← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

ألا يطلق الرجل امرأته وهي حائض؛ لأن هذا السؤال لا بد له من سبب وإلا لسكت عمر وأجرى الأمور على ما هي عليه. وإنما قررنا ذلك لئلا يحتج محتج على وقوع الطلاق في زمن الحيض لكون النبي ﷺ لا يستفصل المطلقين وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم بالمقال، وسيأتي ذلك في بيان حكم طلاق الحائض، فسأل عمر عن ذلك فقال: "مره فليراجعها" يعني: قل له راجعها، واللام في قوله: "فليراجعها" لام الأمر؛ ولهذا جزم الفعل بها وسكنت بعد الفاء، لأن لام الأمر تسكن بعد الفاء وثم والواو ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والأخرة فيمدد بسببٍ إلى السماء ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥]. ﴿ثم ليقضوا تفثهم "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، قوله: "فليراجعها" هل المراد بالمراجعة: المراجعة اللغوية، أو المراجعة الشرعية؟ على قولين للعلماء، فمنهم من قال: مراجعة هنا: المراجعة الشرعية، وهي لا تكون إلا بعد ثبوت الطلاق؛ لأن المراجعة الشرعية إعادة المطلقة على ما كانت عليه قبل الطلاق، ومن العلماء من قال: هي المراجعة اللغوية التي معناها إرجاع المرأة إلى ما كانت عليه أو ردها إلى بيتها وعليه الأول جمهور العلماء وعلى الثاني شيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقه في ذلك. وسيأتي الخلاف في هذه المسألة وهي من أكبر مسائل الخلاف وأخطرها، ولهذا سوف نقرأ زاد المعاد بعدما ننهي شرح الحديث لأنه مهما "ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، يردها ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وفي هذه الحال لا يجامع، بل يتركها بدون جماع فعلي، هذا لا بد أن تكمل الحيضة التي وقعت فيها الطلاق ثم الطهر الذي بعدها ثم الحيضة الثانية، فإذا جاء الطهر الثاني فهو بالخيار، ولهذا قال ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق، "أمسك" يعني: أمسكها عنده ولم يطلقها، و"طلق" يعني: طلاقًا جديدًا أو طلق الطلاق الأول، ينبني على الخلاف في المراجعة السابقة إن كانت مراجعة شرعية يعني كانت بعد وقوع الطلاق الأول فالطلاق هذا طلاق ثان، وإلا فالطلاق هو الأول، يعني ثم شاء طلق أي كرر الطلاق، ولكن يقول: قبل أن يمس أي قبل أن يجامع؛ لأنه لو جامعها بعد طهرها من الحيض وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض ثم تطهر ثم يطلق، إذ إنه لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه. يقول: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، "فتلك" المشار إليه ما سبق من الكلمات أو الحكم "العدة التي .. إلخ"، وهنا يقول: "تلك العدة التي أمر"، وأنث الإشارة باعتبار المشار إليه وهو الخبر، ولهذا قال العلماء: إذا جاء اسم الإشارة بين مذكر ومؤنث فلك الخيار

стр. 2487

بين أن تذكره اعتبارًا بما سبق أو تؤنثه لما لحقه، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء في أي آية؟ ، في سورة النساء القصيرة، تسمى عند السلف بسورة النساء القصيرة، وسورة النساء الطويلة التي بعد آل عمران، هذه سورة النساء القصيرة لأن أكثر ما فيها من الأحكام يتعلق بالنساء، المهم أنها سورة الطلاق: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]. وحينئذٍ تكون عدتهن أن يطلقهن في طهر لم يجامعها فيه، إلا أن تكون حاملًا، فإن كانت حاملًا، فليس لطلاقها ستة ولا بدعة كل طلاقها سنة يعني إذا طلق الحامل ولو كان جامعها قبل قليل فالطلاق سني ليس بدعيًّا، ومن قال من العلماء: إنه لا سنة ولا بدعة لحامل المعنى أن البدعة لا تتصور فيها. وإلا فإن طلاقها لا شك طلاق سنة لأنه طلق للعدة. ? ? ? ? - وفي روايةٍ لمسلم: "مره فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها طاهرًا أو حاملًا". الفرق بين هذه الرواية وما سبق أن قوله: "فليطلقها طاهرًا" يدخل فيها ما إذا طلقها بعد طهرها من الحيضة التي وقع الطلاق فيها، يعني: الرواية الأولى المتفق عليها "مره فليراجعها .... إلخ". وهذه الرواية "فليطلقها طاهرًا أو حاملًا": يقتضي أنه إذا طلقها في الطهر الذي عقب حيضها الذي وقع فيه الطلاق فهو طلاق جائز، لأنه يصدق عليها أنه طلقها وهي طاهر وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال: إن قوله "طاهرًا" مطلق فيحمل على ما سبق أي: طاهرًا بعد الحيضة الثانية، ومنهم من قال: إن انتظاره إلى الحيضة الثانية سنة، يعني: إلى الطهر الثاني بعد الحيضة الثانية سنة، وأما انتظاره إلى الطهر الأول بعد الحيضة التي وقعت فيها الطلاق فهو واجب، في حمل اختلاف الروايتين على اختلاف الحكمين، ولو قيل: إن كان عامدًا فإنه يعاقب بتطويل الأمر عليه فلا يؤذن له في الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية، وإن كان غير عامد فإنه يرخص له في الطلاق في الطهر الأول. لو قيل بهذا لكان جيدًا لكن هذا القول يمنع من أن قصة ابن عمر واحدة وهو إما هذا وإما هذا يعني ليس هذا حكمًا مستقلًّا غير مبنيٍّ على سبب، لو كان الأمر كذلك لكان الذي قلته هذا وجهًا، لكن القصة واحدة وحينئذ لا بد من الترجيح، فهل نرجح رواية مسلم ونقول: إنه يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقعت فيها الطلاق، أم لا بد من طهر ثم حيض ثم طهر. الرواية الأولى متَّفقٌ عليها، وهذه في مسلم وطريق الترجيح أن المتفق عليه مقدم على ما انفرد به أحدهما، أي: البخاري ومسلم، ثم إن في الرواية الأولى زيادة علم وتفصيل يقول: "مره فليراجها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر"، فالأقرب أن تقول: إنه لا يحل الطلاق إلا بعد الحيضة الثانية على ذكر هذا الحديث.

стр. 2488

- وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ: "وحسّبت تطليقة". "حسيب": فعل ماضٍ مبني للمجهول يعني: لا يعرف فاعله "حسبت" من الذي حسبها؟ هل حسبها الرسول ﷺ أو حسبها ابن عمر أو حسبها من روي عن ابن عمر أم من؟ يقول بعضهم: إن هذه الرواية مدرجة ليست من أصل الحديث، وإنما أدرجها بعض الرواة تفقهًا منه؛ لقوله: "مره فليراجعها ... إلخ" ولهذا جاء في رواية أبي داود بسند صحيح: "ولم يرها شيئًا ردها"، ما معنى: "ولم يرها شيئًا، ؟ يعني: لم يعتبرها، وقال الذين يقولون بوقوع الطلاق في الحيض: وإن قوله: "ولم يرها شيئًا" يعني: لم يرها شيئًا موافقًا للشرع، ولكن لا شك أن هذا خلاف ظاهر اللفظ. ١٠٢٨ - وفي روايةٍ لمسلمٍ: قال ابن عمر: "أمَّا أنت طلَّقتها واحدةً أو اثنتين؛ فإنَّ رسول الله ﷺ أمرني أن أراجعها، ثمَّ أمسكها حتَّى تحيض حيضةً أخرى، ثمَّ أمهلها حتَّى تطهر ثمَّ أطلِّقها قبل أن أمسَّها وأمَّا أنت طلَّقتها ثلاثًا، فقد عصيت ربَّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك". "يخاطب رجلًا يقول ... إلخ" يعني: إذا كنت طلقتها واحدة أو اثنتين فلك أن تراجعها، "فإن رسول الله ﷺ أمرني .... إلخ"، وذلك لأن المطلق مرة واحدة له أن يراجع والمطلق مرتين له أن يراجع ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروفٍ ... ﴾ الآية. وظاهر هذه الرواية "أو اثنتين" أن الطلاق الواحدة والثنتين جائز وليس كذلك، فإن الثنتين إما مكروهتان أو محرمتان؛ لأن فيهما استعجال البينونة؛ لأن الرجل إذا طلق مرة بقي له ثنتان وإذا طلق مرتين بقي له واحدة، فيكون مستعجلًا البينونة حارمًا نفسه ما أعطاه الله. يقول: "وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك .. إلخ"، "ثلاثًا" ليس المراد: الطلقة الثالثة؛ لأن هذا جائز، لكن مراده: طلقتها ثلاثًا فقلت: أنت طالق ثلاثًا، أو قلت: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ "فإنك قد عصيت ربك ... إلخ"؛ وذلك لأن الطلاق إنما يكون مرة واحدة ثم مرة أخرى ثم مرة ثالثة بعد رجعة أو عقد جديد. في هذا الحديث فوائد: أولًا: أن الأحكام قد تخفى على أهل العلم وذلك لخفاء التحريم الطلاق في الحيض على ابن عمر وعلى عمر. ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يسأل عن فعل غيره أي عن حكمه ودليل ذلك أن عمر سأل النبي ﷺ عن فعل ابن عمر ولكن هذا يقيد بما إذا كان يسأل يريد أن ينصح صاحبه، أما إذا كان يريد أن يشمت به فهذا لا يجوز.

стр. 2489

ومن فوائد الحديث: جواز الاستنابة في إبلاغ الحكم الشرعي لقوله: "مره فليراجعها"، وعلى هذا فإذا استناب المفتي شخصًا آخر وقال له: قل للجماعة هذا حلال أو هذا حرام؛ فإنه يجوز، ولكن هل يقول المستنيب: قال فلان كذا، أو يجزم بالحكم؟ الثاني: وإن شاء الأول؛ يعني: له أن يجزم بالحكم، وله أن يقول: قال فلان كذا، وعلى هذا فعمر هل قال له: إن النبي ﷺ أمرني أن آمرك بمراجعتها، أو قال: راجعها؟ يجوز هذا وهذا، لكن الذي يظهر- والله أعلم- أنه الثاني أنه قال: "راجعها". ومن فوائد الحديث: تحريم الطلاق في الحيض؛ لأن النبي ﷺ أمر برده. ومن فوائد الحديث: أن المحرم لا ينفذ شرعًا لقوله: "مره فليراجعها" هذا هو الذي يظهر، أي: أن طلاق ابن عمر لم ينفذ في حال الحيض، ولذلك أمر النبي ﷺ بردها؛ ويشهد لهذا قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، فإنا نسأل هل الطلاق في الحيض عليه أمر الله ورسوله؟ وسيكون الجواب: لا؛ فإذا كان لا، قلنا: قال النبي ﷺ : "من عمل عملًا ... إلخ. فإذا قال قائل: إن قولكم هذا يرده قوله: "فليراجعها"، والمراجعة لا تكون إلا بعد طلاق. قلنا: كلمة "فليراجعها" تحتمل معنيين: أحدهما: ما ذكرت بأنه لا رجعة إلا بعد الطلاق، والثاني: أن المراد بها: المراجعة اللغوية؛ أي: ردها إلى نكاحها وهذا لا يلزم منه الوقوع دليل ذلك- أي: دليل أن المراجعة يراد بها ردها للأول لا أنها مراجعة شرعية قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]. أي: على الزوجة والزوج الأول أن يتراجعا، ومن المعلوم أن الرجعة هنا غير ممكنة؛ لأنه حال بينها وبين الطلاق نكاح رجل آخر. إذن فالمراجعة لما كانت تحمل معنيين سقط الاستدلال بها على تعيين أحدهما إلا بدليل وإذا رجعنا للدليل قلنا إن النبي ﷺ قال: "من عمل ... إلخ" وهذا عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا، وأيضًا لو أمرناه أن يراجعها واحتسبنا الطلاق لزم من ذلك أن تضيق على المطلق؛ لأنه سيكون مطلقًا مرتين؛ وأيضًا لأن الرسول ﷺ لم يستفصل هل هي الطلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة بل أمر بالرد مطلقًا ومعلوم أنها لو كانت الثالثة لم تصح المراجعة الشرعية؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ولا سبيل له إلى الرجعة، فلما لم يستفصل وجب أن يحمل على أن المراد: المراجعة اللغوية. ومن فوائد الحديث: أن من طلق زوجته في حيض لزمه أن ينتظر إلى ما بعد الحيضة الثانية. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يطلق زوجته في طهر جامعها فيه لقوله: "إن شاء طلق قبل أن يمس".

