Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
يخلو بها عن أحد ثم يدعها هذا نادر ولهذا نقل إجماع الصحابة على أن الخلوة مقررة للمهر وموجبة للعدة، وأيضًا نقل عن الإمام أحمد ﵀ وهو أن المهر يتقرر باستباحة كل ما لا يباح إلا بعقد النكاح إذا استباح الرجل من المرأة ما لا يباح إلا بعقد النكاح ثبت المهر قياسًا على الخلوة لأن الخلوة لا تباح إلا لمحرم أو زوج فعلى هذا لو قبلها بحضرة الناس بدون خلوة هل يستقر المهر؟ يستقر المهر قياسًا على الخلوة ولكن هذا خلاف رأي جمهور العلماء لأن العلماء يقولون إن النبي ﷺ يقول: «لها المهر بما استحل من فرجها» ومعلوم أن استحلال الفرج ليس كاستحلال غيره فليس الجماع في المتعة بالمرأة كالتقبيل ولا يمكن أن يقاس الأدنى على الأعلى ولكن ما ذكره الإمام أحمد باعتبار ما ورد عن الصحابة ﵃ في أن الخلوة مقررة للمهر لا شك أن له وجهًا؛ لأنه إذا استباح منها ما لا يباح إلا بعقد النكاح من تقبيل أو ضم أو غير ذلك فإنه يستقر المهر ويحسن بنا أيضًا أن نتكلم على ما ينتقص به: إذا جاءت الفرقة من قبل الزوج قبل أن يحصل ما يتقرر به المهر فلها نصف المهر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. إذا جاءت الفرقة من قبلها قبل أن يحصل ما يتقرر به المهر فليس لها شيء مثال ذلك عقد على المرأة وقبل أن يدخل بها تبين أن بها عيبًا يستحق به فسخ النكاح ففسخ نكاحها لعيبها فليس لها شيء لماذا؟ لأن الفرقة جاءت من قبلها، إذا جاءت من قِبل أجنبي ففيه قولان في مذهب الإمام أحمد هل يتنصف المهر ويرجع به الزوج على من أفسده أو لا يتنصف ولا تستحق المرأة شيئًا؟ فيها قولان والظاهر أنه يتنصف وتعطى المرأة النصف ويرجع الزوج به على من تسبب للفراق هذا هو العدل لأن المرأة ليست منها شيء حتى نقول ليس لها مهر وهذا رجل معتدٍ فيعامل بعدوانه.
مقدار الصداق:
٩٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أعطى في صداق امرأةٍ سويقًا أو تمرًا؛ فقد استحل». أخرجه أبو داود، أشار إلى ترجيح وقفه.
«من» هذه شرطية وفعل الشرط فيها «أعطى» وجواب الشرط قوله: «فقد استحل» وربط بالفاء لاقترانه بقد والذي يقترن بالفاء إذا كان الجواب واحدًا من سبع جمل مجموعة في قوله:
اسميةٌ طلبيهٌ وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
стр. 2417
فقوله ﷺ : «من أعطى في صداق امرأة سويقًا» السويق هو الحب المحمص محموص يطحن ويثرد ويؤكل سواء كان من البر أو الشعير أو الذرة أو من أي حب كان، وقوله أو تمرًا معروف وقوله: «سويقًا» نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم يعني قليلًا كان أو كثيرًا وقوله: «فقد استحل» أي حل له فرجها ولكن المؤلف أشار إلى ترجيح وقفه على جابر بن عبد الله ﵄ وتعلمون أن الموقوف ما كان منتهي سنده الصحابي أي ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع وهذا الذي ذكره هل نحكم له بالرفع؟ الجواب: لا؛ لأنه مما للاجتهاد فيه مجال وإذا كان للاجتهاد فيه مجال وهو قول صحابي فلا يحكم له بالرفع؛ لاحتمال أنه قاله تفقهًا أما الشيء الذي لا مجال للاجتهاد فيه ولم يكن الصحابي معروفًا عن الأخذ عن بني إسرائيل فهذا له حكم الرفع.
يستفاد من هذا الحديث أو الأثر إن لم يصح رفعه: أن الصداق يصح بكل قليل وكثير، يؤخذ من قوله: «سويقًا» حيث جاءت نكرة في سياق الشرط.
ومن فوائده: أن الصداق يصح بالطعام فلا يشترط أن يكون من النقدين الذهب والفضة لقوله: «سويقًا أو تمرًا».
ومن فوائده: أن المرأة لا تحل إلا بصداق لقوله: «فقد استحل» ولكن نظرًا إلى أنه ليس الغرض المعاوضة في عقد النكاح فإن النكاح يصح بلا تسمية مهر بخلاف البيع فإنه لا يصح حتى يعلم الثمن والفرق بينهما أن المقصود والغاية من البيع والشراء هو المعاوضة والربح فلابد أن يكون الثمن والمثمن معلومين لئلا يحصل التنازع أما المقصود بالنكاح فهو شيء وراء المال وهو ما يحصل من المصالح العظيمة في النكاح وليس الغرض المعاوضة فلهذا صح بدون تسمية مهر لكن لابد منه فعقد النكاح من وجه أصعب من البيوع والبيوع من وجه أصعب من النكاح، البيوع يصح أن أعطيك الشيء هبة دون أن أبيعه عليك والنكاح لا يصح إلا للنبي ﷺ من هنا كان النكاح أصعب وأضيق، البيوع لا تصح إلا محررة الثمن والمثمن أي معلومة والنكاح يصح بدون تسمية المهر ويرجع في ذلك إلى مهر المثل وحينئذٍ نقول المهر له ثلاث حالات أن يعين، أن يسكت عنه، أن يشترط نفيه، فإذا عُين فلا إشكال، وإذا سكت عنه وجب مهر المثل وإذا شُرط نفيه فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن النكاح لا يصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول لأننا لو صححنا النكاح مع شرط نفي المهر لكان هذا هو الهبة.
والقول الثاني: أن النكاح صحيح والشرط فاسد وحينئذٍ يجب لها مهر المثل ولكن قول شيخ الإسلام أقوى وبناء عليه نقول لابد من تجديد العقد إذا سمي المهر يعني نلزمه بأن يفرض المهر أو يلغوا شرط نفيه ويعيدوا العقد من جديد.
стр. 2418
٩٩١ - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه ﵁: «أن النبي ﷺ أجاز نكاح امرأةٍ على نعلين». أخرجه الترمذي وصححه، وخولف في ذلك.
«أجاز» أي حكم بجوازه أو أجاز أي نفذ وكلاهما صحيح لأنه إذا أجاز شرعًا صار نافذًا وقوله: «على نعلين» هنا أطلق النعلين ولكنهما لابد أن يكونا معلومين عند الزوجين أما نحن فلا يهمنا أن يكون النعلان معلومتين أم لا؟ المهم أن الرسول ﷺ أجاز على نعلين، معنى «خولف» أي لم يوافق على التصحيح وعلى كل سواء صح الحديث أم لم يصح فإن النعلين من المال وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وعلى هذا فلو تزوج امرأة على نعلين فالنكاح صحيح ولو تزوجها على خمار فصحيح وعلى درع فصحيح المهم إذا تزوجها على أقل شيء يتمول فالنكاح صحيح.
ومن فوائد الحديث: أنه يدل على جواز المهر القليل لأن النبي ﷺ أجازه.
ويستفاد منه أيضًا: أن إقرار النبي ﷺ حكم يستدل به.
٩٩٢ - وعن سهل بن سعدٍ ﵁ قال: «زوج النبي ﷺ رجلًا امرأةً بخاتمٍ من حديدٍ». أخرجه الحاكم، وهو طرفٌ من الحديث الطويل المتقدم في أوائل النكاح.
سبق هذا في حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ولكن إذا تأملنا الحديثين وجدنا أن بينهما فرقا وهو أنه يقول: «زوجه بخاتم من حديد» والذي في الصحيحين أنه قال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد» ولم يجد فزوجه على ما معه من القرآن فإن كانت القصة واحدة كما هو ظاهر كلام ابن حجر صار معنى زوجه أي: أجاز له أن يتزوج على خاتم من حديد لقوله: «التمس ولو خاتمًا» أما عقد النكاح الذي حصل فإنه زوجه على ما معه من القرآن.
يستفاد من هذا الحديث: جواز المهر بالقليل لأن الخاتم من الحديد قليل.
ويستفاد منه: جواز لبس الحديد لأن النبي ﷺ إنما أجاز أن يكون الخاتم من الحديد مهرًا من أجل أن يلبس ويتحلى به.
وفيه أيضًا: الإشارة إلى تضعيف حديث النهي عن التحلي بالحديد وتعليل ذلك بأنه حلية أهل النار ولهذا حكم بعض المحققين على حديث النهي عن التختم بالحديد بالشذوذ لأنه خالف ما هو أرجح.
стр. 2419
فإن قال قائل: الذي معنا أن الرسول ﷺ أجاز الخاتم من حديد وقد يلبس وقد لا يلبس.
قلنا: لا يمكن أن يصنع خاتمًا من أجل أن يلقى في الأرض ولا يلبس لابد أن يلبس.
٩٩٣ - وعن علي ﵁ قال: «لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم». أخرجه الدارقطني موقوفًا، وفي سنده مقالٌ.
هذا الحديث موقوف على علي ﵁، وعليٌّ هو أحد الخلفاء الراشدين الذين يؤخذ بقولهم ويهتدى بهديهم ولكن الحديث لا يصح لأن فيه راويًا يضع الحديث وحديث الوضاعين حكمه مردود وعلى هذا فلا يساوي هذا الحديث فلسًا ولا عبرة به لكن مع ذلك أخذ به بعض العلماء وقال إن المهر لا يصح أقل من عشرة دراهم، ولكنه مردود؛ لأن هذا الأثر لا يصح وبأن عموم قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يشمل العشرة وما دونها ولأن النبي ﷺ قال للرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد» وبأنه أجاز نكاح امرأة على نعلين وبأنه بين أن ما أعطى امرأة سويقًا أو تمرًا فقد استحل وهذه الأحاديث ويعضدها عموم الآية.
تقليل الصداق:
٩٩٤ - وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الصداق أيسره». أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم.
«الصداق» هو المهر، وبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن خيره أيسره، يعني: أسهله وأخفه؛ وذلك لأن فيه إعانة على الزواج فإنه إذا كانت الصدقات يسيرة كثر الزواج، وأيضًا من بركة اليسير: أنه سبب لإحسان العشرة بين الزوجين لأن الرجل إذا أصدق امرأته مهرًا كثيرًا صار كلما تذكر هذا المهر تكدر وشانت نفسه وصار يعاشر المرأة معاشرة سيئة إذا علم أن هذه المرأة [مهرها سهل] فإن نفسه تطيب وتطمئن لها، ومن بركة الصداق الميسر أنه يكون سببًا لفض النزاع بدون مشقة لو حصل نزاع بين الرجل وزوجته وكان المهر يسيرًا سهل عليه أن يطلقها أو يفارقها وسهل على أهله المخالعة إذا طلب الخلع بمهره الذي أعطاها لكن إذا كان المهر كثيرًا - ولنفرض أن المهر أربعون ألفًا - صار كلما همَّ أن يطلقها ويريحها من سوء العشرة تذكر كثرة المهر فأمسكها ثم إن قدر أنه أراد المخالعة وطلب من أهلها أن يعطوه المهر فقد يشق عليهم ولهذا صدق هذا الحديث: «خير الصداق أيسره»، وأيضًا فيه مصلحة اجتماعية
стр. 2420
وهي إقبال الناس على الزواج إذا كانت المهور ميسرة؛ ولهذا نجد الآن الناس في حال سيئة بالنسبة للصداق وكثرته تجد الواحد من الناس يذهب إلى بلاد بعيدة من أجل أن يحصل على زوجة ثم تحصل بعد ذلك المشاكل التي لا نهاية لها.
٩٩٥ - وعن عائشة ﵂: «أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله ﷺ حين أدخلت عليه - تعني: لما تزوجها - فقال: لقد عذت بمعاذٍ، فطلقها، وأمر أسامة يمتعها بثلاثة أثوابٍ». أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده راوٍ متروكٌ.
- وأصل القصة في الصحيح من حديث أبي أسيدٍ الساعدي.
هكذا ساق المؤلف ﵀ هذا الحديث عن عائشة وقال: إن فيه راويًا متروكًا، وفي المصطلح أن الراوي المتروك هو من أتهم بالكذب وهو على اسمه متروك لا تقبل روايته، وعجبًا من المؤلف ﵀ حيث ساق الحديث من هذه الرواية التي ذكر أن فيها راويٍا متروكًا وترك الرواية التي في صحيح البخاري من حديث عائشة، وهو نفسه ﵀ ذكرها في باب الطلاق، وهذا مما يدل على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والحفظ فإنه معرض للنسيان ومعرض للخطأ، والمهم: أن في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب وقد قال ﷺ : «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، ولهذا لما استعاذت بالله منه تركها مع أنه تزوجها عن رغبة، لكنه ﷺ يفضل ما يراه الله على رغبة نفسه.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن استعاذ منه بالله أحد أن يعيذه، وقد جاء الأمر في ذلك صريحًا «من استعاذكم بالله فأعيذوه». ولكنه يشترط لذلك ألا يستعيذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به؛ لأننا نعلم أن من استعاذ بالله من أمر واجب عليه يلزم به أن الله لا يعيذه، فلو أن رجلًا أمرناه بصلاة الجماعة وعزمنا عليه فقال: أعوذ بالله منكم فإننا لا نعيذه لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من ترك واجبًا، ولو رأينا رجلًا يريد أن يشرب خمرًا فمنعناه فقال أعوذ بالله منكم، فإننا لا نعيذه أيضًا؛ لماذا؟ لأننا نعلم أن الله لا يعيذ من أراد أن يفعل محرمًا وهكذا القاعدة لكن من استعاذ بالله في أمر من حقوقنا نحن أو في أمر مباح فإننا نعيذه بذلك لأنه إنما لجأ واضطر إلى الله فينبغي ألا نحول بينه وبين من لجأ إليه وهو الرب العظيم.
