Полный текст (3 515 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
سائل آخر أو مني، فليس عليه غسل، ولكن هل يجب عليه ان يغسل ما أصابه؟ نقول: نعم يغسله احتياطا، أما الغسل فلا يجب، ولا فرق في ذلك بين أن يتقدم نومه ما يثير الشهوة أو لا ما دام على شك، فالأصل براءة الذمة، وهذا الحديث يدل على ما ذكرنا.
ومن فوائد الحديث: الفائدة العظيمة وهي أن الشريعة الإسلامية مبنية على الحقائق لا على الأوهام، ولا على الظنون إلا فيما طلب من الإنسان فعله فلا حرج عليه أن يبني عل ظنه أنه أتى بالفعل المطلوب، لكن الأوهام الطارئة على أصل ثابت هذه لا عبرة بها في الشريعة، وهذه قاعدة من أحسن قواعد الإسلام حتى يبقى الإنسان غير متحير ولا قلق، وإلا لبقي الإنسان في أوهام لا نهاية لها، أما ما طولب الإنسان به وغلب على ظنه أنه اداه فإن الظن يكفي ولهذا قلنا: إذا شك هل طاف سبعة أشواط أو ستة وغلب على ظنه أنها سبعة، كم تكون؟ سبعة، كذلك أيضا في الصلاة شك هل صلى ثلاثا أو أربعا وغلب على ظنه أنها أربعا فهي أربعا، لكن الصلاة فيها سجود السهو، والطواف ليس فيه سجود السهو؛ لأن أصله ليس فيه السجود فكذلك سهوه.
المهم: أن هذه من نعمة الله أن الشريعة الإسلامية تحارب القلق محاربة تامة، والحمد لله هذا من تيسير الله، لو أن الإنسان كلما أصيب بما يوجب الشك ذهب مع الشك ما قر له قرار ولا اطمأن له بال، لكن من نعمة الله هو ما ذكرته لكم، كذلك مر علينا من قبل قصة الرجل الذي يجد في نفسه شيئا ويشكل عليه أخرج منه أو لا فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث - ولا سيما زيادة مسلم-: جواز استكشاف الأمر حتى من الكبراء؛ بمعنى: أن الإسلام جعل للإنسان الحرية أن يستكشف عن الأمر الذي يمكن إدراكه وذلك في قول أم سلمة: "هل يكون ذلك" وهي تخاطب الرسول، وهي تعلم ﵂ أن الرسول ﷺ أقر أن المراة تحتلم؛ لأنه من لازم حكمه أن عليها الغسل إذا رأت الماء أن يكون الاحتلام واقعا، فهي قد عرفت أن الرسول أقرها لكن استكشفت كيف يكون ذلك، وهل يكون؟
فمن فوائده: جواز الاستكشاف عما يمكن إدراكه وبيانه، أما ما لا يمكن فالاستكشاف عنه غلط؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه اله في الذي سأل عن كيفية الاستواء قال: السؤال عنه بدعة لكن ما يمكن إدراكه لا بأس أن تسأل.
ومن فوائد هذا الحديث: تواضع النبي ﷺ التواضع الجم؛ حيث إن زوجته تتكلم تقول:
стр. 282
هل يكون هذا؟ وربما يظن السامع أنها تعترض وحاشاها من ذلك، ولكنها تريد أن تستكشف، بينما لو أن أحدنا كلمته زوجته في مثل هذا جاءت امرأة تستفتيه وقال: عليك كذا وكذا، فقالت الزوجة: كيف يصير علي كذا وكذا هل يمكن؟ ماذا يقول؟ على كل حال هذا: من خلق النبي ﵊ وحسن سيرته، ولكن يا إخوان إذا مر عليكم مثل هذا وقيل: هذا من سيرة الرسول، هذا من خلقه، هل المراد أن تعلموه علما نظريا؟ لا، أبدا المراد أن تطبقوه، وإلا فما الفائدة، فينبغي للإنسان أن يمارس مثل هذه الأمور، وأن يعود نفسهعلى ما كان الرسول ﷺ يعتاده في أهله.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تعداد الأدلة وتنويعها؛ لأن النبي ﷺ قال: "نعم"، وهذا دليل شرعي يكتفى به عند كل مؤمن، وأضاف إلى هذا الدليل دليلا حسيا، وهو قوله: "فمن أين يكون الشبه؟ ".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للمستدل أن يذكر الدليل الذي يقتنع به المخاطب من الناحيتين الشرعية والحسية وكذلك العقلية إذا أمكن؛ لأنه كلما ازدادت الأدلة ازداد الإنسان طمأنينة، ويدل لهذا الأصل العظيم: أن إبراهيم الخليل ﵇ قال: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾، فقال الله له: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فليس الخبر كالمعاينة، فأراه الله ذلك فيما أمره به أن يفعل ففعل؛ فرأى كيف يحيي الله الموتى .
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ربما يستدل بالشبه على ثبوت النسب لقوله: "فمن أين يكون الشبه؟ "، ويؤيد هذا ما ورد في قصة عتبة بن أبي وقاص حينما زنى فولد له ولد من الزنا، فلما مات عتبة تنازع اخوه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في هذا الولد الذي ولد، عبد بن زمعة قال: يا رسول الله، هذا أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد: هذا ابن أخي عتبة عهد به إلي، وقالسعد للرسول ﵊: يارسول الله، انظر شبهه، فنظر إليه النبي ﵊ فراىشبها بينا بعتبة فأعمل هذا الشبه لم يلغه، ولكنه احال الحكم على سبب أقوى وهو الفراش، فقال ﵊: "الغلام لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، فثبت الآن أن هذا الغلام أخ لسودة بنت زمعة، زوجة الرسول ﵊، ولكنه لما رأى الشبه بين لعتبة قال لها: "احتجبي منه يا سودة". فهنا أعمل الشبه، مع أن الولد شرعا الذي حصل فيه التنازع لمن؟ لزمعة شرعا، يرثه إخوانه ويرثونه
стр. 283
وبينهما محرمية، لكن أعمل النبي ﷺ الشبه وجعل سودة تحتجب منه من باب الاحتياط نظرا لهذا الشبه، فدل ذلك على اعتبار الشبه في الأمور الاحتياطية.
أسئلة:
- سبق لنا أن الاحتلام يوجب الغسل لكن بشرط؟
- هل يقاس على المرأة الرجل؟
- إذا احتلم الرجل ورأى الماء هل يجب عليه الغسل؟
- لو أن نائما احتلم ولم ير شيئا ما الحكم؟
- لو رأى أثر الجنابة ولم يذكر احتلاما هل يجب الغسل؟
- رجل أحس بشهوة وأن الماء انتقل من موضعه ولكن لم يخرج أعليه شيء؟
- وامرأة أحس بانتقال الحيض ولكن لم يخرج هل عليها الغسل؟
- رجل أحس بأن بوله انتقل من المثالنة إلى قصبة الذكر ولكن لم يخرج شيئا؟
استحباب الاغتسال من تغسيل الميت:
١٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة.
قالت: "كان يغتسل" قال العلماء ﵏: أن "كان" إذا كان خبرها فعلا فإنها تفيد الدوام الغالب لا المستمر، فإذا قال: "كان يفعل كذا"؛ فإن هذا يدل على أن هذا غالب أحواله، وليس حتما أنه مداوم عليه، فإطلاق بعضهم قول: "كان" تفيد الدوام ليس مرادا والدليل على هذا أن الصحابة ﵃ قالوا: إن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية. وفي حديث آخر: كان يقرأ بالجمعة والمنافقين.
قولها: "يغتسل من أربع" "من" هنا للسببية؛ أي: بسبب أربع، وبينتها بقولها: "من الجنابة" وهذا بدل من قولها: "من أربع"، ولكنه بإعادة العامل وهو من الجنابة، والجنابة تفسر بأمرين: إما بالإنزال، وإما بالجماع، والأصل أنها للإنزال، لكن ألحق بها الجماع شرعا لحديث أبي هريرة السابق.
стр. 284
"من الجنابة" وهي شرعا إنزال المني بشهوة أو بجماع.
وقولها: "ويوم الجمعة" يعني: ويغتسل يوم الجمعة لليوم أو للصلاة؟ للصلاة؛ لأنه لو كان لليوم لكان الغسل جائزا في أول النهار وفي آخر النهار، ولكنه للصلاة.
وقولها: "ومن الحجامة" يعني: ويغتسل أيضا من الحجامة، والحجامة: إخراج الدم بصفة مخصوصة معلومة عند الحجامين.
"ومن غسل الميت" يعني: إذا غسل الميت اغتسل، فهذه أربعة أشياء كان النبي ﷺ يغتسل منها.
أما غسله من الجنابة فهو فرض بالإجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
وهذه أول الفوائد أو من فوائد هذا الحديث: مشروعية الغسل من الجنابة؛ لفعل النبي ﷺ له، لكنه واجب بافجماع لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وأما غسل يوم الجمعة يأتي إن شاء الله، الغسل من الحجامة ليس فيه إلا الفعل فيستفاد منه مشروعية الغسل من الحجامة لا وجوب الغسل على أن بعض العلماء ضعف هذا الحديث، وقال: إنه لا يسن الغسل من الحجامة؛ لأن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ؛ ولأن الحجامة خروج دم من البدن فلا يشرع ل اغتسال كالرعاف.
ومن فوائده: الاغتسال من تغسيل الميت، وهذا ليس بواجب، وإذا لم يصح الحديث فليس بمشروع، وسبق الكلام عليه في باب نواقض الوضوء، فلم يبق عندنا الآن إلا شيئان: الغسل من الجنابة وهو فرض، والغسل من الجمعة وفيه الخلاف الذي يأتي إن شاء الله.
حكم اغتسال الكافر إذا أسلم:
١٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁: "في قصة ثمامة بن أثال، عندما أسلم وأمره النبي ﷺ أن يغتسل". رواه عبد الرازق، وأصله متفق عليه.
ثمامة بن أثال الحنفي المشهور ﵁، كان كافرا فخرج إلى مكة معتمرا، فصادفته خيل النبي ﷺ فأسروه وجاءوا به إلى المدينة وأسر في سارية المسجد، فكان النبي ﷺ يمر عليه بقوله: "ما عندك يا ثمامة؟ " فيقول: عندي خير إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم أنعمت على شاكر، وإن ترد المال فسل ما شئت، فتركه النبي ﵊، ثم في اليوم الثاني أتى إليه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير، إن تنعم تنعم على شاكر، وتركه في اليوم
стр. 285
الثالث أتى إليه، مر به وقال: "ما عندك؟ " قال: عندي خير وما قلت لك بالأمس، فقال النبي ﷺ : "أطلقوه"، فأطلقوه، فكان في هذا الإطلاق ملك له في الواقع، بمعنى: أن النبي ﷺ بمنه عليه بالإطلاق ملكه، ذهب الرجل إلا حائط واغتسل ودخل المسجد، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أسلم ثم قال: يا محمد، والله ما كان على الأرض أحد أبغض إلي من وجهك؛ ولقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، وما على الأرض دين أبغض إلي من دينك؛ فأصبح دينك أحب الدين غلأي، وما في البلاد بلاد أبغض إلي من بلادك؛ فأصبحت بلادك أحب البلاد إلي، ثم قال: يا محمد، إن خيلك أخذوني وأنا أريد العمرة فما تأمرني - يعني: هل أمضي أو أرجع إلى قومي؟ -فقال له: "امض" وبشره بالخير، فمضى في عمرته.
فلما دخل مكة سمعه أهل مكة يلبي لبيك اللهم لبيك، فقالوا له: لقد صبئت يا ثمامة، فقال: والله ما صبئت ولكني كنت مع محمد ﷺ في دينه، ثم قال لهم: والله لا يأتيكم مني جبة إلا بإذن النبي ﷺ ، وكان أهل مكة يأتون منه بالحب؛ يعني: يمتارون منه، فأقسم ألا يعطيهم إلا بعد أن يأذن النبي ﷺ ، ثم إن قريشا كتبوا إلى النبي ﵊: إنك لتصل الرحم وهذا ثمامة منع منا الحب، يستشفعون بالرسول ﵊ فأرسل إليه وأمره أن يأذن لهم بالامتيار من عنده، فهذه قصة الرجل هذا الرجل أسر في سارية المسجد، وإنما أسر في هذه السارية من أجل أن يرى المسلمين وصلاتهم وتحابهم وتعاطفهم وأخلاقهم تأليفا له على الإسلام لا إهانة له؛ لأنه بالإمكان أن يربط خارج المسجد لكنه ربط بالمسجد من اجل هذه الفائدة العظيمة، وكان الرسول ﷺ يمر به ويسأله كما سمعتم.
ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز ربط الأسير بسارية المسجد؛ لأن النبي ﷺ أقر ذلك إن لم يكن أمر به.
ومنها: ملاطفة الأسير والإحسان إليه؛ لأن في ذلك تأليف له على الإسلام، وقد عرفتم النيجة.
