← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الشيء فربما ينساه وربما يحول بينه وبينه مانع يمنعه فالمبادرة هي الحكمة وقد كان النبي ﷺ يبادر بالشيء الذي يحتاج إلى التخلي منه فإنه لما بال الأعرابي في المسجد ماذا قال؟ "أريقوا على بوله سجلًا من ماء"، فورًا ولما جيء إليه بصبي فبال في حجره دعا بماء فأتبعه إياه ولم ينتظر يقول: ل اغسله إلا إذا أردت الصلاة ولما دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى فدخل وقد صنع له عتبان طعامًا، فقال له النبي ﷺ : أين تريد أن أصلي قبل أن يأكل، لماذا؟ لأنه جاء لغرض فينبغي أن يبادر به، وهذا لا شك أنه من الحزم، وذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في الإنسان إذا وجد سعة فليحج ولا يؤخر فإن للتأخير آفات، وهذا هو الواقع، كل شيء يطلب منك فبادر به؛ لأن التأخير له آفات إما نسيان أو عجز أو مانع آخر. ومن فوائد الحديث: الإنكار الشديد على من طلق ثلاث تطليقات متتابعة لقوله ﷺ : "أيلعب بكتاب الله ... الخ" وكما سمعتم أن التطليقتين أيضًا حرام، لأنه من اللعب بكتاب الله لأن الله يقول: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ والطلقة الثانية الرادفة للأولى لا تعتبر طلقة للعدة. ومن فوائد الحديث: شدة غيرة الصحابة- ﵃ فإنهم لما رأوا النبي ﷺ غضبان وقال: إن هذا لعب بكتاب الله استأذنوا في قتله؛ لأنهم لا يريدون أحدًا يلعب بكتاب الله أو يغضب رسول الله، ومن ذلك ما جرى لعمر بن الخطاب في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي كتب لقريش بأن النبي ﷺ سيغزوهم وأطلع الله نبيه على ذلك حتى أدرك الكتاب وجيء به إلى المدينة، فسأل النبي ﷺ حاطبًا قال ما هذا؟ فأخبره بعذره فقام عمر فقال يا رسول الله! ألا أقتله فإنه قد نافق، قال: لا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وحاطب كان من أهل بدر. ومن فوائد الحديث: نسبة القرآن إلى الله في قوله: "بكتاب الله" والقرآن لا شك أنه كلام الله تكلم به حقيقة فسمعه جبريل، ثم ألقاه إلى النبي ﷺ فنزل به على قلبه. ١٠٣٢ - وعن ابن عباس ﵃ قال: "طلق أبو ركانة أم ركانة. فقال له رسول الله ﷺ راجع امرأتك، فقال: إنا طلقَّتها ثلاثُا. قال: قد علمت، راجعها". رواه أبو داود.

стр. 2522

١٠٣٣ - وفي لفظ لأحمد: "طلق أبو ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثًا، فحزن عليها، فقال له رسول الله ﷺ فإنها واحدة". وفي سندهما ابن إسحاق، وفيه مقال. ابن إسحاق صاحب السيرة وهو ﵀ ممن عرف بالتدليس، والمدلس هو الذي يروي الحديث بلفظ يوهم السماع دون ممن يسمعه ممن نسبه إليه، فيقول مثلًا: عن فلان وهو ممن لم يسمعه منه لكن حدث به عنه فسقط الواسطة التي بينه وبين الشخص، ويقول: عن فلان، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن المدلس لا يقبل حديثه إلا صرح بالتحديث أو كان لا يرسل إلا عن ثقة، أو كان معروفًا بأنه لا يرسل، إلا إذا علم بصحة الواسطة أو بثقة الواسطة، مثل: ما يوجد في البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس كثيرًا، مع أن قتادة كان معروفًا بالتدليس، لكنه في البخاري ومسلم تتبع وجد بأنه ليس فيه ما يوجب الرد والتضعيف، وابن إسحاق في نفسه مقبول الرواية لكن فيما ينسبه إلى غيره إن كان بلفظ التحديث فهو متصل ومقبول، وإن كان بغيره فإنه يخاف منه لكن هذين الحديثين لهما شاهد في صحيح مسلم عن ابن عباس وهو الحديث الأول: "كان الطلاق الثلاث واحدة ... الخ". هنا يقول: "طلق أبو ركانة أم ركانة ... الخ" قوله: "راجع امرأتك" يعني: ردها إلى عصمة النكاح، وقوله: "قد علمت" يعني: علمت أنك طلقتها ثلاثًا في مجلس واحد، ولولا علم النبي ﷺ بذلك لكان استفصل وقال هل هذه الثلاث متفرقات كل واحدة بعد رجعة أو لا؟ لأن لو جاءك رجل يستفتيك يقول طلقت امرأتي ثلاثًا ألي رجعة؟ يجب عليك ولو كنت ترى الثلاث واحدة يجب عليك أن تسأل هل هذه آخر ثلاث تطليقات أو أن طلقتها في مجلس واحد أو بكلمة واحدة؟ إن قال بالأول فهي لا تحل له وإن قال بالثاني فهي على القول الراجح تحل له ولهذا أمره النبي ﷺ أن يراجعها دون أن يستفصل فقال: "إني طلقتها ثلاثًا قال قد علمت راجعها" واللفظ الثاني في رواية أحمد أنه طلق امرأته في مجلس واحد ثلاثًا يعني قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، هذا هو معنى طلقها ثلاثًا، وليس معناه: أنه فقال أنت طالق ثلاثًا؛ لأن التطليق طلق فعل لا بد أن يستقل كل فعل بنفسه كما لو قلت: سبح الله ثلاثًا فليس معناه أنه: قال سبحان الله ثلاثًا بل معناه قال: سبحان الله سبحان الله سبحان الله، ثم قال: "فحزن عليها" يعني: ظنَّا منه أنها لا تحل له؛ لأنه طلقها ثلاثًا فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال إنها واحدة، وإذا كانت واحدة ارتفع الحزن لأن بإمكانه أن يراجعها.

стр. 2523

ففي هذا الحديث فوائد: أنه كان المفتي على علم بالقضية تحتاج إلى تفصيل فإنه لا يجب عليه أن يستفصل لأن النبي ﷺ أمره بالمراجعة وقال: "إني علمت أنك طلقت ثلاثًا". ومن فوائده: أن الطلاق الثلاث يعتبر واحدة فله مراجعة الزوجة لقوله: "راجعها". ومن فوائده: جواز مراجعة المستفتي لمن أفتاه حتى يتبين الأمر جليًا؛ ولهذا قال "إني طلقتها ثلاثًا"؛ لأنه لو أخذ بأمر النبي ﷺ الأول لأخذها على أي صفة كانت أراد أن يستفصل ويتتبع وهذا من أمانة المستفتي أن يتثبت لأن بعض المستفتين إذا كان له هوى واستفتي، ولو كان في استفتائه إجمال يسكت ويأخذ بظاهر الفتوى، والواجب على المستفتي أن يكون أمينًا لأنه يستفتي لدينه فيخبر بكل الواقع على وجه التفصيل ليبقي إفتاء المفتي مبني على أساس. ومن فوائد الحديث: وقوع الطلاق الثلاث لكنه واحدة خلافًا للرافضة الذين يقولون: إن الطلاق الثلاث لا يقع. ١٠٣٤ - وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه: "أن ركانة طلق امرأته سهمية ألبته، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه النبي ﷺ ". هذا أيضًا يختلف عن الأول: "طلق امرأته ألبته"، كلمة "ألبته" يعني: طلاق القطع الذي ليس بعده صلة؛ لأن معنى ألبته يعني: القطع، فمعنى "ألبته" أي: الطلاق الذي ليس به صلة، وهو طلاق البينونة، وأعلم أن الصحابة يطلقون ألبته على الطلاق الثلاث لماذا؟ لأنها تقطع الصلة بين الزوج وزوجته فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة والظاهر أنه فهم من النبي ﷺ أنه لن يردها إليه إذا اعتبر الطلاق ثلاث كل واحدة طلقة فحلف أنه لم يرد بها إلا واحدة وكيف يمكن أنه لا يريد إلا واحدة وقد كررها ثلاثًا؟ يكون هذا على وجه التوكيد، فإذا قال لزوجته: أنت طالق أنت طالق أنت طالق وقال: أنا أقصد التوكيد، ما أردت أن الثانية غير الأولى، فإنه يقبل حتى على المشهور من المذهب وتكون الطلقة واحدة. فإن قال: أنت طالق وأنت طالق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد لا يصح لماذا؟ لوجود حرف العطف فإذا قال: أنت طال ثم أنت طلق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد نقول: أما توكيد الأولى بالثانية فلا يصح لوجود حرف العطف والثانية صورتها غير صورة الأولى والتوكيد

стр. 2524

لا بد أن تكون الصورة الثانية هي صورة الأولى وإذا قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يصح لأنها واحدة أنت طالق ثم أنت طالق ثم أنت طالق فتقع طلقتان عن طلقتين وإذا قال: أنت طالق وأنت طالق ثم أنت طالق وقال أردت التوكيد لا يصح بكل الجمل؛ لأن الجملة الثانية تخالف الأولى لوجود الواو والثالثة تخالف لاختلاف حرف العطف، حرف العطف في الثانية الواو، في الثالثة ثم فلا يقبل التوكيد وهذا بناء على أن تكرار صيغة الطلاق يتعدد بها الطلاق أما على القول الصحيح فإنه حتى وإن قال: إني أردت بالثانية جملة جديدة تأسيسية لا توكيدية فإنه لا يقع إلا واحدة على القول الصحيح. التحذير من الهزل بالطلاق: ١٠٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ جدُّهنَّ جدّ، وهزالهنَّ جدُّ: النكاح، والطَّلاق، والرَّجعة". رواه الأربعة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه الحاكم. ١٠٣٦ - وفي روايةٍ لابن عديٍّ من وجهٍ آخر ضعيفٍ: "الطَّلاق، والعتاق، والنّكاح". هذا الحديث بروايتين والحديث الأخير في حكم طلاق الهازل يقول النبي ﷺ : "ثلاث جدهن وهزلهن جد" "الجدُّ" بمعنى: الكلام المقصود الذي تكلم به المتكلم قاصدًا الكلام وقاصدًا المعنى، والهزل هو: الذي تكلم به المتكلم قاصدا الكلام ولكنه لم يقصد المعنى، أراد به الهزل أو يقال: تكلم به المتكلم قاصدًا اللفظ والمعنى لكن هزلا وهذه المسألة اختلف فيها العلماء كما سيأتي. يقول: "النكاح" يعني عقده، فإذا قال الرجل لشخص يمزح معه زوجتك بنتي فقال: قبلت وكان عنده حضرة، المهم تمت الشروط فإن النكاح يكون صحيحًا منعقدًا. الثاني: الطلاق وهو: حل قيد النكاح فالنكاح ربطه بعقده، والثاني حل العقد، الطلاق أيضًا هزله جد فلو كان الرجل يهازل زوجته ويمازحها وقال لها: أنت طالق فإنها تطلق؛ لأن هزل الطلاق جد. والثالث: الرجعة وهي: ارتجاع الرجل زوجته في عدتها فإذا طلقها رجعيًا فراجعها يمزح فإن الرجعة تثبت؛ لأن هزلها جد، وإنما كانت هذه الثلاثة هزلها جد لخطرها وعظمها حتى لا يتلاعب أحد بها بخلاف البيع والإجارة والرهن والوقف وما أشبهها، فهذه أمرها أهون، لكن

стр. 2525

هذه خطرها عظيم الطلاق والنكاح والرجعة لذلك جعل الشارع الهزل فيها جدًّا حتى لا يتلاعب الناس بها فإذا قال الهازل: أنا لم أقصد أن يقع الطلاق قلنا: لكنك قصدت الطلاق وإذا قال أنا لم أرد أن ينعقد النكاح قلنا: ولكنك أتيت بصيغة وكونه ينعقد أو لا ينعقد ليس إليك إنما هو إلى الله وكذلك الطلاق وأنت الآن أتيت بصيغته ونويته وكونه يقع أو لا يقع ليس إليك إنما هو إلى الله كذلك الرجعة لو راجع زوجته وقال: أنا ما أردت حقيقة الرجعة أنا أمزح، قلنا: ولكنك أردت الرجعة وكونها تحصل أو لا تحصل ليس إليك، وعلى هذا فيكون التفسير الصحيح للهزل أن الإنسان يريد اللفظ والمعنى، ولكنه أريد زوجتك أي: جعلتك صنفًا؛ لأن الزوج صنف كما قال تعالى: ﴿وءاخر من شكله أزواج﴾ [ص: ٥٨]. كذلك الرجعة يقول: أنا ما أردت الرجعة إنما أردت أني رجعت في كلامي ولم أقصد أن ترجع على كل حال، فرق بين من تلفظ بالشيء لا يريد معناه ومن تلفظ به يريد معناه، لكن كان هازلًا فنقول: أنت الآن تكلمت بالطلاق مريدًا به الطلاق فيقع وكونك تقول: أنا لم أقصد الجد وإنما قصدت الهزل هذا ليس إليك. فعلى هذا نقول في هذا الحديث دليل على أمور: أولًا: أن العقود لا تنعقد عن هزل أولًا: أن العقود لا تنعقد عن هزل إلا هذه الثلاثة، فلو باع الإنسان بيته على شخص يمزح فإن البيع لا ينعقد لو كان يمزح قال تبيع بيتك قال بيتي غال عندي قال: أنا أعطيك مليونًا يمزح عليه، قال: بعتك فهذا لا ينعقد به البيع؛ لأنه كان هازلًا، ولكن لو ادعى أحد المتعاقدين أنه هزل وادعى الآخر أنه جد فالقول قول مدعي الجد؛ لأن الأصل في العقود أنها جد إلا إذا قامت البينة على أنه هازل أو كانت القرينة قوية على أنه هازل فحينئذ لا ينعقد البيع. كذلك في الإجارة صار يمزح معه فقال: أجرني بيتك، فقال: أجرته إياه بكذا وكذا، فقال: قبلت وهو يمزح، فإن الإجارة لا تنعقد؛ لأنها هزل ولكن لو اختلف المستأجر والمؤجر هل العقد هزل أو جد؟ فالقول قول من يقول: إنه جد لأنه الأصل إلا ببينة أو قرينة ظاهرة. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث يذكر أشياء أحيانا للتقسيم والحصر مثل قوله أربع لا تجوز في الأضاحي وقوله: "ثلاث جدهن" وقوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله"، "سبعة يظلهم الله في ظله"، وأمثلة هذا كثيرة يحصرها النبي ﷺ من أجل التقريب؛ لأن الشيء إذا عدد وحصر سهل حفظه وبعد نسيانه. ومن فوائد الحديث: أن هذه الأمور الثلاثة في الجد والهزل وهي: النكاح والطلاق والرجعة، والحكمة من ذلك ما أشرنا إليه سابقًا وهو عظم هذه العقود وخطرها فجعل فيها الهزل كالجد، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء.

