← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

يستفاد من هذا الحديث: أن عقود أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يبحث عنها إلا إذا كان موجب المنع قائماً حين الإسلام فيجب المنع، ولنضرب لهذا أمثلة: تزوج كافر أخته؛ لأن المجوس يرون جواز نكاح الأخوات والأمهات والبنات، فهذا مجوسي تزوج أخته ثم أسلم حين تزوجه بها يعتقد أن النكاح صحيح ونحن لا نتعرض له قبل الإسلام لأنه يرى أنه صحيح، ثم أسلم هل يجب أن نفرق بينهما؟ نعم، لماذا؟ لأن المانع قائم هي لا تزال أخته فيجب أن يفرق بينهما. مثال آخر: رجل تزوج أخت زوجته وهو كافر ثم ماتت الزوجة الأولى ثم أسلم؛ النكاح الأول عقده صحيح باعتبار اعتقاده، فنقول: الآن تبقى الزوجة. مثال الثالث: رجل تزوج مطلقته ثلاثاً قبل أن تنكح زوجاً غيره وهو كافر ثم أسلم هل المانع باقٍ؟ ساقٍ مثل أخته. مثال رابع: رجل تزوج امرأة في عدتها وهو كافر انقضت عدتها ثم أسلم؟ تبقى؛ لأن المانع قد زال، انتهت العدة فهي الآن تحل له؛ إذن الضابط انظر هل هي تحل له في حال إسلامه أو لا؟ إن كانت تحل له فلا تسأل عن العقد، تزوج امرأة وهي محرمة ثم أسلم بعد أن حلت إحرامها؟ لا يصح العقد بإجماعه؛ لأن المحرمة مسلمة ولا تحل لكافر، على كل حال ما هو الضابط الآن إن كانت الآن لو عقد عليها لصح النكاح فإنها تبقى، وإن كان لو عقد عليها لم يصح النكاح فإنها لا تبقى. حكم من أسلم وتحته أكثر من أربعة: ٩٦٣ - وعن سالم، عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن أربعاً». رواه أحمد، والترمذي، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأعله البخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم. هذا يشبه الأول، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، «عن أبيه» يعني: عبد الله بن عمر ﵁ أعله البخاري وهؤلاء الجماعة بأن الحديث غير محفوظ ولكنه في الحقيقة جار على القواعد الشرعية، هذا رجل كان كافراً وقد تزوج على عشر نسوة والشرع لا يجيز إلا أربعة فلما أسلم وأسلمن معه أمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً، يعني: ويفارق البواقي، من يختار من الأربع الأوليات أو الأخريات؟ يختار من شاء الأوليات أو الأخريات أو المتوسطات ما يريد المهم ألا تكون مبقياً على أكثر من أربع.

стр. 2347

ففي هذا الحديث فوائدها منها: أن عقد النكاح إذا كان فاسداً وقد تم في عهد الكفر فإنه لا يحكم بفساده، وجه ذلك: أنه لو حكم بفساده لقال النبي ﷺ : فارق الست الأخيرات، لأن ما زاد على أربع يعتبر فاسداً. ومن فوائده: أنه إذا أسلم وقد زال المانع فإنه يبقي على نكاحه؛ لماذا؟ لأن هؤلاء النساء لا يحرمن بأعيانهن إنما يحرم أن يجمع أكثر من أربع، فإذا فارق ستاً مثلا زال المانع. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يجمع أكثر من أربع نسوة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. ولو كانت الزيادة على أربع جائزة لقال: فانكحوا ما شئتم أو ما طاب لكم من النساء ولم يقيد، فكونه قيد دليل على أنه لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من أربع. فإن قيل: أليس النبي ﷺ جمع أكثر من أربع؟ فالجواب: بلى قد جمع النبي ﷺ أكثر من أربع مات عن تسع، ولكن هذا من خصائصه، وقد خصه الله في مسائل عديدة في النكاح لا تحل لغيره، والله له أن يخص من شاء من عباده، ثم إن النبي ﷺ أبيح له أكثر من أربع نسوة لا من أجل الطرب والشهوة ولكن من أجل المصالح العظيمة التي تترتب على زيادة النساء عنده، ويدل على هذا أنه ﷺ لم يتزوج بكراً قط إلا عائشة، كل اللائي تزوجهن ثيبات إلا عائشة، وهذا يدل على أن تزوج الرسول ﷺ ليس الغرض منه مجرد قضاء الوطر ولو كان كذلك لكانت البكر أحسن والنبي ﷺ يعلم هذا، وقد قال لجابر حين سأله: «هل تزوجت؟ » قال: نعم، قال: «أبكر أم ثيباً» قال: ثيباً، قال: «فهلا تزوجت بكراً تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها» قال: يا رسول الله، إن لي أخوات يحتجن إلى رعاية فاخترت الثيب، فهذا يدل على أن رسول الله ﷺ يعلم قال: «إن البكر أحسن من الثيب»، ومع ذلك لم يتزوج من النساء إلا ثيباً ما عدا عائشة، فزواجه ﷺ من أجل المصالح التي تترتب على تعدد النساء وهذا يظهر لمن تأمله. رد من أسلمت إلى زوجها إذا أسلم: ٩٦٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً». رواه أحمد، والأربعة إلا النسائي، وصححه أحمد والحاكم.

стр. 2348

٩٦٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح جديد». قال الترمذي: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. هذا الحديث موضوعه إذا أسلمت المرأة قبل الزوج أو أسلم الزوج قبل المرأة، فإذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج في العدة فهي زوجته، وإن انتهت العدة ولم يسلم تبين انفساخ العقد من حين إسلامها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وهي الآن قد أسلمت وزوجها كافر، فإذا انقضت عدتها فقد انقطعت العلاقة بينهما فتنفصل، أما إذا أسلم قبل أن تعتد فإنها زوجته يقر على نكاحها، وبناء على ذلك لو لم يكن هناك دخول ولا خلوة فأسلمت الزوجة فإنه ينفسخ العقد بمجرد إسلامها، لماذا؟ لأنه لا عدة، مثاله رجل عقد على امرأة -وهما كافران- ثم أسلمت قبل أن يدخل بها ويخلو بها، فهنا ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام، لأنه ليس هناك عدة حتى ينتظر فيها إسلامه بل ينفسخ النكاح في الحال، إذن إذا أسلمت المرأة فإنها إن كان ذلك قبل الدخول والخلوة ينفسخ النكاح بمجرد الإسلام وإن كان بعد الدخول أو الخلوة فإنه ينتظر، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء العدة فهي زوجته وإن لم يسلم حتى انقضت العدة انفسخ النكاح، أسلمت في أول يوم من شهر محرم وقد حصل الدخول أو الخلوة نقول: انتظري حتى تحيضي ثلاث مرات، فإن أسلم الزوج قبل أن تحيضي ثلاث مرات فأنت زوجته، وإن حضتي ثلاث مرات قبل أن يسلم الزوج تبين انفساخه من حين إسلامك، هذا هو رأي جمهور العلماء، لو كان بالعكس أسلم الزوج قبل أن تسلم المرأة قبل الدخول أو الخلوة؟ فيه تفصيل، إن كانت كتابية فإن العقد لا ينفسخ، لماذا؟ لأن الكتابية تحل للمسلم فالنكاح غير باطل، وإن كانت غير كتابية فإنه ينفسخ النكاح، هذا إذا كان قبل الدخول والخلوة، أما إذا كان بعد الدخول أو الخلوة فإننا ننتظر إن أسلمت الزوجة وهي غير كتابية فهي زوجته، وإن لم تسلم تبين انفساخ النكاح من حين أسلم زوجها -هذه القاعدة-، وهذا الحكم هو ما اختاره جمهور العلماء، وذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا انتهت عدتها قبل إسلام زوجها ملكت نفسها فإن أسلم زوجها بعد العدة فهي بالخيار، والفرق بين القولين: أنه إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج ليس لها خيار يتبين انفساخ النكاح ولا يمكن أن ترد إليه إلا بعقد، وأما على القول الثاني فإنها تخير إذا انتهت العدة إن شاءت ردت إليه بغير عقد وإن شاءت استمرت على الفراق وتزوجت زوجاً آخر وإن

стр. 2349

شاءت تزوجته بعقد على هذا القول تخير بين أمور ثلاثة، إما أن ترجع إلى زوجها بدون عقد، أو ترجع إليه بعقد، أو لا ترجع إليه لا بعقد ولا بغيره هذا بعد انتهاء العدة، ولننظر إلى الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف لنطبقهما على القولين: قال: «بعد ست سنين» يعني انقضت عدتها، ولم يحدث نكاح، يعني: لم يجدد العقد، وهذا الحديث يشهد للقول الثاني أنها إذا انتهت العدة قبل إسلام الزوج فلها الخيار إن شاءت، فهي قد ملكت وإن شاءت رجعت إلى زوجها بعقد، وإن شاءت رجعت إلى زوجها بغير عقد، ولهذا رد النبي ﷺ ابنته إلى العاص بغير عقد، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن انتهاء العدة فاصل بين كونها لها الخيار أو ليس لها الخيار؛ لأنه لو أسلم قبل انقضاء العدة فليس لها الخيار فهي زوجته، ممكن أن نعرف أن القولين اتفقا فيما إذا أسلم قبل انقضاء العدة كيف اتفقاهما؟ أنها زوجته وليس لها الفسخ، وإن أسلم بعد انتهاء العدة فعلى القول الأول لا تحل له إلا بعقد وعلى القول الثاني تخير هذا حاصل الخلاف في هذه المسألة، أبو العاص بن الربيع أسلم بعد ست سنين ورد النبي ﷺ ابنته زينب، وهذه المرأة توفيت في عهد النبي ﷺ وكان لها بنت صغيرة تحمل باليد، فجاءت والنبي ﷺ يصلي بالناس فحملها وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، قال بعض أهل العلم: وإنما كان ذلك الفعل حين موت أمها كان البنت تصيح فأراد النبي ﷺ أن يسكتها؛ لأن النبي ﷺ كما نعلم أحسن الناس خلقاً حتى إن ابنه الحسن والحسين يأتي إليه وهو ساجد يصلي بالناس فيركب على ظهره فيطيل النبي ﷺ السجود ويعتذر للجماعة بأن ابنه ارتحله، يعني: جعله راحلة له كما يفعل الصبيان الآن، على كل حال: هذا الرجل أثنى عليه النبي ﷺ مرة ثناء عظيماً على المنبر لمناسبة وهي أن الرسول حدث أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة فخطب الناس وقال: «إن فاطمة بضعة مني يريبها ما رابني» ولقد حدثت أو كما قال «إن ابن أبي طالب يريد أن يتزوج بنت أبي جهل والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد» ثم عدل ﵁ عن الزواج إن صح أنه هم بذلك، ثم أثنى على أبي العاص بن أبي الربيع، لأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، وهذا منقبة لأبي العاص، الحاصل: أن الرسول ﷺ رد إليه ابنته بالعقد الأول ولم يحدث نكاحاً. أما الحديث الثاني حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده اختلف المحدثون فيه هل هو من قبيل المرسل، يعني: المنقطع أو من قبيل المتصل، والصحيح أنه من قبيل المتصل، وأن

стр. 2350

العلماء من المحدثين والفقهاء يستدلون بحديثه كما نقل ذلك البخاري (رحمة الله) والعلة التي أعل بها نفاها أهل العلم من أهل التحقيق، وما أكثر ما يستدل الفقهاء بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حتى إن بعض المحدثين قالوا: إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، يعني: أنه من أصح الأسانيد، لكن الصحيح أنه لا يبلغ إلى هذا الحد وليس بالضعيف كما ذكره بعضهم، يقول الترمذي: حديث ابن عباس السابق أجود إسناداً، وفيه أن النبي ﷺ ردها ولم يحدث نكاحاً، ولكن يقول: العمل على حديث عمرو بن شعيب، يعني: العمل عند العلماء، لأن هذا قول الجمهور أنها لا ترد على زوجها إذا أسلم بعد انقضاء العدة إلا بعقد جديد. خلاصة ما في هذا البحث: أولاً: إذا أسلمت المرأة قبل الزوج فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده انتظرنا حتى تنتهي العدة، فإن أسلم قبل انتهاء العدة فهي زوجته تبقى معه، وإن أسلم بعدها لم تحل له إلا بعقد جديد على رأي جمهور العلماء، وعلى الرأي الثاني تخير بين أن تبقى على نكاحها الأول أو تنكحه بعقد جديد هذا إذا أسلمت المرأة، أما إذا أسلم الزوج فإننا ننظر إذا كانت الزوجة كتابية فهما على نكاحهما؛ لأن الزوج المسلم يجوز له ابتداء أن يتزوج كتابية، وإن كانت غير كتابية فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح وإن كان بعده ننتظر حتى تنتهي العدة، فإن انتهت انفسخ النكاح، وإن أسلمت الزوجة قبل انتهاء العدة فهي زوجته. يستفاد من هذين الحديثين: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها فإن لها أن ترجع إليه ولو بعد العدة على حديث ابن عباس بلا عقد وعلى حديث عمرو بن شعيب لا ترجع إلا بعقد. فإن قال قائل: لماذا لا نسلك طريق الترجيح ونقول: إن حديث عمرو بن شعيب دل على إحداث عقد فهو مثبت والأول نافٍ؟ والقاعدة إذا تعارض مثبت ونافٍ تقدم المثبت على النافي؛ لأن معه زيادة علم. نقول في الجواب على هذا التعارض: لابد فيه من التكافؤ، وإذا كان حديث ابن عباس أجود إسناداً فلا تعارض؛ لأن الأجود إسناداً مقدم، ولهذا ذكرت لكم أنه اختاره شيخ الإسلام وابن القيم. من أسلم وهو أحق بزوجته: ٩٦٦ - وعن ابن عباس ﵁ قال: «أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها، فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت، وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردها إلى زوجها الأول». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وصححه ابن حبان، والحاكم. هذا له علاقة بالحديثين السابقين، وهو أن هذه المرأة أسلمت فأسلم زوجها وعلمت

