Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
ومن ذلك: الهدية, فقد جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا» , ومن ذلك أيضاً: الإحسان إلى الناس بالمال أو بالجاه فإن هذا يجلب المحبة, ومن ذلك: الزيارات فإنها تجلب المحبة, ومن ذلك: عيادة المريض فإنها تجلب المحبة وهي أشد جلباً من الزيارات المعتادة, لأن المريض يفرح فرحاً عظيماً بمن يعوده فيجد في قلبه محبة له هذه أسباب, ولكن هذه الأسباب قد يكون لها موانع ليس كل سبب يؤثر ويُؤثر مفعوله قد يكون لها موانع, الموانع أما من الإنسان نفسه أو من الله , بأن يلقي الله في قلب هذا الرجل عدم المحبة لشخص ولو كان يفشي السلام معه, ولو كان يهدي إليه, ولو كان يزوره, لأن هذا شيء من الله, ولهذا قال: «فيما تملك ولا أملك».
هذه المسألة -مسألة المحبة- لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها, ولكن ما يتفرع عن المحبة وهو الجماع, هل يجب على الإنسان أن يعدل بين زوجاته في الجماع؟ يقول العلماء: إنه لا يجب؛ لأن الجماع يتبع المحبة, فإذا كان يحب واحدة أكثر من الأخرى فسوف تكون رغبته في جماعها أكثر من جماع الأخرى لاشك, وربما لا يميل إلى الأخرى من هذه الناحية إطلاقاً, لاسيما إذا كان ضعيف الشهوة, لأنه لا يتحمل أن يعطي هذه وهذه, فتجده يفرط كثيراً في حق الأخرى التي محبتها أقل من محبة الثانية, ولهذا قال العلماء: لا يجب العدل بين النساء في الجماع؛ لأن ذلك يتبع المحبة ولا طاقة للإنسان بالتحكم في المحبة, ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه قد يمكن العدل في الجماع مثلاً إذا كان الإنسان يوفر نفسه للثانية ويتصدد ويعرض عن جماع الأولى, لأن بعض الناس يتصدد عن جماع إحدى الزوجتين, لأن الرغبة فيها قليلة ويقول بدلاً من أن أتعب نفسي في جماعها أجعل الجماع للأخرى فهذه لا أجامعها أبداً, وهذه أجامعها في الليلة مرتين, نقول: إذا كان الإنسان يتقصد هذا فإن ذلك حرام ولا يعارض هذا الحديث: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» لأن هذا ما يملكه, فإذا كان يوفر شهوته للأخرى فلا يجوز, وهذا الذي ذكره ابن القيم, في "زاد المعاد" هو الصحيح, فأما أن تقول: لا يجب العدل في الجماع على الإطلاق فهذا فيه نظر.
في هذا الحديث فوائد منها: حسن خلق النبي ﷺ : حيث كان يقسم لنسائه ويعدل.
стр. 2452
وفيه أيضًا أن المعاشرة التي تدوم هي المعاشرة المبنية على العدل, لأن الإنسان إذا جر وظلم وأجنف فإنه سيكون رد فعل من المظلوم الذي جير عليه, ويحصل بذلك النكد بين العائلة.
واختلف العلماء هل القسم واجب على النبي ﷺ أو هو تطوع منه؟ فقال بعضهم: إنه واجب عليه, لعموم الأدلة الدالة على وجوب القسم بين الزوجات, والأصل أن النبي ﷺ داخل في عموم خطابه, وقال بعض العلماء: لا يجب لقوله تعالى: ﴿ترجى من تشاء منهن وتأوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ [الأحزاب: ٥١].
فقال: إن الله خيره قال: ﴿ترجى﴾ ﴿تأوي﴾ , ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح﴾ يعني لا جناح أن ترجع عن الأولى التي عزلتها, والذي يظهر أن الله خيره, لكنه اختار الأكمل وهو القسم, ولهذا كان في مرض موته يتنقل بين زوجاته ويقول: أين أنا غدا؟ ولو كان النبي ﷺ جعل القسم في حقه غير واجب لاختار من يختار من نسائه بدون أن ينتظر يومها, ولما علمت نساؤه أنه يريد عائشة أذن له أن يمرض في بيتها, ﵅ وجزاهن عنه وعنا خيراً, فأذن له فصار ﷺ عند عائشة ومات في يومها, صادف موته في اليوم الذي هو يومها وفي بيتها وفي حجرها, وآخر ما طعم النبي ﷺ من الدنيا ريقها ﵂ لأن أخاها عبد الرحمن دخل والنبي ﷺ في سياق الموت وكان معه سواك فمد النبي ﷺ إليه بصره, قالت: فعرفت أنه يريد السواك, وكانت قد حضنته على صدرها فقلت: آخذه لك يا رسول الله؟ فأشار برأسه يعني: خذيه, فأخذته وقضمته, يعني: قطعت منه ما كان متلوثاً من قبل حتى طيبته ثم أعطته النبي ﷺ فأستاك به, قالت: فما رأيت النبي ﷺ تسوك سواكاً أحسن منه, وهذا من رحمة الله به أن خرج من الدنيا وهو على أكمل ما يكون من طيب الرائحة لأن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب, فكانت عائشة تفتخر بنعمة الله علها في هذه المناسبة أن الرسول مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها وهي مستندة إلى صدرها ومات في يومها وفي بيتها, وأخر ما طعم من الدنيا ريقها ﵂.
ومن فوائد الحديث: أن ما لا يملكه الإنسان لا يلام عليه, لقوله: «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» , ولكن ربما ينازعنا منازع في أخذ هذه الفائدة, ويقول أن النبي ﷺ دعا أن الله لا يلومه ولو كان غير مكلف به ما احتاج إلى الدعاء, ولكننا نقول إنه قال ذلك وإن كان محققاً فإن
стр. 2453
المحقق قد يدعي لوجوده لتحقيقه وتثبيته، فها نحن الآن نقول: "اللَّهمَّ صل على محمَّد"، والله يقول في كتابه: ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]. إذن فالصلاة عليه محققة، سواء دعونا أم لم ندع، ولكن هذا من باب زيادة التحقيق، فيكون قوله: "لا تلمني فيما تملك ولا أملك" مع أن الإنسان غير ملوم عليه من باب التحقيق، تحقيق ما أثبته الله للعبد.
ومن فوائد الحديث: أن المحبة لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها؛ لقوله: "فيما تملك ولا أملك".
ومن فوائد الحديث: أن ما كان ناشئًا عن المحبة من عدم العدل، فإن الإنسان لا يلام عليه، فمثلاً الإنسان إذا كان يحب إحدى الزوجتين أكثر من الأخرى فإنه لا شك يرتاح للمحبوبة عنده أكثر من الأولي حتى في المخاطبة والمكالمة والمداعبة وغير ذلك؛ ولهذا تجد الأخرى التَّي يبغضها إذا تكلمت كأنما تضربه بالسهام، والأخرى كأنما تلعقه العسل، يرتاح للثانية، هذا من الأشياء الَّتي لا يملكها الإنسان.
أما مسألة الجماع فقد عرفتم، وأن المذهب لا يجب العدل بين النساء فيه حتىَّ لو أن الإنسان تعمَّد ألا يجامع هذه في ليلتها ثم جامع الأخرى فلا إثم عليه ولكن الصحيح ما حرره ابن القيم ﵀ أن الجماع الَّذي بوسعه يجب عليه العدل فيه.
تحريم الميل إلي إحدى الزوجتين:
١٠١٣ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من كانت له امرأتان، فمال إلي إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقُّه مائل". رواه أحمد والأربعة، وسنده صحيح.
"من" هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: "كانت"، وجواب الشرط قوله: "جاء"، وقوله: "جاء يوم القيامة"، "يوم" ظرف، والفاعل مستتر في قوله: "جاء"، وقوله: "شقه مائل" "الشق": الجنب، والجملة هنا حالية من فاعل جاء؛ يعني: جاء والحال أن شقه مائل، وقوله: "امرأتان" أي: زوجتان.
ففي هذا الحديث يُحَذر الرسول ﷺ من الميل لإحدى الزوجات دون الأخرى فيقول: "من كانت ... إلخ"، وقوله: "مال" يعني: الميل الذي يلام عليه، وليس الميل الذي لا يستطيعه لقول الله تعالي: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾ [النساء: ١٢٩].
стр. 2454
فقوله: "مال إلي إحداهما" أي: ميلاً يلام عليه، جاء يوم المحشر- محشر الناس- وهو مائل الشق، سيصنع به ذلك عند القيامة.
ففي هذا الحديث من الفوائد: التحذير من الميل إلي إحدى النساء؛ لقوله: "فمال إلي إحداهما".
ومن فوائده: وجوب العدل بين الزوجتين فأكثر، ووجه الوجوب: الوعيد على تركه؛ لأن من علامات الوجوب الأمر، وإذا توعد على ترك الشيء دل هذا على وجوبه؛ لأنه لا وعيد إلا على فعل محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات البعث لقوله: "جاء يوم القيامة".
ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما مال عن العدل في الدنيا جاء يوم القيامة وشقه مائل جزاء وفاقًا.
مسألة: كيف يكون العدل بين الزوجات ؟
فإذا قال قائل: بماذا يكون العدل واختلف العلماء- ﵏ في ذلك فمنهم من قال: إن العدل واجب في الواجب، ومنهم من قال: إنه واجب في الواجب والمستحب والمباح؛ فالذين قالوا: إنه واجب في الواجب، قالوا: إنه يجب أن يعدل بين الزوجات في النفقة الواجبة وما زاد علي ذلك فلا يجب فيه العدل، فإذا أعطي كل واحدة منهما كفايتها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن فله أن يعطي الأخرى أكثر من ذلك، وبناء على هذا لو أنه أعطي كل واحدة منهما الواجب عليه من النفقة ثم أعطي إحداهما من الحلي والدراهم والأواني والفرش ما لا يعطي الثانية، فهو على هذا القول عادل وليس بآثٍم؛ وذلك لأنه قام بالواجب وما زاد فنفل، والنفل فضل ولا أحد يمنع الفضل.
والقول الثاني في المسألة: أن العدل واجب في الواجب والمستحب والمباح في كل شيء كل ما يقدر عليه، وعليه فإنه لا يجوز أن يخص إحدى الزوجتين بزائد عن الأخرى ولو كان قد قام بواجبها في النفقة؛ لأن كل أحد يعرف أن هذا ميل لو كان إحداهما أعطاها ما يلزم من النفقة والأخرى أنزلها في قصر مشيد وأتي إليها بجميع أنواع الذهب والجوهر وأركبها سيارة فخمة، وجاء لها بخادم وخادمة والثانية جعلها في كوخ يصح لمثلها فهو على القول الراجح آثم ومائل بلا شك.
ومن العدل على القول الراجح أن يعدل بينهما في المخاطبة، لاسيما إذا كان يخاطبها بحضرة كل واحدة، فلا يجوز أن يخاطب الأولي بعنف والثانية برفق لأن هذا خلاف العدل؛ ولأنه يكسر قلب المفضل عليها، ومن العدل أيضًا بينهما العدل في القسم، كما سيأتي إن شاء الله
стр. 2455
فإن قال قائل: إذا كانت إحداهما ثخينة وطويلة والأخرى بالعكس، ثوب الأخيرة بعشرة ثوب الأولي بعشرين هل يلزمه أن يعطي الأولي ذات الثوب القصير ما زاد على ثوبها؟ لا، بل وأعطاها كان جائرًا، ولهذا لو قالت صغيرة الجسم: أنت اشتريت لفلانة ثوبًا بخمسين اشتريت لي ثوبًا بثلاثين فأريد منك عشرين، يقول لها: كوني مثلها وأعطيك مثلها هذا هو العدل، إذن العدل في كفاية ما يكفي كل واحدة، وفيما زاد عليها على الكفاية يعطي كل واحدة مثل ما يعطي الأخرى كالدراهم والأواني وشبهها، أما الثياب فمعروف أن كل واحدة على قدرها.
ومن فوائد الحديث: أن عدم العدل بين الزوجات من كبائر الذنوب، الدليل أن عليه وعيدًا في الآخرة، وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب.
القسم للبكر والفرق بينهما وبين الثَّيب عند الزواج:
١٠١٤ - وعن أنس ﵁ قال: "من السُّنَّة إذا تزوَّج الرَّجل البكر على الثَّيِّب أقام عندها سبعًا ثمَّ قسم، وإذا تزوَّج الثَّيِّب أقام عندها ثلاثًا ثمَّ قسم". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
سنة من؟ سنة النبي ﷺ ، فإذا قال الصحابي: من السُّنة فإنه يريد سنة الرسول ﷺ ؛ لأن الصحابي لا يقول: "من السنَّة" إلا في مقام الاستدلال على الحكم، ولا دليل في الأحكام إلا قول الرسول ﷺ وسنة الرسول ﷺ .
فإن قال التابعي: "من السنَّة" فهل يراد بذلك سنة الرسول ﷺ أو سنة الخليفة الذي جاء به؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المراد بقول التابعي: "من السنة" سنَّة النَّبي ﷺ ، وعلي هذا القول يكون الحديث مرسلاً؛ لماذا؟ لأن التابعي لم يدرك النَّبي ﷺ إنما أدرك الصحابة، ومنهم من قال: بل إذا قال التابعي: "من السنَّة" فيعني بذلك سنة من أدركه من الخلفاء، وعلى هذا فيكون قوله موقوفًا.
والخلاصة: أنه إذا قال الصحابي: "من السنَّة" فالمراد بها: سنَّة النبي ﷺ ، فيكون له حكم الرفع، وإذا قال التابعي: "من السنَّة" فللعلماء في ذلك قولان أحدهما مرفوع حكمًا كقول الصحابي، وعلى هذا يكون هذا الحديث مرسلاً لسقوط الصحابي منه، ومنهم من قال: بل المراد بالسنة: سنة الخليفة الذي كان في عهده، وعلى هذا فيكون موقوفًا، إذن هل يكون حجة؟ نقول: إذا قلنا: إنه في حكم الرفع لم يكن حجة لعدم اتصال السند، وإذا قلنا: إنه موقوف، فإن قلنا: إن قول الصحابي حجة فهو حجة، وإن قلنا: إنه ليس بحجة فليس بحجة،
стр. 2456
والحديث الذي معنا "من السنة" القائل صحابي هو أنس، ويقول أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه؛ أي: رفعًا صريحًا، وقوله: "من السنَّة" المراد بـ"السنة": الطريقة، وليس المراد بـ"السنة": ما يقابل الواجب؛ لأن هذا المعنى-أعني: أن السنة ما يقابل الواجب- إنما هو اصطلاح للأصوليين، أما إذا قال الصحابة: من السنة فإنه يشمل الواجب والمستحب، وإذا كان كذلك فلننظر هل هذا القسم الابتدائي واجب أو سنة؟ سيأتينا- إن شاء الله- أنه واجب.