стр. 2490

ومن فوائد الحديث: أن السنة تفسر القرآن لقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". فإن قال قائل: ما وجه كون هذه هي العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. قلنا: وجه ذلك أنه إذا طلقها في حيض فإن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة فيكون طلق لغير عدة، هذا واضح في الطهر الذي جامعها نقول كذلك هو لم يطلق لعدة متيقنة صحيح أنها تبدأ العدة من حين ما طلق لكنها عدة غير متيقنة كيف ذلك؟ لأنها قد تحمل من هذا الجماع فتكون عدتها بوضع الحمل وقد لا تحمل فتكون عدتها بالإقراء؛ أي: بالحيض، ونحن إلى الآن لم نتبين أنها حامل أو غير حامل يتبين ذلك إذا حاضت أو ينشأ الحمل ويتبين. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يطلق الحامل ولو جامعها"؛ لأنه إذا طلق الحامل طلق لعدة من حين ما يطلق تبدأ في عدتها، وأما ما اشتهر عند العامة من أن طلاق الحامل لا يقع فهذا لا أصل له ولا صحة له، ولا قال به أحد من أهل العلم. ومن فوائد الحديث: أنه لو طلق من لا تحيض لكونها صغيرة أو آيسة فإنه لا حرج عليه ولو كان قد جامعها لماذا؟ لأنها تبدأ في العدة من حين الطلاق، الصغيرة التي لا تحيض ليس لها عدة بالحيض والآيسة كذلك عدتهما بالأشهر، إذا كانت العدة بالأشهر فإنها تبتدئ من حين الطلاق وعلى هذا دعونا نحصر إذا طلقها حائضًا أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فهذا حرام، إذا طلقها حاملًا أو في طهر لم يجامعها فيه فهذا وهو طلاق سنة، إذا طلق من لا تحيض فهو طلاق سنة ولو كان قد جامعها؛ لأنه من حين يطلق تشرع في العدة وكذلك إذا طلق الآيسة التي بلغت سنًّا لا تحيض معه فهو طلاق سنة وتشرع في العدة من حين الطلاق. حكم رسول الله ﷺ في تحريم طلاق الحائض والنَّفساء والموطوءة في طهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة. في "الصحيحين": أن ابن عمر ﵁ طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء يطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".

стр. 2491

- ولمسلم: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". - وفي لفظ: "إن شاء طلقها طاهرًا قبل أن يمس، فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى". - وفي لفظ للبخاري: طمره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها". - وفي لفظ لأحمد"، وأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر ﵁: قال: طلَّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض، فردها عليه رسول الله ﷺ ، ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". وقال ابن عمر ﵁: قرأ رسول الله ﷺ "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهنَّ﴾ ﴿الطلاق: ١]. في قبل عدتهن. فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام: فالحلالان: أن يطلق امرأته طاهرًا من غير جماع، أو يطلقها حاملًا مستبينًا حملها. والحرامان: أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق المدخول بها، وأما من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضًا وطاهرًا، كما قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿فطلقوهنَّ لعدّتهن﴾ [الطلاق: ١]. وهذه لا عدة لها، ونبه عليه رسول الله ﷺ بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول، لمنع من طلاق من لا عدة له عليها. وهذا يقتضي أن لا طلاق إلا لعدة والتي لم يدخل بها فليس لها عدة لكنه صرَّح بأنه من لم يدخل بها فإنه يجوز طلاقها. إذن ﴿فطلقوهنّ لعدّتهن﴾ هذا فيمن لها عدة يجب أن تطلق للعدة ومعنى طلَّق للعدة: أن تطلَّق لعدة متيقنة تشرع فيها من حين الطلاق؛ لأن اللام للتوكيد كقوله تعالى: ﴿أقم الصلوة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي: عند دلوكها، ولا يمكن أن يكون طلاق تشرع فيه عدة متيقنة إلا إذا طلقها وهي طاهر من غير جماع أو إذا طلقها وهي حامل؛ لأنه إذا طلقها وهي حامل شرعت في العدة فورا وإذا طلقها طاهرا من غير مسيس من غير جماع شرعت في العدة في الحال ولهذا إذا كانت آيسًا لا تحيض يجوز أن يطلقها ولو كان قد جامعها لماذا؟ لأنها تشرع في العدة في الحال وعدتها ثلاثة أشهر وكذلك الصغيرة التي لم

стр. 2492

تحض بعد والآيسة والحامل ومن طلِّقت في طهر لم تجامع فيه. كل هؤلاء طلاقهن جائز طلاق سنة. وفي سنن النسائي وغيره: من حديث محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، فقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ "، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، أفلا أقتله. وفي "الصحيحين": عن ابن عمر ﵁، أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال: "أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين"، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك. فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان: مدخول بها، وغير مدخول بها، وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثًا مجموعة، ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرًا وحائضًا. وأما المدخول بها، فإن كانت حائضًا أو نفساء، حرم طلاقها، وإن كانت طاهرًا، فإن كانت مستبينة الحمل، جاز طلاقها بعد الوطء وقبله، وإن كانت حائلًا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الإصابة، ويجوز قبله، هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله من الطلاق، وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه، وأباحه إذا كان من مكلف مختار، عالم بمدلول اللفظ، قاصد له. هذه القيود للمتفق عليه أولًا إذا كان "من مكلف" فإن كان من صغير ففي وقوع الطلاق منه خلاف، والمذهب إذا كان يعقل الطلاق وإذا كان من مجنون لا يقع الطلاق؛ لأنه لا يعقل، الثاني: "مختار" ضده المكره لا يقع منه الطلاق لقوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاق"، والثالث: "عالم بمدلول اللفظ"، فإن كان لا يعلم كرجل أعجمي قال لزوجته: أنت طالق وهو لا يعرف معنى طالق، أو رجل عربي قال لزوجته بلغة غير عربية ما معناه: أنت طالق، فإنه لا يقع الطلاق، لماذا؟ لأنه لا يعلم مدلوله ما يدري ما معنى أنت طالق، الرابع: "قاصد له" فإن لم يقصد فإنه لا يقع الطلاق لو قال لزوجته أنت طالق ولم يقصد الطلاق فإنه لا يقع ولكنه يقع حكمًا، يعني: عند التحاكم نلزمه به؛ لأن النية أمر باطن لا يعلم وهنا ينبغي أن يقسم قول القائل: أنت طالق إلى ثلاثة أقسام القسم: الأول: أن ينوي الطلاق فيقع الطلاق ولا إشكال فيه، الثاني: أن ينوي غير الطلاق بأن ينوي بقوله: أنت طالق أي من قيد أي لست مربوطة فهذا لا يقع الطلاق ولا إشكال فيه، الثالث: ألا يقصد هذا ولا هذا يكون كلمة خرجت من لسانه ولا يقع لا هذا ولا هذا

стр. 2493

أيضًا لا يقع منه الطلاق لكن لو حاكمته المرأة ورجعنا إلى القاضي فإن القاضي يحكم بالطلاق اعتبارًا بظاهر اللفظ لئلا يقع التلاعب من أهل الفسق يطلق ألف مرة ويقول ما أردت الطلاق. فإذا قال قائل: إذا كان الحكم يقع عليه الطلاق وليس لنا إلا الظاهر فهل يجب على المرأة أن تحاكم الزوج لإيقاع الطلاق أو لا يحل لها أن تحاكم الزوج خوفًا من أن يكون صادقًا؟ فالجواب على هذا أن نقول: يجب أن ننظر إلى هذا الزوج إن كان عند الزوج تقوى لله وخشية له وأنه لا يمكن أن يدَّعي أنه لم يرد الطلاق إلا وهو صادق فهنا لا يحل لها أن تحاكمه لأنها إذا حاكمته سوف يفرق بينهما وهي زوجته وإن كان الرجل من المتهاونين الذين لا يبالون وليسر له همٌّ إلا أن يشبع رغبته فيجب عليها أن تحاكمه من أجل أن يحكم القاضي بالطلاق ويفرق بينهما. وقول المؤلف: وأما المدخول بها فإن كانت حائضًا أو نفساء، حرم طلاقها، أما الحائض فلا شك في تحريم الطلاق لما جرى من قصة ابن عمر فإن الرسول تغيظ فيه ورده، لكن إذا كانت نفساء ففي تحريم طلاقها نظر وفي عدم وقوعه أيضًا نظر؛ لأن من طلقها وهي نفساء فقد طلقها للعدة، النبي ﷺ علَّل التحريم؛ لأنه مخالف للعدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء والنفساء إذا طلقها زوجها فقد طلقها للعدة لأنها تشرع في العدة من حين أن يطلقها كما لو طلق الآيسة والصغيرة التي لا تحيض لأنها تشرع في العدة من حين الطلاق فالظاهر لي أنا أن طلاق النفساء لا يحرم وأنه يقع؛ لأن المطلق قد امتثل أمر الله في قوله: ﴿فطلقوهنّ لعدَّتهن﴾ فهذه النفساء تشرع في العدة من حين الطلاق ويبقى حتى يأتيها الحيض ثلاث مرات بخلاف من طلقها في الحيض، فإذا طلقها في الحيض فإن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة فيكون قد طلق في غير العدة لأنها لا تحسب من العدة فهذا هو الفرق. المحرم من الطلاق: واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي واقعها فيه. المسألة الثانية: في جمع الثلاث، ونحن نذكر المسألتين تحريرًا وتقريرًا، كما ذكرناهما تصويرًا، ونذكر حجج الفريقين، ومنتهى أقدام الطائفتين، مع العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كل آية، وأن طالب الدليل لا يأتم بسواه، ولا يحكم إلا إيام، ولكل من

стр. 2494

الناس مورد لا يتعداه، وسبيل لا يتخطاه، ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قوام، وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه. فأما المسألة الأولى: فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتًا بين السلف والخلف، وقد وهم من أدعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع، فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا. كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين؟ قال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ أنه قال في رجل طلق امرأته وفي حائض، قال ابن عمر، لا يعتد بذلك، ذكره أبو محمد أبن حزم في "المحلى" بإسناده إليه". وقال عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وكان يقول: وجه الطلاق: أن يطلقها طاهرًا من غير إجماع وإذا استبان حملها. وقال الخشني: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: قال: لا يعتد بها قال أبو محمد ابن حزم: والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة- ﵃ غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت ﵁، إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك، وتعتد بعدها بثلاثة قروء، قلت: وابن سمعان هو: عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول لا يعرف، قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجل سماه، عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض: يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة.

стр. 2495

قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة، ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله ﷺ مخالفة لأمره، فإذا كان لا شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التى يقرون أنها بدعة وضلالة، أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنها بدعة؟ قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف، لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم كاذبًا على جميعهم. قوله: "لكان القاطع .... إلخ". "القاطع": اسم كان، "وكاذبًا" خبره، معناه: أن الذي يقطع بالإجماع يكون كاذبًا على جميع الناس، والمسألة لم يرو فيها إلا عن عثمان بهذا السند الضعيف وزيد بن ثابت فكيف يدَّعى الإجماع بأنه يقع وابن حزم يقول: نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ما هو الذي يستجيزون؟ دعوى الإجماع. قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقن، فإذا أوجدتمونا واحدًا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح به، ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك، قالوا: وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه، فإن هذا طلاق لم يشرعه الله تعالى ألبتة، ولا أذن فيه، فليس من شرعه، فكيف يقال بنفوذه وصحته؟ قالوا: وإنما يقع من الطلاق ما ملكه الله تعالى للمطلق، ولهذا لا يقع به الرابعة؛ لأنه لم يملكها إياه، ومن المعلوم انه لم يملكه الطلاق المحرم، ولا أذن له فيه، فلا يصح، ولا يقع. قالوا: ولو وكل وكيلًا أن يطلق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلق طلاقًا محرمًا، لم يقع؛ لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان؟ ! إذن المخلوق معتبرًا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع، ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلًّا للتصرف ألبتة. قالوا: وأيضًا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلَّق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطهر، فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجر القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره. قالوا: وبهذا أبطلنا البيع وقت النداء يوم الجمعة؛ لأنه بيع حجَّر الشارع على بائعه هذا الوقت، فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه.

