← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

دامت في العدة فإذا كانت محبوسة بحق زوجها وجب لها النفقة والسكنى؛ والنفقة هي الطعام والشراب، والكسوة ولكن هذا القول قياس في مقابلة النص فيكون فاسد الاعتبار لا عبرة به. القول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة؛ لأنها محبوسة لحق زوجها فوجب عليه أن يسكنها وأما النفقة فلا لأنه لا يملك الرجوع إليها والصحيح القول الأول: أنه ليس لها نفقة ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فلها النفقة لعموم قوله تعالى: ﴿وإن كنَّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنَّ حتَّى يضعن حملهنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فإذا كانت حاملًا فإنه ينفق عليها لكن النفقة لها أو للحمل؟ لها من أجل الحمل لا من أجل العدة فتبين الآن أن المطلقات ثلاثة أقسام: قسم حامل فهذه لها النفقة والسكنى بكل حال، وقسم غير حامل لكنها رجعية فهذه كذلك لها النفقة والسكنى، وقسم ثالث حائل بائن فهذه ليس لها نفقة ولا سكنى، لأنها بانت من زوجها، وهل مثل ذلك المفسوخة؟ الجواب: نعم؛ لأن الفسخ لا رجعة فيه للفاسخ، وإنما المراجعة في الطلاق، وعلى هذا فالمفسوخة ليس لهها نفقة ولا كسوة ولا شراب ولا طعام ولا سكنى ما لم تكن حاملًا. من فوائد الحديث: ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن المعتدة البائنة بالثلاث ليس لها نفقة ولا سكنى. ومن فوائده: جواز الطلاق ثلاثًا؛ يعني: يجوز أن تطلق آخر ثلاث تطليقات التي بها البينونة؛ لأن النبي ﷺ أقرَّ ذلك، وقد دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاق مرَّتان ... ﴾ ثم قال: ﴿فإن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتَّى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. النهي عن الإحداد على الميت فوق ثلاث إلا الزوج: ١٠٦٧ - وعن أمِّ عطيَّة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تحدُّ امرأةٌ على ميِّتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمسَّ طيبًا، إلَّا إذا طهرت نبذةً من قسطٍ أو أظفارٍ". متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ، ولأبي داود، والنَّسائيِّ من الزِّيادة: "ولا تختضب"، وللنَّسائيِّ: "ولا تمتشط". "لا تحدُّ" بالضم ويجوز الجزم، والفرق بينهما: أن الجزم على تقدير "لا" ناهية، لكنه حرك بالفتح لالتقاء الساكنين، وأما الضم فعلى أنها نافية، فأما على كونها ناهية فالأمر ظاهر، وأما على كونها نافية فالجملة خبرية لكنها بمعنى الطلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي، ودائمًا يأتي الخبر بمعنى النهي أو بمعنى الأمر، فمن الثاني قوله تعالى: ﴿والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهن ﴿

стр. 2592

فالجملة خبرية لكنها بمعنى الأمر وكذلك: ﴿والَّذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا ﴿. قال أهل العلم: وفائدة إتيان الخبر في مكان الطلب الإشارة إلى تأكده، وكأنه أمر ثابت يخبر عنه، والعكس يأتي أحيانًا، أي: يأتي الطلب والمراد به الخبر، مثل قوله تعالى: ﴿وقال الَّذين كفروا للَّذين ءامنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. فاللام هنا للأمر لكنه بمعنى الخبر يعني وحن نحمل خطاياكم لكنهم أتوا به بضيغة الأمر من شدة التزامهم به كأنهم يقولون: ونحن نلزم أنفسنا بذلك، وقوله: "امرأة" نكرة في سياق النهي أو النفي فتكون للعموم، أيُّ امرأة سواء كانت أمَّا أم بنتًا أم أختًا أم عمة أم هالة، قوله: "على ميت فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، وإنما جاء الحديث بلفظ ثلاث دون ثلاثة كأنه- والله أعلم- موافقة للآية ﴿والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾ أي: عشر ليال، وهنا "فوق ثلاث" أي: ثلاث ليال، "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" يعني: إلا تحد على زوج أربعة أشهر وعشرًا؛ أي: عشر ليال. وقوله: "أربعة أشهر" المراد بها: الهلالية لأنها هي الأشهر الشرعية الكونية أما كونها شرعية فلقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد أجمع المسلمون على أن شهر رمضان هنا ما بين الهلالين لا ثلاثين يومًا وأما الكونية فقوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلَّة قل هي مواقيت للنَّاس﴾ [البقة: ١٨٩]. للناس عمومًا وقوله تعالى: ﴿إنَّ عدَّة الشُّهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حرمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذا توقيت لجميع الخلق والتوقيت الذي يعمل به الكفار اليوم وتبعهم عليه المستعمرون من المسلمون توقيت لا أصل له؛ ولهذا لم يعرف هذا التاريخ في كتب المسلمين إلا بعد أن تولى المستعمرون على بلادهم، صحيح أنهم يعرفون هذا عن العجم، وربما يشيرون إليه في بعض الكتب، لكن كونه هو تاريخ البلاد الذي تتحدد فيه الآجال وغيرها هذا غير معروف عند المسلمين، ولكن على القاعدة المعروفة أن الضعيف يقلد القوي، صار الناس الآن يقلدون الأقوياء وإن كانوا على باطل إلا من عصم الله، قال: "ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" الثياب المصبوغة في عهد الرسول ﷺ ثياب الزينة فلهذا نهى أن تلبس ثوبًا مصبوغًا فليبقى على ما هو عليه على ما نسج عليه إن كان من صوف أسود فهو أسود، وإن كان من وبر أحمر فهو أحمر، على ما هو عليه. يقول "إلا ثوب عصب" وهذا ثياب معروفة عندهم تكون خيوطها من الأصل مصبوغة،

стр. 2593

يعني: لا يرد عليها الصبغ بل الخيوط مصبوغة من الأصل وهذه الثياب كأنها- والله أعلم- ثياب بذلة لا ثياب زينة فلهذا استثناها النبي ﷺ قال: "ولا تكتحل" والكحل يكون في العين وظاهر النهي لا تكتحل لا في الليل ولا في النهار ولا للزينة ولا للدواء لا تكتحل، وقوله: "ولا تمس طيبًا" أي: لا تمسه استعمالًا: لا تستعمله سواء مسته أو عن طريق الميل جعلته في ثيابها مثلًا المهم ألا تستعمله؛ لأن كلمة "طيبًا" تعم كل طيب، لكن النهي عن مسه يتناول كل شيء "إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار"، والقسط نوع من الطيب قيل: إنه البخور تتبخر به إذا طهرت، وقوله: "نبذة" وهي الشيء القليل، وذلك لحاجتها الماسة إلى استعمال هذا الطيب، فرخص لها النبي ﷺ من أجل الحاجة والضرورة؛ ولأنه يزول لأنه دخان يتبخر. ولأبي داود والنسائي من الزيادة: "ولا تختصب" أي: تنقش يديها أو رجليها بالخضاب حنة أو غيرها، وللنسائي "ولا تمتشط" أي: ترجل شعرها بالمشط، لماذا؟ لأن هذا كله من التجمل. حكم التطيب والحناء في الحداد: ١٠٦٨ - وعن أمِّ سلمة ﵂ قالت: "جعلت على عيني صبرًا، بعد أن توفِّي أبو سلمة، فقال رسول الله ﷺ : إنَّه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا باللَّيل، وانزعيه بالنَّهار، ولا تمتشطي بالطِّيب ولا بالحنَّاء، فإنَّه خضابٌ. قلت: بأيِّ شيءٍ أمتشط؟ قال: بالسِّدر". رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وإسناده حسنٌ. أبو سلمة ﵁ كان ابن عم أم سلمة وكانت تحبه ويحبها ولما توفي كانت قد سمعت من الرسول ﷺ أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: "اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها" أن الله يأجره على مصيبته ويخلف له خيرًا منها، فقالت ذلك عند موت أبي سلمة ولكنها تقول في نفسها: من خير من أبي سلمة؟ ! ليست تنكر أنها تجد خيرًا لا، لأنها موقنة لكنها تفكر من سيكون خيرًا من أبي سلمة، وما انقضت عدتها حتى خطبها النبي ﷺ فكان خيرًا من أبي سلمة، ثم إن أبي سلمة ﵁ دخل عليه النبي ﷺ وقد شخص بصره أي: قد توفي وانفتح فأغمضه وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسخ له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه"، خمس دعوات تزن الدنيا كلها، فلما كان دعاء النبي ﷺ ضج ناس من أهله وعرفوا أنه مات، وجدنا من هذه الخمس شيئًا وقع وهو أن الله خلفه في عقبه حيث جعل عقبه يتربى في حجر النبي ﷺ والبقية إلى الله لكن نرجو أن الله أجابها- تقول

стр. 2594

رضي الله عنها: جعلت على عيني صبرًا بعد أن توفي أبو سلمة فقال رسول الله ﷺ : "إنه يشب الوجه" يعني: يحسنه ويضيؤه، وأصله من شبت النار إذا لمعت وأضاء لهبها، قال: "فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار" الباء هنا بمعنى "في" فهي للظرفية والباء تأتي للظرفية كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿وإنَّكم لتمرون عليهم مُّصبحين (١٣٧) وبالَّليل﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. أي: وفي الليل، "ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" يعني: لا تمتشطي بالشيء المطيب أو بالطيب نفسه كالورس؛ لأن النساء يتمشطن بالورس يكتسب الرأس من الورس لونًا ورائحة ولا بالحنَّاء؛ لأن يجمل الرأس، فإنه خضاب، "قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر". حكم الكحل في الحداد: ١٠٦٩ - وعنها ﵂: "أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ ابنتي مات عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ قال: لا". متَّفقٌ عليه. وقد سبق أن النبي ﷺ نهى عن الكحل فهذه الأحاديث الثلاثة تدل على حكم الإحداد وعلى ما يتجنب في الإحداد فلنبدأ أولًا بحديث أم عطية: ففيه دليل على فوائد: أولًا: تحريم الإحداد فوق ثلاثة أيام على المرأة إلَّا على الزوج فلا تحد على أبيها ولا على أمها ولا على أخيها ولا على أحد من أقاربها أكثر من ثلاثة أيام وهل يلحق بالزوجة وهي أنثى الرجال؟ الجواب: نعم، يلحق بها الرجال، فيجوز للرجل وللمرأة أن تحد على غير الزوج ثلاثة أيام والحكمة من ذلك أن هذا من تيسير الشريعة؛ لأن الإنسان ربما يتألم من المصيبة ألمًا كبيرًا لا ينشرح صدره للزينة والرفاهية يعزب أن يملك نفسه للتزين والتطيب والتجمل فرخص له الشرع بثلاثة أيام لإعطاء النفس حظها وهذا من باب التربية النفسية؛ لأنك إذا أعطيت النفس حظها فهو خير من كتمها إذ إنها إذا كتمت ربما تنفجر؛ ولهذا يحسن بنا إذا رأينا الصبي يبكي أن ندعه يبكي؛ لأنه إذا بكى طابت نفسه، وذهب ما في صدره لكن إذا منعته وزجرته وسكت على إغماص، فإن ذلك يبقى في صدره ضيقًا، إذن يجوز الإحداد في ثلاثة أيام فأقل على كل ميت وهل يجوز أن يتكرر هذا الإحداد؟ لا يجوز؛ لأنه لو تكرر وصار كلما مر أسبوع أو أربعون يومًا أو غيرها أعدناه صار الإحداد فوق ثلاثة أيام. فإذا قال قائل: ما نوع هذا الإحداد الجائز؟ هل معناه تنكيس الإعلام وما أشبه ذلك مما يفعله بعض الناس؟ الجواب: لا، وإنما الإحداد يتعلق بنفس الشخص، يعني: لا يلبس الثياب الجميلة لا يتطيب، لا يخرج للنزهة وما أشبه ذلك، أما أن يكون ذلك شيئًا يعمل منفصلًا عن الرجل فهذا يشبه أن يكون من باب التسخط على قضاء الله.

стр. 2595

ومن فوائد الحديث: تيسير الشرع بإعطاء النفوس حظها في أمر الأصل فيه التحريم مثل جواز الإحداد ثلاثة أيام فأقل، ومن ذلك أنه أعطى النفوس حظها من اللهو في أيام العرس وأيام الأعياد وقدوم الغائب الكبير؛ لأن النفوس تحتاج إلى سعة لو أبقيتها دائمًا بجد تعبت، فرخص لها في المناسبات التي تدعو الحاجة إلى الانطلاق بعض الشيء. ومن فوائد الحديث: اعتبار الثلاث أي العدد الثلاث وهذا معتبر كثير في عدة أمور حتى في الأحاديث تجد مثلًا أحاديث كثيرة ثلاثة لهم كذا وكذا، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، المهم أنه كثير اعتبار الثلاث وهل هو أكثر من اعتبار السبع؟ نعم، وهل هو أكثر من اعتبار الخمس؟ نعم، لكن في شك مع اعتبار السبع مع الثلاث أيهما أكثر. ومن فوائد الحديث: وجوب الإحداد مدة عدة الوفاة لقوله: "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" فإن قال قائل: نحن ننازع في هذه الفائدة من وجهين: أولًا: قولنا: وجوب الإحداد مع أن الاستثناء من شيء محرم فيقتضي أن يكون هذا الاستثناء للإباحة. ثانيًا: أنه من قال أن المراد: "على زوج فارقها بالموت" ألا يشمل من فارقها في الحياة. فالجواب: أما عن الأول فإنا نقول بوجوب الإحداد من وجهين: الوجه الأول: أن نهيه عن الإحداد أكثر من ثلاث يدل على أن الأصل التحريم والغالب أن المحرم لا يباح إلا بما هو أقوى منه وهو الواجب، وهذا وجه فيه ضعف. الثاني: أن نقول: إن آخر الحديث يدل على أن الإحداد على سبيل الوجوب لأنه قال: "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا ولا ... ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا ... " فذكر مناهي، فدل هذا على أن الإحداد واجب، وأما الثاني- وهو أنه ما الذي أعلمنا أن المراد عدة الوفاة دون عدة الفراق في الحياة- فالجواب تحديدها بأربعة أشهر وعشر، وليس هناك شيء يحدد بأربعة أشهر وعشر من العدد إلا عدة الوفاة فتعين الآن أن المراد بقوله: "على زوج" يعني: إذا مات بأنها تحد بأربعة أشهر وعشر. فإن قال قائل: هل يستثنى من ذلك الحامل؟ قلنا: نعم يستثنى من ذلك الحامل؛ لأنها لا تحد إلا على قدر العدة وعدة الحامل؛ سبق أنها وضع الحمل، وعلى هذا إذا وضعت لشهر واحد صار إحدادها شهرًا واحدًا وإن وضعت لعشرة أشهر صار إحدادها عشرة أشهر، المهم أنه يستثنى من قولها: "أربعة أشهر وعشرًا"، الحامل فإحدادها إلى انتهاء عدتها. ومن فوائد الحديث: بيان عظم حق الزوج على زوجته وذلك لإيجاب الإحداد عليه بعد وفاته، حتى لا يطمع أحد في خطبتها فينتهك حرمة الزوج؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة تحريمًا مؤبدًا لأن حق الرسول ﷺ أعظم من كل حق سوى حق الله- .