стр. 2421
ومن فوائد الحديث: أن الطلاق له كنايات؛ لأن قوله هنا: «فطلقها» تعبير عن قوله: «الحقي بأهلك» فإن الرسول ﷺ قال لها لما استعاذت منه بالله: «الحقي بأهلك»، وكنايات الطلاق كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره فهو كناية ولا يقع به الطلاق إلا بنية الطلاق فقول الإنسان لأهله: «الحقي بأهلك» يحتمل أنه أراد الطلاق، أو أراد أن تلحق بهم للزيارة أو أراد أن تلحق بهم ليطفئ نار غضبه حتى يهدأ لئلا يقع بينهما ما يكره أو ما أشبه ذلك ويحتمل أنه أراد الطلاق، فنقول: إن نوى الطلاق صار طلاقًا، وإن لم ينوه لم يكن طلاقًا؛ وذلك لأن اللفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يتعين الطلاق إلا بالنية واختلف العلماء هل ظاهر الحال يعين المعنى أو لا؟ يعني: لو قال هذه الكلمة أو غيرها من الكنايات في حال غضبه، فإن دلالة الحال تدل على أنه أراد الطلاق مع أنه يحتمل أنه لم يرده لكن ظاهر الحال يدل على أنه أراد الطلاق، وكذلك لو قالت: طلقني، فقال: الحقي بأهلك، ولم ينو شيئًا هل يقع الطلاق أو لا؟ نقول: ظاهر الحال أنه أراد الطلاق؛ لأنها سألت الطلاق فقال: «الحقي بأهلك» مع أن فيه احتمالًا أنه لم يرد الطلاق، وأنه قال: فارقي كلمة زجر، وهي عندنا الآن في عرفنا كلمة فارقي كلمة زجر، فيحتمل أنه أراد زجرها ويُحتمل أن قوله: «الحقي بأهلك» يعني: يريد أن تذهب إلى أهلها لتطيب نفسها ويذهب غضبها.
أقول: اختلف العلماء فيما إذا كان ظاهر الحال يدل على إرادة الطلاق هل يقع الطلاق؟ في هذا للعلماء قولان: الأول: أنه يقع الطلاق اعتبارًا بظاهر الحال، والقول الثاني: أنه لا يقع إلا بالنية؛ لأن الأصل أن العصمة باقية وأن الزوجة زوجته حتى يقوم دليل بيِّن على إرادة الطلاق، ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالاحتمال، وما هو اليقين هنا؟ العصمة وبقاء النكاح، فلا يزول بالاحتمال، إذن نقول: القول الراجح أنه لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وقال بعض العلماء: يكون طلاقًا ما لم ينو غيره يكون طلاقًا عملًا بظاهر الحال إلا أن يريد غيره إن أراد غيره لم يكن طلاقًا لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا القول ربما يرجح عند المحاكمة يعني إذا أتوا إلى القاضي فالقاضي يقول أنا ليس لي إلا الظاهر وظاهر الحال يقتضي أنه أراد الطلاق أما إذا كان فيما بين الزوج والزوجة وقال لها: أنا لم أرد الطلاق وصدَّقته في ذلك فلا يقع الطلاق، وسيأتي المزيد في باب الطلاق.
ومن فوائد الحديث: أن المطلقة تمتع لقوله: «أمر أسامة» أو «أمر أسيد بن حضير» كما في الرواية الأخرى، على كل حال: المطلقة تمتع، والمتعة نوعان: متعة واجبة ومتعة غير واجبة؛ أي: سنة، فالمتعة الواجبة هي ما وجب بالطلاق قبل الدخول والخلوة إذا لم يسم لها صداقًا؛ لأنه إن سمى لها صداقًا وجب لها نصف الصداق، وإن دخل أو خلا وجب لها مهر المثل وإن
стр. 2422
لم يسم صداقًا فإذا طلق ولم يسم صداقًا قبل الدخول والخلوة فالمتعة واجبة، قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. فأوجب حتى على الفقير، هذه نقول: إنها متعة واجبة، المتعة المستحبة ما كانت بالطلاق بعد الدخول أو الخلوة لأنه بالدخول أو الخلوة يجب المهر إما المعين إن كان معينًا وإما مهر المثل إن لم يكن معينًا، فإذا طلقها بعد الدخول أو الخلوة فإنه يشرع أن يمتعها لكن أكثر العلماء على أن هذه المتعة سنة ليست واجبة ويرى بعض العلماء أنها واجبة ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما أظن؛ لأن الآية صريحة، والنظر يقتضي وجوب ذلك؛ لماذا؟ لأن طلاق المرأة كسرها كما قال النبي ﷺ ، وإذا كان كسرها فالذي ينبغي للإنسان أن يجبر هذا الكسر بشيء من المال وإن كان بعض النساء لا يفدي، زوجها عندها الدنيا كلها، لكن على كل حال الإنسان إذا اضطر إلى الطلاق وطلق فإنه يجب عليه أن يمتعها حقًّا على المتقين، هذه المتعة التي وقعت من النبي ﷺ هل هي من باب الواجب أو من باب المستحب؟ الثاني؛ لأنه بالخلوة استقر المهر، ولكننا ذكرنا فيما سبق أن هذه المسألة فيها خلاف؛ لأن المجمع عليه هو الجماع هو الذي يستقر به المهر، والخلوة واللمس والتقبيل وما أشبهه فيه خلاف، وذكرنا رواية عن أحمد انه إذا استباح منها ما لا يستباح إلا بالعقد وجب المهر؛ وسبق الكلام في هذا، المهم أن نقول: أما على قول من يرى أن المهر لا يستقر إلا بالجماع فإن هذه المتعة من باب الواجب، وأما على قول من يرى أنه يستقر بالخلوة فهذه المتعة من باب المستحب إلا على القول الثاني الذي يقول كل مطلقة يجب لها متعة فيكون من باب الواجب، فالمتعة المستحبة التي بعد الدخول أو الخلوة في رأي لبعض العلماء أنها واجبة، وعلى هذا الرأي تكون المتعة واجبة لكل مطلقة، فإن كانت قبل الدخول أو الخلوة فهي عوض عما تستحق من المهر، وإن كان بعده فهي جبر لخاطرها، والذي يترجح أن المتعة واجبة لكل مطلقة؛ لأن الآية واضحة: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] لكنها ليست كالأولى، الأولى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والثانية على الموسع ما أراد المتعة التي بعد الدخول والخلوة؛ لأن الله قال: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] والمقتر ليس عليه شيء؛ لأنه معسر فلا يلزمه شيء.
* * * *
стр. 2423
٤ - باب الوليمة
"الوليمة" على وزن فَعيلة, بمعنى: مَفعُولة, من أولم إذا جمع, وأصلها الاجتماع على الشيء, لكنها نُقلت من هذا المعنى العام إلى الاجتماع على الطعام للعُرس وهي ما يُصنع من الطعام أياماً من العرس, وتكون من الزوج وقد تكون من أولياء المرأة وقد تكون منهم جميعاً.
حكم الوليمة ووقتها:
٩٩٦ - عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صُفرةٍ فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله, إني تزوجت امرأة على وزن نواةٍ من ذهب. قال: بارك الله لك, أولم ولو بشاةٍ». متفق عليه, واللفظ لمسلم.
عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين, ولما قدم المدينة آخى النبي ﷺ بينه وبين رجل من الأنصار, وكان الأنصار ﵃ من شدة إيوائهم للمهاجرين يعرض الرجل منهم إحدى زوجتيه على المهاجر الذي جعل أخاً له فعرض عليه الأنصاري إحدى زوجاته فأبى ﵁, وقال: دُلني على السوق فدله عليه, فباع واشترى وأغناه الله , ولهذا كان عبد الرحمن بن عوف من أغنى الصحابة, تزوج فرأى عليه النبي ﷺ أثر صُفرة, يعني: أثر طيب, والطيب -كما نعلم- يكون أصفر كالزعفران وكدهن العُود وغيره من بعض الأطياب, فقال: «ما هذا؟ » , فقال: كذا وكذا, سؤال النبي ﷺ لا يقال: إنه سؤال عما لا يعنيه؛ لأن النبي يعنيه حال أصحابه كلهم, وأيضًا فلعله وقع في قلب النبي ﷺ أن الرجل تزوج فأراد أن يتأكد, وإلا فمن المعلوم أنك إذا رأيت على الإنسان أثر طيب فإنه ليس من الحسن أن تسأله ما هذا؟ أو لم؟ أو ما أشبه ذلك لأن هذا تدخل فيما لا يعنيك لكن تجيب على هذا بأمرين الأول أن النبي ﷺ يعنيه حال أصحابه كلهم, والثاني لعله وقع في قلب النبي ﷺ أنه تزوج فأراد أن يتأكد أما على الأول فلا يشارك النبي ﷺ أحد, وأما على الثاني فلا بأس إذا وقع في قلبك شيء من أخيك وأردت أن تتأكد فلا حرج أن تسأل لأن هذا مما يعنيك.
فقال: «إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب» ولم يعين المرأة؛ لأنه لا حاجة لذلك, وقوله: «على وزن نواة» النواة هي ما يكون في جوف التمر, ويسمى في لغة أهل القصيم العبس, هذه النواة, وهذا هو ظاهر الحديث, وقال بعض العلماء: إن النواة معيار للذهب كالمثقال وشبهه, ولكن الأول هو الظاهر قال: «فبارك الله لك» دعَا له بأن يبارك له في أهله الذين تزوجهم, «أو لم
стр. 2424
ولو بشاة» , «أولم» يعني: وليمة طعاماً تدعو إليه الناس ولو بشاة, يعني: ولو كان بشيء قليل كالشاة, والشاة قليلة بالنسبة للغني, أما بالنسبة للفقير فإنها كثيرة.
ففي هذا الحديث: دليل على اعتناء النبي ﷺ بأصحابه وسؤاله عن أحوالهم, ويؤخذ هذا من سؤال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف.
ومن فوائد الحديث: جواز ذكر الشيء وإن لم يسأل عنه من أجل إطلاع صاحبك على ما عندك لقوله: «على وزن نواة من ذهب» لأن النبي ﷺ لم يسأل عن المهر وإنما سأل عن سبب الصُفرة التي عليه.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للرجل أن يتطيب بالطيب الذي يظهر لونه وأنه لا حرج في ذلك, وقد ذكر أهل العلم أنه ينبغي للرجل من الطيب ما ظهر ريحه لا ما ظهر لونه, وأن المرأة بالعكس تتطيب بما ظهر لونه لا ما ظهر ريحه, لأن المرأة يحصل منها الفتنة إذا ظهر منها رائحة الطيب ولكن اللون يعطيها نوعاً من الجمال, ومعلوم أنها لن تكشف هذا الجمال إلا لزوجها ونسائها ومحارمها.
ومن فوائد الحديث: أنه قد جرت العادة بأن المتزوج يتطيب, وذلك لأن الطيب من الأعمال الطيبة ومن الأعمال التي ترغب الرجل في أهله والمرأة في زوجها.
ومن فوائد الحديث: جواز تقدير الذهب بما يختلف إذا كان الأمر مقارباً لقوله: «على وزن نواة من ذهب» , ومعلوم أن النواة يختلف لكنه يختلف اختلافاً متقارباً.
ومن فوائد الحديث مشروعية الدعاء للمتزوج بالبركة؛ لقوله «بارك الله لك» , والبركة هي الخير الكثير الواسع, مأخوذة من البركة وهي مقر الماء الكثير الكبير.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على بعض الدعاء المشروع وهو «بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير» فهنا اقتصر النبي ﷺ على بعض الدعاء ولا بأس بذلك.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر في هذه الأمور واسع, فلو قال: «بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير» فحسن, ولو قال: «بارك الله لك» فحسن, ولو قال: «الله يبارك لك» فحسن, ولو قال: «مبروك الزواج» فحسن, وإن كان بعض الناس يقول: إن "مبروك" من بركة الناقة, يعني: بُروك البعير لأن بركة الناقة فعل متعد, والفعل المتعدي لا يصاغ منه اسم المفعول إلا بواسطة, ولهذا كان من علامة الفعل المتعدي: صحة صوغ اسم المفعول منه, فـ"جاء" مثلاً لا يمكن أن تصوغ منه اسم المفعول إلا متعديًا بحرف الجر, مثل: "جيء إليه" المهم أن كلمة "مبروك" عند العامة سواء صحت لغة أو لم تصح فإن معناها: الدعاء بحلول البركة فيما حصل له, ولكن الصحيح أن هذه الكلمة "مبروك" لا تصح لغة, وإن كان قد جرى استعمالها على ألسنة العامة,
стр. 2425
والخلاصة أن نقول: إن "مبروك" دعاء حسن من حيث أنه دعاء بالبركة عند العامة, ولكنها كلمة لا تصح بالنظر إلى قواعد العربية.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الوليمة لقوله: "أولم ولو بشاة", وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوليمة واجبة, واستدل لذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب ولكنها واجبة بقدر يسر المرء وعسره.
ومن فوائده: حرص الشرع على إظهار النكاح, لأن الوليمة لاشك أنها سبب لظهور النكاح ومعرفة الناس به ولهذا أمر بها.
ومن فوائده: أن أقل الوليمة للغني شاة, ولاسيما إذا كان وسط مجتمع فقير لقوله: "ولو بشاة", وذهب بعض العلماء إلى أن "لو" هنا للتكثير, وأن أكثر ما يكون من الوليمة الشاة, ولكن هذا نظراً لأن هذا خروج بها عن معناها اللغوي ولكن نقول: كل امرئ بحسبه, الغني له حكم, والفقير له حكم, ذكر بعض إخواننا نكتة على هذا وقال: إن الناس أزالوا النقط في قوله: "ولو بشاة" فصارت ولو بشاةٍ, يعني: الشاهي, وكان هذا زمن الناس في فقراء لا يولمون, لا يدرى عن تزوج الرجل إلا إذا تحدث الناس به فيما بعد, فكان بعض الإخوان من طلبة العلم يقول: إن الناس قد حكموا نقط "الشاة" ولو بشاه, لكن انعكست الحال الآن صارت الولائم يسرف فيها إسرافاً كبيراً بالغاً, حتى إن الإنسان ليولم بما يكفي لمائتي نفر ولا يحضر إلا خمسون نفراً فيحصل بهذا فساد للمال وإضاعة له, والناس الآن غالبهم ولله الحمد في غنى عن الطعام, ولهذا ينبغي لنا نحن معشر طلبة العلم أن نبين للناس أن الإسراف في هذا الأمر لا ينبغي وأنه ربما يكون فيه مضرة, أما المضرة المالية فظاهر, وأما المضرة الاجتماعية ربما يكون في هذا إحراج لبعض الناس, فإن بعض الناس -إن لم أقل أكثر الناس- لا يأتون إلى هذه الولائم إلا مجاملة فلو أن الناس اقتصروا على وليمة سهلة يسيرة بقدر أقاربهم القريبين وأصحابهم الخواص لكان أحسن, لكن المشكلة أن الناس إذا جروا على شيء اتهمه ما ينقص عنه بأنه بخيل ثم تصيح المرأة, تصيح أمها, يصيح أقاربها, لماذا؟ بنت فلان لها كذا ونحن ليس لنا شيء لابد أن يكون الذبائح وغيره, ولكن الذي ينبغي أن الناس ينظرون في هذه المسألة نظرة حد ويقللون منها بقدر ما تقتضيه الحال أو ما تقتضيه الحاجة.