стр. 2351

بإسلامه، لكنها تزوجت رجلاً آخر، فردها النبي ﷺ إلى زوجها الأول، لماذا؟ لأنها باقية على نكاحها الأول وقد علمت بإسلامه فأقدمت على أن تتزوج شخصاً وهي في حبال شخص آخر، ولهذا انتزعها النبي ﷺ من زوجها الثاني وردها إلى الزوج الأول. يستفاد من هذا الحديث: أن المرأة إذا تزوجت شخصاً وهي في حبال زوج آخر فإن النكاح لا يصح، وجه ذلك: أن النبي ﷺ انتزعها من الثاني وردها إلى الأول. ومن فوائد الحديث: إنه إذا تزوج رجل امرأة بشبهة، أي: شبهة عقد يظنه صحيحاً وهو فاسد فإنه ليس عليه حد ولا عقوبة، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يحد الزوج الثاني ولم يحد الزوجة أيضا، فكل عقد حصل فيه شبهة فإنه كالعقد الصحيح، ولو فرضنا أنها حلمت من الزوج الثاني فهل يكون أولادها أولا ذا للأول أو الثاني؟ يكونوا للثاني؛ لأن الوطء هذا حصل بشبهة. وفي هذا الحديث إشكال من بعض الوجوه وهي أن النبي ﷺ قبل الزوج الأول إنه أسلم وعلمت بإسلامه فكيف حكم النبي ﷺ بمجرد قوله؟ والجواب عن هذا أن نقول: إنها لم تنكر لما ادعى زوجها ذلك فحكم النبي ﷺ بمقتضي دعوى زوجها الأول؛ لأنها لم تنكره. فسخ النكاح بالعيب: مر علينا أنواع الخيار إلا خيار العيب وهو ما سيأتي في هذا الحديث: ٩٦٧ - وعن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه قال: «تزوج رسول الله ﷺ العالية من بني غفار، فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها، رأى بكشحها بياضاً، فقال النبي ﷺ ألبسي ثيابك والحقي بأهلك، وأمر لها بالصداق». رواه الحاكم، وفي إسناده جميل بن زيد وهو مجهول، واختلف عليه في شيخه اختلافا كثيراً. «العالية» علم على امرأة اسمها العالية، وبنو غفار قبيلة عربية معروفة، وضعت ثيابها، لأنها ليس عندها إلا زوجها، و «الكشح» ما بين الخاصرة والضلع. وقوله: «بياضاً» يعني: بهقاً أو برصاً، البهق والبرص كلاهما داءان جلديان، لكن البرص أشد بياضاً من البهق، وكلاهما مما تنفر الطباع منه، وإذا طبقنا هذا الحديث على ما عرفناه من مصطلح الحديث تبين أنه ضعيف، ما سببه؟ جهالة الراوي، ثانياً: الاضطراب، الاختلاف الكبير في شيخه، لكن لننظر هل هذا الحديث لما ضعف سنداً هل هو ضعيف متناً أو تشهد الأدلة لصحته؟ يقول: «تزوج العالية فلما دخلت عليه وضعت ثيابها»، وضع الثياب أمام الزوج ليس به بأس، وذلك لأن الزوج والزوجة يجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى الآخر في جميع بدنه، إذن هذا

стр. 2352

لا يخالف الأصول، حتى إن الرسول ﷺ يغتسل هو وعائشة من إناء واحد تختلف فيه أيديهما، وهذا يدل على جواز تعري المرأة والرجل أمام الآخر. وقوله: «رأى بكشحها بياضاً ... » إلخ. هذا أيضا لا ينافي الأصول، لأن أمره بلباس ثيابها يدل على لازم ذلك وهو أنه لا يريدها، وقوله: «الحقي بأهلك» هذا كناية عن الطلاق كما مر علينا أن الرجل إذا قال لزوجته: الحقي بأهلك ونوى به الطلاق صار طلاقاً، إذن هذا لا يخالف الأصول، «وأمر لها بالصداق» أيضا لا يخالف الأصول؛ لأن الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد وجب لها الصداق كاملا. من فوائد الحديث: أن المرأة هي التي تدخل على الزوج، ولهذا يقال: تزف إليه امرأته، وعادة الناس اليوم أن الزوج هو الذي يدخل على امرأته، ولكن هذا لا يخالف السنة؛ لأن الظاهر أن هذه من أمور العادات وليست من أمور التعبد، فإذا كانت من الأمور العادية رجع فيها إلى العرف ما لم يخالف الشرع. ومن فوائده: جواز تعري الزوجة أما زوجها وكذلك الزوج أما زوجته وهذا جائز بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦، ٥]. فإن هذا يشمل حفظ الفرج من الفاحشة ومن النظر أيضاً. ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج على الإنسان إذا رأى بامرأته عيباً خلقيا أن يفارقها لا يقال: إن هذا العيب الخلقي من الله ولا يمكنها أن تتخلى عنه؛ لأننا نقول الإنسان إذا لم يشته الطعام فإنه لا يجبر على أكله، كذلك إذا كان لا ترتاح نفسه إلى هذه الزوجة فلا حرج عليه. فإن قال قائل: في هذا كسر لقلبها؛ لأنها تكون حينئذ مصابة من وجهين: الوجه الأول: ما فيها من العيب، والوجه الثاني: فراق الزوج. قلنا: هذا من المصائب، والمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرات للذنوب، ثم إن صبر الإنسان واحتسب الأجر على الله صار فيها ثواب الصبر، فهي على كل حال المصائب إذا صبر الإنسان عليها فإنها تكفر الذنوب ثم إن احتسب الأجر على الله صارت ثواباً، فنقول لهذه المرأة التي أصيبت بما أوجب أن يفارقها الزوج: أنت أصبت بأمر الله وقدره، فلك الأجر اصبري واحتسبي. ومن فوائد الحديث: الاستدلال باللازم على الملزوم لقوله: «ألبسي ثيابك» فهذا من ملزوم كونه مفارقاً لها. ومن فوائد الحديث: أن قوله: «ألحقي بأهلك» من ألفاظ الفراق، ولكن هل نقول: إن هذا طلاق أو كناية عن ألفاظ الطلاق؟ يحتمل إن نظرنا إلى السبب وهو العيب قلنا: إنه كناية عن

стр. 2353

الفسخ، وإن نظرنا إلى أمر النبي ﷺ لها بالصداق قلنا: إن هذا من الطلاق، لأن اختياره الطلاق يدل على أنه أرادها ولكنه لا يطيق العيش معها فطلقها، ولكن ربما يقول قائل: إننا نحملها على أنها للفسخ ويكون أمر النبي ﷺ لها بالصداق من باب الكرم وإن كان لا يجب عليه؛ لأنها ضرته ولكن هذا من باب الكرم وما أكثر كرم النبي ﷺ فهاهو مع جابر بن عبد الله اشترى منه الجمل وأعطاه الجمل والدراهم، إذن الأمر بالصداق إن كان بناء على أن قوله: «ألحقي بأهلك» طلاق فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه طلاق بعد الخلوة، والطلاق بعد الخلوة موجب للصداق كاملاً، وإن كان المراد بقوله: «ألحقي بأهلك» الفسخ ففيه إشكال؛ لأن الزوج إذا فسخ عقد نكاح المرأة من أجل العيب رجع في الصداق، يعني: أخذ الصداق الذي هو بدل، فنقول في الجواب على الإشكال: إن هذا من باب كرم النبي ﷺ . على تقدير صحة الحديث يؤخذ منه: أن البرص أو البهق ينفسخ به النكاح وهو كذلك، فإذا وجد الزوج بامرأته برصاً فله الفسخ، وإن وجدت فيه هي برصاً فلها الفسخ، ولا فرق بين أن يكون هذا البرص في داخل الثياب أو في خارج الثياب بدليل أن الرسول رأى هذا البياض في كشحها في داخل الثياب، لا يقول قائل: إن الذي داخل الثياب مستور وإنه لا يظهر، نقول: لكن شعور الزوج أو الزوجة بهذا العيب يوجب تقزز النفس وكراهيتها، والحديث أصل في ثبوت الخيار في العيب، وإذا ثبت الخيار بالعيب فإن الزوج قد بذل مهراً، فإذا فسخ من أجل العيب هل يضيع مهره؟ لا، نقول: المهر إن كان بعد الدخول أعطى المهر ثم رجع به الزوج على من غره، من الذي غره؟ الولي المباشر إلا إذا كان الولي غير عالم بالعيب فيرجع به على المرأة هذا إذا كان الصداق قد تقرر بالدخول، أما إذا علم بالعيب قبل أن يدخل بها يفسخ وليس لها شيء؛ لأنها غرته وخدعته. الخلاصة: إن كان الفسخ للعيب قبل الخلوة والدخول فلا مهر، وإن كان بعد الدخول أو الخلوة فلها المهر، ويرجع به الزوج على من غره وهو الولي، لأنه المباشر، فإن لم يعلم الولي رجع به على المرأة فإن لم تعلم المرأة مثل إن كان برص في ظهرها ولم يخبرها أحد به فلا شيء له؛ لأنه لم يخدع ولم يعز. هذه القاعدة في مسألة الفسخ بالعيب. *ولكن ما هو العيب الذي يفسخ به هل هو محدود أو معدود؟ أولا: اختلف العلماء في الفسخ بالعيب؛ فمن العلماء من قال: لا فسخ، ويقال للزوج: إن رضيت بها معيبة وإلا طلقتها، المشكل إذا كان العيب في الزوج، فقالت المرأة: أنا لا أريده، يقولون: تصبر وتحتسب هذا من البلوى، وهذا مذهب الظاهرية أنه لا فسخ بعيب؛ لماذا؟ قالوا: لأن الآثار الواردة في الفسخ بالعيب ضعيفة لا ينبني عليها الحكم الشرعي، وقياس النكاح على

стр. 2354

البيع غير صحيح، لماذا؟ لأن الظاهرية لا يرون القياس فهو عندهم باطل، وبتاء على هاتين المقدمتين ينتفي الفسخ بالعيب؛ لأن الآثار إذا كانت ضعيفة والقياس باطل ما عندنا دليل، لكن جمهور العلماء خالفوهم في هذا وقالوا: بل العيب مسوغ للفسخ سواء كان في الزوج أو في الزوجة، وقالوا: إن هذه الآثار إذا لم يصح كل واحد منها على انفراد فإنها بالمجموع تصح، ثانيا: القياس على العيب إذا كان الإنسان لو اشترى حماراً فوجد فيه عيباً فله رده والحمار يركب فكيف بالمرأة تبقى معه يجد فيها عيباً تزوج امرأة فإذا أذناها مقطعة وأصابعها مقطعة وصماء وعمياء بكماء كيف هذا؟ نقول: هذا ليس له خيار، ولو وجد الإنسان عيب في حماره قلنا: لك الخيار! ! ثم نقول: العيب منافٍ لمقتضى الزوجية؛ لأن الله قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الزومر: ٢١]. وكيف تكون المودة مع عيب ينفر منه الإنسان ويود ألا يراه في حياته، أين المودة وأين السكن؟ فلهذا كان إيماء النص والآثار والقياس الصحيح كلها تدل على ثبوت فسخ النكاح بالعيب، يبقى النظر هل العيوب معدودة أو محدودة؟ قال بعض العلماء: إنها معدودة أربعة خمسة عشرة، وقال آخرون: بل هي محدودة، وهذا القول هو الصحيح، فلنتتبع الآثار التي ذكرها المؤلف. ٩٦٨ - وعن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أيما رجلٍ تزوج امرأة فدخل بها، فوجدها برصاء، أو مجنونة، أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها». أخرجه سعيد بن منصور، ومالك، وابن أبي شيبة، ورجاله ثقات. «البرص» معروف، و «المجنونة» فاقدة العقل، و «المجذومة» أي: المصابة بالجذام، وقيل: هو الطاعون أو غيره، لكنه مرض معدٍ وقاتل، ولهذا قال العلماء: يلزم الإمام أن يعزل الجدماء في مكان خاص لئلا يعدو وأظن أنه يوجد الآن نوع من المستشفيات تسمى بالعزل -الحجر الصحي-؛ إذن نقول: كم عيباً؟ ثلاث. «فلها الصداق بمسيسه» أي: بجماعة إياها، لأن الدخول بالمرأة، يعني: الجماع، والخلوة غير الدخول، «وهو» الضمير يعود على المهر، «له»: أي: للزوج «على من غره منها»، إذن نقول للزوج الذي تزوج امرأة ودخل بها ووجد بها أحد هذه العيوب الثلاثة: أعطها الصداق وارجع به على من غرك وهو الولي لأنه المباشر، فإن كان الولي فقيراً فلا رجوع له على المرأة، بل

стр. 2355

على هذا الولي متى أغناه الله أخذه منه، وفي قوله: «وهو له على من غره» إيماء إلى أن الولي إذا لم يكن غاراً، بل هو جاهل بالعيب فإنه يرجع على المرأة؛ لأنها حينئذ هي التي غرت. ٩٦٩ - وروى سعيد ﵁ أيضاً: عن علي نحوه، وزاد: «وبها قرن، فزوجها بالخيار، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها». «القرن» هو عبارة عن ورم يكون في فرج المرأة فيمنع الوطء، ومعلوم أن ما يمنع الوطء ينافي مقصود النكاح؛ لأن الوطء من أعظم مقاصد النكاح، وهذا الأثر إذا أضيف إلى الذي قبله كم عيباً الآن ذكره المؤلف؟ أربعة وهي: البرصاء، المجنونة، المجذومة، وكذا القرناء، أي: التي بها قرن. هناك عيوب أخرى لم يذكرها المؤلف ألحقها بعض العلماء وجعلوها محصورة في شيء معين، ولكن الصحيح أنها غير محصورة، وأن العيب كل ما ينفر أحد الزوجين عن صاحبه خلقة، وقولنا: «خلقة» احترازاً من الخلق فلو وجدها سريعة الغضب، أو وجدته سريع الغضب، فهذا ليس بعيب، لكن إذا كان خلقة، العمى عيب، الصمم عيب على القول الصحيح، الخرس عيب، العرجاء عيب، ولكن العرج البين، مقطوعة الأصابع والأذن عيب، القدم عيب، ننزل هذا على القاعدة إذا وجد هذا العيب قبل الدخول ففسخ فليس لها شيء إذا وجده بعد الدخول أو الخلوة فلها المهر، ويرجع به على من غره، إذا كانت هي التي وجدت في الزوج هذا إن كان بعد الدخول تفسخ ولها المهر، لكن إذا كان قبل الدخول ففسخت فقال بعض العلماء: ليس لها مهر لا نصف ولا كل، لأن الفرقة جاءت من قبلها، وقال آخرون: بل لها نصف المهر؛ لأن الفراق قبل الدخول إذا كان من قبل الزوج فللزوجة نصف المهر كما قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أيهما أرجح؟ هل نقول: إن هذا الفسخ من قبلها لها مهر أو من قبله فلها المهر، قال بعض العلماء: إنه من قبلها؛ لأنها لو شاءت لصبرت عليه، وقال آخرون: بل من قبله؛ لأنه غرها، وهذا القول هو الصحيح، فهي فسخت بسبب، ولا تطيق البقاء مع هذا الرجل المعيب. حكم العنين: ٩٧٠ - ومن طريق سعيد بن المسيب ﵁ أيضا قال: «قضى به عمر ﵁ في العنين، أن يؤجل سنة». ورجاله ثقات. «العنين» هو الذي لا يقوى على الجماع، لأنه لا ينتشر معه مثل هدبة الثوب، العنين يؤجل سنة هلالية كاملة من أجل أن تمر به الفصول الأربعة، لأن الرجل قد يضعف عن الجماع في

