Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
الباطل وهذا منهي عنه لقول النبي ﷺ في حمل ابن النابغة قال: يا رسول الله، كيف أغرم -يعني: الجنين الذي قتل- من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثال ذلك يطل هذا سجع فقال فيه الرسول ﷺ : "إنما هو من إخوان الكهان"؛ لأن الكهان هم الذين يسجعون في كلامهم من أجل إبطال الحق، ورسول الله ﷺ جاء السجع في كلامه كثيرًا كما هنا، ومثله: "قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
النفقة على المملوك وأحكامها:
١٠٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵁: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه مسلم.
"للمملوك" يعني: بذلك: الرقيق من ذكر أو أنثى "طعامه وكسوته"؛ "طعامه" يشمل الشراب؛ لأن الشراب يسمى طعامًا قال الله تعالى: (فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى) [البقرة: ٢٤٩]. وتسمية الشراب طعامًا واضحة؛ لأنه يطعم ويذاق، لكن إذا قيل: طعام وشراب اختلف المعنى، فيصير الشراب للمائع والطعام لغير المائع. إذن "طعامه" يشمل الأكل والشرب، وقوله: "للمملوك طعامه" لا يخفى أنها جملة خبرية وأن الخبر فيها مقدم، وهنا لا يراد به الحصر؛ لأن التحدث عن المملوك وليس هناك شيء آخر يحترز به منه، وكسوته يعني: لباسه لأن الإنسان محتاج إلى اللباس؛ لستر العورة ودفع الحر ودفع البرد قال الله تعالى: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم) [النحل: ٨١]. وهذا شيء مشاهد؛ لأن الجسم لو بقي عاريًا في أيام الحر أكله السموم وتأثر به، لكن اللباس بقي الحر ففيه فائدتان: الأولى: ستر العورة، والثانية: الوقاية من الحر والبرد كما أن فيه إشارة معنوية عظيمة إلى أن الإنسان لابد أن يستر عورته المعنوية فهو مضطر إلى ستر عورته الحسية ومضطر إلى ستر عورته المعنوية وهي الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) [الأعراف: ٢٦]. فأنت مفتقر إلى أن تكسو عورتك المعنوية كما أنك مفتقر إلى أن تكسو عورتك الحسية وهذا من حكمة الله، فالبهائم حيث إنها لم تكلف ليس لها من اللباس إلا ما قد ألبسها الله -تعالى- مما يليق بحالها، لكن بنو آدم أراهم الله أنهم مضطرون للباس الحسي وهم كذلك مضطرون للباس المعنوي؛ قال: ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق، لا يكلف أي لا يلزم لأن التكليف في اللغة: إلزام ما فيه مشقة وقيل إنه مجرد الإلزام والمعنى أنه لا يلزم من العمل إلا ما يطيق أي: ما يدخل تحت طاقته وقدرته فإذا كان صغيرًا وقلنا له: أحمل هذه الصخرة الكبيرة فهذا
стр. 2662
حرام لا يجوز؛ لأنه لا يطيق، أو قيل له: اعمل ليلًا ونهارًا ولا تنم إلا ساعتين، هذا أيضًا لا يجوز وإن كان العمل خفيفًا لكن هنا إرهاق للبدن، إذن لا يكلف من العمل ما لا يطيق قدرًا وزمنًا.
يستفاد من هذا الحديث: أولًا: إثبات الملكية في البشر من قوله: "للمملوك" وترتيبه على هذا الملك هذه الأحكام الطعام والشراب والكسوة وألا يكلف من العمل إلا ما يطيق وقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ثبوت ملكية الإنسان للإنسان، وهذا لا ينافي العدل ولا ينافي الرحمة؛ لأن سبب الملكية أن الإنسان لما أرق نفسه للشيطان صار من الحكمة أن يرق نفسه للإنسان الذي قد ينفعه ويعينه على الطاعة ما هو رق الشيطان؟ الكفر؛ لأن سبب الرق هو الكفر، لا يوجد رق في الإسلام إلا بسبب الكفر أو التوالد فيما بعد، أما أن يؤخذ من أهله ويباع ويشتري فهذا لا يمكن أن يوجد في الإسلام، ومعلوم أننا إذا رققناه يملك الإنسان فهو خير من رق الشيطان قال ابن القيم -بالمناسبة-:
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان
إذن إثبات الملكية ثابت بالنص والإجماع، ولا يمكن لأحد أن يلغي هذا الحكم إلا إذا كان يستطيع أن يلغي فرضية الصلوات الخمس، صحيح أنه يجب التحري ما سبب رق هؤلاء البشر؟ يعني: لو جاء إنسان وقال هذا عبدي لابد أن نتحرى؛ لأن المسلمين اليوم إلا من شاء الله لا يسترقون البشر، هم مغلبون على أنفسهم فكيف يغلبون غيرهم؟ ! لكن إذا فرض أن وجد فلابد من التحري، فإذا لم نعلم سبب الرق فحينئذ لنا أن نقول: الأصل في بني آدم الحرية حتى يثبت أن هذا رقيق بطريق شرعي.
ومن فوائد الحديث: وجوب إطعام المملوك وكسوته لقوله: "للمملوك"، واللام هنا للاستحقاق، يعني: أنه يستحق على سيده أن يطعمه ويكسوه.
ومن فوائد الحديث: جواز استعمال العبد واستخدامه فيما يطيق؛ لقوله: "ولا يكلف من العمل ... إلخ".
ومن فوائده: تحريم تكليف العبد بما لا يطيق؛ لأن قوله: "لا يكلف" نفي بمعنى النهي، والنفي يأتي بمعنى النهي كثيرًا كما أن الخبر يأتي بمعنى الأمر كثيرًا وكما أن الأمر يأتي بمعنى: الخبر ويتضح بالمثال يتربصن هذا خبر ومعناه: الأمر، "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم" خبر، لكن معناه: النهي، قد يأتي الأمر بمعنى الخبر مثل قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) [العنكبوت: ١٢]. اللام: لام الأمر ولهذا جزمت الفعل لكن هل هذا أمر أم خبر يفيد إلزام أنفسهم بذلك؟ الثاني.
стр. 2663
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بالمملوك والمالك ووجهه تعيين ما للمملوك وللمالك وهذا يدل على عناية الشرع بهما وأن الشرع بهما وأن الشرع منظم للحياة كلها.
١٠٩٧ - وعن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه ﵂ قال: "قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ... ". الحديث. وتقدم في عشرة النساء.
الشاهد من هذا الحديث قوله: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت".
فيه فوائد: وقد سبق الكلام على الحديث ونريد تحقيق كلمة "زوجة" في الحديث؛ لأن اللغة الفصحى عدم تأنيث اللفظ فيقال: للمرأة زوج، ولا يقال: زوجة إلا في لغة ضعيفة، أما الفرضيين فقد التزموا أن يجعلوا الزوجة الأنثى بالتاء والزوج بدو تاء للتمييز؛ حتى لا تختلط المسائل.
في هذا الحديث: حرص الصحابة ﵃ على فهم ما يلزمهم لأهلهم لقوله: "ما حق زوجة أحدنا عليه؟ " وهنا نسأل: هل الصحابة إذا سألوا عن الأحكام هم يريدون الوصول إلى معرفة الحكم فقط أو إلى هذا والتطبيق؟ الثاني بلا شك، لكننا نحن في عصرنا كثير منا يسأل عن الحكم ثم لا يطبق أحيانًا يسأل عن الحكم يسأل شخصًا يثق بدينه وعلمه، فإذا أفتاه بما لا ترضاه نفسه الجاهلة تردد في الأمر، ثم ذهب إلى عالم آخر فإذا أفتاه بفتوى الأول ذهب إلى ثالث ورابع! ! حتى إننا نسمع أن بعض الناس إذا قلت له هذا الحكم كذا وكذا قال: والله أنا ما أظن هذا! فيقال له: يا هذا من قال: إن الأحكام الشرعية مبنية على ظنك! فهذه مسألة خطيرة، أقول: إن الأنبياء ختموا بمحمد ﷺ ومن ورث محمدًا ﷺ ؟ العلماء، فأنت إذا استفتيت عالمًا ترضاه لدينك وترى أن ما قاله أقرب إلى الصواب من غيره فالواجب عليك الأخذ بقوله؛ ولهذا قال العلماء: إنه يحرم على المستفتي إذا استفتى من التزم بقوله: أن يسأل غيره بالإجماع؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب وتتبع الرخص، نعم لو فرضنا أنك استفتيت عالمًا تثق بقوله وأفتاك بما يرى ثم جلست مجلسًا مع عالم آخر وتحدث عن حكم المسألة التي سألت عنها الأول وأتى بحكم يخالف الأول مستندًا إلى القرآن والسنة فهنا لك أن تتحول، بل يجب عليك إلى ما قال الآخر؛ لأنه أتى بدليل ينقض حكم الأول أما أن تذهب تسأل بعدما سألت من تعتمد على قوله فهذا تلاعب في دين الله.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على المرء لزوجته أن يطعمها إذا أطعم ويكسوها إذا اكتسى وهل المراد أنك إذا أفطرت على خبز يلزمك أن تفطرها على خبز، أو إذا كنت تفطر
стр. 2664
وهي لا تشتهي الفطور يلزمك أن تعطيها الفطور، المراد جنس الطعام لا أن تقول كلما أكلت ولو تمرًا على المطبخ وأخذت واحدة فتقول لها: تعالى فخذي تمرة لا ولكن المعنى: الجنس يعني: أن تطعمها إذا طعمت فإن لم تطعم لكونك فقيرًا فإنه لا يلزمك أن تطعمها (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) ولكن اختلف العلماء إذا حدث للزوج فقر بعد غنى فهل للزوجة أن تطالب بالفسخ؟ قال بعض أهل العلم: إن لها أن تطالب بالفسخ وقال آخرون: لا ولكن الأقرب أن لها أن تطالب؛ لأن من استدل على عدم المطالبة بأن الصحابة ﵃ افتقروا ولم تفسخ أنكحتهم يجاب عنه بأنه لا نعلم أن هؤلاء الزوجات طالبن بالفسخ، وأما أن يستمتع الرجل بها ولا ينفق عليها فهذا لا شك أنه إضرار بها فلها أن تفسخ، لكن لو تزوجته عالمة بعسرته فهل لها أن تفسخ؟ الصحيح: لا، وقال بعض العلماء: لها أن تفسخ لأن النفقة تجدد، فكل يوم له نفقة، وهي إذا رضيت اليوم قد لا ترضى غدًا لكن الصواب أنها إذا تزوجته عالمة بعسرته فإنها ليست لها حق الفسخ؛ لأنه يقال: لماذا لم ترفضي من الأصل؟ أما أن تتزوجيه عالمة بعسرته ثم بعد ذلك تطالبين بالفسخ، فليس لك الحق في هذا، وقوله: "تكسوها إذا اكتسيت" نقول فيه مثل ما قلنا في "تطعمها إذا طعمت" يعني: المعنى الجنس.
١٠٩٨ - وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ في حديث الحج بطوله قال في ذكر النساء: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". أخرجه مسلم.
حديث الحج رواه مسلم عن جابر، وهو أجمع ما روي في الحج، يعتبر منسكًا، ولهذا جعله الألباني ﵀ الأصل كتاب في صفة حج النبي ﷺ ، وهو جدير بأن يكون أصلًا؛ لأن جابرًا ﵁ ذكر الحديث من قبل أن يخرج الرسول ﷺ من المدينة إلى يوم العيد سياقًا تامًا، قال: "لهن عليكم رزقهن" الرزق: العطاء، والمراد به هنا: الأكل والشرب و"كسوتهن" معروفة، فهي: الثياب ونحوها لكنه قيدها بقوله: "بالمعروف" أي: بما عرفه الناس، فلو طلبت منه ما يخالف العرف فله أن يمنع ذلك، مثلًا لو كانت حال الزوج متوسطة فطلبت منه نفقة غني فإنه لا يلزمه؛ لقول الله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما ءاتاها) [الطلاق: ٧]. في هذا الحديث دليل على عناية النبي ﷺ بالنساء؛ لأنه ذكر هذا في خطبته يوم عرفة أكبر مجمع للمسلمين.
وفيه أيضًا: دليل على وجوب نفقة المرأة على زوجها طعامًا وشرابًا وكسوة وسكنًا وفيه
стр. 2665
دليل على أن هذا مقيد بالعرف وفيه أيضا الرجوع إلى العرف والرجوع إلى العرف إنما يكون حين لا يكون له حد شرعي أما إذا كان له حد شرعي, فالواجب إتباع الشرع, ولهذا قيل:
وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف احدد
"الحرز" هو: حرز الأموال الذي تحفظ فيه, وفائدة معرفة ذلك: أن السارق من غير حرز لا تقطع يده, وأن المودع إذا وضع الوديعة في غير حرز كان ضامنا.
كيفية النفقة: قال الشيخ ثلاثة أقوال:
القول الأول: المعتبر حال الزوج. والثاني: المعتبر حال الزوجة. والثالث: المعتبر حالهما؛ فإذا غنيين فلا إشكال تجب نفقة غنى , وإن كانا فقيرين فلا إشكال تجب نفقة فقير, وإذا الزوج غنيا وهي فقيرة فمن قال: يعتبر حال الزوجة, قال: ليس لها إلا نفقة فقيرة, ومن قال: المعتبر حال الزوج, قال: يجب عليه نفقة غني وبالعكس إذا كانت الزوجة غنية والزوج فقيرا, من قال: المعتبر حال الزوجة, قال: يجب على الزوج الفقير أن ينفق عليها نفقة غني, ويجب على الزوج إذا كان الزوجة فقيرة وهو غني أن ينفق عليها نفقة فقير, والثالث يعتبر حال الزوجين معا, وهذا لا يخالف القولين إلا فيما إذا اختلف حال الزوجين غني والزوجة فقيرة الذي يجب لها نفقة حسب الخلاف الذي يقول يجب عليه نفقة متوسط لاغني ولا فقير وهذا الأخير هو المشهور من مذهب الإمام أحمد, والقول باعتبار حال الزوج مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الله قال: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله) الطلاق
١٠٩٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقوت". رواه النسائي.
