← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ضده، فالحائض مثلًا يحرم جماعها وما عدا الجماع جائز، وإلحاق المظاهر منها بالحائض أقرب من إلحاق المحرمة؛ لأن المحرمة متلبِّسة بعبادة بناء على جواز الاستمتاع، ثم إن المحرمة أيضًا قد ورد ما يدل على تحريم الاستمتاع بها، فقد حرم الرسول ﷺ على المحرم أن يخطب الخطبة التي قد تكون ذريعة لعقد النكاح، وقد لا تكون، وحرم عليه أيضًا أن يعقد النكاح، فيكون الاستمتاع من باب أولى، وعلى كل حال: ففي مسألة الظهار الذي يظهر أن المحرَّم هو الجماع، وأن ما سواه لا بأس به. يستفاد من هذا الحديث: صراحة الصحابة- ﵃ في طلب الوصول إلى الحق لأنه جاء وأخبر النبي ﷺ بالواقع ولم يستحي. ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يستحيي من الحق؛ كما هي عادة الصحابة وهم أقوى منا إيمانًا وأقوى منا حياء؛ لأن الحياء من الإيمان ومع ذلك يصرحون بما تقتضي المصلحة التصريح به. ومن فوائد الحديث: أن من ظاهر ثم جامع قبل التكفير فإنه لا تلزمه كفارتان بل كفارة واحدة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "حتى تفعل ما أمرك الله به"، وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا ظاهر ثم جامع قبل التكفير لزمته كفارتان ولكن لا وجه لهذا مع وجود هذا النص. ومن فوائد الحديث: تحريم الجماع قبل أن يكفِّر لقوله: "كفِّر ولا تعد". كفارة الظهار: ١٠٥٤ - وعن سلمة بن صخرٍ ﵁ قال: "دخل رمضان، فخفت أن أصيب امرأتي، فظاهرت منها، فانكشف لي شيء منها ليلةً، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله ﷺ : حرِّر رقبةً. قلت: ما أملك إلا رقبتي. قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الَّذي أصبت إلا من الصِّيام؟ قال: أطعم فرقًا من تمرٍ بين ستِّين مسكينًا". أخرجه أحمد، والأربعة إلا النَّسائيَّ، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود. رحم الله المؤلف، لو ذكر الأحاديث الواردة التي هي أصرح من هذا في مسألة الظهار لكان أولى من ذكر هذا الحديث، ولكن على كل حال نشرحه، قوله: "دخل رمضان فخفت أن أصيب امرأتي فظاهرت منها" يريد بذلك منع نفسه من أن يجامع امرأته، وكان في أول الأمر إذا أراد الرجل الصوم في رمضان فإنه لا يقرب أهله بعد صلاة العشاء أو بعد نوم ولو قبل العشاء، يعني: امتنع إتيان النساء في رمضان ليلًا، إذا نام ولو قبل صلاة العشاء أو إذا صلى العشاء وشق

стр. 2557

ذلك على الناس فنسخ الله هذا الحكم وقال: ﴿أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنُّ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومعنى "تختانون": تخدعونها بحيث لا تصبرون على هذا التكليف، ﴿فالآن باشروهنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتَّى ... ﴾ الآية. سلمة بن صخر أراد أن يمنع نفسه من أهله فظاهر منها، ولكنه انكشف له شيء منها ليلة فعجز عن نفسه فوقع عليها، إذن وقع عليها بعد أن ظاهر، وماذا يجب عليه؟ يجب عليه أن يكفرِّ بل إن الكفارة تجب في العزم على الجماع قبل أن يجامع لقوله تعالى: ﴾ من قبل أن يتماسَّا ... ﴾ يقول فقال رسول الله ﷺ : "حرر رقبة" يعني: أعتق، ورقبة لفظ مطلق يتناول الذكر والأنثى والعدل والفاسق، والمؤمن والكافر، وهذا الإطلاق هو الذي في القرآن، قال الله تعالى: ﴿والَّذين يظاهرون من نِّسائهم ثمَّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. رقبة مطلقة ولم يقيد الله تعالى الرقبة بالإيمان إلا في كفارة واحدة وهي كفارة القتل ففي الأيمان قال: ﴿فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولم يقيدها بالإيمان، وهنا قال: ﴿فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا﴾، قلنا: إن هذا مطلق يتناول الذكر والأنثى، والعدل والفاسق، والمؤمن والكافر، والصغير والكبير، والمعيب والسليم، لأن المطلق على اسمه مطلق غير مقيد بوصف، فأما كونه ذكرًا أو أنثى فهذا محل إجماع، يعني: أن العلماء أجمعوا- فيما أعلم- أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، وأما الصغير والكبير فكذلك، إذ لم يفرق العلماء بينهما، وأما العدل والفاسق فكذلك لم يفرقوا بينهما. هذه ثلاثة أشياء، بقي السليم والمعيب، الكافر والمؤمن اختلفوا فيه، اتفقوا على تقييد ما قيده الله، وذلك في كفارة القتل واختلفوا فيما أطلقه الله، فمنهم من قال: ما قيده الله وجب علينا أن نقيده وما أطلقه يجب علينا أن نطلقه، فإذا كان الله قال في كتابه: ﴿ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. فإن المطلق إذا لم يقيد بيانه أن يبقى على إطلاقه والمبين مبين، لكن الجمهور على أنه لا بد من الإيمان، واستدلوا لذلك بأن الله تعالى يطلق أشياء وهي مقيدة بأوصاف إما في القرآن أو في السنة، مثلًا: العمل الصالح الحسن وما أشبه ذلك، فهناك أعمال كثيرة مطلقة نحو: من صلى ركعتين فله كذا "من صلى البردين دخل الجنة" هذه كلها مطلقات، وكلها مقيدة بابتغاء وجه الله، كما قال تعالى: ﴿محمدٌ رسول الله والَّذين معه أشداء على الكفَّار رحماء بينهم تراهم ركَّعًا سجَّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿لَّا خير في كثيرٍ من نَّجواهم إلَّا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله﴾ [النساء: ١١٤]. فكل الأعمال المطلقة مقيدة بهذا القيد بالاتفاق، إذن تحرير الرقبة كفارة لما فعل الإنسان من الذنب، عمل صالح وإذا كان عملًا صالحًا فإنه يحمل المطلق فيه على المقيد، ويوضح ذلك وضوحًا كاملًا حديث معاوية: بن الحكم أنه ذكر أن له جارية ترعى غنمًا حول المدينة وأنه اطلع عليها ذات يوم فرأى الذئب عدا على شاة منها وهي جارية مملوكة، يقول: فلطمها- صكها صكة عظيمة- ثم جاء يسأل النبي ﷺ قال: فعلت كذا وكذا أفلا أعتقها، ماذا يريد من إعتاقها؟ أن يكون كفارة له على صكها فقال النبي ﷺ : "ائتي بها"، فجاء بها، فقال: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة"، مع أن هذه ليست كفارة، فإذا كان الرسول ﷺ علَّل الإعتاق بالإيمان في غير الكفارة ففي الكفارة من باب أولى، أيضًا الإعتاق تحرير العبد من الرق يكون محررًا يستطيع أن يعبد الله تعالى على حريته يصل رحمه، يتصدق، يبيع ويشتري، تيسر له الأمور بالحرية وهذا كله إنما يناسب المؤمن وليس الكافر، الكافر بقاؤه في الرق قد يكون أقرب إلى إسلامه، لأننا لو حررناه تحرر وذهب إلى بلاد الكفر أو عثى في الأرض فسادًا، فهذا القول هو الصحيح بمعنى: أنه لا بد من الإيمان في إعتاق الرقبة. السليم والمعيب: السليم لا أعلم أحدًا نازع في جواز عتقه إذا كانت رقبة مؤمنة ولكن المعيب ينقسم إلى قسمين: عيب لا يخل بالعمل، وعيب يخل بالعمل. فأما العيب الذي لا يخل بالعمل فلا شك في إجزاء العبد إذا كان فيه عيب لا يخل بالعمل، مثال ذلك: أن يكون العبد أعور، أو أن يكون مقطوع الخنصر من اليد أو من الرجل، أو أن يكون فيه برص، أو أن يكون فيه عرج لا يمنعه من مزاولة العمل وما أشبه ذلك هذا لا شك في أنه يجوز أن يعتق بالكفارة، لكن إذا كان به عيب يمنع العمل كالشلل وكقطع اليد أو الرجل أو قطع الإبهام من اليد فقد اختلف العلماء في إجزائه، فمنهم من قال: إنه يجزئ ومنهم من قال: إنه لا يجزئ، وظاهر النصوص أنه يجزئ، لأن الله تعالى لم يشترط إلا الإيمان، وكونه لا يستطيع العمل يكون كغيره من المسلمين يجعل له شيء من بيت المال أو يلزم السيد إذا قلنا بإلزامه

стр. 2558

بالاتفاق عليه؛ لأن السيد يرثه إذا مات ولم يكن له عصبة أو ذو فرض يستغرق، على كل حال: الذي يترجح عندي أنه لا يلزم أن يكون سليمًا من العيوب. المستحق للقتل هل يجزئ يعني كما لو كان العبد قاتلًا لأحد قتل عمد هل يجزئ أن يكفَّر به؟ وهو لا يوجد غيره وه مؤمن فيجوز أن يعتق بالكفارة، وقول النبي ﷺ : "حرر رقبة" هذه الجملة فيها حذف، أو كما يقول البلاغيون: إيجاز بالحذف والإيجاز عند البلاغيين

стр. 2559

ينقسم إلى قسمين إيجاز قصر وإيجاز حذف، أما إيجاز القصر فمعناه: أن تشتمل الجملة على معنى كثير بدون حذف، وأما إيجاز الحذف فمعناه: أن يحذف من الجمل ما يدل عليه الباقي، ومعلوم أنه إذا حذف من الجملة ما تحتاج إليه ولكن يدل عليه الباقي فإن ذلك إيجاز، والإيجاز بالحذف كثير في القرآن، وكذلك الإيجاز بالقصر- يعني: قصر العبارة- فقوله تعالى: ﴿وجزاؤا سيئةٍ سيئةٌ مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]. هذا إيجاز بالقصر، لو تكتب على هذه الآية مجلدات ما استوعبت صورها وقوله : ﴿ولكم في القصاص حيوةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. هذا أيضًا إيجاز قصر، هذه الجملة لها معان كثيرة، وقد حاول بعض الناس أن يقارن بينها وبين كلمة مشهورة عند العرب يكتبونها بالذهب وهي: القتل أنفى للقتل فبين أن ما في القرآن أبلغ بكثير وذكر نحو عشرة أوجه على أنني لا أحبذ أن يقارن بين كلام الله وكلام الخلق؛ لأنه أجل وأعظم، لكن قد يجوز ذلك إذا كان الدافع عليه هو من باب أن يبين المقارن أن هذه الكلمة بل هذه الجملة اشتملت على معانٍ عظيمة. الإيجاز بالحذف كثير في القرآن ومنه قصة موسى- ﵊ حينما قتل القبطي ثم خرج إلى مدين: ﴿ولمَّا توجَّه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السَّبيل (٢٢) ولمَّا ورد ماء مدين وجد عليه أمةً من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتَّى يصدر الرَّعاء وأبونا شيخٌ كبيرٌ (٢٣) فسقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظِّلِّ فقال رب إنِّي لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقيرٌ (٢٤) فجاءته إحداهما تمشي على استحياءٍ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٥]. في هذا المكان حذف جمل، ما الذي حذف؟ حذف: فذهبت المرأتان إلى أبيهما وأخبرتاه الخبر فأرسل إحداهما إلى موسى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، هذا إيجاز بالحذف. وكذلك الحال في الحديث الذي معنا، فيه إيجاز بالحذف، وذلك في قوله ﷺ : "حرر رقبة"؛ لأن الرسول ﷺ ليس عنده حين فعل ما فعل، ولكن في الكلام شيء محذوفٌ تقديره فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال: "حرر رقبة" وقوله: "حرر" بمعنى: أعتق رقبة والرقبة هي المملوك من ذكر وأنثى وصغير وكبير ومؤمن وكافر وسليم ومعيب وعدل وفاسق وتقدم الكلام عليه. "فقلت: ما أملك إلا رقبتي" المعنى: ليس عندي شيء لا دراهم ولا متاع ليس عندي إلا رقبتي،

стр. 2560

وليس هذا يعني أن الإنسان مالك لرقبته ملكًا يتصرف فيها كما يشاء، ولكن المعنى ليس عندي شيء وهذا كقول موسى: ﴿رب إني لا أملك إلَّا نفسي﴾ [المائدة: ٢٥]. ومعلوم أنه لا يملك نفسه ملك العبد، قال: "فصم شهرين متتابعين" أي: بدون إفطار بينهما، والفاء هنا- "فصم"- يسمونها فاء التفريع، أي: أن ما بعدها مفرع على ما قبلها، والمعنى: فإذا لم تجد شيئًا فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ﵁، يعني: كيف يستطيع صيام شهرين وقد عجز عن صيام شهر واحد؟ ! ، فقال: "أطعم فرقًا من تمر ... إلخ" الفرق بفتح الفاء والراء هو ما يسمى عندنا بالزنبيل ويسمى المكتل أيضًا يكون كبيرًا ويكون صغيرًا لكن لا شك أن الذي قاله الرسول ﷺ أنه فرق يحتمل أو يسع إطعام ستين مسكينًا. في هذا الحديث عدة فوائد منها: شدة ورع الصحابة- ﵃، حيث إن سلمة لما خاف على نفسه من الوقوع في المحذور ذهب يظاهر؛ ليحمل نفسه على ترك جماع أهله، وذلك لأن الظهار كفارته مغلظة فالإنسان يخاف إذا حنث فيه أن يلزم بهذه الكفارة المغلظة. ومنها: جواز الظهار الموقت، يعني: أن يظاهر الرجل امرأته لمدة شهر أو شهرين وما أشبه ذلك؛ لأن سلمة إنما ظاهر من امرأته شهر رمضان فقط ففيه جواز الظهار الموقت. ومن فوائد الحديث: أن الظهار لا يجري مجرى اليمين؛ لأن هذا الظهار أراد به الامتناع هذه المدة ولكنه شبه امرأته بأمه فلا يجري مجرى اليمين أو مجرى تحريم المرأة؛ لأن الصحيح أن تحريم المرأة بلفظ: أنت عليَّ حرام حكمه حكم اليمين كما سبق. ومن فوائد الحديث: أن من ظاهر من امرأته ثم عاد في ذلك وجامع فإنه تلزمه الكفارة. ومن فوائده: أنه إذا جامع قبل أن يكفر لم يلزمه إلا كفارة واحدة، خلافًا لمن قال: إنه إذا جامع قبل أن يكفر لزمه كفارتان، والصواب أنه يلزمه كفارة واحدة حتى ولو تكرر. ومن فوائد الحديث: أن الرقبة تجزئ ولو كانت غير مؤمنة يؤخذ ذلك من الإطلاق، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أن الإطلاق مقيد، وله نظائر كثيرة في القرآن حيث تأتي آيات مطلقة فتحمل على المقيد؛ لأن الوحي شيء واحد المشرع له واحد وهو الله ، فيحمل مطلقه على مقيده. ومن فوائد هذا الحديث: أن كفارة الظهار مرتبة لأن النبي ﷺ رتب الخصال الثلاث كل واحدة على الأخرى. ومن فوائد الحديث: أنه يجب إذا لم يجد رقبة أن يصوم شهرين متتابعين؛ لقوله ﷺ : "فصم شهرين متتابعين"، والتتابع التوالي، وهنا سؤلان: الأول: هل تعتبر الأشهر بالأهلة أو بالأيام؟ قال بعض العلماء: بالأيام، وعلى هذا فيصوم ستين يومًا، وقال آخرون: بل بالأهلة،

