← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ويكون السامع قد خطبها من قبل فيقول له -أي: السامع- إني قد خطبتها ولكني أذنت لك أن تخطبها، هذا إذن صريح. وقوله: «أو يأذن له»، يدل على أنه لابد من إذن الخاطب، فلو أذن لغيره فإن ذلك لا ينفع؛ لأن الإنسان قد يتنازل عن خطبة المرأة لشخص معين ولا يتنازل عن خطبتها لشخص آخر، مثل: أن يرى أن الخاطب الثاني أو الذي يريد خطبتها أنفع لها منه، إما لغناه أو لعلمه أو لسبب آخر فيأذن له، لكنه لا يأذن إذنا عامًا فهنا يختص الإذن بمن عين وأذن له فقط. في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص الشارع على ثبوت الأخوة بين المسلمين، وجه ذلك: أن الخطبة على خطبة أخيه تُوجب التنافر والتعادي والبغضاء، ولهذا تجدون كثيرا من النصوص إذا تأملها الإنسان يجد أن الشريعة الإسلامية تراعي كثيرا المودة والألفة بين المؤمنين، انظر إلى الخمر والميسر والأنصاب والأزلام حزمها الله وبين الحكمة من ذلك فقال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١]. هذا، ولا يجوز البيع على بيع المسلم، وهناك نصوص كثيرة تدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي الأخوة بين الناس والألفة وعدم التفرق. ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة الإنسان على خطبة أخيه المسلم، لقوله: «لا يخطب» النهي، والأصل في النهي التحريم، ويُؤكد التحريم هنا أن في الخطبة على خطبة أخيه عدوانا عليه هو أحق وأسبق. فإن قال قائل: وهل يجوز للمرأة أن تخطب على خطبة أختها؟ نقول: القياس يقتضي ألا يجوز أن تخطب مثل أن تسمع امرأة بأن شخصا قد خطب فلانة فتعرض نفسها عليه فهذا حرام عليها، لأن العلة واحدة وهي العدوان على حق الغير. فإن قال قائل: ما الجواب عن حديث فاطمة بنت قيس أنه خطبها ثلاثة معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، ما الجواب؟ وجاءت تستشير النبي ﷺ في ذلك، فبيّن لها أن معاوية صعلوك لا مال له، وأن أبا جهم ضراب للنساء، ثم قال: وانكحي أسامة، فما الجواب؟ الجواب أن يُقال: إن هؤلاء الثلاثة كل واحد خطب دون أن يعلم بأن الثاني قد خطب لأن هذه قضية عين وليست فيها التصريح بأن كل واحد منهم خطب وهو يعلم أن أخاه قد خطب. فإذن تُحمل هذه القضية على ما يوافق الشرع، على أن كل واحد خطب دون أن يعلم بخطبة الثاني وحينئذٍ لا إشكال.

стр. 2277

ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة الذمي والحربي، ولكن لو سألنا سائل كيف يتصور أن يخطب على خطبة الذمي والحربي؟ لأن الذمي والحربي لا يمكن أن يتزوجا مسلمة؟ فالجواب: أن المسلم يجوز أن يتزوج امرأة نصرانية أو امرأة يهودية، فإذا أراد إنسان من المسلمين أن يخطب امرأة يهودية مثلاً وعلم أنه خطبها رجل يهودي فظاهر الحديث أنه يجوز أن يخطب على خطبة اليهودي؛ لأن اليهودي ليس أخا له، وكذلك لو كان الخاطب نصرانيا فيجوز أن تخطب، ولكن بعض أهل العلم يقول: إن هذا حرام ولا يجوز أن يخطب على خطبة اليهودي ولا النصراني إذا كان لهما ذمة، أما إن كانا حربيين فليس لهما حق، ولهذا جاءت أحاديث متعددة في عدم جواز الاعتداء على حقوق أهل الذمة. فإن قال قائل: ما الجواب عن الحديث «أخيه»؟ قلنا: الجواب على هذا أنه خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فإنه لا مفهوم له عند أهل العلم، ولهذا أمثلة كثيرة منها قوله تعالى في معرض المحرمات في النكاح: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]. فإن قال: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾، والربائب اللاتي لسن في الحجور حرام على القول الراجح وهو قول الجمهور، قالوا: وهذا القيد خرج مخرج الغالب مبينا للعلة، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. إذن نقول: على هذا القول لا يجوز للإنسان المسلم أن يخطب على خطبة اليهودي والنصراني أو غيرهما من أهل الذمة، وهذا القول قوي، وفيه أيضا ما يقويه من الناحية التربوية؛ لأن غير المسلمين إذا رأوا هذا العدوان من المسلمين كرهوا الإسلام، لاسيما إذا قيل لهم: إن الإسلام يُجوز هذا الشيء فهذا يوجب النفور منه، فإذا علموا أن الإسلام يحترم الحقوق فإنهم قد يرغبون فيه على الأقل يكفون ألسنتهم عن التعرض له، وإن تعرضوا له عُلم كذبهم. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه مع الجهل: هل رُدَّ أم لم يرد؟ يعني: لو أنك سمعت أن شخصا خطب امرأة ولا تدري هل رُدُّ أم لم يُرد فهل يجوز أن تخطب؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، وهذا هو الحق أنه لا يجوز، وذلك لأن النبي ﷺ علق الحكم بمجرد الخطبة إذا خطب، وهذه الحال لا تخلو من ثلاثة أقسام:

стр. 2278

القسم الأول: أن يعلم أنه رُدّ. والقسم الثاني: أن يعلم أنه قبل، والقسم الثالث: أن يجهل، وفي هذه الحال سواء غلب على ظنه أنه قبل أو أنه رُدّ أو استوى الأمران، فالأقسام إذن ثلاثة: أن يعلم أنه رُدّ وفي هذه الحال يجوز أن يخطب، ومن أين نأخذها؟ من الحديث، لأنه إذا رُدّ فالخطبة غير قائمة، أن يعلم أنه قبل فهنا لا شك أنه حرام عليه. وهذان القسمان لا إشكال فيهما. القسم الثالث: ألا يعلم أقبل أم رُدّ، وهذه تحتها ثلاث حالات: أن يغلب على ظنه أنه قبل، أن يغلب على ظنه أنه رُد، أن يستوي الأمران، وفي هذه الأحوال الثلاث لا يجوز على القول الراجح أن يخطب على خطبة أخيه، لأن الرسول ﷺ علق الحكم بالخطبة وليس بالقبول، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخطبة في هذه الحال، أي: إذا كان لا يعلم أنه قيل ولا يعلم أنه رُدّ قالوا: لأنه حَتَّى الآن لم يتعلق حقه بالمرأة، ولكن هنا القول مُخالف لظاهر الحديث؛ ولأن المرأة وإن لم تكن قبلت أو أولياؤها، لكن قد تكون مالت إلى القبول، فإذا خطبها الثاني، رجعت عن الميل إلى قبول الثاني، فيصير في هذا عدوان، وفي البيع «نهى النبي ﷺ عن السوم على سوم المسلم»، مع أن البيع لم ينعقد، لكن إذا مال البائع إلى السائم فإنه لا يجوز لك أن تسوم عليه هذه مثلها، فالصحيح أنه لا يجوز أن يخطب حتى يعلم أنه ردّ. قال: «أو يترك الخاطب»، هذه الحال الثانيةُ، إذا ترك الخاطب عُلم أن الخاطب ترك خطبة المرأة وعدل، ولكن بأي طريق يعلم؟ سبق لنا أنه يعلم بالصريح كان يقول: والله أنا خطبت ولكن عدلت، أو يعلم من خبر ثقة أنه عدل، المهم أنه إذا ترك جازت الخطبة؛ لأنها الآن غير قائمة. الحال الثالثة: «أو يأذن له»، إذا أذن له وقال: يا فلان، علمت أنك تذكر فلانة وأنا قد خطبتها، ولكن آذن لك، ففي هذه الحال يجوز أن يخطب، فصار جواز الخطبة على خطبة الإنسان تكون في ثلاثة أحوال، وظاهر الحديث أنه لو أذن لغيره فإنه لا يحل لغير المأذون له أن يتقدم للخطبة، لأن الحديث نص أن يأذن له، وكما قلنا في شرح الحديث إن الإنسان قد يأذن لشخص ولا يأذن لآخر، والأصل الحرمة واحترام الخاطب حَتَّى يقوم دليل على أن هذا الأصل قد زال.

стр. 2279

حديث الواهبة: ٩٣٤ - وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي، فنظر إلها رسول الله ﷺ فصعد النظر فيها، وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه. فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك حاجة بها فزوجنيها. قال: فعل عندك من شيءٍ؟ فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله ما وجدت شيئا. فقال رسول الله ﷺ : انظر ولو خاتما من حديد، فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه. فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك من شيء فجلس الرجل، وحتى إذا طال مجلسه قام؛ فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به، فلما جاء. قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عددها. فقال: تَقْرَؤُهُنَّ عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن». متفق عليه، واللفظ لمسلم. قال: «امرأة» نكرة يعني: غير معروفة، وعدم معرفة المرأة لا يخل بالمعنى؛ لأن الأصل أن الأحكام عامة، ونجد بعض الناس يتكلف في تعيين الشخص وهو في الحقيقة لا حاجة إليه، اللهم إلا أن يتعلق بتعيينه حكم شرعي حينئذ لابد أن نعرفه [وإلا فلا]. «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي»، الهبة هي التبرع للشخص بدون مُقابل وهذا -أعني: هبة المرأة نفسها إلى شخص ليتزوجها- من خصائص النبي ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: ٥٠] يعني: وأحللنا لك امرأة مؤمنة ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقوله: «صعد النظر» أي: رفعه، «وصوّبه»، أي: نزله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. «صيب» يعني: مطر نازل من السماء، «وصعد النظر إليها وصوبه»، لأنه الآن خاطب، والخاطب يجوز أن ينظر إلى مخطوبته، ومن جهة أخرى أن كثيرا من العلماء ذكروا أن رسول الله ﷺ له خصائص في باب النظر وفي باب الخلوة بالمرأة، ومن هذه الخصائص أنه يجوز له أن ينظر إلى المرأة ويجوز أن يخلو بها، وذلك لأن الفتنة مأمونة غاية الائتمان بالنسبة لرسول الله ﷺ ، وأصل النظر إنما حرم لخوف الفتنة وإلا لكانت المرأة مثل الرجل، لكن لخوف الفتنة

стр. 2280

مُنع النظر ومنعت الخلوة، لكن الرسول ﷺ الفتنة مأمونة في حقه غاية الأمان؛ ولهذا جاز له أن ينظر إلى المرأة الأجنبية وأن يخلو بها، على أن لدينا علة أخرى في هذا الحديث وهي الخطبة. قال: «ثم طأطأ رأسه، يعني: نزله بمعنى: أنه صار لا ينظر إليها، «فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست»، وهذا من حُسن خلق الرسول ﷺ أنه لا يردُّ أحدًا أو يصدمه، فلو قال لها: أنا لا أريدك صار في هذا صد عظيم، لكنه طأطأ رأسه وسكت، والمرأة من فقهها جلست ولم تنصرف. «فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوّجُنيها»، هذا التماس وطلب وليس أمرًا؛ لأن مثل الصحابي لا يأمر النبي ﷺ ، لكن هذا من باب الترجي والالتماس أن يزوجه إيّاها، فقال: «هل عندك من شيء؟ » أولاً: نريد إعراب «من شيء؟ » مبتدأ، والخبر: «عندك»، وهنا نقول: إن «شيء» مبتدأ مرفوع بالابتداء بضمة مقدرة على آخره مع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ إذن هي نكرة مقرونة بحرف الجر الزائد فتكون دالة على العموم، يعني: أي شيء يكون، ولكن هذه النكرة مقيدة بأن تكون صالحة للمهر، يعني: هل عندك من شيء يصح أن يكون مهرًا ولا يصدق هذا بحبة الشعير كما قاله الظاهرية، لماذا؟ لأنه شيء وهو عام لكن هذا عام مخصوص بأن يكون هذا الشيء متموَّلا بدليل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [النساء: ٢٤]، لابد من المال أو المنفعة كما سيأتي. «فقال: لا والله»، أقسم الرجل أنه ليس عنده شيء، ومعلوم أن الرجل عنده شيء لكن ليس عنده شيء يصدقها إياه، وإلا فهو عنده إزار لا شك، عنده أهل، لكن المراد شيء يصدقها إياه، فقال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا». لو قال قائل: كيف يأمره أن يذهب إلى أهله ينظر وقد أقسم أنه لا يجد شيئا؟ فالجواب: أن الإنسان يحلف على غلبة ظنه وربما يكون هذا الظن، ولكن لو فتشت لوجدت، وكثيرا ما ينسى الإنسان أشياء في بيته فيقسم أنها ما عنده ويذهب يبحث فيجدها. «فذهب ثُمَّ رجع فَقَالَ: لا والله ما وجدت شيئًا» ما وجد ولا قرشًا واحدًا يعني: حال الصحابة ﵃ الدُّنيا ليست مفتوحة عليهم، فقال: «انظر ولو خاتما من حديد» يعني: هل عندهم شيء ولو خاتما من حديد. الخاتم معروف، والحديد معروف وهذا يضرب مثلاً

