Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
لأهله هذا القول وهو في شك منه ويقول أجرب هل يحصل له هذا؟ لا؛ لأنه في شك لابد أن تكون على يقين من أن هذا إذا حصل فإن الشيطان لا يضر؛ لأن هذا قول من لا ينطق عن الهوى ﷺ , نظير ذلك فيما نحن بصدد قراءته قريبا -إن شاء الله- أسباب الإرث نسب وولاء ونكاح قد يوجد موانع تمنع لو كانت الزوجة من أهل الكتاب هل يجري بينها وبين زوجها توارث؟ لا, لا يجري كيف لا يجري مع وجود زوجية؟ نقول: الزوجية سبب, ولكن وجد مانع فبطل تأثير السبب. يستفاد من الحديث: جواز ذكر الله لمن هو مكشوف العورة كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا أتى أهله لابد أن يكشف عورته خصوصًا إذا أتى أهله الإتيان الذي يطلب به الحرث فيقول هذا الذكر والدعاء حال كشف العورة ولكن ربما نقول: إنه لا يدل على جواز ذلك على سبيل الإطلاق ولكن على سبيل الحاجة يعني: إذا كان محتاجًا لكشف العورة؛ لأن الإنسان في حال الجماع محتاج لذلك, أما لو كشفها بدون حاجة فإن ذلك محرم على رأي بعض العلماء ومكروه عند بعض العلماء ومباح عند آخرين إذا لم يجد ناظرًا ولكن لاشك أن الحياء يقتضي ألا تكشف عورتك إلا لحاجة "والحياء من الإيمان". كما قال النبي ﷺ .
لعن المرأة إذا عصت زوجها:
٩٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح". متفق عليه, واللفظ للبخاري.
- ولمسلم: "وكان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". قوله: "دعا" بمعنى طلب منها أن تحضر إلى الفراش, وذلك من أجل أن ينال متعته منها بالجماع أو ما دونه فالحديث عام, وقوله: "فأبت" أي: امتنعت أن تجيء سواء بالقول قالت: "لا", أو امتنعت بالفعل بأن تكرهت وتأخرت ولم تأت, سواء علقت الإباء على شرط أو لا بأن قالت لا آتي إلا إذا اشتريت لي سيارة كاديلاك أو إذا أعطيتني حليًا مثل حلي فلانة أو إذا أتيت لي بخادم. وقوله: "فبات غضبان عليها" هذا شرط, يعني: إن رضي وصار حليمًا وعاقلاً وأعطى المرأة على قدر عقلها ولم يغضب فهذا طيب ولا تتعرض الملائكة للعقوبة المذكورة, فإن بات غضبان كما يوجد عند كثير من الأزواج يغضب إذا أبت أن تجيء لا من أجل أنها تفوت
стр. 2382
عليه بامتناعها شهوته, ولكن من أجل أنه يشعر بأنها تحتقره وأنها تريد أن تذله وقد يكون من الجهتين جميعًا يكون هو محتاج إلى ما يريد فتحول بينه وبين إرادته فيغضب, وقد يكون من الناس سريع الغضب يغضب لأدنى سبب ولا يفكر في الأمور والعواقب, المهم أنه إذا بات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح "لعنتها" أي: دعت عليها باللعن, يعني: قالت اللهم العنها, هذا هو الظاهر, وليس المراد باللعن: أن الملائكة تسبها, لأن اللعن يطلق على السب كما قال النبي ﷺ لما سئل هل يلعن الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه". وهذا دليل على أن السب لعن؛ لأن الساب يطرد المسبوب ويبعده عنه لكن قوله هنا "لعنتها الملائكة" الذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن المعنى: دعت عليها بلعنة الله يعني قالت: اللهم العنها, والملائكة جمع ملأك وأصل ملأك مالك من الألوكة وهي الرسالة والملائكة رسل كما قال تعالى: ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١]. ففيها إعلال بالقلب وهو أن يجعل حرف بدل حرف فالملائكة أصلها ملأك, وأصل ملأك مألك؛ لأنه مشتق من الألوكة وليست الهمزة قبل اللام إذن ففيه إعلال بالقلب أي حرف مكان حرف ومن ذلك "أشياء" أظنكم تقرءونها غير مصروفة كما قال الله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ [المائدة: ١٠١]. "وأسماء" أظنكم تقرءونها مصروفة كما قال الله تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها﴾ [النجم: ٢٣]. مع أن "أسماء", و"أشياء" الوزن واحد, فلماذا كانت "أسماء" مصروفة و"أشياء" غير مصروفة؟ السبب هو الإعلال بالقلب فأصل "أشياء": شيئاء على وزن فعلاء ففيها ألف التأنيث الممدودة لكن "أسماء" على وزن "أفعال" ليس فها ألف تأنيث فالهمزة الثانية في "أسماء" هي لام الكلمة والهمزة الثانية في "أشياء" همزة التأنيث الممدودة فلهذا لو أشكل على طالب العلم لماذا "أسماء" مصروفة و"أشياء" غير مصروفة والوزن واحد؟ نقول: لأنه يوجد إعلال بالقلب "فأشياء" فيها قلب ليس أولها همزة أولها الشين التي هي فاء الكلمة والهمزة بعدها وهي عين الكلمة الهمزة في شيئاء قلنا: إنها ألف التأنيث الممدودة, فلهذا منعت من الصرف "أسماء" نقول: الهمزة زائدة لكن في مكنها فليست فاء الكلمة في "أسماء" هي السين وعينها الميم واللام هي لام الكلمة فليس فيها ألف تأنيث ولهذا لو قال لك قائل: زن "أسماء", تقول: "أفعال" زن "أشياء" "فعلاء". إذن ينبغي لكم قراءة الصرف, "الملائكة" مأخوذة من الألوكة وهي الرسالة.
الملائكة حقيقتهم ووظائفهم:
ومن الأشياء التي يجب علينا أن نؤمن بها والإيمان بها من أركان الإيمان الستة؟ الملائكة
стр. 2383
يقول العلماء: هم عالم غيبي مغيب عن الناس خلقهم الله من نور ليقوموا بعبادته, وهم صمد لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنهم لا يحتاجون لأكل ولا شراب, ليس عندهم أمعاء ولا معدة ولا أجواف يسبحون الليل والنهار, يفعلون ما يؤمرون, أعطاهم الله تعالى قوة وسمعًا وطاعةً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, هؤلاء الملائكة ربما يتشكل بعضهم أو يتمثل بعضهم بالبشر جبريل ﵊ أتى إلى النبي ﷺ بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا هو من أهل المدينة غير معروف بالمدينة ثم جلس إلى النبي وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد وسأله, ومرة جاء على صورة دحية الكلبي, وملك من الملائكة جاء مرة على صورة أبرص أقرع أعمى مسافر ثلاث مرات وهو ملك؛ إذن هم يتمثلون بالبشر, لكن بإذن الله وإلا فالأصل ما ذكرنا عنهم آنفًا. ولا بأس أن نقول: ما وظائف الملائكة؟ هي وظائف متعددة, منهم الموكل بالوحي وهو جبريل, ومنهم الموكل بالقطر والنبات وهو ميكائيل, ومنهم الموكل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل, ولهذا كان النبي ﷺ في صلاة الليل يستفتح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم", ومنهم مالك خازن النار, خازن الجنة قيل: إن اسمه رضوان ولكنه لم يثبت, اشتهر أن ملك الموت اسمه عزرائيل ولكن ذلك لم يثبت وإنما نقول ملك الموت كما قال الله : ﴿قل يتوافكم ملك الموت﴾ [السجدة: ١١]. أما تسميته إذا كانت لا تصح عن معصوم فليس لنا أن نسميه, وهناك ملائكة موكلون بكتابة أعمال بني آدم" ﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧]. قال العلماء: والذي عن اليمين له السلطة على الذي على الشمال إذا أذنب الإنسان ذنبًا يقول صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمسك لعله يتوب ولا يكتب وصاحب الشمال ليس له إمرة على صاحب اليمين بمجرد ما يفعل الإنسان الحسن تكتب وهذا من لطف الله بنا؛ لأنه علم حالنا فرحمنا, ويوجد ملائكة حفظة يسمون المعقبات, يعقب بعضها بعضا: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. هؤلاء
стр. 2384
يتعاقبون فينا ليلاً ونهارًا يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ينزل كلائكة النهار في صلاة الفجر ويغادر ملائكة الليل في صلاة الفجر وينزل ملائكة الليل في صلاة العصر ويغادر ملائكة النهار في صلاة العصر انظر اعتناء الله بنا يسخر الملائكة أن تتنزل علينا ونحن نصلي وأن تغادر ونحن نصلي إكرامًا لنا, يوجد أيضًا ملائكة سياحون في الأرض يطلبون حلق الذكر فإذا وجدوا حلقة ذكر جلسوا يستمعون الذكر: "إذا وجدتم رياض الجنة فارتعوا". قالوا: يا رسول الله, وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر". المهم: أن الملائكة ﵈ لهم وظائف متعددة شتى فنؤمن بالملائكة إجمالاً, ونؤمن بما علمنا من تفاصيل حالهم على وجه التفصيل ولا يتم إيماننا إلا بذلك والإنسان تحيد به ملائكة يحفظونه من أمر الله وتحيط به شياطين يأتونه من كل جانب قال الله عن الشيطان: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ [الأعراف: ١٧]. فاستحضر أن الملائكة تحفظك من هؤلاء الشياطين؛ لتزداد قوة وتزول عنك الوحشة ولا تخضع وتذل وتخف من الشياطين ما دمت تشعر أن الله قد سخر لك ملائكة معقبات من بين يديك ومن خلفك يحفظونك من أمر الله, فكن قويًا بهذا الحفظ, بعض الناس تغلبه الشياطين وينسى الملائكة الذين يحفظونه فتجده في وحشة وربما يدخله الشيطان من الوحشة يقشعر جلده ويفز وحينئذ يكون سببًا لدخول الجني فيه فإذا شعر الإنسان بأن عنده ملائكة يحفظونه من أمر الله اطمأن وقال: الحمد لله جنود من جنود الله, وجنود الرحمن أقوى من الشياطين لما قال سليمان لمن حوله: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن﴾ عفريت ليس جنيًا عادياً ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين﴾ [النمل: ٣٨, ٣٩]. ﴿قوي﴾ ما أعجز أن أحضره, ﴿أمين﴾ ما أتلف فيه شيئًا: ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠]. أيهما أبلغ؟ الثاني بكثير؛ لأن قوله: ﴿فبل أن تقوم من مقامك﴾ لأن له ساعة معينة يقوم فيها المهم أن الذي عنده علم من الكتاب قال: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ فإذا العرش عنده ولذلك قال ﴿فلما﴾ الفاء تدل على التعقيب ﴿فلما رآه مستقرًا عنده﴾ ﴿مستقرًا﴾ كأنه وضع منذ عشر سنين ولهذا النحويون قالوا كيف تقولون: إن مفعول "ظن وأخواتها" كيف يقولون: لازم يكون محذوفًا متعلقًا وهذا مذكور مستقرًا عنده؟ قالوا: لأن الاستقرار هنا ليس الاستقرار العام هذا استقرار خاص ثابت له سنوات, إذن الذي
стр. 2385
عنده علم من الكتاب من الذي جعله يأتي بهذه السرعة؟ قال العلماء: إنه دعا الله فحملته الملائكة إذن الملائكة أقوى من الجن وشياطين الجن فإذا شعر الإنسان بما أخبر الله به ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. اطمأن وقالوا إن معنا قوة أكثر من قوة الشياطين. يقول: "حتى تصبح" يعني حتى يأتي الصباح, ذلك بطلوع الفجر, فياويلها إذا كانت في ليالي الشتاء تكون الليالي طويلة. ولمسلم: "كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" أي: الزوج؛ لأنه إذا بات غضبان فيسخط عليها رب العالمين حتى يرضى عنها الزوج وقوله: "كان الذي في السماء" هو الله, لكنه ذكره في السماء مبالغة في التعظيم؛ لأن المقصود السماء هو العلو والله هو العلو المطلق الذي لا شيء فوقه ولا شيء يحاذيه وهو في المخلوقات كلها وما فوق المخلوقات عدم إلا من الله؛ لأنه إذا كانت المخلوقات كلها تحت الله ما الذي يكون معه؟ لا شيء كله عدم؛ ولهذا نقول: الله في السماء ولا يحيط به شيء؛ لأنه ليس هناك شيء حتى يحيط بالله. وهذا الحديث وأمثاله مما فيه إثبات أن الله في السماء, يعتد أهل السنة والجماعة أن الله في السماء حقيقة وأن المقصود بالسماء هو العلو المطلق وليس السماء المبنى على أنه يمكن أن يراد به السماء المبنى ولا يدل ذلك على أن السماء محيط به أو على أنه في السماء مباشرة كما يقول: "استوى على العرش" فعلو الله على السماء بمعنى أن السماء تحته لا بمعنى أنه مستو عليها كما استوى على العرش. أقول: أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله في السماء حقيقة؛ في العلو المطلق الذي ليس فوقه شيء ولا يحاذيه شيء, وهذا العلو المطلق هو عدم ليس فيه شيء لا سماء ولا أرض ولا كرسي ليس فيه إلا الله كل شيء تحته, هذا مذهب أهل السنة والجماعة, وقال أهل التعطيل: إن الله ليس في السماء قيل لهم: ﴿ءأمنتم من في السماء﴾ [الملك: ١٦]. قال: نعم, من في السماء ملكه وسلطانه فيقال: هذا القول باطل؛ لأننا إذا قلنا: من في السماء ملكه وسلطانه احتجنا إلى تقدير والأصل عدم التقدير؛ ولأنه ليس من المعقول أن يكون ملكه وسلطانه فوقه لابد أن يكون هو فوق كل ما يملك وكل ما له سلطان عليه. فإن قال قائل: إذا جعلنا "في" للظرفية ألا يحصل إشكال؟
فالجواب: لا, ما دمنا نقول: إن السماء هنا هو العلو المطلق وليس السماء المبنية فلا إشكال والسماء يطلق في اللغة العربية بمعنى: العلو, قال أهل اللغة كل ما علاك فهو سماء
стр. 2386
حتى السقف الذي فوقنا يسمى سماء؛ لأنه من السمو, وهو الرفعة, فإذا كان الله في السماء حيث العلو المطلق لم يبق إشكال في أن تكون "في" للظرفية, وإذا جعلنا المراد بالسماء السماء المبنية فإنهم يخرجون "في" على معنى "على" أي: من على السماء ويستشهدون لمجيء "في" بمعنى "على" بقوله تعالى عن فرعون: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. يعني عليها وبقوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ [النمل: ٦٩]. أي: عليها, ليس معنى: سيروا فيها احفروا نفقًا تسيرون فيه.
