← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وقوله: «أو أهله»، «أو» هذه للشك من الراوي، يعني: هل لفظ الحديث بغير إذن مواليه أو بغير إذن أهله، والمعنى واحد، إذن المراد بالموالي هنا الملاك. وقوله: «فهو عاهر» أي: زان، وذلك لأن نكاحه غير صحيح، إذ إن العبد لا يملك أن يُزوج نفسه، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. ﴿عِبَادِكُمْ﴾ جمع عبد وهو الذكر المملوك، فقوله: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ يدل على أن العبد لا يزوج نفسه، وإنما يزوج فهو كالأيم الأنثى التي مات عنها زوجها أو فارقها، لا تُنكح نفسها، بل يُنكحها وليها، إذن فتزوج العبد بغير إذن مواليه، أي: أسياده كتزوج المرأة بغير ولي. يُستفاد من هذا الحديث: أنه يشترط لصحة نكاح العبد أن يأذن سيده إذا أذن فهل هو يزوج نفسه أو لابد أن يزوجه السيد؟ نقول: ظاهر الحديث أنه أذن فله أن يزوج نفسه بخلاف ما إذا كانت المرأة قد أذن لها وليها أن تتزوج فليس لها أن تُزوج نفسها؛ وذلك لأن المرأة ليست أهلاً للعقد أصلاً بخلاف العبد فإنه أهل للعقد ولذلك إذا عتق زوج نفسه، فعدم تزويج نفسه ما دام مملوكا لا لعدم الأهلية ولكن لوجود مانع وهو الملك، إذن للسيد إذا أراد أن يزوج العبد طريقان الأول: أن يقول ولي المرأة: زوجت عبدك فلانا ابنتي فلانة، فيقول السيد: قبلت النكاح لعبدي، يقيد لا يقول: قبلت النكاح فقط، الصيغة الثانية: أن يقول السيد لعباده: تزوج، فيقول ولي المرأة للعبد نفسه، زوجتك بنتي فلانة، فيقول العبد: قبلت. حكم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو أختها: ٩٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها». متفق عليه. «لا» نافية ولكن هذا النفي بمعنى النهي: أي: لا تجمعوا بين المرأة وعمتها - يعني: في النكاح- لأن المرأة في هذه الحال تكون بنت أخي الأخرى، «ولا بين المرأة وخالتها»، لأنها تكون بنت أختها، فلا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها. هل نقول في هذه الحال: إن عمة الزوجة حرام وخالة الزوجة حرام على الزوج؟ يُعبر بعض العلماء بذلك فيقول: هذا حرام، ولكنه تحريم إلى أمد، ولكن الصحيح أنها ليست حرامًا، إنما الحرام الجمع، فنقول: هكذا اتباعًا للفظ القرآن والسنة، ففي القرآن ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. ولم يقل: وحرمت عليكم أخوات نسائكم، وفي السنة هذا الحديث، ولم يقل: حرمت عليكم عمات نسائكم وخالات نسائكم، والمحافظة على

стр. 2312

? اللفظ الذي جاء في القرآن والسنة لا يولد إشكالاً، وما قاله الفقهاء ﵏ ولد إشكالاً، فإن بعض الناس ظن أنها -أي: أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها- لما كانت حرامًا فإنها تكون محرمًا، والذي ظن ذلك هم العامة قالوا: مثل أم الزوجة حرام على الزوج وهي محرم، إذن أخت الزوجة محرم إلى وقت معين وعمتها محرم إلى وقت معين وخالتها محرم إلى وقت معين! ! فإذا قلنا: ليست أختها حرامًا وليست عمتها حرامًا وليست خالتها حرامًا، ولكن الحرام هو الجمع زال الإشكال، وصار توهم المحرمية غير وارد، إذن فالمحرم الجمع، إذا ضممنا هذا الحديث إلى الآية الكريمة صار النساء اللاتي يحرم الجمع بينهن ثلاثة: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها فقط وهذا يسير جدا. إذا قال قائل: هل مثل ذلك أختها من الرضاع، عمتها من الرضاع، خالتها من الرضاع؟ فالجواب: نعم لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإذا حرم الجمع بين الأختين من النسب حرم الجمع بينهما من الرّضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وعمتها من النسب حرم الجمع بينها وبين عمتها من الرضاع، وإذا حرم الجمع بين المرأة وخالتها من النسب حرم الجمع بينها وبين خالتها من الرضاع، خلافا إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن أخت الزوجة من الرضاع وعمتها وخالتها لا يحرم الجمع بينهن وبين الزوجة؛ لأن عموم الحديث: ويحرم من الرضاع ما تجرم من النسبة تدخل فيه هذه الصورة، فإنه إنما حرم الجمع بين الأختين من أجل النسب، إذن يحرم الجمع بين الأختين من أجل الرضاع كما حرم الجمع بينهن من أجل النسب، وكذلك يقال في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، هل يجوز للإنسان أن يجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها؟ يجوز، لأن الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط وما عدا ذلك لا يحرم. هل يجوز أن يجمع بين المرأة وبنتها من غير زوجها؟ يعني: مات رجل عن امرأة ثمّ تزوجها إنسان ثم جمع إليها بنتها من غيره؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها أم امرأته، وقد قال تعالى في المحرمات إلى الأبد: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، إذن بين زوجة الرجل وبنته من غيرها جائز، بين زوجة الرجل وابنتها من غيره لا يجوز حَتَّى لو طلق البنت أو ماتت لا يجوز أن يتزوج أمها؛ لأنها من المحرمات إلى الأبد، هذا الذي ذكر أحسن بكثير من قول بعض الفقهاء: كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرا والأخرى أنثى لم يحل أن يتزوجها لأجل النسب أو الرضاع لا لأجل الصهر، هذا أسهل أو اللفظ القرآني والنبوي؟ القرآني والنبوي أفضل بكثير؛ لأنك تقول: الذي يحرم الجمع بينهن ثلاث فقط: المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها وانتهت. فإذا سألك سائل: هل يجوز أن يجمع بين زوجة إنسان وبنته من غيرها؟

стр. 2313

نقول: نعم، ومن هنا ننبه أنه ينبغي لنا أن نحافظ على الألفاظ الشرعية في مثل هذه المسائل، مثلاً عند العامة يسمون زوجة الأب: «خاله»، الآن لو تقول للعامة: يجوز أن يجمع بين بنت الرجل وزوجته قالوا: الخالة، كيف يجوز؟ أنا أقول أن الكلمات تُغيّر المعنى، ولهذا ربما يأتي واحد يقول: أبو الزوجة خالها مشكل هذا، ولهذا نهى الرسول ﷺ أن تسمى صلاة العشاء العتمة، لأن هذه تسمية الأعراب وقال: «إنها في كتاب الله العشاء»، فالمحافظة على الألفاظ الشرعية أولى. إذن الآن الحديث يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والصحيح: أن هذا يشمل الرضاع كما هو في النسب، إذا وقع العقد على واحدة بعد الأخرى فأي العقدين يصح؟ الأول، إذا وقع العقد عليهما جميعًا فقال: زوجتك ابنتي هاتين؟ لا يصلح العقد، لأنه لا يمكن فسخ أحدهما دون الآخر، ما الجواب عن قول صاحب مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧]. هذا ليس فيه جمع يقول: «إحداهما»، لكن يرد عليه مسألة التعيين وقد أجبنا عنه فيما سبق، نقول: لأن موسى عين ما يريد منهما فلا إشكال فيه. حكم خطبة المحرم ونكاحه: (٩٤٧) - وَعَن عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لا ينكح المُحرمُ، وَلا ينكح». رَوَاهُ مسْلِمُ، وَفي روايةٍ لهُ: «وَلا يخطب عليه». ٩٤٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم» متفق عليه. ٩٤٩ - ولمسلم عن ميمونة نفسها ﵂: «أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال» هذه الأحاديث في حكم تزوج المحرم وتزويج المحرمة، قال النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم» يعني: لا يتزوج، وهذا يشمل المرأة والرجل، فالمرأة لا يجوز أن تُنكح، والرجل لا يجوز أن ينكح، وذلك لأن الإنسان إذا نكح وهو مُحرم فلا يخلو من حالين إما أن يتعجل فيدخل بزوجته، وهذا يُؤدي إلى فساد النسك وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإما

стр. 2314

أن يبقى قلبه مُعَلقا بالزوجة فيفسد عليه الإقبال على نسكه، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذلك، كذلك «ولا ينكح» أي: لا ينكح غيره وهذا في الولي، فإذا كان الولي محرما فإنه لا تزوج موليته ولو كانت حلالاً، ولو كان زوجها الذي تزوجها حلالاً. وفي رواية له: «لا يخطب» يعني: لا يتقدم لشخص يخطب مُوليته ابنته أو أخته، والحكمة في ذلك: هي تعلق القلب واشتغاله بهذه الخطبة. وقوله: «ولا يُخطب عليه» يعني: المرأة إذا كانت مُحرمة فإنها لا تُخطب، فنهى النبي ﷺ عن عقد النكاح وعن وسائله وذرائعه، الوسائل والذرائع هما الخطبة والنكاح والعقد. ففي هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، يُؤخذ ذلك من قوله: «لا ينكح»، وهو إن كان بالجزم فهو نهي صريح، وإن كان بالرفع فهو نفي بمعنى النهي، وظاهر الحديث أنه ما دام مُحرمّا فالنكاح غير صحيح حتى ولو بقي عليه التحلل الثاني، مثاله: رجل كان حاجا فرمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق حل التحلل الأول هل يجوز أن يتزوج؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، ولكن القول الثاني في المذهب - وهو اختيار شيخ الإسلام-: أنه يجوز، وقال: إن قوله: «المحرم» «أل» تفيد الكمال، يعني: المحرم إحرامًا كاملاً وأما ما بعد التحلل الأول فإن المحرّم. النساء كما جاء في الحديث: «إذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء»، وهذا عقد وليس نساء، فلهذا ذهب شيخ الإسلام، وجماعة من العلماء وأظنه رواية عن أحمد أنه يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول، ولكن المشهور من المذهب أنه كالعقد قبل التحلل الأول، والذي ينبغي للمفتي في هذه المسألة أنه إذا كان ابتداء العقد فلا يُعْقد، لكن لو فرض أن أحدا قد عقد فهذا هُوَ الذي ينبغي أن يُقال فيه بالقول الثاني لصعوبة تجديد العقد؛ ولأنه ربما يكون هناك ذرية جاءوا من بعده، مثال هذا: لو أن شخصا حج ورمى وطاف وسعى ولكن لم يحلق ثم عقد النكاح قبل أن يحلق وقبل أن يفدي عن الحلق فماذا نقول؟ نقول: هذا صحيح، أما لو قال: أريد أن أعقد النكاح، قلنا له: أصبر حَتَّى تحل التحلل الثاني احتياطا وإبراءً للذمة. من فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يأتي بما يشغله عن العبادة أو بما يكون ذريعة لإفسادها؛ من أين يؤخذ؟ من نهي المحرم عن النكاح؛ لأنه إما أن يشتغل، وإما أن يدخل فيفسد نسكه. ومن فوائد الحديث: تحريم خطبة المخرم خاطبًا كان أو مخطوبا، لقوله: «لا يخطب» «ولا يخطب عليه».

стр. 2315

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى سد الذرائع كقوله: «ولا يخطب»، وظاهر الحديث أنه لا تجوز الخطبة تصريحا ولا تعريضا، وقد يقول قائل: إن الخطبة الكاملة هي الصريحة، وأن التعريض لا بأس به مثل أن يصادف رجل آخر وهو مُحرم ويقول مثلاً لا تفوتني ابنتك، أو أنا أرغب في مثل ابنتك، هذا يُسمى عند العلماء تعريضًا، ولكن لا شك أن الأحوط هو ألا يخطب لا تعريضًا ولا تصريحًا. أما حديث ابن عباس فإنه يقول ﵄: إن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو مُحرم، ميمونة بنت الحارث، وهي خالة عبد الله بن عباس. وقوله: «وهو محرم» جملة حالية في محل نصب من فاعل تزوج وهو النبي ﷺ تزوجها وهو مُحرم بالعمرة، ولمسلم عن ميمونة نفسها التي عقد عليها النكاح أن النبي ﷺ تزوجها وهي حلال، ويوجد حديث آخر رواه أبو رافع ﵁، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال قال «وكنت السفير بينهما»، يعني: الواسطة، فهنا تعارض حديث ابن عباس المتفق عليه مع حديث ميمونة الذي رواه مسلم وحديث أبي رافع، فاختلف العلماء ﵏ في الترجيح بينهما؛ فمن العلماء من رجح حديث ابن عباس من وجه واحد فقط من حيث السند؛ لأنه متفق عليه، هناك أيضا وجه آخر: أن ميمونة خالته فهو من أعلم الناس بها، ومنهم من رجّح حديث ميمونة من ثلاثة أوجه: الأولى: أنها صاحبة القصة، ومعلوم أن صاحب القصة أدرى بها من غيره. الوجه الثاني: أنها يُؤيدها حديث أبي رافع وهو السفير الواسطة بينهما. الوجه الثالث: أنه الموافق لقول النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم»، والأصل عدم الخصوصية، فإذا كان الأصل عدم الخصوصية فإن الرسول ﷺ لم يتزوج وهو مُحرم؛ لأن الأصل أن الثابت للأمة ثبت له، وما ثبت له ثبت للأمة إلا بدليل، وهذا القول الثاني هو الصحيح أن النيي ﷺ تزوجها وهو حلال. فإذا قال قائل: ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟ قلنا: ابن عباس لم يطلع على أنه تزوجها إلا بعد أن أحرم النبي ﷺ فظن أنه تزوجها وهو مُحرم فروى ما بلغه ولم يبلغه قبل ذلك أنه تزوجها وهو حلال، فالصواب: أنه تزوجها وهو حلال، وابن عباس لم يطلع على ذلك إلا بعد أن أحرم، على هذا لا تثبت الخصوصية للرسول ﷺ في ذلك، أي: في جواز نكاحه وهو مُحرم، أما على من رجّح حديث ابن عباس فإنه يقول: هذا من خصائص النبي ﷺ ، وقد خص ﷺ بمسائل كثيرة في النكاح.