стр. 2356

فصل دون فصل، فإذا مرت به الفصول الأربعة ولم يقو على الجماع دل ذلك على أن فيه آفة وعيباً فلهذا أجله عمر سنة هلالية وليست شمسية، لأن المعتبر في الشرع الأهلة، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وقال بعض الفقهاء: يؤجل سنة شمسية؛ لأنه لا تكمل الفصول إلا باعتبار السنة الشمسية، الفصول الأربعة تدور على الشمس وليس على القمر، فإذا كان العلة أن تمر به الفصول فقال: لابد أن تكون السنة الشمسية فإذا كانت هلالية نقص الفصل الرابع عشرة أيام، على كل حال: الخلف سهل، ولكن العنة تحدث أو متى ثبت وطؤه مرة واحدة فلا عنة؟ قال بعض العلماء: متى ثبت أنه وطأ هذه المرأة مرة واحدة فلا عنة، لكن القول هذا ضعيف، والصواب أن العنة ربما تحدث ولكن إذا حدثت فإما أن نعلم عدم رجوع القدرة على الوطء، وإما أن نؤمل الرجوع، مثال ذلك: رجل أصيب بحادث وكان قادراً على الجماع قبل الحادث، ولما أصيب بالحادث صار لا يستطيع الجماع، هنا حدثت العنة، فنقول: على القول الراجح لها أن تفسخ، فإن قال الأطباء: إن العجز عن الوطء الآن يمكن أن يزول ويقدر فيما بعد سنة مثلاً، فإن هذه العنة لا توجب الفسخ لأنه ينتظر زوالها. مسألة: هل العقم عيب أو ليس بعيب؟ هذا أيضا مما اختلف فيه العلماء؛ فقال بعض العلماء: إن العقم عيب، يعني: إذا كان الزوج لا يولد له أو كانت الزوجة لا تلد، فإن هذا عيب يوجب الفسخ، وقال بعضهم: العقم ليس بعيب، ولكن إن اشترط الولادة صار العقم فوات صفة مشروطة، والأخير هو المذهب والأول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل لهذا القول بأن من أعظم مقاصد النكاح الولادة؛ ولهذا تجد الزوج أو الزوجة يذهبان كل مذهب من أجل الدواء لحصول الولد؛ ولأن العلماء ﵏ قالوا: إنه يحرم العزل عن المرأة بدون إذنها؛ لماذا؟ لأن لها حقاً في الولادة، والعزل في الغالب يمنع الولادة، فالصواب أن العقم عيب، ولكن لو أراد الإنسان أن يخرج من الخلاف فماذا يصنع؟ يشترط يقول: إن بان أنها عقيمة، أو تقول هي: إن بان أنه عقيم فلي الفسخ، فحينئذ يثبت الفسخ قولاً واحداً، ووجه ذلك: ثبوت الاشتراط أولاً.

стр. 2357

٢ - باب عشرة النساء «العشرة» معناها: المعاشرة، وهي المعاملة بين الشخصين يكون بينهما صلة فيعاشر أحدهما الآخر، وهي أن المعاشرة بين الزوجين مرجعها إلى العرف، لقوله تعالى: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. ولقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فالمعاشرة هي المعاملة مع كل اثنين بينهما ارتباط كالأصحاب والأزواج، والمعاشرة بالمعروف أمر واجب أمر الله به فقال: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والحكمة تقتضيه؛ لأن المعاشرة بالمعروف توجب الألفة ودوام الارتباط بين المتعاشرين، أما إذا نبى كل واحد منهما عن المعاشرة بالمعروف فإن الأمر سيكون خطيراً، وسوف تحدث الفرقة لا محالة إلا أن يريد الله الإصلاح بينهما، من المعاشرة بالمعروف أن يستمتع الرجل بزوجته حيث أمره الله، وذلك أن يأتيها في قلبها في غير الحيض والعبادة الواجبة مثل: الصيام والإحرام. حكم إتيان المرأة في دبرها: ٩٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أبو داود، والنسائي واللفظ له، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإرسال. كيف نعرب «ملعون»؟ خبر مقدم، وذلك لأنه إذا كان المقدم وصفاً فإنه يكون خبراً إن طابق في الإفراد ولم يعتمد على استفهام ونحوه، هذه قاعدة في النحو، فإن قوله: «ملعون من أتى»، مثل: «قائم زيد»، «قائم» خبر مقدم، وزيد مبتدأ مؤخر، أما إن اعتمد على استفهام أو نحوه فإنه يكون مبتدأ وما بعده فاعل مثل أن تقول: «أقائم زيد؟ » فقائم مبتدأ وزيد فاعل أغنى عن الخبر، ويجوز أن تعربه مبتدأ وخبر كما سبق أولاً، أما إذا كان هذا الوصف وما بعده مختلفين، مثل أن يكون الوصف مفرداً وما بعده مثنى أو جمعاً فإنه يتعين أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، مثل أن تقول: «قائم الزيدان»، فهنا نقول: «قائم» مبتدأ و «الزيدان» فاعل، ولا يمكن أن تقول: قائم خبر مقدم، لأنه يشترط في الخبر أن يكون مطابقاً للمبتدأ وهنا لا مطابقة. إذن «ملعون» خبر مقدم، و «من أتى» «من» مبتدأ مؤخر، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأول من لعن -فيما نعلم- إبليس حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ [الحجر: ٣٥]. ﴿لَعْنَتِي﴾ يعني نفسه ، اللعنة إما أن تقول: اللام للعموم، يعني: اللعنة مني ومن غيري، أو أن اللعنة مني وتكون «أل» هنا للعهد الذهبي. وقوله: «امرأة» هنا نكرة في سياق الإثبات فهي مطلق وليست عاماً؛ لأن النكرة لا تكون

стр. 2358

للعموم إلا إذا كانت بعد نفي أو نحوه، وقوله: «امرأة» المراد: زوجته أو ما ملكت يمينه؛ وذلك لأن الشرع لا يؤلف الحكم على الحرام، فلا يقول قائل: من أتى امرأة من زوجة أو مملوكة أو أجنبية لا؛ لأن من أتى امرأة أجنبية فهو زان، والزنا من كبائر الذنوب المتفق عليها، وقوله: «في درها» الدبر معروف. يستفاد من هذا الحديث: أن إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب، ولهذا رتب عليه اللعنة. ومن فوائده أيضاً: التحذير من إتيان المرأة في الدبر، وذلك لأن النبي ﷺ رتب عليه اللعنة تحذيراً للأمة. ومن فوائده: بيان الحكمة العظيمة في تحريم هذا الشيء وجعله من الكبائر؛ وذلك لأنه يحصل به مفسدة ويفوت به منفعة، المفسدة التي تحصل هي أن الإنسان يطأ زوجته في محل الأذى والقذر؛ لأن الدبر محل الأذى والقذر فيتلوث ذكره بهذا القذر والنتن والرائحة الكريهة هذه تفوت به مصلحة وهي أن النطفة التي ينزلها في هذا المحل لو أنزلها في المحل الذي جعله الله لها لحصل بذلك ولد، أما هذا فإنه يذهب هباء فلذلك كان تحريم وطء المرأة في دبرها موافقاً للحكمة تماماً. وقوله: «أعل بالإرسال»، والإرسال يطلق على معنيين عند أهل الحديث المعنى الأول: ما سقط منه الصحابي، أي: ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ ، والثاني: أن المرسل من قطع إسناده، يعني: الذي لم يتصل إسناده مطلقاً، لكن إذا قالوا: مرسل ومنقطع تعين أن المرسل ما سقط منه الصحابي أي ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ . ٩٧٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها». رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأعل بالوقف. قوله: «لا ينظر الله» أي: نظر رحمة ورأفة، وليس المراد به: النظر العام، لأن الله لا يخفى عليه شيء ولا يغيب عن بصره شيء. وقله: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً» هذا بناء على الغالب، وإلا فلو أتى من ليس برجل؛ أي: شخصا لم يبلغ؛ لأن الرجل اسم للبالغ، فلو أن رجلاً أتى من دون سن البلوغ

стр. 2359

لثبت له هذا الحكم، وقوله: «أو امرأة في دبرها» كذلك لا ينظر الله إليه ولو كانت امرأته، لأن هذا نوع من اللوطية. ففي هذا الحديث يقول المؤلف: إنه أعل بالوقف يعني: بعض الرواة رواه موقوفاً، أو أن بعض الحفاظ قال: إنه موقوف، وسبق لنا أن الإعلال بالوقف ليس بعلة إلا إذا كان الرافع غير ثقة، أما إذا كان الرافع ثقة فالصحيح أن الوقف ليس بعلة، ولو أن أحدا أعله بالوقف قلنا: هذه العلة غير قادحة، وأظننا قد عرفنا الفرق بين الرفع والوقف، الرفع ما نسب إلى النبي ﷺ ، والوقف ما نسب إلى الصحابي، ونحن نقول: إذا قال أحد الحفاظ: إنه موقوف على الصحابي ابن عباس فالجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الإعلال بالوقف ليس بعلة إذا كان الرافع ثقة؛ لأن الرفع معه زيادة علم ووجه الزيادة أن سند الموقوف ينتهي إلى الصحابي وسند المرفوع إلى النبي ﷺ فهذه زيادة، ثم نقول: إن الصحابي أحيانا يسند الحديث إلى النبي ﷺ إذا قصد الرواية ولابد أن يسنده إذا قصد الرواية، وأحيانا يقول الحديث من عند نفسه إذا قصد الحكم فيسمعه السامع ولم يسمعه قبل مرفوعاً إلى الرسول ﷺ فيظنه موقوفاً. وهذا الحديث نقول: إنه حتى لو ثبت أنه موقوف على ابن عباس فإن مثل هذا لا يقال بالرأي فيثبت له حكم الرفع، لأن الوعيد بأن الله لا ينظر لا يمكن أن يأتي به ابن عباس من عند نفسه، فيثبت له حكم الرفع. فإن قال قائل: أنتم لا تحكمون بالرفع في قول الصحابي المعروف بالأخذ عن بني إسرائيل، وابن عباس عرف بالأخذ عن بني إسرائيل؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: هذا في أمور الغيبيات، أما في الأحكام الشرعية فإن ابن عباس وإن كان قد أخذ عن نبي إسرائيل ما أخذ في الترغيب والترهيب لا يمكن أن يأخذ عن بني إسرائيل ما يتعلق بالأحكام الشرعية؛ لأن هذا يقتضي شرع شيء في الشريعة المحمدية مأخوذ عن بني إسرائيل، ومثل هذا لا يمكن أن يقدم عليه ابن عباس ﵁ فمثلا لو أن ابن عباس أراد أن يسند الحديث إلى الرسول لابد أن يبلغ الرسول ﷺ ، وأحيانا يريد أن يبين الحكم الشرعي فهنا ربما يقوله من عند نفسه فيسمعه من يرويه عنه فيظنه من قوله فيرويه موقوفاً، ثانياً: قلنا: إن هذا الحكم لا مجال للرأي فيه، فلو فرض أن منتهاه ابن عباس فإن مثله لا يقال بالرأي وحينئذ يثبت له حكم الرفع فإن أورد علينا شخص أن ابن عباس ممن عرف عن الأخذ عن بني إسرائيل، ونحن نقول: إن قول الصحابي يثبت له حكم الرفع إذا لم يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل، فالجواب: أن هذا حكم شرعي ليس فيما يتعلق بالترغيب والترهيب.

стр. 2360

في هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات النظر لله؛ أي: منه لقوله: «لا ينظر»، ونفي النظر عن هؤلاء يدل على ثبوت النظر لغيرهم؛ لأنه لو انتفى النظر عن الجميع لم يكن لتخصيص هؤلاء فائدة، وقد استدل الأئمة بمثل هذا ففي قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. استدل الأئمة على أن الأبرار يرون الله، قالوا: فإنه لما حجب هؤلاء الفجار في حال الغضب دل على أن الأبرار في حال الرضا ينظر إليهم؛ لأنه لو كان الحجب من هؤلاء ومن هؤلاء لم يكن لتخصيص هؤلاء فائدة. ومن فوائد الحديث: أن إتيان الرجل الرجل من كبائر الذنوب، وجهه: أنه أثبت عليه الوعيد، وكل ذنب رتب عليه الوعيد فإنه من كبائر الذنوب، كل ذنب رتب عليه حد في الدنيا فهو من كبائر الذنوب، كل ذنب تبرأ النبي ﷺ من فاعله فهو من كبائر الذنوب، وأحسن ما حدث به الكبيرة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن ما رتب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، وذلك أن المنهيات تارة ينهى عنها ويقال إنها حرام فقط، وتارة تقرن بعقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة. مسألة في حد إتيان الرجل الرجل: ولم يذكر في هذا الحديث حد إتيان الرجل الرجل، لكن قال قوم من أهل العلم: فيه التعزيز دون الحد، وقال آخرون: فيه حد الزنا، فالمحصن يرجم وغير يجلد، وقال آخرون: بل يقتل الفاعل والمفعول به بكل حال، سواء كان محصنا أم غير محصن. وقال آخرون: ليس فيه حد ولا تعزيز! وهذا من غرائب الأقوال، يقولون: اكتفاء بالرادع الطبيعي وقاسوا ذلك على من شرب البول وشرب الخمر، فمن شرب الخمر يجلد، ومن شرب البول لا يجلد، قالوا: اكتفاء بالرادع الطبيعي ليس أحد من الناس يشرب البول لكن كثيرا من الناس يشرب الخمر، فجعل فيه عقوبة من أجل أن تردع الناس عن شرب الخمر، ولكن هذا القول لا يصح، بل هو من أبطل الأقوال، فنحن لا نسلم أن من شرب البول لا يعزر، بل نرى أنه يجب أن يعزر؛ لأن شرب البول حرام وإذا كان الإنسان لا تردعه طبيعته وفطرته فتردعه العصا والسوط، وكل معصية ليس فيها حد ففيها التعزير؛ إذن إذا بطل الأصل بطل الفرع، ثم على تقدير التسليم أن شرب البول ليس فيه شيء فإنه لا يصح القياس؛ لأن شرب البول لا يمكن لأي إنسان أن يميل إليه، وأما إتيان الذكر الذكر فهذا يمكن أن يميل إليه الإنسان، وهاهم قوم لوط أمة كلهم ابتلوا بهذا الشيء فصاروا يأتون الذكران من العالمين، ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، لما