стр. 2496

قالوا: ولأنه طلاق محرم منهي عنه، فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فلو صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد. قالوا: وأيضًا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه؛ لأنه يبغضه، ولا يحب وقوعه، بل وقوعه مكروه إليه، فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود. قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق، والنهي يقتضي البطلان في الموضعين؟ قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله ﷺ العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغائه، كما في والصحيح عنه، من حديث عائشة ﵁: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره ﷺ مردود باطل، فكيف يقال: إنه صحيح لازم نافذ؟ ! فأين هذا من الحكم برده؟ ! قالوا: وأيضًا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدًا، وكان مردودًا باطلًا كطلاق الأجنبية، ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلًّا للطلاق بخلاف الزوجة، فإن هذه الزوجة ليست محلًّا للطلاق المحرم، ولا هو مما ملكه الشارع إياه. قالوا: وأيضًا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان، ولا أسوأ من التسريح الذي حرمه الله ورسوله، وموجب عقد النكاح أحد أمرين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما، فلا عبرة به ألبتة. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن" [الطلاق: ١]، وصح عن النبي ﷺ المبين عن الله مراده من كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها، فلا يكون طلاقًا، فكيف تحرم المرأة به؟ ! قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه، وهو الطلاق للعدة، فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين، فلا يكون ما عداه طلاقًا، قالوا: ولهذا كان الصحابة- ﵃ يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم، كما روى ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، ان ابن مسعود ﵁ قال: "من طلَّق كما أمره الله

стр. 2497

فقد بين الله له، ومن خالف، فإنا لا نطيق خلافه" ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم، ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين. وقال ابن مسعود ﵁ أيضًا: من أتى الأمر على وجهه فقد بين الله له، وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون. وقال بعض الصحابة- وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة-: من طلق كما أمر، فقد بين له، ومن لباس، تركناه وتلبيسه. قالوا: ويكفي من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت: حدثنا أحمد ابن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل أبن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلق أمرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئًا، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك"، قال ابن عمر: وقرأ رسول الله ﷺ ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ في قبل عدتهن، قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحة، فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يخشى من تدليسه، فإذا قال: سمعت، أو حدثني، زال محذور التدليس، وزالت العلة المتوهمة، وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال: "عن" ولم يصرح بالسماع، ومسلم يصحح ذلك من حديثه، فأما إذا صرح بالسماع فقد زال الإشكال، وصح الحديث، وقامت الحجة. قالوا: ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده، وإنما رده من رده استبعادًا واعتقادًا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة، ونحن نحكي كلام من رده، ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد. قال أبو داود: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه. وقال الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا يعني: قوله: "مره فليراجعها"، وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " قال: "فمه". قال ابن عبد البر: وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة أجلة، فلم يقل ذلك أحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ !

стр. 2498

وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا. فهذا جملة ما ردَّ به خبر أبي الزبير، وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه. أما قول أبي داود: الأحاديث كلها على خلافه، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أن الحجة من جانبكم، فدعوا التقليد، وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير؟ فهل فيها حديث واحد أن رسول الله ﷺ احتسب عليه تلك الطلقة، وأمره أن يعتد بها، فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلًا، وغاية ما بأيديكم "مره فليراجعها"، والرجعة تستلزم وقوع الطلاق، وقول ابن عمر، وقد سئل: أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال: "أرأيت إن عجز واستحمق"، وقول نافع أو من دونه: "فحسبت من طلاقها"، وليس وراء ذلك حرف واحد يدل على وقوعها والاعتذاد بها، ولا ريب في صحة هذه الألفاظ ولا مطعن فيها، وإنما الشأن كل الشأن في معارضتها، لقوله: "فردها علي ولم يرها شيئا"، وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر التفاوت، وعدم المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها. أما قوله: "مره فليراجعها"، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معان: أحدها: ابتداء النكاح، كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق هاهنا: هو الزوج الثاني، وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ. وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولًا، كقوله: لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده: "رده"، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله ﷺ جور، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك وردَّ البيع، وليس هذا الرد مستلزمًا لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض ألبتة. وأما قوله: "أرأيت إن عجز واستحمق"، فيا سبحان الله! أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله ﷺ والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا، ولو كان رسول الله ﷺ قد حسبها عليه، واعتد عليه بها لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى: أرأيت، وكان ابن عمر أكره ما إليه "أرأيت"، فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة "أرأيت". الدالة على نوع من الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله

стр. 2499

له فيه، والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر، إلا أن يكون فعلًا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم، فقد عجز واستحمق، وحينئذٍ، فيقال: هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم، فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا باطلًا، فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز وأستحمق منه على صحته واعتباره. وأما قوله: "فحسبت من طلاقها"، ففعل مبني لما لم يسم فاعله، فإذا سمي فاعله ظهر وتبين، هل في حسبانه حجة أو لا؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول دليل ألبتة، وسواء كان القائل: "فحسبت" ابن عمر أو نافعًا أو من دونه، وليسري فيه بيان أن رسول الله ﷺ هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به، وتحرم مخالفته، فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير، وأنه صريح في أن رسول الله ﷺ لم يرها شيئًا، وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها. قال الموقعون: لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبًا، وأبطلتم أكثر طلاق المطلقين، فإن غالبه طلاق بدعي، وجاهرتم بخلاف الأئمة، ولم تتحاشوا خلاف الجمهور، وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه، والقرآن والسنن تدل على بطلانه، قال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾، وهذا يعمُّ كل طلاق، وكذلك قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولم يفرق، وكذلك قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وقوله: ﴿وللمطلقات متاع﴾ [البقرة: ٢٤١]. وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع. قالوا: وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه: أحدها: الأمر بالمراجعة، وهي لمُّ شعث النكاح، وإنما شعته وقوع الطلاق. الثاني: قول ابن عمر: "فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقها". وكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله ﷺ فيحسبها من طلاقها، ورسول الله ﷺ لم يرها شيئًا؟ ! الثالث: قول ابن عمر لما قيل له: أيحتسب بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق، أي: عجزه وحمقه لا يكون عذرًا له في عدم احتسابه بها. الرابع: أن ابن عمر قال: وما يمنعني أن أعتاد بها، وهذا إنكار منه لعدم الاعتداد بها، وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير، إذ كيف يقول ابن عمر: وما يمنعني أن أعتد بها، وهو يرى رسول الله قد ردها عليه ولم يرها شيئا؟ !

стр. 2500

الخامس: أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، وأعلم الناس بها، وأشدهم اتباعًا للسنن، وتحرجًا من مخالفتها، قالوا: وقد روى ابن وهب في "جامعه"، حدثنا ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبرهم عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: ومره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة". هذا لفظ حديثه. قالوا: وروى عبل الرزاق، عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة، ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قالوا: وروى حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته"، رواه عبد الباقي بن قانع، عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره. قالوا: وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع. قالوا: وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه علية كالظهار، فإنه منكر من القول وزور، وهو لا محرم بلا شك، وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر، فهكذا الطلاق البدعي محرم، ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع، ولا فرق بينهما. قالوا: وهذا ابن عمر يقول للمطلق ثلاثًا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق أمرأتك، فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه . قالوا: وكذلك القذف محرم، وترتب عليه أثره من الحد، ورد الشهادة وغيرهما. قالوا: والفرق بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم: أن النكاح عقد يتضمن حل الزوجة وملك بضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعًا، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع، بخلاف الطلاق، فإنه إسقاط لحقه، وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونًا فيه شرعًا، كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، وبالإقرار الكاذب، وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام

стр. 2501

قالوا: والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها، يزول بالكلام المحرم إذا كان كفرًا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته؟ ! قالوا: ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل، فإنه يقع مع تحريمه؛ لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله، وقد قال النبي ﷺ : "ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوًا: طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك" فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه، فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه. قالوا: وفرق آخر بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم، أن النكاح نعمة، فلا تستباح بالمحرمات، وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة، فيجوز أن يكون سببها محرمًا. قالوا: وأيضًا فإن الفروج يحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق، وتجديد الرجعة والعقد. قالوا: وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول، والولي والشاهدين، ورضا الزوجة المعتبر رضاها، ويخرج منه بأيسر شيء، فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك، بل يدخل فيه بالعزيمة، ويخرج منه بالشبهة، فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه؟ ! قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديمًا وحديثًا: طلق امرأته وهي حائض، والطلاق نوعان: طلاق سنة، وطلاق بدعة، وقول ابن عباس ﵁: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فهذا الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة، وشمول اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلال، ولو كان لفظا مجردًا لغوا لم يكن له حقيقة، ولا قيل: طلق امرأته، فإن هذا اللفظ إذا كان لغوًا كان وجوده كعدمه، ومثل هذا لا يقال فيه: طلق، ولا يقسم الطلاق- وهو غير واقع- إليه وإلى الواقع، فإن الألفاظ اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسمًا من الحقيقة الثابتة لفظًا، فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون، وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع. قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق من المسألة: المقام الأول: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته ألبتة، بل العلم بانتفائه معلوم. وقد ذكر ﵀ من قبل أسماء من خالف في وقوع الطلاق وقالوا: إنه لا يصح. المقام الثاني: أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته، وقول الجمهور ليس بحجة.

стр. 2502

من أين يؤخذ؟ من قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ... ﴾ [النساء: ٥٩]. ولم يقل- فإن تنازعتم في شيء فخذوا بالأكثر قال: ﴿فردوه إلى الله والرسول ... ﴾ وعلى هذا لو كان عشرة في المائة وافقوا ما قال الله ورسوله والتسعون في المائة خالفوا فالحق مع العشرة. المقام الثالث: أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق، فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث، كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة. وهذا الوصف هذا هو الذي اتفق عليه الفقهاء أن المطلق الشرعي لا يدخل في المجرم؛ ولهذا قالوا: إذا حلف ألا يبيع فباع بيعًا محرمًا كالخمر فإنه لا يحنث مع أن بيع الخمر يسمى بيعًا لغة لكن المطلق ينصرف إلى الشيء الصحيح وكذلك لو باع ميتةً أو خنزيرًا وما أشبه ذلك، أو مجهولًا أو فيه غرزٌ فإنه لا يدخل في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وأن المطلق في لسان الشرع يحمل على الصحيح ولا يتناول المحرم فالطلاق الذي أباحه الله رتب عليه أحكامًا إنما يحمل على الطلاق الصحيح المباح، أما المحرم فلا تترتب عليه أحكام وهذه القاعدة متَّفقٌ عليها لكن قد يختلف العلماء في بحض مسائلها لاختلاف وجهات النظر. فالطلاق المحرم إذا أجريناه على هذه القاعدة انطبق تمامًا على قول من يرى أنه لا يقع لأن إيقاعنا إياه شبه مضادة لله فإن الله لم ينه عنه إلا من أجل أن نتجنبه وألا نعتد به، فإذا نحن اعتدادنا به وقلنا إنه يقع فهل انتهينا؟ ما انتهينا، بل إننا نفذنا خلاف مقصود الشرع بإعدامه وعدم الالتفات إليه، وسيذكر ابن القيم ﵀ تتمة البحث. فنقول: أما المقام الأول، فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع، كيف ولو لم يحلم ذلك، لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع الذي تقوم به الحجة، وتنقطع معه المعذرة، وتحرم معه المخالفة، فإن الإجماع الذي ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم. الإجماع الذي يوجب ذلك، يعني: يوجب أن يكون حجة وأن تحذروا مخالفته هو ما جمع هذه الألفاظ: القطعي المعلوم وإذا أخذنا بهذا الإنكار نجد مسائل مجمعًا عليها إلا مسائل نادرة يسيرة، ثم إن الإجماع الذي على هذا الشكل أي أنه قطعي معلوم لا بد أن يكون فيه

стр. 2503

نصوص فيكون معتمدًا على هذه النصوص لكن أحيانًا يغيب عن المستدل النص أو لا يطلع عليه فيكتفي بالإجماع المعلوم القطعي ويكون هذا دليله. وأما المقام الثاني: وهو أن الجمهور على هذا القول، فأوجدونا في الأدلة الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أمته. ومن تأمل مذاهب العلماء قديمًا وحديثًا من عهد الصحابة وإلى الآن، واستقرأ أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكل منهم أقوالًا عديدة انفرد بها عن الجمهور، ولا يستثنى من ذلك أحد قط، ولكن مستقلٌّ ومستكثر، فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ولو تتبعنا ذلك وعددناه، لطال الكتاب به جدًّا، ونحن نحيلكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم، ولكن هذا في المسائل التي يسوع فيها الاجتهاد، ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة، وأما ما كان هذا سبيله، فإنهم كالمتفقين على إنكاره ورده، وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين. وأما المقام الثالث: وهو دعوكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق، وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم، فنسألكم: ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم، والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح، وقال: شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء، بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها. البيوع" مثلنا لها مثل: بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والغرر، أما العبادات فلو صادف يوم العيد يوم الاثنين، وقال شخص: إن النبي ﷺ حثَّ على صوم يوم الإثنين فأصوم فهل يدخل في هذا؟ نقول: إن صمت لا يصح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم العيد كذلك الطلاق لو طلقت في الحيض لم يقع لأن الله قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾. هل تكون" دعواه صحيحة أو باطلة؟ فإن قلتم: صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين، وإن قلتم: دعواه باطلة تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وان قلتم: تقيل في مواضع وترد في موضع قيل لكم: ففرقوا بفرقان صحيح مطرد منعكس،