стр. 2281

للقلة، يعني: ولو أقل القليل، يعني: لو كان خاتما من حديد تعطيها إياه فافعل وليس هذا على أساس الدُبلة كما يظنه الناس لا، المقصود ولو شيئا زهيدًا كالخاتم من حديد، «فرجع فَقَالَ: ولا خاتماً من حديد»، لأن الرجل فقير، «ولكن هذا إزاري»، وليس عليه رداء، إزار فقط ستر به عورته، وما نزل من جسده، قال سهلٌ: ماله رداء، قال: «هذا إزاري فلها نصفه، فَقَالَ رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك؟ »، حتى لو أعطيت المرأة نصفه مهرا ماذا تصنع هل تستفيد منه؟ لا، ولهذا قال: «إن لَبِسْته لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْه لم يكن عليك منه شيء»، إزار ولعله لية واحدة، لو كان ليّات ربما يُقسم لكنه لية واحدة، «فجلس الرجل ... » إلخ. قوله: «ماذا معك من القرآن؟ » يعني: ما الذي معك من القرآن، وقوله: «اذهب فقد ملكتكها»، المعنى: انه ملكه ثم قال له: «اذهب فقد ملكتكها»، قال: «بما معك من القرآن»، الباء هنا اختلف العلماء ﵏ فيها فقال بعضهم: إنها سببية، وقال بعضهم: إنها عِوضية، والفرق بين القولين ظاهر، فإن قلنا: إنها سببية صار معنى الحديث: أن النبي ﷺ جعل حفظه لهذه السور مهرا، ومعلوم أن هذا لا تنتفع به المرأة، وإن قلنا: إنها عوض صار المعنى: أنك تعلمها مما معك من القرآن، والأقرب الثاني، لأنه هُوَ الموافق لقوله تعالى: ﴿أن تبّتغُوا بأمَولِكُم﴾ [النساء: ٢٤]، وملك تنصب مفعولين الكاف والثاني هاء وهي من باب كسا، والفرق بين كسا وظن وبابها أن ظن وبابها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، بمعنى: أنك لو جردت الجملة عن العامل لصار الباقي مبتدأ وخبر، تقول: «ظننت زيدا قائمًا» احذف العامل «زيد قائم»، لكن «كسوت عَمْراً جُبّة»، احذف الفعل «عمرو جبة»، فلا يصلح، «ملكتكها» احذف ملكت هل يصلح «أنت إياها؟ »، لا يصلح، قال: «ملكُتُكها»، ويجوز من حيث اللغة العربية أن يعبر فيقال: ملكتك إيّاها، «بما معك من القرآن» قلنا: إن الباء الراجح أنها للعوض، ويرجح هذا أمران: الأول: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [النساء: ٢٤] فشرط الله لحل المرأة أن يكون ذلك بالمال. والوجه الثاني: أن في بعض ألفاظ هذا الحديث: «فَعَلَمُها»، وهذا يدل على أن الباء للعوض وليست للسببية، وهنا قال: «بما معك من القرآن» هل هذا مجهول؟ الجواب: لا؛ لأنه قال في الأول: معي سورة كذا وكذا فبينها، واللفظ لمسلم. وفي رواية: كما قال: «انطلق فقد زوجتکها، فعلِّمها من القرآن». وفي رواية للبخاري: «أمكناكها بما معك من القرآن»، يعني: جعلناك متمكنًا فيها بما معك من القرآن، وفي لفظ ثالث: «زُوّجُتُكها بما معك من القرآن»، فالألفاظ مختلفة، وهذا الاختلاف لو ادَّعى مدعً أنه اضطراب يُوجب ضعف الحديث فهل نسلم له ذلك؟ لا، لماذا؟ لأن الألفاظ هنا لا تتعارض، والمضطرب

стр. 2282

? شرطه ألا يمكن الجمع، أن يتعارض اللفظان ولا يمكن الجمع ولا الترجيح، فإن أمكن الجمع جُمع وإن لم يمكن أخذنا بالترجيح، فإن لم يمكن لا هذا ولا هذا فحينئذٍ نحكم بالاضطراب، والاضطراب هو أحد أسباب الطعن في الحديث. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة: أخذ بعض العلماء منه أكثر من أربعين فائدة، ويمكن ألا يستطيع بعض العلماء أن يستخرج منه عشرين فائدة، ويمكن أن يكون من دون العلماء لا يستطيع أن يفهم إلا ست أو سبع؛ فوائد لأن الناس يختلفون في الفهم اختلافا عظيمًا. رُب نص واحد يأخذ منه بعض العلماء فوائد كثيرة وآخرون لا يأخذون منه إلا قليلاً من الفوائد، ولهذا قيل لعلي بن أبي طالب: هل خصكم النبي ﷺ بشيء يعني: من العلم؟ قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلا فهمَا يُؤتيه الله أحدًا في كتابه فهذا لا حدّ له وما في هذه الصحيفة، قالوا: وما في هذه الصحيفة؟ العقل وفكاك الأسير وألا يُقتل مُستلم بكافر، ثلاث مسائل والباقي: «فهم يؤتيه الله من شاء»، فتجد بعض الناس يأخذ من النص الواحد مسائل كثيرة والبعض لا يأخذ، فلنعد للحديث. من فوائد الحديث: أنه يجوز التحدث عن المبهم إذا لم يتعلق بتعيينه فائدة لقوله: «جاءت امرأة»، ولم يُعينها. وفي الحديث: جواز هبة المرأة نفسها لرسول الله ﷺ هبة مجردة بدون عوض لقولها: «يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي»، وهل يقاس عليه غيره؟ لا، لا يجوز لامرأة أن تهب نفسها لأحد هبة مجردة عن العوض، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فإن زوجت المرأة نفسها شخصا بدون مهر فالنكاح صحيح، وعليه مهر المثل، وحينئذٍ نقف هنا لنقسم هذه المسألة. القسم الأول: أن يتزوج الرجل المرأة بمهر معين مثل أن يقول ولي المرأة: زوّجتك ابنتي بمهر قدره عشرة آلاف، فهذا جائز ولا حرج فيه بالاتفاق، وفي الحديث: «زَوَجُتُكها بما معك من القرآن». القسم الثاني: أن يزوجها بمهر معين لكنه غير معلوم مثل أن يقول: زوِّجُتُكها بما في يدك من الدراهم وهو معه صرة من الدراهم هذا أيضا جائز ولا يضر فيه الجهل؛ وذلك لأن عقد النكاح ليس من عقود العوض التي تقع فيها المشاحة، ويكون كل من العاقدين يريد الربح المالي، عقد النكاح عقد متعة بقطع النظر عن عوضه؛ إذن هذا يصح.

стр. 2283

القسم الثالث: أن يزوجها ويسكت فيقول: زوجتك ابنتي، فيقول: قبلت، ولا يذكرون المهر، فهنا يصح النكاح أيضا بالاتفاق ويكون لها مهر المثل. القسم الرابع: أن يتزوجها ويشترط الزوج أن لا مهر عليه، فيقول: أنا قبلت النكاح لكن بشرط أن لا مهر علي، فما الحكم؟ في هذه المسألة قولان: الأول: أن النكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحل المال قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعلى هذا فلا نكاح في هذه الحال، ويكون هذا الذي عقد له خاطبًا من الخطاب إن خطب من جديد ورضينا أن نزوجه زوجناه وبالمهر. القول الثاني: أن النكاح صحيح ويجب لها مهر المِثل قياسًا على ما إذا زوجه ولم يسم مهرا، ولكن هذا القياس قياس مع الفارق؛ وذلك لأن المتزوجة بدون تسمية مهر قد دل القرآن والسنة على صحة نكاحها، فقال الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ومن المعلوم أن الطلاق لا يكون إلا بعد صحة العقد، وهذه الآية صريحة في أن الإنسان يطلق زوجته بدون أن يُسمّي لها مهرا، وأما السُنة فحديث ابن مسعود في المرأة يتزوجها الرجل ولم يُسم لها مهرا ثم يموت قال: لها مهر المثل، فقام رجل فقال: إن النبي ﷺ قضى بمثل ذلك، هذا لا يصح أن يُقاس عليه ما إذا زوجها وشرط أن لا مهر؛ لأنه إذا شرط أن لا مهر فهو مُخالف تمامًا لظاهر القرآن وهو قوله تعالى: (وأحلَ لَكُمْ مَا وَراء ذلكم أن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]، فالقول الصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وأيضا إذا تزوجها بشرط أن لا مهر عليه فهذه حقيقة الهبة، وقد قال الله تعالى في الهبة إنها خاصة بالرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته؛ لقوله: «فصعُد فيها النظر»، فإن قيل: إن الرسول ﷺ لم يخطب، قلنا: هذا أولى من الخاطب أن تأتي المرأة تعرض نفسها على الرجل، فإذا جاز للخاطب أن ينظر فالمطلوب المخطوب من باب أولى. ومن فوائد الحديث: جواز تكرار النظر من الخاطب للمخطوبة لقوله: «فصعّد وصوّب»، وهو كذلك، فلا حرج للخاطب أن يكرر النظر لمخطوبته، ولكن سبق لنا أنه لابد من شروط، ولأن النظرة الأولى أو الواحدة قد لا تُعطي الإنسان تصورا كاملاً عن المرأة. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها عن الرجال الأجانب؛ لأن النبي ﷺ صعد فيها النظر وصوبه، وأشد ما يرغب الرجل إليه من المخطوبة هو الوجه، وعلى هذا فيكون في الحديث دليل على جواز كشف المرأة وجهها عند الرجال الأجانب، هكذا

стр. 2284

استدل به بعض العلماء، والحقيقة أنه لا دليل في الحديث، أولاً: لأن هناك جوابًا مجملاً عن كل حديث يدل على أن المرأة يجوز أن تكشف وجهها عند الرجال الأجانب، هناك جواب مجمل وهو أن من المعلوم أن لكشف الوجه حالين: حال جواز، وحال منع، يعني: أن كشف الوجه في أول الإسلام كان جائز، فإن الحجاب لم يفرض إلا في السُنة الخامسة أو السادسة، فكل حديث يدل على أن المرأة تكشف وجهها عند الرجال الأجانب فإنه يحتمل أن يكون قبل الحجاب وإذا كان كذلك فلا دليل فيه، والقاعدة المعروفة عند العلماء في الاستدلال أن ما كان محتملاً لا يصح أن يكون دليلاً، لأن المحتمل له معنيان، فحمله على أحد المعنيين دون دليل يحتاج إلى دليل، ولهذا قالوا: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فحينئذ نقول: هذا الحديث -حديث سهل- إن ثبت أن المرأة كاشفة وجهها فإنه محمول على ما قبل الحجاب، على أننا نمنع من كون هذا الحديث دالاً على كشف المرأة وجهها؛ لأنه لا يلزم من تصعيد النظر وتصويبه أن تكون كاشفة، فالإنسان قد يستدل على المرأة بهيكلها وبهاء جسمها ومقاطعه مثلاً؛ لأنه قد يستدل بالجملة على التفصيل، فليس فيه دليل واضح على أنها قد كشفت الوجه، وحينئذ تبقى النصوص الدالة على وجوب ستر المرأة وجهها عن الأجانب تبقى مُحكمة لا معارض لها. ومن فوائد ألحديث: حُسن خلق الرسول ﷺ من قوله: «ثمّ طأطأ رأسه وسكت»، لم يقل: لا أريدك وهو لا يريدها فلم يقل: أنا قابل، ولكن من حُسن خلقه أنه طأطأ رأسه هكذا وسكت. ومن فوائد الحديث: حُسن أدب هذه المرأة؛ لأنها جلست ولم تتكلم ولم تغضب وذهبت مع أن المقام يقتضي أن تغضب، لكن من أدبها ﵂ وصبرها وتحملها أنها جلست لعل النيي ﷺ يقبل لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا فجلست. ومن فوائد الحديث: حُسن أدب الصحابة ﵃ في مخاطبة النبي ﷺ ، لقول الرجل: ما رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، ونظير هذا القول ذي اليدين حين سلم النبي ﷺ من ركعتين في صلاة الظهر أو العصر، وكان النبي ﷺ مَهيبًا يهابه أخص أصحابه به في القوم أبو بكر وعمر وهما أخص أصحابه فهابا أن يُكلماه، وفي القوم رجل له يدان طويلتان كان النبي ﷺ يمزح عليه يسميه ذا اليدين، فقال ذو اليدين: «يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ ». لا قال: نسيت، ولا قال: قُصرت، السرعان من الناس خرجوا يقولون: قصرت الصلاة، لكن هذا الرجل قال: أنسيت أم قصرت الصلاة، فيه احتمال ثالث لكنه بالنسبة

стр. 2285

للرسول ﷺ غير وارد القسمة العقلية تقتضي ثلاثة احتمالات: نسي، قصرت، الثالث: تعمد السلام قبل التمام ولكنه غير وارد، ولهذا لم يورده لو أنه أورده لكان فيه إساءة أدب عظيمة، فقال النبي ﷺ : «لم أنس ولم تُقصر»، أحد الاحتمالين غير صحيح وهو خبر، وهل في أخبار النبي ﷺ ما ليس بصحيح؟ لا، ولكن بناء على ظنه، وهذا نأخذ منه فائدة كبيرة وهو أن الذي يخير على حسب ظنه فيقع الأمر على خلاف ظنه لا يُعد كاذبًا، وإن كان حالفا لم يحنث سواء في المستقبل أو في الماضي، لما قال: «لم أنس ولم تقصر»، هنا أمران منفيان: أمر محتمل وأمر غير محتمل، لما جزم به الرسول ﷺ ما هو غير المحتمل؟ القصر لما قال: لم تُقصر تعين الثاني وهو النسيان ولهذا قال: «بلى قد نسيته»، فتعارض عند النبي ﷺ ما في نفسه وما في نفس ذي اليدين، لأن النبي ﷺ يعتقد أن الصلاة تامة وذو اليدين يقول: إنها غير تامة، فاحتاج إلى حكم بينهما، فرجع إلى الناس قال: «أحق ما يقول ذو اليدين؟ » قالوا: «نعم»، فتقدم فصلى ما ترك. أقول: إن من رأى أدب الصحابة وجدهم على أكمل ما يكون من الأدب مع الرسول ﷺ ولهذا قال هنا: يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها». ومن فوائد الحديث: أن النيي ﷺ له أن يتزوج بلا ولي؛ لأن المرأة لما قالت: «قد وهبت لك نفسي»، لم يقل: أين وليك يزوجني وهو كذلك له أن يتزوج بلا مهر ولا ولي، وقد خصه الله تعالى بخصائص كثيرة في باب النكاح؛ لأن هذا فيه مصلحة عظيمة، كل امرأة تتصل بالرسول ﷺ سوف تحفظ لنا سننا كثيرة وعلمًا كثيرًا في مسائله الداخلية، ولهذا أبيح له أن يتزوج ما يشاء حتى نزل ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. ومن فوائده أيضًا: أن النبي ﷺ له أن يزوج دون أن يرجع إلى الولي لما قال الرجل: «زوجنيها» لم يقل: لست بولي لها، ولا قال: أين وليها، وهو كذلك لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وهو بهذه المرأة أولى من وليها. ومن فوائد الحديث: جواز المهر قليلاً كان أو كثيرا لقوله: «شيء»، وشيء نكرة في سياق الاستفهام فتفيد العموم، وهل يشمل كل شيء وإن كان غير مُتَمَول؟ عند الظاهرية نعم، حَتّى لو قال: زوجتكها على قشر بيضة؛ لأنه شيء، حتى لو قال: زوجتكها على حبة شعير، لأنه شيء، ولكن هذا القول ضعيف جدًا، لأن ما لا يتمول ليس بشيء، والدليل على ضعف هذا القول قول الله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤] فلابد أن يكون المهر متمولاً، ثم هناك دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وحبة الشعير ما تتنصف، المهم: أن هذا من عيب المستدل أن يأخذ بدليل واحد ويترك بقية الأدلة، ولهذا يصعب كثيرا على الإنسان أن يخول لنفسه باب الاجتهاد دون أن يكون عنده سعة علم، يوجد بعض الناس

