلل بهذه العلة، ووجه ذلك: أن الشريعة الإسلامية لكمالها واطرادها لا تفرق بين مُتماثلين كما أنها لا تجمع بين المتفرقين، فإذا كانت علة الحكم المذكور ثابتة في مكان آخر نقل حكم هذا المذكور إلى ذلك المكان الآخر؛ لأننا نعلم أن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين. ومن فوائد هذا الحديث: أن غض البصر مطلوب؛ لأنه إذا كان قد أمر بالنكاح من أجل غض البصر صار سبب الحكم أولى بالحكم من المسبب هذا بقطع النظر عن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] لكن نيد أن نأخذ الحكم من هذا الحديث. ومن فوائد الحديث: مشروعية تحصين الفرج لقوله: «وأحصن للفرج». ومن فوائد الحديث: تجنب كل ما يوجب إطلاق البصر أو وقوع الفرج في السواقط، وجه ذلك: أنه إذا أمر بالنكاح من أجل منفعة غض البصر وتحصين الفرج، فإن ما يوجب خلاف ذلك يكون منهيا عنه، ويتفرع على هذه القاعدة: أن الإنسان إذا وجد من نفسه افتتانًا لمطالعة بعض الصحف التي تشتمل على صور فإنه يجب عليه أن يتجنب ذلك؛ لأن هذا ربما يدعوه إلى إطلاق البصر أو إلى فعل الفاحشة نسأل الله العافية. ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على بعض الحكمة إذا كان المقام يقتضي ذلك، يُؤخذ من أن النبي ﷺ علل الأمر بالتزوج بأنه «أغض للبصر وأحصن للفرج»، مع أن فيه علة أخرى ينظر إليها الشارع نظرة هامة وهي كثرة النسل والأولاد، لكن لما كان يُخاطب الشباب، والشباب لا يهتم في أول الأمر إلا فيما يتعلق بالشهوة وتحصين الفرج وغض البصر علل بالعلة المناسبة للمخاطب وهم الشباب. ومن فوائد الحديث: حكمة الرسول ﷺ فيما إذا تعذر الشيء حسًا أو شرعًا فإنه ﷺ يذكر البديل عنه، لقوله: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» فإذا لم يمكنك القيام بالنكاح قدّرا لأنك معسرًا فعليك بالصوم. ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستقرض ليتزوج، وجه الدلالة: أنه قال: «من لم يستطع فعليه بالصوم»، ولم يقل: فليستقرض، أو فليستدن، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. يعني: بدون واسطة، لم يقل: حَتى يغنيهم الله بأي وسيلة، قال: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] وهذا لا يحصل إلا بالغنى، ويدل

стр. 2246

لذلك أيضا حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فلم يُردها، فقال بعض القوم: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال له النبي ﷺ : يسأله هل عنده صداق؟ قال: إزاري وليس له رداء، قال: إزارك إن أعطيتها إياه بقيت لا إزار لك، وإن استمتعت به لم يكن لها فائدة منك، إذن لا يصلح، فقال: «التمس»، فذهب الرجل يلتمس ما وجد ولا خاتم من حديد، قال: «معك شيء من القرآن؟ » قال: نعم كذا وكذا، قال: «مَلَّكْتكَها بما معك من القرآن»، ولم يقال له ﷺ : استقرض أو استدن، فدل هذا على أنه لا ينبغي لمن ليس عنده مؤنة النكاح أن يستقرض. لو قال قائل: ما هي الحكمة في أنه لا يستقرض، أليس هذا من مصالح الإنسان؟ نقول: بلى، ولكن الاستقراض ذل يكسب الإنسان ذلاً وانكسارًا، لا سيما إذا رأى من أقرضه فإنه يراه ويتصور أنه عبدٌ له، لذلك لم يُرشد النبي ﷺ من لم يجد أن يستقرض. ومن فوائد الحديث: تحريم الاستمناء الذي يسمونه العادة السرية، وجهه: أن النبي ﷺ لم يُرشد إليه عند عدم القدرة على الباءة، ولو كانّ جائزاً لأرشد إليه؛ لأنه أهون من الصوم بلا شك، ولأن الإنسان يجد فيه متعة، والصوم لا يجد فيه إلا ألم الجوع والعطش بخلاف هذا الفعل، وإذا كان من عادة النبي ﷺ أنه لم يخيّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمّا كان في ذلك دليل على أن الاستمناء في إثم لأنه أيسر الأمرين من الصوم أو الاستمناء، فلما لم يختره علم أنه إثم. النهي عن التبتل: ٩٢٥ - وعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اَللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَقَالَ: لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأَتَزَوَّجُ اَلنِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه. هذا الحديث له سبب وهو أن ثلاثة نفر من أصحاب النبي ﷺ لشدة رغبتهم في الخير جاءوا إلى أزواج النبي ﷺ يسألونهن عن عمله في السر، يعني: في بيته، فأخبروا بذلك فكأنهم تقالوا هذا العمل، وقالوا: إن النيي ﷺ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، ولكننا نحن لسنا كذلك، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: أنا لا

стр. 2247

أتزوج النساء، غرضه بذلك أن ينقطع عن الزواج إلى العبادة، هكذا قالوا اجتهادًا منهم، فلما علم النبي ﷺ بذلك قام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ذكره المؤلف؛ وذلك لأن هذا المبدأ الذي ابتدعه هؤلاء مبدأ خطير يشبه مبدأ النصارى الذين ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم، لكن يبتغون بذلك رضوان الله، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ثم بعد ذلك عجزوا، وهكذا كل إنسان يشدد على نفسه لابد أن يعجز في النهاية. المهم: أن هؤلاء جاءوا إلى النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه كعادته في خطبه أنه كان يحمد الله ويثني عليه: «الحمد لله» مثل أن يقول: الحمد لله هذا حمد، «الثناء»: أن يكرر صفات الكمال؛ لأنه مأخوذ من الثُنيا، وهى العودة بعد البدء، قد يطول وقد لا يطول. ثمّ قال: «لكني أنا أصلي وأنام»، هذا هديه، وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. ﴿أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ يعني: فوق النصف بقليل، ﴿وَنِصْفَهُ﴾ النصف ﴿وَثُلُثَهُ﴾ دون النصف، فهو ﷺ لا يُكمل الثلثين قائمًا إلا في رمضان، فإنه إذا دخل العشر الأواخر من رمضان كان يقوم الليل كله، لكن هذا عارض، إنما هديه الدائم هو هذا، ومع ذلك فكان ينام في آخر الليل كما في صحيح البخاري أنها قالت: ما ألفيته سَحَراً إلا نائمًا؛ يعني: أنه ينام قليلاً في آخر الليل، وقد بين ﷺ أن أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. وقوله: «أصلي وأنام»، هذا في ليلة واحدة، أحيانًا يقوم كل الليالي، يعني: كل ليلة يقوم حتى يُقال: لا ينام، وأحيانا ينام حتى يُقال: لا يقوم، وسبب ذلك أنه ﷺ كان يتعبد لله بما هو أصلح، إلا الفرائض فإنه لا يخل بها، لكن النوافل يتعبد لله بما يكون أصلح أحيانا يكون الأصلح، إذا جاءه ضيف يحتاجون إلى إكرام وسهر معهم في أول الليل ولم يقم صار هذا أفضل، كما شغله الضيف عن سنة الظهر فلم يصلها إلا بعد العصر، أحيانا يعرض له مسألة من مسائل العلم يحقق فيها في أول الليل وينام في آخره هذا أيضا أفضل، المهم: أن ما عدا الفرائض فإنه يُرجع فيه إلى الأصلح، فإن تساوى فإن كل نافلة تبقى على وظيفتها. يقول: «وأصوم وأفطر»، وكان ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يُبالي أصامها في أول الشهر أم في وسطه أم في آخره هذا ثابت، وربما صام يوم الاثنين والخميس، وكذلك يصوم في الأيام التي يُندب صيامها كيوم عرفة ويوم عاشوراء، وَقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع».

стр. 2248

فالحاصل: أنه كان يصوم ويفطر، وقد ثبت عنه ﷺ أن أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا قال ذلك لعبد الله بن عمرو بن العاص الذي بلغه أنه قال إني أقوم ولا أنام، وأصوم ولا أفطر، ولكن الرسول ﷺ بين له أن هذا ليس من السنة، وما زال يحَاططه حتى أذن له أن يصوم يومًا، ويُفطر يومًا، قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أفضل من ذلك»، يعني: لا شيء أفضل من صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فلما كبر عبد الله بن عمرو قال: ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ ، وشق عليه الصوم حَتَّى صوم يوم وفطر يوم، فكان يجمع الخمسة عشر يومًا جميعًا يصومها ويفطر خمسة عشر يومًا. يقول: «وأتزوج النساء»، يعني: ولا أتبتل خلافا لهؤلاء الرهط، وتزوجه للنساء ﷺ كما يتزوج الرسل من قبله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. ثم إن تزوجه للنساء ليس تزوج تشه ولهذا لم يتزوج امرأة بكرًا إلا عائشة، ولو شاء أن يتزوج ما شاء من الأبكار لحصل له ذلك، لكنه ﷺ إنما يريد بزواجه مصالح شرعية عظيمة سوى قضاء الوطر، وقد حبب الله إليه النساء فقال ﷺ : «حُبِّب إليّ من دُنياكم النساء والطِّيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة». وذلك لأجل المصلحة العظيمة لأجل أن يكون له من كل قبيلة وبطن من العرب صلة؛ لأن الصلة بالنسب إذا فقدت تأتي الصلة بالصهر كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، فالصهر قسيم النسب في باب التواصل بين الناس، فكان ﷺ قد حُبّب إليه النساء، وأعطي قوة ثلاثين رجلاً، وكان يتزوج النساء من أجل الاتصال بين قبائل قريش وبطون قريش، ثم ما يحصل لهؤلاء الزوجات من الفضل والمناقب باتصالهن برسول الله ﷺ ثمّ ما يحصل من العلم الكثير الذي لا يفعله الرسول ﷺ إلا في بيته، فإن هذا العلم إنما نشره بين الأمة زوجاته؛ لأنهن يعلمن ذلك، فالمهم: أن من هدي الرسول أن يتزوج النساء. قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مِنِّي» أي: زهد فيها وتركها، وسنته هنا أي: طريقته، أي: مَن رغب عن طريقته في كونه يصوم ويفطر، ويُصلي وينام، ويتزوج النساء «فليس مني»، أي: فأنا بريء منه، وصدق النيي ﷺ ، لأن هذا هو مقتضى الفطرة الذي يرغب عن سنتك لا شك أنه مُفارق لك، وانه لا صلة بينك وبينه والذي يرغب في سنتك هذا هُوَ الموالي لك، ولهذا كان من أعظم الولاء أن يكون الإنسان موافقا لمن تولاه في أفعاله وأقواله وهو شيء مشاهد،

стр. 2249

حَتَّى إن الإنسان إذا أحب شخصنا صار يقتدي به وينظر ماذا يفعل فيفعل مثله فكذلك الولاية من أراد أن يكون من أولياء الله ورسوله فليسلك ما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ . وقوله: «من رغب عن سنتي»، «رغب» تتعدى بـ «في»، وتتعدى بـ «عن»، فإن تعدت بـ «في» فهي للطلب، وإن تعدّت بـ «عن»، فهي للهرب؛ يعني: إذا قلت: رغبت في كذا فأنت تطلب، «رغبت عن»: تهرب منه لا تريده هنا «من رغب عن سنتي»، أي: هرب منها وتركها وزهد فيها، «فليس مني»، أي: ليس ممن ينتسب إلى لأن الذي ينتسب إليه حقًا هُوَ الذي يأخذ بشريعته ﷺ . في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: محاربة الإسلام للرهبانية، يؤخذ ذلك من كون النبي ﷺ أنكر على هؤلاء التبتل والعبادة الشاقة من صوم أو صلاة. ومنها: أن العبادة قد تكون مكروهة لا لذاتها ولكن لما يعرض لها من وصف، فالصلاة من أحب الأعمال إلى الله ومع ذلك إذا التزم بها الإنسان على هذا الوجه صارت إما محرمة أو مكروهة على الأقل ويتفرع على هذه الفائدة: ما يُطنطن به أهل البدع الذينَ إذا أنكرت عليهم بدعة ميلاد الرسول ﷺ قالوا كيف تنكر علينا، أنت ترغب عن الصلاة على الرسول ﷺ أو ترغب في الصلاة عليه؟ أرغب في الصلاة عليه لكن أرغب عن البدعة، هل هذه الصلاة التي أحدثتموها وهذا الثناء على الرسول ﷺ في هذه الليلة هل هذا مما شرعه الرسول؟ لا، إذن يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة، فالمهم: أن هذا الحديث يتفرع على فائدته أن کل ما كان مخالفًا للرسول ﷺ فهو بدعة وإن كان أصله مشروعا وعبادة. ومن فوائد الحديث: مبادرة النبي ﷺ لإبطال الباطل؛ لأنه من حيث ما ذكروا له ذلك قام وخطب ونهى عنه، ويترتب على هذا أن نقتدي به وأن نُبادر بإنكار الباطل؛ لأن الباطل إذا سرى وانتشر صار انتشاله صعبا، لكن في أول أمره يسهل. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي إعلان الإنكار إذا دعت الحاجة إلى ذلك بحيث يكون هذا المُنكر منتشراً وجهه: أن النبي ﷺ خطب الناس مع أنه بإمكانه أن يكلم هؤلاء وينهاهم عما أرادوا ولكنه خاف أن ينتشر. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي البداءة في الخطبة -ولو كانت عارضة- بالحمد والثناء، وهذا كان هدي النبي ﷺ أنه يبدأ خطبه بالحمد والثناء، واختلف العلماء ﵏ في خطبتي العيد هل تبدئان بالحمد والثناء أو بالتكبير، على قولين في هذه المسألة، والأرجح أنهما يبدئان بالحمد والثناء، وإن كان التكبير فيه حمد وثناء؛ لأنك تقول: «الله أكبر الله أكبر لا