стр. 2504

معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما يدخل من تحتها، فيثبت له حكم البطلان، وإن عجزتم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله. كلمة عظيمة من يحتج لقوله لا بقوله، فإذا قال الإنسان هذا قول الإمام أحمد قلنا الإمام أحمد يحتج لقوله ولا يحتج بقوله ليس أحد من البشر يحتج بقوله إلا رسول الله ﷺ أو من أمرنا باتباعه كالخلفاء الراشدين مثلًا. وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل، وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله: ﴿والمطلقات متاع﴾، وتحت قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾، وأمثال ذلك، وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم؟ قالوا: وأما استدلالكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه: أحدها: صريح قوله: فردها عليَّ ولم يرها شيئا، وقد تقدم بيان صحته. قالوا: فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين، بل جميع تلك الألفاظ إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه. الثاني: أنه قد صح عن ابن عمر ﵁ بإسناد كالشمس من رواية عبيد الله، عن نافع عنه، في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يعتد بذلك وقد تقدم. الثالث: أنه لو كان صريحًا في الاعتداد به، لما عدل به إلى مجرد الرأي، وقوله للسائل: أرأيت؟ الرابع: أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابًا شديدًا، وكلها صحيحة عنه، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله ﷺ في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرنا إلى مذهب ابن عمر، وفتواه، فوجدناه صريحًا في عدم الوقوع، ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحًا في ذلك، فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد، وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة، كما تقدم بيانه.

стр. 2505

وأما قول ابن عمر ﵁: "وما لي لا أعتد بها"، وقوله: "أرأيت إن عجز واستحمق"، فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع، ويكون عنه روايتان. وقولكم: كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله ﷺ قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها؟ فليس هذا بأول حديث خالفه راويه، وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ومن بعده على رأيه. وهذه قاعدة مضطردة عند العلماء أن العبرة بما روى لا بما رأى وذلك لأن ما رواه خبر عن معصوم وهو ممن يقبل خبره وما رآه فهو رأي قابل للخطأ وقابل للصواب فلذلك كان العبرة بما روى لا بما رأى وأظنه قد ألف بعض العلماء كتابًا سماه: "مخالفة الصحابي فيما رأى لمًا روى". وقد روى ابن عباس حديث بريرة، وأن بيع الأمة ليس بطلاقها، وأفتى بخلافه، فأخذ الناس بروايته، وتركوا رأيه، وهذا هو الصواب، فإن الرواية معصومة عن معصوم، والرأي بخلافها، كيف وأصرح الروايتين عنه- أي: عن ابن عمر- موافقته لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فقهًا دقيقًا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم، وفهمهم عن الله ورسوله، واحتياطهم للأمة، ولعلك تراه قريبًا عند الكلام على حكمه ﷺ في إيقاع الطلاق الثلاث جملة. وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره: "وهي واحدة"، فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله ﷺ ما قدمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أم نافع؟ ! فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ما لا يتيقن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال، والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر ﵁، ومراده بها: أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثًا، أي: طلق ابن عمر ﵁ امرأته واحدة على عهد رسول الله ﷺ فذكره. وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع، أن تطليقة عبد الله حسبت عليه، فهذا غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذي حسبها، أهو عبد الله نفسه، أو أبوه عمر، أو رسول الله ﷺ ؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله ﷺ بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: "ولم يرها شيئًا" بهذا المجمل؟ والله يشهد- وكفى بالله شهيدًا- أنا لو تيقنا أن رسول الله ﷺ هو الذي حسبها عليه، لم نتعد ذلك، ولم نذهب إلى سواه.

стр. 2506

وأما حديث أنس: "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته"، فحديث باطل على رسول الله ﷺ ، ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه، ولم يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيل، وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل، ثم الراوي له عند عبد الباقي بن قانع، وقد ضعَّفه البرقاني وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال الدارقطني: يخطئ كثيرًا، ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة. وأما إفتاء عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ﵁ بالوقوع، فلو صح ذلك- ولا يصح أبدًا-، فإن أثر عثمان، فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله، فإنه من رواية ابن سمعان، عن رجل، وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس بن سعد، عن رجل سمَّاه عن زيد، فيالله العجب، أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن عبيد الله حافظ الأمة، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها، فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم به وجلتم. وأما قولكم: إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه، كالظهار فيقال أولًا: هذا قياس يدفعه ما ذكرناه من النص، وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه، ثم يقال ثانيًا: هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح، ويقال ثالثًا: ليسر للظهار جهتان: جهة حل وجهة حرمة، بل كله حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز، وحرام باطل، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والرِّدة، فإذا وجد لم يوجد إلا مع مفسدته، فلا يتصور أن يقال: منه حلال صحيح، وحرام باطل، بخلاف النكاح والطلاق والبيع، فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها مفاسدها فترتبت عليها أحكامها، وإلحاق الطلاق بالنكاح، والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام، وصحيح وباطل أولى. قالوا: إن الطلاق المحرم تترتب عليه آثاره كالظهار، الظهار محرم منكر من القول وزور تترتب عليه أحكامه، قالوا: فالطلاق المحرم تترتب عليه آثاره كالظهار، ابن القيم يقول: المحرم الذي تترتب عليه آثاره ليس له إلا جهة واحدة جهة التحريم، وأما ما له جهتان: جهة حل وجهة حرمة وجهة صحة وجهة فساد؛ فهذا إن وقع على الوجه الذي يكون حلالًا صحيحًا نفذ، وإن وقع على الذي يكون حرامًا باطلًا بطل؛ لأننا لو لم نقل في ترتب أثر الظهار عليه لم يبق له حكم هو جهة واحدة فقط، كالقذف إذا قذف رجلٌ رجلًا بالزنا فحله حل القذف، ولا نقول: هذا حرام ولا يترتب عليه أثره، نقول: ليس فيه جهة حلال حتى نحمل الحلال على الصحة والحرام على البطلان وهذا واضح، ولكن عند المناظرات ولا سيما إذا كان المناظر قويًّا وصرخ في وجه صاحبه فإن الثاني يسقط في يده ويخاف ويعجز أن يأتي بالفروق الدقيقة كهذه.

стр. 2507

وأما قولكم: إن النكاح عقد يملك به البضع، والطلاق عقد يخرج به، فنعم، من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما، والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الاخر وإبطاله؟ وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، فذلك ملك قد زال حسًّا، ولم يبق له محل، وأما زواله بالإقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنا صدقناه ظاهرًا في إقراره، وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا. وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر، فقد تقدم جوابه، وأنه ليس في الكفر حلال وحرام. وأما طلاق الهازل فإنما وقع؛ لأنه صادف محلًّا، وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ، وكونه هزل به إرادة منه ألا يترتب أثره عليه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يكون مسببه، فلم ينفعه ذلك، بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيا إلى وقوع الطلاق، وإنما أتى بسبب من عنده، وجعله هو مفضيًا إلى حكمه، وذلك ليس إليه. وأما قولكم: إن النكاح نعمة، فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق فإنه من باب إزالة النعم، فيجوز أن يكون سببه معصية، فيقال: قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه، والقيل من رجله، فليس كل طلاق نقمة، بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج، والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها، فلم ير للمتاحبين مثل النكاح، ولا للمتباغضين مثل الطلاق، ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ويقول: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]؟ ! وأما قولكم: إن الفروج يحتاط لها، فنعم، وهكذا قلنا سواء، فإنا احتطنا، وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين، فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة، وإن أصبنا فصوابنا في جهتين: جهة الزوج الأول، وجهة الثاني، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من كان حلالًا له بيقين، وإحلاله لغيره، فإن كان خطأ، فهو خطأ من جهتين، فتبين أنَّا أولى بالاحتياط منكم، وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: في طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء، فقال: الذي لا يأمر بالطلاق: إنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين حرمها عليه، وأحلها لغيره، فهذا خير من هذا.

стр. 2508

يعني إذا قلنا: إن الطلاق لا يقع فقد احتطنا من جهتين: من جهة أننا أبقيناها لزوجها الأول والأصل بقاء النكاح، ومن جهة أنِّا حرمناها على غيره، لكن لو أوقعنا احتطنا من جهة واحدة أننا حرمناها على زوجها لكن أحللناها لغيره وهذا انتهاك فرج، ونظير هذا طلاق السكران كان الإمام أحمد يرى أن السكران يقع طلاقه فقال: كنت أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته يعني تأملته وتبين لي الأمر فرأيت أني إذا قلت بوقوع الطلاق أتيت خصلتين حرمتها على زوجها والثاني أحللتها لغيره وإني إذا قلت بعدم الوقوع أتيت خصلة واحدة وهي إحلالها لزوجها الذي هو الأصل خير من إحلالها لغير الذي هو خلاف الأصل وعلى هذا يكون الإمام أحمد رجع عن القول بوقوع طلاق السكران، ولعلكم تذكرون أننا قلنا: إن المذهب ينسب إلى الإنسان شخصيًّا وينسب إليه اصطلاحًا فما هو مذهب الإمام أحمد الاصطلاحي في هذه المسألة؟ وقوع طلاق السكران هذا هو مذهب الحنابلة لكن مذهبه الشخصي عدم الوقوع وقد صرح بالرجوع لو قال لا يقع وسكت لكان هذه رواية ثانية لكن صرح بالرجوع. وأما قولكم: إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والاحتياط، ويخرج منه بأدنى شيء، قلنا: ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببَّا يخرج به منه، وأذن فيه: وأما ما ينصبه المؤمن عنده، ويجعله هو سببا للخروج منه، فكلا، فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك، الوعورة، المسلك، التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان، وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان، وإنما نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغُّر الذي بضاعته من العلم مزجاة، أن هناك شيئًا آخر وراء ما عنده، وأنه إذا كان ممن كثر في العلم باعه، فضعف خلف الدليل، وتقاصر عن جني ثماره ذراعه، فليعذر من شمر عن ساق عزمه، وحام حول آثار رسول الله ﷺ وتحكيمها، والتحاكم إليها بكل همة، وإن كان غير عاذر لمنازعة في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد، فليعذر منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد، ولينظر مع نفسه أيهما هو المعذور، وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور، والله المستعان وعليه التكلان، وهو الموفق للصواب، الفاتح لمن أمِّ بابه طالبًا لمرضاته من الخير كل باب.