وقوله: "إذا تزوج الرجل البكر على الثيِّب أقام سبعًا"، وإن تزوج بكرًا على بكر؟ يمكن أن يعقد على امرأة ولا يدخل عليها وهي بكر ويبقي عندها لا يجامعها ثم يتزوج أخري فيكون قد تزوج بكرًا على بكر، والظاهر أن الحكم واحد، وأن قول الرسول ضلي الله عليه وسلم: "إذا تزوج البكر على الثَّيب"، من باب الأغلب، "أقام عندها سبعًا" لماذا لم نقل سبعة؟ لأن سبعًا لليالي وسبعة للأيام، والعمدة في القسم بين الزوجات هي الليالي إلا لمن معيشته في الليل كالحارس، فالعمدة النهار، وإذا تزوج الثيب على من؟ على ثيب أو على بكر أقام عندها ثلاثًا ثم قسم، وهذا القسم واجب ما لم تسقطه المرأة فإن أسقطته فالحق لها.
وإنما فرق النَّبي ﷺ بين الثيَّب والبكر لوجهين:
الوجه الأول: أن رغبة الإنسان بالبكر أقوى من رغبته بالثيِّب، فجعل له النَّبي ﷺ مهلة أوسع ليتمتع بها ويقضي نهمته منها بخلاف الثيَّب فهي دون ذلك.
الثاني: أن هذا أرأف بالمرأة؛ لماذا؟ لأن البكر عادة تستوحش-تخجل- فتحتاج إلي تمرين وإلي مدة أكثر حتَّى تستأنس بالرجل وتميل إليه، وهذا هو الغالب في الأبكار، وإن كان من الأبكار من عندهن من السعة وعدم الخجل أكثر مما عند الثيَّب، لكن الغالب أن البكر تكون ذات خجل وتحتاج إلي من يؤنسها ويطيل البقاء عندها؛ فلهذا جعل النَّبي ﷺ لها، "سبع ليال"، إذا دخل بالليل، واضح السبع الليال، ينتهي القسم في آخر اليوم السابع، لكن إذا دخل عليها في النهار فهل نقول: إنه في هذه الحال جعل الليل تبعًا وينتهي القسم في صباح الثامن، أو نقول: إن النهار تابع لليل وأن دخوله بها في النهار وهذا هو الأقرب؛ لأن الليل هو محل الأنس وإزالة الوحشة.
وإذا تزوج الثيِّب أقام عندها ثلاثًا"، من الثيَّب؟ الثيب هي التَّي قد تزوجت وجامعها زوجها ولو تزوج بكرين علي ثيَّب. إنسان عنده بنت وعنده بنت أخ وعقد على ابنته وبنت أخيه
стр. 2457
لشخص واحد في عقد واحد، نقول لكل واحدة نصيبها هذه سبع، وإذا انتهت جاء دور الثانية، وهو أيضًا سبع، ثم عاد إلي القسم، إذا كان العقد واحدًا يقدم بقرعة، وإن كان أحد العقدين سابقًا فهو الأسبق.
يستفاد من هذا الحديث: وجوب القسم الابتدائي، وقولنا: الابتدائي؛ احترازًا من الاستمراري؛ لأن الاستمراري يوم فيوم؛ لقوله: "من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا ثمَّ قسم".
فإن قال قائل: إن قول الصحابي: "من السنة" يشمل الواجب والمستحب، فما الذَّي جعلنا نحمله على أن المراد بذلك الواجب؟
الجواب أن نقول: لولا أنه يملك هذا السبع وأنها تجب ما حلت؛ لأن بهذه السبع ميل إلي المرأة الجديدة، والميل حرام، ولا يستباح الحرام إلا بواجب، وإلا هذا الإيراد يرد على أي إنسان، ولهذا قال العلماء: إن الختان واجب، واستدل بأنه لا يمكن أن ينتهك الآدمي ويقطع شيء من جلده إلا لواجب؛ لأن العدوان عليه علي هذا الوجه حرام، ولا يستباح الحرام إلا بواجب.
ومن فوائد الحديث: التفريق بين البكر والثيَّب وهو ظاهر.
ومن فوائد الحديث: أن الأوصاف لها تأثير في الحكم بحيث ينزل كل إنسان منزلته، وجه ذلك: أن الرسول ﷺ فرق بين البكر والثيَّب فأعطي للبكر سبعًا وأعطي للثيب ثلاثًا.
فإن قال قائل: لماذا لم يجعل للبكر أكثر من ذلك؟
نقول: لما في هذا من الإضرار على الأخريات والبعد عنهن ربما يحمله على الجفاء، والأيام السبعة هي أيام الأسبوع، وبها يطيب قلبه وتنتهي نهمته.
فإن قال قائل: لماذا لم يجعل خمسة أيام مثلاً.
نقول: لأن ما نقص عن السبعة قد لا تحصل به كمال العشرة، فلهذا جعل النبي ﷺ المدة أسبوعًا كاملاً لتمر أيام الدنيا كلها سبعة أيام.
ومن فوائد الحديث: أن من تميز على غيره بوصف أعطي ما يقتضيه ذلك الوصف، ولا
стр. 2458
يعد هذا من الجور، وهذا يظهر بالمثال: لو كان لك أولاد، فإنه من المعلوم أنه يجب عليك العدل بينهم في العطية، فإذا كان أحدهم متميزًا بطلب علم أو بكثرة أولاد فلك أن تفضله عليهم مراعاة للوصف المستحق لهذا، ومن ذلك أيضًا إذا كان أحدهم فقيرًا فإنك تعطيه أكثر ما تعطي الغني لدفع حاجته.
١٠١٥ - وعن أمِّ سلمه ﵁، "أن النبيَّ ﷺ لمَّا تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: إنَّه ليس بك علي أهلك هوان، إن شئت سبَّعت لك، وإن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي". رواه مسلم.
أم سلمه تزوجها النبي ﷺ بعد موت أبي سلمه، وقصتها مشهورة بأنها ﵂ لما توفي زوجها وكان ابن عمها، وكان من أحب الناس إليها، قالت ما أرشد إليه النَّبي ﷺ : "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمَّ آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، وكانت تقول في نفسها: من خير من أبي سلمه؟ لا تريد بهذا استبعاد ما أخبر به النَّبي ﷺ ، لكن تدور في فكرها من خير منه؟ أبو بكر، عمر، فلان، فلان، فجاء من هو خير من أبي سلمه وهو النبي ﷺ ، فخطبها وكانت ثيبًا كسائر نسائه، كل نساء النَّبي ﷺ ثيبات إلا واحدة فقط وهي عائشة ﵂، فتزوجها وأقام عندها ثلاثًا؛ لأنها ثيَّب، والسنة إذا تزوج الثيَّب أن يقيم عندها ثلاثًا ثم يقسم، ثم قال لها: "إنه ليس بك على أهلك هوان"، "على أهلك" يريد نفسه- ﵊، "هوان" يعني: هونًا ولطفًا، بل أنت عندهم عزيزة غالية، فإذا قسمت بعد الثلاث فليس هذا عن هوان عليك، ولكن لأن هذا هو الحق، ثم قال: "إن شئت سبَّعت لك، وإن سبَّعت لك سبعت لنسائي"، أي: جعلت لك سبعًا، "وإن سبعت لك سبعت لنسائي" جعلت لهن سبعًا، وهذا الحديث واضح المعني.
وهذا الحديث زاد على الحديث الأول بمسألة وهي تخيير المرأة أن يبقي عندها سبعًا أو يقسم لنسائه بعد الثلاثة، ففي هذا الحديث من الفوائد ما ساقه المؤلف من أجله وهو إذا أقام عند الثيَّب ثلاثًا خيَّرها.
ومن فوائده: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث أعتذر لأم سلمه، فينبغي لنا أن نتأسى به إذا عملنا عملاً واجبًا لا يرضى به قبيلنا فالأولى أن نعتذر.
ومن فوائده: أن الإنسان لا يحابي أحدًا في أمر الواجب، ولكن يعتذر منه عن نفسه في تطبيق الأمر الواجب؛ لأن الرسول ﷺ لم يحاب أم سلمه ولكنه بين لها الواجب واعتذر.
стр. 2459
ومن فوائد الحديث: أنه كما تكون الزوجة أهلاً فإن الزوج يكون أهلاً، والدليل على أن الزوجة تكون أهلاً قوله- سبحانه وتعالي-: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاَّ أمرأتك﴾ [هود: ٨١]. فالزوجة من الأهل لا شك، وكذلك الزوج أهل لزوجته.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا اختارت الثيَّب أن يتمم لها سبعة أيام فليسبع لنسائه، فإذا قدرنا أن عنده ثلاث نسوة وتزوج الرابعة واختارت أن يسبع لها فمتى يرجع إليها؟ بعد واحد وعشرين يومًا؛ لأنه إذا سبَّع لها سبَّع لنسائه، وأظن أن المرأة لا تختار مثل هذا، اللهم إلا إذا كانت عادة حيضها قد قربت فهذه ربما تختار السبع من أجل أن يغيب الزوج عنها في أيام حيضها، أما إذا كانت المسألة سليمة فلا أظن امرأة تختار أن يبقي زوجها غائبًا عنها لمدة سبعة أيام من أجل أربعة أيام تكتسبها، لكن على كل حال الأمر إليها.
وهنا سؤال: هل هذا التخيير على وجوب أو راجع إلى إرادته؟ الظاهر الثاني، أنه راجع لإرادة الزوج؛ لأن هذا مجرد فعل من رسول الله ﷺ ، والأصل في الفعل المجرد عدم الوجوب، وعلى هذا فقد يكون الزوج لا يختار أن يبقى عند هذه الزوجة سبعة أيام ويغيب عند زوجاته الأخريات أربعة أيام مثلاً؛ إذن فالتخيير ليس بواجب.
سؤال آخر: إذا قال قائل: في تمديد المدة إلى سبعة أيام إضرار على النساء الأخريات فهل يحتاج إلى مشاورتهن بأن يقول لهن: أنتن لكن القسم من الليلة الرَّابعة ولكن هل تأذن أن أبقي عندها سبعًا ويكون ابتداء القسم من الليلة الثامنة أو لا يجب عليه؟ ظاهر الحديث أنه لا يجب ولكن هذا الهضم من حق النساء جبر بأن أعطين سبعًا كاملة وإلا فمقتضى بادي الرأي أنه إذا سبَّع لها ربَّع لنسائه؛ لماذا؟ لأن ثلاثة أيام من حقها ولكن جبر عدم استئذانهن وبقاؤه عندها سبعة أيام بزيادة أربعة أيام عن الواجب جبر هذا بزيادة حصتهن بأن جعل لكل واحدة سبعة أيام وهذا من العدل؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا يسبَّع لنسائه وهو لم يزد الجديدة إلا أربعة أيام أفلا يكون مقتضى العدل أن يجعل للأخريات أربعة أيام نقول هذا هو العدل في بادي الرأي لكن عند التأمل يتبين أن العدل ما قاله الرسول ﷺ كيف؟ لأنه لما هضمهن بعض الحق في تطويل المدة- مدة الغيبة عنهن- جبر ذلك بزيادة القضاء لهن حيث جعلهن على سبعة أيام.
стр. 2460
خلاصة الحديثين: أن من تزوج بكرًا على ثيِّب أقام عندها سبعًا، ومن تزوج ثيبًا على بكر أو على ثيب أقام عندها ثلاثًا، وأنَّ له أن يخيرها بأن يسبع لها ويسبَّع لنسائه وإلا اقتصرت على الثلاث.
وفي هذا الحديث من الفوائد: إخبار الإنسان بالأمر الواقع؛ لأنه قال: "إن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي"، فأخبرها بالصراحة ولم يجعل الأمر عائمًا بل بينه ووضحه، وهكذا ينبغي للإنسان في جميع أموره أن يكون بينًا صريحًا، ألم تعلموا أن الرسول ﷺ قال: "البيعان إن صدقًا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذَّبًا وكتما محقت بركة بيعهما".
جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم لأخرى:
١٠١٦ - وعن عائشة ﵂: "أنَّ سوده بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النَّبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سوده". متفق عليه.
سوده بنت زمعة من كبريات نساء النبي ﷺ ، وقيل: إن النَّبي ﷺ تزوجها بعد خديجة فهي زوجته الثانية، وقيل: تزوج عائشة بعد خديجة ولم يدخل بها إلا في المدينة فتكون سوده الزوجة الثالثة، لكنها هي ﵂ من كبريات النساء لما رأت أنها كبرت سنها فكرت بعقلها الراسخ الكبير أن تتنازل عن حقها من القسم وأن يكون تنازلها لأحب نسائه إليه فوهبته لعائشة ﵂، فكان النبي صلي الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سوده؛ أي: يكون لعائشة يومان ولبقية النساء يوم، كم يغيب عن عائشة؟ سبعة أيام، وقيل: إن الرسول ﷺ هم بطلاق سوده، فكلمته، وقالت له: أنا يا رسول الله أبقي زوجة لك وأهب يومي لعائشة، فقبل النبي ﷺ ، وسواء كان الأمر كذلك أو كان الأمر من ذات سوده ﵂ إنما الحكم أنه يجوز للمرأة أن تتنازل عن حقها من القسم لامرأة معينة من نسائه.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز تنازل المرأة عن حقها في القسم، وجهه: أن النبي ﷺ أقر سوده على ذلك، ولو كان هذا ممنوعًا لما قبل الرسول صلي الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: أن الإبراء يصح بلفظ الهبة، يؤخذ من أنها وهبت يومها، وهذا ليس
стр. 2461
هبة في الحقيقة، ولكنه إبراء من واجب القسم، وعلى هذا فلو قلت لمدينك الذَّي تطلبه: قد وهبت لك دينك فإنه يصح ويبرأ بذلك.