стр. 2250

إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، لكن ليس هذه صفة الخطب التي كان الرسول ﷺ يقوم بها. ومن فوائد الحديث: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الدين اليُسر لقوله: «أصلي وأنام، وأصوم وأفطر». ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه في العبادة؛ وذلك لأن الرسول ﷺ بين منهاجه وسيرته في عبادته أن يجمع بين راحة البدن وبين عبادة الله ، حَتّى إن الإنسان لو كان يُصلي في الليل وأتاه النوم فإنه مأمور بالكف عن الصلاة والرقاد. هكذا أمر النبي ﷺ ، وبين ي ﷺ علة ذلك قال: «ربما يذهب ليدعو لنفسه فيسبها» وهذا صحيح، ربما تريد: «رب اغفر لي» فتقول: رب أهلكني، لأنك نائم! ! فعلى كل حال أنموذج من أنه ينبغي للإنسان ألا يشق على نفسه في العبادة. ومن فوائد الحديث: مشروعية الصوم على وجه الإطلاق لقوله: «أصوم وأفطر»، وهذا يشمل الصوم المطلق والصوم المعين المقيد كصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من الشهر، وأيام البيض، وستة أيام من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء. ومن فوائد الحديث: مشروعية النكاح؛ لأنه هدي النبي ﷺ لقوله: «وأتزوج النساء». فإذا قال قائل: هذا فعل تقتضيه الفطرة والطبيعة البشرية فهو كالأكل والشرب فلا يكون مشروعًا في حد ذاته؟ فالجواب عن ذلك أن يُقال: بينهما فرق؛ لأن النبي ﷺ ساق الحديث هنا على أن هذا هديه وسيرته، ولم يقل: وآكل وأشرب، وأيضا النكاح يترتب عليه مصالح متعددة، منها: مصلحة الزوجة والأولاد الذين سيقوم بتربيتهم والإنفاق عليهم فليس كالأكل والشرب. ومن فوائد الحديث: أن من رغب عن سنة الرسول ﷺ فليس منه لقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني»، وهذا يدل على أن من رغب عن سُنة الرسول فقد أتى كبيرة، لأن من علامة الكبيرة على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن يتبرأ الشارع من فاعلها، ولكن يجب أن نعلم أن ترك السُنة ينقسم إلى قسمين: ترك رغبة عنها، وهذا هُوَ الذي يُعَدُّ من الكبائر، وترك تهاون بها، أي: أنه يتهاون في فعلها دون الرغبة عنها ويرى أنها مشروعة ويحبها لكن يتكاسل، يعني: يدعها كسلاً، الثاني لا يكون فعله كبيرة إلا إذا كان ما فعله كبيرة، أما مجرد أن يترك المسنون فهذا ليس بكبيرة.

стр. 2251

لكن لو ترك رفع اليدين مثلاً عند تكبيرة الإحرام زهدًا في السُنة ورغبة عنها ماذا نقول؟ هذه كبيرة، أما لو تركها تهاونًا -يعني: كسلاً- فهذا ليس بكبيرة ولا يأثم بها، ففرق بين الذي يتركها رغبة عنها؛ لأن الذي يتركها رغبة عنها يكون قد حمل كراهة لها وبعدًا عنها، فيكون ما قام في قلبه هو الذي أثر فيه حتى جعل تركه للسنة كبيرة. وقد يقول قائل: إن قوله: «من رغب عن سنتي» أي: عن سنته الواجب فعلها؟ فيقال: حَتَّى ولو حمل الحديث على هذا الوجه فإن ترك الواجب لا يُؤدي إلى الكبيرة إلا على حسب الحجم الواجب وأهميته، لكن الرغبة عن السنة -أعني: تركها زهداً فيها- لا شك أنه كبيرة، يعني: لو قيل: لماذا لم تفعلها؟ قال: لا أريد أن أفعلها هذه ليست بشيء، ويقع في نفسه شيء من الزّهد فيها. ومن فوائد الحديث: أن من اشتد تمسكه بالسُنة فهو من الرسول ﷺ ، لكن منه حسا أو معنى؟ معنى، بمعني: أنه تابع له تمام الاتباع، فكلما تمسكت بسنة الرسول ﷺ كنت أولى الناس به، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ومن فوائد الحديث: أن السنة تطلق على الطريقة، فتشمل الواجب والمستحب، ما تقولون فيمن ترك الزواج رغبة عن السنة؟ يكون آثمًا، نعم وفاعلاً لكبيرة، أما من تركه وحشة منه وهيبة فإن هذا لا يكون قد أتى كبيرة، ومن تركه خوفا من الفقر نقول هذا سوء ظن بالله؛ لأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، فأنت إذا تزوجت فتح الله لك باب رزق يكون رزقا لزوجتك وليس الزواج سببًا للفقر. الحث على تزوج الولود الودود: ٩٢٦ - وعنه ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويوقل: تزوجوا الولود الودود. فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة». رواه أحمد، وصححه ابن حِبان. - وله شاهد عند أبي داود، والنسائي، وابن حِبان أيضًا من حديث معقل بن يسار. قوله: «عنه»، أي: عن أنس، وقوله: «كانّ»، يقول الأصوليون: إن «كان» كان خبرها فعلا

стр. 2252

مضارعًا فهي تدل على الدوام غالبًا، فإذا قلت: كان يفعل كذا؛ فهو يعني: أن هذا من شأنه غالبًا وليس دائمًا، والدليل على ذلك أنه ليس دائمًا أن من الصحابة من يقول: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية، وآخرون يقولون: كان يقرأ بالجمعة والمنافقين، ولو قلنا: إن «كان» تفيد الدوام دائمًا لكان بين الحديثين تعارض، ولكن هذا يدل على أن «كان»، تفيد الدوام غالبًا، ثم هل هذا مستمر أو غير مستمر؟ هذا يُؤخذ من دليل آخر. قال: «كان يأمرنا بالباءة»، وهي النكاح لقوله ﷺ : «من استطاع منكم الباءة ... » إلخ، «وينهى عن التبتل»، الأمر والنهي ضدان؛ لأن الأمر طلب الفعل، والنهي: طلب الكف فهما ضدان. وقوله: «التبتل» يعني: الانقطاع عن النكاح ينهى عنه نهيًا شديدًا، يعني: أنه يشدد في النهي عنه. ويقول -إضافة إلى الأمر بالباءة-: «تزوجوا الولود ... » إلخ. الأمر هنا بصفة من يطلب تزوجها من النساء، «الودود» يعني: كثيرة المودة التي تتودد للزوج؛ لأن من النساء من يتودد للزوج بلين الكلام والتجمل وغير ذلك من أسباب المودة، ومن النساء من تكون بالعكس، بعض النساء اذا دخل زوجها وصدره ضائق فعلت ما يوسع صدره حتى يسر ويزول عنه ضيق الصدر، وبعض النساء إذا دخل زوجها وهو ضائق صدره كتمت في وجهه فزادته بلاء وسوء، الأولى نسميها ودودًا والثانية نسميها بغوضًا، الثانية في الحقيقة تُوجب أن يبغضها زوجها، فالرسول ﷺ أمر أن نتزوج الودود، والحكمة من ذلك ليس هو الاقتصار على السعادة الزوجية فقط، بل الحكمة من ذلك: أن الإنسان إذا ودُ زوجته أحب ملاقاتها، وبملاقاتها يكثر النسل: ولهذا قال بعده: «الولود» يعني: كثيرة الولادة، ومن المعلوم أن النساء يتزوجن أبكارا وثيبات، الثيب معروف أنها كثيرة الولادة، لأنها سبق أن ولدت مثلاً، والبكر غير معروفة بكثرة الولادة في نفسها لكنها تُعرف بكثرة الولادة بأقاربها، وذلك لأن الوراثة كما تكون في الخلق الظاهر تكون كذلك في الخلق الباطن، وكذلك تكون في الخصائص الجسدية، فإذا كانت المرأة من أناس تُعرف نساؤهم بكثرة الولادة فهي ولود، ولو كانت بكرا اعتبارا بحال قريباتها. وقوله: «فإني مكاثر» يعني: مُباه بكم الأنبياء أينا أكثر هو أو غيره، ومن المعلوم أن أتباع النبي ﷺ أكثر الأتباع وأنه لا نبي أكثر أتباعا منه، وفي الرؤيا التي أريها النبي ﷺ فعُرضت عليه الأمم ورأى النبي معه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، رفع له سواد عظيم فظن أنه أمته، فقيل له: هذا موسى وقومه، ثم رفع رأسه فإذا سواد عظيم قد سدّ الأفق أكثر من الأول، فقيل: هذه أمتك. وقال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»، وكل الأمم نصف، وهذه

стр. 2253

الأمة نصف، وأخبر أن الجنة مائة وعشرون صفا، وأن هذه الأمة ثمانون صفا، فتكون هذه الأمة بمقدار الثلثين، لكن كيف تكون مقدار الثلثين لابد من سبب من أسباب ذلك كثرة النسل في الأمة، فإذا كثر النسل في الأمة كثرت الأمة. يُستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: وجوب النكاح لقوله: «يأمرنا بالباءة»، والأصل في الأمر الوجوب، ويؤيد ذلك أنه ينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، والتبتل ضد النكاح، فإذا كان ينهى عنه تهيا شديدا صار الأمر بالباءة أمرا أكيدا، وهذا القول هو الراجح أن النكاح واجب على الإنسان لكن بشرط القدرة، فإن لم يكن قادراً فإنه لا يجب لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ومن فوائد الحديث: النهي عن التبتل، فالإنسان لا يتبتل حَتَّى لو فرض أنه تزوج وأتى بالواجب ثم ماتت زوجته أو طلق فإنه يُنهى أن يتبتل، لأن بعض الناس ربما يتدين بعد زواجه ثم يقول: ما لي وللنساء، فيطلق زوجته، فنقول له: هذا حرام عليك أن تتقرب إلى الله بترك النكاح، لأن النبي ﷺ قال: «من رغب عن سنتي فليس مني»، ونهى عن التبتل نهيا شديدا. وَمِنْ فوائد الحديث: أن النهي ينقسم إلى شديد وخفيف، فالنهي الخفيف يقتضي الكراهة، والشديد يقتضي التحريم. ومن فوائد الحديث: أن الأوامر والنواهي تتفاضل فبعضها أوكد من بعض، يعني: بعض المنهيات أو بعض المأمورات أوكد من بعض؛ لقوله: «ينهى نهيًا شديدًا»، وقد عرفتم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، والصغائر تتفاوت، وكذلك الكبائر تتفاوت. ومن فوائد الحديث: مشروعية انتقاء المرأة الودود الولود، فإن قال قائل: إذا تعارضت الموادة والولادة مع الدين فأيهما يقدم؟ الدين، لأن النبي ﷺ قال: «اظفر بذات الدين تربت يمينك». ومن فوائد الحديث: أنه كلما كانت المرأة أقوى ودًا للرجل كان ذلك أسعد للحياة، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. لتقوي ذلك السكون وهو كذلك، ووجهه: أن المودة محلها القلب، والقلب مُدّبر الأعضاء، فإذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت، وإذا أحب أحبت، وإذا كره