стр. 2286

ولاسيما النشء الجديد تجده إذا علم مسألة بدليلها يحكم مباشرة دون أن ينظر إلى بقية الأدلة، وهذا نقص، لأن الأدلة الشرعية كتلة واحدة لا تتجزأ لابد أن يكون عند الإنسان إلمام، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يُلم بكل دليل لكن لابل أن يكون عنده شيء. ومن فوائد الحديث: جواز القسم بدون طلبه لقوله: «لا والله يا رسول الله»، مع أن النبي ﷺ لم يطلب منه أن يقسم، لكن المقام يستدعي التوكيد، فلذلك أقسم الرجل. ومن فوائده: جواز مخاطبة الكبير للشرف بـ «لا» من قوله: «لا»، وله شواهد قال النبي ﷺ لجابر بن عبل الله: «بعنيه» أي: الجمل، فقال: «لا»، عند الناس الآن يستعيبون أن يقولوا كلمة «لا» لذي الشرف والسيادة، يقولون: (مالك لدي) بدلاً من «لا»، ولكن ما دام الصحابة ﵃ وهم أكمل منا أدبًا يُخاطبون الرسول ﷺ وهو أعظم الناس سؤددًا وشرفا بكلمة «لا» فلا ينبغي أن ندعها ونقول: إن غيرها أفضل منها. ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ حيث قال له: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ »؛ لأن النبي ﷺ إنما قال ذلك لاحتمال أن يكون هذا الرجل في بيته شيء لم يعلم به، وهذا يقع كثيرا يكون في بيتك شيء وتنفيه وهو موجود إما نسيانا وإما لأنك لا تعلم به، إذن نأخذ منه: حكمة الرسول ﷺ في معاملة الصحابة. ومن فوائد الحديث: كمال أدب الصحابة أيضا مع الرسول ﷺ ، فإن الرجل لما قال له: «اذهب فانظر هل تجد شيئا؟ »، ذهب مع أنه في الأول يقول: «لا والله ما عندي شيء»، ومع ذلك ذهب، وهذا الذهاب يحتمل أنه امتثال لأمر النبي ﷺ ، ويُحتمل أن الرجل قدّر في نفسه لعل الرسول ﷺ بلغه أن في البيت شيئا لم يعلمه عن طريق، الوحي ولهذا ذهب الرجل، على كل حال: يدل على كمال أدبه، لأنه ذهب بدون أن يستفهم. ومن فوائد الحديث: جواز لبس خاتم الحديد لقوله: «انظر ولو خاتماً من حديد» لأن المقصود من الخاتم أن يلبس وإلا ما الفائدة، قد يقول قائل يُباع يبيعه على من يلبسه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: إنه لا يجوز لبس خاتم الحديد، واستدلوا بحديث لكنه ضعيف أن الرسول ﷺ قال: «إنه حلية أهل النار»، وهذا يدل على الذم، ولكن الصحيح أنه جائز لهذا الحديث الثابت في الصحيحين وهو أقوى من قوله: «إنه حلية أهل النار» على أن حديث: «إنه حلية أهل النار» يُحتمل أن المعنى: أن المشركين في ذلك الوقت كانوا يتحلون به

стр. 2287

فقال: إنه حليتهم تنفيرا من التشبه بهم لا من أجل كراهة الحديد ذاته. فالله أعلم، لكن ما دام عندنا حديث ثابت في الصحيحين فالأخذ به أولى، وهل يُقاس على ذلك ما تحفظ به الساعة وهو ما يسمى بالأستيك؟ يرى بعض العلماء أن يُقاس على الخاتم من الحديد وأنه لا يجوز للرجل - على القول بالتحريم أو الكراهة - أن يلبس هذا النوع من سيور الساعات، ولكن قد ينازع في ذلك؛ لأن الغالب أن المقصود من هذه السيور حفظ الساعة دون النظر إلى كونه حُلية، وإن كان بعض الناس قد يقصد هذا السير ولهذا تجده يختار شيئا معيّنا دون شيء آخر، لكننا إذا قلنا بأن الأصل وهو الخاتم ليس بحرام فهذا الفرع من باب أولى. ومن فوائد الحديث: أن المهر يصح بالقليل والكثير لقوله: «انظر ولو خاتماً من حديد»، ويصح أيضا في المنافع كما سيأتي، ويستفاد من هذه الجملة: جواز لبس خاتم الحديد وحينئذ يطلب الجمع بينه وبين وصف الرسول ﷺ خاتم الحديد بأنه حلية أهل النار والجمع إنما يُطلب عند التقابل للترجيح، وهذا الحديث كما رأيتم في الصحيحين حديث: «إنّ خاتم الحديد حلية أهل النار»، فإن كثيرا من العلماء ضعُفه وقال: إنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وحينئذ لا يكون مقاومًا لهذا الحديث الصحيح حتى يُطلب الجمع. ومن فوائد الحديث: أنه يوجد في الصحابة الفقر العظيم بحيث إن الرجل لا يجد إلا ما يلبسه يؤخذ من قوله: «ولا خاتم من حديد ولكن هذا إزاري». ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب ستر أعلى البدن، ووجهه: أن هذا الرجل ليس له رداء كما قال سهل: «ما له رداء»، ويدل لذلك أيضا حديث جابر بن عبد الله ﵁، أن النبي ﷺ قال في الثوب: «إن كانَ واسعًا فالتحف وإن كان ضيقًا فائتزر به»، وقد صلى جابر نفسه ﵁ بإزار، وكان رداؤه عنده يستطيع أن يلبسه. ومن فوائد الحديث: جواز القسم أو الحلف بلا استحلاف؛ لأن الرجل حلف دون أن يستحلفه النبي ﷺ فأقره النبي ﷺ والنبي لا يقر على شيء مُحَرَّم، ولهذا كان من أدلة الجواز إقرار النبي ﷺ للشيء كما كان العلماء ﵏ يستدلون بهذا على حل الشيء فيقولون: كان هذا يفعل على عهد النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يجوز أن يبذل ضروراته لغيره لقول النبي ﷺ : «وإنْ لبسته لم يكن عليك منه شيء»، وظاهر هذا الحديث هذه الجملة فيها إشكال لقوله: «إن لبسته»، وذلك أن الإزار للرجال لا يماثل إزار النساء، وإذا كان لا يماثله فإن لبس المرأة للإزار يكون

стр. 2288

تشبهًا بالرجال، وتشبه النساء بالرجال من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، فماذا تقول عن ظاهر الحديث؟ يمكن أن جاب عنه بأن المراد بلبسها إياه استعمالها له سواء لبسته على هيئة ما يلبسه الرجل أو على هيئة أخرى، كأن تجعله سراويل مثلا لأن اللبس له وجوه متعددة شتى، حَتَّى إن أنس بن مالك لما ذكر زيارة النبي ﷺ له ولأمه أو جدته مُليكة ذكر أنه أخذ حصيرًا قد أسودُ من طول ما لبس، والحصير لا يلبس ولكنه يُستعمل، فلبس كل شيء بحسبه فإذا كان ظاهر هذا الحديث أن المرأة تلبس إزار الرجل فإنه يجب حمله أنها تلبسه على وجه لا يماثل لبس الرجل له لئلا تقع في التشبه المتوعد عليه باللعنة. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا صبر ظفر، فإن هذا الرجل سكت وأطال القيام فلما قام جعل الله له فرجًا، يقول: «جلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام». ومن فوائد الحديث: جواز جعل المنفعة مهرا لقوله: «ملَكُتُكها بما معك من القرآن»، إذن فيجوز أن يكون المهر عينا، ويجوز أن يكون منفعة، ويؤيد هذا ما جرى لموسى ﵊ فإن مهر إحدى البنتين كان رعاية الغنم لمدة ثمان سنين أو عشر سنين. ومن فوائد الحديث: جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن عوض هذا التعيين كان البضع، والبضع لا يستباح إلا بالمال لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤] ومن فوائده: جواز جعل تعليم القرآن أجرة، فهل هناك فرق بين هذه الفائدة والتي قبلها؟ نعم، ما هو؟ يعني مثلاً شخص عنده بيت فقلت: أجرني إياه على أن أعلمك القرآن، فهنا جعلنا تعليم القرآن نفسه أجرة أما المسألة الأولى فإننا جعلنا مَن يُعلم القرآن يأخذ عليه أجرة، ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن يُجعل تعليم القرآن مهرا، واستدلوا بحديث ضعيف وهو أن النبي ﷺ قال: «لن تكون لمن بعدك مهرًا». وهذا الحديث ضعيف لا يصح، وعلى تقدير صحته فإنه يمكن أن يُفسر قوله: «لمن بعدك» أي: بعد حالك كما قلنا في حديث أبي بردة بن نيار حين قال له النبي ﷺ في العناق: «إنها لن تجزى عن أحد بعدك»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ليس المراد بعده في الزمن بل بعده في الحال والوصف؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية لا تُعطي أحدًا حُكما للشخص نفسه، لأن الأحكام الشرعية كلها معلقة بالوصف والمعنى المقضي لها حتى خصائص الأنبياء ليست خصائص لأعيانهم، فالنبي ﷺ أعطي

стр. 2289

آيات بينات؛ لأنه رسول الله وليس لأنه مُحَمّد بن عبد الله، وهذا الذي ذهب إليه ابن تيمية هُوَ الحق. ومن فوائد الحديث: أنه قد يكون فيه إشارة إلى اشتراط القدرة على تسليم المهر لقوله: «تقرأهن عن ظهر قلب»، لأن الإنسان الذي لا يقرأ القرآن عن ظهر قلب ربما لا يحصل على مصحف، لاسيما في الزمن السابق في عهد الرسول ﷺ ، لكن الذي يحفظ عن ظهر قلب قادر على أن يُعلم. ومن فوائد الحديث: انعقاد النكاح بما يدل عليه، لقوله: «فقد مَلَكُتُكها بما معك من القرآن»، وذكر المؤلف ثلاثة ألفاظ «ملكتكها، زوّجتكها، أمكناكها بما معك من القرآن»، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة هل ينعقد النكاح بكل لفظ يدل عليه أم لابد من لفظ معيّن؟ المذهب أنه لابد من لفظ معين وهو لفظ التزويج أو الإنكاح، أو الأمة يقول لها: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك كما جرى ذلك من النبي ﷺ في صفية بنت حيي، فإن النبي ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، ما هُوَ الدليل؟ قالوا: لأن هذا هُوَ اللفظ الذي جاء به القرآن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢]. فهذا اللفظ الذي جاء به القرآن فيجب أن نتقيد به، فيقال: إن المراد بهذا اللفظ ليس تعيين اللفظ، ولكن بيان المراد والمعنى، وإذا سلكتم هذا المسلك في الاستدلال لزمكم أن تقولوا إن البيع لا ينعقد إلا بلفظ البيع؛ لأن هذا هُوَ اللفظ الذي جاء به القرآن، فلفظ الإنكاح أو التزويج إنما جاء على الدلالة على المعنى المراد لا لتعيين هذا اللفظ، وكل شيء لا يتعبد بلفظه فإنه يرجع فيه إلى العرف هذه قاعدة مفيدة من العقود؛ لأن العقود حقائقها تعود إلى العُرف المصطلح عليه، فالصحيح أن عقد النكاح كغيره من العقود ينعقد بكل لفظ دل عليه سواء بلفظ التزويج أو الإنكاح أو بلفظ: أعتقتك، أو ملكتك بنتي، أو زوجتك بنتي، ما دام هذا اللفظ يُحدد المعنى فإنه ينعقد به النكاح. ومن فوائد الحديث: أنه يجب على الزوج أن يُسَلّم المهر لقوله: «فَعَلَمُهَا». ومن فوائد قوله: «فعلمها»: الرد على قول من قال: إن الباء في قوله: «بما معك»، للسببية، وأنه يتعين أن يكون معناها العوض، أي: ملكتك بما معك من القرآن بحيث تعلمها إياه.

стр. 2290

٩٣٥ - ولأبي داود: عن أبي هريرة قال: «ما تحفظ؟ قال: سورة البقرة والتي تليها. قال: قم فعلمها عشرين آية». «ما» هذه استفهامية، يعني: أي شيء تحفظ من القرآن؟ قال: «سورة» بالنصب من أجل أن يطابق الجواب السؤال كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. بالنصب، فإذن الصواب سورة البقرة ... إلخ. ولكن هذا اللفظ الذي رواه أبو داود يعارض اللفظ الذي في الصحيحين لأن ظاهر لفظ الصحيحين أنه زوجها بكل ما معه وهذا يقول: «علمها عشرين آية»، فالظاهر أن هذه اللفظة غير محفوظة. إعلان النكاح: ٩٣٦ - وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ﵃، أن رسول الله ﷺ قال: «أعلنوا النكاح». رواه أحمد، وصححه الحاكم. «أعلنوا» لخطاب للأمة، والإعلان هو الإظهار، وضده الإسرار، وقوله: «أعلنوا النكاح» يشمل إعلان عقده وإعلان الدخول، أي: أنه يشمل العقد والدخول الذي فيه تُسلّم المرأة للرجل، وإنما أمر النبي ﷺ بإعلان النكاح لما فيه من الفوائد. * فمن فوائد إعلان النكاح: أنه يتضح به الفرق بين النكاح والسفاح؛ لأن السفاح -الذي هو الزنا- إنما يكون خفية وسرا، فبإعلان النكاح يتميز الفرق بين هذا وهذا. ومن فوائده إعلان الشعيرة الفطرية الشرعية وهي النكاح؛ لأن النكاح يقتضيه الشرع والفطرة والجبلة التي جبل الله عليها الخلق. ومنها: أنه يكون فيه تشجيع للاقتداء به والتآسي، فإنه إذا انتشر اقتدى به أمثاله وتزوجوا كما تزوج مثيلهم. ومنها أيضا: أنه ربما يكون عند أحد علم برضاع بين الزوج والزوجة، فإذا أشهر وأعلن وتبين فإنه يندفع بذلك مفسدة أن يتزوج ثم يدخل ثم يأتي بأولاد ثم بعد ذلك تظهر الشهادة. هذه فوائد إعلان النكاح الذي أمر به النبي ﷺ وقوله: «أعلنوا» أمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولكن لا يُعلم به قائل من أهل العلم، أي: بوجوب إعلان النكاح، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له أنه لم يقل به أحد من أهل العلم، فيكون للاستحباب، واعلم أن النكاح أتم ما يكون إذا اجتمع فيه الإشهاد والإعلان هذا أتم ما يكون، فإن اجتمع الإشهاد