стр. 2361

انتهكوا الحرام جعل الله في قلوبهم كراهة النساء فصاروا يتركون الأزواج ولو كن من أحسن النساء ويأتون الفاحشة؟ ! إذن ما هو القول الراجح؟ أنه يقتل الفاعل والمفعول، أولاً: لأن ذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ حيث قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وهذا حديث صححه كثير من الأئمة. ثانياً: أنه نقل إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، وقد حكي إجماعهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، إلا أن الصحابة اختلفوا كيف يقتل، فقال بعضهم: بالسيف، وقال بعضهم: بالرجم، وقال بعضهم: يلقى من أعلى شاهق في البلد ثم يتبع بالحجارة، وقال بعضهم: بل يحرق كما جاء ذلك عن أبي بكر وغيره من الخلفاء، والأصح أنه يقتل بما يرى الإمام أنه أنكى وأعظم، إما بالإحراق، وإما بالإلقاء من أعلى شاهق، وإما بالرجم، المهم الذي يرى أنه أنكى وأعظم ردعاً للناس يفعله؛ لأن هذه الفاحشة خبيثة توجب أن تجعل ذكور البشر بمنزلة الإناث فينقلب الذكور إناثاً ولا يمكن التحرز منها، كيف إذا رأيت ذكراً مع ذكر أن تقول: من هذا الذي معك؟ لكن ذكر مع أنثى ممكن أن يحترز الناس منه، فالمهم: أن القول الراجح أنه يجب على ولي الأمر أن يقتل الفاعل والمفعول به لكن يشترط البلوغ والعقل والاختيار، فإن كان دون البلوغ فإنه لا يقتل ولكن يعزر، كما يعزر ابن عشر في ترك الصلاة، ومن كان مجنوناً فلا يقتل، ومن أكره على ذلك فإنه لا يقتل إذا كان مفعولاً به وإذا كان فاعلاً مثل أن يأتيه رجل يكون مثل المرأة ويطلب منه أن يفعل به ويقول إما أن تنفذ ما قلت وإما أن أقتلك ومعه سلاح، لكن الفقهاء ﵏ يقولون: لا يمكن الإكراه على الوطء؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار، ولا انتشار مع الإكراه، لأن المكره لا ينتشر ذكره، لأنه خائف، ولكن هذا أيضاً ليس بصحيح؛ لأنه إذا ابتلي فربما يحصل ذلك منه؛ لأن النفس أمارة بالسوء، ربما إذا أكره حتى صار لا يبقى إلا الفعل ينسى الإكراه ويحصل منه هذا الشيء، على كل حال: المكره على الفعل سواء كان فاعلاً أم مفعولاً به ليس عليه حد، لكن لابد من ثبوت الإكراه، قال: «أو امرأة في دبرها» هذا الشاهد. يستفاد من هذا الحديث: أن من أتى امرأة في دبرها فإن الله لا ينظر إليه، وعلى هذا فيكون إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب، ولكن إذا أتى امرأة في دبرها فهل ينفسخ النكاح؟ قلنا: لا ولكن للزوجة أن تطالب بالفسخ، لأن هذا من سوء العشرة، أما من عرف به، يعني: يفعله باستمرار فقد قال شيخ الإسلام يجب أن يفرق بينه وبين امرأته؛ لأن هذه معصية، ولا تجوز المعاشرة منهما على هذا الوجه.

стр. 2362

هذا الحديث يعتبر شاهداً للحديث الذي قبله؛ لأن كلا منهما يدل على الوعيد فيمن أتى امرأته في دبرها، وعلى هذا فيكون شاهداً للحديث الأول مقوياً له ولم يذكر عن أحد من الأئمة أنه أجاز وطء المرأة في دبرها، وما يروى عن الشافعي (رحمة الله) في ذلك فقد أنكره أصحابه وكذبوه، وكذلك ما يروى عن مالك فقد أنكره أصحابه وكذبوه، والمروي عنهم محمول على ما إذا أتى الإنسان امرأة في قبلها من دبرها، وما سوى ذلك فإنه لا يصح، وقد ذكرنا فيما سبق من أنه يمكن أخذ تحريم هذا من تحريم الوطء في الحيض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والأذى الذي في الدبر أشد وأخبث من الأذى الذي في القبل حال الحيض. الوصية بالنساء: ٩٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً». متفق عليه، واللفظ للبخاري. -ولمسلم: «فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها». «من» هذه شرطية، جوابها «فلا يؤذي جاره»، وقوله «من كان يؤمن بالله» الإيمان في اللغة عند أكثر المعرفين له: التصديق، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية نظر في هذا وقال: إنه لا يصح أن يكون بمعنى التصديق، لأن التصديق لا يساوي الإيمان في التعدي واللزوم، والغالب أن الفعل لا يكون بمعنى الفعل إلا إن ساواه في التعدي واللزوم، ولهذا يقال: صدقته ولا يقال: أمنته، إذن فهما مختلفان، لكن قد أقر به وآمن به، ولأن الإقرار أخص من مطلق التصديق فهاهو أبو طالب مصدق برسالة النبي ﷺ يقول عن نفسه: [الكامل] (ولقد علمتم أن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا) ويقول: [الطويل] (ولقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل) إذن هو مصدق لكنه غير مقر ولا معترف؛ ولهذا لم يكن مؤمناً، فتبين بهذا أنه لا يصح أن نقول إن الإيمان هو التصديق، بل الإيمان هو الإقرار بالله.

стр. 2363

وقوله: «بالله واليوم الآخر»، «بالله» ليست في وجود الله فقط بل هو الإيمان المستلزم للقبول والإذعان، وقوله: «اليوم الآخر» هو يوم القيامة، ووصف بالآخر؛ لأنه لا يوم بعده، وقرن الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله يقتضي العمل رغبة فيما عند الله، والإيمان بالله كذلك يقتضي العمل خوفاً من عقاب الله ورغبة فيما عنده، «اليوم الآخر» فيه الجزاء، والإيمان بالله فيه الحث وبعث الهمة على العمل، فيكون الإنسان لديه أمران: الأمر الأول باعث على العمل، والأمر الثاني مانع من المخالفة، وهو الإيمان باليوم الآخر، ولهذا يقرن الله بينهما كثيراً في القرآن الكريم. قال: «فلا يؤذ جاره» بحذف الياء على أن «لا» ناهية وبإثباتها على أنها نافية، والأذية دون الضرر، فإذا نهى عن الأذية فالضرر من باب ألوى، يعني: يتأذى بأقل القليل حتى بدخان الوقود -وقود النار- وبالأصوات وبغيرها، أي أذية. وقوله: «جاره» الجار هو: من جاورك وقرب منك، وحده بعض العلماء بأربعين داراً من كل جانب، وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العرف، لأن الحديث الوارد في ذلك لا يصح عن النبي ﷺ ، ولو صح لكان فيصلاً ولكنه لم يصح، وعلى هذا فيرجع إلى العرف وهذا أقرب؛ لأننا لو قلنا: إن الجار أربعون داراً في كل جانب ولاسيما في وقتنا هذا الذي تجد فيه البيوت واسعة جداً لكان نصف البلد حاراً للإنسان أو أكثر لكن العبرة بالعرف. «واستوصوا بالنساء» يعني: اقبلوا الوصية بهن، يقال: وصيته فاستوصى أي: قبل، وقوله: «خيراً» يعني: اقبلوا بعن وصية الخير، والذي أوصانا بها الرسول ﷺ ، «فإنهن» هذه الجملة تعليل للحكم وهو الأمر بالاستيصاء، قال: «فإنهن خلقن من ضلع»، ويجوز من ضلع والفتح أشهر، فما هو الضلع؟ الضلع هو ضلع آدم، فإن آدم ﵊ لما أراد الله أن يجعل له زوجة نام نومة فخلقها الله من ضلعه الأصغر هكذا جاء في الآثار والله أعلم، لكن الثابت أنها خلقت من ضلع، قال: «وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه»؛ ولهذا المرأة ما تتحمل وضعفها الاعوجاج، قال: «فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركت الضلع لم يزل أعوج». إذن لا يمكن الانتفاع به إلا إذا كان أعوج، ثم كرر قبول الوصية في قوله: «فاستوصوا بالنساء خيراً». ولمسلم: «فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج» وهذا معنى قوله: «وإن تركته لم يزل

стр. 2364

أعوج» «وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها»، فرواية مسلم بينت معنى الكسر وهو الطلاق. من فوائد الحديث: التحذير من أذية الجار لقوله: «فلا يؤذي جاره»، ووجه التحذير: أن الحديث يدل على أن أذية الجار ينتفي بها الإيمان. ومن فوائد الحديث: أن أذية الجار من كبائر الذنوب؛ وذلك لأن انتفاء الإيمان عن سائر المعصية وعيد وعقوبة فينطبق عليها إثم أو حد الكبيرة، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». يعني: ظلمه وغشمه. ومن فوائد الحديث: إثبات اليوم الآخر، يتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن بالله واليوم الآخر فسيحمله إيمانه على اجتناب المعاصي خوفاً من عذاب ذلك اليوم. ومن فوائد الحديث: كمال الدين الإسلامي، حيث أوصى بالضعيف خيراً، قال: «فاستوصوا بالنساء خيراً»، ولاشك أن النساء ضعيفات في العقل والدين كما قال النبي ﷺ : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل الحازم من إحداكن». وأنت إذا تأملت الدين الإسلامي وجدته قد أوصى بكل ذي ضعف، فقد أوصى بالأيتام، وأوصى بالفقراء، وأوصى بأبناء السبيل، كل ذلك لأن أمثال هؤلاء يحتاجون إلى رأفة ورعاية. ومن فوائد الحديث: بيان ما من الله به على الأمة من مخالفة عادات جاهلية، فإنهم في الجاهلية كانوا يؤذون النساء يئودونهن أحياء، وفي الميراث لا يورثونهن، يقولون: الميراث لمن يركب الخيل ويذود عن الحياض والمرأة ليست كذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ وذلك بضرب الأمثال؛ لأن الأمثال المحسوسة تقرب المعاني المعقولة، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ شبه المرأة بالضلع، والضلع معروف للجميع أنه أعوج، فإن ذهب الإنسان يقيمه كسره، وإن استمتع به استمتع به على عوج. ومن فوائد الحديث: أن النساء خلقن من ضلع لقوله ﷺ : «فإنهن خلقن من ضلع». ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يرجع إلى أصله، بل إن شئت عمم أن كل مخلوق يرجع إلى أصله؛ لأن قول الرسول «إنهن خلقن من ضلع» يبين أنهن ما دام خلقن من شيء أعوج فستكون عوجاء ولهذا نهى الشارع عن أكل لحوم كل ذي ناب -السباع- لماذا؟ لئلا يتأثر الإنسان بطبيعة السبع فيكون محباً للعدوان؛ ولهذا أيضا رجع إبليس إلى أصله، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارِ﴾ فصار

стр. 2365

معه الطيش والعلو؛ لأن النار بطبيعتها تطلب العلو ولكنه علو غير منظم لسان خارج من هنا ولسان خارج من هنا ... إلخ. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للرجل أن يصبر على عوج المرأة، لقوله ﷺ : «إن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً» وهذا حث من الرسول ﷺ على أن نستمتع بها على عوجها: إذا غضبت أرضيها، وإذا لقتني بوجه عابس ألاقيها بوجه منبسط؛ لأنك لو قابلتها بمثل ما تعاملك به طال الشجار والنزاع والسب والشتم، وربما يطلق ولا يجد من يفتيه بأن طلاقه لا يقع، حينئذ تكون المشاكل، والإنسان العاقل يستطيع أن يرضي المرأة؛ لأن المرأة ترضى بكل كلمة، ولاسيما من الزوج ترضيها وكل كلمة تغضبها، وينبغي مثلا بعض النساء يكون عندها غيرة عظيمة حتى إذا رأته يكرم أمه جعلت الأم بمنزلة الضرة وصارت تكره الأم وتسبها عنده حتى لو كان له أصحاب من الرجال قامت تتكلم في الرجال هذا فيه وهذا فيه وهو من أطهر الناس، لكن الغيرة، فمثل هذه كيف أعاملها؟ أعاملها على قدر عقلها وأطمئنها وأذكر هذا الشيء وأقول: لا ينبغي أن تضعي نفسك في هذا الموضع تتعبين، فيستمتع بها على عوج. ومن فوائد الحديث: شدة الطلاق على المرأة لقوله ﷺ : «كسرها طلاقها» وصدق النبي ﷺ فإن طلاق المرأة لا شك كسر لها، وينبغي لنا في هذا الجانب أن نطالع هدي النبي ﷺ في معاملته لأهله وزوجاته كيف يرضي الجميع، كيف كان يسابق عائشة على الأقدام، وكان يسترها حتى تنظر الحبشة وهو يلعبون في المسجد، فينبغي لطالب العلم أن يجمع مثل هذه الأشياء حتى يبرزها للناس؛ لأن من الناس من يجعل المرأة بمنزلة الخادم يهينها ويتعبها وربما يخدش كرامتها بسب أبيها وأمها، كل هذا موجود عند الناس وهو خلاف هدي النبي ﷺ قولاً وفعلاً. نهي المسافر عن طروق أهله ليلاً: ٩٧٤ - وعن جابر ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في غزوة، فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل. فقال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً -يعني: عشاء- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة». متفق عليه. -وفي رواية البخاري: «فإذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلاً». قال: «في غزوة» ولم يعين الغزوة، وعدم تعيينها لا يضر، لأن المقصود الحكم، وهذا يقع كثيراً في الأحاديث يقول: «قال رجل»، «كنا في غزوة»، «كنا في سفر»، والغالب أن تعيين هذا

