Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
هل يقتل بمجرد الردة أو لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فيقال له تُب وإلا قتلنا أو يفرق بين أنواع الردة فيستتاب في بعضها ولا يستتاب في بعض الآخر؟
قال بعض العلماء: إنه لا يستتاب لعموم قول ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا عام والشرط يتلوه المشروط بمجرد وجوده فإذا قلت لك إذا قام زيد فقم متى تقوم؟ إذا قام زيد فورًا (من بدل دينه فاقتلوه) من شرطية فإذا وجد التبديل ثبت القتل مباشرة ولا يستتاب في أي ذنب لأن ذلك أنكى وأروع لغيره من الردة وإلى هذا ذهب بعض العلماء وقال لا استتابة في أي ذنب من الكفر.
وقال بعض العلماء: بل يستتاب ثلاثة في كل ذنب لعله يرجع ويؤوب إلى رشده، والرأفه خير من العقوبة، وهو إذا مات بعد أن رجع ربح الدنيا والآخرة، وإن قتل على ردته خسر الدنيا والآخرة.
وقال بعض العلماء: في ذلك تفصيل فالكفر الذي تقبل توبة المرتد فيه يستتاب والذي لا تقبل توبة المرتد فيه لا يستتاب لأنه لا فائدة حتى ولو تاب فإنه لا فائدة من ذلك، وعلى هذا تنوع الردة إلى نوعين نوع لا تقبل فيه التوبة ونوع تقبل فمن الذي لا تقبل فيه التوبة الكفر بالسحر، فمن كفر بالسحر فإنه يقتل فورًا وهو الذي يستعين في سحره بالشياطين فهذا يقتل فورًا لما يترتب على بقائه من الأذية ولانه لا يؤمن أن يرجع ومن ذلك أي: ممن لا تُقبل فيه توبته من سب الله فإن توبته لا تقبل وعلل ذلك بأن سب الله ذنب عظيم لا يُغفر فلا تُقبل فيه لتوبه من سب الله فإن توبته لا تقبل وعلل ذلك بأن سب الله ذنب عظيم لا يغفر فلا تقبل فيه التوبة ولا يستتاب يقتل بكل حال وكذلك من سب الرسول ﷺ فإنه يقتل بكل حال ولا يستتاب ولو تاب لم تقبل توبته وإذا رجع إلى ربه فالله يحاسبه بما شاء حتى لو تاب لعظم ذنبه ومن ذلك المنافق لا تقبل توبته لأن المنافق من الأصل يدعي أنه مسلم فلا فائدة لقبول توبته فيقتل ومن ذلك الزنديق الداعي للزندقة والكفر وذلك لعظيم جرمه وفساده في الأرض فلا تقبل توبته وهؤلاء لا يستتابون لأنه لا فائدة من التوبة والصحيح في كل هؤلاء أن توبتهم مقبولة لعموم قول الله تعالى: ﴿قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفُسهم .... ﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعُون مع الله إلها أخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا (٦٨) يضعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (٦٩) إلا من تابوءامن وعمل عملًا صلحًا فأولئك يُبدل الله سيئاتهم حسنت وكان الله غفوراً رحيمًا﴾ وهذا القول أصح لكن من شككنا في أمره فإنه تجب مراقبته فإن دلت القرينة على صحة توبته وإلا لم نقبل منه كالمنافق مثلًا فهو يحتاج إلى أن نراقبه هل توبته صحيحة أو لا، فإن تبين أن توبته صحيحة ورأيناه يخشى الله في السر والعلن قبلنا لقوله تعالى: ﴿إن المنفقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا (١٤٥) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
стр. 2697
وهذا القول هو الصحيح، وإذا قبلنا توبته رفعنا القتل عنه عنه إلا ساب النبي ﷺ فإننا نقتله ولو تاب بخلاف من سب الله إذا تاب أفليس سب الله أعظم من سب الرسول؟ الجواب: بلى، أعظم بكثير لكن الله أخبر عن عفوه عن حقه إذا تاب الإنسان، وأما النبي ﷺ فلم يخبرنا عن سقوط حقه إذا تاب الإنسان وسب الرسول ﷺ تعلق به أمران حق لله وحق للرسول، أما حق الله فنقبل منه التوبة وحق الرسول نقول الآن نت مسلم ولكن القتل لابد أن نقتلك وإذا قتلناه بعد التوبة فإنه مؤمن فإنه مسلم مؤمن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالرحمة ويدفن مع المسلمين هذا هو القول الصحيح فكل كافر فإن توبته مقبولة، لكن من شككنا في أمره فلابد من مراقبته ومتابعته فإن دلت القرينة على أنه يلعب علينا لم نقبل منه، بقي لنا أن نقول هل يستتاب إذا قلنا بقول التوبة لكل كافر هل يستتاب أو لا؟ الصحيح أن الاستتابة راجعة إلى اجتهاد الإمام إن رأى في استتابته مصلحة استتاب أو لا؟ الصحيح أن الاستتابة راجعة إلى اجتهاد الإمام إن رأى في رأى في استتابه مصلحة استتابه وإلا فلا فالإمام قد لا يرى الاستتابة في حقه لعظم جرمه لكونه لكونه يضل الناس ويمشي بينهم بالفساد هذا لا ينبغي أنيستتاب وقد يكون الكافر الذي ارتد قد يكون مسالمًا لا يدعو إلى ما هو عليه، ولكن معه صنعة تنفع المسلمين وإذا قتلناه خسرنا هذه الصنعة فهنا الأولى الاستتابة فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام، المفارق للجماعة هل هذا قيد، يعني: أنه يشترط لردته أن يظهر مفارقته للجماعة وأنه لو ارتد خُفية لم يحل دمه أو أن هذا صفقة كاشفة لأن المرتد عن الأسلام مفارق للجماعة، فارق المسلمين أيهما؟ الثاني: أنها صفة كاشفة أي: مبينة بأن المرتد مُفارق للجماعة وعلى هذا تكون الصفتان لموصوف واحد ولا تباين إحدهما الاخرى وهل يشتمل قوله التارك لدينه هل يشتمل المرأة؟ نعم، وهذا محل خلاف فقيل إن المرأة إذا ارتدت لاتقتل لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء وقيل: بل تقتل لعموم الحديث (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا الصواب بل المتعين، وأما النهي عن قتل النساء فذاك الكفار عند القتال فإن النساء لا يقتلن لأنهن لو قتلن لفاتت ماليتهن على المسلمين إذا إن نساء الكفار إذا ظهر المسلمون عليهم صرن رقيقات بمجرد السبي، ولهذا لا يجوز أن تُقتل المرأة في جهاد الكفار بل تبقى.
في هذا الحديث عدة فوائد منها: احترام المسلم لقوله: (لا يحل دم امرئ مسلم).
ومنها: فضلية الإسلام وأنه سبب لحقن الدماء وجه الدلالة قوله•امرئ مسلم).
стр. 2698
ومن فوائد: بيان أن الإسلام هو شهادة أن لا إله الله وان محمدًا رسول الله، وأن الإنسان إذا أتى بها فهو مسلم.
ماحكم تارك الصلاة؟
ومن فوائده: أن تارك الصلاة والزكاة الصوم والحج مسلم لقوله: (يشهد ان لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذاه المسألة محل خلاف فمن العلماء من يقول: إن الإنسان يكفر بترك أي ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهذه إحدى الروايات عن الإمام احمد لأن الأركان الخمسة أركان والبيت لا يقوم إلا بأركانه فإذا سقط ركن واحد سقط البيت كله.
ومنهم من قال: يكفر بترك الصلاة والزكاة فقط دون الصيام والحج، وهذه أيضًا رواية عن الإمام أحمد، لأن الله جعل الزكاة قرينة الصلاة في كتابه العظيم، ولأن الله قال: ﴿وويل للمشتركين (٦) الذين لا يؤتون الزكوة﴾
ومنهم من قال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين﴾ وقول النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة).
وقوله: (العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وأما الزكاة فلا يكفر بتركها لقوله ﷺ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة في قصة من يمنع زكاة الذهب والفضة أنها تحمى عليها في نار جهنم ويعذب بها ثم يرى سبيله إما إلى الجنه، وإما إلى النار، وإذا كان يمكن أن يرى سبيله إلى الجنة فليس بكافر وهذا أصبح الأقوال، وعلى هذا فكيف نجمع بينه وبين هذا الحديث؟ نقول إن هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا شهد أن لا إله الا الله، وأن محمدًا رسول الله عصم دمه ثم يطالب بعد ذلك بالصلاة فإن صلى فذاك وإن لم يصل فالقرآن والسنة يدلان على أنه كافر فيكون مرتدا لقوله: التارك المفارق للجماعة.
ومن فوائد الحديث: انحصار جواز قتل المسلم في هذه الثلاثة الزنا بعد الإحصان والثاني النفس بالنفس والثالث الردة لكن يشكل على هذا أن المرتد حين قتله ليس بمسلم والرسول ﷺ يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم) وهو حين القتل ليس بمسلم؟ فيقال: الجواب عن هذا سهل، وهو أنه مسلم باعتبار ما كان فقرن مع صاحبيه الذين يقتلان وهما على الإسلام.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الرجم، لقوله: الثيب الزني وهل هذه المشروعية على
стр. 2699
سبيل الوجوب؟ نعم، الدليل أنه حد من حدود الله، وقد صرح أمير المؤمنين عمر أنه فريضة حين خطب الناس وبين أن الرجم كان آية من كتاب الله، ثم قال: وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.
ومن فوائده: جواز قتل النفس بالنفس وهل هذا على سبيل الوجوب؟
نقول: ليس على سبيل الوجوب بل هو على سبيل الجواز لأنه قال: "لا يحل" إلا بكذا، أي فيحل، والدليل على أن القصاص ليس بواجب قوله تعالى: ﴾ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شئ فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ﴿[البقرة: ١٧٨]. قال: فمن عفي له ولو كان القصاص واجبًا لم يكن للعفو محل بل يقال حتى لو عفا فالقصاص واجب.
فإن قال قائل: إذن ما الفائدة من قوله: "كتب عليك القصاص"؟
نقول: أجاب بعض العلماء بأن هذا بالنسبة للقاتل، يعني: القاتل يجب عليه أن يستسلم للقصاص وألا يعارض، أما بالنسبة لمن له الحق فهو بالخيار إن شاء أخذ به، وإن شاء عفا عنه كما يدل عليه آخر الآية وكما هو صريح في قول الرسول ﷺ "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين" إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة وهي قتل الغيلة هل يجب فيه القصاص أو لا؟ فذهب الإمام مالك ﵀ إلى وجوب القتل قصاصًا في الغيلة والغيلة معناه أن يقتله على غرة مثل أن يأتيه وهو نائم أو يلحقه في السوق ويقتله فإن المقتول هنا ليس بمستعد ليدافع عن نفسه فيكون القتل غيلة مما لا يمكن التحرز منه وما لا يمكن التحرز منه فإنه يجب التحرز منه أكثر فإذا قتل وجوبًا خصص قتل الغيلة، وعلى هذا فيكون الحق في قتل الغيلة للإمام لا لأولياء المقتول ويجب على الإمام أن يقتله لما في ذلك من حفظ الأمن، وهذا مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حفاظًا على الحق - الحق العام - لئلا تحصل الفوضى.
ومن فوائد الحديث: جواز قتل المرتد لقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" يعني: أنه يحل، ولكنه ليس على ظاهره بالنسبة للمرتد بل قتل المرتد واجب وهل هو حد؟ القصاص فهمنا أنه ليس بحد على غير قتلة الغيلة الذي فيه الخلاف لأن القصاص حق لأولياء المقتول إن شاءوا عفواً فليس بحد لكن قتل المرتد هل هو حد؟ ليس بحد لأنه يمكنه أن يتوب فيرتفع عنه القتل والحد لا يرتفع بالتوبة لو ثبت على الزاني الزنا عند القاضي وقال إنه تاب
стр. 2700
فهل ترفع التوبة عنه الحد؟ لا، ﴾ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴿[المائدة: ٣٤]. إذن القصاص ليس بحد والقتل بالردة ليس بحدد ووجه ذلك إمكان رفعهما أما القصاص فيمكن رفعه بعفو أولياء المقتول، وأما الردة فيمكن رفع القتل فيها بالتوبة، نعم على القول بأن بعض الردات لا تقبل فيه التوبة ربما يكون في هذا حد.
ومن فوائد الحديث: أن المرتد مفارق للجماعة لقوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" فإذا حصلت مفارقة الجماعة بلا ردة كالخارجين على الإمام فهل يجوز قتله - الخارج على الإمام -؟ نعم؟ يجوز لكن بدليل آخر وهو أن النبي ﷺ قال: "من أتاكم وأمركم جميع تريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه"، وقال في البيعة لإمامين "إذا بويع للإمام الأول فأتى إنسان يدعو إلى البيعة فإنه يقتل" لكن قد يقال إن هؤلاء يقتلون لا لمجرد مفارقة الجماعة، ولكن للإفساد في الأرض أما الذي يبايع بعد بيعة الأول فواضح أنه مفسد في الأرض لأنه إذا بويع حصل القتال بين المسلمين، وأما الثاني الذي أبى أن يبايع ولم يدع للبيعة لنفسه فهذا يقتل لما يخشى من شره بأن يلم حوله أحد من الناس فلا يبايعون فيخشى من شره وفساده، ومسألة الخروج على الولاة من أخطر وأعظم مما يكون، ولم تفسد الأمة الإسلامية إلا بالخروج على الإمام من حيث أن قتل عمر رضى الله عنه بدأت الفتن خرجوا على عثمان وخرجوا على عليّ وخرجوا على معاوية لما كثر الخروج على الإمام حصلت الفتن والشرور والبلى.