"كفى" بمعنى: وسعه و "إثما" هذه تمييز محول عن الفاعل؛ لأن التمييز اسم بمعنى "من" مبين لما كان مبهما مجهولا من الذوات والحال تبين ما كان مبهما مجهولا من الصفات وهنا
стр. 2666
"إثما" مبين لما كان مبهما مما ذكر الرسول ﷺ أنه يكفي فما هو الذي يكفي؟ بينه بقوله: "إثما" فهو إذن تمييز محول عن الفاعل وله نظائر في القرآن (وكفى بالله شهيدا) وقوله: "أن يضيع من يقوت" هذا فاعل كفى يعني: كفى به إثما تضيعه من يقوت أي من ينفق عليه بالقوت فإنه إذا ضيعه فهذا إثم عظيم يسعه ويحيط به.
وهو عند مسلم بلفظ: "أن يحبس عمن يملك قوته".
فبينه وبين اللفظين اختلاف يتبين بالشرح, هذا الحديث يقول الرسول ﷺ فيه: "إن الإنسان يأثم إثما يحيط به إذا ضيع من يقوت" يعني: أهمله ولم يقم بما يجب له, وهذا يشمل ما كان إنسانا وما كان حيوانا والإنسان يقوت الإنسان ويقوت الحيوان فالمملوك له القوت على سيده والزوجة لها القوت على زوجها, والقريب له القوت على قريبه بالشروط المعروفة فإذا ضيعه وأهمله فإنه آثم, وأما لفظ مسلم: "أن يحبس عمن يملك قوته" وهو أعظم وأبلغ من التضييع, لأن التضييع عدم المبالاة, أما هذا فإنه منع القوت ففرق بين الذي يضيع إهمالا وتفريطا وبين الذي يعتمد الإساءة, فحديث مسلم فيمن يتعمد الإساءة فيحبس القوت عمن يملكه, ورواية النسائي تدل على أن مجرد التضييع والإهمال إثم فأيهما التي يدخل فيها اللفظ الثاني؟ الأولى, لأنه إذا كان عليه هذا الإثم في الإضاعة فإنه يكون عليه من باب أولى في الإساءة؛ لأن الذي يمنع القوت عمن يملكه أشد إثما.
ففي هذا الحديث: وعيد على من ضيع من يقوت وأنه آثم والقاعدة عند أهل العلم: أن كل ذنب توعد عليه فإنه يكون من كبائر الذنوب فيؤخذ من هذا أن إضاعة من يقوت من كبائر الذنوب.
ومن فوائده: أنه إذا أضاعه فقد اكتسب هذا الإثم طالبه أم لم يطالبه لأنه إذا كان يجب عليه أن يقيته ولم يفعل لحقه هذا الإثم حتى وإن لم يطالبه ما لم يسقط حقه فالمقامات ثلاثة أن يطالبه وله الحق في المطالبة, أن يسقط عنه الحق فله الحق أن يسقط الثالث أن يسكت فمتى يكون آثما؟ يكون آثما فيما إذا طالبه ومنعه حقه أو فيما إذا سكت لأن الأصل أن الحق واجب فيجب إيصاله إليه سواء طالبه أو لم يطالبه إذا أسقطه فالحق له ويسقط عما يجب عليه, هل له أن يطالب أباه بالنفقة؟ يعني: لو أن أباه منعه النفقة الواجبة عليه فهل له أن يطالبه؟ قال العلماء نعم له أن يطالب أباه ولكن ليس له أن يطالب أباه بدين ثابت على أبيه والفرق بينهما أن مطالبة أباه بالنفقة مطالبة لحفظ نفسه؛ لأنه لا يمكن أن يبقى لا يأكل ولا يشرب ولا يكتسي ومطالبته بالدين ليست لحفظ نفسه ولكن لحفظ ماله فلا يحق له أن يطالب أباه في
стр. 2667
الدين, لأن النبي ﷺ قال: "أنت ومالك لأبيك", بخلاف مطالبته بالنفقة فإنها حاجة حاضرة لحفظ النفس وحمايتها من الهلاك.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على الإنسان أن يكون نبيها فيما حمل من الواجبات؛ لقوله: "كفى به إثما أن يضيع من يقوت", والواجب عليه أن يتنبه لكل ما يجب عليه سواء من أقاربه أو من مملوكاته, ولكن هل يشمل هذا المزارع وشبهها, ونقول: إن الإنسان يأثم إذا لم يقم على مزرعته بالسقي والحرث؟ الجواب لا حتى لو كانت حية لأنها ليس لها قوت صحيح, فإنها تسقى بالماء وتحرس لكن ليس لها قوت, فالمراد: ما يحيا بالقوت, وهو الآدمي أو الحيوان أو الرقيق.
ومن فوائد الحديث: عناية الشرع بذوي الحقوق وأن النبي ﷺ مدافع عنهم ومطالب لهم, ولهذا توعد من أضاع حقوقهم فدل ذلك على عناية الشرع بذوي الحقوق, وهذا له نظائر منها قول الرسول ﷺ : "مطل الغني ظلم" فإن هذا حماية للدائن الذي له على أخيه وهو غني فإن مطله به يكون ظلما.
حكم النفقة على الحامل المتوفى عنها زوجها:
١١٠٠ - وعن جابر ﵁ يرفعه, في الحامل المتوفى عنها زوجها قال: "لا نفقة لها" أخرجه البيهقي, ورجاله ثقات, لكن قال: المحفوظ وفقه, وثبت نفي النفقة في حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم. رواه مسلم.
قوله: "يرفعه" أي: إلى النبي ﷺ , وقوله: "المحفوظ" ضده الشاذ فالرواة رووا هذا الحديث على وجهين: الأول: على أنه مرفوع, والثاني: موقف, فعلى الوجه الأول: يكون هذا من كلام النبي ﷺ وعلى الثاني: يكون من كلام جابر, أيهما المحفوظ وأيهما الشاذ؟ الموقوف محفوظ والمرفوع شاذ.
يقول: "في الحامل المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها", وهذا الحديث مطابق للحكم حتى وإن لم يصح مرفوعا حتى وإن صح من قول جابر؛ لأن جابر صحابي؛ وقول الصحابي على القول
стр. 2668
الراجح حجة أي أن يعارضه حديث مرفوع أو قول صحابي آخر فإن خالفه حديث مرفوع فالعمل بالحديث ويلغى قول الصحابي وإن خالفه صحابي آخر وجب النظر في الترجيح ووجوه الترجيح كثيرة ذكرها أهل الأصول, إذن هذا الحديث موافق للقواعد فالحامل المتوفى عنها زوجها انقطعت علاقتها مع زوجها انقطاعا كليا فإذا انقطعت انقطاعا كليا فليس لها نفقة على الزوج لكن هي حامل؟ نقول: نعم, والنفقة لها في نصيب الحمل لأن النفقة على الحامل من أجل حملها فيكون النفقة للحمل وتؤخذ من نصيبه ولا تؤخذ من مال الزوج والفرق بين القولين ظاهر, إذا قلنا: إنها تؤخذ من مال الزوج ووجب أخذها من التركة قبل أن تقسم بين الورثة وإذا قلنا: إنها تؤخذ من نصيب الحمل فإنما نأخذها من نصيب الحمل بعد قسم التركة فتقسم التركة, وننتظر ماذا يكون للحمل؟ ثم نأخذ من نصيبه من التركة ما ينفق به على أمه وإن لم تكن حاملا وهي متوفى عنها فنفقتها على نفسها ليس لها نفقة في نصيب أحد من الورثة بل نفقتها تكون على نفسها.
والحديث فيه فائدة واحدة وهي: أن المرأة المتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة في العدة سواء كانت حاملا أم غير حامل لكن إن كانت حاملا فلها النفقة في نصيب الحمل وقوله: "وثبت نفي النفقة في حديث فاطمة بنت قيس ... الخ".
لكن حديث فاطمة بنت قيس في المطلقة ثلاث لأن زوجها طلقها ثلاثا وكان غائبا, فأرسل إلى وكيله أن يعطيها من النفقة من الشعير فسخطت النفقة وقالت: لا يمكن أن تكون من الشعير, فرفع الأمر إلى الرسول ﷺ فقال: و"ليس لك نفقة عليه" لأنها بائن منه, والبائن بالطلاق إذ لم يكن لها نفقة فالبائن بالموت من باب أولى, لأن البائن بالموت لا يمكن أن يرجع عليها زوجها البائن بالطلاق يمكن إذا تزوجت رجلا آخر وجامعها وطلقها حلت للزوج الأول ولعلنا هنا نذكر نفقة المعتدات, الرجعية تجب لها النفقة بكل حال ما لم تكن ناشزا فإن كانت ناشزا فليس لها نفقة أن الناشز تسقط نفقتها ولو لم تطلق, البائن يفسخ أو طلاق ليس لها نفقة إلا أن تكون حاملا فتجب النفقة على أب الحمل, البائن بالموت ليس لها نفقة ولو كانت حاملا أي: ليس لها نفقة على زوجها ولو كانت حاملا ولكنها إذا كانت حاملا تكون نفقتها في نصيب الحمل فتبين بهذا أن المعتدات ثلاث أقسام في كلام المؤلف, وثبت
стр. 2669
نفي النفقة في حديث فاطمة .. الخ في سياق المؤلف لهذا إيهام بأن حديث فاطمة في البينونة في الموت وليس كذلك.
مسألة طلب المرأة الطلاق عند عجز زوجها عن النفقة:
١١٠١ - وعن أبي هريرة رضي الله ع نه قال: قال رسول الله ﷺ : "اليد العليا خبر من اليد السفلى، ويبدأ أحدكم بمن يعول. تقول المرأة: أطعمني، أو طلقني". رواه الدارقطني، وإسناده حسن.
وما هي "اليد العليا"؟ يد المعطي، و"اليد السفلى" يد الآخذ، و"يبدأ أحدكم بمن يعول" أي: بعياله الذين يجب عليه إعالتهم، ثم ضرب مثلا يقول: "تقول المرأة أطعمني أو طلقني"، والمرأة ممن يعولها، وعول المرأة أوكد أنواع العول، لأن عولها معاوضة عن عوض والرجل قد أخذ عوضا -عوض هذا الإنفاق- فلا يمكن أن يهمله عوض الإنفاق، هو يستمتع بالزوجة من جماع وغير جماع فإذا كان يستوفيه ومنعها حقها صار أبلغ من منع نفقة الأقارب لأن نفقة الأقارب واجبة للصلة والمواساة لكن نفقة الزوجة واجبة معاوضة فتقول المرأة: "أطعمني" يعني: أنفق عليّ "أو طلقني" والقريب يقول أطعمني وإلا فعليك الإثم.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولا: فضل اليد العليا على اليد السفلى وسبق الكلام فيه وما يترتب على هذه الأفضلية، وأنها تدل على أن السؤال ذل وانحطاط رتبة.
ومن فوائد الحديث: وجوب البدء بمن يعول لقوله: "يبدأ أحدكم بمن يعول".
ومن فوائد الحديث: أن أعظم من يعوله الإنسان الزوجة، لأنها تهدد بهذا القول.
ومن فوائده: أن المرأة أن تطالب بالطلاق إذا لم ينفق عليها الزوج، وهذا واضح إذا كان قادرا على الإنفاق، لأنه لا عذر له ولكن إذا كان غير قادر على الإنفاق فهل لها أن تقول أطعمني أو طلقني؟ ظاهر الحديث أن لها ذلك، وهذا هو الذي ذهب إليه أكثر العلماء، لأن نفقة الزوجة معاوضة فإذا لم تحصل لها ولو بعذر فإن لها أن تطالب بالطلاب أو الفسخ، ولو لم يثبت هذا لقلنا: إنه يجب أن يحمل الحديث على ما إذا قالته لشخص قادر على الإطعام تقول: أطعمني أو طلقني.
стр. 2670
من فوائد الحديث: جواز سؤال المرأة الطلاق إذا كان له سبب لأن النبي ﷺ أقرها على هذا القول ولو لم يكن لها أن تقول هذا القول لم يقرها الرسول ﷺ على ذلك.
١١٠٢ - وعن سعيد بن المسيب في الرجل لا يحد ما ينفق على أهله قال: "يفرق بينهما". أخرجه سعيد بن منصور: عن سفيان، عن أبي الزناد قال: "فقلت لسعيد بن المسيب: سنة؟ فقال: سنة". وهذا مرسل قوي.
يقال: المسيب والمسيب، المسيب لغيره، والمسيب من غيره، المسيب من غيره معناه: أنه لا قيمة له منبوذ؛ ولهذا يشهر عن سعيد أنه يقول: أنا ابن المسيب وسيب الله من سيبني، يعني: من قال: ابن المسيب، لكن المعروف عند العلماء جواز الوجهين، سئل سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما، ومعلوم أن هذا ليس على سبيل الوجوب بل يفرق بينهما بطلب من المرأة، أما لو أن المرأة رضيت بحال زوجها ولم تطالب وصبرت فلا شك أن أعظم لأجرها وأولى لها وأفضل لوجهين:
الأول: أن في ذلك إحسانا إلى زوجها، وإحسانا إلى أولادها إن كانت ذات أولاد.
