Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
الاشتراك في الجناية:
١١٢٦ - وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". رواه الدارقطني موصولًا، وصححه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلا أن البيهقي رجح المرسل.
هذه المسألة تكون فيما إذا أمسك رجل شخصًا لآخر فأحدهما جان بالإمساك والثاني جان بالقتل.
وفي هذا الحديث: أن الممسك يحبس، والثاني يقتل، إلى متى يحبس؟ يحبس إلى الموت لأنه حبس المقتول إلى أن مات فيحبس هذا الماسك إلى ان يموت ويقتل القاتل، ولكن لو عفا أولياء المقتول والممسك فهل يحبسان؟ لا، لا يتعرض لهما اللهم إلا إذا رأى ولي الأمر تعزيزهما حفظًا للأمن فهذا شيء يرجع غليه أما الحق الخاص الذي هو الضمان فهذا يرجع على أولياء المقتول إذا عفوا عن الممسك وعفوا عن القاتل فالحق لهم وقوله إذا أمسك الرجل وقتله الآخر يستثنى ما إذا توطأ على ذلك، يعني: اتفقا عليه وقال سنذهب إلى فلان ننتظره وفي الطريق ثم نقتله أنت أمسك والثاني يقتل فهذان يقتلان جميعًا لأنهما تمالأ على القتل فاشتركا في الإثم وقد قال أمير المؤمنين عمر ﵁ في رجل قتله جماعة من أهل اليمن قال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وذلك لأنهم إذا اتفقوا صار كل واحد منهم قوة للآخر قد يكون لولاه لم يقتل فصار القتل مركب من قوة الجميع، ولهذا يجب قتل الجميع إذا تمالؤوا على قتله حتى ولو كان أحدهما ممسكًا والآخر قاتلًا بل حتى لو كانا أحدهما ينظر ويستر الناس، يعني: أنه ردء للقاتل، ولم يمسك لكنه ينظر هل جاء أحد أو لم يأت أحد فإنه يقتل؛ لأنه مالئ القاتل على القتل ولم يقدم القاتل على القتل إلا بقوته فصار شريكين في الضمان، وقوله: عقل الخطأ يكون على العاقلة كما هو معروف وهؤلاء القوم لا ندري من القاتل حتى نحمل عاقلته فقيل: إنه في بيت المال وأن معنى قوله فعقله عقل الخطأ أنه لا يكون العقل على القاتل وقيل: أنه يكون على من يختاره أولياء المقتول فيقال لهؤلاء الجماعة اختاروا من ترونه قتل صاحبكم ثم يحمل عقله وقيل: إنه يكون على الجميع كل يحمل من ذلك والحديث كما رأيتم يقول عقله عقل الخطأ والأصل أن عقل الخطأ يكون على العاقلة فيقال على عاقلة هؤلاء الدية، إلا إذا كان لا يمكن حصرهم فيكون في بيت المال، فأما إذا كان يمكن حصرهم فالدية على عواقلهم.
стр. 2732
أما الحديث الثاني ففيه فوائد: منها: أنه إذا أمسك شخص شخصًا لآخر ليقتله فإنه يقتل القاتل لأنه مباشر ولا يقتل الممسك لأنه سبب والقاعدة الشرعية: أنه لو اجتمع سبب ومباشر أحيل الضمان على المباشر، إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب فإنه يكون على السبب أو كان المباشر لا يمكن إحالة الضمان عليه فيكون على المتسبب وحينئذ نحتاج على هذه القاعدة إلى ثلاثة أمثلة: المثال الأول اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر كرجل حفر في الطريق حفرة فوقف عليها إنسان فجاء ثالث فدفعه في الحفرة فمن يضمن؟ الرافع لأنه مباشر والحافر لا ضمان عليه لكن الحافر يعذر إذا كان قد حفر في مكان لا يجوز الحفر فيه مما يستثنى من ذلك إذا كانت المباشرة مبنية على السبب فالضمان على المتسبب، مثال ذلك إذا شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله ثم بعد أن قتل رجعوا، وقالوا: إننا تعمدنا قتله، لكننا لا نستطيع أن نقتله مباشرة فشهدنا عليه بما يوجب القتل فقتله ولي الأمر فالضمان هنا على المتسبب لأن قتل ولي الأمر مبني على شهادة الشهود فإذا رجعوا وقالوا نحن تعمدنا قتله لكن لم نجد وسيلة إلا هذا قلنا: عليهم القتل، المسألة الثانية مما يستثنى إذا كان المباشر لا تمكن إحالة الضمان عليه مثاله رجل قذف إنسانًا بين يدي الأسد فأكله الأسد فالضمان على الرجل الذي قذفه لا على الأسد؛ لأن الأسد لا يمكن إحالة الضمان عليه هذه القاعدة الشرعية ينظر فيها بالنسبة للممسك والقاتل الممسك سبب والقاتل مباشر فيكون الضمان على المباشر، فيقتل بشروط القصاص المعروفة المهم أنه فعل فعلًا يثبت به القصاص فيقتل القاتل وفي الحديث يقول بحبس الذي أمسك ولم يبن إلى متى فقيل إنه راجع إلى اجتهاد الإمام وقيل: يحبس إلى أن يموت وهذا هو المذهب عندنا لأنه أمسك المقتول إلى أن مات فيحبس هذا على أن يموت وهذا القول الذي دل عليه الحديث وهو مقتضى القواعد الشرعية لأنه إذا اجتمع سبب ومباشر فالضمان على المباشر، وقيل: يقتلان جميعًا لأنه لولا أنه أمسكه ما قدر ذاك على قتله فيقتل المباشر القاتل ويقتل الممسك ولكن هذا مرجوح إلا إذا تمالؤا على قتله اتفقوا قالوا: نقتل فلانًا قال ماذا نعمل؟ قال: أنا قوي شديد أمسكه وأنت أقتله فهنا يكون القصاص على المباشر والممسك لأنهما اتفقا على قتله بقي قسم ثالث إذا أمسكه مازحًا ولم يعلم أن صاحبه يريد قتله، يعني: أمسك اللص فامسكه فقتله فهل على الممسك شيء، ؟ الجواب: لا
стр. 2733
شيء عليه لأنه لم يعلم أنه يريد قتله؛ فالأقسام إذن ثلاثة أمسكه واحد فقتله الآخر بممالأة على قتله فيقتل الجميع، أمسكه واحد لآخر ليقتله فهنا يقتل القاتل ويحبس الممسك، أمسكه واحد وقتله آخر لكن لم يعلم أنه يريد قتله يحسبه مازحًا فيقتل القاتل ولا يقال للممسك شيء.
١١٢٧ - وعن عبد الرحمن بن البيلماني: "أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: أنا أولى من وفى بذمته". أخرجه عبد الرزاق هكذا مرسلًا، ووصله الدارقطني، بذكر ابن عمر فيه، وإسناد الموصول واه.
"واه" اسم فاعل وهي إذا ضعف أي إن إسناد الموصول واه وإسناد المنقطع أيضًا؛ واه لأنه فقد شرطًا من شروط الصحة وهو اتصال السند، وهذا الحديث جدير بأن يكون واهيًا في السند كما انه واه في المعنى إذ إنه ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" ومن المعلوم أن هذا في المعاهد؛ لأن الحربي لا يحتاج أن يقال لا يقتل مسلم بكافر لأنه مباح الدم وعلى هذا فالحديث ضعيف سندًا وضعيف متنًا، فلا يقتل المسلم بالمعاهد، ولكن ماذا يصنع الإمام بالنسبة الذي قتل المعاهد؟ يعززه بما يرى أنه تعزيز له بحبس أو ضرب أو نفي أو أخذ مال أو حرمان من وظيفة؛ لأن التعزيز ليس له حد، التعزيز يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، وعلى الإمام أن يجتهد في التعزيز بكل ما يحصل به التأديب والردع وهو غير مقيد على القول الراجح بشيء معين.
قتل الجماعة بالواحد:
١١٢٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به". أخرجه البخاري.
الغلام الصغير، غيلة فعلة من الاغتيال وهو إتيان الشيء على غرة فيقتله وهو آمن مثل أن يأتيه في فراشه فيقتله أو على طعامه فيقتله أو على مكتبه فيقتله قتل الغيلة نوع من أنواع القتل وهل يجري فيه التخيير أي تخيير الأولياء بين القصاص والدية والعفو؟ الجمهور على ذلك على أن قتل الغيلة يخير أولياء المقتول بين القصاص والدية والعفو مجانًا وقال الإمام مالك قتل الغيلة يجب يفه القصاص لأنه إخلال بالأمن إذ إنهم آمنون فإذا كان الناس يؤتون من
стр. 2734
مأمنهم يمشي الإنسان في السوق فيأتي رجل فيقتله أو يأتيه على فراشه فيقتله أو في خيمته على فراشه فيقتله هذا إخلال بالأمن والأمر فيه راجع إلى الإمام، فإذا قال الإمام لابد أن يقتل يقتل، حتى لو قال أولياء المقتول هذا ابن عمنا نسمح له أو صديقنا يكفينا منه الدية فإنه لا خيار لهم وما ذهب إليه الإمام مالك رحمه له قوي جدًا أن قتل الغيلة لا خيار فيه وأن القاتل يقتل بكل حال ولو قيل بأن هذا يرجع إلى الإمام وأنه لو كثر قتل الغيلة وجب على الإمام القصاص وإذا كان قليلًا فيرجع في ذلك إلى أولياء القتيل لكان هذا قولًا وسطًا وهو وسط بين قول من يقول إن قتل الغيلة يجب فيه القصاص مطلقًا وبين قول من يقول إنه كغيره من أنواع القتل المهم أن عمر قتل فيه أربعة، وقال: "لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" ولنفرض أن أهل صنعاء في ذلك الوقت مائة نفر لو اجتمعوا عليه لقتلتهم "به" والباء هنا للبدلية أي: قتلًا مقابلًا لهذا القتل - هذا قول عمر أحد الخلفاء الراشدين وأرشدهم أبي بكر وهو الذي يأتي قوله: فيوافقه حكم الله حتى قال النبي ﷺ "إن يكن فيكم محدثون فعمر" أي مهملون للصواب فعمر، وقال ﷺ "اقتدوا باللذين من بعيد: أبي بكر وعمر"، وقال: "عن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا". قال لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وعليه فنقتل الجماعة بالواحد بشرط التمالئ لأنه قال لو اجتمع عليه أهل صنعاء، يعني: تمالؤوا عليه فإذا اجتمع جماعة على قتل واحد قتلوا جميعًا المباشر وغير المباشر لأن قتل المباشر واضح وقتل الآخرين لأنهم سند له لولا أنهم أسندوه لكان يقدم أو لا يقدم لكنهم قووا عزمه وقتل، وعلى هذا فيقتل الجماعة بالواحد إن تملؤا على ذلك.
زاد الفقهاء ﵏ أو لم يتمالؤوا لكن صلح فعل كل واحد لقتله، مثل: تسور عليه رجلان بدون ممالأة أحدهما شق جنبه الأيمن والآخر شق جنبه الأيسر فيقتل الرجلان؛ لأن فعل كل صالح للقتل لو انفرد.
من فوائد الحديث: أن الجماعة تقتل بالواحد لكن يشترط في هذا أن يتمألوا على قتله، يعني: يتفقوا على قتله فيقولون سنقتل فلانًا أو يصلح فعل كل واحد لقتله لو انفرد، يعني: أن يكون فعل كل واحد مهلكًا لو انفرد وحده مثال الأول اتفق أربعة من الناس على أن يقتلوا فلانًا فحضروا إليه فقتله أحدهم، وأما الباقون فهم واقفون، أما أن يحرسونه وإما أنهم يهددون القتيل فهؤلاء يقتلون جميعًا مع أن ثلاثة منهم لم يباشروا القتل لكن كانوا سندًا للقاتل ومثال
стр. 2735
الثاني أن يرمي أربعة شخصًا بأحجار كل واحد منها قاتل وهم لم يشعروا أي لم يشعر بعضهم ببعض فهؤلاء أيضًا يقتلون جميعًا لأن فعل كل واحد منهم صالح للقتل ولم يعلم عين القاتل، يعني: أن القتل حصل بفعل الجميع فأما لو انفرد أحدهم بالقتل ثم أجهز عليه الآخرون فالقاتل الأول كما لو ذبحه أحدهم وهم لم يعلم بعهم ببعض فجاء أناس فوجدوا هذا الإنسان قتيلًا مذبوحًا فشقوا بطنه أو رضوا رأسه فمن القاتل؟ القاتل الأول ولو كان بالعكس جرحه إنسان أو ضربه ضربًا غير قاتل ثم جاء آخر فوجده صريعًا بعد الضربة فذبحه فمن القاتل؟ الثاني، هذا الحكم الذي حكم به عمر ﵁ هو مقتضى الدليل ومقتضى النظر لما في ذلك من حماية الأموال أما كونه مقتضى الدليل فلأن كل واحد منهم كان القتل بسببه، يعني: أن هؤلاء المجموعة إنما تقدم أحد فقتل لأنه مستقو بالآخرين الذين مالؤه على ذلك فكان القتل ناشئًا من الجميع لأن هذا الرجل لو انفرد وحده لم يقتل لكن بما حصل من الممالأة أقدم على القتل فصاروا قاتلين كل واحد منهم يصدق عليه أنه قاتل نفسًا فيقتل أما الصورة الثانية إذا لم يتمالؤا ولكن صلح فعل كل واحد للقتل فكذلك لأن كل واحد منهم جنايته موجبة للقصاص فوجب أن يقتل وهذا الذي قضى به عمر هو الموافق للنظر والقياس الصحيح وقال بعض العلماء: لا يقتلوا؛ لأننا لو قلنا: أربعة بواحد تعذرت المماثلة؛ لأن الأربعة أكثر من الواحد والنفس بالنفس فيتعذر القصاص وحينئذ نرجع إلى الدية فتلزمهم دية، ولكن ما قضى به عمر هو الحق أولًا لأن أمير المؤمنين عمر من الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة.