ومن فوائد الحديث: الحث التام على الالتئام، يؤخذ من كون مفارقة الجماعة سبباً للقتل، ولاشك أن التئام الأمة واجتماع كلمتها يوجب التآلف في القلوب والاتحاد، ويوجب الهيبة في قلوب الأعداء، وإذا تقلقل التفرق بين الأمة اختلت الأمة ونزعت هيبتها من الأمم ولم تساوي فلساً، ولهذا نرى أن أولئك القوم الذين يذهبون يركضون يميناً وشمالاً في القيل والقال وإضاعة الأوقات وإضاعة الأموال نرى أنهم على خطأ فاحش، وعلى خطر عظيم، وأن الواجب على الإنسان أن يكف لسانه، وأن يقبل الحق من أي شخص كان، وأن يرد الباطل من أي شخص كان، وألا يفرق الأمة بالتحزب إلى فلان وإلى فلان، الواجب لمُّ الشعث ورأب الصدع ما أمكن سواء كان بين الدعاة أو بين العلماء أو بين الشعب وولاة الأمور المهم أنه
стр. 2701
يجب على الإنسان أن يسعى في الائتلاف بقدر ما أمكن وأن ينصح من يراهم ليس لهم هم إلا الركض يمينًا وشمالًا، وما تقول في فلان وما تقول في أشرطة فلان وما تقول في رسائل فلان؟ ! ! وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تنفع بل هي تضر، تفرق الأمة وتشتت الشمل وتولد الضغائن في القلوب ويحصل بها شر كثير دع نفسك وهواها وكن مسالماً للناس تسعى في السلامة منهم وتسعى في سلامتهم منك لا تعتد ولا تجرئ الناس على نفسك بل كن مسالمًا حتى تبقى هيبة الأمة الإسلامية ولا تتفرق ونحن وغيرنا ممن نراهم مخلصين يسؤهم أن يروا هذا التفرق بين الشباب والدعاة والعلماء والناس وأمرائهم يسؤونا جدًّا، والواجب النصيحة، نحن لا نقول: إن كل أحد معصوم وكل أحد لا يخطئ "كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوابون" الذين يرجعون عن الخطأ فالواجب النصيحة، وإذا سمعنا عن شخص قولًا ألا نأخذ بمجرد السماع، لأن هذا هو الذي نهى عنه الرسول قيل وقال، ولكن نتبين ونتثبت فإذا ثبت لدينا الأمر وصار القول خطأ فالواجب أن ننصح القائل؛ لأننا إذا نصحنا القائل ورجع هو بنفسه أزال هذا الخطأ، لكن لو أنا رددنا عليه بالتشهير به والسب ربما تأخذه العزة بالإثم فلا يرجع ويفتح له الشيطان باب التأويل وباب المعاندة، لكن إذا نصح بإخلاص وبين له الحق فإنه ربما يرجع ولا يحصل في هذا تفرق ولا تشتيت شمل، أما أن نتبع عورات الناس ونتنظر متى يخطئ ونفرح بالخطأ دون أن نفرح بالصواب، فهذا خلاف الإيمان وخلاف ما أرشد إليه الرسول ﷺ حين ذكر الفتن وأنها كقطع الليل المظلم وذكر الفتن، وأنها فتن يرقق بعضها بعضًا فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الثانية فيقول: هذه هذه، يعني: هذه هي البلاء ثم قال ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" هل أحد من الناس يجب أن ينتقده الناس؟ لا، هل أحد من الناس يحب أن تتسلط الألسن عليه؟ لا، إذن لماذا تشهر بأخيك وتسلط لسانك عليه، هذا مما يوجب ألا يزحزح الإنسان عن النار وألا يدخل الجنة، وقد قال النبي ﷺ "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" والسباب والغيبة تختلف باختلاف من وجهت إليه لو سببت واحدًا من عامة الناس هل يؤثر شيئًا نعم يؤثر لكن هل يؤثر على سبيل العامة؟ لا، لكن لو سببت عالمًا أو اغتبت عالمًا فهذا يؤثر ليس في شخصية العالم بل على شخصية العالم وعلى علمه الذي يكون مقبولًا عند الناس يكون محل شك وتردد
стр. 2702
وحينئذ تحمل الناس على أن يشكوا في الشريعة التي تخرج من هذا العالم فتكون جنيت على الشريعة لهذا يجب أن ندع ما نسمعه بين بعض الإخوان من المناقشات ومن التشهير ومن السب حتى نكون يدًا واحدة ولا يجوز أبدًا في حال من الأحوال أن يحملنا ما قد يكون في قلوب بعض الناس من الحسد على الجناية؛ ولهذا جاء في الحديث "إذا حسدت فلا تبغ"، يعني: لا تعتدي على المحسود واعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد أشار الله إلى أنه إذا وقع في قلب الإنسان مثل هذا فليسأل الله من فضله وليعرض عن هذا﴾ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله ﴿[النساء: ٣٢]. هذا هو السير الصحيح والمنهاج السليم.
حالات إباحة قتل المسلم:
١١١٣ - وعن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلمًا متعمِّدًا فيقتل، ورجلٌ يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله، فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض". رواه أبو داود، والنسائيُّ وصحَّحه الحاكم.
قوله: "زان محصن فيرجم" هذا كقوله: "الثيب الزاني" وقوله: "ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا فيقتل" وهذا معنى قوله: "النفس بالنفس"، وهنا اشترط متعمدًا لأنه لا يمكن ثبوت القصاص إلا إذا كان القتل عمدًا وتعريف العمد هو أن يقتل من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن ما يقتله به ولابد من شروط زائدة على العمد، وهي تكليف القاتل بأنه بالغًا عاقلًا فلو تعمد الصبي قتل إنسان فإنه لا يقتل ولو تعمد المجنون قتل إنسان فإنه لا يقتل لأنه مرفوع عنهما القلم فعمدهما خطأ يثبت فيه ما يثبت بقتل العاقل البالغ خطأ وهو الدية على العاقلة وأما الكفارة فلا تجب عليهما أيضًا، لأن الصغير ليس من أهل التكليف والمجنون كذلك فلا
стр. 2703
كفارة على من لم يبلغ إذا قتل خطأ وإذا قتل عمدًا فكذلك لأن عمد الصغير والمجنون خطأ يشترط أيضًا في القتل عصمة المقتول فإن لم يكن معصوم الدم فلا قصاص، فالحربي إذا قتله الإنسان فلا قصاص، والزاني المحصن إذا قتله الإنسان فلا قصاص لكن بشرط أن يحكم برجمه أما قبل ثبوته عند الحاكم فهو باقٍ على عصمته والشرط الثالث ألا يفضل القاتل المقتول في الدين والحرية والملك فلا يقتل المسلم بالكافر ولو تعمد ولو كان الكافر معصومًا كالذمي لقول النبي ﷺ لا يقتل مسلم بكافر الحرية أيضًا سبق الكلام فيها لا يقتل حر بعبد وسبق الكلام فيها والملك أيضًا بأن لا يكون القاتل مالكًا لمقتول فإن كان مالكًا للمقتول فإنه لا يقتل به ولو كان المالك عبدًا إذا كان مكاتبًا وهو الذي اشترى نفسه من سيده وهو جائز التصرف - يبيع ويشتري ويملك - لكنه ليس جائز التبرع، فإذا اشترك المكاتب عبدًا ليتَّجر به حتى يوفي الدّين الذي في كتابته ثم إن هذا المكاتب قتله فكلاهما عبد، لكن هذا المكاتب يفضله بأنه سيده مالكه فلا يقتل به وعلى القول الراجح الذي رجحنا أنه يقتل الحر بالعبد يقتل به من باب أولى، الشرط الرابع: انتفاء الولادة فلا يقتل الأصل بالفرع، يعني: لا يقتل الأب بابنه ولا الأم بابنها أو بنتها وسبق لنا ذكر الخلاف فيه أنه يقتل به.
إذن نضيف إلى قوله ﷺ يقتل مسلمًا متعمدًا نضيف بقية الشروط حتى يتمكن الإنسان من تطبيق كل مسألة جزئية على هذه الشروط فإن تمت الشروط ثبت القصاص، وإن لم تتم لم يثبت القصاص، قال ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله ... إلخ.
هنا يقول رجل يخرج من الإسلام هل المراد يكفر فيحارب بين الكفر والحرابة أو المعنى أنه بخروجه من الإسلام حارب الله ورسوله؟ يحتمل الحديث المعنيين، لكن المعروف أن من كفر بدون حرابة فإنه لا يثبت في حقه الصًّلب أو النفي من الأرض ويكون المعنى يخرج من الإسلام بالكفر فيقتل أو يحار بالله ورسوله ولو كان باقيًا على الإسلام فيستعمل في حقه ما ذكره الرسول ﷺ يقول فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، وهذا مأخوذ من الآية وهي قوله تعالى: ﴾ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفقوا من الأرض ﴿[المائدة: ٣٣]. هؤلاء هم المحاربون لله ورسوله، وآكل الربا له قسط منهم لقول الله تعالى: ﴾ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴿[البقرة: ٢٧٩]. فالمراد بالمحاربة هنا: قال العلماء المراد قطع الطريق بأن يتصدى قوم أو واحد من الناس للناس في طريقهم فيسلبهم المال أو يقتل أنفسهم بالسلاح فهذا قاطع طريق ويجب أن يقتل أو يصلب أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض وهل "أو" للتنويع أو للتخيير؟ اختلف في ذلك المفسرون والفقهاء، فقيل: للتنويع، وقيل: للتخيير،
стр. 2704
والفرق بين القولين: أنه إذا قيل: إنها للتخيير صار الإمام مخيرًا بين هذه الأربعة وهي القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلال والنفي من الأرض، وإذا قيل: إنها للتنويع صارت هذه العقوبات منزلة على قدر الجريمة، فتختص كل عقوبة بجريمتها ولا يخير الإمام، فيقال: من فعل كذا فعل به كذا، فعلى هذا القول يقولون إن قطاع الطريق إذا قتلوا فقط، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال بدون قتل قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على أحد في مال أو دم فإنهم ينفون من الأرض فتكون هذه العقوبات مرتبة على قدر الجريمة فيكون الفرق بين القولين أن هذا القول مقيد للإمام بعقوبة معينة، وأما القول الأول فيخير الإمام ولكن هل معنى التخيير أنه تخير تشهِ بفعل ما يشاء أو هو تخيير مصلحة؟ الثاني، وهذه قاعدة: كل من تصرف لغيره وخيِّر فهو تخيير مصلحة، الوكيل والولي وناظر الوقف والوصي وولى الأمر من أمير أو قاضٍ أو غيره إذا خيِّر بين شيئين فتخييره تخيير مصلحة أما من خير بين شيئين في أمر يتعلق به بنفسه ويقصد به التسهيل عليه فتخييره هنا تخيير تشهِ ومتى يصلب وكيف يصلب؟ إذا رأى الإمام أن يقتل ويصلب أو كانت الجريمة على القول الثاني تقتضي القتل أو الصلب فمتى؟ قيل: إنه يصلب وهو حي وقيل: يقتل ثم يصلب وأيهما أنكى؟ الأول لاشك فإذا رأى ولي الأمر أن الأنكى أن يصلب قبل أن يقتل فليفعل لأنه إذا صلب بعد القتل فإنه هو بنفسه لا يتعب وما يضر الشاة سلخها بعد موتها وكيف يصلب؟ يصلب بأن يربط على خشبة لها يدان فتمد يداه على يدي الخشبة ويبقى قائماً إلى أن يشتهر فإذا اشتهر نزِّل وقتل إن قلنا بصلبه قبل القتل أو نزل وغسل وكفن وصلى عليه ودفن مع الناس، وأما التقطيع فلم يذكر في الحديث لكن في الآية تقطع اليد اليمنى والرِّجل اليسرى تقطع اليد اليمنى من مفصل الكف وتقطع الرجل اليسرى من مفصل العقب ولا يقطع العقب يبقى لأجل أن يمشي عليه لأنه لو قطع لاختلت الرِّجل ولا استطاع أن يمشي، وقوله: أو ينفى من الأرض إلى أي أرض؟ قال بعض العلماء يطرد إلى أرض غير أرضه، ولكن هذا القول اعترض بأنه ربما يفسد في الأرض الثانية فإذا خفنا من ذلك فإن النفي من الأرض يكون بالحبس حتى تظهر عليه علامة التوبة النصوح فإذا ظهرت أطلق.
إذن هذا الحديث يختلف عن الأول في كيفية العقوبة فيمن خرج عن الإسلام، وقد قلنا: إنه إذا خرج عن الإسلام فجمع بين الكفر والحرابة فهذا جزاؤه وإن لم يحارب فإنه يقتل بالسيف.
стр. 2705
يؤخذ من هذا الحديث فوائد: أولًا: احترام الدين الإسلامي لقتل النفس المعصومة لقول النبي ﷺ : "لا يحل قتل".
ومن الفوائد: أن نفي الحلِّ، يعني: التحريم لأن نفي الشيء إثبات لضده وعليه فكلمة "ولا يحل" توازي كلمة: يحرم، وهذا في كلام الله ورسوله واضح، فقوله تعالى: ﴿ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممَّا ءاتيتموهنَّ شيئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ﴿يأيُّها الذين ءامنوا لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ [المائدة: ١٩]. فهذا معناه يحرم لكن في كلام الفقهاء إذا قالوا لا يجوز فقد لا يريدون به التحريم قد يريدون به ما دون التحريم وهو الكراهة لكن في كتاب الله وسنة رسوله ففي الحلِّ إثبات للتحريم.
ومن فوائد الحديث: أن من أسباب إباحة القتل هذه الثلاث خصال.
ومن فوائد الحديث: جواز رجم الزاني المحصن، ولكن قال بعض العلماء: إن هذا يدل على الوجوب أي: وجوب الرجم- لأن المستثنى من الحرام واجب إذ لا ينتهك الحرام إلا بواجب لكن هذا فيه نظر لأن نفي الجواز إذا استثنى ما لا يدل على الوجوب ﴿ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممَّا ءاتيتموهنَّ شيئًا إلَّا أن يخافا ألَّا يقيما حدود الله فإن خفتم ألَّا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما﴾، ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، وهذه القاعدة أن المستثنى من المحرم واجب بنى عليها بعض العلماء وجوب الختان قال: لأن الأصل تحريم قطع العضو من الإنسان فإذا أبيح في الختان دلَّ ذلك على وجوبه لأن الحرام لا ينتهك إلا بواجب، على كل حال: الحكم من حيث هو الحكم لا شك أن رجم الزاني واجب وأنه فريضة من فرائض الله كما أعلن ذلك أمير المؤمنين عمر ﵁.
ومن فوائد الحديث: أن الزاني المحصن لابد أن يرجم رجمًا وذلك بالحجارة التي ليست بكبيرة ولا صغيرة مع اتقاء المقاتل، يعني: لا يقصد مقتله فيموت بسرعة.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا وبين قول النبي ﷺ "وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"؟ الجمع بأحد وجهين إما أن نقول: إن هذا مستثنى أو نقول إن معنى إحسان القتلة أن يقتل على حسب ما تقتضيه الشريعة.
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط للقصاص أن يكون القتل عمدًا لقوله: "متعمدًا"، هل يؤخذ من هذا الحديث اشتراط أن يكون القاتل بالغًا عاقلًا؟ نقول أما من جهة اشتراط أن يكون عاقلًا فلاشك أنه يؤخذ من هذا الحديث لأن المجنون ليس له قصد، وأما غير البالغ فلا يؤخذ لأن له قصدًا لكن يقال إن قصد غير البالغ لا حكم له لرفع القلم عنه أو يؤخذ من قوله: "رجل" لأنه لا يوجب القصاص على غير البالغ لأنه لا يسمى رجلًا.
стр. 2706
ومن فوائد الحديث: أن من خرج عن الإسلام فإن قتله مباح مهدر الدم لقوله ورجل يخرج من الإسلام.