وثانيا: إن لها أجرا بالصبر على اللأوى والجوع والكسوة وغير ذلك فالأفضل ألا تطالب ولو كان زوجها فقيراً لكن لو أنها أصرت على المطالبة وقالت أنا لا يمكن أن أبقى في بيت أجد ما آكل ولا ما أكتسي فلها الحق وحينئذ يجب أن يفرق بينهما يطلبها يقول سئل سعيد هل هذا سنة؟ فقال: إنه سنة لكن سنة من؟ هذه المسألة عند أهل الاصطلاح إن قالها الصحابي فهي من قسم المرفوع مثل قول أنس بن مالك: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعا"، ومثل قول ابن عباس في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة حين جهر بها قال: ليعلموا أنها سنة فالصحابي إذا قال: هذا من السنة أو هذا سنة فهو في حكم المرفوع، لأنه لا يريد بالسنة إلا سنة الرسول ﷺ ، وأما التابعي إذا قال: هذا سنة فقد اختلف أهل العلم في الاصطلاح هل يكون موقوفا أو يكون مرفوعا مرسلا ووجه ذلك أن التابعي لم يدرك من الرسول ﷺ فإذا قدرنا أن قوله من السنة مرفوع فالتابعي حينئذ رفعه إلى الرسول ﷺ ما لم
стр. 2671
يدرك زمانه ومعلوم أن التابعي إذا أضاف حديثا إلى رسول الله ﷺ فهو مرسل؛ لأنه لم يدرك النبي ﷺ ، ومن العلماء من فقال: هو غير مرسل، لكنه موقوف؛ لأن التابعي لا يعني بالسنة إلا سنة الصحابة الذين أدركهم، فيكون هذا من باب الموقوف أي: يكون موقوفا متصلا؛ لأنه أدرك الصحابة، وظاهر صنيع ابن حجر في قوله: "وهذا مرسل قوي" أنه يختار القول بأن قول التابعي من السنة مرفوع مرسل، ولهذا قال: هذا مرسل قوي، والمرسل: ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من الرسول ﷺ ، والراجح أنه ينظر إلى السنة في هذا إذا وجد له شواهد تدل على أنه مرفوع فهو مرفوع وإلا فالأقرب أن قول التابعي: "من السنة" أي: سنة الخلفاء الذين أدركهم.
١١٠٣ - وعن عمر ﵁: "أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا". أخرجه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن.
"الأمراء": جمع أمير، و"الأجناد" جمع جند، وهم الذين يبعثون للقتال في سبيل الله فتركوا نساءهم بلا نفقة، كتب عمر ﵁ أن يأخذوا هؤلاء الأزواج بأن ينفقوا أو يطلقوا وهذا "أو" لأحد الشيئين يعني: إما الإنفاق وإما الطلاق فإذا أنفقوا لم يلزموا بالطلاق، وإن لم ينفقوا ألزموا بالطلاق فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا أي: بالنفقة التي حبسوها يبعثون بها إلى أزواجهم.
هذا الأثر أخرجه الشافعي والبيهقي يقول: "بإسناد حسن" فيكون حجة، وهو من سنة أحد الخلفاء الراشدين وهو عمر ﵁ فيكون حجة يعمل بها.
فيستفاد من هذا الأثر فوائد: منها: مراسلة الإمام أمراءه بالأمر الذي يقتضي المراسلة، لأن عمر كتب إلى أمراء الأجناد.
ومن فوائد الحديث: حماية عمر بن الخطاب للرعية حيث كان يتفقد أحوال الرعية إلى أن يتفقد النساء ﵁.
ومن فوائده: أن الإنسان يطالب بالنفقة فإن أبى ألزم بالطلاق؛ لقوله: "يأخذوهم"، يعني: بأن ينفقوا أو يطلقوا، وهو كذلك على القول الراجح، وقد علمتم الخلاف، لكن القول الراجح أن للزوجة أن تطلب الفسخ.
стр. 2672
ومن فوائد الحديث: أن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان؛ لقوله: "فإن طلقوا بعثوا بنفقة من حبسوا"، ووجه ذلك: أن الإنفاق على الزوجة معاوضة عن الاستمتاع بها فإذا كان معاوضة فإنه يجب على الزواج أن يدفع نفقة ما مضى، لأنها تثبت في ذمته فإن قال قائل: كيف يدفع نفقة ما مضى وهو لم يستمتع بها؟
نقول: لأن هذا نم قبله هو فهو الذي سافر، أما لو كانت هي التي نشزت وسافرت فليس لها شيء وهل القريب مثلها يطالب بنفقة ما مضى مثل أن يغيب عنه قريبه وينفق هذا على نفسه بالاستدانة من الناس فهل على القريب أن يقضي هذا الدين الذي كان بسبب النفقة؟
يقول العلماء: لا يلزمه نفقة ما مضى بالنسبة للقريب لأن هذا مجرد إحسان يفوت بفوات وقته، نعم لو فرض أن هذا القريب استدان على ما تجب عليه النفقة بني الرجوع يرجع أنه قضى عنه شيئا واجبا.
١١٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: أنفقه على نفسك. قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر؟ قال أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك. قال عندي آخر، قال: أنت أعلم". أخرجه الشافعي، وأبو داود واللفظ له، وأخرجه النسائي والحاكم بتقديم الزوجة على الولد.
يقول: "جاء رجل" من هو الرجل؟ لا تعلم عينه ولا يهمنا أن نبحث عن عينه من هو لأن المقصود هو الحكم إلا إذا كان يترتب على معرفة عينه حكم لا يترتب على إبهامه فحينئذ يتعين طلب التعيين أما إذا كان الحكم لا يختلف فلا حاجة إلى أن نضيع الأوقات الكثيرة في الوصول إلى تعيين هذا الشخص، لأن العبرة بالحكم لا بالشخص، نعم لو فرض أننا نحتاج إلى معرفة عينه لتغير الحكم بكونه مبهما أو معينا، كما لو جاء رجل يسأل الزكاة ونحن لا نعلم هو من أهل البيت أو لا؟ فحينئذ يتعين البحث عنه لأنه يختلف به الحكم، قال: "يا رسول الله، عندي دينار"، الدينار: هو قطعة النقد من الذهب وزنته مثقال قال: "أنفقه على نفسك" والدرهم في عهد الرسول أصغر من الدينار بخلاف عهدنا الآن، قال: "عندي آخر" قال: أنفقه على ولدك"، المراد بالنفس نفقته التي يحتاج إليها من طعام وشراب ولباس قال: "عندي آخر" قال: "أنفقه على ولدك قال: عندي آخر ... الخ" كلمة "أهل" ظاهر كلام ابن حجر أنه يراد بها: الزوجة، ولكن يحتمل أن يراد بها ما هو أعم؛ لأنه إذا سكت عما هو أعم صار ذكر الولد والزوجة
стр. 2673
والخادم، ولم يذكر الأب والأم، فالذي يظهر لي أن قوله: "أنفقته على أهلك" المراد بهم: الزوجة والعائلة كالأب والأم والأخ وما أشبه ذلك، وقوله: "أنت أعلم به اصرفه حيث شئت"، وسياق النسائي والحاكم هو الأليق بالقواعد؛ إذ فيه أن الزوجة مقدمة على الولد، لأن الإنفاق على الزوجة هو في الحقيقة إنفاق على النفس فإن الزوجة من حاجات الإنسان وإن لم ينفق عليها فسوف تقول: أنفق أو طلق فالصواب أنه يبدأ بنفسه ثم الزوجة ثم بالولد ثم بالوالدين، ثم بقية الأقارب والخادم مدم على بقية الأقارب؛ وذلك لأن الخادم يحتاج الإنسان إليه بنفسه فهو من حاجات النفس فالإنفاق عليه إنفاق على النفس.
في هذا الحديث: دليل على أنه تزاحم المستحقون للإنفاق فإنهم يقدمون بالأولى فالأولى.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نقرع بينهم؟
قلنا: لا، الإقراع إنما يستعمل عن التساوي فأما إاذ كان أحدهم أحق فلا حاجة للقرعة.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نجعل الغداء لبعض والعشاء لبعض.
قلنا: هذا فيه أيضا إضرار بالمنفق عليه يعني: ربما لا تكفيه المرة الواحدة في اليوم والليلة يحتاج إلى غداء وإلى عشاء.
ومن فوائد الحديث: اعتبار الأحق فالأحق لترتيب النبي ﷺ الإنفاق على حسب السؤال.
ومن فوائد الحديث: اعتبار الأحق فالأحق لترتيب النبي ﷺ الإنفاق على حسب السؤال.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا قام بالواجب من الإنفاق صار تصرفه في المال بعد ذلك على ما يشاء لقوله: "أنت أعلم به".
النفقة على الوالدين وأحكامها:
١١٠٥ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك. قلت: ثم من؟ قال: أمك. قلت: ثم من؟ قال: أمك. قلت: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب". أخرجه أبو داود، والترمذي وحسنه.
قله: "أبر" هل هي اسم تفضيل أو فعل مضارع؟ فعل مضارع فيقال بر يبر وعليه فإذا أمرت شخصا أن يبر والديه ماذا تقول؟ بر بالفتح إذن من اسم استفهام، وأبر فعل مضارع يعني من أبر من الناس قال: "أمك .. الخ"، هذا الحديث في البر نم أحق الناس ببرك؟ يقول النبي ﷺ أحق الناس من القرابات بالبر الأم وذلك لعظم مشقتها فإن الأم تلحقها المشقة في العمل
стр. 2674
وتلحقها المشقة عند الوضع وعند الحضانة، أما الأب فلا يلحقه من ذلك مشقة، فلذلك قدمت الأم في البر وكرر النبي ﷺ ذلك ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: "ثم أباك" لأنه أقرب الناس إليك بعد الأمر، وبعد ذلك يقول: "ثم الأقرب فالأقرب" يعني: الأولاد أقرب؛ لأنهم بضعة منك، ولهذا يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأولاهم بالصلة الأبناء أما الأم والأب فإنه لا يقال في الإحسان إليهما صلة، بل يقال: إنه بر وهو أخص من الصلة، هذا الحديث يقال فيه ما قيل فيما سبق أن الترتيب بالأولويات وأن الناس يختلفون بالأولوية، فكل ما كان أقرب إلى الإنسان فهو أحق ببره ووجه دخول هذا الحديث في باب النفقات ظاهر؛ لأنه النفقة من البر.
****
٦ - باب الحضانة
تعريف الحضانة:
"الحضانة": مأخوذة من الحضن وهو الحجر حجر الإنسان، يقال احتضن الرجل إذا وضعه في حضنه والتزمه، وهي حفظ الصغير والسفيه والمجنون عما يضره والقيام بمصالحه هذه الحضانة اصطلاحا يعني: حفظ القاصر وحمايته بما يضره والقيام بمصالحه وهي واجبة ولكنها هل هي واجبة للحاضن أو واجبة عليه؟ نقول: أما عند التزاحم فهي واجبة للحاضن وأما عند التخاذل فهي واجبة فرض كفاية على الأقارب أن يحضنوا هؤلاء من أقاربهم يعني الصغير والمجنون والسفيه، والسفيه هو المعتوه الذي لا يحسن التصرف، حكمها أنها فرض كفاية إذا قام بها نم يكفي سقوط عن الباقين، وقد علمتم أنه إذا كان هناك تزاحم فهي حق للمحضون وإذا كان هناك تخاذل فهي حق على المحضون تكون فرض كفاية على الأقارب.
١١٠٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن امرأة قالت: "يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وجري له حواء، وإن أباه طلقني، أراد أن ينتزعه مني.
فقال: لها رسول الله ﷺ : أنت أحق به، ما لم تنكحي". رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم.
في هذا الحديث أن هذه المرأة شكت إلى رسول الله ﷺ زوجها حين طلقها وأراد أن يأخذ ابنها منها وجاءت بمبررات على سبيل السجع، فقالت: إن ابني كان بطني له وعاء بمنزلة
стр. 2675
الوعاء الذي يوضع فيه الطعام وهذا وصف مطابق تماما، وكان ثديي له سقاء"، لأنه يشرب منه اللبن فهو بمنزلة السقاء الذي يشرب منه الإنسان الماء واللبن، وكان حجري له حواء يعني تضعه في حجرها فتحويه وتحضنه إلى صدرها، "وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني" كما تجيء به العادة كثيرا إذا طلق الرجل زوجته ساءت العلاقة بينه وبينها فيريد أن يأخذ الولد أحيانا يريد أن يأخذه شفقة عليه وأحيانا يريد أن يأخذ حباله وأحيانا يريد أن يأخذه إضرارا بأمه، المهم أن الناس تختلف نياتهم وإرادتهم فقال لها رسول الله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" يعني: أنت أحق به في الحضانة وهو لك ما لم تنكحي فإذا نكحت فلا تكوني أحق به منه بل يكون هو أحق، ووجه ذلك: أن المرأة إذا تزوجت وبقي ابنها معها صار تحت حجر هذا الزوج الجديد يمن عليه ويتعلق به الطفل أكثر مما يتعلق بأبيه وربما يستخدمه زوج أمه استخداما سيئا إذا أمكن أن يستخدمه، فالمهم أنها إذا نكحت فإن حقها من الحضانة يسقط ويكون لأبيه ولم يستفصل النبي ﷺ هنا بين أن يحدث لها سفر أو لا يحدث، يعني: لم يقل ما لم تنكحي أو تسافري وعلى هذا فيكون فيه دليل على أن السفر لا يسقط الحضانة كما سنبينه.
في هذا الحديث فوائد: أولا: جواز السجع لقولها: "أقرها. فإن قال قائل: كيف يقرها ولم يقر حمل ابن النابغة حين قال: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل؟ قلنا: الفرق أن هذه سجعت هذا السجع لتطلب بحق وأما حمل بن النابغة فسجع السجع لأجل إبطال الحق وبينهما فرق ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على هذه المرأة.
ون فوائده: أن حضانة الأم لا تسط بالطلاق لقوله: "أنت أحق به"، وقد قالت: إنه طلقتها، فتكون الحضانة لها لا لأبيه.