والثاني: أن هذا هو مقتضى النظر والقياس.
والثالث: أننا لو قلنا: يسقط القصاص في هذه الحال لكان الذي يريد أن يقتل شخصًا يقول لثلاثة من أصحابه ساعدوني فيقتله ولا يكون عليه قصاص فتحصل هذه المفسدة العظيمة ولا شك أن سد الذرائع أمر مطلوب للشرع.
فإذا قال قائل: سقط القصاص لعدم تمام الشرط أو لوجود المانع أو لعفو أولياء المقتول فهل يلزم كل واحد منهم دية كاملة أو تلزمهم واحدة؟
الجواب: الثاني تلزمهم جميعًا دية واحدة لأن هذه الدية عوض على النفس الفائتة ولم يفت إلا نفس واحدة.
فإن قال قائل: لماذا لا نجعل الدية عوضًا عن الأنفس التي سقط عنها القصاص؟
فالجواب: أن هذا لا يستقيم لأن القصاص إنما وجب على الجميع لتعذر التبعيض فيه وأما الدية فيمكن أن تبعض، يعني: يمكن إذا كانوا خمسة أن نقول على كل واحد خمس الدية لكن إذا كان القتلة خمسة وفيه القصاص هل يمكن أن نقول كل واحد منهم يقتل خمس قتلة؟ لا
стр. 2736
يمكن فهذا أقول إنه إذا سقط القصاص لعدم تمام الشروط أو لوجود مانع أو لعفو أولياء المقتول فإنه لا يجب عليهم إلا دية واحدة والفرق بينها وبين القصاص واحد أن القصاص لا يمكن تبعضه وأما الدية فيمكن تبعضها.
التخيير بين الدية والقصاص وشروطه:
١١٢٩ - وعن ابن شريح الخزاعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن قتل له قتيل بعد مقالتي هذه، فأهله بين خيرتين: إما أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا". أخرجه أبو داود، والنسائي.
- وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه.
هذا قاله ﷺ في غزوة الفتح يقول: "بعد مقالتي هذه" لأن هذا الوقت هو الذي قرر فيه ﷺ ماذا يكون في قتل العمد وأن أولياء المقتول يخيرون بين كذا أو كذا فقوله: "فأهله" المراد بالأهل الورثة ورثة القتيل هم الذين لهم الخيار فإذا كان أخوان وعمان فقال العمان نريد القصاص وقال الإخوان نريد الدية فمن القول قوله؟ الأخوين دون العمين؛ لأن العمين لا ميراث لهما فلا حق لهما في شأن المقتول وقوله غما أن يأخذوا العقل أي الدية وهي مئة من الإبل وسميت عقلًا لأن الذين يضمنونها يأتون بها على بيت أولياء المقتول ويعقلونها بعقولها وهي الحبال التي تربط بالإبل وهي باركة حتى لا تقوم قال: وإما أن يأخذوا هناك شيء ثالث وهو العفو مجانًا ولم يذكر في الحديث لأن أمره ظاهر ولأن المقصود العوض وهو القتل وإما الدية وهي مائة من الإبل - كما سيأتي - إذن يخيرون بين ثلاثة أشياء: العفو مجانًا وأخذ الدية والقصاص هناك شيء رابع لو قالوا نحن لا نسقط القصاص إلا بديتين، يعني: مائتي بعير فعل لهم ذلك؟
الحديث قد يمنع ذلك.
إذن هذا الحديث فيه فوائد: تقرير هذا الحكم الشرعي عند فتح مكة لقوله: "بعد مقالتي هذه".
من فوائده: أن الأحكام الشرعية تتجدد شيئًا فشيئًا وهو أمر واضح فالأحكام الشرعية تتجدد في أعظم أصول الدين وفي الفروع أيضًا ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ فالدين يكمل شيئًا فشيئًا حتى انتهى.
стр. 2737
ومن فوائد الحديث: أن أولياء المقتول عمدًا يخيرون بين الدية وبين القصاص، ولكن هذا التخيير بعد أن تتم شروط القصاص إذا تمت شروط القصاص حينئذ يخيرون أما إذا اختل شرط واحد منها فإنهم لا قصاص لهم فلو كانوا أهل كتاب وقتل مسلم واحدًا منهم فهل يخيرون بين العقل والقود؟ لا لعدم شروط القصاص وكذلك لو أن حرًا قتل عبدًا فهل يخير أولياء العبد بين القصاص والدية على القول بأنه لا يقتل الحر بالعبد؟ لا، وهلم جرُّا، المهم إذا تمت الشروط خير أهل القتيل وهم ورثته بين هذين الشيئين.
ومن فوائد الحديث: أنه ليس هناك شيء ثالث فيما يعوض به عن القتيل، وإنما قلنا: يعوض به عن القتيل ليخرج العفو مجانًا فيقال لأولياء المقتول إما أن تقتلوا وإما أن تأخذوا الدية فقط، وأما العفو فليس واردًا في هذا الحديث وعلى هذا فلو قال أولياء المقتول لا نسقط القصاص إلا بديتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو عشرًا منعوا وقيل: إما أن تقتلوا وإما أن تأخذوا الدية، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا: إنه لا يمكن المصالحة عن الدية بأكثر منها لأن الدية عوض مقدر شرعًا وما قدر شرعًا فإنه لا يجوز تجاوزه وقال بعض العلماء بل يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من دية لأن أولياء المقتول إذا قالوا إذا كنتم لا تريدون أن تعطوننا إلا الدية فسنقتله فقال أولياء القاتل أو القاتل نفسه أنا أدفع ديتين، أنا أريد أن أفدي نفسي الواجب شرعًا دية لكن إذا كنتم مصممين على القتال فأنا أريد أن أفدي نفسي بزيادة، فإذا ردوا بذلك فما المانع؟ والجواب عن القول بأن هذا مقدر شرعًا أن المراد به: ألا يقل عن مائة من الإبل فلو قال، من تلزمه الدية؟ نحن لا نعطيكم إلا خمسين أو ثمانين نقول: لا وهذا القول أرجح؛ وذلك لدعاء الحاجة إليه لأن الذي سيحتاج إليه من؟ القاتل وأولياؤه ربما يكون القاتل غنيًّا، وأولياؤه أغنياء ولا يهمهم أن يبذلوا ديتين أو ثلاثًا أو عشرًا المهم أن يبقى صاحبهم فما المانع من هذا ولكن يقال الأولى لأولياء المقتول أن يقتصروا على الدية؛ لأن ذلك ربما يكون أبرك لهم وأنفع وإذا بارك الله في المال نما وزاد وإذا نزعت البركة منه نقص وزال، لو أن أولياء المقتول اختلفوا بعضهم يريد القصاص وقال آخرون نريد الدية فمن القول قوله؟ القول قول من يطلب الدية لأن الله تعالى قال في القرآن ﴿فمن عفا له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف﴾ أي من المقتول شيء وشيء نكرة في سياق الشرط تشمل أدنى شيء فلو أن واحدًا من الورثة لا يرث إلا واحدًا من ألف، وأسقط القصاص وقال أنا أريد الدية سقط القصاص ووجبت الدية لقوله: ﴿فمن عفا له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف﴾ أما الدليل النظر فإنه لما سقط القصاص بحق هذا الرجل صار القصاص الآن واجبًا في هذا الرجل إلا واحدًا من ألف والقصاص لا يتبعض فكيف نقتله تسعمائة وتسع وتسعين قتلة هل يمكن هذا؟ لا يمكن فصار الدليل الأثري والنظري على أنه إذا عفا بعض أوليا المقتول فإنه يسقط القصاص ويترتب على
стр. 2738
هذا سؤال لو أن أحدًا من الناس من أولياء القاتل أو القاتل نفسه ذهب إلى بعض الورثة وقال أنت إذا قتلت القاتل ما لك شيء ما الفائدة وأنت الآن فقير وسيأتيك من الدية عشر من الإبل ولكن أنا أعطيك مائة من الإبل وسامح فهل يجوز؟ هي محل نظر قد يقال بالجواز لعموم الآية ﴿فمن عفا له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف﴾ وهذا عفا وقد يقال إن هذه حيلة والحيل لا تسقط الواجبات وهذه حيلة على أن يسقط حق البقية من القصاص ولكن الأقرب - والله أعلم - أن ذلك جائز لأن للإنسان أن يفك نفسه من القتل بأي طريق وهذا الرجل ذهب إلى هذا الشخص وقال تسقط القصاص وأنا أعطيك ضعفي الدية التي لك فما المانع؟ وقول المؤلف وأصله في الصحيحين بمعناه، يعني: أصل هذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين.
* * *
١ - باب الديات
"الديات" جمع دية وهو العوض المأخوذ عن النفس أو الأطراف أو الجروح عن النفس، يعني: دية النفس كاملة أو الأطراف كدية اليد أو الجروح كدية الموضحة والمقدر للديات هو النبي ﷺ وإن كان أصله موجودًا في الجاهلية لكن النبي ﷺ أقر ذلك.
مقادير الدية في الجروح:
١١٣٠ - عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن ... فذكر الحديث، وفيه: "أن من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي العينين الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار". أخرجه أبو داود في المراسيل والنسائي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، وأحمد، واختلفوا في صحته.
стр. 2739
هذا الحديث كتاب كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن، وهو مرسل، ولكن تلقته الأمة بالقبول حتى صار عندهم بمنزلة المتواتر وأخذوا بالأحكام التي دل عليها هذا الحديث المرسل، والمرسل إذا اعتضد بمرسل آخر أو بعمل المسلمين وتلقيهم بالقبول صار حجة وهو حديث طويل جاءت فيه أحكام في الطهارة وأحكام في الزكاة وأحكام في الديات، قوله: "اعتبط" الاعتباط هو: أخذ الشيء ظلمًا، ومعنى "اعتبطه": قتله ظلمًا، ولهذا فسر الاعتباط بقوله: "قتلًا" لأن الاعتباط قد يكون مالًا وقد يكون ضربًا، وقد يكون غير ذلك، المهم: أن الاعتباط ظلم؛ ولهذا يقال الآن فيك عباطة، يعني: عنجهية وغطرسة وقوله: عن بينة، يعني: ثبت قتله ببينة فإن فيه قود والقود، يعني: القصاص لقول النبي ﷺ "لا يجل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وفيه النفس بالنفس ولقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] ففيه القود قال: "إلا أن يرضى أولياء المقتول" فإن رضي أولياء المقتول بالعفو مجانًا أو بالعفو بلا دية أو بالمصالحة بأكثر من الدية على القول الذي رجحناه فلا قود قال: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل" يعني: إذا قتل نفسًا ففيها الدية وقول: "مائة من الإبل" هذا عطف بيان، "وفي الأنف إذا أوعب"؛ يعني: استوعب فيه الدية إذ قطع من الماذن والماذن ما لان منه والأنف مشتمل على أربعة أشياء على قصبة وعلى مازن وهو يجمع ثلاثة أشياء المنخرين والحاجز بينهما فإذا ضمت هذه الثلاثة إلى الأول صار أربعة، إذا أوعب جدعه، يعني: جدع وقطع الماذن كله ففيه الدية كاملة وذلك لأنه أتلف شيئًا ليس في البدن منه إلا واحد، يعني: ليس له نظير فلما أتلف شيئًا ليس في البدن منه إلا واحد وجبت دية البدن كاملة وقوله: "كتب" هل المراد كتب بيده لكريمة أو أمر من يكتب؟ الثاني هو الصحيح وذلك أن النبي ﷺ لم يكتب أما قبل البعثة فلاشك في هذا نص القرآن: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وأما بعد البعثة فقيل إنه كان يكتب لكن كتابًا يسيرًا وقيل: إنه لا يكتب إلا اسمه فقط لحديث صلح الحديبية والذي يظهر أنه بقي ﷺ لا يكتب وما ذكر من كتابة اسمه فإنه لا يكون بذلك كاتبًا، وهنا كتب إلى أهل اليمن أي أمر من يكتب إلى أهل اليمن وقلنا إن شهرة الحديث واستفاضته تغني عن تصحيحه، "اعتبطه" يعني: قتله عمدًا بدون سبب وقوله: "مؤمنًا عمدًا"، غير المؤمن فيه تفصيل، إن قلته من يماثله في الدين فإنه يقتل به إذا تمت بقية الشروط وقوله:
стр. 2740
"عن بنية" متعلق بـ"اعتبط"؛ يعني: وكان ذلك عن بنية؛ لأن مجرد التهمة لا يمكن أن يثبت فيها القصاص إذ أن القصاص عظيم فمجرد التهمة يمكن أن يثبت في القصاص بل لابد عن بنية والبنية شهود رجلين بالاتفاق أو قرائن وتجري في ذلك القسامة كما هو معروف وربما تأتينا، فإنه قود أي يقاد به وسمي قودًا لأن القاتل يقاد يؤخذ برمته؛ يعني: بالحبل ويقاد إلى أن يسلم إلى أولياء المقتول فيقتلونه، إلا أن يرضى أولياء المقتول فإن رضي أولياء المقتول فلا قود وإن رضي بعضهم فلا قود أيضًا للآية: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف] ومن أولياء المقتول؟ من يرثونه والدليل على هذا قول النبي ﷺ "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" فدل ذلك على أن الأولياء هم الذين يرثون لأنه قال: "أولى" إذن الوارث ولي، القريب ولي فإذا اجتمع قريبان أحدهما يرث والثاني لا يرث فالأولى بالولاية الذي يرث.