ومن فوائد الحديث: أن المحارب لله ورسوله ينكل بهذا النكال القتل والصَّلب والنفي من الأرض وبقي عقوبة رابعة لم تذكر في الحديث ولكنها ذكرت في الآية ﴿أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ﴾.
حرمة الدماء:
١١١٤ - وعن عبد الله بن مسعوٍد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوَّل ما يقضى بين النَّاس يوم القيامة في الدِّماء". متَّفق عليه.
تقدير الكلام أول ما يقضى بين الناس القضاء في الدماء والدماء جمع دم والمراد به القتل، وذلك أن الناس يوم القيامة يقضي الله- بينهم ويفصل بينهم حتى بين المؤمنين والكافرين كما قال الله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. فيقضي الله بين الناس في كل شيء؛ الظالم ينتقم منه بظلمه ممن ظلمه في ماله أو غيره لكن ما أول ما يقضي بين الناس؟ الدماء لأنها أعظم الجنايات فإذا وقف الناس بين يدي الله يوم القيامة فأول ما يقضى بينهم في الدماء.
فيؤخذ من هذا الحديث فوائد: منها: إثبات الحكم والقضاء بين الناس ووجه ذلك قوله: "أول ما يقضى ... إلخ".
ومن فوائد الحديث: أن القضاء بين الناس يكون في الدماء وغيره لقوله: "أول" لأن لكل أوٍل آخرًا.
ومن فوائد الحديث: تعظيم الدماء حيث كانت أول ما يقضى بين الناس.
ومن فوائد الحديث: إثبات عدل الله لكونه يقضي بين العباد حتى يعطي كل ذي حقٍّ حقه.
ومن فوائد الحديث: أن من لم يؤخذ منه الحق في الدنيا أخذ في الآخرة ويكون أشد وأعظم لأن الإنسان يخزى به بين الناس، أنت إذا اقتصَّ منك في الدنيا لم يعلم بك إلا من شاهد أو بلغه وكل من سبقك لا يعلم بك ومن بعدك قد يندثر العلم وتنسى لكن في الآخرة كل الناس يشاهدونك فتكون المقاضاة في الآخرة أعظم من المقاضاة في الدنيا ويتفرع على
стр. 2707
هذه القاعدة أنه ينبغي للإنسان أن يعجل بالتحلل من حقوق الناس حتى لا يفضح بها في القيامة، ولا ننسى أن يوم القيامة سمِّي بذلك لأنه يقوم فيه الناس من قبورهم لله ويقام فيه العدل ويقوم فيه الأشهاد.
القصاص من الحر للعبد:
١١١٥ - وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه". رواه أحمد، والأربعة، وحسَّنه التِّرمذيُّ، وهو رواية الحسن البصريِّ عن سمرة، وقد اختلف في سماعه منه.
- وفي روايٍة لأبي داود، والنَّسائيِّ بزيادة: "ومن خصى عبده خصيناه". وصحَّح الحاكم هذه الزِّيادة.
هذا الحديث كما قال المؤلف من رواية الحسن البصري عن سمرة، وقد أعلَّ بالانقطاع وأن الحسن لم يسمع من سمرة، وإذا لم يسمع منه صار بينه وبينه رجل وهذا الرجل مجهول لا يعلم من هو؟ فيكون الحديث ضعيفًا بهذا الاعتبار ولكن صحح كثير من العلماء سماعه منه ومنهم من قال أنه سمع منه حديث العقيقة فقط والصحيح أن ما رواه عنه يحمل على السماع لأن الحسن وإن كان فيه شيء من التدليس لكن تدليسه محتمل وروايته عن سمرة كثيرة فالصواب أنه متصل، ولكن يبقى الواسطة الذي بين الحسن وبين المخرجين من الأئمة ينظر فيهم وقد صحح الحاكم هذا الحديث وحسنه الترمذي وفيه يقول الرسول ﷺ "من قتل عبده قتلناه" قوله: "عبده" يعني: الذي يملكه، وهذا يقتضي أن يكون القاتل حرًا والمقتول عبدًا، ومن جدع عبده جدعناه، أي: من قطع أنفه قطعنا أنفه، وهذا يقتضي أن يكون السيد هو الذي جدع الأنف والعبد هو الذي جدع أنفه، وزيادة النسائي: "ومن خصى عبده خصيناه"يقتضي أن يكون الخاصي حرًا والمخصي عبدًا، وقد سبق لنا شرح هذا وأن العلماء اختلفوا هل يقتل الحرُّ بالعبد أو لا يقتل؟ وأن الصحيح أنه يقتل سواء قتل عبده أو قتل غيره لأنه إذا قتل بعبده فقتله بعبد غيره من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: أن العبد يقتص له من الحر في الأطراف لقوله: "من جدع عبده
стр. 2708
جدعناه ... إلخ"، وقد سبق أن بعض العلماء حكى الإجماع على أنه لا قصاص بين الحر والعبد فيما عدا القتل، ولكن الصحيح أن بينهما قصاصًا وأنه إذا اقتص من الحر بالعبد في النفس فما دونها من باب أولى.
حكم قود الوالد بولده:
١١١٦ - وعن عمر بن الخطَّاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الوالد بالولد". رواه أحمد، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه، وصحَّحه ابن الجارود، والبيهقيُّ، وقال التِّرمذيُّ: إنَّه مضطرٌب.
وهذا الحديث أيضًا سبق الكلام عليه وبيَّنا أن هذا الحديث ضعيف وأنه لا تقوم به حجة وأن العلماء اختلفوا في قتل الوالد بالولد، فقيل: لا يقتل به واستدل هؤلاء بهذا الحديث لكنه ضعيف وعلَّلوا أيضًا بأنه سبب وجوده فلا ينبغي أن يكون الولد سبب إعدامه وبيَّنا أن هذه العلة عليلة ساقطة ونقضناها بمن زنى بابنته وهو محصن فإنه يرجم لزناه، وقلنا إن هذا النقض فيه نظر؛ لأن رجم الزاني ليس قصاصًا بل هو يرجم لحق الله، لكن نقض العلة بأن نقول: إن الولد إذا قتله أبوه فإنه ليس السبب في إعدام الأب، بل السبب في إعدام الأب، فعل الأب والحديث يشمل انتفاء القود في النفس فما دونه، ولكنا إذا قلنا: إنه يقاد به النفس فما دونها من باب أولى، وهو الصحيح كما سبق.
حكم قتل المسلم بكافر:
١١١٧ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: "قلت لعليٍّ: هل عندكم شيٌء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا والَّذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، إلا فهٌم يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصَّحيفة. قلت: وما في هذه الصَّحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلٌم بكافٍر". رواه البخاريُّ.
سبب سؤال أبو جحيفة أن الشيعة ادَّعوا أن لآل البيت مصحفًا غير المصحف الذي يتداوله المسلمون فسأل عليًّا عن ذلك فقال: "لا والذي فلق الحبة ... إلخ" فأقسم ﵁ أنه ليس عندهم شيء وادِّعاء أن عند آل البيت شيء زائد عن مصحف المسلمين يستلزم القدح في آل البيت؛ لأن علي بن أبي طالب يكون على هذا كذابًا حالفًا على الكذب، وإذا قدر أنه يجهل ما
стр. 2709
عند آل البيت فيقال: كيف يكون أفضل البيت جاهلًا ما عند أهل البيت في هذا الأمر الخطير العظيم، يقول هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن غير صفة لشيء، ولهذا جاءت مرفوعة قال: "لا والذي فلق الحبة" كلمة "لا" تقال دائمًا أمام لقسم فهل تدل على نفي القسم؟ لا، ولكنه يؤتى بها للتوكيد كقوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ المعنى: أقسم بهذا البلد لكن "لا" جيء بها للتنبيه حتى ينتبه المخاطب لذلك وقوله والذي فلق الحبة المراد به الجنس وهي كقوله تعالى: ﴿إنَّ الله فالق الحبّ والنوى﴾، فالحب كل الحبوب يفلقها الله وتنفتح في باطن الأرض وتخرج منها عروق الشجرة أو عروق الزرع حتى تكون الشجرة نامية إلى أن يأذن الله تعالى بانتهائها، وبرأ النسمة أي: الروح فالله تعالى هو بارئ النسم فذكر ﵁ فلق الحبة وبرأ النسمة وهذا أجمع ما يكون من القسم إلا فهمًا وفي لفظ إلا فهٌم فعلى قراءة النصب يكون مستثنى وعلى قراءة الرفع يكون بدلًا من قوله: "شيء" يعني: إلا شيء هو الفهم الذي يعطيه الله تعالى من شاء من عباده وقوله: "يعطيه الله رجلًا في القرآن" إنما قال في القرآن مع أن الفهم يكون في السُّنة أيضًا لأنه سأل: "هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ " فلهذا قال: "إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلًا في القرآن" فإنه يكون عندنا الفهم زائدًا على القرآن وكم من إنسان عالم أعطاه الله تعالى فهما زائدًا على ما في القرآن فصار عنده زيادة على ما في القرآن لكن ليست زيادة خارجة عن القرآن بل هي زيادة فهم في القرآن من ذلك مثلًا استدلال على بن أبي طالب ﵁ بقوله تعالى: ﴿وفصاله في عامين﴾ وقوله: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ على أن أقل الحمل ستة أشهر لأنك إذا أخذت من الثلاثين شهرًا عامين بقي ستة أشهر هذا من الفهم الذي يؤتيه الله تعالى من شاء في القرآن وتجد بعض العلماء يستنبط من آية واحدة عشرات الفوائد وآخر لا يستطيع أن يستنبط خمسة أو أقل قال: "وما في هذه الصحيفة" هي: صحيفة أحاديث مكتوبة عند علي بن أبي طالب، قال: "وما في هذه الصحيفة؟ " قال: العقل، يعني: الدية التي تتحملها العاقلة وسميت عقلًا لأن الغارم لها يأتي بها ويعقلها عند مستحقها فلهذا سميت عقلًا من العقال ومتى يكون العقل؟ العقل فيما إذا كان القتل خطأ أو شبه عمد فإن العاقلة وهم العصبة يتحملون عن القاتل .. كما سيأتي إن شاء الله في الحديث الذي بعده- الثاني فكاك الأسير فالأسير المسلم يجب على المسلمين فك أسره بحسب ما يستطيعون إما بفدية مال أو أسير كافر نبادلهم الأسرى أو غير ذلك مما يفك به الأسير سواء كان الأسير أسير حرب أو أسير اختطاف فإن الواجب على المسلمين فك هذا الأسير، الثالث "ألا يقتل مسلم بكافر"؛ "مسلم"
стр. 2710
نكرة في سياق النفي فتعمُّ كل مسلم ولو كان فاسقًا فلا يقتل بكافر، أي: كان كفره سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو وثنيًّا أو شيوعيًّا وسواء كان معاهدًا أو مستأمنًا أو ذا ذمة لا يقتل المسلم بالكافر بكل حال.
الشاهد من هذا الحديث قوله: "وألا يقتل مسلم بكافر" لأنه هو المناسب لكتاب الجنايات.
في هذا الحديث فوائد كثيرة: منها ما امتن الله به على أهل السُّنة من ظهور كذب الشيعة في دعواهم أن عند آل البيت قرآنًا سوى هذا المصحف وذلك بسؤال أبي جحيفة.
ومن فوائد الحديث: جواز الإقسام بلا قسم إذا كان الأمر مهمًّا واقتضت المصلحة ذلك وجهه: أن عليًّا ﵁ أقسم دون أن يستقسم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن تكون صيغة القسم مناسبة للمقسم عليه حيث اختار عليّ ﵁ القسم بالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ووجه المناسبة أن في فلق الحبة وبرء النسمة إنشاء حياة وفي الوحي الذي هو القرآن حياة ولهذا سماه الله تعالى روحًا ﴿كذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾، فذكر ﵁ الإحياء الكوني لمناسبته الإحياء الشرعي ففي الوحي إحياء شرعي وفي فلق الحبة وبرأ النسمة إحياء كوني هذا وجه المناسبة.
ومن فوائد الحديث: أن الله سبحانه يمنُّ على من يشاء من عباده بالفهم لقوله: "إلا فهمًا يعطيه الله"، وهذا أمر مشاهد مجرب أن الناس يختلفون في الفهم وأمثلته كثيرة ارجع إلى كلام المفسرين، أو كلا المحدِّثين تجد المفسر يأخذ من الآية عدة فوائد لا يأخذها غيره، وتجد بعض شراح الحديث يستنبط من الأحاديث فوائد كثيرة لا يستطيعها غيره كما يذكر عن الشافعي ﵀ أنه استنبط من حديث "يا أبا عمير ما فعل النغّير؟ " منهم من قال: ألف فائدة، ومنهم من قال: أربعمائة وكان ﵀ قد نزل ضيفًا على الإمام أحمد والإمام أحمد يجلُّه ويذكره عند أهله بالخير فبات عندهم تلك الليلة، فلما قدَّموا له العشاء أكل العشاء كله ولما نام لم يقم بالليل يتهجد ولما خرج لصلاة الصبح لم يتوضأ فاستغرب أهل البيت هذا العمل وسألوا الإمام أحمد وقالوا: هذا الشافعي الذي تقول فيه وتقول، كيف فعل هذا فسأل الإمام أحمد الإمام الشافعي فقال: إنما أكلت العشاء كله لأني لا أجد في هذا البلد أحل من طعام الإمام أحمد فأردت أن أملأ بطني منه، ومعلوم أن ملأ البطن أحيانًا لا بأس به كما فعل أبو هريرة أمام النبي ﷺ وأما كوني لم أتهجد فإن العلم أفضل من التهجد وجعلت أفكر في حديث أبي عمير ما فعل النُّغير؟ وأستنبط منه فوائد وأما كوني خرجت بلا وضوء فلأني وضوئي لم
стр. 2711
ينتقض لأنني لم أن فأخبر الإمام أحمد أهله بذلك فزال عنهم الاستغراب والشاهد أن الله تعالى يمنَّ على بعض الناس بالفهم يستطيع أن يستنبط من النص فوائد كثيرة لا يصل إليها غيره.
ومن فوائد الحديث: احتفاظ علي بن أبي طالب ﵁ بالسُّنة وعنايته بها وكتابته لها لقوله: "وما في هذه الصحيفة".
ومن فوائد الحديث: الرد على من غمز بعض الرواة لكونه يروي من صحيفة كما في غمز بعضهم عمرو بن حزم الذي يروي من الصحيفة، فإن هذا الغمز أحقُّ بالغمز لأن الرواية من الصحيفة قد تكون أضبط وأحفظ من الرواية من الصدر، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاة" حينما طلب من النبي ﷺ أن يكتب له وثبت أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ما رواه عن النبي ﷺ حتى قال أبو هريرة: "لا أعلم أحدًا أكثر مني حديثًا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
ومن فوائد هذا الحديث: حرص أبي جحيفة على السؤال حيث قال: وما في هذه الصحيفة؟ فإنه ﵁ خاف أن يكون فيها شيء من القرآن فقال: "وما فيها؟ ".