ومن فوائد الحديث: أن الحضانة حق للحاضن لقوله: "أنت أحق به" وهو كذلك حق للحاضن إذا طلبها فإنه يعطى إياها ولكن لا بد من شروط الشرط الذي ذكره الرسول ما لم تنكحي فيستفاد منه: أن الأم إذا تزوجت فإن حقها من الحضانة يسقط وظاهر الحديث العموم يعني سواء نكحت قريبا للمحضون أو بعيدا ولكن سيأتي -إن شاء الله- حديث تخاصم جعفر بن أبي طالب وزيد في بنت حمزة فقال الرسول ﷺ : "إنها لخالتها" مع أنها قد تزوجت، وقال: "الخالة بمنزلة الأم" فيجمع بينهما بأنها تزوجت قريبا للمحضون وإذا تزوجت قريبا للمحضون فإن حضانتها لا تسقط، وليعلم أن يشترط في الحضانة أن يتحقق المقصود بها وهو حفظ المحضون عما يضره والقيام بمصالحه فإن قدر أن الحاضن لا يهتم بهذا المحضون يضيع أو
стр. 2676
يهتدي يسفه أو يرشد ما يهمه فإن حضانته تسقط، لأن الحضانة إنما ثبتت لحفظ المحضون، فإذا لم يكن للمحضون حق فيها فإنها تسقط، وقوله: "ما لم تنكحي"، هنا يسميها العلماء مصدرية؛ أي: مدة دوام عدم نكاحك، يعني: ما دمت لم تنكحي أحد.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: ذكر الخصم ما يبرر خصومته ويرجح جانبه؛ لأن النبي ﷺ أقرها.
ومن فوائده: أن لا يذم السجع إذا كان بحق، لأن هذه المرأة سجعت: "وعاء" "سقاء" "حواء" ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، وأنكر على حمل بن النباغة حين قال: كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه، وهنا لم يقل هذه المرأة من إخوان الكهان، والفرق ظاهر، لأن المرأة تطالبه بحق وذاك يريد أن يبطل حقا؛ فلذلك لم ينكر النبي ﷺ فدل هذا على جواز السجع إذا لم يتوصل به إلى إبطال حق أو إحقاق باطل.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مخاصمة الزوجين بعضهما لبعض؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على هذه المرأة هذا إذا كانت المسألة من باب الخصومة، أما إذا كانت من باب الاستفتاء كما استفتت هند بنت عتبة في شأنها مع زوجها أبي سفيان فإنه لا يدل على ذلك ولكن لو سئلنا هل يجوز للمرأة أن تطالب زوجها أو الزوجة أن يطالب امرأته بحق؟ فالجواب نعم يجوز ذلك؛ لأنه لا يمنع أحد من طلب الحق إنما الذي يمنع مطالبة الابن أو البنت أباهما فإنه لا يجوز لهما مطالبته؛ لأن له أن يمتلك من مالهما ما شاء إلا في حال واحدة استثناها العلماء وهي النفقة الواجبة فإن النفقة الواجبة للولد ذكرا كان أو أنثى أن يطالب أباها بها؛ لأن هذه لحفظ النفس وحفظ النفس ضرورة.
ومن فوائد الحديث: أن الأم مقدمة على الأب في الحضانة إلا إذا تزوجت لقوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي".
ومن فوئد الحديث: الإشارة إلى أن أهم مقصود في الحضانة هي رعاية الطفل لقوله: "ما لم تنكحي" لأن الحكمة من سقوط حضانتها بنكاحها انشغالها بالزوج وضيق الزوج ذرعا بالولد.
ومن فوائد الحديث: أن الحضانة تسقط ولو رضي الزوج بذلك أي بحضانتها بأن شرط عليه بأن تبقى حضانتها لولدها من الزوج السابق فرضي فإنها ليست أحق به، لعموم قوله: "ما لم تنكحي" ولأن الزوج ربما يرضى عن إكراه في أول الأمر ثم تختلف الحال.
стр. 2677
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أنه لا فرق بين أن تتزوج بزوج قريب من المحضون أو بعيد منه، ووجه العموم "ما لم تنكحي" لكن سيأتينا في حديث البراء بن عازب ما يخالف ذلك.
فإذا قال قائل: هل من ضابط يضبط من يقدم في الحضانة؟
نقول: نعم ذكر العلماء ضوابط، لكن اختلفوا واضطربوا فيها اضطرابا كثيرا، وذلك لأنه ليس هناك دليل يفصل تفصيلا واضحا، وأحسن ما ذكر في هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ورأيته يتلخص في البيتين الآتيين:
وقد الأقرب ثم الأنثى ... وإن يكونا ذكرا وأنثى
فأقرعن في جهة وقدم ... أبوة إن لجهات تنتمي
قوله: "وقدم الأقرب" يعني: لو اجتمعت جدة وأب فهنا يقدم الأب لأنه أقرب، أم وجدة الأم، تقدم الأم، لأنها أقرب، "ثم الأنثى" إذا كانا سواء في القرب فقدم الأنثى فأم وأب الأم، جد وجدة الجدة، خال وخالة الخالة، عم وعمة العمة وهلم جرا، ووجه ذلك القياس على الأب والأم حيث قضى النبي ﷺ بأنه للأم مع نزاع الأب لأنهما في القرب سواء فقدم النبي ﷺ الأنثى ولأن الأنثى في الغالب أشد شفقة وحنانا من الذكر وإن يكونا ذكرا أو أنثى يعني: أن يكون اثنين ذكور اثنين إناث فأقرعن في جهة: أقرع بين الذكرين، أو بين الأنثيين إذا كانا في جهة، مثاله: عمان تنازعا في الحضانة ابن أخيهما فمن يقدم، يقرع بينهما، عمتان تنازعتا في الحضانة ابن أخيهما ما نعمل؟ نقرع لأنه لا فضل لواحد على الآخر والقرعة تعين المبهم.
فإن قال قائل: القرعة مبنية على الحظ والنصيب وهذا غرر -ميسر- فكيف تجوز القرعة؟ قلنا: تجوز بالأثر والنظر ففي كتاب الله قصتان أقرع فيهما القصة الأولى: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم) [آل عمران: ٤٤]. تنازعوا في كفالة مريم واقترعوا، والقصة الثانية يونس (فساهم فكان من المدحضين) [الصافات: ٤١]. أما في السنة فوردت في عدة أشياء منها قول النبي ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" ومنها النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها وأما النظر فلأن الذين أقرع بينهم قد تساووا في الحقوق بدون مرجح ولا يمكن الجمع لأنه لا
стр. 2678
يمكن إلا أن يكون إلا لواحد منهم فاستعمال القرعة خير من كون الشيء معلقا فيكون القرعة قد دل عليها الأثر والنظر. إذن إذا اجتمع حاضنان أو أوليان في الحضانة وتنازعا فإنه يقرع بينهما إذا كانا في جهة واحدة وكانا من جنس واحد إما ذكرين وإما أنثيين، وقدم أبوة إن لجهات تنتمي، يعني: إذا تساووا وهم في جهات فقدم جهة الأب، لأن الأصل أن الانتماء للأب مثال ذلك عمة وخالة في جهتين وكلتاهما أنثى فمن نقدم الخالة أم العمة؟ نقدم العمة لأنها من جهة الأب وهذا الضابط هو أحسن نم قيل في ضوابط الحضانة ولكن لا بد أن تلاحظ شرطا مهما وهو مراعاة المحضون فلو كان الأحق يضيع المحضون والمحقوق أشد مراعاة وتربية من الأحق فإننا نقدم المحقوق، لأن المقصود بذلك رعاية الطفل.
يستفاد من هذا الحديث: أنها إذا نكحت انتقلت الحضانة إلى الأب، ولكن هذا ما لم يكن انتقال الحضانة سببا لإضاعة الطفل مثل أن يجعله الأب عند ضرة أمه التي تزوجت، ومعروف ما بين الضرتين من الغيرة التي قد تؤدي إلى البغضاء وحينئذ لا تقوم زوجة أبيه بمصالحة فمثل هذا لا يجوز أن نعطيه الأب حتى وإن تزوجت الأم بل تكون الأم أحق فإن خفنا أن نضيعه أيضا انتقلت الحضانة إلى ما بعدهما لأنه لا يجوز إقرار المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه فنحن نقول: إذا كان يلزم من رده إلى أبيه بنكاح أمه أن يضيع الولد وألا يتربى فإنه تنتقل الحضانة من الأب إلى الأم إذا كان يمكن أن تقوم بواجب الحضانة أو إلى من سواها.
١١٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن امرأة قالت: "يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها، فقال النبي ﷺ : يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به". رواه أحمد، والأربعة، وصححه الترمذي.
قولها: "إن زوجي يريد أن يذهب بابني" ظاهر الحال أن زوجها طلقها، لأنه لو لم يطلقها لكان ذهابه بابنها إلى بيتها فالظاهر أنه طلقها "وقد نفعني" الفاعل الابن "وسقاني من بئر أبي عنبة" وهي بئر مشهورة في المدينة يعرفها النبي ﷺ ، "فجاء زوجها، فقال النبي ﷺ : ... إلخ".
في هذا الحديث: دليل على ما سبق من أن المدعي يمكن من إبداء الأسباب الموجبة لكون محقا.
стр. 2679
ومن فوائده: أن الغلام إذا بلغ سنا يعرف به مصالح نفسه فإنه يخير بين أبيه وأمه فإن اختار أبوه أخذه أبوه وإن اختار أمه أخذته أمه ولكن هل يلزم من ذلك أن يهجر الآخر؟ لا، نقول إذا اختار أباه صار عنده ولكن لا يمنعه من زيادة أمه ولا من زيارة أمه له إلا أن يخشى من ذلك ضررا فهو أعلم وأما بلا ضرر فالواجب أن يمكنه من زيارة أمه ومن زيارة أمه له بلا ضرر.
ومن فوائد الحديث: أن التمييز بها يشترط له سن لأنه هنا علق بفهم الطفل واختياره من يراه أنه أصلح له ولم يعلق بسن معين وهذا موضع اختلف فيه العلماء فمنهم من قال: "إن التمييز يعتبر بالسن وهو بلوغ سبع سنوات، وقال: إذا بلغ الطفل سبع سنوات فهو مميز وما دون ذلك فليس بمميز وذهب بعض العلماء إلى أن التمييز معتبر بالوصف فمن كان ذا تمييز وما دون ذلك فليس بمميز وذهب بعض العلماء إلى أن التمييز معتبر بالوصف فمن كان ذا تمييز فهو مميز وإن كان دون السبع ومن لم يكن ذا تمييز فليس بمميز وإن جاوز السبع وأن ذكر السبع في قول الرسول ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع" بناء على الأغلب أن من بلغ سبعا صار مميزا.
فإن قال قائل: إذا اعتبرتم التمييز بالوصف فما هو الوصف؟
قال العلماء: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب وليس يفهم ولا يرد لأن الذي لا يفهم ولا يدر يكون بثلاث سنوات أو أقل، طفل يفهم هذه أمك وغير ذلك لكن الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب هذا ميز، الحديث في المحضون ذكر فهل الأنثى كذلك، يعني: أنها إذا بلغت سبعا تخير بين أبيها وأمها أم ماذا؟ هذا موضع خلاف بين العلماء.
منهم من قال: إنها تخبر، كالابن.
ومنهم من قال: يأخذها الأب، لأن بقاءها وهي بنت شابة عند أمها يخشى عليها إذ إن الأم لا يمكن أن تدافع لو سطا عليها رجل غاشم.
ومنهم قال: بل تبقى عند أمها حتى تبلغ المذهب الأول، أي: أن أباها يأخذها عنده، ولكن القول الثاني أصح، أي: أنها تبقى عند أمها؛ لأن أمها أرحم بها من غيرها، ولأن تعلق البنت أكثر من تعلق الطفل، ولأن عناية الأم ببنتها في تعليم البنت حوائج البيت من طبخ وغيره أكثر بكثيرة من عناية زوجة أبيها أو جدتها من قبل أبيها فالصواب أنها تبقى عند أمها حتى تتزوج إلا إذا خفنا من ذلك ضررا بأن تكون الأم في بيت غير مصون ويكثر الفساق الذين يتسورون البيوت ففي هذه الحال لا بد أن تكون عند أبيها الذي يحميها.
стр. 2680
١١٠٨ - وعن رافع بن سنان ﵁: "أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأقعد النبي ﷺ الأم ناحية، والأب ناحية، وأقعد الصبي بينهما، فما إلى أمه، فقال: اللهم اهده، فمال إله أبيه، فأخذه". أخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم.
هذا أيضا شبيه بالحديث الأول، أن نافع بن سنان أسلم "وأبت المرأة أن تسلم" ولم يذكر في الحديث ماذا يكون الحكم إذا أسلم الرجل ولم تسلم المرأة؟ والحكم فيه كما يلي إن كانت المرأة يهودية أو نصرانية فالنكاح بحاله لا ينفسخ؛ لأن المسلم يجوز له أن يتزوج اليهودية والنصرانية ابتداء، والاستدامة أقوى من الابتداء، فإذا جاز للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية ابتداء فاستدامة النكاح من باب أولى وإذا لم تكن يهودية أو نصرانية بل مشركة فإننا ننتظر حتى تنتهي العدة ولم تسلم تبينا أن النكاح انفسخ منذ أسلم زوجها، وإن أسلمت فالنكاح بحاله -هذا هو المذهب- أننا ننتظر العدة ثلاثة قروء إن أسلمت فيها فهي زوجته وإن لم تسلم فإنه يتبين أن النكاح انفسخ في حين إسلامه لا من انقضاء العدة، وقال بعض العلماء: بل ينفسخ النكاح من حين إسلامه وإبائها لأنها صارت ممن لا يحر له فينفسخ النكاح بمجرد الإسلام إذا أسلم ولم تسلم صار هو مسلما وهي مشركة والمشركة لا يمكن أن تبقى في حبال المسلم لكن المذهب الأول أوسع للناس لأنه ربما يحاول إذا أسلم أن يدعوها للإسلام وربما يهديها اللهع .