стр. 2561

وهذا هو الصحيح، سواء ابتدأ الصوم من أول ليلة من الهلال أو في أثناء الشهر، وقد قال النبي ﷺ : "الشهر تسعة وعشرون" وقال: الشهر هكذا وهكذا مرة ثلاثون ومرة قبض إبهامه أي أنه يكون تسعة وعشرين وهذا هو الواقع، فإذا كان ذلك فكيف نلزمه بستين يومًا مع احتمال أن يكون أحد الشهرين تسعة وعشرين، أو الشهران جميعًا، وعلى هذا فالمعتبر الأهلَّة ولو نقصت عن ستين يومًا سواء ابتدأ من أول الشهر أو في أثنائه، فإذا ابتدأ في اليوم الخامس عشر من محرم مثلًا فمتى ينتهي؟ في اليوم الرابع عشر من ربيع الأول، لا نقول: صم ستين يومًا قد يرى هلال صفر ويكون تسعة وعشرين يومًا، وكذلك المحرم فلا يهمنا، المهم أن يصوم شهرين متتابعين. السؤال الثاني: هل إذا حصل عذر يبيح الفطر كالمرض والسفر هل يقطع التتابع؟ الصحيح ألا يقطعه؛ لأنه إذا كان يباح للإنسان أن يفطر يومًا من رمضان للعذر فكيف لا يفطر بما وجب التتابع فيه، وعلى هذا فلو سافر الإنسان في أثناء الشهرين وأفطر مدة سفره فإنه يبني على ما مضى، فلو صام شهرًا ثم سافر عشرة أيام ثم عاد إلى بلده يصوم شهرًا ثانيًا فقط؛ لأن هذا عذر، لكن لو سافر ليفطر حرم السفر وحرم الفطر؛ يعني: فيلزم بأن يصوم، فإن أفطر انقطع التتابع؛ وذلك لأنه إذا نوى بالسفر التحايل على إسقاط الواجب فإنه لا يسقط، الواجبات لا تسقط بالتحايل عليها والمحرمات لا تحل بالتحايل عليها. ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة- ﵃؛ لأنهم لا يستحيون من الحق؛ لقوله: "وهل أصبت ... إلخ". ومن فوائده: أن الواجب إطعام ستين مسكينًا لإطعام ستين مسكينًا فبينهما فرق، إذا قلنا: إطعام ستين مسكينًا فلابد من هذا العدد، وإذا قلنا طعام ستين مسكينًا فإنه يجوز أن تعطيه واحدًا، إذا كان طعام ستين مسكينًا فالواجب إطعام ستين مسكينًا، ولكن هل الإطعام مقدر أو غير مقدر؟ الصحيح أنه غير مقدر. وسؤال آخر: هل يعتبر فيه التمليك أو لا يعتبر؟ الصحيح: أنه لا يعتبر فيه التمليك؛ لأن الله- أطلق قال: ﴿فمن لَّم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقال في كفارة اليمين: ﴿فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. فأطلق الله الإطعام، وعلى هذا فنقول: الواجب الإطعام أن تطعم ستين مسكينًا لا أن تملك الستين مسكينًا فلو غدَّى المساكين أو عشاهم فإنه يجزئه؛ لأنه يصدق عليه أنه أطعم ستين مسكينًا، أما ما قدره الشرع فإنه لا بد فيه من التمليك، ولابد فيه من التقدير الذي قدره الشرع، مثاله: صدقة الفطر، وفدية الأذى قال الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ما قال: أو إطعام، بل قال: ﴿صدقةٍ﴾، والصدقة

стр. 2562

لابد فيها من تمليك، ولهذا قدرها النبي ﷺ بأنها ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، والفرق بين قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ وبين قوله: ﴿صدقةٍ﴾ الفرق بينهما ظاهر لأن صدقة فيها تمليك إلا أنها كانت مجملة في الآية وبينها النبي ﷺ قال: "تطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" صدقة الفطر قدَّرها النبي ﷺ صاعًا من طعام وقال: "إنها طعمة للمساكين". وإذا كان صاعًا من طعام علمنا أنه لا يكفي إطعامهم، بل لا بد من صاع، والصاع يملك، وعند التأمل يتبين لك أن الكفارات ونحوها ترد على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ما قدر فيه المعطي والآخذ. والثاني: ما قدر فيه المعطي دون الآخذ. والثالث: ما قدر فيه الآخذ دون المعطي، أما ما قدر فيه المعطي والآخذ فهي فدية الأذى المعطي ثلاثة آصع والآخذ ستة مساكين، وما قدر فيه المعطى دون الآخذ، صدقة الفطر صاع من طعام، ولهذا يجوز أن تعطي الصاعين والثلاثة لواحد وأن تفر الصاع الواحد بين اثنين فأكثر؛ لأن المقدر فيها المعطي دون الآخذ، وما قدر فيه الآخذ دون المعطي كفارة الظهار، وكفارة اليمين كفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، وفي الظهار قال الله تعالى: ﴿فمن لَّم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾. ومن فوائد الحديث: أن الفقير والمسكين يتعاوران بمعنى أن أحدهما يكون بدل الآخر، وذلك عند انفراد أحدهما عن صاحبه فقوله تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢]. يشمل الفقير والمسكين، وقوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨]. يشمل الفقير والمسكين، وقوله: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ يشمل المسكين والفقير، وقوله: ﴿إنَّما الصَّدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]. يختلفان، الفقراء أشد حاجة من المساكين وهذا له نظائر أن تكون كلمتان عند الاجتماع مختلفتين وعند الانفراد متفقتين. ليس في هذا الحديث بيان أنه يمسك عن الجماع مرة ثانية حتى يكفر، لكنه يؤخذ مما سبق أنه لو جامع قبل أن يكفر تمنعه من أن يعود مرة ثانية حتى يكفر، فيما لو جامع في أثناء الكفارة، مثلًا: جامع المظاهر منها بعد أن صام شهرين فهل يلزمه أن يعود أو يبني على ما مضى؟ نقول: إن جامعها بالنهار فلا شك أنه يعيد من جديد؛ لماذا؟ لانقطاع التتابع وإن جامعها ليلًا ففيه خلاف بين العلماء، وهل يستأنف أو يبني؛ لأنه لو صام من الغد فهل يكون

стр. 2563

الصوم متتابعًا؟ نعم متتابع والمشهور من المذهب أنه ينقطع؛ لأن الله قال: ﴿فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا﴾ [المجادلة: ٤]. فجعل الله هذين الشهرين موصوفين بالتتابع قبل المسيس، فإذا مس قبل صيام شهرين متتابعين ثم تابع فإنه لا يصدق عليه أن صام شهرين متتابعين من قبل المماسة، وهذا أحوط، ولكن في النفس منه شيء، لكن إن كان ذلك عن جهل منه فلا شك أنه يبني على ما مضى لأنه فعل محظورًا جاهلًا، وفعل المحظور جهلًا لا يترتب عليه أثره. ومن فوائد الحديث: أن الرسول ﷺ لم نعنفه حين سأل، وهذه الفائدة لها نظائر وهو من جاء تائبًا فإننا لا نعنفه بل نشكره تشجيعًا له؛ لأن الرسول ﷺ لم يعنف الذي جامع مع امرأته في نهار رمضان وهو صائم؛ لأنه جاء تائبًا يريد الخلاص، وهناك فرق بين من جاء تائبًا يريد الخلاص ومن أعرض ولم يهتم بالأمر. ٢ - باب اللعان تعريف اللعان: "اللعان": مصدر لاعن، ولهذا الوزن من الأفعال مصدر آخر وهو الملاعنة، كما يقال: قاتل مقاتلة وقتالًا، وجاهد مجهادة وجهادًا، واللعان مأخوذ من اللعن، وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن الآدمي السب فإذا قيل: تلاعن الرجلان، فمعناه: سب أحدهما الآخر، أو دعا كل واحد منهما على الآخر باللعنة، وهو- أي: اللعان- أيمان مكررة مؤكدة بشهادة تكون من كلِّ من الزوج والزوجة، لكنه من الزوجة بلفظ الغضب ومن الزوج بلفظ اللعن، فغلَّب جانب الزوج وهو اللعن وله سبب وهو: رمي الزوج زوجته بالزنا- والعياذ بالله-، يعني: أن يقول الزوج لزوجته: أنت زانية أو زنيت! وهو أمر عظيم، فلو وقع القذف من غير الزوج لم يكن لعانًا، وإنما يقال للقاذف: عليك أن تقدم البيِّنة أو حدٌّ في ظهرك، فلو قال زيد لعمرو أنت زانٍ قلنا: هات أربعة شهود يشهدون وإلا جلدناك ثمانين جلدة ولا يوجد طريق غير هذا إلا أن يقر المقذوف، إذا أقر ثبت زناه بإقراره، أما إذا صدر من الزوج فإنه من المعلوم أنه من البعيد جدًا أن يقذف الرجل زوجته بالزنا؛ لماذا؟ لأن ذلك تدنيس لفراشه وتشكيك في نسب أولاده ولا يمكن أن يقع هذا من الزوج إلا عن يقين، إلا أن يكون زوجًا عصبيًا غضوبًا فقد يتكلم، لكن زوج متأنٍّ مطمئن يمكن أن يقذف زوجته بالزنا، فهذا بعيد جدًّا ولا يمكن أن يقدم الزوج إلا عن يقين ولما نزلت قوله تعالى: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤].

стр. 2564

قال سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أتركه على أهلي أو أترك لكع ابن لكع على أهلي حتى أتي بأربعة شهداء، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، يعني: أضربه وليس بصفحته، فقال النبي ﷺ : "ألا تعجبون من غيرة سعد، والله لإني أغير من سعد والله أغير مني"، ولهذا أنزل الله تعالى هذا الفرج للأزواج بأنه إذا رمى زوجته بالزنا فإنه يلاعن وإن لم يقم بينة قال تعالى: ﴿والَّذين يرمون أزواجهم ولم يكن لَّهم شهداء إلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصَّادقين (١) والخمسة أنَّ لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ [النور: ٦، ٧]. إذن سبب اللعان أن يرمي الزوج زوجته بالزنا، وسمي لعانًا، لأن الزوج يقول: وأنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ففيه تغليب. ١٠٥٥ - عن ابن عمر ﵄ قال: "سأل فلاٌ فقال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشةٍ، كيف يصنع؟ إن تكلَّم تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فم يجبه، فلمَّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنَّ الَّذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله الآيات في سورة النُّور، فتلاهنَّ عليه ووعظه وذكَّره، وأخبره أنَّ عذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة. قال: لا، والَّذي بعثك بالحقِّ ما كذبت عليها، ثمَّ دعاها النَّبيُّ ﷺ فوعظها كذلك، قالت: لا، والَّذي بعثك بالحقِّ إنَّه لكاذبٌ، فبدأ بالرَّجل، فشهد أربع شهاداتٍ بالله، ثمَّ ثنَّى بالمرأة، ثمَّ فرَّق بينهما". رواه مسلم. قوله: "سألة فلان" لم يذكر اسمه سنرًا عليه، وإلا فالظاهر أن ابن عمر كان يعرفه؛ لأن القصة مشهورة ولكنه أبهمه سترًا عليه؛ لأن تعيينه لا يتوقف عليه فهم المعنى، المقصود القصة والقضية، ذكرنا باب اللعان وأن اللعان مصدر لاعن يلاعن، وأن اللعن يصدر من الزوج ولكنه ذكر من باب التغليب، فإذا رمى الرجل زوجته بالزنا، وقال: إنها زنت فإما أن يأتي ببينة فتحد ولا يحد، وإما أن تقر فتحد ولا يحد وإما أن تنكر، وحينئذ نقول: إما أن تلاعن أو أقمنا عليك الحد، إذا لاعن ولاعنت ثبت بذلك أحكام تأتي إن شاء الله، وإن لاعن ولم تلاعن فقيل: إنها تحبس حتى تموت أو تلاعن، وقيل: بل يقام عليها الحد، وهذا هو الصحيح، لأن ملاعنته بمنزلة البينة لقول الله تعالى: ﴿ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد﴾، و"أل" في قوله: ﴿العذاب﴾ لعهد الذهني الذي هو حد الزنا كما قال تعالى: ﴿الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ فقوله: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ أي: العذاب المعهود وهو حد الزاني، وهذا القول هو الصحيح، قوله: "أرأيت" بمعنى:

стр. 2565

أخبرني، و"أن" مصدرية، ويحتمل أن تكون مخففة، وقوله: "كيف يصنع"، الجملة هذه متصلة بقوله: "أرأيت" وهي بمحل الاستفهام يعني: "أخبرني كيف يصنع من وجد امرأته على فاحشة إن تكلم تكلم بأمر عظيم"، ووجه عظمه أنه يدنس فراشه وأهله، "وإن سكت سكت على أمر عظيم" وهو إقرار زوجته على الفاحشة، فيكون بذلك ديُّونًا، والديوث هو الذي يقر أهله على الفاحشة، فلم يجبه النبي ﷺ ؛ لأن الرجل يقول أرأيت؟ والمسألة ساقها مساق الأمر المفروض لا الأمر الواقع فلم يجبه؛ لأن السؤال عن أمر لم يقع يكون للإنسان سعة في ألَّا يجيب عليه، ولهذا كان بعض السلف إذا سأله سائل عن مسألة قال هل وقعت؟ قال: لا، قال: إذن لا أجيبك نحن في عافية حتى إذا وقعت وبلينا بها أجبنا: قال: "فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به" يحتمل أن يكون هذا خبرًا عن شيء مضى، كأنه يقول: إني سألتك عن شيء قد ابتليت به وليس فرضًا بل واقع ويحتمل أن يكون هذا أمرًا جديدًا حادثًا بعد السؤال، وأنه سأل أولًا ثم ابتلي بذلك ثانيًا، وعلى هذا قول الشاعر: [الكامل] احذر لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق وقد روي في ذلك حديث: "إن البلاء موكل بالمنطق"، لكنه ضعيف، إذن قوله: "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت" يحتمل خبر عن السؤال الأول، يعني: أنني قد سألتك عن شيء ليس مفروضًا ولكنه واقع، وكأنه في الأول يعرف ثم صرح الآن، ويحتمل أن تكون هذه البلوى بعد سؤاله مقدمة لأمر توقعه فوقع. يقول: "فأنزل الله الآيات في سورة النور" هي قوله: ﴿والَّذين يرمون أزواجهم ولم يكن لَّهم شهداء إلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصَّادقين﴾ [النور: ٦]. فهي آية التلاعن، فقال: "قتلاهن عليه"، الفاعل في "تلاهن" رسول الله ﷺ ، و"وعظه" أي: ذكَّره بما فيه التخويف؛ لأن التذكير المقرون بالتخويف أو الترغيب يسمى وعظًا وموعظة، "وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة"، عذاب الدنيا وذلك بالعقوبة سواء كان حد الزنا على المرأة أو حد القذف على الرجل أهون من جهة الكيفية والشدة وأهون من جهة الزمن، لأن عذاب الدنيا ينقطع إما أن يكون مهلكًا فينقطع بالموت الذي لا بد منه، وإما أن يكون موجعًا فينقطع بانتهائه ثم بعد ذلك ينسى، لكن عذاب الآخرة أعظم وأشد، قال: "لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها"، "لا" هذه زائدة للتوكيد وذلك لأن المقسم عليه منفي