стр. 2526

وقال بعض أهل العلم: لا تنعقد من الهزل إذا ثبت أنه هزل فإنها لا تتعقد لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... " الحديث، وهذا لم ينو إنما قاله على سبيل المزح، وعلى سبيل الهزل، وعكس النظر أو التعليل السابق قال هذه العقود لعظمها وخطرها لا ينبغي أن يلزم الإنسان بحكمها إلا بوجه متيقن، وأنها لخطرها لا تثبت بالهزل، وهذا مذهب الظاهرية وذهب إليه أيضًا بعض الفقهاء وقال: إن الأحاديث الواردة فيها لا تثبت. ولكن الجمهور على أنها تثبت وهذا هو الأحوط وهو الأسلم من التلاعب؛ لأن الناس إذا علموا أنهم إذا هزلوا فيها ألزموا بها توقفوا عن الهزل، وإذا علموا أن الهزل لا يثبتها صاروا يهزلون بها كثيرًا وكثر التلاعب وصار ربما طلق قال أنا هازل وإذا عقد قال أنا قال أنا هازل وإذا راجع قال أنا هازل وهذا يترتب عليه أمور كثيرة من ثبوت النسب والمصاهرة والتحريم بالمصاهرة وغير ذلك مما هو خطير فجعل فيها الهزل كالجد لئلا يتلاعب الناس بذلك. وقوله: "وفي رواية لابن عدي: الطلاق والعتاق والنكاح"، أما الطلاق والنكاح فسبق وجهه، وأما العتاق فلتشوف الشارع إلى العتق؛ ولهذا يحصل العتق بأمور لا يحصل بها غيره قد يحصل العتق كرها على الإنسان مثل العتق للسرايه، لو أعتق الإنسان نصف عبده أعتق كله، ولو عتق شريكًا له في العبد يملك من العبد مثلًا واحدًا من عشرة فأعتق نصيبه عتق العبد كله وألزم بقيمة نصيب شركائه. إذن نزيد أمرا رابعًا على ما سبق وهو العتق. ١٠٣٧ - وللحارث بن أبي أسامة: من حديث عبادة بن الصَّامت ﵁ رفعه: "لا يجوز اللعب في ثلاثٍ: الطَّلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهنَّ فقد وجبن". وسنده ضعيفٌ. قوله: "رفعه" يعني: إلى النبي ﷺ يقول: "لا يجوز ... الخ" وهذا الحديث يوافق الرواية الأخرى لابن عدي وأسقط في هذين الحديثين ذكر الرجعة "فمن قالهن فقد وجبن" يعني: من قالهن على سيل الجدَّ أو على سبيل الهزل فقد لزمن وثبتن. مسألة: هل يقع الطلاق بحديث النفس أو الوسوسة ؟ ١٠٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تكلَّم". متَّفقٌ عليه. قوله: "عن أمتي" المراد بأمته: أمة الإجابة ولها خصائص كثيرة هذه الأمة لها ولله الحمد

стр. 2527

خصائص كثيرة منها هذه المسألة حديث النفس، فإن الله- تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها، وحديث النفس: هو ما يعبر عنه أحيانًا بالتفكير وأحيانًا بالوساوس وسوسته النفس وهو معروف يحدث الإنسان نفسه بالشيء إما على سبيل الإثبات والإقرار أو على سبيل البحث والنظر، حتى إن بعض الناس تسمعه يحدث نفسه يقول: أقول كذا، أفعل كذا ويشير بيده إذا كنت تمشي وراءه تسمعه يتكلم ويشير بيده كأنما يخاطب شخصًا. نقول: هذا حديث نفس. يقول: "ما لم تعمل أو تتكلم" يعني: ما لم تثبت الأمر ليفيد أن الإنسان الذي يحدث نفسه بالطلاق إذا لم يطلق بلسانه أو يعمل بيده فإن زوجته لا تطلق يتكلم بلسانه فيقول: أنت طالق أو يعمل، فيكتب الطلاق بيده أو يشير إشارة يفهم منها الطلاق فإن ذلك معفو عنه، إذا لم يعمل أو يتكلم فإنه معفو عنه. وهل نقول في طلاق الموسوس: إنه من هذا النوع؟ الجواب: نعم، والجامع بينه وبين هذا: أن حديث النفس أمر لا يمكن الفكاك منه والموسوس كذلك الذي يبتلى بالوسواس يعذر من الفكاك منه إلا أن يتداركه الله برحمته ويوجد كثير من الناس يبتلى بالوسواس في طلاق زوجته ويعجز أن يملك نفسه، حتى إنه إذا فتح الكتاب وقرأ تخيل أنه قال: إن قرأت هذا الكتاب فزوجتي طالق، حتى إن الشيطان يوسوس له في كل شيء، إن أكل قال: إني قلت: إن أكلت فزوجتي طالق، إن خرج قال كذلك، إن نام قال كذلك، وأحيانًا يقول: ادفع الشك باليقين، قل: طالق واسترح، فيقول: طالق، فمثل هذا لا يقع طلاق، لأن النبي ﷺ قال: "لا طلاق في إغلاق"، وهذا من أكب الإغلاق أن يجد الإنسان في نفسه شيئًا يضيق عليه حتى يتكلم بالطلاق وهذا [هو] الموسوس- عافانا الله وإياكم- ولا تستهينوا بهذا الأمر، الإنسان الذي في عافية من الوسواس لا يكاد يصدق ما يقع من الموسوسين يقلق الشيطان حياته ويتعبه ولا ينامون بالليل في مثل هذه الوساوس، هذا الموسوس لو طلق سمعناه يقول: زوجتي طالق وهو [يمسكها] من ثيابها: لأنه مكره عليها نقول: هذا لا طلاق عليه لكن لو طلق بأناة وتؤدة وذهب إلى القاضي أو إلى غيره من الكتاب المعروفين وقال: إني طلقت زوجتي فأثبت الطلاق فهل يقع؟ يقع، لأن هذا ليس في إغلاق لكن كلامنا في الطلاق الذي يقع من الموسوس حال الإغلاق عليه فإنه لا يقع ونحن دائما يأتينا أناس بهذه الكيفية فتجده يذهب إلى عدد من العلماء سألهم ولا يقتنع؛ لأن الشيطان يقول له: إن زوجتك حرام عليك؛ لأنك طلقتها ثلاثًا فتجده يتعب تعبًا عظيمًا لكن هذا الحكم أن طلاقه لا يقع ولو لفظ به ما لم يكن ذلك عن تأن وروية فهذا يقع طلاقه. من فوائد الحديث: هذه المنة الكبيرة التي من الله بها على هذه الأمة وهي أن الله تجاوز عنها ما حدثت بها أنفسها.

стр. 2528

ومن فوائد الحديث: أن حديث النفس لا يؤاخذ به مهما عظم ما يحدث به، لو حدث نفسه في أمور عظيمة تتعلق بالتوحيد أو في جانب الربوبية فإنه لا يؤاخذ بذلك ما دان لم يستقر ويقر ما حدث به النفس فلا عبرة به؛ ولهذا لم شكا الصحابة- ﵃ إلى النبي ﷺ ما يجدون في نفوسهم مثل هذا حتى قالوا إننا يا رسول الله، نحب أن يكون الواحد منا حمة يعني: فحمة محترقًا ولا يتكلم بين لهم أن ذلك لا يضر وأنهم إذا رأوا ذلك فليستعيذوا بالله ولينتهوا يتغافلون عن هذا الشيء فيزول وهذا هو الدواء أن نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا نتكلم أغفل ولا ياستهوينك الشيطان فتكلم بل اقصر لسانك وما حدثت به نفسك فإنه لا يضر. ومن فوائد الحديث: اعتبار القول أن من قال قولًا فإنه يؤاخذ به لقوله: "أو يتكلم" فإذا حدث نفسه بشيء ثم تكلم به مقررًا له فإنه يؤاخذ به. ومن فوائد الحديث: أيضًا إذا عمل الإنسان عملًا فإنه مؤاخذ به؛ لأن حديث النفس يؤدي إما إلى قول وإما إلى عمل، فإذا أدَّى إلى العمل فإنه يؤاخذ بما يقتضيه ذلك العمل. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا قرن القول بالعمل اختلف المعنى، وأما إذا أطلق العمل وحده فإنه يشمل القول؛ لأن القول عمل اللسان لكن إذا ذكر القول معه صار العمل للجوارح، والقول للسان، وكذلك أيضًا في الفعل، إذا ذكر مع القول فهو فعل الجوارح، وإذا أطلق فإنه يشمل القول. حكم الطلاق الخطأ وطلاق المكره: ١٠٣٩ - وعن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ قال: "إنَّ الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ، والنِّسيان وما استكرهُوا عليه". رواه ابن ماجه والحاكم، وقال أبو حاتم: لا يثبت. معنى: "لا يثبت" يعني: عن النبي ﷺ لكن معناه صحيح ولنتكلم عليه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان "وما استكرهوا عليه" أي: ما أكرهوا عليه، "الخطأ" مجانبة الصواب عن غير قصد، و"النسيان" هو: الذهول عن شيء معلوم والاستكراه هو إجبار الإنسان على الشيء فعلًا أو تركًا أو قولًا وهذا الحديث وإن لم يثبت سندًا فهو ثابت معنى، الخطأ والنسيان معفو عنهما بنص القرآن قال الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله قد فعلت وقال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]. أم الإكراه فقال الله ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان

стр. 2529

ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل: ١٠٦]. فإذا كان الإكراه على الكفر وهو أعظم الخطايا معفو عنه فما دونه من باب أولى. ولكن هل يلزم هذا المخطئ أو الناسي أو المكره شيء؟ الجواب: ننظر إن كان المكر عليه أو المنسي أو المخطأ فيه إن كان من قسم المنهيات لم يلزمه شيء وإن كان من قسم المأمورات فإن أمكن إتمامه وإن لم يمكن وله بدل أخذ ببدله وإلا سقط. مثال ذلك: نسي إنسان فصلى ثلاثا في الرباعية وسلم هل تسقط الرابعة بالنسيان؟ لا، لأنه من باب المأمور كمل المأمور يعني أتم الصلاة أربعًا واسجد للسهو، لو نسي فطاف ستًا فهل يسقط السابع؟ لا، لأنه مأمور فيأتيه، لو نسي فلم يرم الجمرات هل تسقط؟ لا، لكن إن كان في وقت الرمي رمى وإن كان قد انتهى وقته وجب عليه البدل وهو عند أهل العلم دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء. أما المحذورات فإنها لا أثر لها، لا أثر لفعلها إذا كان صادرًا عن خطأ أو نسيان أو إكراه، الخطأ قلنا: إنه مجانبة الصواب من غير قصد ينقسم إلى قسمين: خطأ في الحكم، وخطأ في الحال، وكلاهما سواء والخطأ في الحكم قد يكون عن اجتهاد وقد يكون عن تفريط فإن كان عن اجتهاد فلا إثم عليه ولو أخطأ فعمله صحيح بمعنى أنه لا بإثم به ولا يلزم بإعادته لأنه فعل ما أمر به وأما إذا لم يكن عن اجتهاد فإنه لا يأثم، ولكن يأتي ببدله إن كان له بدل، ولنضرب لهذا أمثالا: رجل احتجم وهو صائم يظن أن الحجامة لا تفطر هذا خطأ في الحكم، مثال آخر رجل أكل وشرب بعد طلوع الفجر لكنه لم يعلم بالفجر هذا خطأ في الحال؛ لأنه يعلم أن الأكل بعد طلوع الفجر مفطر للصائم لكنه لم يعلم أن الفجر قد طلع فيكون جاهلًا بالحال، رجل ثالث صلى في ثوب نجس وهو لا يعلم بالنجاسة هذا خطأ في الحال، رجل رابع صلى في ثوب وهو يعلم أن فيه نجاسة ولكن لم يظن أن هذه نجاسة هذا خطأ في الحال، خامسًا رجل صلَّى وفي ثوبه نجاسة لكنه لا يظن أن النجاسة تبطل الصلاة هذا خطأ في الحكم ولا فرق بين الخطأ في الحكم والخطأ في الحال. النسيان: ذهول القلب عن الشيء المعلوم، يعني: كان معلوما عنده ولكن ذهب. فإن قال قائل: لماذا جاء المؤلف بهذا الحديث في كتاب الطلاق؟ الجواب: لأنه يتعلق به كثير من أحكام الطلاق فمثلا لو قال الرجل لزوجته: أن فعلت كذا

стр. 2530

فأنت طالق يريد الطلاق فعلته ناسية فما الحكم؟ لا طلاق عليها أو قال إن فعلت كذا فأنت طالق ولكنها لم تعلم أنه قال هذا القول ففعلت فلا طلاق عليها أو قال إن دخلت البيت على فلان فأنت طالق فظنت أنه يريد إن دخلت البيت عليه في الليل لا في النهار فدخلت في النهار لم تطلق لأنها جاهلة متأوله وهذا القول الذي جاء المؤلف بهذا الحديث ليشير إليه هو القول الراجح أن الطلاق يعذر فيه بالجهل والنسيان كغيره والمشهور من المذهب أنه لا عذر فيه بجهل ولا نسيان متى وجد الشرط على أي حال ثبت الطلاق أما الإكراه فنعم يرون أن الرجل إذا أكره على الطلاق منه وقد ذكرنا من قبل قصة وقعت في عهد عمر أن رجلًا نزل من الجبل ليشري عسلًا، يعني: يجني عسلًا فأمسكت امرأته بالحبل وقالت: إما أن تطلقني ثلاثًا أو أطلقت الحبل فماذا يصنع؟ طلقها ثلاثًا فبلغ ذلك عمر فقال: هي امرأته لأن الرجل مكره. ومن الإكراه أن تقول المرأة للزوج وقد وقع هذا- تأتي بالسكين وتقول إما أن تطلقني أو أقتل نفسي هذا أيضًا إكراه لأنه لا أحد يريد أن تذبح زوجته نفسها فإذا طلق بناء على هذا فلا طلاق ومن ذلك أن يأتي ظالم فيكرهه على أن يطلق زوجته فيفعل فلا طلاق، وأما الطلاق خوفًا من الغصب فليس بطلاق مكره، بعض الناس مثلًا يأتيه بنو عمه ولاسيما في البادية يقولون هذه المرأة ليست من أكفانك ولا تصلح لك نحن بنو فلان وهذه من بني فلان فيلزمون عليه فيطلق فهذا ليس بإكراه لأنه بإمكانه أن يقول: لا إلا إذا هددوه بالقتل لها أو له أو فعل معه ما يضره فحينئذ يكون مكرهًا. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: بيان رحمة الله تعالى بهذه الأمة حيث وضع عنها الآصال والأغلال التي من جملتها أنه لا حكم لما فعلته جاهلة أو ناسية أو مكرهة. ومن فوائد الحديث: إثبات الحكم المطلق لله لقوله ﷺ : "إن الله وضع" ولا يمكن لأحد أن يضع عن الخلق شيء من الأفعال إلا الله وحده أو رسوله ﷺ . ومن فوائد الحديث: عموم رحمة الله وفضله على هذه الأمة حيث لم يؤاخذها بما فعلت جاهلة أو ناسية أو مكرهة. ومن فوائد الحديث: أن من طلق ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا فلا طلاق عليه لأن الحديث عام والطلاق يدخل في هذا العموم.