стр. 2596

ومن فوائد الحديث: أنه يحرم على المحادة أن تلبس ثياب زينة، لقوله: "ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، ويلحق بثياب الزينة ما يتزين به من الحلي فيحرم عليها لباس الحلي في يديها أو رجليها أو أذنيها أو أنفها أو رأسها أو صدرها أو رقبتها أو في أي مكان يحرم عليها أن تتحلى، فإن قال قائل: إذا مات وعليها حلي فماذا تصنع؟ يجب أن تخلعه وجوبًا ولا يحل لها إبقاؤه، فإذا كان لا يخرج إلا بقطعه نقول يقطع الحلي؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن فوائد الحديث: أن المرأة لا تكتحل حتى وإن أوجعتها عينها. قال ابن حزم: لا تكتحل ولو عميت. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين حديث أم سلمة حيث أباح لها الصير؟ نقول: الكحل يعطي العين جمالًا بالسواد والصبر لا يعطيها؛ إذن لا يجوز أن تكتحل بما يبدو لونه سواء كان بالكحل المعروف أو بالكحل ألحديث الذي يسمَّى القلم أو غير ذلك، ومثل الكحل تزيين الوجه بالمكياج أو بالتحمير، ومثل ذلك أيضًا تجميل العين بعيون القطط أو غيرها؛ لأن النساء بدأن الآن يتجملن بهذا، بعض النساء تختار أن تكون عينها خضراء، وبعضها تختار أن تكون عينها حمراء وما أشبه ذلك، يمكن أن يهرب منها زوجها أو أي واحد من اقاربها فيما أظن، والعلم عند الله، إذن يقاس على الكحل التزيين، كل ما فيه تزيين من تحمير الوجه أو الشفتين أو العينين أو غير ذلك، قال: "ولا تمس طيبًا .... إلخ". ومن فوائد الحديث: تحريم التطيب على المرأة المحادة بأي نوع من الطيب، لعموم قوله: "طيبًا" فهو نكرة في سياق النهي فيفيد العموم، هناك شيء يشكل علينا هل هو من الطيب كبعض الصابون فهل يلحق بالطيب؟ إذا كان له رائحة طيب فإنه يلحق، أما إذا كان مجرد نكهة طيبة فهذه لا تضر؛ لأن هذه تشبه النعناع والتفاح وغيرها من ذوات الرائحة الطيبة. ومن فوائد الحديث: جواز استعمال النبذة وهي الشيء القليل من القسط والأظفار للحاجة لقوله: "إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار"، وقد عرفتم أن القسط والأظفار نوع من الطيب، قيل: إنه البخور. ومن فوائد الحديث: تحريم الخضاب على المرأة المحادة؛ لقوله: "ولا تختضب"، وتحريم الامتشاط بالطيب أو الحناء أما الطيب فلأنه استعمال طيب وأما الحناء فلأنها خضاب. ومن فوائد الحديث: جواز استعمال الصبر للحاجة، لكن في الليل لا في النهار والفرق بينهما أن الليل محل اختفاء لا ينظر إليه الناس بخلاف النهار. ومن فوائد الحديث: جواز امتشاط المرأة المحادة بالسدر؛ لحديث أم سلمة، ومثل ذلك

стр. 2597

هذه الأدهان الجديدة تسمَّى الشامبو ما أعرفها أنا، هذه الأدهان التي ليس فيها طيب مثل الامتشاط بالسدر. ومن فوائد الحديث الثالث: أنه لا يجوز كحل عين المحادة ولو كانت موجعة؛ وذلك لأن الرسول ﷺ منع من ذلك. فإن قال قائل: هذا على خلاف ما نعهد في الشريعة. قلنا: لا ليس على خلاف ما تعهد الشريعة، بل هو على وفاق ما تعهد في الشريعة؛ لأن الشريعة تحرم التداوي بالمحرم ولا ضرورة إليه في الواقع لوجهين: الوجه الأول: أننا لا نتيقن زوال الضرورة به إذ قد يتداوى الإنسان ولا يبرأ، والثاني: أن الضرورة قد تزول بدونه قد يبرأ الإنسان من الله بدون أي سبب وقد يبرأ بسبب آخر مباح وعلى هذا فيكون ظاهر الحديث موافقًا لقاعدة الشريعة لا مخالفًا لها. فإن قال قائل: أليس يجوز للمضطر أن يأكل الخنزير؟ قلنا: بلى، لكنه إذا أكل لحم الخنزير اندفعت ضرورته يبقى حيًّا ولهذا أباح الله لمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم أن يأكل لحم الخنزير. ومن فوائد حديث أم سلمة: جواز الاكتحال بالصبر عند الحاجة ويزال بالنهار لقوله: "إنه يشب الوجه .... إلخ". ومن فوائده أيضًا: أن من عادة النساء الامتشاط بالطيب لقوله: "لا تمتشطي بالطيب" لأنه لا ينهى عن شيء لا يكون معروفًا معهودًا؛ ومن ثمَّ استدللنا بقوله ﷺ : "لا تنتقب المراة"، يعني: إذا أحرمت على أن النساء كان من عادتهن لباس القفازين والنقاب؛ لأنه قال: "لا تنتقب ولا تبس القفازين" هنا أيضًا مثله. ومن فوائده أيضًا: أن من عادة النساء الامتشاط بالحناء؛ لأنه يزيل بياض الشيب العجوز ويحمر سواد الشعر بالنسبة للشابة فهن يستعملهن لأجل لونه. ومن فوائد الحديث: تحريم الخضاب على المرأة المحادة سواء باليد أو بالرِّجل، لقوله: "فإنه خضاب" فعلَّل التحريم بكونه خضابًا فيستفاد منه تحريم الخضاب؛ وعلى قياس تحمير الشفاه ومكيجة الخدين. ومن فوائد الحديث: جواز الامتشاط بالسدر؛ لقوله ﷺ حين سألته بأي شيء تمتشط؟ قال: "بالسدر". ومن فوائده: جواز غسل المحادة رأسها؛ لأنه إذا جاز الامتشاط فجواز غسله من باب أولى.

стр. 2598

ويؤخذ منه أيضًا: جواز اغتسالها للتبرد والنظافة قياسًا على جواز السدر؛ لأن السدر فيه نوع من الترفه والتجمل لكنه، ليس كالامتشاط بالطيب والحناء. ومن فوائد حديث أم سلمة الثاني: تحريم التداوي بالمحرم لقوله: "لا" حين استأذنته أن تكتحل مع أنها موجعة وقد صرح بذلك أهل العلم، وقالوا: إن التداوي بالمحرم حرام. فإن قال قائل: إذا اضطر الإنسان إلى الدواء فلماذا لا تجيزونه لقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩]؟ فالجواب: أن المحرم يجوز دفع الضرورة به لأنه تندفع به فيستفيد منه أما الدواء المحرم فلا فائدة منه وذلك لأن الله لو علم فيه فائدة ما حرمه على العباد ولا أباحة لهم، ثانيًا أنه لا ضرورة إليه في الواقع؛ لأن الشفاء قد يحصل بغيره بدواء آخر مباح، وقد يحصل بفضل الله ومنته وكم من أناس صار عندهم من قوة التوكل ما جعلهم يشفون به، فتبين أنه لا يصح لوجهين: الأول: أن الضرورة لا تندفع به. والوجه الثاني: أنها قد تندفع بغيره بخلاف أكل الميتة للمضطر فإن الضرورة لا تندفع إلا به لا يوجد غيره وتندفع به إذا أكل سليم من الموت، ومن ثم أجاز العلماء- ﵏ لمن غصَّى بلقمة أن يشرب عليها خمرًا يدفع اللقمة به؛ لأنه هنا استفاد. حكم خروج المعتدة المطلقة: ١٠٧٠ - وعن جابر ﵁ قال: "طلِّقت خالتي، فأرادت أن تجدَّ نخلها، فزجرها رجلٌ أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: بل جذِّي نخلك، فإنَّك عسى أن تصدَّقي، أو تفعلي معروفًا". رواه مسلم. هذا بالنسبة لخروج المعتدة، المطلقة قال الله تعالى فيها: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١]. فنهى الله- أن نخرجهن ونهاهن أن يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، قال العلماء: الفاحشة المبينة مثل بذاءة اللسان وما أشبه ذلك، وعلى هذا فنقول: المطلقة لا تخرج من بيتها، ولكنها ليست كالمحادة لا تخرج أبدًا بل هي تخرج وترجع إلى بيتها، لأنها إذا

стр. 2599

كانت رجعية في حكم الزوجات يدخلان ويخرجن، لكنهن في بيوت أزواجهن فكذلك المعتدة من طلاق رجعي تبقى في بيت زوجها، لكنها تخرج كما تخرج الزوجة وترجع كما ترجع الزوجة وتتزين وتتجمل وتتطيب حكمها حكم الزوجة، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]. إذن نقول المطلقة تخرج وتدخل ولا حرج عليها في ذلك لكن تبقى سكناها في بيت زوجها وليس عليها إحداد، يعني: لا يلزمها أن تتجنب الطيب أو أن تتجنب الزينة أو الحلي، بل ربما تؤمر بهذا لعل زوجها يرجع إليها ودليله هذا الحديث أنها أرادت أن تخرج فزجرها رجل أن تخرج لعله ظنًّا منه أن قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن﴾ ﴿ولا يخرجن﴾ يعني: أنها لا تخرج مطلقًا ولكن النبي ﷺ قال: بلى يعني: تخرج وتجد نخلها وبيَّن الرسول ﷺ المصلحة من ذلك وهي أن تتصدق على الفقراء أو تفعل معروفًا بالنسبة للأغنياء. يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: أنه من المعروف عن الصحابة- ﵃ أن المرأة المطلقة لا تخرج من بيتها لأن الرجل زجرها أن تخرج. ومن فوائده: أنه قد يخفى على بعض الصحابة ما يخفى من أحكام الله فإن هذا الرجل خفي عليه خروج هذه المرأة لجذ نخلها ولكن الرسول ﷺ بيَّن أن ذلك لا بأس به. ومن فوائد الحديث: جواز مباشرة المرأة لجذ نخلها إن كان المراد بقوله: "جذي نخلك" يعني: أن تباشر ذلك بنفسها، وإن كان المراد: أن تحضر عند من يجذه- وهو محتمل في الحديث- فهو دليل على أن المرأة لها أن تخرج لتنظر وتراقب من يتولى الأعمال عنها. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي عند جذ النخل بأن يفعل الإنسان معروفًا أو يتصدق، لقوله: "أن تصدقي أو تفعلي معروفًا". ومن فوائد الحديث: الفرق بين الصدقة وفعل المعروف، إن الصدقة تكون على الفقير المحتاج ولا يجوز أن تكون على الغني، لكنها على الغني تكون هدية من باب المعروف. ومن فوائد الحديث: أن الصدقة ليست بواجبة لقوله: "فإنك عسى أن تصدقي" وهو كذلك لكن الزكاة واجبة ولا بد منها. حكم خروج المعتدة بعد وفاة زوجها من بيتها: ١٠٧١ - وعن فريعة بنت مالك ﵁: "أن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له فقتلوه. قالت: فسألت النَّبيَّ ﷺ أن أرجع إلى أهلي؛ فإنَّ زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه ولا نفقةً، فقال:

стр. 2600

نعم. فلمَّا كنت في الحجرة ناداني، فقال: امكثي في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان". أخرجه أحمد، والأربعة، وصححه التِّرمذيُّ، والذُّهليُّ، وابن حبَّان، والحاكم وغيرهم. فريعة بنت مالك إحدى الصحابيات تقول: "إن زوجها خرج في طلب أعبد له لعلهم أبقوا منه أو ضاعوا" والظاهر أنهم أبقوا منه هربوا منه، وأنها جاءت تسأل النبي ﷺ هل تنتقل إلى أهلها بدلًا عن البيت الذي كانت ساكنة فيه حين موت زوجها، لأنه لم يترك بيتًا يملكه ولا نفقة، ولكن النبي ﷺ لم يرخص لها بل أمرها أن تبقى في البيت حتى يبلغ الكتاب أجله يعني: حتين يبلغ المكتوب؛ أي: المفروض وهي العدة أجلها أي: منتهى أمدها، قالت: "فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا ... إلخ"، قولها: "أربعة أشهر وعشرًا" هذا هو عدة المتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملًا، أما إذا كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، طالت المدة أو قصرت، قالت "فقضى به بعد ذلك عثمان" قضى بماذا؟ قضى بأن تبقى المتوفى عنها زوجها في بيت الزوج حتى يبلغ الكتاب أجله. ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوقى الخطر وألا يخاطر بنفسه؛ وذلك لأن هذا الرجل لما خرج في طلب الأعبد وهو وحده وهم جمع فإنه يعتبر مخاطرًا بنفسه؛ لأن الظاهر أنهم خرجوا مغاضبين له وأنهم خرجوا منه، ومثل هذا يخشى على نفس الإنسان منه، فلا ينبغي للإنسان أن يخاطر بنفسه في مواضيع الهلاك. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه بل تبقى إلى أن تنتهى العدة، ولكن هذا مشروط بما إذا لم تخف على نفسها، فإن خافت على نفسها إما من أحد يعتدي أو خافت على عقلها لكونها خوافة فلا حرج بأن تنتقل لأن القاعدة الشرعية أن الواجبات تسقط بالعجز عنها لقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. ومن فوائد الحديث: أنه لا نفقة للمتوفى عنها زوجها؛ لأن النبي ﷺ سكت عن النفقة ولم يتعرض لها، وهو كذلك فالمتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة، وإنما نفقتها على نفسها، فإن كان عندها مال قبل موت زوجها أنفقت منه وإن لم يكن عندها مال أنفقت من حصتها من مال زوجها إن كان قد خلف مالا وإلا وجب الإنفاق عليها على من تجب عليه نفقتها من الأقارب.