стр. 2566

فأكدت بنفي القسم ولا يمكن أن تكون "لا" هنا نافية لأنه لو كانت نافية ما صح القسم، وقوله: "والذي بعثك بالحق" أي: أرسلك به وهو الله وقوله: "بالحق" لها معنيان الأول: أن بعثته حق، والمعنى الثاني: أن ما بعث به حق وكلاهما صحيح، وقوله: "بالحق" الحق في اللغة الشيء الثابت وضده الزائل، ولهذا يقال الباطل زائل، فالثابت هو الحق والزائل هو الباطل، وقوله: "لا والذي بعثك بالحق" اختار القسم بهذا الوصف لله ، لأنه يريد أن يقسم على أن ما قاله حق فيتناسب المقسم به والمقسم عليه وهذا من البلاغة، بمعنى: أن يأتي الإنسان بقسم مناسب لما يقسم عليه، ولو تأملت الأقسام الواردة في القرآن لوجدت بين المقسم به والمقسم عليه تناسبًا، وما أحسن من استعان على هذا بكتاب ابن القيم ﵀ التبيان في أقسام القرآن، فإنه ذكر فيه فوائد جمة في هذا الموضوع، ونبه على نكت لا تكاد تجدها عند غيره. "ما كذبت عليها" أي: ما أخبرت عنها بكذب، وإذا انتفى الكذب وكان المقام مقام تصديق لزم من ذلك ثبوت الصدق، فهو لم يحتج أن يقول: وإنما أنا صادق؛ لأنه إذا نفى الكذب في مقام الدفاع عما أخبر به كان من لازم ذلك الصدق، وإنما قيدنا هذا بقولنا: في مقام الدفاع عن النفس؛ لأنه قد يكون الكلام لا صدقًا ولا كذبًا مشكوكًا فيه، لكن إذا نفى الإنسان الكذب في مقام الدفاع عن نفسه فإنما يريد بذلك إثبات الصدق، "ثم دعاها فوعظها" أي: ذكَّرها بما فيه التخويف والترهيب، قالت: "لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب" هذا تناقض هو يقول: لم يكذب وهي تقول: إنه كاذب وأتت بقسم مقابل لقسمه تمامًا، يعني: مماثل له والجملة التي أتت بها مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم وإن واللام، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات لما كان كل واحد منهما لم يقر أجرى اللعان ﷺ فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنِّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله، لكن لا بد من شهادة خامسة يقول فيها الرجل: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتقول المرأة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما بفسخ وليس بطلاق؛ لأنه لو كان طلاقًا لقال: أمر أن يطلقها أو كلمة نحوها، بل هذا فراق وقوله: "ثم فرق" يحتمل معنيين، المعنى الأول: حكم بالفرقة، والمعنى الثاني أنشأ الفرقة فقال مثلًا: فرقت بينهما على المعنى الأول: حكم بالفرقة بمجرد اللعان وهذا هو المفهوم لأنه إذا تم اللعان حصلت الفرقة سواء، قال القاضي: فرقت بينكما أم لم يقل. في هذا الحديث فوائد كثيرة: أولًا: إن كان السائل سأل عما لا يقع ولكنه عنده متوقع فهو شاهد، لما أنشدناكموه من قول الشاعر:

стр. 2567

احذر لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق وإن كان الأمر بعد أن وقع ولكنه عرض ولم يصرح ففيه أدب، بأن يعرض الإنسان في مثل هذه الأمور العظيمة دون أن يصرح. ومن فوائد الحديث: بيان غيرة الصحابة- ﵃ على محارمهم، والغيرة من شيم الرجال ومن خصال الإيمان، ولا خير فيمن لا غيرة فيه، وإذا قارنت بين غيرة الصحابة وما عليه المتفرنجون والإفرنج وأشباههم وجدت الفرق العظيم تجد أحد هؤلاء المتفرنجة والإفرنج لا يبالي بزوجته بل يتركها تكلم الرجال وتكو معهم وتكشف وتفعل ما شاءت لا يهمه، ولا يقشعر جلده لذلك، ولا يقف شعره، ولكن الإيمان والفطرة السليمة تقتضي خلاف ذلك. ومن فوائد الحديث: جواز امتناع المستفتي عن الفتيا إذا رأى المصلحة في ذلك لأن النبي ﷺ لم يجبه، وفي حديث آخر في قصة عويمر العجلاني أن الرسول كره هذه المسائل وعابها وأحب أن يبتعد الناس عنها وعن فرضها. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان قد يبتلى بما يتحدث به لقوله: "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به" هذا على أحد الوجهين. ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: "فأنزل الله الآيات" وجهه: أن هذا الإنزال لوصف لا يقوم بنفسه، فإذا كان وصفًا لا يقوم بنفسه لزم أن يكون من القائم، أي: من منزِّله وهو الله، وإنما قلنا: وصف لا يقوم بنفسه؛ لئلا يرد علينا قوله الله تعالى: ﴿أنزل من السَّماء ماءً﴾ ﴿وأنزل لكم مِّن الأنعام ثمانية أزواجٍ﴾ ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ﴾ فهذا لا يكون منزل كلام الله؛ لأنه عين قائم بنفسه، بخلاف الكلام فإنه وصف لا بد له من متكلم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلو لله؛ لقوله: "فأنزل" والإنزال لا يكون إلا من أعلى، والأدلة على علو الله ذاتًا وصفة كثيرة الأنواع، وأجناسها خمسة هي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كل هذه الخمسة متضافرة ومتظاهرة على أن الله تعالى علي بذاته كما أنه عليُّ بصفاته ولا أظن أن هذا يحتاج إلى كبير عناء للاستدلال له لأنه واضح، كل واحد من الناس إذا دعا ربه أين يذهب قلبه؟ إلى فوق بدون دراسة وبدون أي شيء، إذن الله- سبحانه- عليُّ فوق. وقد وردت في هذا قصة مع رجلين عالمين وهما أبو المعالي الجويني والهمداني، وكان ينكر الجويني العلوَّ فقال له الهمداني: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش، ولكن أخبرنا عن هذه

стр. 2568

الفطرة ما قال عارف قط بالله إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، فجعل يضرب على رأسه ويقول: حيَّرني الهمداني؛ لأن هذا أمر فطري حتى العجائز يعرفنه. ومن فوائد الحديث: أن أعظم واعظ يوعظ به القرآن لقوله: "فتلاهن عليه رسول الله ﷺ ". ومن فوائده: استدلال النبي ﷺ بالقرآن، وهذا له عدة شواهد أنه يستدل بالقرآن ومن ذلك أنه كان يخطب مرة فجاء الحسن والحسين عليهما ثياب يعثران بهما فنزل من المنبر وأخذهما وقال صدق الله: ﴿أنَّما أموالكم وأولادكم فتنةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لحاكم عند إجراء الملاعنة بين الزوجين أن يعظهما ويذكرهما؛ لأنه ربما يكون الإنسان متهمًا لزوجته اتهامًا لا أساس له فإذا وعظ وخوف رجع، فينبغي للحاكم قبل إجراء اللعان أن يعظهما، ولا أحسن مما وعظ الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: إثبات العذاب في الآخرة لقوله: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة". ومن فوائده: أن الإنسان إذا ابتلي في الدنيا ببلاء فإنه من العذاب، وهو أهون من عذاب الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: "أن من يرد الله به خيرًا يعجل له العقوبة في الدنيا، ومن لا يريد به خيرًا فإنه لا يعذبه حتى يوافيه يوم القيامة". ومن فوائد الحديث: جواز القسم وإن لم يستقسم لكن لتوكيد الخبر، لقوله: "لا والذي بعثك بالحق" حيث أقسم الرجل دون أن يستقسمه الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: كمال بلاغة الصحابة؛ حيث اختار للقسم ما يطبق المقسم عليه؛ لقوله: "لا والذي بعثك بالحق". ومن فوائد الحديث: إثبات أن رسول الله ﷺ حق؛ لقوله: "لا والذي بعثك بالحق"، ووجه الدلالة: أن الصحابي قال ذلك فأقره النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أنه قد يحلف الإنسان على شيء وهو كاذب؛ وذلك لأننا نعلم أن أحد الشخصين كاذب إما الرجل وإما المرأة، ولكن الأحاديث دلت على أن المرأة هي الكاذبة، ففي أحاديث أخرى قالت: "والله لا أفضح قومي سائر اليوم". ومن فوائد الحديث: أنه يجب في اللعان أن يبدأ بالرجل لقوله: "فبدأ بالرجل" وهذا اتباع لأمر الله حيث قال: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصَّادقين﴾ ولأن هذا هو المطابق للقاعدة في الدعاوى، إذ إن الذي يتكلم في الدعوى أولًا هو المدعي وهو الزوج في هذه

стр. 2569

المسألة، فلذلك كانت البداءة بالزوج، فلو بدأت الزوجة قبله ألغي لعانها وألزمت بإعادته بعد لعان الزوج. ومن فوائد الحديث: أنه لا بد من شهادات أربع لقوله: "فشهد أربع شهادات"؛ اتباعًا لقوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾. فإذا قال قائل: وماذا بعد الأربع؟ هل يشهد خامسة ويقول: وأن لعنة الله عليه أو يكتفى بقوله: وأن لعنة الله عليه؟ نظر فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، "والخامسة" يعني: الشهادة الخامسة، فما الذي جعله الله خامسة؟ أن يشهد أنها زنت أو أن يقول وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، بعض العلماء يقول: لا بد أن يشهد خامسة فيقول: أشهد بالله إنها زانية، ثم يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وبعضهم قال: الشهادة أربعة كعدد الشهود في إثبات الزنا، وأما هذه فهي دعاء على نفسه بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم هل يقول لعنة الله عليه أو يأتي بضمير النفس بدلًا عن ضمير الغيبة؟ يأتي بضمير النفس بدلًا عن ضمير الغيبة، لكن إذا كنا نتحدث عن ماذا نفعل فإننا نقول ذلك بضمير الغيبة. ومن فوائد الحديث: دليل على أنه لا بد أن يتقدم الزوج باللعان، فإن سبقته هي لم يصح لعانها لقوله: "ثم ثنى بالمرأة" وهذا هو ما دلت عليه الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ أي: حد الزنا وهذا لا يثبت إلا بعد لعان الزوج. ومن فوائد هذا الحديث: بيان أنه قد يقع بين الزوجين من الخصومة ما يصل إلى هذا الحد يدعي عليها الزنا وهو أقرب للصدق منها وتكذبه عيانًا، فتقول: إنه لكاذب. ومن فوائد الحديث: ثبوت التفرقة بين الزوجين في اللعان، فإما أن يكون ذلك بمجرد تمام اللعان وإما أن يكون ذلك بتفريق الحاكم على قولين للعلماء، ولكن لو أردنا أن نسلك طريق الاحتياط قلنا: الأولى أن يفرق بينهما احتياطًا، وهو إذا فرق بينهما لم ينتقض التفريق باللعان. ١٠٥٦ - وعنه ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: حسابكما على الله تعالى، أحدكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحلك من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذاك أبعد لك منها". متَّفقٌ عليه. "حسابكما" أي: حساب من أثمن منكما، فإن كان الزوج كاذبًا حوسب على ذلك، وإن كانت هي الكاذبة حوسبت على ذلك، فحسابهما على الله حتى الصادق يحاسب، ولكن يقرَّر

стр. 2570

ولا يآثم، "أحدكما كاذب" وهذا متعين، لأنه إما الكاذب الزوج أو الزوجة، أي: إما الزوج بدعواه أنها زنت، وإما الزوجة في إنكارها ذلك، والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، قوله: "لا سبيل لك عليها" أي: لا طريق لك عليها برجعة أو عقد؛ لأن التحريم بينهما- بعد الملاعنة- يكون مؤبَّدًا، "فقال: يا رسول اله، مالي"، يريد بذلك المهر الذي أمهرها فقال: "إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت ... إلخ"، إن كنت صدقت فقد استحقته بما استحللت من فرجها؛ لأن المهر يثبت كاملًا بالوطء "وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها"، لأنها بعدت عنك الآن بعدًا تامًا ولأنك ظلمتها فلا يمكن أن تظلمها، مرتين فتأخذ المهر مع رميك إياها بالزنا. من فوائد الحديث: أن رسول الله ﷺ لا يعلم الغيب لقوله: "حسابكما على الله وأحدكما كاذب"، ولو كان يعلم الغيب لحاسب من يقتضي الواقع حسابه حساب الدنيا وهو العذاب بالحد. ومن فوائد الحديث: أنه إذا انتفى أحد النقيضين ثبت الآخر، يؤخذ ذلك من قوله: "أحدكما كاذب"، فإن انتفى الكذب في حق الزوج تعيَّن في حق الزوجة وإن انتفى في حقها تعين في حق الزوج، وهذا هو حكم المتناقضين، ولعلنا نستعيد ذاكرتنا بذكر النسبة بين الأشياء حيث ذكرنا فيما سبق أنها أربعة أقسام: التماثل والتضاد والتناقض والتخالف، هذه النسبة بين الألفاظ ومعانيها، فالتماثل: أن يكون كل لفظ بمعنى الآخر مثل الكذب والمين، والإنسان والبشر، التضاد: مثل لا يجتمعان ويرتفعان مثل السود والبياض، النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان مثل الحركة والسكون، بقي الخلافان يختلفان ولكنهما يجتمعان ويرتفعان كالسواد والقيام يكون الشيء أسود قائمًا ويمكن أن يرتفع فيكون أبيض قاعدًا. ومن فوائد الحديث: أن العلاقات بين الزوجين تنقطع وتحرم المرأة تحريمًا مؤبدًا لقوله: "لا سبيل لك عليها". ومن فوائده: أنه لا يريد المهر إلى الزوج ولو كان يعتقد أنها زانية؛ لقول الرسول ﷺ لما قال: مالي قال: "إن كنت صدقت ... إلخ"، وفي لفظ أنه قال: "لا مال لك". ومن فوائد الحديث: حسن إقناع الرسول ﷺ بإقرار الأحكام في قلوب العباد؛ لقوله: "إن كنت صدقت عليها ... إلخ" فإنه إذا كان قال هذا الكلام اطمأنَّ الإنسان أكثر. ومن فوائد الحديث: أن المهر إذا استقر لم يسقطه زنا المرأة، لقوله: "فهو بما استحللت من فرجها". ومن فوائده: أن المهر لا يستقر بالخلوة لقوله: "بما استحللت من فرجها"؛ ولقوله تعالى: ﴿وقد فرضتم لهنَّ فريضةً فنصف ما فرضتم إلَّا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧]. الشاهد قوله: "من قبل أن