الخلاصة: أن أهل السنة والجماعة يثبتون علو الله وانه فوق كل شيء وأنه في السماء, أي: في العلو المطلق ولا يقتضي ذلك شيئًا ممتنعًا على الله. وقوله: "ساخطًا عليها" منصوب على أنه خبر "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر, والسخط والغضب معناهما متقارب وهما صفتا كمال عند وجود سببهما؛ لأنهما يدلان على كمال القوة؛ لأن الساخط يشعر بأنه قادر على الانتقام فهو صفة كمال وكذلك الغضبان واعلم أن أهل التعطيل الذين ينكرون قيام الأفعال الاختيارية بالله ينكرون السخط والغضب ويقولون: إن الله لا يسخط ولا يغضب ينكرونه إنكار تأويل لا إنكار تكذيب وإلا كفروا يقولون يسخط ولكن بمعنى ينتقم أو يريد الانتقام فمعنى "ساخطًا" أي: مريدًا للانتقام منها أو منتقمًا منها ولكن لاشك أن تأويلهم هذا تحريف فهو تفسير للقرآن برأيهم لا بمقتضى اللغة ولا بمقتضى الشرع والدليل على هذا أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿فلما أسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥]. فيجعل الانتقام غير الأسف والأسف وهو الغضب فجعل الانتقام غير الغضب وجعل الانتقام مترتبًا على الغضب وما يترتب على الشيء فليس هو فليس هو الشيء وهذا يرد تحريفهم للكلم عن مواضعه, لماذا قالوا: إن الله لا يغضب؟ قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ولهذا تجد الرجل إذا غضب يحمر وجهه؛ لأن أوعية الدم تحتقن بسبب غليان الدم ولهذا قال الرسول ﷺ
"إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب بني آدم" وبعض الناس تحمر حتى عيناه ترمي بشرر وبعض الناس يتنفش شعره حتى يكون وجهه كوجه الأسد فالحاصل أن الغضب جمرة فيقولون: الغضب غليان دم القلب وهذا ممتنع عن الله, ماذا نقول لهم؟ نقول إن الله ليس كمثله شيء فإذا كان هذا غضب المخلوق فإننا نجزم بأن غضب الخالق ليس كذلك بل هو غضب يليق به ونقول لهم ونحن نخاطب الآن الأشاعرة: ألستم تثبتوب لله إدارة؟ فسيقولون: بلى, نقول: الإرادة أن يميل الإنسان إلى الشيء إما الجلب منفعة وإما لدفع مضرة هم يقولون: الإدارة
стр. 2387
بهذا المعنى: هي إرادة المخلوق, نقول: جواب سديد وإرادة الله تختص به وتليق به وليس كمثله شيء, ماذا نقول؟ قولوا هذا في الغضب, قولوا غضب الله عزو جل يليقٍ به, فإذا كنا نعلم جميعًا أن غضب المخلوق هو غليان دم القلب لطلب الانتقام فإننا نعلم أن غضب الخالق ليس كذلك؛ لأن الله يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. إذن نحن نؤمن بأن الله يسخط سخطًا حقيقًا ولكنه لايشبه سخط المخلوق, انظر سخط المخلوق يترتب عليه آثارًا سيئة, ربما يشجج ورق النقود, وربما يكسر الإناء أحيانًا يغضب يأخذ بالشيء فوق ويضرب به على الأرض فيصير هذا خسارة أحيانًا, ألا ترى أنه قد يؤدي به إلى أن يطلق زوجته أحيانًا, أما غضب الخالق فلا يكون فيه سوء تصرف أبدًا؛ لأنه ينتقم بحكمة فيكون غضبًا آثاره حميدة بخلاف غضب المخلوق.
من فوائد الحديث: أن أمر الجماع راجع إلى الزوج؛ لقوله: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشة". ومن فوائده: أنه ينبغي أن يكني بما يستحيا من ذكره بما يدل عليه حيث قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشة"؛ لأن المراد من هذه الدعوة معلوم.
ومن فوائد الحديث: أن تخلف المرأة عن إجابة دعوة الزوج إلى فراشه من كبائر الذنوب؛ وذلك لأنه رتب عليه عقوبة وهو لعن الملائكة لها أو سخط الله عليها. ومن فوائد ذلك: أن هذا مشروط بما إذا بات الرجل غضبان, أما إن استرضته فرضي فإن هذه العقوبة تزول يؤخذ هذا من قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ... ﴾ [غافر: ٧]. وفي السنة قال النبي ﷺ فيمن توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ثم صلى إذا دخل المسجد ما كتب له ثم جلس ينتظر الصلاة فإن الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه تقول: اللهم صلى عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه. ومن فوائد الحديث: إثبات أن الله في السماء لقوله: "كان الذي في السماء" وكون الله في السماء من الصفات الذاتية التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها أما استواؤه على العرش فهو من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة؛ لأنه لو شاء لم يستو على العرش ولو شاء لم يخلق العرش
стр. 2388
أصلاً ولهذا يخطئ بعض طلبة العلم الذين يقولون: إن الصفة الفعلية إذا فعلها الله صارت صفة ذاتية فإن هذا خطأ؛ لأن الصفة الفعلية متعلقة بمشيئة إيجادًا وتركا لو اقتضت حكمته أن يتركها كما نقول في النزول إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخر, فإذا طلع الفجر زال النزول.
ومن فوائد الحديث: إثبات السخط لله لقوله: "كان ساخطًا عليها", والسخط الصفات الفعلية؛ لأن كل صفة لله ذات سبب فهي صفة فعلية؛ ووجه ذلك: أن الصفة المعلقة بسبب لا تكون إلا إذا وجد السبب, إذن فهي متعلقة بمشيئة فتكون من الصفات الفعلية. فإن قال قائل: قلتم: إن شأن الجماع موكول الزوج فما تقولون فيما لو طلبت الزوجة ذلك فأبى عليها وغضبت هل يستحق الزوج هذا الوعيد؟
الجواب: أنه لا يستحق, ولكن يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف وأن يجامعها حسب ما جاء به العرف وهذا يختلف باختلاف المرأة وباختلاف الرجل وباختلاف حال الإنسان فالإنسان المشغول ليس كالإنسان المتفرغ, والمريض ليس كالصحيح ... وهكذا, نقول: إن للمرأة حقًا في طلب الجماع, ولكن ليس كحق الرجل فهو الذي له الشأن في هذا لكن هي لها حق أيضًا.
حكم الوصل والوشم:
٩٨٠ - وعن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة, والواشمة والمستوشمة". متفق عليه. قوله: "لعن النبي ﷺ أي: دعا عليها باللعن, وليس هذا بمعنى السب فيما يظهر بل معناه دعا عليها بلعنة الله وقوله: "الواصلة" أي: التي تصل شعر النساء, و"المستوصلة": التي تطلب من يصل شعرها فالواصلة هي الفاعلة والمستوصلة هي المفعول بها والواشمة كذلك والمستوشمة التي تطلب من يشيمها فما هي الواصلة؟ الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر تطويلاً لشعر الرأس وكان الناس في الجاهلية وفي الإسلام أيضًا يرون أن طول شعر المرأة من محاسنها ومما يرغب فيها فكانت المرأة تحرص على أن يكون شعرها طولاً وتفخر على النساء بطول شعر رأسها, فإذا كان شعرها قصيراً ذهبت تصله بشعر يكون مناسبًا لشعر البشر؛ لأجل أن يظنها من يراها طويلة الشعر. وقوله: "الواصلة" ظاهرة أنها من وصلت شعرها بأي شيء سواء كان شعرًا أم غير شعر
стр. 2389
ولكن بعض العلماء يرى أن من وصلته بغير الشعر فليست داخلة في الحديث؛ يعني: لو وصلته بخرز أو بشعر اصطناعي فإنه ليس داخلاً في هذا الحديث ولكن عند الفوائد التفصيل, "الواشمة والمستوشمة الوشم هو: أن تغرز المرأة جلدها بإبرة حتى يبرز الدم ثم تحشو هذا المكان بكحل أو نحوه, فإذا فعلت ذلك ثم تلاءم الجلد عليه بقيت هذه الصبغة دائمة؛ لأنها من تحت الجلد فلا يؤثر فيها الماء ويختلف النساء في الوشم منها من تشمه على صورة النخلة أو على صورة أسد أو على صورة إنسان أو على صورة وشي, يعني: تطريز, المهم أنهن يختلف, والحديث عام, أي وشم يكون. وقوله: "المستوشمة" هي التي تطلب من يشمها فتفعل هذا وإنما لعن النبي ﷺ هاتين المرأتين لأنهما حاولنا مضادة الله في حكمه القدري حيث أرادتا أن تكملا أنفسهما الأولى تكمل الشعر والثانية تكمل الجلد بهذه النقوش فلهذا استحقت كل واحدة منهما اللعن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
يستفاد من هذا الحديث: أن الوصل والوشم من كبائر الذنوب, من أين يؤخذ؟ من لعن البني ﷺ واللعن لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر. ويستفاد منه: أن من حاول أن يجمل نفسه بخلاف خلق الله فإنه داخل فيمن غير خلق الله وهو من أوامر الشيطان. فإن قال قائل: الوصل ذكرتم أن من العلماء من قال بعمومه سواء بشعر أو بغير شعر, ومنهم من قال: بخصوص الشعر فأي القولين أصح؟ نقول: الصحيح أنه إذا وصلته المرأة بشعر فلا شك أنه داخل في الحديث أو بشعر صناعي فهو داخل في الحديث؛ لأن من رآه يظن أنه شعر طبيعي وأما من وصلته بشيء آخر يتبين أنه ليس بشعر فإن هذا لا يدخل في الحديث مثل أن تعقد على شعرها شيئًا يتدلى وينزل فهذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأنه لا يدخل في الحديث ولا يحصل به التغيير لخلق الله والنساء الآن يستعملن مثل هذا على رءوسهن خرقًا وورداء وأشياء كثيرة تتدلى هذه لا تدخل في الحديث. فإن قال قائل: هل الباروكة تدخل في هذا؟ أولاً: يرى بعض علمائنا أنها داخلة في الوصل وأنها حرام ويرى آخرون أنها ليست داخلة
стр. 2390
وأنها لم تصل وإنما ليست قبعًا لها شعر يتدلى, ولكن الظاهر لي أنها تدخل في الوصل؛ لأنها إذا لبست هذا على رأسها وتدلى الشعر في هذه الباروكة فإن الناظر عليه يظنه شعراً وأما قول من قال ليست بوصل لأنه لم يتصل بشعر الرأس فيقال العبرة بالمعاني وفي عهد الرسول ﷺ لم تعرف هذه الباروكة, لكن يعرف الوصل الربط أما الآن فعرفت والذي يراها يقول: إنها رأس حقيقي تمامًا فتدخل في هذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: وأنه من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله, ولكن إذا قال قائل: لو أن المرأة وشمت نفسها على أنه وشم تتبين به لا من أجل الزينة, يعني: مثلاً هذه القبيلة قالت: سنجعل لنا وشمًا كما أننا نضع وشمًا على الإبل والبقر والغنم بالكي نجعل وشمًا بالوشم لأجل إذا رؤيت هذه المرأة أو هذا الولد قيل هذه من القبيلة الفلانية فهل يجوز هذا؟ لا يجوز لأن الحديث عام ثم إن الفرق بين الإنسان والبهيمة ظاهر, البهيمة لو سألت البعير من أنت لا تفيدك إلا رغوًا, البشر لو سألته من أنت؟ قال: أنا من القبيلة الفلانية فهو ليس بحاجة إلى هذا, المهم: أن الوشم من كبائر الذنوب سواء كان للزينة أو للعلامة, أو غيرها. فإن قال قائل: الواشمة لعنها ظاهر لكن المستوشمة كيف تلعن؟ نقول: لأنها طالبة, وبناء على ذلك فإذا وشمت الجارية وهي صغيرة غير مميزة فإنها لا تدخل في اللعن, يوجد الآن نساء يقلن: إن هذا الوشم الذي فينا لم نكن نعلم به ولا طلبناه فهل نستحق اللعنة؟ الجواب: لا, لأنها لم تدخل في المستوشمة. بقي أن يقال: هل يجب عليها إزالته؟ الجواب: الظاهر لي أنه إذا لم يكن عليها ضرر وجبت عليها إزالته, وإن كان عليها ضرر لم تجب, الضرر يكون على البدن عمومًا مثل أن يخشى عليها من سيلان الدم على وجه يضرها أو يخشى أننا إذا نزعنا هذا الوشم صار في الجلد بقعة مشوهة لاسيما إذا كان الوشم في الوجه فإنه لا شك أنه سيؤثر, ففي هذه الحال نقول إنه لا يجب ولكن ربما يأتي في يوم من الأيام دواء يكون سهلاً لإزالته, إذن لماذا وضع المؤلف هذا الحديث في باب عشرة النساء؟ لأن المرأة تحب أن تتزين لزوجها وتعتقد أن الوشم زينة أما الوصل فهو زينة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يغير خلق الله بالتجميل؛ لأن الواشمة والواصلة تغير خلق الله زيادة في الجمال, فأما إذا غير خلق الله إزالة للعيب فإن هذا لا بأس به ولا يدخل في النهي مثل لو كان في الإنسان أصبع زائدة فأراد أن يزيلها هل له ذلك؟ نعم؛ لأن هذا عيب
стр. 2391
ولا حرج فيه, ودليل هذا أن النبي ﷺ أذن للذي قطع أنفه أن يتخذ أنفًا من ذهب ومن ذلك أيضًا لو كان الإنسان أعلم -يعني: مشقوق الشفة العليا- فأراد أن يجري عملية لضم بعضها إلى بعض فهل يجوز؟ نعم, لأن هذا إزالة عيب, ومن ذلك لو كان الإنسان أحول فأراد أن يعدل النظر يجوز ذلك؛ لأنه إزالة عيب, إذن القاعدة عندنا: أن تغيير خلق الله بالتجميل لا يجوز وتغيير خلق الله إزالة للعيب جائز هذا الضابط, هل يجوز ربط الأسنان لإصلاح صفها؟ فيه تفصيل إذا كان عيبًا فلا بأس يعني: لو فرضنا أن السن طالت فهذا عيب, وعليه فلا بأس أن يصف مع زملائه, وإذا كان ليس عيبًا لكن يريد الإنسان أن تكون أسنانه على وجه أجمل فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لعن الواشرة والمستوشرة والمتفلجات لحسن, المتفلجات: هن اللاتي يفلجن ما بين أسنانهن حيث ينفتح؛ لأنهم كانوا يرون أن الفلج من محاسن المرأة, على كل حال الضابط ما ذكرنا. ومن فوائد الحديث: بيان انقلاب العادات اليوم في الشعر, الشعر كان طوله يعد جمالاً والمرأة بدأت تقصه؛ لأن المرأة الإفرنجية تقص فقالت: نقص هذا أحسن لأجل أن نصنع الطائرات والدبابات والصواريخ وعابرات القارات؛ لأن الأمة هذه ما وصلت إلى ما وصلت إلا بقص الشعر, لم يعملوا أنهم ما وصلوا إلى ما وصلوا حيث استخدموا قواهم التي أعطاهم الله فيما أمر الله به المسلمين: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: ٦٠]. ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها﴾ [الملك: ١٥]. نحن مفرطون لو أننا فعلنا مثل فعلهم في التنقيب عما أودع الله في الأرض من المصالح العظيمة وفي استخدام عقولنا في تصنيع هذه الأشياء لكنا أهدى منهم سبيلاً لأن المتأمل في أحوال البشر يجد أن أصح الناس فطرة وأقواهم ذكاء وأسدهم عقلاً هم العرب ولا شك أن جنس العرب أفضل أجناس بني آدم والدليل على ذلك أن أفضل الخلق منهم ولا يمكن إلا أن يكون من أفضل معادن البشر معدن: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]. لكن مع الأسف أن العرب الآن تخلفوا كثيرًا عن غيرهم.