في هذا الحديث: أن الابن لا يقر عند أبيه إذا كان كافرا ولو اختاره ولا عند أمه إذا كانت كافرة ولو اختارها؛ لأن هذا الصبي مال إلى أمه وهي مشركة وكافرة ولكن الرسول ﷺ دعاء الله أن يهديه فمال إلى أبيه وكان الطفل في أول الأمر قد مال إلى أمه فإن قال قائل: إن الرسول ﷺ لم يمنع الطفل من الميل إلى أمه وإنما دعا الله له وأنتم تقولون إنه لا حضانة لكافر على مسلم؟
قلنا: إن دعاء الرسول ﷺ له مقبول وسيكون بمنزلة المنع ولهذا لو وقعت القصة عند حاكم اليوم أسلم الزوج وأبت المرأة أن تسلم ومال الصبي إلى أمه فهل ندعو الله أن يهديه وإذا لم يرجع إلى أبيه نتركه أو نمنع ميله إلى أمه؟ الثاني لأن الرسول ﷺ ليس كغيره إذا دعا استجيب له، وفي دعائه إلى أن يهديه الله دليل على أنه إذا اختار أمه وهي كافرة على أن ذلك ليس يهدي ولكنه ضلال وغير فلهذا يتعين ألا يمكن من الميل إلى أمه إذا كانت كافرة وأبوه مسلما.
стр. 2681
نأخذ من هذا أنه يشترط أن يكون الحاضن مسلما إذا كان المحضون مسلما، أما إذا كان المحضون كافرا وأبوه كافر فإننا لا نتعرض له؛ لقوله النبي ﷺ : "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فالكافر له ولاية على ولده الكافر من ذكور أو إناث لكن الكافر ليس له ولاية على المسلم.
وفي هذا الحديث: إشارة إلى أن أهم شيء في الحضانة أن يهتدي المحضون، لقوله: "اللهم اهده" فهذا أهم شيء، وبناء عليه إذا كان الحاضن يهمل المحضون لا يأمره بالصلوات ولا يأمره بآداب ولا يقوم بواجبه التربوي، فإن حضانته تسقط وتكون الحضانة لمن يليه.
١١٠٩ - وعن البراء بن عازب ﵁: "أن النبي ﷺ قضى في ابنة حمزة لخالتها، وقال الخالة بمنزلة الأم". أخرجه البخاري، وأخرجه أحمد: من حديث علي ﵁ فقال: "والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة".
حمزة هو عم النبي ﷺ ابن عبد المطلب قتل شهيدا في أحد، وهو سيد الشهداء وأفضل الشهداء، اللهم إلا من قتل بغير معركة كعمر بن الخطاب فهو أفضل منه، من حيث قيامه بالإسلام والدين ونفع المسلمين به وإن كان حمزة أفضل منه نسبا. هذه البنت قضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وذلك أنه تنازع فيها ثلاث: علي بن أبي طالب وأخوه جعفر بن أبي طالب وهو زوج خالتها، والثالث زيد بن حارثة، وقال: إنها ابنة أخي يعني من الرضاع أول لأن الرسول ﷺ أخي بينه وبين حمزة تنازع فيها الثلاث فقضي به النبي ﷺ لخالتها وأعطاها جعفر بن أبي طالب قال: "الخالة بمنزلة الأم".
فيستفاد من هذا الحديث: أنه إذا تنازل ثلاثة في طفل سواء كان غلاما أو أمه فإنه يقدم هو أحق ولكن يشكل على هذا أن الخالة الآن متزوجة وقد قال النبي ﷺ للأم وهي أدنى من الخالة واقرب إلى المحضون "أنت أحق به ما لم تنكحي" فكيف الجواب؟
الجواب: أن هذا ليس فيه منازع وذلك لأن علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة ليسا معهما امرأة تقوم مقام الأم وإلا فإن عليا وجعفر متساويان في القرب من هذه البنت فلما كان جانب هذا أرجح وليس بالجانب الآخر ما يرجحه قضى به لذلك وقيل: بل العلة شيء آخر وهي أنه إذا كان الزوج أجنبيا من المحضون فإن حضانة أمه تسقط وأما إذا كان قريبا فإنها لا تسقط ومن المعلوم أن جعفر ابن أبي طالب قريب من بنت حمزة بن عبد المطلب وهذا هو الذي مشى عليه
стр. 2682
فقهاؤنا ﵏ وقالوا: إن نكاح الأم أو الأنثى التي لها حق الحضانة لا يثبت حضانتها إذا كان الزوج من أقارب المحضون، وقال بعض أهل العلم عن العلة في النكاح ليس مجرد النكاح بل عدم رضا الزوج الذي تزوج الأم، أو بعبارة أعم الذي تزوج الحاضنة فإذا كان الزوج راضيا بذلك بل مطالبا به فإن حق الأمر أو المرأة أو بعبارة أعم فإن حق المرأة التي لها الحضانة لا يسقط وعى هذا يكون المراعى حق الزوج فإذا رضي بذلك فلا بأس وعلى الوجه الثاني يكون المراعى حق المحضون إن كان الزوج قريبا منه فالحضانة باقية وإن كان غير قريب فإن الحضانة تسقط، والقولان الأخيران كلاهما في الميزان سواء وذلك أن الزج الجديد إذا رضي بأن تبقى بنت زوجته التي لها حضانتها إذا رضي أن تبقى، وعلم أن الرجل ثقة وأمين فينبغي ألا يسقط حق الأم لأن بقاء الطفلة مع أمه في هذه الحال أقرب إلى مصلحته مما لو كان عند أبيه وجعله الأب عند ضرة أمه التي فارقها، فإن الأمر يكون صعبا وعلى هذا فنختار أحد الوجهين: إما أن نقول: إذا تزوجت من لها الحضانة بزوج أجنبي من المحضون سقطت حضانتها وإن تزوجت بقريب فإنها لا تسقط أو نقول إذا تزوجت من لها الحضانة بزوج لا يختار مع زوجته أحدا فإن الحضانة تسقط، وإن اختار ورضي بل طالب، فإن الحضانة لا تسقط؛ لأنه في هذه الحال لن يضيع المحضون وعلى كل قول من هذين القولين مشى طائفة من العلماء، وأما القول بتقديم حديث البراء بن عازب على ما سبق لأنه في الصحيحين بل أخرجه البخاري فيكون أصح فنقول: لا، لا صحة لهذا القول لأنه من العلماء من قال: إن حقها لا يسقط بالنكاح مطلقا واستدل بحديث البراء ولكننا نقول: لا نعدل إلى التصريح إلا إذا تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع بأحد الوجهين السابقين فإنه لا حجة إلى الترجيح.
في هذا الحديث فوائد منها: عدل النبي ﷺ وإلا فمن المعلوم أن علي بن أبي طالب ﵁ أفضل الثلاثة، لكن لعدله ﷺ قضى بما يقتضيه العدل.
ومن فوائد الحديث: تقديم الأنثى على الذكر في الحضانة إذا كانا في منزلة واحدة وقد سبق لأن الرسول ﷺ رجح جانب جعفر لكون خالتها معه ولم يراع الأفضلية ولم يقرع بين علي وجعفر لتساويهما في القرابة بل رجح جانب الخالة.
ومن فوائد الحديث: أن الخالة بمنزلة الأم فهل هذا عام في كل شيء أو هو عام أريد به الخاص أي: أن الخالة بمنزلة الأم في الحضانة فقط؟ الثاني هو المتفق عليه والأول فيه نزاع، فمن يرى أن ذوي الأرحام يرثون قال: الخالة بمنزلة الأم في الحضانة والميراث، ومن رأى أنهم لا يرثون قال الخالة بمنزلة الأم في الحضانة فقط.
قال: وأخرجه أحمد من حديث علي ﵁ فقال: والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة".
стр. 2683
الشاهد قوله: "فإن الخالة والدة" وهي بمعنى قوله: في الحديث الأول "بمنزلة الأم" لكن الحديث الثاني فيه ما يسمى عند البلاغيين: بالتشبيه البليغ وهو الذي حذفت فيه الأداة ووجه الشبه فهذا يسمى تشبيها بليغا وإن حذفت الأداة وحدها سمي مرسلا، وإن حذف وجه الشبه سمي مجملا.
١١١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين". متفق عليه واللفظ للبخاري.
لماذا صار الذي يلي الفعل منصوبا والآخر مرفوعا؟ لأن من باب تقديم المفعول على الفاعل وتقديم المفعول على الفاعل جائز ومنه قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمت) [البقرة: ١٢٤]. وقوله: "وإذا أتى أحدكم خادمه بطعام". أي بطعام السيد "فإذا لم يجلسه فليناوله لقمة أو لقمتين"، يعني: فالأفضل أن يجلسه معه؛ لأن في ذلك فائدتين الفائدة الأولى: التواضع حيث يجعل الخادم يأكل معه.
والفائدة الثانية: جبر خاطر الخادم لأنه إذا أجلسه تفضل فإنه يجبر خاطره ولكن لو لم يفعل فلا حرج عليه لأن الخادم نفسه أيضا لا يكون في قلبه شيء على سيده إذا لم يجلسه معه لأنه يعرف نفسه أنه خادم ولكن يقول: بل يناوله لقمة أو لقمتين يعني: يعطه بعض الشيء، وهنا نسأل ما وجه مناسبة هذا الحديث لباب الحضانة؟ .
المناسبة لها عدة أوجه: منها: إذا كان الإنسان يلاطف الخادم هذه الملاطفة فملاطفته للمحضون من باب أولى، لأنه إذا كان الرسول ﷺ أمرنا وأرشدنا أن نلاطف الخدم وهم خدم فما بالك بالمحضون؟ ! فإذا جاء المحضون بالطعام فنقول: أجلسه معك أو ناوله لقمة وهذا أقرب ما يكون من المناسبة ومنها أنه إذا كان يجب علينا تغذية الأبدان فيمن ولانا الله عليه فتغذية الأرواح من باب أولى.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها جواز استخدام الغير لقوله: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعام"، ويتفرع على هذه الفائدة أن ذلك ليس من باب الترف ولكن هل الأفضل أن يستخدم الغير، أو أن يخدم نفسه إلا لحاجة؟ الأحسن أن يخدم نفسه إلا لحاجة، لأن الرسول ﷺ غالب أحواله أنه يكون في مهنة أهله في البيت مع أن له خدما لكنه كان يباشر ذلك بنفسه.
ومن فوائد الحديث: أن الخادم مؤتمن على طعام السيد لقوله: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعام"، ولكن هل نأتمن الخدم على الطعام مطلقا؟ أو نقول: الأصل الائتمان ما لم يوجد سبب يغير هذا الأصل؟ الثاني، وبناء على ذلك نقول: لا يكن في قلبك شك مما يقدم إليك
стр. 2684
الخادم, ولكن إذا حصل ريب فلا حرج أن تحتاط ويذكر أن النبي ﷺ بعد أن قدمت له الشاه المسمومة في خيبر كان لا يأكل من طعام الرجل إلا إذا أكل الرجل منه قبله وهذا يستعمله كثير من الناس اللذين يخافون على أنفسهم, إذا قدم إليهم الطعام أو الشراب قالوا للذي جاء به: كل منه أو اشرب منه؛ من أجل إن كان فيه ما يحذر يكون هذا الذي أكل هو أول فريسة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون متواضعا؛ لقوله ﷺ "فإن لم يجلسه معه فليناوله".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر من خدمه بالجبر الأعلى أو بالجبر الأدنى, الأعلى أن يجعله مساويا له والأدنى دون ذلك.
١١١١ - وعن أبي عمر ﵁, عن النبي ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار فيها, لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها, تأكل من خشاش الأرض, متفق عليه.
قوله: "امرأة" نكرة ولم يعين اسمها. لأن المقصود هو الحكم وقوله: "في هرة سجنتها" "في" هنا للسببية أي: سببها.
وقوله: "سجنتها" يعني: حبستها, "حتى ماتت فدخلت النار فيها", أي: بسببها "لا هي أطعمتها ... الخ", "خشاش الأرض" ما فيها من الحشرات لأن الهرة تأكل حشرات الأرض, ولكن هذا العذاب عذاب مستمر؟ لا؛ لأن العذاب الذي على المعاصي دون الكفر لا يستوجب الخلود في النار.
فإن قال قائل: ما وجه مناسبة هذا الحديث لباب الحضانة؟ يعني: الإنسان إذا أهمل ما تحت يديه من غير البشر وعذب بذلك فتعذيبه من أجل البشر من باب أولى.
يستفاد من هذا الحديث: إثبات العذاب في النار وكيف أطلع النبي ﷺ على ذلك؟ في صلاة الكسوف حيث عرضت له النار فرأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي الذي هو أول من أدخل الضلالة والشرك على العرب ورأى فيها النبي ﷺ صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه والمحجن هو: العصا المحنية الرأس فإذا مر بالحاج أخذه بهذا المحجن إن تفطن له قال: هذا من المحجن, وإن لم يتفطن له أخذه ومشى! ورأى فيها صاحبة الهرة تعذب بالنار بسبب هذه الهرة.
يستفاد من ذلك: تحريم حبس البهائم في محل تهلك فيه سواء كان ذلك للجوع أو
стр. 2685
العطش أو الحر الشديد أو البرد الشديد؛ لأن الحيوان قد يموت بغير الجوع والعطش فيحرم حبسه بما يكون سببا لهلاكه.
ومن فوائد الحديث: جواز حبس الحيوان إذا قام الإنسان بواجب الأكل والشرب والتغذية والتبريد، الدليل قوله: "لا هي أطعمتها وسقتها" ويتفرع من هذه الفائدة: ما يفعله كثير من الناس اليوم يحبس الطيور في الأقفاس لكن يقومون بواجبها من الأكل والشرب، فإنهم لا يعذبون بذلك لكن هل يجوز أن تبذل الدراهم لشراء هذه الطيور مع أننا سمعنا أنها تباع بثمن غال؟
الجواب: نقول إذا كانت فيها فائدة لا بأس بشرائها؛ لأن بعض هذه الطيور فيها فائدة، وهي: أنه إذا دخل رجل غريب البيت صار يصرخ حتى ينتبه أهل البيت، وبعضها يعرب ويفصح بلسانه ويسمى هذا الببغاء وهو معروف، ومن ذلك أيضا إذا كان الإنسان يحبس الصقور التي يصطاد بها في الأقفاص ولكنه يقوم بطعامها وشرابها فلا بأس بذلك.