стр. 2571

تمسوهن"، ولكنه قد ورد عن الصحابة والخلفاء الراشدين أن الخلوة تقرر المهر، فتكون الحجة قول الخلفاء الراشدين. ومن فوائد الحديث: أنه إذا اجتمعت علتان موجبتان للحكم كان ثبوت الحكم بهما أقوى من العلة الواحدة؛ لقوله: "وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها"؛ لأنه إذا كان لا يستحق إرجاع المهر وهو صادق، فعدم إرجاعه عليه وهو كاذب من باب أولى؛ لأنه بهتها وكذب عليها. ١٠٥٧ - وعن أنس ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا فهو لزوجها، وإن جاءت به أكحل جعدًا، فهو للَّذي رماها به". متَّفقٌ عليه. "أبصروها" يعني: انظروها ماذا يكون من الولد الذي يأتي من هذه المرأة التي حملت، وقوله: "سبطًا"، السبط هو الكامل من الأطفال، وهو الذي يولد كاملًا، أما السبط فهو الشعر اللين وضده الشَّعر الجعد، والذي عندنا بسكون الباء، وقد فسره الشارح بأنه: الكامل في الخلقة، يعني: أتت بالولد كاملًا ليس فيه نقص، يقول: "جاءت به أبيض" هذا في اللون، "سبطًا" في الخلقة "فهو لزوجها"، وذلك لأن الزوج كذلك أبيض كامل الخلقة مكتملًا، والغالب أن الجنين يأتي مشبهًا لأبيه. "وإن جاءت به أكحل جعدًا فهو للذي رماها به"، "أكحل" يعني: أنه شديد سواد منابت الجفن، وهو خلقةٌ يكون فيها أصول شعر الجفن سوداء فترى العين وكأنها مكحولة، وقوله: "جعدًا" هو سبطًا، فإذا قلنا: إن سبطًا بمعنى متكامل الخلقة يكون الجعد فيه نقص هزيل ضعيف، وجاءت به على النعت المكروه ولكن النبي ﷺ لم يقم عليها الحد؛ لأن البينة كملت باللعان وانتهت العلاقة بينها وبين الزوج فلم يقم الحد عليها. في هذا الحديث: دليل على مشروعية التحقق في الأمر لقوله: "أبصروها". وفيه أيضًا من الفوائد: العمل بالشبه؛ لقوله: "جاءت به ... إلخ"، وقد عمل النبي ﷺ بالشبه وجعله محاصرًا للنسب ومزاحمًا له، وذلك في قصة عبد بن زمعة مع منازعته سعد بن أبي وقاص في الغلام الذي قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، إن هذا لأخي عتبة بن أبي وقاص عهد به إلىَّ وكان من وليدة زمعة، وزمعة اسم رجل، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا لأبي ولد على فراشي، فكيف يكون لعتبة بن أبي وقاص؟ فقال سعد: يا رسول الله أنظر إلى

стр. 2572

شبهه فنظر إليه هو شبيه بعتبة بن أبي وقاص، ثم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وألحقه بزمعة، وقال: "هو لك يا عبد بن زمعة" ثم قال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه" مع أنه حكم بأنه أخوها شرعًا يرثها وترثه ويصلها وتصله وقال: "احتجبي عنه" فانتزع هذا الحكم من أحكام النسب من أجل الشبه البين بعتبة فالعمل بالقرائن أمر ثابت في شريعتنا وهي شريعة من قبلنا. في شريعة من قبلنا قصة يوسف فإن الحاكم الذي حكم قال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذابين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (٢٧) فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]. وفي قصة سليمان مع المرأتين اللتين أكل ابن إحداهما الذئب فطلب سكينًا يشق الباقي من الولدين نصفين، أما الكبرى فوافقت وأما الصغرى فأبت، فقضى به للصغرى بالقرينة وهي الشفقة والرحمة، المهم أن القرائن يعمل بها ولكن هل القرائن تغير الأحكام الشرعية؟ الجواب: لا، لكن يعمل بها عند فقد الحكم الشرعي، فمثلًا لو جاءنا مدع ومدعي عليه وكان بيد المدعى عليه آلة حدادة وهو من الحدادين، وكان عند المدعي بينة أن هذه الآلة له، فهنا قرينة وهنا شرعية بأيهما نعمل؟ بالبينة، فالقرائن عند عدم وجود البينات لا شك أن لها أثرها، فإن قال قائل: لماذا أمر النبي ﷺ بإبصارها حتى ينظر ولدها أليس الستر أولى؟ الجواب أن يقال: نعم الستر أولى لكن هنا تعلق حق طرف آخر وهو الزوج وذلك من أجل أن يظهر للناس أن الزوج أصدق منها إن جاءت به على النعت المكروه أو أنها هي أصدق منه إن جاءت به على الوصف المطلوب، وإلا فلا شك أن الستر أولى، لكن لما تعلق الغير أمر النبي ﷺ أن يسأل ويبحث. ١٠٥٨ - وعن ابن عبَّاس ﵂: "أنَّ رسول الله ﷺ أمر رجلًا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: إنَّها موجبةٌ". رواه أبو داود والنَّسائيُّ، ورجاله ثقاتٌ. قوله: "أمر رجلًا يضع يده"، الرجل هذا لا نعلمه، وليس من الضروري أن يعلم؛ لأنه لا يختلف به الحكم سواء علم أم لم يعلم، المهم أنه أمر هذا الرجل أن يضع يده عند الخامسة على فيه، أي على في الزوج لعله يمسك، وقال: "إنها موجبة"، "إنها" أي: الخامسة، "موجبة" لأي شيء؟ قيل: إنها موجبة للعنة؛ لأنه سيقول وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وقيل موجبة للحد على المرأة لقوله تعالى: ﴿ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدات بالله﴾ فثبوت

стр. 2573

العذاب عليها ثبت بشهادة الزوج، لكن الأقرب- والله أعلم- أن الحديث عام، لأنه صالح للمعنيين لوجوب اللعنة على من دعا على نفسه بها، وكذلك وجوب الحد على المرأة يعني كأنه قال، إنك إن فعلت فستحد المرأة إلا أنه يرد على هذا يعارض هذا أنه لو شاءت المرأة لرفعت الحد فلا يكون قوله موجبًا، لكنه سبب للإيجاب، لأنه قد يعارض بمانع وهو أن المرأة تلاعن وينتفي عنها الحد وعليه فيكون المقطوع به أن كلمة "موجبة" يعني: موجبة للعن، أما كونها موجبة للحد ففيها احتمال. يستفاد من هذا الحديث: جواز التوكيل بما يتعلق بالحدود؛ لأن الرسول ﷺ أمر الرجل أن يضع يده على فيه عند الخامسة، وهذا شيء ثابت، وقد مر علينا أن الرسول ﷺ أمر أنيس أن يغدو إلى امرأة الرجل فإذا اعترفت رجمها. ومن فوائد الحديث: مشروعية وضع اليد على فيَّ الزوج عند الخامسة لعله يتراجع؛ لأنه إذا رجع فسوف يقام عليه حد القذف وهو أهون من عذاب الآخرة. ومن فوائد الحديث: أن من دعا على نفسه بما يعلم أنه كاذب فيه فإنه جدير بأن يحق عليه هذا الدعاء لقوله: "إنها موجبة"، فليحذر الإنسان من هذه المسألة التي قد يتهاون بها بعض الناس، فيقول: هو يهودي إن كان قال كذا هو نصراني، إن كان قال كذا وهو يعلم أنه قاله؛ لأن هذا ربما يعاقب فينسلخ من دين الإسلام بناء على الحلف. ١٠٥٩ - وعن سهل بن سعد ﵁ في قصة المتلاعنين- قال: "فلمَّا فرغا من تلاعنهما قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ". متَّفقٌ عليه. إذا انتهى اللعان بين الزوجين ثبتت الفرقة، وهي بينونة الطلاق الثلاث؛ فإنها تحل بعد الزواج، نقول: إذا انتهى اللعان ثبتت الفرقة بتفريق الحاكم أو بمجرد انتهاء اللعان؟ الصحيح أنه بمجرد انتهاء اللعان تثبت الفرقة، يعني: إذا لاعن الزوج ثم لاعنت الزوجة ثبتت الفرقة بينهما، فطلاقهما ثلاثًا إنما هو من باب توكيد هذه الفرقة وليس طلاقًا واقعًا على محل؛ لأن الزوجة قد بانت منه، وعلى هذا فلا يكون في الحديث دليل على جواز طلاق الثلاث جملة واحدة كما استدل به بعضهم وسيأتي تقرير ذلك- إن شاء الله تعالى. فيؤخذ من هذا الحديث: أن طلاق الثلاث بعد اللعان جائز؛ لأن النبي ﷺ أقر الزوج على هذا ولم ينكر عليه ولو كان محرمًا لأنكر عليه النبي ﷺ ، هكذا استدل به بعض العلماء،

стр. 2574

وقال: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق أنت طالق؛ فإنه حلال. ووجه الاستدلال من هذا الحديث: إقرار النبي ﷺ للزوج على ذلك، ولكن الصحيح خلاف هذا القول، وأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات متعاقبات حرام؛ لأنه ثبت من حديث محمود بن لبيد أن رجلًا طلق زوجته ثلاثًا بكلمات أو بكلمة فقام النبي ﷺ غضبان وخطب الناس وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ! "، وهذا إنكار بيَّن واضح، ويدل لذلك أيضًا أن عمر بن الخطاب ﵁ لما رأى الناس قد تتايعوا في هذا الأمر وكثر فيهم الطلاق الثلاث ألزمهم به فقال: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، وهذا يدل على أنه حرام، وإلا لما عاقبه عمر على ذلك. فإذا قال قائلٌ: إذن ما الجواب عن هذا الحديث؟ قلنا الجواب: ما قال العلماء الآخرون الذين قالوا بالتحريم وهو أن هذا الطلاق إنما هو من باب توكيد البينونة فقط وإلا فإنه طلاق وارد على غير مورده؛ لأن المرأة بمجرد تمام اللعان وهذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه لا يحل طلاق الثلاث بكلمة واحدة أو بكلمات بدون رجعة. مسألة: هل يلحق الولد الزاني أو يلحق الزوج هذا الحديث الذي مر علينا؟ حديث أنس قد يدل على أنه إذا جاء مشبهًا للأب- أي: الزوج- فهو أبوه، وإن جاء مشبهًا للزاني فهو له لكن أكثر العلماء لا يرون أن الولد ينتفي عن أبيه ولا يلتحق بالزاني لقول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، الفراش انتفى الآن بقي نصيب العاهر وهو الزاني الحجر، ولهذا كان يدعى لأمه لا يدعي للزاني. ولكن العلماء اختلفوا فيما لو زنى رجل بامرأة ليست فراشًا ثم أراد أن يستلحقه فهل يلحقه به أم لا؟ أكثر العلماء يقولون: لا لعموم قوله ﷺ : "وللعاهر الحجر"، وقال بعض العلماء: إذا استلحقه وليس له معارض فإنه يلحقه؛ لأنه ولده كونًا، وليس هناك ما يمنع إلحاقه به شرعًا، بخلاف ما لو تنازع الزوج والزاني فهنا يكون الولد للفراش للزوج. ثم هاهنا مسألة: هل ينتفي الولد باللعان بدون نفيه أو لا بد من نفيه؟ الجمهور على أنه لا بد من نفيه والصحيح أنه يصح نفيه ولو كان حملًا قبل أن يوضع، ولكن على هذا الرأي إذا

стр. 2575

قلنا لا بد من نفيه فهل يجوز للزوج أن ينفيه؟ هذا محل تفصيل: إذا كان الحمل قبل اتهامها بالزنا فإنه لا يجوز أن ينفيه لأنها نشأت به قبل الزنا فهو لزوجها ولا يجوز أن ينفيه وإن كان بعد الزنا ووضعته لأقل من ستة أشهر من الزنا وعاش فلا يصح نفيه أيضًا؛ لأنها لما وضعته لأقل من ستة أشهر وعاش علمنا أنه كان قبل الزنا؛ لأن أقل مدة الحمل الذي يمكن أن يعيش ستة أشهر، إذن في هذين الحالين يلحق الولد الزوج ولا يصح أن ينفيه، أما إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر في وقت يمكن أن يكون نشأ من الزاني أو يحتمل أن يكون من الزوج، نظرنا إن كان الرجل قد استبرأها قبل أن يتهمها بالزنا؛ فليس الولد له، ومعنى استبرأها: أنها حاضت قبل أن تتهم بالزنا لأن من علامات عدم الحمل الحيض وحينئذٍ لا يكون الولد له، وكذلك لو فرض أنها وضعته لأكثر من أربع سنين منذ جامعها الزوج ودون أربع سنين منذ جامعها الزاني فلا يلحق بالزوج على القول بأن أكثر مدة الحمل أربع سنين، فالمسألة تحتاج إلى تفصيل. من فوائد الحديث: جواز الوصف بالتغليب لقوله: "في قصة المتلاعنين" مع أن اللعان إنما يكون من الزوج، والوصف بالتغليب كثير في اللغة وفي الشرع، ومن ذلك قول النبي ﷺ : "بين كل أذانين صلاة"، والمراد بهما الأذان والإقامة، على أنه يمكن أن نقول إن الإقامة أذان؛ لأنها إعلام بالقيام بالصلاة، لكن المعروف أن الأذان غير الإقامة كما في حديث أنس بن مالك أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقال النبي ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة"، ومن ذلك أيضًا أمر النبي ﷺ للمؤذن أن يقول في الأذان الأول لصلاة الصبح "الصلاة خير من النوم" بعد حي على الصلاة حي على الفلاح، والمراد بالأذان الأول: الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت؛ ووصفه بالأول؛ لأن هناك أذانًا ثانيًا وهو الإقامة، وهذا متعين لمعنى الحديث، وأما ما ذهب بعض الناس من أن المراد به: الأذان الذي يكون في آخر الليل فهذا من الأوهام التي لا يثبت بها الحكم؛ لأنها لا تقوم على دليل صحيح أو قياس سليم؛ لأن الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر إذ إن الفجر بالإجماع لا يدخل إلا بعد طلوع الفجر وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، فأذان الفجر إنما يكون بعد طلوع الفجر وإذا كان كذلك فإن الإذان الذي يكون في آخر الليل بيَّن الرسول ﷺ الغرض منه فقال: "إن بلالًا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم" فليس أذانًا للصلاة لكنه أذان للاستعداد للسحور، وعلى هذا فمن بدَّع المؤذنين اليوم- أي: نسبهم إلى البدعة- وقال: إن قولهم الصلاة خير من النوم في أذان الفجر بدعة فهو المبتدع؛ لأن تبديع ما دلت السنة على أنه