مسائل مهمة في الديات:
إذن أولياء المقتول هم ورثته وأن في النفس الدية، النفس فيها الدية وبينها النبي صلى الله عليه سلم بقوله: "مائة من الإبل"، وكم أسنانها؟ ستأتي في الحديث القادم، لكن العدد مائة لا تزيد، ويستثني من ذلك المرأة فإن ديتها على النصف من دية الرجل ويستثنى من ذلك أيضًا غير المسلمين فإن دياتهم تختلف عن ديات المسلمين فالكتابي نصف دية المسلم والمجوس والوثني ثمانمائة درهم حوالي مائتي ريال وأربع وعشرون أقل من قيمة الشاة هو لا يساوي شيئًا ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] "وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية"، "أوعب"؛ يعني: استكمل واستوعب جدعه يعني: جدع جدعًا تامًا؛ أي: قطع الدية قال العلماء في الأنف أربعة أشياء قصبة ومنخران وأرنبة القصبة هي العظم والمنخران معروفان والأرنبة الحاجز بينهما فإذا قطع المازن وهو ما لان من الأنف ففيه دية كاملة وإن قطع المنخر الواحد ففيه ثلث الدية وفي المنخر الثاني ثلثها وفي الأرنبة الحاجز بينهما ثلث، أما إذا كان جميعًا، ولهذا قال: "أوعب جدعه" كله ففيه الدية لماذا؟ لأنه لا يوجد في البدن منه إلا شيء واحد فلذلك وجبت الدية لأنه لا نظير له، وفي العينين الدية وفي العين الواحدة نصف الدية لأن العينين في البدن منها اثنان "وفي اللسان الدية"؛ لأنه ليس في الجسد منه إلا واحدة "وفي الشفتين الدية"، والشفتان هما اللحم الذي يغطي الأسنان من نابت الأسنان من فوق ومن تحت وليست الشفتان هو ما كان أحمر فقط، فيهما الدية "وفي الواحدة نصف الدية"، "وفي الذكر الدية"؛ لأنه ليس في الإنسان منه إلا شيء واحد، "وفي البيضتين الدية" وهما
стр. 2741
الخصيتان فيهما الدية، "وفي الواحد نصف الدية"، "وفي الصلب الدية"؛ أي: الظهر فيه الدية كاملة، وفي الرجل الواحدة نصف الدية والرجلان الدية كاملة واليد الواحدة نصف الدية واليدان دية كاملة، إذن لابد أن نأخذ قاعدة نقول ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية كاملة وهو الأنف واللسان والذكر والصلب وما فيه شيئان ففي الثنتين دية كاملة وفي الواحدة نصف الدية مثل العينين، الأذنين، اليدين، الرجلين الشفتين، الخصيتين والسندأتين أيضًا وهي للذكر بالنسبة للثدييين للمرأة وما فيه ثلاثة في الجميع الدية كاملة وفي البعض ثلث الدية مثل مازن الأنف فيه منخران وأرنبة في الواحد منهما ثلث الدية وفي الجميع الدية كاملة وما فيه أربعة في الواحد ربع الدية وفي الجميع الدية مثل الأجفان في الواحد ربع الدية وفي الأربع الدية كاملة، وما فيه خمسة لا يوجد في الأجزاء لكن يوجد في المنافع- كما سيأتي-، وما فيه ستة لا يوجد ولا سبعة ولا ثمانية ولا تسعة لكن عشرة يوجد الأصابع في أصابع اليدين الدية كاملة يعني: لو قطع الأصابع وبقيت الكف ففيها دية كاملة وفي أصابع الرجلين كذلك وفي الأصبع الواحد عشر الدية وفي كل أنملة من الأصبع ثلث عشر الدية إلا الإبهام لأن الإبهام مفصلان ففيه في كل مفصل نصف العشر لكن خنصر الرجل كم فيه من المفصل؟ ثلاثة مفاصل، لكن لصغره لا يتبين إبهام الرجل فيه اثنان فالإبهام في اليدين والرجلان فيه مفصلان والبقية ثلاثة مفاصل وهنا أيضًا قاعدتان مهمتان من جنى على عضو فأشله ففيه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن فلو ضرب على أنفه حتى شله ما يتحرك فليس عليه دية أنف، لأن أعظم ما يكون في الأنف هو الجمال والجمال لا يهم سواء حركه أو ما حركه الأذن أيضًا إذا ضرب أذنك فشلك ما معناه؟ أفقده السمع، السمع باق لكن الأذن شلت فإنه ليس عليه دية أذن ولكن عليه حكومة ولكن لو ضرب اليد وانشلت عليه دية يد. إذن القاعدة إذا جني على عضو فأشله ففيه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن لأن أهم ما يكون فيهما الصورة الأنف يمكن يتحرك ولكنه لا يتحرك وهو ثابت لكن حركة الأنف يميل الأنف كله لكن تريد أن تحرك المنخر وحده فهذا لا يمكن الأذن هل تتحرك؟ لا، ولهذا قال العلماء إنه لو جنى على الأذن فأشلها فليس عليه دية، القاعدة الثانية: إذا جنى على عضو مشلول فليس عليه ديته إلا الأنف والأذن يعني: لو قطع عضوًا مشلولًا فإنه ليس عليه دية ذلك العضو لأن هذا العضو ليسس فيه منفعة فإذا قطعهما وهما
стр. 2742
مشلولان فإن عليه ديتهما فصار الأنف والأذن يختلفان عن غيرهما في القاعدتين جميعًا ومعنى كلمة حكومة: أن يقدر هذا الرجل الذي حصلت عليه الجناية كأنه عبد ليس به جناية ثم يقدر كأنه عبد فيه الجناية هذه ثم ينظر ما بين القيمتين ثم يعطى مثل نسبته من الدية فإذا قدرنا أن هذا الرجل الذي قطعت يده المشولة لو كان عبدًا غير مقطوع اليد لكان يساوي ألف درهم، وعبدًا مقطوع اليد يساوي تسعمائة درهم فالنسبة بينهما العشر تعطيه من الدية إذا كان حرًا مثل تلك النسبة أي عشر الدية قال وفي المأمومة ثلث الدية المأمومة هي الشجة التي تصل إلى أم الدماغ والشجة قال العلماء لا تكون إلا في الوجه والرأس وما عدا ذلك يسمى جرحًا فإذا جرحه في الساق أو في البطن أو في الظهر فهذا جرح أما إذا كان في الرأس أو في الوجه فإنها تسمى شجة ولها مراتب عند العرب أولها الموضحة وستأتي المأمومة هي التي تصل إلى أم الدماغ والدماغ - بإذن الله- في كيس إذا جرحه حتى كسر العظم ونفذت الجناية إلى هذا الكيس الذي فيه الدماغ فهذه تسمى مأمومة ففيها ثلث الدية يعني: ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث بعير، وثلث بعير لا يتبعض يؤخذ من الدراهم وفي الجائفة ثلث الدية الجائفة هي التي تصل إلى بطن الجوف كما لو جرح إنسانًا في بطنه حتى شق بطنه ووصل إلى جوفه ففيها أيضًا ثلث الدية وكل هذا ما لم يصل إلى الموت إن وصل إلى الموت فإنه يكون فيه الدية كاملة لكن الكلام في هذه الجناية إذا برأ منها ولم يتسبب بشيء - مضاعفات- كالدماغ مثلًا لو أنه أوصله إلى أن يكون فيه هلوسة أو أنه لا يحفظ هذا يجعل له شيء آخر لكن مجرد المأمومة إذا وصلت إلى أم الدماغ وبقي الإنسان سليمًا فإن فيها ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل خمس عشرة هذه مركب مبني على الفتح وإلا فهي مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع المنقلة هي الشجة التي تكسر العظم وتنقله إلى داخل إذا ضربه بحجر أو بسيخ أو غيره حتى انكسر العظم ونزل من مكانه انتقل من مكانه هذه تسمى منقلة فيها خمس عشرة من الإبل فعندنا الآن المأمومة والمنقلة وستأتي الموضحة يقول: "وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل"، الإصبع من أوسع الكلمات في اللغة يجوز فيه عشر لغات مجموعة في هذا البيت: [البسيط]
وهمز أنملة ثلث وثالثة ... التسع في إصبع وصف بأصبوع
стр. 2743
عشر لغات يعني: معناه الهمزة مثلثة والثالث منه، وهي: الياء مثلثة، فإذا ضربنا ثلاثة في ثلاثة بتسعة والعشر أصبوع، قوله: همزة أنملة يعني: أنملة مثل الإصبع فيها تسع لغات الأصبع في كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وحينئذ نعرف أن الدية ليست مقدرة بالنفع ولو كانت مقدرة بالنفع لكان نفع الخنصر من الرجل لا يساوي شيئًا بالنسبة لنفع الإبهام من اليد، الخنصر من الرجل فيه كما في الإبهام من اليد والانتفاع بكل واحد منهما بينه وبين الآخر شيء كثير لكن الديات ليست مبنية على النفع ولهذا يستوي الرجل المجنون البذيء بالعاقل الحسن الأخلاق الكريم النافع بعمله يستويان في الدية، يعني: لو قتل خطأ شخصًا مجنونًا استراح الناس بقتله إياه وقتل خطأ عالمًا غنيًا سخيًا لكانت الدية واحدة، ولهذا تجدون الآن الأصابع المنافع فيها مختلفة ومع ذلك ديتها واحدة فقال: "وفي السن خمس من الإبل"، فكل سن فيه خمس من الإبل، ولو اختلفت المنافع، ومعلوم أن الأجسام تختلف منافعها من حيث الجمال، ومن حيث المضغ عليها فإنها تختلف اختلافًا عظيمًا ومع ذلك في كل واحد خمس من الإبل، الأضراس والثنايا كلها واحدة مع الفرق العظيم بينهما فيحصل بالثنايا من الجمال ما لا يحصل بالأضراس لو أن الإنسان ليس له أضراس ولكن الثنايا والرباعيات والأنياب سليمة ما همه يكون فمه جميلًا لكن لو كسرت الثنيتان والرباعيتان فإنه يشوه ولو كان عنده من الأضراس ما يكفيه.
