Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
مسألة إرضاع الكبير وأحكامها:
١٠٨٥ - وعنها ﵁ قالت: "جاءت سهلة بنت سهيل. فقالت: يا رسول الله، إنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرِّجال. فقال: أرضعيه، تحرمي عليه". رواه مسلم.
قولها ﵂: "سهلة بنت سهيل" هي زوجة أبي حذيفة بن اليمان، وكان له مولى يقال له:
سالم تبناه، أي: وجعله أبنا له، وكانوا في الجاهلية يتبنى الواحد منهم من ليس له أحد من الموالي، بأن يتخذه ابنًا له كابنه من النسب، فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾، وقال: ﴿ادعوهم لأباءهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا أباءهم فإخوانكم في الدين وموليكم﴾ [الأحزاب: ٥]. فلا يجوز في الإسلام أن يتبنى أحد أحدا من الناس، وكانوا قال جعلوا هذا الرجل بمنزلة الابن يدخل عليهم ويخرج ويقضي حوائجهم، فلما تبين في الشرع أن الرضاعة لا تكون إلا بزمن معين جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ فقالت: "إنه معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال"، فكأنها تقول: ما الحل لهذه المشكلة؟ فقال: "أرضعيه تحرمي عليه"، أي: تحرمي عليه نكاحا فتكوني من محارمه، وفي قوله: "تحرمي عليه" من حيث الاعراب نقول: إنه حذفت النون؛ لأنها مجزومة على أنها جواب الأمر في قوله: "أرضعيه".
ففي هذا الحديث: دليل على أن الرضاع محرم حتى الكبار؛ لأن النبي ﷺ قال: "أرضعيه تحرمي عليه"، وقد أخذ بذلك الظاهرية وقالوا: إن الرضاع محرم بلا عدد ولا زمن لإطلاقه في الآية: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعنكم﴾، ولحديث سالم مولى أبي حذيفة، وكانت عائشة إذا أرادت من أحد أن يدخل عليها تأمر أختها أسماء بنت أبي بكر أن ترضعه من أجل أن تكون عائشة خالة له فلا يجب عليها الحجاب عنه ولكن جمهور العلماء ومنهم أمهات المؤمنين سوى عائشة يقولون: إن هذا خاصٌّ بسالم مولى أبي حذيفة، ومنهم من يرى أنه منسوخ، ولكن تعلمون أن هاتين الدعويين تحتاجان إلى دليل، أما الخصوصية فالأصل تساوي الناس في الأحكام الشرعية ولا تقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل فإذا كان النبي ﷺ وهو النبي- لا يقبل دعوى الخصوصية فيه في أي حكم من الأحكام إلا بدليل فما بالك بمن سواه؟ ! والنسخ كذلك يحتاج إلى دليل، لأنه لا بد أن نعلم أن هذا الحديث الناسخ متأخر، ومن يقول: إن قوله:
стр. 2627
"إنما الرضاعة من المجاعة" متأخر عن قوله: "أرضعيه تحرمي عليه"؟ ومن يقول: إنه قال: "لا تحرم المصة والمصتان" بعد قوله: "أرضعيه تحرمي عليه"؟ حتى نقول: إن هذا الحديث يدل على أنه لا يشترط عدد ولا زمن ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاصٌّ بمولى أبي حذيفة على وجه دقيق وقال: إنه إذا وجد من حاله كحال هذا الرجل فإن حكم هذا الرجل يثبت له؛ لأن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تخصص لأحد بعينه إلا بسبب، فإذا وجد هذا السبب في غيره ثبت للغير حكم التخصيص وقالوا: إن الحاجة تبيح إرضاع الكبير ليكون محرمًا، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀ في موضع من كلامه، وقال: إن المرأة إذا احتاج الرجل إلى الدخول عليها دائمًا فإنها ترضعه ويكون ولذا لها؛ لأن سهلة بنت سهيل شكت إلى الرسول ﷺ هذه الحاجة وقال في موضع من كلامه إنه إذا وجدت حالة مثل حالة سالم من كل وجه ثبت الحكم وإلا فلا وهذا الأخير هو الصحيح وقوله: الأول أنه مطلق الحاجة مردود بقول النبي ﷺ : "إياكم والدخول على النساء" قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت"، ولو كان الإرضاع المطلق الحاجة مثبتًا للمحرمية لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه ويزول المحذور فلما لم يقل ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن مطلق الحاجة لا يثبت به حكم الرضاع إذا أخذنا بالقول الثاني من قولي شيخ الإسلام ﵀، فإن الحالة التي صارت لسالم لا يمكن أن توجد؛ لأن سالمًا كان متبنَّى ومتخذًا ابنا كابن النسب لا يحتشمون عنه بأي شيء من الأشياء وكان قد داخلهم مداخلة كاملة ففي هذه الحال يكون من الصعب جدًّا أن يحرم من الدخول إلى البيت والخلوة بالمرأة وما أشبه ذلك، فمن أجل هذه الحاجة الشديدة ووجود السبب المقتضي لها قال النبي ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه" وبهذا تجتمع الأدلة ونسلم من القول بأن إرضاع الكبير لمطلق الحاجة جائز ومثبت للحكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أولًا أنه قد تقرر عندهم أن إرضاع الكبير لا أثر له، وجه الدلالة: أنها جاءت تشتكي الحال التي هي عليها، ولو كان مقررًا عندهم أن رضاع الكبير كرضاع الصغير ما سألت.
ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة المرأة وأن كلامها مع الرجل ليس بمحرم، لأن سهلة
стр. 2628
خاطبت النبي ﷺ وخاطبها لكن هذا مشروط بما لم تكن فتنة فإن كان فتنة فإن الأدلة الأخرى تدل على منع ذلك وإذا قلنا بجواز مخاطبة المرأة للرجل فهل هو على إطلاقه؟ لا بل عند الحاجة، وشرط آخر ألا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، أما مع عدم الحاجة فإن المخاطبة سبب للفتنة فتجتنب وأما الخضوع فإنه محرم لأنه وسيلة لطمع من في قلبه مرض.
ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة- ﵃ على تعلم العلم رجالا ونساءً وجه ذلك أنها سألت النبي ﷺ عن هذه القضية.
ومن فوائد الحديث: أن صوت المرأة ليس بعورة لأن النبي ﷺ لم ينهها عن ذلك.
ومن فوائد الحديث: جواز إرضاع الكبير وأنه، مؤثر لقوله: "أرضعيه تحرمي عليه".
ومن فوائد الحديث: أن ارتكاب المحرم لغيره إذا دعت الحاجة إليه فلا بأس لقوله: "أرضعيه" فإنه قبل أن يكون ولدًا لها لا يحل له أن يمس ثديها مثلًا، وهنا إذا أرادت الرضاعة فلا بد أن يمس ثديها ويرضع منه لكن للحاجة جاز فهذا وسيلة لأمر يحتاج إليه وأصل تحريم مس المرأة أنه وسيلة إلى الفاحشة والزنا وما حرِّم تحريم الوسائل فإن القاعدة عند أهل العلم أنه يباح للحاجة ونظير ذلك من بعض الوجوه: إذا أصاب المخرم طيبًا فلا حرج عليه أن يمسه من أجل إزالته، ومن ذلك أيضًا أن الإنسان يمس الخبث في الاستنجاء بيده من أجل إزالته، ومن ذلك أيضًا أن الغاصب يخرج من الأرض المغصوبة فيمشي فيها من وسطها إلى طرفها وهو مشي محرم لأنه في غير ملكه لكن من أجل التخلص من هذا فالتخلص من الشيء المحرم إذا سار الإنسان فيه فإنه لا يعتبر محرمًا؛ لأنه للخلاص منه، وكذلك ما حرِّم تحريم الوسائل فإنه تبيحه الحاجة.
ومن فوائد الحديث: أن إرضاع الكبير مؤثر لقوله ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه" وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا عبرة برضاع الكبير، والقول الثاني: أنه معتبر والقول الثالث: أنه معتبر عند الحاجة إليه لا إذا لم يكن هناك حاجة، أما الذين قالوا: إنه مؤثر فاحتجُّوا بهذا الحديث: "أرضعيه تحرمي عليه" مع أنها تقول: إنه بلغ ما يبلغ الرجال واستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم الاتي أرضعناكم﴾ وهذا مطلق لم يقيد بزمن ولا بحال فيكون الإرضاع مؤثرًا مطلقًا وأما القائلون بأنه لا يؤثر ولا عبرة به فاستدلوا بأدلة منها قول النبي ﷺ ، "إنما الرضاعة من المجاعة" وسبق معنى الحديث، ومنها الأحاديث الآتية: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم"، وكان قبل الفطام ومنها أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول
стр. 2629
على النساء"، قالوا: أرأيت يا رسول الله الحمو؟ قال: "الحمو الموت"، ولم يقال: الحمو ترضعه المرأة حتى يكون محرمًا لها مع أن الحاجة داعية إلى أن ترضعه ليدخل البيت ويسلم من الشر، وحينئذٍ تثبت دعواهم أنه لا يؤثر رضاع الكبير، لكن يحتاجون إلى الجواب عن أدلة القائلين بأنه مؤثر فأجابوا عن إطلاق الآية بأن هذه ليست أول آية أطلقت ثم قيدت بالسُّنة فقوله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ مقيد بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقته"، والأمثلة على هذا كثيرة والسُّنة تبين القرآن وتفسره وتقيد مطلقه وتخصص عامه، وليس هذا بغريب فالآية مطلقة ويكون المراد: أرضعنكم، أي: إرضاعًا محرمًا حسب ما تقتضيه السُّنة وأما حديث سالم فأجابوا عنه بأنه خاصٌّ بسالم وهذا مبني على جواز تخصيص الشخص لعينه قالوا: فهو خاص به فلا يلحق به غيره وأجاب بعضهم بأنه منسوخ بالأحاديث الدالة على أنه لا بد أن يكون الرضاع بالحولين أو في زمن المجاعة أو قيل أن يفطم، فقالوا: إن هذا منسوخ بها، وأما الذين قالوا: إنه جائز للحاجة فجمعوا بين الأدلة وقالوا: إن قضية سالم حاجة للضرورة فلهذا أرشدها النبي ﷺ إلى أن ترضعه ولم يرشد غيرها إلى ذلك؛ لأنه لا يوجد فيه مثل حاجة هذا الرجل إذ إن هذا كان كالابن لهم تمامًا قد تبناه أبو حذيفة وصار عندهم بمنزلة الولد ويشقُّ عليهم كثيرًا أن يحتجبوا منه، فلهذا أذن فيه الرسول ﷺ ، وما أكثر الأحكام التي تثبت عند الحاجة التي تشيه الضرورة لقوم وتمنع من قوم آخرين لم يتحقق لهم مثل ذلك، وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وبه تجتمع الأدلة ونجيب عن دعوى التخصيص بأنه ليس هناك حكم يخص به أحد لعينه؛ لأن الناس عند الله سواء فلا يمكن أن يخص زيدًا دون عمرو لغير سبب معنوي يقتضي التخصيص. ولو تأملت هذا لوجدته لا يوجد في الشريعة من خصَّ بالحكم لعينه أي: لأنه فلان ابن فلان حتى الرجل الذي ضحى قبل الصلاة وقال له النبي ﷺ : "شاتك شاة لحم"، قال: إن عندي عناقًا- يعني: ماعزا لها- أربعة أشهر أو نحو ذلك هي أحب إلينا من شاتين فأذن له أن يضحى بها وقال: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك"، والحديث في الصحيحين، وهذا يدل على أن الر جل خص بذلك بعينه، ولكن شيخ الإسلام أبى ذلك وقال هذا الرجل لا يخص بعينه بل يقال من كانت حاله مثل حاله فحكمه حكمه، فلو وجد رجل جاهل ضحى بأضحيته قبل الصلاة ولم يكن عنده ما يضحي إلا مثل هذه العناق قلنا إنها تجزئ عنك ولو كانت لم تبلغ السن أي: لم تكن ثنية، وهذا الذي قاله هو المتعين، حتى خصائص الرسول ﷺ لم يخصص بها لأنه محمد بن عبد الله لكنه خص بها لأنه رسول الله، فلو وصف لا يكون لغيره فلهذا خص بما يقتضيه هذا الوصف، وما قاله ﵀ هو الراجح بمعنى: أنه لا تخصيص لأحد بعينه في حكم من أحكام الشريعة لأن الشريعة معلقة بالحكم والأسرار والمعاني والعلل لا بالأشخاص. وعلى هذا فنقول القول الراجح في هذا ما قاله شيخ الإسلام.
стр. 2630
بقينا في الجواب عن دعوى النسخ دعوى النسخ لا تقبل إلا بشرطين الشرط الأول: عدم إمكان الجمع، والشرط الثاني: العلم بالتاريخ، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأن النسخ يستلزم إبطال أحد النصين، وإبطال النص ورد النص ليس بالأمر الهيِّن، يعني: كثير من العلماء- عفا الله عنهم- إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: منسوخ، هذا لا يجوز؛ لأن حكمك بأن هذا الحكم منسوخ، يعني: رده وعدم اعتداده من الشرع فليس بالأمر الهين فلا يجوز أن يتساهل في ادعاء النسخ، نقول: النسخ لا يمكن دعوى قبوله إلا بشرطين أولًا: تعذر الجمع، والثاني: العلم بالمتأخر؛ لأن الناسخ هو المتأخر، فإذا أمكن الجمع حرم العدول عنه وإذا تعذر الجمع نظرنا إذا علمنا التاريخ قلنا المتأخر الناسخ، وإذا لم نعلم وجب علينا أن نتوقف، فنأخذ الحكم الذي لا يتعارض فيه النَّصَّان، وندع ما تعارض فيه النصان هذا هو الواجب اتباعه في نصوص الشرع وعلى هذا فتكون دعوى النسخ في حديث سالم مردودة غير مقبولة فيبقى عندنا يصح دعوى التخصيص لكن لا بشخصه لكن بحاله تخصيص بالحال لا بالشخص، فمن كانت حاله مثل حال هذه الرجل فإننا نفتيه بما أفتى به النبى ﷺ بما أفتى به سهلة.
ومن فوائد الحديث: التكنية عن الشيء بلازمه؛ لقولها: "وقد بلغ ما يبلغ الرجال"، لم تقل: إنه
بلغ أن ينظر للمرأة بشهوة، تكنية طيبة وتفيد المعنى.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمستفتي أن يذكر جميع أوصاف القضية من أجل أن يفتيه المفتي على بصيرة، مثل قولها: "معنا في بيتنا"؛ لأن هذا وصف يقتضي ترتب الحكم عليه، فلا ينبغي للمستفتي أن يأتي بالشيء المجمل، بل يأتي بالشيء البيَّن حتى يكون المفتي على بصيرة، ومن ذلك لو قال لك قائل: هلك هالك عن بنت وأخ وعم شقيق فهنا لا يجب عليك أن تسأل عن البنت لكن يجب أن تسأل عن الأخ إن قال لك لأم فما بقي بعد البنت للعام؟ لأن الأخ من الأم يسقط بالفرع الوارث، وإن قال: أخ لأب أو شقيق يأخذ الباقي ويسقط العام.