ومنها: جواز مكث الكافر في المسجد؛ لأن ربطه بسارية في المسجد يستلزم مكثه، فاستدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز لبث الجنب في المسجد، وقالوا: إن الكافر حدثه أعظم من حدث الجنب؛ فإذا جاز لبثه في المسجد جاز لبث الجنب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص، فإن النبي ﷺ نهى أن يمكث الجنب في المسجد. بل قال الله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣].
ومن فوائد هذا الحديث: أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال، هذا إن صح الحديث بهذا اللفظ،
стр. 286
وكما سمعتم أن الحديث في الصحيحين، لم يأمره النبي ﷺ بذلك، ولكن هو الذي ذهب إلا أنه لا منافاة بينهما؛ لأن اغتساله قد يكون عن أمر النبي ﷺ ، فيكون في هذا الحديث دليل على أمر الكافر إذا أسلم بالاغتسال.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن الأمر للاستحباب، والذي صرفه إلى الاستحباب العدد الكثير الذين كانوا يسلمون ولا يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولو كان الاغتسال واجبا لكان هذا مما ينتشر بين الناس؛ لأن الذين يسلمون في عهد الرسول ﷺ كثير، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال: إن الأمر للوجوب؛ وعلل ذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب؛ وكونه لم ينقل أنه لم يأمر كل من أسلم بالاغتسال لا يدل على العدم؛ لأن عدم النقل في أعيان من أمروا لا يدل على عدم الأمر، فلعل هذا كان أمرا مشهورا، وكان الرجل إذا أسلم اغتسل ولا يحتاج إلى أمر؛ ولأن ذلك أحوط وأبرأ للذمة؛ ولأن ذلك يعطي المسلم حافزا على التطهر من أدران الشرك، كما أمر أن يتطهر ظاهره فيكون تطهير ظاهره عنوانا على تطهير باطنه، وهذا القول لا شك أنه أقرب إلى الصواب أن كل من أسلم يؤمر وجوبا أن يغتسل.
ولكن إذا لم يفعل فهل تصح صلاته بدون ذلك؟ الظاهر نعم؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن حدث، وإنما هو من اجل تطهير ظاهره كما طهر باطنه، وقال بعض العلماء: إن كان قد حصل له في حال كفره ما يوجب الغسل وجب عليه أن يغتسل وإلا لم يجب سواء اغتسل في كفره أو لم يغتسل، وقال بعضهم: إذا حصل عليه ما يوجب الغسل في كفره فاغتسل لم يجب عليه الغسل بعد الإسلام وإلا وجب، لكن أقرب الأقوال هو الوجوب، لما في ذلك من بعث الهمة وتنشيطها وإشعاره بأنه يجب أن يتطهر الإنسان من الكفر في ظاهره وباطنه، أما بقية الفوائد في القصة فلا حاجة لذكرها، لأنها لم تذكر في الأصل.
غسل يوم الجمعة:
١٠٦ - وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". أخرجه السبعة.
وهم البخاري، وميلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
قال: "غسل الجمعة واجب" فأضافه إلى الجمعة، والأصل: أن الجمعة هي الصلاة لا اليوم؛ ولهذا يقال: يوم الجمعة، وبه نعلم أن الغسل هنا للصلاة وليس لليوم.
стр. 287
وقوله: "واجب" الواجب هو الشيء الثابت اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦]. أي: سقطت، ومنه قولهم: وجبت الشمس؛ يعني: غابت؛ لأن هذا مكث وثبوت.
وهو عند الأصوليين - الواجب- ما أمر به على وجه الإلزام ويثاب فاعله امتثالا ويستحق العقاب تاركه.
قوله: "على كل محتلم" أي: على كل بالغ، وذلك أن البلوغ يحصل بالاحتلام وهو إنزال الماء بشهوة في حال النوم، فيكون هذا القيد مبنيا لما سنذكره إن شاء الله تعالى.
في هذا الحديث نص صريح واضح على أن غسل الجمعة واجب، والمتكلم به هو أفصح الخلق، والمتكلم به أنصح الخلق، والمتكلم به أعلم الخلق، فهو ﵊ اجتمع في كلامه العلم، والثاني الفصاحة، والثالث النصح، ومثل هذا يمكن أن يقول قولا يوهم معنى غير ظاهره، ونحن إذا نظرنا إلى الظاهر عرفنا أن الوجوب محتم، ويدل لها أنه علقه بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام، فيكون هاذ دليلا واضحا على أن المراد بالوجوب: اللزوم، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏.
منهم من قال: إن الاغتسال للجمعة اغتسال لليوم؛ فيجوز أن يغتسل قبل الصلاة وبعد الصلاة، لكن هذا قول ضعيف، ولولا أنه قيل ما ذكرناه، والصواب: أن الغسل قبل الجمعة، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة مطلقا في القولين، أو واجب على من كان فيه رائحة، أو حيث تتوقع الرائحة كأيام الصيف التي يكثر فيها العرق، والنتن، فالأقوال ثلاثة:
الأول: الوجوب. والثاني: الاستحباب. والثالث: التفصيل، فإذا كان مظنة انبعاث لرائحة كريهة، أو كان نفس الإنسان فيه عرق ووسخ كثير تنبعث منه الرائحة الكريهة كان الغسل واجبا، وإلا فلا، والذي تقتضيه الأدلة أن الغسل واجب مطلقا؛ لأن الأحاديث علمة "غسل الجمعة واجب"، والقائل بهذا يعرف بماذا يتكلم، ويعرف من يخاطب ﵊، ويدل للوجوب:
أولا: أن الرسول ﵊ صرح به، ولو أن هذه العبارة في متن من متون الفقه ما توقف شارح المتن بأن المؤلف يرى الوجوب فكيف وهو حديث.
ثتانيا: أن الرسول ﵊ علق الحكم بوصف يقتضي التكليف والإلزام وهو البلوغ.
ثالثا: الأوامر الأخرى: "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل". والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 288
رابعا: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان وهو يخطب غكأنه لامه على تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت. فقال: والوضوء أيضا! وقد قال النبي ﷺ : "إذا أتى أحدكم الجمعة فلغتسل"، فلامه على عذره، حيث إنه اقتصر على الوضوء، وتعلمون أن المتكلم عمر ﵁ خليفة المسلمين، والمخاطب عثمان أفضل الصحابة بعده، والجمع من؟ الصحابة ﵃ فكيف يمكن لعمر أن يوبخ عثمان على الاقتصار على الوضوء في هذا الجمع العظيم، مع علو منزلته ﵁ لولا أن الاغتسال واجب؛ فالصواب عندي كالمقطوع به أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان، وما تركته منذ علمت بهذا الحديث لا صيفا ولا شتاء، ولا حرا ولا بردا، ولا إذا كان في مرض يتحمل الاغتسال، وقلت هذا حتى أنني لا أشك في وجوبه، وأرى أنه لابد أن يغتسل الإنسان، وسبحان الله! ماذا يكون جوابنا لله رب العالمين يوم القيامة إذا قال: أبلغكم رسولي بأنه واجب؟
فنقول: لا ليس بواجب، قال: واجب لأنه مؤكد، هذا لا يمكن للإنسان، ليس جوابا صوابا.
فلو قال قائل: إذا كان واجبا فهل هو شرط لصحة الصلاة؟
فالجواب: لا، لدليلين:
الدليل الأول: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لم يلزم عثمان أن يذهب ويغتسل، ولو كان شرطا؛ لألزمه لأن معه وقت يدرك به الجمعة، يمكنه أن يذهب ويغتسل ويرجع ويصلي الجمعة.
الدليل الثاني: أن الله إنما جعل الغسل للصلاة من الجنابة، فقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. فأوجب التطهر للصلاة من الجنابة فقط، وعليه فلو أن الإنسان ترك الغسل يوم الجمعة ثم صلى فهل نقول: إن صلاته باطلة؟ لا، نقول: صلاته صحيحة، ولكنه آثم لترك الغسل.
فإذا قال قائل: لو أنه نوى في غسل الجمعة من الجنابة وللجمعة أيجزئ أم لا؟
فالصواب: أنه يجزئ؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد متفقتان في الهيئة والوصف فقامت إحداهما مقام الأخرى، ولكن لو أراد أن يفرد أحدهما بنية فهل ينوي الغسل من الجنابة ويجزء عن غسل الجمعة، أو بالعكس؟ الأول نقول: إذا كنت تريد أن تقتصر على نية واحدة فإنه غسل الجنابة؛ لأنك إذا نويت غسل الجنابة أديت ما يجب لأنه حصل المقصود بالاغتسال، لكن إذا نويت غسل الجمعة وأنت عليك جنابة فإنها لا تصلح لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
стр. 289
هناك قول آخر أشرنا إليه: وهو أنه لابد أن يغتسل للجنابة غسلا تاما، وللجمعة غسلا تاما، وهذا رأي ابن حزم ﵀، يقول: لأنهما طهارتان واجبتان اختلف سببهما فوجب أن يجعل لكل سبب طهارته، لكن الصحيح: الأول وهو أنه إذا نواهما جميعا حصلا، وإن نوى غسل الجنابة سقط به غسل الجمعة، وإن نوى غسل الجمعة لم ترتفع الجنابة؛ لأن هذا الغسل ليس عن حدث، وإنما هو واجب للجمعة لا لكونه عن حدث، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
لكن بعض العلماء يقول: إذا نسي الجنابة أو جهل واغتسل للجمعة ثم ذكر أو علم فإنه يجزئ؛ لأنه حينئذ معذور، لكن في نفسي من هذا شيء، والأولى أن يعيد الغسل، ويعيد الصلاة، والصلاة ستكون ظهرا.
نعود إلى القول بالوجوب والقول بالاستحباب - يعني: في الغسل- من العلماء من قال: إن هذا الحديث - حديث أبي سعيد- لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على التأكد، واستدلوا بحديث سمرة بن جندب قال:
١٠٧ - قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
قوله ﵊: "من توضأ" "من" شرطية، أي إنسان يتوضأ "يوم الجمعة" للجمعة، "فبها" أي فبالرخصة أخذ، "ونعمت" أي: ونعمت الرخصة، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الطهارة، أي: فبالطهارة أخذ، "ونعمت الطهارة" أي: طهارة الوضوء.
قوله: "ومن اغتسل فالغسل أفضل" قالوا: إنه قال: الغسل أفضل، وهذا يدل على أن الغسل ليس بواجب؛ لأنه إن كان واجبا لم يقل إنه أفضل؛ ولكن هذا الحديث:
أولا: فيه مقال من ناحية السند فهو ضعيف من حيث السند، ومعلوم أنه لا يمكن لهذا الحديث الضعيف السند أن يقاوم حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الأئمة كلهم.
ثانيا: أن هذا الحديث إذا تأملته لفظا وجدت لفظه ركيكا يبعد أن يصدر من النبي ﵊؛ لأن كلام الرسول ﵊ علي طلاوة وحلاوة ورونق من
стр. 290
حين ما تقرأه تعرف أنه كلام الرسول، لاسيما إذا كنت تكرر الأحاديث عن النبي ﷺ ويكثر عليك ورودها فإنك ربما تعرف الشأن من كلامه، كما أنك لو كنت معتادا أن تقرأ كلام عالم من العلماء لعرفت أنه كلامه وإن لم ينسب إليه إذا مر بك في موضع آخر، فالصواب: أن هذا الحديث في سنده مقال، فلا يثبت على قدميه فضلا عن أن يعارض حديث أبي سعيد الخدري.
حكم قراءة الجنب القرآن:
١٠٨ - وعن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا". رواه أحمد والخمسة، وهذا لفظ الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان.
قوله ﵁: "كان النبي يقرئنا القرآن" أي: يعلمنا إياه؛ لأن القرآن ينزل على النبي ﵊ ثم يعلمه الصحابة، "ما لم يكن جنبا" يعني: فإن كان جنبا امتنع عن الإقراء فلم يقرئهم مع أنه صلى اللهعليه وسلم أحرص الناس على إبلاغ الرسالة لإيجاب ذلك عليه في قوله تعالى: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وغن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]. "ما لم يكن جنبا"، وسبق معنى الجنب وأنه شرعا: من أنزل منبا بشهوة أو جامع وإن لم ينزل.
من فوائد الحديث: حرص النبي ﷺ على إبلاغ القرآن، وأنه كان بنفسه يقرئ أصحابه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك مربك﴾.
ومن فوائده: أن النبي ﷺ لا يقرئهم إذا كان جنبا، وهل هنا الامتناع على سبيل الأفضلية، أو على سبيل الوجوب؟
قيل: على سبيل الأفضلية؛ لأنه ليس إلا مجرد إمساك وافمساك نوع من الفعل، والفعل المجرد يدل على الاستحباب، وعلى هذا التأويل فالأفضل للجنب ألا يقرأ القرآن، وإن قرأ فلا إثم عليه.