стр. 2426
شروط إجابة الدعوة إلى الوليمة:
٩٩٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها». متفق عليه.
-ولمسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب, عُرساً كان أو نحوه».
قوله: «إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة» ما هي الوليمة؟ الطعام المصنوع بمناسبة العرس سواء كان ليلة الدخول أو قبلها أو بعدها, وحديث عبد الرحمن بن عوف يدل على أن الوليمة تكون بعد الدخول, فكل ما يصنع أيام العرس يسمى وليمة, وقوله: «فليأتها» اللام هنا للأمر, أي فليأت إلى الوليمة ولا يتأخر, والأصل في الأمر الوجوب, وسيأتي ما يؤكد ذلك.
قال: ولمسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب .... إلخ» , وأخو أحدنا هو المسلم, وأما الدُمي والمعاهد والمستأمن فإنه لا يجب إجابته, بل تكون مكروهة أو محرمة حسب ما تفضي إليه من الشر والفساد.
وقوله: «فليجب, عُرساً كان أو نحوه» العُرس معروف, "أو نحوه" أي: مما يسن فيه الوليمة, وأما ما لا يسن فيه الوليمة فإنه يدخل في الدعوات العامة التي تستحب الإجابة إليها, وليعلم أن الدعوات إما أن تكون إلى محرم أو إلى مكروه أو إلى مباح أو إلى مشروع, فإن كانت إلى محرم فالإجابة محرمة, أو إلى مكروه فالإجابة مكروهة, أو إلى مباحة فالإجابة مباحة, لكن تستحب لما يترتب عليها من الإلفة وجبر الخاطر ونحو ذلك, أو إلى مشروع فهي مشروعة وقوله: "إلى الوليمة فليأتها" ظاهر الحديث العموم, ولكنه مقيد كما سيأتي -إن شاء الله- وهي أن تكون في أول مرة, فإن كانت في الثانية أو في الثالثة فإنه لا تجب الإجابة, الثاني: ألا يكون في مكان الدعوة منكر, فإن كان فيه منكر فإن الإجابة لا تجب إلا إذا كان قادراً على تغييره فإن الإجابة تجب لوجهين: الوجه الأول: الدعوة, والثاني: إزالة المنكر, فإن كان لا يقدر على تغييره لكنه سوف يكون في مكان آخر غير الذي فيه المنكر مثل أن يون صاحب الوليمة قد أعد مكانين: مكاناً فيه العزف وآلات اللهو والغناء المحرم, ومكاناً خالياً من ذلك, فهل تجب الإجابة؟ يقول العلماء في هذه المسألة: يخير بين الإجابة وعدمها, وإذا كان كذلك
стр. 2427
فيجب أن ينظر إلى المصلحة إن كانت المصلحة في الإجابة أجاب, وإن كانت المصلحة في عدم الإجابة فلا يجب.
*إذن نقول شروط إجابة الدعوة:
يشترط ألا يكون في مكان الدعوة منكر, فإن كان فيه منكر نظرنا إن كان لا يقدر على تغييره حرمت الإجابة, وإن كان يقدر وجبت الإجابة, من وجهين, أما إذا كان المنكر ليس في المكان الذي دعيت إليه وإنما في مكان آخر وإنما هو مصاحب للوليمة فقد قال العلماء: إنه يخير, وعلى هذا فتقول: انظر ما فيه مصلحة, إن كانت المصلحة في الحضور فاحضر وإلا فلا تحضر.
الثاني: يشترط أن يكون الداعي مسلماً, فإن كان غير مسلم لم تجب الإجابة.
الثالث: يشترط ألا يكون مبتدع بدعة تلحقه بالفساق أو الكفار, فإن كان مبتدعاً كذلك فإنه لا يجاب لما في ذلك من تعزيز جانبه ورفع معنوياته.
الرابع: يشترط ألا يكون المال حراماً, فإن كان المال حراماً فإنه لا يجوز له الإجابة مثل: أنا أعلم أن هذا الرجل الذي دعاني إلى الوليمة قد سرق الغنم التي ذبحها فهنا لا تجوز الإجابة, أما إذا كان مما يتعامل بالحرام فإن الإجابة جائزة وليست بواجبة ولا حراماً, ودليل ذلك: أن النبي ﷺ أجاب دعوة اليهودي, وأكل من الشاة التي أهدتها له المرأة اليهودية مع أن المعروف عن اليهود أنهم كانوا يأخذون الربا ويأكلون السُحت, ففرق بين أن يكون الشيء محرماً بعينه أو محرماً بكسبه, فالمحرم بعينه لا يجوز لك أن تأكله, مثاله: أنا أعلم أن هذا الرجل سرق الغنم أو سرق الطعام وطبخه فهذا لا يجوز أن أجيبه, لأنني سوف آكل حراماً بعينه, الحرام بكسبه مثل أن يكون الداعي ممكن يتعامل بالربا أو بالغش أو بالكذب فهنا الإجابة جائزة ليست حراماً ولا واجبة, ولكنه إذا كان في عدم إجابته مصلحة بحيث يتوب عما هو عليه فحينئذٍ يتعين عدم الإجابة, لأن لدينا قاعدة في المباح كل مباح يكون مباحاً في حد ذاته, لكن إذا كان وسيلة إلى واجب صار واجباً أو إلى محرم صار محرماً أو مستحباً صار مستحباً أو مكروهاً صار مكروهاً, لأن المباح تتعاوره الأحكام الخمسة بحسب ما يكون وسيلة له.
الخامس: أن يكون ذلك في أول مرة, فإن كان قد أولم ثم أعاد الوليمة أو أعاد المرة الثالثة فإن هذا لا تجب إجابته, كما سيأتي في الأحاديث في غير الوليمة.
هل إجابة الداعي واجبة؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فالظاهرية يرون أن إجابة الدعوة واجبة إذاً تمت الشروط التي ذكرناها, وغيرهم يرى أنها ليست بواجبة ولكنها مستحبة بخلاف وليمة العُرس.
стр. 2428
بقى علينا شرط يمكن أن تجعله شرطاً سادساً وهو ألا يلحق المدعو ضرر, فإن لحقه ضرر فإن الواجب يسقط, لأنه إذا كانت الطهارة بالماء وهي شرط لصحة الصلاة إذا تضرر بها الإنسان سقطت عنه فما بالك بهذه!
٩٩٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شر الطعام الوليمة: يمنعها من يأتيها, ويُدعى إليها من يأباها, ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». أخرجه مسلم.
"شر" مبتدأ, و"طعام الوليمة" خبره, ويجوز العكس أن يكون "طعام الوليمة" مبتدأ, و"شر" خبره مقدم, "يمنعها من يأتيها" أي: يمنع منها من أن يأتيها وهم الفقراء, "ويدعى إليها من يأباها" وهم الأغنياء, "ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
قوله ﷺ : «شر الطعام طعام الوليمة» ليس هذا على إطلاقه بل هو مقيد بما ذكره بعده وهو «يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها» أي: الوليمة التي لا يُدعى إليها إلا الأغنياء ويمنع منها الفقراء فهي شر الطعام, وأما الوليمة التي يتمشى فيها الإنسان على ما جاءت بها السنة فهي خير الطعام, لأن الرسول ﷺ أمر بها, وأقل أحوال الأمر الاستحباب, وما كان مستحباً لا يمكن أن يُوصف بأنه شر, إذن فقوله: «شر الطعام طعام الوليمة» المراد الوليمة التي يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء.
في هذا الحديث فوائد منها: وجوب إجابة الدعوة إلى الوليمة, لقوله: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله».
ومن فوائده: أن أمر النبي ﷺ أمر من الله لقوله: «فقد عصى الله ورسوله» ونحن لا نرى في القرآن أن الله أمر بإجابة الدعوة في الوليمة, وإنما الذي أمر الرسول ﷺ فيكون أمر الرسول من أمر الله .
ومن فوائد الحديث: جواز قرن الرسول ﷺ مع الله في الأحكام الشرعية, لقوله: «فقد عصى الله ورسوله» , وأمثلته كثيرة, بخلاف الأمور الكونية المتعلقة بالربوبية فإنه لا يجوز أن يقرن الرسول باسم الله بحرف يدل على الاشتراك, ولذلك لما قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله
стр. 2429
وشئت قال: «أجعلتني لله نداً؟ » , أما الأمر الشرعي فهو كثير في القرآن: ﴿وأطيعوا الله والرسول﴾ [آل عمران: ١٣٢]. ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [الجن: ٢٣]
حكم عدم إجابة الصائم لدعوة الوليمة:
٩٩٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجب: فإن كان صائماً فليصلََّ, وإن كان مفطر فليطعم». أخرجه مسلم أيضًا.
قوله: "وعنه" أي: عن أبي هريرة ﵁ وقوله ﷺ : "إذا دُعِيَ" ولم يبين النبي ﷺ ماذا دُعِيَ إليه, وعلى هذا فيكون مطلقاً, أي: غير مقيد بالدعوة إلى وليمة العُرس, وقوله: "فليُجب" أي: فليجب الداعي, واللام للأمر, وسكنت لأن القاعدة أن لام الأمر إذا جاءت بعد الفاء والواو وثم فإنها تسكن وفيما عدا ذلك تُكسر, أما لام التعليل فإنها تكسر دائماً, حتى لو جاءت بعد الواو وثم والفاء, قال الله تعالى: ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦].
ولا يجوز أن نقول: "وليتمتعوا"؛ لأن اللام في قوله ﴿وليتمتعوا﴾ لو كانت للأمر لسكنت, قال الله تعالى: ﴿فليمدد بسببٍ إلى السماء ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥]. وقال تعالى: ﴿ثم ليقضوا نفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا﴾ [الحج: ٢٩].
وهنا قال: "فليجب" على القاعدة.
«فإن كان صائماً» أي: المدعو «فلُيصَلََّ» أي: فليدع, وليس المعنى: فليصل الصلاة المعهودة.
فإذا قال قائل: كيف نحملها على الدعاء مع أن الصلاة المطلقة في لسان الشارع تحمل على الصلاة الشرعية.
قلنا: لقرينة لفظية ومعنوية, أما اللفظية, فلأن الحديث رواه أبو داود بلفظ: «فإن كان صائما فليدع» , وهذا مفسر لقوله: «فلُيصَلََّ» , ولا يحتمل بعد هذا التفسير النبوي أن يكون المراد بها الصلاة الشرعية.
فإن قال قائل: هل لهذا نظير أن تأتي الصلاة في النصوص الشرعية بمعنى الدعاء.
قلنا: نعم مثل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. ليس المراد: أن تصلي عليهم صلاة الجنازة بل المراد: أن تدعو لهم, وقد فعل النبي ﷺ ذلك فكان إذا أتاه القوم بصدقاتهم, قال: «اللهم صل على آل فلان» والقرينة المعنوية أنه لا
стр. 2430
علاقة بين الصلاة الشرعية وبين كون هذا المدعو صائماً, ثم يقول قائل: كيف يؤمر بالصلاة في هذه الحال بحضرة الطعام وقد قال النبي ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام»؛ إذن يتعين أن المراد بالصلاة: الدعاء.
«وإن كان مفطراً فليطعم»: فليأكل وليشرب, وقوله: «فليطعم» يشمل الأكل والشرب لأن الشرب يسمى طعاماً, قال الله تعالى: ﴿فمن شرب فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقوله: «فإن كان صائماً» ظاهره الوجوب, لكن قال:
١٠٠٠ - وله من حديث جابر ﵁ نحوه: وقال: «فإن شاء طعم وإن شاء ترك».
لكن من الذي إن شاء طعم وإن شاء ترك؟ الصائم, وإن كان ظاهر كلام المؤلف أنه يريد به المفطر من أجل أن يصرف الأمر في قوله: «فليطعم» إلى الاستحباب لا إلى الوجوب.
ففي هذا الحديث لم يبين النبي ﷺ ما يدعو به, فيدعو بالدعاء المناسب, مثل أن يقول: زادكم الله, أنعم الله عليكم, غفر الله لكم, المهم أن يكون منه دعاء مناسب.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: وجوب إجابة الدعوة, لقوله: «فليجب» , وظاهر الحديث أنه عام لكل دعوة, وبهذا أخذ الظاهرية, وقالوا: إنه يجب على من دُعي أن يجيب بالشروط التي أشرنا إليها من قبل, وجمهور العلماء على أن الإجابة في غير العرس سنة وفي العرس واجبة, ولكن التفريق ليس بظاهر, إنما الظاهر وجوب الإجابة في الدعوة, لاسيما إذا كان يترتب على عدم الإجابة مفسدة مثل أن يكون الداعي من الأقارب أو من الأصدقاء الذين إذا لم تجبهم فسروه بتفاسير أخرى.
ومن فوائد الحديث: أن الإجابة واجبة حتى للصائم الذي لا يأكل لقوله: «فإن كان صائماً فليصل ... » إلخ.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان صائماً فلا يأكل بل يدعو, ولكن إذا رأى أن في ترك الأكل مفسدة فالأفضل أن يأكل, وإلا فالأفضل أن يبقى على صومه, ولاسيما إذا كان قال للداعي: إنه صائم, ويمكن أن يحضر الإنسان إذا كان صائماً ويجلس مع الناس ويكون خادماً لهم, كيف يكون خادماً؟ يقرب لهم الطعام, يقطع لهم اللحم, إذا كان الطعام حاراً يروح عليه بالمروحة, يضع يده في الطعام ثم يعها على رأس ركبته, ويتحدث كأن الذي ألهاه عن الأكل الحديث, المهم: أن الإنسان يستطيع أمام الناس أن يخفي صومه.