стр. 2509

ولكن يبقى النظر في مسألة يتلاعب بها الناس الآن: إذا طلق الإنسان زوجته آخر طلقة من الثلاث وجاء يبحث: يقول لعلي طلقتها أول طلقة وهي حائض من أجل أن يلغي الطلقة الأولى ويبقي له طلقة لأجل أن يرجع هذا أنا لا أعتبره ولا أقبله، وأقول: ما دمت طلقت أولًا على أن الطلاق نافذ بدليل أن المرأة التي طلقتها لو انقضت عدتها وتزوجت لم تذهب إلى زوجها وتقول: أرجع لي زوجتي فهذا هو الواقع بين الناس فأنت الآن لما ضاقت بك الأمور جئت تبحث عن الطلاق هل هو في حيض أو في طهر جامعتها؟ وهذا كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين مفتي الديار النجدية في وقته قال: إن الإنسان إذا طلَّق ثلاثًا، ثم عجز عن مخارج ذهب يبحث عن عقد النكاح لعله مختل الشروط لعل أحد الشهود يشرب الدخان ولا كذا، ولا كذا لأجل أن يكون غير عدل ويكون النكاح بغير شهود فلا يكون صحيحًا وإذا لم يصح النكاح لم يصح الطلاق؛ لأن الطلاق لا يصح إلا بعد صحة النكاح، وحينئذ تكون الطلقة هذه لاغيه ويتزوجها من جديد يقول: هكذا يفعل بعض الناس يتحايلون فهذا الرجل الذي طلق زوجته قبل عشر سنوات في حيض وانقضت عدتها ثم تزوجها ثانيًا ثم طلقها في حيض أو في طهر جامع فيه، ثم انتهت عدتها ثم تزوجها بعقد جديد يشهدون الناس عليه ويحضر دون محفلًا ثم طلقها تمت الطلقات الثلاث جاء يسأل أنا طلقت الطلقة الأولى قبل عشر سنوات في حيض، طلقتها وانقضت العدة وعقدت عليها، كيف تعقد على امرأة وهي زوجتك؟ إذا كنت صادقا ففي هذه لا نفتي بأن الطلاق الأول لاغ أولًا: لأن قول الجمهور هو هذا، والثاني: أن هذا الرجل ملتزم بهذا القول، كيف الآن لما ضاقت به لحيل جاء يقول: أنا غير ملتزم وهذه من الأمور التي ينبغي للمفتي أن ينتبه لها سياسة الخلق بالحق، وهو أن الإنسان إذا ضاقت عليه الحيل ذهب يتطلب الرخص لعله يتخلص وإلا فشيء التزمت به ونحن نعلم علم اليقين أن زوجتك هذه لو تزوجت بعد انقضاء العدة ما طالبت الزوجة، فأنا على أنني أرى أن الطلاق في الحيض لا يقع إذا جاءني مثل هذه الحال أقول طلاقك نافذ وإذا كانت هذه آخر طلقة فلا رجوع؛ لأن النبي ﷺ إنما رد زوجة ابن عمر لأنها في عدتها ما انتهت ثم إن زمن التشريع غير الوقت الحاضر زمن الوقت الحاضر ما نعلم هل الشرع حقيقة مع الجمهور أو مع شيخ الإسلام ابن تيمية؟ لكن في عهد الرسول ﷺ الشرع معلوم؛ لأن

стр. 2510

الحاكم هو الرسول ﷺ أما نحن فلا ندري من الصواب معه! وإن كنا نرجح هذا، لكن لو قيل لك: تشهد أن هذا حكم الله؟ قلت علم اليقين لا أشهد لكن هذا الذي يترجح عندي أما أن أقول هذا هو الشرع علم اليقين لا لأن استدلالي إنما هو بعمومات وتعلمون أن العام دلالته على جميع أفراده ظنية لجواز التخصيص فالمسألة نفهمها نظرية ونقول لا يقع ونفهمها تطبيقيَّا، نقول من طلق ملتزمًا بذلك ومضت مدة فإننا نمضيه لكن لو أن إنسانًا طلق الآن في حيض أو في طهر جامع فيه ثم جاء يسأل، قلنا: لا طلاق عليك ويجب أن تردها؛ لأن الطلاق غير واقع فهي زوجتك وفي عصمتك. ١٠٢٩ - وفي روايٍة أخرى: قال عبد الله بن عمر: "فردَّها عليَّ، ولم يرها شيئًا، وقال: إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك". قوله: "وفي رواية أخرى" ظاهر سياق المؤلف أنها في مسلم؛ لأنه قال: "وفي رواية لمسلم" ثم قال: "وفي رواية أخرى قال عبد الله: فردها عليَّ ولم يرها شيئًا"، ما معنى "ولم يرها شيئًا"؟ أي: لم يرها طلاقًا شرعيًا ولم يحتسبها طلقة هذا هو ظاهر اللفظ وهو نظير وهو نظير قول أم عطية كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا أي: حيضًا معتبرًا وهكذا نقول في هذه المسألة فردها علي ولم يرها شيئًا وكلمة "ولم يرها شيئًا" مرفوعًا صريحًا إلى النبي ﷺ وقوله- فيما سبق- "وحسبت تطليقه" فاعلها مجهول لا ندري من الحاكم؟ ولهذا رجَّح شيخ الإسلام هذه الرواية على الرواية الأولى، قال: لأن الرواية الأولى لا تقاومها لكونها مجهولة، أو لكون الحاسب فيها مجهولًا بخلاف هذا. اختلاف حكم الطلاق ثلاثة مجموعة في عهد عمر ﵁: ١٠٣٠ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكٍر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثَّلاث واحدةٌ، فقال عمر: إن النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم". رواه مسلٌم. قوله: "كان الطلاق على عهد رسول الله" هذه الصيغة يعدها علماء المصطلح من المرفوع حكمًا؛ لأنها لم تنسب إلى الرسول ﷺ إنما نسبت إلى عهده فهي مرفوعة حكمًا، وخلافة أبي بكر سنتان وأشهر، "وسنتين من خلافة عمر" أضافها إلى خلافة أبي بكر تكون أربع سنوات وأشهرًا، "طلاق الثلاث واحدة" الوجه النحوي أن يقال طلاق الثلاث واحدة، وتكون طلاق الثلاث بدلًا من الطلاق أو عطف بيان، يعني: كان طلاق الثلاث واحدة وما نوع هذا الطلاق

стр. 2511

الذي يكون واحدة هل هو قول الرجل: أنت طالق ثلاثا، أو قول الرجل: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؟ الظاهر الثاني، يعني: طلاق الثلاث أنه قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق كما لو قال سبح الله ثلاثًا، يعني قال: سبحان الله ثلاثًا أو قال: سبحان الله سبحان الله سبحان الله؟ الثاني، فالظاهر أن الصيغة التي كانت معروفة هي أنت طالق أنت طالق أنت طالق فكان واحدًا وبعد ذلك تتابع الناس في هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر كان محرمًا، ووجه التحريم: أن الإنسان إذا قال لزوجته: أنت طالق طلِّقت، فإذا قال: أنت طالق الثانية فقد طلقها لغير عدة كيف ذلك؟ لأنها الآن لم تشرع في عدة جديدة حيث إنها في عدة الطلاق، فإذا قال: أنت طالق الثالثة زاد الطين بلة، فصار متعجلًا لحدود الله؛ حيث قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وهذا طلقها الثانية لغير العدة ولهذا قال الفقهاء: أنت طالق وبعد أن حاضت حيضة قال: أنت طالق بنت على العدة الأولى ولم تستأنف العدة بالطلقة الثانية وعلى هذا فيكون قد طلقها لغير عدة فيكون عاصيًا لله، كما قال ابن عمر في الحديث السابق للرجل: "أما أنت فقد عصيت ربك ... إلخ"، عمر ﵁ كان حازما وكان يسوس الناس في الغالب بأشد الأمور رأى من حكمته أن يلزم الناس بما التزموا به وإن كان محرما، وله في ذلك إمام أي: إلزام بما التزموا به وإن كان منهيًّا عنه له فيه إمام وهو رسول الله ﷺ أين الإمامة؟ الإمامة في الوصال نهاهم النبي ﷺ عن الوصال في الصوم وهو أن يقرن بين يومين فلا يفطر بينهما- نهاهم عن الوصال ولكنهم ظنوا أن نهيه رأفة بهم ورحمة فاستمروا عليه فواصل بهم يومًا ويومًا ويومًا حتى رؤي الهلال فأفطروا فقال لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم مع أن الوصال أصله إما حرام أو مكروه لكنه جعلهم يستمرون إلزامًا لهم بما التزموا به، فعمر ﵁ قال: هؤلاء القوم الذين عصوا الله في الطلاق الثلاث ليلزموا به أنفسهم نحن نعاملهم بما التزموا به عقوبة لهم فمنعهم من استرجاع زوجاتهم إذا طلِّقوا ثلاثًا منعهم وقال ممنوع، إذا علم الإنسان أنه سيمنع من الرجوع إذا طلق الثلاث فهل يطلق؟ لا، فكان إمضاء الطلاق في عهد عمر من باب السياسة وأن الناس إذا أكثروا فينبغي أن يمنعوا من الرجوع أما إذا كانت المسألة نادرة فيمكن لهم. إذن في الحديث كان طلاق الثلاث واحدة فقال عمر "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" يعني: تؤدة، وتأخير كيف استعجلوا؟ هو إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، يعني: من الآن بت الطلاق هذا الذي يريد وكان له في ذلك أناة أن يطلق الآن مرة واحدة فيكون بالخيار إن شاء راجع وإن شاء لم يراجع هل أحد يجبره على أن يراجع؟ لا إذن لماذا يطلق ثلاثًا، يطلق واحدة ثم إن شاء راجع وإن شاء تركها إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، فهو إذا طلق الثلاث ضيق على نفسه وكان له في الأمر سعة.

стр. 2512

يقول: "فلو أمضيناه فأمضاه" ما معنى "أمضاه" يعني: ألزمهم بمقتضاه بأن تكون الثلاث مبينة للزوجة لا تحل له إلا بعد زوج، وهذه المسألة مما اختلف فيه الأمة، فأكثر الأمة- ومنهم الأئمة- على أن الطلاق الثلاث ثلاث تبين به المرأة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا بانت به وإذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق بانت به، لماذا؟ قالوا لأن الرجل طلق بنفسه قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فكيف تقول واحدة، أيضًا عمر له سنة متبوعة: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، فيتبع في هذا ماذا نصنع بحديث ابن عباس؟ بعضهم طعن في سنده وبعضهم طعن في دلالته فأوله وقال إن الطلاق الثلاث واحدة في غير المدخول بها كيف لأن غير المدخول بها إذا قال: أنت طالق بانت لأنه ليس لها عدة ﴿يأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فإذا لم يدخل عليها ولم يخل بها وقال: أنت طالق- عند آخر القاف- طلَّقت وبانت منه، فإذا قال ثلاثًا ورد على غير زوجة وكذلك إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق بانت للأولى ولا يلحقها ما بعدها فتكون الطلقة الثانية والثالثة واردة على غير زوجة فلا تحسب فحملوه على غير المدخول بها وسبحان الله أن يكون هذا التأويل لو سألتك أيهما أكثر أن يطلق الناس بعد الدخول أو قبل الدخول؟ بعد الدخول إذن معناه: حملنا الحديث على المسائل النادرة وتركنا المسائل الكثيرة، نقول: هذه الصورة التي زعمتم أنها مدلول الحديث صورة نادرة فكيف تحملون الحديث عليها وما هذا إلا كحديث آخر حمل على النادر وهو حديث عائشة الثابت في الصحيحين "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"؟ ! حمل عن المراد به النذر، يعني: من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه لو سألنا أيهما أكثر أن يكون على الإنسان صوم النذر أو صوم رمضان؟ صوم رمضان؛ لأن النذر متى يكون؟ ! ! ورمضان يتكرر كل سنة فسبحان الله! أن يحمل على النذر وهو الأمر النادر ويترك الأمر الكثير! لكن هذا سببه العلة التي أشرنا إليها فيما سبق وهي أن يعتقد ثم يستدل إذا اعتقد الإنسان ثم استدل فالله يكفيه عن التحريف والتأويل لكن إذا استدل ثم اعتقد هذا هو السليم ولهذا كان القول الصحيح في مسالة الطلاق والقول الصحيح في الصيام عن الميت أنه يكون في الصوم الفريضة الواجب بأصل الشرع والنذر وكذلك في الطلاق الثلاث الصحيح؛ لأنه لا يكون إلا واحدة وأن حمله على غير المدخول بها حمل للحديث على الأمر النادر وترك للأمر الكثير.