وقيل: إنه على سبيل الوجوب؛ لأن إمساك النبي ﷺ عن أمر واجب لا يكون إلا عن محرم، وهذا أقرب أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، وتعليم القرآن.
فإن قال قائل: لو كتب القرآن كتابة فهل يلحق باللفظ؟
فالجواب: لا، لأن الكتابة لها حكم اللفظ في مواضع ولها حكم الإشارة في مواضع، ولذلك لو أن أحدا كتب ورقة إلى شخص وهو يصلي افعل كذا وكذا، فإن صلاته لا تبطل، ولو
стр. 291
قال: افعل كذا بطلت صلاته، فهنا لم تلحق الكتابة بالقول، بل ألحقناها بالفعل، ولو كتب رجل طلاق امرأته صارت هذه الكتابة كاللفظ، ولو كتب "بيتي وقف" صار وقفا، ولو كتب "عبدي حر" صار حرا، فالمهم أن الكتابة تلحق أحيانا بالقول، وأحيانا بالفعل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن يستحيا في أمور الدين لقول علي: "ما لم يكن جنبا"، هذه الكلمة قد يستحيا منها لاسيما بالنسبة للأكابر؛ يعني: تستحي أن تقول: "فلان جنب"، لكن إذا كان لذك في بيان الحق فإن الله لا يستحي من الحق، ولم يذكر في الحديث إلا أن يتوضأ، وعلى هذا فلا يقرئ القرآن، ولا يقرؤه ولم توضأ، بخلاف المكث في المسجد بالنسبة للجنب، فإنه يجوز إذا توضأ.
ومن الفوائد: أن الحائض لا تقرأ القرآن إلحاقا لها بالجنب، ولكن هذا الإلحاق فيه نظر، وجه ذلك: أن الجنب مانعه يمكنه رفعه إذا اغتسل، والحائض لا يمكنها ذلك؛ لأن الحيض ليس بيدها فافترقا، وعلى هذا لا يصح القياس.
ولكن هل حرم على الحائض أن تقرأ القرآن؛ فجمهور العلماء على أنها لا تقرأ وهو مذهب الإمام أحمد ﵀. ومن العلماء من قال: إنها تقرأ؛ لأنه ليس في منعها من قراءة القرآن حديث صحيح صريح، والأصل جواز قراءة القرآن، بل قراءة مأمور بها.
стр. 292
١٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم. زاد الحاكم. "فإنه أنشط للعود".
قوله: "إذا أتى أحدكم أهله" أي: جامعها، فكنى بالإتيان عن الجماع من باب البعد عن التلفظ بما يستحيا منه، وقد عبر القرآن عن الجماع باللمس وبالدخول، فقال: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: ٦]. وقال: ﴿التي دخلتهم بهن﴾ [النساء: ٢٣]. أي: جامعتموهن، وقال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقوله: "أهله" زوجته أو زوجه، زوجته لغة الفرضيين، وهي ضعيفة من حيث الكلام العربي، أما الكلام الفصيح فهو بالتذكير سواء كان وصفا للذكر أو للأنثى.
وقوله: "ثم أراد أن يعود"؛ يعني: يجامع مرة أخرى، "فليتوضأ بينهما وضوءا". ووالوضوء معروف لكن الغسل أفضل، وظاهر الحديث أنه لا يغسل فرجه، ولكن غسل الفرج من باب أولى أيون مطلوبا من الوضوء، ورواية الحاكم: "فإنه أنشط للعود" يعني: أقوى للجماع مرة ثانية؛ لأن البدن يكتسب بهذا الوضوء نشاطا وحيوية يكون بذلك أنشط، ويأتي أهله المرة الثانية وهو نشيط؛ وهو إذا أتى أهله نشيطا صار تضرره بالجماع أقل، ولذلك قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يكره نفسه على الجماع.
في هذا الحديث فوائد منها: الكناية عما لا ينبغي ذكره باسمه الخاص بما يدل عليه؛ لقوله: "إذا أتى أحدكم أهله".
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد صرح بلفظ الجماع في حديث ماعز لما أقر على نفسه بالزنا، قال له الرسول ﵊: "أنكتها؟ " لا يكني؟
قلنا: بلى، لكن مقام الحدود يجب فيه التثبت حتى لا يظن المقر أن المباشرة والتقبيل زنا، فلذلك صرح النبي ﵊ باسم الجماع الخاص زيادة في التثبت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الزوجة تسمى أهلا، وهاذ شيء مستفيض ولا يحتاج إلى إقامة برهان او استشهاد بشاهد، ويبنى على ذلك أن قول الله ﵎ لنساء النبي: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى وأقمن الصلوة واءتين الزكوة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. فمن يدخل في آل البيت أزواجه بلا شك مثل الشمس؛ لأن السياق في أزواجه، ولو أن أحدا قال: إنه لا يدخل أقاربه في هذا لكان له حجة؛ لأن السياق يعين المراد، لكن الرافضة عكسوا القضية وقالوا: المراد
стр. 293
بأهل البيت: أقاربه دون أزواجه ليخرجوا عائشة ﵂ التي هي أحب أزواجه إليه، بل إنه سئل: أي أزواجه أحب إليه قال: "عائشة".
فالمهم: أهل أهل البيت يدخل فيهم الأزواج بلا شك، بل إن الإنسان يأوي غلأى اهله - أي: زوجته- أكثر مما يأوي إلى أبيه وأمه كما هو مشاهد.
ومن فوائده: أن الشريعة الإسلامية شاملة فيما يتعلق بالأديان وما يتعلق بالأبدان؛ لأن الوضوء مرة ثانية بين الجماعين طاعة لله ورسوله لأمر النبي ﵊ به، وهذا فيه مصلحة في الأديان، وهو أيضا منشط للإنسان، وهو مصلحة للأبدان.
ومن فوائد هذا الحديث: الأمر بالوضوء، وهل الأمر للوجوب؟ الجواب: لا، ليس للوجوب، ولكنه للاستحباب، والذي صرفه عن الوجوب أن الرسول ﵊ كان يطوف على نسائه بغسل واحد. ولم ينقل أنه يتوضأ بين ذلك، لكن الذي يظهر لي - والله أعلم-: أنه كان يغسل فرجه لأجل التنظيف وعدم اختلاط مياه النساء بعضها ببعض، أما الوضوء فلم ينقل؛ فيكون الأمر هنا للاستحباب.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا بأس بأن تعلل الأحكام الشرعية بما يعود على البدن بالمصلحة لقوله: "فإنه أنشط للعود"، وينبني على ذلك أن قصد الإنسان بهذا الغرض الدنيوي لا يبطل أجره، وهذا نافع للإنسان، لأن فيه أشياء كثيرة من الأحكام الشرعية تعلل بمصالح بدنية، لماذا تعلل؟ من أجل أن ينظر الإنسان إليها نظرة حد وإلا لكان التعليل بها عديم الفائدة، ومن ذلك- أي: كون الأمور الدنيوية تلاحظ في الاستقامة-: وجوب الحدود على من يسحقونها؛ فإن كثيرا من الناس قد لا يترك هذا الذنب إلا خوفا من العقوبة، ثم إن الرسل أيضا يأمرون أقوامهم بالطاعة، ثم يذكرون المصالح الدنيوية كقول نوح ﵊: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾. هذه المصلحة الدينية ﴿يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهرا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. هذه مصلحة دنيوية، ولولا أن الإنسان لا يضره إذا لاحظها ما ذكرها الرسل - عليهم الصلاة السلام؛ لأن ملاحظتها تكون ضررا على الإنسان، ومن ذلك قول النبي ﵊: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه".
стр. 294
مع أن صلة الرحم من أجل الطاعات، ومع ذلك رغب فيها الرسول ﵊ بشيء يعود إلى الأمور الدنيوية، ووجه ذلك من الحكمة: أن البدن مركب من شهوة وفطرة فلابد من أن يعطى ما يقيم الفطرة، وهو ما يتعلق بالدين، وما ينال به الشهوة وهو ما يتعلق بالدنيا، والله حكيم.
إذن نأخذ من هذا الحديث في قوله: "أنشط للعود": أنه لا بأس أن تعلل الأحكام الشرعية بعلل تعود إلى مصلحة البدن، وأن ملاحظتها بفعل الطاعة لا يؤثر؛ لأنها لا يمكن أن تذكر لنا بمجرد أن نطلع عليها فقط، لكن من أجل أن تدعم العزيمة والنشاط على الفعل.
حكم نوم الجنب بلا وضوء:
١١٠ - وللأربعة عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء" وهو معلول.
قولها ﵂: "كان ينام وهو جنب"، جملة "وهو جنب" حال، واعلم أن كلمة "جنب" تصلح للواحد وللجماعة، فمن استعمالها للواحد هذا الحديث: "ينام وهو جنب"، ومن استعمالها للجماعة: ﴿إن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. وإذا كانا اثنين هل تستعمل بالواحد أم بالجماعة؟ بالواحد والجمع، بمعنى أن يقال: كان جنبا، وذكر أنها تستنعمل بالتثنية، فيقال: كانا جنبين، لكن الأشهر أن "جنب" صالحة للواحد والمتعدد. "من غير أن يمس ماء"، وظاهره انه لا يمس ماء للغسل ولا للوضوء، لكن يقول المؤلف: "إنه معلول".
ولكن من فوائده: أنه لا يستحيا من الحق؛ لأن عائشة ذكرت ما يتعلق بالجماع والفرج، ومن عادة النساء أن تستحي أن تتكلم في هذا، لكن إذا كان لبيان الحق فلابد منه.
ومن فوائده: جواز نوم الجنب بلا وضوء، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال:
стр. 295
القول الأول: أنه يجوز بلا كراهة لهذا الحديث، ومنهم من قال: يجوز مع الكراهة، ومنهم من قال: لا يجوز أن ينام الإنسان وهو جنب إلا بوضوء.
أولا: القول بوجوب الوضوء: واستدل القائلون به بأن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ ، قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ فليرقد". فظاهر الحديث أن جواز النوم مشروط بالوضوء، والقول بالوجوب قوي، ولكنه ليس مما يغلب على الظن، أو مما يوجب القطع لحديث عائشة الذي ذكره المؤلف.
القول الثاني: أنه يجوز لكن على الكراهة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ﵏ أنه يجوز النوم على جنابة بلا وضوء، لكن مع الكراهة؛ وكأن قائل هذا القول يريد أن يجمع بين الأدلة، فيكون ظاهر حديث عمر الوجوب، لكن يضعف الوجوبحديث عائشة فيكون وسطا بين الوجوب وعدمه، يعني: وجوب الوضوء وبين عدم الوجوب.
القول الثالث: أنه سنة وليس بواجب؛ لأن كون الرسول ﵊ يتركه يدل على جواز النوم على جنابة بلا وضوء، لكن قد جاءت الأدلة بأنه ينبغي للإنسان ألا ينام إلا علة وضوء كما في حديث البراء بن عازب الطويل أن الرسول ﵊ قال له: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة". وهذا من حيث الدليل السمعي، ومن حيث الدليل النظري أنه ينبغي للإنسان أن ينام على طهارة؛ لأن نفسه تفارق البدن لكن ليس فراقا تاما، فينبغي أن يكون على طهارة، والمؤلف ﵀ كان ينبغي أن يذكر حديث عمر؛ لأنه مهم وهو صحيح ذكره صاحب العمدة، وكذلك ينبغي أيضا أن يذكر حديث أهل السنن في أنه ينبغي للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ، والله أعلم.
صفة الاغتسال من الجنابة:
١١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
стр. 296
١١٢ - ولهما من حديث ميمونة ﵂: "ثم أفرغ على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض".
وفي رواية: : "فمسحها بالتراب". وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده".
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة" "من" هنا سببية؛ أي: إذا اغتسل غسلا سببه الجنابة، و "الجنابة" في الأصل مأخوذة من المباعدة، وهي شرعا: إنزال المني بشهوة، أو إيلاج الذكر في الفرج - يعني الجماع، أو ألإنزال بشهوة-.
قولها: "يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه"، يغسل يديه أولا؛ وذلك لأن اليدين هما آلة الغسل والتنظيف، فكان الاعتناء بهما أولا هو الأنسب.
قولها: "ثم يفرغ بيمينه على شماله" يعني: بعد أن يغسل يديه يأخذ الماء من الإناء بيمينه يفرغها على شماله، ويحتمل أن المعنى: يفرغ بيمينه على شماله أنه يصب الإناء باليمين حتى يفرغها على الشمال "فيغسل فرجه" تنظيفا له من أثر الجنابة إن لم يكن قد بال، فإن كان قد بال فهو تطهير له من أثر البول.
قولها: "ثم توضأ" يعني: يتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا يقتضي انه يتوضأ وضوءا كاملا بتطهير الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.