ومن فوائد الحديث: ثبوت العقل، يعني: كون الدية على العاقل وهذه المسألة اختلف فيها العلماء فمنهم من قال: إنه لا شيء على العاقلة إلا على سبيل المساعدة تبرعًا وتطوعًا لما سيأتي في الأحاديث التي ذكرها المؤلف ولقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرٌة وزر أخرى﴾، ومنهم من قال بل تحمل العاقلة ما زاد على الثلث دون ما كان من الثلث فأقل ومنهم من قال تحمل العاقلة عن القاتل إذا كان فقيرًا فيكون تحملها ليس عل سبيل الأصالة ولكنه فرع عن تحمله القاتل- وسيأتي بيان التحقيق في المسألة.
ومن فوائد الحديث: وجوب فك الأسير المسلم لقوله: "وفكاك الأسير" ولم يذكر في الحديث طريق فكه فيرجع في ذلك إلى ما يحصل به الفك بأي وسيلة كان.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يقتل مسلم بكافر وهذا هو الشاهد لقوله: "وألا يقتل مسلم بكافر".
ومن فوائد الحديث: كذب الشيعة في دعواهم أن عند آل البيت مصحفًا يخالف المصحف الذي في أيدي المسلمين، وأنه إذا كان إمام أهل البيت علي بن أبي طالب يقسم بأنه ليس عندهم شيء فإن أي دعوى في ذلك تعتبر تكذيبًا لعلي بن أبي طالب وهو إمام أهل البيت وطعنًا فيه!
стр. 2712
حكم قتل المؤمن بمعاهد:
١١١٨ - وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ من وجٍه آخر عن عليٍّ، وقال فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يٌد عل من سواهم، ولا يقتل مؤمٌن بكافٍر، ولا ذو عهٍد في عهده" وصحَّحه الحاكم.
"المؤمنون عامة تتكافأ دماؤهم" أي: بعضها يكافئ البعض الآخر فيقتصُّ من كل مؤمن بقتل كل مؤمن وقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" أي: يسعى بعهدهم أدناهم، أي: أن الواحد منهم إذا عاهد أحدًا أو أمنه فإن عهده نافذ على جميع المؤمنين، يعني: لو أن شخصًا من المسلمين أمَّن كافرًا حربيًّا أو عاهده فإن هذه المعاهدة وهذا التأمين نافذ على جميع المسلمين الثالث قال "وهم يد على من سواهم" أي: المؤمنون يد على من سواهم من سوى المؤمنين؟ الكفار ومعنى يد أي قوة على من سواهم أو يد أي: أنه يجب أن تتكاتف أيديهم على من سواهم والمعنى واحد وهو أن يجب على المسلمين أن يكونوا يٌد واحدة على من سواهم قال: "ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده"، "ذو عهد"، أي: صاحب عهد في عهده، وهذا كالتوكيد لقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" فإن ذا العهد لا يجوز أن يقتل في عهده؛ لأنه معصوم فإن قتل فهل يقتل قاتله؟ إن كان قاتله كافرًا قتل وإن كان قاتله مسلمًا فإنه لا يقتل لما سبق.
في هذا الحديث من الفوائد: أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم أي: تتساوى ويكافئ بعضها بعضًا، وعلى هذا فيقتل المؤمن العدل بالمؤمن الفاسق والعالم بالجاهل والعاقل بالمجنون والكبير بالصغير والذكر بالأنثى والعكس بالعكس لعموم قوله: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" يستثنى من ذلك الرقيق على بعض قول العلماء والوالد على قول بعض العلماء، وقد سبق الكلام على ذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا عقد أحد من المسلمين الذمة لشخص وجب إنفاذ هذا العقد واحترام من هو في هذا العهد لقوله: "ويسعى بذمتهم" أي في عهدهم أدناهم.
ومن فوائد الحديث: وجوب إجماع الأمة الإسلامية على عدوها المشترك لقوله: "وهم يد على من سواهم".
ومن فوائده: أن من انفصل عن هذه اليد من المسلمين فإنه ليس منهم لأن الرسول أخبر بأنهم هم جميعًا يد على من سواهم فمن انفصل ولم يساعد إخوانه من المسلمين ولم يهتم بأمورهم فإنه ليس من منهم.
стр. 2713
ومن فوائد الحديث: علو الإيمان والإسلام على غيره ويتفرع منه ألا يقتل مسلم بكافر.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من له عهد فهو معصوم لا يجوز أن يقتل في عهده ويستثنى من ذلك ما إذا نقض العهد أو يقال إنه لا استثناء ولكن مفهومه أنه إذا نقض العهد فإنه يقتل وهو كذلك، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نقول إنه مستثنى بل نقول إن مفهوم قوله "ولا ذو عهد في عهده" أنه إذا انتفض عهده فإنه يقتل وهكذا قال أهل العلم أنه إذا نقض المعاهد عهده بأي ناقض فإنه يحلُّ دمه وماله فلو أنه اعتدى على مسلم بأن زنى بامرأة مسلمة أو تلَّوط بغلام أو شرب الخمر علنًا أو ما أشبه ذلك، فإنه ينتقض عهده ويحلُّ دمه وماله.
ومن فوائد الحديث: أن العصمة تكون لغير المسلم؛ "ولا ذو عهد في عهده"، ففي أي شيء تكون العصمة؟ المعصومون أربعة المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن وحينئٍذ نحتاج إلى معرفة الفرق بين هؤلاء، أما الفرق بين المسلم وغيره فظاهر، وأما الفرق بين ذي الذمة والمعاهد فذو الذمة تحت حمايتنا نحوطه ونكفُّ عنه الأذى ولا نعتدي عليه وهو من مسئوليتنا ولنا عليه الجزية نأخذها منه، وأما المعاهد فهو منفصل عنا هو في بلده لكنه لا يعتدي علينا ولا نعتدي عليه.
بقي الفرق بين المعاهد والمستأمن؛ الفرق أن العهد عقد بين طائفتين بين الأمة الإسلامية والأمة الكافرة فهو عقد عام لا يعتدي فيه أحد على أحد، وأما المستأمن فهو خاصُّ بفرد معين نعطيه الأمان حتى يبيع سلعته إن كان تاجرًا وحتى يسمع كلام الله إن كان يريد الإسلام وما أشبه ذلك لقوله تعالى: ﴿وإن أحٌد من المشركين استجارك فأجره حتَّى يسمع كلام الله ثمَّ أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦]. وكل هؤلاء الأربعة معصومون وعلى هذا فنقول لا يجوز قتل المعاهد ولا المستأمن ولا ذي الذمة لأن الكل منهم معصوم.
الجناية على النفس:
١١١٩ - وعن أنس بن مالٍك ﵁: "أنَّ جاريًة وجد رأسها قد رضَّ بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلاٌن. فلاٌن، حتَّى ذكروا يهوديًّا، فاومأت برأسها، فأخذ اليهوديُّ، فأقرَّ، فأمر رسول الله ﷺ أن يرضَّ رأسه بين حجرين". متفٌق عليه، واللَّفظ لمسلٍم.
"الجارية" هي الأنثى، وتطلق على الصغيرة وربما تطلق على الكبيرة، وقوله: "وجد رأسها
стр. 2714
قد رضَّ بين حجرين" أي جعل بين حجرين ورضَّ بالحجر الأعلى وهي في آخر رمق، فسألوها من صنع بك؟ هذا فلان فلان حتى ذكروا ... إلخ. "سألوها" أي: سألها أهلها أو من عثر عليها من صنع بك هذا وعينوا أناسًا ولا شك أنهم لن يعينوا إلا من كان قريبًا منها وفيه شبهة، وأما من كان بعيدًا وليس فيه شبهة فلن يذكروه لها "حتى ذكروا يهوديًّا فاومأت برأسها" يعني: أنه هو الذي فعل ذلك، وهذا من نعمة الله- وفضله أن أبقى حياة هذه الجارية حتى أخذوا إقرارها بأن الذي فعل بها ذلك رجل من اليهود "فأخذ اليهودي فأقرَّ" بأنه الفاعل ولو لم يقر لكان نكبة لأنه لو لم يقر لبرئ لقول النبي ﷺ "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم"، فأقر فأمر رسول الله ... إلخ، "أمر أن يرضَّ رأسه بين حجرين" وهذه حالة قد تصعب على النفوس أن يرض الإنسان رأس رجل بين حجرين ولكن يهون ذلك أن يكون عند التنفيذ يستشعر أن هذا المجرم فعل بالمعتدي عليه هذا الفعل فيهون عليه، يعني: يعتبر هذا قصاصًا.
هذا الحديث فيه فوائد: أولًا: جواز بقاء اليهود في المدينة، لأن النبي ﷺ لم يطرد هذا الرجل ولا غيره بل ومات ودرعه مرهونة عند يهودي، ولكن هذا كان قبل قول النبي ﷺ "لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" ولكنه صلى الله عليه سلم مات قبل ذلك إلا أن أوصى أمته فقال أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن حرم المدينة ليست حرم مكة في منع الكفار من دخولها وجه ذلك إقرار النبي ﷺ اليهود على البقاء في المدينة أما مكة فقال الله تعالى: ﴿يأيها الذَّين ءامنوا إنَّما المشركون نجٌس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾.
ومن فوائد هذا الحديث: محبة اليهود للمال وأنه لا يهمهم أن يرتكبوا أبشع جريمة من أجل الوصول إلى المال لأن هذا اليهودي إنما رضَّ رأس الجارية من أجل حلي كان عليها فأخذه.
ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار قول المحتضر أو بعبارة أخرى اعتبار قول من أصابه سبب الموت ما دام ذهنه باقيًا تؤخذ من اعتبارهم إشارة الجارية.
ومن فوائد الحديث: أن الإشارة تقوم مقام العبارة فإذا كان هذا مع تعذر العبارة شرعًا أو حسًّا فلا شك أن الإشارة تقوم مقام العبارة، وإن كان مع القدرة ففيه خلاف بين العلماء، ففي هذه القصة قامت الإشارة مقام العبارة لتعذر العبارة في هذا الحال، وفي إشارة النبي ﷺ لأصحابه حين صلًّى بهم جالسًا فصلوا قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا هذا فيه تعذر العبارة شرعًا. إذن الإشارة تقوم مقام العبارة عند تعذر العبارة شرعًا أو حسًّا فأما مع القدرة على ذلك فما يصح بالكناية يصح بالإشارة وما لا يصح بالكناية لا يصح بالإشارة فالنكاح مثلًا هل ينعقد
стр. 2715
بالإشارة من قادر على النطق؟ الجواب: لا لماذا؟ لأنه لا ينعقد بالكناية ولابد من الإشهاد عليه فلو قيل مثلًا للولي يشير إلى الزوج وإلى الزوجة، يعني: عقدنا فقال برأسه هل يكفي؟ لا يكفي لأن الكناية فيه لا تقوم مقام الصريح ولو قيل له: أطلقت امرأتك فقال برأسه فهذه محل خلاف بعضهم قال تطلق وبعضهم قال: لا تطلق والصحيح أنها تطلق لأن هذا كالصريح في قوله نعم.
ومن فوائد الحديث: قلنا: اعتبار قول من حضره الأجل ولكن بشرط ألا يكون قد تغير فكره، يعني: لو تغير فكره فإنه لا يعتبر قوله، وعليه لو أوصى الإنسان وهو محتضر ينازع نفسه فهل تعتبر هذه الوصية؟ الجواب: تعتبر بشرط ألا يكون قد تغير فكره فإن كان قد تغير وعرفنا أنه يهذي ولا يضبط قوله فإنه لا عبرة به.
ومن فوائد الحديث: جواز أخذ المتهم بالتهمة يؤخذ من أخذ اليهودي ولكن هل كل مدعى عليه يؤخذ بالدعوى أو ينظر للقرينة؟ الواجب أن ينظر للقرينة إن كان يمكن صدق الدعوى أخذنا المدعي عليه، وإن كان لا يمكن فذهب مالك وجماعة من أهل العلم إلى أن المدعي هو الذي يؤدب فلو أن بقالًا قال أنا أدعي أن الملك اشترى مني عشرة حزم بقالة ولم يعطني حقي وأنا أطلب حقي هل تقبل هذه الدعوى؟ لا، لأن الملك لا يمكن أن يقوم بشرائها بنفسه هذا مستحيل فقال الإمام مالك: إن هذا يؤدي لأن متلاعب ولا يؤخذ المدعي عليه في هذه الحال، أما إذا أمكن أن تكون الدعوى صحيحة فإن المدعى عليه يؤخذ لاحتمال صدق المدعي ولكن هل يحكم بما ادعاه المدعي عليه؟ الجواب: لا حتى يقر.
ومن فوائد الحديث: أن الله- يقيد من يقتل القاتل ولو قتل اختفاء كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أبقى حياة هذه الجارية حتى سألوها ولو يستطع المدعى عليه المجرم أن ينكر وإلا لو ماتت هذه الجارية لذهب الحق ولو أنكر المجرم لذهب الحق، ولكن القاتل مقتول قال الله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنَّه كان منصورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. سلطانًا كونيًّا قدريًّا وسلطانًا شرعيًّا أما السلطان الشرعي فلولي المقتول أن يقتصَّ شرعًا، وأما السلطان القدري فإن الله تعالى لابد أن يطلع على القاتل طال الزمن أو قصر، ولهذا قال: ﴿فقد جعلنا لوليّه سلطانًا فلا يسرف في القتل﴾ يعني: كأن القاتل بين يديك ولكن لا يسرف، يعني: لا تأخذه الغيرة على أن يمثِّل بالقاتل أو يقتله بأشد مما قتل به ثم قال: "إنه" أي: الولي "كان منصورًا" أي: كان منصورًا في علم الله ولابد أن يعثر على قاتل وليه.