وهنا نسأل: هل يجب على المفتي أن يسأل عن الموانع؟ لا، يجب فلا يجب عليه أن يقول: هل البنت موافقة لأبيها في الدين هل يجب عليه أن يقول هل البنت رقيقة وأبوها حر؟ لا يجب لأن الأصل عدم المانع وكذلك لو جاء رجل يقول: إنه طلق زوجته هل يجب أن نقول بأي شرط ثبت أنها زوجته هل أنت تزوجتها بشهود وبولي وبرضا وبتعيين أولا يجب؟ لا يجب؛ لأن الأصل الصحة وثبوته على وجه شرعي، هل يجب أن يقول هل هي حائض أو لا؟ لا يجب؛ لأن هذا سؤال عن مانع اللهم إلا أن يكون المانع خفيًّا على الناس فهنا ربما نقول: نسأل هل هي حائض؟ هل طلقتها في طهر جامعتها فيه؟ لكن الأصل أنه يسأل عن المانع.
стр. 2631
ومن فوائد الحديث: أن الرضاع لا يشترط له عدد لقوله: "أرضعيه" ولم يحدد، فلا يشترط له عدد، ولا يشترط له كيفية، بمعنى: أنه لا يشترط أن يروي فلا كمية ولا كيفية لقوله: "أرضعيه"، ولكن يقال: إن هذا الإطلاق مقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه لا بد من عدد، ففي الحديث الذي روته عائشة في أول الباب: "لا تحرم المصة والمصتان" فيكون هذا المطلق محمولا على المقيد.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يكون مثل هذه الحال يكفي فيها رضاع واحد؟
قلنا: لا؛ لأن السنة يقيد بعضها بعضًا فلا بد من العدد المشترط.
ومن فوائد الحديث: أن من حرمت عليه المرأة فله أن ينظر إليها وأن إباحة النظر وتحريم النكاح متلازمان لقوله: "أرضعيه تحرمي عليه" ولم يقل أرضعيه يحل له النظر إليك، مع أن المشكلة ليس في أنها تحرم عليه لأنه لا يمكن أن يتزوجها وهي مع زوج المشكلة في النظر والخلوة، لكن لما كان تحريم النكاح يلزم منه إباحة النظر والخلوة قال: "أرضعيه تحرمي عليه" وكأن النبي ﷺ عدل إلى هذا الحكم لأنه موافق للقرآن، قال الله تعالى: ﴿حرمت عليّكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم الاتي أرضعناكم﴾ [النساء: ٢٣]. فعدل النبي ﷺ عن ذاك إلى هذا؛ لأنه موافق لكتاب الله .
١٠٨٦ - وعنها ﵁: "أن أفلح أخا أبي المقعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجّاب. قالت: فأبيت أن أذن له، فلمَّا جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعته، فأمرني أن آذن له عليّ.
قوله: "أن أفلح أخا أبي القعيس" نريد إعراب أخا؟ هي أسم إن فهل نقول صفة، تدخل في إشكال لأن الصفة لا بد أن تكون مشتقة قال ابن مالك:
وانعت بمشقٍّ كصعبٍ وذرب ... وشبهه كذا وذي والمنتسب
نقول: يكون بدلًا أو عطف بيان، قالت: "جاء يستأذن علي بعد الحجاب" وكان أخا لأبيها من الرضاع، وقولها: "بعد الحجاب"؛ لأن الحجاب في الشريعة الإسلامية له حالان، الحال الأولى: في أول الإسلام أو في أول الهجرة على الأصح كانت النساء لا تحتجب عن الرجال تكشف وجهها ويديها وقدميها وربما يرتفع الثوب إلى الساقين، المهم أنه ليس فيه حجاب ثم بعد ذلك أنزل الله الحجاب وفرضه على النساء، وبهذا نعلم أن كثيرا من الأحاديث التي ظاهرها
стр. 2632
جواز كشف المرأة عين وجهها وكفيها واختلاطها بالرجال تكون محمولة على ما قبل الحجاب؛ لأن ما قبل الحجاب ست سنوات كلها قبل الحجاب، فالناس لا بد أن يعملوا أعمالًا في هذه المدة الطويلة، ولا بد أن تكون النساء مع الرجال، وأن تكون النساء غير محجبات، ثم بعد ذلك نزل الحجاب، ولكن هنا سؤال هل حجاب أمهات المؤمنين أخص من حجاب عموم النساء؟ الظاهر هذا أن حجابهن أخص، وأنهن يلزمن أن يحتجبن حتى بأشخاصهنَّ، ولهذا كنَّ إذا حججن يكنَّ في الهوادج، يعني: شيء مثل البيت يعمل من الخشب ويكسى بالثياب حتى لا ترى المرأة، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسالة.
وقولها "يستأذن، أي: يطلب الإذن بالدخول بعد الحجاب، أي: بعد أن فرض الله الحجاب
على أمهات المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قالت: "فأبيت أن آذن له"، أبت يحتمل أن إباءها هذا لجهلها بالحال أو لجهلها بالحكم، لجهلها بالحال، يعني: لم تعلم أن أفلح أخا لأبيها أو لجهلها بالحكم لم تعلم أن الرضاع يحرم ما تحرمه الولادة، وأيا كان الاحتمالان فإنها معذورة بمنعه؛ لأن الأصل عدم الحل حتى يوجد الدليل على الحل، فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعته، يعني: قالت إنه استأذن عليَّ وإني أبيت عليه، "وأمرني أن آذن له"، الأمر هنا ليس للاستحباب ولا للوجوب، ولكنه للإباحة لأن إخبارها إياه بما صنعت كأنها تستأذنه والأمر بعد الاستئذان للإباحة وليس للوجوب ولا للاستحباب كما لو قلت لشخص: جئت إلى بيته أأدخل؟ قال: نعم، أو قال: ادخل، فهنا ليس أمرًا على سبيل الإلزام ولا على سبيل الاختيار ولكنه أمر إباحة فأمرني أن آذن له، يعني: في الدخول عليها، وقال: "إنه عمك"، هذا تعليل للحكم، الحكم الإذن لها بالإذن له والتعليل "إنه عمك من الرضاع".
يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا. أنه لا دخول على بيت أحد إلا باستئذان لأن هذا هو عهد الصحابة لقولها جاء يستأذن، والاستئذان للدخول واجب لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتَّى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خبرٌ لكم لعلكم تذكرون﴾ [النور: ٢٧]. وقوله: ﴿حتى تستأنسوا﴾ أخص من قوله: حتى تستأذنوا، من وجه وأعم من وجه آخر فإن قوله: "حتى تستأنسوا﴾ أي: يحصل لكم الأنس وعدم الوحشة، وهذا يقتضي أنك إذا أتيت إلى بيت قد دعاك صاحبه فوجدته مفتوحًا فادخل لأن دعوته إياك في هذا الوقت وفتح الباب يدل على الإذن، لكن دلالة حالية يستفاد من قوله: ﴿حتى تستأنسوا﴾ وفها قراءة ﴿حتى تستأذنوا﴾ فيكون ذكر الاستئذان أخص من الاستئناس؛ لأن الاستئناس قد يكون باستئذان وبغيره.
стр. 2633
ومن فوائد الحديث: حزم عائشة ﵂ وقوتها وعدم مبالاتها بما ترى أنه حق؛ لأنها أبت أن تخله ولم تستحي منه، والله لا يستحي من الحق.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق الرسول ﷺ مع أهله وتحثه إليهم وإخبارهم بما صنعوا بعده على سبيل التبسط والأنس. وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون خيَّرًا، قال النبي ﷺ : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، لا ينبغي للإنسان أن يكون عند أهله كالخشبة لا يتكلَّم ولا يكلَّم، وإنما ينبغي أن يستأنس معهم حتى لو فرض أنهم لم يتكلموا هيبة له أو لسبب من الأسباب فليفتحهم بالكلام من أجل إدخال السرور عليهم والأنس.
ومن فوائد الحديث: حرص عائشة ﵂ على الفقه في الدين؛ لأن الذي يظهر أنها أخبرت النبي ﷺ بما صنعت من أجل أن تستلهمه الصواب في الحكم.
ومن فوائد الحديث/ حسن تعليم الرسول ﷺ ، حيث قرن الحكم بالحكمة، فأمرها أن تأذن له وقال: "إنه عمك".
ومن فوائد الحديث: أن الرضاع تثبت به محرمية كمحرمية النسب، ولكن لا شك أن محرمية النسب أقوى؛ وذلك لأن محرمية النسب فيها التحريم وفيها الشفقة والحنان والعطف والغيرة، وهذا لا يوجد في الرضاع فإن كل أحد يعرف الفرق بين الأخ من الرضاع والأخ من النسب والأب من الرضاع والأب من النسب، وبناء على ذلك أو يتفرع على هذا النوع من الفائدة أننا لو لم نثق بالمحرم من الرضاع فللمرأة أن تمتنع منه؛ لأنه قد يوجد بعض الناس الذين بينهم وبين المرأة محرمية بالرضاع قد يوجد منه فتنة لا سيما إذا كان عنده إيمان ضعيف وفي المرأة داع قوي للفتنة كالجمال والتجمل فإن ذلك يخشى منه الشر فلو امتنعت فإنه لا حرج في هذه الحال.
عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم:
١٠٨٧ - وعنها ﵂ قالت "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرِّمن، ثمَّ نسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفِّي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن". رواه مسلمٌ.
قولها: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات"، "أنزل" من المنزل؟ الله، ولا مانع أن نبني الإنزال للمجهول وذلك للعلم بالفاعل، وقد قال الله تعالى في التاب العزيز: ﴿شهر رمضان الَّذي أنزل فيه القرءان﴾ (البقرة: ٨٥). وقال: ﴿إنَّا أنزلنه في ليلة القدر﴾ (القدر: ١). فالذي أنزل
стр. 2634
القرآن هو الله ﴿كتبٌ أنزلنه إليك مبركٌ﴾ (ص: ٢٩). والذي نزل به "جبريل" أفضل الملائكة وأقواهم وأشدهم أمانة وكلهم أمناء وأقوياء، لكن الخلق يتفاوتون نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ، قالت: "عشر رضعات معلومات يحرمن هل حسَّا أو حكما، بمعنى: أنه لابد أن نعلم أن العشر حصلت أو معلومات بالشرع؟ الاثنان بالشرع وبالحس، الشرع معلوم بما جاءت به السنة، ثم نسخن بخمس معلومات يعني: رفع حكمهن، بل ولفظهن أيضًا؛ لأننا لا نجد في القرآن شيئا في ذلك، فنسخ اللفظ ونسخ الحكم، "بخمس معلومات" يعني: يحرمن، "فتوفي رسول الله. إلخ".
"توفي" أي: قبض، والذي توفاه الله وحذف الفاعل للعلم به، ويقال: توفي ولا يقال توفى كما قال تعالى: ﴿الله يتوفَّى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر: ٤٢) ﴿قل يتوفَّكم مَّلك الموت﴾ (السجدة: ١١). ﴿حتَّى إذا جاء أحدكم الموت توفَّته رسلنا﴾ (الأنعام: ٦١). فالإنسان متوفَّى وأما قول بعض الناس: توفى فلان، فهو ليس بصحيح وإن كان له وجه بعيد على أنه توفى بمعنى: استوفى أجله ورزقه، كما قال ﷺ "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها" لكن هذا بعيد.
قالت: توفي رسول الله وهي - أي: الخمس - فيما يقرأ من القرآن"، أي: أن الناس يقرءونها بعد وفاة الرسول ﷺ ، هذا الحديث كما علمتهم خبر آحاد انفرد به مسلم عن البخاري، وفيه نوع من الغرابة أو النكارة في متنه، ولهذا طعن فيه كثير من المتأخرين وقالوا: هذا الحديث لا يصح، كيف ذلك؟ قالوا: كيف يثبت أنها من القرآن بعد وفاة الرسول ثم تنسخ ولا نسخ بعد وفاة الرسول ﷺ ؟ ! وكون مدلول الحديث هذا يطعن في صحته علة معللة؛ لأنه كيف يموت الرسول ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحفظون﴾ (الحجر: ٩). والآن ابحث في القرآن من أوله إلى آخره فلا تجد شيئا، إذن فالحديث منكر؛ لأنه مخالف لما يعلم بالضرورة من الدين، القرآن محفوظ وهذا الحديث مدلوله أن هذا الحكم باق وهي قراءتها في الكتاب العزيز حتى توفي الرسول ﷺ ولا شك أن هذا علةٌ معلَّلةٌ مؤثرة، ولكن جمهور العلماء أجابوا عنها فقالوا: إن معنى قولها: "توفي وهي فيما يقرأ" بمعنى: الجملة حال إما أن النسخ كان متأخرًا ولم يعلم به كثير من الناس فصاروا يقرءون القرآن على أنها محكمة ثابتة فيه ولم يعلموا بالنسخ ثم بعد ذلك علم الناس، وعند جمع المصحف في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان أزيلت؛ لأنها منسوخة لفظا. فإن قال قائل نسخ اللفظ مشكل؛ لأن الله يقول: ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحفظون﴾ فكيف ينسخ اللفظ؟ والجواب: أنه ينسخ اللفظ لأن الله قال: ﴿وإنَّا له لحفظون﴾ فحافظه هو الذي نسخه، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمر ﵁ أنه قال معلنا على المنبر: كان فيما أنزل الله من القرآن آية الرجم فقرآناها ووعيناها
стр. 2635
وحفظناها ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده وهذا متفق عليه ولا إشكال فيه، فالذي قال: ﴿إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحفظون﴾ هو الذي ينسخ ما يشاء ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت﴾ (الرعد: ٣٩). وحينئذٍ لا إشكال في نسخ اللفظ لن الخبر الذي معنا فيه أنها قالت: "توفي وهي فيما يقرأ من القرآن".
وأما نسخ اللفظ فمعهود، والجواب عند الجمهور كما قلنا هو: ان النسخ كان متأخرًا ولم يعلم به كثير من الناس، فكانوا يتلون الآية على أنها محكمة باقية ثم تبيَّن بعد ذلك أنها منسوخة.
في هذا الحديث فوائد منها: أولاً: إثبات نزول القرآن والنزول لا يون إلا من اعلى والقرآن نزل من عند الله فيدل ذلك على علو الله علو مكان ومكانة، ولهذا نقول: أن أقسام علو الله اثنان علو ذات وعلو صفة، أما علو الصفة فقد اتفق المسلمون الذين يستقبلون قبلتنا على ثبوته، وأما علو المكان فقد خالف فيه أهل البدع من الحلولية والمعطلة، فمنهم من قال: إن الله بذاته في كل مكان وليس بعال على الخلق، ومنهم من قال: إن الله لا يوصف بالعلو، بل قالوا: يجب أن تعتقد أنه - سبحانه - لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا متصل ولا منفصل، ولا مباين ولا مداخل، فهؤلاء معطلون والآخرون ممثلون؛ لأنهم جعلوا الله مثل الخلق في كل مكان، أما أهل السنة والجماعة فيقولون: "إن الله فوق عرشه عال على كل شيء بائن من خلقه" ويقولون: إن دليلنا على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ويقولون: إنه حتى العجائز إذا دعون الله يرفعن أيديهن إلى السماء ولا نزاع في ذلك ولا يخالف في هذا إلا مهوِّس غير عاقل، أما علوُّ المكانة وهو علوُّ الصفة فهذا متفق عليه.