стр. 2316

شروط النكاح: ٩٥٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج». متفق عليه. «أحق» اسم تفضيل منصوب على أنه اسم «إن»، و «ما استحللتم» خبر إن، و «ما» هنا في قوله: «ما استحللتم به»، اسم موصول؛ أي: الذي استحللتم به الفروج، وقوله: «أحق الشروط أن يوفى به» يعني: أن يوفى به إذا شرط ما استحل به الفرج. ما معنى قوله: وما استحل به الفرج»؟ لأن الزوجة أو أهلها الذين اشترطوا ذلك لم يبيحوا الفرج للزوج إلا إذا التزم بهذا الشرط، فصار توقف جل الفرج على قبول هذا الشرط، ولهذا قال: «ما استحللتم به الفروج»، وإلا فإن الفروج تستحل بالعقد، لكن الشرط في العقد كالأصل. قوله: «إن أحق الشروط»، «الشروط» جمع شرط، والشرط يُطلق على شرط الصحة وعلى شرط اللزوم، هناك شروط للصحة هذه تسمى شرط العقد، وشروط للزوم تسمى شرطا في العقد، ولهذا يميز العلماء بين شروط النكاح والشروط في النكاح، وشروط البيع والشروط في - البيع، وشروط الوَقف والشروط في الوقف، شرط العقد مثلاً نكاحًا كان أم بيعا أم وَقُفا أو غيره شرط العقد ما تتوقف عليه صحته، بمعنى: أنه إذا فقد لم يصح العقد مثل: العلم بالمبيع وبالثمن في البيع شرط للعقد لا يصلح العقد، إلا به، الولي في النكاح شرط للعقد لا يصح العقد إلا به، الشروط في العقد ما يتوقف عليها لزوم العقد، يعني: يصح، لكن لزومه أو الالتزام به يتوقف على الشرط، لكن لو فقد الوفاء بالشرط فالعقد صحيح. فرق آخر: شروط العقد موضوعة من قبل الشرع فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في العقد موضوعة من قبل العاقد فلمن له الشرط أن يُسقطه. قول الرسول ﷺ : «إن أحق الشروط أن يوفي به»، هل يريد شروط العقد أو الشروط في العقد؟ الثاني الشروط في العقل، والإنسان إذا اشترط في العقد شروطًا صارت هذه الشروط من أوصاف العقل ودخلت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. يعني: أوفوا بأصلها ووصفها، ووصفها هي الشروط التي شرطت فيها، الإنسان يُؤمر بالوفاء بالشروط في البيع والوفاء بها قيام بالحق الواجب عليه، فهل يُؤمر بالوفاء بالشروط في النكاح؟ الجواب: نعم، يؤمر أكثر؛ لأنه قال: «أحق الشروط ... إلخ». ووجه كونه أحق الشروط: أن

стр. 2317

الشروط في البيع يُستحل بها الانتفاع بالمبيع، والشروط في النكاح يُستحل بها الأبضاع، واستحلال الأبضاع أخطر من استحلال التصرف في المبيع والملك أخطر بكثير، فإذا كان أخطر كان الوفاء بالشروط المشروطة فيه أولى وأحق ولهذا يقول: «إن أحق الشروط ... إلخ». «الفروج»، جمع فرج، والمراد به: الفروج التي أحل الله، وهي فروج النساء. بالنسبة للشروط في النكاح في قوله: «إن أحق الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج»، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: شرط بمقتضى العقد، وشرط لمصلحة العاقدين ولا يُنافي العقد وشرط ينافي العقد. فالشرط الذي يكون بمقتضى العقد: هُوَ الذي يثبت سواء شرط أو لم يشرط مثل الإنفاق على الزوجة لو اشترطت المرأة في العقد أن يُنفق عليها الزوج، فهذا الشرط ثابت بمقتضى العقد، وشرطه ليس إلا توكيدا فقط، لو اشترطت الزوجة أن يقسم لها مثل ضرتها فهذا شرط ثابت بمقتضى العقد ولو اشترطته فهو توكيد، لو اشترط الزوج على الزوجة أن تُطيعه فيما يلزمها طاعته فيه هذا بمقتضى العقد لا حاجة لشرطه لكن شرطه يكون توكيدًا. الثاني: ما كان مُخالفا لمقتضى العقد، أي: محرمًا، مثل أن يشترط الزوج على الزوجة ألا تمنعه من الجماع وقت الحيض فهذا الشرط لا يصح وحرام ولا يجوز الوفاء به، ومثل: أن تشترط الزوجة على الزوج أن يقسم لها أكثر من ضرتها أيضا هذا شرط باطل محرّم ولا يجوز الوفاء به أما ما عدا ذلك فهو يثبت بالشرط، والأصل فيه الحل إلا ما دل الشرع على المنع، مثل أن تشترط مهرا معينا تقول مهري ألف درهم أو هو يشترط ألا يزيد المهر على ألف درهم فهذا جائز، ومثل أن تشترط البقاء في بلدها أو البقاء في بيتها فهذا أيضا جائز، ومثل أن تشترط عليه خادمًا يخدمها، يعني: امرأة تخدمها فهذا جائز، والأصل في هذا القسم الحل إلا ما قام الدليل على منعه، إذا اشترط عليها هو ألا يقسم لها وأن يأتيها متى أراد فهذا جائز على القول الصحيح، يجوز أن يشترط ألا يلزمه قسّم لها؛ لأن هذا حق لها أسقطته، ولهذا أسقطت سودة بنت زمعة حقها من القسم لعائشة"، لو شرطت عليه أن يحج بها يصح، لو شرطت عليه ألا تُرضع ولده الظاهر أنه غير صحيح إلا إذا قيل: يصح ما لم يضطر الصبي إليها، فإن اضطر الصبي إليها فلا يصح، على كل حال: اعلموا أن الأصل في هذا هو الجل والجواز إلا ما دل الدليل على منعه فالأقسام إذن ثلاثة: ما كان ثابتًا بمقتضى العقد وهذا يكون شرطه توكيدًا، وما كان مُحَرَمًا

стр. 2318

فهذا باطل ولا يجوز الوفاء به، وما ليس كذلك لا هذا ولا هذا، فالأصل فيه الإباحة حتى يقوم دليل على المنع. لو شرطت أن لها الخيار إذا لم يناسبها الوضع أن تفسخ النكاح؟ قال شيخ الإسلام هذا شرط صحيح، لاسيما إذا قالت: إذا لم يُناسبني الوضع مع أهلك فلي الفسخ أو طلب الإنزال في بيتي آخر، لأنه يقع كثيرا أن يكون البقاء مع الأهل غير مناسبٍ، فهي تحتاط لنفسها، فتقول: على أني أشترط عليك إن لم يناسبني الوضع مع أهلك فلي الخيار أو أن تسكنني في مسكن آخر، فهذا الشرط صحيح، لأنه لمصلحة المرأة وليس مخالفا لمقتضى العقد، وإذا شرطت أن تكمل دراستها تقول: هذه ينبغي أن تقيد، يقال: نعم نمكنها من الدراسة بشرط إذا قدّرنا أن الباقي عليها ثلاث سنوات نجعل لها أربع سنوات ولا تزيد، أما أن نجعل لها الباب مفتوحًا فهذا مُشكلة لأن بعض النساء لا يهمها أن تنجح أو لا تنجح فترسب نفسها في مادة: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] تقول: رسبت، على كل حال: أنا أقول: ينبغي أن تُقيّد لكي لا يتلاعب بحق الزوج. من فوائد الحديث: جواز الشروط في العقود، لأن النبي ﷺ ذكر الشروط على سبيل الإطلاق، لكن هذا مقيد بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة من قول الرسول ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب فهو باطل وإن كان مائة شرط» ومن قوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً». ومن فوائد الحديث: سعة الشريعة الإسلامية، حيث لم تضيق على المكلفين بالشروط، بل جعلت الباب مفتوحًا؛ لأن الإنسان قد يكون له أغراض يحتاج إلى شرطها والالتزام بها. ومن فوائد الحديث: إثبات الشروط في النكاح وأنها أحق بالوفاء من غيرها. ومن فوائد الحديث: الرد على من ضيق الشروط في النكاح حتى كادوا لا يصححون إلا ما كان ثابتا بمقتضى العقد، فإننا إذا لم تُصحح إلا ما كان ثابتًا بمقتضى العقد صار هذا الحديث لا فائدة منه، لأن ما كان ثابتًا في مقتضى العقد فهو ثابت شرط أم لم يُشترط. ومن فوائد الحديث: أن ما كان معلقا بشرط لم يثبت إلا بتحقق هذا الشرط لقوله: «وما استحللتم به الفروج»، فإذا كان عقد النكاح مشتملاً على شرط فإن هذا العقد يعتبر مانعًا من تحليل الفرج إلا بالوفاء به والتزامه. ومن فوائده: الإشارة إلى أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]

стр. 2319

شامل للوفاء بأصل العقد والشرط في العقد؛ وذلك لأن الشرط في العقد من أوصاف العقد، إذ إن الشرط في العقد يجعل العقد مقيدا بهذا الوصف أو بهذا الشرط والتقييد وصف، فيكون قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ شاملاً للوفاء بأصل العقود والشروط فيها التي هي أوصاف لها، وهذا يفيدك في أشياء كثيرة مما يتعامل به الناس اليوم من المخادعة في العقود التي تكون بينهم وبين دولتهم والتي تكون بينهم وبين الناس، فيظنون أن الشرط في العقد لا يدخل في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وهذا ظن خاطيء، لأن العقد يشمل نفس العقد وأوصاف العقد التي هي الشروط فيه. ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الفروج التحريم؛ لقوله: «ما استحللتم به الفروج» ولذلك لو اشتبهت أخته بأجنبية حرم عليه نكاح المرأتين جميعا وهذا يعيد، لكن يأتي ف الرضاع أحيانا يشتبه هل رضعت الأولى الكبرى من أمه أو رضعت الصغرى، وحينئذ يجب عليه أن يتجنب المرأتين جميعًا حَتَّى يتيقن الحِل، لأن الأصل في الفروج التحريم لقوله: «ما استحللتم». حكم زواج المتعة: ٩٥١ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها». رواه مسلم. عام أوطاس هو عام فتح الطائف وهو في نفس الوقت عام فتح مكة، فأحيانا يعبر عنه بعام فتح مكة، لأنه أشهر وأعظم، وتارة يعبر عنه بغزوة أوطاس أو عام أوطاس كما في ذلك الحديث، وذلك لأن العام اثنا عشر شهرا، فإذا كان فتح مكة في رمضان وكانت غزوة أوطاس في ذي القعدة فالعام واحد فيعبّر أحيانا بعام الفتح وأحيانا بعام أوطاس، فهذا الحديث إذن لا يُعارض ما صح لأنه حرمها عام فتح مكة لأن الزمن واحد. قوله: «رخص عام أوطاس»، قد يُستفاد منه: أنها كانت في الأول حرامًا، لأن الترخيص إنما يكون من مُحَرَّم لا رخصة إلا في مقابلة المحرم تكون المتعة حُرمت أولاً ثمّ رُخّص فيها ثلاثة أيام ثم نهى عنها، فتكون حرمت مرتين أولاً ثمّ أبيحت ثمّ حُرمت وهذا يشبه ما مرّ علينا قريبًا من تحريم مكة حيث قال كثير من العلماء: إنها كانت حرامًا ثمّ أحلت للرسول ﷺ ساعة من نهار ثم حرمت، وقد سبق لنا الخلاف في هذا، المتعة اختلف فيها العلماء هل حرمت مرتين أو مرة واحدة؟ فمن العلماء من قال: إنها حرمت مرة واحدة، ومنهم من قال: بل

стр. 2320

حرمت مرتين، وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث: «رخّص عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها». ٩٥٢ - وَعَنْ عَليّ ﵁ قال: «ونهى رَسُولَ الله ﷺ عَن المتعة عَامَ خَيبر». مُتَفَق عليه. وعام خيبر قبل عام أوْطاس، لأنه في السنة السادسة وأوطاس في السنة الثامنة، فتكون حرمت عام خيبر وأحلت عام أوْطاس ثلاثة أيام ثمّ حُرمت، وهذا هُوَ الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم، ولكن بعض العلماء قال: إنها لم تحرم إلا مرة واحدة عام الفتح فقط، وأن حديث علي: «نهى عن المتعة عام خيبر»، كان فيه لفظ آخر: «نهى عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم الحمُر الأهلية»، والذي ثبت تحريمه عام خيبر هو لحوم الحمر الأهلية، فذهب وهم بعض الرواة إلى المتعة في لحوم الحمّر الأهلية، وإلى هذا ذهب ابن القيم في زاد المعاد. أولاً: ما هي المتعة؟ المتعة: هي النكاح إلى أجَّل، مثل أن يقول: زوجني بتلك لمدة شهر، كإنسان قدم بلدا وأراد أن يتزوج لكنه لا يريد أن يتزوج زواجًا مطلقا، فطلب أن يزوجه ولي المرأة لمدة شهر، فوافق على ذلك، نقول: هذا نكاح متعة، لماذا سمي نكاح متعة؟ لأن المقصود به التمتع فقط لا أن يجعلها زوجة يسكن إليها وتلد له وتكون شريكة له في الحياة ومُشاركة لورثته بعد مماته لا يريد أن يتمتع كالتيس المستعار، ثم إذا انتهى الأجل المؤقت انفسخ النكاح، لو قال: أنا رغبت الزوجة أبقوها، قالوا: لا، المدة انتهت، ليس لك خيار وليس فيها عدّة إنما فيها استبراء لئلا تختلط الأنساب، لأنه ليس عقد نكاح عقد متعة فقط، ولهذا ليس فيها نفقة، وليس للزوجة فيها قسم، وليس له عدد محدود ممكن لإنسان إذا كان عنده قدرة بدنية ومالية وقدم بلدًا في نساء كثير أن يتزوج للمتعة مائة امرأة؟ إذ إنه ليس بنكاح ولا تثبت له أحكام نكاح حتى الأولاد لا يُلحقون بالرجل هذا إلا بشرط وإلا فهم أولاد سفاح، فهذه هي المتعة، لكن كانت في الأول حلالاً بناء على أن الشرع الإسلامي إذا سكت عن أحكام الجاهلية فإنها تبقى على ما هي عليه ثم بعد ذلك حُرمت حرمها النيي ﷺ عام الفتح بالاتفاق، لكن هل كانت حلالاً من قبل ثم حُرمت في خيبر ثمّ أحلت عام الفتح ثمّ حُرمت هذا محل الإشكال، وأيا كان فإن المتعة حُرمت إلى يوم القيامة كما في حديث سبرة بن معبد الجهني أن النبي ﷺ قال عام الفتح: «مَنْ كانَ منكم استمتع فليعطها ما استمتع به، ومن لم يكن كذلك فليخل سبيلها»، ثمّ قال: «إن ذلك حرام إلى يوم القيامة»، ثبت ذلك في صحيح مُسلم أنها حرام إلى يوم القيامة، فانتهى موضوع المتعة وصار حرامًا إلى يوم القيامة، أما أهل العلم فقد اختلفوا