قولها: "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر" يأخذ الماء؛ يعني: بيديه ويدخل أصابعه في أصول الشعر؛ لأن شعر النبي ﷺ كان كثيرا؛ إذ إنه لا يحلقه ﵊ إلا في حج أو عمرة، "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات" يعني: بعد أن أوصل الماء إلى أصول الشعر حفن على رأسه؛ يعني: بيديه ثلاث حفنات تكميلا لتطهير الرأس، وإنما شدد في تطهير الرأس من الجنابة؛ لأن الوضوء مبني على التخفيف؛ إذ إنه في أعضاء أربعة فقط بخلاف الغسل من الجنابة، ولما كان الغسل من الجنابة أوكد في التطهير صار الاعتناء بالرأس الذي فيه الشعر أولى؛ ولهذا كرر النبي ﷺ غسله ثلاث مرات، بعد ان أدخل الماء في أصول الشعر.
قولها: "ثم أفاض على سائر جسده" "أفاض" يعني: أفاض الماء على سائر الجسد، "سائر" يعني: باقي، وتكون بمعنى: "كل"؛ فإذا قلت: "أكرمت سائر الطلبة" المعنى: كلهم، وإذا قلت: "أكرمت الطلبة وسائرهم"، يعني: من جاء من بعدهم، فهذا المراد البقية، فالمراد بها هنا "سائر جسده" أي: بقية جسده، أما على كونها يراد بها الكل فهي مأخوذة من السور، سور الدار؛
стр. 297
لأنه محيط بها، وأما على كونها يراد بها البعض فهي مأخوذة من السؤر وهو بقية الطعام أو الشراب، "ثم غسل رجليه" تنظيفا وتطهيرا؛ لأنه - كما تعلمون- كان الناس فيما سبق ليس عندهم هذه الحمامات النزيهة الصقيلة فتتلوث الرجل بالطين فتحتاج إلى غسلها مرة أخرى تنظيفا لها.
"ولهما" أي: البخاري، ومسلم من حديث ميمونة: "ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله".
الفائدة قوله: "وغسله بشماله"؛ حيث نصت على أن سل الفرج يكون بالشمال، "ثم ضرب بها الأرض" أي: ضرب بشماله الأرض بعد أن غسل فرجه، وفي لفظ: "أو الحائط مرتين أو ثلاثا"؛ لأن ذلك أبلغ في سرعة إزالة ما علق بها، وكان الماء قليلا يحتاج إلى أن يزاد في الغسل بالضرب على الأرض أو على الحائط ليكون أبلغ في التطهير، وفي رواية: "مسحها بالتراب"؛ وهي بمعنى ضرب بها الأرض، وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده"، وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده" رد المنديل، يعني: لم يتمنندل به، "وجعل ينفض الماء بيده" يعني: يسلته عن جسده وينفضه.
هذا الحديث فيه بيان الغسل من الجنابة على الوجه الأكمل كما سمعتم، والواجب: هو أن يفيض الماء على سائر جسده على أي وجه كان سواء بدأ بالوضوء، أو بدأ بالرأس، أو بدأ بالجنب، أو بدأ بالأسفل، المهم أن يعم الماء جميع بدنه.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الواجب هو أن يعم الماء جميع البدن؟
قلنا: قوله ﵎: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. ولم يذكر الله تعالى البداءة بشيء دون آخر.
فلو قال قائل: هذا لفظ مجمل بينه فعل النبي ﷺ ؟
قلنا: نعم، هذا وجيه لولا أن السنة جاءت ببيان أنه ليس بواجب، أي: هذه الصفة التي ذكرتها عائشة وهي ما ثبت في البخاري في قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصل معهم، فسأله النبي ﷺ عن ذلك، فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك"، ثم حضر الماء فأعطاه النبي ﷺ ماء، فقال: "خذ هذا فأفرغه على نفسك". ولم يذكر له الكيفية التي ذكرت في حديث عائشة، ولو كانت واجبة لبينها النبي ﷺ ، لأن المقام يحتاج إلى البيان.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تصرح بما قد يستحيا منه لبيان الحق، لقولها: "إذا اغتسل من الجنابة"، ومعلوم أن أم المؤمنين عائشة هي إحدى زوجاته، وأنه سيكون جنبا منها ومن غيرها، ومثل هذا قد يستحيا منه، لكن إذا كان لبيان الحق فإنه لابد منه.
стр. 298
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن يغتسل الإنسان على هذه الكيفية المذكورة.
ومن فوائده: أنه يبدأ بالوضوء قبل الغسل؛ لقوله: "ثم يتوضأ ... إلخ"، وهل هذا الوضوء يكفي عن الوضوء مرة ثانية بعد الاغتسال؟ الجواب: نعم، بل لو أنه أفاض الماء على سائر جسده دون أن يتوضأ كفاه عن الوضوء؛ لأن الله لم يذكر في الجنب إلا أن يتطهر، ولم يذكر الوضوء، نعم لو مس ذكره في أثناء الغسل وقلنا بوجوب الوضوء من مس الذكر مطلقا؛ فهنا نقول: حصل حدث في أثناء الغسل فيجب أنيتوضأ له أما على القول بأنه لا ينتقض الوضوء بمس الذكر إلا إذا كان لشهوة كما هو القول الراجح فإنه لا يضره إذا مس ذكره في أثناء الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: العناية بغسل الرأس في الجنابة، وأنه يجب إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، ومثل هذا لا يفعل إلا إذا كان واجبا لما في ذلك من المشقة على الإنسان في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ ولأنه إذا كان في أيام الشتاء سيكون فيه مشقة أخرى بعد الاغتسال.
ومن فوائد هذا الحديث: تكرار غسل الرأس ثلاث مرات بعد إدخال الماء إلى أصول الشعر لقولها: "ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات".
ومن فوائده: أنه لا ينبغي تكرار الغسل في بقية البدن لقولها: "ثم أفاض على سائر جسده"، ولم تذكر التثليث، وهذا هو القول الراجح، وقال بعض أهل العلم: بل يسن التثليث قياسا على الوضوء، والصواب عدم ذلك؛ يعني: عدم صحة ذلك القياس، وأنه يكتفي بغسله مرة واحدو.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط الدلك وهو كذلك، لأنه لم يذكر في الحديث أن الرسول كان يدلك بدنه، لكن إذا خاف الإنسان ألا يعم الماء بدنه فينبغي أن يمر يده حتى يتيقن، لاسيما إذا كان قد ابطأ في غسل البدن فإنه يكون فيه شيء من الدهن ربما يزيل الماء عن بعض البدن فيحتاج أن يمسحه بيده حتى يتأكد من وصول الماء إلى سائر جسده.
ومن فوائده: مشروعية غسل الرجلين بعد انتهاء الغسل، ولكن هذا مقيد بما إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يذكر في رواية البخاري أنه غسل رجليه بعد الغسل، فالظاهر - والله أعلم-: أن هذا فيما إذا احتيج إليه، وأن الرسول يغسلها أحيانا ولا يغسلها أحيانا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الفرج يغسل بالشمال، سواء كان ذلك عن استنجاء أو عن جنابة، أو غير ذلك، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ قال: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان الماء قليلا فينبغي للإنسان أن يستعمل ما يساعد على
стр. 299
التنظيف بسرعة كالضرب باليد على الحائط، أو على الأرض كما جاء ذلك في حديث ميمونة ﵂.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التمسح بالمنديل؛ وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم ينه عنه، وإنما ردها لاحتمال أن تكون المنديل فيه شيء من الوسخ، أو خاف ان يشق على الأمة، أو ما أشبه ذلك، ويدل لهذا أنه لولا أنه من عادة الرسول ﵊ انه يستعملها ما جاءت بها ميمونة فالظاهر أن هذا كان معتادا لكن ردها لسبب من الأسباب.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نفض الماء باليد، واما ما ورد من النهي عن ذلك فإنه ضعيف لا تقوم به حجة، فالصواب أنه يجوز للإنسان أن يتمندل، وإذا لم يفعل فلا حرج أن ينفض الماء بيده.
١١٣ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: "يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ -وفي رواية: والحيضة؟ -فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حيثات". رواه مسلم.
قولها: "إني امرأة أشد شعري" "أشد"؛ يعني: عند فتله ليكون ضفائر وقرونا، ومعلوم أن شد الشعر يقتضي ألا يتخلله ماء إلا بمعالجة، وقولها ﵂: "أفأنقضه لغسل الجنابة"، وفي رواية: "والحيضة" يعني: والحيض؟ فقال: "لا"، وقوله: "لا" يحتمل أنها للنهي أو أن هذه نفي الوجوب، فإن قلنا: للنهي صارت المرأة لا يسن لها أن تنقض، بل ولا ينبغي لها ذلك؛ لأنها سوف تفسد ما أصلحت بدون ضرورة، وغن قلنا إنها لنفي الوجوب صار يجوز للمرأة أن تنقض الشعر، ويأتي في الفوائد إن شاء الله، وقوله: "إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" يعني: بدون أن تنقضيه.
ففي هذا الحديث من الفوائد: أولا: صراحة نساء الصحابة ﵃ في السؤال عما قد يستحيا منه؛ لأن أم سلمة ﵂ قالت: "أفأنقضه لغسل الجنابة".
ومنها: جواز شد شعر الراس، ولكن ينهى أن تجعل المرأة شعررأسها فوق؛ لأنه ربما يكون ذلك سببا للتدرج حتى تجعل الرءوس كأسنمة البخت المائلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونستاء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب نقض شعر المرأة عند الغسل من الجنابة أو الحيض لقول النبي ﷺ : "لا"، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن تكون لنفي الوجوب ويحتمل أن تكون للنهي.
стр. 300
ومن فوائد هذالحديث: أنه يكفي أن يحثي الإنسان علىراسه ثلات حثيات.
فإن قال قائل: وهل يكفي دون ذلك؟
فالجواب: نعم، لكن لما كان الرأس الذي له شعر يحتاج إلى المبالغة قال: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، وإلا إذا علمنا أن الحثية الواجدة بلغت أصول الشعر، فإنه لا يلزمها أكثر من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦].
حكم المكث في المسجد للحائض والجنب:
١١٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
قوله: "إني لا أحل" الجملة هذه مؤكدة ب"إن"، وقوله: "لا أحل" أي: لا أجعله حلالا تكون فيهالحائض وتمكث فيه، "ولا جنب" أي: منعليه جنابة، وعرفتم أن الجنابة تكون بأحد أمرين: إما الإنزال بشهوة، وإما الجماع، ومعنى: لا أحل" أي: لا أحل المكث فيه، أما المرور فإنه لا بأس به كما سنذكره إن شاء الله.
في هذا الحديث فوائد:
منها: جواز إضافة التحليل والتحريم إلى الرسول ﵊، وأنه ﵊ يحلل ويحرم كما أن الله ﵎ يحلل ويحرم، قال الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. كذلك النبي - عليه الصلا والسلام- له أن يحلل ويحرم كما له أن يأمر وله أن ينهى.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم المساجد، وذلك بمنع الحائض والجنب منها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز للحائض أن تمكث في المسجد سواء مكثت جالسة أو مضطجعة، أو مترددة فيه، ومن ثم منع النبي ﷺ الحائض من الطواف، فإن العلة الظاهرة فيه - أي: منعالحائض من الطواف- هو أنها تمكث في المسجد لأنها تتردد، والتردد هذا بمنزلة المكث؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: "إن الحائض إذا اضطرت إلى أن تطوف فلا بأس أن تطوف"،
стр. 301
ولكن الضرورة ما هي؟ ظن بعض الناس أن الضرورة بمعنى الحاجة، وأن المرأة لها أن تطوف إذا أراد أهلها أن ينفوا وإن كان يسهل عليها أن ترجع بعد الطهر وتطوف، ولكن هذا ليس بصحيح، هذا ظن خاطئ وهو غلط على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن شيخ الإسلام ﵀ فرض المسألة في أمر ضروري: امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع، وحينئذ إذا قلنا بأنها غير محصرة تبقى محرمة مدى الدهر إلى أن تستطيع الرجوع إلى البيت، وإن قلنا: إنها محصرة فاتا الحج، أو العمرة، وهذا خسارة عظيمة، لاسيما النساء اللاتي يأتين من محل بعيد، وأما المرأة الحائض التي تكون في السعودية - عندنا- فيسهل عليها أن تبقى مع محرمها، أو أن تذهب على إحرامها، فإذا طهرت ادت فطافت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه لا يجوز للمرأة وهي حائض أن تعبر المسجد، وكذلك الجنب لقوله: "لا أحله لحائض ولا جنب"، ولكن قد دلت الأدلة الخرى بجواز عبور المرأة الحائض المسجد، حيث طلب النبي ﷺ من إحدى أمهات المؤمنين أن تأتي بالخمرة وهي في المسجد - أعني: الخمرة- فقالت: إنها حائض، فقال لها: "إن حيضتك ليست في يدك"، وكذلك الجنب قال الله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣]. وعليه فيكون المراد بنفي الإحلال هو المكث، وأما المرور والعبور فلا بأس به، إلا أن العلماء ﵏ اشترطوا في الحائض أن تأمن تلويث المسجد، فإن كانت لا تأمن بحيث ينزل الدم إلى المسجد فإنه لا يجوز لها أن تمر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تنجيس المسجد.