ومن فوائد بنفسها حتى نقول إنه كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السَّماء ماء﴾ (المؤمنون: ١٨). او كقوله تعالى: ﴿وأنزل لم من الأنعم ثمنية أزوج﴾ (الزمر: ٦). أو كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديدٌ﴾ (الحديد: ٢٥). لأن هذه الأشياء أعيان قائمة بنفسها مخلوقة، أما القرآن فإنه كلام صفة للمتكلم به وعلى هذا فإذا قيل نزل من عند الله لزم أن يكون كلامه وأنه صفة من صفاته غير مخلوق.
من فوائد الحديث: إثبات النسخ، والعلماء مجمعون على ثبوته من حيث الحقيقة والمعنى، لكنهم شذ منهم من قال: إنه لا نسخ في القرآن كأبي مسلم الأصبهاني فإنه قد قال: ليس في القرآن نسخ، وما جاء نسخا في القرآن فهو تخصيص ولا يصلح أن نسميه نسخًا؛ لأن النسخ إبطال لأي الحكمين؟ الأول والله يقول: ﴿لَّا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ (فصّلت: ٤٢) فلا نسخ في القرآن وهذا الذي ادعيتم أنه نسخ مثل قوله: ﴿الئن خفَّف الله عنكم ... ﴾ (الأنفال: ٦٦). الآية.
стр. 2636
هذا ليس بنسخ هذا تخصيص؛ لأن الحكم الأول ممتد إلى القيامة لو بقي، فإذا نسخ حكم فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ أخرجناه من الحم العام الأول فيكون هذا تخصيصًا لكنه يقر بالمعنى، يقر بأن الحكم قد يرفع بعد ثبوته فنقول له: لقد اتفقنا نحن وإياك على المعنى، والحقيقة أنت إن شئت سمه تخصيصًا ونحن نسميه نسخًا فالخلاف الآن في التسمية، ولذلك أجمع المسلمون على ثبوت النسخ من حيث المعنى والحكم لكن الصحيح ثبوت النسخ وأننا نسميه نسخًا لأن الله قال في الكتاب: ﴿ما ننسخ من ءايةٍ أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها﴾ (البقرة: ١٠٦). وهذا صريح في أن النسخ جائز وإلا لم يكن للكلام فائدة، وأما استدلال أبي مسلم يقول: ﴿لَّا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ فنقول: لا يأتيه ما يبطله ومعلوم أن النسخ ليس إبطالاً، لكنه انتقال من حكم إلى حكم، حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة كما سنبين إن شاء الله.
ومن فوائد الحديث: أن النسخ يكون باللفظ والحكم ويكون باللفظ فقط دون الحكم، فبالنسبة لعشر رضعات معلومات النسخ في اللفظ والحكم، وبالنسبة للخمس النسخ في اللفظ فقط أما الحكم فباق وقد يكون النسخ في الحكم دون اللفظ فمثلًا قوله تعالى: ﴿يأيُّها النَّبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الَّذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون﴾ (الأنفال: ٦٥). في هذه الآية أنه لا يتحقق الصبر إلا إذا ثبت الواحد لعشرة ﴿إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين﴾ وأن من فر من تسعة وهو واحد فليس من الصابرين لكن الله قال: ﴿الئن خفَّف الله عنكم وعلم أنَّ فيكم ضعفًا ... ْ﴾ الآية. فتبين الآن أن الآية الأولى نسخت حكمًا وبقي اللفظ.
ق يقول قائل: ما الفائدة من بقاء اللفظ وقد نسخ الحكم؟
نقول: له فوائد كثيرة منها: التعبد لله بتلاوة هذه الآية المنسوخة وزيادة الأجر بتلاوتها.
ومنها: التذكير بنعمة الله حيث خفف عن عباده وهذه توجب للإنسان كلما تلاها أن يشكر الله وبحمده على هذا، يوجد نسخ اللفظ دون الحكم مثل آية الرجم، وهذا الحديث ما فائدة نسخ اللفظ وبقاء الحكم؟ الفائدة التي هي من أهم ما يكون بيان فضل هذه الأمة وشدة امتثالها لأمر الله، ففي آية الرجم يحكم آخر الأمة بالرجم مع أنهم لا يجدون شيئا بين أيديهم في كتاب الله، واليهود رفعوا الحكم بالرجم مع أنه موجود في التوراة؛ ليتبين فضيلة هذه الأمة حيث إنها امتثلت لأمر لا تشاهده في كتابها، لكن ورثته من سنة الرسول ﷺ التي بينت أن هذه الآية منسوخة، وهنا تنبيه وهو أنكم ربما تجدون في عبارات السلف كلمة نسخ مثل: هذه الآية نسخت الآية وهم يريدون بذلك التخصيص، مثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿إلَّا على
стр. 2637
أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم﴾ (المؤمنون: ٦). إنها تحل الجمع بين الأختين، فقالوا: هذه الآية نسختها قوله: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ (النساء: ٢٣). المهم: تأتي كلمة النسخ في كلام السابقين ومرادهم به التخصيص، فيكون مرادهم بالنسخ: نسخ العموم الشامل لجميع أفراد العام لا رفع الحكم من أصله، فحتى لا يغتر أحد بمثل هذا يجب أن يعرف أن النسخ في عرف السابقين قد يطلق على التخصيص، فما وجه تسميته نسخًا؟ وجه ذلك أن فيه رفعَا لعموم الحكم، وهذا نوع من النسخ يظهر بالمثال لو قلت لك: أكرم الطلبة فسوف يكون الحكم إكرام الطلبة المجتهد منهم وغيره، فإذا قلت: أكرم المجتهد معناه أنه نسخ الحكم باعتبار غير المجتهد.
فوائد: لو رضع صبي من عجوز أو بكر والتي وقفت عن الولادة فالصحيح أنه يحرم، ولو رضع صبي من رجل فلا يحرم بالإجماع لأنه قال: ﴿وأمَّهتكم﴾ والرجل ما يسمى أمَّا، ولهذا لو رضع شخص من شاة ورضع معه آخر لم يكونا أخوين، نقول: الرضاع يكون من جهة الأم أو من جهة الأب أو من جهتهما جميعًا، إن رضع من زوجتي رجل من كل واحدة ثلاث رضعات صار الزوج أبًا له والمرضعات ليس أمهاته، وإن رضع من امرأة ثلاث رضعات وهي في ذمة زوج وثلاث رضعات وهي في ذمة زوج وثلاث رضعات وهي في ذمة زوج آخر صارت امَّا له وليس له أب، وكذلك لو زنى بامرأة وولدت فهذا له أم وليس له أب من الرضاع ويكون من الأم والأب كما لو أرضعت امرأة ذات زوج طفلًا فيكون ولدًا لهما.
ومن فوائد الحديث: اشتراط العلم بالعدد لقولها: "عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات"، وهذه الفائدة تدل عليها أصول الشريعة بأن ما كان مشكوكًا فيه فالأصل عدمه.
ومن فوائد هذا الحديث أن النسخ قد يخفي على بعض الناس لقولها: "فتوفي وهي فيما يقرأ من القرآن".
ومن فوائد الحديث: ثبوت نسخ القرآن، بالقرآن فهنا في هذا الحديث فيه نسخان نسخ لفظي حكمي، ونسخ لفظي لا حكمي، أيهما اللفظي الحكمي؟ العشر، والخمس لفظي لا حكمي.
ومن فوائد الحديث: جواز نسخ القرآن لفظًا، ولا يعد هذا من النقص في الحفظ؛ لأن نسخه لفظًا، يعني: إزالته؛ وذلك لأن الذي نسخه لفظًا هو الذي أنزله فله أن يفعل ما شاء.
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب:
١٠٨٨ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵁، "أن النَّبيَّ ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: إنَّها لا تحلُّ لي؛ إنَّها ابنة أخي من الرَّضاعة، ويحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النَّسب". متَّفقٌ عليه.
قوله: "أريد" أي: طلب منه أن يتزوجها، فقال: "إنها لا تحل لي" ثم علل مبينا الحكم فقال:
стр. 2638
"إنها ابنة اخي من الرضاعة" حمزة بن عبد المطلب أخو النبي ﷺ من الرضاعة، فإذا كان من الرضاعة كانت بنته بنت أخيه وهو عمها يقول: "إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" هذه القاعدة فإذا كان العم من النسب يحرم ان يأخذ ابنة أخيه، فكذلك أنا عمها من الرضاعة فيحرم علىَّ أن أتزوجها، والذي يحرم من النسب سبع مذكورة في قوله تعالى: ﴿حرِمت عليكم امَّهتكم وبناتكم وأخواتكم وعمَّتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ (النساء: ٢٣). هذه سبع محرمات بالنسب وضبطها بعض الفقهاء بقولهم: الأصول وإن علوا والفروع وإن نزلوا، وفروع الأب الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأب الأعلى لصلبهم خاصة، الأصول وإن علوا الأمهات والجدات وإن علون، الفروع البنات وبنات الأبناء وإن نزلوا فروع الأصل الأدنى الأخوات وابنائهم وبنات الإخوة وإن نزلوا، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة الأعمام والعمات دون فروعهن وبنات الأعمام ليسوا بحرام لأنا قيدنا قلنا: لصلبهم خاصة، فإذا كان المحرمات من النسب سبعًا، كان المحرمات من الرضاع سبعًا وفهم منه أن ما يحرم بغير النسب لا يحرم بالرضاع فأم الزوجة حرام على زوج ابنتها ولكن لا من أجل النسب لأنه ليس بينها وبينه نسب؛ لأن النسب هو القرابة، وغذا لم يكن بينه وبينها نسل فلا تحريم، بنت الزوجة وهي الربيبة حرام على الزوج ليس بالنسب، النسب بينها وبين الواسطة لا بينها وبين من تعلق به التحريم، والحديث "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" بين الطرفين مباشرة أما بواسطة فلا، ولهذا لو سألت سائلًا هل بنت زوجتك حرام عليك بالنسب لقال: لا ليس بيني وبينها نسب هي من آل فلان، وأنا من آل فلان إذن مفهوم الحديث أنها لا تحرم وبهذا استدل شيخ الإسلام ﵀ على أن الصهر لا أثر له في الرضاع؛ لأن الحديث يقول: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" لا من الصهر، والعجيب أن هذا الحديث استدل به الجمهور الذين يقولون: إن الصهر له أثر في الرضاع وإن بنت الزوجة من الرضاع كبنتها من النسب، وإن أم الزوجة من الرضاع كأمها من النسب، فاستدل به اثنان على أمرين كل واحد منهما ضد الآخر ولكن عند التأمل يتبين أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الأصح وذلك لان التحريم بالنسب في مسألة الصهر ليس من باب النسب المباشر.
النسب بين المحرم وبين الواسطة واسطة التحريم بنت الزوجة ما هي الواسطة بينك وبينها في التحريم؟ الزوجة، النسب ثابت لبنت الزوجة مع الزوج وليس لم أنت مع بنت الزوجة، والخطاب إنما هو يحرم من الرضاع على من تعلق به التحريم ما يحرم بالنسب، قوله: "ما يحرم
стр. 2639
من النسب" "ما" موصولة، ومحلها من الإعراب فاعل "يحرم"، قوله "من النسب" أي: القرابة سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم في هذه المسألة لان باب النكاح يتساوى فيه قرابة الأم وقرابة الأب، بخلاف باب الإرث، فإنه يختلف قرابة الأم عن قرابة الأب، فالخال لا يرث وهو أخو الأم والعم يرث وهو أخو الأب، لكن في باب النكاح يتساوى القرابتان قرابة الأم وقرابة الأب فالجدة أم أب، الأم في الميراث ليس لها شيء في تحريم النكاح يثبت التحريم في حقها، فيحرم على الإنسان أن يتزوج أم جده من قبل الأم مع أنه لا علاقة بينهما في الميراث، ما اشتهر عند العامة الآن من أن النسب هو المصاهرة نقول: هذه لغة عامية والذي ينبغي في اللغات العامية إذا خالف مدلولها مدلول الاصطلاح الشرعي أن تغير فقول العامة اليوم: نسيبي فلان - بمعنى قريب زوجتي - ليس بصحيح؛ لأن الله جعل النسب قسيم الصهر فقال: ﴿وهو الَّذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا﴾ (الفرقان: ٥٤). فكيف نجعل الصهر نسبًا؟ ! لا شك أن هذا غير مستقيم.
ومن فوائد الحديث شدة محبة الصحابة لرسول الله ﷺ حتى إنهم يعرضون عليه بناتهم.
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في أنه إذا أراد الأمر يبين السبب؛ لأن في ذلك سكنًا لصاحبه وتطييبًا لخاطره، وهذه قاعدة النبي ﷺ ، لما أهدى إليه الصعب بن جثامة حماره الوحشي رده عليه فلما عرف ما في وجهه قال: "إنا لم نرده إلا أنا حرم"، وهذا من الآداب العالية، فإنك إذا ردت شيئًا لسبب ما ينبغي لك أن تبين السبب من أجل أن يطيب قلب صاحبك.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ بقرن الحكم بالعلة لقوله: "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة".
ومن فوائده: القاعدة العظيمة في التحريم من الرضاع، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وعرفنا في الشرح أن المحرمات بالنسب سبع، فيكون المحرمات في الرضاع سبع، وما عداهن فالأصل الحل، وبناء على ذلك نقول: يحرم على الإنسان أمه التي أرضعته، وبنته التي رضعت من لبنه، وأخته، وعمته، وخالته، وبنت أخيه، وبنت اخته من الرضاع، وهل يحرم عليه أم زوجته من الرضاع؟ لا، ولا زوجة ابنه من الرضاع، هذا هو الذي يدل عليه النص، وليس هناك دليل على التحريم بالمصاهرة إلا هذا الحديث، وهذا الحديث دلالته ظاهرة في أنه لا أثر للرضاع في تحريم المصاهرة.
فإن قال قائل: على هذا التقرير يجوز للإنسان أن يتزوج أم زوجته من الرضاع؟
стр. 2640
قلنا: نعم يجوز؛ لأنه إذا كان الرضاع في حقها لا يؤثر فقد قال الله تعالى: ﴿وأحلَّ لكم مَّا وراء ذلكم﴾ (النساء: ٢٤). ولكن هل يجوز ان يجمع بينها وبين بنتها من الرضاع؟ نقول: لا يجوز؛ لأنه إذا حرم الجمع بين الأختين فالجمع بين الأم وبنتها من باب أولى.
هذا ما يقتضيه تقريرنا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن من حيث الفتوى لا نفتي بالجواز؛ وذلك لأن جمهور العلماء - ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة - على أن الرضاع له أثر في الصهر فلا نفتي بذلك لئلا يحصل ارتباك في مسألة القضاء لو ترافعوا للقضاة، فالقضاة سيحكمون بما عليه الجمهور وحينئذ يحكمون بفساد العقد، وإذا فسد العقد فسد ما يترتب عليه فنقول النساء كثير ولا تتزوجها، نعم لو لم يبق من بنات آدم إلا بنت زوجتك من الرضاع فلك أن تتزوجها؛ لان المسألة ليس فيها نص يدل على التحريم، ولا غرابة في ذلك أن نقول: لا تتزوجها وأنت لست محرمًا لها، فإن قضية سودة بنت زمعة مع الغلام الذي ادعاه سعد بن أبي وقاص وقال: إنه ابن اخي عتبة وعارضه فيه عبد بن زمعة قد حكم به النبي ﷺ لعبد بن زمعة ومع ذلك قال لسودة وهي أخته: "احتجبي منه يا سودة"؛ لأنه رأى شبها بيَّنا بعتبة بن أبي وقاص، فجمع النبي ﷺ بين الاحتياط وإثبات الحكم.