فإن قال قائل: وماذا تقولون في الطيور المحنطة، أولا: هل يجوز شراؤها بالثمن مع أنه لا فائدة منها، وثانيا: هل هي نجسة أو طاهرة؟
أما الأولى، فنقول: إن اشتراها لمنفعة كالاطلاع على هذه الأنواع التي خلقها الله والاستدلال بها على كمال قدرة الله وحكمته فهذا لا بأس به، أما لمجرد أن يجعلها زينة فإن هذا في جوازه نظر، أما إذا جعلها عند المدخل من أجل حماية البيت من الشياطين فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا سبب غير شرعي، وإذا كان سببا غير شرعي فإنه يكون نوعا من الشرك، وأما النجاسة فإن كانت مذكاة وهي مما يباح في الذكاة فليست نجسة، وأما إذا حنقت خنقًا فهي نجسة سواء كانت مما يحل بالذكاة أو لا، إلا إذا كانت مما لا نفس له سائلة، أو كانت مما تحل ميتته، مثال الأول: العقرب والجُعل هذا ميتته طاهرة، ومثال الثاني السمك والجراد ونحو ذلك فإن ميتته طاهرة وليست بنجسة.
***
стр. 2686
كتاب الجنايات
ويشتمل على:
١ - باب الديات
٢ - باب دعوى الدم والقسامة
٣ - باب قتال أهل البغي
٤ - باب قتال الجاني وقتل المرتد
стр. 2687
كتاب الجنايات
تعريف الجنايات لغة وشرعًا:
"الجنايات": جمع جناية، وهي: التعدي على النفس أو البدن أو المال، والمراد هنا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، فهي أخص من المعنى اللُغوي، وهذا هو الغالب في الحدود، أي: أن تكون أخص من الاصطلاح منها في اللغة، إلا في مواضع يسيرة مثل: الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق وقول وعمل، فهو أعم من المعنى اللغوي.
وذكر المؤلف وغيره الجنايات بعد أن ذكر ما يتعلق بكمال النفس فالعبادات قبل كل شيء وبعدها المعاملات لأن الإنسان يحتاج إليها، ثم الأنكحة وما يتعلق بها والعدد ثم النفقات لاحتياج البدن إليها، وما يتبعها من الرضاع والحضانة ونحو ذلك ثم العدوان، وذلك لأن الاعتداء يكون في الغالب عند تمام النعم، حيث يكون الأشر والبطر إذا تمت النعمة حصل من بني آدم أشر وبطر وجناية وعدوان، ولهذا نجد أن الفقراء تلحقهم الذلة والمسكنة، ولهذا يسمون مساكين.
حكم الجنايات بجميع أنواعها التحريم:
والجنايات محرمة مطلقًا سواء على البدن أو على المال أو على العرض لقول النبي صلي الله عليه وسلم في حجة الواداع وهو يخطب الناس "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ولقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا".
مراتب الجنايات وأقسامها"
وأعظم الجنايات الجناية على النفس لقوله تعالى: ? ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنُون? [الفرقان: ٦٨]. فبدأ بقتل النفس قبل العرض وهو الزنا لأنه أعظم ما يكون من الذنوب بعد الشرك بالله وقد قسم العلماء الجنايات إلى أقسام ثلاثة: العمد، وشبه العمد، والخطأ، فالعمد أن يتعمد الجناية فيما يقتل غالبًا على معصوم، مثل أن يرى
стр. 2688
فلانًا ويعرف أنه معصوم مسلم أو ذمي فيتعمد قتله بسيف أو خنجر أو سكين أو رصاص، فهذا عمد عدوان لأنه ليس فيه أدنى شبهة، وأما شبه العمد فأن يتعمد الجناية على معصوم بما لا يقتل في الغالب كالعصا والسوط العادي فإنه إذا ضرب إنسانًا في غير مقتل لم يقتله في الغالب لكن لو فرض أن الضربة ازدادت وتُرك حتى مات فإنه شبه عمد وليس بعمد، والخطأ ألا يقصد الجناية أصلًا مثل أن يرمي صيدًا فيصيب أدميًا، فهذه أقسام الجنايات عند العلماء والذي فيه القصاص هو الأول العمد العدوان وأما شبه العمد والخطأ فليس فيه قصاص وإنما فيه الدية والكفارة، والعمد فيه قصاص وليس فيه دية ولا كفارة إل إذا اختار أولياء المقتول الدية فإنهم يأخذونها.
حرمة دماء المسلمين وتعظيمها:
١١١٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا يحلُّ دمُ أمريء مُسلم بشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنًي رسول الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، والمفارق للجماعة". متفق عليه.
"دمه" أي: يقتله حتى يسفك دمه، وهذا بناء على الغالب، وإلا قد يقتل بغير سفك الدم، وحديث عائشة الذي بعده أعم منه حيث قال: "لا يحل قتل مسلم" فهو أعم من أن يكون دمًا لأنه قد يقتله بخنق أو وطء على بطنه أو عصر لخصيتيه.
وقوله: "مسلم يشهد" هذه الجملة تفسير لما قبلها، لأن المسلم هو الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومعنى "يشهد" أي: يعتقد بقلبه ناطقًا بلسانه أن لا إله إلا الله وجملة "لا إله إلا الله" تشتمل على نفي وإثبات أي: أنها تشتمل على نفي لكل معبود وإثبات لمعبود واحد هو الله ، وقد اختلف المعربون في إعرابها على نحو ستة أوجه، واختلف المقدرون في تقديرها، فمنهم من قال: التقدير: لا إله موجود إلا الله، وهذا خطأ وليس بصحيح، لأنه توجد آلهة تعبد من دون الله، ومنهم من قال: المقدر محذوف تقديره: حق أي: لا إله حق إلا الله، وهذا هو الصواب، بل هو المتعين، لأنه مطابق تمامًا لقوله تعالى: ? ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل? [الحج: ٦٢]. فيكون الخبر محذوفًا تقديره حق ويكون ما بعد إلا بدلًا منه.
"يشهد أن لا إله إلا الله" أي: لا معبود حق إلا الله و"أني رسول الله" يعني: أن محمدًا رسول الله صلي الله عليه وسلم أرسله الله? ولكن لابد أن تكون الشهادة بالرسالة على الوصف الذي أرسل به، يعني: لا يكفي أن يقول: إنه رسول، لأن النصارى يقولون: إن محمدًا رسول، لكن
стр. 2689
إلى العرب، بل لابد أن تكون شهادته بالرسالة مطابقة لما أرسل به الرسول صلي الله عليه وسلم بأن يؤمن بأنه رسول إلى العالمين? تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا? [الفرقان: ١]. يقول: "لا يحل دمه إلا بإحدى ثلاث ... " إلخ.
"الثيب" بالجر بدلًا من إحدى ثلاث، ويجوز الرفع على أنه مستأنف خبر من المحذوف تقديره هو الثيب الزاني .. إلخ، قال العلماء: الثيب هو الذي جامع زوجته بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فلابد من نكاح صحيح وجماع من بلوغ الزوجية وحريتهما وعقلهما، فالشروط للإحصان خمسة، فهذا يرجم حتى يموت كما ثبت ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم وهل يجمع له من الرجم جلد؟ على قولين للعلماء والصحيح أنه لا يجمع لأن جميع الذين رجعوا في عهد النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع لهم بين الجلد والرجم، وإن كان روي عن علي أنه جمع بينهما وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، الثاني "النفس بالنفس" وهذا القصاص إذا قتل أحد شخصًا قتل به؟ وهو من تمام العدل، ? فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم? [البقرة: ١٩٤]. فمن قتل بها بالشروط المعروفة، ولكن هل يقتل القاتل بالسيف أو ما قتل به؟ في هذا للعلماء قولان:
أحدهما: أنه يقتل بالسيف واستدلوا بحديث رواه ابن ماجه بسند ضعيف أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا قود إلا بالسيف"، لا قود، يعني: لا قصاص ولأن السيف أسهل في الغالب، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، وقال بعض العلماء: بل يقتل القاتل، أي: الجاني بما قتل به إن قتل بالسيف قتل به وإن قتل بالرصاص قتلناه بالرصاص، وإن قتل بالسم قتلناه بالسم، واستدلوا لهذا الكتاب والسنة والقياس الصحيح، أما الكتاب فقوله تعالى: ? ولكم في القصاص حياة? [البقرة: ١٧٩]. ولا يتم القصاص إلا إذا قتل الجاني بما قتل به ويقول تعالى"? فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم? هذا اعتدى على هذا بالسيف نعتدي عليه بالسيف، وأما بالسنة فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلي الله عليه وسلم رض رأس رجل يهودي رض
стр. 2690
رأس جارية للأنصار وأخذ ما معها من الأوضاح? الحلي- فجيء للمرأة وهي في آخر رمق وقيل: من قتلك؟ فلان، فلان، حتى وصلوا إلى اليهودي فأومات أن نعم فأخذ اليهودي فأقر فأمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين. هذا من الكتاب والسنة.
المعتدي جان يفعل به كما فعل:
القياس الصحيح أن المعتدي جانٍ وتمام العدل في معاملته أن تفعل به كما فعل، وهذا القول هو الصحيح بل هو المتعين، فعلى هذا نقول: قوله صلي الله عليه وسلم: "النفس بالنفس" يعني: أنه يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه، والزاني ماذا يفعل به? الزاني المحصن- يرجم، وقوله صلي الله عليه وسلم "النفس بالنفس" هو كقوله تعالى في سورة المائدة: ? وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس? وكما تشاهدون الحديث عام فهل خصص منه شيء؟ أولًا ننظر في عمومه قتل رجل بالغ رجلًا بالغًا يقتل به، رجل عاقل رجلًا مجنونًا يقتل به، امرأة قتلت رجلًا تقتل به، رجل قتل امرأة يقتل بها، حر قتل عبدًا يقتل به، عبد قتل حرًا يقتل به، أب قتل أبنًا يقتل به، أم قتلت بنتها تقتل بها، ابن قتل أباه يقتل به، مسلم قتل كافرًا يقتل به للعموم كافر قتل مسلمًا يقتل به، هذا هو العموم ولنا أن نأخذ بالعموم حتى يثبت المخصص لأننا مأمورون بالأخذ بالنصوص على عمومها حتى يثبت المخصص فهل هناك مخصص؟
مسألة: هل يجوز قتل المسلم بالكافر؟
أولًا: يقتل الكافر بالمسلم، يعني: لو قتل كافر مسلمًا فإننا نقتله والدليل على ذلك: النفس بالنفس، لا يقتل المسلم بالكافر يحتاج إلى دليل ما هو الدليل؟ ما ثبت في الصحيحين من حديث على بن أبي طالب ألا يقتل مسلم بكافر فإن الكافر حربيًا فإنه يقتل به بالإجماع لأن الحربي دمه هدر، وإن كان ذميًا فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال الأول لا يقتل المسلم بالذمي لعموم حديث علي لا يقتل مسلم بكافر.
والثاني: يقتل لأن النبي صلي الله عليه وسلم قتل مسلمًا بذمي وقال: "أنا أولى من أوفى بذمته"، ولأن الذمي معصوم الدم والمال فهو كالمسلم، والدين يختص بنفسه لكن حفظ الأمن العام هو للعموم.
القول الثالث: إن قتله غيلة? إن قتل المسلم الكافر غيلة- فإنه يقتل به، وإن كان عن قصد فإنه لا يقتل به، الغيلة: هو أن يتحرى القاتل غفلة الإنسان فيقتله، فإن المسلم يقتل بالكافر وعليه
стр. 2691
يحمل ما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قتل مسلمًا بكافر في غزوة خيبر، ولأن قتل الغيلة مخل بالأمن على سبيل العموم فيقتل القاتل حفظًا للأمن لأن القاتل غيلة لا يمكن التحرز منه إذ هو يأتي في غفلة وغرة بخلاف الذي يشابك باليد ويقاتل فهذا قد أتى عن قصد، والقول بأنه يقتل به مطلقًا ضعيف والقول بأنه يقتل إذا كان القتل غيلة قوي والقول بأنه لا يقتل به مطلقًا أيضًا قوي فالترجيح الآن دائر بين القولين أنه إذا قتل المسلم الكافر غيلة قتل به أو أنه لا يقتل به مطلقًا؟ جمهور العلماء على أن المسلم لا يقتل بالكافر مطلقًا لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم "لا يقتل مسلم بكافر" وأما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم في قتل مسلم بذمي فهذا إن صح فهو قضية عين قد تكون فيها ملابسات أوجبت قتل الرجل، وقال بعض العلماء إن قتل الرسول صلي الله عليه وسلم المسلم بالذمي من باب التعذير وأن النبي صلي الله عليه وسلم وحده له أن يعذر بالقتل لأنه معصوم من إرادة قتل النفس، وأما غيره فلا يعذر بالقتل لأنه قد يكون له هوى وهذا ينبغي أن يضم إلى الأقوال الثلاثة، وهو عبارة عن جواب من استدل بفعل الرسول صلي لله عليه وسلم على قتل المسلم بالذمي فيقال ما ذكرنا.