حكم الغيلة والعزل ووسائل منع الحمل:
٩٨١ - وعن جدامة بنت وهب ﵂ قالت: "حضرت رسول الله ﷺ في أناس, وهو يقول: لقد هممت أن أنهي عن الغيلة, فنظرت في الروم وفارس, فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئًا".
стр. 2392
ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي". رواه مسلم. هذا الحديث فيه أصول عظيمة تتبين فيما بعد, تقول: "حضرت رسول الله ﷺ في أناس", "أناس" هو الأصل لكلمة ناس, لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فصاروا يقولون الناس وقولها: "في أناس" لم يتبين هل هم في المسجد أو خارج المسجد؟ فهل هذا متوقف عليه فائدة أو لا؟ لا يتوقف, وجملة "وهو يقول" حال من الرسول. وقوله: "هممت" الهم هو حديث النفس وهو كقوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام .. ". الحديث. فهو حديث النفس؛ يعني: حدث نفسه أن ينهي عن الغيلة؛ أي: أن يأمر الناس بالكف عنها و"الغيلة" هي وطء الحامل على أحد القولين والقول الثاني إرضاع الحامل يعني أن يطأ الإنسان امرأته وهي ترضع أو أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل فعلى القول الأول: يكون نهياً عن السبب؛ لأن الرجل إذا جامع زوجته وهي ترضع فربما تحمل ثم ترضع الطفل وهي حامل, وعلى القول الثاني: يكون نهيا عن الغاية وهي أن ترضع المرأة وهي حامل؛ لأنهم يقولون: إن إرضاع المرأة طفلها وهي حامل يضر الطفل. يقول النبي ﷺ : "فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم", "الروم" أمة معروفة تعيش شمال الجزيرة العربية, وفارس أمة معروفة تعيش شرق الجزيرة العربية, فارس ديانتهم المجوسية عباد النار, والروم ديانتهم النصرانية كلهم في ذلك الوقت كفار فنظر الرسول في حالهم فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئًا؛ يعني: فتركت النهي عن الغيلة لماذا؟ لأن الروم وفارس بشر والطبائع البشرية لا تختلف باختلاف الدين؛ لأنها من مقتضى الطبيعة لكن لاشك أن الإيمان قد يزيد الغرائز الطيبة يزيدها قوة, لكن الأصل أن الطبائع البشرية يستوي فيها المسلم والكافر, وهذا سيجرنا إلى أن نقول: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: ٣١]. ليس المراد: نساء المؤمنات, المراد: نساء؛ وذلك لأن المرأة سواء كانت كافرة أو مسلمة لا فرق بينهما بالنسبة للنظر كما هو معروف, ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي", العزل هو أن الرجل إذا جامع زوجته وقرب من الإنزال نزع من أجل أن يكون الإنزال خارجًا حتى لا تحمل فقال النبي ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" الوأد هو دفن الجارية وهي حية وكانوا في الجاهلية يفعلون هذا يئد الرجل ابنته وهي حية إن بعضهم يحفر لها الحفرة فإذا أصاب لحيته شيء من التراب نفضت التراب عن لحيته وهو يدفنها وهي حية هذه طائفة من العرب, طائفة يقتلون أولادهم قتلاً الذكور والإناث أما الأولى التي تئد البنات فإنهم يخافون من العار؛ لأنهم يعيرون بالبنات لهذا جعلوا البنات لله وجعلوا لأنفسهم البنين وأما الثانية فإنما تقتل الأولاد إما خشية الفقر, وإما من الفقر كما في القرآن: ﴿ولا تقتلوا
стр. 2393
أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]. ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١]. وانظر إلى البلاغة في القرآن لما قال: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ قال: ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾ فبدأ برزق الآباء لأنهم يقتلونهم من إملاق الفقر حاصل ولما قال: ﴿خشية إملاق﴾ قال: ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾؛ لأنكم الآن أغنياء لكن تخافون الفقر فرزق هؤلاء الأولاد على الله. وقوله: "الوأد الخفي" يعني: الذي بظاهر؛ لأن الوأد نوعان: وأد ظاهر وهو أن يقتل الإنسان ابنته وهي حية ووأد خفي وهو أن يحاول منع الحمل ولكن هل هذا الوأد الخفي حرام أم لا؟ سيأتي -إن شاء الله- في بيان فوائد الحديث. أفادنا ﷺ بقوله: "ذلك الوأد الخفي": أن الوأد نوعان كما ذكرنا ظاهر وخفي فالظاهر ما كانت الناس تفعله ف الجاهلية وهو: أن يدفن الإنسان ابنته وهي حية خوفًا من العار وذكرنا أن طائفة من العرب تدفن الأولاد الذكور والإناث خوفًا من الفقر وكلا الأمرين باطل منكر وهو يخالف حتى عادة الحيوانات نجد البهيمة ترفع حافرها عن ولدها مخافة أن تصيبه وتدافع عن الولد لو أنك أتيت هرة وهي على أولادها ترضعهم تهاجمك خوفًا على أولادها ثم تسمعها تأمر أولادها بالتردي تحن لهم حنا معينا؛ يعني: اخلوا مساكنكم لأجل ألا يصيبهم أذى هذا الخفي فهذا فسره ﷺ بالعزل, عزل الرجل عن المرأة وأد خفي؛ لأنه فيه شيء من الحيلولة دون وجود الأولاد؛ لأن العزل من أسباب عدم الولد, وإن كان الله إذا أراد أن يخلقه ما متعه أحد ففيه شبه من الوأد وإن كان ليس كالوأد؛ لأن الوأد يدفنونه وهو حي, أما هذا فيمنع الحياة ففرق بين المنع وبين الرفع, العلماء يقولون: إن المنع أو الدفع أسهل من الرفع. أما هذا الحديث ففيه فوائد منها: حسن خلق النبي ﷺ حيث كان اجتماعيًا يجتمع إلى الناس ويجتمع بهم ويحدثهم بما يناسب المقام والحال لقولها: "حضرت النبي ﷺ في أناس". ومن فوائده: أن هذا الدين الإسلامي مداره على منع الضرر وجلب النفع, تؤخذ هذه الفائدة من أن الرسول ﷺ هم أن ينهي عن الغيلة مخافة الضرر, فلما رأى الروم وفارس لا يضرهم شيئًا عدل عن هذا لم ينه سواء نظر في الروم وفارس أم لم ينظر, ويدل لهذا قول النبي ﷺ حين تأخر في صلاة العشاء حتى مر عامة الليل قال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي". ويدل لهذا أيضًا: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". فهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ يشرع أحيانًا عن طريق الوحي وأحيانًا عن طريق
стр. 2394
الاجتهاد, ثم إن أقره الله على الاجتهاد فهو من شريعة الله وإن لم يقره ارتفع هذا التشريع, فمثلاً أذن النبي ﷺ لبعض المنافقين الذين اعتذروا فقال الله له: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ [التوبة: ٤٣]. وحرم على نفسه العسل إرضاء لزوجته فقال الله له: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]. فإذا أقره الله على حكم من الأحكام صار هذا الحكم من حكم الله كما أن النبي ﷺ إذا أقر أحدًا من الصحابة على حكم أو على فعل من الأفعال صار منسوبًا إلى النبي ﷺ إلى إقراره ويكون مرفوعًا صريحًا.
ومن فوائد الحديث: جواز الأخذ بما عليه الكفرة إذا كان نافعًا, فإذا وصفوا لنا دواء مع الثقة بهم أخذنا به وإذا فعلوا أشياء مفيدة أخذنا بها لقوله: "فنظرت في الروم وفارس .. " الخ؛ فلا حرج على الإنسان فيما يفعله الكفار من المنافع ليأخذ بها أو من المضار فيتركها.
ومن فوائد الحديث: أن الناس في الطبيعة والجبلة على حد سواء مسلمهم وكافرهم لكن بالنسبة للأخلاق الاختيارية يختلف الناس, فخلق المؤمن خير من خلق الكافر لكن بالنسبة للأمور الطبيعية التي هي من طبيعة البشر لا يختلف فيها المؤمن والكافر تؤخذ من مقارنة حال المسلمين بحال الروم وفارس في أمر طبيعي بمقتضى الطبيعة والجبلة, ولا يقال: إن هذا من باب إتباع الكفار والتشبه بهم, بل يقال: هذا باب الاقتداء بالكفار في أمور جرت عليهم بالتجارب وليست من باب الولاء والبراء يتفرع على اشتراك المؤمن والكافر فيما تقتضيه الطبيعة والجبلة, يتفرع على هذه الفائدة: ترجيح التسهيل في قوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: ٣١]. وقد اختلف المفسرون هل المراد ب ﴿نسائهن﴾ أي: نساء المؤمنات, أو نسائهن؛ يعني: الجنس, يعني: النساء اللاتي من جنسهن والصحيح الثاني؛ وذلك لأن الطبيعة في الكافرة والمسلمة واحدة, فالمراد لا ننظر إلى المرأة كما ينظر الرجل إلى المرأة لا فرق بين المسلمة والكافرة كما أن الرجل لا ينظر إلى الرجل كما ينظر إلى المرأة لا فرق بين الرجل المسلم والرجل الكافر فهذا بمقتضي الطبيعة والجبلة أن المرأة نظرها إلى المرأة ليس كنظر إليها فبهذا يترجح القول بأن النساء هنا للجنس وليس المراد الموافقة في الدين وأما تعليلهم بأن الكافرة ربما تصف هذه المسلمة لغير المسلمين, فيقال: إن هذا المحظور إذا وجد منع من النظر حتى ولو كان بين مسلمة ومسلمة لو كنا يغلب على ظننا أن هذه المرأة المسلمة إذا نظرت إلى هذه المرأة ذهبت تصفها للناس كأنهم ينظرون إليها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
стр. 2395
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز السؤال عما يستحيا منه للتفقه في الدين لقوله: "ثم سألوه عن العزل", وهذا أمر يستحيا منه, لكن لابد من معرفته؛ لأنه يتعلق بأمر ديني وقد كانت النساء يسألن رسول الله ﷺ عن شيء يستحيا منه أكثر من هذا, فإن أم سليم قالت يا رسول الله, المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فهل عليها غسل؟ قال: "نعم إذا رأت الماء" فقالت عائشة: نعم نساء الأنصار لم يمنعه ينبغي للإنسان أن يدع العلم حياء وخجلاً, وقد قال بعض السلف: "لا ينال العلم حيي أو مستكبر". الحيي تجد حياءه يمنعه من السؤال والبحث, والمستكبر كبره يمنعه؛ إذ يجعله الكبر يقول: كيف أسأل؟ إذا سألت قالوا هذا ما يعرف وهذا خطأ.
ومن فوائد الحديث: تحريم العزل؛ لأن النبي ﷺ سماه وأدًا, والوأد حرام, وإلى هذا ذهب ابن حزم وجماعة من العلماء وقالوا: إن عزل الإنسان عن امرأته حرام سواء رضيت أم لم ترض؛ لأن النبي ﷺ سماه وأدًا ووصفه بأنه خفي لا يرفع عنه التحريم ولكنه يرفع عنه أن يكون قتل نفس لأن الوأد الظاهر قتل نفس ولاشك في تحريمه, أما هذا فهو وأد خفي يكون حرامًا؛ لأنه وصف بأنه وأد ولا يرتقي إلى درجة الوأد الظاهر الذي هو قتل النفس؛ لأنه وصف بأنه خفي؛ لأن الناس لا يعلمون عنه ويخفى حكمه على كثير من الناس وذلك وأد الظاهر حكمه لكثير من الناس فهو ظاهر من جهة وضوحه للناس وظاهر من جهة معرفة حكمه أما هذا فهو خفي؛ لأنه بين الرجل وبين زوجته؛ ولأنه يخفى حكمه على كثير من الناس ولهذا سأل النبي ﷺ عنه ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى جواز العزل لكن اشترطوا شرطين: الأول: أن يكون باتفاق من الطرفين الزوج والزوجة؛ لأن للزوجة حقًا في الولد قد يرغب أن يعزل لتبقى زوجته شبه بكر ولكن الزوجة لا ترغب ففي هذه الحالة لا يجوز له أن يعزل؛ لأن الزوجة لها حق في الولد ولهذا إذا تبين أن الزوج عقيم فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن للمرأة الفسخ لأنها يفوتها ما تريده من الأولاد.