стр. 2601

ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ يحكم بالاجتهاد وليس كل ما يحكم به يكون وحيًا؛ بدليل أنه أذن لها في الأول أن تخرج من البيت ثم بعد ذلك ناداها وقال "امكثي في بيتك" وحكم النبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون باجتهاد منه فحينئذٍ يكون من وحي الله لكن ليس الوحى المباشر بل هو من وحيه باعتبار أن الله أقره وإقرار الله له رضًا به. والقسم الثاني: أن يكون بوحي خاص يوحى إليه به إما أن ينزل القرآن بذلك، وإما أن يوحى إلى النبي ﷺ وحيًا عن طريق جبريل به دون أن يكون قرآنا فمن الأول ما كان النبي ﷺ يسأل عنه كثيرًا: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا، فيأتي القرآن مجيبًا له، ومن الثاني: أن النبي ﷺ أخبر أن الشهادة تكفر كل شيء ثم قال إلا الدَّين أخبرني بذلك جبريل آنفا، فعلى هذا تكون الأحكام الصادرة من الرسول ﷺ ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما حكم به فأقره الله. والقسم الثاني: ما توقف فيه حتى يأتيه القرآن. والقسم الثالث: ما تقدم له حكم به ثم يأتيه الوحي أحيانًا عن طريق جبريل لتقييده أو استثنائه منه أو ما أشبه ذلك ومن هذا- أي: مما ينبهه الله عليه- قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم استثنائه أذنت لهم ... ﴾ فإن الرسول ﷺ أذن للمتخلفين عن الغزو دون أن يستثبت في أمرهم ثم قال الله له: ﴿عفا الله عنك ... ﴾. ومن فوائد الحديث: قبول قول المرأة في الأحكام الشرعية؛ لأن فريعة حدَّثت به فقضى به عثمان ﵁ وهو أحد الخلفاء الراشدين فدل هذا على قبول قول المرأة في الأحكام الدينية، كالأحاديث والفتيا أما الأموال فقد ذكر الله أنه إن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء. ومن فوائد الحديث: أنه يجب على المرأة أن تبقى في بيت الزوج الذي يسكنه ولو كان بالأجرة، لقولها: "لم يترك لي مسكنًا يملكه" فدل هذا على أن المرأة تبقى في بيت الزوج الذي كان يسكنه ولو بالأجرة، ولكن لو فرض أن المدة تمت وأن صاحب البيت طلب خروجها فالحق له وإذا أخرجها في هذه الحال فإنها تسكن حيث شاءت عند أهلها أو عند غيرهم. ١٠٧٢ - وعن فاطمة بنت قيس ﷺ قالت: "يا رسول الله، إنَّ زوجي طلَّقني ثلاثًا، وأخاف أن يقتحم عليَّ، فأمرها، فتحوَّلت". رواه مسلمٌ.

стр. 2602

قولها: "إن زوجي طلقني ثلاثًا" يعني: آخر ثلاث تطليقات، وليس المعنى: أنه قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق كما جاء ذلك مصرحًا به في صحيح مسلم وقولها: "أخاف أن يقتحم عليَّ" أي: أن يقتحم أحد علي بيتي، يعني: يتسلق الجدران ويعتدي عليها، فأمرها النبي ﷺ فتحولت. هذا الحديث فيه: أن فاطمة كان طلاقها طلاقًا بائنًا، والمرأة المطلقة طلاقًا بائنًا ليست في حكم الزوجات، وليس لها نفقة ولا سكنى ما لم تكن حاملًا فان لها النفقة والسكنى على زوجها وهذه ليست حاملًا فليس لها نفقة وليس لها سكنى، ولكن هل يلزمها أن تسكن في بيت الزوج؟ في هذا خلاف بين أهل العلم منهم من قال: إنه يلزمها أن تسكن واستدل بهذا الحديث أنها استأذنت وبينت السبب واستدل أيضًا بأنها في عدة من فراق بينونة فأشبهت المتوفى عنها زوجها فيلزمها الإحداد ولأنها ربما يطمع أحد في خطبتها لأنها بائن وتجملها يوجب إغراء الناس بها وكذلك خروجها من البيت فلزمها أن تحد ولكن المشهور من المذهب أنها ليست كالمتوفى عنها زوجها وأنه لا يلزمها الإحداد ولا لزوم المسكن، ولكن الأفضل أن تبقى في المسكن حفاظًا على حق زوجها وصوتًا لمائه إن كانت حاملًا وما أشبه ذلك من العلل التي عللوا بها ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب وهذا هو الصحيح، فإذا كانت حاملًا فلها النفقة والسكن، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]. وتكون النفقة على زوجها والد الجنين أما إذا كانت متوفى عنها زوجها وهي حامل فإن النفقة تكون في مال الجنين الذي يرثه من أبيه وليس على أبيه لأن أباه قد مات وانتقل المال عنه فهنا يفرق بين نفقة الحمل إذا كانت بائنًا من وفاة وإذا كانت بائنًا من حياة، إذا كانت بائنًا من حياة النفقة على أب الحمل وإذا كانت بائنًا من وفاة فالنفقة في نصيب الحمل من الميراث. من فوائد الحديث: أن الأفضل في المطلقة ثلاثًا أن تبقى في بيت زوجها لأن كونها تستأذن من الرسول ﷺ يدل على أن هذا هو المتقرر عندهم. ومن فوائده: أن الشر يوجد في كل زمن حتى في زمن الصحابة لأن قولها: "أخاف أن يقتحم عليَّ" ليس مجرد وهم إلا أن الشرَّ في زمن الصحابة أقل منه في غيره؛ لأنهم خير القرون وأفضلها. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب أسباب الشر لقولها: "فأمرها فتحولت"، وهكذا ينبغي للإنسان أن يتقي الشر قبل أن يقع؛ لأن رفع الشيء بعد وقوعه أصعب من توقيه قبل وقوعه. ومن فوائده: أنه إذا تحولت المعتدة لعذر فإنه لا يلزم أن تتحول إلى مكان قريب من مكانها

стр. 2603

الأول بل لها أن تتحول إلى مكان بعيد؛ لقولها: "فتحولت" وهذا مطلق، وهو كذلك فإذا جاز للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تخرج من بيتها لعذر شرعي فلها أن تتحول إلى أي بيت شاءت، ولا يلزم أن يكون قريبًا من الأول؛ وذلك لأنه لما سقط لزوم المسكن فبقية المساكن سواء. ١٠٧٣ - وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: "لا تلبسوا علينا سنَّة نبيِّنا، عدَّة أمِّ الولد إذا توفِّي عنها سيِّدها أربعة أشهرٍ وعشرًا". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، وأعلَّه الدَّارقطنيُّ بالانقطاع. • هذا الحديث فيه علتان: العلة الأولى: الانقطاع وهو عدم اتصال السند، ومعلوم أن الحديث لا يكون مقبولًا إلا إذا اتصل سنده، فانقطاع السند علة موجبة لرد الحديث. الثانية: أن يقال ما هي السنة التي ذكرها؟ لم يبينها، والقرآن يشهد على خلاف ما روي؛ لأن التي يلزمها العدة إذا توفي عنها هي المرأة قال الله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. أما الأمة فإن الواجب استبراؤها فقط بحيضة، فإذا استبرئت بحيضة وعلم أن رحمها خال من الولد جاز أن تتزوج ولم يلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، فهذا الحديث لا يعول عليه لما ذكرنا، إذن ما الواجب؟ الواجب الاستبراء بحيضة، وتحل بعد ذلك للأزواج أو لمالكها. * * *

стр. 2604

١٠٧٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "إنما الأقراء؛ الأطهار". أخرجه مالكٌ في قصَّةٍ بسندٍ صحيح. تريد بذلك قول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأرنفسهن ثلاثة قروء﴾. والقروء: جمع قرء، وقد اختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: إنه الحيض، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي: ثلاث حيض. وقال بعضهم: إنه الطهر وعلى هذا فيكون قوله: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي: ثلاثة أطهار، ولكن الصحيح أن المراد بالقروء: الحيض، لقول النبي ﷺ للمستحاضة "اتركي الصلاة قدر ما تحبسك أقراؤك"، وهذا صريح في أن المراد به الحيض. وقد أطال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" الكلام على هذه المسألة، وتكلم بما تتعين مراجعته، لأنه مفيد وعلى هذا فإذا طلَّق الإنسان في أثناء الحيضة وقلنا بوقوع الطلاق فإن بقية الحيضة التي طلَّقها لا يعتد بها لأن الله يقول: ﴿ثلاثة قروء﴾ وهنا لو اعتدت بها لكانت قرأين ونصفًا أو قرأين ونصف الثالثة مع نصف التي وقع فيها الطلاق ومعلوم أن الحيض لا يتبعض أما إذا قلنا: بأنه هي الأطهار فإنها إذا شرعت في الحيضة الرابعة انتهت من العدة؛ لأن الأطهار ثلاثة بين كل حيضتين قرء، فإذا طلقها في أثناء الحيضة وقلنا بوقوع الطلاق فإننا نحسب الطهر الذي بعدها والطهر الذي بعد الثانية، والطهر الذي بعد الثالثة فإذا شرعت في الرابعة انتهت العدة، ولكن القول الصواب هو أن المراد بالإقراء: الحيض. طلاق الأمة وعدتها: ١٠٧٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدَّتها حيضتان" رواه الدارقطنُّي وأخرجه مرفوعًا وضعَّفه، وأخرجه أبو داود، والتِّرمذيُّ، وابن ماجة: من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم، وخالفوه، فاتَّفقوا على ضعفه". الحديث- كما ترون- موقوفًا على ابن عمر ﵁ "طلاق الأمة تطليقتان"، يعنى: أنها ليست ثلاثًا كالحرة فالحرة تطلق ثلاثًا وتبين بعد الثالثة والأمة تطلق مرتين وتبين بعد الثانية هذا معنى قوله: "طلاق الأمة تطليقتان" وعلى هذا فإذا طلقها زوجها مرتين تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وعدتها حيضتان على النصف من الحرة، والحرة ثلاث حيض ولم يقل العلماء بحيضة ونصف؛ لأن الحيضة لا تتبعض فلذلك جبروا الكسر وقالوا: عدتها حيضتان.

стр. 2605

في هذا الأثر عن ابن عمر ما يدل على أن المعتبر في الطلاق الزوجة دون الزوج، وهذا موضع خلاف بين العلماء هل المعتبر في الطلاق الزوجة أو المعتبر الزوج؟ ويظهر أثر الخلاف فيما إذا كان الزوج حرًّا والزوجة أمة فهل يملك الزوج هنا ثلاث تطليقات أو طلقتين؟ إذا قلنا المعتبر الزوجة لم يملك إلا تطليقتين وإذا قلنا المعتبر الزوج ملك ثلاثًا وبالعكس لو كان الزوج رقيقًا والزوجة حرة فهل يملك ثلاث تطليقات أو يملك تطليقتين؟ إن قلنا: المعتبر الزوجة ملك ثلاث تطليقات وإن قلنا المعتبر الزوج لم يملك إلا تطليقتين بناء على المشهور عند جمهور العلماء من تنصف ما يملك الزوج باعتبار الحرية والرِّق، أما الظاهرية فلا يعتبرون هذا إطلاقًا، ويقولون: الزوج يملك ثلاث تطليقات حرًّا كان أو عبدًا والمشهور عند أكثر أهل العلم أن الطلاق معتبر بمن بيده الطلاق ومن الذي بينه الطلاق؟ الزوج وعلى هذا فإذا كان الزوج حرًّا وزوجته مملوكة فإنه يملك ثلاث تطليقات، وإن كان رقيقًا وزوجته حرة لم يملك إلا طلقتين وهذا هو الصحيح؛ لأن حكم الطلاق يتعلق بمن له الطلاق، أما من ليس بيده الطلاق وهي الزوجة فلا عبرة به. فإن قال قائل: وهل يجوز للحرِّ أن يتزوج أمة؟ قلنا: نعم بشروط بيِّنها الله في قوله: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن مَّا ملكك أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]. إذن ذكر الله شرطين: الشرط الأول: من لم يستطع منا طولا؛ أي: مهرًا يتزوج به الحرائر فلينكح الإماء ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾ هذا شرط. الشرط الثاني: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فالكتابية الأمة لا تحل. الشرط الثالث: ﴿ذلك لمن حشى العنت منكم﴾ "العنت": المشقة بترك النكاح، فإذا تمت الشروط الثلاثة جاز للحرِّ أن يتزوج الأمة، وإنما منع الحرُّ من تزوج الأمة، لأنه كما قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحر أمة رق نصفه، يعني: صار نصفه رقيقًا كيف ذلك؟ لأن الأولاد بضعة منه وأولاده يكونون أرقاء، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أنه إذا اشترط الحر على مالك الأمة أن يكون أولاده أحرارا فلا بأس أن يتزوجها بدون شرط؛ لأن شيخ الإسلام في وقته ابتلي الناس بالإماء اللائي هن أحسن وأجمل من الحرائر؛ لأنهن مسببات من الكفار وجميلات والناس ينصبون عليهن، فرأى ﵀ أنه إذا اشترط الزوج على مالك الأمة أن أولاده أحرار فإن العلة قد زالت فله أن يتزوج لكن الذي ينبغي أن يمشى على ظاهر الآية لأن العلة التي ذكرها الإمام أحمد علة مستنبطة، والعلة المستنبطة لا ينبغي أن يخصص بها عموم النص؛ لأنها قد تكون العلة غيرها وقد تكون العلة مركبة من هذا ومن غيرها، أما إذا جاء النص على العلة فهنا لا بأس أن يخصص مثل قوله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه"، فهنا إذا كان الثالث لا يحزن إذا تناجى اثنان عنده فلا نهي الآن فهمنا أن القول الراجح

стр. 2606

في مسألة الطلاق أن المعتبر الزوج، لأنه هو الذي بيده الطلاق وأنه إذا كان حرًّا والزوجة أمة فله ثلاث تطليقات وإذا كان رقيقًا والزوجة حرة فله طلقتان خلافًا للظاهرية فهم يقولون للزوج ثلاث تطليقات مطلقًا لأن الله يقول: ﴿الطلاق مرتان ... ﴾، ثم قال: ﴿فإن طلقها﴾ ولم يفرق. المسألة الثانية قال: "وعدتها حيضتان" هنا بين ﵁ أن عدتها حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض وإذا كانت ممن لا تحيض، أي: الأمة فعدتها شهر ونصف لا شهران، لماذا؟ لأن الأشهر تتبعض وقيل: بل شهران بناء على أن عدتها بالأشهر بدل عن عدتها بالحيض والبدل له حكم المبدل ولكن الأول أصح. في هذا الأثر فوائد منها: أن الطلاق يختلف باعتبار الحرية والرِّق وهذا رأي الجمهور لكن الذي يعتبر الزوج وهو الصواب. الفائدة الثانية: أن العدة تختلف باعتبار الحرية والرق فتكون عدة الأمة حيضتين لا حيضة ونصفا لأنها لا تتبعض. وقوله: "أخرجه أبو داود والترمذي ... إلخ". فقال: "واتفقوا على ضعفه" أي: حديث عائشة. الاستبراء وأحكامه: ١٠٧٦ - وعن رويفع بن ثابتٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يحلُّ لأمرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره". أخرجه أبو داود، والتِّرمذيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان، وحسنه البزَّار. قوله: "لا يحل" أي: لا يجوز وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم. هذه القاعدة في النصوص أنه إذا انتفى الحل فمقابله التحريم دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ [النحل: ١١٦] فجعل الله الحلال مقابلًا للحرام وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تحلّ لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهنّ شيئا إلا أن يخاقًا ألا يقيما حدود الله فإنّ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فعلم من ذلك أن نفي الحل يعني: الحرمة.