ومن فوائد الحديث: أن للتغذية أثرًا في التقارب بين الناس وفي غيرها؛ لان هذا الطفل لما تغذى باللبن صار كأنه منى أهل اللبن في مسالة النكاح والاحتياط له، ولا شك أن الإنسان يتأثر لما يتغذى به؛ ولهذا نص العلماء في باب الرضاع على أنه يكره استرضاع المرأة الحمقاء وسيئة الخلق؛ لأن ذلك يؤثر في طباع الصبي؛ ولذلك أيضًا حرم ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ لان هذه حيوانات عادية فيخشى على من تغذى بها أن يكتسب من طباعها، والمسالة معروفة طبيًا بوضوح أن التغذية لها تأثير حتى في الصحة.
صفة الرضاع الذي يثبت به التحريم:
١٠٨٩ - وعن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "لا يحرِّم من الرَّضاعة إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام". رواه التِّرمذيُّ، وصحَّحه هو والحاكم.
قوله: "لا يحرم من الرضاع إلا" هذه الجملة فيها حصر على طريقة النفي والاستثناء؛ لان الحصر له طرق متعددة أقواها النفي والاستثناء، ما في مثل قولنا: لا إله إلا الله، والطريقة الثانية من حيث
стр. 2641
الرتبة في الحصر أن يكون بلفظ "إنما" مثل قوله تعالى: ﴿إنَّما الله إلهٌ واحدٌ﴾ ومن طرق الحصر أيضًا: تقديم ما حقه التأخير مثل: ﴿ولله ملك السَّموات والأرض﴾ ومنها: الحصر بضمير الفصل الحصر مثل: زيد هو الفاضل، يعني: لا غيره، ومن طرق الحصر كذلك: تعريف زكني الجملة المكونة من مبتدأ وخبر، فهو يفيد الحصر عند الجمهور، مثل: القائم زيد.
فالمهم: أن الحصر له طرق بعضها أقوى من بعض، هذا الذي معنا "لا يحرم من الرضاع إلا" أقواها.
وقوله: "إلا ما فتق الأمعاء" لو أخذنا بهذه الجملة لكان الذي يحرم من الرضاع هو ما يرضعه، لأنه هو الذي يفتق الأمعاء، إذ إن أمعاء الطفل حين الولادة غير منفتقة؛ لأنه يتغذى في بطن أمه بواسطة الصرة هذه الصرة - بإذن الله - كعرق النخلة في الأرض يمتص من الدم ما به يحيا وينمو حتى يأذن الله له بالخروج وحينئذ يرتضع من أمه بطريق أخرى، وهما الثديان اللذان ركبهما الله على الصدر ليكون الطفل حين رضاعه في حضن أمه فيكون هذا أقوى للحنان من أمه عليه ويكون أريح له أيضا؛ لأنه سيبقى مضجعًا على فخذيها وتذلي عليه هذه الثدي، والله سبحانه عليم حكيم، المهم أن ظاهر الحديث أنه لا يحرم إلا ما كان أول رضعة لأنه هو الذي بها تنفتق الأمعاء ولكنه قال: "وكان قبل الفطام" فأشار بقوله هذا إلا أن العلة هي الفطام؛ وعلى هذا فيكون فتق الأمعاء في اول رضعة فتقا حقيقيًا وفتقها فيما بعد فتقا حكيمًا؛ لأنها عند الجوع تنسفط فإذا جاءها الغذاء باللبن انفتقت وكان قبل الفطام ومتى يكون الفطام؟ الفطام في الأصل يكون عند تمام الحولين لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصله ثلاثون شهرًا﴾ (الأحقاف: ١٥).
وقال: ﴿وفصاله في عامين﴾ (لقمان: ١٤). وقال: ﴿والولدت يرضعن أولدهنَّ حولين كاملين﴾ (البقرة: ٢٣٣). هذا هو الأصل، لكن من الأطفال من ينمو سريعًا ولا يحتاج إلى الرضاع إلا لمدة أقل من الحولين، فإذا فطم لأقل من حولين تم الفطام ومن الأطفال من يكون نموه ضعيفًا، إما لوراثة وإما لمرض، وإما لقلة لبنٍ، أو لغير ذلك المهم هذا يحتاج إلى زيادة عن الحولين، والحكم يدور مع علته، ولهذا لما قال: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف لا تكلَّف نفسٌ إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالًا﴾ (البقرة: ٢٣٣). الضمير يعود على الأم والأب ﴿فصالًا عن تراض منهما وتشاور﴾ فذكر القيود: ﴿تراضٍ﴾ و ﴿وتشاورٍ﴾، فالمسألة ليست بالهينة، وهذا يدل على كمال رعاية الله للأطفال، وأن رعايته لهم أشد من رعاية الوالدين، المهم أن قوله: "وكان قبل الفطام".
لو قال قائل: الفطام قبل الحولين أو بعدهما أو معهما؟
стр. 2642
قلنا: ذلك يختلف باختلاف حال الطفل.
في هذا الحديث: إثبات تحريم الرضاع، يعني: انه يحرم لا أنه محرَّم، لقوله: "لا تحرم من الرضاع إلا ما فتق" فأثبت أن للرضاع تحريمًا.
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط لكون الرضاع محرمًا أن يكون قبل الفطام، وهذا الحكم اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إن هذا هو المعتبر، أي: ان الفطام هو المعتبر في تأثير الرضاع أو عدم تأثيره، استنادًا إلى هذا الحديث واستنادًا إلى المعنى أيضًا، فالمعنى: أنه إذا كان غذاء الطفل باللبن كان له أثر في نموه بل وفي عقله أيضًا، وغذا كان غذاؤه بغير اللبن لم يكن له ذلك الأثر، وغن كان يؤثر، لكنه لا يكون له ذلك الأثر وغلا فقد كان من المعلوم أن الإنسان لا يكون له أربعون سنة ويشرب لبنا من لبن الأنثى تأثر به وتغذى به، لكن ليس له الغذاء الرئيسي إذا فطم فإذن هذا الرأي استند قائله إلى أمرين أثر ونظر.
وقال بعض العلماء: لا يعتبر الفطام المعتبر الحولان فمتى رضعه قبل تمام الحولين فالرضاع محرم ومتى رضع بعدهما فالرضاع غير محرم سواء فطم قبل الحولين أو لم يفطم بعدهما، القائلون بان العبرة بالحولين استندوا إلى قوله تعالى: ﴿والوالدت يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾، ولكن ليس في الآية دليل على هذا، إنما بين الله أن من أراد أن يتم الرضاعة أرضعه إلى الحولين ومن لم يتمها هل يأثم أو لا يأثم؟ ينبني على حالة الطفل، إن كان يحتاج أثم إن رأى فطمه وإلا فلا، هذا القول يفضل القول الأول بشيء واحد وهو أنه محدد ليس فيه إشكال والشيء المحدد لا يكون فيه إشكال يرضع الطفل أول النهار ولا يعتبر رضاعه شيئا ويعتبر رضاعه محرمًا ويرضع في آخر النهار ولا يعتبر رضاعه شيئًا؛ لأنه يبلغ حولين عند زوال الشمس، ففي الضحى هو في الحولين رضاعه محرم وبعد الظهر خارج الحولين فرضاعه لا يؤثر شيئا فهو محدد فمن هنا يكون العمل به أيسر على المكلف لكن إذا كان في الفطام يأتي الإشكال هل هذا الطفل فطم أو لم يفطم فتحديده بالزمن أدق، وهذا هو المشهور من المذهب أن المعتبر الحولان وهذا له نظائر منها السفر الذي يقصر فيه هل هو محدد بالمسافة أو محدد بالمعنى؟ فيه خلاف، من العلماء من حدد بالمسافة على اختلاف فيما بينهم هل هي يومان أو فرسخ أو ثلاثة أميال، ومنهم من حده بالمعنى وقال: ما عده الناس سفرًا فهو سفر، وما لا فلا، ومعلوم أن المحدد بالمسافة أدق وأيسر عملًا، لكن يشكل عليه ظواهر النصوص التي لم تحدد والتحديد إلى توفيق ما الذي يدلنا على أن الحد كذا؟
على كل حال: لو ذهب ذاهب فقال: إنه يعتبر أبعدهما بمعنى: انه لو فطم قبل الحولين فالعبرة بالحولين ولو تم الحولان قبل أن يفطم فالعبرة بالفطام؛ يعني: لو قال قائل بهذا القول لم يكن بعيدًا من أجل أن نجمع بين القولين.
стр. 2643
ومن فوائد الحديث: حسن بيان الرسول ﷺ حيث يأتي كلامه واضحًا بينًا وهو أفصح الخلق ﷺ ، والذين يمارسون كلام الرسول ﷺ كثيرًا يعرفون الحديث الضعيف من غيره بمجرد أن يسمعوا الكلام؛ لأنهم مارسوا لام الرسول وعرفوه، كيف كلماته وكيف أسلوبه الآن لو أن أحدًا أكثر مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ثم عرض عليه كلام ولم يعلم لمن هو ووجد أن الأسلوب أسلوب الشيخ، عرف أن هذا الكلام كلام الشيخ كذلك كلام النبي ﷺ ، بل أبلغ من هذا ان كلام النبي ﷺ يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر كلام غيره، ويذكر عن شيخ الإسلام ﵀ أنه بمجرد أن يسمع الكلام المنسوب إلى الرسول ﷺ يقول هذا لا يصح، او هذا صحيح دون ان يذكر سنده او مخرجه، فإذا رجع إلى الأصول وجد أن الأمر كما قال، وهذا شيء مجرب.
١٠٩٠ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: "لا رضاع إلا في الحولين". رواه الدَّارقطنيُّ وابن عديٍّ مرفوعًا وموقوفًا، ورجَّحا الموقوف.
هذا رأي ابن عباس ﵄ وهو كغيره من اهل العلم له اجتهاده "لا رضاع إلا في الحولين" أي: لا رضاع محرم إلا ما كان في الحولين، هذا الحديث لا حاجة للكلام عليه؛ لأنه سبق الإشارة إليه، لكن بقي لنا المرفوع والموقوف، المرفوع ما نسب إلى النبي ﷺ والموقوف إلى الصحابي، والمقطوع إلى التابعي، والمنقطع من مباحث السند والمقطوع من مباحث المتن، بقينا لو تعارض الموقوف والمرفوع فهل نقدم المرفوع أو نقدم الموقوف؟ على كل حال: إذا كان أحد الرواة في هذا أو هذا أرجح اخذنا بالأرجح، لكن إذا تساووا فرواه فلان وهو ثقة مرفوعًا ورواه فلان وهو ثقة موقوفًا فهل نأخذ بالمرفوع؛ لان معه زيادة علم أو نأخذ بالموقوف؛ لان الأصل عدم الرفع؟ نأخذ بالمرفوع؛ لان معه زيادة علم، مثال ذلك: روى أحد الراويين عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال كذا، والثاني روى عن ابن عباس أنه قال كذا، الأول فيه زيادة وهي ان النبي ﷺ قال: فمعه زيادة علم تؤخذ، مرجح آخر أن الراوي للمرفوع أحيانًا يحدث بالحديث من نفسه لثبوته عنده دون ان ينسبه للرسول مثل أن يحدث به استدلالا لا إخبارًا، يعني: مثلا يقول: إنما الأعمال بالنيات هو يرويه هكذا ثم يقوله في أثناء كلامه يقصد به إثبات الحكم، لأنه ثابت عنده وأحيانا يحدث به إذا أراد الإخبار حدث به إلى منتهى السند فهذا أيضًا مما يؤيد ترجيح الرفع.
стр. 2644
١٠٩١ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رضاع إلا ما انشز العظم، وأنبت اللَّحم". رواه أبو داود.
هذا الحديث يشبه الحديث الأول: " لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء" وكان قبل الفطام، يقول: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم"، العظم ينشز بواسطة الأعصاب، والأعصاب حبال تشد بعض العضلات إلى بعض قال الله : ﴿قال كم لبثت قال لبثت يومًا أو بعض يومٍ﴾، وهو قد بقي مائة سنة قال: ﴿بل لبثت مائة عامٍ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك اية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثمَّ نكسوها لحمًا﴾ (البقرة: ٢٥٩). هذه من آيات الله طعامه وشرابه لم يتغيرا، وقد ذكروا أن شرابه ماء وان طعامه العنب، العنب يبقى مائة سنة لا يتغير والماء يبقى مائة سنة ولا يتبخر ولا يتغير، والحمار يموت ويفنى ويبقى عظامه تلوح وكان مقتضى العادة أن الطعام يخرب قبل أن يموت الحمار، لكن هذه من آيات الله قادر على حفظ ما يتغير فلا يتغير، وعلى الثاني يغيره وغن كان تغيير الحمار قد يكون طبيعيًا.
على كل حال قال: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ نداخل بعضها ببعض ونشدها بالعصب، ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثمَّ نكسوها لحمًا﴾، فصار ينظر إلى حماره تقوم العظام بعضها إلى بعض وتنشز بالعصب وتكسى اللحم، يعني: كأن أحدًا أمامه يفعل هذا الشيء بكلمة الله ﴿فلمَّا تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قديرٌ﴾، وقوله: "وأنبت اللحم" مثل الأول، والمراد أنه يتغذى به الإنسان ويتأثر به نموًا فهذا هو الرضاع، وعليه فيكون هذا الحديث شاهدًا للحديث الأول فيقوى به.
ما الفرق بين الشاهد والمتابع؟ ما جاء من طريق صحابي آخر فهو شاهد. والمتابع أي في شيخهما، وفائدته تقوية المتابع، يروي زيد عن عمرو حديثًا وزيد فيه بعض الشيء فيأتي بكر فيروي عن عمرو، بكر يسمى متابعًا والمتابعة كما عرفنا تامة وناقصة.
١٠٩٢ - وعن عقبة بن الحارث: "أنَّه تزوَّج أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فسأل النَّبي ﷺ فقال: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة، فنكحت زوجًا غيره" أخرجه البخاريُّ.
قوله: "فجاءت امرأة" نكرة لم تعين، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لأنها صحابية، ولا يتعلق تعيينها بالحكم والصحابة كلهم عدول إلا من ثبت أنه ليس بعدل، ولكن من أتى جرمًا من الصحابة فإن الله قد قيد له من السوابق والفضائل ما يقتضي مغفرة ما صدر منه، وإلا فليس معصومين من الإثم
стр. 2645
والخطأ قد يخطأون وقد يأثمون وفيهم من سرق، وفيهم من زنى، وفيهم من لاعن امراته، وفيهم من شرب الخمر ليسوا بمعصومين من كبائر الإثم وصغائرها لكن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم، وقد قال فيهم: ﴿وكلَّا وعد الله الحسنى﴾ (الحديد: ١٠).