стр. 2291

مع الإسرار فقد اختلف العلماء في صحته فمنهم من يرى أنه صحيح ومنهم من يتوقف؛ لأن الإشهاد مع الإسرار لا يُستفاد به فائدة كبيرة. الثالث: أن يكون الإعلان بدون إشهاد يعني: يتزوج إنسان لحضور الولي بدون إشهاد، مثل أن يقول: زوّجتك بنتي، فيقول: قبلت، ثم بعد ذلك يُعلن فقد اختلف العلماء في صحته، والراجح أنه صحيح كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لأن الإعلان أبلغ من الإشهاد المجرد، ثم إن الإعلان تحصل به الشهادة، لأن هذا مما يُعلم بالاستفاضة، بقي أن يخلو من الإعلان والإشهاد فالنكاح لا يصح؛ لأنه فقد به الإشهاد الذي به يثبت النكاح والإعلان الذي به يظهر النكاح، فهذه أربعة أقسام في مسألة الإعلان والإشهاد. اشتراط الولي: ٩٣٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي». رواه أحمد والأربعة، صححه ابن المديني، والترمذي، وابن حِبان، وأعله بالإرسال. قوله: «لا نكاح إلا بولي»، النفي هنا ليس نفيًا لوجود النكاح، لماذا؟ لأنه قد يوجد النكاح بلا ولي، قد تُزّوج المرأة نفسها، فإذا تعذر أن يكون النفي نفيا للوجود يُحمل على نفي الصحة؛ لأن انتفاء الصحة عدم شرعي، وقولنا: في الأول: نفي الوجود، يعني: الوجود الحسي، فالأصل في النفي نفي الوجود الحسي، فإن لم يمكن انتقلنا إلى نفي الوجود الشرعي الذي يعبر عنه العلماء بنفي الصحة، فإن لم يمكن، يعنى: بأن دل الدليل على صحة هذا المنفي صار النفي نفيا للكمال، «لا نكاح إلا بولي» نقول: النفي للوجود؟ لا، لماذا؟ لأنه قد يوجد، قد تُزوج المرأة نفسها بلا ولي، نفي الصحة؟ نعم، نفي الكمال؟ لا، لأنه متى أمكن حمل النفي على نفي الصحة كان ذلك هو الواجب؛ لأنه الأصل في النفي، إذن لا نكاح يصح إلا بولي، أي:

стр. 2292

بولي يتولى عقده، والولي هو القريب، ويُشترط أن يكون عاصبًا، يعني: القريب من العصبة، أما ذو الأرحام والإخوة من الأم فليسوا من الأولياء، المراد بالولي العاصب. وقوله: «لا نكاح إلا بولي»، نقول: إن الحكمة من ذلك بأنه لا نكاح إلا بولي هو أن الولي عنده من المعرفة في الأمور ومن بعد النظر ما ليس عند المرأة. ثانيا: عنده من التأني وعدم الاندفاع ما ليس عند المرأة، أما المرأة فهي قاصرة النظر قريبة النظر كل إنسان يخدعها إما بمظهره أو بلين كلامه أو ما أشبه ذلك، فتنخدع وتقع في الهلكة وهي لا تشعر، فلهذا كان من رحمة الله بالمرأة ألا تزوج نفسها، وألا يزوجها إلا الولي. من فوائد الحديث: عدم صحة النكاح بغير ولي، فالولي إذن شرط في صحة النكاح، ويدل لاشتراطه قول الله ﵎: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. ﴿تُنكِحُوا﴾ فأتى بالفعل الرباعي، ولم يقل ولا تنكحن المشركين، وانظر أول الآية ماذا قال: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، لأن الرجل ينكح المرأة بنفسه، أما المرأة فلا تنكح نفسها، ولهذا قال: ﴿ولا تنكحوا﴾ يعني: لا تُنكحوا المؤمنات المشركين حتى يؤمنوا، فأضاف الإنكاح إلى غير المنكوح، ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وأنكِحُوا الْأَيَامَى﴾ [النور: ٣٢] يعني: اللاتي ليس لهن أزواج، و ﴿الصالحين من عبادكم﴾ يعني: الأرقاء، فإن الرقيق يزوجه سيده، فهنا أضاف الإنكاح إلى غير المنكوحة، فدل هذا على أنه لابد من الولي. ثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن الولي شرطا لم يكن لعضله أثر، يعني إذا منع زوجت نفسها ولا تبالي، فلولا أن الولي شرط ما كان لعضله أثر حَتَّى ينهى عنه، فهذه ثلاث آيات من القرآن بالإضافة إلى هذا الحديث، والحكمة من ذلك ما أشرنا إليه، وهو أن المرأة قاصرة، فلا يمكن أن تتولى هذا العقد الخطير الذي يكون معها طيلة حياتها إلا بولي. ويستفاد من قوله: «إلا بولي»: أنه لابد أن يكون الولي ذا رشد، وجه الدلالة من الحديث: أنه لا يمكن تحقق المصلحة للمرأة إلا إذا كان الولي رشيدا وإلا فما الفائدة؟ ! الذي ليس برشيد وجوده كالعدم. ويُستفاد أيضا: اشتراط أن يكون من ذوي الولاية على المرأة، وعلى هذا فلا يزوج الكافر المسلمة، لماذا؟ لأنه لا ولاية لكافر على مُستلم حتى لو كان أباها فإنه لا يزوجها، وبناء على ذلك لو كان أبوها لا يصلي ولها عم يصلي فالولي العم، أما الأب فلا ولاية له، لأنه كافر، . .والكافر ليس له ولاية على المسلم. ويُستفاد من الحديث: أنه إذا اجتمع وليان فأكثر قدم الأولى منهما وهو الأقرب، نحن قلنا:

стр. 2293

الولي القريب، وجه ذلك: أن الحكم المعلق بوصف أو على وصف يكون أقوى باعتبار قوة ذلك الوصف، وَعَلى هذا فلو اجتمع عم شقيق وأخ شقيق فمن يزوج؟ الأخ الشقيق؛ لأنه أولى بها من عمها لقرابته، وحينئذ نحتاج إلى أن نعرف ترتيب هؤلاء الأولياء، فنقول: إن ترتيب هؤلاء الأولياء كترتيبهم في الميراث ما عدا الأبوة والبنوة، فإن الأبوة في باب النكاح مقدمة على البنوة لوجهين: أولاً: أنه في البكر أمر ضروري، لأن البُنْوَة في حقها وهي بكر متعذرة، ثانيا: أنه لو كانت ثيبا ولها أولاد وأب، فالأب أعرف في الغالب من الولد وأشفق على بنته من الابن على أمه، فلهذا قُدّم الأب في ولاية النكاح على الابن مع أنه في الميراث يقدّم الابن على الأب تعصيبًا، فلو هلك هالك عن أب وابن قلنا: للأب السدس والباقي للابن تعصيبًا، إذا قُدر أن الولي الأقرب ليس أهلاً للولاية أو عضل امتنع ننتقل إلى من بعد الأولى فالأولى، فإذا كان الأب يمتنع من تزويج بناته؛ لأنهن مدرسات ويستغل بقاءهن من أجل الحصول على المال وطلبهن من هو كفؤ فهل يزوجهن عَمُهن؟ نعم أو الأقرب منه كالأخ مثلاً. - وروى الإمام أحمد عن الحسن عمران بن الحصين مرفوعًا: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين». لكن هذا الحديث ضعيف زيادة الشاهدين: أما الأول «لا نكاح إلا بولي» فهو صحيح، وله شاهد من حديث أي موسى (رضي اله عنه). نكاح المرأة بغير إذن وليها: ٩٣٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصححه أبو عوانة، وابن حَبان والحاكم. قوله: «أيما امرأة نكحت» هذه «أي» شرطية، و «أي» مبتدأ، و «ما» زائدة، و «أي» مضاف، و «امرأة» مضاف إليه.

стр. 2294

? فإن قال قائل: كيف قلت: إنها بالرفع «أيما» مع أنها بالنصب في قوله تعالى: ﴿أيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]؟ فالجواب: أنها في الآية الكريمة مفعول به مقدم: ﴿أيّا مَا تَدْعُوا﴾، وفي هذا الحديث مبتدأ «أيما امرأة نكحت»، قوله: «امرأة» نكرة في سياق الشرط فتعم الثيب والبكر. وقوله: «بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، أي: ولم يقل: بغير بوليّ؛ لأن الولي قد يأذن بالتزويج على سبيل التوكيل، فإن باشره بنفسه فالمباشرة أقوى من الإذن، لكن ربما لا يباشر ويأذن بالتوكيل فيكون الحديث شاملاً لهذا، وقوله: «بغير إذن وليها»، لو قال قائل: لو أذن وليها لها أن تُزّوج نفسها؟ فالجواب: أن ذلك لا يصح، لأنها لو كانت أهلاً لتزويج نفسها فرعًا عن غيرها لصح أن تكون أهلاً لتزويج نفسها أصلاً من نفسها، ولهذا نقول: «من لا يصح تصرفه في شيء لا يصح أن يكون وكيلاً فيه»، وعلى هذا فليس في الحديث دليل على أن الولي لو أذن لها أن تزوج نفسها لصح النكاح. وقوله: «فنكاحها باطل»، الباطل في اللغة العربية: الضائع الذاهب سدى، والعقد الباطل هُوَ الذي لا يترتب عليه أثره والنكاح يترتب عليه آثار عظيمة منها حل المرأة للزوج ولحوق الأولاد به ووجوب النفقات، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، كل هذه الأحكام لا تترتب إذا كان النكاح باطلاً، ومَنْ زوّجت نفسها بغير وليها فنكاحها باطل. قال: «فإن دخل بها»، فاعله يعود على الزوج وإن لم يسبق له ذكر فالسياق يقتضيه، قال: «دخل بها»، يعني: جامَعَهَا، وهذا هُوَ معنى الدخول بالمرأة كما في قوله تعالى: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]. أي: جامعتموهن، فالدخول بالمرأة يعني: جماعها. قال: «فلها المهر بما استحل من فرجها»، ف «لها»، أي: للمدخول بها المهر بما استحل من فرجها. ولم يقل: فإن دخل بها فهي زوجته، قال: «لها المهر» ولكنها هي حرام عليه، لكن لما استحل فرجها بهذا العقد الفاسد صار لها المهر، والمهر العوض الثابت للمرأة بعقد نكاح وما الحق به. قال: «فإن اشتجروا»، الواو في قوله: «اشتجروا» يعود على الأولياء، فإذا قال قائل: أين مرجعه، وكيف يعود الضمير على غير مرجع؟ فالجواب: أن مرجعه معلوم من السياق؛ لأنه قال: «بغير إذن وليها فإن اشتجروا»، يعني: الأولياء تنازعوا فيما بينهم، «فالسلطان ولي مَنْ لا ولي له»، وصورة الاشتجار: أن يقول الأب: لا أزوج بنتي هذا الرجل، فيقول العم: سأزوجها أنا، فيقول: إن زوجتها لأفرغن برأسك عشر رصاصات، هله ممكن أن يقع عند البادية يحصل

стр. 2295

مشاجرة، فإنها إذا وقعت المشاجرة بين الأب وأخيه الذي هو العم فهي بين الأب ومن هو أبعد من الأخ أولى، إذن سيحصل شجار هذا يقول: زوج، وهذا يقول: لا، يقول: «فالسلطان ولي من لا ولي له»، لم يقل النبي ﷺ : فالسلطان يزوجها، وإنما أتى بقاعدة عامة: «السلطان ولي من لا ولي له»، فمن هُوَ السلطان؟ السلطان هُوَ الذي له السلطة في مكان العقد، فإذا كنا في بلد فيها سلطان أعلى فالسلطان الأعلى هُوَ الولي أو من ينيبه، وإذا كنا في بلد ليس فيها سلطان أعلى مثل بلاد الكفر، فالسّلطة فيها ليس لها ولاية على المسلمين فإنها يزوجها ذو سلطان في مكانه كبير القوم أو كبير القبيلة. من فوائد الحديث: بطلان إنكاح المرأة نفسها بدون إذن وليها؛ لقوله: «فنكاحها باطل». ومن فوائد الحديث: أنها لو وكلت من يزوجها من الرجال فإن النكاح باطل أيضا، لقوله: «بغير إذن وليها». ومن فوائده: أن لو وكل الولي من يزوجها فنكاحها صحيح، لأنه كان بإذن وليها. ومن فوائد الحديث: أنه لا فرق في التعبير بين باطل وفاسد لقوله: «فنكاحها باطل»، واعلم أن البطلان والفساد في لسان الشارع لا فرق بينهما، الفساد والبطلان والخدّاج كلها بمعنى واحد، لكن الفقهاء ﵏ هم الذين اختلفوا، فعند أبي حنيفة أن الباطل ما مُنع بأصله، والفاسد ما مُنع بوصفه؛ فبيع الخنزير باطل، وبيع صاع من البر بصاعين منه فاسد، وعند الحنابلة لا فرق بين الباطل والفاسد إلا في بابين من أبواب الفقه الأول: الحج، والثاني: النكاح، في الحج قالوا: إن الفاسد ما حصل فيه جماع قبل التحلل الأول هذا فاسد، ومع هذا فإنه يمضي في هذا الحج الفاسد ويقضيه في سنة أخرى، مثاله: رجل جامع زوجته ليلة عيد النحر في مزدلفة فهنا جامع قبل التحلل الأول فيكون الحج فاسدًا ويجب عليه أن يمضي فيه ويكمله ويحج من العام المقبل، الباطل ما حصلت فيه الردّة يعني: إذا ارتدّ الإنسان في أثناء الحج بطل حَجَّه ولا يمضي فيه، لأنه حبط قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال أهل العلم: الردة تحبط الأعمال كلها، في النكاح قالوا: الباطل ما اتفق العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه، مثال الباطل: نكاح المقيدة من غير المحرم بإجماع المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. ومثال الفاسد: أن تتزوج امرأة بلا شهود، فإن هذا فاسد، وله أمثلة كثيرة لا تظنوا أنه شحيح في الأمثلة: تُزوج بلا شهود، تُزوج بلا ولي، أن يتزوج امرأة رضع من ?