ومن فوائد الحديث: أن المشروع لمن كان مفطراً أن يطعم لقوله: «فليطعم» , وأنه لا ينبغي أن يحضر الناس إلى الدعوة ثم لا يأكلون.
стр. 2431
واختلف العلماء في الأمر بالطعم: هل هو للوجوب أو لا؟ فقال بعضهم: إنه للوجوب, لظاهر الأمر, ولأن الرجل إنما صنع الطعام من أجل أن يأكل, ولو أنه دعا عشرين نفراً إلى طعام الوليمة ثم قدمها ثم جلس فقال لهم: تفضلوا, قالوا: ما نبغي, يقول: أنا حضرته لكم, قالوا: لا نأكل نحن أجبنا ويكفي, لعد ذلك نوعاً من السفه, وربما إن كان أحمق يضرب كل واحد سوطاً ويقول: اخرجوا, ثم يتساءل ما معنى أن أدعو الناس للطعام ليأكلوا؟ ولهذا قال بعض العلماء: إن الأمر للوجوب لظاهر الحديث ولأن في ترك الأكل مفسدة, ولو قيل بأن الأكل فرض كفاية, يعني: لا فرض عين إلا أن يكون ترك الأكل سبباً لمفسدة مثل أن يكون بين الداعي وبين تارك الأكل عداوة وقطع صلة فهنا يتعين الأكل.
فإن قال قائل: ألا يصرف الوجوب قوله ﷺ : «فإن كان صائماً فليصل» , لأنه لو كان الأكل واجباً لم تعارضه السنة؟ هذا يدل على أن الأمر ليس للوجوب لأنه لو كان واجباً لكان الصائم يجب عليه أن يفطر ليأكل, لكن لا يمنع أن يكون فرض كفاية يحصل الفعل من بعضه.
وقوله ﷺ : «إن كان مفطراً فليطعم» يظهر من التقسيم أن يُراد بالصوم صوم النفل, لأن الغالب أن صوم الفرض يشترك فيه الناس كلهم صائمون, وإن كان يوجد أمثلة كثيرة وقرائن كثيرة بأن يكون الصوم واجباً على شخص كفارة مثلاً أو قضاء دون الآخرين.
وقوله: «إن شاء طعم وإن شاء ترك» يعني: الصائم, ولكن أيهما أفضل؟ ينبغي مراعاة المصلحة, إذًا كانت المصلحة في الفطر أفطر وإن كانت في البقاء على الصوم بقى على صومه ما لم يكن الصوم واجباً, فإن كان الصوم واجباً فإنه لا يجب أن يأكل بل يجب أن يبقى على صومه؛ لأن القاعدة الشرعية: أن من شرع في عبادة واجبة وجب عليه إتمامها إلا لعذر شرعي يُبيح له قطعها.
أيام الوليمة:
١٠٠١ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طعام الوليمة أول يوم حق, وطعام الثاني سنة, وطعام يوم الثالث سمعة, ومن سمع سمع الله به». رواه الترمذي واستقربه, ورجاله رجال الصحيح, وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه.
هذا الحديث -من حيث السند- فيه نظر, وإن كان المؤلف ﵀ قال إن رجاله رجال
стр. 2432
الصحيح وقد أشار البخاري في صحيحه إلى ضعفه حيث ذكر الإيلام بثلاثة أيام أو سبعة أو نحو ذلك, لكن على تقدير صحته يكون النبي ﷺ قد قسم الوليمة إلى ثلاثة أقسام: الأول: وليمة حق, والثاني: وليمة سنة, والثالث: وليمة سمعة, أما وليمة الحق فهي التي تكون في أول اليوم, وظاهره أن المراد بالحق هنا الوجوب فيكون دالاً على ما دل عليه حديث أنس في قصة عبد الرحمن بن عوف: «أولم» , وأما الوليمة في اليوم الثاني فسنة وليست بواجبة, وأما الوليمة في اليوم الثالث فسمعة, وقد توعد النبي ﷺ من صنعها سمعة في قوله: «ومن سمع سمع الله به» تنبني هذه الوليمة على حكم إقامة الوليمة, ففي اليوم الأول تجب الإجابة, وفي اليوم الثاني تسن الإجابة, وفي اليوم الثالث تكره أو تحرم الإجابة.
وهذا الحديث أيضًا إذا صح فلعله يحمل على الحالة الوسطى من حال الناس؛ لئلا يكلف الإنسان نفسه بما ليس بمشروع, ولأن الغالب أن الذي يفعل ذلك يريد أن يكمل نفسه فتكون في اليوم الثالث سمعة, أما الإنسان الغني فإنه لا يسمع ولا يهمه قد يؤلم أربعة أيام أو خمسة أيام ولا بعد ذلك سمعة في حقه, الذي يعد سمعة في حقه هو الإنسان الفقير وهو الذي يُقال: إنه زاد في هذا من أجل أن يقال: إن فلاناً غني أو ما أشبه ذلك.
التحذير من مشاركة الرياء للعبادة:
وفي الحديث: «من سمع سمع الله به» , وهذه الجملة ثبتت عن الرسول ﷺ : «ومن راءى راءى الله به» , فيه التحذير من أن يكون الإنسان مُسمعاً بعمله, أي: يقصد بعمله أن يسمعه الناس من أجل أن يمدحوه, لأن هذا نوع من الرياء, والرياء إذا شارك العمل قلبه إلى عمل حرام فاسد لا يُقبل, لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً معه فيه غيري تركته وشركه».
وقد قسم العلماء ﵏ مشاركة الرياء للعبادة إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون مصاحباً للعبادة من أولها, ففي هذا القسم لا تصح العبادة, لأنه ليس فيها شيء خالص لله هي من أولها رياء فلا تصح, والقسم الثاني: أن يطرأ على العبادة بعد أن بدأ بها خالصة لله طرأ عليه الرياء, فهذا إن دافعه وأعُرض عنه فالعبادة صحيحة؛ لأن هذا بغير اختياره وبغير إرادته وهو الآن يدافعه كأنما يدافع العدو فصلاته صحيحة ولا يؤثر ذلك في أجره شيئاً لأنه مجاهد وإن
стр. 2433
استمر فيه بإرادته فإنه ينظر إن كانت العبادة ينبني آخرها على أولها فسدت العبادة كالصلاة, فإذا طرأ عليه الرياء في الركعة الأخيرة ولم يدافعه بل قبله واستلذه فإن الصلاة تبطل؛ لأنه إذا بطل آخرها بطل أولها وإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها بل آخرها منفصل عن أولها فإن ما وقع فيه الرياء لا يصح وما كان خالصاً يصح.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال أعدها للصدقة فتصدق بخمسين منها بدون رياء ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية فهنا تكون الخمسون الأولى صحيحة مقبولة, وتكون الخمسون الثانية باطلة؛ لأن المفسد حصل فيها وهي لا تنبني على أولها, بمعنى: أنه يمكن أن يصح الأول دون الآخر والآخر دون الأول.
بقى علينا في القسم الأول أنه لو شارك العبادة من أولها نحن ذكرنا أنها تبطل إلا أنه يُستثنى من ذلك ما إذا دافعه وعالج نفسه فإنه لا يضره؛ لأن هذا بغير اختياره ويتعلق بهذا بحث يسأل عنه الناس كثيراً وهي أن بعض الناس يخشى من الرياء في عباداته فيأتيه الشيطان ويقول أنت إذا صليت فقد راءيت, إذا طلبت العلم فقد راءيت, إذا تصدقت فقد راءيت, كثيراً ما يأتي الشيطان للإنسان فما دواء هذا؟ دواء هذا أن تعرض عن ذلك وأن تتناساه وكأن شيئاً لم يكن, لأنك إن أنخذلت أمامه لم يبق عليك الشيطان عبادة إلا أفسدها عليك, ولكن استمر وتعوذ من الشيطان وابق على ما أنت عليه, لأنه في النهاية سيزول عنك الوسواس الذي يلقيه الشيطان عليك.
صفة ولائم النبي ﷺ لبعض زوجاته:
١٠٠٢ - وعن صَفية بنت شيبة ﵂ قالت: «أولم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير». أخرجه البخاري.
«مُدَّين من شعير» , المُدَّان النبويان نصف صاع, لأن الصاع النبوي أربعة أمداد ثم إن الصاع النبوي بالنسبة إلى الصاع العرفي عندنا ينقص الخمس وخمس الخمس هذا بالنسبة عندنا هنا في القصيم, وعلى هذا فيكون المد النبوي بالنسبة إلى صاعنا خمساً كيف ذلك؟ يقول لنا مشايخنا: إن الصاع النبوي زنته بالبر الجيد ثمانون ريالاً فرنسياً, وصاعنا زنته بالبر الجيد مائة وأربعة, إذا نُسبت الثمانين إلى مائة وأربعة يكون أربعة أخماس ويكون النقص خمسا وربع خمس أربعة من عشرين, وعلى هذا فتقول: إن المدين من الشعير بالنسبة للصاع العُرفي يعتبران خمسي صاع.
стр. 2434
فيُستفاد من هذا الحديث: أن الوليمة تصح بأدنى من الشعير, وأن قول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاةٍ» يعني: أكثر ما يُولم وليس أقل كما زعم بعض أهل العلم, حيث ذهبوا إلى أن أدنى الوليمة هي الشاة, نقول: هذا غير صحيح, لأن قوله: «أولم ولو بشاة» يعني: أدنى شيء وليست هي أكثر شي, يستفاد من كونها أدنى شيء ليس على سبيل الوجوب بل يجوز أن يولم الإنسان بما هو أدنى منها ويلاحظ في ذلك حال المولم إن كان غنياً قلنا: أولم ولو بشاة, وإن كان دون ذلك قلنا أولم بما تستطيع وتقدر عليه.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الإيلام, لكن هل يكون على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ نقول: هذا فعل من رسول الله ﷺ , والفعل المجرد محمول على الاستحباب, لكن وجوب الوليمة يؤخذ من أدلة أخرى.
١٠٠٣ - وعن أنس ﵁ قال: «أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يُبنى عليه بصفية, فدعوت المسلمين إلى وليمته, فما كان فيها من خبز ولا لحم, وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت, فألقي عليها التمر, والأقط, والسمن». متفق عليه, واللفظ للبخاري.
قوله: «أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة» , خيبر اسم لمكان فيه مزارع وبيوت وقلاع لليهود, يبعد عن المدينة نحو مائة ميل من جهة الشمال الغربي, وهو معروف, فتحه النبي ﷺ في السنة السادسة, وطلب منه اليهود أن يبقيهم فيه على أن يكون لهم نصف الثمرة وله نصف الثمرة, فأقرهم على ذلك, لكنه أقرهم على ذلك ما شاء الله أو ما شاء النبي ﷺ والصحابة, وفي خلافة عمر أجلاهم من خيبر؛ لأنهم اعتدوا على عبد الله بن عمر وأساءوا إلى الصحابة فطردهم عمر.
وقوله: «يُبنى عليه بصفية» , صفية بنت حيي بن أخطب وهي من ذرية هارون بن عمران فعمها موسى ﵊, وحيي بن أخطب أبوها من زعماء اليهود, فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه جبراً لقلبها؛ لأن كون أبيها رئيساً لو أنها صارت إلى أحد من الصحابة لكان في هذا كسر لخاطرها, فأراد النبي ﷺ أن يجبر قلبها فاصطفاها لنفسه.
وقيل: «يبنى عليه بصفية» كيف سُمي هذا بناء وهي مملوكة؟
نقول: لأن النبي ﷺ عتقها صداقها, إذن فهي زوجة من أمهات المؤمنين, وقوله: «يبنى عليه بها» , البناء: نصب الخيمة ونحوها, وكان النبي ﷺ في ذلك اليوم قد بُني عليه خيمة يدخلها هو وأهله.
стр. 2435
وقوله: «ثلاث ليالٍ» يراد بها: الليالي والأيام, والعرب تطلق الأيام وتريد بها الأيام والليالي, وتطلق الليالي ويراد بها الليالي والأيام, إلا إذا وجد قرينة, مثل: «صم ثلاثة أيام» , فهنا الليل لا يدخل قطعاً, لكن ﴿واذكروا الله في أيامٍ معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣]. يدخل فيها الليالي.
وقوله: «فدعوت المسلمين إلى وليمته» يعني: أنه طلبهم, وكان الرسول ﷺ أكرم الناس, فكان أنس يدعو من لقيه هلم إلى وليمة النبي ﷺ «فما كان فيها من خبز ولا حلم» , يعني أنها وليمة بسيطة, يعني: خفيفة يسيرة ليس فيها خبز ولا لحم, «ومن خبز ولا لحم» أظننا أننا لا نشط في إعرابها أن "مِن" زائدة, وأن «خبز» اسم كان, والأصل: فما كان فيها خبز ولا لحم, «وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع» جمع نطع وهي الجلود, "فبسطت": يوضع عليها الطعام.
وقوله: «فألقى عليها التمر والأقطِ والسمن» , ظاهر الحديث: أن كل واحد على حدة, والأقط هو اللبن المجفف, السمن معروف, التمر معروف, هل المعنى: أن الأقط موضوع في إناء, والسمن في إناء, والتمر في إناء أو أنها مخلوطة؟ يُحتمل, لكن الظاهر المعروف عند العرب أنها مخلوطة يُخلط السمن والأقط والتمر ويُوضع على النار حتى يسخن ثو يؤكل, وهو من ألذ الأكلات التمرية, وربما يجعل بدل الأقط الدقيق, وهذا هو المعروف عند الحضر فهم لا يعرفون الأقط, لأنه قليل عندهم, فيجعلون بدل الأقط دقيقاً, ويسمى حَيساً, لأنه يحاسي بعضه مع بعض.
على كل حال: هذه وليمة الرسول ﷺ على زوجته صفية, وفي الأول: «مُدَّين من شعير» , إذن الوليمة تختلف بحسب الحال.
يستفاد من هذا الحديث: جواز الدخول على المرأة في السفر لدخول الرسول ﷺ على صفية بين المدينة وخيبر.
ومن فوائده: أنه ينبغي أن يُبنى خيمة خاصة للزوج وأهله, لفعل الصحابة مع رسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الحياء أن يبنى للإنسان خيمة خاصة من بين القوم إذا كان ذلك من أجل الزواج, قد يستحيي بعض الناس ويقول كيف أختص وحدة بخيمة؟
فنقول: لست أشد حياء من رسول الله ﷺ , ومع ذلك بُني له خيمة أمام الناس ولا حرج أن يخبر الإنسان الناس: بأنه قد تزوج, كما لا بأس أن يبنى له خيمة يبني بها بأهله.
ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في الدعوة للوليمة لقول أنس: «فدعوت المسلمين إلى وليمته».
ومن فوائد الحديث: أن ولائم الرسول ﷺ ليست ولائم صعبة, بل بحسب الحال, فمرة أولم بمدين من شعير.
стр. 2436
ومن فوائد الحديث: إشارة أنس بن مالك إلى أنه لا ينبغي الإسراف في الولائم لقوله: «فما كان فيها من خبز ولا لحم».
١٠٠٤ - وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع داعيان, فأجب أقربهما باباً, فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق». رواه أبو داود, وسنده ضعيف.
"إذا اجتمع داعيان ... إلخ", يعني: إذا دعاك رجلان دعوة واحد فأجب أقربهما باباً؛ لأن أقربهما باباً أقربهما جواراً, فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق؛ لأنه أحق, ولكن كيف يتصور أن يجتمع داعيان بلا سبق؟ داعيان وكلا رجلاً واحداً فقالا ادع لنا فلاناً, فذهب الرجل الوكيل للرجلين وقال للمدعو إن فلاناً وفلاناً يدعوانك, على كل حال: قد يبدو للإنسان أن تصويرها صعب ولكن ليست بتلك الصعوبة, على كل حال: إذا سبق أحدهما يجاب أقربهما باباً, وقد علل النبي ﷺ في حديث آخر: «فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً». وحينئذ يشكل علينا إذا اجتمع الداعيان أقربهما باباً قد يكون أبعدهما جواراً, مثاله: جاري الذي ليس بيني وبينه إلا الجدار بابه بعيد بجانب البيت الطريق الذي يبعد عني, ورجل آخر بيني وبينه بيت لكن بابه أقرب, من نجيب؟ إن نظرنا إلى قوله: «أقربهما باباً» قلنا: هذا أقرب باباً؛ وإن نظرنا إلى قوله: «فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً» قلنا: إن النبي ﷺ لاحظ قرب الجوار, والغالب أن الباب يكون في البيت, فإذا كان البيت أقرب صار الباب أقرب.
هذه المسألة تحتاج إلى تحرير إذا كان أحدهما أقرب جواراً وأبعد باباً فهل نعتبر قرب الجوار ولو بعد بابه أو نعتبر قرب الباب؟
حكم الأكل في حالة الاتكاء:
١٠٠٥ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا آكل متكئاً». رواه البخاري.
قال: «لا آكل متكئاً» الاتكاء هو الاعتماد, وهو على نوعين: اعتماد على اليد, واعتماد على الظهر, واعتماد على اليد إما اليمنى أو اليسرى يستلزم أن يكون البدن مائلاً إلى أحد الشقين, والاعتماد على الظهر لا يستلزم ذلك, لكنه يدل على أن الإنسان سوف يستريح استراحة
стр. 2437
كاملة على الأكل وحينئذٍ يملأ بطنه, وملء البطن من الطعام خلاف ما ينبغي, لقول الرسول ﷺ : «وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». هناك صفة ثالثة عند ابن القيم في "زاد المعاد" وهي التربع يقول: إن هذا من الاتكاء لأن فيه شيئاً من الراحة التي توجب أن يأكل كثيراً وهو خلاف السنة إلا في بعض الأحيان لا بأس أن يأكل الإنسان كثيراً.
يستفاد من الحديث: أن النبي ﷺ يكره الأكل متكئاً, ولكن هل هذا بمعنى النهي بحيث نقول: أن الاتكاء عند الطعام منهي عنه إما نهي كراهة وإما نهي تحريم؟ الذي يظهر لي أنه لا يقتضي النهي وإنما يقتضي أن يكون ذلك من الآداب التي كان النبي ﷺ يتحاشاها؛ لأنه ﷺ لو أراد النهي لصرح به, لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧]. فإذا لم يصرح به, لم يقل: لا تأكلوا متكئين, علم أن ذلك من باب الآداب المستحبة ولا يستلزم الكراهة.
أما الحكمة من ذلك, فقال العلماء: إن المتكئ على أحدى اليدين لا يسهل نزول الطعام في هذه الحال مع المريء الذي هو مجرى الطعام, لأنه يكون الجسد مائلاً إلى أحد الجانبين, وهل يدخل في ذلك الشرب؟ نقول: إما على قواعد أهل الظاهرية فإنه لا يدخل فيه الشرب, لماذا؟ لأن الحديث خصه بالأكل, والأكل غير الشرب, فيقتضي أن يكون الشرب حال الاتكاء ليس مما يكرهه النبي ﷺ , ويحتمل أن يقال: إن الشرب كالأكل, لأن العلة واحدة خصوصاً إذا عللنا الاتكاء على إحدى اليدين, فإن الشارب إذا كان متكئاً على إحدى اليدين اتكاء كبيراً ربما يشرق فيتضرر بذلك, لكن الاحتياط أن نأخذ بالظاهر, ونقول: الأكل متكئاً يكرهه النبي ﷺ بخلاف الشرب.
وقد يقال: إن الفرق من وجهين: الوجه الأول: أن الأكل متكئاً سوف يكثر من الأكل, ثانياً: أن نزول الطعام مع المريء أشق من نزول الماء؛ لأن الماء أسهل وهذا معنى يقتضي ألا يصح القياس, بقى لنا الصورة الثالثة للاتكاء وهي: التربع, يرى ابن القيم أنها اتكاء, والفقهاء لا يرونها من الاتكاء ويقولون: إن المتربع لم يتكئ بل هو قائم الجسد فهو لم يتكئ فلا يدخل في الحديث, وإذا كان هذا عن التربع لا يقتضيه اللفظ من حيث اللغة ولا من حيث اللفظ فالاحتياط عدم إدخاله, لماذا؟ لأن الأصل في غير العبادات الحل والإباحة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك.
стр. 2438
التسمية عند الطعام:
١٠٠٦ - وعن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يا غلام, سمَّ الله, وكل بيمينك وكل مما يليك». متفق عليه.
عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ : لأنه ابن أم سلمة؛ وقصتها معروفة حين تُوفي أبو سلمة وهو ابن عمها ومن أحب الناس إليها وكان النبي ﷺ قد قال: «ومن أصيب بمصيبة فقال: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, آجره الله واخلف عليه خيراً منها».
فلما مات أبو سلمة قالت هذا, وكانت تقول في نفسها: من خير من أبي سلمة؟ لا تقول هذا شكاً, ولكن تتأمل من خير من أبي سلمة أبو بكر, وعمر, عثمان, علي, العباس, ابن مسعود, فلان فلان من؟ ولم يكن يخطر ببالها في ذلك الوقت أن الذي يخلف أبا سلمة عليها هو النبي ﷺ فلما انتهت العدة تزوجها النبي ﷺ ؟ فكان خيراً لها من أبي سلمة, وربي الله أولاد أبي سلمة في حجر النبي ﷺ كان عمر صغيراً فجلس مع النبي ﷺ على الطعام فجعلت يده تخبط في الصحفة يميناً وشمالاً؛ لأنه صغير لم يتربَّ فقال له: «ياغلام» , والغلام اسم للذكر الصغير, والأنثى الصغيرة يقال لها: جارية, «يا غلام سمَّ الله» , أي: قل: "باسم الله" وهذا أمر, والأمر يقتضي الوجوب في الأصل عند أكثر الأصوليين, لقول الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣].
فتوعد الذين يخالفون عن أمره ولقول النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». فقوله: "لأمرتهم" يدل على أن الأصل في الأمر الوجوب, لأن الوجوب هو الذي يكون فيه المشقة؛ إذ إن المستحب لا مشقة فيه لجواز تركه, المهم أن قوله: "سمَّ الله" أمر, والأصل في الأمر في الوجوب, فهل هذا الأمر للوجوب؟ قولان لأهل العلم, منهم من قال: إنه للوجوب ومنهم من قال: إنه للاستحباب.
فالذين قالوا: إنه للاستحباب نظروا إلى أنه من آداب الأكل, والأصل في الآداب أنها للتهذيب والتربية لا للوجوب والإلزام, ومن قال: إنه للوجوب قال: هذا هو الأصل في الأمر, والقول الثاني أي: أنه للوجوب هو الأصح, أولاً: لأن الأصل في الأمر الوجوب, وثانياً: أن النبي ﷺ أخبر أن من لم يسم فإن الشيطان يشاركه في طعامه, ومعلوم أن تمكين الشيطان من
стр. 2439
المشاركة في الطعام لا تجوز, وأيضًا ثبت عنه ﷺ أنه كان ذات يوم على طعام هو وأصحابه فجاءت جارية بنت صغيرة كأنما تدفع دفعاً فألقت بيدها إلى الطعام فامسك بها النبي ﷺ , وأمرها أن تسمى وقال إن الشيطان قد دفعها دفعاً لتأكل بدون تسمية حتى تشاركهم في الطعام, وأخبر أن يدها ويد الشيطان بيد النبي ﷺ , فهذا يدل على أن الأمر للوجوب, وهو كذلك.
فيجب على الإنسان أن يسمي على الأكل وجوباً, فإن لم يفعل فهو آثم وراضٍ بمشاركة الشيطان له في طعامه, فإن نسي سمى حين يذكر يقول: باسم الله أوله وآخره أو "بسم الله" فقط.
وقوله: «يا غلام سم الله» يقتضي أنه لا تكفي التسمية من واحد عن الجميع, ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ سيكون قد سمى على الطعام ومع ذلك أمر هذا الغلام أن يسمي, وهذا فيما إذا كان الثاني لم يسمع تسمية الأول ظاهرة؛ يعني: بأن جاءوا متتابعين لم يجلسوا على الطعام مرة واحدة, فالثاني: الذي جاء لابد أن يسمي, لكن إذا كان جلوسهم على الطعام واحداً وسمى أحدهم تسمية أسمعها الآخرين فهل يجزي؟ يرى بعض العلماء أن بجزيء؛ لأن هذه التسمية تمنع مشاركة الشيطان فهي عندهم سنة كفاية, والذي يظهر من النصوص: أن لكل إنسان تسمية, ووجهه: هذا الحديث الذي معنا فإن الظاهر أن الغلام كان مع النبي ﷺ , وإذا قدم الطعام فإنه سيشارك فوراً.
وقوله: "سم الله" هل هذا يدل على أنك لا تزيد على قول "باسم الله"؟ يحتمل أن تكتفي بقول: "باسم الله" ولا شك أن هذا كافٍ, لكن هل ننكر على من قال: «بسم الله الرحمن الرحيم؟ » لا, لا ننكر, لأن بسم الله الرحمن الرحيم تسمى تسمية فلا ننكر, لكن بعض أهل العلم قال: إنك لا تقول أو لا تزيد «الرحمن الرحيم» على الذبيحة, لأن الرحمة تقتضي العطف والحنان وأنت الآن تريد أن تذبح فلا مناسبة بين هذا وهذا, وعندي أن في هذا التعليل نظراً, ووجهه: أن من رحمة الله بنا نحن -ونحن أشرف من الحيوان- أن أحل لنا أن نذبح هذه البهيمة لمصالحنا فهو في الحقيقة رحمة وكأنك تشير بقولك: الرحمن الرحيم إلى رحمة الله بنا فإنه لرحمته بنا أحل لنا هذه الذبيحة.
وقوله: «كل بيمينك» هذا أمر, والمراد باليمين: اليد اليمنى, فأمره أن يأكل باليمين والأمر هنا هل للوجوب أو للاستحباب؟ فيه الخلاف السابق في قوله: «باسم الله» فمن العلماء
стр. 2440
من قال: أن الأكل باليمين سنة وليس بواجب, وأن الإنسان لو أكل بشماله لم يأثم, لأن الأمر ليس للوجوب, ومن العلماء من قال: إن الأمر للوجوب «كل بيمينك» وعلل هذا بأن الأصل في الأمر الوجوب, وبأن النبي ﷺ نهى عن الأكل بالشمال فقال: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله» , وبأن هذا من إتباع خطوات الشيطان, لقول النبي ﷺ : «إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» , وهذا القول أصح من القول بأن الأمر بالأكل باليمين على سبيل الاستحباب, فالصواب وجوب الأكل باليمين, وأنه لا يجوز الأكل باليسار إلا لضرورة, وأقبح من ذلك أن يمنعه الأكل باليمين الكبرياء, فإنه إن فعل ذلك استحق أن يدعى عليه, لأن رجلاً أكل عند النبي ﷺ بشماله فقال له: «كل بيمينك» , قال: لا استطيع ما منعه إلا الكبر, فقال النبي ﷺ : «لا استطعت» فما رفع يده اليمنى إلى فيه بعد ذلك شُلت, ولا يدعو النبي على شخص إلا لأنه فعل إثماً ومعصية, وأقبح من ذلك أيضًا أن يأكل باليسار تشبهاً بالكفار واعتقاداً أن هذا هو المدينة منا يفعله بعض الناس الذين غرتهم أحوال الكفار وظنوا أنهم لم يستطيعوا أن يصنعوا الطائرات والقنابل إلا من أجل أنهم يأكلون بالشمال! ! فظن أن هذا هو التقدم فصار يأكل بشماله تقليداً لهم, وهذا يزيده قبحاً لقول النبي ﷺ : «ومن تشبه بقوم فهو منهم».
وقوله: «وكل مما يليك» هو أيضًا أمر, يعني: كل مما يليك إلا الذي يلي صاحبك, هذا الأمر الظاهر أنه للاستحباب كما عليه جمهور العلماء إلا أن يحصل من ذلك أذية ومضايقة على شريكك في الأكل فهنا يتوجه وجوب الأكل مما يليك لأنه من المعلوم أن لو تخطت يده إلى جهة شريكه وأكلت مما يلي الشريك ربما يتقزز من هذا أو يتأذى, فالأصل أن الأمر للاستحباب ما لم يكن بذلك أذى لشريكك فيجب أن تأكل مما يليك.