فلذلك قال العلماء - علماء الحديث -: إن جهالة الصحابي لا تقدح في صحة الحديث؛ فلو قال التابعي عن رجل صحب النبي ﷺ فهل يلزمنا أن نبحث عن هذا الرجل؟ لا، لأن الأصل فيهم العدالة، "فجاءت امرأة فقالت: لقد أرضعتكما"، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: "اللام، وقد" وهما بارزان، والقسم وهو محذوف، والتقدير: "والله لقد" وهو كثير في اللغة العربية وفي القرآن الكريم، والضمير المفعول به يعود على عقبة وزوجته، يقول: فسأل النبي ﷺ فقال: "كيف وقد قيل"، سأله يقول هل أمسكها أو أفارقها؟ فقال: "كيف" أي: كيف تمسكها وقد قيل: إن بينكما رضاعا وكيف هنا للاستفهام الإنكاري يعني: ينكر عليه إن يحاول إمساكها، وقد قيل: إنها أخته من الرضاع او ما يفيد ذلك، ففارقها ﵁ ونكحت زوجًا غيره.
هذا الحديث فيه فوائد منها: ان الإنسان إذا تزوج محرمًا له من الرضاع او محرمًا له من النسب، ثم تبين بعد ذلك وجب الفراق لقوله: "كيف وقد قيل"، خفاء أخته من الرضاع لا غرابة فيه لكن خفاء أخته من النسب كيف؟ نعم يمكن أن تضيع في موسم الحج مثلًا ولم تحصل على خير من جهتها ثم كبرت وتزوجها اخوها وبعد هذا ثبت أن هذه أخته من النسب فيجب الفراق؛ لان النكاح تبين بطلانه، أما الأخت من الرضاع فكثير.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط السؤال عمن عرفت حاله بعدالة أو فسق، فالمعروف بالعدالة لا تحتاج إذا شهد هات من يزكيك والمعروف بالفسق نرد شهادته بقينا بالمجهول هل يجب على الحاكم أن يسال عنه أو يحكم بشهادته؟ فإن جرحها المحكوم عليه عمل ما يلزم بقول الفقهاء من جهلت عدالته سأل عنه لأن الله قال: ﴿وأشدهوا ذوي عدلٍ﴾ وقال النبي ﷺ : "إن شهد شاهدان عدلان فصوموا وأفطروا"، والعدالة شرط لابد من تحققه فمن جهلت عدالته يسأل عنه فتكون أحوال الرواة ثلاثًا من علمت عدالته فلا يسأل عنه ودليله هذا الحديث ومن علم فسقه ردت شهادته ومن جهل يسأل عنه.
ومن فوائد الحديث: قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فإن قال قائل: كيف نقبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع، والله يقول في الأموال ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان﴾ (البقرة: ٢٨٢). قلنا: لان الرضاع لا يطلع عليه غالبَا إلا النساء.
стр. 2646
فإن قال قائل: لماذا لا يجب التعدد كما وجب التعدد في الرجال في البيع والشراء والمداينة مع أنه لا يطلع عليه غالبا إلا الرجال؟
نقول: قد قيل به أي قيل لابد من شهادة امرأتين، قالوا: والنبي ﷺ لم يحكم بشهادة هذه المرأة بتًّا بل من باب الاحتياط، ولهدا قال: "كيف وقد قيل" ولم يقل: كيف وقد ثبت أنها اختك، فيكون قبول الرسول ﷺ لشهادة المرأة الواحدة من باب الاحتياط لا من باب البت لكن المشهور عند الحنابلة ان المرأة تقبل وأن مراد الرسول ﷺ بقوله: "كيف وقد قيل" التنبيه على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذا الأمر بل يثبت أحوط ما يكون ولو ان قد قيل.
ومن فوائد الحديث: شدة امتثال الصحابة الشرعي؛ لان عقبة ﵁ فارقها، وهذا - والحمد لله - واقع حتى في زمننا.
النهي عن استرضاع الحمقى:
١٠٩٣ - وعن زياد السَّهميِّ ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تسترضع الحمقى" أخرجه أبو داود وهو مرسلٌ، وليست لزيادٍ صحبةٌ.
يعني: ان نطلب أن ترضع أولادنا والحمقى ناقصة العقل، يقال: فلان أحمق، أي: ناقص العقل، سيئ التصرف، وذلك أن إرضاعها قد يؤثر في الرضيع، لأنه إذا تغذى البدن على شيء، فإنه يتأثر به ولهذا نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير لأن الإنسان إذا تغذى بهما لاستفاد منهما السبعية ومحبة العدوان فلهذا نهى عن كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع كذل المرأة الحمقى لا ينبغي أن نسترضعها لأولادنا لأن الرضيع يكسب من أخلاقها.
لكن المؤلف يقول: "مرسل"، وهو ما رفعه التابعي او الصحابي الذي لم يسمع من رسول الله ﷺ فالمرسل نوعان إما مرفوع تابعي، وهذا نعلم أنه لم يجتمع بالرسول ﷺ او صحابي، لم يسمع من الرسول ﷺ مثل رواية محمد بن أبي بكر فإنه صحابي لكنه لم يسمع من رسول الله ﷺ إذ إنه ولد في حجة الوداع، وكذلك عبد الله بن أبي طلحة فإنه ولد وحنكه الرسول ﷺ ولم يبلغ أن يتحمل في حياة الرسول ﷺ فيكون ما رواه مرسلًا، ولكن هل يقبل المرسل؟ في هذا تفصيل أما مرسل الصحابي فهو مقبول وأما مرسل التابعي فإن علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة أو عن صحابي فهو مقبول وغلا فهو متوقف فيه حتى يعلم حال الساقط من السند، وإذا كان الرسول ﷺ إذا صح الحديث - قد نهى عن استرضاع الحمقاء وعيبها امر معنوي فكذلك لا
стр. 2647
ينبغي ان نسترضع من بها عيب خلقي يمكن أن يؤثر على الطفل مثل ان تكون برصاء او يكون فيها تشويه في خلقتها من التشويهات التي قد تؤثر، فإنه لا ينبغي أن نسترضعها لأولادنا.
* * *
٥ - باب النفقات
هي جمع نفقة، وهي كفاية من يمونه طعامًا وشرابًا وكسوة ومسكنًا وعفافًا، هذه خمسة أشياء، وحكما أنها واجبة، ولكن لابد فيها من شروط:
الشرط الأول: عجز المنفق عليه بان يكون معدمًا عاجزًا عن التكسب، فإن كان غنيًا فإن نفقته لا تجب لكن صلته واجبة إذا كان من الأقارب وإن كان معدمًا لكنه قادر على التكسب ويمكن أن يتكسب، فإنه لا نفقة لا لإمكان استغنائه بكسبه عن غيره، وكم يستعف يعفه الله.
الشرط الثاني: غنى المنفق: ان يكون المنفق غنيًا فإن كان فقيرًا فإنه لا يلزمه الإنفاق، وهل يلزمه أن يتكسبه لينفق؟ الجواب: لا، كما لا يلزمه أن يحصل المال من أجل وجوب الزكاة؛ وذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب.
الشرط الثالث: اتفاق الدين بين المنفق والمنفق عليه، فإن كانا مختلفين فلا نفقة، كما لا إرث بينهما، ودليل الإرث قوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
الشرط الرابع: ان يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض او تعصيب إلا في عمودي النسب لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ وهما الأصول والفروع، فإن هذا الشرط الرابع لا يشترط هذه الشروط، ولكن اشتراط أن يكون موافقًا له في الدين في النفس منه شيء بالنسبة للأصول والفروع؛ لان الله قال في الوالدين: ﴿وإن جهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهما في الدُّنيا معروفًا﴾ (لقمان: ١٥). ولكن قد يقال: إنه يصاحبهما في الدنيا معروفا بدون التزام الإنفاق، يعني: يعطيهما ما تيسر، أما أسباب النفقة فثلاثة: الزوجية، والقرابة، والولاء.
أسئلة ومناقشة:
س: هل يستثنى في النفقات من كونه وارثًا؟
ج: نعم يستثنى إلا في عمودي النسب.
стр. 2648
س: وهل يستثنى من اتفاق الدين؟
ج: نعم الزوجة فإنها تجب لها النفقة على زوجها وإن كانت مخالفة له في الدين.
س: هل يجب على الإنسان ان ينفق على أبي أمه؟
ج: تجب النفقة؛ لأنه من عمودي النسب وعلى هذا فيجب على ابن البنت أن ينفق على أبي امه.
س: عل ينفق ابن الأخت على خاله؟
ج: لا يجب لأنه لا يرثه إلا بالرحم والشرط أن يرثه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب.
س: هل يجب على ابن الأخ الشقيق أن ينفق على عمه؟
ج: يجب عليه لأنه يرثه.
س: عم غني وأخ فقير هل يجب الإنفاق على الأخ الثالث الفقير، يعني: أخوان فقيران لهما عن غني هل يجب عليه أن ينفق عليهما؟
ج: لا يجب لوجود الأخ فإن العم لا يرث أحدهما لوجود الآخر فهو لا يجب عليه؛ لأنه لا يرثهما وأحدهما على الآخر لا يجب لأنه فقير، لكن بعض العلماء قال: يجب على العم الصلة؛ لأنه ليس من صلة الرحم أن يشبع العم وابن أخيه فقير لا يجد طعامًا فمن باب الصلة يصله بما جرت يه العادة.
س: رجل له أخوان شقيقان غنيان وهو فقير على من تجب النفقة؟
ج: تجب النفقة عليهما أنصافًا فإن العلة الإرث والحكم يدور مع علته نقول لكل واحد من الأخوين أنتما ترثانه أنصافًا عليكما النفقة انصافًا.
س: أم لها ولدان هي غنية وأحد ولديها غني والثاني فقير على من تجب النفقة؟
ج: على الأم الثلث وعلى الأخ الثلثان.
س: أم وأب لهما ولد فقير وهما غنيان على من تجب النفقة؟
ج: على الأب كل النفقة لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف﴾ ولقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهنَّ أجورهنَّ﴾ فهذه مستثنى الأب مع غيره لا تكون النفقة على قدر الميراث بل تكون على الأب وحده.
س: إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقير؟
ج: لزم الزوجة أن تنفق على زوجها لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ وهذا قول ابن حزم وقد خالف جماهير الأمة في ذلك، والصحيح لا يجب بل لها أن تتصدق عليه كما قال الرسول ﷺ لزوجة ابن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقي عليه".
стр. 2649
فالشروط إذن أربعة: غنى المنفق، وحاجة المنفق عليه يعني: عجزه، والثالث: اتفاق الدين إلا في الزوجة، والرابع: ان يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إلا في عمودي النسب، هذا هو المشهور عند الفقهاء الحنابلة ﵏.
ويرى بعض العلماء: أن الواجب على القريب الإنفاق مطلقًا لعموم الأدلة الدالة على الصلة، وقد قال الله تعالى: ﴿وءات ذا القربى حقَّه والمسكين وابن السَّبيل﴾ (الإسراء: ٢٦). وأمر النبي ﷺ بصلة الرحم وحذر من القطيعة، قالوا: وليس من الصلة أن يكون الإنسان غنيَّا يأكل ما شاء ويلبس ما شاء يسكن ما شاء وله بنت أخ فقيرة ولكن لا يصلح هذا المثال لأنه عمها، ولكن لو كانت البنت هي الغنية والعم هو الفقير فإنه لا يجب عليها الإنفاق؛ لأنها لا ترثه لو مات، يقولون: ليس هذا من الصلة أن تكون بنت أخ غنية جدًا وعمها فقير ثم لا نلزمها بالنفقة، وهذا القول قويٌّ لا شك لكن قد يقال إن قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ يخصصه فيكون الصلة على غير من يرث حسب العرف وليست نفقة بل ما عد صلة فإنه يوصل.
أسباب النفقة وضوابطها:
أسباب النفقة ثلاثة: أولًا: الزوجية. والثاني: القرابة. والثالث: الملك، ومنه الولاء، لأن الولاء متفرع على الملك، الزوجية تجب من جانب واحد للزوجة على زوجها، ولا تجب للزوج على زوجته إلا إذا كان فقيرًا وهي غنية على رأي أبي محمد ابن حزم ﵀ فإنه يقول: إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقير وجب عليها أن تنفق عليه لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ لكنه خالف بذلك أهل العلم، والصواب: أنها لا تجب للزوج على زوجته مطلقًا، ومتى تجب النفقة للزوجية هل هو بالعقد أو بالتسليم أو بماذا؟ نقول: إنما تجب بالتسليم إذا سلمت إليه وجبت نفقته سواء كانت ممن يوطأ مثلها أم كانت صغيرة؛ لأنه إن كانت صغيرة قد يستمتع منها بما دون الجماع، فإذن يشترط لوجوب النفقة التسليم، يعني: أن تسلم إليه فإن أبوا أن يسلموها إليه فلا نفقة، وإن أبي ان يتسلمها فعليه النفقة؛ لأنه ربما يطلب منهم الدخول بعد العقد. يقول: أريد أن أدخل هذا الأسبوع فيقولون: لا، فهنا ليس لها النفقة، أما إذا طلبوا أن يمهلوا الإمهال الذي جرت به العادة، فإن ذلك لا يسقط النفقة وربما تعرض عليه ولا يقبل، يقال له: ادخل فيقول أكمل الدراسة، ففي هذه الحال تلزمه النفقة؛ لأن الامتناع من قبله وهي قد بذلت نفسها واستعدت، إذن سببها الزوجية وشرطها التسليم وهناك تفصيلات كثيرة للفقهاء فيما يسقط النفقة كالنشوز وغيره ليس هذا موضع ذكره.
стр. 2650
السبب الثاني: القرابة يشترط لها شروطًا:
الأول: غنى المنفق.
والشرط الثاني: حاجة المنفق عليه بأن يكون فقيرًا عاجزًا عن التكسب؛ أي: فقيرًا في المال وفقيرًا في البدن، فإن كان ليس عنده مال لكن يستطيع أن يكتسب فإنه لا تجب النفقة له، لأنه يمكن أن يستغني بالسب، وقد قال النبي ﷺ في الزكاة "لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب".
الشرط الثالث: اتفاق الدين، فلا تجب النفقة لكافر على مسلم ولا مسلم على كافر، وذلك لانقطاع الولاية والنصرة بين المسلم والكافر ولكن هذا فيه نظر؛ وذلك لأن القرابات لهم حق، وإن لم يكونوا موافقين في الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ووصَّينا الإنسان بوالديه حملته أمُّه وهنًا على وهنٍ وفصله في عامين أن اشكر لي ولولديك إليَّ المصير، وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهما في الدُّنيا معروفًا﴾ (لقمان: ١٤، ١٥) هذا الشاهد، فالقرابة لهم حق وإن كانوا مخالفين في الدين.
الشرط الرابع: في غير عمودي النسب أن يكون المنفق وارثا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب فإن كان قريبًا غير وارث أو وارثًا برحم فلا نفقة عليه إلا في عمودي النسب، يعني: الأصول والفروع لقول الله ﵎: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ والصحيح أنه متى ثبت الإرث وجبت النفقة سواء كان الميراث بفرض أو تعصيب أو رحم فإنه يجب لعموم قوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ أما إذا لم يكن توارثًا فإن الواجب أدنى ما يسمى صلة، يعني: لو فرض أن شخصًَا له أخ فقير وهذا الأخ الفقير له أبناء ففي هذه الحال الأخ لا يرث أخاه الفقير؛ لأن الأبناء يحجبونه، ففي هذه الحال لا تجب نفقته لأنه ليس بوارث، لكن يجب عليه أدني ما يسمى صلة؛ لأن الله تعالى أمر بصلة الأرحام، فلابد أن يأتي بما يكون صلة لأخيه.