стр. 2321

في حكم هذه المسألة، فذهب ابن عباس ﵄ إلى حل نكاح المتعة، وناظره على ذلك ابن عمه علي بن أبي طالب مُناظرة تامة حتى قال له: إنك رجل تائه، قاله علي لابن عباس وبين له أن النبي ﷺ حرمها وشدد على ابن عباس، ثم إن ابن عباس أختلف الناقلون هل أباحها للضرورة أو إباحة مطلقة؟ والمشهور -بل الذي عليه المحققون - أنه أباحها للضرورة؛ يعني: إذا كان الإنسان في بلد واضطر إليها وخاف الزنا فإنه لا بأس، لكنه لما رأى الناس توسعوا في هذا الأمر وصار كل واحد يدّعي الضرورة رجع عن فتواه ووافق الجماعة، أما العلماء من بعدهم فإن المشهور عند الشيعة أنهم يُحلون ذلك ويجيزونها، والعجب أنهم يدّعون عصمة علي بن أبي طالب وأنه إمامهم ثم يخالفونه في هذه المسألة، هو ينكرها إنكارا شديدا حتى على ابن عمه ويصفه بأنه تائه عن الصواب ومع ذلك يخالفونه كما خالفوه في المسح على الخفين، هو الذي روى التوقيت عن رسول الله ﷺ في المسح على الخفين، وهم يقولون: لا يجوز المسح على الخفين، ولكن علماء الأمة وأئمتها حرموا المتعة وقالوا: إنها حرام، حَتَّى إن بعض علماء الشيعة المتأخرين أنكر المتعة وقال حقيقة الأمر أنها جناية على النساء، تصبح النساء وكأنهن غنم تقرعها التيوس، والمرأة إذا أفسدها الرجل المتمتع هل يرغب أحد في نكاحها بعد؟ لا، فتفسد النساء وتضيع الذرية ويصبح الشعب كأنه شعب بهائم، يعني: بعض العقلاء من الشيعة المعاصرين أنكروا هذا وقال: إن هذا لا يجوز، وإن الصواب مع المانعين. على كل حال: أئمة المسلمين المشهورين كلهم يُحّرمون المتعة، ومن أجازها مثل ابن عباس أجازها عند الضرورة ويشترط ألا يترتب عليها مفسدة بالتوسع فيها وإلا مُنعت كغيرها من المباحات. إذا قال قائل: الحكمة في النهي عن المتعة ما هي؟ أولاً: أن الله جعل النكاح مقراً وسكنًا بين الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وهذا من أعظم مقاصد النكاح وهو مفقود في نكاح المتعة؛ لأن الرجل نفسه يشعر إنما أراد أن ينال الشهوة فقط والمرأة تشعر بأنها امرأة مُستأجرة للمتعة فقط ولا تشعر بسكن ولا مودة ولا رحمة، ولهذا تجد المتمتع إذا لم تعجبه هذه المرأة ذهب يطلب امرأة أخرى وربما يأخذ بالمتعة عشر نساء قبل أن تغرب الشمس. مسألة: هل نية المتعة كشرطها ، يعني: لو أن الإنسان كان في بلد غريبًا، ثم أراد أن

стр. 2322

يتزوج امرأة، ومن نيته أن يطلقها إذا غادر البلد، فهذا نكاح مؤقت ولكن بالنية، هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين، فالمشهور من مذهب أحمد أن ذلك حرام ولا يجوز، وعللوا هذا بدليل وقياس؛ أما الدليل فقالوا: إن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا نوى نكاحًا مؤجلاً فثبت له ما نوى، وأما القياس فقالوا: إن الإنسان إذا تزوج امرأة لتحليلها لمطلقها ثلاثا بالنية لا بالشرط فإن النكاح يكون فاسداً كما لو شرط ذلك في العقد، قالوا: فإذا كان نكاح التحليل يثبت بالنية فكذلك نكاح المتعة: مع أن التزوج في نكاح التحليل لا يعلم أهل الزوجة ماذا يريد هذا الزوج، وأما الذين قالوا بالجواز فقالوا إن الفرق بينه وبين نكاح المتعة أن نكاح المتعة إذا تمّ الأجل انفسخ النكاح بمقتضى الشرط الذي اشترطه الزوج على نفسه واشترطته المرأة أيضا لنفسها، وأما النية فإنه لا ينفسخ النكاح، لأنه ربما تتغير نيته ويرغب في المرأة ويبقيها زوجة له، ولكن أنا أرى أنه حرام حتى وإن قلنا: إنه ليس من المتعة، وذلك لأن فيه غشًا للزوجة وأهلها، فإن الزوجة لو علمت أن هذا الرجل لا يريد إلا أن يتمتع بها أيامًا ثم يُطلقها لم ترض بذلك وأهلها لا يرضون بذلك، لاسيما أنها تكسد إذا فضر بكارتها أصبحت يَا غير مرغوب فيها، لاسيما أن بعض دول الكفر يرون أن المرأة المطلقة لا يمكن أن تتزوج مدى الدهر وحينئذ تكون معرضة نفسها للسفاح، ولذلك نرى أن هذا حرام لا من جهة العقد، لأننا حتى لو تنازلنا وقلنا: إن العقد لا تُؤثر فيه النية فإن فيه تحريمًا من جهة أخرى وهي الغش، أنت لو أراد شخص أن يتزوج ابنتك أو أختك بهذه النية هل ترى بأنه غاش لها؟ نعم لا شك، ولو علمت بأن هذه نيته ما زوجته، إذن فعامل غيرك بما تُحب أن يعاملك به. فإذا قَالَ قائل: القول بالجواز فيه فسحة للغرباء وفيه منع لهم عن الزنا؟ فالجواب عن هذا سهل أن نقول: إن دواء خوف الزنا بينه الرسول ﷺ فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم» فأنت إذا كنت مستطيعًا للنكاح الصحيح فتزوج بنكاح صحيح لا بنية أنه سيطلقها، وإذا كنت غير مستطيع فعليك بالصوم، هكذا بين لنا رسول الله ﷺ وأما أن نرتكب المحظور من أجل إرضاء الشهوة وخوف الفتنة كما يقولون فهذا ليس بصحيح، خوف الفتنة بين لنا رسول الله ﷺ دواءه فلنأخذ بهذا الدواء، أما أن نرتكب المحظور ونخلع الناس ونغشهم فهذا ليس بسديد، أما الآن فنعود لبقية الحكم في تحريم نكاح المتعة فنقول: إن فيها مخالفة لمقصود النكاح، لأن مقصود النكاح الألفة وبناء البيت الزوجي والحصول على الأولاد، وهذا -أعني: نكاح المتعة - لا يشتمل على

стр. 2323

هذه الحكمة، لماذا؟ لأن الزوج نفسه يشعر بأنه مفارق لهذه الزوجة فلا تحصل الألفة التي يطمئن بها القلب لا بين الزوج ولا بين الزوجة. ثانيا: أن الزوج في هذه الحال سيحاول بقدر الاستطاعة ألا تلد المرأة؛ لأنها مفارقة عن قرب، فسيحاول ألا يأتيه أولاد، وحينئذ تضيع هذه المياه التي كانت بصدد أن تنجب أولاداً بدون فائدة. ثالثا: أن في هذا مفسدة كبيرة للنساء؛ لأن هذا الرجل الذي يريد أن يتزوج نكاح متعة ليس له حد معين في العدد يتزوج ما شاء، فممكن أن يتمتع في الليلة الواحدة بعشر نسوة، يعني: في الشهر ثلاثمائة امرأة تفض بكارتها وتذهب هباء، وإذا قدرنا أن المتمتعين عشرات فكم من امرأة تفسد كل الأبكار تذهب بكارتهن بغير فائدة من سيتزوجها وهي ليست ببكر إلا إنسان بحاجة يعجز عن إدراك البكر ويتزوج امرأة ثيباً أو لغرض آخر يختار الثيب على البكر. ومنها أيضا: أن في هذا إهانة للمرأة وإهدار لكرامتها؛ لأن هذا المتمتع أصبح كالتيس بين الغنم لا يبالي بالنساء ولا يهتم بهن كأنه سلط عليهن لقضاء وطره فقط. ومنها أيضا: أن جميع ما يترتب على النكاح من الأحكام مفقود في المتعة، فيكون هنا استمتاع دون أن تترتب أحكام النكاح عليه مثل التوارث والمهر والأولاد وغير ذلك، كل هذه تفوت، وهذا لا شك أنه دمار، ولهذا كان من الحكمة أن الله سبحانه حرم نكاح المتعة وفي حديث سيرة أن الرسول ﷺ حرمها إلى يوم القيامة وعلى هذا فلا يمكن النسخ؛ لأن الحكم إذا قيد إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه بعد ذلك؛ إذ إننا لو قلنا بجواز النسخ لقلنا بجواز كذب خبر الرسول ﷺ ، وهذا شيء مستحيل. ٩٥٣ - وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن أكل الحمر الأهلية يوم خيبر. أخرجه السبعة إلا أبو داود. كأن المؤلف ساق هذا اللفظ ليبين انفصال النهي عن المتعة عن أكل لحوم الحمر قال: «نهى عن متعة النساء». تم الكلام، «وعن أكل الحمر الأهلية يوم خيبر». قوله: «نهى عن متعة النساء» احترازاً من متعة الحج؛ لأن هناك متعتين الأولى: متعة الحج، وهذه ليست منهيا عنها، بل مأمور بها، إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب، ومتعة الحج هو أن يحرم الإنسان بالعمرة في أشهر الحج ويتحلل منها ثم يحرم بالحج من عامة فتكون العمرة مستقلة عن الحج ويكون هو متمعاً بين العمرة والحج بما أحل الله له، ولهذا سمي تمتعا كما

стр. 2324

قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: بسبب العمرة وتحلله منها، تمتع بماذا؟ بما أحل الله له، لو أنك قدمت إلى مكة في أشهر الحج ومررت بالميقات وأنت تريد الحج لزمك أن تحرم من الميقات وتبقى في إحرامك إلى يوم العيد، وحينئذ لا تمتع بنساء ولا بطيب ولا غير ذلك من محظورات الإحرام، فإذا نويت العمرة من الميقات ودخلت مكة وطفت وسعيت وقصرت حللت وتمتعت بما أحل الله لك من محظورات الإحرام، إلى متى؟ إلى الحج، إن قدمت في ذي القعدة تمتعت إلى ثمانية من ذي الحجة، ولهذا جاءت «إلى» الدالة على الغاية هذه مأمور بها أمر النبي ﷺ بها أصحابه وحتم عليهم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها كانت في تلك -أي: المتعة- واجبة على الصحابة وهذا هو الصحيح بمعنى: أنها واجبة على الصحابة سنة في حق غيرهم، وقد روي مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سئل عن المتعة فقال: كانت لنا خاصة، والمراد بهذا: وجوبها، أما مشروعيتها لعامة الناس فإن سراقة بن مالك سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد» لأنها مشروعة، لكن كانت واجبة على الصحابة؛ لأنهم هم الذين خوطبوا بها مباشرة، ولأن في عصيانهم إبطالاً لهذه الشرعة؛ لأنه إذا كان الصحابة المجابهون بالأمر يتركونها ولا يأتون بها كان من بعدهم من باب أولى، فلهذا كان قول شيخ الإسلام أصح مما مال إليه تلميذه ابن القيم من وجوب التمتع أو فسخ الحج إلى العمرة، بل نقول: على الصحابة واجبة وعلى من بعدهم سنة، ولهذا قيدها قال: «عن متعة النساء»، فما هي متعة النساء؟ هي أن يتزوج الإنسان المرأة إلى أجل نهى عنها الرسول ﷺ وعن أكل الحمر الأهلية يوم خبير، «الحمر الأهلية» قيدها احترازا من الحمر الوحشية، لأنه يوجد حمر وحشية تعتبر صيداً تعيش في البر، وقد اصطاد الصعب بن جثامة للنبي ﷺ حين نزل به بالأبواء، وكان الصعب كريماً، وكان عداء سبوقاً يسبق الحمر الوحشية ويصيدها، فجاء إلى النبي ﷺ بحمار وحشي فرده النبي ﷺ ، فتغير وجهه وحق له أن يتغير أن يرد النبي ﷺ هديته والنبي ﷺ أكرم الناس خلقاً فتغير فقال: «إنا لم نردها عليك إلا أنا حرم» فاقتنع. على كل حال: الحمر الوحشية حلال، الحمر الأهلية حرام، لكن قيل: يوم خيبر حلال تذبح وتؤكل، وسبحان الله! قبل أن تحرم كانت من الطيبات وبعد أن حرمت كانت من الخبائث، لأن الحكم لمن؟ لله، فالله بعد أن حرمها أودع فيها خبثاً، وكانت في الأول طيبة تؤكل كما يؤكل البقر، لكن لما حرمها الله صارت خبيثة أوجد الله فيها خبثا ولهذا أمر أبا طلحة عام خيبر: إن الله ورسوله ينهياكم عن لحوم الحر الأهلية فإنها رجس، أي: خبيثة نجسة. في هذا الحديث: دليل على تحريم نكاح المتعة فإذا عقد هل يصح أو لا؟ لا يصح، لأن

стр. 2325

لدينا قاعدة مفيدة لطالب العلم وهي أن ما نهي عنه لذاته لا يكون صحيحاً ولو فعله الإنسان، فلو أراد شخص أن يصلي في أوقات النهي صلاة لا سبب لها فصلى صلاة خاشعاً فيها مطمئناً لا تصح الصلاة، وكذلك لو أن الإنسان عقد نكاح متعة لا يصح النكاح، كل شيء نهي عنه لذاته فإنه لا يصح، لو باع الإنسان بعد نداء الجمعة الثاني لا يصح البيع ولا ينتقل فيه الملك، بل يبقى المبيع ملكاً للبائع والثمن ملكاً للمشتري. فإذا قال قائل: ما الحكمة؟ لماذا لا تقولون إذا فعل المنهي عنه فهو آثم والعقد الصحيح؟ فالجواب: أن في تصحيح العقد مضادة لله ورسوله، لأن تحريم الشرع له يريد من الأمة ألا يبقى له كيان، وإذا صححناه أبقينا له كيانا وصار معتبرا، ويظهر هذا بالمثال: إذا باع شخص بيتاً على إنسان بعد نداء الجمعة الثاني البيع حرام، العقد باطل غير صحيح، لو قلنا: إن البيع حرام والمتعاقدان يأثمان، ولكن العقد نافذ وصحيح صار هذا مضادة للشيء، لأن الشرع إنما نهاك لئلا تعقد ولئلا ينتقل الملك إلى المشتري في المبيع وملك الثمن إلى البائع، فإذا صححناه فهذا ضد ما أراد الشارع. إذن القاعدة: كل ما نهي عنه لذاته من عبادة أو معاملة إذا وقع من المكلف فهو غير صحيح. ومن فوائد الحديث: تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ولو كانت صغيرة ولو سمينة، لو اضطر الإنسان إليها جاز الأكل لكن بقدر الضرورة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليوم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. وإذا كان الخنزير وهو أخبث من الحمار يجوز عند الضرورة فالحمار من باب أولى، نحن قلنا: الخنزير أخبث من الحمار، لأن الخنزير لم يأت عليه يوم من الدهر وهو طاهر حلال، والحمار قد أتى عليه يوم من الدهر وهو طاهر حلال. ٩٥٤ - وعن ربيع بن سبرة عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً». أخرجه مسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن حبان.