стр. 2296

أمها مرة أو ثلاث مرات هذا من النكاح الفاسد؛ لأن العلماء اختلفوا في الرضاع المحّرم. المهم: أن كل ما اختلف العلماء فيه فإنه يُسمّى نكاحًا فاسدًا، ويفرق بينه وبين الباطل بأن الباطل لا أثر له، وأن الفاسد حكمه حكم الصحيح إلا في وجوب الفراق، فإن الفاسد يجب فيه التفرق، والصحيح لا يجب، أو في الإرث والصحيح فيه إرث، وربما يكون في مسائل أخرى، على كل حال: المشهور من مذهب الحنابلة أنه لا فرق بين الفاسد والباطل إلا في موضعين الحج والنكاح، الحديث يدل على أن الفاسد يُسمّى باطلاً، لأن الحديث إذا وقعت الصورة المذكورة فيه فقد كان العقد مختلفًا في صحته وهو على قاعدة الفقهاء يوصف بأنه فاسد، والنبي ﷺ وصفه بأنه باطل، فدل هذا على أنه لا فرق في لسان الشرع بين الفاسد والباطل. ومن فوائد الحديث: أنه لو فارق المرأة التي تزوجها بلا ولي قبل الدخول بها فليس لها مهر أو فلا تستحق المهر كاملاً لقوله: «فإن دخل بها فلها المهر»، فمفهومه أنه إن لم يدخل بها فليس لها مهر، ولكن هل تستحق نصفه بالخلوة؟ أي: خلا بها بدون جماع؟ نقول: في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: إنها تستحق نصف المهر للشبهة، ومنهم من قال: إنها لا تستحق، وبناء ذلك على أنه هل العبرة بما في ظن المكلف أو العبرة بما في واقع الأمر؟ إن قلنا: العبرة بما في ظن المكلف كان لها نصف المهر، وذلك لأن الزوج والزوجة في هذا العقد يعتقدان أنه صحيح فيعاملان بما يعتقدان، وإن قلنا: العبرة بواقع الأمر فإنه ليس لها شيء من المهرة لأن واقع الأمر يقتضي أن هذا العقد وجوده كعدمه، ولذلك لا يترتب عليه الإرث، أما إذا جامعها فإن الحديث صريح في أن لها المهر كاملاً لأنه جامعها يعتقد أنها امرأته وأنها حلال له؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «فلها المهر بما استحل من فرجها»، والأقرب أنه إذا خلا بها فإن لها نصف المهر؛ لأنه استحل منها ما لا يستحله إلا الزوج بناء على صحة العقد على ما في ظنهما. ومن فوائد الحديث: أن الأولياء إذا اختلفوا فإن السلطان يكون وليا لها لقوله: «فإن اشتجروا فإن السلطان يكون وليا لها»، ولكن هل مقتضى هذه الولاية أن يتولى العقد بنفسه أو أن يقول لمن أراد أن يزوجها: زَوجُها، أو لمن أراد ألا يزوجها: لا تزوجها؟ الثاني هو الأصح، يكون وليًا، يعني: يتولاها ويحكم بين المتشاجرين، فان امتنعوا كلهم عن التزويج فحينئذ تنتقل الولاية إلى السلطان، مثال الأول الذي قُلت إنه يحكم بينهم: خطبت امرأة خطبها رجل

стр. 2297

ليس بكفٍء لكن سيبذل دراهم كثيرة، فقال أبوها: أريد أن زوجها، وقال أولياؤها: لا، فاختصموا تشاجروا يرجعون إلى السلطان، السلطان في هذه الحال ماذا سيقول؟ يحكم بعدم التزويج والعكس بالعكس لو أن الخاطب كفء، فقال أحد الأولياء: تُزوج، وقال الثاني: لا، فالسلطان يأذن لمن قال: إنها تُزوج، فإن امتنعوا كلهم عن التزويج والخاطب كفء فإن السلطان يتولى التزويج. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا يمكن لهذه الأمة أن تبقى بلا سلطان لقوله: «فالسلطان ولي من لا ولي له»، ووجه هذا: أنه ليست الأمة كلها لها أولياء وليست الأمة كلها تخلو من التشاجر، فإذا حصل التشاجر أو عدم الولي فمن يتولى أمور الناس إلا السلطان، ولهذا قال أهل العلم: إن نصب الإمام فرض كفاية على المسلمين عمومًا، وأنه لا يجوز للأمة أن تبقى بلا سلطان، وقال ثبت عن النبي ﷺ : «أن من مات وليس في عنقه بيعة فإن ميتته جاهلية»، وفي رواية: «فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه»، وهذه المسألة يوجد بعض الناس -نسأل الله العافية- لشدة غيرتهم وقلة عقلهم يخلع بيعة الإسلام ببيعة الإمام، ويقول: أنا لا اعترف بهذا السلطان ولا أعترف بهذا الرئيس أو ما أشبه ذلك، وحينئذ يموت ميتة جاهلية أو يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه فيواجه الله وهو خال من ربقة الإسلام؛ لأنه خرج عن الجماعة، ومن شدّ شذ في النار. اشتراط رضا الزوجة: (٩٣٩) - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةً ﵁، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا تُنكح الأيمُ حَتَّى تُسْتَأمَرَ، وَلا تنكح البكُرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ قَالُوا: يا رَسُولَ الله، وكيف إذنها؟ قَالَ: أَنْ تَسكُت». مُتفق عليه. ٩٤٠ ٩٤٠ - وَعَن ابن عَبّاس ﵄، أنّ النّبيّ ﷺ قَالَ: «الثيّب أحَقُ بنفسهَا مِنْ وَليّها، وَالبكُرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذنها سكّوتها». رواه مسْلِمُ. - وفي لفظٍ: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر». رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان.

стр. 2298

٩٤١ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةً ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول الله ﷺ : «لا تُزَوّجَ المَرْأَةُ المرأة، وَلا تزوج المرأة نفسها». رواه ابن ماجه، والدارقطني، ورجاله ثقات. هذه أحاديث ثلاثة كلها تدور حول شيء واحد وهو رضا الزوجة هل هو شرط أو ليس بشرط، هذه الأحاديث تبين حكم هذه المسألة، فحديث أبي هريرة يقول ﷺ : «لا تُنكح الأيم»، أي: لا تزوج حَتَّى تستأمر، والأيم هي التي فقدت زوجها، فهي التي قد تزوجت، وعبّر عنها في الحديث الثاني بالثيب؛ لأنها قد زالت بكارتها بالزوج الأول، «حَتَّى تُستأمر» أي: يؤخذ أمرها، وذلك بأن تقول: نعم زوجوني بفلان، أما البكر فقال: «لا تُنكح البكر حَتَّى تُستأذن»، فيقال: سنزوجك فلانًا، ولا نقول: هل ترغبين؟ هل توافقين؟ هل تأمرين بذلك؟ لا يقال هكذا، بل يُقال: ستزوجك فلانا، ولكن أشكل على الصحابة ﵃ كيف تستأذن يعني: كيف يكون صدور الإذن منها؟ فقال: وأن تسكت، وإنما سألوا هذا السؤال؛ لأن الغالب على البكر الحياء وأنها تخجل أن تتحدث بما يتعلق بالزواج. فيستفاد من هذا الحديث: تحريم إنكاح الثيب حَتَّى تُستأمر لقوله: «لا تُنكح» لأنه نفي بمعنى النهي، والنفي إذا كان بمعنى النهي زاده تأكيدا، كيف ذلك؟ لأنه إذا صيغ بصيغة النفي فالنفي خبر وليس إنشاء، فكأنه يقول: إن هذا الأمر أمر مفروغ منه لا يمكن أن يقع، ولذلك قال أهل البلاغة: إن إتيان النهي بصيغة النفي أو الأمر بصيغة الخبر يكون أشد تأكيدًا، لأنه بمنزلة أن يُقال: إن المنهي عنه ضار أمرا منتفيًا، وإن المأمور به صار أمرا واقعًا، إذن التحريم أخذناه من كلمة «لا تُنكح». فإن قال قائل: هذا نفي. قلنا: هو بمعنى النهي. فإن قال: ما هي البلاغة، أو ما هي الحكمة في أن يأتي النهي بصيغة النفي؟ فالجواب: لأن هذا أبلغ في التأكيد، كان المنهي عنه صار أمرا منتفيًا لا وجود له. ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع في التفريق بين الثيب والبكر. ومن فوائده: مراعاة العلل والمعاني في الأحكام، ووجهه: أنه إنما فرق بين البكر والثيب، لأن البكر تستحيي غالبًا ولا تتمكن من المشاورة والائتمار فجعل لها الإذن فقط. ومن فوائد الحديث: اشتراط الرضا من الزوجة ولو كان المزوج الأب، ووجهه: أن هذا

стр. 2299

النهي ليس فيه استثناء، وإذا لم يكن فيه استثناء فالأصل العموم، فالأب لا يزوج ابنته البكر إلا بإذنها ولا الثيب إلا بإذنها كغيره من بقية الأولياء. ويُستفاد من هذا الحديث بالقياس: اشتراط رضا الزوج، وأنه لو زوج عن إكراه فإن النكاح لا يصح، وهل يمكن أن يزوج عن إكراه؟ يمكن، لأن بعض الناس يُجُبر ابنه على أن يتزوج بنت أخيه -بنت أخ الأب - ويقول: لابد، فإذا أجبره وتزوج ابنة عمه جبرا فإن النكاح لا يصح. ما تقولون في رجل استأذن ابنته البكر قال: إن فلانا خطبك فهل نزوجك به؟ قالت: نعم أنا لا أطلب إلا مثل هذا الرجل والحمد لله الذي أرشده إلينا هل يزوجها؟ نعم من باب أولى، لكن الظاهرية يقولون: لا يزوجها، لماذا؟ لأن الرسول قال: «إذنها أن تسكت»، وهذه ما سكتت، هذه امرأة تقول: زوجوني ما نزوجها، والأخرى سكتت نزوجها، أيهما أولى؟ الأولى لو استأذنها أبوها فضحكت أو استأذنها فبكت؟ هذا يُنظر، على كل حال: العلماء اختلفوا، فبعضهم قال: إذا ضحكت فإنه ليس بإذن؛ لأنها قد تضحك تعجبًا من حال أبيها، فيكون الضحك ضحك استنكار وليس ضحك إقرار، ومنهم من قال: إن هذا إذن، لأن الضحك يدل على الانبساط والفرح والسرور فهو أبلغ من السكوت، التي بكت هل هو أقرب للمنع أو للإذن؟ الظاهر أنه للمنع أقرب لكن مع ذلك يقول الفقهاء ﵏ ولو ضحكت أو بكت فهو إذن، لكن يظهر أنها إذا بكت فإنها لا تريد أن تتزوج، وقد يكون البكاء من الفرح، ولكن الأقرب أنه ليس بإذن، لكن لو قال: أنت لا تبكين ماذا تقولين؟ فسكتت حينئذ يكون إذنا. الحديث الثاني -حديث ابن عباس - قال النبي ﷺ : «الثيّب أحق بنفسها من وليها» يعني: أنها يُرجع إليها في النكاح، وتُشاور مشاورة دقيقة، فلا يكفي أن يُقال خطبك فلان، فهل تأذنين بالتزويج، لا، فلابد أن تُستأمر ويكشف لها الأمر، فيقال مثلاً: هو شاب أو شيخ عالم أو جاهل، غني أو فقير، ذا شرف أو ليس ذو شرف، يعني: يبين لها الأمر تمامًا؛ لأنها أحق بنفسها، ولهذا لا تزوج حَتَّى تُستأمر، أما البكر يقول: تُستأمر، أي: تُستأذن، والدليل قوله: «إذنها سكوتها»، ولم يقل: وأمرها سكوتها، بل قال: إذنها وهذا التفسير يدل على أن المراد بقوله:

стр. 2300

«تُستأمر» أي: تُستأذن، وإذنها سكوتها، والذي يستأذنها أبوها أو وليها غير الأب، ويكفي في البكر أن نقول: خطبك رجل كفء فهل تأذنين؟ إذا قالت: نعم صح الإذن؛ لأن النبي ﷺ إنما طلب إذنها، استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الثيب تُزوج نفسها قال: لأنه قال: «أحق بنفسها من وليها»، «والبكر تُستأمر» يعني: تُستأذن ولكن لا دليل فيه، وذلك لأن قوله: «أحق بنفسها من وليها» هذا من باب أنه يكشف لها عن الأمر تمامًا حَتَّى تكون كأنها تشاهده عيانًا ثم بعد ذلك تأذن أو لا تأذن، وهذا الذي قُلناه وإن كان خلاف ظاهر الحديث لكنه لا يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين ما سبق من النصوص الدالة على اعتبار الولي إلا بهذا التأويل. وفي لفظ: «ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تُستأمر»، «ليس للولي مع الثيب أمر» أي: في تزويجها، بل الأمر إليها إن شاءت أذنت وتولى العقد وليها، وإن شاءت لم تأذن، «واليتيمة تُستأمر»، واليتيمة هي التي مات أبوها ولم تبلغ، «وتُستأمر» أي: تُستأذن كما في الأحاديث السابقة، ولكن هل المراد باليتيمة هنا حقيقة اليتيمة أو المراد باليتيمة التي لم تتزوج وهي قد بلغت قريبًا؟ الثاني، وذلك لأن التي دون البلوغ لا يزوجها أحد من الأولياء؛ لماذا؟ لأن إذنها غير مُعتبر عند كثير من العلماء، وإلا بعضهم يقول: يعتبر الإذن من السنة التاسعة، لكن أكثر العلماء على خلافه، وَعَلى هذا فيكون المراد باليتيمة: البالغة القريبة البلوغ؛ لأنها هي التي يصح إذنها، أما ما قبل البلوغ فليس لها إذن مُعتبر؛ وذلك لأنها لا تعرف، صغيرة لا تعرف مصالح النكاح، فيكون إذنها كالعدم، على كل حال: هذه الأحاديث كلها تدل على أنه لابد من إذن الزوجة في إنكاحها. ثم قال عن أبي هريرة: «لا تُزوّج المرأة المرأة ... » إلخ، «لا تزوج»، عندي بالرفع، وعلى هذا فيكون نفيا بمعنى النهي، والخبر بمعنى الطلب يأتي كثيرًا سواء كان أمراً أو نهيًا، «لا تزوج المرأة المرأة» حَتَّى ولو كانت بنتها فإنها لا تزوجها ولا تزوج نفسها حَتَّى وإن كانت كبيرة عاقلة فإنها لا تزوجها، لو وكلتها امرأة أخرى جاءت امرأة إلى امرأة كبيرة في السن عاقلة رشيدة وقالت لها: قد وكلتك أن تزوجيني فزوجتها؟ لا يصح؛ لأنه إذا كان لا يصح العقد لنفسها فلغيرها من باب أولى، وهذا الحديث يضم إلى ما سبق؛ لأنه لابد من الولي في النكاح، وقد سبق الكلام عليه، وبينا أن القرآن والسنة كلاهما يدل على اشتراط الولي. أما الفوائد فحديث أبي هريرة أخذنا فوائده.