стр. 2254

كرهت، فهو المدبر، فإذا ألقى الله الودّ بين المرأة وزوجها حصل لهما من الألفة والسعادة ما لا يحصل لو كان الأمر بالعكس. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ يُباهي الأنبياء بأمته لقوله: «فإني مكاثر بكم»، ولهذا ذكر العلماء من فوائل النكاح: تحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته، ونحن يسعدنا كثيرًا أن نسعى لما يحقق رغبة النبي ﷺ ومباهاته بأمته. ومن فوائد الحديث: تشوف الشارع إلى كثرة الأولاد لقوله: «الولود»؛ وذلك لأن كثرة الأولاد عزّ للأمة واستغناء بنفسها عن غيرها وهيبة لها، وقد مَنْ الله على بني إسرائيل بالكثرة فقال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ [الإسراء: ٦] وذكر شعيب قومه بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦: ]. ويتفرع على هذا: أن الدعوة إلى تقليل النسل هي دعوة من كافر يريد تقليل الأمة الإسلامية أو جاهل لا يدري ماذا يترتب على كثرة النسل، أو إنسان ليس له هم إلا الشهوة يريد أن تتفرغ زوجته لقضاء وطره منها وليس يسائل أن يكثر الأولاد أو يقل الأولاد، ونحن نشاهد كثيرًا من الناس اليوم مع الأسف يحرصون على تقليل الأولاد يقولون: لأن هذا يمتع الإنسان بزوجته أكثر وتتفرغ الزوجة لزوجها أكثر، وإذا كانت موظفة تتفرغ لوظيفتها أكثر وهذا كله نظر قاصر، فالأولاد كلهم، خير ويفتح الله عليك من أبواب الرزق ما لا يخطر على بالك بسبب أولادك، لأن الله يقول: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. حتى صار بعضهم يستعمل ما يُعرف عند النساء بحبوب منع الحمل، وهذه ضارة من الناحية الطبية ومانعة لمقصود الشرع من كثرة النسل. ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي ﷺ على تكثير أمته؛ لأنه أمر وعلل؛ أمر بتزوج الولود الودود، وعلل ذلك بأنه يكاثر بهذه الأمة الأنبياء يوم القيامة. ومن فوائده: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يتباهون أيهم أكثر تابعًا، لماذا؟ لأنه كلما كثر أتباع النيي كثر أجره لأنهم إذا اتبعوه وعملوا بشريعته فإن له أجر هذا العامل: «من سَنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». قوله: «وله شاهد ... » إلخ، الشواهد والمتابعات تُقوي الحديث، فالمتابعات متابعة الراوي في السند إلى منتهاه، والشواهد أن يأتي حديث بمعنى الحديث المشهود له لكن من طريق آخر، فهنا حديث معقل بن يسار والأول حديث أنس، فالشاهد يكون بمعنى الحديث المشهود له، والمتابعة تكون في السند، وقسمها العلماء إلى متابعة قاصرة ومتابعة تامة، فإن كانت في

стр. 2255

شيخ الراوي فهي متابعة تامة، وإن كانت فيمن فوقه فهي متابعة قاصرة، مثال ذلك: حدّثنا واحد عن اثنين عن ثلاثة عن أربعة عن خمسة، وواحد ضعيف فيأتي إنسان ويقول حدثنا شخص آخر غير رقم واحد عن اثنين عن ثلاثة عن أربعة عن خمسة فهذا المتابع يُوافق المتابع في شيخه، نقول: هذه متابعة تامة؛ لأنه تابعه في السند كله، فإن جاء واحد وقال: حدثني فلان عن رقم ثلاثة عن أربعة عن خمسة هذه متابعة قاصرة، والغرض منها تقوية رواية هذا الضعيف، والشاهد تقوية الحديث كله، ولا نحتاج إلى المتابعات والشواهد إلا في الأحاديث الضعيفة؛ لأن الأحاديث الصحيحة لا تحتاج لشاهد ولا مُتابع، لكن لو وجد شاهد قواه بلا شك إنما نحتاج في الأحاديث الضعيفة إلى شاهد أو مُتابع من أجل أن يرتفع إلى درجة الحسن. تنكح المرأة لأربع: (٩٢٧) - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ﵁، عن النبي ﷺ قَالَ: «تُنكَحُ الْمَرْأةً لأربعة: لمَالهَا، وَلحَسُبها، وَلجَمَالها، ولدينها، فَاظفر بذات الدين تربتْ يَدَاك». مُتَفَق عليه مَعَ بقية السَّبْعَةِ. «تنكح» خبر وليست أمرًا يعني: أن أغراض الناس في النكاح تتنوع، والغالب أنها تكون لهذه الأغراض الأربعة: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها. «لمالها»، مثل: أن تكون امرأة عجوز لكنها عندها مليارات يتزوجها الثاني لمالها؛ لأنه يترقب موتها بين عشية أو ضحاها، وإذا لم يكن لها أولاد يأخذ النصف، وإن قيل بالردّ على الأزواج -وهو قول ضعيف- أخذ جميع المال، لكن الصحيح أنه لا يرد على الزوجين. «ولحسبها» وهذه في القبائل، معروف أن القبائل بعضها يختلف عن بعض في الشرف والخسة، فيأتي إنسان وضيع من حيث الحسب فيتزوج من قبيلة رفيعة من أجل أن يرفع نفسه وذريته؛ لأنه إذا تحدّث الناس وقالوا: فلان تزوج من آل فلان ارتفع قذره وأولاده أيضا ترتفع أقدارهم؛ لأنه يقال: هؤلاء أخوالهم بنى فلان. الثالث: «لجمالها»، يعني: لأن المرأة جميلة ليست ذات مال ولا ذات حسب، لكن جميلة فيتزوجها لجمالها حتى لو لم تكن ذات حسب.

стр. 2256

والرابع: «لدينها» امرأة دَينة، ولاسيما إن كانت ذات علم يتزوجها لذلك؛ لأنه يحب أن يتزوج امرأة تعينه على طاعة الله، والمرأة الدّينة تُعين على طاعة الله وتقوم بحق الزوج على الأكمل وتسايره في أموره، حَتَّى إن بعض الدّيِّنات إذا رأت من زوجها رغبة في امرأة أخرى ذهبت هي تخطب له، لكن لو تأتي امرأة غير دينة وحلم بالليل أنه يتزوج يمكن أن تقيم عليه الدُّنيا كما هُوَ الواقع إلا من شاء الله! لكن أنا حُدّثت عن بعض الدينات أنهن يخطبن لأزواجهن، لأن صاحبة الدين لا تغدر بك إطلاقًا إن غبت حفظتك، إن أسررت إليها لم تخنك في سرك ولا في مالك ولا في أولادك ولا في أهلك، ولذلك قال: «فاظفر بذات الدين» يعني: اجعلها بمنزلة الغنيمة التي يظفر بها واجدها، و «ذات الدين»، أي: صاحبة الدين، وثق أنك إذا لزمت هذه الوصية من أنصح الخلق لك، فإنه ربما تنقلب هذه المرأة الدينة وإن كانت قليلة الجمال تقلب فتكون في عينيك أجمل النساء، ولاحظوا أن الجمال ليس كل شيء أحيانا تكون المرأة جميلة، لكن يجعلها الله في عين زوجها غير جميلة، فتجد الناس يتحدثون عن جمالها لكنها عنده ليست بجميلة فإن القلوب بيد الله فإذا أخذت بهذه الوصية فالعاقبة بلا شك حميدة كأنك تستشير الرسول ﷺ فيشير عليك بأن تتزوج امرأة ذات دين. وقوله: «تربت» يعني: التصقت بالتراب، أو امتلأت ترابًا، أو علق بها التراب، والمعاني كلها متلازمة. المعنى: أنك افتقرت؛ لأن من لا تجد يده إلا ترابا فهو فقير، ولكن هذه الكلمة تُطلق على الألسن ولا يُراد بها معناها ومدلولها، وإنما يُراد بها الحث والترغيب على فعل الشيء، وقيل: إنها على تقدير شرط محذوف تقديره: تربت يداك إن لم تظفر بها، فعلى هذا المعنى الثاني تكون جملة دعائية، أي: أن الرسول ﷺ دعا على من لم يظفر بذات الدين بهذا الدعاء، أما على الأول فهي جملة إغرائية، يعنى: يراد بها إغراء المرء على هذا الأمر، ومثلها قول النَّبِي ﷺ لمعاذ بن جبل: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يُكب الناس في النار على وجوههم ... ».إلخ. «ثكلتك» يعني: فقدتك، والرسول ﷺ لا يدعو على المرء بأن تفقده أمه لكنها جملة إغرائية، وقيل: إنها جملة دعائية على تقدير محذوف، أي: إن لم تفهم على كل حال تربت يداك، أي: التصقت بالتراب أو امتلأت به أو علق بها التراب وهو كناية عن الفقر. في هذا الحديث: دليل على أن أغلب أغراض الرجال في هذه الأمور الأربعة المال والحسب والجمال والدين.

стр. 2257

ومن فوائده: أنه لا حرج على المرء إذا تزوج المرأة لمالها، لأن النبي ﷺ أقر هذا الرجل ولم ينكر عليه، لكن رغب في ذات الدين. وكذلك من فوائده: أنه لا بأس أن يتزوج الإنسان المرأة لحسبها ليرتفع بها حسبه وليرتفع بها حسب أولاده أيضًا. ومن فوائد الحديث: أن المرأة قد يتزوجها الإنسان لجمالها، وأنه لو تزوجها لجمالها فلا حرج عليه، وربما يكون الإنسان من عشاق الجمال فلا يغض بصره إلا ذات جمال، لأن الرجال يختلفون اختلافا كثيرًا في هذا الباب. ومن فوائد الحديث: أن المرأة يجوز أن يتزوجها الإنسان من أجل الدين، حَتَّى وإن لم يكن له غرض في النكاح إلا دين المرأة فإنه يجوز أن يتزوجها لأجل الدين. ومن فوائد الحديث: أن أعلى هذه الأغراض أن يتزوج المرأة لدينها لقوله: «فاظفر بذات الدين تربت يداك». ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على قبول وصية النبي ﷺ في الحرص على ذات الدين، وإن كان غالب الناس اليوم إنما يسألون عن الجمال وإن كان بعضهم يتزوج لمالها وحسابها، وهل هذه الأغراض منحصرة في ذلك؟ لا، تقدم الحديث الذي قبله الذي يقول فيه: «تزوجوا الودود الولود»، فقد يتزوج الإنسان امرأة؛ لأنها من نساء معروفات بالتودد لأزواجهن، فهو يريد امرأة تصفو معها حياته بالتودد لأزواجهن والتراضي واتباع ما يهواه الزوج، وكذلك الولود كما سبق، وقد يتزوج الإنسان المرأة للتعلم، وذلك بأن تكون امرأة معها علم قد أخذت الشهادة العالية والرجل معه شهادة ثالث ابتدائي يتزوجها للتعلم، هذا صحيح، وقد يتزوجها من أجل حضانة أولاده كأن تكون أم أولاده قد ماتت فيتزوجها من أجل حضانة الأولاد. فأغراض الرجل كثيرة ومختلفة، لكن الرسول ﷺ ذكر الأغراض الغالبة، المهم: أن الإنسان متى تزوج المرأة لغرض مقصود شرعا فإنه جائز، ولكن أحسن ما يكون يتزوجها للدين، لو تزوجها للغناء امرأة مغنية وهو رجل طروب يحب الغناء؟ هذا حرام إلا إذا كان الإنسان يريد أن يتزوج هذه المرأة من أجل أن يدعوها إلى الخلاص من هذا الشيء ولكن نخشى أن يُفتن.