стр. 2326

قوله: «أذنت» أي: رخصت، وهذا لا يدل على تقدم المنع؛ لأن الإذن قد يكون بالقول وقد يكون بالإقرار، فقوله: الإذن، قال: «أذنت لكم»، التحريم أضافه إلى الله ليزيده قوة وقبولا وإذعانا، وإن كان ما حكم به الرسول فهو حكم الله لكن هذا أبلغ، لأن الحكم لله والرسول مبلغ، وقوله: «يوم القيامة» هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، ويسمى يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين ولأنه يقام فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ولأنه يقام فيه العدل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قوله: «فليخل سبيلها»، الرسول منع حتى استمرار الإنسان فيه مع أنهم يقولون: إن الاستدامة أقوى من الابتداء، لكن هنا صارت الاستدامة تبعاً للابتداء. وقوله: «فمن كان عنده ... » إلخ، أي: أن من عنده امرأة عقد عليها عقد استمتاع فليخل سبيلها، ولم يقل الرسول ﷺ : فليطلقها، بل قال: «يخل سبيلها» يتركها. ثم قال: «ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»، وإنما نهى عن أن يأخذوا منهن شيئا؛ لأنهن استحققن ما أعطين بما استحل من فروجهن، هذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، ويدل على أن الحل منسوخ، وعلى أنه نسخ بأمر الله؛ لأن الله حرمه، وعلى أنه لا يمكن أن يعاد حله، أي: نكاح المتعة لقوله: «إلى يوم القيامة». ويستفاد من هذا الحديث: أن من عقد على شيء عقداً فاسداً فإن الواجب التخلي عنه؛ لقوله: «فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها»، وعلى هذا فلو تبايع الرجلان بيعاً غير صحيح بفقد شرط من شروطه أو بمانع من موانعه فالواجب فسخ هذا البيع والتخلي عنه، بل نقول: الواجب التخلي عنه، ولا نقول: الفسخ، لماذا؟ لأن الفسخ فرع عن صحته وهنا العقد غير صحيح. حكم زواج المحلل: ٩٥٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له». رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه. -وفي الباب عن علي أخرجه الأربعة إلا النسائي. لابد أن نعرف من هو المحلل؟ المحلل هو الذي يتزوج امرأة مطلقة من زوج سابق

стр. 2327

طلاق ثلاث من أجل أن ترجع للأول حلالاً، وذلك أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاث مرات طلق ثم ارجع ثم طلق ثم ارجع ثم طلق الثالثة فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِن طَلَّقَهَا﴾ فتكون هذه الثالثة؛ لأن ما سبق مرتان فهذه الثالثة، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ أي: للمطلق، ﴿مِن بَعْدُ﴾ أي: من بعد هذه الطلقة، ﴿حتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠]. أو يطأها؟ النكاح في القرآن الكريم لا يكون إلا للعقد: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ .... ﴾ [النساء: ٢٢]. أي: العقد، لكن هنا ليس للعقد، هنا للجماع؛ لأنه قال: «حتى تنكح زوجاً غيره»، فأضاف النكاح إلى الزوج ولا يكون زوجا إلا بعقد، فالنكاح بعد الزوجة هو الوطء وإلا لقال: حتى تنكح رجلا غيره، لو قال ذلك صار المراد بالنكاح: العقد، فلما قال: «حتى تنكح زوجاً» فمعنى ذلك: أن الزوجية سابقة على النكاح. وحينئذ يحمل النكاح على الوطء كما دل عليه الحديث الذي ذكره في الحاشية وهو حديث رفاعة القرظي وفيه قالت: «طلقني فأبت طلاقي» يعني: بهذه الطلقة بت الطلاق، المهم أن أقول: الرجل إذا طلق الزوجة ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فهذا رجل طلق امرأة ثلاثا فجاء صديق له فتزوجها على شرط أنه إذا حللها للزوج، يعني: جامعها بعد النكاح طلقها، نقول: هذا محلل حكمه أنه ملعون، والملعون هو المطرود عن رحمة الله. المحلل له من؟ الزوج الأول كيف كان ملعونا، لأنه كان التحليل باتفاق معه وكان عالما به، أما إذا لم يكن عالما فكيف يلعن، لكن هو عالم كان له صديق فقال له: أنا طلقت أم أولادي، وهذه الطلقة الأخيرة تزوجها حللها لي، ففعل الصديق رأفة بصديقه تزوجها وجامعها رأفة بصديقه، نقول: الثاني محلل والأول محلل له، وكلاهما ملعون على لسان النبي ﷺ ، والسؤال الآن هل تحل للزوج الأول أو لا؟ لا تحل للزوج الأول، إذن لم يستفد إلا أنه لعن، وسيأتي بيان ذلك. وقوله: «لعن المحلل» أي: قال لعنة الله عليه، والخبر هنا بمعنى الدعاء، ويجوز أن يكون خبراً بمعنى الخبر، يعني: خبر حقيقي؛ وذلك لأن النبي ﷺ يوحي إليه ويبلغ من الله، فيمكن أن يكون قول الرسول: «لعنة الله على المحلل» خبراً عن الله لا دعاء، أما أنا إذا قلت: «لعنة الله على كذا» فأنا داع إلا إذا كنت قد بنيت هذا على نص يدل على هذا مثل «لعنة الله على من لعن

стр. 2328

والديه»، هذا خبر، لأنه جاء به النص، فكذلك دعاء الرسول ﷺ على فاعل هذا يحتمل أن يكون دعاء، ويحتمل أن يكون خبراً، حديث جابر: «لعن آكل الربا» أي: قال: اللهم العنه، أو خبر عن الله أنه لعنه؟ فيه احتمال، لكن هذا نقول: سواء كان دعاء أو خبراً فإنه يدل على أن الفاعل مستحق للعنة، لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يدعو على أحد إلا وهو مستحق. المحلل هو من تزوج امرأة طلقت ثلاثا من أجل أن يحللها للأول وذكرنا أنه يشترط لحلها للأول شرطان: الأول: صحة النكاح بأن يكون نكاح رغبة لا نكاح تحليل ولا نكاح متعة، فلابد أن يكون النكاح صحيحا، لو تبين أن النكاح غير صحيح فلا تحل للأول، مثاله: تزوج إنسان امرأة نكاح رغبة قد طلقت من زوجها الأول ثلاثا ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع ما حكم النكاح؟ باطل، هل تحل للأول؟ لا، لأن النكاح غير صحيح، وقد اشترطنا أن يكون النكاح صحيحا، تزوجها بلا ولي أيضا فلا تحل للأول؛ لأن النكاح فاسد غير صحيح. الشرط الثاني: أن يجامعها، والدليل ما سيأتي في حديث عائشة القادم، وقد أشرنا إليه فيما سبق من الشرح، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وجه الدلالة: أنه قال: ﴿تَنكِحَ زَوْجًا﴾، والنكاح هنا محمول على الوطء، ولا يصح أن يحمل على العقد؛ لأن قوله: ﴿زَوْجًا﴾ يقتضي أن تكون الزوجية مقدمة على النكاح، وحينئذ يتعين أن يكون المراد بالنكاح: الوطء، ويكون الحديث موضحاً لهذه الآية. مسائل مهمة: هل إذا عادت إلى الأول بعد النكاح الصحيح هل تعود إليه على طلاق ثلاث أو على واحدة؟ يقول العلماء: إنها تعود على طلاق ثلاث، بمعنى: أن الزوج الأول يملك ثلاث طلقات، والطلقات الأولى لا تحسب عليه، فإذا طلقها الزوج الأول بعد أن عادت إليه فيملك أن يراجع، طلق ثانية يملك أن يراجع، طلق ثالثة لا يملك، إذن تعود إلى الزوج الأول على طلاق ثلاث أي: كأنه تزوجها من الآن، لأن نكاح الزوج الثاني هدم الطلاق الأول. فإن طلقها الزوج طلقتين ثم تزوجت بزوج آخر وجامعها ثم طلقها ثم عادت إلى الزوج الأول فهل تعود على طلاق ثلاث أو على ما بقى من الطلاق؟ فيه خلاف، يرى بعض العلماء أن النكاح الثاني يهدم ما سبقه من الطلاق، وعلى هذا فتعود للزوج الأول على طلاق ثلاث، ويرى آخرون بأنه لا يهدم، وعلى هذا فتعود إلى الزوج الأول على ما بقى من طلاقها عادت

стр. 2329

إلى الزوج الأول ثم طلقها فلا تحل له مع أن الطلقة التي وقعت واحدة لكنها مبنية على ما سبق. إذن إذا طلقت ثلاثا ثم تزوجت بآخر ثم عادت إلى الأول تعود إليه على طلاق ثلاث، إن طلقت أقل من ثلاث ثم تزوجت ثم عادت للأول فتعود على ما بقى من الطلاق، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو الصحيح. فإذا قال قائل: كيف يهدم الزوج الثاني ثلاث طلقات ولا يهدم الطلقتين مثلا؟ قلنا: نعم، لأن نكاح الزوج الثاني فيما إذا طلقت ثلاثا صار له تأثير في الحل للزوج الأول، أما نكاحها للزوج الثاني بعد الطلقتين أو بعد الواحدة فليس له أثر، لا يفيد شيئاً؛ لأن الزوج الأول غير محتاج إليه الآن، فلما لم يكن مؤثرا شيئا بقى الطلاق السابق على ما كان عليه، ولعموم قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ... ﴾ ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فمذهب أحمد هو الصحيح. وقوله: «في الباب عن علي» إذا أطلق «علي» فالمراد به: علي بن أبي طالب، وإذا قيل: عن ابن مسعود فهو عبد الله، وإذا قيل: عن ابن عباس فهو عبد الله، وإذا قيل: عن ابن عمر فهو عبد الله. نكاح الزاني والزانية: ٩٥٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله». رواه أحمد، وأبو داود، ورجالة ثقات. قوله: «لا ينكح» اختلف المفسرون لهذا الحديث وللآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣].ما المراد بقوله: «لا ينكح»؟ قيل: المراد به: الوطء، يعني: لا يزني الزاني إلا بزانية، الزاني لا ينكح إلا زانية، يعني: الزاني لا يزني إلا بزانية، فجعلوا النكاح بمعنى: الجماع، والجماع بالزنا زنا، ولكن هذا القول ضعيف جدا جدا، لأنه لا يمكن أن يطلق الله النكاح الشرعي الذي ثبت به أحكام عظيمة كثيرة من حل وتحريم ونفقات وإرث لا يمكن أن يطلق هذا النكاح وهو العقد العظيم الذي لا نظير له في العقود على الزنا وهو إن أطلق على الجماع فيمن أضيف إلى زوجته فإنه لا يطلق على الجماع بحال من الأحوال، يعني مثلا: إذا قلنا: نكح الرجل امرأته، أي: جامعها، هذا معقول، لكن نكح الرجل امرأة أجنبية سنة هذا لا يمكن أبدا لهذا نقول: هذا القول ضعيف جدا وهو في نفس الوقت غير مستقيم، لأنه ما معنى لا يزني الزاني إلا بزانية؟ إن أراد إلا بزانية أي: بامرأة، يعني: تمارس الزنا فهذا لا يصدق قضيته، غير صحيح؛ لأن الزاني قد يزني بامرأة بكراً ما تريد الزنا إطلاقا، وإن أراد بالزانية امرأة معروفة

стр. 2330

بالزنا وتمارس الزنا، فكأنه يقول: الزاني لا يزني إلا بزانية، فأي فائدة في هذا؟ هذا كما يقال: «الأرض تحتنا والسماء فوقنا، والآكل للخبز آكل للخبز» هذا ليس فيه فائدة، ولهذا كان القول الصحيح: أن معنى الحديث ومعنى الآية: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. ﴿لا يَنكِحُ﴾ لا يتزوج إلا زانية، لا يتزوج إلا زانية أو مشركة كيف ذلك؟ نقول: الزاني لا ينكح إلا زانية، إذا كان نكاح الزاني لامرأة عفيفة حراماً فهذه المرأة العفيفة إذا تزوجها الزاني فإما أن تكون عالمة بالتحريم المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولكنها رفضت التحريم وقالت: ليس بحرام ولم ترض به حكماً وحينئذ تكون مشركة؛ لأنها تعتقد أن هذا الرجل جامعها بعقد حلال؛ حيث إنها لم تقتنع بالتحريم، والذي لا يقتنع بحكم الله كافر مشرك، وإما أن توافق على الزواج به وهي تعترف أنه حرام ولكنها لا تبالي بالحرام فتعتقد أنه جامعها جماعاً محرماً بغير عقد صحيح وحينئذ تكون زانية، حمل الآية على هذا المعنى لا يحتاج إلى تكلف ولا يحتاج إلى تأويل مستكره واضح جداً، فنقول: إذا تزوج زان بعفيفة فإما أن تكون راضية بحكم الله بالتحريم فتكون زانية؛ لأنها تعتقد أن هذا النكاح غير صحيح محرم فيكون وطاها بغير نكاح وهذا هو الزنا، وإما أن ترفض الحكم ولا تعترف به وحينئذ تكون مشركة، لأنها رفضت حكم الله واختارت حكماً ترضاه هي فجعلت نفسها شريكة مع الله في الحكم والتشريع وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم، وأظن أنه سبقه شيخه ابن تيمية رحمة الله وهو قول ظاهر جداً. أما حكم المسألة فيقول الرسول ﷺ : «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» المجلود في الزنا، وإنما قال: «المجلود» من أجل تحقق الزنا، يعني: الذي ثبت زناه فجلد، «لا ينكح إلا مثله» أي: إلا زانية، ووجهه كما قلنا: إنها عالمة بتحريم النكاح ولكنها مرتكبة للمحرم فتكون زانية مثل هذا الزاني، فعلى هذا يكون الحديث دالا على أنه لا يجوز أن يزوج الزاني حتى يتوب من الزنا، فإن طرأ عليه في النكاح، يعني: كان عفيفا وزوجناه ثم انحرف وصار يزني يذهب إلى البلاد الأجنبية ويزني فهل ينفسخ نكاحه؟ لا، لماذا؟ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء. فعلى هذا نقول: الزاني لا يزوج حتى يتوب، ولو زنى بعد الزواج فإن النكاح لا ينفسخ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]. نقول في قوله تعالى: ﴿إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ كما قلنا في قوله: ﴿إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ فهذا الذي تزوجها إما أن يكون راضيا بحكم الله وهو يعتقد بأنه مرتكب للحرام فيكون زانيا أو يكون غير راض بحكم الله ويرى أنه لا بأس أن يتزوج الزانية