стр. 2366

المبهم لا يحتاج إليه؛ لأن المقصود الحكم، ربما يحتاج إليه ليعرف هل هذا ناسخ أو لا؟ لكنه ليس ضرورياً في أكثر الأشياء. يقول: «فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل»، «قدمنا» أي: قاربنا بدليل قوله: «ذهبنا لندخل»؛ وذلك لأنه لا يتحقق القدوم إلا بالدخول، فلما قال: «ذهبنا لندخل» علمنا أن المراد يقوله «قدمنا» أي: قاربنا، وقد سبق لنا مراراً أن اللغة العربية يطلق فيها الفعل على إرادته أو على قربه، وهذا من سعة اللغة، فقال «أمهلوا» أي: انتظروا وأعطوا أهلكم مهلة، «حتى تدخلوا ليلاً» يعني: عشاء، يعني: ليس ليلاً في آخر الليل أو في وسط الليل، بل في أول الليل، لأن العشاء يكون في أول الليل عند مغيب الشفق الأحمر، ثم علل قال: «لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة»، الشعثة: التي صار رأسها أشعث، لأن المرأة إذا لم يكن عندها زوج لا تهتم بنفسها ولا تتجمل، اللهم إلا ذهبت إلى زيارة أحد من الناس، فإذا كان الزوج عندها وكانت تحبه فإنها لاشك سوف تتجمل له في شعرها وثيابها أو غير ذلك، وإن كانت لا تحبه فالأمر بالعكس إذا كان رأسها ممشوطاً وأحست بقدومه شعثته، إذا كان ثياب لا بأس بها غيرتها، على كل حال: الغالب -الحمد لله- على النساء أنهن يرغبن في أزواجهن وإذا أحست أنه سيقدم فإنها تمتشط، والاستحداد معناه: إزالة ما ينبغي إزالته من الشعر كالإبط والعانة ويلحق بذلك الأظفار وشبهها، المهم: أنها تزيل ما ينبغي إزالته من الشعور، كل ذلك من باب التجمل لزوجها والتنظف له. وفي رواية للبخاري: «إذا أطال أحدكم الغيبة» وهذا تصريح بما يفهم من الحديث الأول عن طريق اللزوم، لأن قوله: «لكي تمتشط الشعثة» يدل على أن الغيبة طويلة أدت إلى شعث المرأة، وكذلك «تستحد المغيبة» يدل على طول الغيبة، ولكن لا شك أن ما دل باللفظ أدل مما دل على سبيل اللزوم، فيكون تصريح البخاري بهذه الرواية تصريح بما يفهم من طريق اللزوم من اللفظ الأول، قال: «فلا يطرق أهله ليلاً»، الطارق هو الآتي ليلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. النجم الذي يظهر في الليل، فالآتي ليلاً هو الطارق، ومعنى «يطرق أهله ليلاً» كلمة «ليلاً» من باب التوكيد؛ لأن الطرق هو الإتيان ليلاً، وربما يطلق الطرق على مطلق الإتيان، وعلى هذا فيكون قوله: «ليلاً» من باب التأسيس وليس من باب التوكيد، لأننا إذا جعلناه من باب التوكيد صار يعني أنه يمكن الاستغناء عنه، وإذا جعلناه من باب التأسيس فإنه لا يستغني عنه، وإذا فرضنا أنه لا يكون الطرق إلا ليلاً: نقول إن ذكر التوكيد هنا لإزالة الاحتمال، وما هو الاحتمال؟ احتمال أن يكون الطرق هو الإتيان نهارا. يستفاد من هذا الحديث: أن من هدي النبي ﷺ مشاركته في الغزوات هو نفسه يشارك في الغزوات لقوله: «كنا مع النبي ﷺ في غزوة»، وقد شارك ﷺ في تسع وعشرين غزاة قاتل فيها ﷺ .

стр. 2367

ومن فوائد الحديث: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته بحيث بلغت إلى هذا الحد إلى أن يعلمهم كيف يدخلون على أهليهم. ومن فوائد الحديث: أن من هدي الصحابة أن المرأة تتجمل لزوجها بإزالة الشعث والتنظيف؛ لقوله: «لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة». ومن فوائد الحديث: جواز كون الإنسان أشعث؛ لأن الرسول ﷺ قال ذلك مقرراً له، وإلا لكان ينهى عن هذا ولكنه وإن كان جائزاً فالأولى للإنسان ألا يكون كذلك إذا رآه إنسان نفر منه، لأن بعض الناس مثلا يتخذ الشعر ولكنه باتخاذه الشعر يجعل الشعر أشعث أغبر إذا رأيته ربما تهرب منه وهذا لا ينبغي، كان النبي ﷺ يتخذ الشعر ولكنه يرجله حتى إنه يروى عنه ﷺ أنه قال: «من كان له شعر فليكرمه»، وهذا خلاف ما يرويه العامة من قولهم: إن النبي ﷺ قال: «أكرموا اللحى وأهينوا الشوارب»، والنبي ﷺ لم يقل هكذا، ولهذا قال بعض الفسقة: أكرموا اللحى، فنقول: سمعاً وطاعة نكرمها بحلقها؛ لأن بقاء الشعر عليها يلوثها فتطهيرها أحسن هذا إكرام. أقول: إن الباطل قد يبني عليه باطل، هم لما قالوا هذا الكلام قالوا: إذا كان الرسول قال: هكذا فسمعاً وطاعة، وهذا إكرام اللحى، ولكن نقول: هذا الحديث باطل ولا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، وغاية ما روي أنه قال: «من كان له شعر فليكرمه»، يعني: بالترجيل والتنظيف حتى لا يبقى الشعر مغبر يكون سبباً لتولد الهوام، فالحاصل: أن الرسول ﷺ أقر هذه الحال لكنها مع ذلك [لا تترك] فإن الله جميل يحب الجمال؛ فكون الإنسان يترك نفسه هكذا هذا أمر غير مقبول. ومن فوائد الحديث: مراعاة حال الأهل ألا يأتيهم الإنسان على غرة ويكونون على حال يتقزز منه، بل الذي ينبغي للإنسان أن يأتي أهله وهم في هيئة توجب المودة والمحبة وانظر إلى حكمة الشارع كان النبي ﷺ يأمر أهله إذا أراد مباشرة الحائض يأمرهم أن يتزروا؛ لماذا؟ لئلا يرى منها ما يكره من آثار الدم فكان النبي ﷺ يأمر عائشة فتتزر فيباشرها وهي حائض لئلا يرى منها ما تكره النفس فينطبع في نفسه التقزز منها. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له إذا أطال الغيبة ألا يطرق أهله ليلاً ما لم يتقدم خبر منه لهم، فإن تقدم خبر منه لهم فلا بأس، يعني: مثلاً لو قال: سأقدم البلد في الرحلة التي تأتي في

стр. 2368

الساعة الواحدة فهذا جائز؛ لأنه سوف يكونون مستعدين له متهيئين له، والمحظور كل المحظور هو أن يأتيهم على حال غير مرغوب فيها. النهي عن إفشاء الرحل سر زوجته: ٩٧٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر شرها». أخرجه مسلم. الشر ضد الخير، وشر هنا اسم تفضيل، لكنه حذفت منه الهمزة، وأصله شراً، وكذلك «خير» أصله أخير. فإذا قال قائل: ما الفرق بين قول الإنسان: هذا شر ويريد أنه من الشر، وهذا خير ويريد أنه من الخير وبين قولنا: إن خير وشر اسم تفضيل؟ نقول: الفرق بينهما: أنه إذا كان هناك مفضل ومفضل عليه، فخير وشر اسم تفضيل مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. من أصحاب النار، أما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فهذا ليس اسم تفضيل؛ لماذا؟ لأنه لا يوجد مفضل ومفضل عليه. «شر الناس منزلة عند الله» هذا من باب التفضيل، إذن هناك فاضل ومفضول، «الرجل» خبر إن، «وشر» اسمها. وهنا يقال: أين الهمزة في قوله: «شر»؟ فيقال: إنها حذفت تخفيفاً كما حذفت الهمزة من لفظ الجلالة «الله» وأصلها: «إله» وكما حذفت من «الناس» وأصلها: «أناس»، والعرب أحياناً يحذفون للتخفيف من الكلمات، ولاسيما الكلمات التي يكثر استعمالها، وقوله: «شر الناس»، كلمة «الناس» من ألفاظ العموم ولكنه قد يراد بها الخصوص، أي: أنه لا يراد بها العموم من الأصل، وهنا نفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، العام المخصوص يكون المتكلم قد أراد العموم أولاً ثم يخرج بعض أفراده من الحكم مثلاً: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. «أولاد» هذه عام خرج بالسنة من خالف دين أبويه، لأنه لا يرث، نسمى أولادكم هنا عام مخصوص، لأنه أريد عمومه ثم

стр. 2369

مخصوص، أما العام الذي أريد به الخصوص فهو من الأصل لم يرد فيه العموم إنما أريد به الخاص، ولهذا لا يستثنى منه بخلاف الأول العام المخصوص يدخله الاستثناء، والعام الذي أريد به الخصوص لا يدخله الاستثناء؛ لأنه لم يرد به العموم من الأصل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. «الناس» عام أريد بها خاص؛ لأن ليس كل الناس من مشارق الأرض ومغاربها جاءوا يخبرون النبي ﷺ بأن الناس قد جمعوا له، والمراد بالناس الثانية: خاص ليس كل الناس قد جمعوا؛ إذن هذا عام أريد به الخاص، والفرق أن العام المخصوص أريد به أولاً العموم ثم أخرج بعض الأفراد، والعام المراد به الخصوص لم يرد به العموم أصلاً وإنما أريد به ذلك المعنى الخاص، فهنا قوله ﷺ : «إن شر الناس عند الله» لا شك أنه لا يراد به العموم، لأن هذا الذي ذكره النبي ﷺ يوجد من هو شر منه، فالمشركون والملحدون والجاحدون أشر من هذا، فهو إذن عام أريد به الخصوص. إذن ما المراد به؟ أي: شر الناس في إفشاء السر من يفضي هذا السر المذكور، وليس على سبيل العموم حتى على رواية: إن من شر الناس لا يراد به العموم، وإلا من شر الناس الذين من هذا الجنس الذين يفشون السر. وقوله: «عند الله منزلة يوم القيامة» يعني: إذا كان يوم القيامة فإن الناس درجات عند الله كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣]. فهذا الذي ذكره النبي ﷺ يكون عند الله من شر الناس منزلة، وقوله: «الرجل» هذه خير «إن»: لأن الراجح من أقوال النحويين أن النواسخ تعمل في المبتدأ أو الخبر، أما النواسخ التي تنصب الجزأين فالأمر ظاهر، «ظن وأخواتها» تنصب جزأين، وأما التي ترفع أحد الجزأين فهذه بعض العلماء يقول: ما بقي على الرفع فليس للأداة فيه عمل كخبر «إن» واسم «كان»، وما تغير فهو الذي أثر فيه العامل، ولكن الصحيح أنه يؤثر في الجميع؛ إذن «الرجل» خبر «إن». «الرجل يفضي»، الإفضاء قال بعض العلماء: هو الجماع، وقال آخرون: بل هو الخلوة ولو بغير جماع، يقال: أفضى إليه بكذا، أي: جعله أمراً خاصاً بينه وبينه، قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. وهذا المعنى الثاني أعم من الأول. وقوله: «إلى امرأته» المراد بذلك: الزوجة «وتفضي إليه ثم ينشر سرها» يعني: ينشر ما أسرت إليه في هذا الإفضاء ينشره بين الناس سواء بين عامة الناس أو بين خاصتهم حتى ولو كان عند أبيه أو أمه فإن هذا يدخل في الحديث. في هذا الحديث فوائد: أولاً: تحريم هذا العمل أن ينشر الإنسان السر الذي بينه وبين زوجته، مثل أن يقول: جامعتها على صفة كذا، أو لما جامعتها صاحت، أو ما أشبه ذلك من الأشياء

стр. 2370

التي يستحيا من ذكرها؛ فإن الحديث هذا يدل على تحريمها، بل يدل على أنها من الكبائر؛ لأن فيه وعيداً ويستثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه لبيان حكم شرعي مثل: لما سئل النبي ﷺ بحضرة عائشة عن رجل يجامع زوجته ثم يكسل، يعني: لا ينزل، فقال: «كنت أفعله أنا وهذه ثم نغتسل»، هذا فيه شيء من إفشاء السر لكنه لحاجة شرعية، ثم إنه أيضاً عام ليس تفصيلياً، ولا شك أن الشيء التفصيلي أعظم من هذا، وكذلك أيضاً سأله عمر بن أبي سلمة -وهو ربيب النبي ﷺ ؛ لأن النبي تزوج أمه أم سلمة سأله عن الصائم يقبل زوجته فقال: «سل هذه» يقول لعمر: «سل هذه» يعني: أمه، فسألها فقالت: كان النبي ﷺ يفعل ذلك، فقال له: يا رسول الله، إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «إني لأخشاكم لله وأعلمكم به»، أو قال: «بما أتقي»، والحديثان في مسلم وعلى هذا فإذا اقتضت المصلحة الشرعية أن يذكر ما لا ينشر فإن ذلك لا بأس به، جائز، أما ما يفعله على سبيل التندر والتفكه فهذا حرام. بقى أن نقول: هل المرأة مثل الرجل؟ نعم، مثل الرجل قياساً، نقول: إن القياس الجلي الذي لاشك فيه أن المرأة كالرجل وأنه لا يحل لها أن تفضي بالسر بينها وبين زوجها إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، نحو: أن تستفتي عند الشيخ افرض أنها تريد أن تستفتي عن حال زوجها عند الجماع بأنه ضعيف أو ما أشبه ذلك من المسائل التي تحتاج إلى السؤال، فهنا نقول: إنه جائز لدعاء الحاجة إلى ذلك، لا يمكن أن تعرف الحق إلا بهذا، أما إذا كانت تقوله على سبيل التندر كبعض النساء يجلسن كل واحدة تصف زوجها، هذه تقول: معه مثل الثوب، والثانية تقول: شيئاً آخر فهذا لا يجوز. ومن فوائد الحديث: إن الناس درجات عند الله لقوله: «إن شر الناس عند الله»، «شر» دالة على التفضيل، وهل نأخذ من ذلك تفاضل الناس في الإيمان؟ نعم، لماذا؟ لأن منزلة الإنسان عند الله بحسب إيمانه، فيكون هذا الحديث دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من التفاضل في الإيماء، والذي عليه أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، سبب زيادته: الطاعة، ونقصه: بالمعصية، وله أسباب أخرى ليس هذا موضع ذكرها، ومن أهل السنة من قال: إنه يزيد ولا نقول: ينقص، بل نقول: يزيد؛ لأن الله قال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. ولكن في هذا نظر لأنها لا تتصور الزيادة إلا في مقابلة نقص، ثم إن النبي ﷺ قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين». فأثبت نقصان الدين. ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، وما هو يوم القيامة؟ هو اليوم الذي يبعث فيه