فإن قال قائل: وهل يزول التحريم بالوضوء؟
نقول: أما الجنب فنعم، يزول التحريم بالوضوء، فغذا توضأ جاز له المكث في المسجد؛ لأن هذا هو عمل الصحابة ﵃ من وجه، ومن وجه آخر هذا الوضوء يخفف الجنابة، وأما الحائض فلا؛ لأن الحائض لا يمكن أن يصح منها الوضوء؛ لماذا؟ لأن الحدث باق، ومن شروط صحة الوضوء: ارتفاع الحدث، بمعنى ألا يكون المتوضئ قد استمر به الحدث، إلا من حدث دائم فيجوز وضوءه للضرورة بالشروط المعروفة.
وعلى هذا فنقول: إذا توضأ الجنب جاز له أن يمكث في المسجد فإن انتقض وضوءه بعد ان توضأ فهل يجوز أن يمكث؟ الجواب: "نعم"؛ لأن تخفيف الجنابة حصل بالوضوء؛ ولأن الصحابة يتوضئون وينامون في المسجد، والنوم ينقض الوضوء، ولو كان نقض الوضوء يعد مانعا من المكث في المسجد للجنب لما جاز لهم أن يناموا.
стр. 302
جواز اغتسال الزوجين في مكان واحد:
١١٥ - وعنها ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه سلم من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة"". متفق عليه. وزاد ابن حبان: "وتلتقي أيدينا".
"كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد" يعني: بالاغتراف، "تختلف أيدنا فيه".
يعني: أنه يكون قد مزع يدع وفيها الماء، وهي نزلت يدها لتغترف، وقولها: "من الجنابة" متعلق ب"يغتسل"، يعني: نغتسل من الجنابة، وليس غسلا يتبرد به بل هو غسل عن حدث.
ففي هذا الحديث من الفوائد: ما سبق من صراحة نساء الصحابة ﵅، وأنهن يبين الحق، ولو كان مما يستحيا منه.
ومنها: جواز اغتسال الرجل مع امرأته. فإن قال قائل: لماذا لا يجعلونه سنة؟ قلنا: هذا لا يظهر فيه أثر التعبد، والظاهر أنه من قسم المباح، نعم إذا كان يؤدي إلى قوة المحبة والمودة والائتلاف قلنا: إنه يسن من أجل هذا الغرض النبيل؛ لأنه إذا ارتفعت الكلفة بين الزوجين إلى هذا الحد فإن المودة سوف تزداد وتقوى.
ومنها جواز تعري الزوجين بعضهما عند بعض؛ لأن الاغتسال لابد فيه من التعري، وقد قال الله ﵎: ﴿والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. وهذا جائز عند الاغتسال، وجائز أيضا في الفراش، وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجردا تجرد العيرين". فهذا إن صح فالمراد أن يفعلا ذلك وهما مكشوفان، وأما إذا كانا عليهما اللحاف فلا بأس بذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز اغتراف الجنب من الماء ليتطهر به.
ومن فوائده: أن الماء المستعمل أو الماء الذي تغمس فيه اليد التي فيها الحدث لا يكون طاهرا، بل هو طهور وإلا لارتفعت الطهورية من أول مرة غمس فيه يده، وهذا القول هو الراجح أن الماء المستعمل في طهارة باق على طهوريته ولا يفتقده ذلك الاستعمال الطهورية؛ لأنه لا دليل على أن الماء ينتقل من وصف الطهورية إلى وصف الطاهر غير مطهر، وإذا لم يكن دليل فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
стр. 303
١١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر". رواه أبو داود والترمذي وضعفاه.
قوله: "إن تحت كل شعرة جنابة" يعني: شعرة من شعر الرأس، ومن شعر الجسد أيضا، "فاغسلوا الشعر" وهذا في فروع الشعر، "وأنقوا البشرة" يعني: أصول الشعر، والحديث كما رأيتم ضعيف، لكن عموم قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ يدل على أنه لابد أن يكون التطهير شاملا لجميع الجسم.
١١٧ - ولأحمد عنن عائشة ﵂ نحوه، وفيه راو مجهول.
فيكون ضعيفا؛ لأن من شرط الصحة: أن يكون الراوي معلوما؛ أي: معلوم العدالة ومعلوم الضبط؛ وبهذا انتهى باب الغسل وحكم الجنب.
أسئلة:
- في قوله ﷺ : "الماء من الماء" ماذا يريد به، وما معنى الحديث؟
- هل الغسل لا يجب إلا عند الإنزال؟
- إذا نزل المني بغير شهوة هل يجب الغسل؟
- هل يمكن أن تحتلم المرأة؟
- هل أوردت أم سلمة على الرسول في هذا الحديث إشكالا؟
- رجل احتلم ولكنه لم ير أثرا، وآخر رأى أثرا ولم يذكر احتلاما، ما حكمهما؟
- إذا رى ماء ولم يذكر احتلاما وشك هل هو الماء الدافق أم غيره ماذا يكون حكم الماء الذي رآه؟ وإن شك أهو ماء أو عرق، فما حكمه؟
- هل يجب الاغتسال للإسلام بعد الكفر؟
- "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ما معنى الحديث؟
- رجل أتى أهله ثم أراد أن ينام، وآخر أتى أهله ثم أراد أن يعود ماذا يفعلان؟
- أيهما أوكد أن يتوضأ للنوم أو يتوضأ للعود؟
- الغسل له صفتان واجبة وكاملة؟
- لو قال قائل: إن حديث عائشة بيان لمجمل، وبيان الواجب واجب؟
- إذا قال قائل: ما الحكمة أن يعم الغسل جميع البدن في الجنابة؟
стр. 304
- لماذا اتقصر الوضوء على الأعضاء الأربعة؟ لأن فيها كثرة الذنوب وهي تخرج مع الماء.
- هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد؟
الحديث يقول: "لا أحل المسجد لحائض"؟ أي: المكوث، أما المرور فإنه جائز.
وهل يجوز للجنب أن يمر في المسجد؟
- هل يجوز للرجل أن يغتسل مع امرأته في مكان واحد وهم عراة؟
- هل يمكن أن يستدل لهذا القرآن؟ نعم، ما هو؟ قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حفظون﴾ [المؤمنون: ٥].
٩ - باب التيمم
"التيمم" لغة: القصد، قال الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فيمموا صعيدا طيبا﴾ [المائدة: ٦]. أي: اقصدوا.
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بمسح الوجه واليدين بالتراب على صفة مخصوصة، فهو عبادة يتعبد بها الإنسان لربه ﵎، وقد دل على مشروعية التيمم القرآن والسنة وإجماع المسلمين؛ ففي القرآن: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. وفي السنة ما يأتي إن شاء الله، أما الإجماع: فهو معلوم، لكنه لابد فيه من شروط:
الشرط الأول: تعذر استعمال الماء؛ إما لعدمه، وإما للتضرر باستعماله، وهذا شيء متفق عليه دل عليه القرآن، بقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ [المائدة: ٦]. ودل عليه النظر الصحيح أيضا، وهو أن التيمم فرع والتطهر بالماء أصل، ولا يجوز فعل الفرع من إمكان الأصل، فيكون الدليل على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع.
وأما الشرط الذي اشترطناه فالدليل عليه: أن الله اشترط عدم وجود الماء: وأن النظر الصحيح يدل عليه؛ وهو أن طهارة التيمم فرع، ولا يمكن أن تعدل إلى الفرع مع وجود الأصل، واعلم أن مشروعية التيمم من رحمة الله بعباده؛ لأن الناس قد يتضررون باستعمال الماء إما لمرض أو لشدة برد ولا مسخن، أو لعدم وجوده، أما ما أشبه ذلك، فكان من رحمة الله أن يسر للعباد وشرع لهم التيمم، وسيأتي - إن شاء الله- أنه من خصائص هذه الأمة.
بقي أن يقال: وهل يشترط دخول الوقت في التيمم؟
الجواب: لا، لا يشترط دخول الوقت، بل إذا تيقن أنه لن يجد الماء كما لو كان في أرض مفازة، أو أنه لن يستطيع القدرة على استعماله كما لو كان مريضا يعرف أنه لن يبرأ قبل دخول الوقت؛ فهنا له أن يتيمم متى شاء؛ لأن التيمم مطهر كما سيأتي إن شاء الله، وإذا كان مطهرا ففي أي وقت استعملته فهو مطهر.
стр. 305
وهل يبطل بخروج الوقت؟
الجواب: لا، إذن ليس دخول الوقت شرطا لصحته ولا خروجه- أي: الوقت- مبطلا له، بل ما دام الإنسان على طهارته فهو على طهارة؛ لأن التيمم طهارة كاملة كما سيتبين إن شاء الله تعالى.
وهل يختلف فيه الحدثان الأكبر والأصغر؟
الجواب: لا، لا يختلفان الأصغر والأكبر سواء؛ لأن المقصود به التدين والتعبد لله .
وهل يشرع في غبر الحدث، كما لو كان بدنه نجسا - يعني: عليه نجاسة، ولم يجد ما يغسلها به فهل يتيمم؟
الجواب: في هذا خلاف، والصحيح لا؛ وذلك لأن المقصود من غسل النجاسة هو إزالتها، وهذا لا يحصل بالتيمم فلا فائدة منه، وكما أنه لا يتيمم لنجاسة الثوب، لو كان عليه ثوب ولا يستطيع تطهيره فإنه لا يتيمم له، ولا يتيمم لنجاسة الأرض لو كان في أرض نجسة لا يستطيع الخروج منها، لا نقول: تيمم، إذن التيمم خاص بالحدث الأصغر والأكبر فقط.
التيمم من خصائص الأمة الإسلامية:
التيمم من خصائص هذه الأمة، وكم لله تعالى من فضل على هذه الأمة من الخصائص العظيمة لو لم يكن من ذلك إلا أن الله خصها بهذا النبي الكريم ﷺ لكان كافيا، فإن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، والرسول ﷺ خير رسول أرسل إلى الناس، وخصائص هذه الأمة كثيرة ولله الحمد منها: التيمم؛ حيث قال المؤلف ﵀ فيما ساقه:
١١٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل". وذكر الحديث.
"أعطيت" والمعطي هو الله، فضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولهذا قال النبي ﵊ وهو يقسم الغنائم: "إنما انا قاسم والله يعطي". فالذي أعطاه الله تفضلا منه وكلاما، وقوله: "خمسا" هذا لا يفيد الحصر، بل إن النبي ﷺ يأتي بمثل هذا العدد في بعض الأحيان مع وجود ما يماثله ولكنه يريد تقريب الشيء؛ ولهذا للنبي ﷺ خصائص غير هذا؛ ولهذه الأمة خصائص غير هذه، وهذا مثل قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم". ويوجد آخرون.
стр. 306
ومثل قوله: "سبعة يظلهم الله في ظله". ويوجد آخرون.
قوله: "لم يعطهن أحد" ممن؟ من الأنبياء وغيرهم. "قبلي"، ولماذا لم يقل: ولا بعدي. لأنه لن يأتي رسول من بعده.
الأول: قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" نصرت، والناصر هو الله ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله: "بالرعب" أي: الخوف الذي يلقيه الله ﵎ في قلوب الأعداء كما قال تعالى في بني النضير: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ [الحشر: ٢]. ولا شك أن الرعب في العدو أقوى سلاحا بفتك به؛ لأن من في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت قدمه لأبد أن يهرب ولا يمكن أن يستقر، فالرعب من أعظم، بل إن لم أقل أعظم سلاح بفتك بالعدو.
وقوله: "مسيرة شهر" يحمل هذا على ما كان معروفا في عهد الرسول - عليه الصلا والسلام- وهو سير الإبل المحملة وليس في كل زمان ومكان؛ لأننا لو قلنا بهذا لكان في زماننا مسيرة شهر يبلغ كل المعمورة مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن المراد ما كان معروفا في عهد النبي ﷺ .
والثاني: يقول: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا﴾ هذا الشاهد ف"الأرض" هنا "أل" فيها للعموم؛ أي: كل أرض مسجدا، أي محلا للصلاة، وأصله محل السجود، لكن السجود يطلق على الصلاة، فيكون المعنى: مسجدا، أي: محلا للصلاة، أي مكان، : وطهورا" الطهور بالفتح ما يتطهر به، فوصف الله الأرض بأنها طهور، وأطلق ولم يقل: الأرض ذات التراب، ولا ذات الأشجار أطلق، وقال: "طهورا" كما قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴿[الفرقان: ٤٨]. ليتطهر به، والأرض طهور كما أن الماء طهور، "فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل" هذه جملة شريطة مكونة من فعل الشرط وهي "أدركته الصلاة"، وجوابه وهو قوله: "فليصل"، وإدراك الصلاة يكون بدخول وقتها فليصل في أي مكان؛ لأنه إن قال: أريد أن أؤخر لأجل أن أتوضأ بالماء.