стр. 2331

وحينئذ يكون مشركاً، فلو تزوج بزانية قبل أن تتوب فالنكاح باطل غير صحيح يجب أن يفرق بينهما، فإن تابت قبل أن يعقد عليها النكاح صح أن يعقد عليها النكاح، لأنها إذا تابت ارتفع عنها وصف الزنا وصارت الآن عفيفة، لأن العفة تتجدد كما أن الزنا يتجدد، لكن ما علامة توبتها؟ يقول بعض العلماء: علامة توبتها أن تراود فتمتنع؛ يعني: يذهب لها رجل يقول لها: مكنيني من نفسك، فإذا أبت كان دليلا على توبتها، ولكن هذا القول ضعيف جداً، لأن المراودة لا تدل على التوبة، لأن الذي راودها إما أن يكون معروفا بالعفة والصلاح فإنها ستمتنع وإن كانت ترغب، وإن كان رجلاً فاسقاً فهو على خطر عظيم، ما هو؟ أن يفعل الزنا بها، ولهذا نقول: سلوك هذه الطريقة في استطلاع توبتها خطأ جداً، إذن كيف نعلم أنها تابت؟ نعلم أنها تابت بمن يتصل بها من النساء أو بحيث تأتى أهل العلم وتسألهم تقول: إنها أذنبت ذنبا عظيما تعينه أو تكبره عند المسئول وتقول: أنها تابت فهل لها من توبة؟ المهم أن التوبة لها علامات. خلاصة هذا الحديث: «لا ينكح الزاني المجلود» هل يمكن أن يحول الحديث إلى العموم، أي: لا ينكح الزاني المجلود، ونجعل الزاني وصفاً يشمل المرأة والرجل؟ يمكن، وعلى هذا يكون الحديث مطابقا للآية والآية، مفصلة: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. والعجيب أن جمهور العلماء على حل تزوج الزاني بالعفيفة والعفيف بالزانية وهذا من الغرائب، وجه كونه غريباً: أن الله قال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصاً في التحريم، لكن هم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه بناء على معنى قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ﴾ أي: لا يطأ ﴿إِلَّا زَانِيَةً﴾ وقلنا: إنه ضعيف، إذن لو أن خاطبا خطب وهو متهم بالزنا هل نعطيه؟ لا؛ لأن المتهم لا يرضى دينه بل ولا خلقه؛ لأن من المعاصي ما يهدم الدين والخلق، ومن المعاصي ما يهدم الدين فقط، فالزنا -والعياذ بالله- يهدم الدين ويهدم الخلق، ولهذا يضرب بالزاني المثل في خلقه وسفالته. يؤخذ من هذا الحديث من الفوائد: تحريم إنكاح الزاني بعفيفة ما لم يتب، ما الدليل على أنه إذا تاب جاز تزويجه؟ الوصف؛ لأنه إذا تاب زال عنه وصف الزنا. ومن فوائد الحديث: حماية الشريعة للأخلاق، لأن الزاني -والعياذ بالله- لا يبالي أن تزني امرأته؛ لأنه هو يزني بنساء الناس، والواقع في الذنب لا ينكره على غيره. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز -بل يجب- منع تزويج الزاني ولو كان مستقيم الدين في غير الزنا، قد يكون رجل يصلي ويتصدق ويصوم ويحج ويعتمر لكنه مبتلي -نسأل الله العافية- بمسألة الزنا، فهل نزوج هذا الرجل ونقول: هذا دينه جيد ولعله يتوب من الزنا؟ لا يجوز أبدا،

стр. 2332

وأشر من ذلك إذا كان لا يصلي؛ بعض الناس يقول: نزوجه لعل الله يهديه، فيزوجوه فتاة دينة طيبة فينكد عليها حياتها بحجة أنه ربما يهديه الله، نحن نقول: ربما يهديه الله، وربما يفسد المرأة، ولهذا يجب علينا إذا استشرنا في أمثال هؤلاء أن نبين النصيحة ولو كان أقرب الناس إلينا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. ٩٥٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: «طلق رجل امرأته ثلاثا، فتزوجها رجل، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها أن يتزوجها، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول». متفق عليه، واللفظ لمسلم. قوله: «طلق امرأته» يعني: مرة، ثم مرة، ثم مرة، وليس المراد: أنه قال: أنت طالق ثلاثا، لأن أنت طالق ثلاثا في عهد الرسول ﷺ لا تعد إلا واحدة، كل ما جاءكم «بت طلاقا» أو «طلقها ثلاثا» فالمراد: واحدة بعد الأخرى، ولهذا في هذا الحديث ألفاظ متعددة طلقها آخر ثلاث تطليقات. وقوله: «قبل أن يدخل بها» أي: قبل أن يجامعها، «فسأل ... » إلخ، هذا سبقت الإشارة إليه، وأن الزوج الثاني لا بد أن يجامع، فإن عقد عليها وخلا بها دون أن يجامعها ثم طلقها فإنها لا تحل للأول. وقوله: «من عُسيلتها»، هل العُسيلة هي الإنزال أو مجرد الجماع؟ الجواب الصحيح: أنها مجرد الجماع، وأنها تحل للأول وإن لم يحصل إنزال، لأن الجماع نفسه كما قال الرسول ﷺ : «عُسيلة»، ولكم مع الإنزال لاشك أنه أتم. وعلى هذا فنقول: إنه لا تحل للزوج الأول حتى يجامعها الزوج الثاني، فإن طلقها قبل أن يجامعها ولو كان قد خلا بها أو قبلها أو ضمها فإنها لا تحل للزوج الأول لابد من جماع. بقي علينا مسألة: هل العبرة بنية الزوجة أو بنية الزوج أو بنية الولي؟ قال الفقهاء: «من لا فرقة بيده لا أثر لنيته». وعلى هذا فالمرجع لنية الزوج، لأنه هو الذي بيده الفرقة هي لو نوت أنه إذا حللها للزوج الأول عادت للأول ليس بيدها لو قالت الزوجة: طلقني، قال: لا، فالعبرة بنية الزوج، وقال بعض العلماء: بل بنيتها أو بنية الزوج، أما كون العبرة بنية الزوج فالأمر ظاهر؛ لأنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وأما كون نيتها معتبرة؛ فلأنها قد تسعى إلى أن يفارقها الزوج بأي حيلة، ماذا تصنع؟ تنكد عليه إذا قال: سوي الشاي سوت حليباً أو بالعكس، أو تقول: لا

стр. 2333

أسوي كلما أمرها تقول: لا، كذلك عند الفراش تتعبه هذا أيضا ربما يضطر الزوج إلى أن يطلقها، أحيانا بعض النساء تتحدى زوجها تقول له: أنت رجل؟ قال: نعم، أنا أكثر رجولية منك، تقول: إن كنت رجلاً فطلقني، تأخذه الحمية الآن ربما يطلقها، كذلك أيضا ربما يكون الرجل عنده حاجة مدين أو غير ذلك تقول: أنا أعطيك أكثر مما أعطيتني وطلقني، على كل حال: هذا القول وجيه جداً إذا علمنا أن هذه الزوجة نيتها سيئة وأنها نكدت على الزوج حتى طلقها لتعود للأول ينبغي أن نمنعها منه؛ لأنها أرادت الزوج الأول على وجه محرم؛ لأنه لا يحل لها أن تعصي زوجها أو تنكره لحقوقه فتعاقب بالحرمان، ونقول: الآن لا تحل لزوجها، الآن ربما تبكي على الزوج الثاني، لو أن القاضي صار جيداً وقال: عرفنا من تصرفك أنك تريدين الأول وتريدين التحليل فالآن لا تحلي للأول، فيما أعتقد أنها سوف تبكي على الثاني وتحاول الرجوع إليه ربما إذا جاءت الثاني قال لها: «الصيف ضيعت اللبن». وحينئذ تبقى معلقة. على كل حال: الأصل أن النية نية الزوج، ولكن القول بأنه يرجع إلى نية الزوجة قول قوي جداً، قلنا: إن الطلاق كان على عهد النبي ﷺ الثلاث واحدة وظل كذلك في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر فقال: «إني أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم»، ما معنى «كانت لهم فيه أناه؟ » يعني: كان فيه سعة يطلقون مرة واحدة، هل أنت إذا طلقت مرة واحدة تلتزم بالرجوع إلى زوجتك؟ لا، فبعض الناس عنده جهل يقول: أطلقها ثلاثا من أجل ألا أراجعها، نقول له: أنت إذا طلقت واحدة فإنك لا تلزم بمراجعتها دعها حتى تنقضي العدة وإن شئت راجعها، فهو ﵁ قال: «فلو أمضيناه عليهم» فأمضاه عليهم وهذا صحيح، أي: أثر صحيح، وهو صريح في أن إمضاء الثلاث كان من اجتهادات عمر. الحديث في مسلم. قال بعض العلماء: فأخذ العلماء به فكان إجماعا، أي: من العلماء من قال: إن الطلاق الثلاث يكون ثلاثا تبين به المرأة، وقال بعض العلماء: بل الإجماع على عكس ذلك، لأن حديث ابن عباس وهو في مسلم أيضا يقول: كان الطلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فعندنا ثلاثة عهود: عهد النبي ﷺ ، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، قالوا: فلو أننا نتساهل في نقل الإجماع لكان الإجماع على ماذا؟ على أن الثلاث واحدة وهذا حق، ولهذا كان الراجح من أقوال أهل العلم: أن طلاق

стр. 2334

الثلاث واحدة سواء وقع بلفظ واحد أو بألفاظ متكررة، وأنه لا طلاق إلا بعد رجعة أو نكاح جديد، بعد رجعة مثل أن يقول: طلقت زوجتي ثم يراجع، إذا راجع عادت زوجته، فإذا طلق هذه الثانية إذا رجع عادت زوجته، فإذا طلق هذه الثالثة أو يقول لزوجته: أنت طالق وتعتد فتنقضي العدة ثم يتزوجها من جديد ثم يطلق ثم تنقضي العدة ثم يتزوجها من جديد ثم يطلق، فالثالثة هذه تبين بها على كل حال، قولها ﵂: «طلق امرأته ثلاثا» الطلاق الثلاث يعني: البت آخر طلقة تكون. هذا الحديث يدل على أن المرأة إذا طلقت ثلاثا لا تحل للزوج الأول إلا بعد النكاح صحيح وبعد وطء الزوج الثاني بعد نكاح صحيح؛ لأن وطء الثاني لا يباح إلا بنكاح صحيح فلابد من نكاح صحيح ولابد من وطء وقوله: «حتى يذوق من عُسيلتها» ذكرنا أن المراد بالعسيلة: الجماع، وأن بعض العلماء قال: المراد به: الإنزال، وأنه إذا حصل جماع بدون إنزال فإنها لا تحل للأول، والصحيح أن المراد بالعسيلة: الجماع وإن لم ينزل، وأنه إذا جامعها فإنها تحل للأول لكن بشرط أن يكون النكاح صحيحا، أما لو كان نكاح تحليل فإن وطأها لا يحل أصلا ولا يحلها للزوج الأول، لأن نكاح التحليل حرام وباطل فلا يفيد شيئا. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يكنى عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه لقولها: «قبل أن يدخل بها» والمراد بالدخول: الجماع، وهكذا جاء في القرآن: ﴿مِن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ... ﴾. ومن فوائده: أنها لو تزوجت بزوج آخر وبقيت عنده سنة أو أكثر ثم طلقها بدون جماع فإنها لا تحل للأول لابد من جماع. ومن فوائد الحديث: أنه إذا تصرف الإنسان تصرفا ولكنه على خلاف الشرع وهو يعتقده صحيحاً فإنه لا عبرة بتصرفه فهنا هذه المرأة لما طلقت ظنت أن التصرف هذا يبيحها للزوج الأول فبين النبي ﷺ أنها لا تحل له حتى يدخل بها. مسألة شهر العسل: *هل يؤخذ من هذا الحديث ما يسمونه بشهر العسل؟ الجواب: أنه لا يؤخذ منه هذا؛ لأن ذوقه من عُسيلتها يمكن أن يكون في ليلة واحدة في

стр. 2335

أول ليلة، فلذلك لا يمكن أن يتخذ من هذا الحديث دليل على ما يسمونه بشهر العسل، ثم هذا الذي يسمونه بشهر العسل كثير من الناس الذين عندهم مال يذهبون إلى خارج البلاد وينفقون نفقات كثيرة وربما يفعلون أشياء منكرة فيبدلون شكر النعمة كفرا -والعياذ بالله-، وما أحسن ما يفعله بعض الناس -وأقول: ما أحسن، يعني: أنه أهون من غيره وإلا فليس له أصل في الشرع- يسافر بها إلى مكة أو المدينة يؤديان عمرة وزيارة للمسجد النبوي، لكن مع ذلك أننا نقول: إن هذا أمر مشروع، لكن نقول: إذا بليتم فهذا أحسن، لكن -الحمد لله- يبقى الإنسان في بلده مستريحا وآمنا. **** ١ - باب الكفاءة والخيار «الكفاءة» يعني: مكافأة الشيء بالشيء، ومن المعلوم أن الكفاءة في الدين من حيث أصل الدين لابد منها، فلا تتزوج المسلمة كافراً باتفاق المسلمين وبالنص أيضا: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. والكفاءة في العدالة يعني: فاسق يتزوج امرأة ملتزمة هذا ليس بشرط ما دام فسقه لا يخرجه من الإسلام، لكنه لا ينبغي أن يزوج الفاسق مع إمكان أن تزوج بعدل لقول النبي ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه»، ولكن أحيانا تلجئ المصلحة إلى تزويج فاسق مثل أن تكون المرأة ثيبا لا يكثر الخطاب عليها، أو تكون المرأة قد كبرت ويقل الخطاب عليها، فهنا تزويجها بالفاسق يكون لحاجة إلا أنه يستثنى من الفسق فسق الزنا كما سبق فإن تزويج الزاني حرام ولا يصح النكاح لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]. إذن الكفاءة في الدين لابد منها، ويستثنى منها: أن يتزوج المسلم بالكتابية؛ لأن الزوج هنا أعلى من الزوجة، وقد جاء في القرآن الكريم يحل تزوج الرجل المؤمن بالمرأة الكتابية فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ... ﴾ [المائدة: ٥]. ولكن مع هذا كره كثير من السلف أن يتزوج المؤمن كتابية مع إمكان أن يتزوج مسلمة وإن كان هذا حلالا لكن كرهوا ذلك، وعللوا الكراهة بأمرين: الأول: أن هذا قد يكون خطراً على دين المرء المسلم، ولاسيما إذا أحبها حباً شديداً فإن ذلك يخشى أن تؤثر فيه، ويذكر أن رجلاً مؤذناً صعد المنارة فوجد على أحد السطوح امرأة نصرانية