стр. 2607

وقوله: "يؤمن بالله واليوم الآخر" هذا وصف يراد به التهييج والإغراء كما تقول لا ينبغي لرجل كريم أن يبخل على ضيفه فكلمة "كريم" يراد بها الإغراء والتهييج يعني أنه لإيمانه بالله واليوم الآخر بلا يليق به هذا الشيء ولا يعني أن هذا الوصف قيد فيكون الكافر يحل له ذلك وقوله: "بالله واليوم والآخر" الإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ويستلزم هذا الإيمان الإيمان بوجوده وعلى هذا فلا حاجة لذكر الوجود لأن الإيمان بهذه الثلاثة يستلزم وجوده والإيمان بالله له مقتضيات كثيرة من الأعمال الصالحة ومنها هذا وقوله: "اليوم الآخر" هو الذي يبعث فيه الناس: يوم القيامة- أعاننا الله وإياكم عليه- وسمِّى الآخر؛ لأنه نهاية مراحل بني آدم، فالدور أربعة داره في بطن أمه، وداره في الدنيا، وداره في البرزخ، وداره الأخيرة إما الجنة وإما النار ولهذا يقال اليوم الآخر؛ لأنه لا يوجد مرحلة خامسة هي آخر المراحل فسمِّي اليوم الآخر. يقول: "أن يسقي ماءه زرع غيره"، لو أخذنا بظاهر الحديث لكان فيه منع للإحسان لأن سقي الإنسان ماءه زرع غيره إحسان بل قد نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء وأن الإنسان إذا كان عنده فضل ماء فليمكِّن الناس منه لكن السياق يدل على أن المراد بالماء: ماء النطفة وبالزرع: الحمل والدليل على أن المراد بالزرع الحمل قوله تعالى: ﴿نسآؤكم حرث لكم﴾ والحرث موضع الزرع. إذن لا يحل لإنسان أن يجامع امرأة فيها حمل لغيره حتى وإن كانت زوجته فإنه لا يحل له أن يجامعها وفيه حمل لغيره. توضيح: لو أن شخصًا وطئت زوجته بشبهة وحملت من الواطئ فالولد للواطئ وعليه فيجب على زوجها أن يتجنبه حتى تضع ولكنه يتجنب الوطء الذي يكون به السقي، أما المباشرة والنوم والتقبيل فلا يلزمه تجنبه، ويكون أيضًا الولد لغيره فيما لو تزوج امرأة مطلقة من غيره على أن عدتها انتهت ثم يتبين فيها حمل للزوج الأول فهنا يلزم الزوج الثاني أن يتجنبها لكن العقد هنا غير صحيح؛ لأن العدة لم تتم. إذن نقول: انتظر حتى تضع ثم اعقد عليها؛ لأن العقد الأول غير صحيح، وقوله: "زرع غيره"، هل المراد بالغير هنا من يملك هذا الزرع أو عامًّا؟ يعني: هل المراد زرع غيره أن يكون الحمل ملكا للغير يعني: يلحق به وذلك في وطاء الشبهة هنا واضح أنه لا يجوز أن يجامع، لكن إذا حملت من زنا فهل يجوز أن يطأها الزوج أو لا؟ الولد الآن ليس للزاني الولد للفراش وللعاهر الحجر، فإن كان الزوج يعتقد أن هذا الولد ولده ويريد أن يستلحقه فهو ولده؛ لأن الواطئ لا يملك ولذلك كان القول الراجح أنه إذا زنت المرأة لا يجب على زوجها تجنبها ولا استبراؤها، بل له أن يجامعها فورًا وهذا قد يكون أولى أن يجامعها فورًا؛ لئلا يقع اشتباه في

стр. 2608

الولد الذي ربما يخلق من الزاني، وذلك لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فالقول الراجح أن من زنت امرأته لا يلزمه أن يتجنبها وأما من وطئت بشبهة فيلزمه أن يتجنبها ألا يطأها، والفرق. ظاهر؛ لأن الحمل المخلوق من الشبهة يلحق الواطئ، وحمل الزنا لا يلحق الزاني إما مطلقا على رأي الجمهور أو ما يستلحقه ولا فراش على رأي بعض العلماء. من فوائد الحديث: تحريم وطء الحامل إذا كان حملها لغير الواطئ؛ لقوله: "فلا يسقي ماءه زرع غيره"؟ ومن فوائده: أن من أسلوب البلاغة أن يذكر المتكلم ما يكون فيه التهييج والإغراء لقبول الكلام، لقوله ﷺ : "لا يحل لامرئ لا يؤمن بالله واليوم الآخر". ومن فوائده: إثبات اليوم الآخر والإيمان به شرط لصحة العقيدة. ومن فوائده: أن النصوص تذكر دائمًا الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله يوجب الرغبة والرهبة وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر يوجب الرغبة والرهبة؛ لأن المآل إليه فيقرن الله تعالى بينهما دائمًا، وكذلك السُّنة تأتي بهما مقرونين دائمًا. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن الجماع يزيد في الحمل؛ لقوله: "يسقي ماءه زرع غيره"، ومعلوم أن الماء إذا سقي به الزرع فإن الزرع ينمو ويزداد، وقل قال الإمام أحمد: إن الجماع يزيد في الحمل في سمعه وبصره ونموه، وهذا على كل حال ينظر فيه إلى ما يقرره الطب هل هو يزيد أو لا يزيد؟ فإذا قلنا: إنه يزيد في الحمل قوة ونشاطا فهل نرغب في وطء الحامل من أجل هذه الفائدة؟ الجواب: نعم نرغب، إلا أنه في الأشهر الأخيرة فإنه ينبغي للإنسان أن يتجنب الجماع فيها، لأنه ربما يضر المرأة ويشق عليها، وقد قال النبي ﷺ : "اللهمَّ من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه". ومن فوائد الحديث: جواز وطء الحامل إذا كان الحمل له مثل أن يطئ امرأة بشبهة، فتحمل منه ثم يتزوجها، فان النكاح صحيح وله أن يجامعها؛ وذلك لأن الولد له فقد سقى ماءه زرعه أي: زرع نفسه فجاز. أحكام امرأة المفقود في العدة وغيرها: ١٠٧٧ - وعن عمر ﵁ في امرأة المفقود: "تربص أربع سنين، ثمَّ تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا". أخرجه مالكٌ والشَّافعيُّ. عمر هو ابن الخطاب الخليفة الثاني للأمة الإسلامية ﵁ وهو ممن يوفق للصواب دائمًا

стр. 2609

حتى قال النبي ﷺ : "إن يكن فيكم محدَّثون فعمر"؛ أي: ملهمون موفقون للصواب، وهو أحد الخلفاء الذين أمرنا رسول الله ﷺ باتباعهم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" بل قد نص عليه وعلى أبي بكر فقال: "اهتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، وقال: إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". وإنما قدمنا هذه المقدمات لبيان فضله ﵁ والرد على الرافضة في إنكار فضله وكراهتهم له، ولشيء آخر وهو أن له سنة متبعة وأن قوله حجة ما لم يعارضه نصُّ. أما قوله: "في امرأة المفقود" فالمراد بالمرأة هنا: الزوجة، والمفقود هو الذي انقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت مثل أن يسافر ثم تنقطع أخباره، مشارك في جهاد ثم تنقطع أخباره يخرج في إغاثة أحد ثم تنقطع أخباره المهم أنه هو الذي أنقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت، قال: "تربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا"، "تربص": تنتظر "أربع سنين ثم تعتد" وهذه العدة التي ذكرها ﵁ هي عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى هذا فتتربص أربع سنين ثم يحكم بموته فتعتد زوجته عدة الوفاة ويقسم ماله ويكون ميتًا هذا معنى الأثر عن عمر. وهل هذه المدة في الشرع أو اجتهاد؟ الصحيح أنها اجتهاد ثم هل هذه المدة فيمن يغلب على الظن سلامته أو فيمن يغلب على الظن هلاكه؟ الفقهاء يقولون: هذه فيمن يغلب على الظن هلاكه كرجل خرج في جهاد أو في مفازة وهي الأراضي الواسعة المهلكة أو خطف من بين أهله فهذا ينتظر أربع سنين تشريعًا، ولكن الراجح أن هذا من باب الاجتهاد، والحكم في كل قضية بعينها وأن الحاكم يضرب المدة التي يغلب على الظن بها موته أو يتيقن؛ وذلك لأن الناس يختلفون والفقدان يختلف فمن الناس من هو مشهور إذا فقد أمكننا أن يغلب على ظننا موته في خلال أشهر لا سنوات، ومن الناس من هو مغمور لا يعرف من عامة الناس لو فقدّ لم يلتفت له ولم يحتفل له فهذا تضرب له مدة أطول كذلك أيضًا الفقدان يختلف قد يكون فقد في حال يغلب على الظن أنه لو كان حيًّا لبان وقد يفقد في حال يكون بالعكس فإذا كان الأمر كذلك صار الحكم أن ننظر كل قضية يعيبها ونحكم لها بما يناسبها ثم بعد ذلك نحكم بموته هذا هو الصحيح، وذلك من أجل إزالة الضرر عمن يتعلقون بهذا المفقود، وإلا لكان الوجه أن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المفقود لا يحكم بموته إلا باليقين؛ لأن حياته

стр. 2610

متيقنة واليقين لا يزال إلا بيقين فيبقى إلى تسعين سنة وبعضهم قال: إلى مائة وعشرين، وبعضهم قال: ينظر إلى أطول الأعمار من هذه القبيلة، بعض القبائل يكون إلى مائة وخمسين ومائة وستين، فننتظر مائة وستين سنة ثم نحكم بعد ذلك بموته، ولكن هذا قول ضعيف لا شك فيه، لأننا إذا حكمنا بهلا ضررنا بأناس كثيرين من، الورثة سواء كان المفقود وارثا أو موروثًا، فالصواب: أن الحاكم يضرب له مدة إنا غلب على الظن أنه هالك حكمنا بهلاكه، لو حكمنا بهلاكه ثم جاء بعد ذلك فماذا نصنع؟ نرد الأحكام حتى تنطبق مع أحكام كونه حيًّا، فمثلًا إذا كان قد ورث أخذنا المال من الذين ورثوه وإذا كان قد حرم من الميراث وأعطي شخصا آخر كما لو كان هو أخا شقيقا ومن أجل الحكم بموته أعطيناه العم الشقيق فإنه يؤخذ من العم الشقيق ويرد إليه؛ لأنه تبين أن مستحقه موجود فيرد إليه، الزوجة إن كانت لم تتزوج فالأمر سهل يستردها وإن كانت قد تزوجت فاختلف العلماء هل يفرق بين الدخول عليها أو عدمه أو الحكم سواء؟ في أن الزوج المفقود يخير بين أخذ زوجته أو إبقائها مع الزوج الذي أخذها فإن أخذ زوجته فالأمر ظاهر وإن أبقاها معه أخذ منه مقدار الصَّداق الذي أعطاها؛ لأن هذا الرجل لما تزوَّجها صار بمنزلة المتلف لها فيضمن للزوج الأول مهره، والصحيح أنه لا فرق بين الدخول وعدمه وأن المفقود يخير بين أخذ زوجته وعدمه إما أن يبقيها وإما أن يأخذها، إذا أخذها وقال الثاني: أعطني المهر نقول لا شيء لك لأنك قد دخلت على بصيرة فأنت تعلم أن هذه امرأة مفقود، في احتمال أنه يوجد ثم إنك استحللت فرجها فلها المهر بما استحللت من فرجها ولا شيء لك. ١٠٧٨ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان"، أخرجه الدَّارقطنيُّ بإسناد ضعيف. هذا الحديث لو صح لكان فاصلًا للنزاع، لأنها تبقى حتى يأتيها البيان لكن هذا الحديث ضعيف سندا وشاذٌّ متنًا؛ وذلك لأننا لو ألزمنا امرأة المفقود بأن تبقى حتى يتبين صار في هذا ضرر عظيم عليها، وقد قال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، بل قال الله تعالى للمطلقين: ﴿ولا تمسكوهنَّ ضرارًا لتعتدوا﴾ فنفى الضرار عن المرأة وعلى هذا فالحديث لا حجة فيه والعمل على الأثر الذي صح عن عمر ﵁ أنه يضرب مدة حتى يغلب على الظن أو يتبين أن المفقود قد مات ونحكم بذلك.