ومن فوائد الحديث: بيان كمال عقل سوده ﵂؛ حيث تنازلت عن حقها من القسم لتبقي من أمهات المؤمنين.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن المرأة إذا طلقها النبَّي ﷺ لم تكن من أمهات المؤمنين وهو كذلك، فالمرأة التَّي استعاذت من الرسول ﷺ حين دخل عليها وأعاذها ليست من أمهات المؤمنين؛ لأنها طلِّقت في حياة الرسول ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن تتنازل المرأة عن حقها لامرأة معينة، يؤخذ من أن سوده وهبت يومها لعائشة، فهل يصح أن تتنازل عنه لإحدى نسائه مبهمة؟ الظاهر الصحة، وعلى هذا فإذا لم تعيَّن امرأة فللزوج أن يجعله لإحدى نسائه، وللزوج أن يجعله مشاعًا بين نسائه، أما إذا قالت: اجعله لإحدى نسائك، فيحتمل أن يكون كما قلنا أنه مخير، ويحتمل أن يجعله مشاعًا، وعلى هذا فإننا نعود في حكم هذه المسألة فنقول: إذا تنازلت الزوجة لامرأة معينة من الزوجات تعَّين صرفه إليها، وإذا تنازلت لإحدى نسائه فإن له الحق أن يعين من شاء؛ لأنه مبهم وإذا تنازلت عنه مطلقًا فإنه يكون مشاعًا بين الزوجات. الأول واضح مثال ذلك: لو قال زوجته هند: وهبت يومي لضرتي زينب يكون لزينب، ولا يجوز أن يقسمه لغيرها، وقالت زوجته هند: وهبت يومي لإحدى نسائك اختر من شئت، فهنا يجعله لمن يشاء وله أن يجعله مشاعًا.
الصورة الثّالثة: أن تتنازل عن حقها لغير أحد فله أن يجعله مشاعًا، بل قد نقول: يتعين أن يجعله مشاعًا، لكن كلمة "مشاعًا" ما معناها؟ مشتركًا، فمثلاً إذا كان عنده أربع نسوة فإن حق كل واحدة ليلة من أربع، فإذا تنازلت عنه لغير معينة ولا مبهمة فإنه يكون مشاعًا، ويكون القسم دائرًا على ثلاثة فيغيب عن كل واحدة من الثلاث ليلتين، وإذا كان لواحدة معينة من الثلاث صار يأتي المعينة مرتين ويأتي الثانية والثالثة على مرة مرة ويغيب عن الثانية والثالثة ثلاث ليال، هذا هو الفرق.
стр. 2462
حسن معاشرة الأزواج:
١٠١٧ - وعن عروة قال: "قالت عائشة ﵂: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التَّي هو يومها فيبيت عندها". رواه أحمد، وأبو داود واللَّفظ له، وصحَّحه الحاكم.
قال: "عن عروة ﵁"، والمعروف في اصطلاح العلماء أن الترضي يكون عن الصحابة- ﵃، أما عن غير الصحابة فيقال: ﵀ وعروة ليس من الصحابة فهو أحد الفقهاء السبعة الذين أشار إليهم الناظم:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحٍر ... روايتهم ليست عن العلم قاصرة
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
سبعة من التابعين اشتهروا بالفقه، وأطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، وهؤلاء المذكورون في ألفية العراقي في المصطلح وشرحه على خلاف بين العلماء في تعيين هؤلاء، لكن أكثرهم متفق عليه، قال: "قالت عائشة: يا ابن أختي ... إلخ" من أختها؟ أسماء بنت أبي بكر- رضى الله عنها وعن أبيها-، تقول: "كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم"، وسبق لنا هل القسم واجب عليه أو ليس بواجب، ولكنه لكمال خلقه ألزم نفسه بذلك؟ على قولين.
ثم قالت: "كل يوم ... إلخ " أي: يزور نساءه بعد صلاة العصر، وإنما كان يزورهن من أجل إبقاء المودة بينهن؛ لأنه لو لم يزر واحدة منهن إلا في يومها لغاب عنها ثمانية أيام أو سبعة بعد هبة سوده يومها لعائشة، وهذا قد يحدث جفوة بينهن وبين النبي ﷺ .
ثانيًا: أن وجود النبي ﷺ بينهن يحصل به فائدة شرعية من تعليم أو تذكير أو ما أشبه ذلك.
وثالثًا: أن النَّبي ﷺ يريد أن ينفعهن بقربه منهن، فإن من الكسب العظيم أن يكون النَّبي ﷺ في بيت امرأة منهن؛ فلأجل هذه الحكم كان النَّبي ﷺ لا يدعهن كل يوم بعد صلاة العصر، ولكنها تقول: "من غير مسيس" يعني: من غير جماع، ولكنه يدنو فيقبِّل ويلمس وما أشبه ذلك أما الجماع فلا، "حتى يبلغ التي هي يومها فيبيت عندها"، تكون البيتوتة عند من لها اليوم فيبيت عند عائشة بعد هبة سوده ليلتين ويدور عليهن كل يوم.
стр. 2463
ففي هذا الحديث فوائد: منها: حسن خلق النَّبي صلي الله عليه وسلم ومعاملته لأهله، وقد قال ﷺ حاثًا أمته على أن يكونوا لأهلهم خيرًا: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، ومن تدبر سيرته في معاملته لأهله وجد أن هذا منطبق تمامً على حاله.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في هذا بحيث يكون مع أهله لينًا هينًا أليفًا لا يبعد عنهم.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز لمن له عدة زوجات أن يمر عليهن كل يوم، وأن ذلك لا يعد جورًا في القسم لفعله ﷺ ؛ لأننا نعلم أن الرسول ﷺ أقوم الناس عدلاً ومع ذلك كان يدور على نسائه.
ومنها: أنه كلما قرب الإنسان من أهله ازدادت المودة بينهم والألفة، وهذا أمر مشاهد، وكلما بعد فإنها قد تحصل الجفوة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجامع المرأة الَّتي ليس في يومها لقولها: "من غير مسيس"، وكما قلنا: إن المسيس هو الجماع.
ومن فوائد الحديث: أن عماد القسم المبيت؛ يعني: الليل لقولها: "حتى يبلغ التي هي يومها فيبيت عندها" وهو كذلك فإن عماد القسم الليل، قال العلماء: ويستثنى من ذلك ما إذا كان معاش الرجل في الليل فإنه يكون عماده النهار مثل من معاشه الليل كالحارس وكالجنود الآن فإنهم يكونون بالنوبات.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ على كثرة مشاغله وأنه إمام الأمة وسلطانها وحاكمها لا يهمل حق أهله؛ حيث يدور على تسع نسوة أو ثمان نسوة في كل يوم، وهذا لا شك أنه مما يجعله الله- من البركة في عمر الإنسان، فإن كثيرًا من الناس يضيع عليه الوقت وإذا حاسب نفسه عند النوم وجد أنه لم يعمل شيئًا، وبعض الناس يبارك الله له في يومه وفي عمره، فإذا حاسب نفسه عند النوم وجد أنه عمل وعمل.
فإذا قيل: ما هو السبيل الذي يجعل أوقاتنا مباركة؟
قلنا: ذكر الله ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. فالإنسان إذا أعرض عن ذكر الله واتبع هواه نزع البركة من عمره- والعياذ بالله- لكنه إذا كان دائمًا متعلقًا بربه دائمًا يذكر الله بقلبه، إن لم يذكره بلسانه ذكره بقلبه، إن لم يذكره بجوارحه ذكره بقلبه، فهذا هو الَّذي يبارك الله له في عمره.
стр. 2464
وليعلم أن الإنسان يمكن أن يحول كل أفعاله ذكرًا لله؛ يعني: لا يتكلم إلا وهو يحتسب أجره على الله ولا يكف عن شيء إلا ويحتسب أجره على الله، ولا يعمل شيئًا حتىَّ يحتسب أجره على الله، حتى قال النَّبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتَّى ما تجعله في فم امرأتك"، وأخبر ﷺ أن الرجل إذا أنفق على نفسه فهو صدقة، فالموفق- وأسال الله أن يجعلني وإياكم منهم- يستطيع أن يحول العادات والشهوات عبادات وحينئذ يكون ذاكرًا لله فإذا أردت أن يبارك الله لك في عمرك وفي زمنك فعليك بذكر الله ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١]. ولا شك أن رسول الله ﷺ أشد الناس ذكرًا لله وأكثرهم ذكرًا لله؛ ولهذا بارك الله له في عمره وفي عمله في قوله وفي فعله.
١٠١٨ - ولمسلم: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى العصر دار على نسائه، ثم يدنو منهن". الحديث.
"الحديث" بالنصب؛ يعني: أكمل الحديث فهو مفعول لفعل محذوف تقديره: أكمل، أو اقرأ.
١٠١٩ - وعن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الَّذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ يريد: يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة". متًّفق عليه.
وصدقت ﵂؛ لأننا نعلم من عدل النبي ﷺ الذي ألزمه الله به أو ألزم به نفسه أنه لن يكون عند عائشة وحدها دون رضا زوجاته؛ ولهذا كان في مرضه يقول: أين أنا غدًا؟ يشير إلى أنه يرغب أن يكون عند عائشة، ولما رأين هواه ﷺ أذن له أن يكون عند عائشة، فكان عندها ومات في بيتها وفي يومها وفي حجرها، وآخر ما طعم من الدنيا ريقها، وهذه مناقب لعائشة ﵂؛ لأنه من المصادفات الَّتي أرادها الله ليست صدفة في حق الله أنه مات في اليوم الذي هو يومها لا في يوم امرأة أخري، لأنه لو كان في يوم امرأة أخري لاختلف الزمان والمكان بالنسبة لعائشة، لا كان المكان مكانها والزمان ليس لها بل لغيرها، لكن الله جعل الزمان والمكان لعائشة ﵂؛ لأن النبي ﷺ يحب أن يكون عند عائشة.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أولاً: أن الرسول ﷺ بشر يعتريه ما يعتري البشر، وجهه: أنه مرض، وقد قال ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أنسي كما تنسون"، وكان يصيبه المرض، ويحتاج إلي النوم والأكل والتدفئة، ويحتاج إلى الدروع التي يتقي بها السهام، فهو بالنسبة للطبيعة البشرية كغيره من البشر: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 2465
وفيه: رد على ما يروي عنه ﷺ أنه لا ظل له، يقولون: إن الرسول ﷺ يمشي في النهار في الشمس ولا يكون له ظل، لماذا؟ لأنه نور، وبناء على ذلك يكون في الليل كأنه شمعة يمشي في السوق، ولعمر الله إنه لشمعة لكن ليست شمعة النور المادي الحسي لكنه شمعة النور المعنوي الذي يسعد به الناس في دنياهم وأخراهم، فهذا الحديث الذي يروي باطل؛ لأن الرسول ﷺ كغيره من البشر جسمه كثيف يحجب النور، وليس جسمه مادة نور بل كسائر
الأجسام.
ومن فوائد الحديث: أن النَّبي ﷺ مات موتًا حقيقيًا لقولها: "مرضه الَّذي مات فيه" وهذا نص القرآن: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠]. ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]. ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قيل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وفي هذا إبطال لما يدعيه بعض الجهال الذين يصنعون المولد في شهر ربيع الأول، ثم يجتمعون على ذكر مشروع وغير مشروع، ثم يقومون قيام رجل واحد يقولون: وعليك السلام مرحبًا بالحضرة النبوية، ويدَّعون أنه حضر، وهذا لا شك أنه من الشيطان إن كانوا يرون شيئًا فهو شيطان.
وقد يقول قائل: كيف يتصور الشيطان بالنبي ﷺ ؟
نقول: خيِّل إليهم أنه النَّبي ولكنه ليس على صفة النَّبي، الشيطان لا يستطيع أن يتصور بصورة النَّبي ﷺ لا في اليقظة ولا في المنام، لكنهم يخيَّل إليهم هذا فيفعلون ذلك، هذا يتبين به ضلال هؤلاء ضلالهم دينًا وسفههم عقلاً.
فإن قال قائل: كيف تقولون إنه ميت والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، والأنبياء أعلى مقامًا من الشهداء، ورسول الله ﷺ في قمة المقام بالنسبة للأنبياء؟
فالجواب أن نقول: إن الحياة حياتان حياة دنيوية مادية، فهذه فقدت بموت النَّبي ﷺ وغيره ممن مات، وحياة برزخيَّة غير معلومة لنا وهي تخالف الحياة الدُّنيا هي مجهولة، لكن نعلم أنها تخالفها لا يحتاج فيها الإنسان إلى أكل ولا شرب ولا نوم ولا غيره مما يحتاجه الأحياء في الدُّنيا، ولو كان الرسول حيَّا حياة دنيوية لكان الصحابة- والعياذ بالله- من أشد الناس عقوقًا للرسول ﷺ لماذا؟ لأنهم وأدوه ودفنوه وهو حيُّ بل هو مات ﷺ موتًا حقيقيًا فارقت روحه جسمه، ثُّم تعود إليه بعد دفنه حياة برزخية غير معلومة الصفة لكننا نعلم أنها تخالف الحياة الدُّنيا، وبهذا نتخلص من قول من يقول: إنه حيُّ يرزق، سبحان الله! هل أنت بعته صاعًا؟ بعته أي شيء؟ كيف حيُّ يرزق؟ هو حيُّ يرزق لكن رزق غير الرزق المادي الذَّي في الدُّنيا: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. انتبه للعنديَّة، هذه تخالف جميع الحياة الدُّنيا.
стр. 2466
يستفاد من الحديث: حسن معاشرة زوجات النبي للنبي ﷺ .
ويفهم منه أيضًا: أن الإيمان أقوى من الغيرة لموافقة أزواج النَّبي ﷺ للنبي في تمريضه في بيت عائشة، هل يجوز لغير النَّبي من المرضي أن يفعل مثل ما فعل النَّبي ﷺ ؟ نعم، هل الدليل على ذلك التأسي به؟ نعم.