стр. 2336

جميلة فأخذت بلبه فأرسل إليها يخطبها فأبت إلا أن يكون نصرانيا -نعوذ بالله- فحاول فقالت: لا يمكن إلا أن تكون نصرانيا فتنصر، ولما تنصر قالت له: إنك بعت دينك بشيء رخيص فستبيعني بأرخص، لا حاجة لي فيك، فصار مرتداً عن الإسلام، ولم يحصل له مقصوده. إذن استثنينا من مكافأة الدين المسلم يتزوج كتابية، ومع ذلك قلنا: إن كثيرا من السلف كره ذلك خوفاً على الإنسان من أن تؤثر فيه. السبب الثاني: إنه إذا تزوج الكتابية فإنه سوف ينقص تزوج المسلمة، فتبقى النساء المسلمات عانسات لا أزواج لهن، فبدلاً من أن يتزوج كتابية يتزوج مسلمة، يحصن فرج امرأة مسلمة خير له من أن يحصن فرج امرأة كتابية. الكفاءة في العدالة ليست بشرط، لكن لا ينبغي أن يزوج امرأة ذات عدالة برجل فاسق إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ومثلنا لهذا بمثالين. الثالث: الكفاءة في النسب، يعني: أن تكون المرأة ذات نسب، وأن يكون الزوج لا نسب له، وليس معنى لا نسب له ألا يكون له أب، لا، هو له أب لكنه ليس من قبائل العرب، والمرأة من قبائل العرب وهو ما يعرف عندنا بالخضيري والقبلي، وعند العامة البحتة الشيخ والعبد القبيلي يسمى شيخاً، والذي ليس له قبيلة يسمى عبداً بناء على الأصل؛ لأن الأصل أن غير القبيلي من الموالي من الذين أسلموا ولم يعرف لهم نسب عربي من الفرس أو الروم أو غيرهم، على كل حال: الكفاءة في هذا الأمر مختلف فيها، فمن العلماء من يقول: إنها شرط للصحة في النكاح، فلو تزوج غير قبيلي بقبيلية فالنكاح غير صحيح لفوات شرط الكفاءة، وقال بعض أهل العلم: إنه شرط للزوم وليس شرطاً للصحة، يعني: أن المرأة إذا زوجت بغير قبيلي وهي قبيلية فلأوليائها أن يفسخوا، أولياؤها غير الذين زوجوها؛ لأن الذين زوجوها قد رضوا أبناء العم وأبناء الأخ وما أشبه ذلك فلهم أن يفسخوا النكاح، ولكن هذا القول الثاني والذي قبله كلاهما ضعيف، أما القول الأول الذي قبله فهو من الغرائب أن تكون هذه الكفاءة شرطاً للصحة؛ رجل عالم غني كريم ذو خلق دين لكنه غير قبيلي يأخذ امرأة قبيلية جلفة، ونقول: إن النكاح غير صحيح؟ ! هذا نتعجب أن يقول به عالم من العلماء، ولكن كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . كذلك أيضا كونه شرطا للزوم هذا فيه نظر، امرأة رضيت هي ووليها الأقرب بهذا الرجل العالم العادل الكريم الشجاع ولكنه غير قبيلي كيف تقول لابن العم البعيد: افسخ إن شئت مع أننا نخشى أن يكون قصده بهذا الفسخ الحسد والغيرة أن يتزوجها مثل هذا الرجل، فالصحيح أنه ليس لأحد أن يفسخ، وما أحسن ما حصل في قضية عند أحد قضاة هذا البلد سابقاً تزوجت

стр. 2337

امرأة قبيلية لشخص غير قبيلي زوجها أبوها ورضيت بذلك فجاء أعمامها يتحاكمون إلى الشيخ القاضي فقال لهم: لا بأس أنا أفسخ النكاح، ولكن بشرط أن تلزموا بالإنفاق عليها مدى الحياة وهو قاضٍ ذكي يعرف أنهم لن يلتزموا بذلك، تناظروا فيما بينهم وإذا الإنفاق عليها سيكون متعباً لهم، فقالوا: لا، فقال: ارجعوا وراءكم، وهذه لاشك أنها ذكاء من القاضي لعلمه أنهم لن يلتزموا، أما لو علمنا أنهم سيلتزمون لقلنا: إنكم ليس لكم حق، وسيذكر المؤلف (رحمة الله) ما يتعلق بهذا الأمر. وأما قوله: «الخيار» فيعني به: خيار العيب، وأعلم أن الخيار في النكاح له سببان بل أكثر: السبب الأول: العيب، يعني: أن يجد أحد الزوجين صاحبه معيباً، هذا واحد، الثاني: فوات صفة مشروطة مثل أن يشترط الزوج أن تكون الزوجة بكراً فيتبين أنها ثيب، أو أنها جميلة فيتبين أنها غير جميلة، المهم: فوات صفة مشروطة، السبب الثالث: ما سيذكره المؤلف من إسلام أحد الزوجين وما أشبه ذلك، فهذا الخيار إما سببه عيب في المرأة أو فوات صفة مشروطة يكون لمن له حق الخيار إن شاء فسخ النكاح وإن شاء أمضاه. هل هناك خيار شرط اختلف العلماء هل يثبت خيار الشرط في النكاح أو لا؟ فمنهم من قال: إنه يثبت بناء على أنه يشترط عند العقد أن لكل واحد منهم الفسخ لمدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فمن العلماء من قال: يصح، ومنهم من قال: لا يصح، قال: لأنه إن كان خياراً للزوج فهو مستغن عنه بماذا؟ بالطلاق، يطلق بلا خيار، وإن كان الخيار للزوجة فإن الزوجة ناقصة في عقلها ودينها ربما إذا حصل من زوجها أدنى كلمة قالت: اخترت الفسخ فهدمت النكاح هذا هو الواقع، كما أخبر النبي ﷺ بذلك قال: «إنك لو أحسنت إلى أحداهن الدهر كله ثم رأت منك سيئة واحدة قالت ما رأيت منك خيراً قط»؛ فلهذا لا يصح لها الخيار. والذي نرى في هذه المسألة التفصيل، وهو أنه إذا كان الخيار لغرض مقصود فلا بأس مثل أن تقول إن طاب لي سكنه في هذا البيت فذاك وإلا فلي الخيار، ثم تنزل على قوم يؤذونها مثلا نزلت على أناس عندهم إخوة متعددون كل واحد منهم له زوجة، كل زوجة لسانها أطول من ذراعها ويتعبون هذه المرأة فقالت له: أنا أشترط لنفسي أنه إذا لم يطب لي المسكن فلي الخيار هذا جائز؛ لأنه لغرض مقصود ليس خيارا مطلقاً بل هو خيار لغرض مقصود. إذن خيار عيب، خيار فوت صفة مشروطة، خيار شرط.

стр. 2338

حكم زواج العرب الأحرار بالموالي: ٩٥٨ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض، إلا حائكاً أو حجاماً». رواه الحاكم، وفي إسناده راوٍ لم يسم، واستنكره أبو حاتم. -وله شاهد عند البزار عن معاذ بن جبل بسند منقطع. العرب إذا أطلق فالمراد بهم: العرب المستعربة؛ لأن هناك عرباً عاربة؛ يعني: من الأصل هم عرب، فبنو إسماعيل عرب مستعربة؛ لأن لغة إسماعيل لغة إبراهيم غير عربية، ثم لما نزل جرهم مكة وهم من عرب عاربة استعربت ذرية إسماعيل، فصاروا العرب المستعربة، يعني: الذين تلقوا العربية من جديد وهم أفضل من العرب العاربة؛ لأنهم من سلالة الأنبياء، ولأن فيهم رسول الله ﷺ أشرف بني آدم. يقول: «العرب بعضهم أكفاء بعض» حتى لو كانوا من قريش، بنو تميم وغيرهم أكفاء، فالهاشمي والتميمي وغيرهم من آل البيت كلهم أكفاء، الموالي من هم؟ الذين أعتقوا، جمع مولى وهو العتيق، «بعضهم أكفاء بعض»، فالمولى كفء للمولى والعربي كفء للعربي. «إلا حائكاً أو حجاماً»، الحائك هو صانع الحياكة الغزل والنسيج، لأن هذه المهنة عند العرب مهنة ممقوتة، يعني: مزرية للإنسان، والحجام كذلك، الحجام مصاص الدماء، والحجامة في الزمن السابق وإلى الآن عبارة عن شرط مكان معين في البدن ثم توضع فيه ما يسمى بالقارورة، ولها أنبوبة دقيقة يمصها الحجام حتى يبرز الدم وتفرغ هذه القارورة من الهواء، وإذا تفرغت من الهواء وقد ضغط عليها على المكان فإنها تبقى لاصقة ثم تفرغ الهواء يستوجب سحب الدم، فإذا امتلأت من الدم سقطت ثم يعيدها مرة ثانية حسب ما يراه، الحجام عند العرب ذو مهنة حقيرة مزدراة فلا يكون الحجام كفؤا لبنت البزار بائع الأقمشة ولا لبنت الصائغ بائع الذهب، الصانع صاحب الكير كذلك هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث استنكره أبو حاتم؛ وذلك لأن هذه الصنائع المزرية تكون مزرية عند قوم غير مزرية عند آخرين، ثم قد تكون مزرية في زمن غير مزرية في زمن آخر، ربما الحجامة فيما سبق على هذا الوجه الذي شرحناه آنفا وتكون الحجامة بوسائل جديدة لا يقربها الحاجم ولا يمص الدم ويكون بعيداً عما يزدريه الناس به.

стр. 2339

قال: «وفي إسناده راوٍ لم يسم» إذن فهو مبهم مجهول، وحديث المجهول مجهول مردود لا يصح. إذن هذا الحديث نأخذه فوائده، وبعدئذ إذا تبين أنه باطل بطلت فوائده. هذا الحديث يدل على أن العرب بعضهم لبعض أكفاء ولو كانت القبائل بعضها مع بعض أشرف: يعني: لو كان بعض القبائل أشرف من بعض فإن العرب كلهم أكفاء بعض. فيستفاد من ذلك أيضا: أن ما يفعله بعض المنتسبين لآل البيت في وقتنا الحاضر من كون الهاشمي لا يزوج إلا هاشمية منكر لا أصل له من الشرع، ولهذا تجد النساء عندهم عانسات وتجد الشباب في ضيق، لأن الشاب في عاداتهم لا يمكن أن يتزوج غير هاشمية أو غير امرأة من آل البيت والشابات أيضا لا يمكن أن يزوجن بغير هاشمي أو من آل البيت، ويحصل بهذا شر كثير مع أن هذا القول ليس له أصل، آل النبي ﷺ لاشك أن لهم خصائص، لكن ليس من خصائصهم ألا يتزوجوا من أحد وألا يتزوج منهم أحد. وظاهر هذا الحديث: أن العرب أكفاء لبعض مطلقاً، ولكن لابد أن نلاحظ ما أسلفناه في مقدمة البحث وهو كفاءة الدين، فالعربي الكافر ليس للعربية المسلمة مهما كان حتى لو كان الكافر من أهل الكتاب، لو فرضنا أن عربيا تنصر وأراد أن يأخذ امرأة مسلمة، قلنا: لا، ليس لك ذلك، هنا إشكال أورده بعض النصارى قالوا: الإسلام ليس فيه عدالة، لماذا؟ قال: لأنه يجيز لأهله أن يتزوجوا بالنصرانية ولا يجيز النصراني أن يتزوج بمسلمة وهذا جوز؟ هذه شبهاتهم التي يأتون بها، يقال: إن هذا أورد على بعض طلبة العلم فقال: الجواب على هذا سهل؛ لأن المسلم يؤمن بمحمد وعيسى، والنصراني لا يؤمن إلا بعيسى، هو يتزوج امرأة نصرانية؛ لأنه يؤمن برسولها ولا يمكن أن نزوجها رجلاً لا يؤمن برسولها. ومن فوائد الحديث: أن الموالي بعضهم لبعض أكفاء، فهل يؤخذ منه أن المولى لا يكون كفؤا للعربي؟ قد يؤخذ، وقد لا يؤخذ، وقد لا يؤخذ، استمع إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ومعلوم أن العبد يقتل بالحر مع أن الله تعالى يقول: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، ولو قتل العبد حراً لقتل، صحيح لو قتل الحر عبدا لكان عند كثير من العلماء لا يقتل، وإن هناك خلاف في المسألة، فإن بعض العلماء يقول: إذا قتل الحر عبداً قتل به، ويستدلون بالعمومات وبأدلة أخرى تأتي في باب القصاص. -- أن الحائك ليس كفؤاً لغير الحائك لقوله: «إلا حائكاً»، وأن الحجام ليس كفؤا لغير الحجام لقوله: «أو حجاماً» وإذا قلنا: هذا الحديث ضعيف سقطت هذه الفوائد إلا ما شهدت له النصوص الأخرى ككفاءة الدين مثلاً.