والشرط الثاني: ألا يكون في ذلك ضرر فإن كان في ذلك ضرر إما على الزوج وإما على الزوجة فإنه يمنع, وهذا الضرر قد لا يمكن الإفصاح عنه ولكن يعرفه الزوج وتعرفه الزوجة؛ لأن النزع قبل استكمال اللذة فيه خطورة على الزوج وعلى الزوجة؛ فإذا انتفى الضرر واتفق
стр. 2396
الطرفان على ذلك فإنه جائز عند الجمهور لكن مع ذلك يقولون: إنه غير مرغوب فيه؛ لأنه ضاد ما كان النبي ﷺ يقصده من هذه الأمة حيث قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". فهذا يدل على أن رغبة النبي ﷺ لهذه الأمة أن يكثر نسلها, لاشك أن كثرة النسل عز للأمة, وأما قول من قال إن كثرة النسل سبب لضائقة اقتصادية؛ لأنه بدل من أن يكون أهل البلد مائة يكونون مائتين, والمائة يكفيهم مثلاً صاع من الرز, وإذا كانوا مائتين يحتاجون إلى مائتي صاع, فهؤلاء مع سوء ظنهم بالله قد يبتلون بأن يضيق الله عليهم الرزق ولكن لو أحسنوا الظن بالله وعلموا أنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها, فإذا ولد لك ولد انفتح عليك باب رزق, وقد حدثني شخص أعرفه الآن قبل أن تنفتح عليه الدنيا يقول أنه كان فقيرًا وأشير عليه بالزواج فقال: ما عندي شيء, فقالوا: تزوج يرزقك الله فإن الله يقول: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٣]. والنبي ﷺ يقول: "ثلاثة حق على الله عونهم" وذكر منهم المتزوج يريد العفاف, المهم: تزوج يقول: لما تزوجت كثر الذين يعطونني المال أحرج عليه والحراج كان في الزمن الأول حيث كان الرجل يعطي ثوبا مشلاحًا أو يعطي شيئًا يحرج عليه إذا باعه له نسبة مئوية يقول فكثر الناس الذين يعطونني يقول: فولد لي عبد الله فرأيت الأمر يزداد, فولد له الولد الثاني يقول فصرت متوسعًا أكثر فالإنسان إذا اعتمد على الله فهو الذي يتكفل بالرزق, فأنا لا أرزق أولادي الذي يرزقهم هو الله لكن أصدق الاعتماد على الله يرزقك. المهم: أن ما ذهب إليه أهل التشاؤم الذين لا يعرفون حق المعرفة الذين يقولون: إن كثرة الأولاد تؤدي إلى ضائقة اقتصادية, ما داموا تعلقوا بالأمور المادية يبتلون بها "من تعلق بشيء وكل إليه". ولو اعتمدوا على الله لوجدوا أن الرزق ينفتح لهم كلما كثر أولادهم. إذن نقول العزل مع قولنا بجوازه غير مرغوب فيه لأنه يضاد ما كان الرسول ﷺ يريد من هذه الأمة وهو تكثير النسل, وليعلم أنه يجب علينا الحذر من النصارى الذين يولدون النساء سواء كانوا ذكورًا أم إناثا فإنه بلغنا أنهم يسيئون في التوليد يجذبون الولد بشدة أحيانًا تنخلع يده أو جميع رقبته أو يناله أذى وربما يحاولون أن يضيق الخناق عليه حتى يموت كذلك يحاولون أن
стр. 2397
يجعلوا لكل ولادة من أجل أن يبقى بطن المرأة مخرقًا ما يتحمل الحمل؛ لأنهم يجرون العملية في أماكن متعددة فيبقى البطن مخرقًا مع العلم أنهم يمكن أن يجروا الولادة إجراء طبيعيًا لكن لا يريدون. فالمهم: أنه يجب علينا نحن المسلمين أن نحذر منهم وأن نعلم أن النصارى واليهودي أعداء لنا مهما أبدوا من المودة فإنهم يتزلقون إلينا لينالوا مقصودهم وإلا فما الرابطة بيننا وبين النصارى واليهود؟ بل بيننا وبينهم العداء منذ بعث النبي ﷺ كما قال الله ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾ [الصف: ٦]. وقال: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩]. فليس بيننا وبين النصارى أي مودة وإن تزلفوا لنا فإن ذلك لمصالحهم لا لمصلحتنا نحن وكل شيء يؤدي إلى مصالحهم فهو ضرر علينا؛ لأن صلاحهم ونمو اقتصادهم كله علينا وليس لنا. على كل حال: أنا أقول أنه يجب علينا أن نحذر من هؤلاء وألا نمكن نساءنا من الذهاب إلى مستشفياتهم للولادة إلا عند الضرورة القصوى, أما إذا كانت الولادة طبيعية فلابد من المشقة, كيف يخرج هذا الولد من هذا المكان الضيق إلا بتعب ولولا تسهيل الله ذلك لما كانت المرأة تطيق هذه العملية إطلاقًا, فإذا تعذرت للضرورة فلا بأس, أما لغير الضروري فأرى أنه من الخطأ والخطر أن نذهب بنسائنا إلى هذه المستشفيات.
ومن فوائد الحديث: أن محاولة منع الولادة ولو بغير العزل وأد خفي, بل قد يكون أشد ضررًا من العزل مثل استعمال الحبوب المانعة من الحمل, هذه الحبوب يقول لنا الأطباء إنها مضرة على الرحم والدم والولد في المستقبل, ولهذا كثرت التشوهات في الأجنة في الوقت الحاضر بسبب تناول هذه العقاقير؛ لأننا نعلم أن الله ركب البدن على طبيعة معينة, فإذا أعطي البدن ما يضاد هذه الطبيعة صار فيه ضرر على البدن, دع البدن على طبيعته التي خلق عليها فهذا هو المناسب له, هناك أيضًا محاولة أخرى غير هذه الحبوب وهي ما يعرف باللولب يركب في عنق الرحم بحيث يمنع من نفوذ الماء إلى الرحم -ماء الرجل- هذا أيضًا يشبه العزل بل سمعت بعض الناس يقول إن هذا لا يجوز؛ لأنه قتل للحيوانات المنوية ولكن هذا ليس صحيح؛ لأن الحيوانات المنوية لم تثبت لها الحياة شرعًا وإلا لقلنا إن الرجل إذا احتلم بالليل فقد قتل أنفسًا! ! هذا خطأ لأن هذا الماء ينزل على ملابسه ويذهب فالحيوانات المنوية ليست لها حكم الحياة إطلاقًا وإن سموها حيوانات فإنها ليست في الشرع ذات حياة, وهذا اللولب الذي يمنع دخول الماء للرحم لا يعد قتلاً للحيوانات, وإن كان الأطباء قد سموه قتلاً فليس بقتل شرعًا, حكم اللولب أنه كالعزل وهو أهون من الحبوب, وأخص من العزل؛
стр. 2398
لأن المرأة والرجل كلاهما ينالان تمام اللذة؛ الرجل ينال لذته بإنزاله في محل الإنزال وكذلك المرأة, المحاولة الرابعة: أن الإنسان عند إتيان أهله يلبس محل التناسل كيسًا بحيث إذا حصل إنزال يكون في هذا الكيس هذا يجب أن يراجع فيه الأطباء فهل هذا لا يضر؟ فهو لاشك أنه ينقص به كمال اللذة قطعًا؛ لأن هناك فرقًا بين الملامسة والحائل, فهو ناقص؛ لكن لا أدري هل يضر أو لا يضر, فليرجع إلى الأطباء وهم أعلم منا في ذلك.
٩٨٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رجلاً قال: يا رسول الله, إن لي جارية, وأنا أعزل عنها, وأنا أكره أن تحمل, وأنا أريد ما يريد الرجال, وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى. قال: كذبت يهود, لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه". رواه أحمد وأبو داود واللفظ له, والنسائي, والطحاوي, ورجاله ثقات. قال: "أن رجلاً" فأبهمه والإبهام لا يضر في مثل هذا؛ لأننا سبق لنا أن قلنا: إن صاحب القضية لا يهمنا الذي يهمنا القضية نفسها هل فيها أحد مبهم حتى يعين, أما صاحب القضية فإنه لا يضر سواء اسمه زيد أو محمد أو بكر لا يهمنا؛ ولهذا يأتي العلماء الشراح ويحرص على أن يعرف المبهم في هذا ولكن أرى أنه لا حاجة إلى ذلك. وقوله: "أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي جارية" الظاهر أنها مملوكة وليس المراد الجارية صغيرة السن "وأنا أعزل عنها" الجملة هنا حال وسبق لنا معنى العزل وهو أن الرجل إذا قارب الإنزال نزع من زوجته أو ممن يطأها كالمملوكة, قال: "وأنا أكره أن تحمل" يكره حملها لماذا؟ لأنها إذا حملت ووضعت صارت أم ولد وأم الولد لا تباع أو تباع إذا فقد ولدها وإذا مات سيدها صارت حرة فيكره أن تحمل وأيضًا لو أراد أن يبيعها بعد أن حملت ووضعت صارت قيمتها رخيصة وإذا لم تحمل وتضع صارت أغلى فالمهم إذا قيل لنا ما هو سبب كراهيته؟ نقول: الذي يظهر لنا ما ذكرنا أولاً: أنه يخشى أن تحمل وتضع فترتبط بولدها؛ لأنه لا يجوز التعريف بين الوالدة وولدها, ثانيا: أنها إذا حملت ووضعت عتقت بعد موته ففاتت على الورثة, ثالثًا: أنها إذا حملت ووضعت نقصت قيمتها فيما لو أراد بيعها فلهذه الأسباب ولغيرها مما لا نعلم يكره أن تحمل, "وأنا أريد ما يريده الرجال" كنى عن الجماع بهذه العبارة. "وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى", اليهود أهل كتاب وهم الذين يدعون أنهم يتبعون موسى وسموا يهودًا إما لأن جدهم الذي ينتسبون إليه اسمه يهودًا وإما من قولهم: ﴿إنا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ٥٦]. أي: رجعنا إليك, وذلك حينما تابوا من عبادة العجل والظاهر أنه
стр. 2399
نسبة إلى أبيهم يهوذا لكن عند التعريب تحول إلى هذا, "تحدث" هذه مضارع, لكن حذفت منه إحدى التاءين كقوله تعالى: ﴿فأنذرتكم نارًا تلظى﴾ [الليل: ١٤]. أي: "أن العزل الموءودة الصغرى"؛ لأن الموءودة قسمان: صغرى وكبرى, فالكبرى هي أن تؤد الجارية وهي حية بعد أن تولد والصغرى كما زعمت اليهود أن يعزل الإنسان, ولكن النبي ﷺ كذب هذا فقال: "كذبت اليهود" يعني: ليس موؤدة وعلل ذلك بقوله: "لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" صدق النبي ﷺ لو أراد الله أن يخلقه لخرج الماء من الإنسان قبل أن يعزل وحينئذ لا يستطيع أن يصرفه. هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كذب اليهود في دعواهم أن العزل الموؤدة الصغرى وسبق لنا أنه سماه الوأد الخفي فهل بينهما تعارض؟ لا ما الجمع؟ إذن الرسول كذبهم باعتبار أنه حرام لكنه موءودة لكنها صغرى وأما الأول فقد قال: "إنه وأد خفي"؛ لأن الإنسان يمنع الولد على وجه خفي. أما هذا الحديث ففيه عدة فوائد: أولاً: بيان أن الإنسان إذا تكلم بما يستحيا طلباً للحكم فلا بأس به؛ لقوله: "وأنا أعزل عنها". فيستفاد منه: أن ما سبق لنا "أن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها" أنه ما لم يكن هناك حاجة؛ لأن هذا فيه نوع من السر. ومن فوائده: أنه يجوز للإنسان أن يكره ما يكون عليه فيه ضرر مالي, ولا يقال إن هذا تكالب على الدنيا؛ لأن النبي ﷺ أقر الرجل على قوله: "وأنا أكره أن تحمل". ومن فوائده: أنه يجوز العدول عن تكثير الأولاد إذا كان هناك سبب شرعي؛ لأنه إذا كره من جاريته أن تحمل قل أولاده منها مع أن الرسول ﷺ يحث على كثرة الأولاد فنقول: إذا كان لمصلحة شرعية فلا بأس. ومن فوائده: الكناية عن الشيء الذي يستحيا منه إذا لو تدع الحاجة للتصريح, قوله "وأنا أريد ما يريد الرجال" فهنا لا حاجة للتصريح حيث صرح فيما قبل بأنه كان يجامع ويعزل. ومن فوائده: اعتبار أقوال من عنده علم وإن كان كافرًا لقوله: "إن اليهود تحدث أنه موءودة صغرى" فلولا أن لهذا القول تأثيرًا في نفوسهم ما ذكروه للرسول ﷺ . ومن فوائده: أنه إذا حدثك من تشك في خبره أو في حكمه أو في فتواه فإنه يجب عليك أن تسأل من يزيل الشك, لأن الصحابي لما حدثه اليهود بذلك سأل النبي عن هذا. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى جواز العزل وذلك بتكذيب النبي ﷺ لليهود.
стр. 2400
ومن فوائده: بيان أن الله إذا أراد شيئًا فإن السبب لمنعه لا يفيد؛ لقوله: "لو أراد الله ... "الخ, وما أكثر الذين يعالجون لإزالة الأمراض ولكن يعجزون, وما أكثر الذين يحاولون أن يرتقوا إلى شيء ولكن يعجزون؛ لأن الله لم يرده, وإرادة الله فوق كل شيء.
٩٨٣ - وعن جابر ﵁ قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل, ولو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن". متفق عليه.
- ولمسلم: "فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا عنه". يقول: "كنا نعزل" وسبق معنى العزل, قوله: "على عهد النبي ﷺ " على عهده أي: على زمنه وقوله: "والقرآن ينزل" الجملة حالية وهي مؤكدة لما سبق؛ لأنه من المعلوم أنهم إذا كانوا على عهد الرسول ﷺ فإن القرآن ينزل ولكنها مؤكدة لما سبق ولو اقتصر على قوله: "كنا نعزل على عهد الرسول ﷺ لكنه أكد ذلك؛ يعنى نقول: إن القرآن لم ينقطع بعد حتى يقال: لعله لم ينقل الحكم لانقطاع الوحي وجملة "والقرآن ينزل" حال من الفاعل في قوله: "نعزل". قال: "ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" أي: ولو كان العزل شيئًا فاسم كان مستترًا, وهذه الجملة تسمى عند أهل الحديث في الإصلاح: إدراجاً؛ لأنها ليست من كلام جابر ولكنها من كلام سفيان الذي رواه عن جابر, فتكون هذه الجملة مدرجة وليست من كلام جابر وقوله: "لنهانا عنه القرآن" أضاف النهي إلى القرآن مع أن القرآن كلام ليس ذاتًا تتكلم بل هو صفة فيقال نعم يصح إضافة الفعل إلى القرآن كما قال تعالى: ﴿إن هذا القرءان يقص على بني إسرائيل﴾ [النمل: ٧٦]. مع أن الذي يقص هو الله بواسطة القرآن. وفي رواية لمسلم "فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهانا عنه", هذه الرواية تفيد أن الحديث مرفوع صريحًا؛ لأنه بلغ النبي ﷺ واقره. في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز العزل والطريق للاستدلال به على جواز العزل من وجهين: الوجه الأول: اللفظ الأول الذي تجعل الحديث فيه مرفوعًا حكمًا لأنه مضاف إلى عهد النبي ﷺ
ولم يصرح بأنه بلغه, والوجه الثاني: أنه مرفوع صريحًا, فتكون فيه الدلالة بوجهين بأنه مرفوع حكمًا على اللفظ الأول, وبأن مرفوع صريحًا على اللفظ الثاني. ومن فوائد الحديث: الاستدلال بإقرار الله على الحكم لقوله: "ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهى عنه القرآن", وهذه الفائدة تفيد طال العلم فيما يذكره بعض العلماء في العلماء في باب المناظرة إذا قيل فعل هذا على عهد النبي ﷺ قال: لعله لم يطلع عليه, نقول: افرض أنه لم يطلع عليه لكن
стр. 2401
اطلع عليه وأقره, والدليل على أن ما خفي على النبي ﷺ إذا أقره الله يكون ثابتًا أن الذين يخفون المنكر يفضحهم الله لقوله تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]. فدل هذا على أن ما خفي على الناس إذا لم ينكره الله فهو حق ثابت إن كان عبادة وإن كان مباحًا فهو مباح.