стр. 2258

الدعاء لمن يتزوج: ٩٢٨ - وعنه ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفأ إنسانًا إذا تزوج قال: «بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير». رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان. «كانَ إذَا رَفَأ»، أي: دعا له عند زواجه قال كذا وكذا، وأصله من رفأ الثوب: إنا وصل بعضه بعض، يعني: إذا خاطه ووصل بعضه بعض، وكانوا في الجاهلية إذا رَفأ بعضهم بعضا قالت بالرفاء والبنين، بالرفاع يعني: بالصلة، والبنين يعني: الذكور، أي: أدعوا لك بالرفاء، وأدعو لك بالبنين، وذلك لأنهم كانوا يكرهون البنات: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]. وكانوا في الجاهلية إذا ولدَ له أنثى وأدوها، والعجب أنهم يكرهون البنات ويجعلونها لله ويقولون: إن الملائكة بنات الله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]. «إذا تزوج» يعني: إذا عقد له على امرأة سواء حصل الدخول أم لم يحصل، يعني: لو عقد له على امرأة ولم يكن دخول شرع هذا الدعاء وإن خطب امرأة وأجيب فإنه لا يُشرع هذا الدعاء، لأنه لم يكن تزوج من بعد، والحديث يقول: «إذا تزوج». وقوله: «إذا رَفَأ إنسانا» المراد به: الذكر، وربما يقال للأنثى من صاحباتها وزميلاتها يقول: «بارك الله لك» أي: في أهلك، أي: وضع البركة فيك، والبركة تشمل البركة في العلم والبركة في الأخلاق، كما تشمل البركة في الرعاية، والبركة في الأولاد، أي: أن كل ما يمكن أن يكون فيه بركة فهو داخلي في هذا، إذن معنى هذا: يبارك الله لك في أهلك بكثرة الأولاد يبارك في أهلك بالخلق والرعاية الحسنة، يبارك في أهلك بالاستمتاع المهم بارك لك في كل ما تأتى في البركة، والبركة قال العلماء: هي الخير الكثير الثابت، لأنه مأخوذ من البركة أي: بركة الماء، وبركة الماء كما نعلم كثيرة وثابتة، كثيرة الماء ليس كالماء الذي في الإناء، وثابتة أيضا لأنها لا تجري. وقوله: «وبارك عليك» أي: أنزل عليك البركة لأهلك، فإذن يكون الرسول ﷺ دعا للرجل فى أهله ولأهله فيه، «بارك عليك»، وهل يمكن أن يُقال: إن البركة هنا عامة بالنسبة لأهله وله، يعني: بارك الله لك في كل شيء وبارك عليك في كل شيء؟ قد يقال: إنها عامة، وقد قال: إنها خاصة، والذي يخصصها هي قرينة الحال، لأن الدعاء له مناسبة فينزل على هذه المناسبة،

стр. 2259

ولهذا نجد أن اللين يباركون للمتزوج لا يخطر في بالهم أن يُبارك له في ماله، وإنما يقصدون أن يبارك له في أهله، فإذن يمكن أن نقول: إن العموم هنا لا يُراد وإن كان اللفظ صالحا له؛ لأن قرينة الحال تقتضي تخصيصه. «وجمع بينكما في خير» أي: بينك وبين أهلك في خير ديني ودنيوي، فيشمل كل ما يمكن من الخير، فهذه ثلاث جمل: «بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير». ترفئة الجاهلية كم؟ اثنتان قاصرتان لفظا ومعنى، ومن العجب أن بعض السفهاء منا إذا رفا أحدا قال: بالرفاء والبنين عودًا على الجاهلية، ومثل هذا لا يجوز، لأن استبدال اللفظ الإسلامي الذي وضعه النبي ﷺ إلى لفظ جاهلي منسوخ يدل على رغبة الإنسان عن السنة لكن الغالب على هؤلاء أنهم جهال لا يعرفون ما قاله الرسول ﷺ ولا يدركون خطورة إرجاع الناس إلى الجاهلية فهذا خطر عظيم، ولهذا يجب أن تمُحي كل ما يتعلق بأمور الجاهلية مما لا يقره الإسلام، كما قال النبي ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». إذن في هذا الحديث بحث: أولاً: «بارك الله لك»، هل هو خبر أو إنشاء؟ خبر بمعنى الإنشاء؛ لأن «بارك» فعل ماض، لكن لا يراد الخبر، يُراد الطلب، أي: أنك تسأل الله أن يبارك له وعليه. ثانيا: هل يشرع هذا القول للرجل وللمرأة؟ قلنا: بالنسبة للرجل لا شك فيه، وأما بالنسبة للمرأة فقد يُقال: إنه مشروع من النساء. ومن فوائد الحديث: أنه يُشرع قوله لمن تزوج، أما من خطب فلا يُشرع له. ومن فوائده أيضًا: أنهُ يُقال لمن تزوج وإن لم يحصل الدخول؛ لأن الإنسان بمجرد العقد يصبح زوجا للمرأة، والمرأة زوجة له، لو مات ورثته ولو ماتت ورثها فيُدعى له بالبركة. ومن فوائد الحديث: أنه لا تشرع المصافحة عند الترفئة، الدليل عدم الدليل، لأن الرسول ﷺ لم يكن يفعله ولو كان يفعله لنقل مع القول؛ لأنه يبعد أن الصحابة يعقلون سنة جُمعت إلى سنة أخرى، يعني: يبعد أن الرسول كان يُصافح ويقول هذا الذكر ثم يُنقل هذا الذكر، ولا تُنقل المصافحة؛ ولأن المصافحة لا وجه لها في هذه الحال، إنما المصافحة تكون عند الملاقاة والسلام، يتفرع على هذه الفائدة: أن التقبيل أيضًا أبعد وأبعد خلافا لعُرف الناس اليوم، حيث إنه يُصافح ويقبل، وربما ضم ضمة يتنفس متها الصعداء، على كل حال: هذا ليس بمشروع لا المصافحة ولا التقبيل.

стр. 2260

ومن فوائد الحديث: أن التهاني والتحيات الإسلامية تجدها خيرا وأكثر بركة من التحيات التي ليست إسلامية بحتة مثل: أن يقتصر الإنسان على قوله: «مرحبا»، «أهلاً مرحبا» يعني: حللت مكانا واسعًا، أهلاً حللت أو نزلت أهلاً ما الفائدة في مثل هذه التحيات أليست هي إكرام فقط؟ لكن «السلام عليكم»، تحية ودعاء، «بالرفاء والبنين» كذلك إذا كان يتضمن دعاء فهي دعاء في أمر دنيوي؛ لكن «بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير» تشمل الخير في الدُّنيا والآخرة، فأنت إذا تأملت ما يحصل من السّنن التي جاء بها الرسول ﷺ في مثل هذه المناسبات وجدت أنها خير ودعاء وبركة وصلاح. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي اللجوء إلى الله في كل الأمور عند الفرح وعند الحزن، فعند الزواج أسأل الله البركة للزوج وعليه، وأن يجمع بينه وبين أهله في خير. خطبة الحاجة: (٩٢٩) - وَعَنْ عَبد الله بن مَسعُود ﵁ قَالَ: «عَلَمَنَا رَسُولُ الله التَشهُدَ في الحَاجَة: إنّ الحَمْدُ لله، نحمده، ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنعُوذ بالله مِنْ شَرُور أنفسنَا، مَنْ يَهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات». وراه أحمد، والأربعة، وحسنه الترمذي، والحاكم. قوله: «علمنا» هذا من دأب النبي ﷺ أنه كان يعلم أصحابه تعليمًا ابتدائيا وتعليمًا سببيًا، يعني: تعليمه تارة يكون لسبب يسأل فيجيب، وتارة يكون ابتدائيا بدون سبب. وقوله: «التشهد في الحاجة»، التشهد إذا قرأت ما علمه وجدت أن في إحدى جُمله «أشهد أن لا إله إلا الله»، وأطلق على كل هذا الذكر التشهد؛ ولأنه أشرف ما فيه كلمة التوحيد الكلمة التي يدخل بها الإنسان في الإسلام، كما قيل في التحيات لله والصلوات والطيبات يقال التشهد؛ لأن أشرف ما فيها «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله» وقوله: «في الحاجة»، أي: إذا أردنا حاجة نتشهد هذا التشهد لكن ليس كل حاجة، الحاجة ذات الخطر والاهتمام، بدليل أن النبي ﷺ يُسأل في أشياء ليست ذات أهمية ولا يقرأ هذه الخطبة، لكن المراد الحاجات ذات الأهمية ومنها المواعظ والخطب التي في الجمعة والتي في غيرها وهي: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... » إلخ، «إن الحمد لله» هذه جملة خبرية مؤكدة بـ «إن» كما أكدت في التلبية: «إن الحمد والنعمة لك»؛ وذلك لأن المحمود علي کل حال هو والمستحق للحمد علي کل حال هوا الله وقوله «الله» هذه للاختصاص

стр. 2261

والاستحقاق، فالحمد الكامل خاص بالله مختص به لا يكون لغيره لأن غيره يحمد علي شيء معين، أما الحمد المطلق الكامل فهو لله أيضا الحمد المطلق الكامل لله على وجه الاستحقاق يعني أنه أهل لأن يحمد، وكم من محمود ليس أهلاً لأن يُحمد، إذن الجملة مؤكدة بـ «إن»، و «الحمد»، هو وصف المحمود بالكامل، واللام في قوله: «لله» للاستحقاق وللاختصاص، أما كونها للاستحقاق فإنه لا أحد يستحق الحمد أصلاً إلا الله ، وغيره إن حُمد فإنما يُحمد فرعًا، لأن كل من أحسن إليك فإنما هو بأمر الله وبإذن الله فيكون حمده حمد فرع لا حمد أصل، أما الذي يستحق الحمد فهو الله ، والاختصاص باعتبار الحمد المطلق الكامل فهو خاصاً بالله، لأن غير الله قد يحمد على شيء ويذم على شيء آخر، لا أحد يكون له الحمد المطلق من کل وجه إلا الله . «نحمده» الجملة هذه إما أن تكون مؤكدة لما قبلها، وإما أن يكون المراد بالجملة الأولى الخبر، يعني: أن الله مستحق بالحمد مختص، ونحمده الإنشاء، يعني: أننا نحمده تُنشى الحمد له، فعلى الاحتمال الأول تكون الجملة تأكيدا لما قبلها، وَعَلى الاحتمال الثاني تكون الجملة المستأنفة لمعنى غير المعنى الأول، والقاعدة عند أهل العلم أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فالتأسيس أولى، لماذا؟ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا، والتوكيد لا يفيد غير المعنى الأول إلا أنه يقويه فقط ولهذا من القواعد عندهم أن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد. «ونستعينه» نطلب منه العون على كل الأمور، لاسيما في الأمر الخاص الذي قدم بين يديه هذه الخطبة ولذلك مثلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] على كل الأمور لاسيما العبادة، «ونستغفره»: نطلب منه المغفرة، والمغفرة هي أن الله يستر ذنبك عن العباد في الدُّنيا والآخرة ويتجاوزه عنك فلا يُؤاخذك به، فلا تتم المغفرة إلا بهذين الأمرين: ستر الذنب، والثاني: التجاوز عنه؛ وذلك نظر لأصل الاشتقاق؛ لأن المغفرة مشتقة من المغفر وهو ما يستر به الرأس عند القتال، وفي هذا المغفر ستر ووقاية، إذن «نستغفره» نطلب منه المغفرة لكل الذنوب؛ لأن الذنوب سبب للفشل وتعسير الأمور، ومن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجًا، حتّى إن الذنوب سبب للحيلولة دون الوصول إلى الصواب في الحكم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٦].

стр. 2262

قال بعض العلماء": إن هذه إشارة إلى أن الذنوب تحول بين المرء والصواب، وأنه ينبغي للإنسان عند الفتوى أو الحكم بين الناس أن يقدم الاستغفار حتى يزول عنه آثار الذنوب، فهنا تسأل المغفرة، لأن مغفرة الله لك سبب لتيسير أمورك فاستعانة واستغفار، وليس في الحديث: «نستهديه»، وليس فيه: «نتوب إليه»، ولكن بعض الناس يقولها، وإذا لم تكن واردة في الحديث فلا ينبغي إدخالها فيه لأن الإنسان إن أراد أن يخطب خطبة مستقلة يفعل ما شاء، ويقول ما شاء مما ليس بمُحَرَّم، لكن كونه يركز على خطبة معينة ويدرج فيها ما لم يرد هذا فيه شيء من النظر، ولهذا لا حاجة أن نقول: «نستهديه ونتوب إليه»، لأن ذلك لم يرد. يقول: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا»، «نعوذ» أي: نلجأ إليه ونعتصم به من شرور أنفسنا، والأنفس لها شرور ولها خيرات، وذلك أن الله تعالى جعل في الإنسان نفسا مطمئنة ونفسنا أمارة بالسوء ونفسنًا لوامة وكلها في القرآن: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١ - ٢]. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨]. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، هذه النفوس الثلاث هي في ابن آدم وهو يعرفها آثاره، فالنفس المطمئنة تأمرك بالخير وتنهاك عن الشر، والنفس الأمارة بالسوء تأمرك بالسوء والشر، واللوامة قيل: إن اللوَّامة وصف صالح للنفسين جميعًا، وعلى هذا فلا تكون نفسنا ثالثة فيقولون مثلاً: اللوامة تلومك إذا فاتك الشر، واللوامة الأخرى تلومك إذا فاتك الخير فالأولى تنزع إلى النفس الأمارة بالسوء، والثانية تنزع إلى النفس المطمئنة وليست نفسا ثالثة، وهذا ليس ببعيد، لكن النفس التي فيها الشر هي النفس الأمارة بالسوء، شرور النفس تشمل البدايات والغايات، أما البدايات فهي ما يرد عليك من الأمر بالفحشاء وترك المأمورات هذه بدايات، أما الغايات فهي ما يترتب على هذه الشرور التي أمرتك بها نفسك الأمارة بالسوء قد تكون الغايات أشد وقعًا من البدايات، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. فجعل الله تعالى إعراض الإنسان عن قبول الحق نتيجة لذنوب سبقت وليست كل الذنوب: ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] حَتَّى إن بعض السلف ﵏ إذا نام عن قيام الليل قال: ما حُرمت قيام الليل إلا بمعصية ثم يجدد لنفسه توبة؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان لن يترك الطاعات أو يكون في المعاصي إلا نتيجة لمعاصٍ سابقة، فإن الإنسان إذا تقرب إلى الله زاده الله قربا وعصمه من الذنوب.