ويستثنى من ذلك إذا كان الطعام أنواعاً مثل أن يكون على الصحفة لحم ولوبيا وبامية فتجاوزت مما يليك إلى هذه الأشياء لتأكل منها ذلك لا بأس به لقول أنس: «كان النبي ﷺ يتتبع الدبُاء» , وهو القرع فيأخذها, وهذا لا شك أنه مما لا يمكن الوصول إلى ما تريد إلا بهذا, فإذا كانت اللحم من الجانب الذي يلي صاحبك وقلنا: كل مما يليك ماذا يقول؟ يقول: ما عندي شيء الذي أريده مما يلي صاحبي, فهو في هذه الحال يكون معذوراً ولا حرج عليه, فإن كان صاحبك لا يهتم بأنك تأكل مما يليه بل يرغب في ذلك ليأكل مما يليك فما الحكم؟
стр. 2441
الظاهر رفع الحرج ما دمت تعلم أن الرجل لا يهتم بهذا الأمر, بل هو يفرح من أجل أن يأكل مما يليك فإن هذا لا بأس به.
وقوله: «كل مما يليك» هل يشمل ما إذا كان لك شريك أو لا؟ بمعنى إذا كنت تأكل وحدك فهل تقول: إن الأفضل أن تأكل مما يليك أو لك أن تأكل من الجانب الآخر إذا كنت وحدك؟ أما ظاهر الحديث فالعموم, وأما قرينة الحال فهي لمن له شريك لأن النبي ﷺ يخاطب هذا الغلام وهو يأكل معه, فيكون هذا النوع من الأدب إنما هو لمن له شريك, أما من ليس له شريك فليأكل مما شاء إلا ما استثنى مما سيذكره في الحديث الآتي.
آداب الطعام:
١٠٠٧ - وعن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ أتى بقصعةٍ من ثريدٍ, فقال: كلوا من جوانبها, ولا تأكلوا من وسطها, فإن البركة تنزل في وسطها». رواه الأربعة, وهذا لفظ النسائي, وسندهُ صحيحٌ.
"أتى بقصعةٍ" القصعة هي الصحفة, والثريد هو ما ذكره الناظم في قوله: [الوافر]
(إذا ما الخبز تؤدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثََّريد)
إذن الثريد هو الخبز المؤدم باللحم, ثم قد يكون مرفقاً, وقد يكون مجففاً, فإذا كان خبزاً يغمس في الإدام, ويؤكل فهو ثريد مجفف, وإذا كان مرقوقاً يعني: طبخ من اللحم وهذا ثريد مرقق, يقول أحد الشعراء: [الرجز].
(جارية لم تأكل المرفقا ... ولم تدق من البقول الفستقا)
يعني: أن حالتها رديئة ليس عندها غنى, وقوله: «فقال: كلوا من جوانبه» هذا يتضمن أمرين: الأول: الإباحة الأكل منها, والثاني: أن يكون الأكل من الجوانب, وكل إنسان يأكل من الجانب الذي يليه, «ولا تأكلوا من وسطها» يعني: أعلاها, «فإن البركة ننزل في وسطها».
قد يقول قائل: هذا التعليل يناقض الحكم لأنه قال: «لا تأكلوا من وسطها» ثم قال: «فإن البركة تنزل في وسطها» , إذا كانت تنزل في الوسط لماذا لا آكل من الوسط من أجل الحصول على البركة؟
стр. 2442
نقول: إذا كانت البركة تنزل في الوسط فأنت إذا أكلت الوسط من أول ما تأكل نزعت البركة راحت, فلهذا يبقى الوصف قائماً ويؤكل من الجوانب, فإن كانوا شرهين واسعي البطون وقضوا على الوسط والجوانب يأكلوا ويجعلوا الوسط في الآخر.
في هذا الحديث فوائد عديدة: منها: تواضع النبي ﷺ في أكل الصبيان معه.
ومنها: أنه ينبغي في الخطاب أن ينادي المخاطب وإن كان قريباً للتنبيه لقوله: «يا غلام» , إذ من الممكن أن النبي ﷺ ينبه بدون أن يناديه, لكن النداء يوجب تنبه المخاطب ولهذا جاءت بصيغة "يا" التي ينادى بها البعيد, بخلاف "أي" التي ينادى بها القريب, فالقريب نقول: "أي زيد" والبعيد نقول: "يا زيد".
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي ﷺ حيث وجد الخطاب إلى هذا الغلام الصغير بياء النداء الدالة على البعد والتفخيم: «يا غلام».
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي بالصبيان في التربية على أخلاق الإسلام وآدابه, بل قد نقول: إنه يجب يربوا على أخلاق الإسلام وآدابه؛ لأن الصغير إذا تربى على الشيء استمر عليه ويصعب إذا كبر أن يربي على شي لم يكن يعرفه من قبل, وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمر هذا الغلام بما أمره.
ومن فوائد الحديث: وجوب التسمية على الأكل لقوله: "سم الله".
فإن قال القائل: في الاستنباط نظر؛ لأن الصغير غير ملزم, والواجبات في حق الكبير سنن في حق الصغير؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه إذا أمر الصغير بالتسمية وهو غير مكلف فالمكلف من باب أولى, ويؤيد وجوب التسمية على الأكل أن النبي ﷺ أخبر أن من لم يسم شاركه الشيطان في أكله وشربه وهذا تحذير من النبي ﷺ من ترك التسمية؛ إذ لا أحد يرضى أن يشاركه الشيطان في غذائه من طعام أو شراب أعدى عدو له.
ومن فوائد الحديث: أنه يقتصر على «باسم الله» لأن النبي ﷺ لم يذكر ما زاد عليها ولكن مع ذلك لو قال: «الرحمن الرحيم» فلا حرج ما لم يقتصد في قصور السنة وأنه يريد أن يكملها بزيادة الرحمن الرحيم, فإن اعتقد ذلك كان خاطئاً ومنع من ذلك, لكن لو قالها على سبيل التعبد لله بها لا على أن السنة قاصرة فلا حرج, لأن مثل هذه الأمور مما جرت المسامحة فيه.
ومن فوائد الحديث: وجوب الأكل باليمين, لقوله: «كل بيمينك» والأمر للوجوب, ويرد على هذا الأمر ما ورد على الأمر بالتسمية, ويجاب عنه بما أجيب به عن الأمر بالتسمية بأنه إذا كان غير المكلف مأموراً فالمكلف من باب أولى, ويؤيد وجوب الأكل باليمين نهي النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2443
عن الأكل بالشمال والشرب بالشمال وإخباره بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله, وقد ذكرنا في أثناء الشرح أن ذلك ينقسم إلى أقسام:
أولاً: أن يخالف هذا الأمر لعذر؛ أي: أن يأكل بشماله لعذر؛ فهذا لا حرج عليه لعموم قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقول النبي: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
ثانياً: أن يتركها تهاوناً فهذا محرم.
ثالثاً: أن يتركها كبراً فهذا من كبائر الذنوب, لأن النبي ﷺ دعا على الذي قال: لا استطيع أن آكل باليمين ما منعه إلا الكبر فقال له: «لا استطعت» , فلم يرفعها إلى فيه بعد ذلك.
ومن فوائد الحديث: فضيلة اليمين, حيث خصت بالأكل وكذلك بالشرب, وقد ذكر أهل العلم ﵏ قاعدة فقالوا: الأشياء ثلاثة أقسام: أذى, وخير, وما لا أذى فيه ولا خير, فالأذى تقدم له اليسرى ولذلك يستنثر الإنسان باليسار, ويستنجى باليسار, ويمسك ذكره ليلصقه بالأرض أو يقربه منها إذا كانت صلدة باليسار, ويقدم رجله اليسرى عند الدخول للخلاء, ويقدم اليسرى عند خلع الثياب, وتقدم اليمنى للخير ولما ليس فيه أذى ولا خير, أما تقديمها للخير فهو لمنقيتها لما لا خير فيه ولا أذى فهو لشرفها وفضلها على اليسار.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الأكل بكلتا اليدين, لقوله: «كل بيمينك» , فلو قال واحد: أنا آكل باليمين لقمة وباليسار لقمة أقل أحواله أنه خلاف السنة, ولكن إذا شرب بكلتا اليدين فهذا إذا كان لحاجة فلا شك في جوازه كما لو كان الإناء ثقيلاً لا يستطيع حمله باليد اليمنى, أما إذا لم يكن هناك حاجة فالأصل أن يشرب باليمين فقط.
ومن فوائد الحديث: وجوب الأمل مما يليك, لقوله: «وكل مما يليك» , والأصل في الأمر الوجوب, وقد ذكرنا في الشرح علة في ذلك وهو أنه إذا أكل من غير ما يليه حصل بذلك مضايقة وأذى لشريكه وهذا لا يجوز, ثم إن فيه أيضاً سوء أدب ودلالة على الشره.
يستثنى من ذلك إذا كان الطعام أنواعاً فإنه لا بأس أن يأكل من النوع الذي يختاره ولو كان مما يلي صاحبه لدعاء الحاجة لذلك, ولأن النفوس لا تأنف منه ولا يتأذى منه شيء, وقد ذكرنا في هذا دليلاً وهو حديث أنس في تتبع النبي ﷺ للدباء, لكن من ذكاء أنس ﵁ أنه
стр. 2444
لما رأى النبي ﷺ يتتبع الدباء بدأ يأخذ الدباء ويضعها أمام النبي ﷺ , وهذا من كمال أدبه لأجل أن يكفي النبي ﷺ المؤنه والتعب.
ما قلنا من وجوب التسمية ووجوب الأكل باليمين ووجوب الأكل مما يليه فيه نزاع بين العلماء؛ لأن من العلماء من يرى أن هذه الأمور مستحبة وليست بواجبة بناءً على القاعدة التي ذكرناها سابقاً, وهي أن الأوامر في الأخلاق والآداب للاستحباب بخلاف الأوامر في العبادات الأصل فيها الوجوب, وقلنا: إن هذا الأصل جيد جداً, وإن الإنسان يتخلص به من أمور حرجة يحرج بها, لو قيل: الأمر للوجوب حتى في الأخلاق والآداب, ولكن نحن لم نعتمد على مجرد الأمر في هذا, ولكن اعتمدنا على قرائن تفيد أن الأمر للوجوب: القرينة الأولى في عدم التسمية مشاركة الشيطان, والثانية: الأكل باليمين له قرينة تدل على وجوبه ذلك لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله, والثالثة: له قرينة تدل على الوجوب وهي تأذي الغير وإحراجه ومضايقته.
ومن فوائد حديث ابن عباس: أن الصحابة ﵃ كان من عاداتهم إكرام النبي ﷺ بإهداء الطعام إليه لقوله: أتي بقصعة, لأن الظاهر أن هذه القصعة أتت من غير أهله, لأن ذلك كان من عادة الصحابة أنهم يهدون إلى النبي ﷺ الطعام واللبن.
ومن فوائد الحديث: الإشارة بل مشروعية الأكل من جوانب القصعة لقوله: «كلوا من جوانبها» , وهل الأمر للوجوب؟ نقول: ظاهر التعليل أن الأمر للوجوب, لأنه قال «فإن البركة تنزل في وسطها» , فإذا أكلت من الوسط نزعت البركة, ومعلوم أن نزع البركة نوع من العقوبة, فإن كان الإجماع على عدم الوجوب فلا عدول لنا عنه, لأنه لا يمكن أن نخالف الإجماع, وإن كان في المسألة قول: أن الأكل من الجوانب للوجوب, وأن الأكل من وسط الصحفة محرم, فهذا القول هو الذي يقتضيه الحديث.
ويستثنى من ذلك ما لو دعت الحاجة إلى الأكل من الأعلى, مثل: أن يكون الجوانب حارة والأعلى بارد, ولا يتمكن الإنسان من أكل الحار, وهذا يكون كثيراً فيما يعرف عندنا بالأكلة المفضلة نحن -أهل القصيم- وهي "الحنينة" وهي عبارة عن تمر مخلوط بالخبز يحمى على النار ثم يوضع فيه دهن.
على كل حال: إذا دعت الحاجة إلى الأكل من الأعلى فلا بأس.
ومن فوائد الحديث: أن من الأمور التي جاء بها الوحي ما لا تدركه العقول وهو أن البركة تكون في وسط الصحفة, لأن هذا لا ندري عنه لولا أن النبي ﷺ أخبرنا بذلك لكنا لا نعلم عن هذا شيئاً.
стр. 2445
ومن فوائد الحديث: أن للأكل والشرب وإن كانا من مقتضى الطبيعة والجبلة أن لهما آداباً, وهذا قد ذكرناه في أصول الفقه, وأن من الأشياء الطبيعية الجبلية ما يكون له آداب هو بذاته ليس مشروعاً, ولكن له آداب مثل الأكل والنوم, لأن النوم والأكل تقتضيهما الطبيعة ولكن من صفات النوم أن يكون مستحباً النوم على اليمين.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي استجلاب البركة واستبقاؤها؛ وأنه لا ينبغي فعل ما يزيلها, ومن ذلك كيل الطعام عند استنفاقه فإنه مما يزيل البركة, فمثلاً: إذا كان عند الإنسان طعام من تمر أو حب أو غير ذلك, فالأفضل أن يأخذ منه نفقته كل يوم بدون كيل, لأنه إذا كيل نزعت البركة منه كما جاء ذلك في حديث عائشة ﵂, أنه كان لها طعام وكانت تأكل منه وتنفق منه قالت: فكلته ذات يوم, يعني: تريد أن تنظر ماذا بقي منه, فقني بسرعة نزعت البركة منه, وجه ذلك ظاهر, لأنك إذا كلته صار نوع اعتماد عليه بأن تقول مثلاً باقي عشرة أصواع فتعتمد عليها بعض الشيء وإذا لم تكله وتنفق فقط صار اعتمادك على الله أكثر فلهذا تنزع البركة منه إذا كيل, لأنه يعتمد عليه الإنسان, وإذا كان يأخذ وينفق يقول: قال الله : «يا ابن آدم, أنفق يُنفق عليك». صار ذلك أقوى في الاعتماد والتوكل على الله.
١٠٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ , طعاماً قط, وكان إذا اشتهى شيئاً أكله, وإن كرهه تركه». متفق عليه.
"ما عاب" أي: ما ذكره بعيب مثل أن يقول: هذا مالح, هذا حامض, هذا خانس, أي: قليل الملح, يعني دالع, يعني: الرسول ﷺ لا يذكر طعاماً بعيب إطلاقاً سواء كان العيب يعود إلى الصنعة أو يعود إلى نفس الطعام, أحياناً يقدم الإنسان فاكهة منظرها حسن وجميل ومطعمها رديء فتجده يعيبها, هذا خلاف هدي النبي ﷺ .