стр. 2531

١٠٤٠ - وعن ابن عباس رضى الله عنها قال: ﴿إذا حرم امرأته ليس بشيء، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. رواه البخاري. هذا الحديث موقوف على ابن عباس؛ لأنه لم يرفعه إلي النبي ﷺ فهو من قوله، وإذا قال الصحابي قولًا فإن كان تفقهًا فهو كغيره، يستنبط الأحكام من الأدلة ويكون كغيره من الناس، لكنه لا شك أقرب إلى الصواب من غيره، وما قاله ابن عباس هنا تفقهًا؛ لأنه استدل له بقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، قوله: "إذا حرم الرجل" تحريم المرأة يقع على وجوه: الوجه الأول أن يقصد أنها حرام يقول إن الله حرم الزوجة خبرًا لا إنشاء، فهذا نقول له كذبت وليس بشيء لا يعتبر كلامه شيئًا؛ لأنه أخبر أن الله حرم الزوجة ونحن نعلم أن الله لم يحرم وهل يلزمه شيء؟ لا يلزمه إلا التوبة من الكذب، الوجه الثاني: أن يحرمها على سبيل الامتناع يعني يقصد بقوله لزوجته: أنت علي حرام الامتناع منها وتحريمها على نفسه لا تغيير حكم الله فهذا حكمه على القول الصحيح حكم اليمين، وظاهر حديث ابن عباس أنه ليس بشيء، فيحتمل أن يريد بقوله: "ليس بشيء" أي: ليس بشيء من الظهار، بدليل قوله: ﴿لقد كان لكم ... إلخ﴾. والنبي ﷺ لما حرم نساءه وألى منهن، قال الله له ﴿قد فرض الله لكم تحله أيمانكم﴾ [التحريم: ٢]. هذا على أحد القولين في الآية ويحتمل أنه قال ليس بشيء؛ لأنه وإن حرم زوجته فإنها لا تحرم فيكون كالذي أخبر عن تحريمها وهي ليس بحرام، الوجه الثالث: أن يريد بقوله: هي حرام إنشاء التحريم الحكمي يعني كالذي يقول الخبز حرام يعني: يريد أن يحرم ما أحل الله فهذا حكمه حكم من حكم بغير ما أنزل الله لأن الله أحلى النساء وهو يريد أن يحرمها تحريمًا حكميًا فهذا حكمه من حرم ما أحل الله يعني: أنه على خطر عظيم قد يؤدي به إلى الكفر، الوجه الرابع: أن ينوي بالتحريم الطلاق لأن الطلاق فيه نوع من التحريم فإنه يحرم على الزوج ما يحرم بالطلاق فيريد بقوله: أنت علي حرام أو زوجتي علي حرام يريد به الطلاق فإذا أراد به الطلاق صار كناية فتطلق المرأة، الوجه الخامس: ألا ينوي شيئًا خرج من لسانه وقال: أنت علي حرام فقيل: إنه ظهار وقيل إنه يمين يعني: حكمه حكم اليمين؛ لأن كل من حرم شيئًا مما أحله الله له يقصد الامتناع منه فحكمه حكم اليمين وهذا القول الثاني أصح من أن نقول إنه ظهار لأن الظهار رخصه الله تعالى بمن ظاهر من زوجته فقال: أنت علي كظهر أمي، وهذا القول أشد من قوله: أنت علي حرام فإذا أطلق قوله: أنت علي حرام لم نصرفه إلى الظهار، بل نقول حكم هذا

стр. 2532

حكم اليمين لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم (١) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]. فقوله جل ذكره: ﴿ما أحل الله لك﴾ يشمل الزوجة مما أحل الله له فيكون حكمه حكم اليمين، هذه خمسة أوجه في قول الرجل لامرأته أنت علي حرام، يقول ثم قال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ أسوة يعني: تأسيًا حسنًا يعني: لا زيادة فيه ولا نقص يشير رضى الله عنه إلى تحريم النبي ﷺ لأمته على أحد الأقوال أو للعسل على القول الثاني والعسل مما أحل الله له والمرأة مما أحل الله له فإذا حرم زوجته كان كتحريم العسل لكن في هذا إشكال وهو أن الذي حصل لرسول الله ﷺ أنه كان يمينًا يلزمه كفارة يمين وهذا مما يؤيد التفسير الثاني في قوله: "إذا حرم زوجته فليس بشيء" أي: ليس بشيء من الظهار أو الطلاق. ولمسلم عن ابن عباس رضى الله عنها: "إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها". وهذا مما يؤيد أن معنى قوله فليس بشيء أي: من الظهار بل تكون يمينًا يكفرها وهذا القول هو الصحيح كما سمعتم في أول البحث على أنه إذا حرم زوجته ولم ينو شيئًا فهو يمين. من فوائد الحديث: حكم هذه المسألة وهي إذا حرم الرجل زوجته فماذا يترتب عليه وقد علمتم الحكم مما فصلنا. ومن فوائد الحديث: أن الأصل في أفعال النبي ﷺ في أفعاله وأقواله الأصل التأسي لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. ومن فوائد الحديث: أن المرء يجب عليه أن يكون تأسيه بالنبي ﷺ تأسيًا حسنًا والحسن كما قلنا ألا يزيد ولا ينقص. ومن فوائد هذا الأثر عن ابن عباس أن التحريم تحريم المرأة كتحريم غيرها من الحلال يكون يمينًا. ١٠٤٢ - وعن عائشة رضى الله عنها: "أن ابنه الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها. قالت: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك". رواه البخاري. هذا المرأة لم يقدر الله لها ما هو خير، فإنها لو بقيت من زوجات الرسول لكانت معه في الجنة، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء لما أدخلت عليه، قالت: أعوذ بالله منك" ومعنى أعوذ: أي: اعتصم بالله منك تريد أن يبتعد عنها وقالت ذلك لأنها امرأة مغرورة بنفسها فقالت: أعوذ بالله منك لما قالت هكذا استعاذت بالله فإن المشروع فيمن استعاذ أحد بالله منه المشروع

стр. 2533

أن يعيذه لقوله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه" فقال النبي ﷺ "لقد عذت بعظيم" وهو الله- أعظم العظماء وهو يعيذ من استعاذ به الحقي بأهلك يريد الطلاق، يعني: اذهبي لأهلك أنت مطلقة. فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: أن الإنسان قد يحرم الخير- والعياذ بالله- بمقالة يقولها؛ لأن هذه المرأة قالت: "أعوذ بالله منك" فحرمت أن تكون من أمهات المؤمنين. ومن فوائده: شدة تعظيم النبي ﷺ لربه حيث قال: "لقد عذت بعظيم" وأعاذها. ومن فوائده: أن قول الرجل لامرأته الحقي بأهلك بنية الطلاق يعتبر طلاقًا ودليله من السنة قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" ... الحديث. فإن قال قائل: لو أخذنا بالعموم لكان الرجل إذا قال: والله لا ألبس الثوب ثم لبس الثوب فقلنا له: حنثت قال أردت بقولي والله لا ألبس الثوب أي لا آكل الخبز قال: "إنما الأعمال بالنيات"، فنقول: نعم، بشرط أن يكون اللفظ محتملًا للنية التي نواها أما إذا كان غير محتمل فلا يصح الحقي بأهلك هل هو محتمل للطلاق؟ نعم؛ لأن الطلاق فراق الزوجة لزوجها إلى أهلها ففيه احتمال للطلاق فلهذا إذا نوى به الطلاق فهو طلاق، أخذ العلماء من هذا أن الطلاق صريحًا وكناية يعني: صيغة صريحة، وصيغة كناية فما هو الصريح؟ الصريح ما لا يحتمل غيره أو ما يتبادر إلى الذهن من اللفظ وإن كان يحتمل غيره، هذا الصريح الكناية على العكس من ذلك ما يتبادر إلى الذهن سوى الطلاق لكن تحتمل النية وعلى هذا، فإذا قال الإنسان لزوجته: أنت طالق فهذا صريح لأنه يحتمل غيره لكن ما الذي يتبادر إلى الذهن؟ الطلاق يحتمل أنت طالق، يعني: غير مقيدة؛ ولهذا لو قال الرجل بعيري طالق المعنى: أنه غير مقيد، فاللفظ هنا مجرد لا شك أنه يحتمل غير الطلاق، لكن لما أضيف إلى المرأة صار المتبادر منه طلاق المرأة فيكون صريحًا، إن الألفاظ في الحقيقة تتقيد بالأعراف نحن عندنا هنا في القصيم إذا قال خلى زوجته أو هي مخلاة فهو طلاق صريح، العامة الآن إذا طلق رجل زوجته ما يقول طلقت يقول مخلاة فعلى هذا يكون صريحًا وعند قوم آخرين لا يعرفون هذه الكلمة فيكون كناية فصارت الكناية الآن ما يتبادر إلى الذهن سوى الطلاق، لكن يحتمل الطلاق وعكسه الصريح ما يتبادر إلى الذهن منه الطلاق ويحتمل غيره لكنه خلاف الظاهر. بقي أن يقال: هل يقع الطلاق بالكناية بمجرد التلفظ بها.

стр. 2534

الجواب: لا؛ وذلك لأن اللفظ موضوع لغير الطلاق ولهذا لا يتبادر منه الطلاق فلا يقع الطلاق بالكناية بمجرد التلفظ بها، لو قال لزوجته بدون أي سبب الحقي بأهلك هل يقع الطلاق؟ لا ما دام لا نوى ولا هناك سبب يجعل الظاهر من اللفظ هو الطلاق فالطلاق حينئذ لا يقع لأن مجرد الحقي بأهلك يريد حتى يهدأ غضبه أو حتى تهدأ هي إن كانت هي الغاضبة أو لأن أهلها دعوها فقال الحقي بأهلك المهم أنه بمجرد أن يقول الحقي بأهلك إذا لم ينو الطلاق ولم يكن هناك سبب يوجب حمل اللفظ على الطلاق فإنه ليس بطلاق، الحديث الذي معنا هل هناك سبب يحمل لفظ الحقي بأهلك على الطلاق؟ نعم ما هو؟ استعاذتها بالله من الرسول ﷺ هذا يقتضي أن يكون المراد باللفظ الطلاق ولهذا قال العلماء يقع الطلاق بالكناية في أحوال ثلاث: أولًا: إذا نوى وهذا ظاهر لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ... "الحديث. ثانيًا: إذا طلبت الطلاق قالت: "طلقني" فقال: "الحقي بأهلك"، فإن سؤالها الطلاق وبناء الكلام على الجواب على ذلك يقتضي أنه أراد الطلاق لكن لو أراد غيره في هذه الحال وقال: أنا لم أرد بقولي الحقي بأهلك أنها تطلق إنما أردت تفارق عن وجهي حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا فحينئذ لا يقع الثالث إذا كان له سبب وسببه يقتضي الطلاق يعني: ليس جوابًا، سؤال: غاضبته مثلًا فقال: "الحقي بأهلك" هذا سبب عن مغاضبة سبب يقتصي أن يطلقها فقوله: "الحقي بأهلك" له سبب يؤيد أن يكون المراد الطلاق فيعمل بهذا السبب، ودليل هذه المسألة الأخيرة الحديث الحقي بأهلك، لو قالت: يا فلان طلقني طلقني طلقني قال: فارقي ولا يدري ماذا نوى فهل يقع؟ يقع لأن المغاضبة سبب فيقع فارقي طلاق لأن الطلاق فراق، لو قال قائل: كيف تطلق وهو ما نوى؟ قلنا: الكناية يقع به الطلاق في ثلاث أحوال: النية والسبب الذي يقتضي الطلاق وجواب، سؤال، هل النبي ﷺ لما قال الحقي بأهلك لا شك أنه أراد الطلاق فيما يظهر لنا. فهذا الرجل لما غاضبته غضب وقال: "الحقي بأهلك" أو فارقي، لكن لو قال أنا نويت غير الطلاق أو لم أنو الطلاق فهنا ندينه. يقول الراجز: وكل لفظٍ لفراقٍ احتمل ... فهو كناية بنية حصل هذا تعريف الكناية: كل لفظ يحتمل الفراق فهو كناية، فلو قال: أعطني القهوة وقال: نويت الطلاق، لا تقبل نيته؛ لأن اللفظ لا يحتمل الفراق.