اما في عمودي النسب فلا يشترط التوارث فيجب على ابن البنت أن ينفق على ابن أمه، وإن كان أبوه من ذوي الأرحام وهو أيضًا من ذوي الأرحام، هل تجب النفقة بين العمة وابن أخيها؟ إن كان ابن الأخ هو الغني والعمة فقيرة وجب عليه أن ينفق وإن كان العكس فلا يجب، لأنه إذا كان ابن الأخ هو الغني فهو وارث لعمته فيجب عليه الإنفاق وإن كان العكس هو الفقير، والعمة هي الغنية العمة هنا وارثة بالرحم لا بالفرض ولا بالتعصيب فلا تجب نفقة اين أخيها عليها لأنها وارثة بالرحم، وعلى القول الذي رجحناه تجب عليها النفقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾.
السبب الثالث: الملك فيجب على المالك أن ينفق على مملوكه من آدمي أو بهيمة لقول
стр. 2651
النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت"، وقوله: "للملوك طعامه وكسوته لا يكلَّف من العمل إلا ما يطيق"، وقوله: "دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، فيجب على المالك أن ينفق على مملوكه من آدمي أو بهيمة، فإن عجز عن الإنفاق عليه أجبر على إزالة ملكه على أن يبيع العبد أو يبيع البهيمة أو يذبحها إن كانت تؤكل، وإذا كانت لا تؤكل ولا تشترى وهو عاجز عن الإنفاق ففي هذه الحال نخرجها إلى البر لحديث جابر أنه كان على جمل يسير فأعيا فأراد أن يسيبه أي يتركه، وإن كانت مما لا يمكن تسييبه ولا يمكن بيعه وصاحبه قادر على الإنفاق كحمار انكسر الحمار إذا انكسر لا يمن جبر كسره أبدا فماذا يصنع؟ إن باعه لم يقبل وإن سيبه لا يمكن أن يتسيب وإن أبقاه عنده أكله بالنفقة فما العمل؟ يقتله لأن قتله أهون من بقائه معذَّبا والإنفاق عليه إضاعة للمال، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال وإذا كان يجوز لنا أن نتلف نفوس الحيوان للتفكه جاز أن نتلف نفوس الحيوان للتخلص منها أليس الإنسان يجوز ان يذبح الشاة أو الأرنب أو الدجاجة أو الحمامة من أجل التفكه فإذا كان ذلك فجواز قتل هذا الحيوان من أجل التخلص منه وحماية ماله منه من باب أولى اسلك أسهل الطرق في قتله وأسرعها لقول النبي ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، إذن أسباب النفقة ثلاثة منها الملك وهو الأخير، فيما إذا أبي من وجبت عليه النفقة إذا أبي أن ينفق ماذا نعامله ذكر المؤلف فقال:
النفقة على الزوجة والأولاد وأحكامها:
١٠٩٤ - عن عائشة ﵂ قالت: "دخلت هند بنت عتبة - امرأة أبي سفيان - على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني من النَّفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناحٍ؟ فقال: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك". متَّفقٌ عليه.
"هند" المؤنث الثلاثي الوسط يجوز فيه وجهان، لكن ابن مالك يقول:
وعجمةً كهند والمنع أحق
يعني: الأحسن أن يكون ممنوعًا من الصرف، فعلى هذا نقول: "دخلت هند بنت عتبة" وقولها: "رجل شحيح" أي: بخيل حريص على المال لا يعطي ما يجب عليه فيه، ولهذا قالت
стр. 2652
مبيَّنة شيئًا من شحه فقالت: "لا يعطيني من النفقة ... إلخ" قولها: "إلا ما أخذت" "إلا" هذه استثناء منقطع؛ لأنه لا يدخل في المستثنى منه وقاعدته أن يكون ما بعد "إلا" داخلا فيما قبلها فيكون الاستثناء منقطعًا، وقالوا: إن "إلا" الاستثنائية تكون بمعنى لكن لأنها كالاستدراك لما سبق أي لكن ما أخذت من ماله بغير علمه فإنني أنتفع به فهل علىَّ في ذبك من جناح، من هنا زائدة إعرابًا، وليست زائدة في المعنى؛ لأن المقصود منها التوكيد وجناح محله من الإعراب الرفع؛ لأنه مبتدأ أو خبره: "علي" مقدمًا "فهل عليَّ في ذلك من جناح"، أي: من إثم. فقال رسول الله ﷺ : "خذي من ماله" الجملة أمر خذي، ولكنه ليس المراد به الإلزام، ولا الاستحباب، بل المراد به: الإباحة؛ لأن جواب الأمر يكون للإباحة؛ لأن جواب السؤال يكون للإباحة، فإن السؤال استفهام والأمر إذن ما لو قرعت الباب على شخص فقال ادخل فهذا ليس بأمر، ولهذا لو انصرف لم يعد عاصيًا، ولكنه إذن فالمراد بقوله: "خذي" الإباحة، وقوله: "بالمعروف" الباء هنا للمصاحبة، أي أخذا مصحوبا بالمعروف أي: بالعرف بما جرت به العادة ما يكفيك وما يكفي بنيك، فإذا كان الذي يكفيها عشرة مثلًا فلا تأخذ إحدى عشرة وإذا كان الذي يكفيها عشرة فأخذت تسعة فهذا يجوز وتصبر، لكن ما زاد لا تأخذ.
من فوائد الحديث: جواز الدخول على المفتي في بيته، لقول عائشة "دخلت امرأة أبي سفيان" لكن يشترط لذلك ألا يخلو بها وأن يأمن الفتنة فإن خلا بها حرم عليها الدخول، وغن لم تؤمن الفتنة حرم الدخول وهذان الشرطان متوفران في هذه القصية؛ لأن هندًا دخلت في حضور عائشة والفتنة قطعًا مأمونة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز تعيين الشخص باسمه منسوبًا إلى أبيه وإلى من له علاقة به لقوله بنت عتبة نسبة إلى الأب امرأة أبي سفيان نسبة إلى من لها علاقة كما لو قلت: أبو بكر ابن أبي قحافة صاحب رسول الله ﷺ فيعين الشخص بأمرين، وفائدة التعيين هنا متعين.
ومن فوائد الحديث: جواز ذكر الغير بما يكره للحاجة؛ لقولها: "إن أبا سفيان رجل شحيح" وهذه حاجة أن تبين حاله؛ لأن حاله تنبني عليها الفتوى، ولو لم تذكر هذه الحال لم تمكن الفتوى فإذا دعت الحاجة إلى ذكر الغير بما يكره ان ذلك جائزًا ويؤخذ من هذه المسألة الفردية أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد وكانت المصالح أبر جاز ارتكاب المفاسد، هنا لا يمكن أن تتحقق المصلحة إلا بارتكاب هذه المفسدة وهي ذكر أبي سفيان بما يره لأنا نعلم علم اليقين أن أبا سفيان يكره أن يذكر عند النبي ﷺ بهذا الوصف، ولكن الحاجة داعية إلى ذلك ومر علينا إذا تعارضت المصالح والمفاسد، فإن ترجحت المصالح انغمرت المفاسد
стр. 2653
فيها، وإن ترجحت المفاسد انغمرت المصالح فيها، وإن تساوى الأمران يقدم دفع المفسدة، وعلى هذا يتنزل قول الأصوليين درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
ومن فوائد الحديث: انه يجوز للمرأة أن تصف زوجها بالعيب عند الحاجة مثل ان تصفه بأنه شحيح بأنه سريع الغضب بأنه يهجرها وما أشبه ذلك لان هذا امر لابد منه ولكن لا شك أن الصبر خير إلا أن هندًا ﵂ لها من يتعلق بها وهم الأبناء.
ومن فوائد الحيث: ذكر التفصيل بعد الإجمال، وان الإجمال لا يفيد إذا لم يبين؛ لقولها: "لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ"؛ لأنه مطلق؛ حيث ذكرت انه رجل شحيح، ما يكفي لابد أن تعرف؛ لأن الشح قد يكون شحًا في نظر رجل وليس شحًا في نظر آخر، ربما تقول المرأة: إن هذا الرجل شحيح، لأنه لم يأت لها بحلي كثير وغرفة نوم تساوي عشرة آلاف، لكن عندما نرجع الى الواقع نجد ان هذا الرجل الذي أعطاها ما يناسب حالها نجد أنه غير شحيح فلابد أن يذكر ان يبين المجمل حتى ينبني الحكم عليه.
ومن فوائد الحديث: أن للمرأة ولاية على أبنائها يؤخذ من قولها: "ما يكفيني ويكفي بنيَّ"، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يقلب لها: أنت غير مكلفة ببنيك بل الأمر إلى أبيهم بل شرع لها ما تحصل به الكفاية لها ولبنيها.
ومن فوائد الحديث: صدق الصحابة ﵃ وصراحتهم وبيانهم للواقع وإن كان على رءوسهم لقولها: "إلا ما أخذت من ماله"، فهي لم تكتم هذا الفعل حتى تسأل عنه، بل أخبرت به وستعمل ما يوجهها إليه الرسول ﷺ ، يعني: بإمكانها أن تقول: هل يجوز أن آخذ ما يكفيني وبنيَّ دون أن تقول إلا ما أخذت بغير علم، لكن الصحابة رجالًا ونساء هم أطهر الناس قلوبًا وأصرحهم وأبينهم للواقع.
ومن فوائد الحديث: حرص الصحابة ﵃ على معرفة الحق للعمل به وليس لمجرد العلم به، والشواهد في هذا كثيرة جدّا حتى إنهم يستسلمون أحيانًا لأمر الله ورسوله وإن لم يعرفوا وجهه، لان ذلك هو تمام العبودية يؤخذ من سؤالها عن هذا الحكم الذي قامت به وفعلته.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بغير عمله ما تحتاج إليه من النفقة، وجه الدلالة من قوله: "خذي من ماله بالمعروف" ولكن هل تأخذ من جيبه أو تأخذ من حقيبة دراهمه او تأخذ من صندوقه أو من الرف الذي يضع فيه النفقة أو من أين؟ الأسهل والأخفى أيضًا؛ لأنه مثلًا إذا وضع على الرف عشرة دراهم ثم أخذت منها شيئًا انتبه، لكن إذا كان عنده في الصندوق مليون وأخذت عشرة ريالات فلا يتبين إذن الأسهل والأخفى.
стр. 2654
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمرأة إذا أذن لها في الأخذ من مال زوجها للنفقة أن تأخذ ما خرج عن العادة والعرف لقوله بالمعروف.
ومن فوائد الحديث: جواز القضاء على الغائب؛ لأن النبي ﷺ قضى على أبي سفيان وهو غائب هكذا قال بعض العلماء واستدل بهذا الحديث ولكنه عند التأمل لا يدل على ما ذهب إليه، لأنه الحديث ليس من باب المحاكمة ولكنه من باب الاستفتاء، ولو كان من باب المحاكمة لقال الرسول ﷺ هل عندك بينة لأن القاعدة الشرعية أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وعلى هذا فلا يكون في الحديث دليل على القضاء على الغائب وهل هذه المسألة القضاء على الغائب جائزة أو لا؟ نقول: هي جائزة إذا دعت الحاجة إليها ويكون الغائب على حجته إذا حضر، وفي حال ما إذا جاء القضاء على الغائب لا يمكن المقضي له من السيطرة على المال إلا برهن يحرز أو ضامن مليء خوفًا من أن تكون دعواه باطلة فيضيع حق الغائب.
ومن فوائد الحديث: جواز مخاطبة الرجل الأجنبي عند الحاجة وجهه ان هندًا خاطبت النبي ﷺ وكلمته فلو قال قائل هذا من خصائص النبي ﷺ ؟ لأن المحذور من المخاطبة في حقة بعيد أم ممتنع فالجواب على هذا أن نقول الأصل عدم الخصوصية وإن كان النبي ﷺ فيما يتعلق بهذه الأمور له خصائص لم تكن لغيره فيجوز له أن يخلو بالمرأة الأجنبية وان تكشف له وجهها ويجوز أن يتزوج بلا ولي ويجوز أن يتزوج أكثر من أربع لكن هذه الأشياء التي ذكرت الآن قام الدليل على الاختصاص بها، أما المخاطبة فلم يقم دليل على اختصاصه بها، بل إن الدليل قام على أنها ليست خاصة به بدليل أن النساء كن يتكلمن بحضرة الرجال بحضرة النبي ﷺ ولم ينههن عن ذلك، بل إن القرآن يدل على جواز مخاطبة المرأة للرجل الأجنبي لقوله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الَّذي في قلبه مرضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢). فقوله: ﴿فلا تخضعن بالقول﴾ نهي عن الأخص، والنهي عن الأخص يدل على جواز الأعم وهو مطلق القول ولكن يجب ألا نغفل قاعدة معروفة وهي أنه إذا ترتب على المأذون محذور منع فلو كانت في مخاطبة المرأة للرجل الأجنبي محذور فإنه يمنع وإن كان في الأصل جائزًا، لأن المباح من خصائصه أنه تتعلق به الأحكام الخمسة ومعنى ذلك أنه يمكن أن يكون هذا المباح حرامًا ويمكن أن يكون واجبًا ويمكن أن يكون مستحبًا ويمكن أن يكون مكروهًا. ونضرب مثلًا بالبيع وهو حلال بنص القرآن: ﴿وأحل الله البيع﴾ قد يكون حرامًا ﴿يأيها الَّذين امنوا إذا نودي
стр. 2655
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) [الجمعة: ٩]. وقد يكون واجبًا: (يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) [المائدة: ٦]. فإذا كان لا يمكن غسل الوجه إلا بشراء الماء كان الشراء واجبًا، وإذا اشترى الإنسان بصلًا ليأكله عند قرب الصلاة فيكون مكروهًا، فإن قصد ألا يصلي مع الجماعة صار حرامًا.
ومن فوائد الحديث: ما يسمى عند العلماء بمسألة الظفر يعني: من له حق على شخص فكتمه ذلك الشخص، إما عدوانًا وإما نسيانًا، فهل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه؟
من العلماء من قال: له ذلك؛ لأنه في هذه الحال مقتص لنفسه وليس بمعتد، وقد قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) [البقرة: ١٩٤]. وقال بعض أهل العلم: لا يأخذ؛ لقول النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".
فالذين قالوا: إنه يأخذ استدلوا بما سمعتم من العلة واستدلوا أيضًا بحديث هند حيث أذن لها رسول الله ﷺ أن تأخذ من مال أبي سفيان بغير علمه ما يكفيها ويكفي بنيها، والذين منعوا ذلك استدلوا بحديث: "أد الأمانة .. الحديث"، وحقك لن يضيع، إن ضاع في الدنيا فإنه لن يضيع في الآخرة، وربما يكون انتفاعك به في الآخرة خير لك من انتفاعك به في الدنيا، والصحيح في هذه المسألة أن يقال: إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلصاحب الحق أن يأخذ حقه بغير علم المحقوق مثل النفقة فإن سبب النفقة كل يعرف أن هذه زوجة فلان، وأن على الزوج أن ينفق على زوجته نفقة القريب سببها ظاهر وهو القرابة كل يعرف أن هذا قريب فلان وأن فلانا فقير وفلانًا غني، فللفقير الذي تجب نفقته على الغني أن يأخذ من مال الغني بغير علمه ما يكفيه، الضيف إذا نزل بقوم ولم يضيفوه فله أن يأخذ من مالهم بغير علمهم ما يكفي لضيافته؛ لأن سبب الضيافة معلوم وهو نزول هذا الضيف وهذا القول هو الذي يدل عليه حديث عائشة في قصة هند وبه تجتمع الأدلة، كما أننا لو أجزنا لمن له حق على شخص وكتمه المحقوق، لو أجزنا أن يأخذ من ماله بغير علم، حصل بذلك فوضى وافتراء؛ لأنه يقتضي أن يعطى المدعي بدعواه بغير بينة؛ إذ لو كان لهذا المدعي بينة لكانت البينة تثبت حقه ثم يأخذه منه في
стр. 2656
المستقبل، ولو فتح الباب للناس لحصل في هذا فوضى ومفاسد كبيرة، وهذا القول هو القول الراجح أي: أنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا فلصاحبه أن يأخذ من مال المحقوق بغير علمه بقدر ما يكفيه.