ومن فوائد الحديث: أن النَّبي ﷺ بشر تجري عليه أحكام البشرية لقولها: "في مرضه"، فهو يمرض ويجوع ويبرد ويحتر وينسي، كل الطبيعة البشرية تعتريه- ﵊.
ومن فوائده: الرد على من قال إن الرسول ﷺ نور، وأنه لا ظل له؛ لأن كونه يمرض ويسأل ويتحدث يدل على أنه كغيره من الأجساد، جسم كثيف يحجب الشمس، إذا حال بينها وبين الأرض فيكون له ظل.
ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ مات لقولها: "الَّذي مات فيه"، وهذا الموت حقيقي لكنه موت البدن، وأما البرزخ فهو حي في قبره ﷺ .
ومن فوائد الحديث: كمال عدل النَّبي ﷺ حيث يسأل: أين أنا غدًا؟ مع العلم أنه يحب عائشة أكثر من غيرها، وهذا مشهور عند نسائه.
ومن فوائد الحديث: العمل بالقرائن؛ لأن النساء فهمن من ذلك أنه يريد يوم عائشة؛ ولهذا قلن: يريد يوم عائشة، فالعمل بالقرائن ثابت شرعًا، ومنه قصة يوسف حين دعته امرأة العزيز إلى نفسها فأبى ثم اتهمته فشهد شاهد من أهلها: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]. لأنه إذا قد من قبل دل على أنه هو الطالب وأنها مزقت ثوبه عند فرارها منه، وإذا كان قد من دبر من الخلف- دلَّ على أنه هو المطلوب وأنه هارب وهي التَّي لحقته، فهذه قرينة فكانت القرينة تدل على أنها هي الطالبة: ﴿فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨]. إذن العمل بالقرائن ثابت شرعًا، وهو من أفضل ما يستعين به القاضي على معرفة المبطل، وإذا أوتي الإنسان فهمًا في هذه الناحية حصل له فوز كبير، أرأيتم قصة المرأتين الصغرى والكبرى خرجتا ذات يوم ومعهما ابناهما فأكل الذئب ابن الكبيرة، فادعت الكبيرة أن الابن الباقي ولدها، فاحتكمتا إلى داود فحكم به للكبيرة، ثم خرجتا من عنده فمرتا بسليمان فلعله رأى من حالهما ما رأى فسألهما فأخبرتاه الخبر، فقال لهما: الحكم عندي فدعا بالسكين ليشقه، فأما الكبرى فوافقت، وأما الصغرى فمانعت، فحكم به للصغرى، كيف حكم به للصغرى؟ لأن
стр. 2467
القرينة تدل على أنه للصغرى فإن الصغرى قالت: "هو لها يا نبي الله" فرحمته وأشفقت عليه، أما الكبرى فقد أكل الذئب ابنها فقالت: كما تلف ابني يتلف هذا، وهذا يدل على أنها ليس في قلبها رحمة لهذا الولد؛ إذن هذا عمل بالقرينة.
ومن سنَّة النَّبي ﷺ في العمل بالقرينة أنه لما فتح خيبر سأل عن مال حيي بن أخطب رئيس بني النضير فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله أفنته الحروب، قال: كيف ذلك المال كثير والعهد قريب وإذا كان المال كثيرًا والعهد قريبًا لم تفنه الحروب، ثم قال للزبير: "خذ هذا الرجل فمسه بعذاب" يعني: اضربه، فلما ذاق مس العذاب قال: إنني أرى حييًا يحوم حول خربة هناك في خيبر، فذهبوا إلى الخربة وأخذوا منها ملء جلد ثور ذهبًا مدفونة فهنا عمل النبي ﷺ بالقرائن، إذن العمل بالقرائن ثابت شرعًا.
ومن فوائد الحديث: حسن معاشرة زوجات النَّبي ﷺ له؛ حيث أذن له أن يكون عند عائشة مع العلم بأنهن كل واحدة تحب أن يكون عندها، لكنهن قدمن راحة النبي ﷺ على راحتهن.
ومن فوائد الحديث: ما حصل من المنقبة العظيمة لعائشة ﵂؛ حيث اختار النَّبي ﷺ أن يكون مرضه في بيتها، وزيادة على ذلك فإنه مات في حجرها بين حاقنتها وذاقنتها، ومات في يومها وفي بيتها، وآخر ما طعم من الدُّنيا ريقها، كل هذا من مناقبها، وهي من أبغض الناس عند الرافضة؛ لأن النَّبي ﷺ يحبها أكثر من غيرها من نسائه.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للرجل ذي الزوجات المتعددة أن يلمح لزوجاته باختيار إحداهن، وأن ذلك لا يعد إحراجًا، الدليل فعل النَّبي ﷺ ، فإنه جعل يقول: "أين أنا غدًا؟ " حتى أذن له.
القرعة بين الزوجات في السفر:
١٠٢٠ - وعنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سهمها؛ خرج بها معه". متَّفق عليه.
قولها: "إذا أراد سفرًا"، "السفر" قال العلماء في اللغة: هو مفارقة محل الإقامة، وقال بعض العلماء: السفر ما يرتحل له الإنسان بالزاد والمزاد، ولكن المعنى الأول أصح؛ لأن الإنسان أسفر فيه وتوسع وخرج، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ [المدثر: ٣٤].
فالرجل إذا فارق محل إقامته يقال: سافر، وقال بعضهم في تعليل السفر: إنما سمي سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال؛ أي: يبينها ويوضحها، فإن كثيرًا من الناس لا تتبين أخلاقه إلا
стр. 2468
عند السفر، تجد بعض الناس إذا سافر يخدم أصحابه يطبخ لهم، يأتي لهم بالحطب، يصنع كل شيء فيه الراحة، وبعضهم كالزنبيل المتقطعة عراه إذا كان في السفر من حين ما ينزل من السيارة وهو واضع جنبه على الأرض، وأحيانًا يقول: يا فلان، هات كذا، هات كذا، سوي لي شاي، هات تمرًا، هذا ليس ذا أخلاق، يقول بعض العلماء: أظنه نافعًا: "صحبت ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني".
فالسفر في الحقيقة يسفر عن أخلاق الرجال؛ ولهذا كان عمر إذا زكَّى أحد أحدًا قال له: تعال هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل عاملته؟ قال: لا، قال إذن لا تعرفه؛ لأن الإنسان يعرف بالسفر ويعرف بالمعاملة، "إذا أراد سفرًا" ظاهر الحديث أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير وهو كذلك.
وقولها: "أقرع بين نسائه"؛ يعني: ضرب بينهن قرعة أيتهن تخرج، وكأن النَّبي ﷺ لا يسافر إلا ومعه إحدى زوجاته، وقد يكون معه أكثر من واحدة، لكن لابد أن يصحب واحدة منهن؛ لأن هناك سننًا خفية لا يطلع عليها إلا النساء الزوجات فيحب ﷺ أن تأخذ زوجاته منه حتَّى السنن في السفر فيخرج بهن أو بواحدة، فكيف يقرع؟ لم يبين، ولكن طرق القرعة كثيرة؛ أي: طريق يتوصل به إلى القرعة فليسلك سواء بكتابة أوراق أو بوضع أحجار أو وضع أعواد أو وضع خرق، المهم أي شيء تحصل به القرعة فليسلك، "فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه"، والباقيات يبقين.
ففي هذا الحديث عدة فوائد أولاً: كمال عدل النَّبي ﷺ ، ووجهه: أنه كان لا يسافر حتَّى يقرع بينهن، وإلا فمن الجائز أن يختار واحدة، ويقول: تخرج معي، ويختار الشابة منهن أو الخفيفة وتخرج معه، لكن لكمال عدله يقرع بينهن.
ومنها: أن القرعة طريق شرعي لإثبات المستحق؛ ودليله استعمال النَّبي ﷺ لها، وقد ثبتت طريقًا لإثبات المستحق في القرآن في موضعين، وفي السنة في ستة مواضع.
ففي القرآن في قصة مريم: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤]. وفي قصة يونس: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون (١٤٠) فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات: ١٤٠ - ١٤١]. الفلك المشحون؛ أي: المملوء، وكانوا قد خافوا على أنفسهم، قالوا: إن بقينا
стр. 2469
كلنا في الفلك غرقنا جميعًا، وإن نزل بعضنا سلم الباقي، ولا شك أن استباق البعض خير من هلاك الجميع، إذن من ننزله؟
قد يقول قائل: ننزل الثقيل الكبير البدن؛ لأن الثقيل البدن واحد عن عشرة من الصغار، وقال الثاني: بل ننزل كبير السن؛ لأنه أقرب إلى الموت من الشاب، أيامه مدبرة، والشاب في مستقبل العمر، وقال الآخر: ننزل الأحمق حتى نستريح منه ونريح، وكل واحد أتى بعلة، نقول: كل هذا لا يكون؛ لأن قتل النفس يستوي فيه الجاهل والعالم والسفيه والرشيد والمجنون والعاقل، دية المجنون كدية العاقل، إذن لا طريق لنا إلا القرعة؛ ولهذا ضربوا القرعة ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ يعني: ليس وحده؛ ﴿فكان من المدحضين﴾ معه أناس، والقصة مشهورة.
وفي السنة في ستة مواضع هذا أحدها: "كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه" إذن القرعة، طريق شرعي لإثبات المستحق، ولكن يشترط التساوي، فإن كان هناك مرجح فلا قرعة بل نأخذ بالراجح؛ لأنه إذا كان مرجحًا صارت المسألة قمارًا، مثال ذلك بيننا طعام مقداره مائة صاع فقسمناه ستين صاعًا وأربعين صاعًا ثم أردنا أن نضرب قرعة فالقرعة هنا حرام؛ لأن أحدنا إما غانم وإما غارم، وهذا لا يجوز؛ لأنه قمار إذا خرجت القرعة لي على ستين صاعًا صرت غانمًا، كم أغنم؟ عشرة، وإن صارت القرعة على الأربعين غرمت عشرة، إذن هذا لا يجوز لكن نقسمه نصفين ثم نضرب القرعة، وهل يقاس على هذه المسألة ما أشبهها من الحقوق؟ الجواب: نعم.
وقد ذكر ابن رجب ﵀ في آخر القواعد الفقهية متى تكون القرعة، وذكر جميع مسائل القرعة التي ذكرها الفقهاء من أول الطهارة إلى آخر الإقرار، فإذا أردتم الاطلاع عليه فهو مفيد.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا خرج بالقارعة فإنه لا يقضي للمقروعة، هذا هو الصحيح، وهذه هي فائدة القرعة، وليست فائدة القرعة هو أنه يختص بهذه القارعة هذه المدة، ثم يقضي للباقيات؛ لأن هذا قد يكون فيه ضرر على القارعة، فهو إذا خرج بها لا يقضي.
وهل تعاد القرعة مرة ثانية لو أراد سفرًا آخر، ونقول: من قرعت في السفر فلا حظ لها في القرعة في السفر الثاني؟ ظاهر الحديث: "إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه" أنه يعيد القرعة بين الجميع وهو مشكل؛ لأنها قد تخرج القرعة في السفر الثاني للقارعة، وبما في الثالثة وفي الرَّابعة، وحينئذ يتكرر السفر بواحدة مع حرمان الباقيات، وهذه مسألة تحتاج إلى نظر وتأمل.
стр. 2470
فالجواب على هذا أن نقول: إذا خرجت القرعة لواحدة وخرج بها فلا يكون ذلك في كل سفر يكون في هذا السفر فقط، لكن عندما يعيد القرعة في سفر آخر فالظاهر أن الأولى لا تدخل؛ لأنها أخذت حقها من قبل وربما تخرج القرعة لها في المرة الثانية وفي المرة الثالثة، فيكون في هذا إجحاف، وربما يتهم الذي ضرب القرعة إذا خرجت القرعة لواحدة بعينها في كل مرة.
فعلى كل حال: نقول: من خرج سهمها أولاً فإنه لا يعاد لها القرعة ثانيًا حتى يتم على الجميع، فكم تعاد القرعة على هذا بناء على أن الإنسان لا يزوج أكثر من أربع؟ ثلاث مرات مع الأولى؛ لماذا؟ لأن الأخيرة الرَّابعة لا تحتاج إلى القرعة.
النهي عن الشدة في معاملة الزوجة:
١٠٢١ - وعن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبيد". رواه البخاريُّ.
"ولا يجلد" إعراب هذه الجملة: "لا" ناهية، و"يجلد" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية؛ لأن "لا" الناهية تجزم كما أن لام الأمر تجزم، والجامع بينهما: أن في كل منهما طلبًا، ففي "لا" الناهية طلب الترك وفي لام الأمر طلب الفعل، فلهذا كان عملهما واحدًا وهو الجزم لاشتراكهما في المعنى؛ وقوله: "لا يجلد أحدكم امرأته" يعني: زوجته، وقوله: "جلد العبيد" هذا مصدر مبين للنوع، أين عامله؟ "يجلد" وقلنا: مبينًا للنوع؛ لأنه بينه بالإضافة "جلد العبد". والمراد بالعبد هنا: المملوك، وذلك أن الإنسان له أن يؤدَّب امرأته، وله أن يؤدَّب مملوكه، لكن تأديبه لمملوكه ليس كتأديبه لامرأته؛ إذ إنه سوف يضاجع امرأته في آخر النهار فكيف يؤدَّبها كما يؤدَّب العبد وهو سيكون بينهما اقتران في آخر النهار؛ لأنه إذا ضربها ضرب العبد، ومعلوم أن ضرب العبد يكون أشد فإنه يحصل في قلبها نفرة منه وبغضاء له، وحينئذ لا تتم السعادة بينهما حين الاجتماع وهذا من حكمة النَّبي ﷺ .
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: أن للإنسان أن يجلد امرأته، وجهة: أن النَّبي ﷺ لم ينه عن جلد المرأة مطلقًا، وإنما نهي عن جلد خاص وهو جلد العبد، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة؛ أي: دل على أن الرجل له أن يضرب امرأته، فقال تعالى: ﴿والتي تخافون نشوزهن فيعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال النَّبي ﷺ في خطبته يوم عرفة: "ولكم عليكم ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير
стр. 2471
مبرِّح". فأذن في ضربهن؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك، فالمرأة ناقصة العقل، وناقصة الدين إذا لم تضرب عند الحاجة فإنها لن تستقيم، فلابد من الضرب إذا كانت لا تستقيم إلا به.