стр. 2513

ذكرنا أن طلاق الثلاث على عهد النبي ﷺ واحدة وأنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا وأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وذلك لأن الطلقة الثانية تقع على رجعية فلا تكون طلاقًا للعدة ولهذا لا تستأنف العدة إذا طلقها ثانية بعد الطهر الأول مثلًا تستمر، فلا يكون هذا الطلاق شيئًا فيقع طلاقًا لغير العدة وقد قال الله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وهي الآن في عدة، فلو فرض أن رجلًا طلق زوجته وحاضت مرتين وبقي عليها حيضة ثم طلقها فإنها لا تستأنف العدة بل إذا حاضت الحيضة الثالثة انتهت عدتها. إذن يكون الطلاق الراجح لطلاق سابق طلاقًا لغير العدة فلا يقع وهذا السر في أن الطلاق الثلاث يحسب واحدة في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ومعلوم أن الطلاق لغير العدة حرام فيقع مردودًا؛ ولهذا لما رأى عمر أن الناس لا ينتهون عنه إلا بأن يلزموا به ألزمهم به ومنه الإنسان من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا، وهذا الحديث صريح جدًا في أن الطلاق الثلاث إنما نفذ في عهد عمر، ولهذا قال بعض العلماء لما قيل له: إن القول بأن الطلاق الثلاث واحدة قال: هذا خلاف الإجماع فقيل له: بل الطلاق الثلاث إذا جعل ثلاثًا فهو خلاف الإجماع لأنه ما دام في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر كل هذه المدة وطلاق الثلاث واحدة ليس فيه خلاف. إذن فهذا هو الإجماع القديم وهذا هو الذي يجب أن يعتد به، لكن لما اجتهد عمر هذا الاجتهاد تبعه الناس وصار أرباب المذاهب على هذا وبقي الخلاف في هذه المسألة غير معروف بين الناس حتى إن شيخ الإسلام ﵀ أوذي من جهته إيذاء كبيرًا وحبس هو وتلميذه ابن القيم ﵀ طيف به على جمل في الأسواق يشهر به لماذا يفتي بما يخالف رأي السلطان، ولكن الحق أحق أن يتَّبع، الجمهور ليس لهم جواب على هذا الحديث جوابًا يغني من الحق شيئًا؛ فمنهم من قال: إن هذا فيمن لم يدخل بها- يقصد حديث ابن عباس- لأنه إذا طلق من لم يدخل بها مرة بانت منه ليس لها عدة لأن الإنسان إذا طلَّق امرأة لم يدخل عليها وإنما عقد عليها ثم طلقها فإنه بمجرد ما يقول هي طالق تطلق وليس لها عدة تبين منه فإذا جاء الكلمة الثانية أنت طالق وردت على أجنبية لأنها بانت منه فقالوا هذا في غير المدخول بها وهذا في الحقيقة حمل مستكره لأننا لو سئلنا أيهما أكثر الطلاق قبل الدخول أو بعد الدخول؟ بعد الدخول كيف نحمل الحديث على المسألة النادرة القليلة ونوع المسألة الكثيرة؟ ! هذا حمل مستكره وهو إلى التحريف أقرب منه إلى التأويل وقال آخرون: بأن هذا الحديث فيما إذا قصد المطلق بالجملة الثانية التأكيد؛ لأنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت التوكيد لم يقع إلا واحدًا، فقالوا: إنهم كانوا يريدون بذلك التوكيد في زمن الرسول ﷺ وزمن أبي بكر وسنتين في خلافة عمر فلما ساءت نيات الناس وصاروا يريدون التأسيس

стр. 2514

ويدعون أنهم أرادوا التوكيد أمضاه عمر لسوء المقاصد والنيات وهذا أيضًا تأويل مستكره؛ لأن عمر لم يقل: أرى الناس قد فسدت نياتهم فكانوا يدعون التوكيد بما يريدون به التأسيس بل قال: "أراهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" فيكون هذا التأويل تأويلًا باردًا لا فائدة منه، ونحن وأنتم إلى الآن نقول: إن من أراد توكيد الجملة الأولى بالثانية لم تقع عليه الثانية، لأن المؤكد هو المؤكد، فالجملة واحدة ولا إشكال في هذا، فتبين بهذا أن رد الجمهور لهذا الحديث لا وجه له، وأنه لا يقع الطلاق الثلاث إلا واحدة وأنه لا فرق بين قوله: أنت طالق ثلاثًا وقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ وذلك لأن الجملة الثانية تقع لغير العدة فتكون مردودة وهذا وجه جعل الثلاث واحدة، لو قال المطلق: أنا أردت الثانية هل تقع عليه الثانية؟ على القول الذي رجعنا لا تقع، أما إذا لم يرد الثانية وإنما قالها توكيدًا أو إحجامًا ظن أن الزوجة لم تسمع فهذا ليس فيه إشكال. يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: وقوع الطلاق الثلاث يعني: أنه طلاق معتبر لكن هل يعتبر بوصفه أو يعتبر بأصله؟ يعتبر بأصله فيقع الطلاق لكن واحدة وقالت الرافضة: الطلاق الثلاث لا يقع أصلًا وأن الإنسان إذا طلق زوجته وقال: أنت طالق ثلاثًا لم يقع عليه شيء لا واحدة ولا ثلاثًا، وعلَّلوا ذلك بأن هذا الطلاق منهي عنه والمنهي عنه يكون مردودًا، أرأيتم لو باع صاعًا من البرِّ بصاعين من البرِّ هل تقولون ببطلان الزيادة وهي الصاع أو ببطلان البيع كله؟ الثاني قالوا فهذا أيضًا كذلك لا تبطلوا الثلاث فقط أبطلوا الكل؛ لأنه وقع على غير ما أمر الله به ورسوله فيكون مردودًا: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، والتحريم في الوصف وأنتم تجعلون ما عاد على الوصف كالذي عاد على الأصل وحينئذ يلزمكم أن تقولوا بآن الطلاق الثلاث غير واقع أصلًا، الحجة قوية لكن لا حجة تصادم النص، فحديث ابن عباس صريح بأنه يقع واحدة فيلغي الوصف ويبقي الأصل وإذا كان عندنا نص في المسالة بطل القياس فكم تبين لنا الآن من قول؟ ثلاثة أقوال، الرابع: أن هذا في غير المدخول بها الطلاق الثلاث يقع واحدة في غير المدخول بها ويقع ثلاثًا في المدخول بها لكن هذا لا يخرج عن قول الجمهور؛ لأن غير المدخول بها تبين بالأول ويقع ما بعده على أجنبية فهو بمعنى القول الأول وإن كان بعضهم يجعله قولًا، فعلى كل حال: نحن نقول: إن القول الراجح الذي دلت عليه السنة هو اعتبار الأصل وإلغاء الوصف فيعتبر الطلاق أصله ويلغي وصفه وهو الثلاث إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أو يلغي ما بعد الجملة الأولى لأنه وقع على غير ما أمر الله به ورسوله فيلغي. ومن فوائد الحديث: أن الطلاق الثلاث يكون واحدة سواء وقع بلفظ: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أو بلفظ: أنت طالق ثلاثًا؛ لقوله: كان طلاق الثلاث واحدة.

стр. 2515

ومن فوائد الحديث: أن كون الطلاق الثلاث لو ادعى مدعٍ أنه إجماع قديم لكان قوله صحيحًا متوجهًا؛ لأنه مضى عليه عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر. ومن فوائد الحديث: أن لولي الأمر أن يعذر بحرمان الإنسان ما يستحق، كما أن له أن يعذر بإيقاع العقوبة على من يستحق فهنا عذرهم عمر بمنعهم مما يستحقون، والذي يستحقونه المراجعة بالطلاق الثلاث، لكن منعهم لئلا يستعجلوا في أمر فيه أناة. ومن فوائد الحديث: أن إرداف الطلاق بالطلاق سفه واستعجال؛ لقوله: "استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة" والأناة عقل وحلم، وضدها العجلة والسفه، ووجه ذلك: أن الإنسان إذا طلق زوجته واحدة هل يجبر على إرجاعها؟ لا يجبر، بل يتركها حتى تنقضي عدتها، وحينئذ تبين منه ولا تطالبه لا بنفقة ولا بغيرها فأيهما أقرب إلى العقل أن يطلقها طلاقًا يكون له فيه أناة وخيار إن شاء راجع وإن شاء لم يراجع مع أن الأمر إليه أو أن يبت طلاقها حتى يحال بينه وبينها؟ الأول. ومن فوائد الحديث: جواز إضافة الضمير إلى النفس بصيغة التعظيم لقوله: "أمضيناه"، ولم يقل أمضيته وهذا لا بأس به خلافًا لبعض الناس الذي يقول إن الرجل إذا قال رأينا كذا يكون متكبرًا معجبًا برأيه، بل أن يقول: رأي كذا، ورأينا كذا لا سيما إذا كان حاكمًا أو قاضيًا أو ما أشبه ذلك يعني: له كلمة، لكن يشترط شرط لا بد منه وهو: ألا يقول الحامل له على ذلك الإعجاب أو الكبرياء فإن كان الحامل على ذلك الإعجاب أو الكبرياء منع من إطلاق هذا اللفظ من أجل ألا يجره ذلك من الاستمرار على مما هو عليه من الكبرياء والإعجاب، ويقول إذا خاف هذا الشرط يقول رأى كذا لو أمضيت كذا حتى يهين نفسه التي شمخت وعلت لأن الإنسان على نفسه بصيرة وهو مؤتمن عليها وأن يرعاها حق رعايتها وأن يقودها إلى ما فيه الخير وإذا رأى من نفسه أنها تميل إلى شر وإلى فساد وجب عليه أن يكبح جماحها وليعلم أن النفس الأمارة بالسوء عدوة فإذا تغلب عليها فهو كانتصاره على عدوه يكون بعد ذلك له السيطرة التامة عليها يستطيع أن يوجهها التوجيه السليم ويبعدها عن المزالق وهذه المسألة يجب على أرباب السلوك الذين يريدون تهذيب نفوسهم وتطهيرها من سوء الأخلاق أن يكون لهم السيطرة عليها وإذا كانت لهم السيطرة عليها صارت النفوس بأيديهم كالعجينة بيد العاجن من اللين والطواعية، لكن الإنسان نفسه وما هي عليه فإنه في النهاية يعجز عن كبح جماحها؛ لأنها تسيطر عليه.

стр. 2516

١٠٣١ - وعن محمود بن لبيدٍ ﵁ قال: "أخبر رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعًا، فقام غضبان ثمَّ قال: أيلعب بكتاب الله تعالى، وأنا بين أظهركم؟ ! حتَّى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ "، رواه النسائيُّ ورواته موثَّقون. قوله: "أخبر رسول الله" لم يعين المخبر فهو مجهول، ولكن هذا لا يضر لأنه لا يتعلق به حكم، الحكم بما قاله الرسول ﷺ والذي روى الحكم عن الرسول محمود بن لبيد. وقوله: "عن رجل طلق امرأته" من هذا الرجل؟ غير معلوم، وهل يضرا جهله؟ لا، لأنه لا يتعلق بمعرفته حكم فجهله غير ضار، يوجد بعض الناس من المحدثين وغيرهم من يتعب نفسه في معرفة هؤلاء المبهمين، ولكن هذا لا داعي له؛ لأنه يشغله عما هو أهم، صحيح أن المبهم من الرواة تجب العناية به لماذا؟ لأنه يترتب على علمه قبول الخبر ا, رده، لكن رجل وقعت عليه المسألة فيذكر مبهمًا ليس لنا كبير أهمية في أن نعرف هذا الرجل، وربما يكون الراوي تعهد إبهامه خصوصًا إذا كان الشيء مما ينتقد وينكر فإنهم قد يبهمونه سرًا عليه، يقول: "طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا" لا يكون الطلاق إلا بجملة أنت طالق، فإذا كانت ثلاث فمعناه: أنه لا على أنه قال: أنت طالق ثلاثًا، بل أنا في شك هل هذه الصيغة توجد في عهد الرسول ﷺ أم لا؟ أنت طالق ثلاثًا؛ لأنه مثلًا إذا قالوها- أي: هذه الصيغة: "ثلاثًا"- فإنما يقصدون بها المكرر باللفظ نفسه، مثل: "ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور قالها ثلاثًا" هل معناه: أن الرسول قال ألا وشهادة الزور ثلاثًا؟ لا، المعنى: أنه قال ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور هكذا إذا جاءت الصيغة في الحديث طلقها ثلاثا لا شك أنه يراد بها أنه قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ لأن الذي يقع به الطلاق هي الجملة التامة لا الصيغة أنت طالق ثلاثا فعلى هذا نقول معنى ثلاث تطليقات جميعًا أنه قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لكن جمع بعضها إلى بعض "فقام" أي: النبي ﷺ "غضبان" والغضب وصفه الرسول ﷺ بأدق وصف حيث قال: "إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم"، والقلب منه يظهر الدم، ولهذا تنتفخ أوداجه، يعني: عروقه المحيطة بالحلقوم، ومن الناس من تحمر