ومن فوائد الحديث: أن القرآن منزل لقوله: "والقرآن ينزل", وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أنه منزل غير مخلوق, والمعتزلة يقولون إنه منزل مخلوق كقوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ [الأنعام: ٩٩]. فالماء مخلوق, وكقوله: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦]. والأنعام مخلوقة, وكقوله: ﴿وأنزل الحديد﴾ [الحديد: ٢٥]. والحديد مخلوق, ولكنا نقول الفرق بين الحديد والأنعام والماء وبين الكلام ظاهر جداً؛ الكلام صفة لا يقوم إلا بموصوف والحديد عين بائن منفصلة تقوم بذاتها فتكون مخلوقة وأما ما ذكر إنزاله وهو صفة فلا شك أنه صفة الله . ومن فوائد الحديث: الاستدلال بالطريق الذي أشرنا إليه وهو إقرار القرآن يعتبر دليلاً لكنه كما قلت من كلام سفيان وكلام سفيان ليس بدليل؛ لأن سفيان من التابعين والصحيح أن أقوال التابعين غير حجة والعلماء مختلفون في أقوال الصحابة هل هي حجة أو لا؟ والإمام أحمد يذهب إلى أن قول الصحابي حجة بشرطين الأول ألا يخالف النص, والثاني: ألا يخالفه صحابي آخر فإن خالفه صحابي آخر فإنه يطلب الترجيح, وإن خالف النص فهو مرجوح أما التابعي فلا أعلم أحدًا قال إن قوله حجة ولكننا لاشك نستأنس بقول التابعي لأن التابعين عاصروا الصحابة فهم من أعلم الناس بالأدلة الشرعية وأحكام الله الشرعية.
ومن فوائد الحديث: أن أهل العلم-﵏ إذا علموا بالمرفوع الصريح اغتمنوا فرصة وجود ذلك ولهذا قال: ولمسلم: "فبلغ ... " الخ فأتى بهذه الرواية التي انفرد بها مسلم لما فيها من الفائدة وهي الدلالة على أن الحديث مرفوع صريحًا. ومن فوائد الحديث: الاستدلال بإقرار النبي ﷺ وسكوته لقوله: "فلم ينهنا".
٩٨٤ - وعن أنس بم مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد". أخرجاه, واللفظ لمسلم. "كان يطوف" من المشهور عند أهل العلم أن "كان" تفيد الدوام غالبًا, لكنها لا تستلزم الدوام دائمًا هي دالة على الدوام ولكن لا يلزم منها الدوام, فمثلا:
"كان يطوف على نسائه"
стр. 2402
هل كان يطوف كل يوم كل ساعة؟ لا لكن ربما طاف وقد لا يفعل ذلك كما ثبت في الحديث أنه كان يقرأ بالجمعة والمنافقين, والحديث الآخر كان يقرأ بسبح والغاشية ولو قلنا إن "كان" على الدوام دائمًا للزم التعارض بين الحديثين لكنها لاشك أنها تشعر بالدوام لكنها لا تستلزمه. وقوله: "يطوف على نسائه" يعني: الجماع فإن الطواف بالمرأة هو جماعها والدليل على هذا قول سليمان ﵊: "والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله". قوله: "لأطوفن" أي في الجماع, قوله: "بغسل واحد" يعني: لا يغتسل إلا مرة واحدة مع أنه يجامع عدة نساء وقد مات عن تسعة. في هذا الحديث دليل على أمور: الأول: جواز إعادة الجماع بلا غسل ولا وضوء لقوله: "بغسل واحد" فإذا طاف على النساء بغسل واحد من باب أولى أن يكرر الجماع على امرأة واحدة, لكن أقول: بلا وضوء, والحديث لا يدل عليه, هذا فلا يعارضه أمر النبي ﷺ بالوضوء إذا أراد الإنسان أن يجامع مرة أخرى؛ لأن الأفضل إذا أراد الإنسان أن يجامع مرة أخرى أن يتوضأ لما في ذلك استعادة الجسم نشاطه بعد أن كسل بالجماع الأول.
ومن فوائد الحديث: جواز تأخير الغسل, وأنه لا تجب المبادرة به؛ لأنه إذا طاف عليهن بغسل واحد فلابد أن يكون هناك فرق في الوقت لأنهن لسن في بيت واحد في بيوت متعددة ومعلوم أن صفية بيتها خارج المسجد, كما ثبت أن النبي ﷺ لما جاءت عنده في اعتكافه خرج يشيعها وهذا دليل على أن بيتها ليس لاصقًا بالمسجد كبقية البيوت بل هو بعيد عنه. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لا يجب عليه القسم, وجهه: أنه كان يطوف عليهم في ليلة واحدة, ولو كان القسم واجبًا عليه لانفرد بواحدة في جميع الليل, ولكن بعض العلماء قال أن هذا ليس فيه دليل وأخذ منه أنه يجوز للرجل أن يجامع زوجاته ولو في ليلة واحدة لأن الجماع ليس هو المبيت يكون المبيت عند من لها الليلة, وأما الجماع فله أن يطوف عليهن لاسيما إذا كانت المرأة التي هو عندها فيها مانع من الجماع كالحيض والنفاس فحينئذ قد يضطر أو يحتاج حاجة شديدة إلى أن يطوف على نسائه, واستدل به بعض العلماء على أن الرسول ﷺ لا يجب عليه القسم كما قلنا أولاً, وبناء على هذا القول لا إشكال في الحديث, وقد استدل من قال: إنه لا يجب على النبي ﷺ القسم بقوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن
стр. 2403
وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ .... ﴾ [الأحزاب: ٥١]. فقالوا: إن الله رخص له قال ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني: اختار ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ تدعوها، ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ وقلت لا قسم لك ورجعت في القسم لها ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ﴾ أي: ما أخبرناه به من هذا الحكم ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾؛ لأن الحكم من عند الله ﴿وَلا يَحْزَنَّ ... ﴾ الخ ولكن كثرًا من أهل العلم إن لم يكن أكثرهم يقول إن النبي ﷺ يجب عليه القسم واستدلوا بقوله ﷺ : «اللَّهُمَّ هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». وأن هذا مقتضى العموم «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل»، وألفاظ النبي ﷺ يدخل فيها النبي ولكن إن وجد دليل على اختصاص يقتضيه ولنا أن نقول: إن القسم واجب عليه ولكن كان يطوف على نسائه بغسل واحد برضاهن، وإذا رضيت النساء أن يفعل هذا فلا حرج ويحتمل أن يكون هذا قبل وجوب القسم، ويحتمل أن يقال: إن القسم بين النساء قد يقسم الإنسان بينهن إلا في الجماع ويكون عماد القسم في الليل وفي النهار الإنسان حرّ قد صح في الحديث نفسه أنه كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وهذا يقتضي أنه يمر على كل واحدة في كل ليلة، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن النبي ﷺ قد رخص الله له في ترك القسم ولكن لكرمه ﷺ وحسن خلقه كان يعدل بكل ما يستطيع، وهن كن يرضين منه أن يطوف عليهن بغسل واحد ويكون الاستقرار عند من عندها الليلة، وهذا ليس بضارهن شيئًا، وإنما رخص الله له في ذلك؛ لأن النبي ﷺ أعطي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع، ومثل هذه القوة قد لا تكفيه لواحدة، في الليلة الواحدة فلذلك رخص له بناء على ما أعطاه الله من هذه الخصيصة ولكنه ﷺ لكرمه يعدل بينهن ما استطاع هذا أقرب ما يقال.
* * * *
٣ - باب الصداق
الصداق اسم مصدر من أَصْدَقَ؛ لأن المصدر من أَصْدَق إِصْدَقًا أَصْدَقَها يصدقها إصداقًا ويعرف علماء النحو اسم المصدر بأنه ما دل على معنى المصدر واشتمل على حروفه الأصلية دون الزائدة، فالكلام مثلًا يدل على التكليم لكنه لا يشتمل على حروف المصدر فيسمى اسم مصدر، السلام كذلك بمعنى التسليم واشتمل على حروفه الأصلية دون الزائدة، الصَّدَاق «بمعنى الإصداق ولكنه لا يشتمل على حروفه».
стр. 2404
تعريف الصداق لغة وشرعًا:
والصَّدَاق «هو العوض الذي يعطى للمرأة بعقد نكاح وما ألحق به»، فقولنا: «بعقد نكاح» خرج به ثمن السرية إذا اشتراها الإنسان من أجل الاستمتاع بها فإن هذا لا يسمى صداقًا لماذا؟ لأنه ليس بعقد نكاح ولكنه عقد بيع وإن كان الغرض منه هو الغرض من النكاح لكنه ليس عقد نكاح وقولنا «وما ألحق به» ليدخل فيه ما إذا وطئ امرأة بشبهة فإنه يجب عليه الصَدَاق مهر مثلها وإن لم يكن عقد نكاح وكذلك أيضًا ما لو زنى بها كرهًا فإن لها مهر المثل على خلاف في هذه المسألة، إذن الصَدَاق هو العوض الذي يعطى للمرأة بعقد نكاح وما ألحق به وسمي صَدَاقًا لأن بذله يدل على صدق طلب الخاطب أو إن شئت فقل: العاقد ووجهه: أن المال محبوب إلى النفوس كما قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]. ولا يبذل المحبوب إلا فيما هو مثله أو أشد فإذا بذله الإنسان دل على صدق رغبته وطلبه لهذه المرأة التي أصدقها ثم إن المهر ليس له حد شرعي على القول الصحيح بل ما طابت به نفس المرأة كفى ولو كان قليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وهذا يشمل ما لو طابت نفسها عن كل الصَّدَاق إلا درهمًا منه مثلًا فإنه يأكله الإنسان هنيئًا مريئًا ثم إن تفويض الأمر للمرأة يدل على أنه حق محض لها والقاعدة الشرعية أن حق الآدمي محضٌ إذا عفا عنه أو إذا رضي منه بالقليل فإن ذلك جائز لأن الأمر إليه.
فإن قال قائل: أفلا يرد على قولكم هذا أن تصححوا النكاح بالهبة؟
قلنا: لا يرد؛ لأن النكاح بالهبة تبرع محض بدون عوض بخلاف المهر القليل فإنه يسمى عوضًا ولهذا لابد أن يكون المهر يصح ثمنًا أو أجرة أي يصح أن يعطى ثمنًا للشيء أو أجرة للشيء في مقابل منفعة فلو قال أنا أصدقها حبة شعير فهي شيء ورضيت بأن قالت يكفيني حبة شعير مهرًا لا يصح لماذا؟ لأنه ليس مالًا؛ حيث إن هذا لا يتمول عادة ولا يصح ثمنًا ولا أجرة، أي إنسان يقول أنا بعت عليك هذا بحية شعير أي إنسان يقول أجرتك هذه الحجرة بحبة الشعير. إذن لابد أن يصح ثمنًا أو أجرة فإن كان لا يمكن أن يكون ثمنًا أو أجرة فإنه لا يصح أن يكون مهرًا فإذا قال قائل هل يشمل هذا المنافع؟ نقول نعم يشمل المنافع فلو قال الزوج: أنا أصدقها بأن أرعى إبلها لمدة سنة فهذا جائز ولا بأس به وقد أصدق موسى صاحب مدين أن يعمل له ثمان سنين وإن أتم عشرًا فمن عنده فيصح مثلًا أن يجعل المهر منفعة تنتفع بها الزوجة إما بدنية أو مالي فالبدنية أن يعمل في بستانها أو يرعى إبلها أو يعمل في ورشتها، والمالية مثل أن يسكنها بيته غير السكنى الواجبة عليه لمدة سنة يقول المهر أن أعطيك الجراج مستودعًا لسيارتك أو لمالك أو ما أشبه ذلك.
стр. 2405
فإن قال قائل: هل يشمل ذلك الخدمة الخاصة لها أي أن يخدمها الزوج خدمة خاصة بأن يقول المهر أن أخدمها هي شخصيًا لمدة سنة؟
فالجواب: أن هذا مختلف فيه بين العلماء منهم من قال: يصح لأنه منفعة ومنهم من قال: لا يصح، لأنه كيف يصح أن يكون خادمًا وهو القوام نقول له يا ولد اكنس البيت، يا ولد احلب البقرة وهو يدعوها إلى الفراش وتقول احلب البقرة! هذا فيه منافاة فلهذا قال بعض العلماء إنه لا يصح أن يكون المهر خدمة المرأة الخاصة لوجود المنافاة والتناقض.
فإن قال قائل: هل يصح أن يكون المهر أن يعلمها شيئًا؟
فالجواب: فيه تفصيل على المذهب يقولون إن كان تعليم قرآن فإنه لا يصح وإن كان غيره فلا بأس ولكن الصحيح أنه يصح أن يكون المهر تعليمًا سواء قرآن أو غيره.
جعل العتق صداقا:
٩٨٥ - عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ : «أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها». متفقٌ عليه.
«أنه» أي: النبي ﷺ ، «أعتق» أي: حررها من الرق، هذا هو العتق تحرير الرقبة من الرق يسمى عتقًا وصفية هذه بنت رئيس بني النضير حيي بن أخطب اليهودي، وهي من ذرية هارون أخو موسى، هذه وقعت في خيبر من جملة من سبي من النساء فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه، ولكنه ﷺ اختارها لنفسه لا لقضاء الوطر أو الشهوة ولكن لجبر ما حصل لقلبها من الكسر لماذا؟ لأنها ابنة سيد القوم فأسرت وهذا من أكبر الإذلال في ذلك العهد حتى إلى عهدنا الآن فأراد النبي ﷺ أن يختارها لنفسه فهذه منة ثم منة أخرى أنه اعتقها وجعلها من أمهات المؤمنين؛ حيث إنه أعتقها وتزوجها وهذه منة أخرى بل منة أخرى تتضمن منتين فهذه ثلاث منن بالنسبة لصفية الأولى أنه اصطفاها والثانية أعتقها والثالثة تزوجها حتى صارت بذلك من أمهات المؤمنين وهذا شأنه ﷺ في نكاح من تزوجها من النساء أنه يراعي في ذلك المصالح ليست المصالح الذاتية الشخصية بل أهم شيء عنده ﷺ المصالح العامة أو الخاصة بمن تزوجها.