стр. 2301

وحديث ابن عباس فوائده قريب من الأول: وهو أن الثيب لابد أن تأذن في النكاح على وجه ينكشف به الحال؛ لأنها أحق بنفسها. ومن فوائده: أن اليتيمة -وهي التي لم تتزوج بعد- لابد أن تُستأمر، والمراد: تُستأذن، فيكون دالاً على ما دل عليه الحديث الأول. ويستفاد من هذا الحديث: حكمة الشريعة في أنها تنزل كل حال ما يليق بها. أما حديث أبي هريرة الثاني فهو أن الرسول ﷺ نهى أن تزوج المرأة نفسها أو غيرها وعلى هذا لا يكون لها ولاية ولا وكالة في عقود النكاح. ومن فوائد الأحاديث كلها: حفظ حقوق المرأة في الإسلام خلافا لما كانوا عليه في الجاهلية حيث إنهم يُجبرون بناتهم أن يتزوجن بما يشاءون لا بما يشأن. ومن فوائد الأحاديث كلها: مراعاة أهلية الولاية، أي: أنه لا يتولى الأمور إلا من كان أهلاً. ومن فوائدها: الإشارة إلى قُصور المرأة، وأنها إذا كانت لا يصلح أن تكون وليّة على نفسها في التزويج فإنه لا يصح أن تكون وليّة على غيرها في الحكم والإمارة، ولهذا لا يصح أن تكون امرأة أميرة ولا يصح أن تكون قاضية، أما أن يُحكمها نساء في أمر بينهن فلا بأس، أو تكون مديرة لمدرسة نساء فلا بأس، لكن أن تكون لها إمرة على الرجال أو على العموم فإن ذلك لا يصح شرعًا؛ لأنها إذا كانت ليست أهلاً أن تزوج نفسها أو تكون وليّة على نفسها فعلى غيرها من باب أولى. حكم الشغار: ٩٤٢ - وعن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشغار: والشغار: أ، يزوج ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق». متفق عليه. - وَاتَفَقا مِنْ وَجْهِ آخَرَ عَلَى أَنْ تُفسير الشغار من كلام نافع. هذا الحديث يقول ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار»، كلمة «نهى»، مأخوذة من النهي، وتعريف النهي: طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء، وليس المراد بالفعل هنا ما يقابل القول، بل المراد بالفعل هنا: الإيجاد ولو كان قولاً، فلو قال الشخص لآخر: لا تقل كذا فهذا طلب الكف عن القول، لكنه نهي، إذن هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني: أن يشعر الطالب بأنه أعلى رتبة من المطلوب، حتى لو فرض بأنه أدنى رتبة في الواقع فإنه يُسمى نهيًا، كيف يشعر بأنه أعلى وهو أدنى رتبة؟ لنفرض أن رجلاً وجد أميراً ليس معه جنود

стр. 2302

والرجل هذا لص وجده في البر وقال له: لا تركب بعيرك، ماذا نقول؟ هذا نهي، مع أن الناهي أدنى رتبة، لكن هُوَ في نفس الأمر يرى أنه أعلى منه، ولهذا قالوا: على وجه الاستعلاء، ولم يقولوا: طلب العالي من النازل. قوله: «نهى رسول الله ﷺ . لا شك أن النبي ﷺ أعلى رتبة من أمته فيوجه النهي إليها، واختلف العلماء في كلمة «نهى عن كذا»، أو صيغة النهي المعروفة، يعني: أنهم اختلفوا هل قول الصحابي كقوله: «قال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا؟ » على قولين: القول الأول: أن قول الصحابي «نهى»، أضعف من قوله: «قال رسول الله ﷺ : لا تفعل؟ قالوا: لأن «لا تفعل»، صريحة في النهي؛ لأن هذه هي صيغة النهي، وأما «نهى»، فهنا تعبير الصحابي عما فهمه من قول الرسول ﷺ وقد يفهم من شيء ليس بنهي أنه نهي وعلى هذا فتكون أضعف، ولكن مع ذلك لها حكم النهي بالصيغة لا شك، وذلك لسببين: السبب الأول: أن الصحابة ﵃ يعرفون النهي ليسوا عجمًا، لا يدرون النهي من الخبر. والثاني: أن عند الصحابة من الورع ما يمنعهم من أن يقولوا: نهى مع احتمال أنه ليس بنهي، فمن قال لا: يستفاد منه النهي؛ لأنه ليس بصيغته فقوله ضعيف، بل نقول: يُستفاد منه النهي بلا شك لكن الصيغة أصرح، ولماذا قلنا: يُستفاد؟ للسببين المذكورين، وعلى هذا فإذا قال: «نهى» فهو كما قال الرسول ﷺ : «لا تنكحوا شغارًا». يقول: «نهى عن الشغار»، و «الشغار»، مصدر شاغر يُشاغر شغارا، ونظيره في التصريف: قاتل يُقاتل قتالاً، إذن لابد من طرفين وهو مشتق إما من الشغور وهو الخلو، وإما من شغرَ الكلب إذا رفع رجله ليبول، ويمكن أن يُقال: لا مانع من أن يكون مشتقًا من المعنيين جميعًا؛ لأن فيه شغورا وشغراً، فلا مانع من أن يكون مشتقًا منها جميعًا. فما هو الشغار؟ فسره الراوي بقوله: «والشغار أن يُزوّج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته»، وهذا السياق يحتمل أن يكون من ابن عمر كما جاء ذلك، ويحتمل أنه من نافع، وقد جاء كذلك، ويُحتمل أنه من مالك الراوي عن نافع، وقد جاء كذلك، ولكنه لم يرد مرفوعًا فيما أعلم، يعنى: لم يرد أن الرسول ﷺ هُوَ الذي فسر الشغار بهذا، هذه الروايات الثلاث من كلام ابن عمر أو نافع أو مالك ليس بينها تعارض في الحقيقة، لماذا؟ لأنه يجوز أن ابن عمر فسره ثم تلقاه نافع عنه، ثم كان إذا حدث بالحديث لا ينسب التفسير إلى ابن عمر يقوله من

стр. 2303

نفسه اعتمادًا على ما رَوَاهُ ابن عمر، وكذلك نقول بالنسبة إلى مالك مع نافع كما أنت الآن تقول: يا فلان، لا تقصد السوء فإنما الأعمال بالنيات ... إلخ، هذا يُحمل على أنه من قولك لكنه من قول الرسول ﷺ ، فابن عمر إذا فسره ثم رواه عنه نافع ثم قاله متحدثا به لا يُقال: إن هذا يعارض أن يكون من قول ابن عمر؛ لأنه من الجائز أن يتحدث به نافع دون أن يسنده إلى ابن عمر فيسمعه سامع فيظنه من قول نافع، وكذلك نقول بالنسبة لمالك مع نافع، على كل حال: لم يرد عن النبي ﷺ - فيما أعلم- أنه فسر الشغار بهذا، ولكن نقول: إذا فسره الصحابي فهو أعلم الناس بمراد رسول الله ﷺ ، لأنه عاصره وفهمه ولاسيما ابن عمر ﵄ فإنه كان من أحرص الناس على حديث رسول الله ﷺ ، ولهذا نجد أعلم الناس بكلامه أخصهم بصحبته. إذن نقول: لو كان هذا من تفسير ابن عمر ﵄ فإنه هُوَ المتعين لأن ابن عمر صحابي، والصحابة أعلم الناس بمراد رسول الله ﷺ . يقول: وأن يزوج الرجل ... » إلخ، «يزوجه علي»، «علي» تدل على أنه مشترط، يعني: أن النكاح الثاني شرط للنكاح الأول، وقوله في الحديث: «ابنته»، هذا ليس خاصا بالبنت، بل على سبيل التمثيل، فلو زوجه أخته على أن يزوجه أخته فهو شغار، زوجه أخته على أن يزوجه ابنته شغار هذا على سبيل التمثيل، ولهذا جاءت عبارة الفقهاء ﵏ أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته وهي أعم من ابنته، لكن ابنته أوضح، لكن وليته ابحث من وليته، ولهذا غالبًا تجد عبارات السلف وكل من كان من الرسول أقرب تجدها سهلة يسيرة مبسطة تصورها سهل بخلاف عبارات المتأخرين ففيها شيء من التعقيد وإن كان فيها شيء من الشمول، لكن عبارات السلف أصلح وأوضح وأبين. يقول: «وليس بينهما صداق»، وهو المهر، وسُمّى صداقًا؛ لأن بذله لطلب المرأة دليل على صدق الطالب المال محبوب إلى النفوس ولا يبذل المحبوب إلا للوصول إلى ما هُوَ أحب؛ لأنه لا يمكن أن يُبذل المحبوب لطلب المكروه، ولا يمكن أن يُبذل المحبوب لطلب محبوب مثله؛ لأنه يكون عبثًا، إنما لا يبذل المحبوب إلا لطلب ما هو أحب إما عينا وإما جنسا وإما وصفا، المهم: لابد أن يكون هناك مُرجحًا، ولهذا سمي الصداق صداقًا، لماذا؟ لأنه دليل على صدق الطالب كما سميت الصدقة صدّقة؛ لأنها دليل على صدق باذلها وأنه يريد ثواب الله، تصورتم الآن الشغار، يقول: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، فقال: قبلت، ثم زوّجه! هذا شغار بشرط ألا يكون بينهما صداق، ووجه النهي عنه ظاهر جدا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤]. وفرج المرأة ليس مالاً، وهذان الرجلان جعلا بضع كل واحدة من المرأتين مهرا للأخرى وهذا لا يصح، هذا وجه.

стр. 2304

? الوجه الثاني: أنه لو جاز هذا لكان سببًا لإضاعة الأمانة؛ لأن الرجل ربما يزوج ابنته من ليس بكفء؛ لأنه سيزوجه ابنته فيغير الأمانة. ثالثًا: أنه قد يؤدي إلى إكراه المرأة على الزواج؛ لأن الولي يريد أن يصل إلى غرضه وغايته فلا يهمه رضيت أم كرهت. الرابع: أنه يكون في الغالب سببًا للنزاع والخصومات التي لا تنتهي؛ لأن إحدى المرأتين لو فسدت على زوجها حاول زوجها أن يفسد موليته على الزوج، وهذا يقع كثيرا إذا رغبت الزوجة على زوجها مباشرة ذهب إلى ابنته عند زوجها ويفسدها عليه وهذا مُشاهد ومُجرب، فهذه أربع مفاسد كلها تدل على أن نكاح الشغار باطل لا يقره الإسلام، ولكن الحديث يدل على أنه لا يكون شغارا إلا بشرطين: الأول: أن يكون نكاحًا مشترطًا في نكاح الأولى لقوله: «على أن يزوجه». الثاني: ألا يكون بينهما صداق لا قليل ولا كثير، فلننظر إلى مفهوم هذين الشرطين إذا زوجه ابنته ثم زوّجه الأخر بعد ذلك ابنته بدون شرط فهذا ليس بشغار وصحيح ولا فيه إشكال، ولكن هل يجب المهر لكل واحدة أو لا؟ نعم يجب مهر المثل لكل واحدة ما دام لم يسم فإن الواجب مهر المثل. مسألة أخرى: لو زوجّه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وجعلا صدّاقًا لكل واحدة فليس بشغار، وظاهر الحديث أنه يصح ولو بأدنى صداق، وأدنى الصداق ما يصح عقد البيع عليه (شيء بربع ريال) هل يصح عقد البيع عليه؟ نعم، «التمس ولو خاتماً من حديد»، ولكن هذا ليس بمراد؛ يعنى: حتّى وإن كان هذا ظاهر الحديث فليس بمراد، وذلك بمقتضى قواعد الشريعة، لأنه إذا أعطاه درهمًا واحد فهل هُوَ جعل للمرأة مهرها الحقيقي أو صار مهرها هذا الدرهم والبضع؟ الثاني، بل البضع أكثر بكثير من الدرهم، ولهذا لابد أن نقيد بأن يكون الصداق صداق المثل، فأما إذا كان دون ذلك فإنه لا يصح؛ لأنه إذا كان دون ذلك صار بضع إحداهما جزءًا من الصداق والبضع ليس بمال، فلابد أن يقيد بأن يكون مهر المثل، وإذا كانت إحدى البنتين بكرا شابة والبنت الأخرى ثيبا عجوزاً يختلف المهر وليكن كذلك لا بأس أن الذي تزوج عجوزا ثيبا يبذل مهرا يكون لمثلها، والثاني يبذل مهرا يكون لمثلها، المهم: أن يكون مهر المثل. هناك أيضا شرط ثانٍ لابد منه وهو رضا البنتين، وهذا يؤخذ مما سبق من الأدلة أنه لابد من رضا الزوجين في النكاح وإلا لم يصح النكاح. لابد من شرط ثالث أيضا وهو أن يكون كل منهما كفؤا للمرأة، فإن كان غير كفء فإنه لا

стр. 2305

? يصح، إذا تمت هذه الشروط فإن النكاح يكون صحيحًا، ولكن قد يورد علينا مورد فيقول: إن هذه الشروط إذا اجتمعت لا تمنع من أن يخون الولي في ولايته؛ لأنه سيحصل له زوجة، فما هو الجواب عن هذا؟ الجواب أن نقول: إنه وإن خان فإننا ما دمنا اشترطنا رضا الزوجة فإنها لن ترضي إلا بمن تريده. فإن قال قائل: وَإِذَا تجاوزنا هذا فإنه يرد علينا المفسدة الثانية، وهو أنه إذا ساءت العشرة في إحدى الزوجتين فإن زوجها سوف يفسد زوجة الآخر عليه فما هُوَ الجواب عن هذا؟ هذا حقيقة ليس عنه جواب إلا أن يقول قائل: إن الجواب أن الأصل عدم ذلك لكنه لا يمكن أن نقول: إن الأصل عدم ذلك، ونحن قد عللنا به النهي؛ لأننا لو قلنا: إن الأصل عدم ذلك بطل أن يكون علة للنهي وصار هناك تناقض، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن نكاح الشغار لا يصح مطلقًا حَتّى ولو برضا الزوجتين، ولو يكون كل واحد منهما كفؤا لها، ولو سميا صداقا يبلغ صداق المثل، وهذا القول متجه لوجهين: الوجه الأول: ما ثبت في صحيح مُسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا شغار في الإسلام» وهذا عام. والثاني: أننا في عصرنا هذا يجب التحرز من فتح الباب؛ لأنك إذا فتحت الباب ربما يسميان مهرا يقول: زوجتك بنتي بعشرة آلاف ريال على أن تزوجني بنتك بعشرة آلاف ريال ثمّ إذا تم العقد قال: أنا أب، لي أن أتملك من مال ابنتي ما شئت وسمحت عن المهر، وذاك يقول أيضا: سمحت عن المهر، وتكون النتيجة أن لا مهر، فلذلك أنا أرى سد الباب في هذا الزمن، وأنه لا يصح الشغار مطلقا وإن كان المذهب يمشون على ما شرحنا أولاً بمقتضى الحديث ولكن نظرا لفساد أهل الزمان أرى أن يُسدّ الباب مطلقًا، ولكن هنا مسائل قد وقعت ولاسيما عند البادية، ولكن حصل برضا الطرفين وبمهر وبالشروط المعروفة فهل نفتي بالمنع الذي اخترناه نظرًا لفساد أهل الزمان، أو نقول: هذا أمر جرى، وما دام يمشي على ما يقتضيه هذا الحديث فإننا نمضيه نرى هذا أيضا أنه ما قد وقع الناس منه وكان فيه مهر فإنه يمضي ولا نفرق بين الزوجين وزوجتيهما، ولا نقول: إن أولادكما ليسوا أولاً شرعيين لا إنما نقول: أنتما الآن على نكاحكم ما دام قد حصل الرضا، وأن كل واحد كفء للثاني وحصل المهر فالنكاح صحيح، لكن نمنع الابتداء ونكون