стр. 2517

عيناه وتمتلئ دمًا، ومن الناس من [يقف] شعره، ومن الناس من يكفهر وجهه حتى يكاد يتفجر من الغضب؛ لأن هذه الجمرة جعلت الدم يغلي كما يغلي الطعام في القدر، هذا هو الغضب، والغضب صفة كسبية وصفة غريزية، غريزية يعني: أن بعض الناس يخلق سريع الغضب وبعض الناس يتكلف سريعة الغضب يحب أن يغضب؛ ولذلك تجده إذا فعل ما يغضبه أحيانًا يغضب وأحيانًا لا يغضب فهو أحيانًا يغضب ليري الولد الذي أساء معاملته أنه قادر على الانتقام منه فيغضب، وأحيانًا لا يغضب ومع ذلك فإن النبي ﷺ قال له رجل: "أوصني"، قال: "لا تغضب"، والنبي ﷺ يوصي كل إنسان بما يليق بحاله فكأن هذا الرجل معلوم أنه سريع الغضب فلهذا أوصاه النبي ﷺ بترك الغضب، هل المعنى لا يعتريك الغضب أو لا تنفذ الغضب؟ الثاني؛ لأن الأول قد لا يكون للإنسان فيه حيلة فلا يستطيع، لكن الثاني هو المراد يعني وطن نفسك على ألا تغضب وإذا غضبت فلا تنفذ، بعض الناس يغضب يكسر الأواني ويطلق الزوجات، وربما يحلف أيمان على ألا يفعل شيئًا وهو محتاج إليه ثم إذا أفاق ندم ندامة عظيمة وجاء يسأل: أنا فعلت أنا فعلت ثم يكون نادمًا على ما فعل ولكن ما هو الطريق إلى أن نكف هذا الغضب؟ أولًا: أن يستعيذ بالله من الشيطان، بعض الناس يقول: صل على النبي، أو قل: لا إله إلا الله، كل هذا طيب لكن الكلمة التي قالها النبي ﷺ حين ذكر له غضب رجل قال: إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من شر الشيطان أحسن، ومنها: أن يتوضأ فالأول دواء معنوي والثاني دواء حسي معنوي لأنك إذا توضأت بردت أعضاؤك وبردت نفسك، ومنها كان قائما فليجلس، وإذا كان جلس فليضطجع؛ لأن تغير الحال توجب زوال الحال الأولى، ومنها مجرب لكنه لم تأت به السنة فيما أعلم أن ينصرف عن المكان؛ لأنه إذا انصرف أفاق ولم ينفذ ما يقتضيه غضبه؛ ولهذا نجد الناس رأوا شخصين يتخاصمان وكل واحد منهما غاضب على الآخر تراهم يمسكون بأحدهما ثم يسحبونه يذهبون به إلى مكان آخر، فعلى كل حال أهم شيء أن الإنسان لا يغض ولكن النبي ﷺ يغضب انتقامًا لنفسه وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله؛ ولهذا قام هنا غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين

стр. 2518

أظهركم؟ " الاستفهام هنا للإنكار والتعجب أما الإنكار فإنه ينكر على كل من لعب بكتاب الله، وأما التعجب فالإنسان يتعجب كيف يلعب بكتاب الله ورسول الله ﷺ الذي ينزل عليه الوحي بين أظهركم؟ ! هذه حالة غريبة تدعو للعجب وقوله: "بكتاب الله" يعني: القرآن ووجه كونه لعبًا بالقرآن أن الله قال: ﴿الطلاق مرتان﴾ أي: مرة بعد مرة والجملة خبرية لكن معناها الأمر، يعني: طلقوا مرة بعد مرة لا تطلقوا مرات متتابعة، بل مرة ثم إذا نكاح أو رجعة طلقوا مرة ثانية ثم إذا حصل نكاح أو رجعة طلقوا مرة ثالثة فإن طلقها فلا تحل له من بعد فالله قال: ﴿الطلاق مرتان﴾ هذا شأنه شرعًا، وهذا ما أمر به الله فإذا جاء شخص وقال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق هل جعل الطلاق مرتين؟ لا؛ ولهذا جعل النبي ﷺ هذا لعبًا بكتاب الله فقال: "أيلعب ... الخ"، الجملة حالية؛ يعني: والحال أني بين أظهركم فهذا استفهام إنكار وتوبيخ، يعني: إذا كان هذا والرسول ﷺ بين أظهرهم فكيف إذا مات، يكون أشد ولذلك كانت المخالفة في عهد الصحابة أشد من المخالفة فيمن بعدهم؛ لأنهم شاهدوا الرسول؛ ولأن الشريعة مبنية على امتثاله وعلى انقياده ولهذا غضب النبي ﷺ حين أمرهم أي: أمر الذين أتوا بالحج والعمرة أو أفردوا الحج ولم يسوقوا الهدي أمرهم أن يجعلوها عمرة، ولكنهم تكلموا مع النبي ﷺ بشأن ذلك لأنهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج حتى غضب ﷺ فكان واجبًا على الصحابة أن ينفذوا ما أمرهم به من أجل أن تتقرر السنة لأنهم لو لم يمتثلوا- وحاشاهم من ذلك- لكان من بعدهم من باب أولى ألا يمتثل، ولهذا كان واجبًا على الصحابة الذين جابههم النبي ﷺ بذلك من أجل أن تثبت السنة، ولهذا سئل أبو ذر هل هي لكم خاصة أو عامة؟ ، قال: بل لنا خاصة، ويحمل كلامه على أن المراد بقوله- بل لنا خاصة يعني: الوجوب لئلا يعارض قول النبي ﷺ حين سأله سراقة بن مالك: ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: بل لا بد الأبد، وهذا ما ذهب، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحسن مما ذهب إليه تلميذه ابن القيم بوجوب حج القران أو الإفراد لمن لم يكن معه هدي، فإن كلام شيخ الإسلام أقعد وأقرب للصواب وأجمع بين سنة الرسول وسنة الخلفاء الراشدين من بعده كأبي بكر وعمر، وليس في هذا مخالفة لهدي النبي ﷺ والموفق من وفقه الله تعالى للفقه في الدين دون أن يأخذ بظواهر الأخبار؛ لأن الشريعة كاملة لها قواعد ومعان عظيمة، ترجع إليها، فإذا وفق

стр. 2519

الإنسان للربط بين ظواهر النصوص والمعاني العظيمة الجليلة فإنه يكون على خير كثير؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" هذا في غير ما طريقه الخبر المحض كأسماء الله وصفاته واليوم الآخر فهذا يجب الأخذ بظاهرة؛ لأنه خبر محض كأسماء الله وصفاته واليوم الآخر فهذا يجب الأخذ بظاهرة؛ لأنه خبر محض لا مجال للعقل فيه المهم أن الرسول ﷺ غضب على هذا الرجل وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " لشدة هذا في عهده؛ لأنه إذا وقع اللعب بكتاب الله في عهده ففيما بعده من باب أولى. "حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ " لما رأى من غضب النبي ﷺ وقوله: "أيلعب بكتاب الله ... الخ" فإن من لعب بكتاب الله اتخذه هزوًا ولعبًا فهو كافر كما قال الله- ﵎: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءايته ورسوله كنتم تستهزءون* لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. هذا الحديث يدل على فوائد: منها: جواز الإخبار بالأمر المنكر؛ ليتبين الحكم؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على الذي أخبره بفعل هذا الرجل. ومن فوائد الحديث: تحريم الطلاق الثلاث في مجلس واحد؛ لقوله: "أيلعب بكتاب الله ... الخ"، واتفق العلماء على جواز الطلقة الواحدة وسموها طلاق سنة، واختلفوا في الطلقتين جميعًا هل هما مكروهتان أم هما محرمتان؟ والصحيح أنهما محرمتان وأنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين طلقتين لزوجته فيقول مثلًا: أنت طالق أنت طالق، كما لا يجوز أن يقول: أنت طالق أنت طالق فهو يريد أن يقع منه طلقتان في آن واحد فلا يبقى له إلا طلقة واحدة وأما الذي يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فقد صرم حبال الوصل بينه وبين زوجته مع استغنائه عن ذلك والصحيح انه حرام أي أنه يحرم على الإنسان أن يقول لزوجته: أنت طالق أنت طالق؛ فإن قال ذلك لم يقع إلا واحدة على القول الصحيح ولا إشكال في هذا بعض الناس قال: كيف نقول لا يقع إلا واحدة؟ الخلاف في الثلاث، نقول إنما لم يحصل خلاف في الثنتين لأن له أن يراجع حتى لو وقع الطلاق طلقتين فله أن يراجع فلذلك لا يوجد خلاف إنما صار الخلاف والأخذ والرد في الطلاق الذي تبين به المرأة. إذن الطلاق ثلاثة أقسام: طلاق سنة وهو الواحدة في طهر لم يجامعها فيه أو في حمل

стр. 2520

الحامل طلاقها طلاق سنة، الطاهرة طهرًا لم يجامعها فيه طلاقها طلاق سنة، التي لا تحيض طلاقها طلاق سنة، الصغيرة التي لم يأتها الحيض طلاقها طلاق سنة، التي لم يدخل بها طلاقها طلاق سنة هذه خمس كلها طلاق سنة وكذلك أيضًا النفساء فإن طلاقها طلاق سنة؛ لأنه إذا طلقها فقد طلقها للعدة بخلاف الحائض؛ لأنه لو طلقها لم يطلقها للعدة لأنها تفوت عليها بقية الحيضة لا تحسب لها أما النفساء فإنها تشرع في العدة من حيث الطلاق؛ لأن النفاس لا يعتبر في العدة لا بد أن تحيض ثلاث حيض إذا جاءها الحيض، والغالب في النفساء أنه لا يأتيها الحيض إلا بعدة مدة؛ لأنها ترضع والمرضع لا يأتيها الحيض في الغالب، التي لم يدخل بها لماذا كان طلاقها طلاق سنة" لأنه لا عدة لها، والله يقول: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وهذه لا عدة عليها فيطلقها متى شاء، الحامل أيضًا يطلقها متى شاء حتى لو كان لم يغتسل من الجنابة منها فإنه يطلقها؛ لأن عدتها وضع الحمل وتبتدأ فورًا ما تنتظر، الصغيرة التي لم تحض أيضًا يطلقها ولو كان لم يغتسل من الجنابة منها؛ لأن عدتها بالأشهر وهي تبتدأ بالعدة من حين الطلاق، الآيسة من الحيض لكبر أو نقل رحم أو ما أشبه ذلك طلاقها طلاق سنة ولو بعد الجماع مباشرة؛ لأن عدتها بالأشهر وهي تشرع فيها من حين الطلاق، النفساء طلاقها طلاق سنة لأنها تشرع في العدة فورًا كالآية والصغيرة. فإن قال قائل: كيف تجيب عن قوله ﷺ في حديث ابن عمر: "مره فليطلقها طاهرًا أو حاملًا؟ ". قلنا: مرداه طاهرًا من الحيض؛ لأن قوله "أو حاملًا" يدل على أنه ليس هذا نفاس، والحديث صريح بأنه طلقها في الحيض وصريح بأن النبي ﷺ تغيظ لأنه طلقها لغير العدة والنفساء بالاتفاق تشرع في العدة من حين يطلق. ومن فوائد الحديث: الغضب عند الموعظة لقوله: "فقام ﷺ غضبان"، ولكن يشترط في الغضب ألا يكون شديدا بحيث لا يتصور ما يقول، فإن غضب غضبًا شديدًا بحيث لا يتصور ما يقول فيجب أن يتريث حتى يهدأ لقول النبي ﷺ : "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي الإعلان عن المنكر فور وقوعه بدون تأخير لأنه قال: "فقام"، والفاء على الترتيب والتعقيب وهذا هو الموافق للحكمة؛ لأن الإنسان إذا أخَّر

стр. 2521

الشيء فربما ينساه وربما يحول بينه وبينه مانع يمنعه فالمبادرة هي الحكمة وقد كان النبي ﷺ يبادر بالشيء الذي يحتاج إلى التخلي منه فإنه لما بال الأعرابي في المسجد ماذا قال؟ "أريقوا على بوله سجلًا من ماء"، فورًا ولما جيء إليه بصبي فبال في حجره دعا بماء فأتبعه إياه ولم ينتظر يقول: ل اغسله إلا إذا أردت الصلاة ولما دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى فدخل وقد صنع له عتبان طعامًا، فقال له النبي ﷺ : أين تريد أن أصلي قبل أن يأكل، لماذا؟ لأنه جاء لغرض فينبغي أن يبادر به، وهذا لا شك أنه من الحزم، وذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في الإنسان إذا وجد سعة فليحج ولا يؤخر فإن للتأخير آفات، وهذا هو الواقع، كل شيء يطلب منك فبادر به؛ لأن التأخير له آفات إما نسيان أو عجز أو مانع آخر. ومن فوائد الحديث: الإنكار الشديد على من طلق ثلاث تطليقات متتابعة لقوله ﷺ : "أيلعب بكتاب الله ... الخ" وكما سمعتم أن التطليقتين أيضًا حرام، لأنه من اللعب بكتاب الله لأن الله يقول: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ والطلقة الثانية الرادفة للأولى لا تعتبر طلقة للعدة. ومن فوائد الحديث: شدة غيرة الصحابة- ﵃ فإنهم لما رأوا النبي ﷺ غضبان وقال: إن هذا لعب بكتاب الله استأذنوا في قتله؛ لأنهم لا يريدون أحدًا يلعب بكتاب الله أو يغضب رسول الله، ومن ذلك ما جرى لعمر بن الخطاب في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي كتب لقريش بأن النبي ﷺ سيغزوهم وأطلع الله نبيه على ذلك حتى أدرك الكتاب وجيء به إلى المدينة، فسأل النبي ﷺ حاطبًا قال ما هذا؟ فأخبره بعذره فقام عمر فقال يا رسول الله! ألا أقتله فإنه قد نافق، قال: لا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وحاطب كان من أهل بدر. ومن فوائد الحديث: نسبة القرآن إلى الله في قوله: "بكتاب الله" والقرآن لا شك أنه كلام الله تكلم به حقيقة فسمعه جبريل، ثم ألقاه إلى النبي ﷺ فنزل به على قلبه. ١٠٣٢ - وعن ابن عباس ﵃ قال: "طلق أبو ركانة أم ركانة. فقال له رسول الله ﷺ راجع امرأتك، فقال: إنا طلقَّتها ثلاثُا. قال: قد علمت، راجعها". رواه أبو داود.