стр. 2371

الناس من قبورهم، وسمي بذلك؛ لأن الناس فيه يقومون لرب العالمين من قبورهم، الثاني: أنه يقام فيه القسط لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الثالث يقوم فيه الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ومن فوائد الحديث: وجوب ستر ما يحصل بين المرء وزوجته وهذه تخصص مما سبق. حقوق الزوجة على زوجها: ٩٧٦ - وعن حكيم بن معاوية، عن أبيه ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعلق البخاري بعضه، وصححه ابن حبان، والحاكم. هذه خمسة أشياء؛ ثلاث منهيات واثنان مأمورات قوله: «قلت: يا رسول الله، ما حق؟ » من القائل؟ معاوية بن حيدة، «قلت: يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ » سأل هذا السؤال لا ليعلم الحق فقط ولكن ليعلم ويطبق ويقوم به، وقوله: «زوج أحدنا»، زوج مذكر وليس فيه تاء التأنيث، والسائل رجل، وكان المتوقع أن يقول: زوجتي، ولكن زوجة لغة رديئة في اللغة العربية؛ لأن زوج يطلق على الذكر والأنثى فيقال للمرأة: زوج، ويقال للرجل: زوج، لكن العلماء في باب الفرائض قالوا: إنه يجب في باب الفرائض خاصة أن تؤنث الأنثى فنقول: «زوج» و «زوجة» من أجل الفرق بينهما عند القسمة وهذا واقع، أما في اللغة العربية فإنك تذكر الزوج سواء للأنثى أو للذكر. قال: «تطعمها إذا أكلت» يعني: لا تأكل وتدعها جائعة، وظاهر قوله: «إذا أكلت» أنك تطعمها مما تأكل، إن طيباً فطيب، وإن وسطاً فوسط، وإن رديئاً فرديء. «وتكسوها إذا اكتسيت» كذلك لا تكسو نفسك وامرأتك عريانة، بل تكسوها إذا اكتسوت. «ولا تضرب الوجه» ولم يقل: «لا تضرب» مطلقاً؛ لأن ضرب الزوج أحياناً يكون مباحاً بل مأموراً به، لكن الذي ينهى عنه هو ضرب الوجه لسببين: الأول: أن ضرب الوجه أعظم إهانة من ضرب غيره والإنسان يجد هذا في نفسه لو ضربك إنسان على وجهك صار هذا أشد مما لو ضربك على ظهرك. الوجه الثاني: أنه ربما يتأثر الوجه بهذا الضرب فتكون مغيراً للصورة التي خلق الله -سبحانه

стр. 2372

وتعالى- آدم عليها، وهذا لاشك انه أعظم ضررا مما لو ضربته في ظهره، لنفرض ضربته في ظهره وانكسر ضلعه هذا يجبر ولا يتأثر لكن أنخدش وجهه يبقى هذا دائما مشوهاً ولهذا نهي عن ضرب الوجه. قال: «ولا تقبح»، يعني: لا تقبح المرأة، أي: لا تصفها بالقبح، وظاهر الحديث لا تصفها بالقبح الخِلقي أو الخُلقي، الخِلقي مثل أن يصفها بعيب في وجهها، في عينها، في أذنها، في طولها، في قصرها، هذا واحد، الثاني الخلق أن يقول أنت حمقاء، أنت مجنونة وما أشبه ذلك «لا تقبح»؛ لأن هذا التقبيح سيؤثر -ولو على المدى البعيد- في نفسيتها، وسيذكرها الشيطان هذا التقبيح دائماً. وقوله: «ولا تهجر إلا في البيت» يعني: لا تهجر زوجتك من البيت أو تهجرها تطردها من البيت إن أردت إن أردت أن تهجر فاهجر في البيت؟ الهجر يكون في الكلام لكنه محدد بثلاثة أيام ودليل ذلك قوله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فإن قال: الهجر في الكلام لا يكفي، نقول: الحمد لله ليس هنا مشكلة إذا تمت ثلاثة أيام تدخل عليها وتقول: «السلام عليكم» كلما مر ثلاثة أيام سلم عليها ويزول الهجر، هذه واحدة. ثانيا: الهجر في الطعام مثلا إذا كان من عادتك أن تتغدى مع أهلك اهجر تأديباً لها. ثالثا: الهجر في المنام له أنواع كثيرة: منها: ترك الجماع والمداعبة. ومنها: أن تعطيها ظهرك عند اللزوم. ومنها: أن تجعل لك فراشاً خاصا. ومنها: أن تجعل لك غرفة ولها غرفة، المهم: أنه أنواع كثيرة، ويمكن أن نقول: إن الهجر إخلاف عادته، فمثلاً إذا كان عادته معها طيبة، كأن يكون يمزح معها كثيراً قد يكون من الهجر أن يهجر هذه الخصلة، ثم أعلم أن الهجر لا يجوز إلا لسبب. من فوائد الحديث: حرص الصحابة على العلم بما عليهم وما لهم لقوله: «يا رسول الله، ما حق زوج أحدنا عليه؟ ». ومن فوائد الحديث: أنه يجب على الرجل الإنفاق على زوجته طعاماً وكسوة، لقوله: «تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت».

стр. 2373

ومن فوائده: أن النفقة بقدر الغنى لقوله: ﴿إذا أكلت﴾ ﴿تكسوها إذا اكتسبت﴾ , ويدل قوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق: ٧] ﴿قدر عليه﴾ يعني: ضيق عليه, يعني: في مقابله, فقوله: ﴿لينفق ذو سعة﴾. نفهم منه أن من قدر ضيق. فإذا قال قائل: إذا أعسر الزوج بعد الغنى فهل للزوجة حق في المطالبة بالنفقة أو الفسخ؟ * فالجواب على ذلك أن فيه قولين للعلماء: الأول: أن لها الحق في طلب الفسخ؛ لأنه لم يقم بالواجب عليه. والقول الثاني: أنه ليس لها الحق في ذلك؛ لأن هذا شيء بغير اختياره وعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساُ إلا وسعها﴾ [الطلاق: ٧]. يدل على أن من لم يؤته شيئاً فغنه لا يكلفه والمسالة فيها للعلماء أخذ ورد ومناقشات, وسيأتي ذكرها في باب النفقات. ومن فوائد الحديث: النهي عن ضرب الوجه بقوله: "ولا تضرب الوجه". ومن فوائده: جواز الضرب مع غير الوجه؛ لأن منطوق الحديث عن ضرب الوجه مفهومه جواز ضرب غير الوجه. فإن قال قائل: هل الإنسان مخير متى شاء ضرب زوجته؟ قلنا: لا, بل لا يضربها إلا لسبب, وقد بين الله تعالى مراتب التأديب فقال: (فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء: ٣٤]. فإذا جاز الضرب لوجود سبب الجواز فإنه لا يضرب الوجه. ومن فوائد الحديث: تكريم الوجه, بحيث لا يضرب ولا يقبح ولا يتفل عليه, ولذلك لو أن أحداً تفل على وجه شخص لاستشاط غضبه ولو تفل على غترته من الخلف ربما دعاه لتنظيف الغترة, على كل حال: الشيء يختلف لو أن أحداً فعل ذلك في وجهك ما تركته إلا أن تخشى من شر أكبر. ومن فوائد الحديث: النهي عن التقبيح المعنوي والحسي لقوله: "ولا تقبح", وليعلم أن الأصل في النهي التحريم, وقد يراد به الإرشاد أحياناً, وقد يراد به السنية حسب ما تقتضيه القرائن والأحوال. ومن فوائد الحديث: تحريم الهجر خارج البيت وجوازه في البيت, ولكن لا يجوز إلا لسبب, ثم إن الهجر في الكلام لا يجوز أن يزيد على ثلاثة أيام مثل قول النبي ﷺ : "لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث, يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". ومن فوائد الحديث: بيان شمول الشريعة الإسلامية, وأنها لم تدع شيئاً ينفع الناس في

стр. 2374

معاشهم ومعادهم إلا بينته, أحياناً يكون السبب سؤال سائل أو حدث نازلة يتبين بها الحكم وأحياناً يكون ذلك بدون سبب يبتدئ النبي ﷺ الحكم بدون أن يكون لذلك سبب. جواز إتيان المرأة من دبرها في قبلها: ٩٧٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها, كان الولد أحول؛ فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]. متفق عليه, واللفظ لمسلم. "كانت اليهود", اليهود قوم سكنوا المدينة وهو من بني إسرائيل وكانوا أشد الناس عتوا وظلماً وجهلاً وسفهاً, هؤلاء القوم الذين في المدينة كانوا ثلاث قبائل: بنو النضير, وبنو قريظة, وبنو قينقاع, وكان سبب نزولهم المدينة أنهم قرءوا عن صفة النبي ﷺ وأنه يهاجر إلى أرض سبخة وجدوا ذلك في كتبهم وكانوا يؤملون أن يكون من بني إسرائيل فهاجروا إلى المدينة ونزلوا فيها وكانوا إذا كان بينهم وبن الأنصار من الأوس والخزرج كلام أو مناوشات يستفتحون عليهم فيقولون: سيبعث فينا نبي ننتصر به عليكم: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩]. وردوا قوله: فكانت اليهود مندمجة مع الأنصار من الأوس والخزرج وكانوا يحدثونهم بما يحدثونهم به مما عندهم من التوراة, فكانوا يقولون: "إذا أتى الرجل ... " الخ, وسموا يهوداً إما لقولهم: ﴿إنا هدنا إليك﴾ , تقول: "إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول" يعني: في مكان الحرث, لكنه لا من الوجه, ولكن من الخلف, يقول اليهود: إن الولد يكون أحول, ومن الأحوال؟ هو الذي مال سواد عينه إلى أحد الجانبين, إما إلى الأيمن وإما إلى الجانب الأيسر, والحول عيب, ومن الغرائب أن بعض الشعراء قال عند أحد الخلفاء وهو ينظر إلى الشمس وكان الخليفة أحول فقال: (والشمس قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول) يعني: كادت تغيب ولما تفعل ... الخ يقولون: إن الخليفة استشاط غضباً كأن هذا تعيير للخليفة, فالحاصل: أن الحول عيب, ولكن من نعمة الله علينا أننا في هذا الزمن فتح الله على الأطباء أن يعدلوا هذا الحول بعملية يجرونها ويوازنون بين جانبي العين حتى تكون العين متوسطة, والسؤال هل يجوز هذا العمل؟ يجوز بلا ضرر؛ لأنه من باب إزالة العيب, وليس من

стр. 2375

باب الوشم والوشر والتفليج للأسنان؛ لأن الأخير تجميل والأول إزالة عيب, فرق بين التجميل وإزالة العيب, ولهذا أذن النبي ﷺ للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفاً من ورق ثم أنتن فأذن له أن يتخذ أنفاً من ذهب, وما دمنا في هذا فإنكم ستجدون في كتب الفقهاء ﵏ أنه يحرم قطع البواسير, لماذا؟ لأنها في عهدهم خطر, أما الآن فأصبحت سهلة جداً وليس فيها خطورة, تجدون في بعض الكتب أنه يحرم شق البطن لخياط الفتق؛ لماذا؟ لأنه في ذلك الوقت خطر ربما ينزف دما ويموت, أما الآن فأصبح الأمر سهلاً ميسراً, تجدون في كتب الفقهاء أنه يحرم قطع الإصبع الزائدة -الإصبع السادس- لماذا؟ للخطورة, أما الآن فالأمر -ولله الحمد- سهل. وعلى هذا فنقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, فما دام الخطر قد زال فإن هذه الأشياء التي ذكرها العلماء أنها حرام تكون مباحة جائزة. نعود للحديث: لماذا قالت اليهود أنه يكون أحول فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم .. ﴾ تكذيبًا لليهود, ووجه كونه تكذيبًا: أن الله لما أباح أن نأتي هذا الحرث أنى شئنا دل على أنه لا عقوبة على ذلك؛ لأن كون الولد أحول عقوبة والمباح ليس عليه عقوبة. قال: "فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ أي: محل حرث لكم, محل زراعة, كما أن الأرض حرث للإنسان يضع فيها الحب ويخرج النبات, كذلك المرأة حرث للرجل يضع فيها النطفة فيخرج الولد بإذن الله , وقوله: ﴿أنى شئتم﴾ الظاهر أن "أنى" هنا ظرف مكان, أي: من حيث شئتم مقبلين ومدبرين وعلى جنب المهم أن يكون الإتيان في القبل هذا معنى الحديث. أما فوائد الحديث فهي متعددة منها: أن اليهود عندهم من الدعاوى ما لا أصل له كهذه المسألة, ولهذا أمر النبي ﷺ إذا حدثنا بنو إسرائيل ألا نصدقهم ولا نكذبهم, وأخبار بني إسرائيل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما شهد الشرع بصدقه الكتاب أو السنة, فهذا حق ومقبول. والقسم الثاني: ما شهد بكذبه فهو مردود. والثالث: ما لم يشهد بكذبه ولا صدقه, فالواجب التوقف فيه, ولكن لا حرج أن نحدث به؛ لأن النبي ﷺ أذن بذلك؛ لأن التحدث بهذا لا يضر, وقد ينفع قد يكون به مواعظ للإنسان ينتفع لكنه لا ضر؛ لأن شرعنا لم يشهد بكذبه.