قلنا له: الأرض طهور، وإذا قال: أؤخر الصلاة لأجد مكانا أطمئن إليه أكثر. قلنا: الأرض مسجد لا عذر لك، عندك طهورك وعندك مصلاك فلا عذر لك.
قال: "وذكر الحديث"، وينبغي أن نذكره لما فيه من الفائدة: "وأحلت لي الغنائم". هذه الثالثة: "ولم تحل لأحد قبلي" "الغنائم": ما يأخذه المسلمون من أعدائهم بقتال وما ألحق به، وكانت فيما سبق تجمع وينزل الله عليها نارا من السماء فتأكلها؛ ولذها احتج المكذبون للرسول ﵊ بقولهم: يأتينا بقربان تأكله النار، فكانوا فيما سبق يجمعون
стр. 307
الغنائم فينزل الله عليها نارا فتأكلها، وإذا حدث أن أحدا غل من الغنيمة - يعني: أخذ منها - لم تنزل النار فيبحث من الغال حتى إذا أدرك وألقى الغلول في الغنيمة نزلت النار فأكلتها، وهذه من آيات الله .
الرابعة: "وأعطيت الشفاعة" والشفاعة هنا المراد بها: الشفاعة العظمى التي لا ينالها إلا محمد ﷺ ، وهي التي تكون حين يصيب الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون في الموقف؛ لأن الموقف مقداره خمسون ألف سنة بأهواله العظيمة التي تجعل الولدان شيبا، فيلحق الناس هم وكرب لا يطيقونه، فيلهمهم الله أن يذهبوا إلى آدم أبو البشر خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ولكنه يتعذر، فيلهمهم الله أن يذهبوا إلى نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وأثنى الله عليه بقوله: ﴿إنه كان عبدا شكورا﴾ [الإسراء: ٣]. ولكنه يعتذر، ثم يأتون إلى إبراهيم بالترتيب الزمني فيعتذر، فيأتون إلى موسى فيعتذر، فيأتون إلى عيسى كل ذلك بإلهام الله فلا يعتذر لكنه يتخلى عنها لوجود من هو أحق بها وهو رسول الله ﷺ ، وهذه من حكمة الله ، أن الله ألهمهم أن يذهبوا إلى هؤلاء السادة فيعتذرون بما يعتذرون به.
والخامس منهم لا يعتذر بشيء، ولكنه يحيل المسألة إلى من هو أولى بها وهو النبي ﷺ ، فيأتون إليه فيشفع لهم عند الله. ويأتي الله تعالى للفصل بين عباده، هذه الشفاعة كما سمعتم لم ينلها أحد من الناس، أشرف البشر ما نالوها، ادخرها الله لمحمد ﷺ ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا أحد يحجر على الله؛ لأن له الحكم يفعل ما يشاء، إذن أعطيت الشفاعة"، ما هي؟ الشفاعة العظمى التي يعتذر عنها سادات البشر، وينالها محمد ﷺ .
الخامسة: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ويعثت إلى الناس عامة". "كان النبي" المراد بالنبي هنا: الجنس، يعني: النبي من الأنبياء يبعث إلى قومه، وذلك حين تتعدد الأقوام، وإنما قيدت بذلك لئلا يرد علينا رسالة نوح؛ لأن نوحا رسالته إلى أهل الأرض، لكن في ذلك الوقت ما كان هناك أمم متفرقون وأقوام لكل قوم نبي، بل الناس واحد فبعث إليهم نوح وقصته معروفة، "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، وقلنا: إن نوحا ﵇ بعث على الناس عامة لأنهم قومه، لم تتفرق الأمم ولم تكثر الخلائق فكان قومه هم أهل الأرض؛ ولهذا قال ﵊: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا﴾ [نوح: ٢٦]. وأغرق الله أهل الأرض كلهم إلا ثلاثة من بني نوح.
стр. 308
في هذا الحديث فوائد:
منها: منة الله ﵎ على هذه الأرمة؛ حيث خصها بخصائص لم تكن للأمم من قبلهم، وهذا داخل في ضمن قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. ولم يرد سوى هذا اللفظ فيما سواها من الأمم؛ ورد في بني إسرائيل أن الله فضلها على العالمين، لكن قال العلماء: أي: عالمي زمانهم لا على كل العالم؛ لأن هذه الأمة بالاتفاق هي خير الأمم.
ومنها: فضيلة النبي ﷺ ؛ حيث أعطاه الله تعالى ما لم يعط أحدا من الأنبياء قبله.
ومنها: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ حيث يجمع بعض الأشياء المتشتتة في سياق واحد؛ لأن ذلك أوعى للقلب وأسمع للأذن، ولم يلزم إذا خص عددا معينا في موضع ألا يزيده في موضع آخر كما قد بينا في الشرح.
ومن فوائد هذا الحديث: إعطاء الرسول ﷺ هذا السلاح الفتاك في عدوه وهو الرعب، فقد نصر بالرعب مسيرة شهر، وما دون ذلك من باب أولى.
وهل يثبت هذا لأحد من أمته؟ الجواب: إذا كانت الأمة على سيرة نبيها ﷺ ثبت لها ذلك ولا شك؛ لأن المعنى الذي نصر من أجله الرسول ﷺ إذا وجد في أمته فالنصر باق كما قال الله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٢]. وعلى هذا فنقول: إذا تخلف النصر عن الأمة فلابد أن يكون لذلك سبب، وأسباب الخذلان كثيرة:
منها: المعصية. ومنها: الإعجاب بالنفس. ومنها: عدم الإخلاص في الجهاد كالذين يقاتلون لأجل القومية العربية، أو غيرها من القوميات، فإن النصر ليس مضمونا لعدم الإخلاص؛ لكن قد يكون من اجل أن يسلطوا على الآخرين لا انتصارا لهم، أن النصر إذا تخلف في هذه الأمة فلابد أن يكون له سبب، وأما إذا قامت الأمة بما قام به نبيها ﷺ وخلفاؤها الراشدون فإنه لابد أن يحصل النصر، ومن تتبع التاريخ علم الشاهد لذلك.
نتكلم الآن عن قوله: "مسيرة شهر" دائما يكون في الحديث مسيرة ثلاثة أيام، مسيرة شهر، وفي القرآن خمسين سنة، خمسين عاما وما أشبه ذلك، فالمسيرة هنا مسيرة الشهر، بأي شيء توزن المسيرة؟ قال العلماء: توزن المسيرة فيما هو غالب في ذلك الوقت، والغالب في ذلك الوقت سير الإبل المحملة على عادة المسافر لا السريعة ولا البطيئة جدا، كل ما وجدت مسيرة يومين أو ثلاثة أيام أو ما أشبه ذلك، فاحملها على أن ذلك على مسيرة الإبل المحملة التي جرت العادة بالقياس بها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله جعل الأرض مسجدا وطهورا، والجعل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى الشرع، وقسم بمعنى التصيير والخلق، ففي قوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسا وجعلنا
стр. 309
النهار معاشا﴾ [النبأ: ١٠، ١١]. ما هذا؟ الخلق والتصيير، أي: صبرناه معاشا، ﴿وجعلنا الليا والنهار ءايتين﴾ [الإسراء: ١٢]. كذلك وفي قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ [المائدة: ١٠٣]. أي: ما شرع؛ لأن البحيرة موجودة، العرب يفعلون البحيرة، والسائبة والوصيلة والحام، لكن ﴿ما جعل﴾ أي: ما شرع، هنا جعلت الأرض مسجدا من أي القسمين؟ الشرعي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع الأرض تصح فيها الصلاة، كل الأرض، فأي إنسان رآك تصلي وقال: صلاتك غير صحيحة في هذا المكان لابد أن تقول: ما هو الدليل؟ وعموم هذا يقتضي صحة صلاة الفريضة في جوف الكعبة، فتصح صلاة الفريضة في جوف الكعبة كما تصح النافلة، وصلاة النافلة ثبتت بها السنة، فإن النبي ﷺ صلى ركعتين في جوف الكعبة. والأصل أن ما ثبت في النقل ثبت في الفرض، وعندنا هذا العموم: "جعلت لي الأرض مسجدا".
فإن قال قائل: الفريضة لا تصح في الكعبة، ولا في الحجر؟
سألناه هل الكعبة في السماء أم في الأرض؟ فسيقول: في الأرض، إذا قال: في الأرض، قلنا: ما الذي أخرجه من هذا العموم: "جعلت لي الأرض".
يبقى على هذا: ما الذي يستثنى لننظر؟
أولا: المكان النجس يستثنى، المكان النجس لا يصلى فيه، ودليل ذلك: أنه لما بال الأعرابي في المسجد أمر النبي ﷺ أن يصب عليه ذنوبا من ماء. وهذا يدل على أنه لابد أن تكون أرض المصلي طاهرة، وهذا نص صريج.
ثانيا: قول الله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]. وهذا يشمل الطهارة الحسية والمعنوية، هذا واحد؛ المقبرة لا تصح الصلاة فيها، ودليل ذلك أمرين:
الأمر الأول: قول النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور".
فإذا نهى عن الصلاة إلى القبور - أي: تجعلها قبله له- خوفا من الفتنة والشرك، فالصلاة بينها من باب أولى ولا شك.
الأمر الثاني: أنه روى الترمذي بإسناد لا بأس به، أن النبي ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". فالمقبرة لا يصح الصلاة فيها لا فرضا ولا نفلا سواء كان ذلك بين
стр. 310
القبور، أو خلف القبور، أو عن يمين القبور، أو عن شمال القبور، وعلى هذا فإذا كانت مقبرة كبيرة فيها مساحات كبيرة لم يدفن فيها؛ فالصلاة في هذه المساحات لا تصح؛ لأنها داخلة في اسم المقبرة، ومن هنا نأخذ حرص الشارع على حماية التوحيد، وتجنب كل طريق موصل إلى الشرك؛ لأن فتنة القبور ليست هبة بل من أعظم الفتن التي افتتن بها بنو آدم فتنة القبور.
الثالث: "الحش والحمام"، الحمام فيه الحديث الذي سمعتم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، والحش من باب أولى، والفرق بينهما: أن الحمام هو المغتسل، والحش هو المحتلى - يعني: الذي يقضي فيه الإنسان حاجته ببول أو غائط-، وكان هذا معروفا عند السابقين، وأدركناه نحن، كان الناس بالأول في بيوتهم كنف تقضى فيها الحاجة فقط، البول أو الغائط، ثم يقوم الإنسان من هذا المكان إلى مكان آخر ليستنجي أو يستجمر، فالمكان الأول هذا يسمى حشا لا تصح الصلاة فيه لهذا الحديث الذي هو الحمام، فإن الحش أخبث من الحمام.
الرابع: أن تكون الصلاة إلى قبر بحيث يكون القبر بين يدي الإنسان، فإن الصلاة في هذا المكان لا تصح؛ لا لأنه نجس أو خبيث أو ما أشبه ذلك، ولكن لأن كون القبر أمامك وسيلة إلى الشرك، فإنه قد يتدرج الناس - ولاسيما الجهال- إلى الصلاة للقبور؛ ولهذا ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: "لا تصلوا إلى القبور".
الخامس: أعطان الإبل وهي مناخها التي تقيم فيها وتأوي إليها، وعلى القول الصحيح: ما تعطن فيه بعد شرب الماء؛ لأن الإبل إذا شربت الماء تنحت قليلا عن مكان الماء ثم وقفت تبول وتروح، فالإبل معاطنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في معاطن الإبل فأيى، قال: "لا"، قالوا: نصلي في مرابض الغنم، قال: "نعم". هل لأن أروائها نجسة وأبواها نجسة؟ لا، ولكن لأن أعطانها مأوى الشياطين؛ لأن الإبل خلقت من الشياطين كما خلق الإنسان من عجل - يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين - وليس المعنى: أنها من ذرية الشيطان؛ لأن هذا عالم آخر، لكن هذا كقوله: ﴿خلق الإنسن من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين، فتكون معاطنها مأوى الشياطين فلا تصح الصلاة فيها؛ وقال بعض
стр. 311
العلماء: إنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأنه يخشى على الإنسان الذي يصلي فيها أن تدعسه الإبل وتهلكه، لكننا لو جعلنا هذه هي العلة لزم أن تصح الصلاة فيها إذا لم تكن موجودة فيها، وظاهر الحديث العموم، وهذا هو الصحيح أنه عام فلا تصح الصلاة في معاطن الإبل، أما ما بركت فيه الإبل لكون صاحبها نزل في أرض يستريح يتغذى أو يتعشى أو ينام ثم بالت وراثت ثم انصرفت، فهذا لا يعد من معاطنها فتصح الصلاة فيه.