ومن فوائد الحديث: الرجوع إلى العرف واعتباره لقوله بالمعروف وما هو المعروف؟
المعروف هو: العرف المضطرد الذي اعتاده الناس فإن اختلف الناس في العرف فالمرجع إلى الأكثر والأغلب؛ لأن الرجوع إلى الأكثر والأغلب في مسائل كثيرة في الدين، فكذلك في العرف وهل يقدم العرف على اللغة وعلى الشرع؟ الجواب الشرع مقدم على العرف، والعرف مقدم على اللغة، ويظهر ذلك في باب الأيمان، فمن حلف ألا يتوضأ فاستنجى فإننا إذا رجعنا إلى العرف قلنا: إن هذا الرجل حدث؛ لأن العرف الشائع بين العامة أن الوضوء هو الاستنجاء غسل الفرج، ولو رجعنا إلى اللغة قلنا أيضًا: يمكن أن يكون هذا من باب الوضوء وأنه حنث؛ لأن الوضوء في اللغة النظافة، وإن رجعنا إلى الشرع، قلنا: لا يحنث؛ لأن الاستنجاء لا يسمى وضوءًا في الشرع، إذن نغلب جانب الشرع، كذلك لو حلف رجلًا ألا يشتري شاة فاشترى ماعزًا فإن رجعنا إلى العرف قلنا: لا حنث عليه؛ لأن العرف أن الشاة هي الأنثى من الضأن، وأما الأنثى من الماعز فتسمى عنزة وإن رجعنا إلى اللغة قلنا: إنه يحنث؛ لأن اللغة أعم وأشمل من العرف.
إذن ما كان له حقيقة شرعية وعرفية ولغوية يرجع في ذلك إلى الشرع، ثم يقدم العرف على اللغة؛ لأن اللغة عرف قوم بادوا وذهبوا وجاءت لغة جديدة حلت محل اللغة الأولى وتعارف الناس عليها فيعمل بها، فالولد مثلًا في اللغة يشمل الذكر والأنثى، وفي العرف خاص بالذكر، إذا حلف شخص قال: والله لأعطين ولد فلان كذا فأعطى بنت فلان فإنه إذا اعتبرنا اللغة يحنث؛ لأن البنت تسمى ولدًا، وإن اعتبرنا العرف لم يحنث؛ لأن العرف أن الولد خاص بالابن، فنقدم الحقيقة العرفية ونقول هذا الرجل لا يحنث، على كل حال: العرف معتبر شرعًا في مواطن كثيرة، ولكن إذا تعارضت الحقائق العرفية والحقائق الشرعية قدمت الحقائق الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية.
ومن فوائد الحديث: أن المعتبر في النفقات الكفاية، وأن ما زاد عليها فليس بواجب؛ لقوله: "ما يكفيك وما يكفي بنيك"، وما زاد على الكفاية فليس بواجب، والحكمة من ذلك: أننا لو اعتبرنا ما زاد على الكفاية واتبعنا الهوى في ذلك لم يكن لهذا حد ولاسيما فيما يتعلق بالنساء وحاجتهن فإننا لو أطلقنا العنان للنساء لكانت المرأة كلما صنع ثوب جديد قالت: اشتره لي، حتى لو تتغير الموضة بين عشية وضحاها طالبت بما حدث في العشاء وألغت ما حدث في الصباح، فيقال: الواجب هو الكفاية.
стр. 2657
١٠٩٥ - وعن طارق المحاربي ﵁ قال: "قدمنا المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك". رواه النسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني.
"أل" في "المدينة" للعهد الذهني؛ إذ لا ينصرف الذهن إلا إلى مدينة معهودة، وهي مدينة الرسول ﷺ واسمها طيبة، وكان اسمها في الجاهلية يثرب، لكن النبي ﷺ أشار إلى عدم رغبته بتسميتها بهذا الاسم فقال: "يقولون يثرب وهي طيبة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد"، فلا ينبغي أن تسمى يثرب وأما قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم) [الأحزاب: ١٣]. فهو حكاية قول المنافقين وحكاية قول الغير قد يكون إقرارًا وقد لا يكون إقرارًا وتسمى المدينة بدون أن يلحق إليها وصف آخر، وكفى بها فخرًا ألا يفهم من المدينة عند الإطلاق إلا مدينة الرسول ﷺ ، وأما زيادة المنورة فهي حادثة ما علمتها في عبارات السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ولهذا نرى حذفها أولى، وإذا كان لابد من وصفها بشيء فلتوصف بالنبوية نسبة إلى النبي ﷺ ، وقوله: "قدمنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ " "إذا" تسمى عند النحويين فجائية لدلالتها على المفاجأة يعني: ففاجئنا رسول الله ﷺ "قائم على المنبر بخطب الناس"، والذي يظهر أن هذا كان في يوم الجمعة؛ لأن الغالب أن خطبته على المنبر تكون في يوم الجمعة، و"المنبر" مفعل من النبر وهو الارتفاع، وكان الرسول ﷺ أول ما قدم المدينة يخطب إلى جدع نخلة ثم صنع له منبر من خشب من الأئل، فلما قام عليه أول جمعة بدأ الجدع يصيح ويسمع له خوار كخوار البعير لفقد رسول الله ﷺ ! ! حتى نزل النبي ﷺ من المنبر، فجعل يسكته حتى سكت كما تسكت الأم صبيها وهذا من آيات الله فإذا كان جدع جماد يبكي لفقد رسول الله ﷺ أفلا يجدر بالمسلمين أن يبكوا لفقد سنة الرسول ﷺ في كثير من البلاد الإسلامية اليوم، والله إنه لجدير بنا ولكن القلوب قاسية ويقول: "يد المعطي العليا"، وقد قال ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" واليد العليا هي يد المعطي والسفلى يد الآخذ؛ لأن منزلة المعطي فوق منزلة الآخذ ومنزلة الآخذ دون منزلة المعطي ولهذا لا ينبغي
стр. 2658
للإنسان أن يدل لأحد بسؤال أو استشراف نفس إلا عند الضرورة فلها أحكام، وأما ما دمت في غنى عن سؤال الناس فلا تسأل الناس فإن الناس وإن جادوا وإن كانوا كرماء فإن طبيعة النفوس تشعر بالمنة من المعطي على الآخذ وإن كان الرجل المؤمن لا يمن على الناس ولا يظهر أن له منه عليهم، لكن النفوس تأبى إلا أن تشعر بذلك، ولذلك جعل النبي ﷺ يد المعطي هي اليد العليا ولكن بمن نبدأ هل نعطي الأجانب أم من نعول؟ قال: "وابدأ بمن تعول" وأول من يجب عليك عونه نفسك، ولهذا جاء في حديث آخر: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، فالإنسان يبدأ بنفسه، ولكن لا حرج من الإيثار كما هو معروف. قال: "أمك وأباك" وكان مقتضى السياق أن يقول: أمك وأبيك بدلًا من "من" بدل بعض من كل؛ لأن "من" اسم موصول للعموم، وما بعده تفصيل له، لكنه عدل عن ذلك وقال أمك وأباك لأن العدول بالأسلوب عما يتوقع بوجب الانتباه: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة والمؤمنون) [النساء: ١٦٢]. هنا (والمقيمين) جاءت منصوبة بين مرفوعين إذا قرأها الإنسان سيقول ما الذي أوجب خروج هذه الكلمة من طريق جاراتها وكذلك الالتفات: (ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسراءيل .. ) [المائدة: ١٢]. ولم يقل وبعث، فالرسول ﷺ في هذا الحديث إذا كان هذا لفظه عدل عما يتوقع من البدلية إلى النصب حتى ينتبه السامع ويقول ما الذي أوجب نصب هذا، نقول: هذا منصوب بفعل محذوف، التقدير: أعط أمك وأباك وأختك وأخاك، فبدأ النبي ﷺ بجانب الأنوثة؛ لأن الإناث في الغالب أحوج من الرجال، أما بين الأم والأب فهناك أمر ثان غير حاجة النساء وهي أن الأم أحق بالبر من الأب، لأن المشقة التي حصلت للأم أعظم بكثير مما يحصل للأب؛ لأن مشقة الأم اضطرارية ومشقة الأب اختيارية.
أما بالنسبة لخروج الولد من هذا ومن هذا فالفرق كبير جدًا، الولد خرج من أبيه شهوة، لكن خرج من أمه كرهًا ووهنًا على وهن، أما بالنسبة للمشقات الأخرى كالإنفاق وغيره، فالإنفاق إنما يسعى لولد باختياره، لكن مشقة الأم عند الحمل، والوضع والحضانة أمر اضطراري فلهذا كانت الأم أحق بالبر، أما الأخت فقدمها لأنها في الغالب أحوج من الأخ.
"وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك"، أدنى هنا بمعنى أقرب فهي من دون القرب وليست من دون المنزلة؛ لأن كلمة "دون" تكون في المنازل وتكون في القرب فهنا أدنى يعني: الأقرب فالأقرب،
стр. 2659
فإن تساووا في القرب فإن اتسع المال للنفقة فعم الجميع، وإن لم يتسع فأعط البعض لهذا والبعض لهذا بحسب الحاجة.
يستفاد من هذا الحديث: مشروعية القيام على المنبر عند الخطبة لقوله: "وهو قائم على المنبر".
ومن فوائده: حرص النبي ﷺ على ما يناسب المقام فقد تكون خطبه مواعظ وقد تكون أحكامًا يعني ليست خطبه مواعظ دائمًا، قد تكون أحكامًا كما هنا.
ومنها: فضل المعطي على الآخذ لقوله ﷺ : "يد المعطي العليا".
ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب السؤال والأخذ بقدر الإمكان، وجهه أنه إذا كانت يد المعطي هي العليا فيد الآخذ هي السفلى، ولا أحد يرضى أن تكون يده هي السفلى.
فإن قال قائل: هل هذا يدل على أن الأولى عدم قبول الهدية؟
قلنا: لا، الهدية شيء والسؤال شيء آخر بل قبول الهدية سنة بشرط أن تعلم أنه لم يهد إليك خجلًا، فإن علمت أن أهدى إليك خجلًا حرم الآخذ، فإن من هدي الرسول ﷺ أنه كان يقبل الهدية ويثيب عليها، ولكن هل يجب قبول الهدية أو لا يجب؟ يرى بعض العلماء أنه لو أهدى إليك شخص هدية بدون أن تستشرف نفسك لها فإنه يجب عليك القبول مستدلًا بقول الرسول ﷺ لعمر: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه". والأمر للوجوب، ولكن الصحيح أنه لا يجب قبول الهدية مطلقًا إلا إذا خاف الإنسان من ردها مفسدة فهنا يجب درءًا للمفسدة، لو كان هذا الذي أهدى إليك لو رددت هديته لحصل بذلك قطيعة رحم لأنه قريبك ويجب أن تقبل هديته ولو رددتها صار قطيعة رحم فهنا يجب القبول، لا لذات الهدية ولكن لما يترتب على الرد من المفاسد، كما أن لو علمت أن هذا الرجل إذا قبلت هديته فسوف يجعلها دبوسًا معلقًا عليك، كلما حصل مناسبة يذكرك ويقول هذا جزاء الذي يحسن إليك ففي هذا الحال لا تقبلها؛ لأن هذا ضرر عليك، والله -سبحانه- نهى عن الإضرار بالنفس، وهذا يوجد كثيرًا من بعض العلماء، حيث يحصي الإنسان بقلبه أو بقلمه ما أعطى غيره فإذا حصل أدنى مناسبة قال: أنا فعلت وأنا تركت، فمثل هؤلاء لا تقبل هديتهم ردها؛ لأن هذا في الحقيقة يوجب عليك الذل والمهانة كما أن منه بالهدية حرام؛ لقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) [البقرة: ٢٦٤].
الحالة الثالثة: أنه إذا علمت أنه إنما أهدى إليك خجلًا فهنا لا يجوز القبول، وكيف أعلم
стр. 2660
ذلك؟ بقرائن وإلا ما يعلم في القلب إلا الله، ولكن بقرائن مثل أن يكون معه قلم جيد أو ساعة جيدة فآخذها وأقلبها وأقول ما أحسن هذه فيهديها إلي، فهنا يظهر أنه أهداها خجلًا فهنا لا أقبل أو أعرف أنه قد دس شيئًا. يوجد بعض الناس يقتضي حوائج معينة ويدسها ولا يحب أن يطلع عليه أحد فإذا اطلعت عليها خجل، وقال تفضل هذا أيضًا لا يجوز أن أقبل وبالمناسبة لو وجدت الشخص عند بابه فقال تفضل فهل تدخل؟ ينظر لقرائن الأحوال إن علمت أن الوقت غير مناسب للدخول معه وليس بينك وبينه صلة بيِّنة فلا تدخل، وإن علمت أن الرجل صادق في عرضه بدخولك فالقبول خير ما لم يصدك عما هو أهم، ونرجع للفوائد فنقول قال بعض العلماء: من له أخذ شيء فله سؤاله وعلى هذا فالغريم وإن كان غنيًا في أكله وشربه وكسوته وسكنه له أن يقول للناس: أعطوني لأقضي ديني؛ لأن من له أخذ شيء فله سؤاله، ولكن هذا فيه نظر، والصواب أنه لا يسأل إلا عند الضرورة نعم أن للإنسان أن يبين حاله للناس أما أن يسأل فالسؤال ذل، وذكرنا فيما سب أنه إذا تزاحمت الحقوق فإنه يبدأ بمن يعوله؛ أي: بعياله وذكرنا أن الأم مقدمة على الأب؛ لأن النبي ﷺ بدأ بها.
قال العلماء: ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم؛ ولهذا استدلوا على أن الفقراء أشد حاجة من المساكين لأن اله بدأ بهم؛ ولأن الأم أشد عناء من الأب بالنسبة لولدها ولأن الأم أقل تحصيلًا للكسب من الأب فكانت أولى بالتقديم. وكذلك يقال في الأخ والأخت أن الأخت مقدمة على الأخ ولكننا إذا قلنا بالتقديم في هذه الأمور فهذا مع التساوي في الحاجة أما لو قدر أن الأب أشد ضرورة من الأم فهنا نقدم الأب لدفع الضرورة لكن إذا كانوا متساويين فالأم أولى، وكذلك في الأخ والأخت.
ومن فوائد الحديث: تقديم الأقرب فالأقرب في الصلة لقوله: "أدناك فأدناك".