стр. 2263

إذن شرور النفوس تنقسم إلى بدايات وغايات، فالبدايات هي الذنوب التي يفعلها الإنسان، والغايات هي عقوبات هذه الذنوب، وكلها ولا شك شرور سببها النفس. «من يهده الله فلا مضل له» يعني: من يُقدر هدايته ومن يهده بالفعل فلا مضل له، فإذا أراد الله هداية شخص فإن الناس لا يستطيعون أن يضلوه أبدًا مثاله: رجل منحرف؛ ما من معصية تُذكر إلا ذهب إليها وباشرها فصار فيه فتح من الله، أراد أن يتجه للخير فجاءه قرناء السوء يقولون: لماذا تخرج عما أنت فيه؟ لماذا تميل إلى كذا؟ هؤلاء لا يستطيعون، إذا كان الله قد أراد هدايته لا يستطيعون أن يصدوه أو يمنعوه أبدًا مهما حاولوا لأن الله قدّر هدايته، كذلك الإنسان الذي قد اهتدى بالفعل، وقد أراد الله أن يستمر على ما هُوَ عليه لا يستطيع أحد أن يهديه. إذن من يهذه الله تقديرا وفعلاً فإنه لا أحد يضله فلا مضل له. «ومن يضلل فلا هادي له»، كذلك من يضلل تقديرًا أو فعلاً فلا هادي له، وأكبر مثل على ذلك أبو طالب عم النبي ﷺ الذي صار منه إلى رسول الله ﷺ إحسانا بالغًا مدافعة عظيمة ومع هذا لم يتمكن النيي ﷺ من هدايته حَتَّى في آخر لحظة قال له: «قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله». ولكنه حيل بينه وبينها -والعياذ بالله- لأن الله لم يرد هدايته، والذي يُضله الله لا هادي له. فإذا قال قائل: هاتان الجملتان قد يكون فيهما تأييس من دعوة الضالين إلى الهداية؛ لأن الإنسان قد يقول: إن الله قد أراد إضلال هؤلاء فكيف أحاول أن أهديهم؟ قلنا: هذا الظن، أي: أن يظن الإنسان أن هذا مدلول الكلام خطأ، بل المعنى: أنك إذا أردت الهداية فلا تطلبها إلا من الله، وأنك إذا فعلت ما أمرت به من الدعوة إلى الخير ولكن المدعو لم ينتفع فحينئذ تُفوض الأمر إلى الله، وتقول: لو أراد الله هدايته لاهتدى، «فمن يضلل فلا هادي له»، وكذلك: «من يهده الله فلا مُضَلِّ له». المقصود: أن نعتصم بالله ، حتى لا يضلك أحد. قال: «وأشهد أن لا إله إلا الله ... » إلخ الشهادة في الأصل من المدركات الحسية التي تُدرك بالجسر يشاهدها الإنسان، ولكن تُطلق أحيانا على المعلوم يقينا حتى كأنه مُشاهد، وإلا فالأصل أنها من المدركات الحسية شهدت الهلال، شهدت الشمس، شهدت فلانا وهو يفعل كذا وكذا، ولكن تُطلق أحيانا على ما كان معلومًا يقينا كأنه مُشاهد بالحس، فأشهد أن لا إله إلا الله، يعني: أقر وأعترف اعترافا يقينيا كالمشاهد بالعين أنه لا إله إلا الله، وَ «لا» هنا نافية للجنس،

стр. 2264

والنافية للجنس نص في العموم لا تحتمل الاتباع في المنفي، فإذا قلنا: «لا إله إلا الله» لم تحتمل إثبات إله سوى الله، وقوله: «إله» بمعنى: مألوه، فهي فعال بمعنى: مفعول، وصيغته هذه موجودة في اللغة العربية كثيرا، فإنه يقال: غراس بمعنى: مغروس، وفراش بمعنى: مفروش، وبناء، بمعنى: مبني، فمعنى: «لا إله»، أي: لا مألوه، وما معنى المألوه؟ الذي تألهه القلوب محبة وتعظيمًا، تألهه بمعنى: تقبله وتركن إليه وتخضع له محبة وتعظيمًا «إلا الله». فإن قال إنسان: هذه الشهادة يكذبها الواقع، لأنه توجد آلهة تُعبد من دون الله اللات والعزى ومناة وهبل، ويوجد ناس يعبدون البقر ويتبركون بأبوالها وأرواثها ويحرمون قتلها أو ذبحها، ويوجد ناس يعبدون الشمس ويعبدون القمر، كيف نقول: «لا إله إلا الله» أي: لا معبود ولا مألوه إلا الله؟ نقول: بين الله أن هذه الآلهة باطلة أسماء بلا مسميات: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠]. فقط وليست مسميات؛ فاللات ليست إلها وإن سميتموها إلها؛ لأنها لا تخلق ولا ترزق ولا تنفع ولا تضر، قال إبراهيم لأبيه ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فإذن يصدق هذا النفي أنه لا إله إلا الله، فإذا أورد إنسان علينا هذا الإيراد قلنا: هذه الآلهة باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وما هي إلا أسماء دون مسميات فالألوهية منتفية عنه. إذا قال قائل: قد علمنا في القواعد النحوية أن «لا» النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات فهل لفظ «إله» نكرة أو معرفة؟ نكرة، «الله» - لفظ الجلالة- معرفة - أعرف المعارف - هل عملت فيه «لا»؟ بعضهم يقول: عملت فيه ويجعل الله (لفظ الجلالة) خبر «لا» ويُسهل عملها في المعرفة هنا الفصل بينهما وبين الخبر بـ «إلا»، وهذا الفصل يمنع التركيب، وبعضهم يقول: إن الخبر محذوف، والله (لفظ الجلالة) بدل منه، وذلك لأن التام المنفي يجوز فيه البدل والنصب عَلى الاستثناء، فيجوز لا إله إلا الله ويجوز: لا إله إلا الله، فالله (لفظ الجلالة) هنا بدل، والأرجح أنه بدل، فالله (لفظ الجلالة) بدل من الخبر، والخبر محذوف، والتقدير: حق، وأما من قدره «لا إله موجود» فهذا خطأ؛ لأنه يكذبه الواقع إلا من يقولون بوحدة الوجود وأن الكون كله شيء واحد، فهؤلاء يقدرون موجودًا، يقول: لا إله موجود إلا الله، فالواجب أن يكون التقدير، أي: تقدير المحذوف: «حق»، أي: لا إله حق إلا الله. «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، أي مُحَمّد؟ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، «عبده ورسوله» عبد الله ورسول الله، فيوصف بالعبودية، وبهذا يكون قد انتفى عنه حق الربوبية، لأنه ليس له حق من الربوبية إطلاقًا، حتى إنه أنكر على شخص قال: ما شاء الله ?

стр. 2265

وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ »، مع أن للإنسان مشينة تمنع وتدفع، ومع ذلك قال: «أجعلتني لله ندًا؟ » فهو عبد، بل هُوَ ﵊ أشد الناس تحقيقًا للعبودية، قال ﷺ وهو الصادق: «إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له»، فهو عبد الله وبهذا الوصف انتفى عنه حق الربوبية، «ورسوله»، يعني: مُرْسله إلى الخلق، إلى الجن والإنس ﷺ ، وبهذا الوصف أنتفى عنه الكذب فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب ﷺ . «ويقرأ ثلاث آيات» يعني: يقرأ في هذه الخطبة، فإذا انتهى إلى قوله: «عبده ورسوله» قرأ الآيات وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. ثم يتكلم عن الموضوع اللي خطب من أجله، في هذه الخطبة يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» وفيما قبلها من الجمل: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه»، قال: «نحمده»، وفي الشهادة قال: «أشهد»، ولم يقل: نشهد، فهل هذا مجرد اختلاف تعبير وأسلوب فهو بلاغة لفظية أو أن المعنى يختلف؟ نقول: المعنى يختلف؛ وذلك لأن الاستعانة والاستغفار تكون لجميع الأمة، بمعنى: أن الإنسان يستغفر لنفسه ولغيره، ولهذا قال الله تعالى في وصف التابعين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقالوا: نستغفر جميعًا، بأن يكون كل واحد منا يستغفر للآخر، ونستعين جميعًا، أي: كل واحد منا يستعين الله للآخر، أما الشهادة فهي خبر عما في نفس القائل لا يشركه فيه آخر؛ لأنها توحيد، فلهذا قال: «أشهد» ولا يشاركه أحد في هذه الشهادة؛ لأنها إخبار عما في قلبه، أما الأول فهو طلب، «نستعين»: نطلب العون، «نستغفر»: نطلب المغفرة، والإنسان يطلب المعونة لنفسه ولإخوانه، ويطلب المغفرة لنفسه ولإخوانه، أما الشهادة فهي خبر عما في نفسه، وليست خبرا عما في نفس غيره ولذلك قال: «أشهد .... إلخ». في هذا الحديث فوائد عديدة منها: حرص النيي ﷺ على إبلاغ الرسالة وهداية الأمة لقوله: «علمنا». ومن فوائد الحديث: تسمية الشيء بأفضل ما جاء فيه، حيث أطلق على هذه الخطبة التشهد.

стр. 2266

ومن فوائد الحديث: استحباب تقديم هذه الخطبة بين يدي الأمور الهامة لقوله: «التشهد بالحاجة»، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب هذه الخطبة عند عقد النكاح، وقالوا: يجب عند عقد النكاح أن تُقرأ هذه الخطبة؛ لأن النبي ﷺ عَلمهم إياها، وهذا يدل على اهتمامه بها ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن تلاوة هذه الخطبة سنة وليست بواجبة، بدليل أن النيي ﷺ زوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ﷺ ولم يقرأ هذه الخطبة بل قال: «زَّوَجْتُكَهَا بما معك من القرآن». ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الحمد الكامل لله وأنه مختصر به ومستحق له؛ لقوله: «إن الحمد لله». ومن فوائده: طلب المعونة والمغفرة من الله وحده؛ لقوله: «نستعينه ونستغفره». فإن قال قائل: هل تجوز الاستعانة بغير الله؟ الجواب: نعم، إذا كان المستعان قادرا على ذلك، قال النيي ﷺ : «من استعانكم فأعينوه»، وقال: «والله في عون العبد ما كانَ العبد في عون أخيه»، وقال: «تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليه متاعه صدقة»، فإن استعان بميت لا يجوز، لماذا؟ لأنه غير قادر، فإن اعتقد أن له تأثيرا سريا كان ذلك شركا أكبر، الاستغفار هل يُطلب من غير الله هل يصح أن تقول: يا فلان، اغفر لي؟ يصح أن تطلب منه المغفرة عن حقه الخاص، قال الله تعالى: ﴿وإن تَعْفُوا وَتَصَفَحُواً وتَغْفِرُواً فإنَ الله غَفُور رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]. أما أن تطلب المغفرة عن حق الله فهذا لا يمكن، قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذّنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ومن فوائد الحديث: أن الاستعاذة تكون بالله: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا»، هل الاستعاذة تكون بغير الله؟ تكون بغير الله فيما يقدر عليه، قال النبي ﷺ لما ذكر ما ذكر من الفتن: «فَمن وجد مُعَاذًا فليُعذ به»، وقد وردت عدة أحاديث في إثبات الاستعاذة للمخلوق لكن يُشترط فيما يقدر عليه. ومن فوائد الحديث: أن الله أرحم بنا من أنفسنا لقوله: «شرور أنفسنا»، فاستعذت بالله من نفسك، إذن فالله أرحم بنا من أنفسنا، وهذا له أدلة غير هذا، قال الله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فنهانا عن قتل أنفسنا؛ لأنه أرحم بنا من أنفسنا.