على كل حال: في كل سن خمس من الإبل فكم يكون في مجموع الأسنان؟ مائة وستون لأن كل واحد في خمس من الإبل ففيه مائة وستون وهذا هو ظاهر الحديث وأنه لا فرق بين أن تكون الجناية على كل سن وحده أو تكون جناية واحدة قضت على الأسنان كلها، وقال بعض العلماء: إنه إذا كانت جناية واحدة قضت على الأسنان كلها فإنه ليس فيها إلا دية واحدة، يعني: مائة من الإبل بدلًا من مائة وستين، لكن جمهور العلماء أخذوا بظاهر الحديث وعمومه: "في كل سن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل" الموضحة شجة في الرأس والوجه توضح العظم ولو بقدر رأس الإبرة إذا أوضحت العظم فهذه موضحة، وفيها خمس من الإبل، فحصل لنا الآن في الشجاج ثلاثة أنواع، وهي: المأمومة، والمنقلة، والموضحة؛ أولها الموضحة وفيها خمس من الإبل يليها الهاشمة فيها عشر من الإبل يليها المنقلة فيا خمس عشرة من الإبل، يليها المأمومة ثلث الدية، يليها الدامغة التي تقذف الجلد جلدة الدماغ فهذا فيها ثلثًا الدية قطعًا؛ لأنه إذا كان في المأمومة ثلث الدية ففي الدامغة من باب أولى لكن بعض أهل العلم يقول الدامغة فيها ثلث الدية وأرش للزائد لأن أنهى ما جاء به الحديث المأمومة وفيها ثلث الدية، وهذه زائدة على المأمومة فيكون فيها أرش، وهل نجعل الأرش كالفرق بين
стр. 2744
الموضحة وبين الهاشمة وهي خمس من الإبل أو الفرق بين المأمومة والمنقلة وهو ثمانية عشر وثلث؟ يحتمل هذا وهذا وإنما كان الفرق بين المنقلة والمأمومة هذا الكثير دون المنقلة والهاشمة لأن المأمومة أخطر بكثير من المنقلة لأن المنقلة هذه العظام التي نزلت ممكن ترد إلى مكانها لكن المأمومة يقل من يحيا بعد إصابته بها، إذن خمس شجاج فيها مقدر، الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم المأمومة ثم الدامغة ما قبل ذلك ليس فيه شيء مقدر وإنما فيه الحكومة، يعني: إنسان جنى على رأس شخص وفري اللحم لكن لم يتبين العظم الذي يجب فيه حكومة ولا يعطى خمس من الإبل لأن الخمس من الإبل إنما جعلها الشرع في الموضحة فما دون الموضحة، يعني: ما دونها أي ما لم يصل إلى حد الموضحة ففيه حكومة والحكومة أن يقدر المجني عليه كأنه عبد سليم ثم يقدر وفيه هذه الإصابة فما بينهما من القيمة يعطى بقسطه من الدية لو فرض أن الحكومة فيما دون الموضحة وصلت إلى حد الموضحة أو أكثر فإنه لا يتجاوز بها حد الموضحة، هذا إنسان جُني عليه فشجَّ رأسه حتى انفرى اللحم ووصل إلى القشرة الرقيقة التي بين اللحم وبين العظم لكنه لم يشق هذه القشرة الرقيقة. إذن لم يصل إلى حد الموضحة ما الذي يجب؟ يجب حكومة نقول لأهل النظر والمعرفة قدَّروا هذا المجني عليه كأنه عبد سليم ثم قدروه كأنه عبد مصاب بهذه الجناية قدروه فوجدنا أن التقدير يتضمن أن يكون أرش الجناية خمسًا من الإبل فإننا لا نعتبر هذا التقدير؛ لأن هذا ينافي النص، والنص أثبت خمسًا من الإبل في الموضحة وهذا دون الموضحة، فلا يمكن أن نلحق ما دون الشيء الذي نصَّ عليه الشارع بالشيء الذي نص عليه؛ فيجب أن يقال: له خمس من الإبل إلا قليلًا، ونظير ذلك لو أن رجلًا فعل بالمرأة كل شيء إلا الجماع وهي امرأة حرام عليه أجنبية وقضي عليه بالتعزيز بمائة جلدة أو بأكثر فإننا لا نقبل هذا التعزيز؛ لأنه إذا كان الشرع جعل في الجماع مائة فلابد أن يكون ما دونه أقل منه. إذن الشَّجاج التي فيها مقدر خمس الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة، ثم المأمومة ثم الدامغة ففي الموضحة خمس من الإبل وفي الهاشمة عشر من الإبل والمنقلة خمسة عشر من الإبل والمأمومة تكون أعظم فيها ثلث الدية وفي الدامغة ثلث الدية والصحيح أن فيها ثلث الدية وزيادة أرش قال: "وإن الرجل يقتل بالمرأة"، وقد سبق الكلام فيه وبيَّنا أن الأدلة تدل على أن الرجل يقتل بالمرأة دون أن يدفع أولياء المرأة الفرق بين دية الرجل ودية المرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار، وكأن هذا الحديث يدل على أنه إذا وجبت الدية على أهل الإبل ففيها هذه الإبل وإذا وجبت على أهل الذهب وهم التجار فالدية ألف دينار وبناء على ذلك تكون الدية إما مائة بعير، وإما ألف دينار، على أهل الإبل مائة بعير وعلى أهل الذهب ألف دينار وذلك من أجل التسهيل على الناس،
стр. 2745
حتى لا يكلف صاحب الذهب بشراء الإبل ولا يكلف صاحب الإبل بيعها بالذهب حتى يسلم الذهب، فيكون هذا من باب التخفيف وأنتم تعلمون أن الغالب أن العاقلة هي التي تحمل الدية فناسب أن يخفف عنها وقد اختلف العلماء هل الذهب والفضة والبقر والغنم التي ورد في الحديث أنها من الدية هل هي أصول أو أن الأصل الإبل وهذه مقومة؟ فقال بعض العلماء الأصل الإبل وليس الذهب ولا الفضة ولا البقر ولا الغنم وعلى هذا القول إذا اختلفت القيم نرجع إلى الإبل فلو كان ألف الدينار لا يأتي إلا بعشرين بعيرًا فقط فإننا نرجع إلى الإبل، مائة بعير ولو كان ألف الدينار يأتي بخمسمائة بعير فإننا نرجع إلى الإبل وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والدليل على هذا أنكم ترون أن الجروح التي دون النفس قدَّرها الشرع بالإبل فدلَّ هذا على أن الأصل هو الإبل وهذا الذي يقضى به هنا في المملكة العربية السعودية أن الأصل الإبل، ولهذا يختلف تقدير الدية من وقت لآخر كانت الدية بالأول أربعمائة ريال فرنسي ثم رفعت ثم استقرت الآن بمائة ألف وربما تتغير لكن لا يمكن يغيرونها كل سنة كلما طال الزمن واختلف السعر اختلافًا بينًا غيروها، يقول واختلفوا في صحته ولكن المحققين من أهل العلم يقولون إن هذا الحديث صحيح بقطع النظر عن سنده وذلك لأن الأمة تناقلته وتلقته الأمة بالقبول ومثل هذا يكون صحيحًا وعليه فيكون ما ذكر في هذا الحديث من تقدير الدية يكون صحيحًا معمولًا به، المائة من الإبل كيف تكون أسنانها؟ بيَّنها في الحديث الذي بعده.
دية القتل الخطأ:
١١٣١ - وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "دية الخطأ أخماسًا: عشرون حقَّةً، وعشرون جذعةً، وعشرون بنات مخاضٍ، وعشرون بنات لبونٍ، وعشرون بني لبونٍ". أخرجه الدارقطني.
وأخرجه الأربعة، بلفظٍ: "وعشرون بني مخاضٍ"، بدل "بني لبونٍ". وإسناد الأول أقوى، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر موقوفًا، وهو أصحُّ من المرفوع.
стр. 2746
يقول: "دية الخطأ أخماسًا" أي: تجب أخماسًا، وعلى هذا فأخماسًا ليست خبرًا لمبتدأ، وإنما خبر المبتدأ محذوف والتقدير: تجب أخماسًا، ثم فصل فقال: "عشرون حقة"، الحقة ما لها ثلاث سنوات والجذعة ما لها أربع سنوات، والثنية خمس سنوات، لكن الثنية لا تجب في الديات إنما تجب في الأضاحي، وعشرون بنات مخاض لها سنة، وعشرون بنات لبون لها سنتان فصار أول السنوات سنة واحدة ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة، أعلاها الجذعة ثم الحقة ثم بنات اللبون وبنو اللبون ثم بنات المخاض فإذا كانت الجناية خطأ وجبت الدية على العاقلة على هذا النحو. إذن ليس فيها ثنية وليس فيها ما فوق الثنية كلها صغار ويظن الظان أنه إذا قيل: إن الدية مائة من الإبل يظن أنها مائة كبيرة وليس كذلك بل هي صغيرة أولها لها سنة. إذن هي صغيرة فتقدر هذه الصغار بالقيمة إذا ذهبنا إلى أن الأصل هو الإبل ثم تدفع القيمة من الدراهم أو من الدنانير.
في هذا الحديث وما يتبعه فوائد أولًا: العمل بالكتابة لقوله: "كتب إلى أهل اليمن".
ومن فوائده: جواز كتابة الحديث، وقد كان في ذلك خلاف في الزمن الأول فأنكره بعض الصحابة والتابعين وقالوا: لا يمكن أن يكتب حديث رسول الله ﷺ لأنه لو كتب لظن الظان أنه قرآن ولكن الصحيح أنه جائز- أعني: كتابة الحديث- أولًا: أن الرسول ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاة" لما سمع خطبته في عام الفتح قال اكتبوا لي يا رسول الله فأمرهم بالكتابة له، ثانيًا: أن الرسول ﷺ كان يكتب إلى الملوك، وهذا كتابة حديث.
ثالثًا: أن الكتابة مشهورة بين الصحابة، قال أبو هريرة: لا أعلم أحدًا أكثر حديثًا مني عن رسول الله ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب.
ومن فوائد الحديث: أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فعليه القود لقوله: "من اعتبط ... إلخ".
ومن فوائده: أنه لا يثبت القود، يعني: القصاص إلا ببينة إذ لو يعطي الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء قوم وأموالهم، فمثلًا لو وجدنا إنسانًا يتشحط في دمه وشخص هارب فهل نقول إن هذا الهارب هو القاتل؟ لا، لماذا؟ لاحتمال إن هذا الهارب لما وقف عند القتيل خاف أن يتهم به فهرب، ولكن إذا وجدت قرينة تكون حجة لنا في اتهام هذا الهارب فلا بأس أن نأخذه وننظر في الأمر ثم هل تجري القسامة أو يقال يحلف هذا المتهم بأنه ما قتل ويخلَّى سبيله في هذا قولان للعلماء منهم من قال إن القسامة تجرى في كل شيء يغلب على الظن أنه حصل به القتل والقسامة أن يدعي أولياء المقتول أن فلانًا قتل قتيلهم ويكون هناك قرينة تدل على صدق دعواهم فيؤتى بالمتهم ويقال: احلفوا عليه خمسين يمينًا بأنه هو القاتل، فإذا حلفوا خمسين يمينًا أنه هو القاتل فإنهم يأخذون برمته ويقتلونه، وإن أبوا ردَّت اليمين على المتهم
стр. 2747
ويقال: احلف أنك لم تقتل، فإذا حلف برئ وهنا أعملنا قول المدعي لقوة جانبه ورجحانه من أجل القرينة ولكننا لم نجتزئ بيمين واحدة لعظم الحكم فلابد من خمسين يمينًا يحلفها ورثة القتيل، لو أن رجلًا وجد في بيته شخص مقتول وادعى صاحب البيت أن هذا الرجل لص دخل عليه أو أنه رجل فاجر يريد الفاحشة وأنه لم يندفع إلا بقتله فما الحكم؟ المشهور على المذهب أنه إن أتى ببينة على دعواه وإلا قتل به، يعني: صاحب البيت لأننا لو قبلنا دعواه لكان كل شخص يكون بينه وبين شخص عداوة يقول: أدعوك إلى بيتي حتى نزيل ما بيننا من العداوة ويقول إزالة العداوة بين المسلمين واجبة، يقول له: تفضل ثم يقتله، ومن أجل هذا الاحتمال قال العلماء لا نقبل دعواه حتى يأتي ببينة، لكن قال شيخ الإسلام يجب أن ننظر للقرائن فإذا كان القاتل صاحب البيت رجلًا معروفًا بالصلاح وعدم العدوان وكان هذا القتيل معروفًا بالشر والفساد كل يوم يتسور على بيت فإن القول قول صاحب البيت ولو أن أخذنا بما قاله الفقهاء- ﵏ على الإطلاق لحصل شر كثير وفساد كبير وبقي الإنسان لا يقدر أن يدافع عن نفسه في بيته لأنه ليس من المعقول أن نجد بينة تكون في البيت وتشهد بأن الرجل مهاجمًا وأن صاحب البيت مدافعًا، المهم لابد من بينة ولهذا قال عن بينة فإنه قود.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا رضي أولياء المقتول بما دون القتل فإنه يسقط القتل وليس من شرط ذلك أن يرضي الجميع بل إذا عفا بعضهم عن القتل سقط عن الباقين لقوله تعالى: ﴿فمن عفى له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف﴾.
ومن فوائد الحديث: أن في النفس الدية كاملة وظاهر الحديث ولو اشتركا في ذلك جماعة فتوزع الدية عليهم فإذا اشترك في قتل إنسان خطأ خمسة وزِّعت الدية عليهم كل واحد عشرون، بخلاف ما لو وجب القصاص فإنه يقتص من كل واحد، والفرق بين الدية والقصاص: أن الدية تتبعض والقصاص لا يتبعض.
ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الديات الإبل لقوله: "في النفس الدية" ثم فسر الدية بقوله مائة من الإبل وظاهر الحديث العموم أن في النفس أي عموم ذلك للذكر والأنثى ولكن سيأتي أن الأنثى عقلها نصف عقل الرجل أي خمسون بعيرًا.
ومن فوائد الحديث: أن ما في البدن منه واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه الدية كاملة والحكمة من ذلك أنه لا يوجد له نظير في البدن فإذا أتلفه فقد أتلف منفعة كاملة في البدن وعضوًا لا نظير له فتجب الدية.
ومن فوائده: أن ما في الجسد منه شيئان ففي الواحد نصف الدية وفي الاثنين الدية كاملة يؤخذ من قوله: "ففي العينين الدية ... إلخ".
стр. 2748
ومن فوائد الحديث: أن في الصُّلب الدية كاملة ويضاف هذا إلى ما سبق من اللسان والأنف والذَّكر لأنه ليس للإنسان إلا صلب واحد.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يفرق في الدية بين اليمنى واليسرى لعموم قوله: "في الرّجل الواحدة" ولم يفرق بين اليمنى واليسرى، كما لم يفرق في الديات بين الأصابع.
ومن فوائده أيضًا: أن في الشجاج الدية لكنها مبعضة ففي المأمومة الثلث وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل.
ومن فوائد الحديث: أن في الجائفة ثلث الدية وهي صريحة فيه.
ومن فوائد الحديث: أن في السن الواحد خمسًا من الإبل فإذا اجتمعت الأسنان كلها ففيها مائة وستون بعيرًا.
ومن فوائده: أن الرُّجل يقتل بالمرأة وهو صريح فيه وكذلك المرأة تقتل بالرجل ولا يلزم أولياءها أن يدفعوا نصف الدية.
ومن فوائد الحديث: أن من ليس من أهل الإبل ولكنه من أهل الذهب فعليه ألف دينار، وهل هذا تقدير أو تقويم؟ قال بعض العلماء: إنه تقويم، وقال بعضهم: إنه تقدير، فإذا قلنا: إنه تقويم فصارت الإبل المائة تزيد على ألف دينار ألزموا بما يساوي هذه الإبل وإذا كان مائة من الإبل تساوي أقل من ألف دينار لم يلزمهم إلا ما تساويه، أما إذا قلنا: إنه تقدير فإن الدية تكون ألف دينار سواء زادت على قيمة الإبل أم لم تزد وهذا ينبني على الخلاف هل هي أصل أو أن الأصل الإبل؟
ومن فوائد حديث ابن مسعود: أن دية الخطأ موزعة إلى خمس أسنان: حقة وجذعة وبنت مخاض وبني مخاض وبنت لبون.
دية قتل العمد وشبه العمد:
١١٣٢ - وأخرجه أبو داود، والترمذي: من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعة: "الدية ثلاثون حقةً، وثلاثون جذعةً، وأربعون خلفةً في بطونها أولادها".
هذه مائة ثلاثون حقه، يعني: لها ثلاث سنوات، "وثلاثون جذعة" يعني: لها أربع سنوات "وأربعون خلفة"، يعني: حوامل، ولكن الأول هو المشهور أي: أن الدية تكون أخماسًا، فإن كانت في عمد أو شبهه فإنها تكون أرباعًا خمس وعشرين بنت مخاض وخمس وعشرين بنت لبون وخمس وعشرين حقة وخمس وعشرون جذعة، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد ﵀)
стр. 2749
أنها في العمد وشبهه تجب أرباعًا وفي الخطأ تجب أخماسًا؛ لأن الخطأ أهون من العمد وشبه العمد.