стр. 2340

ثم قال: «وله شاهد عند البزار بسند منقطع» فما الفائدة؟ هذا الشاهد قد نقول: هذه شهادة غير مقبولة، لأنه إسناد منقطع لانقطاع السند، من هذا المنقطع؟ قد يكون من الكذابين ما ندري، الأول رواية لم يسم، والثاني سنده منقطع، أين قوة هذا بهذا، ثم إن أبو حاتم (رحمة الله) استنكره إما عن طريق المتن وإما عن طريق السند. ٩٥٩ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂، أن النبي ﷺ قال لها: «أنكحي أسامة». رواه مسلم. فاطمة بنت قيس من صميم العرب، وأسامة بن زيد بن حارثة أصله عربي، لكنه مولى جرى عليه الرق ووهبت خديجة زيداً للرسول ﷺ وولده أسامة، أعتقه الرسول فكان له الولاية عليه وعلى ذريته، لأن الإنسان إذا أعتق صارت ولايته له ولاية ذريته أيضا، فأعتقه الرسول ﷺ وكان أسامة بن زيد مولى لكنه مولى كان النبي ﷺ يحبه ويحب أباه مع أنه مولى وأكرمه في حجة الوداع إكراماً لم ينله أحد من العرب أردفه خلفه قبل أن يردف الفضل بن العباس؛ لأنه أردف أسامة في سيره من عرفة إلى مزدلفة، وأردف الفضل بن العباس في سيره من مزدلفة إلى منى المدى قريب والإرداف متأخر، فإرداف أسامة أطول من إرداف الفضل وأيضاً أقدم، قدمه الرسول ﷺ على كل العرب، أسامة ﵁ أمر النبي ﷺ فاطمة أن تتزوجه، لأن فاطمة جاءت تستشيره في ثلاثة خطبوها: أسامة بن زيد، والثاني: أبو جهم، والثالث: معاوية بن أبي سفيان، فقال الرسول ﷺ : «أما أبو جهم فضراب للنساء». وفي رواية: «فلا يضع العصا عن عاتقه» فقيل: إنه لا يضع العصا عن عاتقه لكثرة أسفاره، لأن العصا يحتاج إليها المسافر ليضرب الإبل، وقيل: لا يضع العصا ليضرب النساء وهذا الذي تفسره الرواية الثاني: «ضراب للنساء»، والضراب للنساء غير مرغوب عند النساء، وقال في معاوية: «صعلوك لا مال له» يعني: فقير. وقال: «انكحي أسامة»، قالت: «فنكحت أسامة واغتبطت به» أي: صار غبطة ببركة مشورة الرسول ﷺ . فإن قال قائل: كيف يقول الرسول ﷺ : «معاوية صعلوك لا مال له» وهو لا يدري فلعله يكون ذا مال، وفعلا كان ذا مال ماذا صار؟ صار خليفة من أكبر الخلفاء الذين يتباهون بالدنيا؟ فنقول في الجواب عن هذا: إنه يؤخذ منه فائدة مهمة جداً وهي أن العبرة في الأمور

стр. 2341

بالمنظور منها لا بالمنتظر، أنت غير مكلف بأمر غيبي، أنت مكلف بشيء بين يديك، ومن هنا نعرف جواباً لسؤال يقع كثيراً: يخطب الرجل امرأة ملتزمة وهو غير ملتزم وتحب أن تتزوج به وتقول: لعل الله أن يهديه على يدي، وهذا عمل بمنتظر ما ندري، المنظور الذي أمامنا أنه غير ملتزم فإذا قالت: لعل الله أن يهديه على يدي، قلنا: ولعل الله أن يضلك على يديه كله متوقع، وكونك تضلين على يديه أقرب من كونه يهدي على يديك، لأن المعروف أن سلطة الرجل على المرأة أقوى من سلطتها عليه، وكم من إنسان يضايق الزوجة لما يريد حتى يضطرها إلى أن تقع فيما يريد دون ما تريد، وهذا شيء مشاهد مجرب، أهم شيء عندي أن نعرف أن الإنسان مكلف بما ينظر لا بما ينتظر، ويتفرع على هذه القاعدة المفيدة: لو أن ولياً لمال اليتيم رأى أن من المصلحة أن يشتري له عقاراً، لأن العقارات في ارتفاع، فاشترى له عقارا بخمسمائة ألف وبعد سنتين أو ثلاث نزل إلى مائة ألف، فهل نقول لهذا الرجل: أنت فرطت؟ نعم، لأن الإنسان ليس له إلا النظر في الحاضر، أما المستقبل فأمره إلى الله، ولو أن الإنسان نظر إلى الاحتمالات التي يمكن أن تكون في المستقبل ما فعل شيئا لكن الحمد لله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ومن فوائد الحديث: أنه يجب للمستشار أن يذكر العيوب فيمن استشير فيه وهو إذا فعل ذلك يكون مأجوراً مثاباً على ذلك ثواب الواجب، لا يقول: أنا لا أريد أن أقطع رزقه، نقول: لا بأس اقطع رزقه ما دام في هذا نصيحة لأخيك المسلم فأنت مأجور. ومن فوائد الحديث: خبرة النبي ﷺ بأصحابه؛ لأن هذه مسائل دقيقة، والرسول ﷺ له مشاغل كثيرة إمام رسول قائد مبلغ، كل الأمة شئونها متعلقة به ومع ذلك لا يخفي عليه كثير من أحوالهم، يعرف النسب ويعرف الأحوال، وسبحان الذي ألهمه. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون خبيراً بأهل زمانه؛ لأنه قد يحتاج إلى هذه الخبرة، وإذا احتاج إليها ثم سأل عنها فربما لا ينصح له بإعطاء الحقيقة، وكم من إنسان سأل عن شخص فجعلوه فوق الثريا وهو تحت الثرى، لاسيما في عصرنا الحاضر يوجد ناس يبيعون ذممهم بكل رخيص تسأله عن فلان يقول: ما شاء الله قانت آناء الليل ساجداً وقائماً، حسن الأخلاق وهو يناضح الريح ويهوشها إذا هبت، يعني: ينبغي ولاسيما الذي يتولى أمور الناس أن يكون عالماً بأحوالهم. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للحرة أن تنكح المولى، الدليل: أن الرسول ﷺ أشار عليها وهي حرة من قبائل العرب أن تتزوج أسامة بن زيد وهو من الموالي، وهذا مما يدل على أن الحديث الأول منكر كما قال أبو حاتم؛ لأنه خالف الأحاديث الصحيحة. ومن فوائد الحديث: أن الأخلاق والدين مقدمة على غيرها؛ لأن أسامة ﵁ أقوى وأنفع بالنسبة لهذه المرأة من معاوية ومن أبي جهم.

стр. 2342

ومن فوائد الحديث: اعتبار المال في الترجيح لقوله: «أما معاوية فصعلوك لا مال له» ولكن يرد على هذا أن أسامة أيضا مولى والراجح من حال المولى أنه فقير، فيقال: إن هذا يجبره صلته بالنبي ﷺ حتى أنه يلقب بحب رسول الله ﷺ . ومن فوائد الحديث: مراعاة حسن الخلق في الخاطب لقوله: «أما أبو جهم فضراب للنساء». ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج في الخطبة على خطبة الرجل إذا لم يعلم الخاطب، لأن هؤلاء الثلاثة خطبوها جميعا ولم يقل النبي ﷺ لها: انكحي الخاطب الأول، لأن الخاطبين الاثنين قد اعتديا على حقه، بل جعل الأمر سواء. ومن فوائد الحديث: أن فاطمة قالت إنها نكحت أسامة فاغتبطت، فيؤخذ من هذا: مشورة أهل الدين والصلاح قد يكون فيها خير لمن استشار. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يفيد غيره فيما يرى أنه أعلم به منه، هذا إذا أشكل عليه الأمر، وأما إذا لم يشكل فالأمر ظاهر لا يحتاج إلى مشورة. ٩٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه» وكان حجاماً. رواه أبو داود، والحاكم بسند جيد. «بني بياضة» قبيلة من العرب، و «أبو هند» مولى من الموالي، يعني: ليس بذي قبيلة فيما يظهر، وقوله: «أنكحوا» أي: زوجوه، «وانكحوا إليه» يعني: تزوجوا من بناته، فأمرهم النبي ﷺ أن يزوجوه وأن يتزوجوا منه، أي: من بناته، «وكان حجاماً»، والحجام كما عرفنا سابقاً هو الذي يمارس مهنة الحجامة وهي معروفة، ووصفناها لكم فيما سبق. ففي هذا الحديث دليل على جواز إنكاح الحجام والتزوج من بناته. وفيه دليل على ضعف الحديث الأول حديث ابن عمر في قوله: «إلا حائكاً أو حجاماً»؛ لأن النبي ﷺ أمر بني بياضة أن يزوجوا هذا الرجل وكان حجاماً. أنواع الخيار: ٩٦١ - وعن عائشة ﵂ قالت: «خيرت بريرة على زوجها حين عتقت». متفق عليه في حديث طويل.

стр. 2343

- ولمسلم عنها ﵁: «أن زوجها كان عبدا». وفي رواية عنها: «كان حراً». والأول أثبت. وصح عن ابن عباس عند البخاري: أنه كان عبداً. بريرة هذه مولاة مملوكة، ثم إن أهلها كاتبوها؛ أي: باعوا نفسها عليها، يعني: اشترت نفسها من أهلها على تسع أواقٍ من الفضة، الأوقية كم درهماً؟ أربعون درهماً تسع في أربعين بثلاثمائة وستين درهماً هذه قيمتها، اشترت نفسها من مالكيها بثلاثمائة وستين درهماً، ثم جاءت إلى عائشة ﵂ تستعينها تطلب منها المعونة، فقالت عائشة: «إن أحب أهلك أن أعد لهم هذه الدراهم وأنقدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت»، فذهبت بريرة إلى أهلها وقالت لهم ذلك ولكنهم أبوا، فجاءت بريرة تخبر عائشة وكان النبي ﷺ حاضراً فقال لها النبي ﷺ : «خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق» يعني: وإن اشترطوا أن الولاء لهم فالولاء لك؛ لأنك أنت المعتقة، فاشترتها عائشة واشترطت لهم الولاء، ثم إن النبي ﷺ خطب وأبطل هذا الشرط وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق»، لما عتقت خيرها النبي ﷺ أن تبقى مع زوجها أو أن تفسخ النكاح وهذا هو وجه الشاهد من الحديث اختارت ﵂ أن تفسخ النكاح، وكان زوجها يحبها محبة شديدة وهي تكرهه كراهة شديدة ففسخت النكاح، فجعل زوجها يتابعها في أسواق المدينة يبكي يريد أن تبقى معه ولكنها لم ترحمه لأنها لا تحبه، ومشكل أن يبقى الإنسان مع شخص لا يحبه هذا شيء ثقيل على النفس، كما قال المتنبي: [الطويل] (ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد) المهم: أنه توسط بالنبي ﷺ ، طلب من النبي ﷺ أن يشفع له عند هذه الزوجة فشفع له عند الزوجة فقالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعاً وطاعة، وإن كنت تشير علي فليس لي حاجة فيه، فقال: «بل أشير»، قالت: لا حاجة لي فيه، ففسخت النكاح، بقيت بريرة عند عائشة في البيت وكانت كالخادمة عندهم، في يوم من الأيام دخل النبي ﷺ يريد طعاماً فقدموا له طعاماً ليس فيه لحم، فقال: «ألم أر البرمة على النار؟ »، البرمة: إناء من الفخار من الطين، فقالوا: يا رسول الله، هذا لحم تصدق به على بريرة، والنبي ﷺ كان لا يأكل الصدقة لا

стр. 2344

الزكاة ولا التطوع، فقال: «هو عليها صدقة ولنا هدية»، فجاءوا به فأكل منه، فهذه من بركات هذه المرأة أنه حصل للأمة هذه السنة العظيمة أن من قبض شيئاً ومَلَكه فله أن يُملكه من لا يحل له تملكه، هذه قاعدة مفيدة، هذا لأن التحريم إنما جاء من حيث الكسب، أما ما كان محرماً لعينه فهذا لا يحل لأحد، لو أن شخصاً ملك خمراً وأراد أن يهبها لأحد قلنا: هذا حرام، لو أن شخصاً سرق مال شخص وأراد أن يهبه لأحد، قلنا: هذا حرام، لأنه محرم لعينه إلا إذا رضي صاحب المال، أما المحرم للكسب فإن هذا يتبع السبب إن كان السبب مباحاً فهو حلال وإن كان غير مباح فهو حرام، الشاهد من هذا أنها خيرت. وقوله: «ولمسلم ... » إلخ فهذه روايات مختلفة أولاً: أن زوجها كان عبداً، هذه رواية، رواية أخرى: «كان حراً» رواية مؤيدة للأولى أنه كان عبداً وهذا أرجح أنه كان عبداً، ومن ثم اختلف العلماء من أجل اختلاف هذه الروايات، هل إذا عتقت الأمة تحت حر يكون لها الخيار؟ على قولين لأهل العلم، أما إذا كانت تحت عبد فالخيار لها واضح، لأنها إذا عتقت وهو عبد صارت أعلى منه، لأنها صارت حرة وهو عبد، فلما صارت أعلى منه قلنا: لكِ الخيار الآن أن تبقي مع من هو دونك أو أن تفسخي النكاح لكن إذا عتقت تحت حر، وهل يمكن للأمة أن تتزوج حراً؟ نعم بالشرطين اللذين ذكرهما الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. ثلاثة شروط: الأول: أنه لا يستطيع مهر الحرة. الثاني: أن تكون الأمة مؤمنة لا كتابية ولا غير كتابية. الثالث: أن يخاف العَنَت، فإذا تزوج الحر جارية بهذه الشروط ثم عتقت عتقها سيدها فهل لها الخيار؟ نقول: في هذا قولان لأهل العلم منهم من قال: إنه لا خيار لها؛ لأن غاية ما حصل أنها ارتقت إلى مرتبة توازن الزوج فلا خيار لها، وهذا هو الأرجح، ومنهم من قال: لها الخيار، واستدل ببعض ألفاظ هذا الحديث أن زوج بريرة كان حراً، وعلل ذلك بأنه إنما ثبت لها الخيار، لأنها ملكت نفسها ومن حين زوجت وهي أمة زوجها سيدها، ولكن يقال في الرد على هذا التعليل: إذا كان زوجها سيدها باختيارها ورضاها فإنه لا ضرر عليها هي لم تكره،

стр. 2345

يقولون: إذا كان زوجها برضاها واختيارها فإن الغالب أنها تختار الفسخ. قلنا: هذا صحيح لكن غير الغالب وارد، قد تتزوجه راضية به ثم بعد ذلك تريد أن تفارقه لسوء خلقه أو لسبب من الأسباب، على كل حال القول الراجح أن الأمة إذا عتقت تحت زوجها فإن كان حراً فلا خيار لها وإن كان عبداً فلها الخيار. يستفاد من هذا الحديث: أن الأمة إذا عتقت كان لها الخيار أن تبقى مع زوجها أو أن تفسخ العقد، ماذا تقولون في رواية أنه كان حراً؟ شاذة، لماذا؟ لأنها مخالفة لما هو أرجح. حكم من أسلم وتحته أختان: ٩٦٢ - وعن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله ﷺ : طلق أيتهما شئت». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وأعله البخاري. هذا الحديث لو ثبتت العلة التي أشار إليها البخاري (رحمة الله) فإنه ينطبق على القواعد الشرعية، هذا رجل أسلم وتحته أختان ومن المعلوم أن الجمع بين الأختين حرام لا يجوز، إذن لابد من أن يحتار إحداهما، فهل نقول: إن عقد الأولى هو الصحيح والعقد على الثانية باطل وليس له إلا الأولى، أو نقول: إن الثاني هو الصحيح، أو نقرع بينهما؟ نقول: الخيار له، إن شاء أخذ الأولى وإن شاء أخذ الثانية، وإنما كان الخيار له ولم نقل: إن النكاح الأول هو الصحيح؛ لأن الثاني وارد عليه لأنه تزوج الثانية في حال كفره، يعني: قبل أن يلتزم بأحكام الإسلام فلذلك كان نكاحه إياها صحيحاً، أما الآن وقد أسلم فإن موجب المنع قائم، لأنه الآن قد جمع بين أختين فلابد أن يفرق فيقال: اختر أيتهما شئت، ولفظ الحديث يقول: «طلق أيتهما شئت»، وظاهر الحديث أنه إذا طلق واحدة منهما فهذا يعني أنه اختار الثانية التي لم تطلق، وهو كذلك، لكن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا طلق واحدة فقد اختارها فيلزمه أن يفسخ الثانية يقولون: لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح، فإذا طلق فقد اختارها تبقى الثانية يجب أن يفسخ النكاح، مثاله: رجل أسلم وتحته زينب وفاطمة فطلق زينب من التي اختارها الآن؟ على كلام الفقهاء زينب، ولكن الحديث أولى نقول: إذا طلق إحداهما فإن طلاقه علامة على عدم اختياره لها كيف يطلق من اختارها؟ ! ويكون هذا الطلاق بمعنى الفسخ، فالصواب ما دل عليه الحديث من أنه إذا طلق إحداهما فهذا اختيار للباقية.