стр. 2267

ومن فوائد الحديث: أن للنفوس شروراً لقوله: «نعوذ بالله من شرور أنفسنا». ومن فوائد الحديث: أن من قضى الله هدايته فإنه لا يمكن أن يُضله أحد لقوله: «من يهده الله فلا مُضل له». ومن فوائد الحديث: أن فيه إشارة إلى أن الإنسان يلجأ إلى الله في طلب الهداية لا إلى غيره، لقوله: «من يهده الله». إذن أطلب الهداية من الله، وربما تُؤخذ من قوله: «ومن يضلل فلا هادي له»، أخشى أن يضلني الله فأطلب منه الهداية. ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يعلن الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه من انفراد الله بالألوهية وثبوت العبودية والرسالة لمحمد ﷺ من قوله: «وأشهد ... إلخ»؛ لأن مجرد الإقرار بالقلب لا يكفى بل لابد من النطق باللسان، ولهذا قال النبي ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، وقال: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» فقال: «قولوا» فلابد من القول مع الاعتقاد. ومن فوائد الحديث: أن لا إله حق إلا الله، ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل ما عبد من دون الله فهو باطل. ومن فوائد الحديث: إثبات العبودية للنبي ﷺ لقوله: «عبده»، ويتفرع منها: الردِّ على الغلاة في الرسول ﷺ الذين يدَّعُون أنه رب أو أنه له حقاً من الربوبية بالإغاثة من الكُربات وإجابة الدعوات وغير ذلك وقد شاهدنا في المسجد النبوي مشاهد تدل على هذا، حيث إن بعض العامة إن أرادوا الدعاء يتجهون إلى القبر ويجعلون القبلة عن أيمانهم وكأنهم يصلون بين يدي الله، وهذا لا شك أنه غلو سواء كانوا يدعون الله متجهين إلى القبر أو كانوا يدعون صاحب القبر ﷺ . ومن فوائد الحديث: إثبات الرسالة للرسول ﷺ لقوله: «ورسوله». ومن فوائده: تشريف رسول الله ﷺ بإضافة عبوديته ورسالته إلى الله. ومن فوائد الحديث: إثبات رحمة الله بالخلق، حيث أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم ولم يجعله ملكا؛ لأنه لو جعله ملكا أي: لو أرسل ملكا إلى أهل الأرض من البشر لجعله رجلاً أي على هيئة رجل؛ لأن البشر لا يألفون من ليس من جنسهم، وهو أيضا لا يألفهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩]. يعني: لعاد الاشتباه عليهم كما يزعمون، مع

стр. 2268

أنه لا يشتبه الرسول الذي يرسله الله من البشر؛ لأن الله يعطيه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فالله تعالى لا يرسل الرجل أني رسول الله إليكم فآمنوا بي، ومن كفر بي فإني أستبيح دمه وأهله، بل يعطيه آيات يُؤمن على مثلها البشر، يقول: «يقرأ ثلاث آيات»، هي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وفي هذه الآية يُنادي الله المؤمنين بوصف الإيمان، ويأمرهم أن يتقوا الله حق تقاته، يعني: التقوى الحق، يعني: من باب إضافة الصفة إلى: موصوفها والتقوى الحق هي المبنية على الإخلاص لا على المراعاة، لأن من الناس من يتقي الله رياء وسمعة، يتقي الله في العلانية ويعصيه في السر، هذا لم يتق الله حق تقاته، وينهى الإنسان أن يموت إلا على الإسلام: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. فإن قال قائل: هذا النهي في غير المقدور؛ لأن الإنسان لا يقدر ألا يموت إلا وهو مسلم؟ وكيف يمكن؟ والجواب: أن الله تعالى لن ينهى عن شيء غير مستطاع تركه، ولا يأمر بشيء غير مستطاع فعله، وكيف يستطيع الإنسان ألا يموت إلا مسلمًا، يستطيع ذلك بأن يثابر على العمل الصالح في حياته، والله أكرم من أن يخذل شخصا أمضى عمره في طاعة الله، فإذا نشأ الإنسان في طاعة الله ومرن نفسه على الطاعة، فإن الله يشكر له حتّى يُحسن له الخاتمة ويموت على الإسلام، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان ليس في استطاعته ألا يموت إلا مسلمًا، لكن باستطاعته أن يقوم بعمل يكون له به خسن الخاتمة بالعمل الصالح، ولا يُنافي هذا ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حَتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، لا يُعارض ما قلنا؛ لماذا؟ لأن حديث ابن مسعود مقيد بما ثبت في صحيح البخاري: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار»، وهذا نعمة -ولله الحمد- أن الإنسان لا يُخذل إذا صدق مع الله لأن الله أكرم من عبده، فإذا كان هذا الرجل مُفنيًا عمره في طاعة الله فليبشر بالخير: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾، وبعده ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. بشارة للإنسان قبل أن تحصل الملاقاة ما دمت مؤمنًا لا تخف من الملاقاة؛ لأن لك البشارة. الآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم ... ﴾ الآية. ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]. هي نفس آدم، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ المخلوق منها أنثى، فكيف قال: ﴿زَوْجَهَا﴾؟ نقول: اللغة الفصحى أن الزوج مذكر سواء كان للأنثى أو للرجل لكن فيه لغية لتأنيث الزوج إذا كان للأنثى

стр. 2269

واعتمدها الفرضيون ﵏ من أجل التمييز بين المسائل؛ لأنك لو قلت: هلك هالك عن زوج وبنت وأم، فالإنسان يُشكل عليه من هذا الزوج تعطيه ربع أو ثمن فإذا بين الزوجة، إذا كان المراد الأنثى زال الإشكال ولهذا اعتمد الفرضيون بالتزام التاء فيما إذا كانت أنثى، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء، هكذا سمّاها النبي ﷺ حواء بالمد قال: «لولا حواء لم تكن أنثى زوجة، ولولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» يعني: لكان اللحم لا يفسد لكن عُوقبوا فصار يفسد، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ أي: من هذين الزوجين ﴿رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ أيهما أكثر؟ النساء في الواقع أكثر من الرجال، واستدل شيخ الإسلام ﵀ بقول النبي ﷺ للنساء: «إنكن أكثر أهل النار»، وأن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف وقال: هذا دليل على أن النساء أكثر، لكن قوله: ﴿رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ وصف الرجال بالكثرة دون النساء، لأن كثرة الرجال هي التي تغني، أما كثرة النساء فليس فيها إلا العبء والعويل، وإن أردت أن تعرف انظر عند الشدائد من الذي يقابله؟ الرجال، والنساء لهن لطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعر، ولهذا وصف الرجال بالكثرة من أجل أن كثرتهم هي المفيدة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ... ﴾ إلخ، اتقوا الله والأرحام، فتقوى الله بطاعته، وتقوى الأرحام، أي: تقوى إثم الأرحام إذا قُطعت، وهذا يعني: الأمر بصلة الأرحام، ومَن الأرحام؟ هم الأقارب، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ٠. وليس الأرحام ما يتعارفه العامة اليوم وهم الأصهار؛ لأن الأرحام عند العامة هم أقارب الزوج أو الزوجة، ولكن اللغة العربية تُسمي أقارب الزوج والزوجة أصهارا: ﴿إنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١٧٦] خف من هذه الجملة كان الله عليكم رقيبًا في كل الأحوال، فإن شئتم ألا تتقوا الله فافعلوا ولكن عليكم من الله رقابة. أما الآية الثالثة فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] إلخ. ففي هذه الآية يأمر الله المؤمنين بأن يتقوا الله ويقولوا قولاً صائبًا يحصل به سد الخلل، وما هُوَ القول السديد؟ هو كل قول يكون به مصلحة دينية أو دنيوية فهو قول سديد، ويشبه هذا قول النيي ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». أمر الله بشيئين وذكر جزاءين: ﴿اتَقُوا الله وَقُولُواً قولا سديدا﴾ الجزاء: ﴿يُصلح لَكُمْ أَعُمالَكُمْ وَيَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١]، يصلح لكم أعمالكم في الدُّنيا سواء كانت الأعمال عملاً دنيويا أم عملاً دينيًا، فإن الله تعالى يُصلحه إذا اتقى الإنسان ربه وقال قولاً سديدا، ﴿ويَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما يقع منكم من الذنوب يغفره

стр. 2270

الله جزاء لتقواكم وقولكم القول السديد، ثم قال جملة عامة: ﴿وَمَن يُطع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَاز قوّرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، والفوز هو حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. فبالزحزحة عن النار يحصل زوال المكروه وبإدخاله الجنة يحصل المطلوب، فالفوز هو هذا، ﴿فَقَد فاز قوّرًا عظيمًا﴾، [الأحزاب: ٧١] ومَن يعص الله ورسوله فقد خسر، وفي نفس السورة: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] فالإنسان العاصي ضال ضلالاً مبينا، والإنسان المطيع فائز فوزاً عظيمًا، وانظر أي الطريقين تريد؟ الطاعة التي بها الفوز في الدُّنيا وفي الآخرة. آداب الخطبة: حكم النظر إلى المخطوبة وضوابطه: ? ? ٠ - وعن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «إذَا خَطبَ أَحَدُكُم المرأة، فَإِن استطاع أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إلى نكاحها، فَلْيَفْعَل». رَوَاهُ أحمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَرِجَاله ثقات، وصححه الحاكم. وإذا خطب أحدكم يعني: إذا أراد أن يخطب كما جاء في الرواية الأخرى عند أحمد أن النبي ﷺ قال: «إذا ألقى الله في قلب امرأة خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها». فإذا أراد أن يخطب امرأة فلينظر، والتعبير بالفعل عن إرادته كثير في القرآن وفي السنة، ففي القرآن في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] يعني: إذا أردت أن تقرأ، وفي السُنة: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» أي: إذا أراد الدخول، ولا يعبر بالفعل عن إرادته إلا إذا كانت الإرادة جازمة وكان الفعل متعقبا لها، فمثلاً إذا قرأت القرآن فاستعذ لابد من إرادة جازمة، ولابد أن تكون القراءة متعقبة للإرادة، أما أن يريد أن يقرأ مثلاً بعد العصر فلا يمكن أن يعبر عنه بأنه قرأ في الصباح، لأنه قد بعُد الزمن بين الإرادة والفعل. قال: «إذا خطب»، وأصل الخطبة هو طلب الزواج والنكاح، وكانوا إذا أرادوا ذلك قدّموا بين يدي هذا الطلب خطبة يجعلونها وسيلة للقبول، فمثلاً يذهب الرجل إلى أهل المرأة ويخطب، فيخبر عن نفسه، ثم يقول: وأنا أتقدم إلى ابنتكم أو ما أشبه ذلك، ولكن هذا الأسلوب يختلف باختلاف الناس وباختلاف الأحوال، أحيانا يمكن للإنسان أن يذهب بنفسه

стр. 2271

إلى ولي المرأة ويخطبها منه، وأحيانا لا يمكنه ذلك وتكون العادة أن يرسل رسولاً، وأحيانا لا يمكنه ذلك، وتكون العادة أن يكتب كتابًا. قال: «فإن استطاع»، يعني: إن قدر، وذلك لأن النساء ذوات الخدور لا يستطيع أن يراهن كيفما أراد، ولكن إن استطاع بالمحاولة فليفعل، وكانوا يختبئون للمرأة حَتَّى ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها. وقوله: «إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، ما الذي يدعوه؟ أهم شيء هو الوجه، فإن الإنسان إذا رأى أن المرأة جميلة الوجه أقدم على خطبته وتأتي بقية الأعضاء بالتبع، ومن المعلوم أن النبي ﷺ لا يريد منه أن ينظر إلى الفرج وإلى البطن وإلى الظهر وما أشبه ذلك، وإنما يريد أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا عند محارمها، هذا هُوَ الذي يُرَخص للإنسان فيه، وقوله: «فليفعل»، اللام هنا للأمر، والأصل في الأمر الطلب الحقيقي، وقد اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إن اللام هنا للإباحة لورود ذلك بعد المنع؛ لأن الأصل منع الإنسان من رؤية المرأة، فإذا قيل: إذا كان كذا وكذا فانظر صار الأمر هنا للإباحة كقوله ﵎: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فهنا الأمر للإباحة لوروده بعد النهي والمنع، وقال بعض العلماء: بل الأمر هنا للإرشاد والاستحباب ولم أر أحدا قال: إنه للوجوب، فهنا قولان: الأول: أن الأمر للإباحة لوروده بعد المنع؛ لأن الأصل منع نظر الرجل إلى المرأة، والثاني: أنه للإرشاد والاستحباب لما يترتب عليه من المصالح، فمنها: أنه أحرى أن يؤدم بينهما أي: يؤلف بينهما؛ لأنه حينئذ يُقدم على بصيرة إن أعجبته ويترك على بصيرة إن لم تعجبه، ومنها: أن الإنسان لا يُلام على ما لو قال: إنني أتركها، لأن فيها كذا وكذا بخلاف ما لو خطب ثم عزف بدون سبب فإن الناس قد يلومونه، أما إذا كان عن رؤية فسيعلل السبب. ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى المخطوبة وهو بناء على أن اللام للإرشاد والطلب، وهذا هُوَ الراجح أنه للإرشاد وانه ينبغي أن ينظر إلى مخطوبته، ولكن هذا الإطلاق مُقيّد بأمور. الأول: ألا يكون بخلوة فهو حرام، فإن كان بخلوة فهو حرام لقول النبي ﷺ : «لا يخلونَ رجل بامرأة إلا مع ذِي محرم». الثاني: أن يكون عازمًا على الخطبة والتقدم، فإن لم يكن عازمًا فلا يفعل، وذلك لأن الأصل تحريم نظر المرأة خولف فيمن أراد الخطبة من أجل المصلحة المترتبة على ذلك، فإذا كان غير عازم فإنه لا يجوز له أن يفعل. الثالث: أن يغلب على ظنه إجابته، يعني: إذا خطب أجيب، فإن كان يغلب على ظنه