وفيه: إشارة إلى أنه ليس من الحكمة أن يمنع الأستاذ من ضرب التلاميذ إذا دعت الحاجة إلي ذلك لاسيما الصغار، الصغير مهما نصحته فإنه لا يستفيد الفائدة المطلوبة؛ فإذا قلنا: لا تضربه؛ فمعناه: أنا فتحنا له الباب أن يركب على رءوسنا وألا يهتم، فالشرع والعقل يدلان على أنه إذا كان الضرب سببًا للاستقامة والتقويم فإنه لا بأس به، لكن الممنوع الضرب المبرح الموجع المؤلم أو الجارح، أو الضرب الذَّي لا يناسب الحال كضرب المرأة ضرب العبد.
ومن فوائد الحديث: أن للإنسان السلطة في تأديب امرأته؛ لأن الرسول ﷺ أذن له أن يجلدها لكن ليس كجلد العبد.
ومن فوائد الحديث: أن له السلطة في جلد عبده.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الحكمة في الأفعال إيجادًا أو إعدامًا، والشرع كله مبني على الحكمة؛ ولهذا تجدون أن الله إذا ذكر بعض الأحكام ختمها بالحكمة: ﴿إباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [النساء: ١١]. وفي أصناف الزكاة قال: ﴿فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. وفي الحكم في المهاجرات وما يتعلق بذلك قال: ﴿ذالكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾ [الممتحنة: ١٠]. فالشرع كله مبني على الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه.
٦ - باب الخلع
ويقال: الخلع، وهو بالفتح مصدر خلع يخلع خلعًا، وبالضم: المعنى، والخلع والخلع في الأصل فسخ الشيء والتخلص منه، ومنه خلع الثوب، خلع النعل، خلع الخف، يعني: تتخلص منه واستعير هذا الاسم لمفارقة الزوجة، استعارة الفقهاء- ﵏ لمفارقة الزوجة، ووجه المناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد: أن المرأة لباس للرجل والرجل لباس للمرأة، كما قال تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهَّن﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالتفرق بينهما كالتفرق بين الجسم. والثوب يعتبر خلعًا، ولو قلنا: "باب فراق الافتداء" لكان هذا أنسب بالنسبة لتعبير القرآن، قال الله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فسمى الله تعالى هذا الفراق افتداء؛ لأن المرأة تفتدي من الزوج ببذل ما تبذله للتخلص منه؛ ولهذا نقول: الخلع أو فراق الافتداء هو فراق
стр. 2472
الزوجة بعوض بألفاظ معلومة، وقولنا: "بعوض" مطلق لم يبين من أين يكون هذا العوض، فقد يكون من الزوجة، وقد يكون من أبيها أو وليها، وقد يكون من رجل أجنبي لا علاقة له بها لكنه رآها متضررة فأحسن إليها ببذل العوض لزوجها ليفارقها، إذن عوض الخلع يكون من الزوجة أو وليها أو رجل أجنبي لكن يشترط إذا كان العوض من غيرها وغير وليها أن يكون المقصود به مصلحة الزوج لا الإضرار بالزوج أو بالزوجة أو لحظ النفس؛ لأن باذل العوض قد يبذله للإضرار بالزوجة، وقد يبذله للإضرار بالزوج وقد يبذله لمصلحة نفسه كل هذا لا يجوز بذله للإضرار بالزوجة ظاهر كأن يأتي إنسان إلى شخص ويقول: طلَّق زوجتك وهذه عشرة آلاف ريال فيغريه بالمال حتَّى يطلِّقها؛ لأن بينه وبين الزوجة عداوة فيريد أن يخلصها من الزوج هذا حرام واعتداء على حق الزوجة، وربما يقصد الإضرار بالزوج، وهنا قد تتساءلون كيف يكون إضرارًا بالزوج والأمر بيد الزوج؟ نقول: نعم؛ لأن بعض الأزواج يكون عنده طمع في المال الكثير، فإذا أغري به نسي كل شيء ثمَّ بعد أن تقع الواقعة يندم، كأن يأتي شخص لشخص يحب زوجته ويقول له: أنا أعطيك عشرة آلاف تبني بيتًا وتشتري سيارة ويغريه فيخلع الزوجة وبعدئذ يندم.
لمصلحة الباذل كأن يكون رجل أعجبته زوجة إنسان آخر فأرادها لنفسه فذهب إلى الزوج وأغراه بالمال ليخلعها فيأخذها هذا الباذل هذا أيضًا حرام، وقد استعظم الإمام أحمد هذه المسألة وقال: كيف يكون هذا؟ !
إذن بقي لنا قسم رابع: أن يكون لمصلحة الزوجة أو لمصلحتهما جميعًا، أي: مصلحة الزوج والزوجة؛ فحينئذ يكون بذل العوض من الأجنبي جائزًا؛ بل قد يكون محمودًا إذا أراد أن يخلصهما من المشاقة والمنازعة قد يعلم الرجل أن بين هذين الزوجين من الشقاق والنزاع ما يجعلهما في جحيم فيذهب محسنًا إليهما ويعطي الزوج ما يعطيه من المال من أجل أن يفارقها، هذا رجل محسن وجزاه الله خيرًا؛ إذن العوض يكون مبذولاً ممن؟ من الزوجة أو وليها أو أجنبي، والأجنبي إذا بذل العوض فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: أن يكون لمصلحة الزوج أو الزوجة، أو لمصلحتهما جميعًا، فهذا جائز محمود يؤجر الإنسان عليه ويثاب عليه.
الثاني: أن يكون للإضرار بالزوجة أو الإضرار بالزوج أو لمصلحة الباذل، ففي هذه الحال يحرم عليه؛ لأنه عدوان، والأصل في الخلع قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]
стр. 2473
وتجدون هذه الآية تبين قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾. وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حَّتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وبكونها بين الطلاق المرتين والطلقة الثالثة يتبين أنه- أي: الخلع- ليس من الطلاق؛ لأنه لو كان من الطلاق لكانت الطلقة المذكورة بعده الرَّابعة، وليس الأمر كذلك، والطلقة المذكورة بعده هي الثالثة إذن هو فراق بين طلقتين وثالثة، وحينئذ لا يحسب من الطلاق، وهو كذلك فلو خالع الإنسان امرأته عشر مرات فهو على طلاقها لو خالعها من أول مرة عشر مرات كم يبقى له من الطلاق؟ يبقى له ثلاث طلقات؛ لأن الخلع ليس بطلاق ودليله من القرآن ما عرفتم ودليله من السنة ما سيأتي.
الخلع ورد ما أخذت الزوجة:
١٠٢٢ - عن ابن عباس ﵂: "أن امرأة ثابت بن قيس أنت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أتردِّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقه". رواه البخاريُّ. وفي رواية له: "وأمره بطلاقها".
من ثابت بن قيس؟ هو أحد خطباء النبي ﷺ ، بل ومن الشعراء، وله مقام محمود حينما نزل قول الله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعٍض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢].
وكان ﵁ جهوري الصوت، فاختفى في بيته يبكي خائفًا أن يحبط عمله وهو لا يشعر، فتفقده النَّبي ﷺ فقال: "أين ثابت؟ " فقالوا: يا رسول الله ما نزل من بيته منذ نزلت هذه الآية؛ أي: الآية السابقة، فأرسل إليه، وقال له: "إنك لست كذلك إنك تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة"، من خاف أمن هذا لما خاف أن يحبط عمله فيكون من أهل النار أمن على يد النَّبي صلي الله عليه وسلم؛ ولهذا مثل به شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية قال: ولا يشهدون بالجنة-يعني: أهل السنة- إلا لمن شهد له النَّبي ﷺ كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس فهو ممن يشهد له بالجنة عاش حميدًا وقتل شهيدًا في اليمامة مع مسيلمة الكذاب، قتل شهيدًا ومرّ به رجل وهو مقتول فأخذ درعه يعني كالغلول ثمَّ ذهب به إلى رحله في طرف الجيش ووضعه تحت برمة- قدر من الخوف- فرآه أحد أصحابه- رأى ثابت بن قيس- في المنام وأخبره ثابت بالخبر، قال: إنه مرَّ بي رجل وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة في طرف الجيش وهو حوله فرس تستن
стр. 2474
فاذهب إليها، وأوصاه أيضًا بوصية لا يحضرني الآن نوع هذه الوصية، فلما ذهب الرجل في الصباح وجد الأمر كما وصفة ثابت، سبحان الله! ميت كشف له عن هذه القضية وبلغ أبا بكر ﵁ وصيته فنفَّذها؛ ولهذا يقال: لم تنفذ وصية أحد أوصى بها بعد موته إلا وصية ثابت بن قيس بن شماس؛ لماذا؟ لأنه يوجد قرينة تشهد بأن هذا حق وهي إخباره بأن الدرع قد أخذ ووضع تحت البرمة وحوله فرس تستن، وهذه لا شك أنها من الكرامات لثابت بن قيس بن شماس.
ثابت بن قيس مع هذه المرأة شأنه عجيب تكرهه ولا تحبه وهو زوجها، فجاءت إلى النَّبي ﷺ تقول له: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين"، وهذه شهادة منها، "لا تعيب عليه" يعني: لا تصفه بعيب في خلقه ولا بعيب في دينه لكن في خلقته، لم يعجبها، أما في خلقه فهو من أحسن الرجال، وأما في دينه فهو من أحسن الرجال، ويكفيك دليلاً على حسن دينه وصلاحه هذا الخوف العظيم حينما نزلت الآية الكريمة، ويكفيك أيضًا أن النَّبيّ ﷺ شهد له بالجنة، قالت: "ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام" أي: كفر العشير؛ لأن الرسول ﷺ قال للنساء: "إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير"؛ أي: تجحدن فضله، فهي تقول: أخشى أن أكفر عشيري في الإسلام فآثم بذلك، وقيل: إن المراد اكره الكفر أي: الردة عن الإسلام إذا بقيت مكرهه معه، ولكن هذا التفسير ضعيف يبعد من امرأة من الصحابة ترتد بمجرد أنها بقيت مع زوج تكرهه، هذا بعيد، ولكن الصحيح أنها تكره كفر العشير، ولا شك أن كفر العشير معصية، وإذا أصرت المرأة عليه صار من الكبائر.
فقال لها النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: "نعم"، الحديقة البستان، وكان ثابت قد أصدقها بستانًا فيه نخل وفيه زروع، وسيأتي الكلام على هذه المسألة، قالت: "نعم" يعني: أرد عليه حديقته ... إلخ، الاستفهام هنا في قوله: "أتردين" للاستعلام والاستخبار؛ يعني: يسأل هل تردين عليه الحديقة، وكانت هذه الحديقة مهرًا لها وأضافها إليه- أي: إلى ثابت- مع أنها صارت ملكًا للزوجة باعتبار ما كان، وإلا فإن المهر تملكه المرأة لقوله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحله﴾ [النساء: ٤]. فأضاف الصدقات وهي المهور إلى النساء وقال: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فبين حكم هذا المال الَّذي دفع إليها مهرًا أنه ملكها ولا يحل أن يأخذ منه شيئًَا؛ إذن فالإضافة هنا باعتبار ما كان "قالت: نعم".
وفي رواية: أنها قالت: "نعم وأزيده". مما يدل على شدة كراهتها له، وقوله: "فقالت: نعم"، "نعم" حرف جواب لإثبات المستخبر عنه؛ فإذا قلت: أقام زيد؟ فالجواب: إن كان إثباتًا:
стр. 2475
"نعم"، وإن كان نفيًا: "لا"، أما إذا دخلت أداة الاستفهام على ما يفيد النفي فالجواب للإثبات يكون: "بلى"، وللنفي: "نعم"، إذن على خلاف ما إذا دخلت أداة الاستفهام علة مثبت، ويروى عن ابن عباس ﵂ في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. أن ابن عباس قال: لو قالوا: نعم لكفروا؛ لأن المعنى: لست بربنا وهذا كفر، ولكنهم قالوا: بلى، ولكن نعم قد تأتي في محل بلى وهو قليل، ومنه قول الشاعر في معشوقته أم عمرو قال: [الوافر]
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تداني
نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
فـ"نعم" بمعني: "بلى"، هل يحصل بها الإقرار ويثبت بها الحكم فيما لو قيل للرجل: أطلَّقت امرأتك، قال: نعم؟ نعم يحصل بها الإقرار، ولو قيل: أعتقت عبدك؟ قال: نعم؛ عتق، ولو قيل: وقَّفت بيتك؟ قال: نعم؛ وقف، ولو قيل: أقبلت النكاح؟ قال: نعم؛ تم العقد؛ لأن حرف الجواب يعيد السؤال؛ يعني: كأنه أعاد السؤال برمتَّه، قالت: "نعم"، ما معنى "نعم" هنا؟ أراد عليه حديقته، فقال رسول الله ﷺ لثابت: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة".
وظاهر قوله: "اقبل الحديقة" أن ثابتًا كان حاضرًا؛ لأن خطاب الأمر لا يوجه إلا [محاورة]، "اقبل الحديقة"، "أل" هنا للعهد الذكري، "وطلقها تطليقة" يعني: لا تزد، لا تقل: أنت طالق أنت طالق، أو أنت طالق ثلاثًا، طلَّقها تطليقة واحدة؛ لأن هذا هو السنة.
وفي رواية: "أمره بطلاقها". وهذا معنى قوله: "طلقها تطليقة".
عدة المختلعة:
١٠٢٣ - ولأبي داود، والتِّرمذيِّ وحسَّنة: "أنَّ امرأة ثابت بن قيسٍ اختلعت منه، فجعل النَّبيُّ ﷺ عدَّتها حيضًة".
عدتها حيضة واحدة للاستبراء؛ أي: استبراء رحمها؛ لأن الحامل لا تحيض، فإذا حاضت علم أن رحمها بريء خال من الحمل، وحينئذ تحل للأزواج، وجعل النَّبي ﷺ عدتها حيضة، الحكمة منه: أنه إنما مدَّت عدة المطلقة إلى ثلاث حيض ليمتد له الأجل في التمكن من المراجعة، والمختلعة لا تراجع ولا يمكن أن يرجع زوجها عليها إلا بعقد جديد.