стр. 2535

ثبوت الطلاق يترتب على ثبوت النكاح: ١٠٤٣ - وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك". رواه أبو يعلى، وصححه الحاكم، وهو معلول، وأخرج ابن ماجه: عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، لكنه معلول أيضًا. يعني: لا يقع الطلاق ولا يعتبر إلا بعد نكاح، ووجه ذلك: أن الطلاق فرع عن النكاح فإذا ثبت النكاح ثبت الطلاق أما أن يطلق قبل أن ينكح فلا، وهذا له صور: الصورة الأولى: أن يقول لامرأة: أنت طالق امرأة. لم يتزوجها فقال لها ذلك فلا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق فرع عن النكاح، الصورة الثانية: أن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فهذا أيضًا لا يقع الطلاق لأنه قاله قبل أن يملك الطلاق إذ لا يملك الطلاق إلا بعد العقد، الصورة الثالثة: أن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان فهي طالق وهذا أخص من الذي قبله ولا يقع الطلاق أيضًا، والصورة الرابعة: أن يقول لامرأة معينة: إن تزوجتك فأنت طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق فهذا أيضًا لا يقع لأن الطلاق فرع عن النكاح وهذه المسألة وإن كان الحديث ضعيفًا لكن يؤيده قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فإن قوله: ﴿ثم﴾ يدل على الترتيب وأنه لا طلاق إلا بعد نكاح، وعلى هذا فيكون كل الصور التي ذكرناها كلها لا يقع فيها الطلاق لأنها كانت قبل النكاح، ومع هذا اختلف العلماء فيما إذا علق الطلاق على نكاح امرأة معينة فقال: إن تزوجتك فأنت طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق هل تطلق؟ على قولين فمنهم من قال: إن الطلاق يقع اعتبارًا بحال وقوع الشرط؛ لأن الشرط التزوج، فإذا وجد الشرط وهو التزوج، وجد المشروط، فإذا تزوجها فهي طالق ولكن الصحيح أنه لا يصح لأن هذا لا يملك تنجيز الطلاق فلا يملك تعليقه ثم إن تعليق الطلاق بالنكاح تناقض لأن النكاح إمساك والطلاق تخل فيكون جمع بين الشيء ونقيضه في آن واحد والقواعد تأبى ذلك وعلى هذا فلا يقع الطلاق لو قالت امرأة لزوجها: سمعت أنك تريد أن تتزوج فلانة فقال إن تزوجتها فهي طالق أبدًا ثم تزوجها فلا يقع الطلاق، فإن قال: إن كنت قد تزوجتها فهي طالق ثم تزوجها فلا يقع الطلاق، فإن قال إن كنت قد تزوجتها فهي طالق وكان

стр. 2536

قد تزوجها فيقع لأن الشرط حصل، وقوله: "ولا عتق إلا بعد ملك" وهذا لا يقع عتق العبد إلا إذا ملكه وهذا له صور: الصورة الأولى: أن يقول لعبد فلان أنت عتيق فلا يعتق لأنه ليس مالكًا له ولا وكيلًا في عتقه، الصورة الثانية: أن يقول أيما عبد أملكه فهو حر، الصورة الثالثة: أن يقول إن ملكت عبد فلان فهو حر، الصورة الرابعة: أن يخاطبه فيقول إن ملكتك فأنت حر وكل هذه الصور يدل الحديث على أن العتق فيها لا يقع وعلى هذا فإذا قال لشخص إن ملكت أحدًا من عبيدك فهو حر ثم اشترى من عبيده عبدًا فإنه لا يعتق لأنه علق عتقه قبل أن يملكه والمعلق كالمنجز فكما أنه لا يقع العتق عليه لو أعتقه وهو ملك غيره فكذلك إذا علق عتقه على ملكه، هذا هو ظاهر الحديث وهو الأقرب ولكن مذهب الإمام أحمد: أن العتق يقع إذا قال: إن ملكت هذا العبد أو إن ملكتك فأنت حر ثم ملكه فإنه يقع وفرق بينه وبين النكاح لأن ملك الرقيق يراد لعتقه بمعنى: إني أنا قد أحرص على ملك العبد لعتقه لا ليخدمني ولا أن يشاركني في عمل التجارة مثلًا اشتريته لأعتقه وهذا واقع لكن لا يوجد أحد يتزوج امرأة ليطلقها أبدًا يعني: لو قال إنسان أريد أن أطبق الطلاق على الواقع فأتزوج من أجل أن أطلق، هذا لا يمكن فهذا لو أنه عقد لقلنا عقد غير صحيح لأنه مجنون يعني يتزوج امرأة من أجل أن يجرب الطلاق، لكن يملك عبد ليعتقه هذا يمكن فالإمام أحمد فرق بينهما قال: إذا علق عتقه بملكه صح وعتق بملكه وإذا علق الطلاق بالنكاح لم يصح، وكأن الإمام أحمد يشك في صحة الحديث أو لا يصح عنده؛ لأن من صحح الحديث لزمه أن يقول بأن تعليق العتق بالملك لا يصح، كما أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن الحديث واحد والقائل واحد فإما أن نقول بالأمرين وإما أن ننفي القول بالأمرين وأما أن يفرق بناء على علة عللنا بها فهذا نعم إذا لم يصح عندنا الحديث قلنا: أن ترجع إلى العلل أما إذا صح النقل فإنها تبطل العلل، على كل حال الإمام أحمد يفرق بين تعليق الطلاق بالنكاح فيرى أنه غير صحيح وأن المرأة إذا تزوجها لا تطلق، وبين تعليق العتق بالملك فيرى أنه صحيح وأنه إذا ملكه عتق عليه وهذه إحدى الصور التي يعتق فيها العبد بالملك ومن ذلك أيضًا إذا ملك الإنسان ذا رحم محرم منه فإنه يعتق عليه مثل أن يملك أباه أو أمه أو ابنه أو ابنته أو أخاه أو عمه المهم إذا ملك ذا رحم محرم منه فإنه يعتق فلو وجد الإنسان أخاه عبدًا فاشتراه من سيده عتق وإن لم يقل أعتقتك لأنه ذو رحم محرم منه وما ضابط الرحم المحرم؟ ضابطه أنه لو قدر أن أحدهما أنثى لا يتزوجها الأخ ابن الأخ لو ملك ابن عمه لم يعتق لأنه لو كان ابن العم بنتا تزوجها، لو ملك ابن أخيه يعتق لأنه لو كان أنثى لا يصح التزوج بها فيعتق بمجرد الملك لو وهب له هبة عتق، وقوله صححه الحاكم وهو معلول، الحاكم رحمه الله

стр. 2537

يتساهل في التصحيح؛ ولهذا يصحح أحيانًا أحاديث ضعيفة ويتعجب منه البخاري ومسلم كيف لم يخرجا هذا الحديث مع قوة تأكد الصحة عنده، ولكن التساهل بالتصحيح ليس بجيد والتساهل بالتضعيف أيضًا ليس بالجيد والواجب الحكم بالقسط والعدل يعطى الحديث حقه بما يليق. ١٠٤٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك". أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن البخاري أنه أصح ما ورد فيه. هذه ثلاثة أشياء: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" سواء علق النذر على ملكه أو أطلق وله صور أن يقول: الله علي نذر أن أعتق هذا العبد والعبد ليس ملكًا له فالنذر لا ينعقد؛ لأنه لا يملك ذلك ولكن عليه كفارة يمين وقال بعض العلماء لا ينعقد ولا شيء عليه؛ لأنه ليس محلًا لنذره حيث إنه ملك غيره فإن قال: إن ملكت هذا فلله على نذر أن أتصرف به إن كان مالا أو أعتقه إن كان عبدًا فهل يصح؟ نعم يصح لقول الله تعالى: ﴿*ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (٧٥) فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٦]. فيصح وإذا ملكه فيتصرف به أو أعتقه، الثاني قال: ولا عتق له فيما لا يملك وسبق الكلام عليه ولا طلاق له فيما لا يملك وسبق الكلام عليه أيضًا، لو قال قائل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لا يصح، مناسبة الأحاديث الثلاثة للباب ظاهرة، وهي أنه يشترط لوقوع الطلاق أن يكون بعد النكاح. حكم طلاق الصغير والمجنون والسكران: ١٠٤٥ - وعن عائشة رضى الله عنها، عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان. هل هو قلم القدر أو قلم التكليف؟ هو قلم التكليف أما القدر فلا يرفع عن أحد، كل

стр. 2538

يجري عليه، قلم القدر لكن قلم التكليف، رفع عن ثلاثة والرافع له هو الله يقول: "عن النائم حتى يستيقظ"، فيرفع عنه القلم فإذا استيقظ ينظر إن كان صغيرًا دخل في الجملة التي بعدها أو المجنون وإن كان بالغًا عاقلًا فالقلم يجري عليه، قوله: "وعن الصغير حتى يكبر ... إلخ"، الصغير حتى يكبر والمراد بكبره: بلوغه، والمجنون حتى يفيق ويزول عنه الجنون ويرتد إليه عقله فهؤلاء ثلاثة رفع عنهم القلم وذلك أن رحمة الله تسبق غضبه وعفوه يسبق عقوبته فلهذا رفع القلم عن هؤلاء الثلاثة أولًا: النائم، وما المراد الذي يرتفع به القلم؟ النوم الذي يفقد فيه الإنسان الإحساس فأما النوم الذي لا يفقد فيه الإحساس فإنه لا يرتفع عنه القلم لكن إذا نام وصار ما يدري فإنه مرفوع عنه القلم أحيانًا لا يستغرق الإنسان في النوم لكن يذهب عنه الإحساس بحيث لو لقنته لتلقن تأتي عند إنسان ينعس تقول جاء فلان فيستيقظ يقول من جاء، لكن قد غلبه النوم وتجده يخبط يذكر كلام غير متناسق هذا تقول: إنه مرفوع عنه القلم؛ لأن العلة في رفع القلم عن النائم هي فقد الإحساس، وعن الصغير حتى يكبر أن يبلغ والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكور أولًا الحلم يعني: بأن يخرج منه المني بشهوة والثاني نبات شعر العانة وهو الشعر الخشن الذي يكون حول القبل، والثالث تمام خمس عشرة سنة فإذا حصل واحد من هذه الثلاثة فالإنسان بالغ سواء كان صغير الجسم أو كبير الجسم وتزيد النساء برابع وهو الحيض فإذا حاضت ولو بدون خمس عشرة سنة فإنها تكون بالغة فهذا الذي يحصل به البلوغ فما دام الإنسان لم يبلغ فقلم التكليف مرفوع عنه لا تجب عليه الفرائض ولا يعاقب على المحرمات لأنه صغير مرفوع عنه القلم، والثالث المجنون حتى يفيق أو حتى يعقل، المجنون: فاقد العقل سواء فقد عقله بجنون أو فقد عقله بإغماء، فقد عقله بحادث فصار يهذي أو فقد عقله بكبر صار يهذي، المهم كل من فقد عقله فإنه مرفوع عنه القلم. يستفاد من الحديث فوائد: أولًا: أنه لا عقاب على الصبي في فعل المحذور؛ لقوله: "رفع القلم عن ثلاثة". ومن فوائده: أن الصغير لو حنث في يمين وقلنا إنها تنعقد فلا كفارة عليه؛ لأنه رفع عنه القلم. ومن فوائده: أن الصغير لو فعل محذورًا في الحج فلا فدية عليه لأنه رفع عنه القلم ومن فوائده أن الصغير لو ترك واجبًا في الحج فلا فدية عليه فلو ترك الطواف أو السعي أو لبس

стр. 2539

الثوب أو ما أشبه ذلك فلا شيء عليه وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀ ومال إليه صاحب الفروع وهو ابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية البارزين الذين قالوا: إنه أعلم الناس باختيارات شيخ الإسلام الفقهية حتى كان ابن القيم ﵀ يراجع ابن مقلح فيها وقد قال له شيخ الإسلام ابن تيمية: ما أنت ابن مفلح بل أنت مفلح وهذه بشارة طيبة من شيخ الإسلام إن ابن مفلح يميل إلى مذهب أبي حنيفة في أن الصبي لا يلزمه إتمام النسك ولا يلزمه فدية في فعل المحذورات وهو قول قوي لأنه قد رفع عنه القلم وعلى هذا فلو أن الصبي أحرم ثم استضاق من الإحرام وقال رجعت مثل ما يفعل بعض الصبيان إذا ألبسوه الرداء والإزار ثم فارق المألوف لأن المألوف قميص يركض ويأتي ويذهب وهذا مقيده فراح يصيح قالوا: اخلعوا عني هذا الشيء، فعلى هذا القول نخلعه ونقول حللت من إحرامك ولا شيء عليك وفي زمننا هذا وفي زمن المضايقات التي تحدث بعد الإحرام لو أفتى به أحد لكان له وجه لأنه أحيانًا يحرص الآباء على أن يحرم الأبناء الصغار ثم يتضايقون مع الزحام فيتركونه، فلو أفتى بهذا المذهب لكان له وجه وفيه تيسير على الأمة. ومن فوائد الحديث: أن الصبي لا يقع طلاقه لأنه رفع عنه القلم وهذا أحد القولين في المسألة أن الصبي لو طلق زوجته لم يقع طلاقه وعللوا ذلك بأنه مرفوع عنه القلم وبأن والده هو الذي يعقد له النكاح فكان الأمر إلى والده وبأنه لا ينفذ تصرفه في ماله فتصرفه في أهله من باب أولى لأنه أعظم خطرًا وعلى هذا لو جاء الصبي الذي زوجه أبوه منذ عشر سنوات وأغضبته زوجته التي عمرها خمس عشرة سنة فقال لها: أنت طالق فهل يقع؟ لا يقع لكن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يقع إذا كان يعقل الطلاق ويعرف معناه لأنه مميز ولعموم الحديث إنما الطلاق لمن أخذ بالساق فقالوا: هذا أخذ بالساق فله الطلاق. ومن فوائد الحديث: أن جميع ما يسقط بالجهل والنسيان عن المكلف يسقط عن الصغير لأنه غير مكلف وكذلك الجاهل والناسي من المكلفين غير مكلف، فإن قال قائل: لو جنى

стр. 2540

صبي على إنسان خطأ ومات مثل أن يكون يقود السيارة فدعس شخصًا فهل عليه الكفارة؟ في هذا خلاف بين العلماء فالمشهور من المذهب أن عليه الكفارة؛ وذلك لأن القتل لا فرق فيه بين العمد والخطأ فالمكلف إذا قتل خطأ لزمته الكفارة وعمد الصبي كخطأ المكلف فتلزمه الكفارة والقول الثاني في المسألة أنه لا كفارة عليه لأنه ليس أهلًا للتكليف بخلاف المكلف الذي أخطأ فإنه أهل للتكليف لكن وجد فيه مانع وفرق بين فوات الشرط وبين وجود المانع فالصبي فقد منه شرط التكليف والمكلف المخطئ وجد فيه مانع التكليف وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس أنه لو دعس وهو لم يبلغ فليس عليه كفارة؛ لأنه ليس أهلًا للتكليف بخلاف البالغ إذا دعس خطأ فعليه الكفارة، وقوله: وعن النائم حتى يستيقظ وهل النائم كالصغير فات منه شرط التكليف أو وجد فيه مانع التكليف؟ الثاني: ولهذا لو انقلب نائم على صبي ومات فعليه الكفارة ويفرق بينه وبين الصبي بأن الصبي رفع عنه ذلك لفوات الشرط وهذا لوجود المانع. ومن فوائد الحديث: أن النائم لو طلق زوجته وهو نائم وسمعناه يقول: زوجتي طالق فإنها لا تطلق حتى لو فرض أن الإنسان خاطب روحه وقال: طلقت زوجتي قال: نعم فإنه لا طلاق عليه؛ لأن بعض النوم تخاطبب روحه وتعطي جميع ما عنده، حدثني الثقات أن من الناس من يجلس إلى جنب النائم يقول سلام عليكم يرد ﵇ ثم يبدأ يحدثه ماذا فعلت اليوم فالنائم يقول فعلت كذا وكذا يمكن بقوله طلقت زوجتك يقول نعم لو قال هذا وهو نائم لا يقع الطلاق وهذا الذي قلته لكم حقيقة؛ لأن الذي حدثني إنسان ثقة لكن ما أظن جميع الناس يستطيع الإنسان أن يأخذ ما عندهم وهم نوم لكن هذا نائم يقول إذا نام سلمنا ونفتح معه الحديث نسأل الله السلامة وألا يجعلكم كذلك، لو طلق زوجته وهو نائم لا يقع الطلاق لأنه نائم حتى لو سمع يتكلم يقول زوجتي فلانة طالق فلا يقع الطلاق. ومن فوائد الحديث: أن النائم لا ينسب إليه فعل فلا يأثم بما وقع منه من خطأ، والدليل على أن النائم كذلك لا ينسب إليه فعل أن الله قال في أصحاب الكهف: ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ [الكهف: ١٨]. هم يتقلبون فأضاف الله فعلهم إلى نفسه لأن النائم لا ينسب إليه فعلي، وقوله: "حتى يستيقظ" أي: "يستيقظ" ويعي ما يقول لأن بعض النوم إذا كان نومه ثقيلًا أو كان قريب النوم يستيقظ ويحدثك ويقوم، لكنه ليس معه وعي! وهذا شيء مشاهد يستيقظ ويقوم يصلي ثم يقف وتكون الدرجة عن الشمال ثم يذهب هو إلى جهة اليمين، فهذا الذي استيقظ من النوم لكنه لا يدري ما يقول أيضًا مرفوع عنه القلم لو تحدث بطلاق زوجته فإنها لا تطلق، الثالث: وعن المجنون حتى يفيق أو يعقل أيضًا المجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق أو