стр. 2306

بذلك مطبقين للقاعدة الاستدامة أقوى من الابتداء المعروفة عند العلماء، ولها فروع منها الطيب للمحرم ممنوع ابتداء وليس ممنوعا استدامة ولهذا قالت عائشة ﵂: «كنت أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم». ومن فوائد الحديث: تحريم نكاح الشغار، ودليله: النهي، والأصل في النهي التحريم؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ومن فوائد الحديث: أنه لو عقد نكاح الشغار فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه منهي عنه، ولو صححنا المنهي عنه لكان في ذلك مضادة لله ورسوله، لأن الذي نهى الله عنه ورسوله يُراد منه اجتنابه والقضاء عليه، فإذا صححناه فهذا إثبات له وإبقاء عليه، ولقول النيي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». والمنهى عنه ليس عليه أمر الله ورسوله، بل أمر الله ورسوله على تركه واجتنابه فيكون بذلك باطلاً مردودًا. ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالمرأة لحماية حقوقها لئلا تكون ألعوبة بيد الرجال، فإنه لو جاز الشغار لتلاعب الرجال بالنساء وصار الإنسان يجعل مولياته اللاتي ولأه الله عليهن ألعوبة يكتسب بها الأبضاع ويتزوج بها ما شاء من النساء، وجهه: النهي عن الشغار. ومن فوائد الحديث: سد الشرع لجميع أبواب ما يقتضي النزاع؛ لأن نكاح الشغّار من أسباب النزاع، فإنه إذا وقع العقد شغارا وساءت العلاقة بين إحدى الزوجتين وزوجها حاول هذا الزوج أن يُفسد المرأة الأخرى على زوجها وحصل بذلك من النزاع والشقاق ما هو معلوم. تخيير من زوجت وهي كارهة: ٩٤٣ - وعن ابن عباس ﵄: «أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت: أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ ». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأعل بالإرسال. «الجارية» تطلق على الأنثى الصغيرة، وتطلق على الأمة المملوكة، وتطلق على مجرد الأنثى، فلها إطلاقات بحسب السياق، ولكن الأكثر أن الجواري: النساء الصغار.

стр. 2307

يقول: «جارية بكرًا»، هو عطف بيان يبين أن هذه الجارية بكرا ليست ثيبا، «أتت النبيّ ... » إلخ. قوله: «زوجها وهي كارهة»، الجملة هنا حال، يعني: والحال أنها كارهة لم ترض الزواج أو لم ترض الزوج، «فخيرها رسول الله ﷺ ، خيرها بين أن تبقى مع الزوج أو تفسخ النكاح مع أنها بكر والولي أبوها. وقول المؤلف على هذا الحديث: «أعِلُ بالإرسال»، العلة: وصف خفي لا يطلع عليه إلا جهابذة العلماء يوجب القدح في الحديث؛ وذلك لأن العلة إذا كانت ظاهرة فإنها تكون معلومة كل يطلع عليها مثل لو أسند الإمام أحمّد حديثًا إلى عمر بن الخطاب علة هذا الحديث ظاهرة واضحة لكن لو يأتي إنسان معاصر لشخص يسند الحديث إليه ولكنه لم يسمع منه هذا يخفى على كثير من الناس أن الرجل المعاصر لم يسمع ممن أسند الحديث إليه، ولهذا قال ابن حجر ﵀ في شرح «نخبة الفكرة»: هذا من أغمض أنواع الحديث، يعني: أنه غامض، الإرسال علة لا شك، والذي فات فيه اتصال السند، لكن إذا روي الحديث مرسلاً تارة وموصولاً أخرى وكان الواصل ثقة فإن هذه العلة لا تقدح؛ لأن مع الثقة زيادة علم مثال ذلك: الحديث رواه أربعة (? ، ? ، ٣، ٤) تارة يروى الحديث بهذا السند كله أربعة رجال، وتارة يروى بسند (? -? -٤) فيسقط واحد، هذه الرواية مرسلة، لكن إذا كان راوي الأولى ثقة فإن الإرسال في الثانية لا يقدح، لماذا؟ لأن معه زيادة علم، واحتمال النسيان في الرواية الثانية وارد، قد يكون الراوي الذي أرسله نسي، إذن العلة هنا غير قادحة لا على رأي الفقهاء ولا على رأي المحدثين؛ لأن له شواهد تؤيده منها ما ثبت في الصحيحين فيما سبق: «لا تُنكح البكر حَتَّى تُستأذن»، وفي رواية لمسلم صريحة: «البكر يستأذنها أبوها»، فإذا كانت لا تُنكح حَتَّى تُستأذن، فإن أنكحت بغير استئذان صار النكاح منهيًا عنه، ولكن يرد علينا إذا كان منهيًا عنه فكيف نخير المرأة؟ أفليس القاعدة أنه إذا كان منهيا عنه ألا يصح ثم إن اختارت النكاح جددنا العقد؟ فيقال: إن النهي هنا ليس لحق الله وإنما هو لحق الآدمي، فإذا رضي الآدمي بإسقاط حقه وإمضاء العقد فإن العلة -علة النهي- تزول، ولهذا خيرها النبي ﷺ ولم يفسخ النكاح. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يشكو والده عند القاضي في الحقوق الخاصة، مثلاً: لو أن والده أبى أن يزوجه وهو فقير وأبوه غني فله أن يرفعه للحاكم ويطالبه بتزويجه؛ لأن هذه من الحقوق الخاصة التي لابد له منها، ولو أبى أن ينفق عليه وهو فقير والأب غني فللولد أن يرفعه إلى الحاكم؛ لأن هذه من الحقوق الخاصة التي لابد للولد منها، فإذا زوّجه بواحدة

стр. 2308

ولم تعفه فطالب بثانية فيجب أن يزوجه وبثالثة وبرابعة، على كل حال: الحقوق الخاصة للإنسان أن يُطالب والده بها، أما ما لا يختص بذات الشخص كالديون مثلاً فإنه لا يُطالبه بها مثل أن يكون الولد قد أقرض أباه دراهم ثم طالبه بها وأبى أن يعطيه إياها فليس له أن يرفعه للحاكم، وإن فعل فإن الحاكم يقول له: «أنت ومالك لأبيك»، فتبطل الحكومة يعنى: الخصومة. ومن فوائد الحديث: أن نكاح البكر ولو كان من الأب يرجع إليها لا إلى الأب، ووجهه: أن النبي ﷺ خيرها، ولو كان الأب يملك إجبارها لقال النبي ﷺ : إنه لاحق لك مع أبيك. ومن فوائد الحديث: جواز تصرف الفضولي وهو أن يتصرف الإنسان في حق الغير بغير إذنه، فإذا أذن له نفذ التصرف، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ جعل أمر هذا النكاح -أي: نكاح الجارية التي أكرهت على الزواج- إليها، فيفهم من هذا: أنها إن أجازته نفذ، وإن لم تجزه انفسخ، فإذا كان هذا في النكاح مع خطورته ففي غيره من العقود أولى، فعلى هذا لو أن شخصا باع سيارة إنسان بلا توكيل لكنه يعرف أن هذا الرجل يرغب أن يبيع سيارته، فجاء شخص يطلب سيارة فاغتنم الفرصة فباعها عليه بدون توكيل، ثم بعد ذلك أخبر صاحب السيارة فوافق فهل العقد يصح؟ يصح، وهل يملكه المشتري من حين العقد، أو من حين الإجازة؟ الأول، من حين العقد؛ لأنه أجاز العقد السابق، وهذا يُشبه من بعض الوجوه ما مر علينا وهو إجازة الورثة للوصية أو قبول الموصين له الوصية بعد موت الموصي بمدة، فهل ينسحب الملك على ما مضى وتكون في ملك الموصى له من موت الموصي أو من قبول الموصى له؟ ذكرنا أن في هذا خلافا، وأن الذي مشى عليه صاحب «زاد المستقنع»، أن الملك يثبت من حين الموت، وأن المذهب لا يثبت إلا بالقبول. ومن فوائد الحديث: أن الشريعة الإسلامية تأخذ للمظلوم حقه، ولو كان على أقرب الناس إليه، وجهه: أن النبي ﷺ خير هذه المرأة التي زوّجها أبوها وهي كارهة؛ لأن هذا ظلم لها، من أظلم الظلم أن المرأة تُزّوج بشخص تكرهه؛ لأن هذا الشخص سيبقى شريكها في البيت وفي الأولاد، فكيف يمكن أن يُجبرها على شخص لا تريده؟ يحصل عليها من الضرر والقلق النفسي، وربما يصل أحيانا إلى حد الجنون، وبعض النساء تحاول أن تخرق نفسها أو تقتل نفسها من شدة ما وجدت من القهر، ولا شك أن هذا من الاعتداء والظلم، والشرع يرفع الظلم عن المظلوم ولو كان من أقرب الناس إليه.

стр. 2309

حكم من عقد لها وليان على رجلين: ٩٤٤ - وعن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة زوجها ولبان، فهي للأول منهما». رواه أحمد، والأربعة، وحسنه الترمذي. «أيُما امرأة»، هذه جملة شرطية، فعل الشرط: «زوجها»، وجوابه «فهي للأول منهما»؛ أي: من الزوجين؛ وذلك لأن عقد الولي الثاني ورد على امرأة متزوجة فلم يصح، وعلى هذا فتكون المرأة للزوج الأول الذي عقد له أولاً، والمثال واضح: امرأة لها أخوان خُطبت من أخيها الأكبر فزوجها، وخطبت من الأصغر وهو في بلد آخر مثلاً ولم يعلم أن أخاها الأكبر زوجها فزوّجها لمن تكون؟ للأول، ووجهه ظاهر، لأن عقد الثاني ورد على مزوجة فلا يصح، فإن كان الأول أخا لأب والثاني أخ شقيق فلمن تكون؟ للثاني، لأن الأول ليس له ولاية فهو أخ من أب، والثاني أخ شقيق، وإذا اجتمع أخ شقيق وأخ لأب فالولاية للأخ الشقيق؛ لأنها أقوى، إذا زوجاها معا لاثنين فإنه ينفسخ النكاحان، لماذا؟ لأنه لا يمكن فسخ أحدهما فيفسخ النكاحان، وإن زوّجاها واحدًا بعد الآخر، ولكن جهل السابق أو نسي فحينئذ يقرع؛ لأن أحد العقدين صحيح ولكنه مجهول فيقرع، فصارت الأقسام ثلاثة: القسم الأول: أن نعلم المتأخر فالنكاح للأول، والثاني: أن نعلم أنهما وقعا معا، وهذأ تصوره فيه صعوبة لكن تتميمًا للأقسام فهنا لا يصح النكاحان؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، الثالث: أن نعلم الترتيب؛ أي: أن أحدهما قبل الآخر، لكن نجهل أو ننسى، فهنا يقرع بينهما، لماذا؟ لأننا نعلم أن أحد العقدين صحيح، وأنها الآن محبوسة على أحد الزوجين ولا يمكن أن نقول: لا نكاح، بل النكاح ثابت لأحد الرجلين فيميز أحدهما بقرعة؛ لأن العقدين إذا اجتمعا وتزاحما ولم يمكن الجمع بينهما فإنه لا يمكن استحقاق أحدهما إلا بقرعة، والقرعة تجرى في أعظم من هذا، تجرى في الأنفس، في الهلاك، لو كان الناس في سفينة في البحر وكانت السفينة مثقلة ولابد أن يلقي بعض الركاب ليسلم الباقون فإن ترك الركاب غرقوا جميعًا فهل يلقيهم جميعًا؟ لا، لأن هذا إزهاق ?

стр. 2310

لنفوس بريئة، إذن من نلقي؟ قال الشباب: ألقوا الشيوخ؛ لأنهم أقرب للموت، هل يصح هذا؟ لا يصح، وقال الشيوخ: ألقوا الشباب، لأن الأمهات يلدن بدلهم؟ نقول: لا هذا ولا هذا، نقول: بالقرعة كما حصل ليونس ﵊ يونس ركب في فلك مشحون مملوء والى إلى الغرق إلا أن يُلقى بعض الركاب، فساهم فصارت القزعة على جماعة منهم يونس وألقي في البحر، لكن -والله أعلم- أن الذين القوا معه هلكوا، أمّا هو فقيد الله له حوتا كبيرا ابتلعه بدون مضغ أكلة جميعًا وبقي في بطنه، قال : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]. لكن صدق رسول الله: «تَعَرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». لما كان من المسبحين عرفه الله في الشدة فأنقذه. في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للأولياء إذا خطب من أحدهم أن يرد الأمر إلى الآخرين مخافة أن يقع العقد منهم بدون علم فيحصل اللبس. وفيه أيضًا: أنه إذا عقد أحد الأولياء قبل الثاني فالحكم للأول، ولكن لابد أن يكون كل واحد منهم وليا، أما لو كان السابق غير ولي ولكنه ابن عم أو أخ لأب مع أخ شقيق فلا عبرة بعقده. ومنها: اعتبار الأسبقية في الدين الإسلامي، ولهذا أمر النبي ﷺ من دعاه اثنان أن يُجيب أسبقهما، فالأولية لها مزية في الدين الإسلامي، وقد تكون الأخروية أحق أو أولى المهم أن الأولية لها الفضل. حكم زواج العبد بدون إذن سيده: (٩٤٥) - وَعَنْ جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه أو أهله؛ فهو عاهر». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، وكذلك ابن حبان. «أيَّما عبد تزوّج»، «أي»، هذه شرطية، «ما»، زائدة للتوكيد، و «تزوج»، فعل الشرط، وجملة «فهو عاهر» جواب الشرط، وقوله: «بغير إذن مواليه»، الموالي هم الذين أعتقوه في الأصل، وقد يُطلق المولى على المالك وهو المراد هنا؛ وذلك لأنه إذا أعتق ملك نفسه، لكن ما دام مملوكًا فالأمر لسيده، قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].