السادس: المغصوب عند كثير من العلماء: الأرض المغصوبة أو أي شيء غصبته من صاحبه وصليت؛ فإن الصلاة لا تصح فيه على قول كثير من أهل العلم، وجه ذلك أن لبسه في هذا المكان معصية ومنهي عنه ولا يمكن أن يكون محلا لطاعة لما في ذلك من التضاد، كيف تقيم مقاما نقول لك: إنك عاص، ونقول في نفس الوقت: إنك مطيع؟ ! هذه منافاة تامة وتناقض، فلا تصح الصلاة في أرض مغصوبة، وعلى هذا فمن بقي في بيته مستأجرا دون رضا صاحب البين؛ فإن صلاته لا تصح ولا صلاة أهله، اللهم إذا كان أهله لا يستطيعون أن يصلوا في مكان آخر، فهنا قد نقول: إنهم مثل الذين حبسوا في مكان غصب تصح صلاتهم لكن إثمها على رب الأسرة.
فإذا قال: إنه باق بالأجرة بدون رضا المؤجر بناء على القانون؛ لأن بعض الدول إذا استأجر الإنسان البيت صار كالمالك لا يمكن لأن يخرج منه إلا إذا طارت نفسه منه. فنقول: إن القانون لا يحلل الحرام، وأنت إذا احتججت بالقانون فإذا أخذت الحجة بقوة السلطان فأنت ظالم لا شك، وإن احتججت بالقانون لأنك جعلته الحكم بين الناس دون حكم الله فإنك على خطر عظيم أن تكون مشركا، الذي يقيم بحجة القانون بغير رضا صاحبه لا يخلو من حالين: إما أن يحتج بالقانون باعتبار السلطة، وأنك لا تستطيع أن تخرجني؛ لأنك مهما رفعت الأمر سيكون بقائي لازم، فهذا نقول: إنه عارض ظالم، ولا إشكال فيه، وإما أن يحتج بالقانون مقدما له على حكم الله ورسوله، فهذا على خطر، ويصح أن نقول: إنه مشرك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ [التوبة: ٣١]. فقال عدى بن حاتم لرسول اله ﷺ : يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال: نعم، قال: "فتلك عبادتهم". فالمسألة خطيرة؛ ولهذا أوصي إخواني الذين من غير هذه البلاد أن يبثوا هذا الوعي في العامة أنه لا يجوز لأحد أن يسكن دار تخص غيره بغير رضاه حتى بحكم القانون.
стр. 312
أما الصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة - أي: الصلاة في الأرض المغصوبة-: أن الصلاة صحيحة لكنه آثم، وذلك لانفكاك الجهة؛ لأن الصلاة طاعة من حيث أمر الله بها، والغصب معصية من حيث النهي عن أكل المال بغير حق، ولم يرد النهي عن الصلاة نفسها، لو قيل مثلا: لا تصلي في أرض مغصوبة بهذا اللفظ، لقلنا: الصلاة باطلة، كما قلنا: إن الصلاة تدخل في أوقال النهي بقوله: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع البشمس". فهنا لو صلى الإنسان صلاة ليس لها سبب بعد صلاة الفجر، لقلنا: صلاته باطلة، وهو آثم، لأن النهي هنا عن الصلاة.
فالصحيح: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة لكنه آثم بالبقاء، ووجه ذلك: انفكاك الجهة؛ والنهي لم يرد عن الصلاة نفسها، لو قال الرسول ﷺ : "لا تصلوا في الأرض المغصوبة"؛ قلنا: إذن الصلاة باطلة كما قلنا ببطلان صلاة الرجل إذا صلى في وقت النهي.
المهم: ما هو الأصل في الأرض أن تصلح للصلاة أو لا؟ تصلح للصلاة، هذا هو الأصل، فأي إنسان يعترض قل له: هات الدليل، أما حديث عبد الله بن عمر في أنها لا تصح الصلاة في سبع مواطن. فهذا حديث ضعيف، ولا يعول عليه.
ومن فوائد حذا الحديث الشريف: أن جميع الأرض مكان للتيمم، لقوله: "وجعلت الأرض مسجدا وطهورا" كل الأرض، الأرض الحجرية يصح التيمم عليها؟ نعم، الرملية. نعم، الندية؟ نعم، كل الأرض جعلت مسجدا وطهورا.
فإن قال قائل: إذا كانت الأرض رملية أو ندية، أو حجرية فليس فيها غبار فلا يصح التيمم بها؟
قلنا: من قال أنه يشترط أن يكون فيها غبار والحديث عام، والنبي ﷺ يعلم أن الناس يسافرون في أيام الشتاء، وأيام الشتاء ما بين أمطار أو طل أو ما أشبه ذلك، وهو ﵊ سافر إلى تبوك وفي طريقه الرمال الكثيرة، والناس يتيممون، على هذا فالتيمم على أي نوع من أنواع الأرض جائز سواء كان فيها تراب أو لا.
فإن قال قائل: أليس قد جاء في هذا الحديث: "جعلت تربتها لنا طهورا"؟
فنقول: إن كانت هذه اللفظة محفوطة - يعني: عن النبي ﷺ فهي من ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام، وذكر أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يفيد التخصيص كما هو معروف، اللهم إلا إذا كان هذا المخصص لوصف يقتضي الحكم، كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم المجتهد، فهنا يكون التخصيص، أما اللقب الذي هو مجرد اسم فهذا ليس
стр. 313
بتخصيص، وهذا ما تجدونه أحيانا في بعض المجادلات ببين الفقهاء يقولون: مفهوم هاذ مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ليس بحجة.
قلنا طريقان: إما أن نقول: هذا ذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام، وهذا لا يقتضي التخصيص لما حققه أهل العلم في أصول الفقه، ومن آخر ما رأيت الشيخ الشنقيطي ﵀ في كتابه "أضواء البيان" وهذا هو الذي عليه الجمهور، وإما أن نقول: إن هذا بناء على الغالب.
فإن قال قائل: ما تقولو في قول الله: ﴿فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]؟
فالجواب: أن "من" هنا لا يلزم أن تكون للتبعيض، بل هي لبيان الجنس أو للابيتداء؛ ولهذا جاء في حديث عمار بن ياسر أن الرسول ﷺ لما ضرب الأرض نفخ في كفيه قبل أن يسمح وجهه، فالصواب: إذن: أن جميع الأراضي يصح التيمم منها بدون استثناء، لكن اشترط الله في ذلك أن تكون طيبة، قال: ﴿صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣].
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب طلب الماء قبل دخول الوقت؛ لقوله: "أدركته الصلاة".
ومن فوائده: الإشارة إلى فعل الصلاة في أول وقتها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز لمن دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء أن يصلي بالتيمم، وإن كان يعلم وجود الماء في آخر الوقت لقوله: "أدركته الصلاة".
وقال بعض أهل العلم: إذا علم وجوده في آخر الوقت لزمه التأخير، وله حظ من النظر؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها سنة، واستعمال الماء عند وجوده واجب.
ومن فوائده: أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها ولو لعالم بوجود الماء قريبا لقوله: "فليصل"، ويعضده قوله تعالى: ﴿إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣].
ومن فوائد الحديث: حل الغنائم لهذه الأمة؛ لقوله: "وأحلت لي الغنائم".
ومن فوائده: جواز النسخ في الأحكام سواء كان ذلك باعتبار النبوات أو باعتبار الشريعة الواحدة، يعني: باعتبار الشرائع، أو باعتبار الشريعة الواحدة.
ومن فوائده: فضيلة النبي ﷺ بإعطاء الشفاعة؛ لقوله: "وأعطيت الشفاعة".
ومن فوائده: إثبات الشفاعة، والعلماء ﵏، بل هذه الأمة- اتفقوا - فيما أعلم- أن الشفاعة العظمى ثابتة، يعني: قال بذلك السني والبدعي، أما الشفاعة في أهل الكبائر فعند المعتزلة والخوارج لا تثبت؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ولا يمكن أن يشفع فيه، والصحيح أنها ثابته، ولذلك أدلة معروفة في كتب العقائد.
стр. 314
ومن فوائد هذا الحديث: عموم رسالة النبي ﷺ لقوله: "ةوبعثت إلى الناس عامة".
ومن فوائده: أنه لا يمكن تغيير الشريعة باختلاف الزمن؛ لأنه لو جاز ذلك لم تكن رسالة النبي ﷺ عامة، لكن ما قيد بالمصالح فإنه يتغير باختلاف الأحوال، يعني: ما علم من الشرع أنه تابع للمصالح فإنه لا شك يختلف باختلاف الأحوال، وأما الأصول الثابتة فإنه لا يمكن أن تنسخ.
ومن فوائده: أنه لا عموم في رسالة أحد من الرسل إلا النبي ﷺ لقوله: "وكان النبي يبعث على قومة خاصة".
فإن قال قائل: أليس نوح بعث إلى الناس جميعا؟
قلنا: لأنه لا يوجد في ذلك الوقت إلا قومه.
عدم صحة التيمم مع وجود الماء:
١١٩ - وفي حديث حذيفة ﵁ عند مسلم: "وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء".
ففي هذا الحديث تخصيصان عن حديث جابر السابق.
الأول: قوله: "تربتها"، والثاني: قوله: "إذا لم نجد الماء".
فأما الأول: فهو قيد غير مراد؛ وذلك لأنه نص على بعض أفراد العموم؟ وذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، اللهم إلا إذا كان التقييد بمعنى يختص به فحينئذ يقتضي التخصيص، وهنا كلمة "التراب" ليست وصفا تتغير به الأحكام، وإنما هو لقب، سمي التراب لأنه تراب، ومفهوم اللقب عند العلماء غير معتبر.
وأما الثاني: "إذا لم يجد الماء" فهذا القيد لا شك أنه معتبر ينص القرآن؛ لقول الله تعالى:
﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣].
ويضاف إلى فوائد هذا الحديث: أنه لا يصح التيمم مع وجود الماء.
ولكن لو قال قائل: إن وجد الماء ولم يجد ثمنه، وليس ملكا له وليس عنده ثمن يشتريه به فهل نقول: إنه كعادم الماء؟
الجواب: نعم، لأن عدم ثمن الماء كعدم الماء.
فإن قال قائل: فإذا وهب له هل يلزمه قبوله هدية؟
فالجواب: لا، لا يلزمه لما في ذلك من المنة، هكذا قال العلماء، وبناء على هذا التعليل نقول: إذا وهبه له من لا منة له عليه كأبيه وابنه لزمه القبول، وأما إذا وهبه أجنبي فإنه لا يلزمه؛ لأنهربما في يوم من الأيام يمن عليه بذلك فيخجله.
стр. 315
فإن قال قائل: وهل يلزمه أن يشتريه إذا وجد الثمن؟
فالجواب: نعم، يلزمه؛ لأنه لا يصدق عليه أنه عادم.
فإن قال قائل: وهل يلزمه استعارته إذا قال: يمكن استعارة ما يحمل فيه الماء، كالدلو والرشاء وما أشبه ذلك؟
فالجواب: أنه يلزمه إلا إذا كان يخشى أن يمن عليه بذلك؛ فإنه لا يلزمه، أما إذا كان يستعيره من شخص قد علم أنه يفرح إذا استعير منه الشيء؛ فإنه يلزمه لعدم وجود العلة التي هي المنة.
١٢٠ - وعن علي ﵁ عند أحمد: "وجعل التراب لي طهورا".
وهو قريب من حديث حذيفة، وفيه من الفوائد من حديث حذيفة، أن التيمم مطهر كما سبق، وإذا كان مطهرا لزم أن يكون رافعا للحدث، وهذا هو ما تقتضيه دلالة القرآن والسنة، فالقرآن قال الله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة: ٦]. والسنة كما ترون وصف النبي ﷺ التراب أنه طهور، والطهور ما يتطهر به، وبناء على هذا القول لم تيمم من علم أنه لن يجد الماء بعد الوقت لو تيمم قبل دخول الوقت فتيممه صحيح، وله أن يصلي به، ومن تيمم في الوقت ثم خرج الوقت وعلى طهارته فتيممه لا يبطل إلا بزوال مبيحه، وهو البرء إن كان التيمم لمرض، ووجود الماء إن كان التيمم لعدم الماء، ثم قال ﵀:
حكم التيمم من الجنابة وصفته:
١٢١ - وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: "بعثني النبي ﷺ في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال هلى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي رواية البخاري: "وضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه".
قوله: "عن عمار بن ياسر قال: بعثني" بمعنى: أرسلني، فالبعث يكون بمعنى
стр. 316
الإرسال، ومن قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾ [النحل: ٣٦]. أي: أرسلنا، وقوله: "في حاجة" لم يبينها إما لأن الذي ينبغي للإنسان المرسل في حاجة - لاسيما من ولاة الأمور- ألا يبينهما؛ لأنها قد تكون من الأسرار التي ينبغي اطلاع الناس عليها، أو لسبب من الأسباب، "فأجنبت" أي: أصابتني جنابة، وجنابة تكون في واحد من الأمرين: إما بالجماع، وإما بالإنزال، والظاهر أنها كانت بالاحتلام، أعني: التي وقعت من عمار بن ياسر.