стр. 2576

صواب يكون بدعة؛ لأنه إنكار سنة، فالمتعين أن قول المؤذن: الصلاة خير من النوم إنما هو في الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر ولا شك، لكنه سمِّي أولًا باعتبار الإقامة وأظن في صحيح مسلم أن عائشة ذكرت أن النبي ﷺ كان إذا سمع الأذان الأول قام فصلى ركعتين، يعني: سنة الفجر فوصفت الأذان بأنه الأول، وقد كتبت في هذا جوابًا لبعض الإخوة الذي جاء ترتعد فرائصه يقول كنا وآباؤنا ضالين نعمل بدعة نعلنها على المنابر، فيسر الله جوابًا شافيًا أعطيناه إياه في هذه المسألة. ومن فوائده الحديث: أن فراق المتلاعنين فراق بائن؛ لقوله: "كذبت عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره"؛ لأن مراده بالطلاق الثلاث هنا البائن، ولكنه كما علمتهم من قبل قلنا: إن البينونة حصلت باللعان، أما الطلاق الثلاث فلا بينونة فيه؛ لأن ابن عباس روى كما في صحيح مسلم- أن الطلاق الثلاث في عهد النبي وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة فليس فيه بينونة. ١٠٦٠ - وعن ابن عبَّاس ﵂: "أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامس. قال: غرِّبها. قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال فاستمتع بها". رواه أبو داود والتِّرمذي، والبزًّار، ورجاله ثقلتٌ. - من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ: "قال: طلِّقها. قال: لا أصبر عنها. قال: فأمسكها". "أن رجلًا جاء" من هذا الرجل؟ لا يعنيها اسمه؛ لأن تعيين الاسم ليس بلازم ما لم يتوقف عليه فهم المعنى، وهنا لا يتوقف عليه المعنى، قال: "إن امرأتي لا ترديد لامس"، لامس أي شيء؟ لامس لها جسمها، المعنى: أنها تتهاون في ملامسة الرجال، وليس المراد كما زعمه بعضهم أنها لا ترد يد لامس أي ملتمس للعطاء، فقال الرسول: "غربها أو طلقها"؛ لأن النبي

стр. 2577

صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول للرجل طلق زوجتك لأنها كريمة لا ترد يد ملتمس، بل الظاهر أن المراد لا ترد يد لامس أنها تتساهل في ملامسة الرجال في مصافحتهم مثلًا وما أشبه ذلك، فقال: "غربها" يعني: سافر بها إلى بلد تكون فيه غريبة لتبتعد عن ملامسة الرجال؛ لأن الغريب ليس كالمستوطن، المستوطن يكون منشرحًا متسع الصدر، لكن الغريب ينطوي على نفسه وينقبض ولا يلتفت لمثل هذه الأمور، وقوله: "غربها" قلنا: أي: سافر بها إلى بلد الغربة، لكن لا يلزم من ذلك أن يبقى معها يغربها ويرجع أو يغربها مع أحد أقاربها وما أشبه ذلك، قال: "إني أخاف أن تتبعها نفسي" يعني: أن تتعلق بها نفسي فقال: "فاستمتع بها" يعني: أبقها عندك واستمتع بها كما تستمع بها في العادة، وفي لفظ: "طلقها" أمره بطلاقها لأن ذلك أبعد عن الشبهة- شبهة الولد- أو لأنها- أي: هذه المرأة- لسعتها يخشى من تصرفها الفتنة، قال: "لا أصبر عنها"؛ لأن نفسه متعلقة بها قال: "فأمسكها". المسألة الآن واضحة وهي: أن هذه المرأة ليس عندها شيء من التحفظ التام بل هي متساهلة، فأمره النبي ﷺ أن يطلقها أو أن يغربها، ثم لما رأى أن نفسه لا تصبر عنها أذن له في إمساكها. فإن قال قائل: هل يصح أن نحمل قوله لا ترد يد لامس على كونه كناية عن الجماع؟ فالجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن النبي ﷺ لو أذن له وهي على هذه الحال لكان أذن له بالدياثة أن يبقى زوجته وهي تزني وهذا شيء مستحيل. في هذا الحديث فوائد منها: صراحة الصحابة- ﵃ في معرفة الحق؛ لقوله: "إن امرأتي لا ترد يد لامس". ومنها: أن ذكر الإنسان بما يكره للاستفتاء ونحوه لا بأس به، ولا يكون من الغيبة؛ وذلك للمصلحة الراجحة التي تربو على ذكره بما يكره، ومثل ذلك: ذكر الإنسان بما يكره في باب النصيحة، كما ثبت عن النبي ﷺ أن فاطمة بنت قيس جاءت تستشيره في ثلاثة من الصحابة خطبوها وهم معاوية وأسامة بن زيد وأبو جهم فقال لها النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضراب للنساء" ثم قال: "أنكحي أسامة". ومن فوائد الحديث: أن من النساء وإن كن نساء من السلف الصالح من يتهاون في ملامسة الرجال أو مصافحتهم؛ لقوله: "إن امرأتي لا ترد يد لامس". ومن فوائد الحديث: البناء على يد المدعي في باب الفتوى بخلاف الحكم، وجهه: أن النبي ﷺ لم يقل: هات الشهود أو يأتي يطلب المرأة لتقر أو تنكر، ونظير ذلك قول هند بنت

стр. 2578

عتبة: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال "خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف"، ولم يقل: أقيمي البينة؛ لأن باب الفتوى أوسع من باب الحكم، فالمفتي يفتي والمسئولية على المستفتي، لكن في باب الحكم تكون المسألة مبنية على المشاحة فلا يجوز للقاضي أن يحكم على غائب، وقد قيل إن داود- ﵊ إنما فتن بكونه حكم على الخصم دون أن يسأله؛ لأنه تسوروا عليه المحراب وقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض، ثم قال أحد الخصمين: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال: أكفلنيها وعزَّني في الخطاب، قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه دون أن يسأل الخصم الثاني، وهذا نقص في الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وظن داود أنَّما فتنه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب﴾ [ص: ٢٤]. وهذه القصة فيها: أولًا: أن داود احتجب عن الناس في محرابه مع أنه من حكم بين الناس لا بد أن يكون بارزًا لهم ليسهل عليهم مراجعته، وهو لم يفعل. وثانيًا: أنه حكم للخصم دون أن يسأل المحكوم عليه وهذا أيضًا نقص في الحكم، وأما دعوى من يقول: إنه عشق امرأة أحد جنوده وإنه تحيَّل ومكر به وأخرجه مع الغزاة لعله يقتل فيأخذ امرأته فلا شك أن هذا من دسائس اليهود، وأنه لا يليق برجل عاقل فضلًا عن نبي من الأنبياء، ولا يحل لإنسان يعرف فضل الأنبياء أن يتهم داود- ﵊ بمثل هذه التهمة أبدًا والقرآن لم يشر إلى هذا إطلاقًا. ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة- ﵃ في مخاطبة النبي ﷺ لقول الرجل عن زوجته: "إنها لا ترد يد لامس". ومنها: عفة الصحابة وبعدهم عن الخنا؛ لأن هذا الرجل لم يصبر على ما كانت عليه زوجته من التساهل في أيدي اللامسين وإلا لغض الطرف وسكت. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا رأى من أهله مثل ذلك ولم يتمكن من حفظهم فإن الأولى أن يطلق لئلا يكون ديونًا، فإن تمكن من حفظهم وجب عليه ذلك أن يحفظهم؛ لأن طلاقها ليس حلًّا للمشكلة؛ إذ قد يطلقها إلى زوج آخر أو تنفرد عن الأزواج وتكون حالها أسوأ. ومن فوائد الحديث: مراعاة رجحان المفاسد بعضها على بعض، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ دفع مفسدة فراقها وتعلق بها وأنه لا ويصبر وربما يضيع بذلك حقوق لقوة تعلق قلبه بها فأمره بإمساكها. ومن فوائد الحديث: أن الأمر في مقام الإذن لا يدل على الوجوب، بل ولا على الاستحباب لقوله: "فاستمتع بها فأمسكها"؛ لأن المعنى": فلك أن تستمتع بها ولك أن تمسكها،

стр. 2579

وهذه قاعدة في أصول الفقه، بمعنى أن الأمر بعد النهي أو الأمر بعد الاستئذان يفيد الإباحة، فإذا استأذنني شخص في الدخول إلى البيت فقلت: ادخل، فليس هذا بأمر وإنما هو إذن وإباحة. ومن فوائد الحديث: أنه قد يسكت عن البيان إلى وقت آخر؛ لأن أمر النبي ﷺ بإمساكها ليس يعني أن يمسكها على ما هي عليه قطعًا، فالإمساك هنا مطلق، ولكن لا بد أن يضاف إليه قيد وهو أمسكها مع إصلاحها ومحاولة منعها مما هي عليه. ١٠٦١ - وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية المتلاعنين-: أيُّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم؛ فليست من الله في شيءٍ، ولن يدخلها الله جنَّته، وأيُّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه؛ احتجب الله عنه، وفضحه الله على رءوس الأوَّلين والآخرين". أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان. "أيما امرأة" هذه اسم شرط جازم "أي" و"ما" زائدة، وتزداد "ما" كثيرًا في أسماء الشرط مثل: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الأسراء: ١١٠]. وقوله: "أدخلت" هذا فعل الشرط، وقوله: "فليست من الله في شيء" هذا جواب الشرط أي: أن الله تعالى بريء منها وليست منه في أمان أي من عذابه بل هي معرضة للعقوبة، وقوله: "على قوم من ليس منهم" يعني: بحيث يكون من ولد زنا، فإن الزاني إذا زنى بامرأة متزوجة أو غير متزوجة ثم تزوجت في الحال، فإن هذا الولد من الزاني ينسب إلى الزوج فتكون أدخلت على هؤلاء القوم من ليس منهم، "ولم يدخلها الله جنته" فبين أن العقوبة أن الله سبحانه يتبرأ منها، براءة الله منها وحرمانها دخول الجنة وقوله: "جنته" من باب إضافة المخلوق إلى خالقه وليست من باب المسكون للساكن؛ لأن الله تعالى فوق العرض، لكنها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، كإضافة البيت إلى الله وإضافة الناقة إلى الله، قال: "وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين" هذا وعيد ضد الأول رجل جحد ولده وهو ينظر إليه؛ يعني: أنه قد تأكد أنه منه ولكنه يجحده لتهمة حصلت لامرأته، مثلًا أو شك وقع في قلبه فيتبرأ منه فهذا الذي يفعل يقول الرسول ﷺ : "احتجب الله عنه" يعني: يوم القيامة ولم ينظر إليه، والثاني: "فضحه على رءوس الأولين والآخرين" أي: كشف ستره وبين خطأه وذلك يوم القيامة.

стр. 2580

١٠٦٢ - وعن عمر ﵁ قال: "من أقرَّ بولده طرفة عين؛ فليس له أن ينفيه". أخرجه البيهقي، وهو حسنٌ موقوفٌ. • في هذا الحديث والأثر فوائد: أولًا: إن إدخال المرأة أحدًا على قوم وهو ليس منهم من كبائر الذنوب، وجهه الوعيد؛ لأن كل ذنب توعد عليه فهو كبيرة من الكبائر، ووجه ذلك أن إدخال الولد وليس من القوم على القوم يترتب عليه أمور كبيرة عظيمة منها المحرمية أنه يكون من محارمها، ومنها الإرث والنفقات وتحمل الديات ... إلى غير ذلك مما يترتب على النسب، فيترتب عليه أمور عظيمة لذلك كان إدخال شخص على قوم ليس منهم من كبائر الذنوب. ومن فوائد الحديث: أن من عقوبات الذنوب أن يتبرأ الله من فاعلها؛ لقوله: "فليست من الله في شيء". فإن قلت: هل يصح أن نصف الله بالتبرأ؟ قلنا: نعم يصح في القرآن قال الله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ [التوبة: ١]. ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣]. ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة، وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، لكن أريد ما يتفرع على ذلك وأنها جنة عظيمة؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، ولا يضيف شيئًا إلى نفسه من المخلوقات على وجه الخصوص إلا لمزية هنا أن هذه الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومثلها ناقة الله؛ لأنها آيته، ومنها بيت الله؛ لأنه محل تعظيمه وشعائره، المهم لا بد أن يكون له مزية ولهذا لا يضاف إلى الله على سبيل الخصوص من المخلوقات إلا ما له العظيم حتى إن العلماء نهوا أن يضاف إلى الله شيء على وجه الخصوص من مخلوقاته وهو قبيح، فقالوا: أنه ينهي أن تقول إن الله رب الكلب أو رب الحمار على سبيل الخصوص لأن فيه سوء أدب مع الله لكن قل إن الله رب كل شيء يعم هذا وهذا، لكن لو قلت: إن الله رب الصالحين رب المؤمنين وما أشبهها فهذا لا بأس به. ومن فوائد الحديث: أن تبرؤ الإنسان من ولده من كبائر الذنوب لترتب العقوبة على ذلك. ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن تبرؤ الإنسان من ولده إذا لم يكن عنده يقين أنه منه فإنه لا يترتب عليه هذه العقوبة؛ لأن هذا هو فائدة قوله: "وهو ينظر إليه"، ولكن هل له أن ينفيه لمجرد الاحتمال؟ سيأتي في الحديث القادم. ومن فوائد أثر عمر. لا خيار للمرء يعد أن يستلحق الولد فإنه يثبت أنه ابنه؛ لقوله: "من أقر بولده طرفة عين فليس له أن ينفيه"، وهذا العلة فيه واضحة؛ لأنه لو فتح هذا الباب لتلاعب