стр. 2406
يقول: «وجعل عتقها صَدَاقَها». إذن فعتق المرأة يصح أن يكون صَدَاقًا لكن لها أو لغيرها؟ لها لا لغيرها فلو أن امرأة مثلًا كانت صديقة لسرية، عنده زوج خطب امرأة وله سرية وقالت المخطوبة: مهري أن تعتق سريتك فأعتقتها لأن بينها وبينها صداقة وتحب أن تحررها فهذا لا يصح لأن العتق الآن لغير المتزوجة والذي يصح أن يكون العتق للزوجة «أعتقها وجعل عتقها صداقها» كيف قال؟ قال أعتقتك وجعلت عتقك صداقك.
ففي الحديث فوائد منها: بيان حكمة النبي ﷺ في اصطفاء صفية ثم عتقها ثم جعلها من أمهات المؤمنين.
وفيه من الفوائد: أنه ينبغي للإنسان أن يراعي قلوب الناس فإذا انكسر قلب شخص فليحرص على جبره بما استطاع لأن في هذا فضلًا عظيمًا والإنسان ينبغي له أن يراعي الناس بنفسه بمعنى أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ومعلوم أن الإنسان إذا انكسر قلبه يحب من الناس أن يجبروه فينبغي هو أيضًا أن يجبر قلوب المنكسرة قلوبهم أولًا إشفاقًا عليهم، وثانيًا رجاء لفضل الله .
ومن فوائد الحديث: جواز إعتاق المملوكة وأن يكون عتقها صداقها لفعل النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط لعقد النكاح صيغة معينة أي أن النكاح ينعقد بما دل عليه ولا يشترط فيه لفظ الإنكاح ولا التزويج خلافًا لمن قال من أهل العلم إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج وقد مر علينا وقلنا إن الصحيح أن النكاح كغيره فينعقد بما دل عليه بأي لفظ كان.
ومن فوائد الحديث: فضيلة صفية ﵂ وذلك بأنها كانت من أمهات المؤمنين.
ومن فوائد الحديث: بيان رحمة الله سبحانه وأنه إذا كسر من وجه، جبر من وجه آخر وهذه فائدة عظيمة يستفيد بها الإنسان في سلوكه مع الله أنه إذا كسره الله من وجه فلينظر الجبر من وجه آخر ولا ييأس من رحمة الله وربما يأتي الجبر من وجه لم يخطر له على بال.
صَدَاق زوجات النبي ﷺ :
٩٨٦ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ أنه قال: «سألت عائشة ﵂: كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقيةٍ. فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه». رواه مسلم.
أبو سلمة بن عبد الرحمن من التابعين، وعائشة من الصحابة، وإذا كان أدرك زمنها فهو
стр. 2407
يعتبر من أواسط التابعين سألها: «كم كان صداق رسول الله ﷺ » ولم يقيد؟ فقالت: «كان صداقه لأزواجه» وهي جمع زوج وهو جمع مضاف والجمع المضاف يفيد العموم لكنه هنا عامٌّ أريد به الخصوص لأن هذا القدر الذي ذكرته عائشة ليس لكل أزواج النبي ﷺ كما مضى وكما سيأتي مهره لصفية عتقها إذن فهو عام أريد به الخاص قالت كانت اثنتي عشرة أوقية ونشا، يقال اثنتي وثنتي كما يقال ثنتان واثنتان وابنتان وبنتان والمعنى واحد ولكن لماذا قالت ثنتي عشرة ولم تقل اثنتا عشرة؟ هذا يدل على أن اللغة هي الحاكم وليست قواعد النحو لأن مثل هذا المثال ما نستطيع أن نجيب عنه جوابًا مقنعًا لأنه إن كان مبنيًا على الجزأين قيل لهم كيف يكون مبنيًا وهو يتغير باختلاف العوامل والمعروف الذي يتغير باختلاف العوامل لا يسمى مبنيًا وإن قالوا معربًا قلنا معربًا أقرب من كونه مبنيًا ولكن ماذا تقولون في عشرة قالوا هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنه لا يصح أن يكون مضافًا ومضاف إليه ولكنها بمنزلة التنوين يقال لهم لماذا لم تقولوا بهذا في ثلاث عشر؟ وتقولوا المركب فهو مبني على فتح الجزأين؟ على كل حال الذي نرى أن نقول كما قال أظنه الكسائي قال: «أي كذا كذا خلق» فنقول هذه اثنتا عشرة نطق بها العرب في حال الرفع بالألف وفي حال النصب والجر بالياء، وقولها: «ونشا» كأن أبا سلمه ﵀ لا يعرف معنى النش ولهذا قالت له: «أتدري ما النش .... ؟ » الخ النش لغة بمعنى: النصف فإذا قال قائل هذا غير معروف قلنا وليكن غير معروف عندك لكنه معروف عند أم المؤمنين ﵂ التي هي من أفصح النساء فيقال ستة دراهم ونش أي ونصف وهذا لغة عربية صحيحة، «أتدري ما النش؟ » أي أتعلم ما هو؟ قال قلت لا وقالت: «نصف أوقية» فإذا كانت اثنا عشر ونصف أوقية يقول فتلك خمسمائة درهم لأن الأوقية أربعون درهمًا فعشرة في الأربعين بأربعمائة واثنان في أربعين بثمانين والنصف عشرون يكون الجميع خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه خمسمائة درهم فقط الدرهم يساوي عندنا شيئًا زهيدًا إذا جعلنا كل مائتي درهم إسلامي ستة وخمسين ريالًا عربيًّا من الفضة كم تكون خمسمائة؟ مائة وأربعون ريالًا بالريال السعودي ولا شك أن هذا بالنسبة لوقتنا قليل جدًّا لكنه بالنسبة لوقت مضى حتى عندنا يعتبر هذا كثيرًا فيما سبق صداق المرأة عندنا ريال واحد وأحيانًا يكون الصداق - إذا صار قصابا - الكبد كبد الخروف يكون صداقًا، أحيانًا يصدقها خمارًا وذكروا أن شخصًا أصدق امرأته ريالًا فلما كان الضحى دخل عليها بالليل وجلس عندها في الضحى قرع عليه الباب رجل فنزل ليفتح له فلما فتح له تخاصم معه وارتفعت الأصوات وقال لأسجننك إن لم توفيني ففزعت المرأة زوجٌ ما دخل عليها إلا البارحة وهذا يسجنه؟ فهذا
стр. 2408
مشكل فقالت ماذا يريد؟ قال يطلبني ريال وإذا الريال الذي عندها قال خذ الريال فخرجت المرأة مجانًا لكن على كل حال طابت نفسها بعد ذلك.
من فوائد الحديث: حرص السلف على العلم لسؤال أبي سلمه بن عبد الرحمن ولكننا نسأل هل سؤال أبي سلمه يقصد به مجرد الاطلاع أو يقصد به الاستدلال لحكم شرعي؟ الثاني لا شك وهذه كانت أسئلة السلف لا يسألون عن الشيء إلا من أجل أن يبنوا على هذا السؤال أحكامًا شرعية خلافًا لما يعتاده كثير من الناس اليوم يسألون للاطلاع فقط ولهذا تجد بعض الناس يسأل واحدًا واثنين والثالث والرابع لمجرد أن ينظر ماذا عنده؟ وهذا خلاف هدي السلف.
ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة الرجل المرأة إذا كان لمصلحة لأنه خاطب عائشة وسألها.
وهل من فوائده جواز تدريس المرأة للرجل؟ قد يقال إن في أخذها - أي: هذه الفائدة - من الحديث نظرًا لأن هناك فرقًا بين أن تنصب المرأة نفسها معلمة للرجال وبين أن تسأل عن حكم شرعي والفرق بينها ظاهر لأن الأول قد يؤدي إلى الاختلاط وكثرة الكلام والمحاباة والمرأة - كما تعرفون - ناقصة العقل سريعة العاطفة لو أن الرجل تملق لها أو ضحك في وجهها لجذبها كما يجذب الخروف إلى المجزرة فلهذا قد يعارض بالاستدلال بهذا الحديث فيقال هناك فرق بين رجل سأل امرأة عن مسألة شرعية هذا لا بأس ولا أحد يقول هذا حرام بخلاف التي تنصب نفسها مدرسة للرجال ثم إن هناك فرقًا بين أمهات المؤمنين اللاتي في قلوب الناس لهن من الاحترام والإجلال ما يمنع أن يكون هناك شبهة ولهذا قال الله لأمهات المؤمنين ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. يعني لن يطمع إلا من في قلبه مرض أما من قلبه سليم صحيح فإنه لا يطمع.
ومن فوائد الحديث: أن صوت المرأة ليس بعورة لأنه لو كان عورة لكانت عائشة تنكر عليه وهذا أمر كالمقطوع به لدلالة القرآن عليه لقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فإن النهي عن الخضوع دليل على جواز ما هو أعم منه وهذه قاعدة مفيدة في أصول الفقه أن نفي الأخص يدل على وجود الأعم لأنه لو كان الأعم منتفيًا لكان نفي الأخص نقصًا في البيان أو النهي عن الأخص نقصًا في البيان ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿لا
стр. 2409
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. على أن الله يرى قالوا لأن نفي الإدراك دليل على وجود أصل الرؤية ولو كانت الرؤية ممتنعة في الأصل لكان مقتضى البلاغة والبيان أن تنفي الرؤية أصلًا فيقال لا تراه الأبصار فإذا نهى الله عن الخضوع بالقول دلّ هذا على جواز أصل القول وأن المرأة لا بأس أن تخاطب رجالًا.
ومن فوائد الحديث: جواز إطلاق العام وإرادة الخاص ولا يعد هذا من الكذب لفعل عائشة وفعلها حجة فإنها أطلقت العام تريد به الخاص ولكن لاحظوا أنه لا يجوز إطلاق العام وإرادة الخاص مع احتمال أن يراد العموم لأن هذا خلاف البيان بل لابد أن يكون هناك قرينة حالية أو قرينة متصلة أو قرينة منفصلة على أن هذا العموم غير مراد أما أن تخاطب الناس بعام وأنت تريد الخاص بدون أن يكون هناك ما يبين ذلك هذا لا يجوز فهنا ما الذي يبين أن عائشة لا تريد العموم؟ الواقع أن صداق الرسول ﷺ لجميع زوجاته ليس هكذا فهي لما قالت «لأزواجه» نعلم أنها تعلم أن بعض أزواجه لم يكن هذا صداقهن.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمفتي إذا تكلم مع المستفتي بشيء يظنه جاهلًا به أن يبينه.
ومن فوائد الحديث: أن من طرق تعليم العلم السؤال لأنها سألته «أتدري ما النش؟ » ولم تقل والنش النصف بل سألته؛ لأن الإنسان إذا سئل تأهبت نفسه لقبول ما يكون جاهلًا به بخلاف ما أخبر به رأسًا.
صداق فاطمة بنت النبي ﷺ :
٩٨٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «لما تزوج علي فاطمة قال له رسول الله ﷺ : أعطيها شيئًا، قال: ما عندي شيءٌ. قال: فأين درعك الحطمية؟ ». رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم.
علي بن أبي طالب ابن عم الرسول ﷺ وفاطمة بنت الرسول ﷺ وهي سيدة نساء أهل الجنة كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ وعلي قال فيه النبي ﷺ «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» قال ذلك حينما خلفه على أهله في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تجعلني مع النساء والصبيان فقال ذلك تطييبًا لقلبه ولأن هارون خلف موسى في قومه حيث قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. فهذا معنى قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» لكن لما خاف النبي ﷺ أن يتشبث متشبث بهذه الكلمة ويقول: علي نبي كهارون فقال غير أنه لا نبي بعدي وهذا مما يدل على شدة حماية النبي ﷺ لمقام الرسالة كما أنه
стр. 2410
شديد الحماية لمقام التوحيد وإلا فمن المعلوم من القرآن والسنة أنه - أي: النبي ﷺ خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده لكن خاف أن يتشبث متشبث بهذا لكن الرافضة قالوا إن عليًّا إمام وادعوا أن الأئمة أفضل من الأنبياء وأنه لأئمتهم مقامًا لا يناله ملك مقرب ولا نبي مرسل.
يقول: قال له الرسول: «أعطها شيئًّا» يريد: مهرًا قال: «ما عندي شيء» ابن عم الرسول ليس عنده شيء يصدقه زوجته! قال: «فأين درعك الحطمية؟ » الدرع يحتمل أنه يراد به درع الحرب ويحتمل أن يراد به درع اللباس العادي فإن القميص الذي نلبسه نحن يسمى درعًا والدرع الممرد من الحديد يسمى درعًا أيضًا وأظن بعضكم قد شاهد الدرع الذي يلبس في الحرب عبارة عن حلقات يربط بعضها ببعض منسوجة نسجًا يلبسها الرجل حتى تقيه السهام وهو ثقيل لكن هناك أجسام قوية تتحمل هذا الدرع وقوله «الحطمية» نسبة إلى بطن من عبد قيس يعني من العرب.
ففي هذا الحديث: دليل على فضل علي بن أبي طالب وذلك حين أنكحه النبي ﷺ ابنته فإن هذا لا شك يورث قرابته النسبية - هذه قرابة صهرية - فاجتمع لعلي قرابة النسب وقرابة الصهر وعثمان بن عفان زوجة النبي ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم وقد جاء رجلان إلى ابن الجوزي ﵀ يتنازعان في علي وأبي بكر أيهما أفضل؟ فقال ابن الجوزي «أفضلهما من كانت ابنته تحته». فذهب الرجلان يتنازعان من يريد أيريد عليًّا أم يريد أبا بكر، هو تخلص من السؤال لأن أحد الرجلين يريد أن يقول عليّ أفضل والثاني يريد أن يقول أبو بكر أفضل فقال لهما ذلك فالضمير يعود على من؟ ما يدري من كانت ابنة الرسول تحته إذا كان هذا المعنى فعليّ إذا كان المعنى من كانت ابنته تحت الرسول فهو أبو بكر والضمائر غير واضحة.