стр. 2476
١٠٢٤ - وفي رواية عمرو بن شعيٍب، عن أبيه، عن جدِّه عند ابن ماجه: "أنَّ ثابت بن قيس كان دميمًا وأنَّ امرأته قالت: لولا مخافة الله إذا دخل عليَّ لبصقت في وجهه".
- ولأحمد: من حديث سهل بن أبي حثمة: "وكان ذلك أوَّل خلعٍ في الإسلام ".
دميمًا في الخلقة لكنه جميل حسن في الخلق ﵁، وكان فصيحًا خطيبًا مصقعًا وشاعرًا أيضًا، وقوله: "لولا مخافة الله ... الخ" يعني: لشدة كراهتها له، وهي في الحقيقة عاشقة صور حسية وإلا لو كانت عاشقة أخلاق ما يهمها أن يكون دميمًا أو غير دميم، فهي امرأة رأته مع جماعة قد أقبل وإذا هو قصير وأسود ودميم فتعبت نفسها من هذا، كيف زوجها يكون هكذا وقد ذكروا أنها كانت عندها شيء من الجمال فكأنها تقول كيف أكون بهذه المثابة من الجمال عند هذا الرجل الَّذي بهذه المثابة من الدمامة على رأيها، لكن المقصود من هذا الحديث بيان أنها لم تكرهه لخلقه ولا لدينه ولكن لخلقته.
أول خلع في الإسلام:
- ولأحمد من حديث سهل بن أبي حثمة: "وكان ذلك أول خلع في الإسلام".
والخلع كان معروفًا في الجاهلية لكن أول خلع في الإسلام هو هذا.
هذا الحديث فيه فوائد: أولاً: أنه أصل في الخلع من السنة، أما من القرآن فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق إذا كانت لا تطيق البقاء مع الزوج، ودليله: أن المرة بيَّنت أنها لا تطيق البقاء معه وإلا فإنها لا تعيبه في خلق ولا دين، وعلى هذا فيكون الحديث: "من سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". غير معارض لحديث امرأة ثابت؛ لأن امرأة ثابت سألت الطلاق لبأس.
ومن فوائد الحديث: جواز طلب المرأة الطلاق أو الخلع لسوء خلق الزوج لقولها: "ما أعيب عليه من خلق ولا دين"، دل هذا على أنه من المعتاد إذا عيب على الرجل خلقه جاز طلب الطلاق.
стр. 2477
ومن الفوائد: جواز طلب المرأة الطلاق إذا لم ترض دين زوجها، مثل: أن تتزوج به على أنه رجل مستقيم ثمَّ يتبين أنه رجل غير مستقيم إما لعدم اهتمامه بالصلاة أو لشربه الخمر أو لغير ذلك، فلها في هذه الحال طلب الطلاق لسوء دينه، ولكن يجب أن نعلم أن في هذا تفصيلاًَ فإنها إذا كرهت دينه إما أن يكون مرتدًا فحينئذ ينفسخ النكاح شاءت أم أبت لحق الله، مثل: أن يترك الصلاة! ! فإذا ترك الصلاة نهائيًا فهنا تحتاج إلى أن تطالب، لماذا؟ لأن النكاح ينفسخ بمجرد ردَّته حَّتى يعود إلى الإسلام قبل انقضاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام بعد انقضاء العدة فقد اختلف العلماء في هذا: هل يعاد العقد من جديد أو هي بالخيار إن شاءت رجعت إليه بلا عقد وهذا هو الصحيح، الصحيح إذا ارتد الزوج فإن النكاح ينفسخ بدون فاسخ، ثم إن رجع إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فهي زوجته ولا خيار لها وإن انقضت العدة قبل أن يعود إلى الإسلام فهي بالخيار على القول الصحيح؛ لأن الرسول ﷺ رد ابنته زينب إلى أبي العاص بن الربيع بعد ست سنوات، أما المشهور من المذهب فإنه إذا انقضت العدة فلا رجوع إلا بعقد جديد.
ومن فوائد الحديث: أن من الحزم أن يحتاط الإنسان لما يتوقعه من مكروه لقولها: "ولكني أكره الكفر في الإسلام"، فخافت من هذا فاحتاطت واستعدت للوقاية من هذا الشر.
ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة رجالاً ونساء؛ لأن امرأة ثابت بن قيس أقدمت على هذا الفعل الذي قد يستحيي منه كثير من النساء.
ومن فوائده: أنه لا يلام الإنسان إذا فعل مثل هذا الفعل، وإن كان قد ينتقد، ولكن ما دام الشارع قد جعل له هذا الفعل فإنه لا يلام عليه، إلا أنه ما يخالف المروءة من الأفعال والحركات لا ينبغي للإنسان اللبيب أن يتجرأ عليها.
ومن فوائد الحديث: أن المرأة إذا طلبت الفسخ من زوجها لسبب فللزوج أن يطالب بالمهر الذي أعطاها لقول النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ "، ولو كانت تملك الفسخ لمجرد كراهتها لزوجها لم يعرض النبي ﷺ ذلك فدعا بزوجها وفسخ النكاح، لكن لابد أن يعوَّض الزوج عمَّا أخذ منه، أما إذا لم يعوَّض فهذا فيه شيء من الجور.
وقوله: "أتردين عليه حديقته؟ " ما ترون لو طلب الزوج زيادة على المهر الَّذي أعطاها؟ هل يملك ذلك أو لا يملك؟ في هذا قولان لأهل العلم القول الأول: أنه يملك ذلك لأن الحق له ولأن زوجته سوف تأخذ من يديه فله أن يمتنع إلا بعوض أكثر مما أعطاها؛ ولأنه ربما يكون قد تزوجها في وقت كانت المهور فيه قليلة، والآن المهور كثيرة، فإذا لم يزد على المهر الذي أعطاها لم يجد زوجة واستدل هؤلاء الجماعة بقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 2478
و"ما" هذه اسم موصول، واسم الموصول عام فيشمل القليل والكثير، وذهب بعض العلماء إلا أنه لا يزيد على ما أعطاها؛ لأن المهر الَّذي أعطاها أخذ عوضه في الحقيقة وهو استحلال الفرج واستمتاعه ولهذا قال النَّبي ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها". ولأن في حديث امرأة ثابت أن الرسول قال: "خذ الحديقة ولا تزدد"، قلنا: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز أن يطلب زيادة على ما أعطاها، واستدل بقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾.
و"ما" اسم موصول من صيغ العموم، فيشمل كل ما تفتدي به من قليل وكثير، ومنهم من قال إنه لا يزيد على ما أعطاها، ويقول: إن الآية لا دلالة فيما على ما ذكر، أي: على جواز طلب الزيادة، ووجه ذلك: أن الله قال: ﴿ولا تحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ أي: مما أتيتموهن، فالآية آخرها معطوف على أولها، فيكون المعنى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به مما آتاها، وعلى هذا فيكون أعلى شيء أن يأخذ ما أعطاها فقط، ولا شك أن المروءة تقتضي ألا يطلب الزيادة، ولهذا توسط الإمام أحمد في هذه المسألة فقال: إنه يكره أن يأخذ زيادة على ما أعطاها ولا يحرم، وهذا هو أعدل الأقوال أن نقول: إنه يحرم عليه أن يأخذ أكثر مما أعطى، ولكن يكره له ذلك؛ لأن فيه شيئًا من الظلم والجور، وأما كونه لا يأثم لو أخذ أكثر فلأن الإنسان ربما يتعلق بالمرأة ويحبها ويخشى إن فاتته أن يتأثر بنفسه وبأن المهور قد تكون زادت وقد يكون بلغ السن قدرًا لا يقبله أكثر النساء؛ فلهذا نقول: إن طلب الزيادة لا يصل إلى درجة التحريم، ولكن القول بأنه مكروه لا بأس به، وقد علمتم من القواعد التي قرأتموها أن المكروه تبيحه الحاجة والحاجة دون الضرورة.
ومن الفوائد: أن النَّبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنه هو الَّذي عرض على المرأة أن ترد الحديقة، وعرضه عليها أن ترد الحديقة يقتضي أنها إذا ردت حصل لها مطلوبها.
ومن فوائد الحديث: وجوب الخلع على الزوج إذا طلبت المرأة ذلك وردت عليها المهر، استدل هؤلاء لهذا بقوله ﷺ : "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقه"، قالوا: والأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن هذا- أعني: عدم قبوله- يستلزم ضرراً على المرأة، ودفع الضرر عن المسلم أو رفعه واجب، وقد فعل ذلك بعض فقهاء الحنابلة كما نقله عنهم صاحب الفروع قال بعض قضاتنا ألزموا الزوج بالطلاق في هذه الحال، ولاشك أن القول بإلزامه بالطلاق في هذه الحال قول قوي، لا يقال: إن الطلاق لمن أخذ بالساق، فلا يمكن أن نلزمه إذا كانت الأمور جارية على
стр. 2479
مجراها الطبيعي، أما إذا خيف أن المرأة تقتل نفسها أو تحرق نفسها أو تجني على أحد أو تكفر بعد الإسلام فلا شك أن هذه الحالات توجب أن يلزم الزوج بأن يطلق ولا خسارة عليه إذا ردّ عليه مهره؛ لأن بعض النساء تقول لأهلها: "أنا إذا أجبرتموني على هذا الرجل سوف أقتل نفسي" وفعلاً وقع، فمثل هذه الحال لا يمكن أن تستقيم حَّتى لو أنها بقيت مع الزوج فهل تعيش معه عيشة سعيدة؟ أبدًا لا هو ولا هي؛ لأنه سيبقى معها في شقاق ومعارضات لا نهاية لها، أما المشهور من المذهب فإنه لا يلزم ويشار عليه ويبين له الأمر فإن أجاز وإلا ترك.
ومن فوائد الحديث: أن حرف الجواب يغني عن الجملة لقوله: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: "نعم"، ولهذا إذا قيل للرجل: أطلَّقت امرأتك؟ قال: "نعم" طلقت، أعتقت عبدك؟ قال: "نعم" عتق، أوقفت بيتك؟ قال: "نعم صار وقفًا، أقبلت البيع؟ قال: "نعم" فقد قبل البيع.
ومن فوائد الحديث: مشورة ولي الأمر على أحد الخصمين أو على أحد المتداعيين بما يراه أنه أفضل وأصلح، ولقوله: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقه"؛ لأن بقاءه معها وهي على هذه الحال لاشك أنه ضرر عليه وعليها، هذا إذا قلنا: إن الأمر هنا للإرشاد، أما إذا قلنا: إنه للإلزام فيستفاد منه إلزام الزوج بالخلع؛ يعني: بالمخالعة إذا كرهت المرأة البقاء معه وأعطته ما دفع إليها، وإلي هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا للقاضي أن يلزم الزوج بالخلع إذا لم تستقم الحال.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان الشقاق من طرف واحد فلا حاجة إلى إقامة الحكمين، والحكمان إنما يكونون فيما إذا كان الشقاق من الطرفين لقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدًا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. وهنا الشقاق من طرف واحد وهو الزوجة، أما الزوج فهو يريدها.
ومن فوائد الحديث: أن الخلع يصح أن يقع بلفظ الطلاق لقوله: "طلِّقها تطليقه"، وإذا وقع بلفظ الطلاق فهل يكون خلعًا؛ يعني: حكمه حكم الخلع فلا يحسب من الطلاق ولا رجعة فيه، أو هو إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقًا؟ في هذا للعلماء قولان:
الأول: أن الخلع فسخ مطلقًا سواء وقع بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع أو بلفظ الافتداء فإنه يكون فسخًا وإذا كان فسخًا؛ فإنه لا ينقص به عدد الطلاق ولا يكمل به عدد الثلاث، فإذا كان طلَّقها مرتين من قبل ثمَّ خالعها فإنها لا تبين منه بينونة كبرى؛ لأن الخلع فسخ وليس بطلاق وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إن الخلع فسخ سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الافتداء أو الطلاق أو غير ذلك، وأيد كلامه بأن النبي ﷺ جعل عدَّة امرأة ثابت بن قيس حيضه، ولو كان طلاقًا لكانت عدتها ثلاث حيض، وأيد قوله أيضًا بأن العبرة في الألفاظ بمقاصدها، فهو وإن قال: طلَّقها فالمراد المخالعة، والعبرة في الألفاظ بالمقاصد دون الألفاظ وعلل ذلك أيضًا بأن
стр. 2480
هذا ما روي عن عبد الله بن عباس الَّذي قال فيه النَّبيّ ﷺ : "اللَّهمَّ فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل"، فإن ابن عباس قال: "كل ما أجازه المال فهو خلع وليس بطلاق".
وذهب بعض العلماء إلى العكس من ذلك، وقالوا: إن الخلع طلاق بأي لفظ كان، حتى لو وقع بلفظ الخلع فإنه طلاق، ولكن هذا القول ضعيف للغاية؛ لأنه لو كان الخلع طلاقًا بكل لفظ لكان الطلاق أربعًا لا ثلاثًا، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروٍف أو تسريح بإحسانٍ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فهذا ثالث ثمَّ قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حَّتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فهذا رابع، فالقول بأن الخلع طلاق بأي لفظ كان قول ضعيف جدًا؛ والقول بأن الخلع فسخ بأي لفظ كان وهو مقابل للقول الَّذي ذكرت أقوى منه.