стр. 2581

الناس بالأنساب وصار الوالد يقر بالولد وينكره غدًا، فمن أقر بأن هذا ولده ولو طرفة عين فليس له أن ينفيه، لو جاءه وقال له: إن امرأتك زنت وهذا الولد من الزاني فهل له أن ينفيه؛ بعد اعترافه به؟ لا، ليس له، حتى لو فرض أن الشبه للزاني أكثر منه للزوج فإنه لا يمكن أن ينفيه؛ بعد اعترافه به؟ لا، ليس له، حتى لو فرض أن الشبه للزاني أكثر منه للزوج فإنه لا يمكن أن ينفيه؛ لأنه ثبت النسب واستقر، والنسب لا يمكن رفعه بعد استقراره. ١٠٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ "أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ مرأتي ولدت غلامًا أسود؟ قال: هل لك من إبلٍ؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمرٌ. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنَّي ذلك؟ قال: لعلَّه نزعه عرقٌ. قال: فلعلَّ ابنك هذا نزعه عرقٌ". متَّفقٌ عليه. - وفي روايةٍ لمسلمٍ: "وهو يعرِّض بأن ينفيه" وقال في آخره: "ولم يرخِّص له في الانتفاء منه". وهذا الرجل أعرابي من البادية صاحب إبل جاء يسأل النبي ﷺ هذا السؤال الغريب قال: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" يعني: وأنا أبيض وأمه بيضاء، فمن أين جاءه السواد، هذا محل إشكال، يعني: تشكل على كثير من الناس أن يأتيه أولاد سود وهو وأمه أبيضان، هذا مشكل كما أنه كان شبهه في التخطيط يخالف شبه أبويه لصار ذلك أيضًا محل إشكال، فقال له النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " الجملة هذه كلها ليس فيها إلا جار ومجرور، والمعروف أن الجمل لا بد لها من عمدة مبتدأ وخبر فعل وفاعل فعل ونائب فاعل وهنا لا يوجد إلا جار ومجرور في كلمتين هل لك "لك" جار ومجرور "من إبل" جار ومجرور، فكيف نخرج هذا على القاعدة؟ لأن من زائدة والتقدير هل لك إبل و"من" تأتي زائدة بعد النفي والاستفهام كثيرًا، هنا قال: "هل لك من إبل" يعني: هل لك إبل لكن كيف أعرب إبلًا؟ نقول: إنها مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، قال: نعم قال: "فما ألوانها" قال: "حمر قال ... إلخ" الحمر بسكون الميم، والحمر: جمع حمار؛ ولذلك بعض الناس يغلط إذ يقول: خير لك من حمر النعم- بضم الميم- فهل النعم لها حمر؟ فالصواب: حمر النعم بالسكون جمع أحمر وحمراء. قال: "هل فيها من أورق؟ " نقول في هذه الجملة كما قلنا في جملة: "هل لك من إبل؟ " قال: "هل فيها من أورق؟ " و"الأورق" الذي لونه لون الورق؛ أي: الفضة وهو بين البياض والسواد يعني: أشهب قال: نعم، قال: "فأنى ذلك؟ " يعني: من أين جاء هذا الأورق وألوانها

стр. 2582

حمر؟ ! قال: "لعله نزعه عرق" "نزعه" يعني: جذبه عرق من آبائه أو أمهاته أو أجداده أو جداته فالأعرابي فاهم هذا أنه ربما يكون عرق سابق ينتزع ويجذب هذا الذي حصل من هذه الناقة الحمراء. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" أي: كان أحدٌ من جداته أو أجداده من قبل أبيه أو أمه أسود فنزعه هذا العرق و"لعل" هنا للتوقع، يعني: كما أنك تتوقع أنه نزعه عرق، أي: الجمل الأورق فكذلك هذا الولد يتوقع أنه نزعه عرق، يقول وفي رواية لمسلم "وهو يعرض بأن ينفيه ... إلخ". في هذا الحديث فوائد منها: أنه لا حرج على الإنسان في الشك إذا وجدت أسبابه، وجه الدلالة: أن هذا الرجل شك في كون الولد منه؛ لأنه يعرض بنفيه لما قال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود هو يريد- أن ينفيه فإذا وجدت قرائن تكون سببًا للشك فلا حرج على الإنسان فيه- أي في هذا الشك- لا يقال: إن هذا من باب الظن نقول: حتى لو قلنا: إنه من باب بالظن فقد قال الله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن﴾، ولم يقل كل الظن، وقال: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]. ولم يقل كل الظن فالظن المبني على القرائن لا بأس به. ومن فوائد الحديث: أن خلاف اللون من أسباب الشك والتهمة؛ لأن الأصل عدم مخالفة الولد لأبيه وأمه في اللون وكذلك في الأشباه لكن لعله نزعه عرق. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ لقوله: "هل لك من إبل؟ " حتى أستدرجه واعترف هو نفسه بأن هذا الولد ربما يكون نزعه عرق. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمفتي أن يراعي حال المستفتي فمثلًا إذا كان صاحب إبل ذكر له شيئًا يتعلق بالإبل وطبائعها، إذا كان صاحب غنم فكذلك، إذا كان صاحب تجارة فكذلك إذا كان صاحب نسب أو غير ذلك فهو هكذا، ولهذا لما جاء رجل إلى الرسول ﷺ ليسلم إلا أنه قال: اشترط أن يرخص له في الزنا، هذا الرجل الذي يريد أن يسلم قال: أنا أسلم لكن رخص لي في الزنا؛ لأني لا أصبر، قال: هل لك أم؟ هل لك بنت؟ هل لك أخت؟ قال: هل ترضى أن يزني أحد بأمك أو أختك أو بنتك؟ قال: لا قال: كيف ترضى أن تزني بنساء الناس ولا ترضى أن يزني الناس ولا ترضى أن يزني الناس بنسائك؟ ! فتوقف الرجل عرف أنه مخطئ فكون المفتي يضرب الأمثال للشخص بما يناسب حاله هذا يعتبر من البلاغة ومن حسن التعليم. ومن فوائد الحديث: أن الإجابة بـ"نعم" كافية دون إعادة السؤال لقوله: "نعم" واعتبر مجيبًا للرسول ﷺ وهذه المسألة لها شواهد كثيرة قد تكون الإجابة بـ"نعم" لفظا وقد تكون الإجابة بنعم إشارة، فقول عائشة للرسول ﷺ حينما نظر إلى السواك مع عبد الرحمن بن أبي

стр. 2583

بكر آخذه لك؟ قال: أشار برأسه نعم والجارية الأنصارية التي عرض عليها من رض رأسها فلان فلان فلان حتى ذكروا يهوديًّا فأشارت برأسها، هذا أيضًا يدل على أن الإجابة بنعم أو ما يقوم مقامها إجابة صريحة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل الشك باليقين وألا يكون مترددًا في الأمور بل يورد على نفسه، يوجب طرد هذا الشك وجه ذلك: أن هذا الأعرابي سأل النبي ﷺ وأجابه بجواب يزيل منه الشبهة وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يستعمله في جميع مجريات حياته من أجل أن يطمئن وتستريح نفسه ولا يبقي كأنه في زجاجة يعني: أنه يطرد الشك وأسبابه بما يتبين له ولكن هل معنى ذلك أن الإنسان يبحث أو يعرض؟ هذا حسب ما تقتضيه الحال قد يكون من أسباب إزالة الشك أن تبحث حتى تصل إلى اليقين وقد يكون من أسباب الشك أن تعرض ولا تلتفت إليه ومن الإعراض أن الرسول ﷺ لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم قال: "إذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته" يعني: يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويعرض ولا يلتفت إليه وبهذا تكون الراحة؛ وإلا فإن الشيطان يريد من بني آدم أن يكونوا دائما على قلق وعلى حزن ﴿إنما النجوى من الشيطن ليحزن الذين ءامنوا وليس بضآرهم شيئًا إلا بإذن الله﴾ [المجادلة: ١٠]. ومن فوائد الحديث: في رواية مسلم أن الرجل لا يعرض بزنا امرأته وإنما يعرض بانتفاء الولد فقط ولكن الرسول ﷺ لم يرخص له في الانتفاء منه وبيَّن السبب في ذلك أنه ربما يكون نزعه عرق وليس من رجل أجنبي. ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن ينتفي مما ولدت زوجته، ولكن هذا ليس بجائز على الإطلاق بل إنما يجوز إذا رآها تزني وولدت من يمكن كونه من الزاني، وأما إذا رآها تزني وولدت من لا يمكن أن يكون من الزوج فإنه يجب عليه أن ينفي الولد، إذا كان لا يمكن أن يكون من الزوج وذلك بأن تأتي به وزوجها غائب ليس حاضرًا، فإذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من غيبة زوجها بل لأكثر من أربع سنين لغيبة زوجها فالولد من الزوج، ولا يحتمل أن يكون من الزاني فهنا لا يجوز أن ينتفي منه، مثل: أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من الزنا فهنا فلا يكون من الزاني؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر، وهذا الولد ولد لأقل من ستة أشهر من الزنا فلا يكون من الزاني ولا يجوز أن ينتفي منه، والثاني أن يحتمل أن يكون من الزوج ومن الزاني، ففي هذه الحال إن غلب على ظنه أنه من الزاني فله أن يلاعن، ولا

стр. 2584

يجب؛ لأن قوة الفراش تغلب على غلبة الظن الذي عنده، الحالة الثالثة ألا يمكن كونه من الزوج لكونه غائبًا لم يتصل بها ويتبين حملها في غيبة الزوج بأن يكون قد استبرأها من قبل ففي هذا الحال يجب أن ينفيه؛ لأنه ليس ولدًا له ولا يجوز أن يكفله مع أولاده، وهو في هذه الحال ليس من الأولاد قطعًا فهذه ثلاثة أقسام أما مجرد اللون واختلاف الشبه فإن ذلك لا يجوز للإنسان أن ينتفي من ولده؛ لأن النبي ﷺ قال لعله نزعه عرق. * * * * ٣ - باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك هذا الباب تضمن أربعة أشياء: العدة، والإحداد، والاستبراء وغير ذلك، العدة: مأخوذة من العدد لأنها تعدُّ إما بالأشهر وإما بالحيض؛ فلذلك سميِّت عدة، بمعنى: معدودة، وهي شرعًا: تربص محدود شرعًا بسبب فرقة نكاح وما ألحق بها أي: بفرقة النكاح، كالذي يحصل بوطء الشبهة فإن وطء الشبهة يوجب العدة والتفريق بين الواطئ والموطوءة، ويلزمها العدة، فقولنا: تربص محدود شرعًا يخرج به ما لا يحد شرعا من التربصات، كالذي يمنع زوجته من أشياء معينة في وقت معين، وكالإيلاء، وقولنا: "بسبب فرقة نكاح" يخرج به التربص المحدود لغير فرقة النكاح، كالتربص بالإحداد على غير الزوج لمدة ثلاثة أيام، وكذلك ما أشبهه، وقولنا: "بسبب فرقة نكاح" خرج به ما ذكرنا وما ألحق به يعني: الوطء بالشبهة، فإن الرجل إذا وطئ امرأة بشبهة لزمها أن تعتد إن حملت منه فيوضع الحمل وإلا فبالأقراء أو بالاستبراء على خلاف في هذا. وأما الإحداد فهو في اللغة: الامتناع، وفي الاصطلاح: امتناع من توفي عنها زوجها من كل ما يدعو إلى جماعها والرغبة فيها من الزينة والطِّيب وما أشبه ذلك. والاستبراء: مأخوذ من البراءة وهو انتظار يعلم به الرحم من الحمل بسبب النكاح أو غيره وقوله: "غير ذلك" أي: مما سيذكره المؤلف في هذا الباب واعلم أن العدة يشترط لها شروط: الشرط الأول: أن يكون عقد النكاح غير باطل فشمل الصحيح والفاسد فإن كان باطلًا فلا عدة فيه والفرق بين الباطل والفاسد هنا أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه فالأول كنكاح ذوات المحارم مثل أن يتزوج مثل أن يتزوج أخته من الرضاع جاهلًا والثاني كالنكاح بلا ولي فإن العلماء مختلفون فيه، فتجب العدة في كل نكاح غير باطل فشمل الفاسد، تجب فيه العدة هذا شرط يشمل عدة الوفاة وعدة الحياة ويشترط في غير

стр. 2585

عدة الوفاة أن يحصل وطء أو خلوة ممن يولد لمثله فالذي يولد لمثله من الذكور من تمَّ له عشر سنوات، ومن الإناث من تمَّ لها تسع سنوات، فلو خلا بمن دون ذلك فلا عدة ولو كان الزوج دون العشر فخلا بالزوجة فلا عدة فصارت الشروط شرطًا واحدًا شاملًا وهو أن يكون عقد النكاح غير باطل. هذا الشرط شامل للعدة من الحياة والوفاة. الشرط الثاني: أن يحصل وطء أو خلوة ممن لم يولد لمثله وهذا الشرط خاصٌ بالمفارقة في الحياة بناء على ذلك، لو تزوج رجل امرأة وهي صغيرة ثم مات عنها فعليها العدة؛ لأنه لا يشترط في عدة الوفاة إلا شرط واحد أن يكون النكاح غير باطل ولو تزوَّج امرأة وطلقها قبل الدخول والخلوة فليس عليها عدة ولو تزوج امرأة دون التسع وخلا بها ثم طلقها فليس عليها عدة؛ لأنها ممن لا يولد لمثله وأهم شيء في العدة هو العلم ببراءة الرحم وهذه لا يمكن أن يشتغل رحمها بشيء؛ لأنه لا يولد لمثلها. فإذا قال قائل: إذا كان النكاح فاسدًا وفارق فيه من يعتقد فساده فهل فيه عدة وهو يعتقد أنه فاسد؟ الجواب: نعم فيه عدة احتياطًا لمن يرى أن النكاح صحيح؛ يعني: فرض أني أرى أن النكاح بلا ولي غير صحيح، فتزوجت امرأة بلا ولي ثم ندمت وطلقتها قبل الدخول فهل عليها عدة؟ عليها عدة كيف يكون عليها عدة كيف يكون عليها عدة وأنا أعتقد أن النكاح غير صحيح احتياطًا لمن يرى أن النكاح صحيح كالحنفية مثلًا؛ لأني لو لم أطلقها لامتنع نكاحها عند من يرى أن العقد صحيح وحينئذٍ مشكل تبقى المرأة هذه لا يتزوجها فلذلك أوجبنا العدة عليها احتياطًا، وإن كان الإنسان يرى أنه فاسد إذا كان أحد من العلماء يرى أنه صحيح أما من يرى أن النكاح المختلف صحيح فالمسألة فيه واضحة أن عليها العدة، سيأتينا- إن شاء الله- أن العدد أقسام عدة الوفاة: ١٠٦٤ - عن المسور بن مخرمة ﵁: "أنَّ سبيعة الأسلميَّة ﵂ نفست بعد وفاة زوجها بليالٍ، فجاءت إلى النَّبيَّ ﷺ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت". رواه البخاريُّ. - وأصله في الصحيحين. هذه عدة الوفاة "سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها" "نفست" أي: وضعت الحمل، "بعد وفاة زوجها بليال" معدودة عشرون ليلة أو نحوها، "فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته" أي: طلبت منه الإذن أو استفتته؛ وذلك لأن أبا السنابل بن بعكك رآها متجملة للخطاب لما وضعت