стр. 2376

ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله لقوله: "فنزلت", من أي مكان نزلت؟ من فوق؛ لأن النزول إنما يكون من أعلى, فإذا كانت من فوق وهو كلام منسوب إلى الله دل هذا على أن القرآن كلام الله, وهل هو كلامه حرفاً ومعنى, أو معنى فقط؟ حرفا ومعنى, تكلم به بحروفه, وهل هو مسموع؟ نعم, مسموع سمعه جبريل ونقله إلى قلب النبي ﷺ , ومر علينا في درس التوحيد أن من أهل البدع من يقول: إن كلام الله معنى قائم بنفسه وليس شيئًا يسمع أو يكون بالحروف, وهذا مذهب الشاعرة الذين يدعون أنهم يتبعون أبا الحسن الأشعري, وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية بطلان هذا المذهب من تسعين وجها في مؤلف يسمى "التسعينية", وهي موجودة في مجموع الفتاوى القديمة, فيه من يقول: أن القرآن مخلوق, ويقول: كل كلام الله مخلوق منفصل بائن منه وليس من صفاته, وهذا مذهب المعتزلة والجهمية وهم إلى المعقول أقرب من الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يقولون: أن الكلام هو المعنى القائم في النفس, والمعنى القائم في النفس لا يسمى كلامًا, ثم يقولون: ما سمعه جبريل أو محمد ﷺ أو ما كتبه الناس في المصاحف فهو مخلوق, المعتزلة يقولون: لا, هو كلام الله لكنه مخلوق, وهم يقولون مخلوق عبارة عن كلام الله. ومن فوائد الحديث: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين: قسم ابتدائي نزل ابتداء وهو أكثر آيات القرآن, وقسم سببي, أي: نزل لسبب وهذا قليل لكنه موجود والعلم بالسبب - أي: بسبب نزول الآية- له فوائد من أهمها: أنه يعين على فهم المعنى, فنحن مثلاً إذا قرأنا قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ٥٨]. نفهم من هذا أن الطواف بهما من قسم المباح الذي ليس فيه جناح, ولكننا إذا فهمنا السبب عرفناه المعنى, السبب أنه كان على الصفا والمروة صنمان, فكل الناس يتحرجون من الطواف بهما من أجل الصنمين, فأنزل الله هذه الآية ﴿إن الصفا ... ﴾. إذن نفي الجناح نفي لما يتوهمه الناس من أن الطواف بهما في حرج من أجل الصنمين, على هذا ينبغي لنا أن نعتني بمعرفة أسباب النزول, وهذا موجود -الحمد لله- من المفسرين من يذكره عند تفسير كل آية, ومن المفسرين من ألف كتباً مستقلة في بيان أسباب النزول. ومن فوائد الحديث: أن المرأة للرجل بمنزلة أرض الحرث لقوله: ﴿حرث لكم﴾. ومن فوائده: أن مسألة الجماع يرجع فيها إلى الزوج لا إلى الزوجة, بمعنى: أنه إذا أراد أن يجامع أو لا يجامع فالأمر إليه كما أن الأمر في الحرث إلى الزارع؛ ولهذا إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح, لكن إذا دعته هي وأبي لم يحصل عليه هذا الإثم, نعم عليه أن يجامعها بالمعروف أو في كل أربعة أشهر مرة عند الفقهاء, يعنى:

стр. 2377

في السنة ثلاث مرات وهي امرأة شابة وتشتهي ما يشتهي الرجال وتدعوه وتتزين له تعمل كل شيء يقول: ما تمت أربعة أشهر ثم يطأها مرة؛ المرة الثانية على رأس ثمانية أشهر, والثالثة على رأس السنة, ولكن هذا القول ضعيف جداً, وإن كانوا يستدلون بمسالة الإيلاء للرجل المولي أربعة أشهر, لكن المولي عقد عقداً له حكمه أما غير المولي فليس كذلك, والصحيح أن مسالة الجماع يرجع فيها إلى العرف وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]. لكنها ليست كلما أرادت أن يفعل الزوج تلزمه, أما هو إذا أراد أن يفعل يلزمها؛ إذن يؤخذ من قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ أن أمر الجماع راجع إلى الزوج. ومن فوائد الحديث والآية: سعة رحمة الله بأن أعطى الزوج شيئاً من الحرية في أن يأتي حرثه من حيث شاء؛ لأن الناس يختلفون في مذاقهم وفي مزاجهم, ربما بعض الناس يختار أن تكون على صفة معينة والآخر على صفة أخرى فيسر الله الأمر وقال: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ يعنى: من حيث شئتم. ومن فوائد الحديث والآية: الإشارة إلى تحريم الوطء في الدبر, وجهه: ﴿فأتوا حرثكم﴾؛ لأن الدبر ليس موضع حرث مهما فعل الإنسان لا يمكن أن يولد له إذا كان الإتيان من غير المكان. ومن فوائد الآية: الرد على طائفة مبتدعة وهي الجبرية؛ لأنهم ينكرون أن يكون للإنسان مشيئة يقولون: الإنسان لا يشاء فعله ولا يقدر عليه, وقد مر علينا في البحث في العقيدة بيان أوجه الرد الكثيرة على هذه الطائفة المبتدعة, وأنه لو أن أحدًا أمسك واحدًا منهم وضربه ضربًا مبرحًا, وقال: له إن هذا ليس بإرادتي وليس بمشيئتي, هذا أمر مقدر وكلما قال أوجعتني ضربه ثانية, وقال: هذا أمر مقدر, هل يوافق على هذا؟ لا يوافق, بل يخبطه خبطة أكبر, ويقول: هذا أمر مقدر, على كل حال: هذا القول لا يمكن أن يستقيم عليه حال من الأحوال, والآيات والأحاديث والواقع كله يشهد بأن هذا قول باطل. وهل يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان إذا تلا آية من القرآن للاستدلال أو لاستنباط لا يلزمه أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ ربما يؤخذ, لكن هناك أدلة أخرى تدل على أن الإنسان إذا أتى بالآية استشهادًا أو استنباطًا فإنه لا يلزمه أن يتعوذ, ومن العجيب أن بعض الغلاة في هذه المسألة يقول: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ فنقول: كيف ذلك؟ الله لم يقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ [النحل: ٩٨]. فإذا كنت تريد أن تستعيذ فاستعذ قبل أن تقول: قال الله تعالى؛ لأنك إذا قلت: قال الله تعالى ثم قلت: أعوذ بالله صارت الاستعاذة من أمر الله وليس الأمر كذلك.

стр. 2378

ما يقال عند إتيان النساء: ٩٧٨ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا: فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك؛ لم يضره الشيطان أبدًا". متفق عليه. هذا الحديث فيه إشكالات من جهة النحو أولاً: "لو" حرف شرط غير جازم ويدخل على الجملة الفعلية ولا يدخل على الجملة الاسمية, والذي أمامنا الآن جملة اسمية, فما الجواب؟ الجواب: أن الذي أمامنا ليست جملة اسمية, بل هي جملة فعلية, والدليل على ذلك فتح همزة "أن"؛ لأنها لو كانت جملة اسمية لوجب كسرها؛ إذن هي جملة فعلية, فما هو الفعل المقدر؟ لو ثبت أن أحدكم أو لو حصل أن أحدكم ... الخ, المهم: أن نقدر فعلاً مناسباً, زال الإشكال الآن عندنا الآن "لو" شرطية تحتاج إلى فعل شرط وجواب شرط, فأين جوابها؟ "فإنه يقدر بينهما", "لو أن أحدكم", "أن" تحتاج على اسم وخبر, فأين اسمها؟ "أحدكم", أين خبرها؟ جملة: "إذا أراد أن يأتي" إذا" شرطية تحتاج إلى فعل شرط وجوابه, "أراد": فعل الشرط, و"قال": جواب الشرط, وجملة: "إذا أراد قال" خبر "أن", "إن يقدر", "إن" حرف شرط يحتاج إلى فعل شرط وجوابه, فعل الشرط, "يقدر" وجوابه: "لم يضره الشيطان"؛ إذن تأخر الإعراب الآن "لو" شرطية فعل الشرط فيها محذوف تقديره: "حصل", "أن" حرف توكيد ينصب الاسم فيها "أراد", وجوابه: "قال", "لو" شرطية تحتاج إلى فعل الشرط وعرفناه تقديره, أين جوابها؟ "فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره", "إن" في "إن يقدر" شرطية تحتاج إلى فعل شرط وجوابه. "يقدر": فعل الشرط, "ولم يضره" جواب الشرط, يقول النبي ﷺ : "لو أن أحدكم ... " الخ و"لو" هذه شرطية, والغرض منها الحض على هذا العمل وقوله: "إذا أراد أن يأتي" يعني: أن يجامع ولكن اللغة العربية -لحسن أسلوبها- تكني عما يستحيا من ذكره؛ لما يدل عليه فبدل من أن يقول: لو أن أحدكم إذا أراد أن يجامع قال: "أن يأتي أهله" وليس المراد أن يأتي إلى البيت بل يأتي أهله في الجماع ولهذا يكني الله عن الجماع باللمس أو الملامسة وقوله" "أن يأتي أهله" أي: زوجه وسميت الزوجة أهلاً؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها ويسكن إليها, قال: "باسم الله"؛ الجار والمجرور لا يدل له من متعلق كما قال ناظم الجمل: [الرجز] (لابد للجار من التعلق ... بفعل أو معناه نحو مرتق)

стр. 2379

(واستثن كل زائد له عمل ... كالبا ومن والكاف أيضًا ولعل) على كل حال: الجار والمجرور "باسم الله" متعلق بمحذوف تقديره يعرف مما قبله "باسم الله أتي أهلي" واسم الله المراد به كل اسم من أسماء الله؛ لأنه مفرد مضاف والباء في قوله: "باسم الله" للاستعانة والمصاحبة. "اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا", "اللهم", يقول النحويون: إن أصله يا الله فحذفت ياء النداء وعوض عنها الميم ثم أخرت الميم تيمنا باسم الله وتبركا به, واختيرت الميم دون غيرها؛ لأنها دليل جمع كأن الداعي جمع قلبه على الله الذي ناداه وعلى هذا فنقول: "الله" (لفظ الجلالة) منادى مبني على الضم في محل نصب حذفت منه ياء النداء وعوض عنها الميم, "جنبنا الشيطان" يعني: أبعده عنا, واجعله منا في جانب بعيد و"الشيطان" اسم جنس للمردة من الجن, وهو مأخوذ من شطن إذا بعد عن رحمة الله والدليل على أنه مأخوذ من شطن أنه منصرف فيدل ذلك على أن النون فيه أصلية ولو كانت زائدة والألف زائدة لمنع من الصرف ولكن النون أصلية, قال الله تعالى: ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ [الحجر: ١٧]. "وجنب الشيطان ما رزقتنا" يعني: أبعده 'ما رزقتنا, يعني/ أعطيتنا من الولد الذي يكون من هذا الإتيان. قال: "فإنه أن يقدر بينهما ولد", وحذف الفاعل ولم يقل: وإن يقدر الله للعلم به كما قال تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. فحذف الفاعل للعلم به, يقول: "ولد" ذكر أو أنثى وهل الولد يطلق على الأنثى؟ نعم. "في ذلك لم يضره", "في ذلك" أي: في ذلك الإتيان الذي يسمى عليه هذه التسمية, "لم يضره الشيطان أبداً" لم يضره ضرراً حسياً بدنياً أو ضرراً معنوياً أو دينيًا أو خلقيًا؟ نقول: الحديث عام لم يضره الشيطان حسًا ولا معنى ولا في الدين ولا في الخلق. وقوله: "أبدًا" تأكيد للنفي "لم يضره الشيطان أبدًا" كما في قوله تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبدا﴾ [الجمعة: ٧]. فهنا التأكيد تأكيدًا للنفي, هذا الحديث يتضح فيه تمامًا أن النبي ﷺ أرشد الرجل إذا أتى أهله أن يقول هذا الذكر ولكنه ﷺ ساقه بصيغة العرض لا بضيعة الطلب وهذا من باب تغير الأساليب قد يكون الطلب بلفظ الأمر وقد يكون بألفاظ تفيده. نستفيد من هذا الحديث: الحث على هذا الذكر عند الجماع؛ لأن كل إنسان يود أن الشيطان لا يضر ولده وهذا من أسبابه. ومن فوائد الحديث: الرد على الجبرية في قوله: "إذا أراد أن يأتي". ومن فوائد الحديث: بركة البسملة وهو كذلك, فالبسملة فيها بركة عظيمة, يدل على بركتها أن الإنسان إذا سمى على الذبيحة حلت, وإذا لو يسم حرمت إذا سمى على الأكل امتنع الشيطان من مشاركته, وإذا لم يسم شاركه الشيطان فيه.

стр. 2380

ومن فوائد الحديث: إثبات أن الشيطان قد يسلط على الولد لقوله: "لم يضره" إذا قال هذا الذكر؛ إذن لو لم يقله لكان عرضة للضرر. فيستفاد منه: أن الشيطان قد يسلط على الولد كما يسلط على الوالد. ويستفاد منه: الرد على منكر الأسباب, وهم نفاة الحكمة من الجهمية والأشعرية وغيرهم يقولون: إن الأسباب لا تأثير لها سواء كانت حسية أو شرعية, والحقيقة أن الشرع كله يرد على هؤلاء؛ لأن على تقدير صحة القول يكون الإيمان والعمل الصالح ليسا سبباً لدخول الجنة, والمعاصي ليست سببًا لدخول النار, وهذا قول باطل كل الشرع يرده, والواقع يرده؛ لأن هؤلاء يقولون: إنك إذا ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت الزجاجة برميها بالحجر فإنها لم تنكسر بالرمي انكسرت عند الرمي لا بالرمي, والعجيب أن صبياننا الصغار إذا ضربت الحجر بالفنجان وانكسر يقولون كسرت الفنجان بالحجارة, فهم يعرفون هذا بينما يجهله هؤلاء الرجال الأذكياء يقولون: السباب لا تؤثر وإنما يحصل الأثر عندها لا بها وهذا شك لأنه خطأ, لماذا قالوا هذا؟ قالوا: لو أنك أثبت للأسباب أثر لأشركت بالله؛ لأنك جعلت خالقًا مع الله مؤثرًا, والذي يؤثر ويخلق هو الله, فنقول لهم: إن الأسباب ليست مؤثرًا بذاتها, ولكن بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة, ولو شاء لسلب هذه الأسباب أثرها, أرأيتم النار سبب للإحراق وإذا أراد الله أن يسلبها هذا سلبًا, فقد كانت النار على إبراهيم بردًا وسلامًا ولم تحرقه؛ إذن نحن نقول إحراق النار للأشياء بإذن الله لكن الله جعل فيها قوة تؤثر في المسببات. ومن فوائد الحديث: جواز حبس الفاعل للعلم به من قوله: "إن يقدر"؛ لأن المقدر هو الله, يقولون: قد يحذف الفاعل للستر عليه كرجل رأى سارقًا يسرق البيت فقال: يا أيها الناس, سرق البيت وهو يعرف السارق هذا ستر عليه, وقد يكون للجهل به كما لو رأى سارقًا يسرق البيت لكن لا يدري من فقال: سرق البيت فهذا للجهل به. فإذا قال قائل: كيف نحدد أنه للجهل أو أنه للستر عليه أو أنه للعلم به؟ نقول: السياق, لو أن أحدًا من الناس أورد علينا قصة رجل كان يسمي هذه التسمية ويستعيذ هذه الاستعاذة كلما أتى أهله ولكن الله رزقه أولادًا شياطين, فماذا نقول؟ نقول هذا سبب والسبب قد يكون هناك موانع تمنع من تأثيره ولنفرض البيئة "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". فالبيئة قد تؤثر وتكون سببًا لتسلط الشيطان على هذا المولود لكن النبي ﷺ أعلمنا بالأسباب لتقوم بها وما عدا ذلك فهو إلى الله ربما يقول الآتي