стр. 2541

يعقل فلو أن شخصًا مجنونًا حدث بإقرار أو إنشاء أو طلاق أو فسخ أو غير ذلك فإنه لا يقع منه شيء، لو قال: طلقت نسائي، أعتقت عبيدي، أوقفت بيوتي، لا يقع منه شيء؛ لأنه مجنون وسواء كان الجنون دائمًا أو كان أحيانًا كالذي يصرع فإنه في حال جنونه لا يترتب على قوله شيء، ولكن الفعل هل يترتب عليه شيء؟ نقول: لا يترتب عليه شيء إلا ما يعلق بالخلق، ولاحظوا هذه- في الخلق- فإنه يترتب عليه أثره سواء في الصغير أو في المجنون أو في النائم فلو أتلف الصغير شيئًا لزمه ضمانه ولو أتلف المجنون شيئًا لزمه الضمان ولو أتلف النائم شيئًا لزمه ضمانه لكن هذا فيما بينه وبين الله؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة فإذا قال قائل: ما هي العلة في عدم وقوع الطلاق من هؤلاء؟ العلة عدم العقل وعدم الاختيار، عدم العقل في المجنون والنائم وعدم الاختيار الصحيح في الصغير، وبناء على ذلك نأخذ من هذا قاعدة أن كل شخص يقع الطلاق منه بغير اختيار حقيقي فليس عليه طلاق ويدخل في هذا أشياء: الأول: الغضب الشديد الذي يغلق على صاحبه لا يقع فيه الطلاق وقد قسم العلماء الغضب إلى ثلاثة أقسام: أول وأخر وأوسط يعني: مبتدأ وغاية ووسط؛ فالغاية هي ألا يدي الإنسان ما يقول إطلاقًا ولا يدري هل هو في الأرض أو في السماء شبه المغمى عليه فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق وهو يقع من بعض الناس الذين يطلق عليهم اسم عصبي يجن هذا إذا طلق زوجته لا يقع الطلاق بالاتفاق، الثاني: ابتدائي غضب عادي فهذا يقع طلاقه بالاتفاق ولا إشكال في هذا، الثالث: الوسط يعي لما يقول لكن لشدة الغضب يجد نفسه قد أجبر على هذا كالمجبر من شدة الغضب يعني يدري ما يقول لكن لا يملك نفسه ففي هذا خلاف هل يقع أو لا يقع والصحيح أنه لا يقع لقول النبي ﷺ : "لا طلاق في إغلاق" ولأن الأصل بقاء النكاح- هذا تعليل- فلا يزول إلا بإرادة الزوال وهذا لم يرد ولذلك تجده يندم من حين يقع الطلاق تعود عليه طبيعته ثم يندم نقول: هذا لا طلاق عليه على القول الراجح ولابن القيم كتاب جيد في هذا الموضوع سماه: "إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان"، غير "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"، ومن هذا أيضًا: إذا كان الإنسان موسوسًا في الطلاق فإنه لا يقع طلاقه، وهذا يحدث كثيرًا بين الناس يتسلط عليه الشيطان ويرى أنه قد طلق ويضيق عليه حتى يقول أطلق

стр. 2542

وأستريح فيطلق فنقول: هذا لا طلاق عنه؛ لأنه في إغلاق من أشد ما يكون من الإغلاق فإذا جاء يستفتي فإننا نقول لا طلاق عليك قال: أنا قلت: زوجتي طالق قلنا لا طلاق عليك إلا طلقت بإرادة جازمة تامة وذهبت للمأذون وقلت: أكتب الطلاق وهذا لا يقع منهم؛ لأنهم من هذا يفرون ولا يريدون الطلاق لكن غصبًا عنهم مثل ما يفعل بعض الناس يشك في الحدث وهو على طهارة ثم يحدث يقول لنفسه اضرط وتوضأ وإلا مس الذكر وتوضأ واذهب للحمام وبل أو تغوط لأجل أن يستريح من هذه الضائقة التي اتبعته، كل هذا من الشيطان؛ لأن دواء هذا ليس أن تستسلم للشيطان وتعطيه ما أراد دواء هذا ذكره الطبيب- ﵊ قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، هذا الدواء أن تدع هذا الشيطان ووساوسه، وقال في الوساوس العقيدية التي تصيب الإنسان في القلب ويقول في الله ما لا يليق به أمر أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي، هذا هو الدواء. ومن ذلك أيضًا: طلاق السكران فهو لاشك أنه ليس بعاقل لا يعلم ما يقول لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]. ومر ناضحان لعلي بن أبي طالب بحمزة بن عبد المطلب عم علي وعم الرسول ﷺ وكان قد سكر حمزة وعنده جاريتان تغنيان فلما أقبل الناضحان كانت من جملة غنائهما ألا يا حمز للشرف النواء يهيجنه على أن يذبح البعيرين فقام رضى الله عنه وجب أسنمتهما وأطنه بقر بطونهما فجاء علي بن أبي طالب يشكو إلى النبي ﷺ عمك فعل كذا وكذا فقام النبي ﷺ إليه ومعه أصحابه فلما وقف عليه وإذا الرجل قد ثمل يعني تأثر بالخمر فلما كلمه قال له حمزة: هل أنتم إلا عبيد أبي يقوله للنبي ﷺ الذي هو أشرف إنسان عنده ويجله إجلالًا عظيمًا ويقول هل أنتم إلا عبيد أبي فلما رآه النبي ﷺ على هذه الحال تأخر وتركه هل هو آخذه على ذلك؟ لا؛ لأنه لو أخذه لكان ردة لم يؤاخذه لأنه سكران والسكران لا يعلم ما يقول، فإذا طلق السكران زوجته فإنه لا يقع طلاقه لأنه لا يعلم ما يقول فضلًا عن أن ينوي ما يقول وهذا القول هو الصحيح الذي روي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعن جماعة من الصحابة وهو القياس الصحيح والمشهور من المذهب أن طلاق السكران يقع، وعللوا ذلك بتعليل عليل، قالوا: لأن هذا السكر نشأ عن فعل محرم فلا ينبغي أن يكون محلًا للرخصة، ولهذا لو شرب سكرًا جاهلًا به ثم سكر وطلق فليس عليه طلاق ولكن الصحيح أنه لا طلاق عليه؛ لأن عقوبة شارب الخمر

стр. 2543

لا تتعدى إلى غيره وهذا الرجل إذا أوقعنا عليه الطلاق تعدى الضرر لغيره لزوجته وربما يكون له أولاد منها وأيضًا مناط التصرف هو التكليف والعقل وهذا غير عاقل ثم إن الخمر له عقوبة خاصة، وهي الجلد أربعين مرة خمسين مرة ستين مرة سبعين مرة ثمانين مرة تسعين مرة مائة مرة لأن عقوبة الخمر ليست حدًا لأن النبي ﷺ لم يسنه أتي إليه بشارب فقال: اضربوه، فقام الصحابة الذي يضرب باليد والذي يضرب بالنعل والذي يضرب بطرف الثوب والذي يضرب بالجريدة مع كل يضرب بما حوله نحو أربعين جلدة بدون تحديد لا عدد ولا حدد النبي ﷺ ولا عين ما يضرب به كل يضرب بما تهيأ له وفي عهد أبي بكر كذلك نحو أربعين في عهد عمر كثر الشراب؛ لأنكم كما تعرفون انتشرت الرقعة الإسلامية ودخل في الإسلام من إيمانه ضعيف وكثر الشرب وكان من سياسة أمير المؤمنين عمر الحزم وحمل الناس على الطاعة والدين فاستشار الناس ماذا نعمل؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون وهو حد القذف إذن ليس هناك حد دون الثمانين قاله عبد الرحمن بن عوف بحضرة عمر والصحابة لم يقل: واحد منهم بل أخف الحدود أربعون أبدًا، فجعله عمر كأخف الحدود ثمانين. وهل تظنون أن عمر سيخالف حدًا حده الرسول؟ أبدًا، لو كثر الزنا في الناس هل يمكن لعمر أو غير عمر أن يرفع حد الزاني إلى مائتين؟ لا يمكن، فلما قال عبد الرحمن: "أخف الحدود ثمانون"، وأقره عمر والصحابة وعلمنا أيضًا من حال عمر الذي هو قاض على حدود الله أنه لا يمكن أن يزيد على حد حده الرسول ﷺ عرفنا أن العقوبة ليست حدًا إنما هي اجتهاد لو دعت الضرورة أو الحاجة إلى أن تزاد من ثمانين إلى مائة زدناها. على كل حال: أنا قصدي أنه لا ينبغي أن يعاقب السكران بأمر يتعدى ضرره إلى غيره وللسكران عقوبة معينة في النوع وهي الجلد، فالصحيح: أن طلاق السكران لا يقع، وأن أفعاله لا يترتب عليها حكم العمد، فلو قتل السكران شخصًا بالسكين حتى هلك فإنه لا يجب عليه القود؛ لأنه سكران لا يعقل، وبعض العلماء يفرق بين أقواله وأفعاله، فيقول: فإنه يؤاخذ على أفعاله دون أقواله؛ لأن الأقوال مبناها على العقل والأفعال مبناها على الفعل، ولكن الصحيح: أنه لا فرق؛ لأن الأفعال مبنية على الإرادة، والإرادة من السكران مفقودة، نعم يقول ابن القيم وأنا به أقول لو شرب ليفعل فهذا يؤاخذ؛ لأنه جعل الفعل وسيلة، لو أراد أن يقتل شخصًا أو يتلف ماله وقال في نفسه: إن أتلفته أو قتلته وأنا صائل اقتصوا مني، لكن أسكر من أجل أن أتلفه وأنا سكران فيسقطون عني القصاص؛ فهذا لا

стр. 2544

شك أننا نؤاخذه؛ لأنه جعل السكر ذريعة ووسيلة إلى فعل محرم ولو فتح الباب وقلنا حتى ولو سكر لفعل محرم لا يؤاخذ به لكان فساد في الأرض كبير. إذن الموسوس لا يقع طلاقه والسكران لا يقع طلاقه، الغضبان غضبًا شديدًا بحيث يغلق عليه حتى يتكلم بالطلاق لا يقع طلاقه، هل يمكن أن نأخذ من هذا أنه يشترط للطلاق نية بمعنى: لو أن الإنسان أرسل لفظ الطلاق بدون نية فلا طلاق عليه، فيه خلاف بين العلماء ولكن الصحيح أنه يدين يعني: يرجع إلى نيته فيما بينه وبين الله وأما إذا وصل الأمر إلى الحاكم فالواجب على الحاكم أن يعامله بظاهر لفظه وفي هذا الحال هل يجب على الزوجة أن تحاكمه من أجل ثبوت الطلاق؟ في هذا تفصيل إن كانت تعلم أن هذا الرجل عنده من تقوى الله ما يمنعه أن يدعي أنه غير مريد وهو قد أراد فلا يحل لها أن تحاكمه وإن كان الأمر بالعكس وجب عليها أن تحاكمه وإن شكت فالأولى ألا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح أنا ذكرت لكم قبل قليل أن مذهب الإمام أحمد أن طلاق السكران يقع وهذا مذهبه الاصطلاحي، أما مذهبه الشخصي فإنه لا يقع طلاق السكران؛ لأنه ﵀ صرح بذلم فقال كنت أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته، يعني: فرأيت ألا يقع؛ لأنني إذا قلت: إنه يقع أثبت خصلتين: منعتها من زوجها، وأحللتها لغيره، وإذا لم أقل به أتيت خصلة واحدة وهي أني أحللتها لزوجها الذي كان قد طلقها ومعلوم أن ارتكاب مفسدة واحدة أخف من ارتكاب مفسدتين، هذا إذا قلنا: إنها مفسدة، أما إذا قلنا: إنه لا عبرة بقوله إطلاقًا فالأمر واضح والإمام أحمد ﵀ أحيانًا يصرح بالرجوع ومع ذلك يكون مذهبه عند المتأخرين يكون مذهبه خلافه كهذه المسألة ومن المسائل التي صرح بالرجوع عنها والمذهب خلافها إذا مسح الإنسان على خفه في الحضر ثم سافر قبل أن انتهاء مدة الحضر وهي يوم وليلة فهل يتم على مسح الحضر أو على مسح السفر؟ المذهب على مسح الحضر؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر فغلب جانب الحظر، اجتمع مبيح للزيادة على يوم وليلة وهو السفر وحاظر، أي: مانع للزيادة، وهو الإقامة فغلب جانب الحظر وهو الإقامة، ولكن الإمام أحمد صرح بأنه رجع عن ذلك وقال: إنه يتم مسح مسافر، وهو الصحيح هذا ما لم تتم مدة الإقامة، فإذا تمت مدة مسح الإقامة فقد تمت ووجب عليه الاستئناف.

стр. 2545

كتاب الرجعة ويشمل علي: ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة. ٢ - باب اللعان. ٣ - باب العدة والإحداد. ٤ - باب الرضاع. ٥ - باب النفقات. ٦ - باب الحضانة.