ومن فوائد الحديث: أنه يفعل بالجاني كما فعل إن قتل برصاص قتلناه برصاص، وإن قتل بسيف قتلناه بسيف، وإن قتل بخنجر قتلناه بخنجر، وإن قتل بحجر قتلناه بحجر وإن قتل بتقطيع الأعضاء والتمثيل قتلناه كذلك ودليل هذا أن النبي ﷺ أمر أن يرض رأس اليهودي
стр. 2716
بحجرين كما فعل بالجارية وهو نصٌّ صريح في الموضوع ودليل آخر أن الله سبحانه سمى قتل القاتل قصاصًا والقصاص لابد أن يكون مماثلًا لما اقتص به فيه؛ لأنه قصاص، وأصله من قصَّ الأثر إذا تتبعه وإذا كان كذلك فإن تمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل وأما قول من قال إنه يقتل بالسيف لحديث ورد في ذلك- لا قود إلا بسيف- فإنه لو صح الحديث لقلنا به ولكنه لا يصح عن النبي ﷺ وعلى هذا فيفعل بالجاني كما فعل إلا إذا كان الأداة التي قتل بها محرمة لعينها فإنها لا تستعمل كما لو قتله بإسقائه الخمر فإننا لا نقتله بإسقاء الخمر، ولكن هل نقتله بالسيف أو نقتله بشراب يتأذى به حتى يموت وليس بخمر؟ الثاني أقرب إلى القصاص والأول له وجهة نظر لأنه لما تعذر القصاص شرعًا عدلنا إلى الأسهل وهو القتل بالسيف وكذلك لو قتله بفعل الفاحشة تلوط بغلام صغير حتى أهلكه عمدًا وهو يعرف أن هذا العمل يهلكه فهنا لا نقتله بمثل ما قتل لأن هذا محرم لعينه.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل يقتل بالمرأة وجهه أن النبي ﷺ قتل اليهودي وهو رجل بالجارية وهي امرأة.
جناية الصغير والمجنون:
١١٢٠ - وعن عمران بن حصين ﵁: "أنَّ غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلاٍم لأناٍس أغنياء، فأتوا النَّبيَّ ﷺ فلم يجعل لهم شيئًا". رواه أحمد والثَّلاثة بإسناٍد صحيٍح.
الغلام يطلق على الصغير الذي لم يبلغ "لأناس فقراء" أي: معوذين والفقراء جمع فقير والفقير هو خالي اليد من المال، وسمِّي بذلك لموافقته للاشتقاق الأكبر للقفر وهي الأرض الخالية من النبات فالفقير أو الفقر هو الخلو وقوله: "قطع أذن غلام لأناس أغنياء" نقول في الغلام كما قلنا في الغلام الأول وقوله: "قطع" ظاهره أن القطع كان عمدًا لأنه لم يقيد والأصل في الأفعال إذا لم تقيد أن تكون صادرة عن قصد وإرادة، فأتوا النبي ﷺ فلم يجعل لهم شيئًا لم يجعل للأغنياء شيئًا على الفقراء ولم يبن في الحديث سبب هذا الحكم أنه لم يجعل للأغنياء شيئًا فقيل لأن هذا الصبي كان يدافع عن نفسه، والمدافع عن نفسه لا يلزمه شيء، وقيل: إن النبي ﷺ لم يجعل لهؤلاء الأغنياء شيئًا لأن الدية في هذه الصورة تجب على العاقلة فإن العاقلة تحمل ما زاد عن ثلث الدية والدية هنا على العاقلة لتعذر القصاص من الغلام لكونه غير بالغ فإذا تعذر القصاص وجبت الدية إذا وجبت الدية فإنه يكون مجراها مجرى الخطأ تجب على العاقلة والعاقلة الآن فقراء لذلك أسقط النبي ﷺ عنهم الدية وهل تسقط
стр. 2717
الدية عن العاقلة إذا كانوا فقراء مطلقًا أو تجب في بيت المال؟ الحديث هذا لم يبين ومن ثمَّ اختلف العلماء في تخريجه وهو لا يخلو إما من باب الدفاع عن النفس وإما أن يكون من باب تحميل العاقلة لهذه الجناية وإذا كانت العاقلة فقراء فإنه يسقط ما يجب عليهم لأنه يشترط في تحمل العاقلة أن يكون العقل غنيًّا.
من فوائد الحديث: أنه لا قصاص على الغلمان وذلك لعدم التكليف وقد مر علينا أن من شرط القصاص أن يكون الجاني بالغًا عاقلًا.
ومن فوائده: على أحد الاحتمالين أن العاقلة تحمل عمد الصبي.
ومن فوائده: إذا كانت العاقلة فقراء فإنه لا شيء عليهم أما على الاحتمال الثاني أنه قطع أذنه دفعًا لصوله أنه يفيد أن من قطع أذن شخص أو قتله دفاعًا عن نفسه فإنه لا شيء عليه وذلك لأن النبي ﷺ قال فيمن جاء يطلب مال الشخص قال: "لا تعطه" قال: أرأيت إن قاتلني، قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني، قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته. قال: "هو في النار".
وهذا يدل على أن دمه هدر؛ أي: دم المقتول، ولكن يجب أن نعلم أنه لا يجوز أن يرتقي إلى شيء وهو يتمكن من الدفاع بما هو أسهل فإذا كان يمكن الدفاع بالضرب على الأشياء التي تجعله يغمى عليه فإنه لا يجوز قتله وإذا أمكن دفع شره بوثاقه فإنه لا يجوز قتله وإذا أمكن دفع شره بحبسه في حجرة أو غيرها فلا يجوز قتله المهم أن يستعمل في حقه الأسهل فالأسهل فإذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل ولكن إذا خاف أن يبدره بالقتل أي أن المصول عليه خاف أن الصائلة يبادره بالقتل فحينئٍذ له أن يبدأ بالقتل لأنه في هذه الحال لا يمكن دفع شره إلا بمبادرة القتل.
فإن قال قائل: كيف تجيبون عما إذا رأى الرجل شخصًا يزني بأهله فإنه يجوز أن يقتله بدون إنذار؟
قلنا: إن هذا ليس من باب دفع الصائل ولكنه من باب عقوبة المعتدي ونظيره أن من اطلع عليك من شقوق الباب فإنه يجوز أن تفقأ عينه بدون إنذار لأن هذا من باب عقوبة المعتدي وليس من باب دفع الصائل فإن قيل: إذا نفي أولياء المقتول أن قتيلهم قد صال على القاتل وقالوا إنه لم يصل عليه فهل تقبل قول القاتل إنه قتله دفاعًا عن نفسه؟ الجواب: لا، لأن القتل ثبت ودعوى أنه كان دفاعًا عن النفس يعتبر دعوى جديدة والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ولو أننا قبلنا مثل هذه الدعوى لكان كل من أراد أن يقتل شخصًا ١ ذهب فقتله ثم قال: إنني قتلته دفاعًا عن النفس وهذا هو المشهور من المذهب وعلى هذا فإذا قتل القاتل المدافع عن نفسه الذي ليس عنده بينة فإنه يكون في هذه الحال مأجورًا على ما حصل من قتله ومئابًا
стр. 2718
عند الله وقال بعض العلماء بل ينظر للقرائن فإذا كان المقتول معروفًا بالشر والفساد أو قد سبق منه تهديد للقاتل فإن دعوى القاتل أنه مدافع دعوى صحيحة لأن كونه يتهدده، بالقتل أو يتحدث إلى الناس بأنه سيقتل فلانًا يدل دلالة واضحة على أنه هو القاتل وكذلك إذا عرف أن القاتل رجل مستقيم الدين بعيد عن العدوان، وأن هذا صاحب شرٍّ معروف بالعدوان ولاسيما إن قتله في بيته -بيت القاتل- فهذه قرينة واضحة تدل على صدقه فيحكم ببراءته وأنه لا شيء عليه وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الأصح.
ترك القصاص في الجروح قبل البرء:
١١٢١ - وعن عمرو بن شعيٍب، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: "أنَّ رجلًا طعن رجلًا بقرٍن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقال: حتَّى تبرأ. ثمَّ جاء إليه. فقال: أقدني، فأقاده، ثمَّ جاء إليه. فقال: يا رسول الله، عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتصَّ من جرٍح حتَّى يبرأ صاحبه". رواه أحمد، والدَّارقطنيُّ، وأعلَّ بالإرسال.
القرن معروف قرن الماعز أو غيره، طعنه أي ضربه بهذا القرن في الركبة ومعروف أن الركبة في بعض مواضعها طعنها يكون سبب لعرج الركبة، ومعنى أقدني، يعني: خذ لي القود من هذا الذي ضربني فقال النبي ﷺ حتى تبرأ، يعني: انتظر حتى تبرأ من أثر هذه الطعنة ثم جاء إليه فقال ... إلخ.
وقوله: "فأقاده" يعني: اقتص له من الذي طعنه وبماذا اقتص؟ اقتص بقول الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ أي: أنه طعن هذا الطاعن رجلًا بقرن أو ما يقوم. مقامه في ركبته ثم جاء المطعون فقال يا رسول الله عرجت؛ أي: من طعن هذا الرجل؟ فقال: "قد نهيتك فعصيتني" أين النهي؟ قوله: "حتى تبرأ" لأن تقدير الحديث: لا أقيدك حتى تبرأ فأبعدك الله يحتمل أن يكون خبًا ويحتمل أن يكون دعًاء فإن كان دعًاء فإنه مشكل حيث يدعو عليه النبي صلى الله عليه سلم بهذا الدعاء مع أنه أجابه إلى طلبه فأقاده وإن كان خبرًا فالمعنى أن الله أبعدك أي أبعدك حكمًا أي أنك لا تدرك على هذا الجاني شيئًا الآن لأنك استقدت قبل أن تبرأ وبطل عرجك أي بطل قود عرجك ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح، يعني: أن يجرح الجارح حتى يبرأ المجروح لماذا لأجل أن تعرف الغاية وهل تسري الجناية أو لا تسري وحين يستقر الواجب إما بدية أو قصاص؟
стр. 2719
فيستفاد من هذا الحديث: جواز القصاص فيما دون النفس، لأن النبي ﷺ أقاد هذا الرجل لكن اشترط العلماء لجواز القصاص فيما دون النفس أن يكون المقتص منه فيما دون النفس يقتص منه في النفس وعلى هذا فالشروط السابقة في القصاص لابد أن تتوافر في القصاص فيما دون النفس، فلا يقتص من مسلم لكافر ولا من حر لعبد ولا من والد لولده ولا من صغير، يشترط أيضًا زيادة على ما سبق أن يمكن الاستيفاء فإن كان لا يمكن بأن جرحه في موضعه لا يمكن في القصاص، فإنه لا قصاص مثل الجرح في البطن فإن هذا الجرح لا ينتهي إلى عظم وليس له مفصل يمكن أن يقتص منه، ومثل قطع اليد من نصف الذراع فإنه لا يمكن القصاص لأنه لو قدرناه بمساحة، فقد تكون ذراع الجاني أطول أو بالعكس فلا يمكن القصاص، وما ذكره الأصحاب في مثل هذه الأمور واقع في زمنهم، أما في زماننا اليوم فإنه يمكن القصاص تمامًا حتى فيما إذا كان في غير مفصل أو إذا كان الجرح ينتهي إلى عظم، وعلى فهذا فيقاس الجرح الذي في البطن ويقتص من بطن الجاني بمثل ما جنى على هذا الذي جنى عليه، وكذلك إذا كان القطع من نصف الذراع فإنه يمكن القصاص فيه بماذا؟ بالنسبة وليس بالمساحة؛ لأن ذراع الجاني قد تكون قصيرة فإذا اعتبرناها بالمساحة وكان نصف ذراع المجني عليه يساوي ثلثي ذراع الجاني فنكون زدنا، فيعتبر ذلك بالنسبة ويشترط أيضًا للاستيفاء فيما دون النفس ألا يتعدى غير الجاني مثل أن يكون على حامل أو يخشى أن هذا يموت إذا اقتص منه فحينئٍذ لا يمكن القصاص.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب الانتظار حتى يبرأ جرح المجني عليه، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
ومن فوائده: أن سراية الجناية إذا كان القصاص قبل البرء غير مضمونه دليله قول النبي ﷺ بطل عرجك، فإن سرت الجناية قبل أن يقتص فإنها مضمونة، مثاله: رجل جرح شخصًا في ركبته ثم سرى الجرح حتى صار الرجل أعرج فإنه تضمن هذه السراية إلا أن يقتص قبل البرء فإنها لا تضمن.
مثال آخر: رجل قطع أصبع رجل ثم إن الجرح تعفن وسرى إلى اليد ثم سرى إلى النفس فمات فهل يقتص من الجاني بالموت يقتل أو نقول يقطع أصبعه فقط؟ الجواب: الأول لأن سراية الجناية في النفس فما دونها مضمونة بشرط ألا يقتص قبل البرء فإن اقتص قبل البرء بطلت السراية، وهاهنا قاعدة هي سراية الجناية مضمونة؛ والعلة في ذلك أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، يعني: لو أننا انتظرنا فيمن قطع أصبعه حتى برأ الأصبع ثم اقتصصنا من الجاني فسرت الجناية
стр. 2720
إلى النفس ومات الجاني فإنه لا ضمان على المجني منه وذلك لأن اقتصاص فعل جائز شرعًا وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وهذه قاعدة مفيدة إلا في هذه المسألة وهي ما إذا اقتص قبل البرء فإن سراية الجناية لا تكون مضمونة.
ومن فوائد الحديث: بيان الآثار السيئة التي تترتب على معصية الشرع وذلك أن هذا الرجل تعجل وعصى النبي ﷺ فكانت آثار معصيته سيئة حيث إنه بطل عرجه، ولو أنه انتظر حتى يبرأ لكان أسلم له لأنه إذا برأ عرف منتهى هذه الجناية واقتص منه بحسبها.
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في تأخير القصاص حتى يبرأ وما هي الحكمة؟ هي أننا ننظر هل تسري هذه الجناية؟ لأنها قبل البرء مجهولة قد تسري وقد لا تسري فهذا كان من الحكمة أن يؤجل حتى يبرأ أو حتى تسري الجناية ويؤخذ بحسبها.
الجناية على الحمل:
١١٢٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيٍل، فرمت إحداهما الأخرى بحجٍر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أنَّ دية جنينها. غرَّةٌ؛ عبٌد أو وليدٌة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النَّابغة الهذليُّ: يا رسول الله، كيف يغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهلَّ، فمثل ذلك يطلُّ، فقال رسول الله ﷺ : إنما هذا من إخوان الكهَّان؛ من أجل سجعه الَّذي سجع". متَّفٌق عليه.