стр. 2272

العكس فإنه لا يجوز له النظر؛ لماذا؟ لأن النظر هنا لا فائدة منه، إذ إن الفائدة هِيَ أن يقدم على طلب المرأة فيما يُجاب، فإذا علم أنه لن يُجاب إلى ذلك فإنه لا يجوز، مثاله: ما اشتهر عند القبائل، ولاسيما القبائل البدوية أنه لا يمكن أن يزوجوا شخصا غير قبلي، فهنا لو أراد أن يخطب ابنتهم فإنه لا يجوز أن ينظر، لماذا؟ لأنه يغلب على ظنه عدم الإجابة، ومثل ذلك ما يفعله بعض من يدّعون أنهم أشراف وأنهم من سلالة النبي ﷺ لا يُزوّجون أحدا من غيرهم وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وأنهم بذلك جاهلون، ومع ذلك هم مصممون على ألا يزوجوا إلا من يكون شريفا، فهذا لو تقدم أحد ليس بشريف فإنه لا يجوز أن ينظر؛ لأن الغالب على الظن أنهم لا يُجيبون. الرابع: ألا يتمتع بالنظر إلى المرأة المخطوبة، وبناء على هذا الشرط يكون النظر مقدرًا بقدر الحاجة، فإذا اقتنع من رؤيتها ودخلت خاطره فليكف؛ وذلك لأن ما أبيح للحاجة فإنه يتقدّر بقدرها ولا يجوز أن يزيد عليها، والتمتع بالنظر إليها يفضي إلى الاستمرار في النظر. الخامس: أن أمن ثوران الشهوة، فإن كان لا يأمن فلا يجوز النظر، وفي هذا الشرط شيء من النظر؛ لان الإنسان لا يأمن كل إنسان يتقدم إلى امرأة يخطبها قد لا يأمن، صحيح أن يقال: إذا أحس بالشهوة وجب الكف وأما أن يأمن ثورانها فهذا شيء قد لا يتحقق، لكن متى أحس وجب عليه الكف لخوف الفتنة، إذا تمت الشروط جاز النظر. وهل يشترط أن تكون عالمة بحضور الخاطب؟ لا يشترط، فلو نظر إليها بدون أن تشعر به فلا بأس، ولكن لو كانت عالمة فهل يجوز أن تأتى إليه قصدًا؟ الظاهر أنه في الزمن الأول لا يمكنه هذا لقوله: «إن استطاع أن ينظر»، وهو إلى عهد قريب غير ممكن إطلاقًا، ولا أحد يفكر بأن مخطوبته تأتي إليه عن قصد وعَمَّد، وأظن هذا لابأس به إن شاء الله. ولكن هل يجوز أن يتحدث إليها حديثًا طويلاً؟ الظاهر أنه لا يجوز أن يتحدث إليها حديثًا طويلا، لأن المقصود هو الاستعلام فقط، فإذا حدثها بحديث قصير بحيث يعرف كلامها وصوتها فإن ذلك كافي أما غير ذلك فهي أجنبية منه فلا يتحدث إليها، وكذلك من باب أولى

стр. 2273

ألا يتحدث إليها عن طريق الهاتف، لأن الغالب أن هذا الحديث لا يخلو من متعة سواء كان متعة في الحديث أو متعة شهوة، وكثير من الناس يتحدثون إلى مخطوباتهم ربما يبقون الليل كله كما يسألون أحيانا عن هذا مرَّ عليه الليل كله وهو لا يشعر به، لماذا؟ لقوة تعلق قلبه بهذه المحادثة وهذا لا شك على أنه يتمتع بالمحادثة، إذن فسدُ الباب أولى، يُقال الآن أنت عرفتها واقتنعت بها وخطبتها وقبلت فلا حاجة إلى الحديث، فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أملك نفسي كما يقولون: هذا يقول: أنا إذا فعلت هذا لم أنم بالليل، نقول: اعقد المسألة بسيطة، وإذا عقدت تحدث معها كل الليل لا يوجد مانع هذا هو الدواء، لأنه ما دام لم يعقد عليها فهي ومَن في السوق سواء فهل يمكن لأحد أن يمسك امرأة في السوق يتحدث إليها هذا الحديث؟ لا يمكن، إذن هذه مثلها تماماً. ومن فوائد الحديث: سمو الشريعة الإسلامية، حيث يطلب من الإنسان ألا يدخل في أمر إلا على بصيرة. ومن فوائده: سدّ باب القلق والندم على الإنسان، وهذا من منهج الإسلام القويم أن الإنسان لا ينبغي له أن يفتح على نفسه باب القلق والندم؛ لأن ذلك يُزعجه ويفسد عليه حياته وربما يفسد عليه دينه، ولهذا قال النبي ﷺ فيمن أصابه ما يكره بعد فعل الأسباب: «لا تقل: لو؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». من الندم والحزن. وهذا الحديث: يدل على ذلك على أنه ينبغي على الإنسان أن يسدّ باب الحزن والندم عن نفسه، وذلك أنه إذا خطبها عن علم وبصيرة زال عنه الندم. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يحرم النظر إلى النساء لقوله: «إذا خطب أحدكم امرأة»، ولو كان النظر إلى النساء جائزًا وكان من عادة نساء الصحابة لكان الإنسان يستطيع أن ينظر سواء كان خاطبًا أو غير خاطب وهو كذلك، وهذا من الأدلة التي يستدل بها على وجوب تحجب المرأة عن الرجال الأجانب. (٩٣١) - وَلَهُ شاهد عندَ الترمذي، وَالنَّسَائي: عن المغيرة. وعند ابن مَاجَهُ، وَابن حِبانَ: ومن حديث محمد بن مسلمة.

стр. 2274

(٩٣٢) - وَلِمُسلم: عَنْ أَي هُرَيْرَةً ﵁: أنّ النبيّ ﷺ قَالَ لِرَجُل تَرَوّجَ امْرَأة: أنظرت إليها؟ قَالَ: لا. قَالَ: اذَهَب فانظر إليها». «تزوج» يعني: أراد الزواج؛ لأنه لو كان قد تزوجها بالعقد لم يكن للنظر إليها حاجة، ولكن المراد: أراد أن يتزوجها. قال: «أنظرت إليها؟ »، قال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها»، وهذا يدل على ما رجّحناه في الحديث الأول أن الأمر للاستحباب والإرشاد، وأنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها، ولاسيما إذا كانت من قوم ليسوا بذاك الجمال أو من قوم يكون فيهم نقص في أعينهم أو في أنفهم أو في أفواههم، فإن النظر هنا يكون آكد من النظر إلى المرأة التي تكون من قوم فيهم الجمال وفيهم السلامة من العيوب. فإذا قال قائل: إذا كنت لا أستطيع أن أنظر إليها فماذا يصنع هل يجزئ عن نظري نظر غيري؟ الجواب: نعم، لكن نقول: إن لم يمكن أن تنظر بنفسك فأوص من ينظر مثل أن يكون بينك وبين أخيها أو غيره من محارمها صلة قوية فتطلب منه أن ينبئك عن صفاتها، أو أن ترسل أحدا من النساء اللاتي تثق بهن حتى تنظر ثم تخبرك، ولكن لابد أن تكون المرأة المرسلة ثقة؛ لأن بعض النساء تكون غير ثقة، فإذا ذهبت للخطبة ودس إليها أهل المرأة ما يدسون جاءت إلى الخاطب، وقالت: رأيت البدر وهي لا تصلح! وحدثنا حديثًا عن بعض الإخوان الذينَ عندهم سلامة قلب أنه تزوج ذات يوم ولكن المرأة لما دخل عليها لم تُعجبه، فلما جاء إلى المسجد وكان يتكلم أحيانا يعظ الناس، قال في جملة كلامه: احذروا هؤلاء الخطيبات -يعني: اللاتي يخطبن- فإنها تأتيك، وتقول: عيونها كذا ووجهها كذا وكذا يعني: كبيرا وجميلاً، فإذا دخلت عليها وجدتها هرة مُكفهرة، فلابد من إرسال امرأة ثقة لئلا تغتر. فإذا قال قائل: حَتى لو أرسلت امرأة ثقة، فإن الأعين تختلف والرغبات تختلف، وكم من امرأة جميلة عند شخص وهي عند آخر ليست بجميلة. قلنا: صحيح ولكل نفس مذاق، ولكن إذا لم نستطع الأكمل، فهذا خير من العدم، على كل حال: هذا الحديث يُضاف إلى ما سبق ويكون شاهداً له.

стр. 2275

نهي الرجل أن يخطب على خطبة أخيه: (٩٣٣) - وَعَن ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «ولا يخطب أحَدُكُمْ عَلَى خطبة أَخِيهِ، حَتَّى يَقُول الخاطب قَبْلَهُ، أوْ يَأْذَنَ لَهُ». مُتَفَقُ عَلَيهِ، وَاللّفظ للبخاري. «لا يخطب»، وفي لفظ: «لا يخطب»، والفرق بينهما: أنه لو قال: «لا يخطب» بالسكون صارت «لا» ناهية، ولا الناهية تجزم الفعل، وأما على رواية: «لا يخطب» بالضم فـ «لا» نافية، والفرق بين النفي والنهي: أن النهي أمر طلب، أو بعبارة أصبح طلب الكف، وأما النفي «لا يخطب»، فإنه يدل على أنه ليس من شأن المؤمن أن يخطب على خطبة أخيه، ولهذا قال العلماء: إن الخبر في موضع الطلب أبلغ من الطلب المحض، كأنه يقول: إن هذا شيء مفروغ منه لا يمكن أن يقع، فإذن الخبر في موضع الطلب أبلغ من الطلب، لماذا؟ لأن الطلب قد يفعل وقد لا يفعل، أما إذا جاءت الجملة خبرية فكأن الأمر مفروغ منه أنه سيفعل، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أبلغ من قوله: «وليتربصن المطلقات»، لأن جملة يتربصن خبرية فهي أبلغ من أن تأتي بلفظ الطلب، لأن الطلب قد يفعل وقد لا يفعل، والجملة الخبرية تدل على الوقوع، وأن هذا أمر من شأنه أن يكون ولابد. «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، «خطبة»، بالكسر هي طلب الزواج من المرأة، وأما خطبة بالضم فهي الكلمة التي تُقال ويخطب بها، فبينهما فرق يجب على الإنسان أن يعرفه، «أخيه» هنا المقصود: أخيه في الدين، أما أخوه في النسب فإن كان مؤمنا فهو أخ له وإن كان غير مُسلِم فسيأتي القول فيه، قوله: «على خطبة أخيه» أي: أخيه المؤمن: لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وأتى بكلمة «أخيه»، دون «على خطبة الرجل» مثلاً استعطافا وحثًا على عدم الخطبة على خطبته؛ لأنه أخوك، فكيف تعتدي على حقه وتخطب على خطبته، فهو من باب الاستعطاف -استعطاف الإنسان المخاطب -. وقوله: «حَتَّى يترك الخاطب» يعني: يترك الخاطب الذي هو أخيه، ومعنى «يترك» أي: يترك الخطبة ويصرح بالتنازل عنها إما لأهل الزوجة وإما لأحد من أصحابه، المهم: أن يثبت أن الرجل ترك الخطبة. قال: «أو يأذن له» هو بخصوصه مثل أن يسمع شخصًا يقول: أنا أريد أن أخطب بنت فلان