١١٣٣ - وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إن أعتى الناس على الله ثلاثةٌ: من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتل لذحل الجاهلية". أخرجه ابن حبَّان في حديثٍ صحَّحه.
قوله "إن أعتى"، يعني: أشدهم عتوًّا، الأول: "من قتل في حرم الله" والمراد بذلك حرم مكة؛ لأن الله قال: ﴿ومن دخله كان ءامنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحرَّم النبي ﷺ أن يسفك فيها دم فإذا اعتدى إنسان وقتل في حرم الله صار أعتى الناس، وهذا أعتاهم على الله بالنسبة للقتل، لا بالنسبة لكل دم، يغني: فأعتى شيء في القتل أن يكون في حرم الله؛ لأنه إذا كانت الصيود تأمن ولا تقتل في الحرم وكانت الأشجار تأمن ولا تعضد في الحرم، وكان الحشيش يأمن ولا يحش في الحرم فما بالك بالآدمي واختلف العلماء- ﵏ في القتل في الحرم قصاصًا هل إذا قتل أحدٌ عمدًا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقتل؟ فقال بعض أهل العلم: إنه يقتل، ولكنه قول ضعيف، والصحيح أنه لا يقتل وذلك لأنه لم ينتهك حرمة الحرم ولجأ إليه فعصم به أما من قتل في الحرم فإنه يقتل لأنه انتهك حرمة الحرم فصارت المسألة فيها تفصيل على القول الراجح، إن قتل خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فلا يقتل وإن قتل في الحرم فإنه يقتل ولكن على الوجه الأول إذا قلنا: إنه إذا قتل خارج الحرم ثم لجأ إليه فإنه لا يقتل فهل معنى ذلك أن يسقط القصاص على كل من أراد أن يسقط عنه فيلجأ إلى الحرم؟ لا قال العلماء لا يكلم ولا يباع عليه ولا يشترى منه ولا يؤى وبهذا الحال سوف يخرج بنفسه لأنه تضيق عليه الأرض بما رحبت سوف يضطر إلى الخروج وقوله من قتل بحرم الله هل يزداد بذلك إذا قتل بحرم الله هل يزداد بذلك عليه الدية وتضاعف؟ في هذا خلاف بين العلماء فمنهم من قال إن الرجل إذا قتل في الحرم فإنها تضاعف عليه الدية بالثلث، يعني: يجب عليه ويلزم القاتل بأن يدفع الدية وثلثها وقال آخرون بل لا تضاعف لأن الأحاديث الواردة في ذلك ليست بتلك القوة والمشهور عند الحنابلة أنها تضاعف عليه، وإذا كانت في شهر حرام فالثلثان وإذا كان ذا رحم منه فثلث فيلزمه على هذا ديتان، الثاني: قال: "أو قتل غير قاتله"، وهذا هو القتل عمدًا لكن لا يريد النبي ﷺ بذلك القتل العمد المجرد، لكن يريد ما يفعله بعض الناس إذا قتل أحد شخصًا ولم يوجد القاتل فإن بعض الناس يقول: إذن أقتل أباه أو ابنه أو عمه أو أحدًا من أقاربه فهذا من أعتى الناس،
стр. 2750
وذلك لأنه ظلم بصورة يظهر أنها حق لأنه قتله على أنه قصاص مع أنه ليس بقصاص فهذا من أعتى القتلة، الثالث: "أو قتل بذحل الجاهلية" يعني: أحقادها وضغائنها ودعواها ليس لحق، وإنما كان هذا أعتى من غيره؛ لأنه نسب القتل إلى الجاهلية والنبي ﷺ جاء يطمس آثار الجاهلية فهؤلاء من القتلة هم أعتى الناس في القتل فقط فقوله إنه "أعتى الناس"، يعني: في القتل.
من فوائد الحديث أولًا: تفاضل الذنوب في الشدة لقوله: "أعتى الناس" وأعتى الناس اسم تفضيل.
ومن فوائد الحديث: تعظيم الحرم يكون القاتل فيه من أعتى الناس.
ومن فوائد الحديث: تحريم الأخذ بالثأر بقتل غير القاتل وهو واضح.
ومن فوائده: تحريم الانتساب إلى الجاهلية وأن القتل بناء على ما في النفوس من الأحقاد والضغائن أشد مما لو لم يكن كذلك.
إلحاق دية شبه العمد بالقتل الخطأ:
١١٣٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إنَّ دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالسَّوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وصحَّحه ابن حبَّان.
هذا الحديث يظهر أنه هو الحديث الأول حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ لأنه يطابقه تمامًا فسرَّ شبه العمد بقوله: "ما كان بالسوط والعصا"، والحديث هو تفصيل قوله فيما سبق "أربعون خلفة"، والباقي وهي "ستون" ليس في بطونها أولادها.
ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: التسوية بين الخطأ وشبه العمد في مقدار الدية، وهذا خلاف ما سبق في الحديث الثاني أن دية الخطأ أخماسًا فظاهره أن الخطأ يخالف شبه العمد إلا أن يحمل الخطأ في الحديث على ما ليس بعمد، فلا ينافي هذا الحديث الذي معنا والمشهور عند الحنابلة أن شبه العمد ملحق بالعمد في تغليظ الدية وأنها تجب أرباعًا ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن دية شبه العمد تلحق بالخطأ لأن المخطئ لم يقصد القتل وكذلك من قتل شبه عمد فإنه لم يقصد القتل فيكون حكمهما سواء وينبغي أن نفرق بين شخص متعمد للقتل بآلة تقتل وشخص متعمد للضرب، وليس القتل بآلة لا تقتل، ولاشك أن هذا القول الأخير أقرب إلى الصواب من القول الأول وذلك أن إلحاق شبه العمد بالخطأ أقرب من إلحاقه بالعمد لأن الضارب أو القاتل بشبه العمد لم يقصد القتل ولأنه إذا كان لا يجب فيه
стр. 2751
القصاص والخطأ لا يجب فيه القصاص فينبغي أن يلحق به في الدية أيضًا، هل نأخذ بحديث عمرو بن شعيب أو حديث عبد الله بن عمرو في أن أربعين من الإبل في الدية تكون خلفة في بطونها أولادها أو نأخذ بحديث عمرو بن حزم؟ الجواب: أخذ الإمام أحمد بحديث عمرو بن حزم وأنه لا يشترط أن تكون خلفة وأخذ بعض العلماء بالحديث الثاني وقال إن فيه زيادة علم وهو قيد أن تكون خلفة في بطونها أولادها ولكن الأول أرجح وذلك لأن العلماء تلقوا الحديث الأول بالقبول وعملوا به وليس فيه ذكر أن أربعين منها في بطونها أولادها ولو قيل: إن هذا يرجع إلى رأي الحاكم وإذا رأى من المصلحة التشديد- وأن تكون خلفة في بطونها أولادها أو إذا عجزوا عن ذلك فإنه يعطى الأرش- لكان له وجه.
دية الأصابع والأسنان:
١١٣٥ - وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواءٌ، يعني: الخنصر والإبهام". رواه البخاريُّ.
يعني "سواء" في الدية و"الخنصر" هو طرف الأصابع من جهة والإبهام طرفها من جهة أخرى، فإذا كان الطرفان سواء فيما بينهما سواء، فعلى هذا يتبين أن الديات لا مجال فيها للتقويم وأن الشيخ الكبير الفاني كالشاب الجلد القوي كل منهما ديته مائة من الإبل. مع أننا لو رجعنا إلى التقويم لكان بينهما فرق عظيم، كذلك الخنصر والإبهام بينهما فرق في الحجم والعمل، فالإبهام يفضل الخنصر بكثير في العمل وهو أيضًا أضخم منه، وأقوى منه ومع ذلك قال النبي ﷺ هذه وهذه سواء، يعني: في الدية.
١١٣٦ - ولأبي داود والترمذي: "دية الأصابع سواء، والأسنان سواءٌ: الثَّنيَّة والضِّرس سواءٌ".
١١٣٧ - ولابن حبَّان: "دية أصابع اليدين والرِّجلين سواءٌ، عشرةٌ من الإبل لكلِّ إصبعٍ".
وهذا المعنى قد تقدم الكلام عليه.
стр. 2752
ضمان الطبيب:
١١٣٨ - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه رفعه قال: "من تطبَّب ولم يكن بالطِّبِّ معروفًا فأصاب نفسًا فما دونها؛ فهو ضامنٌ". أخرجه الدارقطني، وصححه الحاكم، وهو عند أبي داود، والنسائي وغيرهما؛ إلا أنَّ من أرسله أقوى ممَّن وصله.
"تطبب"؛ أي: مارس مهنة الطب، "ولم يكن بالطب معروفًا" أي: معلومًا بأنه طبيب حاذق، "فأصاب"؛ يعني: أتلف "نفسًا فما دونها" كإتلاف العضو أو الجرح "فهو ضامن"، وذلك لأنه غير مأذون له في أن يتطبب، فإذا قال قائل: ولم يكن بالطب معروفًا كيف نعرف طبه؟ نقول يعرف طبه بالدراسة أو بالتجارب إذا لم يكن دارسًا، أما في الدراسة فأن يدخل مدارس الطب ويتعلم ويأخذ تمارين على هذا ويعطى الإجازة التي تسمى الشهادة، وهي عند العلماء سابقًا تسمى إجازة فإذا أعطي الإجازة فهو معروف بالطب، وقد يكون وارثها بالتجارب؛ يعني: لا يقرأ على أحد لكنه يحبس نفسه على التمرن والتجارب في الأمراض، وفي أدوية الأمراض فيتوصل إلى المعرفة، فإذا علم بالتجارب أنه إنسان حاذق والناس يترددون إليه ويجدون منه فائدة فحينئذٍ يكون بالطب معروفًا، فإذا لم يوجد عنده لا إجازة نظرية ولا تجريبية فإنه حينئذٍ يكون ضامنًا إذا أصاب نفسًا فما دونها.
وعلم من هذا الحديث فوائد: أولًا: أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون ويؤخذ هذا من مفهوم الحديث وهو قوله: "ولم يكن بالطب معروفًا" أنه إذا كان بالطب معروفًا فأصاب نفسًا فما دونها فإنه لا ضمان عليه، مثال ذلك رجل معروف بالجراحة أجرى جراحة لشخص ثم خاض الجراحة وانتهى ولكن الجراحة تعفنت وتضاعفت حتى هلك هذا المريض! ! فإن هذا الطبيب ليس عليه ضمان، ولكن لو فرض أن يده أخطأت- بمعنى: أنها تجاوزت الحد المطلوب- مثل: أن يكون الحد المطلوب للجراحة مقدار أنملة، ولكنه تجاوز إلى مقدار أنملتين من غير حاجة لذلك فإن ما ترتب على هذه الزيادة يعتبر مضمونًا، حتى لو كان ذلك عن خطأ لو فرض أنه عندما حرك المشرط زلّت يده حتى اتسع الخرق فإنه يكون ضامنًا، وذلك لأن ما تتعلق بمعاملة الخلق لا يفرق فيه بين العمد والخطأ.
وفهم من هذا الحديث: أن من تطبب بدون معرفة فإنه يضمن إن أصاب نفسًا فما دونها
стр. 2753
وهو منطوق الحديث وعلى هذا فيجب الحذر من إعطاء الترخيص في الطب من لم يكن معروفًا به والحذر أيضًا من مراجعة شخص يتطبب ولم يكن معروفًا بالطب لأنه ربما يهلك المريض من حيث لا يشعر.
وفهم من هذا الحديث: أن الطب مهنة جائزة لأنه لا ضمان على من كان معروفًا بالطب إذا أصاب نفسًا فما دونها ولو كانت محرمة لكان على الطبيب الضمان مطلقًا والطب لاشك أنه جائز بل إنه مأمور به بل عدَّه بعض الفقهاء من فروض الكفاية وقال القاعدة عنده إن المصالح العامة التي يحتاج إليها المجتمع عمومًا فرض كفاية وأن من ذلك تعلم الطب والصناعة من خشب وحديد وغيرها لأن هذا من الأمور التي يحتاج إليها المجتمع ولا تندفع حاجة المجتمع إلا بتعلمها ونحن نرى هذا وأن الذين يشاركون في تعلم الطب مشاركون في فرض كفاية لأن المسلمين لابد لهم أحد يداوي مرضاهم وينفعهم ولاسيما في هذا الوقت الذي أصبح الطب أرضًا خصبة لمن أراد دعوة الخلق إلى الحق فإن الطبيب بحكم ضرورة المريض له يستطيع أن يؤثر على المريض أكثر مما يستطيع أن يؤثره داعية من أفصح الدعاة لأن المريض في هذه الحال محتاج ولاسيما إذا كان المريض مرضه مزمن وأنه خطير ولاسيما إذا حضر أجله فإن الطبيب إذا كان موفقًا أمكنه أن يحاول أن يختم لهذا المريض بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ومن فوائد الحديث: كمال الدين الإسلامي، وذلك بإباحة الطب وتشجيع الطبيب الحاذق بأنه لا ضمان عليه إذا لم يتعد أو يفرط فإذا قال قائل: ما مناسبة هذا الحديث لباب الديات؟ قلنا: المناسبة ظاهرة وهو أن الطبيب الحاذق ليس عليه ضمان بقود ولا دية وهل يقاس على الطبيب كل من تصرف للغير في مصلحته؟ الجواب: نعم كل من تصرف للغير في مصلحته فإنه لا ضمان عليه لو تلف ذلك الغير.
دية الشجاج:
١١٣٩ - وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في المواضح خمسٌ، خمسٌ من الإبل". رواه أحمد والأربعة، وزاد أحمد: "والأصابع سواءٌ، كلُّهن عشرٌ، عشرٌ من الإبل" وصحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود.