قوله: "اقتتلت" مأخوذ من الاقتتال وهو المضاربة وما أشبه ذلك، "فقتلت المرأة" المضروبة "وما في بطنها" فإن الجنين خرج ميتًا فرفعوا إلى الرسول ﷺ الخصومة في هذه القضية لأن النبي ﷺ هو الحاكم بشريعة الله- ، والجنين هو الحمل وسمِّي بذلك لأنه مجتٍن أي مستتر في بطن أمه فلذلك سمِّي جنينا قال الله تعالى: ﴿وإذ أنتم أجنٌة في بطون أمهاتكم﴾، أي جمع جنين وكل شيء مستتر فإنه يسمى بهذا الاسم أجنة والجن مستترون والجنة: البستان الكثير الأشجار لأنه يستر من فيه والجنة التي يتترس بها المقاتل عند القتال لأنها تسترها يقول: "إن دية الجنين غرة عبد أو وليدة"، "عبد" عطف بيان لغرة، والغرة في الأصل هي البياض في مقدم الفرس وتطلق الغرة على العبيد والإماء لأنهما غرة المال وأفضل المال فهم أفضل من الإبل
стр. 2721
والمواشي والدراهم والدنانير، ولهذا سمِّي العبيد والإيماء غررًا وقوله: "عبد" ووليدة تفسير لقوله: "غرة" و"أو" هنا الظاهر أنها للتخيير وليست للشك، فيخير من عليه الغرة بين هذا وهذا، وقضى بدية المرأة على عاقلتها قضى بدية المرأة المقتولة على عاقلة المرأة القاتلة، والدية هي ما يجب بإزهاق النفس المحترمة وهي مائة من الإبل، هذا هو الأصل، أو ما يقوم مقامها من البقر والغنم والدراهم والدنانير وقد سبق بيان ذلك وقوله "على عاقلتها" جمع عاقل، وهم ذكور العصبة من ولاء أو نسب وسمّوا عاقلة لأنهم يأتون الإبل التي هي الدية ويعقلونها عند باب أهل القتيل هذه عادتهم في الجاهلية فسموا عاقلة من عقل الإبل وورثها ولدها ومن معهم ورثها؛ أي: ورث الدية ولدها أي ولد المقتولة ومن معهم وهو زوجها لأن الدية عوض عن النفس فإذا كانت عوضًا عن النفس فإنها تنتقل مع مال المقتول كما أن مال المقتول يرثه ورثته، فكذلك الدية تعتبر من المال فقال: "حمل ابن النابغة الهذلي كيف يغرم من لا يشرب ولا أكل؟ ! " يشير إلى الجنين لأن الجنين الذي سقط ميتًا فيقول: "كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق؟ " يعني: بلسانه، "ولا استهلَّ"، أي: لم يبك "فمثل ذلك يطل" أي: يهدر ولا يكون له قيمة، لأنه ليس بحي؛ حيث إنه لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فلا يكون له قيمة فقال النبي ﷺ : "إنما هذا" المشار إليه حمل ابن النابغة من إخوان الكهان أي من نظرائه كما قال تعالى: ﴿إنَّ المبذّرين كانوا إخوان الشياطين﴾، ليس معناه كانوا إخوان الشياطين في النسب؛ لأنهم ليس بينهم وبين الشياطين نسب لكنهم من أشباه الشياطين، فقوله: "من إخوان الكهان"، أي: من نظرائهم وأشباههم، لأن الكهان يستعملون السجع في تذييل كلامهم ليموهوا به على الناس، والكهان جمع كاهن وهو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل وكان الكهان قبل بعثة النبي ﷺ كثيرين تنزل عليهم الشياطين بخبر السماء فيصدقون خبرًا واحدًا صادقًا ويكذبون معه مائة كذبة ثم إذا جاء الخبر الصادق من هذه المائة كذبة اعتبرهم الناس من علماء الغيب فصاروا يرجعون إليهم، فكانوا إذا كلموا الناس يكلمونهم بالسجع تذييلًا للكلام لأنه لا شك أن السجع يزين الكلام ويعطيه حلاوة وطلاوة، هنا أخبر النبي ﷺ أن دية الجنين غرة وأما دية المقتولة فهي دية كاملة دية الحر المسلم مائة من الإبل ودية المرأة الحرة المسلمة خمسون من الإبل.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: بيان ما يكون بين الضرتين من العداوة والبغضاء وإيغار الصدور؛ لأن هاتين المرأتين كانتا تحت رجل واحد زوجتين له، وهذا أمر معلوم فطري أنه يكون بين الزوجتين من العداوة والبغضاء وإغارة الصدور ما هو معلوم حتى إن كمل النساء لم يسلمن منه- زوجات النبي ﷺ ومنها أن الغيرة قد تؤدي إلى القتل كما هنا.
стр. 2722
ومن فوائد الحديث: أن القتل بالمثقل لا يوجب القصاص لأن الذي يوجب القصاص هو الذي يكون جارحًا أما ما قتل بثقله فإنه لا يوجب القصاص وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ﵀ وقال إن الآلة إذا كانت لا تجرح فليس فيها قصاص ولو كانت ثقيلة ولو كانت تقتل وأنه يشترط في القصاص أن يكون بجارح ولكن جمهور العلماء على خلافه على أن القتل يكون بكل آلة تقتل غالبًا ولا فرق بين الجارح وبين المثقل.
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن الحجر الذي أرسلته على هذه المرأة حجر ثقيل لا يقتل غالبًا لكنه أصاب بطنها فأجهضت وماتت بسبب الإجهاض في غير وقته وما ذهب إليه الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن العلة واحدة وهي أن الآلة تقتل غالبًا سواء كانت جارحة أو غير جارحة.
ومن فوائد الحديث: أن دية الجنين غرة عبد أو وليدة والمخير في ذلك من يغرم وهو القاضي فإذا أتى بعبد لزم أولياء الجنين قبوله وإذا أتى بأمة لزمهم قبوله ولكن إذا لم توجد الأمة أو العبد فإنه يرجع إلى خمس من الإبل يعطي أولياء الجنين خمسًا من الإبل عشر دية الأم، فإن لم يوجد إبل فإنهم يعطون قيمة الإبل إن قلنا: إن الإبل هي الأصل في الديات وإلا يعطون عشر دية الأم من البقر ومن الغنم ومن الدراهم والدنانير، وقد سبق أنها من البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة فيكون من البقر دية الجنين عشرة وتكون من الغنم مائة وهنا ينبغي أن نبين الأقسام الجنين الذي يموت بجناية على أمه ينقسم إلى أقسام:
الأول: أن يموت معها أي تموت وهي وولدها قبل أن يخرج فهذا لا شيء فيه، وإنما الدية في الأم أما هو فلا دية له لأنه كعضو من أعضائها.
الثاني: أن يخرج حيًّا فيستهل ويعطس ويشرب ثم يموت متأثرًا بالجناية ففيه دية كاملة إن خرج بوقت يعيش لمثله هو ما بعد ستة أشهر، يعني: إنسان دفع امرأة حاملًا ولجنينها سبعة أشهر فسقط الجنين حيًّا حياة مستقرة ثم مات فعليه دية كاملة لأنه قتل نفسًا فيلزم الجاني دية كاملة.
الثالث: أن يخرج ميتًا.
الرابع: أن يخرج حيًّا في وقت لا يعيش في مثله ويموت ففي هذه الحال يكون فيه غرة وكل هذا في جنين نفخت فيه الروح.
فالأقسام أربعة أما إذا خرج قبل نفخ الروح فيه، فإن كان قد تبين فيه خلق الإنسان ففيه غرة، إذا خرج وإن ماتت الأم فلا شيء كما هو الحال فيما إذا كانت قد نفخ فيه الروح وإذا خرج قطعة لحم ولم يتبين فيه خلق الإنسان فليس فيه شيء، لأننا لا نتيقن أنه بدأ خلق آدمي،
стр. 2723
وإذا لم نتيقن أنه بدأ خلق آدمي فالأصل براءة الذمة ولا يجوز فيه شيء، فصارت الأقسام أربعة بعد نفخ الروح وقسمان قبل نفخ الروح فيه بقي علينا الكفارة في الأقسام الأربعة التي حصل فيها الموت بعد نفخ الروح فيه إلا إذا مات مع أمه فإنه لا كفارة فيه ولا دية؛ لأنه صار جزءًا من أجزائها ولا تجب الكفارة في القسمين الآخرين وهي ما إذا خرج قبل نفخ الروح فيه لأن الكفارة إنما تجب في القتل وهنا لم يحصل قتل لأن القتل أزهاق الروح وهذا لم ينفخ فيه الروح حتى يتحقق فيه القتل فإذا سألنا سائل وقال خرج الجنين حيًّا حياة مستقرة لوقت يعيش بمثله وبقي زمنًا غير متألم صحيحًا شحيحًا ثم مات فهل يضمن؟ الجواب: لا يضمن لأننا لم نتحقق أن موته بسبب الجناية والأصل براءة الذمة، وكما لو علمنا أنه مات بسبب آخر فإنه بالاتفاق ليس فيه ضمان مثل أن يدعس هذا الجنين أو يوطأ فيموت بالسبب الثاني فإنه ليس في الأول ضمان لأنا تيقنا أنه مات بهذا السبب الثاني- هذه هي أقسام الجنين.
ومن فوائد الحديث: وجوب الدية على العاقلة، ولكن ما هي الدية التي تجب على العاقلة هي دية الخطأ وشبه العمد، أما العمد فتجب الدية فيه على القاتل، فإذا قتل رجل آخر قتلًا عمدًا ثم عفى أولياء المقتول عن القصاص وجبت الدية على القاتل لا على عاقلته، وإذا قتل خطأ أو شبه عمد فالدية على العاقلة والفرق هو أن المتعمد ليس أهلًا للمساعدة ولا للإعانة فلزمته الدية، أما الخطأ وشبه العمد فإنه يقع كثيرًا، والإنسان لم يتعمد القتل فكان أهلًا للمساعدة والإعانة فكانت الدية فيه على العاقلة، ولكن كيف تحمل العاقلة؟ نحملهم بقدر حالهم فالغني الكبير يحمل أكثر من الغني الذي دونه والفقير لا يحمل شيئًا فيحمل كل إنسان ما يليق بحاله ومن الذي يقدر أحوال الناس ويقدر ما يحملونه؟ هو الحاكم الشرعي فهو الذي يقدر أحوال الناس ويقدر ما يحمله كل واحد وليست المسألة فوضى.
ومن فوائد الحديث: حسن أحكام الشريعة حيث تنزل كل إنسان منزلته وجه ذلك كون العمد يحمله القاتل والخطأ وشبه العمد تحمله العاقلة.
ومن فوائد الحديث: أن الدية مال موروث يرثه أولياء المقتول حسب الميراث الشرعي، وإذا جعلناها مالًا موروثًا فإن الثلث بحسب منها فإذا أوصى شخص بوصية ووجدنا عنده من
стр. 2724
المال ثلاثمائة ألف وهو قد أوصى بالثلث فكم يكون ثلثه؟ مائة ألف، فإذا انضافت الدية إليه وهي مائة ألف صار الثلث مائة وثلاثًا وثلاثين ألفًا وثلثًا، المهم انه يضاف ما يؤخذ من الدية إلى مال الميت المقتول وتؤخذ منه الوصية وكذلك توزع بين الورثة.
السجع نوعان: جائز ومحرم:
ومن فوائد الحديث: ذمُّ السجع لقول النبي ﷺ : "إنما هو من إخوان الكهان" ولكن السجع الذي يذم هو الذي يأتي بتكلف أو يقصد به إثبات باطل أو إبطال حق والأول مذموم والثاني محرم لأن إثبات الباطل حرام وإبطال الحق حرام وما كان وسيلة لذلك فللوسائل أحكام المقاصد، أما إذا كان السجع يأتي عفوًا وبدون تكلف ولا يراد به إبطال حق ولا إثبات باطل فإنه حسن وهو من الفصاحة والبلاغة وقد كان النبي ﷺ يسجع في أحاديثه أحيانًا مثل قوله ﷺ "قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق" وكذلك يوجد السجع في القرآن كثيرًا.
قال الله ﵎: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾، فتجد أنه لما قال: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ وكان آخر الآية الميم قال بعدها: ﴿والنخل ذات الأكمام﴾ بالميم لتناسب الآية ما قبلها فالسجع لا شك أنه يعطي الكلام حلاوة وطلاوة ويجب الاستمتاع إليه، فإذا جاء من غير تكلف فلا بأس به.
ومن فوائد الحديث: جواز توبيخ من عارض الحق لقوله ﷺ : "إنما هو من إخوان الكهان".
ومن فوائد الحديث: أن الكهان يأتون بزخرف القول غرورًا من اجل أن يقبل الناس كلامهم ويستمعون إليه حينما يأتون بالسجع.
وهل يؤخذ من الحديث أنه إذا سقط ميتًا فإنه لا يضمن لقوله: "من لا شرب ولا أكل ... ز الخ؟ " لا يؤخذ لأن النبي ﷺ رده ولم يقره على ذلك فدل ذلك على أن الجنين يضمن بالغرة وإن لم ينطق ولم يستهل ولم يشرب ولم يأكل.
* * *
стр. 2725
١١٢٣ - وأخرجه أبو داود، والنسائي: من حديث ابن عباس ﵄: "أن عمر ﵁ سأل من شهد قضاء رسول الله ﷺ في الجنين؟ قال: فقام حمل ابن النابغة فقال: كنت بين يدي امرأتين فضربت إحداهما الأخرى ...... ". فذكره مختصرًا وصححه ابن حبان، والحاكم.
ما الذي يتعلق بالجنايات من هذا الحديث؟ يتعلق به ضمان الجنين وأن ديته غرة ويتعلق به أيضًا أن دية شبه العمد أو الخطأ تكون على العاقلة.
العفو عن الجناية:
١١٢٤ - وعن أنس ﵁: "أن الربيع بنت النضر- عمته - كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ : يا أنس، كتاب الله: القصاص، فرضي القوم، فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". متفق عليه، والفظ للبخاري.
"عمته" هنا عطف بيان صلة هذه المرأة بأنس، والعمة هي أخت الأب وقوله: "جارية"، يعني: شابه، هي لما كسرت ثنية الجارية طلبوا من أهلها أن يعفوا، ولكن أبوا قالوا: فالأرش، يعني: قيمة السن فأبوا إلا القصاص والقصاص أن يكسر سن الربيع ﴿والسن بالسن﴾ كما قال الله فقام أنس بن النضر فقال: "أتكسر ثنية الربيع؟ " استفهام استعظام، يعني: كسر ثنيتها عظيم؛ لأنها أخته وهي غالية عنده، فقال: "لا والذي بعثك بالحق لا تكسر" فأقسم ألا تكسر وليس مراده الاعتراض على حكم النبي ﷺ لكنه أراد التفاؤل وأحسن الظن بالله، حيث ظن أن الله تعالى سيجعل لها فرجًا ومخرجًا، وإلا من المعلوم أنه لو كان قصده الامتناع والاعتراض والإباء عن تنفيذ حكم الله ورسوله لكان على خطر عظيم ولما أبره الله لكن مراده التفاؤل وإحسان الظن بالله ع وجل والثنية هي أحد السنين المتلاصقين في وسط الأسنان فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص"، يعني: أن الله تعالى كتب القصاص ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن﴾، يعني: أن الله تعالى كتب القصاص فإذا طلبه من له الحق وجب تنفيذه ولما قال له هذا اقتنع واستسلم فيسر له فعفا أولئك القوم، وهذا يأتي دائمًا أن الله سبحانه ينزل الفرج عند الشدة كما أنزل
стр. 2726
الفرج عند الشدة في قصة الذبيح إسماعيل بن إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام -، يعني: لما لم يبق إلا التنفيذ جعل الله في قلوبهم الرأفة والرحمة فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد .. الخ"، "عباد الله" جمع عبد، والمراد بالعبودية: العبودية الخاصة وهي عبودية الشرع؛ وذلك أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية الكون- القدر- وهذه عامة لكل أحد ومنها قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا أتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم ٩٣]. وهذا يشمل الكافر والمؤمن وعبودية خاصة وهي عبودية الشرع التي يخضع فيها الإنسان لشرع الله مثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وهذه تنقسم إلى ما هو أخص من الخاصة وما هو خاص على سبيل العموم فالرسل - عليهم الصلاة والسلام- عبوديتهم لله هي أخص العبادات أو أخص التعبد قال الله- ﵎ في نوح- ﵊:
﴿إنه كان عبدًا شكورًًا﴾ [الإسراء: ٣]. وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١] يقول: "إن من عباد الله" هذه من الخاصة، وقوله: "من لو أقسم"، "من" هذه اسم إن؛ يعني: الذي، وخبرها مقدم، ومعنى "من لو أقسم على الله"؛ أي: حلف على الله أو ألا يكون هذا الشيء، "لأبره"؛ أي: لو في له بالقسم، وقوله: "إن من عباد الله" لا يشمل جميع العباد، بل منهم هذا الحديث ومناسبته لكتاب الجنايات القصاص في السن.