ومن فوائد الحديث: أنه لابد في النكاح من مهر لأنه لما قال أعطها شيئًا قال ما عندي قال أين درعك؟ ويدل لذلك أي لكونه لابد في النكاح من مهر قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ولأننا لو أجزنا النكاح دون مهر لكان بمعنى الهِبة والهبة خاصة بالنبي ﷺ بنص القرآن كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً﴾ يعني وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن أراد ...... إلى قوله الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فإذا شرط الزوج أن لا مهر عليه فقد اختلف العلماء في صفة النكاح واتفقوا على فساد الشرط. الشرط فاسد لكن هل النكاح صحيح؟ يرى شيخ
стр. 2411
الإسلام ﵀ أن النكاح غير صحيح لأن هذا شرط ينافي مقتضى العقد وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه مبطل للعقد قال لأن الله إنما أحل ما أحل من النساء بشرط المهر: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: تطلبوا النساء بأموالكم، وقال بعض العلماء: النكاح صحيح والشرط فاسد ويجب لها مهر المثل أما إذا زوجه وسكت فالنكاح صحيح ولها مهر المثل.
ومن فوائد الحديث: إحاطة النبي ﷺ بأحوال الصحابة حيث علم ما عند علي بن أبي طالب ﵁.
ومن فوائد الحديث: أن الخبر المبني على الظن لا يعد كذبًا ولو خالف الواقع لما قال: «ما عندي شيء» يشمل كل شيء فأقره النبي ﷺ لكن بيَّن له أن عنده شيئًا فإذا أخبر الإنسان بخبر بناء على ظنه وتبين الأمر خلاف ظنه لم يعد كاذبًا ويتفرع على هذه الفائدة أنه لو حلف على شيء بناء على غلبة الظن فإنه لا يحنث ولا فرق بين أن يكون هذا في المستقبل أو في الماضي فإذا قيل لشخص فلان سيقدم غدًا قال: «والله لا يقدم» بناء على غلبة الظن ثم قدم فإنه لا حنث عليه كما تفيد هذه القاعدة التي أخذت من السنة.
ومن فوائد الحديث: أن المهر يصح في كل متمول لقوله: «فأين درعك الحطمية؟ ».
ومن فوائده: أنه يجوز أن يكون المهر مما لا يصلح للمرأة ولكن تبيعه أو تهديه كيف ذلك؟ لأن الدرع إن كان درع الحديد الذي يتوقى به السهام فإن المرأة لا تلبسه عادة وإن كان الدرع لباس الرجل فالمرأة أيضًا لا تلبسه لأن المرأة لا يجوز أن تتشبه بالرجال، فإذا قال قائل: هل أصدقها عليٌّ هذا الدرع أم ماذا؟
الواقع: أن الحديث ليس فيه ذكر لجواب عليّ؛ يعني: عليّ لم يقل عندي ولم يقل أريد أن أصدقها غيرك، فهو محتمل لكن ربما يقول قائل إن الذي يقرب أنه أصدقها إياه لأن قول الرسول ﷺ «أين درعك الحطمية؟ » يعني أصدقها إياه فيكون الظاهر أنه أصدقها إياه.
الصداق والحباء والعدة:
٩٨٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ، أو حباءٍ، أو عدةٍ قبل عصمة النكاح؛ فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح؛ فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته أو أخته». رواه أحمد، والأربعة إلا الترمذي.
قوله ﷺ : «أيما» هذه من أسماء الشرط التي تجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جواب
стр. 2412
الشرط وهي مبتدأ و «ما» زائدة لأنها لو حذفت لاستقام الكلام لو قيل أي امرأة نكحت وامرأة مضاف إليها «أي» وقوله: «نكحت» هذا فعل الشرط وجوابه «فهو لها» يقول: «أيما امرأة نكحت على صداق» وسبق معنى الصداق «أو على حباءٍ» وهي ما نسميه نحن بالهدايا التي تبذل لها وهي خارجة عن الصداق لكن لها حكم الصداق يعني الزوج يعطي الصداق ولنقل دراهم أو ثيابًا أو فرشًا ويعطي هدايا كالحلي وشبهه أحيانًا تسبق الهدايا العقد وأحيانًا تكون بعده، وقوله: «أو عدةٍ» مؤنث وعد يعني نكحت على وعدٍ بأن قال الزوج أنا أعدكم أن أعطيكم ألف ريال، قبل عصمة النكاح أي قبل عقده وسمي عقد النكاح عصمة لأن الإنسان يعصم به ما يخشى على نفسه منه من الفساد ولأنه يعصم به الزوجة من أن تتزوج بآخر وقوله: «قبل عصمة النكاح فهو لها» أي للزوجة ولا يعطى لأحد حتى وإن كان الموعود نفس الولي قال: «وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه ما كان من الحباء والعدة فهو لمن أعطيه سواء كان يعطيه الأب أو العم أو الأخ أو الأم أو غير ذلك» وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته أو أخته هذه الجملة علاقتها بالنسبة أنها تعليل يعني أن الإنسان قد يكرم من أجل ابنته أو أخته وهذا حق وليس بباطل.
فهذا الحديث فيه فوائد عظيمة: الأولى أن الصداق والهدايا التابعة له والعدات التي يعد بها الزوج إن كانت قبل عقد النكاح فهي للزوجة حتى وإن شرطت لغيرها وبهذا نعرف ظلم أولئك القوم الذين يشترطون لأنفسهم من مهر الزوجة ما قد يكون نصف المهر أو أكثر وخصوصًا في البادية إذا خطب الرجل منهم قالوا نعم نعطيك البنت عشرة آلاف لها وعشرون ألفًا لحليلها ولأبيها سيارة كاديلاك ولأخيها سيارة نقل، فيكون نصف المهر كله طلبات لغيرها هذا حرام إذ ليس يحل لهم أن يشترطوا لأنفسهم شيئًا ولو شرطوا وتحاكموا للمحكمة قضت بأن المشروط للزوجة لا لهم فهم لا يملكون شرعًا ولا حكمًا يعني عند التحاكم، وقال بعض العلماء إن شُرط للأب فله وإن شُرط لغيره فلها أي للزوجة وعللوا ذلك للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء لقول النبي ﷺ «أنت ومالك لأبيك»، ولكن هذا قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار وهو قياس فاسد من أصله وذلك أن المرأة لا تملك الصداق إلا بالعقد والأب لا يمكن أن يتملك ما لم تملكه البنت فهو قياس فاسد والصحيح أن ما يشترط قبل العقد للمرأة ولو كان الذي اشترطه أبوها لهذا الحديث.
ومن فوائد الحديث: جواز شرط الكرامة للأب أو للابن بعد عقد النكاح وأن الزوج لو التزم بذلك ورضي لزمه ولكن هل يعتبر من المهر؟ لا يعتبر يُعتبر كرامة للأب أو للأخ أو للعم
стр. 2413
ما أشبه ذلك وبناء عليه فإذا وجد ما يسقط به المهر أو ما يتنصف فإن الزوج لا يرجع به على من أخذه مثال ذلك رجل تزوج امرأة بمهر قدره عشرة آلاف ريال وعقد له العشرة للزوجة لكن بعد العقد أكرم أباها بخمسة آلاف وأمها بألفين وأخاها بألف ثم قدر أن طلقها قبل الدخول لها فلها نصف المهر ويرجع عليه نصف المهر لكن هل يرجع بما أعطى أباها وأمها وأخاها؟ لا لأن هذا ليس من المهر.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل قد يكرم من أجل ابنته أو من أجل أخته وأنه إذا أكرم لهذا فليس ذلك من باب الرشوة ولا من باب أكل المال بالباطل لقوله «أحق ما أكرم الرجل عليه ابنته أو أخته».
ومن فوائد الحديث: أن الصداق يصح بالقليل والكثير لأن «على صداق» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم أي صداق كان قليلًا كان أو كثيرًا فهو جائز.
مهر من لم يفرض لها صداق:
٩٨٩ - وعن علقمة، عن ابن مسعودٍ ﵄: «أنه سُئل عن رجلٍ تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود ﵁: لها مثل صداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشقٍ امرأة منا مثل ما قضيت، ففرح بها ابن مسعودٍ». رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي، وحسنه جماعة.
«سُئل عن رجل» والسائل كما قلنا مرارًا لا يهمنا تعيينه لأن المقصود معرفة المسألة وحكمها وقوله: «تزوج امرأة ولو يفرض لها صداقًا» أي لم يقدر لها صداقًا لأن الفرض بمعنى التقدير كما قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعني: من المهر أي ما قدرتم، ولم يدخل بها حتى مات ولكن النكاح صحيح فقال ابن مسعود: «لها مثل صداق نسائها» بدلًا من عدم تسمية المهر لأنه لو سمي الصداق وفرض لم يكن لها أكثر مما فرض لها لكنه لم يفرض لها مهر نسائها وقوله: «مثل صداق نسائها» ما المراد بالنساء؟ المراد المماثلات لها سنًّا وجمالًا ودينًا وخلقًا وحسبًا ومالًا - ستة أشياء - لأن الرسول ﷺ قال «تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين»، فنحن نقول هذه مهر نسائها يعني النساء اللاتي يماثلنها في هذه الأمور الستة.
стр. 2414
«لا وكس» وهو النقص و «الشطط» الزيادة، المعنى لا ينقص منه ولا يزاد عليه «وعليها العدة» «ال» للعهد الذهني فيكون المراد بها عدة الوفاة لأن المفارقة هنا بالوفاة أي عليها عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرة في هذه المسألة؛ لأن المرأة لم يدخل بها وليست ذات حمل أما لو كانت ذات حمل فعدتها وضع الحمل حتى لو وضعت قبل أن يتم تغسيل زوجها انتهت عدتها لكن هذه المسألة التي معنا ليست حاملًا.
«ولها الميراث» بم أخذ ابن مسعود هذا الفقه من الكتاب والسنة؟ نقول أما بالنسبة لقوله: «لها مثل صداق نسائها» فأخذه من قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهنا لابد من الابتغاء بالمال والمال لم يعين فيرجع إلى قيمة المثل وقيمة المثل بالنسبة للمرأة هو مهر مثلها وأما قوله عليها العدة فلعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وأما قوله: «ولها الميراث» فلعموم قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. وهي زوجة فتكون داخلة في هذا العموم فقام معقل بن سنان فقال ... الخ يعني لما سمع هذا الكلام قام يؤيد هذا القول بسنة عن النبي ﷺ وقوله في بروع بنت واثق؛ «بروع» اسم امرأة ولهذا لم ينصرف والمانع له من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي، «امرأة منا» هذه عطف بيان وليست نعتًا لأن «امرأة» نكرة ولا تكون النكرة صفة لمعرفة، «امرأة منا» وإنما قال امرأة هنا ليبين أنه على توكيد من هذه المسألة لأن المرأة إذا كانت منهم فسوف يكون أعلم الناس بها، «بمثل ما قضيت» أي بمثل ما حكمت به فالقضاء هنا بمعنى الحكم ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. أي حكم حكمًا شرعيًا ألا تعبدوا إلا إياه «ففرح بها ابن مسعود» لأنها شهدت لكلامه بالحق وأنه موافق للصواب والحديث صححه غير الترمذي وذلك لأن نصوص الشرع تشهد له.
فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: فضيلة عبد الله بن مسعود حيث وُفِّق للصواب والإنسان إذا اجتهد ووفقه الله للصواب فإن هذا من نعمة الله عليه ولهذا يعد من مناقب عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان موفقًا للصواب يقول الشيء ثم ينزل القرآن بتصديقه وهذه من نعمة الله على العبد أن يوفقه للصواب أحيانًا يقول الإنسان الشيء باجتهاده فإذا به يوافق النص.
ومن فوائد الحديث: جواز الفرح بإصابة الصواب لأن ابن مسعود ﵁ فرح بها، وقد قالت عائشة ﵂ حين تحدثت أن النبي ﷺ أذن لسوده ليلة عيد الأضحى أن تدفع من مزدلفة بليل ولو استأذنت النبي ﷺ كما استأذنته سوده كان أحب إلي من مفروح به فإن قال قائل كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
فالجواب عن هذا يسير جدًا: الفرح المذموم هو فرح البطر والأشر أما الفرح المحمود فهو
стр. 2415
الفرح بنعمة الله وقد أمرنا الله أن نفرح بفضله ورحمته فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. فإذا كان الفرح بمعنى البطر والأشر والاستعلاء على الخلق فهذا مذموم وإذا كان الإنسان يفرح بما أنعم الله عليه فهذا محمود ولا يضر.
ومن فوائد الحديث: جواز الزواج بدون تسمية مهر لأن ابن مسعود لم ينكر ذلك بل إن القرآن دل على جوازه في قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يفرض لها مهرًا فلها مهر المثل لقوله هنا «لها مثل صداق نسائها» ولكن متى يكون لها مهر المثل؟ يكون لها مهر المثل إذا وجد ما يتقرر به الصداق، أما إذا طلقها قبل أن يتقرر الصداق فلها المتعة إذا فورقت امرأة لم يسم صداقها فإن كانت المفارقة في حال يتقرر بها المهر فلها مهر نسائها وإن كانت في حال لا يتقرر به المهر كاملًا فلها المتعة ولنضرب لذلك مثلًا رجل تزوج امرأة ولم يسم لها صداقها ثم طلقها قبل الدخول فماذا يكون؟ لها المتعة لا نقول لها نصف صداق المثل لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ... ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
المثال الثاني: رجل تزوج امرأة ولم يسم لها صداقًا ودخل بها ثم طلقها ما الواجب؟ الواجب مهر المثل لا المتعة فيقال ما مهر مثل هذه المرأة في الأوصاف الستة التي ذكرناها فإذا سماه عشرة آلاف قلنا لها عشرة آلاف فتبين بهذا أن النكاح بدون تسمية الصداق جائز وأن لها مهر المثل إن وجد ما يقرر المهر وإن فارقها قبل وجود ما يقرر المهر فلها المتعة هذا ما لم يكن الفسخ منها فإن كان الفسخ منها قبل الدخول فليس لها شيء لأنها هي التي اختارت الفسخ.