стр. 2546

كتاب الرجعة "الرجعة" فعّلة من رجع يرجع إذا ردَّ، والمراد بها في الاصطلاح: إعادة مطلقة غير بائن إلى نكاحها وللرجعة شروط: الشرط الأول: أن يكون الفراق من طلاق، فإن كان بفسخ فلا رجعة، مثاله: إذا فسخ الزوجة لعيب فيها فإنه لا رجعة، وكذلك إذا فسخت هي نكاحها من الرجل لعيب فيه فلا رجعة إذ لا بد في الرجعة أن يكون الفراق بطلاق. الشرط الثاني: أن يكون من زوجة مدخول بها أو مخلوِّ بها؛ وذلك لأن من طلِّقت بلا خلوة ولا دخول فليس عليها عدة، والرجعة فرع عن ثبوت العدة. الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا فلا رجعة في نكاح فاسد؛ لأن المبني على الفاسد فاسد، فلو تزوج امرأة بلا ولي فإن النكاح فاسد ويؤمر الزوج بطلاقها، فإذا طلقها فلا رجعة؛ لأن هذا الطلاق مبني على نكاح فاسد. الشرط الرابع: ألا يكون الطلاق على عوض فإن كان الطلاق على عوض ولو يسيرًا فلا رجعة، والعوض هو ما يعطاه الزوج عن طلاقه لهذه المرأة، سواء كان من الزوجة أو وليها أو أجنبي، فإذا قالت الزوجة لزوجها: خذ مائة درهم وطلقني فقال: طلقتك على هذه المائة فإنه لا رجعة؛ لأن هذا العوض بمنزلة الفداء، حيث إنها تكون قد افتدت نفسها بهذا العوض كما قال تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما اقتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الشرط الخامس: أن يكون الطلاق قبل استكمال العدد المحرم بأن يكون قبل الطلاق الثلاث، يعني: في الطلقة الأولى، وفي الطلقة الثانية، أما في الثالثة فلا رجعة، فإذا اختلَّت الشروط الأربعة الأولى فلا رجعة، لكن له أن يعقد عليها عقدًا جديدًا، وإذا اختل الشرط الخامس فلا رجعة، ولا تحل له إلا بعد زوج، فالشروط إذن أربعة، قلنا: إذا اختلت الشروط ما عدا الشرط الخامس الذي قل استكمال العدد فإنها تحل له لكن بعقد، فإذا فسخ النكاح لعيبها ثم أراد أن يتزوجها فلا بأس، وهناك شرط سادس لكنه بيان للواقع، وهو أن تكون المراجعة في العدة، فإذا استكملت العدة فلا رجوع؛ لأنها بانت منه هذا شرط ينبغي أن يضاف للتوضيح، وإلا

стр. 2547

فمعلوم أن المراجعة إنما تكون في العدة، وهل يشترط أن يريد الزوج بالمراجعة الإصلاح أو ألا يريد المضارة أو ليس ذلك بشرط؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: لا بد أن يكون الزوج مريدًا للإصلاح، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهنَّ أحقُّ بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فعلم منه أنه لا حق له في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح بأن أراد المضارة، فإنه إذا أراد المضارة منه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهنَّ ضرارًا لتعتدوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. ولكن المشهور من المذهب أنه ليس شرط وأنه يأثم إن أراد الإضرار، ولكن الرجعة تثبت، وظاهر الآية الكريمة: أنه لا بد من إرادة الإصلاح وهو الالتئام بين الزوجين، فإن أراد المضارة بها فلا رجوع لها، ويظهر أثر الخلاف فيما لو طلق المرأة وفي أثناء الحيضة الثالثة راجعها ليطيل عليها العدة؛ لأنه إذا راجعها ابتدأت عدة جديدة، ثم عند شروعها في الحيضة الثالثة بعد المراجعة يراجعها ثم يطلقها من أجل أن يطيل عليها العدة، فتكون العدة على هذا تسع حيض، فإن هذا- لا شك- إضرار، "ومن ضار ضار الله به"، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أي: أنه لاحق له في الرجعة إذا أراد بها الإضرار، وهو قول قوي لا شك. حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة: ١٠٤٦ - عن عمران بن حصينٍ ﵄: "أنَّه سئل عن الرَّجل يطلِّق، ثمَّ يراجع ولا يشهد؟ فقال: أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها". رواه أبو داود هكذا موقوفًا، وسنده صحيحٌ. هذا الحديث فيه ثلاثة أمور تتعلق بأحكام النكاح: عقد، وطلاق، ورجعة، أما العقد فأكثر العلماء على أن الإشهاد فيه شرط للصحة وأنه إذا لم يشهد على عقد النكاح فالنكاح باطل، وأما الطلاق فالإشهاد فيه سنة وليس بشرط، فإذا طلق بلا إشهاد وقع الطلاق لكن الأفضل أن يشهد؛ ودليل ذلك- أي: كونه ليس بشرط- أن ابن عمر ﵄ طلق زوجته ولم يسأل النبيُّ ﷺ هل أشهد أو لا؟ ولو كان الإشهاد شرطًا لسأل، الثالثة من الأمور التي جمعها الحديث: الرجعة، وهي أيضًا يسن فيها الإشهاد ولا يجب، هذا هو المشهور عند أهل العلم وعليه أكثر العلماء، وقيل: إن الإشهاد على الرجعة واجب؛ لأنه إعادة للمرأة إلى النكاح فأشبه الابتداء، ولكن الذي يظهر أنه سنة مؤكدة، والدليل على ذلك- على أنه سنة مأمور بها- قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فإذا بلغن أجلهنَّ فأمسكوهنَّ بمعروفٍ أو فارقوهنَّ بمعروفٍ وأشهدوا ذوى عدلٍ مِّنكم﴾ [الطلاق: ٢]. فأمر

стр. 2548

بالإشهاد، فالإشهاد على الرجعة سنة مؤكدة؛ لأنه يترتب على هذا إما إنكار المرأة للمراجعة، آخر ويترتب على ذلك الميراث، ويترتب على ذلك الأنساب فلذلك كان الإشهاد على الرجعة مؤكدًا جدًا. ١٠٤٧ - وأخرجه البيهقيُّ بلفظ. أنَّ عمران بن حصينٍ ﵁ سئل عمَّن راجع امرأته، فقال: في غير سنَّةٍ؟ فليشهد الآن. قوله: "في غير سنة" يعني: عمله هذا على غير السنة؛ لأن الله أمر بالإشهاد في المراجعة، فإذا لم يشهد كان عمله على غير السنة، وقوله: "فليشهد الآن" أي: يشهد على الرجعة الآن، يعني: أنه لا يشترط لكون الإشهاد سنة في الرجعة أن يكون حين الرجعة، بل لو أشهد فيما بعد حصل بذلك المقصود. - وزاد الطَّبرانيُّ في روايةٍ: ويستغفر الله. أي: يسأله المغفرة، وهذا يدل على أن عمران بن حصين ﵁ يرى أن الإشهاد على الرجعة واجب يأثم الإنسان بتركه؛ ولهذا قال: "وليستغفر الله"، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، يدل على ذلك اشتقاقها من المغفر، وهو ما يلبس على الرأس في أيام القتال ليتَّقى به السهام، فإنه جامع بين الستر والوقاية، ومن ثمَّ كان المراد بالمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه باعتبار معنى اللفظ المشتق منه. ١٠٤٨ - وعن ابن عمر ﵄: "أنَّه لمَّا طلَّق امرأته، قال النَّبيُّ ﷺ لعمر: مره فليراجعها". متَّفقٌ عليه. أتى المؤلف بهذا الحديث ليستدل على أن الإشهاد على المراجعة ليس بواجب، وجه الدلالة أنه لم يقل وليشهد. ولكن هذا ينبني على أن هذه المراجعة إعادة مطلقة، أما على القول بأن الطلاق لا يقع في الحيض فهذا إرجاع زوجة، أو على الأصح رجوع في الطلاق وليس إعادة مطلقة، فعلى هذا القول الثاني لا يكون في الحديث دليل على أن الإشهاد على الرجعة غير واجب، لكن على ما ذهب إليه الجمهور من أن الطلاق في الحيض واقع تكون هذه المراجعة التي أمر بها النبي ﷺ إعادة مطلقة، ولما لم يأمر بالإشهاد عليها دل هذا على أن الإشهاد ليس بواجب. من فوائد الحديث: أنه يشرع الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة.

стр. 2549

ومن فوائده: أثر عمران أن الإشهاد على الرجعة واجب، لقوله: "وليستغفر الله". ومن فوائده: أن الشيء إذا فات وأمكن تلافيه فإنه يتلافى؛ لقوله: "فليشهد الآن". ومن فوائد حديث ابن عمر: جواز التوكيل في إبلاغ العلم؛ لأن النبي ﷺ قال لعمر: "مره فليراجعها" وكما يجوز التوكيل في الاستفتاء فإنه يجوز التوكيل في إبلاغ العلم. ١ - باب الإيلاء والظهار والكفارة "الإيلاء": مصدر آلى يؤلي، أي: حلف، قال الله تعالى: ﴿للَّذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. و"الظهار": مأخوذ من الظَّهر، وهو أن يقول الزوج لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي. و"الكفارة": أي كفارة الظهار. فما معنى الإيلاء؟ قال العلماء: معناه اصطلاحًا: أن يحلف الرجل على ألا يجامع زوجته إما على سبيل الإطلاق أو مقيدًا بمدة تزيد على أربعة أشهر، مثال الصورة الأولى: أن يقول الرجل لزوجته: والله لا أجامعك، فهذا إيلاء مطلق، ومثال الثاني: أن يقول: والله لا أجامعك إلا بعد خمسة أشهر فهذا إيلاء مقيد فإن كان دون ذلك دون أربعة فهو إيلاء لغة وليس إيلاء اصطلاحًا، ولو قال والله لا أجامعك شهرًا فهذا في اللغة إيلاء، لكنه في الاصطلاح ليس بإيلاء. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ألى من نسائه شهرًا كاملًا. أما الظهار فهو مشتق من الظَّهر، والمراد به اصطلاحًا: أن يشبه الرجل زوجته بمن تحرم عليه على التأبيد يريد بذلك التحريم، مثاله: أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي؛ أنت عليَّ كظهر أختي، أنت عليَّ كظهر أمك؛ لأن أمها تحرم عليه على التأبيد، أما قوله لزوجته: أنت عليَّ كظهر أختك فهذا ليس بظهار على القول الصحيح، وبعض العلماء يقول: حتى ولو شبهها بمن تحرم عليه إلى أمد فهو ظهار، لكن هذا القول غير صحيح، والصحيح أن تشبيهها بمن تحرم عليه على التأبيد يريد بذلك التحريم، وإنما زدنا [يريد بذلك التحريم] احترازًا ما لو أراد بذلك التكريم، مثل أن يقول لزوجته: أنت عندي مثل أمي، يعني: في الإكرام والاحترام، أو أنت عليَّ مثل أختي في الشفقة والحنو والعطف، فإذا قال: أنت عليَّ كظهر وهو يريد التحريم فهذا هو الظهار، لو قال أنت عليَّ كيدي أمي فهو ظهار يقولون لأن هذا عضو لا ينفصل اليد والرجل والعين فهي كالظهر، ولو قال: أنت علي كشعر أمي فإنه ليس بظهار؛ لأنه ينفصل، فلابد أن يضيف التحريم إلى عضو لا ينفصل.

стр. 2550

أما الكفارة فهي: مأخوذة من الكفر وهو- لغة-: الستر، وهو- في الشرع-: الفداء الذي يفدي به الإنسان نفسه من مغبة المعصية، سواء في الظهار أو في كفارة اليمين أو ما أشبه ذلك، إنما هي في مقابل الذنب يريد الإنسان بها أن يستر الله عليه ما فعل. حكم الإيلاء: حكم الإيلاء أنه: محرم؛ لأنه حلف على انتهاك حق، فإن الزوجة يجب على زوجها أن يجامعها بالمعروف، وكذلك الظهار حرام قال الله تعالى: ﴿وإنَّهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا﴾ [المجادلة: ٢]. أما الكفارة فهي واجبة إذا وجد سببها. ١٠٤٩ - عن عائشة ﵂ قالت: "آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرَّم، فجعل الحلال حرامًا، وجعل لليمين كفَّارة". رواه التِّرمذيُّ، ورواته ثقاتٌ. قولها ﵂: "آلى من نسائه" كم آلى؟ ألى شهرًا من نسائه ﷺ وفي آخر الشهر نزل، وقال: "إن الشهر تسعة وعشرون يومًا"، حرم- على القول الصحيح- العسل قال الله تعالى: ﴿يأيُّها النَّبيُّ لم تحرِّم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]؟ وقيل: إنه حرم مارية وه ضعيف، والصواب: أنه العسل، "فجعل الحرام حلالًا، وجعل لليمين كفارة" يعني: استحل ما حرمه وكفر عن يمينه استرشادًا بإرشاد الله حيث قال له: ﴿يأيُّها النَّبيُّ لم تحرم ما أحلَّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفورٌ رحيمٌ (١) قد فرض الله لكم تحلَّه أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ ففي هذا الحديث جواز الإيلاء، ولكن بشرط ألا يزيد على أربعة أشهر، ولكن هل هذا جائز بدون سبب؟ لا، لا يجوز بدون سبب؛ وذلك لأن المرأة لها حق في الجماع، فكما أن الرجل له حق في الجماع، وإذا دعا زوجته فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح فكذلك هي، قال الله تعالى: ﴾ ولهنَّ مثل الَّذي عليهنَّ بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]. لكن له أن يولي شهرًا أو أسبوعًا أو شهرين من باب التعزير كما إذا كانت الزوج قد قصرت في الواجب أو طالبت بما لا تستحقه، فإن له أن يعزرها بذلك، أما الإيلاء بدون سبب فإنه لا يجوز، لأنه- أي: الجماع- حق لها. من فوائد الحديث: أن تحريم الشيء يقصد الامتناع منه يكون يمينًا، يعني: حكمه حكم اليمين، وإذا جعلنا حكمه حكم اليمين فهل يحرم ذلك الشيء؟ لا؛ لأنك لو قلت: والله لا آكل الخبز ما حرم الخبز عليه، لكنه إن فعلته وجب عليك الكفارة وقولنا: يقصد الامتناع احترازًا مما لو قصد الخبر، فإذا قصد الخبر لم يكن يمينًا، ولكنه يكون كاذبًا مثل: أن يقول: الخبز عليَّ حرام يريد الخبر ماذا نقول له؟ كذبت ليس حرامًا، واحترازًا أيضًا من أن يريد بذلك إنشاء التحريم، أي: إثبات حكم شرعي يخالف حكم الله فهذا أخطر؛ لأن الله يقول: ﴿ولا تقولوا لما