قوله: "فلم أجد الماء" وذلك بعد طلبه، قال العلماء: إن نفي الوجود لا يكون إلا بعد الطلب، وقد يكون تعبيره بقوله: "لم أجد الماء" فإنه هو أعلم بأنه ليس حوله ماء، فيصح ان يقول: "لم اجد الماء" وإن لم يطلبه.
"فتمرغت في الصعيد" أي: تقلبت، يعني: على الجنبين الأيمن والأيسر، والبطن والظهر، "كما تتمرغ الدابة" وهاذ التشبيه للبيان، وليس للتقبيح، لأنه لا يمكن أن يأتي بتشبيه للتقبيح، وهو من فعل نفسه وهو أيضا بإقامة عبادة، لكنه للبيان لئلا يظن الظان أنه تمرغ في بعض جسده بل في كله "كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك" أي: ذكر أنه أصابته الجنابة، وأنه تمرغ كما تتمرغ الدابة بناء على أن طهارة التراب كطهارة الماء، فكما أن الماء يعم جميع البدن فكذلك طهارة التيمم هكذا قال.
فقال له النبي ﷺ : "إنما يكفيك أن تقول: بيديك" "يكفيك" أي: عن التمرغ، ويحتمل أن المعنى: يكفيك عن الاغتسال الذي تمرغت من أجله أن تقول بيديك هكذا، هنا أطلق القول وأراد به الفعل؛ لأن اليد لا تقول القول باللسان، لكن قد يطلق القول ويراد به الفعل، "بيديك هكذا" ثم فسر هذا المجمل، "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه". قوله: "مسح الشمال على المين" يعني هكذا، وظاهره أنه على كل الكف ظاهره وباطنه؛ ولهذا قال: "وظاهر كفيه". إذن مسح الشمال على اليمين من الباطن، وظاهر كفيه من الظاهر، "ووجهه" يعني: ومسح وجهه.
وفي رواية للبخاري: "وضرب بكفيه الأرض" ولكنها لا تعارض رواية مسلم؛ لأن اليد إذا أطلقت فالمراد بها: الكف، وإذا قيدت بما قيدت به. فإذا قيل: يده إلى الكتف صارت اليد كل العضو، وإذا قيل: يده إلى المرفق صارت إلى المرفق، يده فقط صارت الكف، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. صار المراد بذلك: الكفين فقط، "وضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" وكأنه - والله أعلم- علق بهما تراب كثير فنفخ ليتساقط بعض ما علق ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
في هذه الرواية للبخاري زيادة النفخ: نفخ فيهما"، وفيه أيضا: سياق مخالفة الترتيب، فإن
стр. 317
سياق مسلم: أنه مسح بيديه قبل الوجه، وسياق البخاري: مسح الوجه قبل اليدين، وسياق رواية البخاري هو الذي يوافق القرآن، قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. فكون البدء بالوجه؛ لأنه أشرف، ولأجل أن يوافق ترتيب التيمم ترتيب الوضوء، فإن الترتيب في الوضوء: الوجه قبل اليدين.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: جواز بعث الغير في جاجة، فإن كانت دعوة أو كتابا أو ما أشبه ذلك فهي عبادة، وإن كانت خاصة فهي جائزة، وهذا لا ينافي كراهة السؤال - أي: سؤال الغير- لأنك إذا علمت أن الغير بفرح إذا كلفته بشيء فإن المنة تكون منك عليه، وليس منه عليك.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة، لقوله: "فأجنبت" وهذا قد يستحي منه الإنسان، لكن إذا كان لحاجة كبيان حكم شرعي، فإنه لا بأس به، وقد يكون واجبا.
ومن فوائده: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مقتضى القياس مساواة الفرع للأصل، وجهه: أنه قال الطهارة بالتراب على الطهارة بالماء فتمرغ.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز العمل بالقياس في عهد النبي ﷺ ، لكنه مشروط بما إذا لم يتمكن من الوصول إلى النص، فإن تمكن لم يصح القياس، أما إذا لم يتمكن فلا بأس؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه.
ومن فوائده: أنه لا قياس مع النص؛ لأن النبي ﷺ أبطل قياس عمار بن ياسر ﵁.
ومن فوائده: أن من اجتهد فاخطأ فإنه لا يؤمر بالإعادة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر عمارا بإعادة ما سبق من الصلاة، ولو أمره لنقل لأهميته، لا يقال: إن عدم النقل ليس نقلا للعدم؛ لأنا نقول هذا مهم، وإاذ كان عمار ﵁ ذكر صفة التيمم، فكيف لا يذكر إعادة الصلاة لو كان الرسول أمره بها مع أنها أهم؟
وعلى هذا؛ فإذا اجتهد الإنسان اجتهادا بلا تفريط وأخطأ؛ فإنه لا إعادة عليه، وهذا له شواهد وله أصول منها: المرأة التي كانت تستحاض حيضة شديدة ولا تصلي، فلم يأمرها النبي ﷺ بالإعادة لأنها بنت على الأصل، وهو أن الأصل في الدم أنه حيض، ولا تصلي الحائض، أما إذا كان مجرد حرص غير مبني على أصل أو كان هناك تفريط فإن عليه الإعادة.
من التفريط مثلا لو اجتهد في القبلة وهو في البلد يمكنه أن يسأل ويتيقن؛ فإن عليه الإعادة؛ لأنه قادر على تصحيح الاتجاه، أما إذا لم يكن تفريط فلا إعادة.
стр. 318
ومن فوائد هذا الحديث: أن محل التطهير في التيمم عضوان فقط، وهما: الوجه واليدان، وهما أشرف الأعضاء بالنسبة للوجه فالوجه أشرف من الرأسى، واليدان أشرف من الرجلين، ولهذا كفى بالتعبد أن يلوث الإنسان وجهه ويديه بالتراب، فصارت الطهارة بالتيمم مقصورة على عضورين فقط هما أشرف أعضاء الوضوء: الوجه واليدان.
ومن فوائد هذا الحديث: أن طهارة الوضوء وطهارة التيمم في الجنابة سواء، يعني من فوائده: أن الحدث الأصغر والأكبر سواء في طهارة التيمم بخلاف الماء.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يكرر المسح في التيمم؛ لأن حديث عمار ليس فيه أن الرسول ﷺ كرر، قال العلماء: وهكذا كل ممسوح فإن تكرار مسحه مكروه؛ لأن فيه نوع مضادة للحكم الشرعي، إذ إن الشارع إنما جعل تطهيره بالمسح تخفيفا فتكراره تقيل، فيكون فيه نوع مضادة، وعلى هذا كل شيء يمسح فتكرار مسحه مكروه، الرأس يكره تكرار المسح، الخفان يكره تكرار مسحهما، الجبيرة يكره تكرار مسحها، التيمم يكره فيه التكرار.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر إلا ضربة واحدة، وأكدها فقال: "ضربة واحدة".
هل يستفاد منه أن ما استعمل في الطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؟ ربما يستفاد من ذلك أن المستعمل بالطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؛ لأن الحديث ظاهره أن الرسول مسح الوجه، ومسح الكفين كليهما، أما الفقهاء الذين يرون أن التيمم المستعمل لا يجوز التطهير به، فيقولون: يمسح الوجه بالأصابع، ثم يمسح الكفين براحة اليد، ولا شك أن هذا تكلف لم تأت به السنة.
فإما أن يقال: إنه يستفاد منه أن الطهور المستعمل في طهارة واجبة لا ينتقل من الطهورية إلى الطهارة، وإما أن يقال: إن طهارة التيمم يراعى فيها التخفيف، على أن الأصل الذي ذكرناه على القول الراجح لا ينتقل فيه الماء من الطهرية إلى الطهارة، وأن الماء المستعمل في رفع الحدث طهور مطهر.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب استيعاب الوجه في مسح التيمم لقوله: "ووجهه"، وبه نعرف تقصير بعض العوام الذين إذا تيمموا يمسحون وسط الوجه فقط، والواجب أن يمسح الوجه كله من منحى الجبهة إلى أسفل اللحية، ومن الأذن إلى الأذن؛ لقوله: "وجهه".
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية النفخ بعد الضرب، لكن نقول: إن هذا مقيد بما إذا علق بهما تراب كثير.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الترتيب في التيمم سواء كان عن جنابة أو كان عن حدث
стр. 319
أصغر، ولكن الفقهاء ﵏ يقولون: إن تيمم عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن تيمم عن حدث أكبر لم يجب الترتيب، لكن ظاهر الأدلة وجوب الترتيب مطلقا، ولا يصح أن يقاس على طهارة الماء؛ لمخالفته لطهارة الماء في أصول كثيرة، فالصواب: وجوب الترتيب.
لكن هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيان؟ الظاهر هذا، أن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان في كل شيء.
إذا قال قائل: من أين لكم وجوب الترتيب؟
قلنا: لقول النبي ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به". هكذا أخرجه مسلم، وفي رواية في السنن، قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".
فإن قال قائل: وهل يجوز التيمم على غير الأرض كالتيمم على البساط ونحوه؟
فالجواب: إن كان فيه تراب جاز ذلك؛ لأن التراب الذي فيه جزء من الأرض وإن لم يكن فيه تراب فالظاهر أنه لا يجوز.
فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده في المكان إلا هذا الفراش النظيف؟
نقول: يسقط عنه التيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود التراب.
ومن فوائد هذا الحديث - حديث عمار-: أنه يجوز للجن التيمم كما يجوز للمحدث حدثا أصغر؛ لأن قضية عمار هي تيمم في الجنابة، وهذا أجمع العلماء عليه بعد أن كان فيه الحلاف قديما، وممن خالف فيد قديما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه خالف في ذلك، وقال: إإنعلى الجنب أن ينتظر حتى يجد الماء، ثم يغتسل، وناظره عمار في ذلك؛ لأن عمر كان مع عمار حين بعثه النبي ﷺ وذكره هذا - ذكر عمار عمر هذه القضية- ثم قال له: يا أمير المؤمنين، إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به، قال: لا، حدث نوليك ما توليت، فحدث به، فصار يتحدث به، ولكن الإجماع بعد ذلك انعقد - والحمد لله- على أنه يجوز التيمم للجنب ولمن حدثه أصغر.
١٢٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". رواه الدارقطني، وصحح الأئمة وقفه.
стр. 320
قوله: "التيمم ضربتان" يعني: أنه لابد من ضربتين: وقوله: "ضربة للوجه، وضربة لليدين": أما ضربة الوجه، فالوجه قد اثبت أنه يمسح بالتيمم، وأما اليدان فقال: "وضربة لليدين إلى المرفقين" هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، والأحاديث الكثيرة حديث عمار وغيره، وأن التيمم يكون في الكفين فقط وهو أيضا ظاهر القرآن، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله ﵊؛ ولذلك قال المؤلف: "وصحح الأئمة وقفه" الأئمة يعني بذلك: أئمة الحديث، ولا يلزم أن يكون المراد: أئمة الفقه؛ لأن إمام كل فن من له قدم فيه وأتباع عليه، فيكون الأئمة هنا ليس الأئمة الأربعة، ولكن أئمة الحديث.
وقوله: "وقفه" أي: كونه عن ابن عمر نفسه، وليس عن الرسول ﷺ ، وذلك لأن الموقوف عندهم هو ما انتهى إلى من؟ إلى الصحابي إذا لم يكن له حكم الرفع، فإن كان له حكم الرفع فهو مرفوع لكنه مرفوع حكما.
في هذا الحديث من الفوائد: أنه لابد من ضربتين في التيمم، ولكن ما دمنا صححنا أنه موقوف، فيكون هذا على رأي ابن عمر، والسنة بخلافه، بل والقرآن بخلافه؛ لأن الله قال في التيمم: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. ونحن نرى أن القرآن الكريم إذا أطلق الد فهي الكف فقط، ولهذا اجمع العلماء على انه لا يقطع في السرقة إلا الكف؛ لأن الله قال: ﴿أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ولم يقيد، أما في الوضوء فنعم إلى المرفق؛ لأن الله قيد ذلك فقال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾.
وفي قوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ دليل واضح على أن اليد إذا أطلقت لم تبلغ المرفق، وإنما المراد بها: الكف، وعليه يكون هذا الأثر من قول ابن عمر، ولكن لا عبرة به ما دام خالف
ظاهر القرآن وصريح السنة فإنه لا عبرة به؛ لأن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف النص القرآني أالنبوي، وأيضا المعنى يقتضي عدم مسح الذراع؛ لأن الذراع غالبا يكون خفيا إما في الثوب وإما في الرداء، فلا يظهر عليه أثر التعبد بتمرغ الإنسان أو بتعفير الإنسان وجهه ويديه، بخلاف الوجه وبخلاف الكف فإنه يظهر عليهما الغبار - غبار التراب- حتى يتبين أن هذا الرجل تعبد لله تعالى بتعفير وجهه وكفيه تقربا إلى الله واحتسابا للأجر.
следующие страницы →