مسألة: هل يقتل الرجل المرأة؟
هل يقتل الرجل المرأة؟ نعم، الدليل: "النفس بالنفس" وهذا رآه جمهور العلماء بل حكاه بعض العلماء، وقيل: لا يقتل الرجل بالمرأة، وقيل: يقتل بها ويدفع أهلها نصف الدية وجه هذا القول أنه يدفع نصف الدية لأن دية المرأة نصف دية الرجل فإذا قتلنا الرجل فإنه يدفع أهلها نصف الدية الرجل من مالها أما من أموالهم فلا يلزمهم لأن الله يقول: ? ولا تزر وازرة وزر أخرى? [الإسراء: ١٥]. ولكن الصحيح المتعين أنه يقتل الرجل بالمرأة ودليل هذا أن النبي صلي الله عليه وسلم قتل اليهودي بالجارية وهذا قتل رجل بامرأة ولعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم "المؤمنون تتكافيء دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" فإن قيل: ما الجواب عن قوله: ? والأنثى بالأنثى? فالجواب أن الآية صريحة في أن الأنثى تقتل بالأنثى ولها مفهومان الأول أن الرجل لا يقتل بالأنثى والثاني أن الأنثى لا تقتل بالرجل لكن المفهوم يقال فيه أن الأنثى تقتل بالرجل من باب أولى، وأما الثاني هل يقتل الرجل بالمرأة فإن دلالة آية البقرة على امتناعه بالمفهوم والسنة اثبتت قتل الرجل بالأنثى وفي قوة المنطوق فيكون مقدمًا على المفهوم إذن الأنثى تقتل بالرجل من باب أولى، يعني: إذا كانت تقتل بالأنثى فالرجل من باب أولى وهل يقتل الرجل بالأنثى قلنا: جمهور
стр. 2692
العلماء- وحكي إجماعًا- على أن الرجل يقتل بالأنثى، وقال بعض العلماء: إنه إذا قتل فلابد من أن يسلم لأوليائه نصف الدية ثم أوردنا إشكالًا بالنسبة للآية وقلنا: الآية منطوقها أن الأنثى تقتل بالأنثى، مفهومها أن الرجل لا يقتل بالأنثى ولا الأنثى بالرجل، ولكن قتل الأنثى بالرجل من باب أولى فتكون دلالة الآية على انتفائه دلالة مفهوم ودلالة السُّنة على ثبوته دلالة في قوة المنطوق فتكون أولى ثم عموم قوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وعموم النفس بالتنفس يدل على ثبوت القصاص، إذا قتل أب ابنه أيقتل به؟ قلنا: نعم، يقتل على العموم لكن جمهور العلماء على أن الوالد من أب أو أم لا يقتل بولده واستدلوا لذلك بحديث فيه مقال لا يقتل والد بولده وهو يعم الأنثى بالنسبة لأولادها والأب بالنسبة لأولادها والأب بالنسبة لأولاده أيضًا هذا دليل من الأثر: ودليلهم من النظر أن الوالد هو السبب في وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه فهو السبب في إيجاده، وعلى هذا فيكون قتل الوالد بولده مستثنى من قوله ﷺ : (النفس بالنفس).
مسألة: هل يقتل الوالد بولده؟
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوالد يقتل بالولد واستدلوا بالأثر فقالوا: لدينا عموم الحديث النفس بالنفس وعموم الآية ﴿أن النفس بالنفس﴾ وعموم قوله تعالى: ﴿فمن آعتدى عليكُم فآعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكُم﴾ والنظر أن قتل الولد أعظم جناية من قتل الأجنبي فكيف يسقط القصاص في قتل الولد مع أنه أعظم جناية من قتل الأجنبي، وكان الأولى أن يقال: إذا ثبت القصاص في الأجنبي فليثبت في قتل الولد، وأما ما استدل به القائلون بمنع قتل الوالد بالولد فهو أثر ضعيف لا يقاوم عموم قوله: (النفس بالنفس) والنظر الذي استدلوا به أيضًا ضعيف، علة معلولة، لأن الولد لما قّتل لم يكن سببًا في إعدام أبية من السبب؟ الأب هو السبب هو الذي فعل سببًا يقتضي إعدامه فجنى على تقدير صحته إنما نفى قتل الوالد بالولد لأن الغالب أن قتل الوالد لولده لا يكون إلا عن خطأ، فإن أرحم الناس بالناس
стр. 2693
هوالوالد بالولد فكونه يتعمد قتله أمر بعيد فلذلك قال: (لا يقتل والد بولده) أي: لا يمكن أن يقتل والده عمدًا عدوانًا فإذا انتفى العمد العدوان وهو علة القتل انتفى القتل، ولهذا قال الإمام مالك إن تعمد قتل ولده تعمدًا لا شك فيه بأن أمسكه فأضجعه فذبحه قتل به، لأنه ليس هناك شبهة تقتضي رفع القتل عنه، وإن قتله عمدًا كسائر الناس فلا يقتل لاحتمال وجود الشبة، وهي الخطأ وعدم إرادة القتل.
وقال بعض العلماء- وهم قلة-: يقتل الوالده بكل حال، والقول بالتفصيل وهو إن تعمد قتله عمدًا لا شبية فيه قتل به وإلا فلا، وهذا القول هو الصحيح إن لم نقل بأن القول الصحيح أنه يقتل به مطلقًا، لعموم الأدلة، ولأن النزاع يقع كثيرًا بين الوالد وولده فيغضب الوالد فيقوم ويقتل ولده! ! صحيح أن الغالب أن الوالد يحب ولده ولا يحب أن يناله أحد بسوء ويبعد كل البعد أن يتعمد قتله، ولكن قد يقع، قتل عبد حرًا يقتل به للعموم، لو دعست البعير شخصًا هل تقتل؟ لا، على كل حال: العبد إذا قتل حراً لا إشكال فيه أنه يقتل به.
مسألة: هل يقتل الحر بالعبد؟
لكن إذا قتل حر عبدًا هل يقتل به؟ يقتل لعموم النفس بالنفس وقيل: لا يقتل به لحديث لا يقتل حر بعبد وللنظر وهو أن العبد متقوم فسبيله سبيل البهائهم والقياس هو أن أطراف الحر لا تقطع بأطراف العبد بالإجماع فكذلك لا يقتل به.
وقال بعض العلماء: بل الحر يقتل بالعبد لعموم قوله النفس بالنفس ولأنها نفس محترمة ففارقت البهائم، ولان في قتله خطأ كفارة ففارق البهائم، يعني: لو قتلت بعيرًا خطأ فعليك ضمانها، ولكن ليس عليك كفارة ولو قتلت عبدًا خطأ فعليك ضمانه والكفارة فلم يكن سبيله سبيل الأموال، وأما الأطراف فالرق أن الأطراف تقدر بالنسبة للعبد بالقيمة لا بالدية وأطراف الحر تقدر بالدية، يعني: لو قطع اليد اليسرى من الحر وقطع آخر من حر آخر اليد قطع اليمنى كم دية اليسرى، يعنى: حران قطع يد أحدهما اليمنى رجل وقطع يد أحداهما اليسرى رجل آخر كم يضمن كل رجل دية يد، ولو كان عندنا عبدان فقطع يد أحدهما اليمنى رجل وقطع يد أحدهما اليسرى رجل آخر فكم على كل واحد من الرجلين؟ التقويم اليد اليمنى في العبد تساوي ثلثي القيمة أو ثلاثة أرباع القيمة واليد اليسرى مثلها فكانت الأجزاء من العبد مقومة بالقيمة مقدرة بالقيمة ومن الحر مقدرة بالنسبة إلى الدية فهذا هو الفرق ولذلك لا تُقطع يد الحر إذا قطع يد العبد بالإجماع فهذان قولان متقابلان: القول الأول لا يقتل الحر العبد، والقول الثاني يقتل الحر بالعبد بكل حال، والقول الثالث وسط، وهو أنه إن قتل عبد غيره قتل وإن قتل عبده لم يقتل، ما الفرق؟ قالوا: إذا قتل عبد نفسه فإنه يفضُل هذا العبد بالملكية،
стр. 2694
لأنه يملكه وإذا قتل عبد غيره فإنه لا يفضله في ذلك ولأن العبد- عبد الإنسان- قد يخطأ خطأ يوجب لسيده أن يكون له شبية في قتله فيرفع القتل عنه، ولكن يرد على هذا أنه قد روي في السنن من حديث سمرة (من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه)، يعني: من قطع أنفه وهذا يقتضي أن يقتل السيد بعبده وإذا قتل السيد بعبده فغير السيد من باب أولى، ولهذا نقول القول الراجح في هذه المسألة أن الحر يقتل بالعبد كما قلنا إن القول الراجح أن الأب يقتل بابنه ما لم يكن هناك شبهة ولدينا عمومات (النفس بالنفس) (والمؤمنون تتكافأ دماؤهم)، ولأننا إذا قلنا بعدم القتل أوجب التهاون بقتل العبيد فحصل بذلك شر بين العبيد مع الجناة وبين أسياد العبيد مع الجناة، والتفريق بين قتل الرجل عبده وقتله عبد غيره فيه نظر للحديث الذي ذكرنا أن من قتل عبده قتلناه، وثانيًا: إذا قلنا: إن الحر لا يقتل بالعبد إذا كان هو سيده ويقتل إذا كان العبد لغيره يؤدي إلى أن الأنسان إذا أراد أن يقتل عبدًا ذهب واشتراه من سيده وأغرى سيده بالمال حتى يملكه ثم بعد ذلك يقتله هذه أربعة أشياء.
وقوله ﷺ : (النفس بالنفس) يشمل ما إذا قتل عاقل مجنونًا أو عالم جاهلًا أو شاب طفلًا في المهد أو شاب كبيرًا مخرفًا، وذلك لأن الأنفس ليست مقومة بالمال حتى نقول: إن الشاب الجلد العالم العاقل الذكي لا يقتل بشيخ هرم مخرف لا يمسك بولا ولا غائطّا ولا يقوم من فراشه ولا يعرف أمه من بنته وهذا الرجل الجلد القوي العالم الغني الكريم الشجاع يقتل به إذا قتله؟ نعم، لعموم النفس بالنفس ومسألة القتل ليست مبنية على القيمة، لو كان القاتل أميرًا قتل بغير حق عمدًا عدوانًا هل يقتل الامير؟ العموم يقتل النفس بالنفس، وقال بعض العلماء- ويحتاج أن نحرره-: إنه إذا إقتضى قتله فتنة وشرًا كبيرًا فإنه يمنع من القتل كما قلنا: إن قتل الغيلة يوجب القصاص بكل حال حفظًا لأمن فهذا يمنع فيه من القصاص حفظً للأمن أظن بعض العلماء قال ذلك وقيل: أنه إذا خيف من قتل هذا فتنة كبيرة كما قلنا في قتل الغيلة أنه يوجب القتل ولو اختار أولياء المقتول الدية لحفظ الأمن عموم قوله ﷺ النفس بالنفس يشمل القتل مباشرة أو سبب القتل مباشرة واضح يأخذ السيف ويقتله، القتل بسبب يحفر في طريقه حفرة فيسقط فيها ويموت هذا سبب ولكن إذا اجتمع مباشر ومتسبب فهل يشتركان أو الضمان على المباشر؟ فيه تفصيل: إذا كان المباشر يمكن إحالة الضمان عليه فعلى المباشر، وإن
стр. 2695
كان لا يمكن فعلى المتسبب فلو أن رجلًا رأى أسدًا يريد أحدًا يأكله فأخذ بهذا الطفل ورمى به بين يدى الأسد وأكله فهل الضمان على الأسد؟ لا، لأن هذا المباشر لا يمكن إحالة الضمان عليه إذن الضمان على المتسبب، أما إذا أمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر، مثاله حفر حفرة في طريق إنسان ليسقط فيها فجاء إنسان يمشي فوقف على الحفرة فجاء آخر فدفعه في الحفرة حتى مات على من الضمان؟ على المباشر لأن إحالة الضمان عليه ممكنة اشترك جماعة في قتل إنسان فهل يقتلون به؟ الصحيح أن الجماعة تقتل بالواحد لأنهم مشتركون في القتال، ولأن بعضهم قوة لبعض ربما لو كان واحدًا ما قتل لكن لما كان معه جماعة قتلوا، ولهذا قتل عمر رضى الله عنه جماعة من أهل صنعاء في اليمن اشتركوا في قتل إنسان وقال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وسنة متبعة لكن هم عشرة الآن وقتلوا نفسًا واحدة أفلا نقتل كل واحد منهم عُشر قتله؟ لا يمكن ولو أن أولياء المقتول اختاروا الدية يعطون كل واحد عليه عُشر الدية، يعني: عشرًا من الأبل لماذا اختلف الآن القصاص؟ لأن الدية يمكن تجزئتها والقصاص لا يمكن تجزئته، فلو أن واحدًا قتل عشرة لا نقتله عشر مرات بل مرة واحدة لكن نقول من الذي يتولى قتله؟ كل واحد من أولياء المقتولين يقول: أنا الذي أقتله فماذا نصنع؟ إن عين الإمام أحدًا لا بأس، وإلا يؤخذ بالأول فإن كان قتلهم جميعًا فيقرع بينهم ويثبت للباقين دية إن قتل أولصا، يعني: الذي قتل الأول هو الذي له الحق لأنه صار دمه هدرًا يقتل الأول، إذا كان قتلهم جميعًا برشاش أو غيره فهنا يقرع بينهم لأن القرعة ثابتة في كل مالا يتميز فالمهم أن هذا الباب عظيم ينبغي لطالب العلم أن يحرره ويحققه لأنه ينبني عليه ليس إتلاف مال، المال إذا تلف يأتي ما يخلفه لكن الأنفس، ولهذا يجب أن يتحرز الإنسان كل التحرز فصار هذا العموم النفس بالنفس فيه مستثنيات.
مسألة:
لو زنا الرجل بابنته يرجم مع أنه السبب في إيجادها وكان زناه بها هو السبب في إعدامه، فيقال ليس هي السبب في إعدامه بل فعله بها هو السبب في إعدامه.
أما الثالث فقال التارك لدينه المفارق للجماعة، يعني: الذي ترك دينه وهو مرتد فإنه يقتل لقول النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) ولكن هل يقتل بمجرد الردة أو يجب أن يستتاب ثلاثة أيام أو يفرق بين أنواع الردة فمنها مالا يستتاب فيه ومنها ما يستتاب فيه؟ هذه ثلاثة احتمالات
стр. 2696
هل يقتل بمجرد الردة أو لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فيقال له تُب وإلا قتلنا أو يفرق بين أنواع الردة فيستتاب في بعضها ولا يستتاب في بعض الآخر؟
قال بعض العلماء: إنه لا يستتاب لعموم قول ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا عام والشرط يتلوه المشروط بمجرد وجوده فإذا قلت لك إذا قام زيد فقم متى تقوم؟ إذا قام زيد فورًا (من بدل دينه فاقتلوه) من شرطية فإذا وجد التبديل ثبت القتل مباشرة ولا يستتاب في أي ذنب لأن ذلك أنكى وأروع لغيره من الردة وإلى هذا ذهب بعض العلماء وقال لا استتابة في أي ذنب من الكفر.