"المواضح" جمع موضحة، وسبق أنها الشجة التي توضح العظم وأنها خاصة بجرح الرأس
стр. 2754
والوجه فإذا جرح إنسان حتى شق الجلد واللحم ووصل إلى العظم فأوضحه ولو بجزء يسير ففيه خمس من الإبل، أما لو كان ذلك في غير الرأس والوجه مثل أن يكون في الظهر أو في الأضلاع أو في الرقبة أو في الساق أو في الفخذ فإن ذلك ليس بموضحة وفيه حكومة لأنه لم يقدر شرعًا، فإن قال قائل: الحديث عامٌّ في المواضح وهو جمع موضحة.
قلنا: هو عام لكنه عرفا خاصٌّ بجرح الرأس والوجه لا يعرف في اللغة معنى الموضحة إلا لجرح أوضح العظم في الرأس والوجه.
وقوله: "خمس من الإبل"؛ يعني: كل موضحة لها خمس، وعلى هذا فلو أوضحه في رأسه من أربعة جوانب دون أن يتصل بعضها ببعض فعليه عشرون بعير لأن كل موضحة لها خمس من الإبل قال وزاد أحمد ... إلخ، وهذا كلٌّ مضى وقد مضى، أن الموضحة هي أول جرح يكون فيه مقدر شرعًا وما قبل الموضحة ففيه حكومة، فالموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم المأمومة ثم الدامغة.
دية أهل الكتاب:
١١٤٠ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل أهل الذِّمة نصف عقل المسلمين". رواه أحمد والأربعة.
ولفظ أبي داود: "دية المعاهد نصف دية الحرِّ".
"الذمة" هي العهد والأمان وأهل الذمة هم الذين سكنوا بلادنا على أن يبذلوا الجزية ويحموا من قبلنا من الأذى وقد كان ذلك في أول الإسلام يقيم الرجل بالجزية في بلاد المسلمين ويسكن على أن يبذل الجزية كل عام ومرجع الجزية لاجتهاد الإمام يضرب عليهم جزية كل عام تؤخذ منهم على حسب ما يراه من أحوالهم؛ الغني له حال والفقير له حال والمتوسط له حال وهناك معاهد المعاهد أيضًا يكون نصف دية الحر، "المعاهد" هو الذي بيننا وبينه عهد وهو في بلده مستقلٌّ لا نحميه ولا نتعرض له، لكن بيننا وبينه عهد وهناك قسم ثالث وهو المستأمن الذي طلب منها الأمان لتجارة يعرضها في بلادنا أو ليستمع إلى القرآن والإسلام علَّه يسلم فهؤلاء ثلاثة كلهم معصومون، وبقي قسم رابع من الكفار، وهو الحربي الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان فهذا لا يضمن لا بالقصاص ولا دية؛ لأن دمه هدر، يقول: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين"، فيكون الرجل منهم خمسون بعيرًا والمرأة خمس وعشرون بعيرًا والطفل الذكر خمسون والأنثى خمس وعشرون ولفظ أبي داود دية المعاهد
стр. 2755
نصف دية الحر هو قريب من الأول لكن المعنى يختلف كما سبق، المعاهد ديته نصف دية الحر؛ يعني: خمسون بعيرا للذكر وخمس وعشرين بعيرا للأنثى.
دية المرأة والرجل:
١١٤١ - وللنسائي: "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها".
وصححه ابن خزيمة.
"عقل" بمعنى: دية، يقول: "حتى يبلغ الثلث من ديتها" فإذا بلغ عاد إلى الأصل، وهو أن عقل المرأة نصف عقل الرجل.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولا: أن دماء أهل الذمة محترمة، يؤخذ من إيجاب العقل بقتلهم وهي دلالة التزام.
ثانيًا: أنهم دون مرتبة عقل المسلمين، وذلك أنها على النصف.
ومن فوائد الحديث: أن المعاهد له دية ومحترم، وديته نصف دية الحر المسلم.
ومن فوائد الحديث: تساوي الرجل والمرأة فيما يوجب ثلث الدية فأقل يعني: فيما دون ثلث الدية تتساوى المرأة والرجل، فإذا بلغت ثلث الدية صارت المرأة على النصف من الرجل؛ لأن المرأة لا تتحمل أن تكون مثل الرجل لا في المصالح العامة ولا في المصالح الخاصة، ولهذا كانت على النصف من دية الرجل وعليه ففي الأصبع من المرأة عشر من الإبل وفي الأصبعين عشرون من الإبل وفي الثلاثة ثلاثون من الإبل لأن الثلاثين أقل من الثلث وفي الأربعة عشرون من الإبل لما عظمت مصيبتها قل عقلها، إذا قطع أربع أصابع فالدية عشرون وإذا قطع ثلاثة أصابع فالدية ثلاثون، قال بعض العلماء: كلمة لما عظمت مصيبتها قل عقلها، يعني: الدية فإذا قال قائل أرأيت لو أن رجلا لما قطع ثلاثًا خطأ ورأى أنه يجب عليه في ذلك ثلاثون قال أقطع الرابع ليجب علي عشرون هل تنفعه هذه الحيلة؟ لا، هذه لا تزيده إلا شرا لأنه إذا قطعنا أصبعه المماثل للإصبع الذي قطعه وأوجبنا عليه ثلاثين فتكون هذه الحيلة غير نافعة لأن الأصبع الرابع تعمد قطعه فوجب فيه القصاص والثلاثة الباقية لكل واحد عشر.
стр. 2756
ومن فوائد الحديث: حكمة في التفريق بين دية المرأة ودية الرجل، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم لدلالة الحديث عليه.
تغليظ الدية وضوابطه:
١١٤٢ - وعنه رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل شبه العمد مغلَّظٌ مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشَّيطان، فتكون دماءٌ بين النَّاس في غير ضغينةٍ، ولا حمل سلاحً" أخردة الدَّارقطني وضعَّفه.
وعنه؛ أي: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، و"عقل" بمعنى: دية، وشبه العمد هو الجناية بما لا يقتل غالبا مثل العصا والسوط والحبل وما أشبهه، لكن يفرق بينه وبين الخطأ: أن شبه العمد يتعمده الفاعل والخطأ لا يتعمده، ويفرق بينه وبين العمد، أن العمد يتعمده الفاعل بما يقتل غالبًا، وهذا يتعمده بما لا يقتل غالبًا، شبه العمد وسط بين الخطأ وين العمد؛ لأننا إذا نظرنا إلى أصل الجناية ألحقناها بالعمد لأن الرجل قد تعمد، وإذا نظرنا إلى أنه لم يقصد القتل ولذلك لم يضربه إلا بما لا يقتل ألحقناها بالخطأ فكان في منزلة بين منزلتين ولهذا لا يوجب القصاص، وليس كالخطأ في الدية، بل هو مغلظ، وسبق أن التغليظ هو أن تُجعل مائة الإبل أرباعًا وأما عدم التغليظ فأن تجعل أخماسًا، أرباعًا تكون خمس وعشرين بنت مخاض، وخمس عشرين بنت لبون، وخمس وعشرين حقة، وخمس وعشرين جذعة، الخطأ تكون أخماسًا ثمانون من هذه الأربعة وعشرين من بني مخاض أو بني لبون، على اختلاف الروايات في هذا، إذن شبه العمد مغلظ.
من فوائد هذا الحديث: أن شبه العمد لا يجب فيه القصاص لقوله: "ولا يقتل صاحبه" ووجهة: أن الفاعل لم يقصد القتل بدليل انه جنى بآلة لا تقتل غالبًا والذي يريد القتل لابد أن يجني بآلة تقتل غالبًا.
ومن فوائد الحدي: ضرب المثل لشبه العمد "أن ينزو الشيطان ... إلخ" يعني: يكون قتال فيه معاندة ومخاصمة فيقوم أحدهم ويضرب الآخر، لن بغير سلاح بقصد -هذا هو شبه العمد.
***
стр. 2757
ملخص في الجنابة على الحمل باعتبار ضمانه وكفارة قتله:
القسم الأول: ما لا ضمان فيه ولا كفارة وله ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يموت مع أمه ولم يخرج منها، يعني: جنى حامل فماتت هي وجنينها فليس فيه شيء لا كفارة ولا ضمان -هذا بالنسبة للجنين.
الثانية: أن يخرج مضغة غير مُخلقة أو قبل ذلك فليس فيه شيء أيضًا.
الثالثة: أن يموت في بطن أمه ولم يخرج منها مع بقاء الحياة والفرق بينه وبين الصورة الأولى: أن الأولى ماتت لأمه وهنا لم تمت مع بقاء حياتها ذكره في "المغني" وعلَّله بأن حكم الولد لا يثبت إلا بعد خروجه، قال: وحكي عن الزهري أن عليه غرة لأن الظاهر أنه قتل الجنين وهذا أصح لأنه تأكدنا أنه حي، ولكن يقول الفقهاء لأننا لا ندري ربما لا يخرج حيًّا أو لم يكن جنينًا ويبقى في بطن أمه أما إذا خرج وتبين فالأمر واضح.
القسم الثاني: ما يضمن بالغرة ولا كفارة فيه وله صورة واحدة وهي أن يخرج مضغة مُخلقة قبل نفخ الروح فيه.
القسم الثالث: ما يضمن بغرة مع الكفارة وله ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يخرج ميتًا بعد نفخ الروح فيه.
الثانية: أن يخر حيًّا لوقت لا يعيش لمثله ثم يموت من الجنابة.
الثالثة: أن يخرج حيَّا لوقت يعيش لمثله ويتحرك حركة اختلاج ونحوها كحركة ونحوها كحركة المذبوح ثم يموت هذا يضمن بغرة مع الكفارة.
القسم الرابع: ما يضمن بدية مع الكفارة وله صورة واحدة وهو أن يخرج حيًّا لوقت بعيش لمثله حياة مستقرة ثم يموت بسبب الجناية -هذا التقسيم جيد.
١١٤٣ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: "قتل رجلٌ رحلاً على عهد النبيِّ ﷺ ، فجعل النبيُّ ﷺ ديته اثني عشر ألفًا". رواه الأربعة، ورجَّح النَّسائيُّ وأبو حاتمٍ إرساله.
أي: اثني عشر ألف درهم، وهذا الحديث -كما رأيتم- فيه ان الدية تكون اثني عشر ألف درهم، وقد سبق أن الدية مائة بعير فهل هذا الحديث يقتضي أن يكون هناك أصل آخر غير الإبل كما أن هناك أصلاً آخر غير الإبل وهو ألف دينار أو أن هذا من باب التقويم، يعني: أن
стр. 2758
مائة من الإبل في ذلك الوقت تساوي اثني عشر ألفاً؟ في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إن ما ذكر أصل فيكون من عنده إبل يؤخذ منه مائة من الإبل ومن عنده دراهم ودنانير يؤخذ منه الدنانير والدراهم، وصاحب البقر من بقره، وصاحب الغنم من غنمه ولكن الصحيح أن الأصل هي الإبل لكن لو رأى الحاكم أن يُراعى احوال العاقلة فإن كانوا أصحاب إبل أخذ منهم إبلاً، وإن كانوا أصحاب بقر أخذ منهم بقرًا، وإن كانوا أصحاب ذهب أخذ منهم ذهبًا، لو رأى مراعاة ذلك لكان جيدًا ولكن إذا قلنا بهذا القول هل نأخذ بما جاء مقدرًا في هذه الأحاديث أو نأخذ بما تساوي في وقتها؟ الثاني إذا قلنا: إن الإبل هي الإصل فالثاني هو الذي يؤخذ به، اما المذهب فالأصول خمسة: الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة وعرفتهم أن الإبل مائة، والبقر مائتان والغنم ألف والذهب ألف مثقال والدراهم اثنا عشر ألفا درهم، والاثنى عشر ألف درهم كم تساوي من الدراهم الآن؟ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين، الآن انظروا الفرق بين دية الفضة ودية الإبل، يعني: على المذهب من قال من عليه الدية أنا لا أسلمكم إلا الدراهم وقلنا إن الدراهم محددة شرعًا صارت الدية ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين، الآن انظروا الفرق بين دية الفضة ودية الإبل، يعني: على المذهب من قال من عليه الدية أنا لا أسلمكم إلا الدراهم وقلنا إن الدراهم محددة شرعًا صارت الدية ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين لكن العمل كما قلنا على خلاف ذلك العمل على أن الأصل في الديات هي الإبل وإن ما ذكر في الأحاديث فهو من باب تقدير الإبل بالقيمة، وكانت في ذلك الوقت تساوي هذه القيمة.
١١٤٤ - وعن أبي رمثة ﵁ قال: "أتيت النَّبيَّ ﷺ ومعي ابني، فقال: من هذا؟ فقلت: ابني وأشهد به. فقال: أما إنَّه لا يجني عليك، ولا تجني عليه". روان النَّسائيُّ، وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود.