стр. 2551

نصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لافتروا على الله الكذب إنَّ الَّذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (١١٦) متاعٌ قليلٌ ولهم عذابٌ أليمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. فصار إضافة التحريم إلى الشيء على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يريد الخبر فما الذي يترتب عليه من حكم؟ لا يترتب عليه شيء، بل يقال: إن الرجل كاذب، عليه أن يتوب مما قال. الثاني: أن يقصد الامتناع منه فحكمه حكم اليمين، أي: أنه يكفر- إذا استحله- كفارة يمين. الثالث: أن يقصد إنشاء الحكم المخالف للشرع، فهذا خطر عظيم قد يؤدي إلى الكفر، حيث شرع ما لم يشرعه الله . وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم في قوله تعالى: ﴿اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ [التوبة: ٣١]. عندما قال يا رسول الله، لسنا نعبدهم، قال: "أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " قال: نعم، قال: "قتلك عبادتهم". ومن فوائد الحديث: أن من حرم شيئًا يريد الامتناع منه فإنه يلزمه الكفارة؛ لقوله: "وجعل لليمين كفارة" فسمى ذلك يمينًا وأثبت أن فيه الكفارة، وهل يلحق بذلك الطلاق والنذر والعتق وما أشبهها؟ يعني: إذا قالها يريد الامتناع، مثل: أن يقول: إن فعلت كذا فامرأتي طالق لا يريد الطلاق لكنه يريد الامتناع من ذلك؟ الجواب: نعم على القول الراجح، وكذلك لو قال: إن فعلت كذا فعبدي حر نقول أيضًا: حكمه على القول الراجح حكم اليمين إذا قصد الامتناع، وكذلك لو قال إن فعلت كذا فلله عليَّ نذر أن أصوم سنة يقصد الامتناع من هذا الشيء ثم فعله فهل يلزمه أن يصوم سنة؟ لا وإنما يلزمه كفارة يمين؛ لأن الإنسان الذي قال هذا النذر ما قصد أن يتطوع لله بالنذر، قصد أن يمنع نفسه، وهذه القاعدة هي التي مشى عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن جمهور العلماء على خلاف ذلك أي أنهم يغلبون جانب التعليق فيقولون: إن فعلت كذا فزوجتي طالق ثم فعله فإن الزوجة تطلق ولو نوى الامتناع، وإذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر فإنه يعتق العبد، ولو كان أراد الامتناع، أما النذر فالمشهور من المذهب أنه إذا أراد الامتناع فهو يمين وهذا القول أعني أنهم يجعلون النذر إذا أريد به الامتناع في حكم اليمين مما احتج به شيخ الإسلام، وقال: إذا كنتم لا توجبون عليه أن يوفِّي بالنذر مع أنه طاعة فكيف تلزمونه بالطلاق مع أنه غير طاعة والمعنى واحد؛ لأن الذي قال: إن فعلت كذا فزوجتي طالق إنما أراد الامتناع، كالذي قال: إن فعلت كذا فلله عليَّ نذر أن أصوم سنة كلاهما أراد بذلك الامتناع فكيف تقولون: في الطلاق بالإلزام وفي النذر بأنه يمين مع أنه كان المتوقع أن يكون الأمر بالعكس؟ ّ لأن الطلاق يكرهه الشرع والوفاء بالنذر- نذر الطاعة- يحبه الشرع،

стр. 2552

ويقول شيخ الإسلام ﵀. إن الصحابة قالوا في النذر: إذا أراد به المنع إنه حكمه حكم اليمين ولم يقولوا ذلك في الطلاق لأنه لم يعرف الحلف بالطلاق في عهد الصحابة، لم يعرف الحلف بالطلاق إلا في زمن متأخر فإذا كان الصحابة حكموا بأن النذر حكمه حكم اليمين إذا قصد به المنع فكذلك الطلاق. مدة الإيلاء: ١٠٥٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "إذا مضت أربعة أشهرٍ وقف المولي حتَّى يطلٍّق، ولا يقع عليه الطَّلاق حتَّى يطلٍّق". أخرجه البخاريُّ. "وقف" يعني: قيل له: قف طلق، فإن أبى أن يطلق نقول: لا يقع عليه الطلاق حتى يطلق؛ وإنما كانوا يحكمون بذلك لئلا يقال إنه إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق بمضي الأربعة بدون أن نرجع إلى الزوج؛ قال الله تعالى: ﴿للَّذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهرٍ فإن فاءو فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ (٢٢٦) وإن عزموا الطلاق فإنَّ الله سميعٌ عليمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. والصواب: أنه لا تطلق حتى يطلق، حتى لو مضى أربعة أو خمسة أو ستة فإنها لا تطلق حتى يطلق للآية المذكورة، ولا تطلق بمجرد تمام الأربعة أشهر، فإن أبى أن يطلق وأبى أن يرجع وطالبت الزوجة بحقها فإننا نلزمه بأن يرجع أو يطلق فإن أبى فإن الحاكم يطلق عليه دفعًا لضرر الزوجة. ولهذا قال العلماء: إن الطلاق يجب للإيلاء وأظنه مر علينا أن الطلاق خمسة أقسام واجب حرام مكروه سنة مباح، فالواجب إذا تمت المدة في الإيلاء قلنا: إما أن ترجع وإما أن تطلق وجوبًا فإن أبيت طلقنا عليك. في هذا الأثر دليل على: أنه لا يجبر الزوج على الطلاق قبل تمام الأربعة أشهر؛ لقوله: "إذا مضت أربعة أشهر". وفيه أيضًا: أنه لا تطلق المرأة بمجرد تمام الأشهر الأربعة؛ لقول ابن عمر: "ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق". ١٠٥١ - وعن سليمان بن يسار ﵁ قال: "أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ كلُّهم يقفون المولي". رواه الشَّافعيُّ. أي: يقولون له: إما أن تطلق وإما أن ترجع، قوله: "بضعة عشر" أي: ما بين الثلاثة إلى التسعة، فبضعة عشر رجلًا يحتمل ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر وتسعة عشر.

стр. 2553

فإن قال قائل: الفرق ما بين ثلاثة عشر إلى تسعة عشر كبير، وهذا فيه إبهام. فالجواب: أن العرب يتوسعون في مثل هذه الأمور، ثم إن دلت القرينة على أن المراد أقل ما يكون فهو ثلاثة عشر أو أعلى ما يكون فهو تسعة عشر وإلا فإن الأمر واسع. ١٠٥٢ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: "كان إيلاء الجاهليَّة السَّنة والسَّنتين، فوقَّت الله أربعة أشهرٍ، فإن كان أقلَّ من أربعة أشهرٍ، فليس بإيلاءٍ". أخرجه البيهقيُّ. يعني: أن الرجل في الجاهلية يؤلي من زوجته سنة أو سنتين إضرارًا بها، كما أنه في الجاهلية يطلق الرجل ثلاث مرات أو أربع مرات، أو خمس مرات، كلما شارفت المرأاة على العدة راجعها ثم طلقها، فإذا شارفت على العدة من الطلاق الثاني راجعها ثم طلقها! فإذا شارفت من الطلاق الثالث راجعها ثم طلقها وهكذا! ! فوقَّت الله ذلك بثلاث مرات فقال: ﴿الطَّلاق مرَّتان فإمساك بمعروفٍ أو تسريح بإحسانٍ ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممَّا ءاتيتموهن شيئًا إلَّا أن يخافا ألَّا يقيما حدود الله فإن خفتم ألَّا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون (٢٢٩) فإن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتَّى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٢٩، ٢٣٠]. فوقت الله أربعة أشهر فقال: ﴿للَّذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهرٍ﴾ أي: انتظار أربعة أشهر ﴿فإن فاءو﴾ أي: إلى زوجاتهم فذلك المطلوب وإلا أمروا بالطلاق فإن أبوا طلق عليهم الحاكم دفعًا لإضرار المرأة، وقوله: "ليس بإيلاء" يعني: ليس بإيلاء شرعًا، أما لغة فهو إيلاء بلا شك؛ لأنه حلف، وقد ثبت أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهرًا. يستفاد من هذا الأثر: عناية الله- بالنساء وأن الدين الإسلامي قد أعطى المرأة ما تستحقه من الأحكام الشرعية، وما كان لائقًا بها وما حصل من الفرق بينها وبين الرجال في بعض الأحكام فإنما ذلك من أجل الحكمة التي اقتضت ذلك، ولهذا نجد أن الرجل والمرأة يشتركان في الأحكام التي لا تقتضي الحكمة التفريق بينهما، ويختلفان في الأحكام التي تقتضي الحكمة التفريق بينهما. ومن فوائد هذا الأثر: بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من التعسف في معاملة النساء، فقد كانوا يعاملونهن أشد المعاملة ويحرمونهن من المواريث، وإذا مات الإنسان عن زوجته ألزم بأن تبقى في حوش بيته من بيتها، يعني: في بيت صغير ضيق تبقى سنة كاملة، لا تمس الماء ولا تنظف ولا تزيل شيئًا مما ينبغي إزالته، ولا تطهر من الحيض والدماء عليها والرائحة الكريهة عليها تبقى سنة كاملة، حتى إنها لو افتضت بعصفور أو حمامة أو شيء مات، ثم إذا مضت السنة خرجت

стр. 2554

من بيته وأخذت بعرة من روث البعير ثم رمت بها إشارة إلى أن هذا العذاب والجحيم لا يساوي عندها رمية هذه البعرة، لكن جاء الإسلام- ولله الحمد- بخلاف ذلك. ومن فوائد الأثر: أن الله وقَّت للرجال في الإيلاء أربعة أشهر ثلث الحول، والثلث معتبر في عدة أحكام في الشريعة، منها: قول الرسول ﷺ في الوصية: "الثلث والثلث كثير"، ومنها: عدة المتوفى عنها زوجها إن لم تكن حاملًا، فإن عدتها أربعة أشهر- ثلث الحول- وعشرة أيام- ثلث الشهر- فأعطيت المرأة في الإسلام تيسيرًا كبيرًا في الأحكام الشرعية. ومن فوائد الأثر: أن المصطلحات الشرعية قد تخالف المصطلحات اللغوية، يعني: أن هناك حقائق شرعية وحقائق لغوية، وهناك قسم ثالث: حقائق عرفية، فالحقائق ثلاثة، فإذا جاءت الكلمة ولها مدلولان: شرعي ولغوي وهي مكتوبة بلغة العرب فإنه تحمل على المدلول اللغوي، وإن كانت في لسان الشرع تحمل على المدلول الشرعي، أما الحقيقة العرفية فهي ما يتعارفه الناس فيما بينهم، فلتحمل ألفاظهم على حقائقها العرفية وإن خالفت الحقائق الشرعية أو حقائق اللغة العربية، فمثلًا الشاة في اللغة العربية تطلق على الأنثى من الضأن والمعز، بل وعلى الذكور أيضًا، في أربعين شاة شاة ولو كانت ذكورًا، ولكن قد جرى العرف عندنا هنا على أن الشاة تطلق على الأنثى من الضأن، فإذا أقر شخص لآخر بشاة وأعطاه أنثى من المعز فقال المقر له: لا، أنا أريد أنثى من الضأن، فقال المقر: الأنثى في اللغة تطلق على هذا وعلى هذا، قلنا: المعتبر العرف، أي: أنثى من الضأن. حكم المجامع في رمضان: ١٠٥٣ - وعنه ﵁: "أنَّ رجلًا ظاهر من امرأته، ثمَّ وقع عليها، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي وقعت عليها قبل أن أكفِّر، قال: فلا تقربها حتَّى تفعل ما أمرك الله تعالى به". رواه الأربعة وصحَّحه التِّرمذيُّ، ورجَّح النَّسائيُّ إرساله. - ورواه البزَّار: من وجهٍ آخر، عن ابن عبَّاسٍ وزاد فيه: "كفِّر ولا تعد". هذا الحديث في الظهار، وقد سبق لنا أن الظهار: أن يشبِّه الرجل زوجته بمن تحرم عليه

стр. 2555

تحريمًا مؤبدًا بنسب أو سبب مباح، النسب القرابة والسبب المباح هو المصاهرة والرضاع، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي فهذا ظهار، أنت عليَّ كظهر أمك ظهار؛ لأن أم الزوجة حرام على الزوج، أنت عليَّ كظهر من أرضعتني ظهار؛ لأن من أرضعته تحرم عليه، وسبق لنا أيضًا أن الظهار محرم، وأن الله وصفه بوصفين قبيحين: المنكر والزور، فقال سبحانه: ﴿وإنَّهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا﴾. مسألة مهمة: هل يجوز للمظاهر الاستمتاع بامرأته؟ إذا ظاهر من امرأته فإنه يجب عليه أن يتجنب جماعها ولا يجامعها حتى يكفر، والكفارة بينها الله في كتابه وكذلك السنة بينتها، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فلا يجوز أن يجامع زوجته حتى يكفر، أما في الرقبة وفي الصيام فمنصوص عليه، وأما في الإطعام فبالقياس ومختلف فيه، وهذا الحديث الذي معنا. "أن رجلًا ظاهر ... إلخ"، وكأن هذا الرجل عنده علم بأنه لا يجوز له أن يقع عليها إلا بالتكفير، فقال النبي ﷺ : "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به"، والذي أمر الله به هو عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا حسب الترتيب الذي في الآية، وقوله: "لا تقربها" يحتمل أن يكون المراد: لا تقربها بأي اسمتاع، سواء بالجماع أو بالتقبيل أو بالضم أو بغير ذلك من أنواع الاستمتاع، ويحتمل أن يراد به: أي قربان الجماع فقط، بدليل قوله- في الرواية الأخرى-: "ولا تعد" أي: لا تعد إلى ما فعلت وهو الجماع، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إنه لا يجوز أن يقرب المظاهر منها لا بجماع ولا بغيره من أنواع الاستمتاع حتى يكفر ومنهم من يقول بل إنه يستمتع منها بما عدا الجماع لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسَّا﴾، والمماسة هي: الجماع، فالآية تدل على أن الممنوع هو الجماع، وهذا الحديث ليس نصًا في الموضوع؛ لأن الرواية الأخرى تقيد القربان بما فعله هذا الرجل، والرجل قد وقع عليها، فيكون المراد: لا تقربها قرب جماع، والقول الراجح: أن الممنوع هو الجماع أخذا بظاهر الآية، فإن الواجب إجراء النصوص على ظاهرها ما لم يوجد قرينة لكن الذين قالوا: إن المحرم كل استمتاع ولو بغير جماع استدلوا بظاهر اللفظ الأول وهو قوله: "لا تقربها"، واستدلوا أيضًا بأنه إذا حرم الجماع حرمت ذرائعه التي توصل إليه بدليل المحرم يحرم عليه الجماع، وكذلك مقدمات الجماع كالتقبيل واللمس، ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأنه معارض بقياس