وقال بعض العلماء: بل يستتاب ثلاثة في كل ذنب لعله يرجع ويؤوب إلى رشده، والرأفه خير من العقوبة، وهو إذا مات بعد أن رجع ربح الدنيا والآخرة، وإن قتل على ردته خسر الدنيا والآخرة.
وقال بعض العلماء: في ذلك تفصيل فالكفر الذي تقبل توبة المرتد فيه يستتاب والذي لا تقبل توبة المرتد فيه لا يستتاب لأنه لا فائدة حتى ولو تاب فإنه لا فائدة من ذلك، وعلى هذا تنوع الردة إلى نوعين نوع لا تقبل فيه التوبة ونوع تقبل فمن الذي لا تقبل فيه التوبة الكفر بالسحر، فمن كفر بالسحر فإنه يقتل فورًا وهو الذي يستعين في سحره بالشياطين فهذا يقتل فورًا لما يترتب على بقائه من الأذية ولانه لا يؤمن أن يرجع ومن ذلك أي: ممن لا تُقبل فيه توبته من سب الله فإن توبته لا تقبل وعلل ذلك بأن سب الله ذنب عظيم لا يُغفر فلا تُقبل فيه لتوبه من سب الله فإن توبته لا تقبل وعلل ذلك بأن سب الله ذنب عظيم لا يغفر فلا تقبل فيه التوبة ولا يستتاب يقتل بكل حال وكذلك من سب الرسول ﷺ فإنه يقتل بكل حال ولا يستتاب ولو تاب لم تقبل توبته وإذا رجع إلى ربه فالله يحاسبه بما شاء حتى لو تاب لعظم ذنبه ومن ذلك المنافق لا تقبل توبته لأن المنافق من الأصل يدعي أنه مسلم فلا فائدة لقبول توبته فيقتل ومن ذلك الزنديق الداعي للزندقة والكفر وذلك لعظيم جرمه وفساده في الأرض فلا تقبل توبته وهؤلاء لا يستتابون لأنه لا فائدة من التوبة والصحيح في كل هؤلاء أن توبتهم مقبولة لعموم قول الله تعالى: ﴿قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفُسهم .... ﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعُون مع الله إلها أخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا (٦٨) يضعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تابوءامن وعمل عملًا صلحًا فأولئك يُبدل الله سيئاتهم حسنت وكان الله غفوراً رحيمًا﴾ وهذا القول أصح لكن من شككنا في أمره فإنه تجب مراقبته فإن دلت القرينة على صحة توبته وإلا لم نقبل منه كالمنافق مثلًا فهو يحتاج إلى أن نراقبه هل توبته صحيحة أو لا، فإن تبين أن توبته صحيحة ورأيناه يخشى الله في السر والعلن قبلنا لقوله تعالى: ﴿إن المنفقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا (١٤٥) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
стр. 2697
وهذا القول هو الصحيح، وإذا قبلنا توبته رفعنا القتل عنه عنه إلا ساب النبي ﷺ فإننا نقتله ولو تاب بخلاف من سب الله إذا تاب أفليس سب الله أعظم من سب الرسول؟ الجواب: بلى، أعظم بكثير لكن الله أخبر عن عفوه عن حقه إذا تاب الإنسان، وأما النبي ﷺ فلم يخبرنا عن سقوط حقه إذا تاب الإنسان وسب الرسول ﷺ تعلق به أمران حق لله وحق للرسول، أما حق الله فنقبل منه التوبة وحق الرسول نقول الآن نت مسلم ولكن القتل لابد أن نقتلك وإذا قتلناه بعد التوبة فإنه مؤمن فإنه مسلم مؤمن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالرحمة ويدفن مع المسلمين هذا هو القول الصحيح فكل كافر فإن توبته مقبولة، لكن من شككنا في أمره فلابد من مراقبته ومتابعته فإن دلت القرينة على أنه يلعب علينا لم نقبل منه، بقي لنا أن نقول هل يستتاب إذا قلنا بقول التوبة لكل كافر هل يستتاب أو لا؟ الصحيح أن الاستتابة راجعة إلى اجتهاد الإمام إن رأى في استتابته مصلحة استتاب أو لا؟ الصحيح أن الاستتابة راجعة إلى اجتهاد الإمام إن رأى في رأى في استتابه مصلحة استتابه وإلا فلا فالإمام قد لا يرى الاستتابة في حقه لعظم جرمه لكونه لكونه يضل الناس ويمشي بينهم بالفساد هذا لا ينبغي أنيستتاب وقد يكون الكافر الذي ارتد قد يكون مسالمًا لا يدعو إلى ما هو عليه، ولكن معه صنعة تنفع المسلمين وإذا قتلناه خسرنا هذه الصنعة فهنا الأولى الاستتابة فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام، المفارق للجماعة هل هذا قيد، يعني: أنه يشترط لردته أن يظهر مفارقته للجماعة وأنه لو ارتد خُفية لم يحل دمه أو أن هذا صفقة كاشفة لأن المرتد عن الأسلام مفارق للجماعة، فارق المسلمين أيهما؟ الثاني: أنها صفة كاشفة أي: مبينة بأن المرتد مُفارق للجماعة وعلى هذا تكون الصفتان لموصوف واحد ولا تباين إحدهما الاخرى وهل يشتمل قوله التارك لدينه هل يشتمل المرأة؟ نعم، وهذا محل خلاف فقيل إن المرأة إذا ارتدت لاتقتل لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء وقيل: بل تقتل لعموم الحديث (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا الصواب بل المتعين، وأما النهي عن قتل النساء فذاك الكفار عند القتال فإن النساء لا يقتلن لأنهن لو قتلن لفاتت ماليتهن على المسلمين إذا إن نساء الكفار إذا ظهر المسلمون عليهم صرن رقيقات بمجرد السبي، ولهذا لا يجوز أن تُقتل المرأة في جهاد الكفار بل تبقى.
في هذا الحديث عدة فوائد منها: احترام المسلم لقوله: (لا يحل دم امرئ مسلم).
ومنها: فضلية الإسلام وأنه سبب لحقن الدماء وجه الدلالة قوله•امرئ مسلم).
стр. 2698
ومن فوائد: بيان أن الإسلام هو شهادة أن لا إله الله وان محمدًا رسول الله، وأن الإنسان إذا أتى بها فهو مسلم.
ماحكم تارك الصلاة؟
ومن فوائده: أن تارك الصلاة والزكاة الصوم والحج مسلم لقوله: (يشهد ان لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذاه المسألة محل خلاف فمن العلماء من يقول: إن الإنسان يكفر بترك أي ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهذه إحدى الروايات عن الإمام احمد لأن الأركان الخمسة أركان والبيت لا يقوم إلا بأركانه فإذا سقط ركن واحد سقط البيت كله.
ومنهم من قال: يكفر بترك الصلاة والزكاة فقط دون الصيام والحج، وهذه أيضًا رواية عن الإمام أحمد، لأن الله جعل الزكاة قرينة الصلاة في كتابه العظيم، ولأن الله قال: ﴿وويل للمشتركين (٦) الذين لا يؤتون الزكوة﴾
ومنهم من قال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين﴾ وقول النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة).
وقوله: (العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وأما الزكاة فلا يكفر بتركها لقوله ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة في قصة من يمنع زكاة الذهب والفضة أنها تحمى عليها في نار جهنم ويعذب بها ثم يرى سبيله إما إلى الجنه، وإما إلى النار، وإذا كان يمكن أن يرى سبيله إلى الجنة فليس بكافر وهذا أصبح الأقوال، وعلى هذا فكيف نجمع بينه وبين هذا الحديث؟ نقول إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا شهد أن لا إله الا الله، وأن محمدًا رسول الله عصم دمه ثم يطالب بعد ذلك بالصلاة فإن صلى فذاك وإن لم يصل فالقرآن والسنة يدلان على أنه كافر فيكون مرتدا لقوله: التارك المفارق للجماعة.
ومن فوائد الحديث: انحصار جواز قتل المسلم في هذه الثلاثة الزنا بعد الإحصان والثاني النفس بالنفس والثالث الردة لكن يشكل على هذا أن المرتد حين قتله ليس بمسلم والرسول ﷺ يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم) وهو حين القتل ليس بمسلم؟ فيقال: الجواب عن هذا سهل، وهو أنه مسلم باعتبار ما كان فقرن مع صاحبيه الذين يقتلان وهما على الإسلام.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الرجم، لقوله: الثيب الزني وهل هذه المشروعية على
стр. 2699
سبيل الوجوب؟ نعم، الدليل أنه حد من حدود الله، وقد صرح أمير المؤمنين عمر أنه فريضة حين خطب الناس وبين أن الرجم كان آية من كتاب الله، ثم قال: وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.
ومن فوائده: جواز قتل النفس بالنفس وهل هذا على سبيل الوجوب؟
نقول: ليس على سبيل الوجوب بل هو على سبيل الجواز لأنه قال: "لا يحل" إلا بكذا، أي فيحل، والدليل على أن القصاص ليس بواجب قوله تعالى: ﴾ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شئ فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ﴿[البقرة: ١٧٨]. قال: فمن عفي له ولو كان القصاص واجبًا لم يكن للعفو محل بل يقال حتى لو عفا فالقصاص واجب.
فإن قال قائل: إذن ما الفائدة من قوله: "كتب عليك القصاص"؟
نقول: أجاب بعض العلماء بأن هذا بالنسبة للقاتل، يعني: القاتل يجب عليه أن يستسلم للقصاص وألا يعارض، أما بالنسبة لمن له الحق فهو بالخيار إن شاء أخذ به، وإن شاء عفا عنه كما يدل عليه آخر الآية وكما هو صريح في قول الرسول ﷺ "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين" إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة وهي قتل الغيلة هل يجب فيه القصاص أو لا؟ فذهب الإمام مالك ﵀ إلى وجوب القتل قصاصًا في الغيلة والغيلة معناه أن يقتله على غرة مثل أن يأتيه وهو نائم أو يلحقه في السوق ويقتله فإن المقتول هنا ليس بمستعد ليدافع عن نفسه فيكون القتل غيلة مما لا يمكن التحرز منه وما لا يمكن التحرز منه فإنه يجب التحرز منه أكثر فإذا قتل وجوبًا خصص قتل الغيلة، وعلى هذا فيكون الحق في قتل الغيلة للإمام لا لأولياء المقتول ويجب على الإمام أن يقتله لما في ذلك من حفظ الأمن، وهذا مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حفاظًا على الحق - الحق العام - لئلا تحصل الفوضى.
ومن فوائد الحديث: جواز قتل المرتد لقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" يعني: أنه يحل، ولكنه ليس على ظاهره بالنسبة للمرتد بل قتل المرتد واجب وهل هو حد؟ القصاص فهمنا أنه ليس بحد على غير قتلة الغيلة الذي فيه الخلاف لأن القصاص حق لأولياء المقتول إن شاءوا عفواً فليس بحد لكن قتل المرتد هل هو حد؟ ليس بحد لأنه يمكنه أن يتوب فيرتفع عنه القتل والحد لا يرتفع بالتوبة لو ثبت على الزاني الزنا عند القاضي وقال إنه تاب
стр. 2700
فهل ترفع التوبة عنه الحد؟ لا، ﴾ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴿[المائدة: ٣٤]. إذن القصاص ليس بحد والقتل بالردة ليس بحدد ووجه ذلك إمكان رفعهما أما القصاص فيمكن رفعه بعفو أولياء المقتول، وأما الردة فيمكن رفع القتل فيها بالتوبة، نعم على القول بأن بعض الردات لا تقبل فيه التوبة ربما يكون في هذا حد.
ومن فوائد الحديث: أن المرتد مفارق للجماعة لقوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" فإذا حصلت مفارقة الجماعة بلا ردة كالخارجين على الإمام فهل يجوز قتله - الخارج على الإمام -؟ نعم؟ يجوز لكن بدليل آخر وهو أن النبي ﷺ قال: "من أتاكم وأمركم جميع تريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه"، وقال في البيعة لإمامين "إذا بويع للإمام الأول فأتى إنسان يدعو إلى البيعة فإنه يقتل" لكن قد يقال إن هؤلاء يقتلون لا لمجرد مفارقة الجماعة، ولكن للإفساد في الأرض أما الذي يبايع بعد بيعة الأول فواضح أنه مفسد في الأرض لأنه إذا بويع حصل القتال بين المسلمين، وأما الثاني الذي أبى أن يبايع ولم يدع للبيعة لنفسه فهذا يقتل لما يخشى من شره بأن يلم حوله أحد من الناس فلا يبايعون فيخشى من شره وفساده، ومسألة الخروج على الولاة من أخطر وأعظم مما يكون، ولم تفسد الأمة الإسلامية إلا بالخروج على الإمام من حيث أن قتل عمر رضى الله عنه بدأت الفتن خرجوا على عثمان وخرجوا على عليّ وخرجوا على معاوية لما كثر الخروج على الإمام حصلت الفتن والشرور والبلى.
ومن فوائد الحديث: الحث التام على الالتئام، يؤخذ من كون مفارقة الجماعة سبباً للقتل، ولاشك أن التئام الأمة واجتماع كلمتها يوجب التآلف في القلوب والاتحاد، ويوجب الهيبة في قلوب الأعداء، وإذا تقلقل التفرق بين الأمة اختلت الأمة ونزعت هيبتها من الأمم ولم تساوي فلساً، ولهذا نرى أن أولئك القوم الذين يذهبون يركضون يميناً وشمالاً في القيل والقال وإضاعة الأوقات وإضاعة الأموال نرى أنهم على خطأ فاحش، وعلى خطر عظيم، وأن الواجب على الإنسان أن يكف لسانه، وأن يقبل الحق من أي شخص كان، وأن يرد الباطل من أي شخص كان، وألا يفرق الأمة بالتحزب إلى فلان وإلى فلان، الواجب لمُّ الشعث ورأب الصدع ما أمكن سواء كان بين الدعاة أو بين العلماء أو بين الشعب وولاة الأمور المهم أنه
следующие страницы →