стр. 2586

الحمل فمر بها قال: ما شأنك كيف تتجملين؟ والله لن تنكحي حتى يمضي عليك أربعة أشهر وعشر فلفت عليها ثيابها، ثم جاءت إلى النبي ﷺ تستفتيه وأخبرت أن أبا السنابل قال لها: كذا، فقال النبي ﷺ : "كذب أبو السنابل" يعني: أخطأ، لأن الكذب- في لغة الحجازيين- يطلق على الخطأ، ويطلق على تعمد الخطأ، وأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج، يقول: "فنكحت قبل أن يمضي عليها أربعة أشهر وعشر". فيستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة على سؤال النبي ﷺ ، وليعلم أن سؤال الصحابة سؤال للعمل لا للنظر، أي: أنهم يسألون النبي ﷺ ليعلموا بما قال لا لينظروا ماذا يقول خلافًا، لبعض الناس اليوم، حيث يسألون لينظروا، وتجده يقابل الجواب بفتور! ! أما الصحابة- ﵃ فيسألو ليعلموا ولهذا تجدهم يقابلو الجواب بالقوة والعمل والقبول، وفرق كبير بين الحالين. ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة المرأة للرجال لأن أبا السنابل خاطب سبيعة الأسلمية وخاطبته، وهو كذلك، فيجوز للرجل أن يخاطب المرأة، ويجوز للمرأة أن تخاطب الرجل، إلا إذا كان هناك فتنة أو أسباب فتنة؛ ودليل هذا في كتاب الله قال تعالى مخاطبًا أمهات المؤمنين: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الَّذي في قلبه مرضٌ وقلن قولًا معروفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فالنهي عن الأخص دليل على جواز الأعم فلما نهين عن الخضوع بالقول دل ذلك على أن مطلق القول جائز وهو كذلك لكن إذا خشيت الفتنة فإنه لا يجوز؛ لأن درء المفاسد واجب فإذا خيف من الفتنة فإنه لا يجوز أن يخاطب الرجل المرأة ولا المرأة الرجل حتى بالسلام. ومن فوائد الحديث: أن الحامل إذا توفي عنها زوجها فقد انتهت عدتها ودليله أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تنكح وهذا دليل على انقضاء العدة وأن قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النِّكاح حتَّى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥]. يعني: تمام العدة بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشر. ومن فوائد الحديث: أن الحمل أم العدد وأن الحامل أم المعتدات؛ لأن الحمل يقضي على كل عدة وقد اختلف العلماء- ﵏ فيما إذا ولدت المتوفى عنها زوجها قبل أربعة أشهر وعشرٍ، أو تأخر حملها عن أربعة أشهر وعشر، فعن علي بن أبي طالب وابن عباس- ﵃ أنها تعتد بأطول الأجلين فإن كانت أربعة أشهر وعشر أطول اعتدت بها وإن كان الحمل أطول اعتدت به فإذا وضعت لثلاثة أشهر، قلنا على هذا القول أتمي أربعة

стр. 2587

أشهر وعشرًا وإن مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع قلنا: انتظري حتى تضعي وهذا القول مخالف للسنة؛ لأن حديث سبيعة صريح في أن الحمل يقضي على كل عدة وعلى هذا فنقول تعتد بوضع الحمل سواء وضعت قبل أربعة أشهر وعشر أو بعد أربعة أشهر وعشر تنتظر الحمل، إلى متى تنتظر الحمل؟ إلى أن تضع فلو بقيت سنة لم تضع تنتظر بقيت سنتين أو ثلاثًا أو أربع تنتظر بقيت خمسًا لا تنتظر؛ لأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات لكن هذا هو المذهب والصحيح خلاف ذلك أنه ما دام الحمل في بطنها فإنها لا تنتهي عدتها إلا بوضعه لأن الله تعالى قال: ﴿وأولئك الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فما دامت هذه المرأة لم يأتها رجل والحمل في بطنها منذ مات زوجها وهي امرأة أمينة وترقب الحمل، وقد بقي الحمل في بطنها إلى خمس سنوات، نقول: الصواب أنها تبقى حتى تضع الحمل ولو زاد على أربع سنوات، ويمكن أن تصل المدة إلى خمس أو ست أو سبع، وهو إذا وجد سبع سنوات خرج وله أسنان، على كل حال كيف يمكن أن نقول: انقضت عدتها وحملها في بطنها لا يمكن والله يقول: ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ﴾ وما هو الحمل الذي تنقضي به العدة- كل هذا متفرع على قولنا: إن الحمل هو أم العدات؟ الحمل الذي تنقضي به العدة قالوا: إنه ما يتبين فيه خلق الإنسان فإن كان علقة لم تنقض به العدة وإن كان مضغة غير مخلقة لم تنقض به العدة، لا تنقض العدة إلا بما تبين فيه خلق الإنسان فإن شككنا لم تنقض العدة إذا لم تنقض نرجع إلى الأشهر، أربعة أشهر وعشرة أيام نكمل أربعة أشهر وعشرة أيام، امرأة توفي عنها زوجها ووضعت قبل أن يدفن الزوج انقضت عدتها وإحدادها أيضًا؛ لأن الإحداد تابع للعدة وإذا رجل يرتقب انقضاء العدة فتزوجها ودخل بها قبل أن يدفن زوجها يجوز، في هذه الحال هل تغسل زوجها؛ لأن المرأة يجوز أن تغسل زوجها؟ لا تغسله لأن العدة انقضت. ومن فوائد الحديث: أنه إذا تعارض عامَّان فإنه يؤخذ بما دل الدليل على أن أحد العمومين مقدم على الآخر فإن لم يدل الدليل أخذنا بما يجمع العمومين، يوجد عمومان الآن ﴿والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. هذا عامٌّ في الحوامل وغير الحوامل ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حملهنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. عامة في

стр. 2588

المفارقات بالحياة والمفارقات بالموت فبأي العمومين نأخذ؟ نقول إذا لم يوجد دليل على تغليب أحد العمومين أخذنا بما يجمع بينهما كرأي علي وابن عباس؛ لأننا إذا أخذنا بأطول الأجلين فقد أخذنا بالعمومين، أما إذا وجد دليل على أن أحد العمومين أقوى من الآخر فإننا نعمل به وهنا وجد دليل على أن أحد العمومين أقوى من العموم الآخر، ما هو الدليل؟ حديث سبيعة فإنه يدل على أن الحامل إذا وضعت الحمل وإن لم يأت عليها أربعة أشهر وعشر تنقضي عدتها. - وفي لفظٍ: "أنَّها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلةً". - وفي لفظٍ لمسلم، قال الزُّهريُّ: "ولا أرى بأسًا أن تزوَّج وهي في دمها، غير أنَّه لا يقربها زوجها حتَّى تطهر". ما قاله الزهري صحيح، لأنه لا بأس أن يتزوجها بعد نفاسها ولو كانت في دمها لم تطهر من النفاس؛ لكي لا يقربها حتى تطهر وكذلك الحائض لا بأس أن يتزوجها الإنسان وهي حائض، لكن لا يقربها حتى تطهر، ولكن هل ندخله عليها وهي حائض؟ يعني: لو عقد الإنسان على امرأة بكر حائض فالعقد صحيح، ولكن هل ندخله عليها وهي حائض؟ فيه تفصيل: إذا كان الرجل صاحب دين وعقل فإننا ندخله ولا بأس؛ لأنه يعرف أن هذا حرام، أما إذا كان شابًا يظهر عليه التهاون وقلة الدين فإننا لا ندخله لأنه لا يملك نفسه في هذه الحال نقول انتظر حتى تطهر. عدة الطلاق وفسخ النكاح: ١٠٦٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "أمرت بريرة أن تعتدَّ بثلاث حيضٍ". رواه ابن ماجه، ورواته ثقاتٌ، لكنَّه معلولٌ. "بريرة" هي أمة لناس من الأنصار كاتبها أهلها على تسع أواقٍ من الفضة فجاءت تستعين بعائشة ﵂ فقالت عائشة: "إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي ففعلت، فذهبت إلى أهلها فقالت لهم ذلك فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم" يعني: أن المعتق عائشة والولاء لغيرها فجاءت بريرة وأخبرت عائشة بأنهم أبوا إلا أن يكون لهم الولاء فقال النبي ﷺ لعائشة: "خذيها

стр. 2589

واشترطي لهم الولاء فأخذتها واشترطت لهم الولاء" فقام النبي ﷺ خطيبًا في الناس وقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق"، فأبطل الشرط وأخذتها عائشة وأعتقها، وكان لها زوج يسمَّى مغيثًا فخيرها النبي ﷺ بين أن تبقى معه أو أن تفسخ النكاح فاختارت فسخ النكاح وكانت تبغض زوجها وهو يحبها حبًّا شديدًا ويمشي وراءها في أسواق المدينة يطلب منها ألا تفسخ ولكنها تأبى، وكان النبي ﷺ يقول: "ألا تعجبون من حب مغبث لبريرة وبغض بريرة لمغيث؟ " يقولون: بلى، لأن العادة أن الحب متبادل والبغض متبادل، لكن هذا خلاف العادة، فأشار النبي ﷺ على بريرة أن تبقى بعد أن بين لها الحكم الشرعي فقالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعةً وإن كنت تشير علي فلا رغبة لي فيه، تقدم ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه فسخ النكاح، هذا الفسخ هل يوجب عدة الطلاق؟ في هذا خلاف بين العلماء بناء على هذا الحديث، فمن صحح هذا الحديث قال: إنه يجب أن تعتد بثلاث حيض؛ لأن هذا فراق من حياة فوجب أن تعتد به ثلاث حيض كالفراق في الطلاق، وقال آخرون: لا يجب أن تعتد بثلاث حيض؛ لأن هذا فسخ لا رجعة فيه، والقرآن يدل على أن الاعتداد بثلاث حيض لمن يمكن رجعتها؛ لقوله تعالى: ﴿والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروءٍ ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كنَّ يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهنَّ أحقُّ بردهن ... ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ومعلوم أن المفسوخة لا حق لبعلها في الرجوع إليها وعلى هذا فيكون عدتها استبراء بحيضة واحدة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن جميع الفسوخ ليس لها إلا حيضة واحدة استبراء، ولكن هذا الحديث له طرق تشهد بصحته، وإذا اجتمعت الطرق ترقى الحديث وإن كان ضعيفًا إلى الحسن، ووجب العمل به ويكون مقدمًا على القياس، ويجاب عن الآية: بأن عود الحكم إلى بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص بدليل حديث جابر قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، فإننا لو نظرنا إلى أول الحديث لوجدناه عامًّا في كل مشترك، وإذا نظرنا إلى آخره رأينا أنه خاصٌّ بالأرض، إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، ومن ثمَّ اختلف العلماء هل تجب الشفعة في غير الأرض أو لا تجب إلا في الأرض؟ فمنهم من يرى العموم ومنهم يرى الخصوص وفي هذه الحال إذا وجد دليل يرجح هذا القول وجب الأخذ به وعليه فنقول إذا صح هذا الحديث حديث عائشة وجب العمل به، وإلا فالقياس لا يعمل به.

стр. 2590

من فوائد الحديث: وجوب الاعتداد بثلاث حيض على من فسخ نكاحها لكونها عتقت تحت زوج عبد هذا إن صح الحديث. ومن فوائده: جواز حبس الفاعل للعلم به لقولها: "أمرت بريرة"، والآمر هو النبي ﷺ . ومن فوائده: أن المباشر للقصة يكون أعلم بها من غيره، فإن عائشة ﵂ مباشرة للقصة، لأنها اشترت بريرة وأعتقتها. حكم السكنى والنفقة للمطلقة البائنة وعدتها: ١٠٦٦ - وعن الشَّعبيِّ، عن فاطمة بنت قيسٍ ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ في المطلَّقة ثلاثًا: "ليس لها سكنى ولا نفقةٌ". رواه مسلم المطلقة إما أن تكون مطلقة بواحدة أو اثنتين، فهذا لها نفقة ولها سكنى، يعني: يجب على الزوج أن ينفق عليها وأن يسكنها، بل يجب أن تبقى في بيت زوجها؛ لقول الله تعالى: ﴿لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ولا يخرجن إلَّا أن يأتين بفاحشةٍ مُّبينةٍ وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق: ١]. فيجب عليه أن تبقى في البيت نأكل مما يأكل زوجها وتسكن مما يسكن فيه، وإما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات فهذه تبين من زوجها وتحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، ولا يحل لها الكشف له، ولا أن يخلو بها في العدة؛ لأنها صارت بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد الزواج، وعلى هذا فليس لها نفقة وليس لها كسوة، كما قضى به النبي ﷺ ؛ لأنها ليست في حكم الزوجة، بل هي بائن منه، هكذا قضى النبي ﷺ : وقوله: "في المطلقة ثلاثًا" قد يفهم منه بعض الناس أن فاطمة بنت قيس طلِّقت ثلاثًا في مجلس واحد وليس كذلك، وقد جاء التصريح في صحيح مسلم أنها طلِّقت آخر ثلاث تطليقات، يعني: أن زوجها طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثالثًا، وكان في اليمن وأمر وكيله أن يأتيها بشيء من شعير حين طلقها متاعًا لها، فجاء به إليها فسخطته وقالت: لا أريده، يعني: كأنها تريد نفقة أحسن من هذا، فقال: ليس لك إلا ذلك، يعني: أنه وكيل ولم يوكل إلا بإعطاء الشعير، فرفع شأنهما إلى النبي ﷺ فقال لها: "ليس لك نفقة ولا سكنى"، وعلى هذا فيكون الشعير الذي أمر وكيله أن يأتيها إياه يكون على سبيل التبرع والصدقة وليس على سبيل الوجوب هكذا قضى رسول الله ﷺ ، وقال بعض العلماء: إن المطلقة ثلاثًا تجب لها النفقة والسكنى؛ لأنها محبوسة من أجل حق زوجها فهي كالرجعية ولهذا لا يجوز أن تتزوج ما