стр. 2346

يستفاد من هذا الحديث: أن عقود أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يبحث عنها إلا إذا كان موجب المنع قائماً حين الإسلام فيجب المنع، ولنضرب لهذا أمثلة: تزوج كافر أخته؛ لأن المجوس يرون جواز نكاح الأخوات والأمهات والبنات، فهذا مجوسي تزوج أخته ثم أسلم حين تزوجه بها يعتقد أن النكاح صحيح ونحن لا نتعرض له قبل الإسلام لأنه يرى أنه صحيح، ثم أسلم هل يجب أن نفرق بينهما؟ نعم، لماذا؟ لأن المانع قائم هي لا تزال أخته فيجب أن يفرق بينهما. مثال آخر: رجل تزوج أخت زوجته وهو كافر ثم ماتت الزوجة الأولى ثم أسلم؛ النكاح الأول عقده صحيح باعتبار اعتقاده، فنقول: الآن تبقى الزوجة. مثال الثالث: رجل تزوج مطلقته ثلاثاً قبل أن تنكح زوجاً غيره وهو كافر ثم أسلم هل المانع باقٍ؟ ساقٍ مثل أخته. مثال رابع: رجل تزوج امرأة في عدتها وهو كافر انقضت عدتها ثم أسلم؟ تبقى؛ لأن المانع قد زال، انتهت العدة فهي الآن تحل له؛ إذن الضابط انظر هل هي تحل له في حال إسلامه أو لا؟ إن كانت تحل له فلا تسأل عن العقد، تزوج امرأة وهي محرمة ثم أسلم بعد أن حلت إحرامها؟ لا يصح العقد بإجماعه؛ لأن المحرمة مسلمة ولا تحل لكافر، على كل حال ما هو الضابط الآن إن كانت الآن لو عقد عليها لصح النكاح فإنها تبقى، وإن كان لو عقد عليها لم يصح النكاح فإنها لا تبقى. حكم من أسلم وتحته أكثر من أربعة: ٩٦٣ - وعن سالم، عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن أربعاً». رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأعله البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. هذا يشبه الأول، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، «عن أبيه» يعني: عبد الله بن عمر ﵁ أعله البخاري وهؤلاء الجماعة بأن الحديث غير محفوظ ولكنه في الحقيقة جار على القواعد الشرعية، هذا رجل كان كافراً وقد تزوج على عشر نسوة والشرع لا يجيز إلا أربعة فلما أسلم وأسلمن معه أمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً، يعني: ويفارق البواقي، من يختار من الأربع الأوليات أو الأخريات؟ يختار من شاء الأوليات أو الأخريات أو المتوسطات ما يريد المهم ألا تكون مبقياً على أكثر من أربع.

стр. 2347

ففي هذا الحديث فوائدها منها: أن عقد النكاح إذا كان فاسداً وقد تم في عهد الكفر فإنه لا يحكم بفساده، وجه ذلك: أنه لو حكم بفساده لقال النبي ﷺ : فارق الست الأخيرات، لأن ما زاد على أربع يعتبر فاسداً. ومن فوائده: أنه إذا أسلم وقد زال المانع فإنه يبقي على نكاحه؛ لماذا؟ لأن هؤلاء النساء لا يحرمن بأعيانهن إنما يحرم أن يجمع أكثر من أربع، فإذا فارق ستاً مثلا زال المانع. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يجمع أكثر من أربع نسوة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. ولو كانت الزيادة على أربع جائزة لقال: فانكحوا ما شئتم أو ما طاب لكم من النساء ولم يقيد، فكونه قيد دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من أربع. فإن قيل: أليس النبي ﷺ جمع أكثر من أربع؟ فالجواب: بلى قد جمع النبي ﷺ أكثر من أربع مات عن تسع، ولكن هذا من خصائصه، وقد خصه الله في مسائل عديدة في النكاح لا تحل لغيره، والله له أن يخص من شاء من عباده، ثم إن النبي ﷺ أبيح له أكثر من أربع نسوة لا من أجل الطرب والشهوة ولكن من أجل المصالح العظيمة التي تترتب على زيادة النساء عنده، ويدل على هذا أنه ﷺ لم يتزوج بكراً قط إلا عائشة، كل اللائي تزوجهن ثيبات إلا عائشة، وهذا يدل على أن تزوج الرسول ﷺ ليس الغرض منه مجرد قضاء الوطر ولو كان كذلك لكانت البكر أحسن والنبي ﷺ يعلم هذا، وقد قال لجابر حين سأله: «هل تزوجت؟ » قال: نعم، قال: «أبكر أم ثيباً» قال: ثيباً، قال: «فهلا تزوجت بكراً تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها» قال: يا رسول الله، إن لي أخوات يحتجن إلى رعاية فاخترت الثيب، فهذا يدل على أن رسول الله ﷺ يعلم قال: «إن البكر أحسن من الثيب»، ومع ذلك لم يتزوج من النساء إلا ثيباً ما عدا عائشة، فزواجه ﷺ من أجل المصالح التي تترتب على تعدد النساء وهذا يظهر لمن تأمله. رد من أسلمت إلى زوجها إذا أسلم: ٩٦٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وصححه أحمد والحاكم.

стр. 2348

٩٦٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد». قال الترمذي: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. هذا الحديث موضوعه إذا أسلمت المرأة قبل الزوج أو أسلم الزوج قبل المرأة، فإذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج في العدة فهي زوجته، وإن انتهت العدة ولم يسلم تبين انفساخ العقد من حين إسلامها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وهي الآن قد أسلمت وزوجها كافر، فإذا انقضت عدتها فقد انقطعت العلاقة بينهما فتنفصل، أما إذا أسلم قبل أن تعتد فإنها زوجته يقر على نكاحها، وبناء على ذلك لو لم يكن هناك دخول ولا خلوة فأسلمت الزوجة فإنه ينفسخ العقد بمجرد إسلامها، لماذا؟ لأنه لا عدة، مثاله رجل عقد على امرأة -وهما كافران- ثم أسلمت قبل أن يدخل بها ويخلو بها، فهنا ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام، لأنه ليس هناك عدة حتى ينتظر فيها إسلامه بل ينفسخ النكاح في الحال، إذن إذا أسلمت المرأة فإنها إن كان ذلك قبل الدخول والخلوة ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام وإن كان بعد الدخول أو الخلوة فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء العدة فهي زوجته وإن لم يسلم حتى انقضت العدة انفسخ النكاح، أسلمت في أول يوم من شهر محرم وقد حصل الدخول أو الخلوة نقول: انتظري حتى تحيضي ثلاث مرات، فإن أسلم الزوج قبل أن تحيضي ثلاث مرات فأنت زوجته، وإن حضتي ثلاث مرات قبل أن يسلم الزوج تبين انفساخه من حين إسلامك، هذا هو رأي جمهور العلماء، لو كان بالعكس أسلم الزوج قبل أن تسلم المرأة قبل الدخول أو الخلوة؟ فيه تفصيل، إن كانت كتابية فإن العقد لا ينفسخ، لماذا؟ لأن الكتابية تحل للمسلم فالنكاح غير باطل، وإن كانت غير كتابية فإنه ينفسخ النكاح، هذا إذا كان قبل الدخول والخلوة، أما إذا كان بعد الدخول أو الخلوة فإننا ننتظر إن أسلمت الزوجة وهي غير كتابية فهي زوجته، وإن لم تسلم تبين انفساخ النكاح من حين أسلم زوجها -هذه القاعدة-، وهذا الحكم هو ما اختاره جمهور العلماء، وذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا انتهت عدتها قبل إسلام زوجها ملكت نفسها فإن أسلم زوجها بعد العدة فهي بالخيار، والفرق بين القولين: أنه إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج ليس لها خيار يتبين انفساخ النكاح ولا يمكن أن ترد إليه إلا بعقد، وأما على القول الثاني فإنها تخير إذا انتهت العدة إن شاءت ردت إليه بغير عقد وإن شاءت استمرت على الفراق وتزوجت زوجاً آخر وإن

стр. 2349

شاءت تزوجته بعقد على هذا القول تخير بين أمور ثلاثة، إما أن ترجع إلى زوجها بدون عقد، أو ترجع إليه بعقد، أو لا ترجع إليه لا بعقد ولا بغيره هذا بعد انتهاء العدة، ولننظر إلى الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف لنطبقهما على القولين: قال: «بعد ست سنين» يعني انقضت عدتها، ولم يحدث نكاح، يعني: لم يجدد العقد، وهذا الحديث يشهد للقول الثاني أنها إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج فلها الخيار إن شاءت، فهي قد ملكت وإن شاءت رجعت إلى زوجها بعقد، وإن شاءت رجعت إلى زوجها بغير عقد، ولهذا رد النبي ﷺ ابنته إلى العاص بغير عقد، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن انتهاء العدة فاصل بين كونها لها الخيار أو ليس لها الخيار؛ لأنه لو أسلم قبل انقضاء العدة فليس لها الخيار فهي زوجته، ممكن أن نعرف أن القولين اتفقا فيما إذا أسلم قبل انقضاء العدة كيف اتفقاهما؟ أنها زوجته وليس لها الفسخ، وإن أسلم بعد انتهاء العدة فعلى القول الأول لا تحل له إلا بعقد وعلى القول الثاني تخير هذا حاصل الخلاف في هذه المسألة، أبو العاص بن الربيع أسلم بعد ست سنين ورد النبي ﷺ ابنته زينب، وهذه المرأة توفيت في عهد النبي ﷺ وكان لها بنت صغيرة تحمل باليد، فجاءت والنبي ﷺ يصلي بالناس فحملها وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، قال بعض أهل العلم: وإنما كان ذلك الفعل حين موت أمها كان البنت تصيح فأراد النبي ﷺ أن يسكتها؛ لأن النبي ﷺ كما نعلم أحسن الناس خلقاً حتى إن ابنه الحسن والحسين يأتي إليه وهو ساجد يصلي بالناس فيركب على ظهره فيطيل النبي ﷺ السجود ويعتذر للجماعة بأن ابنه ارتحله، يعني: جعله راحلة له كما يفعل الصبيان الآن، على كل حال: هذا الرجل أثنى عليه النبي ﷺ مرة ثناء عظيماً على المنبر لمناسبة وهي أن الرسول حدث أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة فخطب الناس وقال: «إن فاطمة بضعة مني يريبها ما رابني» ولقد حدثت أو كما قال «إن ابن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد» ثم عدل ﵁ عن الزواج إن صح أنه هم بذلك، ثم أثنى على أبي العاص بن أبي الربيع، لأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، وهذا منقبة لأبي العاص، الحاصل: أن الرسول ﷺ رد إليه ابنته بالعقد الأول ولم يحدث نكاحاً. أما الحديث الثاني حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اختلف المحدثون فيه هل هو من قبيل المرسل، يعني: المنقطع أو من قبيل المتصل، والصحيح أنه من قبيل المتصل، وأن

стр. 2350

العلماء من المحدثين والفقهاء يستدلون بحديثه كما نقل ذلك البخاري (رحمة الله) والعلة التي أعل بها نفاها أهل العلم من أهل التحقيق، وما أكثر ما يستدل الفقهاء بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حتى إن بعض المحدثين قالوا: إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، يعني: أنه من أصح الأسانيد، لكن الصحيح أنه لا يبلغ إلى هذا الحد وليس بالضعيف كما ذكره بعضهم، يقول الترمذي: حديث ابن عباس السابق أجود إسناداً، وفيه أن النبي ﷺ ردها ولم يحدث نكاحاً، ولكن يقول: العمل على حديث عمرو بن شعيب، يعني: العمل عند العلماء، لأن هذا قول الجمهور أنها لا ترد على زوجها إذا أسلم بعد انقضاء العدة إلا بعقد جديد. خلاصة ما في هذا البحث: أولاً: إذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده انتظرنا حتى تنتهي العدة، فإن أسلم قبل انتهاء العدة فهي زوجته تبقى معه، وإن أسلم بعدها لم تحل له إلا بعقد جديد على رأي جمهور العلماء، وعلى الرأي الثاني تخير بين أن تبقى على نكاحها الأول أو تنكحه بعقد جديد هذا إذا أسلمت المرأة، أما إذا أسلم الزوج فإننا ننظر إذا كانت الزوجة كتابية فهما على نكاحهما؛ لأن الزوج المسلم يجوز له ابتداء أن يتزوج كتابية، وإن كانت غير كتابية فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده ننتظر حتى تنتهي العدة، فإن انتهت انفسخ النكاح، وإن أسلمت الزوجة قبل انتهاء العدة فهي زوجته. يستفاد من هذين الحديثين: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فإن لها أن ترجع إليه ولو بعد العدة على حديث ابن عباس بلا عقد وعلى حديث عمرو بن شعيب لا ترجع إلا بعقد. فإن قال قائل: لماذا لا نسلك طريق الترجيح ونقول: إن حديث عمرو بن شعيب دل على إحداث عقد فهو مثبت والأول نافٍ؟ والقاعدة إذا تعارض مثبت ونافٍ تقدم المثبت على النافي؛ لأن معه زيادة علم. نقول في الجواب على هذا التعارض: لابد فيه من التكافؤ، وإذا كان حديث ابن عباس أجود إسناداً فلا تعارض؛ لأن الأجود إسناداً مقدم، ولهذا ذكرت لكم أنه اختاره شيخ الإسلام وابن القيم. من أسلم وهو أحق بزوجته: ٩٦٦ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت، وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وصححه ابن حبان، والحاكم. هذا له علاقة بالحديثين السابقين، وهو أن هذه المرأة أسلمت فأسلم زوجها وعلمت
следующие страницы →