стр. 2381

لأهله هذا القول وهو في شك منه ويقول أجرب هل يحصل له هذا؟ لا؛ لأنه في شك لابد أن تكون على يقين من أن هذا إذا حصل فإن الشيطان لا يضر؛ لأن هذا قول من لا ينطق عن الهوى ﷺ , نظير ذلك فيما نحن بصدد قراءته قريبا -إن شاء الله- أسباب الإرث نسب وولاء ونكاح قد يوجد موانع تمنع لو كانت الزوجة من أهل الكتاب هل يجري بينها وبين زوجها توارث؟ لا, لا يجري كيف لا يجري مع وجود زوجية؟ نقول: الزوجية سبب, ولكن وجد مانع فبطل تأثير السبب. يستفاد من الحديث: جواز ذكر الله لمن هو مكشوف العورة كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا أتى أهله لابد أن يكشف عورته خصوصًا إذا أتى أهله الإتيان الذي يطلب به الحرث فيقول هذا الذكر والدعاء حال كشف العورة ولكن ربما نقول: إنه لا يدل على جواز ذلك على سبيل الإطلاق ولكن على سبيل الحاجة يعني: إذا كان محتاجًا لكشف العورة؛ لأن الإنسان في حال الجماع محتاج لذلك, أما لو كشفها بدون حاجة فإن ذلك محرم على رأي بعض العلماء ومكروه عند بعض العلماء ومباح عند آخرين إذا لم يجد ناظرًا ولكن لاشك أن الحياء يقتضي ألا تكشف عورتك إلا لحاجة "والحياء من الإيمان". كما قال النبي ﷺ . لعن المرأة إذا عصت زوجها: ٩٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح". متفق عليه, واللفظ للبخاري. - ولمسلم: "وكان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". قوله: "دعا" بمعنى طلب منها أن تحضر إلى الفراش, وذلك من أجل أن ينال متعته منها بالجماع أو ما دونه فالحديث عام, وقوله: "فأبت" أي: امتنعت أن تجيء سواء بالقول قالت: "لا", أو امتنعت بالفعل بأن تكرهت وتأخرت ولم تأت, سواء علقت الإباء على شرط أو لا بأن قالت لا آتي إلا إذا اشتريت لي سيارة كاديلاك أو إذا أعطيتني حليًا مثل حلي فلانة أو إذا أتيت لي بخادم. وقوله: "فبات غضبان عليها" هذا شرط, يعني: إن رضي وصار حليمًا وعاقلاً وأعطى المرأة على قدر عقلها ولم يغضب فهذا طيب ولا تتعرض الملائكة للعقوبة المذكورة, فإن بات غضبان كما يوجد عند كثير من الأزواج يغضب إذا أبت أن تجيء لا من أجل أنها تفوت

стр. 2382

عليه بامتناعها شهوته, ولكن من أجل أنه يشعر بأنها تحتقره وأنها تريد أن تذله وقد يكون من الجهتين جميعًا يكون هو محتاج إلى ما يريد فتحول بينه وبين إرادته فيغضب, وقد يكون من الناس سريع الغضب يغضب لأدنى سبب ولا يفكر في الأمور والعواقب, المهم أنه إذا بات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح "لعنتها" أي: دعت عليها باللعن, يعني: قالت اللهم العنها, هذا هو الظاهر, وليس المراد باللعن: أن الملائكة تسبها, لأن اللعن يطلق على السب كما قال النبي ﷺ لما سئل هل يلعن الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه". وهذا دليل على أن السب لعن؛ لأن الساب يطرد المسبوب ويبعده عنه لكن قوله هنا "لعنتها الملائكة" الذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن المعنى: دعت عليها بلعنة الله يعني قالت: اللهم العنها, والملائكة جمع ملأك وأصل ملأك مالك من الألوكة وهي الرسالة والملائكة رسل كما قال تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١]. ففيها إعلال بالقلب وهو أن يجعل حرف بدل حرف فالملائكة أصلها ملأك, وأصل ملأك مألك؛ لأنه مشتق من الألوكة وليست الهمزة قبل اللام إذن ففيه إعلال بالقلب أي حرف مكان حرف ومن ذلك "أشياء" أظنكم تقرءونها غير مصروفة كما قال الله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١]. "وأسماء" أظنكم تقرءونها مصروفة كما قال الله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها﴾ [النجم: ٢٣]. مع أن "أسماء", و"أشياء" الوزن واحد, فلماذا كانت "أسماء" مصروفة و"أشياء" غير مصروفة؟ السبب هو الإعلال بالقلب فأصل "أشياء": شيئاء على وزن فعلاء ففيها ألف التأنيث الممدودة لكن "أسماء" على وزن "أفعال" ليس فها ألف تأنيث فالهمزة الثانية في "أسماء" هي لام الكلمة والهمزة الثانية في "أشياء" همزة التأنيث الممدودة فلهذا لو أشكل على طالب العلم لماذا "أسماء" مصروفة و"أشياء" غير مصروفة والوزن واحد؟ نقول: لأنه يوجد إعلال بالقلب "فأشياء" فيها قلب ليس أولها همزة أولها الشين التي هي فاء الكلمة والهمزة بعدها وهي عين الكلمة الهمزة في شيئاء قلنا: إنها ألف التأنيث الممدودة, فلهذا منعت من الصرف "أسماء" نقول: الهمزة زائدة لكن في مكنها فليست فاء الكلمة في "أسماء" هي السين وعينها الميم واللام هي لام الكلمة فليس فيها ألف تأنيث ولهذا لو قال لك قائل: زن "أسماء", تقول: "أفعال" زن "أشياء" "فعلاء". إذن ينبغي لكم قراءة الصرف, "الملائكة" مأخوذة من الألوكة وهي الرسالة. الملائكة حقيقتهم ووظائفهم: ومن الأشياء التي يجب علينا أن نؤمن بها والإيمان بها من أركان الإيمان الستة؟ الملائكة

стр. 2383

يقول العلماء: هم عالم غيبي مغيب عن الناس خلقهم الله من نور ليقوموا بعبادته, وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنهم لا يحتاجون لأكل ولا شراب, ليس عندهم أمعاء ولا معدة ولا أجواف يسبحون الليل والنهار, يفعلون ما يؤمرون, أعطاهم الله تعالى قوة وسمعًا وطاعةً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, هؤلاء الملائكة ربما يتشكل بعضهم أو يتمثل بعضهم بالبشر جبريل ﵊ أتى إلى النبي ﷺ بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا هو من أهل المدينة غير معروف بالمدينة ثم جلس إلى النبي وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد وسأله, ومرة جاء على صورة دحية الكلبي, وملك من الملائكة جاء مرة على صورة أبرص أقرع أعمى مسافر ثلاث مرات وهو ملك؛ إذن هم يتمثلون بالبشر, لكن بإذن الله وإلا فالأصل ما ذكرنا عنهم آنفًا. ولا بأس أن نقول: ما وظائف الملائكة؟ هي وظائف متعددة, منهم الموكل بالوحي وهو جبريل, ومنهم الموكل بالقطر والنبات وهو ميكائيل, ومنهم الموكل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل, ولهذا كان النبي ﷺ في صلاة الليل يستفتح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم", ومنهم مالك خازن النار, خازن الجنة قيل: إن اسمه رضوان ولكنه لم يثبت, اشتهر أن ملك الموت اسمه عزرائيل ولكن ذلك لم يثبت وإنما نقول ملك الموت كما قال الله : ﴿قل يتوافكم ملك الموت﴾ [السجدة: ١١]. أما تسميته إذا كانت لا تصح عن معصوم فليس لنا أن نسميه, وهناك ملائكة موكلون بكتابة أعمال بني آدم" ﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧]. قال العلماء: والذي عن اليمين له السلطة على الذي على الشمال إذا أذنب الإنسان ذنبًا يقول صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمسك لعله يتوب ولا يكتب وصاحب الشمال ليس له إمرة على صاحب اليمين بمجرد ما يفعل الإنسان الحسن تكتب وهذا من لطف الله بنا؛ لأنه علم حالنا فرحمنا, ويوجد ملائكة حفظة يسمون المعقبات, يعقب بعضها بعضا: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. هؤلاء

стр. 2384

يتعاقبون فينا ليلاً ونهارًا يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ينزل كلائكة النهار في صلاة الفجر ويغادر ملائكة الليل في صلاة الفجر وينزل ملائكة الليل في صلاة العصر ويغادر ملائكة النهار في صلاة العصر انظر اعتناء الله بنا يسخر الملائكة أن تتنزل علينا ونحن نصلي وأن تغادر ونحن نصلي إكرامًا لنا, يوجد أيضًا ملائكة سياحون في الأرض يطلبون حلق الذكر فإذا وجدوا حلقة ذكر جلسوا يستمعون الذكر: "إذا وجدتم رياض الجنة فارتعوا". قالوا: يا رسول الله, وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر". المهم: أن الملائكة ﵈ لهم وظائف متعددة شتى فنؤمن بالملائكة إجمالاً, ونؤمن بما علمنا من تفاصيل حالهم على وجه التفصيل ولا يتم إيماننا إلا بذلك والإنسان تحيد به ملائكة يحفظونه من أمر الله وتحيط به شياطين يأتونه من كل جانب قال الله عن الشيطان: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ [الأعراف: ١٧]. فاستحضر أن الملائكة تحفظك من هؤلاء الشياطين؛ لتزداد قوة وتزول عنك الوحشة ولا تخضع وتذل وتخف من الشياطين ما دمت تشعر أن الله قد سخر لك ملائكة معقبات من بين يديك ومن خلفك يحفظونك من أمر الله, فكن قويًا بهذا الحفظ, بعض الناس تغلبه الشياطين وينسى الملائكة الذين يحفظونه فتجده في وحشة وربما يدخله الشيطان من الوحشة يقشعر جلده ويفز وحينئذ يكون سببًا لدخول الجني فيه فإذا شعر الإنسان بأن عنده ملائكة يحفظونه من أمر الله اطمأن وقال: الحمد لله جنود من جنود الله, وجنود الرحمن أقوى من الشياطين لما قال سليمان لمن حوله: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن﴾ عفريت ليس جنيًا عادياً ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين﴾ [النمل: ٣٨, ٣٩]. ﴿قوي﴾ ما أعجز أن أحضره, ﴿أمين﴾ ما أتلف فيه شيئًا: ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠]. أيهما أبلغ؟ الثاني بكثير؛ لأن قوله: ﴿فبل أن تقوم من مقامك﴾ لأن له ساعة معينة يقوم فيها المهم أن الذي عنده علم من الكتاب قال: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ فإذا العرش عنده ولذلك قال ﴿فلما﴾ الفاء تدل على التعقيب ﴿فلما رآه مستقرًا عنده﴾ ﴿مستقرًا﴾ كأنه وضع منذ عشر سنين ولهذا النحويون قالوا كيف تقولون: إن مفعول "ظن وأخواتها" كيف يقولون: لازم يكون محذوفًا متعلقًا وهذا مذكور مستقرًا عنده؟ قالوا: لأن الاستقرار هنا ليس الاستقرار العام هذا استقرار خاص ثابت له سنوات, إذن الذي

стр. 2385

عنده علم من الكتاب من الذي جعله يأتي بهذه السرعة؟ قال العلماء: إنه دعا الله فحملته الملائكة إذن الملائكة أقوى من الجن وشياطين الجن فإذا شعر الإنسان بما أخبر الله به ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. اطمأن وقالوا إن معنا قوة أكثر من قوة الشياطين. يقول: "حتى تصبح" يعني حتى يأتي الصباح, ذلك بطلوع الفجر, فياويلها إذا كانت في ليالي الشتاء تكون الليالي طويلة. ولمسلم: "كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" أي: الزوج؛ لأنه إذا بات غضبان فيسخط عليها رب العالمين حتى يرضى عنها الزوج وقوله: "كان الذي في السماء" هو الله, لكنه ذكره في السماء مبالغة في التعظيم؛ لأن المقصود السماء هو العلو والله هو العلو المطلق الذي لا شيء فوقه ولا شيء يحاذيه وهو في المخلوقات كلها وما فوق المخلوقات عدم إلا من الله؛ لأنه إذا كانت المخلوقات كلها تحت الله ما الذي يكون معه؟ لا شيء كله عدم؛ ولهذا نقول: الله في السماء ولا يحيط به شيء؛ لأنه ليس هناك شيء حتى يحيط بالله. وهذا الحديث وأمثاله مما فيه إثبات أن الله في السماء, يعتد أهل السنة والجماعة أن الله في السماء حقيقة وأن المقصود بالسماء هو العلو المطلق وليس السماء المبنى على أنه يمكن أن يراد به السماء المبنى ولا يدل ذلك على أن السماء محيط به أو على أنه في السماء مباشرة كما يقول: "استوى على العرش" فعلو الله على السماء بمعنى أن السماء تحته لا بمعنى أنه مستو عليها كما استوى على العرش. أقول: أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله في السماء حقيقة؛ في العلو المطلق الذي ليس فوقه شيء ولا يحاذيه شيء, وهذا العلو المطلق هو عدم ليس فيه شيء لا سماء ولا أرض ولا كرسي ليس فيه إلا الله كل شيء تحته, هذا مذهب أهل السنة والجماعة, وقال أهل التعطيل: إن الله ليس في السماء قيل لهم: ﴿ءأمنتم من في السماء﴾ [الملك: ١٦]. قال: نعم, من في السماء ملكه وسلطانه فيقال: هذا القول باطل؛ لأننا إذا قلنا: من في السماء ملكه وسلطانه احتجنا إلى تقدير والأصل عدم التقدير؛ ولأنه ليس من المعقول أن يكون ملكه وسلطانه فوقه لابد أن يكون هو فوق كل ما يملك وكل ما له سلطان عليه. فإن قال قائل: إذا جعلنا "في" للظرفية ألا يحصل إشكال؟ فالجواب: لا, ما دمنا نقول: إن السماء هنا هو العلو المطلق وليس السماء المبنية فلا إشكال والسماء يطلق في اللغة العربية بمعنى: العلو, قال أهل اللغة كل ما علاك فهو سماء
следующие страницы →