ومن فوائده: جواز استعمال السجع إذا كان بحسب الطبيعة والفطرة، يعني: بدون عناء وبدون مشقة، ومن الناس من شاهدناهم قد يسر لهم السجع حتى إنه إذا كان يكلمك كلامًا عاديًا تمكن أن يكلمك سجعًا من أول الكلام إلى آخره، وإذا كاتبونا كتابًا وجدناه سجعًا من أوله إلى آخره فهذا يأتي طبيعيًا لا بأس به، أما إذا كان متكلفًا فينظر إن كان يؤدي إلى إخلال بالمعنى فلا شك أنه خطأ؛ لأن هذا كالذي يعتني بالقشور ويدع اللب، يعني: مثلًا لو كان هذا السجع يؤدي إلى إخلال بالمعنى بحيث لا يفهم المعنى بهذه الكلمة التي جاء بها من أجل سجعه إلا من بعيد، فهنا نقول: السجع لا ينبغي؛ لأن هذا خلاف المقصود؛ لأن المقصود من الألفاظ المعاني فإذا أتيت بألفاظ تبعد بها المعاني فهذا خطأ، القسم الثالث من السجع: أن يقصد به إبطال الحق أو إحقاق
стр. 2661
الباطل وهذا منهي عنه لقول النبي ﷺ في حمل ابن النابغة قال: يا رسول الله، كيف أغرم -يعني: الجنين الذي قتل- من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثال ذلك يطل هذا سجع فقال فيه الرسول ﷺ : "إنما هو من إخوان الكهان"؛ لأن الكهان هم الذين يسجعون في كلامهم من أجل إبطال الحق، ورسول الله ﷺ جاء السجع في كلامه كثيرًا كما هنا، ومثله: "قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
النفقة على المملوك وأحكامها:
١٠٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵁: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه مسلم.
"للمملوك" يعني: بذلك: الرقيق من ذكر أو أنثى "طعامه وكسوته"؛ "طعامه" يشمل الشراب؛ لأن الشراب يسمى طعامًا قال الله تعالى: (فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى) [البقرة: ٢٤٩]. وتسمية الشراب طعامًا واضحة؛ لأنه يطعم ويذاق، لكن إذا قيل: طعام وشراب اختلف المعنى، فيصير الشراب للمائع والطعام لغير المائع. إذن "طعامه" يشمل الأكل والشرب، وقوله: "للمملوك طعامه" لا يخفى أنها جملة خبرية وأن الخبر فيها مقدم، وهنا لا يراد به الحصر؛ لأن التحدث عن المملوك وليس هناك شيء آخر يحترز به منه، وكسوته يعني: لباسه لأن الإنسان محتاج إلى اللباس؛ لستر العورة ودفع الحر ودفع البرد قال الله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم) [النحل: ٨١]. وهذا شيء مشاهد؛ لأن الجسم لو بقي عاريًا في أيام الحر أكله السموم وتأثر به، لكن اللباس بقي الحر ففيه فائدتان: الأولى: ستر العورة، والثانية: الوقاية من الحر والبرد كما أن فيه إشارة معنوية عظيمة إلى أن الإنسان لابد أن يستر عورته المعنوية فهو مضطر إلى ستر عورته الحسية ومضطر إلى ستر عورته المعنوية وهي الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) [الأعراف: ٢٦]. فأنت مفتقر إلى أن تكسو عورتك المعنوية كما أنك مفتقر إلى أن تكسو عورتك الحسية وهذا من حكمة الله، فالبهائم حيث إنها لم تكلف ليس لها من اللباس إلا ما قد ألبسها الله -تعالى- مما يليق بحالها، لكن بنو آدم أراهم الله أنهم مضطرون للباس الحسي وهم كذلك مضطرون للباس المعنوي؛ قال: ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق، لا يكلف أي لا يلزم لأن التكليف في اللغة: إلزام ما فيه مشقة وقيل إنه مجرد الإلزام والمعنى أنه لا يلزم من العمل إلا ما يطيق أي: ما يدخل تحت طاقته وقدرته فإذا كان صغيرًا وقلنا له: أحمل هذه الصخرة الكبيرة فهذا
стр. 2662
حرام لا يجوز؛ لأنه لا يطيق، أو قيل له: اعمل ليلًا ونهارًا ولا تنم إلا ساعتين، هذا أيضًا لا يجوز وإن كان العمل خفيفًا لكن هنا إرهاق للبدن، إذن لا يكلف من العمل ما لا يطيق قدرًا وزمنًا.
يستفاد من هذا الحديث: أولًا: إثبات الملكية في البشر من قوله: "للمملوك" وترتيبه على هذا الملك هذه الأحكام الطعام والشراب والكسوة وألا يكلف من العمل إلا ما يطيق وقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ثبوت ملكية الإنسان للإنسان، وهذا لا ينافي العدل ولا ينافي الرحمة؛ لأن سبب الملكية أن الإنسان لما أرق نفسه للشيطان صار من الحكمة أن يرق نفسه للإنسان الذي قد ينفعه ويعينه على الطاعة ما هو رق الشيطان؟ الكفر؛ لأن سبب الرق هو الكفر، لا يوجد رق في الإسلام إلا بسبب الكفر أو التوالد فيما بعد، أما أن يؤخذ من أهله ويباع ويشتري فهذا لا يمكن أن يوجد في الإسلام، ومعلوم أننا إذا رققناه يملك الإنسان فهو خير من رق الشيطان قال ابن القيم -بالمناسبة-:
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان
إذن إثبات الملكية ثابت بالنص والإجماع، ولا يمكن لأحد أن يلغي هذا الحكم إلا إذا كان يستطيع أن يلغي فرضية الصلوات الخمس، صحيح أنه يجب التحري ما سبب رق هؤلاء البشر؟ يعني: لو جاء إنسان وقال هذا عبدي لابد أن نتحرى؛ لأن المسلمين اليوم إلا من شاء الله لا يسترقون البشر، هم مغلبون على أنفسهم فكيف يغلبون غيرهم؟ ! لكن إذا فرض أن وجد فلابد من التحري، فإذا لم نعلم سبب الرق فحينئذ لنا أن نقول: الأصل في بني آدم الحرية حتى يثبت أن هذا رقيق بطريق شرعي.
ومن فوائد الحديث: وجوب إطعام المملوك وكسوته لقوله: "للمملوك"، واللام هنا للاستحقاق، يعني: أنه يستحق على سيده أن يطعمه ويكسوه.
ومن فوائد الحديث: جواز استعمال العبد واستخدامه فيما يطيق؛ لقوله: "ولا يكلف من العمل ... إلخ".
ومن فوائده: تحريم تكليف العبد بما لا يطيق؛ لأن قوله: "لا يكلف" نفي بمعنى النهي، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا كما أن الخبر يأتي بمعنى الأمر كثيرًا وكما أن الأمر يأتي بمعنى: الخبر ويتضح بالمثال يتربصن هذا خبر ومعناه: الأمر، "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم" خبر، لكن معناه: النهي، قد يأتي الأمر بمعنى الخبر مثل قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) [العنكبوت: ١٢]. اللام: لام الأمر ولهذا جزمت الفعل لكن هل هذا أمر أم خبر يفيد إلزام أنفسهم بذلك؟ الثاني.
стр. 2663
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالمملوك والمالك ووجهه تعيين ما للمملوك وللمالك وهذا يدل على عناية الشرع بهما وأن الشرع بهما وأن الشرع منظم للحياة كلها.
١٠٩٧ - وعن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه ﵂ قال: "قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ... ". الحديث. وتقدم في عشرة النساء.
الشاهد من هذا الحديث قوله: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت".
فيه فوائد: وقد سبق الكلام على الحديث ونريد تحقيق كلمة "زوجة" في الحديث؛ لأن اللغة الفصحى عدم تأنيث اللفظ فيقال: للمرأة زوج، ولا يقال: زوجة إلا في لغة ضعيفة، أما الفرضيين فقد التزموا أن يجعلوا الزوجة الأنثى بالتاء والزوج بدو تاء للتمييز؛ حتى لا تختلط المسائل.
في هذا الحديث: حرص الصحابة ﵃ على فهم ما يلزمهم لأهلهم لقوله: "ما حق زوجة أحدنا عليه؟ " وهنا نسأل: هل الصحابة إذا سألوا عن الأحكام هم يريدون الوصول إلى معرفة الحكم فقط أو إلى هذا والتطبيق؟ الثاني بلا شك، لكننا نحن في عصرنا كثير منا يسأل عن الحكم ثم لا يطبق أحيانًا يسأل عن الحكم يسأل شخصًا يثق بدينه وعلمه، فإذا أفتاه بما لا ترضاه نفسه الجاهلة تردد في الأمر، ثم ذهب إلى عالم آخر فإذا أفتاه بفتوى الأول ذهب إلى ثالث ورابع! ! حتى إننا نسمع أن بعض الناس إذا قلت له هذا الحكم كذا وكذا قال: والله أنا ما أظن هذا! فيقال له: يا هذا من قال: إن الأحكام الشرعية مبنية على ظنك! فهذه مسألة خطيرة، أقول: إن الأنبياء ختموا بمحمد ﷺ ومن ورث محمدًا ﷺ ؟ العلماء، فأنت إذا استفتيت عالمًا ترضاه لدينك وترى أن ما قاله أقرب إلى الصواب من غيره فالواجب عليك الأخذ بقوله؛ ولهذا قال العلماء: إنه يحرم على المستفتي إذا استفتى من التزم بقوله: أن يسأل غيره بالإجماع؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب وتتبع الرخص، نعم لو فرضنا أنك استفتيت عالمًا تثق بقوله وأفتاك بما يرى ثم جلست مجلسًا مع عالم آخر وتحدث عن حكم المسألة التي سألت عنها الأول وأتى بحكم يخالف الأول مستندًا إلى القرآن والسنة فهنا لك أن تتحول، بل يجب عليك إلى ما قال الآخر؛ لأنه أتى بدليل ينقض حكم الأول أما أن تذهب تسأل بعدما سألت من تعتمد على قوله فهذا تلاعب في دين الله.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على المرء لزوجته أن يطعمها إذا أطعم ويكسوها إذا اكتسى وهل المراد أنك إذا أفطرت على خبز يلزمك أن تفطرها على خبز، أو إذا كنت تفطر
стр. 2664
وهي لا تشتهي الفطور يلزمك أن تعطيها الفطور، المراد جنس الطعام لا أن تقول كلما أكلت ولو تمرًا على المطبخ وأخذت واحدة فتقول لها: تعالى فخذي تمرة لا ولكن المعنى: الجنس يعني: أن تطعمها إذا طعمت فإن لم تطعم لكونك فقيرًا فإنه لا يلزمك أن تطعمها (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) ولكن اختلف العلماء إذا حدث للزوج فقر بعد غنى فهل للزوجة أن تطالب بالفسخ؟ قال بعض أهل العلم: إن لها أن تطالب بالفسخ وقال آخرون: لا ولكن الأقرب أن لها أن تطالب؛ لأن من استدل على عدم المطالبة بأن الصحابة ﵃ افتقروا ولم تفسخ أنكحتهم يجاب عنه بأنه لا نعلم أن هؤلاء الزوجات طالبن بالفسخ، وأما أن يستمتع الرجل بها ولا ينفق عليها فهذا لا شك أنه إضرار بها فلها أن تفسخ، لكن لو تزوجته عالمة بعسرته فهل لها أن تفسخ؟ الصحيح: لا، وقال بعض العلماء: لها أن تفسخ لأن النفقة تجدد، فكل يوم له نفقة، وهي إذا رضيت اليوم قد لا ترضى غدًا لكن الصواب أنها إذا تزوجته عالمة بعسرته فإنها ليست لها حق الفسخ؛ لأنه يقال: لماذا لم ترفضي من الأصل؟ أما أن تتزوجيه عالمة بعسرته ثم بعد ذلك تطالبين بالفسخ، فليس لك الحق في هذا، وقوله: "تكسوها إذا اكتسيت" نقول فيه مثل ما قلنا في "تطعمها إذا طعمت" يعني: المعنى الجنس.
١٠٩٨ - وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ في حديث الحج بطوله قال في ذكر النساء: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". أخرجه مسلم.
حديث الحج رواه مسلم عن جابر، وهو أجمع ما روي في الحج، يعتبر منسكًا، ولهذا جعله الألباني ﵀ الأصل كتاب في صفة حج النبي ﷺ ، وهو جدير بأن يكون أصلًا؛ لأن جابرًا ﵁ ذكر الحديث من قبل أن يخرج الرسول ﷺ من المدينة إلى يوم العيد سياقًا تامًا، قال: "لهن عليكم رزقهن" الرزق: العطاء، والمراد به هنا: الأكل والشرب و"كسوتهن" معروفة، فهي: الثياب ونحوها لكنه قيدها بقوله: "بالمعروف" أي: بما عرفه الناس، فلو طلبت منه ما يخالف العرف فله أن يمنع ذلك، مثلًا لو كانت حال الزوج متوسطة فطلبت منه نفقة غني فإنه لا يلزمه؛ لقول الله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما ءاتاها) [الطلاق: ٧]. في هذا الحديث دليل على عناية النبي ﷺ بالنساء؛ لأنه ذكر هذا في خطبته يوم عرفة أكبر مجمع للمسلمين.
وفيه أيضًا: دليل على وجوب نفقة المرأة على زوجها طعامًا وشرابًا وكسوة وسكنًا وفيه
стр. 2665
دليل على أن هذا مقيد بالعرف وفيه أيضا الرجوع إلى العرف والرجوع إلى العرف إنما يكون حين لا يكون له حد شرعي أما إذا كان له حد شرعي, فالواجب إتباع الشرع, ولهذا قيل:
وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف احدد
"الحرز" هو: حرز الأموال الذي تحفظ فيه, وفائدة معرفة ذلك: أن السارق من غير حرز لا تقطع يده, وأن المودع إذا وضع الوديعة في غير حرز كان ضامنا.
كيفية النفقة: قال الشيخ ثلاثة أقوال:
القول الأول: المعتبر حال الزوج. والثاني: المعتبر حال الزوجة. والثالث: المعتبر حالهما؛ فإذا غنيين فلا إشكال تجب نفقة غنى , وإن كانا فقيرين فلا إشكال تجب نفقة فقير, وإذا الزوج غنيا وهي فقيرة فمن قال: يعتبر حال الزوجة, قال: ليس لها إلا نفقة فقيرة, ومن قال: المعتبر حال الزوج, قال: يجب عليه نفقة غني وبالعكس إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقيرا, من قال: المعتبر حال الزوجة, قال: يجب على الزوج الفقير أن ينفق عليها نفقة غني, ويجب على الزوج إذا كان الزوجة فقيرة وهو غني أن ينفق عليها نفقة فقير, والثالث يعتبر حال الزوجين معا, وهذا لا يخالف القولين إلا فيما إذا اختلف حال الزوجين غني والزوجة فقيرة الذي يجب لها نفقة حسب الخلاف الذي يقول يجب عليه نفقة متوسط لاغني ولا فقير وهذا الأخير هو المشهور من مذهب الإمام أحمد, والقول باعتبار حال الزوج مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الله قال: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله) الطلاق
١٠٩٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقوت". رواه النسائي.
"كفى" بمعنى: وسعه و "إثما" هذه تمييز محول عن الفاعل؛ لأن التمييز اسم بمعنى "من" مبين لما كان مبهما مجهولا من الذوات والحال تبين ما كان مبهما مجهولا من الصفات وهنا
следующие страницы →