بقي قول ثالث: أنه إن وقع بلفظ الطلاق وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الافتداء فهو فسخ، وهذا هو المشهور من المذهب، ويؤيد هذا قوله: "طلِّقها تطليقه"، وهذا من رسول الله ﷺ فجعل هذا الفراق طلاقًا ولكنه أمره أن يطلقها: "طلقها تطليقه"، هذا القول قول وسط بين القولين، لكنه يعكر على هذا القول أن النَّبي ﷺ جعل عدتها حيضه، والطلاق عدته ثلاث حيض لقوله تعالى: ﴿والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ولكن ربما يقول قائل: الطلاق الذي تتربص فيه المرأة ثلاثة قروء هو الطلاق الذي فيه رجعة لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]. أي: في ذلك الزمن الَّذي هو ثلاثة قروء ولا يكونوا البعول أحق بردهن إلا في الطلاق الرجعي والخلع طلاق بائن ويمكن أن نقول إنما جعل النَّبيّ ﷺ عدة المختلعة حيضه واحدة؛ لأنه لا رجعة للزوج عليها فلا فائدة من تطويل العدة عليها فلتكن العدة حيضه واحدة، وهذا القول وجيه جدًا أيضًا، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المطلقة ثلاثًا قال: إن المطلقة ثلاثًا عدتها حيضه؛ لأنه لا رجوع لزوجها عليها إلا أنه علق القول بذلك على أن لا يكون خلاف الإجماع، وقد ثبت أنه لا إجماع في المسألة أي لم يجمع العلماء على أن المطلقة طلاقًا بائنًا تعتد بثلاث حيض، وعلى هذا
стр. 2481
فيكون قوله: "أن من لا رجعة لزوجها عليها فعدتها حيضه"؛ لأنه يحصل بها المقصود من العلم ببراءة الرحم وينتفي بها المشقة على الزوجة من تطويل العدة.
الخلاصة: الخلع إما أن يقع بلفظ الخلع أو الفداء أو الافتداء أو الفسخ فيكون فسخًا، وما معنى قولنا: يكون فسخًا؟ أنه لا يعطى حكم الطلاق فلا يحسب من الطلاق ولا تبين به المرأة بينونة كبرى إذا كان قد طلق قبله مرتين، وإذا وقع بلفظ الطلاق فهل يكون فسخًا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: فمن العلماء من يقول: يكون فسخًا؛ لأن العبرة في الألفاظ بمقاصدها، ويؤيده أيضًا أن الرسول جعل عدَّة المختلعة حيضه واحدة، ويؤيده ما روي عن ابن عباس من أن كل ما كان بعوض فهو فسخ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
والقول الثاني: أنه إذا كان بلفظ الطلاق فهو طلاق؛ لأن لفظ الطلاق صريح فيه؛ ولأن الرسول ﷺ قال: "طلِّقها تطليقه"، وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء أو الافتداء فهو فسخ، وهذا هو المشهور من المذهب.
القول الثالث: أن الخلع طلاق بكل حال وإن وقع بلفظ الخلع وهذا القول أضعف الأقوال.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لأهل العلم أن يرشدوا العامة إلى الطلاق المشروع؛ حيث قال: "طلِّقها تطليقه"؛ لأن الطلاق السُّني الموافق للسنة ما كان واحدة، فإن طلَّق ثنتين فهو مكروه، وإن طلَّق ثلاثًا فهو حرام؛ يعني: إذا قال لزوجته: أنت طالق هذا طلاق سنة، إذا قال: أنت طالق أنت طالق فهذا مكروه، إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهذا حرام، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية على أن ما زاد على الواحدة فهو حرام، فالثنتان عنده حرام، وقوله: أصح؛ لأنه ليس بعد السُّنة إلا البدعة، وكل بدعة ضلالة، والفقهاء يرون قوله: "أنت طالق أنت طالق" أنه طلاق بدعة، فالاقتصار على الكراهة فيه نظر، والصواب أن الطلاق الزائد على الواحدة حرام، لكن إن كان ثلاثًا فإنه تبين به المرأة على المشهور عند العلماء، وإن كان اثنتين فإنها لا تبين به، والصحيح أنها لا تبين بالثلاث، وأنه إذا طلَّق ثلاثًا بدون أن يتخلل الطلقات رجعة فإنه واحدة؛ يعني: لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهي واحدة، وإذا قال: أنت طالق أنت طالق فهي واحدة؛ إلا إذا تخللهما رجعة بأن قال: أنت طالق ثم راجعها، وبعد يومين قال: أنت طالق ثم راجعها، وقال بعد يومين أو ثلاثة: أنت طالق فهنا تحسب كل واحدة طلقة منفردة.
стр. 2482
ومن فوائد الحديث: أن المختلعة عدَّتها حيضه؛ لقوله: "فجعل النَّبي ﷺ عدتها حيضه"، ووجه ذلك: أنه لا رجعة للزوج عليها فلا فائدة من تطويل العدَّة، بل تطويل العدة فيه مضرة على الزوجة، فإنه ربما يؤدي إلى أن تبقى في ثلاث حيض سنة كاملة إذا كانت ممن لا يحيض إلا بعد أربعة أشهر فمعنى ذلك أنها تبقى اثني عشر شهرًا.
ومن فوائد الحديث: بيان سبب طلب امرأة ثابت بن قيس للخلع؛ لقوله: "كان دميمًا".
ومن فوائد: شدة بغض امرأة ثابت له؛ لقولها: "ولبصقت في وجهه".
ومن فوائد الحديث: أن الخوف من الله يحمل على محاسن الأخلاق؛ لأن مخافة الله منعتها من البصاق في وجهه.
ومن فوائد الحديث: أن البصاق مكروه وعدوان، وهو عند بعض الناس أشد من الضرب، يعني: لو ضربت الرجل كان أهون عليه من البصاق في وجهه، ولهذا نهي النَّبي ﷺ عن بصاق المصلَّي قبل وجهه؛ لأن هذا ينافي الأدب مع الله الَّذي أنت بين يديه، بل رأى نخامة في جدار المسجد من الإمام فعزل الإمام عن إمامته لقبح فعله.
ومن فوائد الحديث: أن هذا الخلع أول خلع وقع في الإسلام، كما أن الظهار الَّذي وقع في صدر سورة "قد سمع" أول ظهار في الإسلام، ولا تنسوا ما قسمناه في أول الباب من أن الخلع من الأجنبي له أقسام أربعة: أن يكون لمصلحة الزوج، أو مصلحة الزوجة، أو مصلحتهما، أو الإضرار بالزوج أو بالزوجة أو بهما أو لمصلحة الباذل للعوض.
стр. 2483
٧ - باب الطلاق
تعريف الطلاق لغة وشرعًا:
"الطلاق" لغة: اسم مصدر طلق؛ لأن المصدر من طلق تطليق واسم المصدر طلاق، واسم المصدر هو: ما دل على معنى المصدر ولم يتضمن حروفه، وهو كثير، ومنه: سلام من التسليم كلام من التكليم طلاق من التطليق.
و"الطلاق" في الاصطلاح: حل قيد النكاح أو بعضه، وكلمة بعضه معطوفة على أي شيء؟ معطوفة على "قيد" فيكون على بعض قيده؛ وذلك لأن الطلاق قد يكون بائنًا تبين به المرأة ولا تحل إلا بعد زوج، وقد تكون غير بائن، يعني: طلاقها يكون دون الثلاث، فهذا حل لبعض القيد وليس حلًّا للقيد؛ وذلك لأن الزوج في هذه الحال يمكنه أن يراجع حكم الطلاق يدل عليه قول الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإنَّ الله غفور رحيم * وإن عزموًا الطلاق فإنَّ الله سميع عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. ﴿فاءوا﴾: يعني: رجعوا في أيمانهم ﴿فإن الله غفور رحيم﴾.
وهذا حث على الرجوع؛ لأن كل إنسان يطلب المغفرة والرحمة ل ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ وهذا فيه شيء من التهديد، يعني فإنه يسمع ما يعزمون به وهو الطلاق ويعلم أحوالهم، والآية تشير إلى أن الطلاق غير محبوب إلى الله ، من الذين يؤلون من نسائهم؟ هو الرجل يحلف على زوجته ألا يطأها إما دائمًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فيقال لهذا الرجل: إما أن ترجع لزوجتك وتكفر عن يمينك وهذا هو الأفضل لقوله: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وإما أن تطلق وهذا هو المفضول المرجوح لقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾، أما من السنة فالدليل على أنه غير مرغوب فيه ما رواه في الحديث القادم.
١٠٢٥ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أبعض الحلال عند الله الطلاق". رواه أبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، ورجَّح أبو حاتم إرساله.
والمرسل من قسم الضعيف. هذا الحديث نشرحه على أنه مقبول، قوله: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، "أبغض": اسم تفضيل، والبغض ضد المحبة، والحلال ما أحله الله، والطلاق عرفنا معناه. فالحديث يدل على أن من الحلال ما هو مبغوض إلى الله ، وأن أبغضه الطلاق وذلك
стр. 2484
لما فيه من منافاة الأمر بالنكاح؛ لأن الأمر بالنكاح بإيجاد الزوجات والطلاق حل للزوجات وإبعاد عنهن فهو منافٍ لمقصود الشرع من طلب النكاح.
ذكر المفاسد المترتبة على الطلاق:
• يترتب على الطلاق مفاسد كثيرة:
منها: أنه قد يكون بين الزوجين أولاد فإذا طلقها تشتت الأولاد، واختلفت عليهم الحياة وصاروا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ومنها: أنه ربما تكون المرأة فقيرة وأهلها فقراء ويكون الزوج في حال النكاح كافيًا لها، فإذا طلقها صارت عالة على الناس وضاقت عليها الدنيا بما رحبت.
ومنها: أن الزوجة إذا طلقت فإن الرغبة تقل فيها حتى وإن لم يكن معها أولاد فكيف إذا كان معها أولاد وحينئذٍ تبقي عانسًا ليس لها من يتزوجها وهذه مضرة عليها.
ومنها: فوات ما يترتب على الإنفاق من الزوجات من الأجر والثواب والخلف العاجل من الله ، ومفاسده كثيرة لو أردنا أن نتتبعها ولهذا كان مبغوضًا إلى الله مع أنه أحله، وإحلاله- للطلاق؛ لأن الحاجة قد تدعو إليه.
ولكن هذا الحديث في سنده اختلاف بين العلماء: هل هو مرسل أو متصل، وفي معناه أيضًا شيء من النكارة؛ لأن الحلال لا يمكن أن يكون مبغوضًا إلى الله إذ لو أبغضه الله بما أحله، من الذي يكره الله على أن يشرع للعباد أو يحل للعباد ما يبغضه ولو صح الحديث لكانت هذه العلة في المتن يمكن أن تتلافى، بأن يفهم البغض على عدم المحبة يعني لا يحبه لكن لا يبغضه فيكون إطلاق البغض هنا على انتفاء المحبة، هذا لو صح الحديث وإذا لم يصح فقد كفينا إياه.
ولهذا أنا أحب منكم عندما يستدل عليكم مستدلٌّ بالقرآن أن تبحثوا عن المعنى هل هو يؤيد ما ذهب إليه أم لا، أما إذا استدل عليكم بالسنة والآثار فطالبوه أولًا بصحة النقل؛ لأنه إذا عجز عن الصحة بطل دليله، ولا نحتاج أن جادله في المعنى، فإذا صح النقل فحينئذ، جادله في المعنى، وهذا هو دأب أهل العلم في المناظرة والمجادلة، وهو دأب صحيح وطريق سليم، ويذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا في منهاج السنة في الرد على الرافضة، يقول: أول ما نطالبكم به بيان صحة النقل أثبتوا الأصل ثم نتفاهم على الفرع، المعنى أيضًا يقتضي أن الطلاق غير مرغوب فيه للأسباب التي ذكرناها، وأظن ذكرنا أربعة في هذا الحديث، إذا صح دليل على أن الأصل في الطلاق الكراهة. وقد قسم أهل العلم الطلاق إلى خمسة أقسام، وقالوا: إنه من الأشياء التي تجري فيها الأحكام الخمسة وهي الوجوب والتحريم والكراهة والاستحباب
стр. 2485
والإباحة، فمتى يجب؟ يجب في الإيلاء إذا آلى الإنسان ألا يجامع زوجته، فإننا نطالبه إما بالطلاق وإما بالفيئة بالرجوع، إذا أبى الفيئة ألزمناه بالطلاق وجب عليه أن يطلق، ويحرم للبدعة، يعني إذا كان في حيض أو في طهر جامع فيه فهو حرام لقوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي: طلقوهن في زمن تبدأ فيه العدة، أي: في الوقت الذي تبتدئ فيه العدة طلقوهن، يستحب لتضرر الزوجة بالبقاء مع الزوج، يعني إذا كان لمصلحة الزوجة ودفع الضرر عنها فهو مستحب لما فيه من الإحسان إليها، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥].
فإذا رأينا أن الزوجة تتضرر في بقائها مع الزوج وهي تطالبه بالطلاق، قلنا له: جزاك الله خيرًا طلقها أحسن إليها، الرابع: الإباحة إذا دعت الحاجة إليه فهو مباح ودعاء الحاجة إلى الطلاق له أسباب، إما معيشية وإما اجتماعية أو غير ذلك، المهم متى دعت الحاجة إليه فهو مباح، والخامس: الكراهة وهي فيما عدا ذلك؛ لأنها الأصل فما خرج عن الكراهة فلا بد له من سبب.
فإذا قال قائل: أنتم قلتم إنه مباح للحاجة هل هذا ينطبق على القاعدة الأصولية؟ فالجواب: نعم، لأن القاعدة الأصولية أن المكروه تبيحه الحاجة، ما هي القاعدة؟
وكلُّ ممنوعٍ فللضَّرورة ... يباح والمكروه عند الحاجة
حكم طلاق الحائض
١٠٢٦ - وعن ابن عمر ﵁: "أنه طلَّق امرأته وهي حائضٌ في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: مره فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثم تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن تطلَّق لها النِّساء". متَّفقٌ عليه.
جملة "وهي حائض": في محل نصب على الحال من "امرأة"، والحيض: معروف هذا الدم الطبيعي الذي يعتاد الأنثى في أيام معلومة، قال أهل العلم: وقد خلقه الله تعالى لغذاء الولد ولهذا إذا حملت المرأة انقطع حيضها، "فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك"، يعني: عن طلاقها وهي حائض، وهذا السؤال يحتمل أنها حال غريبة أن يطلق وهي حائض وأنه من العادة عندهم
стр. 2486
ألا يطلق الرجل امرأته وهي حائض؛ لأن هذا السؤال لا بد له من سبب وإلا لسكت عمر وأجرى الأمور على ما هي عليه.