стр. 2276

ويكون السامع قد خطبها من قبل فيقول له -أي: السامع- إني قد خطبتها ولكني أذنت لك أن تخطبها، هذا إذن صريح. وقوله: «أو يأذن له»، يدل على أنه لابد من إذن الخاطب، فلو أذن لغيره فإن ذلك لا ينفع؛ لأن الإنسان قد يتنازل عن خطبة المرأة لشخص معين ولا يتنازل عن خطبتها لشخص آخر، مثل: أن يرى أن الخاطب الثاني أو الذي يريد خطبتها أنفع لها منه، إما لغناه أو لعلمه أو لسبب آخر فيأذن له، لكنه لا يأذن إذنا عامًا فهنا يختص الإذن بمن عين وأذن له فقط. في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص الشارع على ثبوت الأخوة بين المسلمين، وجه ذلك: أن الخطبة على خطبة أخيه تُوجب التنافر والتعادي والبغضاء، ولهذا تجدون كثيرا من النصوص إذا تأملها الإنسان يجد أن الشريعة الإسلامية تراعي كثيرا المودة والألفة بين المؤمنين، انظر إلى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام حزمها الله وبين الحكمة من ذلك فقال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١]. هذا، ولا يجوز البيع على بيع المسلم، وهناك نصوص كثيرة تدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي الأخوة بين الناس والألفة وعدم التفرق. ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة الإنسان على خطبة أخيه المسلم، لقوله: «لا يخطب» النهي، والأصل في النهي التحريم، ويُؤكد التحريم هنا أن في الخطبة على خطبة أخيه عدوانا عليه هو أحق وأسبق. فإن قال قائل: وهل يجوز للمرأة أن تخطب على خطبة أختها؟ نقول: القياس يقتضي ألا يجوز أن تخطب مثل أن تسمع امرأة بأن شخصا قد خطب فلانة فتعرض نفسها عليه فهذا حرام عليها، لأن العلة واحدة وهي العدوان على حق الغير. فإن قال قائل: ما الجواب عن حديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها ثلاثة معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، ما الجواب؟ وجاءت تستشير النبي ﷺ في ذلك، فبيّن لها أن معاوية صعلوك لا مال له، وأن أبا جهم ضراب للنساء، ثم قال: وانكحي أسامة، فما الجواب؟ الجواب أن يُقال: إن هؤلاء الثلاثة كل واحد خطب دون أن يعلم بأن الثاني قد خطب لأن هذه قضية عين وليست فيها التصريح بأن كل واحد منهم خطب وهو يعلم أن أخاه قد خطب. فإذن تُحمل هذه القضية على ما يوافق الشرع، على أن كل واحد خطب دون أن يعلم بخطبة الثاني وحينئذٍ لا إشكال.

стр. 2277

ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة الذمي والحربي، ولكن لو سألنا سائل كيف يتصور أن يخطب على خطبة الذمي والحربي؟ لأن الذمي والحربي لا يمكن أن يتزوجا مسلمة؟ فالجواب: أن المسلم يجوز أن يتزوج امرأة نصرانية أو امرأة يهودية، فإذا أراد إنسان من المسلمين أن يخطب امرأة يهودية مثلاً وعلم أنه خطبها رجل يهودي فظاهر الحديث أنه يجوز أن يخطب على خطبة اليهودي؛ لأن اليهودي ليس أخا له، وكذلك لو كان الخاطب نصرانيا فيجوز أن تخطب، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن هذا حرام ولا يجوز أن يخطب على خطبة اليهودي ولا النصراني إذا كان لهما ذمة، أما إن كانا حربيين فليس لهما حق، ولهذا جاءت أحاديث متعددة في عدم جواز الاعتداء على حقوق أهل الذمة. فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث «أخيه»؟ قلنا: الجواب على هذا أنه خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فإنه لا مفهوم له عند أهل العلم، ولهذا أمثلة كثيرة منها قوله تعالى في معرض المحرمات في النكاح: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]. فإن قال: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾، والربائب اللاتي لسن في الحجور حرام على القول الراجح وهو قول الجمهور، قالوا: وهذا القيد خرج مخرج الغالب مبينا للعلة، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. إذن نقول: على هذا القول لا يجوز للإنسان المسلم أن يخطب على خطبة اليهودي والنصراني أو غيرهما من أهل الذمة، وهذا القول قوي، وفيه أيضا ما يقويه من الناحية التربوية؛ لأن غير المسلمين إذا رأوا هذا العدوان من المسلمين كرهوا الإسلام، لاسيما إذا قيل لهم: إن الإسلام يُجوز هذا الشيء فهذا يوجب النفور منه، فإذا علموا أن الإسلام يحترم الحقوق فإنهم قد يرغبون فيه على الأقل يكفون ألسنتهم عن التعرض له، وإن تعرضوا له عُلم كذبهم. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه مع الجهل: هل رُدَّ أم لم يرد؟ يعني: لو أنك سمعت أن شخصا خطب امرأة ولا تدري هل رُدُّ أم لم يُرد فهل يجوز أن تخطب؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، وهذا هو الحق أنه لا يجوز، وذلك لأن النبي ﷺ علق الحكم بمجرد الخطبة إذا خطب، وهذه الحال لا تخلو من ثلاثة أقسام:

стр. 2278

القسم الأول: أن يعلم أنه رُدّ. والقسم الثاني: أن يعلم أنه قبل، والقسم الثالث: أن يجهل، وفي هذه الحال سواء غلب على ظنه أنه قبل أو أنه رُدّ أو استوى الأمران، فالأقسام إذن ثلاثة: أن يعلم أنه رُدّ وفي هذه الحال يجوز أن يخطب، ومن أين نأخذها؟ من الحديث، لأنه إذا رُدّ فالخطبة غير قائمة، أن يعلم أنه قبل فهنا لا شك أنه حرام عليه. وهذان القسمان لا إشكال فيهما. القسم الثالث: ألا يعلم أقبل أم رُدّ، وهذه تحتها ثلاث حالات: أن يغلب على ظنه أنه قبل، أن يغلب على ظنه أنه رُد، أن يستوي الأمران، وفي هذه الأحوال الثلاث لا يجوز على القول الراجح أن يخطب على خطبة أخيه، لأن الرسول ﷺ علق الحكم بالخطبة وليس بالقبول، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخطبة في هذه الحال، أي: إذا كان لا يعلم أنه قيل ولا يعلم أنه رُدّ قالوا: لأنه حَتَّى الآن لم يتعلق حقه بالمرأة، ولكن هنا القول مُخالف لظاهر الحديث؛ ولأن المرأة وإن لم تكن قبلت أو أولياؤها، لكن قد تكون مالت إلى القبول، فإذا خطبها الثاني، رجعت عن الميل إلى قبول الثاني، فيصير في هذا عدوان، وفي البيع «نهى النبي ﷺ عن السوم على سوم المسلم»، مع أن البيع لم ينعقد، لكن إذا مال البائع إلى السائم فإنه لا يجوز لك أن تسوم عليه هذه مثلها، فالصحيح أنه لا يجوز أن يخطب حتى يعلم أنه ردّ. قال: «أو يترك الخاطب»، هذه الحال الثانيةُ، إذا ترك الخاطب عُلم أن الخاطب ترك خطبة المرأة وعدل، ولكن بأي طريق يعلم؟ سبق لنا أنه يعلم بالصريح كان يقول: والله أنا خطبت ولكن عدلت، أو يعلم من خبر ثقة أنه عدل، المهم أنه إذا ترك جازت الخطبة؛ لأنها الآن غير قائمة. الحال الثالثة: «أو يأذن له»، إذا أذن له وقال: يا فلان، علمت أنك تذكر فلانة وأنا قد خطبتها، ولكن آذن لك، ففي هذه الحال يجوز أن يخطب، فصار جواز الخطبة على خطبة الإنسان تكون في ثلاثة أحوال، وظاهر الحديث أنه لو أذن لغيره فإنه لا يحل لغير المأذون له أن يتقدم للخطبة، لأن الحديث نص أن يأذن له، وكما قلنا في شرح الحديث إن الإنسان قد يأذن لشخص ولا يأذن لآخر، والأصل الحرمة واحترام الخاطب حَتَّى يقوم دليل على أن هذا الأصل قد زال.

стр. 2279

حديث الواهبة: ٩٣٤ - وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي، فنظر إلها رسول الله ﷺ فصعد النظر فيها، وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه. فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك حاجة بها فزوجنيها. قال: فعل عندك من شيءٍ؟ فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله ما وجدت شيئا. فقال رسول الله ﷺ : انظر ولو خاتما من حديد، فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه. فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك من شيء فجلس الرجل، وحتى إذا طال مجلسه قام؛ فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به، فلما جاء. قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عددها. فقال: تَقْرَؤُهُنَّ عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن». متفق عليه، واللفظ لمسلم. قال: «امرأة» نكرة يعني: غير معروفة، وعدم معرفة المرأة لا يخل بالمعنى؛ لأن الأصل أن الأحكام عامة، ونجد بعض الناس يتكلف في تعيين الشخص وهو في الحقيقة لا حاجة إليه، اللهم إلا أن يتعلق بتعيينه حكم شرعي حينئذ لابد أن نعرفه [وإلا فلا]. «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي»، الهبة هي التبرع للشخص بدون مُقابل وهذا -أعني: هبة المرأة نفسها إلى شخص ليتزوجها- من خصائص النبي ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: ٥٠] يعني: وأحللنا لك امرأة مؤمنة ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقوله: «صعد النظر» أي: رفعه، «وصوّبه»، أي: نزله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. «صيب» يعني: مطر نازل من السماء، «وصعد النظر إليها وصوبه»، لأنه الآن خاطب، والخاطب يجوز أن ينظر إلى مخطوبته، ومن جهة أخرى أن كثيرا من العلماء ذكروا أن رسول الله ﷺ له خصائص في باب النظر وفي باب الخلوة بالمرأة، ومن هذه الخصائص أنه يجوز له أن ينظر إلى المرأة ويجوز أن يخلو بها، وذلك لأن الفتنة مأمونة غاية الائتمان بالنسبة لرسول الله ﷺ ، وأصل النظر إنما حرم لخوف الفتنة وإلا لكانت المرأة مثل الرجل، لكن لخوف الفتنة

стр. 2280

مُنع النظر ومنعت الخلوة، لكن الرسول ﷺ الفتنة مأمونة في حقه غاية الأمان؛ ولهذا جاز له أن ينظر إلى المرأة الأجنبية وأن يخلو بها، على أن لدينا علة أخرى في هذا الحديث وهي الخطبة. قال: «ثم طأطأ رأسه، يعني: نزله بمعنى: أنه صار لا ينظر إليها، «فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست»، وهذا من حُسن خلق الرسول ﷺ أنه لا يردُّ أحدًا أو يصدمه، فلو قال لها: أنا لا أريدك صار في هذا صد عظيم، لكنه طأطأ رأسه وسكت، والمرأة من فقهها جلست ولم تنصرف. «فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوّجُنيها»، هذا التماس وطلب وليس أمرًا؛ لأن مثل الصحابي لا يأمر النبي ﷺ ، لكن هذا من باب الترجي والالتماس أن يزوجه إيّاها، فقال: «هل عندك من شيء؟ » أولاً: نريد إعراب «من شيء؟ » مبتدأ، والخبر: «عندك»، وهنا نقول: إن «شيء» مبتدأ مرفوع بالابتداء بضمة مقدرة على آخره مع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ إذن هي نكرة مقرونة بحرف الجر الزائد فتكون دالة على العموم، يعني: أي شيء يكون، ولكن هذه النكرة مقيدة بأن تكون صالحة للمهر، يعني: هل عندك من شيء يصح أن يكون مهرًا ولا يصدق هذا بحبة الشعير كما قاله الظاهرية، لماذا؟ لأنه شيء وهو عام لكن هذا عام مخصوص بأن يكون هذا الشيء متموَّلا بدليل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [النساء: ٢٤]، لابد من المال أو المنفعة كما سيأتي. «فقال: لا والله»، أقسم الرجل أنه ليس عنده شيء، ومعلوم أن الرجل عنده شيء لكن ليس عنده شيء يصدقها إياه، وإلا فهو عنده إزار لا شك، عنده أهل، لكن المراد شيء يصدقها إياه، فقال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا». لو قال قائل: كيف يأمره أن يذهب إلى أهله ينظر وقد أقسم أنه لا يجد شيئا؟ فالجواب: أن الإنسان يحلف على غلبة ظنه وربما يكون هذا الظن، ولكن لو فتشت لوجدت، وكثيرا ما ينسى الإنسان أشياء في بيته فيقسم أنها ما عنده ويذهب يبحث فيجدها. «فذهب ثُمَّ رجع فَقَالَ: لا والله ما وجدت شيئًا» ما وجد ولا قرشًا واحدًا يعني: حال الصحابة ﵃ الدُّنيا ليست مفتوحة عليهم، فقال: «انظر ولو خاتما من حديد» يعني: هل عندهم شيء ولو خاتما من حديد. الخاتم معروف، والحديد معروف وهذا يضرب مثلاً
следующие страницы →