стр. 2556

ضده، فالحائض مثلًا يحرم جماعها وما عدا الجماع جائز، وإلحاق المظاهر منها بالحائض أقرب من إلحاق المحرمة؛ لأن المحرمة متلبِّسة بعبادة بناء على جواز الاستمتاع، ثم إن المحرمة أيضًا قد ورد ما يدل على تحريم الاستمتاع بها، فقد حرم الرسول ﷺ على المحرم أن يخطب الخطبة التي قد تكون ذريعة لعقد النكاح، وقد لا تكون، وحرم عليه أيضًا أن يعقد النكاح، فيكون الاستمتاع من باب أولى، وعلى كل حال: ففي مسألة الظهار الذي يظهر أن المحرَّم هو الجماع، وأن ما سواه لا بأس به. يستفاد من هذا الحديث: صراحة الصحابة- ﵃ في طلب الوصول إلى الحق لأنه جاء وأخبر النبي ﷺ بالواقع ولم يستحي. ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستحيي من الحق؛ كما هي عادة الصحابة وهم أقوى منا إيمانًا وأقوى منا حياء؛ لأن الحياء من الإيمان ومع ذلك يصرحون بما تقتضي المصلحة التصريح به. ومن فوائد الحديث: أن من ظاهر ثم جامع قبل التكفير فإنه لا تلزمه كفارتان بل كفارة واحدة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "حتى تفعل ما أمرك الله به"، وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا ظاهر ثم جامع قبل التكفير لزمته كفارتان ولكن لا وجه لهذا مع وجود هذا النص. ومن فوائد الحديث: تحريم الجماع قبل أن يكفِّر لقوله: "كفِّر ولا تعد". كفارة الظهار: ١٠٥٤ - وعن سلمة بن صخرٍ ﵁ قال: "دخل رمضان، فخفت أن أصيب امرأتي، فظاهرت منها، فانكشف لي شيء منها ليلةً، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله ﷺ : حرِّر رقبةً. قلت: ما أملك إلا رقبتي. قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الَّذي أصبت إلا من الصِّيام؟ قال: أطعم فرقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا". أخرجه أحمد، والأربعة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود. رحم الله المؤلف، لو ذكر الأحاديث الواردة التي هي أصرح من هذا في مسألة الظهار لكان أولى من ذكر هذا الحديث، ولكن على كل حال نشرحه، قوله: "دخل رمضان فخفت أن أصيب امرأتي فظاهرت منها" يريد بذلك منع نفسه من أن يجامع امرأته، وكان في أول الأمر إذا أراد الرجل الصوم في رمضان فإنه لا يقرب أهله بعد صلاة العشاء أو بعد نوم ولو قبل العشاء، يعني: امتنع إتيان النساء في رمضان ليلًا، إذا نام ولو قبل صلاة العشاء أو إذا صلى العشاء وشق

стр. 2557

ذلك على الناس فنسخ الله هذا الحكم وقال: ﴿أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنُّ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومعنى "تختانون": تخدعونها بحيث لا تصبرون على هذا التكليف، ﴿فالآن باشروهنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتَّى ... ﴾ الآية. سلمة بن صخر أراد أن يمنع نفسه من أهله فظاهر منها، ولكنه انكشف له شيء منها ليلة فعجز عن نفسه فوقع عليها، إذن وقع عليها بعد أن ظاهر، وماذا يجب عليه؟ يجب عليه أن يكفرِّ بل إن الكفارة تجب في العزم على الجماع قبل أن يجامع لقوله تعالى: ﴾ من قبل أن يتماسَّا ... ﴾ يقول فقال رسول الله ﷺ : "حرر رقبة" يعني: أعتق، ورقبة لفظ مطلق يتناول الذكر والأنثى والعدل والفاسق، والمؤمن والكافر، وهذا الإطلاق هو الذي في القرآن، قال الله تعالى: ﴿والَّذين يظاهرون من نِّسائهم ثمَّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. رقبة مطلقة ولم يقيد الله تعالى الرقبة بالإيمان إلا في كفارة واحدة وهي كفارة القتل ففي الأيمان قال: ﴿فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولم يقيدها بالإيمان، وهنا قال: ﴿فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا﴾، قلنا: إن هذا مطلق يتناول الذكر والأنثى، والعدل والفاسق، والمؤمن والكافر، والصغير والكبير، والمعيب والسليم، لأن المطلق على اسمه مطلق غير مقيد بوصف، فأما كونه ذكرًا أو أنثى فهذا محل إجماع، يعني: أن العلماء أجمعوا- فيما أعلم- أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، وأما الصغير والكبير فكذلك، إذ لم يفرق العلماء بينهما، وأما العدل والفاسق فكذلك لم يفرقوا بينهما. هذه ثلاثة أشياء، بقي السليم والمعيب، الكافر والمؤمن اختلفوا فيه، اتفقوا على تقييد ما قيده الله، وذلك في كفارة القتل واختلفوا فيما أطلقه الله، فمنهم من قال: ما قيده الله وجب علينا أن نقيده وما أطلقه يجب علينا أن نطلقه، فإذا كان الله قال في كتابه: ﴿ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. فإن المطلق إذا لم يقيد بيانه أن يبقى على إطلاقه والمبين مبين، لكن الجمهور على أنه لا بد من الإيمان، واستدلوا لذلك بأن الله تعالى يطلق أشياء وهي مقيدة بأوصاف إما في القرآن أو في السنة، مثلًا: العمل الصالح الحسن وما أشبه ذلك، فهناك أعمال كثيرة مطلقة نحو: من صلى ركعتين فله كذا "من صلى البردين دخل الجنة" هذه كلها مطلقات، وكلها مقيدة بابتغاء وجه الله، كما قال تعالى: ﴿محمدٌ رسول الله والَّذين معه أشداء على الكفَّار رحماء بينهم تراهم ركَّعًا سجَّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿لَّا خير في كثيرٍ من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله﴾ [النساء: ١١٤]. فكل الأعمال المطلقة مقيدة بهذا القيد بالاتفاق، إذن تحرير الرقبة كفارة لما فعل الإنسان من الذنب، عمل صالح وإذا كان عملًا صالحًا فإنه يحمل المطلق فيه على المقيد، ويوضح ذلك وضوحًا كاملًا حديث معاوية: بن الحكم أنه ذكر أن له جارية ترعى غنمًا حول المدينة وأنه اطلع عليها ذات يوم فرأى الذئب عدا على شاة منها وهي جارية مملوكة، يقول: فلطمها- صكها صكة عظيمة- ثم جاء يسأل النبي ﷺ قال: فعلت كذا وكذا أفلا أعتقها، ماذا يريد من إعتاقها؟ أن يكون كفارة له على صكها فقال النبي ﷺ : "ائتي بها"، فجاء بها، فقال: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة"، مع أن هذه ليست كفارة، فإذا كان الرسول ﷺ علَّل الإعتاق بالإيمان في غير الكفارة ففي الكفارة من باب أولى، أيضًا الإعتاق تحرير العبد من الرق يكون محررًا يستطيع أن يعبد الله تعالى على حريته يصل رحمه، يتصدق، يبيع ويشتري، تيسر له الأمور بالحرية وهذا كله إنما يناسب المؤمن وليس الكافر، الكافر بقاؤه في الرق قد يكون أقرب إلى إسلامه، لأننا لو حررناه تحرر وذهب إلى بلاد الكفر أو عثى في الأرض فسادًا، فهذا القول هو الصحيح بمعنى: أنه لا بد من الإيمان في إعتاق الرقبة. السليم والمعيب: السليم لا أعلم أحدًا نازع في جواز عتقه إذا كانت رقبة مؤمنة ولكن المعيب ينقسم إلى قسمين: عيب لا يخل بالعمل، وعيب يخل بالعمل. فأما العيب الذي لا يخل بالعمل فلا شك في إجزاء العبد إذا كان فيه عيب لا يخل بالعمل، مثال ذلك: أن يكون العبد أعور، أو أن يكون مقطوع الخنصر من اليد أو من الرجل، أو أن يكون فيه برص، أو أن يكون فيه عرج لا يمنعه من مزاولة العمل وما أشبه ذلك هذا لا شك في أنه يجوز أن يعتق بالكفارة، لكن إذا كان به عيب يمنع العمل كالشلل وكقطع اليد أو الرجل أو قطع الإبهام من اليد فقد اختلف العلماء في إجزائه، فمنهم من قال: إنه يجزئ ومنهم من قال: إنه لا يجزئ، وظاهر النصوص أنه يجزئ، لأن الله تعالى لم يشترط إلا الإيمان، وكونه لا يستطيع العمل يكون كغيره من المسلمين يجعل له شيء من بيت المال أو يلزم السيد إذا قلنا بإلزامه

стр. 2558

بالاتفاق عليه؛ لأن السيد يرثه إذا مات ولم يكن له عصبة أو ذو فرض يستغرق، على كل حال: الذي يترجح عندي أنه لا يلزم أن يكون سليمًا من العيوب. المستحق للقتل هل يجزئ يعني كما لو كان العبد قاتلًا لأحد قتل عمد هل يجزئ أن يكفَّر به؟ وهو لا يوجد غيره وه مؤمن فيجوز أن يعتق بالكفارة، وقول النبي ﷺ : "حرر رقبة" هذه الجملة فيها حذف، أو كما يقول البلاغيون: إيجاز بالحذف والإيجاز عند البلاغيين

стр. 2559

ينقسم إلى قسمين إيجاز قصر وإيجاز حذف، أما إيجاز القصر فمعناه: أن تشتمل الجملة على معنى كثير بدون حذف، وأما إيجاز الحذف فمعناه: أن يحذف من الجمل ما يدل عليه الباقي، ومعلوم أنه إذا حذف من الجملة ما تحتاج إليه ولكن يدل عليه الباقي فإن ذلك إيجاز، والإيجاز بالحذف كثير في القرآن، وكذلك الإيجاز بالقصر- يعني: قصر العبارة- فقوله تعالى: ﴿وجزاؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. هذا إيجاز بالقصر، لو تكتب على هذه الآية مجلدات ما استوعبت صورها وقوله : ﴿ولكم في القصاص حيوةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. هذا أيضًا إيجاز قصر، هذه الجملة لها معان كثيرة، وقد حاول بعض الناس أن يقارن بينها وبين كلمة مشهورة عند العرب يكتبونها بالذهب وهي: القتل أنفى للقتل فبين أن ما في القرآن أبلغ بكثير وذكر نحو عشرة أوجه على أنني لا أحبذ أن يقارن بين كلام الله وكلام الخلق؛ لأنه أجل وأعظم، لكن قد يجوز ذلك إذا كان الدافع عليه هو من باب أن يبين المقارن أن هذه الكلمة بل هذه الجملة اشتملت على معانٍ عظيمة. الإيجاز بالحذف كثير في القرآن ومنه قصة موسى- ﵊ حينما قتل القبطي ثم خرج إلى مدين: ﴿ولمَّا توجَّه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السَّبيل (٢٢) ولمَّا ورد ماء مدين وجد عليه أمةً من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتَّى يصدر الرَّعاء وأبونا شيخٌ كبيرٌ (٢٣) فسقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظِّلِّ فقال رب إنِّي لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقيرٌ (٢٤) فجاءته إحداهما تمشي على استحياءٍ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٥]. في هذا المكان حذف جمل، ما الذي حذف؟ حذف: فذهبت المرأتان إلى أبيهما وأخبرتاه الخبر فأرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، هذا إيجاز بالحذف. وكذلك الحال في الحديث الذي معنا، فيه إيجاز بالحذف، وذلك في قوله ﷺ : "حرر رقبة"؛ لأن الرسول ﷺ ليس عنده حين فعل ما فعل، ولكن في الكلام شيء محذوفٌ تقديره فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال: "حرر رقبة" وقوله: "حرر" بمعنى: أعتق رقبة والرقبة هي المملوك من ذكر وأنثى وصغير وكبير ومؤمن وكافر وسليم ومعيب وعدل وفاسق وتقدم الكلام عليه. "فقلت: ما أملك إلا رقبتي" المعنى: ليس عندي شيء لا دراهم ولا متاع ليس عندي إلا رقبتي،

стр. 2560

وليس هذا يعني أن الإنسان مالك لرقبته ملكًا يتصرف فيها كما يشاء، ولكن المعنى ليس عندي شيء وهذا كقول موسى: ﴿رب إني لا أملك إلَّا نفسي﴾ [المائدة: ٢٥]. ومعلوم أنه لا يملك نفسه ملك العبد، قال: "فصم شهرين متتابعين" أي: بدون إفطار بينهما، والفاء هنا- "فصم"- يسمونها فاء التفريع، أي: أن ما بعدها مفرع على ما قبلها، والمعنى: فإذا لم تجد شيئًا فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ﵁، يعني: كيف يستطيع صيام شهرين وقد عجز عن صيام شهر واحد؟ ! ، فقال: "أطعم فرقًا من تمر ... إلخ" الفرق بفتح الفاء والراء هو ما يسمى عندنا بالزنبيل ويسمى المكتل أيضًا يكون كبيرًا ويكون صغيرًا لكن لا شك أن الذي قاله الرسول ﷺ أنه فرق يحتمل أو يسع إطعام ستين مسكينًا. في هذا الحديث عدة فوائد منها: شدة ورع الصحابة- ﵃، حيث إن سلمة لما خاف على نفسه من الوقوع في المحذور ذهب يظاهر؛ ليحمل نفسه على ترك جماع أهله، وذلك لأن الظهار كفارته مغلظة فالإنسان يخاف إذا حنث فيه أن يلزم بهذه الكفارة المغلظة. ومنها: جواز الظهار الموقت، يعني: أن يظاهر الرجل امرأته لمدة شهر أو شهرين وما أشبه ذلك؛ لأن سلمة إنما ظاهر من امرأته شهر رمضان فقط ففيه جواز الظهار الموقت. ومن فوائد الحديث: أن الظهار لا يجري مجرى اليمين؛ لأن هذا الظهار أراد به الامتناع هذه المدة ولكنه شبه امرأته بأمه فلا يجري مجرى اليمين أو مجرى تحريم المرأة؛ لأن الصحيح أن تحريم المرأة بلفظ: أنت عليَّ حرام حكمه حكم اليمين كما سبق. ومن فوائد الحديث: أن من ظاهر من امرأته ثم عاد في ذلك وجامع فإنه تلزمه الكفارة. ومن فوائده: أنه إذا جامع قبل أن يكفر لم يلزمه إلا كفارة واحدة، خلافًا لمن قال: إنه إذا جامع قبل أن يكفر لزمه كفارتان، والصواب أنه يلزمه كفارة واحدة حتى ولو تكرر. ومن فوائد الحديث: أن الرقبة تجزئ ولو كانت غير مؤمنة يؤخذ ذلك من الإطلاق، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أن الإطلاق مقيد، وله نظائر كثيرة في القرآن حيث تأتي آيات مطلقة فتحمل على المقيد؛ لأن الوحي شيء واحد المشرع له واحد وهو الله ، فيحمل مطلقه على مقيده. ومن فوائد هذا الحديث: أن كفارة الظهار مرتبة لأن النبي ﷺ رتب الخصال الثلاث كل واحدة على الأخرى. ومن فوائد الحديث: أنه يجب إذا لم يجد رقبة أن يصوم شهرين متتابعين؛ لقوله ﷺ : "فصم شهرين متتابعين"، والتتابع التوالي، وهنا سؤلان: الأول: هل تعتبر الأشهر بالأهلة أو بالأيام؟ قال بعض العلماء: بالأيام، وعلى هذا فيصوم ستين يومًا، وقال آخرون: بل بالأهلة،
следующие страницы →