وفيه فوائد منها: ما يجري بين الصبيان والصغار من المناوشات التي قد تؤدي إلى مثل هذه الحال إلى الكسر، كسر السن، كسر الذراع كسر الأصبع، وهذا مما يوجب لفت النظر لأولياء الصغار بحيث يحذرونهم من هذه الأعمال ويدرسونهم إذا جلسوا معهم على العشاء وغيره يحذرونهم من هذه الأشياء.
ومن فوائد الحديث: أن الخيار في القصاص أو الدية أو العفو لمن وقعت عليه الجناية لا لمن وقعت منه، وجه ذلك: أنهم طلبوا منهم العفو والأرش وأبوا إلا القصاص فالخيار إذن للمعتدي عليه لا للمعتدي.
ومن فوائد الحديث: جواز طلب العفو من المجني عليه وأن هذا لا يدخل في المسألة المكروهة؛ لأن النبي ﷺ أقر هؤلاء حين طلبوا العفو.
ومن فوائد الحديث: أن الحق لولي الصغير وجه ذلك قوله فطلبوا إليهم العفو فأبوا فعرضوا الأرش فأبوا وهذا الذي يدل على أن الذي يتكلم هم أولياء هذه الصغيرة، وهذا أحد القولين في هذه المسألة أنه إذا وجب القصاص لصبي فإن المرجع في ذلك إلى أوليائه لما في هذا من تعجيل الحق وأخذ الحق، وقال بعض العلماء: إذا وجب القصاص لصغير فإنه ينتظر إلى أن يبلغ لأنه هو المجني عليه فينتظر إلى أن يبلغ ثم إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا، لكن هذا الحديث يدل على أن الأولياء لهم الحق في ذلك.
стр. 2727
هل يجوز للإنسان أن يحلف على الله ألا يفعل شيئًا؟
ومن فوائد الحديث: جواز إقسام الإنسان على الله إذا كان الحامل له على ذلك التفاؤل وإحسان الظن بالله ؛ لأن النبي ﷺ أقر أنس بن النضر وأما إذا كان الحمل له التألي على الله أو تحجر رحمته فإن ذلك لا يجوز ويدل على هذا قصة الرجل العابد الذي كان يمر برجل عاص فينهاه عن المعصية كلما مر به وهو على المعصية نهاه ولكنه مستمر في معصيته فقال الرجل العابد والله لا يغفر الله لفلان قال ذلك إعجابًا بعمله هو وتأليًا على الله وتحجرًا لرحمته فقال الله من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عمله وهنا نعرف الفرق بين إنسان يحمله حسن الظن بالله والتفاؤل على الإقسام على الله وبين شخص يريد أن يتألى على الله وأنه فوق الله وأنه يريد أن يتحجر ﵀ وأنه معجب بعمله فهذا لا يستحق أن الله يبر بقسمه.
ومن فوائد الحديث: جواز القسم بمثل هذه الصيغة - والذي بعثك بالحق - وذلك لأن الذي بعثه بالحق هو الله وهذا قسم بصفة من صفات الله أو قسم بفعل من أفعال الله والقسم بصفة من صفات الله أو فعل من أفعاله جائز، وأما القسم بغير الله فإنه لا يجوز، فإن أقسم بغير الله هل ينعقد اليمين؟ لا تنعقد بل يكون آثمًا وعليه التوبة فلو قال مثلًا والنبي لا أفعل ذا ففعل فإنه لا كفارة عليه ولكن عليه أن يتوب وإنما قلنا لا كفارة عليه لأن الفعل المنهي عنه لا يترتب عليه أثره لقول النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي: مردود عليه.
ومن فوائد الحديث: أن ما كان شرعًا لغيرنا فهو شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه لقول النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص" فنحن لا نرى في القرآن الكريم شيئًا من القصاص في السن وشبهه وإنما في ﴿والجروح قصاص﴾ لكن السن إنما ذكر فيما كتب على بني إسرائيل ﴿والسن بالسن﴾.
ومن فوائد الحديث: إثبات القصاص في السن، وهذا إذا خلع فالأمر فيه واضح والمكافأة فيه واضحة، فإذا خلعت الثنية وخلع من الآخر الثنية فإنه واضح أننا أخذنا ثنية بثنية، ولكن إذا كسرت الثنية كسرًا فهل في هذه الحال يجوز القصاص أو لا؟ المشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز القصاص وذلك لأنه لا يمكن القصاص في هذه الحال فمن الذي يضبط محل الكسر مقدار الكسر نسبة الكسر ولكن الصحيح أنه إذا أمكن فإنه يجوز القصاص ويكون بالنسبة لا
стр. 2728
بالحجم، وهل يقاس على السن ما سواه من العظام؟ الجواب: نعم على القول الراجح يقاس إذا أمكن القصاص وإذا لم يمكن فلا.
ومن فوائد الحديث: أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وهذا محمول على ما إذا كان الحامل له على القسم حسن الظن بالله والتفاؤل.
ومن فوائد الحديث: أن من عباد الله من يقسم على الله ولا يبره لقوله من عباد الله و "من" للتبعيض.
ومن فوائد الحديث: إثبات سمع الله لأنه لم يبره إلا إذا سمع قسمه.
ومن فوائد الحديث: أن الله سبحانه عند حسن ظن عبده به فإذا أقسم الإنسان على ربه محسنًا الظن به فإن الله سبحانه قد يعطيه ما ظنه به.
وهل يؤخذ من الحديث الحث على الإقسام على الله؟ لا، لا يؤخذ لأن قوله: "إن من عباد الله" تدل على التبعيض، فلا يعلم هل هذا الذي أقسم على الله من هؤلاء الذين أراد الله أن يبر قسمهم أو لا، وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يقسم على الله إلا إذا قرنه بالمشيئة.
ومن فوائد الحديث: أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله، وجه ذلك: أن أهل الجارية كانوا مصممين على القصاص، فلما أقسم هذا الرجل الصالح أبره الله فصرف قلوبهم فرضي القوم وعفوا. ففيه دليل على أن القلوب بيد الله ، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن كل قلب من قلوب بني آدم فهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.
ومن فوائد الحديث: إثبات القدرة لله لقوله: "لأبره"، غير الله إذا اقسم عليه الإنسان هل من حقه أن يبره؟ نعم، فإن النبي ﷺ ذكر أن من حق المسلم على أخيه أن يبر قسمه إلا كان في ذلك ضرر على المقسم أو المقسم عليه فإنه لا يلزم بل إذا كان فيه ضرر على المقسم فإنه يمتنع أو يحرم عليه أن يجيبه، فلو قال شارب الدخان لشخص: أقسم بالله عليك أن تعطيني عشرة دراهم أشتري بها عبوة دخان، هل من حقه أن يبر قسمه؟ لا؛ لأنه يعينه على الإثم والعدوان كذلك لو أقسم على شخص في شيء يضره الإخبار عنه، مثل أن يقول له: والله لتخبرني ماذا تفعل في بيتك مما يكون بينك وبين أهلك؟ أو: والله لتخبرني ما مدى صلتك بأبيك أو ما مدى محبة أبيك لك أو ما أشبه هذا؟ فإنه لا يلزمه أن يبر بقسمه، بل في مثل هذه
стр. 2729
الحال أن ينصح المقسم ويقول إن هذا يدل على عدم حين إسلامك؛ لأن النبي ﷺ قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
الجناية على النفس وأنواعها:
١١٢٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عميًّا أو رميًّا بحجر، أو سوط، أو عصًا، فعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدًا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله". أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد قوي.
قوله: "من قتل في عميًّا"، العمي مأخوذ من العمى وهو أن يحصل قتال بين الناس ولا يدري ما وجهه القاتل لا يدري فيما قتل والمقتول لا يدري فيما قتل هذه قتل العمية، والرمي يعني: أناس تراموا لا بقصد أن يقتل بعضهم، ولكن وقعت رميات فقتل احدهم وقوله "أو سوط"، والسوط عبارة عن جلد مفتول يضرب به ويشبه ذيل البقرة، لكنه أدق "أو عصا" معروفة، "فعقله عقل الخطأ عقله"، يعني: ديته دية خطأ وليس فيه قود أما العمية والرمية فلعدم قصد القتل، وأما العصا والسوط فلأن الآلة لا تقتل فيكون حكمه حكم الخطأ وديته دية الخطأ وهي على المشهور من المذهب أخماس: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض، يعني: ذكورًا ولكن مع ذلك الفقهاء ﵏ يفرقون في الدية بين شبه العمد والخطأ فيرون أن الدية في شبه العمد أرباعًا خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس عشرون بنات لبون، وخمس عشرون حقة، وخمس عشرون جذعة. في شبه العمد وفي الخطأ أخماسًا وفي العمد أرباعًا؛ وذلك أنهم يلينون هذا الحديث ولا يستدلون ب هاو يحملونه على أن المراد به بيان أن قتل شبه العمد ليس فيه قود فقط فيكون معنى ديته دية الخطأ: ضمانه ضمان الخطأ: بقطع النظر عن تغليظ الدية وعدم تغليظها، والدية ستأتي أنها أرباعًا في شبه العمد وأخماسًا في الخطأ على المشهور من مذهب الحنابلة وفيها خلاف سيأتي "ومن قتل عمدًا فهو قود عمدًا" بماذا؟ بآلة تقت ل غالبًا وإنما أضفنا هذا القيد لقوله: "إن من قتل بسوط أو عصا فعقله عقل الخطأ"، والسوط والعصا لا يقتل غالبًا، وعلى هذا فيكون معنى قوله: "من قتل عمدًا"؛ أي: بما يقتل غالبًا واختلف العلماء هل يشترط الجرح في هذا الذي يقتل غالبًا أولا؟ فمذهب أبي حنيفة أنه لابد أن يجرح وأن القتل بالمثقل لا يوجب القصاص، والجمهور على خلاف ذلك وأن القتل بالمثقل يوجب القصاص واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ أثبت القصاص في قصة اليهودي الذي رض الجارية
стр. 2730
بين حجرين ولم يقتلها بجارحة وقوله: "فهو قود"؛ يعني: هذا الأصل ولأولياء القود أن يتحولوا إلى الدية، وهل لهم أن يصالحوا عنها بأكثر؟ في هذا قولان للعلماء فمنهم من قال: ليس لهم أن يصالحوا عنها بأكثر، بل يقال لهم: إما أن تقتلوا قصاصًا، وإما أن تأخذوا الدية، وقال بعض العلماء: لهم أن يصالحوا عن ذلك بأكثر؛ لأن الحق لأولياء المقتول، فإذا قالوا: لا نسقط القود إلا إذا أعطيتمونا عشر ديات وإلا فسنقتل، وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد وهو أن الحق لأولياء المقتول، فإذا قالوا: لن نرضى إلا بدية مضاعفة مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا فالحق لهم، "ومن حال دونه"؛ أي: دون القود. "فعليه لعنة الله"؛ يعني: من منع إجراء القصاص فيما يجب فيه القصاص فعليه لعنة الله، وهذه الجملة "فعليه لعنة الله" تحتمل أن تكون خبرًا وتحتمل أن تكون دعاء، فإن كانت دعاء فإن الذي يظهر أنه دعاء مقبول لأن النبي ﷺ دعا به على ظالم ورسول الله ﷺ وهو المشرع وهذا الظالم يريد أن يبطل شريعته فيكون بمنزلة المظلوم ودعاء المظلوم مستجاب ويقال أيضًا أن الرسول ﷺ لم يدع إلا وقد أذن له في ذلك، وإذا أذن الله في ذلك فإنه يستجيب له لقوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]. أما إذا كان خبرًا فالأمر واضح، يعني أن الرسول ﷺ أخبر بأن هذا عليه لعنة الله واللعنة هي الطرد، والإبعاد عن رحمة الله.
في هذا الحديث فوائد منها: أن منق تل في عمية أو رمية فإن ديته دية الخطأ وذلك لأن هذا القتل لا يدري القاتل فيما قتل وربما لا تعلم عين القاتل أيضًا المسألة معماة قوم صار بينهم نزاع وتقاتلوا ووجد بينهم القتيل.
ومن فوائد الحديث: أن القتل بما لا يقتل غالبًا لا قود فيه لقوله ومن قتل عمدًا فهو قود.
ومن فوائده: إثبات القصاص في القتل وقد قال الله ﵎: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقال: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾، وقال المغيرون الذين يأخذون بالشرع المبدل لا بالشرع المنزل قالوا لا نقتل القاتل لأننا إذا قتلنا القاتل أفنينا نفسين وإذا أبقيناه لم يفن إلا نفس واحدة ولكن هذا من وحي الشيطان وزخرف القول غرورًا وإلا فإننا إذا قتلنا القاتل قتلنا نفسين لا شك لكن كما درأنا من نفس؟ عالم كثير ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وعلى هذا فتكون الحكمة هي عين إجراء القصاص، وأنه لابد منه.
ومن فوائد الحديث: أن الحيلولة دون إجراء القصاص موجبة للعنة؛ لقوله: "ومن حال دون فعليه لعنة الله"، ويتفرع على ذلك أن يكون هذا من كبائر الذنوب؛ لأن كل ذنب رتبت عليه العقوبة الخاصة بلعن أو غيره فإنه من كبائر الذنوب.
стр. 2731
الاشتراك في الجناية:
١١٢٦ - وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". رواه الدارقطني موصولًا، وصححه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلا أن البيهقي رجح المرسل.
هذه المسألة تكون فيما إذا أمسك رجل شخصًا لآخر فأحدهما جان بالإمساك والثاني جان بالقتل.