هذا الحديث يقول: "أتيت النبي ﷺ ومعي ابني فقال: من هذا؟ " وكان هناك سبباً أوجب ان يسأل عنه النبي ﷺ ، ولهذا أكده فقال: "ابني وأشهد به" والظاهر -والله أعلم- أن هناك فرقاً في الشبه أو في اللون أو أن أبا رمثة كان صغيراً لا يحتمل أن يكون هذا الابن ولدًا له فقال: من هذا؟ وأمت مجرد سؤال ويقول: "هذا ابني وأشهد به" فهذا بعيد فلابد أن يكون هناك سبب لسؤاله: "فقلت: ابني وأشهد به" أي: هذا ابني، فهو خير لمبتدأ محذوف، فقال: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، "لا يجني عليك" يعني: لا تتحمل جنايته، "ولا تجني عليه" يعني لا
стр. 2759
يتحمل جنايتك هذا المعنى، وليس المعنى: أن الأب لا يمكن أن يجني على ابنه فربما يجني عليه كأن يضربه أو يجرحه وربما يقتله، وكذلك العكس، لكن المعنى: أنه لا يتحمل جنايتك ولا تتحمل جنايته، وعلى هذا فالأب لا يحمل من الدية إذا كانت على العاقلة شيئًا، لو أن شخصًا قتل إنسانًا خطأ، فالدية على عاقلته والعاقلة هم الأصالة، لكن هذا الحديث يدل على أن الأصول والفروع لا يتحملون من الدية شيئًا لأنه قال: لا يجني عليك ولا تجني عليه وإلى هذا ذهب أهل العلم وقالوا إن العاقلة هم ذكور العصبة ما عدا الأصول والفروع وأن الأصول والفروع لا يتحملون من الدية شيئًا، ولكن القول الراجح أنهم يتحملون وأنهم أولى بالتحميل ممن وراءهم لأن القرابة الذين سواهم من أين كانوا قرابة لك؟ منهم فإذا كانوا هم الأصل فكيف يحمل الفرع ولا يحمل الأصل؟ ! فالصواب أن الأصول والفروع من العاقلة كم سواهم ولكن لو قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث؟ نقول المراد الجناية التي يكون بها قصاص، يعني: لو جنى الابن جناية فيها قصاص فإنه لا يقتص من أبيه بدلاً عنه ولو جنى الأب جناية فيها قصاص فإنه لا يقتص من الابن نيابة عنه أما مسألة الدية فإنه لا تعرض للحديث فيها.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص النبي ﷺ على معرفة أحوال أصحابه لقوله: "من هذا"، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فلما سأل علم أنه ﷺ يعتني بأصحابه وأن أحوال أصحابه مما يعنيه؛ إذ لا يمكن إن يكون الرسول ﷺ غير حسن الإسلام -وهو أكمل الناس إيمانًا وأشدهم تقوى لله ؛ فإذن يستدل بهذا الحديث على حرض النبي ﷺ على معرفة أحوال أصحابه، ويتفرع على هذه القاعدة: أنه ينبغي لكبير القوم من قاضٍ أو عالم أو أمير أن يتفقد أحوال من هم تحت يده اقتداء برسول الله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن الرجل إذا استحلق ابنًا له فإن يلحقه ولا يحلف البينة به وهو كذلك فإذا استلحق الإنسان شخصًا قال هذا ولدي فإنه ولده لكن بشرطين الأول ألا ينازع فيه، والثاني أن يمكن كونه منه فإن نوزع فيه نظرنا إن كان المنازع غير ذي فراش فإنه يعرض على القافة الذين يعرفون النسب بالشبه فمن ألحقته به لحقه.
ومن فوائد الحديث: صحة إطلاق الشهادة على الإقرار لقوله وأشهد به أي أقر به وقد سمى الله الإقرار شهادة فقال (يا أسها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) [النساء:
стр. 2760
١٢٥]. والشهادة على النفس صغير إقرار والشهادة على الغير للغير شهادة والشهادة للنفس على الغير دعوى هذه ثلاثة أشياء.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يقتص من أحد عن أحد حتى الابن لا يتقص منه عن أبيه ولا الأب عن ابنه فلو أن الأب جنى على شخص وقطع يده عمدًا فإنها تقطع يده إذا تمت الشروط، فإذا قال: ابنه هذا أبي اقطعوا يدي بدله هل يمكن من ذلك؟ لا، لأن الأب لا يجني على الابن وكذلك بالعكس، لو أن الابن قطع يد شخص عمدًا وتمت شروط القصاص وأردنا أن نقتص منه فقال أبوه اقتصوا مني لأن ابني شاب وأنا شيخ كبير، فإنه لا يمكن ولقوله: "لا جني عليك ولا تجني عليه" هذا معنى الحديث.
* * * *
٢ - باب دعوى الدم والقسامة
"القسامة" مأخوذة من القسم وهو الحلف وصورة القسامة أن يقتل قتيل لا يعلم قاتله فيدعي أولياؤه أن فلانًا قتله، فإذا طبقنا هذه الصورة على القاعدة الشرعية قلنا: لا ادعي رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فنقول للمدعي: ائت ببينة على أن فلانًا قتل قتيلكم وإلا فلا شيء لكم، يحلف المدعى عليه بأنه لم يقتل لكن إذا كان هناك قرينة تدل على صدق الدعوى وأن القاتل فلان فحينئذ يأتي دور القسامة، ولكن ما هذه القرينة التي تثبت فيها القسامة؟ القرينة التي تثبت فيها القسامة عند شيخ الإسلام ابن تيمية كل ما يُغلب على الظن صدق المدعي منها العداوة الظاهرة بين القبائل ومنها أن تجد شخصًا معه سكين أو سيف يقطر دمًا والقتيل بين يديه فهذه قرينة ظاهرة والقرائن كثيرة المهم القاعدة كل ما يغلب على الظن صدق الدعوى فهو قرينة أما المذهب فالقرينة خاصة بالعداوة الظاهرة التي تكون بين القبائل وإنما خصوها بهذا لأن الأصل في القاعدة الشرعية أن المدَّعي عليه البينة وأنها لا تقبل دعواه ولنفرضها فيما ذكره الفقهاء ﵏ في العداوة الظاهرة، وُجد قتيل عند قرية بين أهلها وبين قبيلة القتيل عداوة ظاهرة مناوشات دائمة حينئذٍ تُجري القسامة ونقول لأهل القتيل عينوا القاتل فإذا عينوه قلنا: هذا القاتل عندكم بينة قالوا ما عندنا بينة نقول
стр. 2761
احلفوا خمسين يمينًا أن هذا هو الذي قتل صاحبكم وتوزع الأيمان على وارث الدم، يعني: على وارث المقتول فإذا كانوا خمسة كان على كل واحد عشرة وإذا كانوا ثلاثة كان على كل واحد ستة عشر ويجبر الكسر فتكون على كل واحد سبعة عشر فنقول احلفوا خمسين يمينًا على أن هذا قاتل صاحبكم فإذا حلفوا قلنا: خذوه اقتلوه فيقتلونه وفي هذه الحال تكون هذه القسامة خارجة عن قاعدة الدعاوي من وجوه ثلاثة الوجه الأول: أن اليمين صار في جانب المدعي والأصل أنها في جانب المدعى عليه.
ثانيًا: أن الأيمان كُررت والأصل أن الأيمان لا تكرر.
ثالثًا: كيف يحلف هؤلاء على شيء لم يروه ولهذا سيأتينا في الحديث أن الصحابة امتنعوا أن يحلفوا وقالوا كيف نحلف لم نرى فهذه ثلاثة أوجه خالفت فيها القسامة القواعد المعروفة في الدعاوى فما هو الجواب؟ نقول الجواب عن الأول وهو أنه كيف كانت الأيمان في جانب المدعي والأصل أنها في جانب المدعى عليه؟ نقول الأيمان ليست في جانب المدعي دائمًا الأيمان في جانب أقوي المتداعيين سواء كان المدعي أو المدعى عليه ولذلك لو ادعى شخص بشيء وأقام شاهدًا قلنا له: احلف مع الشاهد وخلده.
وقول المؤلف: دعوى الجم؛ يعني: أن يدعي الإنسان على شخص انه قتل صاحبه والقسامة مأخوذة من القسم وهو الحلف وهي عند الفقهاء أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم وتكون في جانب المدعي وفي جانب المدعى عيه والقسامة كانت معروفة في الجاهلية يحكم بها الناس، فأقرها الإسلام على ما كانت عليه؛ لأن الإسلام لا يرد كل ما كان عليه المشركون، ولا يرد كل ما جاء به الكافرون، بل الإسلام دين العدل ودين الحق، فمتى كان الشيء حقًا وعدلاً فإنه عند الإسلام مقبول بقطع النظر عن قائله، وما كان باطلاً فهو مرفوض، بقطع النظر عن قائله؛ لأن الله يقول: (هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق).
تعريف القسامة:
والقسامة، مثل: أن يأتي شخص ويقول: أنت الذي قتلت أخي! فيقول الآخر: ما قتلته، القاعدة أن نقول للمدَّعي: هات بينة، فإن كان عنده بينة فالبينة قائمة مقام الأيمان وإذا لم يكن عنده بينة نقول احلف فإذا حلف أن فلانًا قتل صاحبه عمدًا، قلنا: خذه برمته، يعني: بحبله فاقتله
стр. 2762
ولكن لها شروط من أعظمها اللوث، واللوث مختلف في معناه عند الفقهاء، فمن الفقهاء من يقول: إن اللوث هو العداوة الظاهرة كالعداوات التي تكون بين القبائل دون العداوة الباطنة التي تكون بين شخص وآخر، لأن العداوة الظاهرة قرينة مرجحة لدعوى المدعي وهي ظاهرة، لكن العداوة الشخصية خفية ليست ظاهرة فلهذا نقول في تفسير اللوث إنه العداوة الظاهرة ومثالها ما يكون بين القبائل وقال بعض العلماء اللوث كل ما يكون مغلبًا للظن في صدق دعوى المدعي سواء كان عداوة ظاهرة أو كان هذا الذي ادعى عليه القتل بيده سكين متلطخة دمًا وإلى جنبه رجل يتشحط في دمه أو رؤي هاربًا ثم وجدنا خلفه قتيلاً أو سبق أن توعده وتهدده فالمهم أن كل شيء يوجب غلبة الظن في صدق دعوى المدعي سواء كان عداوة ظاهرة أو كان هذا الذي ادعى عليه القتل بيده سكين متلخطة دمًا وإلى جنبه رجل يتشحط في دمه أو رؤي هاربًا ثم وجدنا خلفه قتيلاً أو سبق أن توعده وتهدد فالمهم أن كل شيء يوجب غلبة الظن في صدق المدعي فهو لّوث وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق وما وقع بين اليهود والأنصار فهو قضية عين تعتبر مثالاً على ما يبرر القسامة، وكنا قد ذكرنا أن القسامة مخالفة للدعاوي من ثلاثة أوجه:
الأول: أن اليمين في الدعاوي في جانب المدعى عليه لقول النبي ﷺ : "واليمين على المدعى عليه"، أو قال: "على من أنكر"، وهنا كانت اليمين في جانب المدعي فيقال اليمين المرجحة وتكون في الجانب للراجح وإذا كانت الدعوى مجردة فمن المعلوم أن الراجح هو جانب المدعى عليه لأن الأصل براءته مما ادعى عليه فإذا قال زيد: أنا أطالب عمرًا مائة درهم فما هو الأصل؟ الأصل مع المدعى عليه لأن الأصل عدم ثبوت هذا الشيء، ولهذا صارت اليمين في جانب المدعى عليه لأن جانبه أقوى ويدل على أن اليمين في جانب أقوى المتداعيين وليست في جانب المدعي فقط ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى بالشاهد واليمين ومعنى الشاهد واليمين لو أن شخصًا ادعى على آخر شيئًا وأقام رجلاً واحدًا يسهد بما ادعى به فهنا نحكم له بما ادعى به إذا حلف مع شاهده فيجدون الآن أن اليمين في جانب المدعي لأنه قوي جانبه بالشاهد الذي معه لكن لما كان الشاهد ناقصًا عن النصاب احتيج إلى توكيده بيمين المدعى كذلك أيضًا قال الفقهاء لو أن رجلاً فارق زوجته وادعت أن هذا المتاع في البيت لها وادعى الرجل أنه له فهل نصدق المرأة أو نصدق الزوج؟
قالوا: إذا كان هذا المتاع مما يصلح النساء فالقول قول المرأة، لكن مع يمينها وإذا كان لا يصلح إلا للرجل فالقول قول الرجل فهما عملنا بالظاهر مع اليمين وجعلنا اليمين في جانب المدعي إذا كان الظاهر معه فتبين أن اليمين في القسامة لم تخرج عن قاعدة الدعاوي في هذه المسألة أي يكون الأيمان في جانب المدعي؛ لأن جانب المدعي قوي بوجود اللوث المغلب
стр. 2763
للظن في صدق هذا المدعي، وأما كونها تكرر فإن تكرارها موافق للحكمة أيضًا لأن شأن الدماء عظيم والقسامة إذا ثبتت فيها الدعوى سوف يقتل المدعى عليه تقتل النفس وتنتقل من العصمة إلى الهدر فالأمر عظيم، ولهذا أوجب النبي ﷺ أن يحلف المدعي خمسين يمينًا فإن لكل لم تقبل دعواه وأما كونهم يحلفون على شيء لم يروه فإن الحلف على غلبة الظن جائز شرعًا لا على مجرد هوى، ولهذا نجد الصحابة ﵃ كما سيأتي في الحديث، "أبوا أن يحلفوا لورعهم"، لكن إذا كان إنسان عنده من القرائن ما يغلب على ظنه أن الأمر حصل فله حلف بناء على غلبة الظن.