стр. 2591

دامت في العدة فإذا كانت محبوسة بحق زوجها وجب لها النفقة والسكنى؛ والنفقة هي الطعام والشراب، والكسوة ولكن هذا القول قياس في مقابلة النص فيكون فاسد الاعتبار لا عبرة به. القول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة؛ لأنها محبوسة لحق زوجها فوجب عليه أن يسكنها وأما النفقة فلا لأنه لا يملك الرجوع إليها والصحيح القول الأول: أنه ليس لها نفقة ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فلها النفقة لعموم قوله تعالى: ﴿وإن كنَّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنَّ حتَّى يضعن حملهنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فإذا كانت حاملًا فإنه ينفق عليها لكن النفقة لها أو للحمل؟ لها من أجل الحمل لا من أجل العدة فتبين الآن أن المطلقات ثلاثة أقسام: قسم حامل فهذه لها النفقة والسكنى بكل حال، وقسم غير حامل لكنها رجعية فهذه كذلك لها النفقة والسكنى، وقسم ثالث حائل بائن فهذه ليس لها نفقة ولا سكنى، لأنها بانت من زوجها، وهل مثل ذلك المفسوخة؟ الجواب: نعم؛ لأن الفسخ لا رجعة فيه للفاسخ، وإنما المراجعة في الطلاق، وعلى هذا فالمفسوخة ليس لهها نفقة ولا كسوة ولا شراب ولا طعام ولا سكنى ما لم تكن حاملًا. من فوائد الحديث: ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن المعتدة البائنة بالثلاث ليس لها نفقة ولا سكنى. ومن فوائده: جواز الطلاق ثلاثًا؛ يعني: يجوز أن تطلق آخر ثلاث تطليقات التي بها البينونة؛ لأن النبي ﷺ أقرَّ ذلك، وقد دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاق مرَّتان ... ﴾ ثم قال: ﴿فإن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتَّى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. النهي عن الإحداد على الميت فوق ثلاث إلا الزوج: ١٠٦٧ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تحدُّ امرأةٌ على ميِّتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمسَّ طيبًا، إلَّا إذا طهرت نبذةً من قسطٍ أو أظفارٍ". متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ، ولأبي داود، والنَّسائيِّ من الزِّيادة: "ولا تختضب"، وللنَّسائيِّ: "ولا تمتشط". "لا تحدُّ" بالضم ويجوز الجزم، والفرق بينهما: أن الجزم على تقدير "لا" ناهية، لكنه حرك بالفتح لالتقاء الساكنين، وأما الضم فعلى أنها نافية، فأما على كونها ناهية فالأمر ظاهر، وأما على كونها نافية فالجملة خبرية لكنها بمعنى الطلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي، ودائمًا يأتي الخبر بمعنى النهي أو بمعنى الأمر، فمن الثاني قوله تعالى: ﴿والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن ﴿

стр. 2592

فالجملة خبرية لكنها بمعنى الأمر وكذلك: ﴿والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا ﴿. قال أهل العلم: وفائدة إتيان الخبر في مكان الطلب الإشارة إلى تأكده، وكأنه أمر ثابت يخبر عنه، والعكس يأتي أحيانًا، أي: يأتي الطلب والمراد به الخبر، مثل قوله تعالى: ﴿وقال الَّذين كفروا للَّذين ءامنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. فاللام هنا للأمر لكنه بمعنى الخبر يعني وحن نحمل خطاياكم لكنهم أتوا به بضيغة الأمر من شدة التزامهم به كأنهم يقولون: ونحن نلزم أنفسنا بذلك، وقوله: "امرأة" نكرة في سياق النهي أو النفي فتكون للعموم، أيُّ امرأة سواء كانت أمَّا أم بنتًا أم أختًا أم عمة أم هالة، قوله: "على ميت فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، وإنما جاء الحديث بلفظ ثلاث دون ثلاثة كأنه- والله أعلم- موافقة للآية ﴿والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾ أي: عشر ليال، وهنا "فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" يعني: إلا تحد على زوج أربعة أشهر وعشرًا؛ أي: عشر ليال. وقوله: "أربعة أشهر" المراد بها: الهلالية لأنها هي الأشهر الشرعية الكونية أما كونها شرعية فلقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد أجمع المسلمون على أن شهر رمضان هنا ما بين الهلالين لا ثلاثين يومًا وأما الكونية فقوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلَّة قل هي مواقيت للنَّاس﴾ [البقة: ١٨٩]. للناس عمومًا وقوله تعالى: ﴿إنَّ عدَّة الشُّهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حرمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذا توقيت لجميع الخلق والتوقيت الذي يعمل به الكفار اليوم وتبعهم عليه المستعمرون من المسلمون توقيت لا أصل له؛ ولهذا لم يعرف هذا التاريخ في كتب المسلمين إلا بعد أن تولى المستعمرون على بلادهم، صحيح أنهم يعرفون هذا عن العجم، وربما يشيرون إليه في بعض الكتب، لكن كونه هو تاريخ البلاد الذي تتحدد فيه الآجال وغيرها هذا غير معروف عند المسلمين، ولكن على القاعدة المعروفة أن الضعيف يقلد القوي، صار الناس الآن يقلدون الأقوياء وإن كانوا على باطل إلا من عصم الله، قال: "ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" الثياب المصبوغة في عهد الرسول ﷺ ثياب الزينة فلهذا نهى أن تلبس ثوبًا مصبوغًا فليبقى على ما هو عليه على ما نسج عليه إن كان من صوف أسود فهو أسود، وإن كان من وبر أحمر فهو أحمر، على ما هو عليه. يقول "إلا ثوب عصب" وهذا ثياب معروفة عندهم تكون خيوطها من الأصل مصبوغة،

стр. 2593

يعني: لا يرد عليها الصبغ بل الخيوط مصبوغة من الأصل وهذه الثياب كأنها- والله أعلم- ثياب بذلة لا ثياب زينة فلهذا استثناها النبي ﷺ قال: "ولا تكتحل" والكحل يكون في العين وظاهر النهي لا تكتحل لا في الليل ولا في النهار ولا للزينة ولا للدواء لا تكتحل، وقوله: "ولا تمس طيبًا" أي: لا تمسه استعمالًا: لا تستعمله سواء مسته أو عن طريق الميل جعلته في ثيابها مثلًا المهم ألا تستعمله؛ لأن كلمة "طيبًا" تعم كل طيب، لكن النهي عن مسه يتناول كل شيء "إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار"، والقسط نوع من الطيب قيل: إنه البخور تتبخر به إذا طهرت، وقوله: "نبذة" وهي الشيء القليل، وذلك لحاجتها الماسة إلى استعمال هذا الطيب، فرخص لها النبي ﷺ من أجل الحاجة والضرورة؛ ولأنه يزول لأنه دخان يتبخر. ولأبي داود والنسائي من الزيادة: "ولا تختصب" أي: تنقش يديها أو رجليها بالخضاب حنة أو غيرها، وللنسائي "ولا تمتشط" أي: ترجل شعرها بالمشط، لماذا؟ لأن هذا كله من التجمل. حكم التطيب والحناء في الحداد: ١٠٦٨ - وعن أمِّ سلمة ﵂ قالت: "جعلت على عيني صبرًا، بعد أن توفِّي أبو سلمة، فقال رسول الله ﷺ : إنَّه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا باللَّيل، وانزعيه بالنَّهار، ولا تمتشطي بالطِّيب ولا بالحنَّاء، فإنَّه خضابٌ. قلت: بأيِّ شيءٍ أمتشط؟ قال: بالسِّدر". رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وإسناده حسنٌ. أبو سلمة ﵁ كان ابن عم أم سلمة وكانت تحبه ويحبها ولما توفي كانت قد سمعت من الرسول ﷺ أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: "اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها" أن الله يأجره على مصيبته ويخلف له خيرًا منها، فقالت ذلك عند موت أبي سلمة ولكنها تقول في نفسها: من خير من أبي سلمة؟ ! ليست تنكر أنها تجد خيرًا لا، لأنها موقنة لكنها تفكر من سيكون خيرًا من أبي سلمة، وما انقضت عدتها حتى خطبها النبي ﷺ فكان خيرًا من أبي سلمة، ثم إن أبي سلمة ﵁ دخل عليه النبي ﷺ وقد شخص بصره أي: قد توفي وانفتح فأغمضه وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسخ له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه"، خمس دعوات تزن الدنيا كلها، فلما كان دعاء النبي ﷺ ضج ناس من أهله وعرفوا أنه مات، وجدنا من هذه الخمس شيئًا وقع وهو أن الله خلفه في عقبه حيث جعل عقبه يتربى في حجر النبي ﷺ والبقية إلى الله لكن نرجو أن الله أجابها- تقول

стр. 2594

رضي الله عنها: جعلت على عيني صبرًا بعد أن توفي أبو سلمة فقال رسول الله ﷺ : "إنه يشب الوجه" يعني: يحسنه ويضيؤه، وأصله من شبت النار إذا لمعت وأضاء لهبها، قال: "فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار" الباء هنا بمعنى "في" فهي للظرفية والباء تأتي للظرفية كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿وإنَّكم لتمرون عليهم مُّصبحين (١٣٧) وبالَّليل﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. أي: وفي الليل، "ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" يعني: لا تمتشطي بالشيء المطيب أو بالطيب نفسه كالورس؛ لأن النساء يتمشطن بالورس يكتسب الرأس من الورس لونًا ورائحة ولا بالحنَّاء؛ لأن يجمل الرأس، فإنه خضاب، "قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر". حكم الكحل في الحداد: ١٠٦٩ - وعنها ﵂: "أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ ابنتي مات عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ قال: لا". متَّفقٌ عليه. وقد سبق أن النبي ﷺ نهى عن الكحل فهذه الأحاديث الثلاثة تدل على حكم الإحداد وعلى ما يتجنب في الإحداد فلنبدأ أولًا بحديث أم عطية: ففيه دليل على فوائد: أولًا: تحريم الإحداد فوق ثلاثة أيام على المرأة إلَّا على الزوج فلا تحد على أبيها ولا على أمها ولا على أخيها ولا على أحد من أقاربها أكثر من ثلاثة أيام وهل يلحق بالزوجة وهي أنثى الرجال؟ الجواب: نعم، يلحق بها الرجال، فيجوز للرجل وللمرأة أن تحد على غير الزوج ثلاثة أيام والحكمة من ذلك أن هذا من تيسير الشريعة؛ لأن الإنسان ربما يتألم من المصيبة ألمًا كبيرًا لا ينشرح صدره للزينة والرفاهية يعزب أن يملك نفسه للتزين والتطيب والتجمل فرخص له الشرع بثلاثة أيام لإعطاء النفس حظها وهذا من باب التربية النفسية؛ لأنك إذا أعطيت النفس حظها فهو خير من كتمها إذ إنها إذا كتمت ربما تنفجر؛ ولهذا يحسن بنا إذا رأينا الصبي يبكي أن ندعه يبكي؛ لأنه إذا بكى طابت نفسه، وذهب ما في صدره لكن إذا منعته وزجرته وسكت على إغماص، فإن ذلك يبقى في صدره ضيقًا، إذن يجوز الإحداد في ثلاثة أيام فأقل على كل ميت وهل يجوز أن يتكرر هذا الإحداد؟ لا يجوز؛ لأنه لو تكرر وصار كلما مر أسبوع أو أربعون يومًا أو غيرها أعدناه صار الإحداد فوق ثلاثة أيام. فإذا قال قائل: ما نوع هذا الإحداد الجائز؟ هل معناه تنكيس الإعلام وما أشبه ذلك مما يفعله بعض الناس؟ الجواب: لا، وإنما الإحداد يتعلق بنفس الشخص، يعني: لا يلبس الثياب الجميلة لا يتطيب، لا يخرج للنزهة وما أشبه ذلك، أما أن يكون ذلك شيئًا يعمل منفصلًا عن الرجل فهذا يشبه أن يكون من باب التسخط على قضاء الله.

стр. 2595

ومن فوائد الحديث: تيسير الشرع بإعطاء النفوس حظها في أمر الأصل فيه التحريم مثل جواز الإحداد ثلاثة أيام فأقل، ومن ذلك أنه أعطى النفوس حظها من اللهو في أيام العرس وأيام الأعياد وقدوم الغائب الكبير؛ لأن النفوس تحتاج إلى سعة لو أبقيتها دائمًا بجد تعبت، فرخص لها في المناسبات التي تدعو الحاجة إلى الانطلاق بعض الشيء. ومن فوائد الحديث: اعتبار الثلاث أي العدد الثلاث وهذا معتبر كثير في عدة أمور حتى في الأحاديث تجد مثلًا أحاديث كثيرة ثلاثة لهم كذا وكذا، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، المهم أنه كثير اعتبار الثلاث وهل هو أكثر من اعتبار السبع؟ نعم، وهل هو أكثر من اعتبار الخمس؟ نعم، لكن في شك مع اعتبار السبع مع الثلاث أيهما أكثر. ومن فوائد الحديث: وجوب الإحداد مدة عدة الوفاة لقوله: "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" فإن قال قائل: نحن ننازع في هذه الفائدة من وجهين: أولًا: قولنا: وجوب الإحداد مع أن الاستثناء من شيء محرم فيقتضي أن يكون هذا الاستثناء للإباحة. ثانيًا: أنه من قال أن المراد: "على زوج فارقها بالموت" ألا يشمل من فارقها في الحياة. فالجواب: أما عن الأول فإنا نقول بوجوب الإحداد من وجهين: الوجه الأول: أن نهيه عن الإحداد أكثر من ثلاث يدل على أن الأصل التحريم والغالب أن المحرم لا يباح إلا بما هو أقوى منه وهو الواجب، وهذا وجه فيه ضعف. الثاني: أن نقول: إن آخر الحديث يدل على أن الإحداد على سبيل الوجوب لأنه قال: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا ولا ... ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا ... " فذكر مناهي، فدل هذا على أن الإحداد واجب، وأما الثاني- وهو أنه ما الذي أعلمنا أن المراد عدة الوفاة دون عدة الفراق في الحياة- فالجواب تحديدها بأربعة أشهر وعشر، وليس هناك شيء يحدد بأربعة أشهر وعشر من العدد إلا عدة الوفاة فتعين الآن أن المراد بقوله: "على زوج" يعني: إذا مات بأنها تحد بأربعة أشهر وعشر. فإن قال قائل: هل يستثنى من ذلك الحامل؟ قلنا: نعم يستثنى من ذلك الحامل؛ لأنها لا تحد إلا على قدر العدة وعدة الحامل؛ سبق أنها وضع الحمل، وعلى هذا إذا وضعت لشهر واحد صار إحدادها شهرًا واحدًا وإن وضعت لعشرة أشهر صار إحدادها عشرة أشهر، المهم أنه يستثنى من قولها: "أربعة أشهر وعشرًا"، الحامل فإحدادها إلى انتهاء عدتها. ومن فوائد الحديث: بيان عظم حق الزوج على زوجته وذلك لإيجاب الإحداد عليه بعد وفاته، حتى لا يطمع أحد في خطبتها فينتهك حرمة الزوج؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة تحريمًا مؤبدًا لأن حق الرسول ﷺ أعظم من كل حق سوى حق الله- .
следующие страницы →