وقوله: "ما عاب طعاماً" هل يشمل هذا صنعة الطعام أو يختص بالطعام نفسه؟ الظاهر: الثاني؛ وأن الإنسان إذا عاب صنعة الطعام من أجل تقويم أهله في الصنعة مثل أن يقول لأهله اليوم الأشياء المالحة, العشاء حار, تأخرتم في طبخه, الشاي مر وما أشبه ذلك هذا لا بأس به, لأن العيب هنا للصنعة أو للصانع وليس للطعام, ثم بين هذي النبي ﷺ فقال: «كان إذا اشتهى شيئاً أكله» على ما هو عليه, وإن لم يشتهه تركه, ولم يقل شيئاً, وبهذا يستريح الإنسان من الهم والحزن, إذا قدم الطعام إن اشتهيته فكل وإن كرهته فلا تأكل.
стр. 2446
يستفاد من الحديث أن من هدي النبي ﷺ ترك عيب الطعام لقوله: «ما عاب طعاماً قط».
ثانياً: أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي, وألا يكره نفسه على أكل ما لا يريد لقوله: «إذا اشتهى شيئاً .... إلخ» فأنت عود نفسك ألا تأكل إلا ما تشتهي وما لا تشتهيه اتركه سواء كنت لا تشتهيه لذاته, أو كنت لا تشتهيه لأن بطنك ملئت فالأول مثل ترك النبي ﷺ لأكل الضب مع أنه حلال, لأنه ليس بأرضه فلم يعتد أكله فيكرهه, فلا تكره نفسك على أكل ما لا تريد, لأن هذا ضرر, إذا اشتهيت شيئاً فكله, ولا تقل: لم يأت وقت الغداء, لأن طلب النفس للشيء يستلزم هضم الشيء وسهولته على المعدة, وذكر صاحب الزاد ابن القيم في كتابه حين تكلم على الرمد -وجع في العيون- وأن الأرمد لا ينبغي أن يأكل التمر؛ لأن التمر يزيد في الرمد قال: إنه إذا قوي طلب النفس له فلا حرج أن يأكل لأن النفس تهضمه ولا يلحقه ضرر, واستدل بما ذكر أن صهيباً ﵁ كان أرمد, فقدم إلى النبي ﷺ تمراً, فلما أراد أن يأكل صهيباً قال له الرسول ﷺ : كلاماً معناه: أتأكل وأنت أرمد؟ قال: يا رسول الله, أمضغه مع الجانب الآخر, يعني: الرمد في اليمنى فيمضغه باليسرى, فأقره النبي وتركه يأكل, لأن النفس الآن في شدة الشوق إليه تطلبه, ولهذا الميتة خبيثة نجسة يتقزز الإنسان من رؤيتها فضلاً عن أكلها, ولكن إذا اضطر حتى خاف الموت صارت طيبة حلالاً تشتهيها النفس ولا تضر الإنسان.
فالحاصل: أن الإنسان ينبغي له إلا يكره نفسه على الشيء إن اشتهاه فليأكله وإن كرهه فليتركه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا حرج أن تضاف الكراهة إلى الطعام, فتقول أنا أكره هذا النوع من الطعام, ولا يعد هذا امتهاناً للنعمة أو استكباراً عنها لهذا الحديث: «إن كرهه» , فإن الراوي فهم أن الرسول ﷺ كره, ولحديث الضٌب: «فأجدني أعافه».
١٠٠٩ - وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تأكلوا بالشمال: فإن الشيطان يأكل بالشمال» رواه مسلم.
وقد مر علينا هذا الحديث, فلا داعي لإعادته هنا.
وفيه فوائد منها: أن الشيطان يأكل وأنه جسم يحتاج إلى الغذاء لقوله: «فإن الشيطان يأكل» وفيه دليل على أن خبث الذات يسري إلى خبث العمل كيف ذلك؟ لأنه يأكل بشماله وهذا لاشك أنه بالنسبة للأكل باليمين رديء وخبيث لكنه لما كانت طبيعة الشيطان الخبث صار لا يأكل إلا بالشمال.
стр. 2447
فإن قال قائل: وماذا يأكل الشيطان؟ نقول: الشيطان يأكل ما لم يسم فيه, إذا أكلت ولم تسم أكل معك كذلك الجن إذا قلنا إن الشيطان يعم حتى الجن, فالجن يأكلون فضلات بني آدم, يعني: ما يفضل من طعامهم, لأنهم يجدون العظام التي طرحها البشر يجدونها لحماً قد كساها الله لحماً لهم يأكلونه والعذرة تكون علفاً لبهائمهم وهذا الأمر القدري دليل واضح على فضيلة البشر على الجن والأدلة في هذا كثيرة لكن هذا منها.
ومن فوائد الحديث: النهي عن مشابهة الشيطان؛ لأن الرسول ﷺ نهى وعلل, وإذا كنا منهيين عن مشابهة الشياطين في الأفعال, ففي الإضلال من باب أولى فالحريص على إضلال الناس مشابه للشياطين والذي يضل الناس عن الذكر ذكر الله مشابه للشياطين فتجد بعض الناس يهم بأمر ولنقل يهم أن يصلي لولا هذا الذي أضله فكل إنسان يحول بين الشخص وبين طاعة الله فإن فيه تشبهاً بالشيطان الذي يضل.
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في التعليم, لأنه لما ذكر الحكم ذكر علته وقرن الحكم بالتعليل ولاشك أنه من حسن التعليم, لأننا نحن إذا سمعنا الرسول ﷺ يقول أو قرأنا في كتاب الله ما يقول سنقتنع بالحكم سواء علمنا العلة أو لم نعلم إن شاء الله تعالى, ولكن إذا جاءت العلة ازداد الإنسان إيماناً وقبولاً, والإنسان بشر فهاهو إبراهيم قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقد ذكرنا فوائد قرن الحكم بالتعليل, ومنها زيادة الطمأنينة وهذه من أهم ما يكون, ولاسيما في وقتنا الحاضر, الناس الآن مع الأسف أوتوا جدلاً, وأعني بالناس: كثيراً منهم لا كل الناس, ولو ذكرت لهم الحكم الشرعي يحتاج إلى إمداده بالتعليل الذي هو الدليل العقلي, لهذا أنا أحث الطلبة على أن يكون لديهم علم بالتعليل الذي هو الدليل العقلي من أجل إقناع المجادلين وأنتم لا تظنوا أن كل الناس مسلمون لقضاء الله الشرعي, لماذا؟ لأن قضا الله الكوني كل مستسلم له: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها﴾ [الرعد: ١٥]. هذا السجود الكوني, فأقول كثير من الناس لا يُسلم لقضاء الله الشرعي أو لا يطمئن على الأقل إلا بما يسنده من الدليل العقلي فأنا أحث طلبة العلم على معرفة أسرار الشريعة وحكمها ليزدادوا إيماناً بها وليقنعوا غيرهم بما تقتضيه أدلتها من الأحكام الشرعية.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن للشيطان شمالاً وله يميناً, لأن الشمال يقابلها اليمين فله يمين وشمال لكنه يختار الشمال لأنه خبيث.
ومن فوائد الحديث: أن الشياطين أجرام, خلافاً لمن قال: إن الشياطين هي قوى الشر
стр. 2448
والملائكة قوى الخير, وقد قال بذلك من ينتسب للإسلام وقال: إنه لا يوجد طير أبابيل أرسلت على أصحاب الفيل وإنما هو الجدري أصابهم, فهو عبارة عن الفيروس الذي أصابهم حتى أهلكهم هذا -والعياذ بالله- قول ضال, القادر على أن يخلق كل شيء قادر على أن يرسل طيراً أبابيل ترمي بحجارة من سجيل وتضرب الإنسان من أم رأسه حتى تخرج من دبره هكذا جاءت الأخبار والعقل ربما يُحار فيه لكن لا يمنعه.
آداب الشراب:
١٠١٠ - وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم, فلا يتنفس في الإناء ثلاثاً». متفق عليه.
"إذا شرب" كلمة شرب تشمل كل شراب من ماء أو لبن أو عصير وغير ذلك, وقوله: "فلا يتنفس" أي: لا يخرج نفسه في الإناء الذي يشرب منه سواء كان ذلك حين مص الشراب أو بعد ذلك, وإنما نهى النبي ﷺ عن هذا إن كان الإنسان في أثناء الشرب فإن النفس ربما يصطدم بما نزل من الشراب ويحصل بذلك الشرق, وإن كان في غير أثناء الشرب فإنه يلوث هذا الشراب على غيره ويكرهه له, وربما يكون في الإنسان أمراض خفية تنطلق من نفسه حتى تلصق في هذا الإناء أو في هذا الشراب فلهذا نهى النبي ﷺ عن ذلك.
ثم إذا كان التنفس في أثناء الشرب فإنه يشبه الحيوان؛ لأن الحيوان -كثيراً منه- بتنفس وهو يشرب, وبعض الحيوان لا يتنفس وهو يشرب, إذا أراد التنفس رفع رأسه, فمن ثم نهى النبي ﷺ عن التنفس في الإناء.
ولكن نقول: ما الذي يسن للإنسان في حال الشراب, هل يسن أن يكون بنفس واحد ونقول: لا تتنفس في الإناء بل تصبر حتى تروى ثم تتنفس بعد ذلك خارج الإناء؟ نقول: السنة للشارب أن يتنفس ثلاثاً وألا يعب الماء بنفس واحد, لأن النبي ﷺ قال: «إن ذلك أهنأ وأبرأ وأمرأ». يعني: التنفس ثلاثاً, وهذا فيما لا تقتضي الحال أن يتنفس فيه أكثر من ثلاثة, لأن بعض الأشربة تتطلب الحال أن يتنفس فيه أكثر من ثلاث مرات مثل الأشربة الحارة وكذلك الباردة الشديدة البرودة فإنه يتطلب أن تتنفس أكثر من ثلاث مرات؛ لأنك تأخذ الجرعة ثم تبقيها في فمك حتى تشبع قليلاً ثم تنزلها, لكن الشراب العادي يتنفس الإنسان فيه ثلاث مرات هذا هو السنة.
يستفاد من هذا الحديث: أن الشريعة الإسلامية شاملة كاملة, شاملة لكل شيء ولهذا قال
стр. 2449
رجل لسلمان الفارسي: «علمكم نبيكم حتى الخراءة» يعني: آداب الخراءة -التخلي- قال: «أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظيم».
وقال أبو ذر: «ولقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وذكر لنا منه علماء». فالشريعة -والحمد لله- شاملة ومع شمولها كاملة تكمل جميع ما يتعلق بها.
ومن فوائد الحديث: النهي عن التنفس في الإناء, وهل النهي للكراهة أو للتحريم؟ نقول: هو للكراهة إلا إذا أدى إلى إيذاء الغير كما لو كان هذا الشراب سيشرب من بعدك وأنك لو تنفست فيه لقدرته في نظر غيرك فحينئذ يكون النهي للتحريم من أجل الأذية وإلا فالأصل أنه للكراهة.
ومن فوائد الحديث: أن السنة إذا أردت أن تتنفس أن تفصل الإناء عن فمك تبعده ما يكفي أن ترفع رأسك, والتنفس يمكن أن يصل للإناء لا بل افصله.
١٠١١ - ولأبي داود: عن ابن عباس ﵁ نحوه, وزاد: «أو ينفخ فيه» , وصححه الترمذي.
أيضاً نهى عن النفخ في الإناء, لأن النفخ في الإناء ربما يصحبه أشياء مستقذرة تقذر هذا الشراب وربنا يصحبه جراثيم مرضية تكون سبباً لمرض من يشرب به من بعده.
واختلف العلماء في هذه المسألة هل هو في كل شيء أو هو فيما لا يحتاج إلى نفخ, لأن من الأشربة ما يحتاج إلى نفخ, ككون الشراب حاراً وهو مستعجل لغرض ما أو ما أشبه ذلك, ولكن مع هذا نقول: إذا كان نفخه يوجب أن يستقذره من يشرب بعده فلا ينفخ, فما تقولون في نفخ المرأة لصبيها؟ هذا أيضاً لحاجة, ولكن إذا علم الإنسان من نفسه أن به مرضاً معدياً فإنه لا يضر غيره, والمسألة ليست إلا وقتاً فقط لأن الأشياء الحارة ستبرد فينتظر قليلاً.
* * * *
стр. 2450
٥ - باب القسم بين الزوجات
"القسم": جعل الشيء أقساماً هذا في الأصل تقول: قسمته أقسمه قسماً؛ أي: جعلته أقساماً, والمراد بهذا الباب: قسم الزمن بين الزوجتين فأكثر؛ أي: أن تجعل لهذه يوماً ولهذه يوماً أو لهذه يومين ولهذه يومين حسب ما يتفقان عليه.
١٠١٢ - عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل, ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». رواه الأربعة, وصححه ابن حبان والحاكم, ولكن رجح الترمذي إرساله.
كان يقسم لنسائه؛ وذلك أنه ﷺ كان يجعل لهذه يوماً ولهذه يوماً للصغيرة والكبيرة منهن, فيقسم لسودة ويقسم لعائشة, عائشة صغيرة وسودة كبيرة, ولما أحست سودة بأنه سيطلقها وهبت يومها لعائشة وبقيت ﵂ من أمهات المؤمنين.
وقولها: «فيعدل» أي: يعدل بين نسائه في هذا القسم, فلا يميل إلى واحدة منهن, بل يسير سيراً عدلاً ليس فيه ميل لهذه, ويقول مع كونه يعدل: «اللهم هذا قسمي فيما أملك».
يعني: من العدل, وهو يملك ﷺ أن يجعل لهذه يوماً ولهذه يوماً وكل إنسان يملك هذا, «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني: لا تلحقني يا رب لوماً تعاقبني به, «فيما تملك ولا أملك» وهو الحب, فإن المحبة لا يملكها الإنسان وإنما الذي يملكها الله , فالمحبة لا يمكن للإنسان أن يعدل فيها بين النساء, وذلك أن هذا شي يلقيه الله في قلب الإنسان ولا يمكنه أن يتخلص منه ولا يمكن أن يعدل بين النساء, وقد كان معروفاً عند نسائه وعند الصحابة أنه كان يحب عائشة أكثر من غيرها, حتى إنه سئل عن ذلك: «من أحب الرجال إليك» قال: «أبو بكر» , قيل: ومن النساء؟ قال: "عائشة". فهي أحب زوجاته إليه, وهن قد عرفن ذلك.