وإنما قررنا ذلك لئلا يحتج محتج على وقوع الطلاق في زمن الحيض لكون النبي ﷺ لا يستفصل المطلقين وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم بالمقال، وسيأتي ذلك في بيان حكم طلاق الحائض، فسأل عمر عن ذلك فقال: "مره فليراجعها" يعني: قل له راجعها، واللام في قوله: "فليراجعها" لام الأمر؛ ولهذا جزم الفعل بها وسكنت بعد الفاء، لأن لام الأمر تسكن بعد الفاء وثم والواو ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والأخرة فيمدد بسببٍ إلى السماء ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥]. ﴿ثم ليقضوا تفثهم "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، قوله: "فليراجعها" هل المراد بالمراجعة: المراجعة اللغوية، أو المراجعة الشرعية؟ على قولين للعلماء، فمنهم من قال: مراجعة هنا: المراجعة الشرعية، وهي لا تكون إلا بعد ثبوت الطلاق؛ لأن المراجعة الشرعية إعادة المطلقة على ما كانت عليه قبل الطلاق، ومن العلماء من قال: هي المراجعة اللغوية التي معناها إرجاع المرأة إلى ما كانت عليه أو ردها إلى بيتها وعليه الأول جمهور العلماء وعلى الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقه في ذلك.
وسيأتي الخلاف في هذه المسألة وهي من أكبر مسائل الخلاف وأخطرها، ولهذا سوف نقرأ زاد المعاد بعدما ننهي شرح الحديث لأنه مهما "ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، يردها ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وفي هذه الحال لا يجامع، بل يتركها بدون جماع فعلي، هذا لا بد أن تكمل الحيضة التي وقعت فيها الطلاق ثم الطهر الذي بعدها ثم الحيضة الثانية، فإذا جاء الطهر الثاني فهو بالخيار، ولهذا قال ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، "أمسك" يعني: أمسكها عنده ولم يطلقها، و"طلق" يعني: طلاقًا جديدًا أو طلق الطلاق الأول، ينبني على الخلاف في المراجعة السابقة إن كانت مراجعة شرعية يعني كانت بعد وقوع الطلاق الأول فالطلاق هذا طلاق ثان، وإلا فالطلاق هو الأول، يعني ثم شاء طلق أي كرر الطلاق، ولكن يقول: قبل أن يمس أي قبل أن يجامع؛ لأنه لو جامعها بعد طهرها من الحيض وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض ثم تطهر ثم يطلق، إذ إنه لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه.
يقول: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، "فتلك" المشار إليه ما سبق من الكلمات أو الحكم "العدة التي .. إلخ"، وهنا يقول: "تلك العدة التي أمر"، وأنث الإشارة باعتبار المشار إليه وهو الخبر، ولهذا قال العلماء: إذا جاء اسم الإشارة بين مذكر ومؤنث فلك الخيار
стр. 2487
بين أن تذكره اعتبارًا بما سبق أو تؤنثه لما لحقه، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء في أي آية؟ ، في سورة النساء القصيرة، تسمى عند السلف بسورة النساء القصيرة، وسورة النساء الطويلة التي بعد آل عمران، هذه سورة النساء القصيرة لأن أكثر ما فيها من الأحكام يتعلق بالنساء، المهم أنها سورة الطلاق: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. وحينئذٍ تكون عدتهن أن يطلقهن في طهر لم يجامعها فيه، إلا أن تكون حاملًا، فإن كانت حاملًا، فليس لطلاقها ستة ولا بدعة كل طلاقها سنة يعني إذا طلق الحامل ولو كان جامعها قبل قليل فالطلاق سني ليس بدعيًّا، ومن قال من العلماء: إنه لا سنة ولا بدعة لحامل المعنى أن البدعة لا تتصور فيها. وإلا فإن طلاقها لا شك طلاق سنة لأنه طلق للعدة.
? ? ? ? - وفي روايةٍ لمسلم: "مره فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حاملًا".
الفرق بين هذه الرواية وما سبق أن قوله: "فليطلقها طاهرًا" يدخل فيها ما إذا طلقها بعد طهرها من الحيضة التي وقع الطلاق فيها، يعني: الرواية الأولى المتفق عليها "مره فليراجعها .... إلخ".
وهذه الرواية "فليطلقها طاهرًا أو حاملًا": يقتضي أنه إذا طلقها في الطهر الذي عقب حيضها الذي وقع فيه الطلاق فهو طلاق جائز، لأنه يصدق عليها أنه طلقها وهي طاهر وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال: إن قوله "طاهرًا" مطلق فيحمل على ما سبق أي: طاهرًا بعد الحيضة الثانية، ومنهم من قال: إن انتظاره إلى الحيضة الثانية سنة، يعني: إلى الطهر الثاني بعد الحيضة الثانية سنة، وأما انتظاره إلى الطهر الأول بعد الحيضة التي وقعت فيها الطلاق فهو واجب، في حمل اختلاف الروايتين على اختلاف الحكمين، ولو قيل: إن كان عامدًا فإنه يعاقب بتطويل الأمر عليه فلا يؤذن له في الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية، وإن كان غير عامد فإنه يرخص له في الطلاق في الطهر الأول.
لو قيل بهذا لكان جيدًا لكن هذا القول يمنع من أن قصة ابن عمر واحدة وهو إما هذا وإما هذا يعني ليس هذا حكمًا مستقلًّا غير مبنيٍّ على سبب، لو كان الأمر كذلك لكان الذي قلته هذا وجهًا، لكن القصة واحدة وحينئذ لا بد من الترجيح، فهل نرجح رواية مسلم ونقول: إنه يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقعت فيها الطلاق، أم لا بد من طهر ثم حيض ثم طهر.
الرواية الأولى متَّفقٌ عليها، وهذه في مسلم وطريق الترجيح أن المتفق عليه مقدم على ما انفرد به أحدهما، أي: البخاري ومسلم، ثم إن في الرواية الأولى زيادة علم وتفصيل يقول: "مره فليراجها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، فالأقرب أن تقول: إنه لا يحل الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية على ذكر هذا الحديث.
стр. 2488
- وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ: "وحسّبت تطليقة".
"حسيب": فعل ماضٍ مبني للمجهول يعني: لا يعرف فاعله "حسبت" من الذي حسبها؟ هل حسبها الرسول ﷺ أو حسبها ابن عمر أو حسبها من روي عن ابن عمر أم من؟ يقول بعضهم: إن هذه الرواية مدرجة ليست من أصل الحديث، وإنما أدرجها بعض الرواة تفقهًا منه؛ لقوله: "مره فليراجعها ... إلخ" ولهذا جاء في رواية أبي داود بسند صحيح: "ولم يرها شيئًا ردها"، ما معنى: "ولم يرها شيئًا، ؟ يعني: لم يعتبرها، وقال الذين يقولون بوقوع الطلاق في الحيض: وإن قوله: "ولم يرها شيئًا" يعني: لم يرها شيئًا موافقًا للشرع، ولكن لا شك أن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
١٠٢٨ - وفي روايةٍ لمسلمٍ: قال ابن عمر: "أمَّا أنت طلَّقتها واحدةً أو اثنتين؛ فإنَّ رسول الله ﷺ أمرني أن أراجعها، ثمَّ أمسكها حتَّى تحيض حيضةً أخرى، ثمَّ أمهلها حتَّى تطهر ثمَّ أطلِّقها قبل أن أمسَّها وأمَّا أنت طلَّقتها ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك".
"يخاطب رجلًا يقول ... إلخ" يعني: إذا كنت طلقتها واحدة أو اثنتين فلك أن تراجعها، "فإن رسول الله ﷺ أمرني .... إلخ"، وذلك لأن المطلق مرة واحدة له أن يراجع والمطلق مرتين له أن يراجع ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروفٍ ... ﴾ الآية.
وظاهر هذه الرواية "أو اثنتين" أن الطلاق الواحدة والثنتين جائز وليس كذلك، فإن الثنتين إما مكروهتان أو محرمتان؛ لأن فيهما استعجال البينونة؛ لأن الرجل إذا طلق مرة بقي له ثنتان وإذا طلق مرتين بقي له واحدة، فيكون مستعجلًا البينونة حارمًا نفسه ما أعطاه الله. يقول: "وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك .. إلخ"، "ثلاثًا" ليس المراد: الطلقة الثالثة؛ لأن هذا جائز، لكن مراده: طلقتها ثلاثًا فقلت: أنت طالق ثلاثًا، أو قلت: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ "فإنك قد عصيت ربك ... إلخ"؛ وذلك لأن الطلاق إنما يكون مرة واحدة ثم مرة أخرى ثم مرة ثالثة بعد رجعة أو عقد جديد.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: أن الأحكام قد تخفى على أهل العلم وذلك لخفاء التحريم الطلاق في الحيض على ابن عمر وعلى عمر. ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يسأل عن فعل غيره أي عن حكمه ودليل ذلك أن عمر سأل النبي ﷺ عن فعل ابن عمر ولكن هذا يقيد بما إذا كان يسأل يريد أن ينصح صاحبه، أما إذا كان يريد أن يشمت به فهذا لا يجوز.
стр. 2489
ومن فوائد الحديث: جواز الاستنابة في إبلاغ الحكم الشرعي لقوله: "مره فليراجعها"، وعلى هذا فإذا استناب المفتي شخصًا آخر وقال له: قل للجماعة هذا حلال أو هذا حرام؛ فإنه يجوز، ولكن هل يقول المستنيب: قال فلان كذا، أو يجزم بالحكم؟ الثاني: وإن شاء الأول؛ يعني: له أن يجزم بالحكم، وله أن يقول: قال فلان كذا، وعلى هذا فعمر هل قال له: إن النبي ﷺ أمرني أن آمرك بمراجعتها، أو قال: راجعها؟ يجوز هذا وهذا، لكن الذي يظهر- والله أعلم- أنه الثاني أنه قال: "راجعها".
ومن فوائد الحديث: تحريم الطلاق في الحيض؛ لأن النبي ﷺ أمر برده.
ومن فوائد الحديث: أن المحرم لا ينفذ شرعًا لقوله: "مره فليراجعها" هذا هو الذي يظهر، أي: أن طلاق ابن عمر لم ينفذ في حال الحيض، ولذلك أمر النبي ﷺ بردها؛ ويشهد لهذا قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، فإنا نسأل هل الطلاق في الحيض عليه أمر الله ورسوله؟ وسيكون الجواب: لا؛ فإذا كان لا، قلنا: قال النبي ﷺ : "من عمل عملًا ... إلخ. فإذا قال قائل: إن قولكم هذا يرده قوله: "فليراجعها"، والمراجعة لا تكون إلا بعد طلاق. قلنا: كلمة "فليراجعها" تحتمل معنيين: أحدهما: ما ذكرت بأنه لا رجعة إلا بعد الطلاق، والثاني: أن المراد بها: المراجعة اللغوية؛ أي: ردها إلى نكاحها وهذا لا يلزم منه الوقوع دليل ذلك- أي: دليل أن المراجعة يراد بها ردها للأول لا أنها مراجعة شرعية قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. أي: على الزوجة والزوج الأول أن يتراجعا، ومن المعلوم أن الرجعة هنا غير ممكنة؛ لأنه حال بينها وبين الطلاق نكاح رجل آخر. إذن فالمراجعة لما كانت تحمل معنيين سقط الاستدلال بها على تعيين أحدهما إلا بدليل وإذا رجعنا للدليل قلنا إن النبي ﷺ قال: "من عمل ... إلخ" وهذا عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا، وأيضًا لو أمرناه أن يراجعها واحتسبنا الطلاق لزم من ذلك أن تضيق على المطلق؛ لأنه سيكون مطلقًا مرتين؛ وأيضًا لأن الرسول ﷺ لم يستفصل هل هي الطلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة بل أمر بالرد مطلقًا ومعلوم أنها لو كانت الثالثة لم تصح المراجعة الشرعية؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ولا سبيل له إلى الرجعة، فلما لم يستفصل وجب أن يحمل على أن المراد: المراجعة اللغوية.
ومن فوائد الحديث: أن من طلق زوجته في حيض لزمه أن ينتظر إلى ما بعد الحيضة الثانية.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه لقوله: "إن شاء طلق قبل أن يمس".
стр. 2490
ومن فوائد الحديث: أن السنة تفسر القرآن لقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". فإن قال قائل: ما وجه كون هذه هي العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.
قلنا: وجه ذلك أنه إذا طلقها في حيض فإن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة فيكون طلق لغير عدة، هذا واضح في الطهر الذي جامعها نقول كذلك هو لم يطلق لعدة متيقنة صحيح أنها تبدأ العدة من حين ما طلق لكنها عدة غير متيقنة كيف ذلك؟ لأنها قد تحمل من هذا الجماع فتكون عدتها بوضع الحمل وقد لا تحمل فتكون عدتها بالإقراء؛ أي: بالحيض، ونحن إلى الآن لم نتبين أنها حامل أو غير حامل يتبين ذلك إذا حاضت أو ينشأ الحمل ويتبين.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يطلق الحامل ولو جامعها"؛ لأنه إذا طلق الحامل طلق لعدة من حين ما يطلق تبدأ في عدتها، وأما ما اشتهر عند العامة من أن طلاق الحامل لا يقع فهذا لا أصل له ولا صحة له، ولا قال به أحد من أهل العلم.
ومن فوائد الحديث: أنه لو طلق من لا تحيض لكونها صغيرة أو آيسة فإنه لا حرج عليه ولو كان قد جامعها لماذا؟ لأنها تبدأ في العدة من حين الطلاق، الصغيرة التي لا تحيض ليس لها عدة بالحيض والآيسة كذلك عدتهما بالأشهر، إذا كانت العدة بالأشهر فإنها تبتدئ من حين الطلاق وعلى هذا دعونا نحصر إذا طلقها حائضًا أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فهذا حرام، إذا طلقها حاملًا أو في طهر لم يجامعها فيه فهذا وهو طلاق سنة، إذا طلق من لا تحيض فهو طلاق سنة ولو كان قد جامعها؛ لأنه من حين يطلق تشرع في العدة وكذلك إذا طلق الآيسة التي بلغت سنًّا لا تحيض معه فهو طلاق سنة وتشرع في العدة من حين الطلاق.
حكم رسول الله ﷺ في تحريم طلاق الحائض والنَّفساء والموطوءة في طهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة.
في "الصحيحين": أن ابن عمر ﵁ طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء يطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
следующие страницы →