стр. 2611

١٠٧٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "لا يبيتنَّ رجلٌ عند امرأةٍ، إلا يكون ناكحًا، أو ذا محرمٍ". أخرجه مسلمٌ. "لا" ناهية، والفعل هنا ليس مجزومًا ولا الناهية عملها الجزم فلماذا لم نر الجزم هنا؟ الجواب: أن هذا الفعل متصل بنون التوكيد، والفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد أو بنون النسوة صار مبنيًّا لا معربًا فلا يتغير باختلاف العوامل، فهو مع نون التوكيد يبني على الفتح، ومع نون النسوة يبنى على السكون قال الله تعالى: ﴿كلا ليبدنَّ في الحطمة﴾ [الهمزة: ٤]. وقال تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾. إذن "لا" ناهية والفعل مبني على الفتح في محل جزم، وقوله: "لا يبيتن رجل"، "رجل" نكرة في سياق النهي تشمل أيَّ رجل، سواء كان من أقارب المرأة أو من الأباعد، وسواء كان ممن يثق بنفسه أو لا يثق، وسواء كان شابًّا أو شيخًا كبيرًا لا حراك به؛ لأن مقتضى النكرة هكذا، وقوله: "رجل" المعروف في اللغة العربية أن لفظ رجل يراد به البالغ ولكن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: "أو الطفل الذين لم يظهروا عل عورات النساء﴾ [النور: ٣١]. تبين أن الطفل الذي ظهر على عورات النساء حكمه حكم البالغ فإن من الأطفال من يكون ظاهرا على عورات النساء له شغف بهن وله تصور فهذا وإن لم يكن بالغًا لكنه يخشى إن لم يعبث غيث به لا سيما إن كان كبير الجسم، إذن فنقول كلمة رجل وإن كانت للأصل للبالغ، فإنها هنا يراد بها: البالغ ومن دونه إذا كان من الأطفال الذين ظهروا على عورات النساء وهل يشمل العاقل والمجنون أو العاقل فقط؟ يشمل العاقل والمجنون بل وفي المجنون أولى فلا يمكن المجنون من أن يبيت عند امرأة وقوله: "عند امرأة" نقول فيها ما قلنا في رجل، الأصل أن كلمة امرأة للبالغ لكن الظاهر هنا أنه يشمل من تتعلق بها الرغبة وإن لم تكن بالغة أما الصغيرة الطفلة فلا تدخل في الحديث قطعا. وقوله: "إلا أن يكون ناكحا" هو الزوج والناكح، هنا: المعقود له النكاح وإن لم يدخل بها أو ذا محرم، أي: صاحب محرم أي حرمة، وذو المحرم كل من تحرم عليه المرأة ينسب أو رضاع أو مصاهرة، فالمحرمات بالنسب سبع ولم نكن بعيدين عهدا بهن والمحرمات بالرضاع مثلهن سبع، لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والمحرمات بالصهر أربعًا: أصول الزوج، وفروعه، وأصول الزوجة، وفروعها حسب الشروط المعروفة في ذلك فخرج بقوله: "ذا محرم" من ليس بذي محرم كالقريب الذي لا تحرم عليه المرأة أي لا يحرم عليه نكاحها فهذا ليس بمحرم ولو كان من أقرب الناس إليها كابن العم وابن الخال، قد يقول قائل:

стр. 2612

ما مناسبة هذا الحديث لباب العدة والاستبراء؟ لأنه لا يظهر لنا وجه في ذكره في هذا الباب؟ فيقال: لعل المؤلف ذكره في هذا الباب اعتبارًا بأن المعتدات قد يحتجن إلى من يبيت عندهن إذا مات أزواجهن وانفردن بالبيت، فأراد المؤلف أن يبين إلى أن المرأة لو احتاجت إلى من يبيت عندها فإنه لا يبيت عندها إلا محرم أو زوج. في هذا الحديث دليل على فوائد منها: خطورة اجتماع الرجل والمرأة إذا لم تكن ذا محرم منه أو زوج، وجه الخطورة النهي عن ذلك؛ لأن الشرع لا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة إما راجحة وإما خالصة. ومن فوائده أيضًا: تحريم خلو الرجل بالمرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرمٍ، ويكون ذكر المبيت على سبيل المثال، وإن كان قد يعارض معارضٌ فيقول: المبيت أخطر من مجرد الانفراد والخلوة؛ لأن المبيت سوف يبقى عندها ليلة كاملة بخلاف من انفرد بها ساعة أو ساعتين ولكن يقال: إن العلة واحدة وهي الخوف على المرأة ويؤيد هذا الحديث الذي بعده. ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالأخلاق؛ لأن مثل هذه الحال سبب للفاحشة المنافية للأخلاق. ومن فوائد الحديث: جواز بيتوتة المحرم مع ذات المحرم منه وظاهر الحديث الإطلاق؛ يعنى: سواء كان مأمونًا أو غير مأمون. لكن هنا غير مراد، المراد "ذي المحرم": المأمون، أما من ليس بمأمون فإن كغيره بل قد يكون أوجب، بل قد يكون الحظر منه أوجب من غيره. فإن قلت: وهل يمكن الذي محرم أن يفعل الفاحشة بمحرمه؟ فالجواب: نعم يمكن، وهذا وقع- والعياذ بالله- من زنى ببناته، ووقع من زنى ببنات أخيه كما أخبرنا عن ذلك الثقات، والشيطان إذا بعد الإنسان من الإيمان لعب به وبعقله ومروعته، وإلا فلا يمكن الذي مروءة أن يزني بمحارمه أبدًا لكن الشيطان إذا استولى على قلب الإنسان واستحوذ عليه أنساه ذكر الله وصار كأنه بهيمة، المهم: أن الحديث ليس على إطلاقه بجواز بيات ذي المحرم مع ذات المحرم منه، بل يشترط أن يكون أمينًا، وهل يشترط العلم بالأمانة أو الأصل هي الأمانة؟ الأصل في ذوي المحارم أن يكونوا أمناء، لكن إذا علمنا أنه ليس بأمين فحينئذٍ نقول: لا تبت ولا نأمنه عليها. * * *

стр. 2613

التحذير من الحلوة بالأجنبية: ١٠٨٠ - وعن ابن عبَّاس ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ، إلاَّ مع ذي محرمٍ". أخرجه البخاريُّ. هذا الحديث قال النبي ﷺ وهو يخطب الناس إبان سفره في حجة الوداع قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"، فقوله: "لا يخلون رجل بامرأة" نقول فيه من حيث العموم ما قلنا في: "لا يبيتن رجل عند امرأة" أي: أنه يشمل كل رجل صغيرًا كان أم كبيرًا، أمينًا أم غير أمين أي رجل يكون، وقوله: "لا يخلون رجل" بماذا نفسر الخلوة؟ الخلوة تزول بوجود ثالث معهما؛ لقوله في الحديث الآخر "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" فإذا وجد ثالث معهما زالت الخلوة ولكن لا بد من كون هذا الثالث معهما أن يكون عنده إحساس وفطنة لئلًا يحصل الشر وهو لا يدري فلو كان الثالث معهما طفلًا فإن ذلك لا يجزئ لو كان مميزًا بأن له سبع سنوات فإن ذلك لا يجزئ في الخلوة، اللهم إلا أن يكون ذا فطنة شديدة، وإلا فمن له سبع سنوات لا يقيد إذ قد يدلِّهه الرجل بشيء ما ويتكلم بما شاء أو يفعل ما شاء، فلابد من ثالث يؤمن مع وجوده وقوع الفتنة، من له عشر سنوات هل تزول به الخلوة؟ الظاهر أن الأصل أنها تزول بالعشر سنوات؛ لأن عنده فطنة لكن ربما لا تزول لأن بعض الصبيان ليس عند أي فهم، على كل حال/ لا بد من وجود ثالث يرتفع به خوف الفتنة. وقوله: "إلا مع ذي محرم" إذا قال قائل: كيف تكون الخلوة، مع ذي محرم؟ نقول: نعم إلا مع ذي محرم لولا عدمه لكان خلوة وذو المحرم هو ما ذكرناه آنفًا: كل من تحرم عليه المرأة ينسب أو رضاع أو مصاهرة. من فوائد الحديث: ما سبق في الحديث الذي قبله فنحيل القارئ أو السامع على ما سبق إلا أنه في هذا الحديث لم يذكر ناكحًا لأن الزوج له أن يفعل ما شاء في الزوجة من حيث الاستمتاع واصل منع الخلوة خوفًا من الاستمتاع والفتنة. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز للرجل أن يجلو بالمرأة ولو في هودج أو سيارة أو مصعد، في بعض العمائر الطويلة يكون مصعد فيأتي الإنسان وتأتي امرأة عند باب المصعد فيدخلان جميعًا هذه خلوة- لاشك- عظيمة وخطيرة فلا يجوز حتى في المصعد، ماذا يصنع

стр. 2614

هل يقول انتظري أو يقول: أنا أنتظر أيهما أولى؟ الثاني. أولى؛ لأنها إذا انتظرت ثم نزل المصعد ربما يخلو بها رجل آخر فإذا انتظر هو أمنًا من أن تنفرد برجل آخر. أحكام السبايا في الاستبراء: ١٠٨١ - وعن أبي يعيدٍ ﵁، أن النبيَّ ﷺ قال في سبايا أو طاسٍ: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حملٍ حتى تحيض حيضةً". أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وله شاهد عن ابن عباسٍ ﵁ في الدارقطنيِّ. قوله: "في سبايا" جمع سبية، كعطايا جمع عطية، والسبايا هن: النساء اللاتي سبين بقتال الأعداء وهن يقعن ملكا للمسلمين بمجرد السبي، تكون رقيقة مملوكة وكذلك الذرية، أما الكبار والرجال المقاتلون فإنه يخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: حسب ما تقتضيه المصلحة وهي القتل والمنُّ بلا شيء، والمن بفداء، والاسترقاق هكذا قال أصحابنا- ﵏، ويجب على الإمام أن يفعل ما هو أصلح للمسلمين من هذه الأشياء الأربعة وقوله: "أوطاس" هي: اسم للوادي وادي ثقيف وهو وادي حنين وقيل: إنه غيره أي شعبة منه، وعلى كل حال فالوادي معروف ولا يزال في طريق الطائف ومتى كانت هذه الغزوة؟ في السنة الثامنة بعد غزوة الفتح؛ لأن النبي ﷺ فتح مكة في رمضان ثم بقى تسعة عشر يومًا ثم سافر إلى ثقيف وقاتلهم والغزوة مشهورة معروف كانت الغلبة فيها للكفار لولا أن الله- من على المؤمنين وأنزل عليهم السكينة فصارت في النهاية لهم- والله الحمد-، قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع الحامل إذا سبيت"، لا يمكن أن توطأ حتى تضع لأن الولد الذي فيها ليس للواطئ فيكون قد سقى ماءه زرع غيره وهذا لا يحل، وقوله: "حتى تضع" ظاهر أنها بمجرد الوضع توطأ وليس كذلك بمجرد الوضع تكون قابلة؛ لأن توطأ ولكنها لا توطأ حتى تطهر من نفسها؛ لأن النفاس كالحيض في تحريم الوطء فإنه يدخل في عموم قوله: ﴿قل هو أذى﴾ ﴿ولا تقربوهنَّ حتَّى يطهرن﴾. وقوله: "ولا غير ذلت حمل حتى تحيض" يعني: التي ليس فيها حمل لا توطأ حتى

стр. 2615

تحيض حيضة؛ وذلك لأننا لا نعلم براءة رحمها إلا بالحيض فإذا حاضت علمنا أن رحمها خالٍ من الولد فحل وطؤها؛ لأن الحامل لا تحيض، وقد ثبت طبيًا بأنه لا يمكن للحامل أن تحيض. وقال بعض أهل العلم بالفقه: إن الحامل قد تحيض لكن بشرط أن يكون حيضها مطردًا كما هو قبل الحمل، أما لو انقطع ثم عاد فليس بحيض، لكن الأطباء الذين كلهم مصرُّون على القول بأنه لا يمكن الحيض مع الحمل أبدًا، وقال الإمام أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض؛ لأنه لا حيض مع حمل وحيض الحامل نادر جدًا، ولهذا ألغى النبي ﷺ ذلك. ففي هذا الحديث فوائد منها: الإشارة إلى عظم السب وأنه ليس بالأمر الهين، ويتفرع على هذه الفائدة بيان جهالة القوم الذين ينتسبون إلى غير آبائهم من اجل الحصول على البطاقة، كما وجد هذا في كثير من الذين ذهبوا إلى الكويت منذ زمن فصاروا ينتسبون إلى غير آبائهم: إلى أعمامهم أو إخوانهم! وهذا من كبائر الذنوب، ومن كان كذلك فالواجب عليه الآن أن يحول نسبة إلى النسب الصحيح، يقول أحدهم: إذا فعلت ذلك حصل عليَّ ضرر كأن أسجن أو يؤخذ مالي فنقول: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأنت إذا انتسبت إلى من لست منه حصل بهذا ضرر عظيم؛ إذ يلزم من هذا أن تكون أخًا لأبنائه وبناته أي: تكون وارثًا له وهو وارثًا لك، أبناؤه وبناته يصبحون وارثين لك أيضًا، فالمسألة خطيرة جدًا؛ ولهذا اعتنى بها الشرع عناية عظيمة. ومن فوائد الحديث: أن الحامل لا تحيض؛ لأنه علَّق الحكم بوضع الحمل، لا بالحيض وجعل ذات الحيض مقابلة للحامل. ومن فوائد الحديث: أن الحيضة الواحدة تحصل بها براءة الرحم حتى وإن قلنا: إن الحامل تحيض فإن الأصل أنها لا تحيض، وأن الحيض دليل على أنها ليست بحامل، وإذا كان المقصود مجرد براءة الرحم فإن الحيضة الواحدة كافية فيكون هذا الحديث يدل على أن براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة، عموم الحديث يتناول البكر وغير البكر لقوله: "ولا غير ذات حمل" فهل هذا العموم مراد أو ليس بمراد؟ المشهور من المذهب أنه مراد وأنها لا توطأ المسبية ولو كانت بكرًا تحيض حيضة مع أننا نعلم أنها بريئة الرحم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن البكر لا يجب استبراؤها والصحيح أنه لا بد من استبرائها حتى وإن كانت بكرًا؛ لأن البكر- وإن لم توطأ- يخشى أن تكون تحملت لماء الرجل يعني: أخذت النطفة فتحملت بها فحملت.