أسباب المحبة:
ولكن هل للمحبة أسباب؟ نعم لها أسباب, وللكراهة أسباب, فمن أسباب المحبة: إفشاء السلام بين المسلمين قال النبي ﷺ : «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا, أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم».
стр. 2451
ومن ذلك: الهدية, فقد جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا» , ومن ذلك أيضاً: الإحسان إلى الناس بالمال أو بالجاه فإن هذا يجلب المحبة, ومن ذلك: الزيارات فإنها تجلب المحبة, ومن ذلك: عيادة المريض فإنها تجلب المحبة وهي أشد جلباً من الزيارات المعتادة, لأن المريض يفرح فرحاً عظيماً بمن يعوده فيجد في قلبه محبة له هذه أسباب, ولكن هذه الأسباب قد يكون لها موانع ليس كل سبب يؤثر ويُؤثر مفعوله قد يكون لها موانع, الموانع أما من الإنسان نفسه أو من الله , بأن يلقي الله في قلب هذا الرجل عدم المحبة لشخص ولو كان يفشي السلام معه, ولو كان يهدي إليه, ولو كان يزوره, لأن هذا شيء من الله, ولهذا قال: «فيما تملك ولا أملك».
هذه المسألة -مسألة المحبة- لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها, ولكن ما يتفرع عن المحبة وهو الجماع, هل يجب على الإنسان أن يعدل بين زوجاته في الجماع؟ يقول العلماء: إنه لا يجب؛ لأن الجماع يتبع المحبة, فإذا كان يحب واحدة أكثر من الأخرى فسوف تكون رغبته في جماعها أكثر من جماع الأخرى لاشك, وربما لا يميل إلى الأخرى من هذه الناحية إطلاقاً, لاسيما إذا كان ضعيف الشهوة, لأنه لا يتحمل أن يعطي هذه وهذه, فتجده يفرط كثيراً في حق الأخرى التي محبتها أقل من محبة الثانية, ولهذا قال العلماء: لا يجب العدل بين النساء في الجماع؛ لأن ذلك يتبع المحبة ولا طاقة للإنسان بالتحكم في المحبة, ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه قد يمكن العدل في الجماع مثلاً إذا كان الإنسان يوفر نفسه للثانية ويتصدد ويعرض عن جماع الأولى, لأن بعض الناس يتصدد عن جماع إحدى الزوجتين, لأن الرغبة فيها قليلة ويقول بدلاً من أن أتعب نفسي في جماعها أجعل الجماع للأخرى فهذه لا أجامعها أبداً, وهذه أجامعها في الليلة مرتين, نقول: إذا كان الإنسان يتقصد هذا فإن ذلك حرام ولا يعارض هذا الحديث: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» لأن هذا ما يملكه, فإذا كان يوفر شهوته للأخرى فلا يجوز, وهذا الذي ذكره ابن القيم, في "زاد المعاد" هو الصحيح, فأما أن تقول: لا يجب العدل في الجماع على الإطلاق فهذا فيه نظر.
في هذا الحديث فوائد منها: حسن خلق النبي ﷺ : حيث كان يقسم لنسائه ويعدل.
стр. 2452
وفيه أيضًا أن المعاشرة التي تدوم هي المعاشرة المبنية على العدل, لأن الإنسان إذا جر وظلم وأجنف فإنه سيكون رد فعل من المظلوم الذي جير عليه, ويحصل بذلك النكد بين العائلة.
واختلف العلماء هل القسم واجب على النبي ﷺ أو هو تطوع منه؟ فقال بعضهم: إنه واجب عليه, لعموم الأدلة الدالة على وجوب القسم بين الزوجات, والأصل أن النبي ﷺ داخل في عموم خطابه, وقال بعض العلماء: لا يجب لقوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ [الأحزاب: ٥١].
فقال: إن الله خيره قال: ﴿ترجى﴾ ﴿تأوي﴾ , ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح﴾ يعني لا جناح أن ترجع عن الأولى التي عزلتها, والذي يظهر أن الله خيره, لكنه اختار الأكمل وهو القسم, ولهذا كان في مرض موته يتنقل بين زوجاته ويقول: أين أنا غدا؟ ولو كان النبي ﷺ جعل القسم في حقه غير واجب لاختار من يختار من نسائه بدون أن ينتظر يومها, ولما علمت نساؤه أنه يريد عائشة أذن له أن يمرض في بيتها, ﵅ وجزاهن عنه وعنا خيراً, فأذن له فصار ﷺ عند عائشة ومات في يومها, صادف موته في اليوم الذي هو يومها وفي بيتها وفي حجرها, وآخر ما طعم النبي ﷺ من الدنيا ريقها ﵂ لأن أخاها عبد الرحمن دخل والنبي ﷺ في سياق الموت وكان معه سواك فمد النبي ﷺ إليه بصره, قالت: فعرفت أنه يريد السواك, وكانت قد حضنته على صدرها فقلت: آخذه لك يا رسول الله؟ فأشار برأسه يعني: خذيه, فأخذته وقضمته, يعني: قطعت منه ما كان متلوثاً من قبل حتى طيبته ثم أعطته النبي ﷺ فأستاك به, قالت: فما رأيت النبي ﷺ تسوك سواكاً أحسن منه, وهذا من رحمة الله به أن خرج من الدنيا وهو على أكمل ما يكون من طيب الرائحة لأن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب, فكانت عائشة تفتخر بنعمة الله علها في هذه المناسبة أن الرسول مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها وهي مستندة إلى صدرها ومات في يومها وفي بيتها, وأخر ما طعم من الدنيا ريقها ﵂.
ومن فوائد الحديث: أن ما لا يملكه الإنسان لا يلام عليه, لقوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» , ولكن ربما ينازعنا منازع في أخذ هذه الفائدة, ويقول أن النبي ﷺ دعا أن الله لا يلومه ولو كان غير مكلف به ما احتاج إلى الدعاء, ولكننا نقول إنه قال ذلك وإن كان محققاً فإن
стр. 2453
المحقق قد يدعي لوجوده لتحقيقه وتثبيته، فها نحن الآن نقول: "اللَّهمَّ صل على محمَّد"، والله يقول في كتابه: ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]. إذن فالصلاة عليه محققة، سواء دعونا أم لم ندع، ولكن هذا من باب زيادة التحقيق، فيكون قوله: "لا تلمني فيما تملك ولا أملك" مع أن الإنسان غير ملوم عليه من باب التحقيق، تحقيق ما أثبته الله للعبد.
ومن فوائد الحديث: أن المحبة لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها؛ لقوله: "فيما تملك ولا أملك".
ومن فوائد الحديث: أن ما كان ناشئًا عن المحبة من عدم العدل، فإن الإنسان لا يلام عليه، فمثلاً الإنسان إذا كان يحب إحدى الزوجتين أكثر من الأخرى فإنه لا شك يرتاح للمحبوبة عنده أكثر من الأولي حتى في المخاطبة والمكالمة والمداعبة وغير ذلك؛ ولهذا تجد الأخرى التَّي يبغضها إذا تكلمت كأنما تضربه بالسهام، والأخرى كأنما تلعقه العسل، يرتاح للثانية، هذا من الأشياء الَّتي لا يملكها الإنسان.
أما مسألة الجماع فقد عرفتم، وأن المذهب لا يجب العدل بين النساء فيه حتىَّ لو أن الإنسان تعمَّد ألا يجامع هذه في ليلتها ثم جامع الأخرى فلا إثم عليه ولكن الصحيح ما حرره ابن القيم ﵀ أن الجماع الَّذي بوسعه يجب عليه العدل فيه.
تحريم الميل إلي إحدى الزوجتين:
١٠١٣ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من كانت له امرأتان، فمال إلي إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقُّه مائل". رواه أحمد والأربعة، وسنده صحيح.
"من" هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: "كانت"، وجواب الشرط قوله: "جاء"، وقوله: "جاء يوم القيامة"، "يوم" ظرف، والفاعل مستتر في قوله: "جاء"، وقوله: "شقه مائل" "الشق": الجنب، والجملة هنا حالية من فاعل جاء؛ يعني: جاء والحال أن شقه مائل، وقوله: "امرأتان" أي: زوجتان.
ففي هذا الحديث يُحَذر الرسول ﷺ من الميل لإحدى الزوجات دون الأخرى فيقول: "من كانت ... إلخ"، وقوله: "مال" يعني: الميل الذي يلام عليه، وليس الميل الذي لا يستطيعه لقول الله تعالي: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾ [النساء: ١٢٩].
стр. 2454
فقوله: "مال إلي إحداهما" أي: ميلاً يلام عليه، جاء يوم المحشر- محشر الناس- وهو مائل الشق، سيصنع به ذلك عند القيامة.
ففي هذا الحديث من الفوائد: التحذير من الميل إلي إحدى النساء؛ لقوله: "فمال إلي إحداهما".
ومن فوائده: وجوب العدل بين الزوجتين فأكثر، ووجه الوجوب: الوعيد على تركه؛ لأن من علامات الوجوب الأمر، وإذا توعد على ترك الشيء دل هذا على وجوبه؛ لأنه لا وعيد إلا على فعل محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات البعث لقوله: "جاء يوم القيامة".
ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما مال عن العدل في الدنيا جاء يوم القيامة وشقه مائل جزاء وفاقًا.
مسألة: كيف يكون العدل بين الزوجات ؟
فإذا قال قائل: بماذا يكون العدل واختلف العلماء- ﵏ في ذلك فمنهم من قال: إن العدل واجب في الواجب، ومنهم من قال: إنه واجب في الواجب والمستحب والمباح؛ فالذين قالوا: إنه واجب في الواجب، قالوا: إنه يجب أن يعدل بين الزوجات في النفقة الواجبة وما زاد علي ذلك فلا يجب فيه العدل، فإذا أعطي كل واحدة منهما كفايتها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن فله أن يعطي الأخرى أكثر من ذلك، وبناء على هذا لو أنه أعطي كل واحدة منهما الواجب عليه من النفقة ثم أعطي إحداهما من الحلي والدراهم والأواني والفرش ما لا يعطي الثانية، فهو على هذا القول عادل وليس بآثٍم؛ وذلك لأنه قام بالواجب وما زاد فنفل، والنفل فضل ولا أحد يمنع الفضل.
والقول الثاني في المسألة: أن العدل واجب في الواجب والمستحب والمباح في كل شيء كل ما يقدر عليه، وعليه فإنه لا يجوز أن يخص إحدى الزوجتين بزائد عن الأخرى ولو كان قد قام بواجبها في النفقة؛ لأن كل أحد يعرف أن هذا ميل لو كان إحداهما أعطاها ما يلزم من النفقة والأخرى أنزلها في قصر مشيد وأتي إليها بجميع أنواع الذهب والجوهر وأركبها سيارة فخمة، وجاء لها بخادم وخادمة والثانية جعلها في كوخ يصح لمثلها فهو على القول الراجح آثم ومائل بلا شك.
ومن العدل على القول الراجح أن يعدل بينهما في المخاطبة، لاسيما إذا كان يخاطبها بحضرة كل واحدة، فلا يجوز أن يخاطب الأولي بعنف والثانية برفق لأن هذا خلاف العدل؛ ولأنه يكسر قلب المفضل عليها، ومن العدل أيضًا بينهما العدل في القسم، كما سيأتي إن شاء الله
стр. 2455
فإن قال قائل: إذا كانت إحداهما ثخينة وطويلة والأخرى بالعكس، ثوب الأخيرة بعشرة ثوب الأولي بعشرين هل يلزمه أن يعطي الأولي ذات الثوب القصير ما زاد على ثوبها؟ لا، بل وأعطاها كان جائرًا، ولهذا لو قالت صغيرة الجسم: أنت اشتريت لفلانة ثوبًا بخمسين اشتريت لي ثوبًا بثلاثين فأريد منك عشرين، يقول لها: كوني مثلها وأعطيك مثلها هذا هو العدل، إذن العدل في كفاية ما يكفي كل واحدة، وفيما زاد عليها على الكفاية يعطي كل واحدة مثل ما يعطي الأخرى كالدراهم والأواني وشبهها، أما الثياب فمعروف أن كل واحدة على قدرها.
ومن فوائد الحديث: أن عدم العدل بين الزوجات من كبائر الذنوب، الدليل أن عليه وعيدًا في الآخرة، وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب.
القسم للبكر والفرق بينهما وبين الثَّيب عند الزواج:
١٠١٤ - وعن أنس ﵁ قال: "من السُّنَّة إذا تزوَّج الرَّجل البكر على الثَّيِّب أقام عندها سبعًا ثمَّ قسم، وإذا تزوَّج الثَّيِّب أقام عندها ثلاثًا ثمَّ قسم". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
سنة من؟ سنة النبي ﷺ ، فإذا قال الصحابي: من السُّنة فإنه يريد سنة الرسول ﷺ ؛ لأن الصحابي لا يقول: "من السنَّة" إلا في مقام الاستدلال على الحكم، ولا دليل في الأحكام إلا قول الرسول ﷺ وسنة الرسول ﷺ .
فإن قال التابعي: "من السنَّة" فهل يراد بذلك سنة الرسول ﷺ أو سنة الخليفة الذي جاء به؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المراد بقول التابعي: "من السنة" سنَّة النَّبي ﷺ ، وعلي هذا القول يكون الحديث مرسلاً؛ لماذا؟ لأن التابعي لم يدرك النَّبي ﷺ إنما أدرك الصحابة، ومنهم من قال: بل إذا قال التابعي: "من السنَّة" فيعني بذلك سنة من أدركه من الخلفاء، وعلى هذا فيكون قوله موقوفًا.
والخلاصة: أنه إذا قال الصحابي: "من السنَّة" فالمراد بها: سنَّة النبي ﷺ ، فيكون له حكم الرفع، وإذا قال التابعي: "من السنَّة" فللعلماء في ذلك قولان أحدهما مرفوع حكمًا كقول الصحابي، وعلى هذا يكون هذا الحديث مرسلاً لسقوط الصحابي منه، ومنهم من قال: بل المراد بالسنة: سنة الخليفة الذي كان في عهده، وعلى هذا فيكون موقوفًا، إذن هل يكون حجة؟ نقول: إذا قلنا: إنه في حكم الرفع لم يكن حجة لعدم اتصال السند، وإذا قلنا: إنه موقوف، فإن قلنا: إن قول الصحابي حجة فهو حجة، وإن قلنا: إنه ليس بحجة فليس بحجة،
следующие страницы →