وفي هذا الحديث: أن الممسك يحبس، والثاني يقتل، إلى متى يحبس؟ يحبس إلى الموت لأنه حبس المقتول إلى أن مات فيحبس هذا الماسك إلى ان يموت ويقتل القاتل، ولكن لو عفا أولياء المقتول والممسك فهل يحبسان؟ لا، لا يتعرض لهما اللهم إلا إذا رأى ولي الأمر تعزيزهما حفظًا للأمن فهذا شيء يرجع غليه أما الحق الخاص الذي هو الضمان فهذا يرجع على أولياء المقتول إذا عفوا عن الممسك وعفوا عن القاتل فالحق لهم وقوله إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يستثنى ما إذا توطأ على ذلك، يعني: اتفقا عليه وقال سنذهب إلى فلان ننتظره وفي الطريق ثم نقتله أنت أمسك والثاني يقتل فهذان يقتلان جميعًا لأنهما تمالأ على القتل فاشتركا في الإثم وقد قال أمير المؤمنين عمر ﵁ في رجل قتله جماعة من أهل اليمن قال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وذلك لأنهم إذا اتفقوا صار كل واحد منهم قوة للآخر قد يكون لولاه لم يقتل فصار القتل مركب من قوة الجميع، ولهذا يجب قتل الجميع إذا تمالؤوا على قتله حتى ولو كان أحدهما ممسكًا والآخر قاتلًا بل حتى لو كانا أحدهما ينظر ويستر الناس، يعني: أنه ردء للقاتل، ولم يمسك لكنه ينظر هل جاء أحد أو لم يأت أحد فإنه يقتل؛ لأنه مالئ القاتل على القتل ولم يقدم القاتل على القتل إلا بقوته فصار شريكين في الضمان، وقوله: عقل الخطأ يكون على العاقلة كما هو معروف وهؤلاء القوم لا ندري من القاتل حتى نحمل عاقلته فقيل: إنه في بيت المال وأن معنى قوله فعقله عقل الخطأ أنه لا يكون العقل على القاتل وقيل: أنه يكون على من يختاره أولياء المقتول فيقال لهؤلاء الجماعة اختاروا من ترونه قتل صاحبكم ثم يحمل عقله وقيل: إنه يكون على الجميع كل يحمل من ذلك والحديث كما رأيتم يقول عقله عقل الخطأ والأصل أن عقل الخطأ يكون على العاقلة فيقال على عاقلة هؤلاء الدية، إلا إذا كان لا يمكن حصرهم فيكون في بيت المال، فأما إذا كان يمكن حصرهم فالدية على عواقلهم.
стр. 2732
أما الحديث الثاني ففيه فوائد: منها: أنه إذا أمسك شخص شخصًا لآخر ليقتله فإنه يقتل القاتل لأنه مباشر ولا يقتل الممسك لأنه سبب والقاعدة الشرعية: أنه لو اجتمع سبب ومباشر أحيل الضمان على المباشر، إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب فإنه يكون على السبب أو كان المباشر لا يمكن إحالة الضمان عليه فيكون على المتسبب وحينئذ نحتاج على هذه القاعدة إلى ثلاثة أمثلة: المثال الأول اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر كرجل حفر في الطريق حفرة فوقف عليها إنسان فجاء ثالث فدفعه في الحفرة فمن يضمن؟ الرافع لأنه مباشر والحافر لا ضمان عليه لكن الحافر يعذر إذا كان قد حفر في مكان لا يجوز الحفر فيه مما يستثنى من ذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب فالضمان على المتسبب، مثال ذلك إذا شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله ثم بعد أن قتل رجعوا، وقالوا: إننا تعمدنا قتله، لكننا لا نستطيع أن نقتله مباشرة فشهدنا عليه بما يوجب القتل فقتله ولي الأمر فالضمان هنا على المتسبب لأن قتل ولي الأمر مبني على شهادة الشهود فإذا رجعوا وقالوا نحن تعمدنا قتله لكن لم نجد وسيلة إلا هذا قلنا: عليهم القتل، المسألة الثانية مما يستثنى إذا كان المباشر لا تمكن إحالة الضمان عليه مثاله رجل قذف إنسانًا بين يدي الأسد فأكله الأسد فالضمان على الرجل الذي قذفه لا على الأسد؛ لأن الأسد لا يمكن إحالة الضمان عليه هذه القاعدة الشرعية ينظر فيها بالنسبة للممسك والقاتل الممسك سبب والقاتل مباشر فيكون الضمان على المباشر، فيقتل بشروط القصاص المعروفة المهم أنه فعل فعلًا يثبت به القصاص فيقتل القاتل وفي الحديث يقول بحبس الذي أمسك ولم يبن إلى متى فقيل إنه راجع إلى اجتهاد الإمام وقيل: يحبس إلى أن يموت وهذا هو المذهب عندنا لأنه أمسك المقتول إلى أن مات فيحبس هذا على أن يموت وهذا القول الذي دل عليه الحديث وهو مقتضى القواعد الشرعية لأنه إذا اجتمع سبب ومباشر فالضمان على المباشر، وقيل: يقتلان جميعًا لأنه لولا أنه أمسكه ما قدر ذاك على قتله فيقتل المباشر القاتل ويقتل الممسك ولكن هذا مرجوح إلا إذا تمالؤا على قتله اتفقوا قالوا: نقتل فلانًا قال ماذا نعمل؟ قال: أنا قوي شديد أمسكه وأنت أقتله فهنا يكون القصاص على المباشر والممسك لأنهما اتفقا على قتله بقي قسم ثالث إذا أمسكه مازحًا ولم يعلم أن صاحبه يريد قتله، يعني: أمسك اللص فامسكه فقتله فهل على الممسك شيء، ؟ الجواب: لا
стр. 2733
شيء عليه لأنه لم يعلم أنه يريد قتله؛ فالأقسام إذن ثلاثة أمسكه واحد فقتله الآخر بممالأة على قتله فيقتل الجميع، أمسكه واحد لآخر ليقتله فهنا يقتل القاتل ويحبس الممسك، أمسكه واحد وقتله آخر لكن لم يعلم أنه يريد قتله يحسبه مازحًا فيقتل القاتل ولا يقال للممسك شيء.
١١٢٧ - وعن عبد الرحمن بن البيلماني: "أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: أنا أولى من وفى بذمته". أخرجه عبد الرزاق هكذا مرسلًا، ووصله الدارقطني، بذكر ابن عمر فيه، وإسناد الموصول واه.
"واه" اسم فاعل وهي إذا ضعف أي إن إسناد الموصول واه وإسناد المنقطع أيضًا؛ واه لأنه فقد شرطًا من شروط الصحة وهو اتصال السند، وهذا الحديث جدير بأن يكون واهيًا في السند كما انه واه في المعنى إذ إنه ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" ومن المعلوم أن هذا في المعاهد؛ لأن الحربي لا يحتاج أن يقال لا يقتل مسلم بكافر لأنه مباح الدم وعلى هذا فالحديث ضعيف سندًا وضعيف متنًا، فلا يقتل المسلم بالمعاهد، ولكن ماذا يصنع الإمام بالنسبة الذي قتل المعاهد؟ يعززه بما يرى أنه تعزيز له بحبس أو ضرب أو نفي أو أخذ مال أو حرمان من وظيفة؛ لأن التعزيز ليس له حد، التعزيز يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، وعلى الإمام أن يجتهد في التعزيز بكل ما يحصل به التأديب والردع وهو غير مقيد على القول الراجح بشيء معين.
قتل الجماعة بالواحد:
١١٢٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به". أخرجه البخاري.
الغلام الصغير، غيلة فعلة من الاغتيال وهو إتيان الشيء على غرة فيقتله وهو آمن مثل أن يأتيه في فراشه فيقتله أو على طعامه فيقتله أو على مكتبه فيقتله قتل الغيلة نوع من أنواع القتل وهل يجري فيه التخيير أي تخيير الأولياء بين القصاص والدية والعفو؟ الجمهور على ذلك على أن قتل الغيلة يخير أولياء المقتول بين القصاص والدية والعفو مجانًا وقال الإمام مالك قتل الغيلة يجب يفه القصاص لأنه إخلال بالأمن إذ إنهم آمنون فإذا كان الناس يؤتون من
стр. 2734
مأمنهم يمشي الإنسان في السوق فيأتي رجل فيقتله أو يأتيه على فراشه فيقتله أو في خيمته على فراشه فيقتله هذا إخلال بالأمن والأمر فيه راجع إلى الإمام، فإذا قال الإمام لابد أن يقتل يقتل، حتى لو قال أولياء المقتول هذا ابن عمنا نسمح له أو صديقنا يكفينا منه الدية فإنه لا خيار لهم وما ذهب إليه الإمام مالك رحمه له قوي جدًا أن قتل الغيلة لا خيار فيه وأن القاتل يقتل بكل حال ولو قيل بأن هذا يرجع إلى الإمام وأنه لو كثر قتل الغيلة وجب على الإمام القصاص وإذا كان قليلًا فيرجع في ذلك إلى أولياء القتيل لكان هذا قولًا وسطًا وهو وسط بين قول من يقول إن قتل الغيلة يجب فيه القصاص مطلقًا وبين قول من يقول إنه كغيره من أنواع القتل المهم أن عمر قتل فيه أربعة، وقال: "لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" ولنفرض أن أهل صنعاء في ذلك الوقت مائة نفر لو اجتمعوا عليه لقتلتهم "به" والباء هنا للبدلية أي: قتلًا مقابلًا لهذا القتل - هذا قول عمر أحد الخلفاء الراشدين وأرشدهم أبي بكر وهو الذي يأتي قوله: فيوافقه حكم الله حتى قال النبي ﷺ "إن يكن فيكم محدثون فعمر" أي مهملون للصواب فعمر، وقال ﷺ "اقتدوا باللذين من بعيد: أبي بكر وعمر"، وقال: "عن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". قال لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وعليه فنقتل الجماعة بالواحد بشرط التمالئ لأنه قال لو اجتمع عليه أهل صنعاء، يعني: تمالؤوا عليه فإذا اجتمع جماعة على قتل واحد قتلوا جميعًا المباشر وغير المباشر لأن قتل المباشر واضح وقتل الآخرين لأنهم سند له لولا أنهم أسندوه لكان يقدم أو لا يقدم لكنهم قووا عزمه وقتل، وعلى هذا فيقتل الجماعة بالواحد إن تملؤا على ذلك.
زاد الفقهاء ﵏ أو لم يتمالؤوا لكن صلح فعل كل واحد لقتله، مثل: تسور عليه رجلان بدون ممالأة أحدهما شق جنبه الأيمن والآخر شق جنبه الأيسر فيقتل الرجلان؛ لأن فعل كل صالح للقتل لو انفرد.
من فوائد الحديث: أن الجماعة تقتل بالواحد لكن يشترط في هذا أن يتمألوا على قتله، يعني: يتفقوا على قتله فيقولون سنقتل فلانًا أو يصلح فعل كل واحد لقتله لو انفرد، يعني: أن يكون فعل كل واحد مهلكًا لو انفرد وحده مثال الأول اتفق أربعة من الناس على أن يقتلوا فلانًا فحضروا إليه فقتله أحدهم، وأما الباقون فهم واقفون، أما أن يحرسونه وإما أنهم يهددون القتيل فهؤلاء يقتلون جميعًا مع أن ثلاثة منهم لم يباشروا القتل لكن كانوا سندًا للقاتل ومثال
стр. 2735
الثاني أن يرمي أربعة شخصًا بأحجار كل واحد منها قاتل وهم لم يشعروا أي لم يشعر بعضهم ببعض فهؤلاء أيضًا يقتلون جميعًا لأن فعل كل واحد منهم صالح للقتل ولم يعلم عين القاتل، يعني: أن القتل حصل بفعل الجميع فأما لو انفرد أحدهم بالقتل ثم أجهز عليه الآخرون فالقاتل الأول كما لو ذبحه أحدهم وهم لم يعلم بعهم ببعض فجاء أناس فوجدوا هذا الإنسان قتيلًا مذبوحًا فشقوا بطنه أو رضوا رأسه فمن القاتل؟ القاتل الأول ولو كان بالعكس جرحه إنسان أو ضربه ضربًا غير قاتل ثم جاء آخر فوجده صريعًا بعد الضربة فذبحه فمن القاتل؟ الثاني، هذا الحكم الذي حكم به عمر ﵁ هو مقتضى الدليل ومقتضى النظر لما في ذلك من حماية الأموال أما كونه مقتضى الدليل فلأن كل واحد منهم كان القتل بسببه، يعني: أن هؤلاء المجموعة إنما تقدم أحد فقتل لأنه مستقو بالآخرين الذين مالؤه على ذلك فكان القتل ناشئًا من الجميع لأن هذا الرجل لو انفرد وحده لم يقتل لكن بما حصل من الممالأة أقدم على القتل فصاروا قاتلين كل واحد منهم يصدق عليه أنه قاتل نفسًا فيقتل أما الصورة الثانية إذا لم يتمالؤا ولكن صلح فعل كل واحد للقتل فكذلك لأن كل واحد منهم جنايته موجبة للقصاص فوجب أن يقتل وهذا الذي قضى به عمر هو الموافق للنظر والقياس الصحيح وقال بعض العلماء: لا يقتلوا؛ لأننا لو قلنا: أربعة بواحد تعذرت المماثلة؛ لأن الأربعة أكثر من الواحد والنفس بالنفس فيتعذر القصاص وحينئذ نرجع إلى الدية فتلزمهم دية، ولكن ما قضى به عمر هو الحق أولًا لأن أمير المؤمنين عمر من الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة.
والثاني: أن هذا هو مقتضى النظر والقياس.
والثالث: أننا لو قلنا: يسقط القصاص في هذه الحال لكان الذي يريد أن يقتل شخصًا يقول لثلاثة من أصحابه ساعدوني فيقتله ولا يكون عليه قصاص فتحصل هذه المفسدة العظيمة ولا شك أن سد الذرائع أمر مطلوب للشرع.
فإذا قال قائل: سقط القصاص لعدم تمام الشرط أو لوجود المانع أو لعفو أولياء المقتول فهل يلزم كل واحد منهم دية كاملة أو تلزمهم واحدة؟
الجواب: الثاني تلزمهم جميعًا دية واحدة لأن هذه الدية عوض على النفس الفائتة ولم يفت إلا نفس واحدة.
فإن قال قائل: لماذا لا نجعل الدية عوضًا عن الأنفس التي سقط عنها القصاص؟
فالجواب: أن هذا لا يستقيم لأن القصاص إنما وجب على الجميع لتعذر التبعيض فيه وأما الدية فيمكن أن تبعض، يعني: يمكن إذا كانوا خمسة أن نقول على كل واحد خمس الدية لكن إذا كان القتلة خمسة وفيه القصاص هل يمكن أن نقول كل واحد منهم يقتل خمس قتلة؟ لا
следующие страницы →