стр. 2616

ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الحامل من النساء يجوز وطؤها، لكنه مقيد بما إذا لم يكن عليها ضرر فإن كان عليها ضرر؛ لكون الحمل ثقيلًا عليها والجماع يضرها فإنه لا يجوز له أن يجامعها؛ لقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". ومن فوائد الحديث: جواز وطء المسبية حتى في دار الحرب لعموم قوله: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حمل حتى تحيض"، وقوله: "وله شاهد عن ابن عباس .... إلخ" الشاهد والمتابع نحتاج إليهما إذا كان الحديث ضعيفًا، أما إذا كان قويًا لسنا بحاجة إلى الشاهد، والفرق بين الشاهد والمتابع أن الشاهد أن يأتي حديث من طريق صحابي آخر يؤكد الحديث الآخر، مثل: أن يروى عن ابن عباس حديث ضعيف السند فيروى عن ابن عمر حديث بمعناه ضعيف السند، فهما نقول: الثاني شاهد للأول وكذلك لا مانع أن يكون الشاهد أقوى من المشهود له، أما المتابع فإنما يكون في السند بأن يتابع الرجل الضعيف رجلًا قويًا في الأخذ عن شيخه الذي حدثه وبهذه المتابعة يزول انفراد الضعيف بالرواية ويكون الحديث قويًا، ثم إن كانت المتابعة في شيخ الراوي فهي تامة، وإن كانت فيمن فوقه فهي ناقصة. مثال ذلك قال الراوي: الضعيف حدثني "رقم ١" عن "رقم ٢" عن "رقم ٣" عن "رقم ٤" ثم يأتي رجل آخر يقول: حدثني "رقم ١" عن "رقم ٢" عن "رقم ٣" عن "رقم ٤" هذه متابعة تامة، فإن قال المتابع: حدثني "رقم صفر" عن "رقم ٢" يعني: أبدل شيخ المتابع بشيخ آخر وروى عن شيخ شيخه فهذه متابعة ناقصة، وكلما ارتفعت نقصت أكثر، فإذا وافق هذا الضعيف في شيخ شيخه فهي أنقص من شيخه، وفي شيخ شيخ شيخه أنقص من شيخ شيخه، وهلمَّ جرًّا، ووجه ذلك: أن المتابعة التامة إذا روى عن شيخه صار موافقًا في السند والمتن، فصارت المتابعة تامة، وإذا روى عمن فوقه صار متابعًا له في المتن وفي بعض السند؛ فلهذا سمِّيت ناقصة، وعلى كل حال: فإننا لا نحتاج للشاهد والمتابع إلا إذا كان الحديث ضعيفًا يحتاج إلى من يقويه وأما إذا كان صحيحًا فلا حاجة لكن لا شك أنه كلما كثر عدد الطرق كان أقوى ولهذا نقول: إن المتواتر ليس كخبر الآحاد. * * *

стр. 2617

١٠٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". متَّفقٌ عليه من حديثه، ومن حديث عائشة في قصَّةٍ، وعن ابن مسعودٍ عند النَّسائيَّ، وعن عثمان عند أبي داود. قوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ما الفراش؟ الفراش هو: ما يفرشه الإنسان من قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك حتى الأرض تسمَّى فراشًا، ولهذا لو قال شخص: والله لا أنام الليلة إلا على فراش تحت السقف ثم ذهب إلى البرِّ ونام على ظهر الأرض نقول حنثت الآن؛ لأنك لم تنم على فراش ولم تنم تحت السقف فقال: أنا نويت بالفراش الأرض؛ لأن الله قال: ﴿الَّذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾ [البقرة: ٢٢]. ونويت بالسقف السماء لأن الله تعالى قال: ﴿وجعلنا السماء سقفًا مَّحفوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. فهل نقول: الآن حنث ويلزمه الكفارة؟ لا، إذن الفراش: ما يفرش، والمراد بالفراش في الحديث: ما يفترش، وهو يكون للزوجة ويكون للمملوكة، لكن الزوجة تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع والأمة المملوكة لا تكون فراشًا بالجماع، والفرق أن الأمة تشتري لغير الجماع يشتريها ليعتقها في كفارة أو للخدمة أو لأي غرض آخر، فلا تكون لك فراشًا إلا بالجماع، وأما الزوجة فتكون فراشًا بإمكان الجماع مع العقد، وقيل: تكون فراشًا بمجرد العقد وإن لم يمكن الجماع، وقيل: لا تكون فراشًا إلا بالجماع، والمذهب أنها تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع، وإن علمنا أنهما لم يجتمعا، ويظهر ذلك بالمثال رجل عقد على امرأة وهو في المشرق وهي في المغرب هل تكون فراشًا؟ على أحد الأقوال تكون فراشًا، وإن كنا نعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجتمع بها. إذن تكون فراشًا على قول، وتكون غير فراش على قولين، عقد على امرأة وهما في بلد واحد لكن لم يدخل بها حتى الآن وقد تواعد الزوج وأهل المرة على أن يكون الدخول بعد أسبوع فهل تكون فراشًا؟ تكون فراشًا على قولين دون القول الواحد والقولان من يقول: تكون فراشًا بمجرد العقد، ومن يقول: تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع؛ لأن هذا الرجل وإن لم يحصل الدخول المقرر ربما يجتمع بها، رجل عقد على امرأة ودخل عليها وجامعها تكون فراشًا على كل الأقوال فإذا جاء ولد من امرأة ذات فراش فالولد لصاحب الفراش والزاني ليس له شيء له الحجر. وقوله ﷺ : "للعاهر"؛ أي: للزاني، "الحجر" يعني: أنه يلقم حجرًا في دعواه، وقيل: للزاني

стр. 2618

الحجر أي: حجر الرجم وهذا القول الثاني لا يصح؛ لأنه ليس كل زانٍ يرجم، وعلى هذا فالمعنى الأول أصح؛ ولهذا يقال في الرجل إذا قطعت حجته: ألقمه حجرًا فالمعنى: أن الزاني ترفض دعواه ويلقم حجرًا وهذا ظاهر فيما إذا تنازع الزاني وصاحب الفراش أن الولد للفراش والزاني ليس له شيء حتى وإن وجد شبه يؤيد دعوى الزاني فإنه لا يلحق به، بدليل قصة عبد بن زمعة في غلام تنازع فيه مع سعد بن أبي وقاص حيث قال سعد: إن هذا الغلام لأخي أوصى إلي به، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي ولد من وليدة أبي على فراشه، أما سعد فأدلى بحجة وقال: انظر إلى شبهه فنظر النبي ﷺ إلى شبهه فوجد شبهًا بيِّنًا بعتبه بن أبي وقاص أخي سعد، ولكن النبي ﷺ ألغى هذا الشبه وقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر". فإذا قال قائل: ما فائدة ذكر المؤلف لهذا الحديث في باب العدد والاستبراء؟ نقول: ذكره واضح، وهو أن المرأة حملت ووضعت ولو من زنا ولكنها وضعت طلاق زوجها فإن عدتها تنقضي؛ لأن الولد للزوج صاحب الفراش، فإذا وضعته انقضت عدتها منه، هذه هي المناسبة في هذا الحديث للباب. يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أنه إذا تنازع صاحب الفراش من زوج أو مالك سيد مع آخر زانٍ فإن الفراش مقدم على دعوى الزاني لقوله: "الولد للفراش". ومن فوائد الحديث: أن الاعتماد بالبينات عند التعارض بين الحكم الكوني والشرعي على الحكم الشرعي ما هو الحكم الكوني؟ أن يكون الولد الذي فيه النزاع مشابهًا للزاني هذا حكم كوني يدل على أن الله خلقه من مائه، لكن الحكم الشرعي مقدمٌ على الحكم الكوني لأن الشرعي هو الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وعلى هذا فنقول: إن تعارض حكمان: شرعي، كوني، أخذ بالشرعي، وألغي الكوني. ومن فوائد الحديث: أنه لو ادعى الزاني أو لو استلحق الزاني الولد والمرأة ليست ذات فراش، فإن الولد يكون للزاني؛ لأن فحوى الخطاب تدل على أن هذه لمسألة فيما إذا تنازع صاحب الفراش والعاهر وأما مع عدم النزاع فالولد للزاني وذلك لأن الحكم الكوني الآن لا يعارضه حكم شرعي فكيف نلغي هذا الحكم الكوني مع أننا نعلم أن هذا الولد خلق من ماء هذا الرجل؟ فإذا استلحقه، وقال: هو ولده فإنه له وهذا لا شك أولى من إضاعة نسب هذا الولد لأننا إذا قلنا: إنه لأمه ولا ينسب للزاني بأي حال من الأحوال صار هذا الولد ليس له نسب من قبل أبيه، وإنما نسبه من قبل أمه وفي هذا ضاع له وينبني على هذا القول لو أن رجلًا زنى

стр. 2619

بامرأة وحملت منه فهل يجوز أن يعقد عليها النكاح؟ إن قلنا بأن الزاني ليس له إلا الحجر مطلقًا ولو مع عدم منازع فإنه ليس له أن يعقد عليها النكاح؛ لأن الولد ليس له ولا يجوز للإنسان أن يتزوج حاملًا بولد ليس له، وإذا قلنا بأنه إذا استلحقه الزاني وليس هناك فراش فإنه يلحقه فإنه يجوز أن يتزوج هذه الحامل؛ لأن الولد له فيجوز أن يتزوجها. فإذا قال قائل: لو أن هذه المسألة وقعت فهل الأولى أن نفتي بهذا القول الثاني أو بقول الجمهور وهو القول الأول؟ نقول: يتعارض عندنا في هذه الحال مصلحة ومفسدة أما المصلحة فهي حفظ نسب الولد وعدم ضياعه على المرأة وكلاهما أمر مطلوب للشرع وأما المفسدة فهي أن يتجرأ الناس على هذه الفعلة الشنيعة فإذا اشتهى امرأة زنى بها حتى تحمل ثم في هذه الحال سوف تضطر إذا خطبها لقبول الخطبة والنكاح ويتلاعب الناس ويكون كل من أراد امرأة ذهب يزني بها ومعلوم أن الناس يريدون الستر، فإذا زنى بها وحملت اضطر أهلها- وهي أيضًا- إلى أن يزوجوها، وهذه المفسدة كبيرة فهل نغلب جانب المصلحة أو نغلب درء المفسدة؟ نحن إذا نظرنا إل أنه فيه مصلحة قلنا: إذا تاب إلى الله وندم على ما فعل وأراد أن ييسر لله عليها نزوجه منها، ويستلحق الولد ويكون الولد له، لكن جانب المفسدة هو الذي يكسر الظهر، نقول: إذا كان اشتهر أن هذا الرجل زنى بهذه المرأة فهنا نغلب جانب درء المفسدة لأنه مشتهر، فإذا زوَّجناه وقد اشتهر انفتح الباب، أما إذا كانت المسألة سرًّا ولم يطلع عليها أحد فهنا نغلب جانب المصلحة؛ لأنه المفسدة هنا قد تكون بعيدة حتى هو لا يريد أن يفضح نفسه ويقول: إنه زنى بها ثم تزوَّجها. [مسألة]: العلماء اختلفوا هل حق الاستلحاق للأب خاصة أو له ولغيره من الأقارب؟ فمن العلماء من قال إن حق الاستلحاق للأب خاص وليس أن يستلحق أحدًا فالأخ مثلًا لا يمكن أن يقول: هذا فيستلحقه؛ لأنه لو فعل ذلك صار في ذلك إثبات حق على غيره على الأب وعلى الأم وليس له الحق، فهنا إذا قلنا: بأن الحق يستلحق معناه أن الأصل بني على الفرع والعكس هو الصحيح أما إذا استلحقه الأب فإنه يثبت النسب ويثبت لأولاده من بعده فيكون هذا أخًا لهم. وقال بعض العلماء: بل لكل وارث حق الاستلحاق، الأب معروف وغيره، كل وارث له

стр. 2620

حق الاستلحاق، فلو هلك هالك عن أبناء ثلاثة مثًلا فقال أحدهم: هذا أخ لنا فنكون أربعًا فله الحق أن يستلحقه، ثم إن أقر به الثلاثة الآخرون ثبت نسبة لهم وللأب وإن أنكروه فإنه يثبت من مقرٍّ فقط دون الآخرين. واستدل هؤلاء الذين قالوا: إنه يصح الاستلحاق من الأب وغيره بقول المؤلف: "ومن حديث عائشة في قصة"، القصة هو أنه اختصم عبد بن زعمة أخو سودة بنت زمعة وسعد بن أبي وقاص في غلام فقال سعد: هذا غلام أخي ابنه، وقال عبد بن زمعة هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته، أما سعد بن أبي وقاص بحجةٍ قال: انظر إلى شبهة فنظر النبي ﷺ : إلى الغلام فإذا به شبه بينٌ بعتبة بن أبي وقاص، وأدلى عبد بن زمعة بحجة، وهي أنه ولد على فراش أبيه من أمته، فقال النبي ﷺ : "الولد لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" قالوا: فأقرُّ النبي ﷺ استلحق عبد بن زمعة لهذا الغلام وقال: "هو لك"، ولكنه قال لسودة: "احتجبي منه يا سودة" مع أنه حكم بأنه أخوها، لكنه أمرها بالاحتجاب، وسيأتي الكلام عليه. الشاهد من الحديث: أن عبد بن زمعة قضى له النبي ﷺ بالغلام وجعله أخًا له فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ولكن يشكل على هذا الحديث أن سودة لم تقر بذلك ولم تنكر ونحن نقول: لا يثبت نسبه للأب إلا إذا أقر به جميع الورثة، وهنا لم يقر به جميع الورثة فأجابوا عن هذا الإشكال بأن سكوت سودة عن ذلك يدل على أنها موافقة لدعوى أخيها عبد بن زمعة، وأن حكم النبي ﷺ على هذا الولد بأنه لعبد بن زمعة كافٍ في ثبوته، ولكن المسألة فيها شيء من الإشكال، إذا غير الأب إلا إذا نسبه للأب قال: هذا ولد أبي مثلًا على فراشه كما قال عبد بن زمعة فهنا أراد عبد بن زمعة أن يثبت الأصل قبل أن يثبت الفرع؛ لأنه قال: هذا ولد على فراش أبي فيكون كاستلحاق الأب ويكون الولد هنا بمنزلة الشاهد لا بمنزلة المدعي والمسألة تحتاج إلى بحث؛ لأن فيها إشكال إلا أن حديث عبد بن زمعة واضح في أن عبد بن