стр. 2311

وقوله: «أو أهله»، «أو» هذه للشك من الراوي، يعني: هل لفظ الحديث بغير إذن مواليه أو بغير إذن أهله، والمعنى واحد، إذن المراد بالموالي هنا الملاك. وقوله: «فهو عاهر» أي: زان، وذلك لأن نكاحه غير صحيح، إذ إن العبد لا يملك أن يُزوج نفسه، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. ﴿عِبَادِكُمْ﴾ جمع عبد وهو الذكر المملوك، فقوله: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ يدل على أن العبد لا يزوج نفسه، وإنما يزوج فهو كالأيم الأنثى التي مات عنها زوجها أو فارقها، لا تُنكح نفسها، بل يُنكحها وليها، إذن فتزوج العبد بغير إذن مواليه، أي: أسياده كتزوج المرأة بغير ولي. يُستفاد من هذا الحديث: أنه يشترط لصحة نكاح العبد أن يأذن سيده إذا أذن فهل هو يزوج نفسه أو لابد أن يزوجه السيد؟ نقول: ظاهر الحديث أنه أذن فله أن يزوج نفسه بخلاف ما إذا كانت المرأة قد أذن لها وليها أن تتزوج فليس لها أن تُزوج نفسها؛ وذلك لأن المرأة ليست أهلاً للعقد أصلاً بخلاف العبد فإنه أهل للعقد ولذلك إذا عتق زوج نفسه، فعدم تزويج نفسه ما دام مملوكا لا لعدم الأهلية ولكن لوجود مانع وهو الملك، إذن للسيد إذا أراد أن يزوج العبد طريقان الأول: أن يقول ولي المرأة: زوجت عبدك فلانا ابنتي فلانة، فيقول السيد: قبلت النكاح لعبدي، يقيد لا يقول: قبلت النكاح فقط، الصيغة الثانية: أن يقول السيد لعباده: تزوج، فيقول ولي المرأة للعبد نفسه، زوجتك بنتي فلانة، فيقول العبد: قبلت. حكم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو أختها: ٩٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها». متفق عليه. «لا» نافية ولكن هذا النفي بمعنى النهي: أي: لا تجمعوا بين المرأة وعمتها - يعني: في النكاح- لأن المرأة في هذه الحال تكون بنت أخي الأخرى، «ولا بين المرأة وخالتها»، لأنها تكون بنت أختها، فلا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها. هل نقول في هذه الحال: إن عمة الزوجة حرام وخالة الزوجة حرام على الزوج؟ يُعبر بعض العلماء بذلك فيقول: هذا حرام، ولكنه تحريم إلى أمد، ولكن الصحيح أنها ليست حرامًا، إنما الحرام الجمع، فنقول: هكذا اتباعًا للفظ القرآن والسنة، ففي القرآن ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يقل: وحرمت عليكم أخوات نسائكم، وفي السنة هذا الحديث، ولم يقل: حرمت عليكم عمات نسائكم وخالات نسائكم، والمحافظة على

стр. 2312

? اللفظ الذي جاء في القرآن والسنة لا يولد إشكالاً، وما قاله الفقهاء ﵏ ولد إشكالاً، فإن بعض الناس ظن أنها -أي: أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها- لما كانت حرامًا فإنها تكون محرمًا، والذي ظن ذلك هم العامة قالوا: مثل أم الزوجة حرام على الزوج وهي محرم، إذن أخت الزوجة محرم إلى وقت معين وعمتها محرم إلى وقت معين وخالتها محرم إلى وقت معين! ! فإذا قلنا: ليست أختها حرامًا وليست عمتها حرامًا وليست خالتها حرامًا، ولكن الحرام هو الجمع زال الإشكال، وصار توهم المحرمية غير وارد، إذن فالمحرم الجمع، إذا ضممنا هذا الحديث إلى الآية الكريمة صار النساء اللاتي يحرم الجمع بينهن ثلاثة: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها فقط وهذا يسير جدا. إذا قال قائل: هل مثل ذلك أختها من الرضاع، عمتها من الرضاع، خالتها من الرضاع؟ فالجواب: نعم لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم الجمع بينهما من الرّضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وعمتها من النسب حرم الجمع بينها وبين عمتها من الرضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وخالتها من النسب حرم الجمع بينها وبين خالتها من الرضاع، خلافا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن أخت الزوجة من الرضاع وعمتها وخالتها لا يحرم الجمع بينهن وبين الزوجة؛ لأن عموم الحديث: ويحرم من الرضاع ما تجرم من النسبة تدخل فيه هذه الصورة، فإنه إنما حرم الجمع بين الأختين من أجل النسب، إذن يحرم الجمع بين الأختين من أجل الرضاع كما حرم الجمع بينهن من أجل النسب، وكذلك يقال في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، هل يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها؟ يجوز، لأن الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط وما عدا ذلك لا يحرم. هل يجوز أن يجمع بين المرأة وبنتها من غير زوجها؟ يعني: مات رجل عن امرأة ثمّ تزوجها إنسان ثم جمع إليها بنتها من غيره؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها أم امرأته، وقد قال تعالى في المحرمات إلى الأبد: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، إذن بين زوجة الرجل وبنته من غيرها جائز، بين زوجة الرجل وابنتها من غيره لا يجوز حَتَّى لو طلق البنت أو ماتت لا يجوز أن يتزوج أمها؛ لأنها من المحرمات إلى الأبد، هذا الذي ذكر أحسن بكثير من قول بعض الفقهاء: كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرا والأخرى أنثى لم يحل أن يتزوجها لأجل النسب أو الرضاع لا لأجل الصهر، هذا أسهل أو اللفظ القرآني والنبوي؟ القرآني والنبوي أفضل بكثير؛ لأنك تقول: الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط: المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها وانتهت. فإذا سألك سائل: هل يجوز أن يجمع بين زوجة إنسان وبنته من غيرها؟

стр. 2313

نقول: نعم، ومن هنا ننبه أنه ينبغي لنا أن نحافظ على الألفاظ الشرعية في مثل هذه المسائل، مثلاً عند العامة يسمون زوجة الأب: «خاله»، الآن لو تقول للعامة: يجوز أن يجمع بين بنت الرجل وزوجته قالوا: الخالة، كيف يجوز؟ أنا أقول أن الكلمات تُغيّر المعنى، ولهذا ربما يأتي واحد يقول: أبو الزوجة خالها مشكل هذا، ولهذا نهى الرسول ﷺ أن تسمى صلاة العشاء العتمة، لأن هذه تسمية الأعراب وقال: «إنها في كتاب الله العشاء»، فالمحافظة على الألفاظ الشرعية أولى. إذن الآن الحديث يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والصحيح: أن هذا يشمل الرضاع كما هو في النسب، إذا وقع العقد على واحدة بعد الأخرى فأي العقدين يصح؟ الأول، إذا وقع العقد عليهما جميعًا فقال: زوجتك ابنتي هاتين؟ لا يصلح العقد، لأنه لا يمكن فسخ أحدهما دون الآخر، ما الجواب عن قول صاحب مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧]. هذا ليس فيه جمع يقول: «إحداهما»، لكن يرد عليه مسألة التعيين وقد أجبنا عنه فيما سبق، نقول: لأن موسى عين ما يريد منهما فلا إشكال فيه. حكم خطبة المحرم ونكاحه: (٩٤٧) - وَعَن عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لا ينكح المُحرمُ، وَلا ينكح». رَوَاهُ مسْلِمُ، وَفي روايةٍ لهُ: «وَلا يخطب عليه». ٩٤٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم» متفق عليه. ٩٤٩ - ولمسلم عن ميمونة نفسها ﵂: «أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال» هذه الأحاديث في حكم تزوج المحرم وتزويج المحرمة، قال النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم» يعني: لا يتزوج، وهذا يشمل المرأة والرجل، فالمرأة لا يجوز أن تُنكح، والرجل لا يجوز أن ينكح، وذلك لأن الإنسان إذا نكح وهو مُحرم فلا يخلو من حالين إما أن يتعجل فيدخل بزوجته، وهذا يُؤدي إلى فساد النسك وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإما

стр. 2314

أن يبقى قلبه مُعَلقا بالزوجة فيفسد عليه الإقبال على نسكه، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذلك، كذلك «ولا ينكح» أي: لا ينكح غيره وهذا في الولي، فإذا كان الولي محرما فإنه لا تزوج موليته ولو كانت حلالاً، ولو كان زوجها الذي تزوجها حلالاً. وفي رواية له: «لا يخطب» يعني: لا يتقدم لشخص يخطب مُوليته ابنته أو أخته، والحكمة في ذلك: هي تعلق القلب واشتغاله بهذه الخطبة. وقوله: «ولا يُخطب عليه» يعني: المرأة إذا كانت مُحرمة فإنها لا تُخطب، فنهى النبي ﷺ عن عقد النكاح وعن وسائله وذرائعه، الوسائل والذرائع هما الخطبة والنكاح والعقد. ففي هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، يُؤخذ ذلك من قوله: «لا ينكح»، وهو إن كان بالجزم فهو نهي صريح، وإن كان بالرفع فهو نفي بمعنى النهي، وظاهر الحديث أنه ما دام مُحرمّا فالنكاح غير صحيح حتى ولو بقي عليه التحلل الثاني، مثاله: رجل كان حاجا فرمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق حل التحلل الأول هل يجوز أن يتزوج؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، ولكن القول الثاني في المذهب - وهو اختيار شيخ الإسلام-: أنه يجوز، وقال: إن قوله: «المحرم» «أل» تفيد الكمال، يعني: المحرم إحرامًا كاملاً وأما ما بعد التحلل الأول فإن المحرّم. النساء كما جاء في الحديث: «إذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء»، وهذا عقد وليس نساء، فلهذا ذهب شيخ الإسلام، وجماعة من العلماء وأظنه رواية عن أحمد أنه يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول، ولكن المشهور من المذهب أنه كالعقد قبل التحلل الأول، والذي ينبغي للمفتي في هذه المسألة أنه إذا كان ابتداء العقد فلا يُعْقد، لكن لو فرض أن أحدا قد عقد فهذا هُوَ الذي ينبغي أن يُقال فيه بالقول الثاني لصعوبة تجديد العقد؛ ولأنه ربما يكون هناك ذرية جاءوا من بعده، مثال هذا: لو أن شخصا حج ورمى وطاف وسعى ولكن لم يحلق ثم عقد النكاح قبل أن يحلق وقبل أن يفدي عن الحلق فماذا نقول؟ نقول: هذا صحيح، أما لو قال: أريد أن أعقد النكاح، قلنا له: أصبر حَتَّى تحل التحلل الثاني احتياطا وإبراءً للذمة. من فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يأتي بما يشغله عن العبادة أو بما يكون ذريعة لإفسادها؛ من أين يؤخذ؟ من نهي المحرم عن النكاح؛ لأنه إما أن يشتغل، وإما أن يدخل فيفسد نسكه. ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة المخرم خاطبًا كان أو مخطوبا، لقوله: «لا يخطب» «ولا يخطب عليه».

стр. 2315

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى سد الذرائع كقوله: «ولا يخطب»، وظاهر الحديث أنه لا تجوز الخطبة تصريحا ولا تعريضا، وقد يقول قائل: إن الخطبة الكاملة هي الصريحة، وأن التعريض لا بأس به مثل أن يصادف رجل آخر وهو مُحرم ويقول مثلاً لا تفوتني ابنتك، أو أنا أرغب في مثل ابنتك، هذا يُسمى عند العلماء تعريضًا، ولكن لا شك أن الأحوط هو ألا يخطب لا تعريضًا ولا تصريحًا. أما حديث ابن عباس فإنه يقول ﵄: إن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو مُحرم، ميمونة بنت الحارث، وهي خالة عبد الله بن عباس. وقوله: «وهو محرم» جملة حالية في محل نصب من فاعل تزوج وهو النبي ﷺ تزوجها وهو مُحرم بالعمرة، ولمسلم عن ميمونة نفسها التي عقد عليها النكاح أن النبي ﷺ تزوجها وهي حلال، ويوجد حديث آخر رواه أبو رافع ﵁، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال قال «وكنت السفير بينهما»، يعني: الواسطة، فهنا تعارض حديث ابن عباس المتفق عليه مع حديث ميمونة الذي رواه مسلم وحديث أبي رافع، فاختلف العلماء ﵏ في الترجيح بينهما؛ فمن العلماء من رجح حديث ابن عباس من وجه واحد فقط من حيث السند؛ لأنه متفق عليه، هناك أيضا وجه آخر: أن ميمونة خالته فهو من أعلم الناس بها، ومنهم من رجّح حديث ميمونة من ثلاثة أوجه: الأولى: أنها صاحبة القصة، ومعلوم أن صاحب القصة أدرى بها من غيره. الوجه الثاني: أنها يُؤيدها حديث أبي رافع وهو السفير الواسطة بينهما. الوجه الثالث: أنه الموافق لقول النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم»، والأصل عدم الخصوصية، فإذا كان الأصل عدم الخصوصية فإن الرسول ﷺ لم يتزوج وهو مُحرم؛ لأن الأصل أن الثابت للأمة ثبت له، وما ثبت له ثبت للأمة إلا بدليل، وهذا القول الثاني هو الصحيح أن النيي ﷺ تزوجها وهو حلال. فإذا قال قائل: ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟ قلنا: ابن عباس لم يطلع على أنه تزوجها إلا بعد أن أحرم النبي ﷺ فظن أنه تزوجها وهو مُحرم فروى ما بلغه ولم يبلغه قبل ذلك أنه تزوجها وهو حلال، فالصواب: أنه تزوجها وهو حلال، وابن عباس لم يطلع على ذلك إلا بعد أن أحرم، على هذا لا تثبت الخصوصية للرسول ﷺ في ذلك، أي: في جواز نكاحه وهو مُحرم، أما على من رجّح حديث ابن عباس فإنه يقول: هذا من خصائص النبي ﷺ ، وقد خص ﷺ بمسائل كثيرة في النكاح.
следующие страницы →