стр. 2522

١٠٣٣ - وفي لفظ لأحمد: "طلق أبو ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثًا، فحزن عليها، فقال له رسول الله ﷺ فإنها واحدة". وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال. ابن إسحاق صاحب السيرة وهو ﵀ ممن عرف بالتدليس، والمدلس هو الذي يروي الحديث بلفظ يوهم السماع دون ممن يسمعه ممن نسبه إليه، فيقول مثلًا: عن فلان وهو ممن لم يسمعه منه لكن حدث به عنه فسقط الواسطة التي بينه وبين الشخص، ويقول: عن فلان، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن المدلس لا يقبل حديثه إلا صرح بالتحديث أو كان لا يرسل إلا عن ثقة، أو كان معروفًا بأنه لا يرسل، إلا إذا علم بصحة الواسطة أو بثقة الواسطة، مثل: ما يوجد في البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس كثيرًا، مع أن قتادة كان معروفًا بالتدليس، لكنه في البخاري ومسلم تتبع وجد بأنه ليس فيه ما يوجب الرد والتضعيف، وابن إسحاق في نفسه مقبول الرواية لكن فيما ينسبه إلى غيره إن كان بلفظ التحديث فهو متصل ومقبول، وإن كان بغيره فإنه يخاف منه لكن هذين الحديثين لهما شاهد في صحيح مسلم عن ابن عباس وهو الحديث الأول: "كان الطلاق الثلاث واحدة ... الخ". هنا يقول: "طلق أبو ركانة أم ركانة ... الخ" قوله: "راجع امرأتك" يعني: ردها إلى عصمة النكاح، وقوله: "قد علمت" يعني: علمت أنك طلقتها ثلاثًا في مجلس واحد، ولولا علم النبي ﷺ بذلك لكان استفصل وقال هل هذه الثلاث متفرقات كل واحدة بعد رجعة أو لا؟ لأن لو جاءك رجل يستفتيك يقول طلقت امرأتي ثلاثًا ألي رجعة؟ يجب عليك ولو كنت ترى الثلاث واحدة يجب عليك أن تسأل هل هذه آخر ثلاث تطليقات أو أن طلقتها في مجلس واحد أو بكلمة واحدة؟ إن قال بالأول فهي لا تحل له وإن قال بالثاني فهي على القول الراجح تحل له ولهذا أمره النبي ﷺ أن يراجعها دون أن يستفصل فقال: "إني طلقتها ثلاثًا قال قد علمت راجعها" واللفظ الثاني في رواية أحمد أنه طلق امرأته في مجلس واحد ثلاثًا يعني قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، هذا هو معنى طلقها ثلاثًا، وليس معناه: أنه فقال أنت طالق ثلاثًا؛ لأن التطليق طلق فعل لا بد أن يستقل كل فعل بنفسه كما لو قلت: سبح الله ثلاثًا فليس معناه أنه: قال سبحان الله ثلاثًا بل معناه قال: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، ثم قال: "فحزن عليها" يعني: ظنَّا منه أنها لا تحل له؛ لأنه طلقها ثلاثًا فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال إنها واحدة، وإذا كانت واحدة ارتفع الحزن لأن بإمكانه أن يراجعها.

стр. 2523

ففي هذا الحديث فوائد: أنه كان المفتي على علم بالقضية تحتاج إلى تفصيل فإنه لا يجب عليه أن يستفصل لأن النبي ﷺ أمره بالمراجعة وقال: "إني علمت أنك طلقت ثلاثًا". ومن فوائده: أن الطلاق الثلاث يعتبر واحدة فله مراجعة الزوجة لقوله: "راجعها". ومن فوائده: جواز مراجعة المستفتي لمن أفتاه حتى يتبين الأمر جليًا؛ ولهذا قال "إني طلقتها ثلاثًا"؛ لأنه لو أخذ بأمر النبي ﷺ الأول لأخذها على أي صفة كانت أراد أن يستفصل ويتتبع وهذا من أمانة المستفتي أن يتثبت لأن بعض المستفتين إذا كان له هوى واستفتي، ولو كان في استفتائه إجمال يسكت ويأخذ بظاهر الفتوى، والواجب على المستفتي أن يكون أمينًا لأنه يستفتي لدينه فيخبر بكل الواقع على وجه التفصيل ليبقي إفتاء المفتي مبني على أساس. ومن فوائد الحديث: وقوع الطلاق الثلاث لكنه واحدة خلافًا للرافضة الذين يقولون: إن الطلاق الثلاث لا يقع. ١٠٣٤ - وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه: "أن ركانة طلق امرأته سهمية ألبته، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه النبي ﷺ ". هذا أيضًا يختلف عن الأول: "طلق امرأته ألبته"، كلمة "ألبته" يعني: طلاق القطع الذي ليس بعده صلة؛ لأن معنى ألبته يعني: القطع، فمعنى "ألبته" أي: الطلاق الذي ليس به صلة، وهو طلاق البينونة، وأعلم أن الصحابة يطلقون ألبته على الطلاق الثلاث لماذا؟ لأنها تقطع الصلة بين الزوج وزوجته فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة والظاهر أنه فهم من النبي ﷺ أنه لن يردها إليه إذا اعتبر الطلاق ثلاث كل واحدة طلقة فحلف أنه لم يرد بها إلا واحدة وكيف يمكن أنه لا يريد إلا واحدة وقد كررها ثلاثًا؟ يكون هذا على وجه التوكيد، فإذا قال لزوجته: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وقال: أنا أقصد التوكيد، ما أردت أن الثانية غير الأولى، فإنه يقبل حتى على المشهور من المذهب وتكون الطلقة واحدة. فإن قال: أنت طالق وأنت طالق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد لا يصح لماذا؟ لوجود حرف العطف فإذا قال: أنت طال ثم أنت طلق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد نقول: أما توكيد الأولى بالثانية فلا يصح لوجود حرف العطف والثانية صورتها غير صورة الأولى والتوكيد

стр. 2524

لا بد أن تكون الصورة الثانية هي صورة الأولى وإذا قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يصح لأنها واحدة أنت طالق ثم أنت طالق ثم أنت طالق فتقع طلقتان عن طلقتين وإذا قال: أنت طالق وأنت طالق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد لا يصح بكل الجمل؛ لأن الجملة الثانية تخالف الأولى لوجود الواو والثالثة تخالف لاختلاف حرف العطف، حرف العطف في الثانية الواو، في الثالثة ثم فلا يقبل التوكيد وهذا بناء على أن تكرار صيغة الطلاق يتعدد بها الطلاق أما على القول الصحيح فإنه حتى وإن قال: إني أردت بالثانية جملة جديدة تأسيسية لا توكيدية فإنه لا يقع إلا واحدة على القول الصحيح. التحذير من الهزل بالطلاق: ١٠٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ جدُّهنَّ جدّ، وهزالهنَّ جدُّ: النكاح، والطَّلاق، والرَّجعة". رواه الأربعة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه الحاكم. ١٠٣٦ - وفي روايةٍ لابن عديٍّ من وجهٍ آخر ضعيفٍ: "الطَّلاق، والعتاق، والنّكاح". هذا الحديث بروايتين والحديث الأخير في حكم طلاق الهازل يقول النبي ﷺ : "ثلاث جدهن وهزلهن جد" "الجدُّ" بمعنى: الكلام المقصود الذي تكلم به المتكلم قاصدًا الكلام وقاصدًا المعنى، والهزل هو: الذي تكلم به المتكلم قاصدا الكلام ولكنه لم يقصد المعنى، أراد به الهزل أو يقال: تكلم به المتكلم قاصدًا اللفظ والمعنى لكن هزلا وهذه المسألة اختلف فيها العلماء كما سيأتي. يقول: "النكاح" يعني عقده، فإذا قال الرجل لشخص يمزح معه زوجتك بنتي فقال: قبلت وكان عنده حضرة، المهم تمت الشروط فإن النكاح يكون صحيحًا منعقدًا. الثاني: الطلاق وهو: حل قيد النكاح فالنكاح ربطه بعقده، والثاني حل العقد، الطلاق أيضًا هزله جد فلو كان الرجل يهازل زوجته ويمازحها وقال لها: أنت طالق فإنها تطلق؛ لأن هزل الطلاق جد. والثالث: الرجعة وهي: ارتجاع الرجل زوجته في عدتها فإذا طلقها رجعيًا فراجعها يمزح فإن الرجعة تثبت؛ لأن هزلها جد، وإنما كانت هذه الثلاثة هزلها جد لخطرها وعظمها حتى لا يتلاعب أحد بها بخلاف البيع والإجارة والرهن والوقف وما أشبهها، فهذه أمرها أهون، لكن

стр. 2525

هذه خطرها عظيم الطلاق والنكاح والرجعة لذلك جعل الشارع الهزل فيها جدًّا حتى لا يتلاعب الناس بها فإذا قال الهازل: أنا لم أقصد أن يقع الطلاق قلنا: لكنك قصدت الطلاق وإذا قال أنا لم أرد أن ينعقد النكاح قلنا: ولكنك أتيت بصيغة وكونه ينعقد أو لا ينعقد ليس إليك إنما هو إلى الله وكذلك الطلاق وأنت الآن أتيت بصيغته ونويته وكونه يقع أو لا يقع ليس إليك إنما هو إلى الله كذلك الرجعة لو راجع زوجته وقال: أنا ما أردت حقيقة الرجعة أنا أمزح، قلنا: ولكنك أردت الرجعة وكونها تحصل أو لا تحصل ليس إليك، وعلى هذا فيكون التفسير الصحيح للهزل أن الإنسان يريد اللفظ والمعنى، ولكنه أريد زوجتك أي: جعلتك صنفًا؛ لأن الزوج صنف كما قال تعالى: ﴿وءاخر من شكله أزواج﴾ [ص: ٥٨]. كذلك الرجعة يقول: أنا ما أردت الرجعة إنما أردت أني رجعت في كلامي ولم أقصد أن ترجع على كل حال، فرق بين من تلفظ بالشيء لا يريد معناه ومن تلفظ به يريد معناه، لكن كان هازلًا فنقول: أنت الآن تكلمت بالطلاق مريدًا به الطلاق فيقع وكونك تقول: أنا لم أقصد الجد وإنما قصدت الهزل هذا ليس إليك. فعلى هذا نقول في هذا الحديث دليل على أمور: أولًا: أن العقود لا تنعقد عن هزل أولًا: أن العقود لا تنعقد عن هزل إلا هذه الثلاثة، فلو باع الإنسان بيته على شخص يمزح فإن البيع لا ينعقد لو كان يمزح قال تبيع بيتك قال بيتي غال عندي قال: أنا أعطيك مليونًا يمزح عليه، قال: بعتك فهذا لا ينعقد به البيع؛ لأنه كان هازلًا، ولكن لو ادعى أحد المتعاقدين أنه هزل وادعى الآخر أنه جد فالقول قول مدعي الجد؛ لأن الأصل في العقود أنها جد إلا إذا قامت البينة على أنه هازل أو كانت القرينة قوية على أنه هازل فحينئذ لا ينعقد البيع. كذلك في الإجارة صار يمزح معه فقال: أجرني بيتك، فقال: أجرته إياه بكذا وكذا، فقال: قبلت وهو يمزح، فإن الإجارة لا تنعقد؛ لأنها هزل ولكن لو اختلف المستأجر والمؤجر هل العقد هزل أو جد؟ فالقول قول من يقول: إنه جد لأنه الأصل إلا ببينة أو قرينة ظاهرة. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يذكر أشياء أحيانا للتقسيم والحصر مثل قوله أربع لا تجوز في الأضاحي وقوله: "ثلاث جدهن" وقوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله"، "سبعة يظلهم الله في ظله"، وأمثلة هذا كثيرة يحصرها النبي ﷺ من أجل التقريب؛ لأن الشيء إذا عدد وحصر سهل حفظه وبعد نسيانه. ومن فوائد الحديث: أن هذه الأمور الثلاثة في الجد والهزل وهي: النكاح والطلاق والرجعة، والحكمة من ذلك ما أشرنا إليه سابقًا وهو عظم هذه العقود وخطرها فجعل فيها الهزل كالجد، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء.
следующие страницы →