стр. 2621

زمعة لا يريد الأخوة فقط إنما يريد إثبات أن هذا الغلام لزمعة فهو لا يريد أن يضيفه إلى نفسه فحسب، بل إلى الأصل ثم يثبت بعد ذلك الفرع والمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ هو أن الأب إذا استلحقه لحقه وصار أخًا لجميع أولاد هذا المستلحق، وأما غير الأب فإن اتفق الورثة على استلحاقه ثبت نسبه، وإن اختلفوا ثبت نسبه من المقرِّ به فقط، وعلى هذا فإذا كان هناك زيد وعمرو أخوين فأقرَّ زيد بأن بكرًا أخ لهما ولكن عمرًا أنكر فيكون بكرًا أخًا لزيدٍ وليس أخًا لعمرو ويتزوج من بنات عمرو، ولا يتزوج من بنات زيد؛ لأن بنات زيد هو عمهن بإقرار أبيهن، أما بنات عمرو فإن أباهن قد أنكر وهذه من غرائب العلم، أن يكون رجل بين أخوين يتزوج من بنات أحدهما ولا يتزوج من بناته الآخر. وقوله: "عن ابن مسعود عند النسائي، وعن عثمان أبي داود" يعني: أن الحديث رواه عدد من الصحابة "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وقد بحثنا فيما سبق ما إذا كان الزاني الذي ادعى الولد لا يعارضه فراش صحيح هل يلحق بالزاني؟ وبينَّا أن في المسألة قولين للعلماء، فالجمهور لا يلحقونه بالزاني؛ لعموم قوله: "وللعاهر الحجر"، وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء يلحقونه ويقولون: إن هذا الولد ثبت كونه للزاني قدرًا ولم يعارضه حكم شرعي فلا نهمل الحكم القدري بدون معارض، أما لو عارضه حكم شرعي فمعلوم أن الحكم الشرعي مقدم على الحكم القدري، وقول شيخ الإسلام وجيه جدًّا لكنه لا ينبغي إظهار الفتوى به؛ لأنه يترتب عليه مفسدة وهي أن الشخص إذا أراد أن يتزوج امرأة وأبوا عليه خادعها حتى يزني بها فإذا زنى بها وحملت حينئذٍ اضطروا إلى أن يزوجوه فيكثر الشر والفساد، لكن لو وقعت مسألة وابتلى الإنسان بها والسؤال عنها، فقول شيخ الإسلام لا شك أنه قوي. ومن فوائد الحديث: أن الشبه لا يعارض به الحكم الشرعي، يؤخذ هذا من حديث عائشة. ومن فوائده: أنه لو اجتمعت البينة الشرعية والقيافة فإنها تقدم البينة الشرعية؛ لأن اعتماد القيافة على الشبه، وإذا كان النبي ﷺ ألغى الشبه مع وجود البينة الشرعية- وهي الفراش- دل هذا على أن القيافة لا يرجع إليها مع وجود البينة الشرعية، وإنما يرجع إليها عند الاشتباه. ومن فوائد الحديث: إطلاق اسم العاهر على الزاني لأن العهر هو الزنا. ومن فوائد الحديث: استعمال الكنايات وأنه إذا دل الدليل على المعنى المقصود صار استعماله في هذا المعنى حقيقة لقوله: "وللعاهر الحجر" فإننا نعلم أن النبي ﷺ لم يرد أن تأخذ حجرًا وتعطيه هذا العاهر، وإنما أراد أن تلقمه حجرًا بإبطال دعواه، وإذا دلَّت القرينة على أن

стр. 2622

هذا هو المراد صار حقيقة في موضعه، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام ينكر وجود المجاز في اللغة قال: لأن دلالة القرينة على المعنى المراد في السياق المعين تمنع إرادة المعنى الأصلي ويكون استعمال هذا اللفظ في موضعه حقيقة لا مجازًا، ولهذا لما أنكر عليه، قيل: كيف تنكر المجاز في اللغة وهو موجود؟ ! فيقال: فلان كثير الرماد كناية عن كرمه، ويقال: فلان طويل، عماد البيت كناية عن سيادته؛ لأن السيد في العادة يكون له البيت الرفيع العماد، قال: نعم، لكن هذا اللفظ في هذا السياق يعين المعنى ولو أردت المعنى الحقيقي ما استطعت، فيكون هذا استعماله في هذا المعنى حقيقة، وعلى أن الكناية وإن كان المعنى المراد بها خلاف ما يظهر من اللفظ لكن اللفظ الذي استعملت فيه حقيقة هو كثير الرماد وطويل العماد، لكن هو يدل على المعنى اللازم. * * * ٤ - باب الرضاع تعريف الرضاع: الرضاع مصدر أو اسم مصدر؟ ننظر يقال: رضع يرضع رضعًا. إذن فالرضاع اسم مصدر؛ لأنه إذا دلت الكلمة على معنى المصدر واحتوت على حروفه الأصلية دون الزائدة فهي اسم مصدر، فالكلام مثلًا يعتبر اسم مصدر؛ لأنك تقول: كلَّم يكلم تكليمًا؛ إذن الكلام بمعنى التكليم لكن ليس على حروفه فيكون اسم مصدر، السلام كذلك اسم مصدر؛ لأن المصدر من سلَّم تسليمًا، لكن سلام يدل على التسليم، ولكن ليس فيه حروفه الزائدة فيكون اسم مصدر، إذن الرضاع اسم مصدر وهو في الأصل: مصُّ الطفل اللّبن من الثدي أي ثدي حتى لو التقم ثدي شاة فهو رضاع لكن لا يؤثر إذن فالرضاع مصُّ الطفل اللبن من الثدي هذا في الأصل وعلى هذا فلو أن المرأة حلبت اللبن في إناء وشربه فإنه لا يعدُّ رضاعًا لغة وهل يعدُّ رضاعًا شرعًا؟ فيه خلاف، أما الظاهرية فيقولون: إن هذا ليس برضاع وأنك لو أسقيت لطفل خمسة فناجيل لم يكن شيئًا لأنه ليس رضاعًا لغةٍ ولكنه لغة شرب فلا يؤثر، لكن سيأتينا أن قول الجمهور: هو عدم الفرق بين مصِّ اللبن من الثدي أو شربه ونحوه؛ بدلالة السنةُّ على ذلك، الرضاع محرم يثبت به من أحكام النسب أربعة أحكام: تحريم النكاح، إباحة النظر والخلوة، المحرمة، إباحة السفر، وكل هذه فرع عن المحرمة لكن لا مانع من التفصيل، ولا يثبت به بقية أحكام النسب، كل أحكام النسب لا تثبت به إلا هذه الأربعة فقط: النفقة لا تثبت، تحمل الدِّية لا يثبت، الإرث لا يثبت، لكن لثبوت أحكام الرضاع شروط بينتها السنة، أما في القرآن فالرضاع مطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم الَّتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]. بدون شروط، لكن السُّنة بينت ذلك، منها قول المؤلف فيما نقله:

стр. 2623

١٠٨٣ - عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرِّم المصَّة والمصَّتان". أخرجه مسلمٌ. "لا" نافية، "تحرم" فعل مضارع منفي، أي: لا يثبت التحريم بالمصة والمصتين، والمصُّ معروف، وهو: أن الطفل إذا التقم الثدي جذب اللبن منه بهذا المص، فالمصة الواحدة لا تحرم، والمصتان لا تحرمان، وهل هما رضاع؟ لغة رضاع لكن شرعًا لا أثر له؛ لأنه لم تتم به الشروط، والثلاث نقول منطوق الحديث أن المصة والمصتين لا تحرمان مفهومه أن ما زاد عليهما مؤثر وهو الثلاث فأكثر وبهذا أخذ بعض العلماء وقال: إن الرضاع المحرَّم ما بلغ ثلاث رضعات وما دونها لا يحرم بناء على المفهوم من هذا الحديث: "لا تحرم المصة والمصتان". ١٠٨٤ - وعنها ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "انظرن من إخوانكنَّ، فإنَّما الرَّضاعة من المجاعة". متَّفقٌ عليه. "انظرن": فعل أمر، والخطاب للنساء، والموجه إليه الخطاب عائشة ﵂؛ لأن النبي ﷺ دخل عليها ذات يوم وعندها رجل فتأثر فبينت له أنه أخوها من الرضاع، فقال: "انظرن من إخوانكن؟ " خطاب للنسوة، لكنه موجه لعائشة، وهذا من ملاطفة عائشة ﵂ أنه لم يواجهها بالخطاب، بل قال: "انظرن" جعله خطابًا عامًّا، وقوله: "من إخوانكن" الجملة استفهامية؛ أي: من الذي يكون أخًا أو ليس بأخ؟ لأنها قالت: إنه أخي. ثم قال: "فإنما الرضاعة من المجاعة" المعنى: إنما الرضاعة المؤثرة ما تغني من المجاعة وعلى هذا فيكون المعنى: أن الطفل يتغذى باللبن؛ لأنه لا يغني من المجاعة إلا إذا كان يتغذى به، أما إذا كان يتغذى بالطعام فيغنيه من المجاعة الطعام، وهذا يدل على أنه لا بد من شرط في الرضاع غير العدد، الشرط أن يكون في الزمن الذي يتغذي فيه الطفل باللبن فإن فطم فلا أثر للرضاع لماذا؟ لأنه إذا فطم لا يدفع جوعته اللبن وإنما يدفعها الطعام؛ وبناء على هذا نقول: يشترط للرضاع أن يكون قبل الفطام، وهذا كما أنه مقتضى الدليل السمعي فهو مقتضى الدليل العقلي أيضًا لأنه إذا كان بعد الفطام فإن تغذي الطفل به ضعيفٌ إذ إنه يتغذى بالمأكول والمشروب وغذاؤه باللبن ضعيف، لكن إذا كان لم يفطم فهو محتاج إلى اللبن يتغذى به وينمو به جسمه وهذا الذي دل عليه الحديث هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه

стр. 2624

يشترط للرضاع أن يكون قبل الفطام لأنه هو الذي تندفع به المجاعة. إذن عندنا شرطان: الأول: عدد يزيد على الثنتين لقوله: "لا تحرم المصة والمصتان"، الشرط الثاني: أن يكون قبل الفطام في زمن تندفع به المجاعة وهذا هو القول الراجح وذهب بعض العلماء إلى أن المعتبر السن فما كان في الحولين فهو محرم وما كان بعدهما فليس بمحرم سواء فطم أم لم يفطم واستدلوا بقوله تعالى: ﴿? والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فبين الله تعالى أن تمام الرضاعة يكون بتمام الحولين قالوا ولأن الحولين زمن يمكن الإحاطة به لأنه معلوم لكن الفطام أمر تختلف فيه الأفهام فلا ندري هل هذا فطم أم لم يفطم؟ نحن نراه إذا بكي ثم القمناه التدي سكت ولذا بكى ثم أعطيناه ثمرة سكت. إذن هو مفطوم أو غير مفطوم؟ لا ينضبط فقالوا: إن الفطام لا ينضبط وإذا كان أمر لا ينضبط فالسنتان أمر منضبط فليكن الرجوع إليها حتى لا يحصل الشك أو التشكك ولكن يقال في الجواب عن ذلك إن الفطام أمر معلوم في العرف؛ فرق بين الطفل نأتي له بالطعام والشراب مع الناس يتغدى ويتعشى ويفطر، أو نعطيه الحلوى أو الكعك ويستغنى به، وطفل لا يمكن أن يأكل من هذا شيئًا إلا نادرًا في اليوم والليلة ويحتاج إلى اللبن وذهب بعض العلماء إلى أن المعتبر الأكثر، يعني: إن فطم قبل الحولين فالمعتبر الحولان، وإن تم الحولان قبل الفطام فالمعتبر الفطام، وكأن هذا القول أراد به قائله أن يجمع بين الدليلين فيقول تعتبر بالأكثر، لكن الذي يظهر لي من الأدلة أن المعتبر الفطام؛ لأنه هو الذي يتضمن العلة المعقولة وهي تغذي الطفل باللبن ولا يمنع أن يكون غير مفطوم إذا أكل ثمرة أو ثمرتين أو قرصنا أو قرصين هذا لا يمنع هو لم يفطم ولو أكل مثل هذا الشيء لأنه شيء يسير جرت به العادة إذن نأخذ شرطين: الشرط الأول: هذا، والشرط الثاني: ألا يكون أقل من مصتين. من فوائد حديث عائشة الأول: أن للرضاع تأثيرًا في الأحكام الشرعية؛ لقوله: "لا تحرم المصة والمصتان".

стр. 2625

ومن فوائده: أنه لا يحرم من الرضاع ما دون الثلاث، وهذه الفائدة تؤخذ من مفهوم الحديث. ومن فوائد الحديث: أن المعتبر هو المصة، لكن ذكرنا أنه يراد بالمصة: الرَّضعة بناء على الأحاديث الآتية. ومن فوائد الحديث الثاني: وجوب الاحتياط في الخلوة وغيرها من المسائل التي الأصل فيها التحريم، لقول النبي ﷺ : "انظرن من إخوانكن". ومن فوائده: حرص النبي ﷺ على حماية بيته؛ لأنه قال ذلك حينما وجد عند عائشة رجلًا وقالت: إنه أخوها من الرضاع. ومن فوائده: أنه يجب علينا أن نتبع الرسول ﷺ في هذا وأن ننظر من يأتي إلى أهلنا حتى لو فرض أنها من النساء التي يخشى منها فإن علينا أن نتبه؛ وذلك لأن أهلك يحتاجون إلى رعايتك وأنت مسئول عنهم. ومنها: ثبوت لقب الأخوة بالرضاع وكذلك الأمومة والأبوة، ففي القرآن: "وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرَّضاعة [النساء: ٢٣]. ولم يأت في القرآن آباؤكم، لكن أتى بعموم السُّنة، وهو قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". ومن فوائد الحديث: أن الرضاع لا يؤثر إلا إذا كان نافعًا من المجاعة، وهذا كناية عن كون الطفل لم يفطم، لقوله: "إنما الرضاعة من المجاعة". ومن فوائده: أن السنة تخصص القرآن، وذلك من وجهين: الوجه الأول هنا: أن زمن الرضاعة محدود، والوجه الثاني: العدد في الحديث الأول، فإن السُّنة بينت أن ما دون الثلاث لا يؤثر مع أن ظاهر القرآن: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعنكم﴾ ظاهره الإطلاق، وأنه يحصل التحريم برضعة واحدة، لكن السُّنة تقيد مطلق القرآن وتخصص عامه. ومن فوائد الحديث: الرد على من قال: إن رضاع الكبير محرم، لقوله: "إنما الرضاعة من المجاعة". ومن فوائده: أنه يدل على أن العبرة في زمن الرضاعة بالعظام لا بالسن، وحينئذٍ نحتاج إلى الجمع بينه وبين قوله: ﴿? والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، وقد ذكرنا الجمع فيما سبق. * * *

стр. 2626

مسألة إرضاع الكبير وأحكامها: ١٠٨٥ - وعنها ﵁ قالت: "جاءت سهلة بنت سهيل. فقالت: يا رسول الله، إنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرِّجال. فقال: أرضعيه، تحرمي عليه". رواه مسلم. قولها ﵂: "سهلة بنت سهيل" هي زوجة أبي حذيفة بن اليمان، وكان له مولى يقال له: سالم تبناه، أي: وجعله أبنا له، وكانوا في الجاهلية يتبنى الواحد منهم من ليس له أحد من الموالي، بأن يتخذه ابنًا له كابنه من النسب، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾، وقال: ﴿ادعوهم لأباءهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين وموليكم﴾ [الأحزاب: ٥]. فلا يجوز في الإسلام أن يتبنى أحد أحدا من الناس، وكانوا قال جعلوا هذا الرجل بمنزلة الابن يدخل عليهم ويخرج ويقضي حوائجهم، فلما تبين في الشرع أن الرضاعة لا تكون إلا بزمن معين جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ فقالت: "إنه معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال"، فكأنها تقول: ما الحل لهذه المشكلة؟ فقال: "أرضعيه تحرمي عليه"، أي: تحرمي عليه نكاحا فتكوني من محارمه، وفي قوله: "تحرمي عليه" من حيث الاعراب نقول: إنه حذفت النون؛ لأنها مجزومة على أنها جواب الأمر في قوله: "أرضعيه". ففي هذا الحديث: دليل على أن الرضاع محرم حتى الكبار؛ لأن النبي ﷺ قال: "أرضعيه تحرمي عليه"، وقد أخذ بذلك الظاهرية وقالوا: إن الرضاع محرم بلا عدد ولا زمن لإطلاقه في الآية: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعنكم﴾، ولحديث سالم مولى أبي حذيفة، وكانت عائشة إذا أرادت من أحد أن يدخل عليها تأمر أختها أسماء بنت أبي بكر أن ترضعه من أجل أن تكون عائشة خالة له فلا يجب عليها الحجاب عنه ولكن جمهور العلماء ومنهم أمهات المؤمنين سوى عائشة يقولون: إن هذا خاصٌّ بسالم مولى أبي حذيفة، ومنهم من يرى أنه منسوخ، ولكن تعلمون أن هاتين الدعويين تحتاجان إلى دليل، أما الخصوصية فالأصل تساوي الناس في الأحكام الشرعية ولا تقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل فإذا كان النبي ﷺ وهو النبي- لا يقبل دعوى الخصوصية فيه في أي حكم من الأحكام إلا بدليل فما بالك بمن سواه؟ ! والنسخ كذلك يحتاج إلى دليل، لأنه لا بد أن نعلم أن هذا الحديث الناسخ متأخر، ومن يقول: إن قوله:

стр. 2627

"إنما الرضاعة من المجاعة" متأخر عن قوله: "أرضعيه تحرمي عليه"؟ ومن يقول: إنه قال: "لا تحرم المصة والمصتان" بعد قوله: "أرضعيه تحرمي عليه"؟ حتى نقول: إن هذا الحديث يدل على أنه لا يشترط عدد ولا زمن ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاصٌّ بمولى أبي حذيفة على وجه دقيق وقال: إنه إذا وجد من حاله كحال هذا الرجل فإن حكم هذا الرجل يثبت له؛ لأن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تخصص لأحد بعينه إلا بسبب، فإذا وجد هذا السبب في غيره ثبت للغير حكم التخصيص وقالوا: إن الحاجة تبيح إرضاع الكبير ليكون محرمًا، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀ في موضع من كلامه، وقال: إن المرأة إذا احتاج الرجل إلى الدخول عليها دائمًا فإنها ترضعه ويكون ولذا لها؛ لأن سهلة بنت سهيل شكت إلى الرسول ﷺ هذه الحاجة وقال في موضع من كلامه إنه إذا وجدت حالة مثل حالة سالم من كل وجه ثبت الحكم وإلا فلا وهذا الأخير هو الصحيح وقوله: الأول أنه مطلق الحاجة مردود بقول النبي ﷺ : "إياكم والدخول على النساء" قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"، ولو كان الإرضاع المطلق الحاجة مثبتًا للمحرمية لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه ويزول المحذور فلما لم يقل ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن مطلق الحاجة لا يثبت به حكم الرضاع إذا أخذنا بالقول الثاني من قولي شيخ الإسلام ﵀، فإن الحالة التي صارت لسالم لا يمكن أن توجد؛ لأن سالمًا كان متبنَّى ومتخذًا ابنا كابن النسب لا يحتشمون عنه بأي شيء من الأشياء وكان قد داخلهم مداخلة كاملة ففي هذه الحال يكون من الصعب جدًّا أن يحرم من الدخول إلى البيت والخلوة بالمرأة وما أشبه ذلك، فمن أجل هذه الحاجة الشديدة ووجود السبب المقتضي لها قال النبي ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه" وبهذا تجتمع الأدلة ونسلم من القول بأن إرضاع الكبير لمطلق الحاجة جائز ومثبت للحكم. ومن فوائد هذا الحديث: أولًا أنه قد تقرر عندهم أن إرضاع الكبير لا أثر له، وجه الدلالة: أنها جاءت تشتكي الحال التي هي عليها، ولو كان مقررًا عندهم أن رضاع الكبير كرضاع الصغير ما سألت. ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة المرأة وأن كلامها مع الرجل ليس بمحرم، لأن سهلة

стр. 2628

خاطبت النبي ﷺ وخاطبها لكن هذا مشروط بما لم تكن فتنة فإن كان فتنة فإن الأدلة الأخرى تدل على منع ذلك وإذا قلنا بجواز مخاطبة المرأة للرجل فهل هو على إطلاقه؟ لا بل عند الحاجة، وشرط آخر ألا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، أما مع عدم الحاجة فإن المخاطبة سبب للفتنة فتجتنب وأما الخضوع فإنه محرم لأنه وسيلة لطمع من في قلبه مرض. ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة- ﵃ على تعلم العلم رجالا ونساءً وجه ذلك أنها سألت النبي ﷺ عن هذه القضية. ومن فوائد الحديث: أن صوت المرأة ليس بعورة لأن النبي ﷺ لم ينهها عن ذلك. ومن فوائد الحديث: جواز إرضاع الكبير وأنه، مؤثر لقوله: "أرضعيه تحرمي عليه". ومن فوائد الحديث: أن ارتكاب المحرم لغيره إذا دعت الحاجة إليه فلا بأس لقوله: "أرضعيه" فإنه قبل أن يكون ولدًا لها لا يحل له أن يمس ثديها مثلًا، وهنا إذا أرادت الرضاعة فلا بد أن يمس ثديها ويرضع منه لكن للحاجة جاز فهذا وسيلة لأمر يحتاج إليه وأصل تحريم مس المرأة أنه وسيلة إلى الفاحشة والزنا وما حرِّم تحريم الوسائل فإن القاعدة عند أهل العلم أنه يباح للحاجة ونظير ذلك من بعض الوجوه: إذا أصاب المخرم طيبًا فلا حرج عليه أن يمسه من أجل إزالته، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان يمس الخبث في الاستنجاء بيده من أجل إزالته، ومن ذلك أيضًا أن الغاصب يخرج من الأرض المغصوبة فيمشي فيها من وسطها إلى طرفها وهو مشي محرم لأنه في غير ملكه لكن من أجل التخلص من هذا فالتخلص من الشيء المحرم إذا سار الإنسان فيه فإنه لا يعتبر محرمًا؛ لأنه للخلاص منه، وكذلك ما حرِّم تحريم الوسائل فإنه تبيحه الحاجة. ومن فوائد الحديث: أن إرضاع الكبير مؤثر لقوله ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه" وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا عبرة برضاع الكبير، والقول الثاني: أنه معتبر والقول الثالث: أنه معتبر عند الحاجة إليه لا إذا لم يكن هناك حاجة، أما الذين قالوا: إنه مؤثر فاحتجُّوا بهذا الحديث: "أرضعيه تحرمي عليه" مع أنها تقول: إنه بلغ ما يبلغ الرجال واستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعناكم﴾ وهذا مطلق لم يقيد بزمن ولا بحال فيكون الإرضاع مؤثرًا مطلقًا وأما القائلون بأنه لا يؤثر ولا عبرة به فاستدلوا بأدلة منها قول النبي ﷺ ، "إنما الرضاعة من المجاعة" وسبق معنى الحديث، ومنها الأحاديث الآتية: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم"، وكان قبل الفطام ومنها أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول

стр. 2629

على النساء"، قالوا: أرأيت يا رسول الله الحمو؟ قال: "الحمو الموت"، ولم يقال: الحمو ترضعه المرأة حتى يكون محرمًا لها مع أن الحاجة داعية إلى أن ترضعه ليدخل البيت ويسلم من الشر، وحينئذٍ تثبت دعواهم أنه لا يؤثر رضاع الكبير، لكن يحتاجون إلى الجواب عن أدلة القائلين بأنه مؤثر فأجابوا عن إطلاق الآية بأن هذه ليست أول آية أطلقت ثم قيدت بالسُّنة فقوله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ مقيد بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقته"، والأمثلة على هذا كثيرة والسُّنة تبين القرآن وتفسره وتقيد مطلقه وتخصص عامه، وليس هذا بغريب فالآية مطلقة ويكون المراد: أرضعنكم، أي: إرضاعًا محرمًا حسب ما تقتضيه السُّنة وأما حديث سالم فأجابوا عنه بأنه خاصٌّ بسالم وهذا مبني على جواز تخصيص الشخص لعينه قالوا: فهو خاص به فلا يلحق به غيره وأجاب بعضهم بأنه منسوخ بالأحاديث الدالة على أنه لا بد أن يكون الرضاع بالحولين أو في زمن المجاعة أو قيل أن يفطم، فقالوا: إن هذا منسوخ بها، وأما الذين قالوا: إنه جائز للحاجة فجمعوا بين الأدلة وقالوا: إن قضية سالم حاجة للضرورة فلهذا أرشدها النبي ﷺ إلى أن ترضعه ولم يرشد غيرها إلى ذلك؛ لأنه لا يوجد فيه مثل حاجة هذا الرجل إذ إن هذا كان كالابن لهم تمامًا قد تبناه أبو حذيفة وصار عندهم بمنزلة الولد ويشقُّ عليهم كثيرًا أن يحتجبوا منه، فلهذا أذن فيه الرسول ﷺ ، وما أكثر الأحكام التي تثبت عند الحاجة التي تشيه الضرورة لقوم وتمنع من قوم آخرين لم يتحقق لهم مثل ذلك، وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وبه تجتمع الأدلة ونجيب عن دعوى التخصيص بأنه ليس هناك حكم يخص به أحد لعينه؛ لأن الناس عند الله سواء فلا يمكن أن يخص زيدًا دون عمرو لغير سبب معنوي يقتضي التخصيص. ولو تأملت هذا لوجدته لا يوجد في الشريعة من خصَّ بالحكم لعينه أي: لأنه فلان ابن فلان حتى الرجل الذي ضحى قبل الصلاة وقال له النبي ﷺ : "شاتك شاة لحم"، قال: إن عندي عناقًا- يعني: ماعزا لها- أربعة أشهر أو نحو ذلك هي أحب إلينا من شاتين فأذن له أن يضحى بها وقال: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك"، والحديث في الصحيحين، وهذا يدل على أن الر جل خص بذلك بعينه، ولكن شيخ الإسلام أبى ذلك وقال هذا الرجل لا يخص بعينه بل يقال من كانت حاله مثل حاله فحكمه حكمه، فلو وجد رجل جاهل ضحى بأضحيته قبل الصلاة ولم يكن عنده ما يضحي إلا مثل هذه العناق قلنا إنها تجزئ عنك ولو كانت لم تبلغ السن أي: لم تكن ثنية، وهذا الذي قاله هو المتعين، حتى خصائص الرسول ﷺ لم يخصص بها لأنه محمد بن عبد الله لكنه خص بها لأنه رسول الله، فلو وصف لا يكون لغيره فلهذا خص بما يقتضيه هذا الوصف، وما قاله ﵀ هو الراجح بمعنى: أنه لا تخصيص لأحد بعينه في حكم من أحكام الشريعة لأن الشريعة معلقة بالحكم والأسرار والمعاني والعلل لا بالأشخاص. وعلى هذا فنقول القول الراجح في هذا ما قاله شيخ الإسلام.

стр. 2630

بقينا في الجواب عن دعوى النسخ دعوى النسخ لا تقبل إلا بشرطين الشرط الأول: عدم إمكان الجمع، والشرط الثاني: العلم بالتاريخ، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ يستلزم إبطال أحد النصين، وإبطال النص ورد النص ليس بالأمر الهيِّن، يعني: كثير من العلماء- عفا الله عنهم- إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: منسوخ، هذا لا يجوز؛ لأن حكمك بأن هذا الحكم منسوخ، يعني: رده وعدم اعتداده من الشرع فليس بالأمر الهين فلا يجوز أن يتساهل في ادعاء النسخ، نقول: النسخ لا يمكن دعوى قبوله إلا بشرطين أولًا: تعذر الجمع، والثاني: العلم بالمتأخر؛ لأن الناسخ هو المتأخر، فإذا أمكن الجمع حرم العدول عنه وإذا تعذر الجمع نظرنا إذا علمنا التاريخ قلنا المتأخر الناسخ، وإذا لم نعلم وجب علينا أن نتوقف، فنأخذ الحكم الذي لا يتعارض فيه النَّصَّان، وندع ما تعارض فيه النصان هذا هو الواجب اتباعه في نصوص الشرع وعلى هذا فتكون دعوى النسخ في حديث سالم مردودة غير مقبولة فيبقى عندنا يصح دعوى التخصيص لكن لا بشخصه لكن بحاله تخصيص بالحال لا بالشخص، فمن كانت حاله مثل حال هذه الرجل فإننا نفتيه بما أفتى به النبى ﷺ بما أفتى به سهلة. ومن فوائد الحديث: التكنية عن الشيء بلازمه؛ لقولها: "وقد بلغ ما يبلغ الرجال"، لم تقل: إنه بلغ أن ينظر للمرأة بشهوة، تكنية طيبة وتفيد المعنى. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمستفتي أن يذكر جميع أوصاف القضية من أجل أن يفتيه المفتي على بصيرة، مثل قولها: "معنا في بيتنا"؛ لأن هذا وصف يقتضي ترتب الحكم عليه، فلا ينبغي للمستفتي أن يأتي بالشيء المجمل، بل يأتي بالشيء البيَّن حتى يكون المفتي على بصيرة، ومن ذلك لو قال لك قائل: هلك هالك عن بنت وأخ وعم شقيق فهنا لا يجب عليك أن تسأل عن البنت لكن يجب أن تسأل عن الأخ إن قال لك لأم فما بقي بعد البنت للعام؟ لأن الأخ من الأم يسقط بالفرع الوارث، وإن قال: أخ لأب أو شقيق يأخذ الباقي ويسقط العام. وهنا نسأل: هل يجب على المفتي أن يسأل عن الموانع؟ لا، يجب فلا يجب عليه أن يقول: هل البنت موافقة لأبيها في الدين هل يجب عليه أن يقول هل البنت رقيقة وأبوها حر؟ لا يجب لأن الأصل عدم المانع وكذلك لو جاء رجل يقول: إنه طلق زوجته هل يجب أن نقول بأي شرط ثبت أنها زوجته هل أنت تزوجتها بشهود وبولي وبرضا وبتعيين أولا يجب؟ لا يجب؛ لأن الأصل الصحة وثبوته على وجه شرعي، هل يجب أن يقول هل هي حائض أو لا؟ لا يجب؛ لأن هذا سؤال عن مانع اللهم إلا أن يكون المانع خفيًّا على الناس فهنا ربما نقول: نسأل هل هي حائض؟ هل طلقتها في طهر جامعتها فيه؟ لكن الأصل أنه يسأل عن المانع.
следующие страницы →