ومن فوائد الحديث: أن الموت مقرر للمهر ما معنى مقرر؟ يعني أنه إذا مات الزوج أو الزوجة ولو قبل الدخول ثبت المهر كاملًا للزوجة هذا إذا مات الزوج وإذا ماتت هي يكون المهر لورثتها المهم إذا مات الزوج أو الزوجة ثبت المهر إن كان مسمى فالمسمى وإن لم يكن مسمى فمهر المثل وهذا بلا خلاف بين العلماء أنه إذا مات أحد الزوجين تقرر المهر وهنا يحسن أن نذكر ما يتقرر به المهر سوى الموت يتقرر المهر بالجماع إذا جامعها ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «فلها المهر بما استحل من فرجها» فإذا جامع الرجل زوجته ثم طلقها ثبت لها كاملًا بالنص، يتقرر المهر بالخلوة إذا خلا الزوج بامرأته وهي ممن يمكن جماعها فإنه يتقرر المهر إذا فارقها بعد هذه الخلوة وإن لم يحصل جماع - هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ ودليل هذا أن الخلوة مظنة الجماع لاسيما إذا كانا الزوجان شابين فإنه يندر أن
стр. 2416
يخلو بها عن أحد ثم يدعها هذا نادر ولهذا نقل إجماع الصحابة على أن الخلوة مقررة للمهر وموجبة للعدة، وأيضًا نقل عن الإمام أحمد ﵀ وهو أن المهر يتقرر باستباحة كل ما لا يباح إلا بعقد النكاح إذا استباح الرجل من المرأة ما لا يباح إلا بعقد النكاح ثبت المهر قياسًا على الخلوة لأن الخلوة لا تباح إلا لمحرم أو زوج فعلى هذا لو قبلها بحضرة الناس بدون خلوة هل يستقر المهر؟ يستقر المهر قياسًا على الخلوة ولكن هذا خلاف رأي جمهور العلماء لأن العلماء يقولون إن النبي ﷺ يقول: «لها المهر بما استحل من فرجها» ومعلوم أن استحلال الفرج ليس كاستحلال غيره فليس الجماع في المتعة بالمرأة كالتقبيل ولا يمكن أن يقاس الأدنى على الأعلى ولكن ما ذكره الإمام أحمد باعتبار ما ورد عن الصحابة ﵃ في أن الخلوة مقررة للمهر لا شك أن له وجهًا؛ لأنه إذا استباح منها ما لا يباح إلا بعقد النكاح من تقبيل أو ضم أو غير ذلك فإنه يستقر المهر ويحسن بنا أيضًا أن نتكلم على ما ينتقص به: إذا جاءت الفرقة من قبل الزوج قبل أن يحصل ما يتقرر به المهر فلها نصف المهر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. إذا جاءت الفرقة من قبلها قبل أن يحصل ما يتقرر به المهر فليس لها شيء مثال ذلك عقد على المرأة وقبل أن يدخل بها تبين أن بها عيبًا يستحق به فسخ النكاح ففسخ نكاحها لعيبها فليس لها شيء لماذا؟ لأن الفرقة جاءت من قبلها، إذا جاءت من قِبل أجنبي ففيه قولان في مذهب الإمام أحمد هل يتنصف المهر ويرجع به الزوج على من أفسده أو لا يتنصف ولا تستحق المرأة شيئًا؟ فيها قولان والظاهر أنه يتنصف وتعطى المرأة النصف ويرجع الزوج به على من تسبب للفراق هذا هو العدل لأن المرأة ليست منها شيء حتى نقول ليس لها مهر وهذا رجل معتدٍ فيعامل بعدوانه.
مقدار الصداق:
٩٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أعطى في صداق امرأةٍ سويقًا أو تمرًا؛ فقد استحل». أخرجه أبو داود، أشار إلى ترجيح وقفه.
«من» هذه شرطية وفعل الشرط فيها «أعطى» وجواب الشرط قوله: «فقد استحل» وربط بالفاء لاقترانه بقد والذي يقترن بالفاء إذا كان الجواب واحدًا من سبع جمل مجموعة في قوله:
اسميةٌ طلبيهٌ وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
стр. 2417
فقوله ﷺ : «من أعطى في صداق امرأة سويقًا» السويق هو الحب المحمص محموص يطحن ويثرد ويؤكل سواء كان من البر أو الشعير أو الذرة أو من أي حب كان، وقوله أو تمرًا معروف وقوله: «سويقًا» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم يعني قليلًا كان أو كثيرًا وقوله: «فقد استحل» أي حل له فرجها ولكن المؤلف أشار إلى ترجيح وقفه على جابر بن عبد الله ﵄ وتعلمون أن الموقوف ما كان منتهي سنده الصحابي أي ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع وهذا الذي ذكره هل نحكم له بالرفع؟ الجواب: لا؛ لأنه مما للاجتهاد فيه مجال وإذا كان للاجتهاد فيه مجال وهو قول صحابي فلا يحكم له بالرفع؛ لاحتمال أنه قاله تفقهًا أما الشيء الذي لا مجال للاجتهاد فيه ولم يكن الصحابي معروفًا عن الأخذ عن بني إسرائيل فهذا له حكم الرفع.
يستفاد من هذا الحديث أو الأثر إن لم يصح رفعه: أن الصداق يصح بكل قليل وكثير، يؤخذ من قوله: «سويقًا» حيث جاءت نكرة في سياق الشرط.
ومن فوائده: أن الصداق يصح بالطعام فلا يشترط أن يكون من النقدين الذهب والفضة لقوله: «سويقًا أو تمرًا».
ومن فوائده: أن المرأة لا تحل إلا بصداق لقوله: «فقد استحل» ولكن نظرًا إلى أنه ليس الغرض المعاوضة في عقد النكاح فإن النكاح يصح بلا تسمية مهر بخلاف البيع فإنه لا يصح حتى يعلم الثمن والفرق بينهما أن المقصود والغاية من البيع والشراء هو المعاوضة والربح فلابد أن يكون الثمن والمثمن معلومين لئلا يحصل التنازع أما المقصود بالنكاح فهو شيء وراء المال وهو ما يحصل من المصالح العظيمة في النكاح وليس الغرض المعاوضة فلهذا صح بدون تسمية مهر لكن لابد منه فعقد النكاح من وجه أصعب من البيوع والبيوع من وجه أصعب من النكاح، البيوع يصح أن أعطيك الشيء هبة دون أن أبيعه عليك والنكاح لا يصح إلا للنبي ﷺ من هنا كان النكاح أصعب وأضيق، البيوع لا تصح إلا محررة الثمن والمثمن أي معلومة والنكاح يصح بدون تسمية المهر ويرجع في ذلك إلى مهر المثل وحينئذٍ نقول المهر له ثلاث حالات أن يعين، أن يسكت عنه، أن يشترط نفيه، فإذا عُين فلا إشكال، وإذا سكت عنه وجب مهر المثل وإذا شُرط نفيه فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن النكاح لا يصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول لأننا لو صححنا النكاح مع شرط نفي المهر لكان هذا هو الهبة.
والقول الثاني: أن النكاح صحيح والشرط فاسد وحينئذٍ يجب لها مهر المثل ولكن قول شيخ الإسلام أقوى وبناء عليه نقول لابد من تجديد العقد إذا سمي المهر يعني نلزمه بأن يفرض المهر أو يلغوا شرط نفيه ويعيدوا العقد من جديد.
стр. 2418
٩٩١ - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه ﵁: «أن النبي ﷺ أجاز نكاح امرأةٍ على نعلين». أخرجه الترمذي وصححه، وخولف في ذلك.
«أجاز» أي حكم بجوازه أو أجاز أي نفذ وكلاهما صحيح لأنه إذا أجاز شرعًا صار نافذًا وقوله: «على نعلين» هنا أطلق النعلين ولكنهما لابد أن يكونا معلومين عند الزوجين أما نحن فلا يهمنا أن يكون النعلان معلومتين أم لا؟ المهم أن الرسول ﷺ أجاز على نعلين، معنى «خولف» أي لم يوافق على التصحيح وعلى كل سواء صح الحديث أم لم يصح فإن النعلين من المال وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وعلى هذا فلو تزوج امرأة على نعلين فالنكاح صحيح ولو تزوجها على خمار فصحيح وعلى درع فصحيح المهم إذا تزوجها على أقل شيء يتمول فالنكاح صحيح.
ومن فوائد الحديث: أنه يدل على جواز المهر القليل لأن النبي ﷺ أجازه.
ويستفاد منه أيضًا: أن إقرار النبي ﷺ حكم يستدل به.
٩٩٢ - وعن سهل بن سعدٍ ﵁ قال: «زوج النبي ﷺ رجلًا امرأةً بخاتمٍ من حديدٍ». أخرجه الحاكم، وهو طرفٌ من الحديث الطويل المتقدم في أوائل النكاح.
سبق هذا في حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ولكن إذا تأملنا الحديثين وجدنا أن بينهما فرقا وهو أنه يقول: «زوجه بخاتم من حديد» والذي في الصحيحين أنه قال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد» ولم يجد فزوجه على ما معه من القرآن فإن كانت القصة واحدة كما هو ظاهر كلام ابن حجر صار معنى زوجه أي: أجاز له أن يتزوج على خاتم من حديد لقوله: «التمس ولو خاتمًا» أما عقد النكاح الذي حصل فإنه زوجه على ما معه من القرآن.
يستفاد من هذا الحديث: جواز المهر بالقليل لأن الخاتم من الحديد قليل.
ويستفاد منه: جواز لبس الحديد لأن النبي ﷺ إنما أجاز أن يكون الخاتم من الحديد مهرًا من أجل أن يلبس ويتحلى به.
وفيه أيضًا: الإشارة إلى تضعيف حديث النهي عن التحلي بالحديد وتعليل ذلك بأنه حلية أهل النار ولهذا حكم بعض المحققين على حديث النهي عن التختم بالحديد بالشذوذ لأنه خالف ما هو أرجح.
стр. 2419
فإن قال قائل: الذي معنا أن الرسول ﷺ أجاز الخاتم من حديد وقد يلبس وقد لا يلبس.
قلنا: لا يمكن أن يصنع خاتمًا من أجل أن يلقى في الأرض ولا يلبس لابد أن يلبس.
٩٩٣ - وعن علي ﵁ قال: «لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم». أخرجه الدارقطني موقوفًا، وفي سنده مقالٌ.
هذا الحديث موقوف على علي ﵁، وعليٌّ هو أحد الخلفاء الراشدين الذين يؤخذ بقولهم ويهتدى بهديهم ولكن الحديث لا يصح لأن فيه راويًا يضع الحديث وحديث الوضاعين حكمه مردود وعلى هذا فلا يساوي هذا الحديث فلسًا ولا عبرة به لكن مع ذلك أخذ به بعض العلماء وقال إن المهر لا يصح أقل من عشرة دراهم، ولكنه مردود؛ لأن هذا الأثر لا يصح وبأن عموم قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يشمل العشرة وما دونها ولأن النبي ﷺ قال للرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد» وبأنه أجاز نكاح امرأة على نعلين وبأنه بين أن ما أعطى امرأة سويقًا أو تمرًا فقد استحل وهذه الأحاديث ويعضدها عموم الآية.
تقليل الصداق:
٩٩٤ - وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصداق أيسره». أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم.
«الصداق» هو المهر، وبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن خيره أيسره، يعني: أسهله وأخفه؛ وذلك لأن فيه إعانة على الزواج فإنه إذا كانت الصدقات يسيرة كثر الزواج، وأيضًا من بركة اليسير: أنه سبب لإحسان العشرة بين الزوجين لأن الرجل إذا أصدق امرأته مهرًا كثيرًا صار كلما تذكر هذا المهر تكدر وشانت نفسه وصار يعاشر المرأة معاشرة سيئة إذا علم أن هذه المرأة [مهرها سهل] فإن نفسه تطيب وتطمئن لها، ومن بركة الصداق الميسر أنه يكون سببًا لفض النزاع بدون مشقة لو حصل نزاع بين الرجل وزوجته وكان المهر يسيرًا سهل عليه أن يطلقها أو يفارقها وسهل على أهله المخالعة إذا طلب الخلع بمهره الذي أعطاها لكن إذا كان المهر كثيرًا - ولنفرض أن المهر أربعون ألفًا - صار كلما همَّ أن يطلقها ويريحها من سوء العشرة تذكر كثرة المهر فأمسكها ثم إن قدر أنه أراد المخالعة وطلب من أهلها أن يعطوه المهر فقد يشق عليهم ولهذا صدق هذا الحديث: «خير الصداق أيسره»، وأيضًا فيه مصلحة اجتماعية
стр. 2420
وهي إقبال الناس على الزواج إذا كانت المهور ميسرة؛ ولهذا نجد الآن الناس في حال سيئة بالنسبة للصداق وكثرته تجد الواحد من الناس يذهب إلى بلاد بعيدة من أجل أن يحصل على زوجة ثم تحصل بعد ذلك المشاكل التي لا نهاية لها.
٩٩٥ - وعن عائشة ﵂: «أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله ﷺ حين أدخلت عليه - تعني: لما تزوجها - فقال: لقد عذت بمعاذٍ، فطلقها، وأمر أسامة يمتعها بثلاثة أثوابٍ». أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راوٍ متروكٌ.
- وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيدٍ الساعدي.
هكذا ساق المؤلف ﵀ هذا الحديث عن عائشة وقال: إن فيه راويًا متروكًا، وفي المصطلح أن الراوي المتروك هو من أتهم بالكذب وهو على اسمه متروك لا تقبل روايته، وعجبًا من المؤلف ﵀ حيث ساق الحديث من هذه الرواية التي ذكر أن فيها راويٍا متروكًا وترك الرواية التي في صحيح البخاري من حديث عائشة، وهو نفسه ﵀ ذكرها في باب الطلاق، وهذا مما يدل على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والحفظ فإنه معرض للنسيان ومعرض للخطأ، والمهم: أن في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب وقد قال ﷺ : «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، ولهذا لما استعاذت بالله منه تركها مع أنه تزوجها عن رغبة، لكنه ﷺ يفضل ما يراه الله على رغبة نفسه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن استعاذ منه بالله أحد أن يعيذه، وقد جاء الأمر في ذلك صريحًا «من استعاذكم بالله فأعيذوه». ولكنه يشترط لذلك ألا يستعيذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به؛ لأننا نعلم أن من استعاذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به أن الله لا يعيذه، فلو أن رجلًا أمرناه بصلاة الجماعة وعزمنا عليه فقال: أعوذ بالله منكم فإننا لا نعيذه لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من ترك واجبًا، ولو رأينا رجلًا يريد أن يشرب خمرًا فمنعناه فقال أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه أيضًا؛ لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من أراد أن يفعل محرمًا وهكذا القاعدة لكن من استعاذ بالله في أمر من حقوقنا نحن أو في أمر مباح فإننا نعيذه بذلك لأنه إنما لجأ واضطر إلى الله فينبغي ألا نحول بينه وبين من لجأ إليه وهو الرب العظيم.
следующие страницы →