فإذا قال قائل: هل لديكم دليل يدل على جواز اليمين على غلبة الظن؟
قلنا: نعم، قصة الرجل المجامع في رمضان ثم جاء يستفتي النبي ﷺ وأفتاه بأن يعتق رقبة فقال لا أجد قال فصم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال أطعم ستين مسكيناً قال لا أجد ثم جيء بتمر فأعطاه النبي ﷺ الرجل وقال تصدق به فقال أعلى أفقر مني والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، أقسم فقال "والله" ولم ينكر عليه النبي ﷺ مع احتمال أن يوجد بيت أفقر منه حتى لو فرض أن الرجل ليس عنده أي طعام يوجد أفقر منه يكون عليه دين مثلاً، يعني: لو قال قائل: بأن هذا الرجل حلف على أمر معلوم بأنه ليس عنده شيء فلا أحد أفقر منه قلنا: بل ربما تكون أحد أفقر منه يكون ما عنده شيء أيضًا عليه دين فيكون أفقر منه فالحاصل أن هذا يدل على أنه يجوز الحلف على غلبة الظن؛ ولهذا لو قال قائل: والله ليقدمن زيد غدًا ثم لم يقدم هل عليه كفارة؟ بناء على ظنه ليس عليه شيء إذا لم يقدر وإن كان المشهور من المذهب أن عليه كفارة لكن لا كفارة عليه لأنه حلف على شيء يعتقده، لكن لو قال والله ليقدمن بناء على أن أمر زيد بيده سيحظله ولم يحظله فعليه لأنه حلف على الفعل ولم يفعل، ومن ذلك أيضًا لو حلف على أمر ماض يظنه كذلك ولم يكن فهل عليه إثم؟ ليس عليه إذن تكون القسامة أو يكون الحلف في القسامة بناء على غلبة الظن لم يخرج عن قاعدة الأيمان؛ لأن القاعدة في الأيمان أنه يجوز الحلف على غلبة الظن.
١١٤٥ - عن سهل بن أبي حثمة ﵁، لكن رجالٍ من كبراء قومه: "أن عبد الله بن سهلٍ ومحيِّضة بن مسعودٍ خرجا إلى خيبر من جهدٍ أصابهم، فأتي محيِّصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قُتل، وطرح في عينٍ، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا: والله ما قتلناه، فأقبل هو وأخوة حويصة وعبد الرحمن بن سهلٍ، فذهب محيصة ليتكلَّم، فقال رسول الله ﷺ : كبِّر
стр. 2764
كبِّر، يريد: السنَّ، فتكلَّم حويِّصة ثمَّ تكلَّم محيَّصة، فقال رسول الله ﷺ : أمَّا أن يدوا صاحبكم، وأمَّا أن يأذنوا بحربٍ. فكتب إليهم في ذلك، فكتبوا: إمَّا والله ما قتلناه، فقال لحويِّصة، ومحيِّصة، وعبد الرحمن بن سهل: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم مائة ناقةٍ. قال سهلٌ: فلقد ركضتني منها ناقةٌ حمراء". متَّفقٌ عليه.
"سهل"، صحابي و"رجال من كبراء قومه" أيضًا الظاهر أنهم صحابة؛ لأنه لا يهم في مثل هذه القصة عن يهودي أو عن إنسان غير مسلم، وقوله: "جهد" هي المشقة والجوع وقوله: "أصابهم" ولم يقل: أصابهما، يعني: أصاب أهلهم وهم من الأهل، وقوله: "خيبر" لأن خيبر مزارع نخيل يوجد فيها ما يسد جوعهم فخرج إلى ذلك، قوله: "قد قتل وطرح في عين"، العين هي منبع الماء، وهي البئر وخيبر كانت عيونًا تجري، بل إننا شاهدنا نحن وأدركنا أن أحدًا عيونٌ تجري تنبع من الأرض وتمشي لكن نضب الماء وقلَّ، فقال: "أنتم والله قتلتموه قالوا ... إلخ" حويصة أخو محيصة، وعبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل القتيل.
وقوله: "ذهب محيصة يتكلم" لأنه شاهد القضية، وأخوه محيصة أكبر منه فقال النبي ﷺ "كبر كبر" يريد السن، فتكلم حويصة وحويصة لا شك أنه قد بلغه خبر القوم، وإلا ما كان ليتكلم بشيء لا يعلمه ثم تكلم محيصة، يعني: بعد ما تكلم حويصة ولعلة أتم ما لم يأت به حويصة وقوله: يدوا صاحبكم، يعمي: يؤدوا ديته إن قبلتم الدية أو يقتل القاتل إن عينتموه وإما أن يأذنوا بحرب؛ لأنهم نقضوا العهد، فإن الذمي إذا نقض العهد بقتل أحد من المسلمين أو اعتداء عليه بزنا او لواط أو ما أشبه ذلك فإن عهدهم ينتقض فكتب إليهم يعني: قال لهم: "إما أن تدوا صاحب القوم وإما أن تأذنوا بحرب"، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، قوله: "فكتب إليهم في ذلك" هل المراد أن الرسول ﷺ باشر الكتابة ولكن أمر من يكتب ثم إن الظاهر أنه كتب إليه باللغة العبرية؛ لأن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليترجم الرسائل التي تأتي منهم والتي تذهب إليهم إلى لغتهم، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال لحويصة، ومحيصة، وعبد الرحمن بن سهل -أخو القتيل- وحويصة ومحيصة: "عمّاه أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" أتحلفون؛ يعني: على أن اليهود قتلته وتستحقون دم صاحبكم، فقالوا: لا، لا نحلف. وفي لفظ آخر أنهم قالوا: "كيف نحلف ولم نشهد ولم نر" يعني: بينوا سبب امتناعهم عن اليمين؛ لأنهم ما شهدوا ولا علموا بذلك. قال: "فتحلف لكم يهود بأنهم لم
стр. 2765
يقتلوا صاحبكم" فقالوا: ليسوا بمسلمين، ومن ليس بمسلم فإنه غير مأمون أن يحلف على الكذب، ولا سيما اليهود فغنهم من مصادر الكذب فوداه الرسول؛ أي: أدى ديته من عنده ﷺ أي: مما تحت ولايته، وليس المراد: أنه وداه من ماله؛ لأن من المعلوم أن الرسول ﷺ لا يبقى المال عنده، حتى إنه جاءه مال ذهب أو فضة فجعل ﷺ يهتمُّ بذلك حتى فرقه كله، فكان ﷺ لا يدخر لنفسه شيئًا، فبعث إليهم مائة ناقة. "سهل ... إلخ" سهل الظاهر أنه ابن أبي حثمة الراوي، وقوله: "ركضتني"؛ أي ضربتني برجلها "ناقة حمراء" وأراد بذلك توكيد القضية وأن النبي ﷺ وداه من عنده.
هذا الحديث أصل في القسامة؛ وفيه ألفاظ متعددة غير هذا؛ ولهذا ينبغي أن يُعتنى به من جميع الجوانب، وتذكر القصة بجميع رواياتها، أولاً ما هي خبير؟ هي عبارة عن مزارع وحصون اليهود وسكن بعضهم المدينة وسبب ذلك أنهم كانوا قرأوا أنه سيبعث رسول يكون مهاجره المدينة فسكنوا فيها ترقبًا لهذا الرسول وكانوا كما قال الله : (وكانوا من قبل يستفتحتون على الذين كفروا) أي: يستنصرون عليهم بهذا الرسول الذي يترقبونه وقوله جهد بالفتح المشقة والجهد بالضم الطاقة قال تعالى (والذين لا يجدون إلا جهدهم) أي: طاقتهم وفي حديث الوحي: "ضمني حتى بلغ مني الجهد" أي: المشقة.
وقوله: "خرجوا إلى خيبر" لأنها كثيرة الثمر فهم إما خرجوا يقتاتون أو خرجوا يمتارون أو خرجوا لأن لهم فيها سهمًا المهم ليس لنا شأن لماذا خرجوا إنما هم خرجوا للحاجة، وقوله: أتي محيصة ... إلخ هذا يدل على أن معهما أحد لأن اليهود لا يمكن أن يأتوا إلى محيصة يخبرونه بذلك والواقع كذا؛ أي: ان معهم جماعة من قومهم ولعل منهم الكبراء الذين أشار إليهم سهل بن أبي حثمة، وقول فأتى يهود الفاعل محيصة، فقال أنتم والله قتلتموه قالوا والله ما قتلناه فهنا مدع ومدعى عليه وكل منهما حلف أما الأول محيصة فحلف على غالب ظنه، وأما اليهود فحلفوا إما صدقًا وإما كذبًا، يعني: قد يكون غيرهم قتله لأن خيبر فيها أناس من غير اليهود أو أنهم كذبوا واليهود معروفون بالكذب فأقبل هو وأخوه ... إلخ قوله "كبر" يريد السن، وظاهر سياق الحديث ان الثلاثة أتوا رسول الله ﷺ ليخبروه الخبر فأراد محيصة أن يتكلم؛ لأنه صاحب القصة ولم يتكلم عبد الرحمن بن سهل لأنه ليس حاضراً أو لأنه أصغر القوم أو لأن المقصود ذكر القضية دون المطالبة، وإلا لكان الأحق أن يتكلم عبد الرحمن إما لصغره أو لأنه
стр. 2766
اكتفى بكلام محيصة لشهودة القصة أو لأن المقصود ذكر القضية لا المطالبة وإلا لو كان المقصود المطالبة لكان أحق الناس أن يتكلم عبد الرحمن فتكلم حُويصة يقال حُويصة ويقال حُويِّصة، يعني: بتخفيف الياء وتشديدها والتشديد أشهر فقال رسول الله ﷺ إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب ومعلوم أن هذا ليس بحكم ولكنه فتيّا لأن الرسول لا يحكم على غائب فكتب إليهم في ذلك لينظر ماذا عندهم لأنه حتى الآن لم يُسأل المدعى عليه فكتبوا والله ما قتلناه كما قالوا لمحيصة فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل ... إلخ القائل هو الرسول ﷺ قال لهؤلاء الثلاثة الذين جاءوا يقصون عليه القصة "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، قوله: "أتحلفون" ظاهره أن الخطاب موجه للثلاثة وتوجيهه لعبد الرحمن واضح؛ لأنه وارث الدم لكن المشكل توجيهه لحويصة ومحيصة لأنهما ليس لهما حق في الدم؟ فيقال: إن هذا من باب التغليب ولأنهما لما جاءا يطالبان بالدم صح توجيه الخطاب إليهما، ثم إنه عندما يوجه التحليف فعلا فالذي يحلف هم ورثة عبد الله بن سهل وهو أخوه وإذا كان هناك وارث آخر وبهذا يزول الإشكال هذا ما ذكره العلماء وقروه ويحتمل أن القضية أصبحت ليست قضية عين أو شخصية، قضية بين قبيلة وقبيلة بدليل أن القوم جاءوا مع عبد الرحمن بن سهل وأن الذين اتهموا في القتل قبيلة يهود فيحتمل أنه إذا كانت المسألة هكذا أن يحلف من كبراء القوم من هؤلاء وهؤلاء ما يجب عليهم من الأيمان هذا ما يظهر، لكن عندما نريد أن نحقق حسب القواعد الفقهية نقول إن الذي يحلف هو من يرث الدم وحينئذ يكون الخطاب كما أشرنا إليه أولاً أنه خاطب الجميع، لأنهم جاءوا يطالبون بالدم وعندما يراد التحليف يتوجه الحلف إلى ورثة عبد الله بن سهل قالوا: لا لا نحلف وقد عللوا ذلك في رواية أخرى: أنهم لم يروا ولم يشهدوا، فكيف نحلف فتركوا اليمين لأنهم ليس عندهم شيء يعتمدون عليه، فأقرهم النبي ﷺ فقال يحلف لكم يهود وهنا لم يذكر كم يحلف اليهود لكن في رواية أخرى أنهم يحلفون خمسين يمينًا بأنهم ما قتلوا قالوا ليسوا مسلمين، يعني: وإذا كانوا غير مسلمين فإنهم لا يؤمنون أن يحلفوا وهم كاذبون، "فوداهم النبي ﷺ من عنده"، وداه يعني: أدى ديته؛ أي: دية القتيل، وذلك لأنه لم يثبت القتل على أحد؛ لأن المدعيين أبوا أن يلفوا وأبوا أن يرضوا بأيمان المدعى عليهم، فلم يرد النبي ﷺ أن يهدر دمه فوداه من عنده فبعث إليهم مائة ناقة ... إلخ.
بقي أن يقال متى كان هذا؟ الذهاب إلى خيبر؟ نقول: كان بعد فتحها ذهبوا إليها وهي يومئذ صلح لكن هل هو في أول سنة هذا لا يهم المهم أن القضية وقعت بعد أن فتحت خيبر.
стр. 2767
١١٤٦ - وعن رجلٍ من الأنصار ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناسٍ من الأنصار في قتيلٍ ادَّعوه على اليهود". رواه مسلم.
قوله: "أقر القسامة"، أولاً: الرجل من الأنصار مجهول، لكن لا يضر جهالته؛ لأنه صحابي؛ والصحابي لا تضر جهالته لأن الصحابة كلهم عدول، وقوله: أقرها، يعني: حكم بها، وقوله: "على ما كانت عليه في الجاهلية ننظر كيف كانت القسامة في عهد الرسول وتكون القسامة في الجاهلية كما كانت عليه في عهد الرسول، وهي أن يوجد قتيل عند قبيلة أعداء، لكون هذا القتيل تتهم به هذه القبيلة فتشرع القسامة، وقوله: "وقضى بها ... إلخ" هل هي قصة عبد الله بن سهل أو غيره؟ هي هي، هذا هو الظاهر.
وعلى كل حال يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: الحكم بالقسامة وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء وأنكرها بعض العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ووجه إنكارهم إياها أنها خارج عن قواعد الدعاوي، وقد أشرنا قبل هذا الدرس إلى الوجوه التي خرجت بها عن قاعدة الدعاوي وأجبنا عن ذلك بما فيه الكفاية وسبق وأما الجمهور فحكموا بها ولكن أما على وفق ما جاء به النص فمتفق عليه بين الاثنين، يعني: في دعوى قتل قتيل قُتل عند قبيلة معادية هذا لا أحد من الجمهور يخالفه، لكن فيه بعض مسائل سيأتي التنبيه عليها.
ومن فوائد الحديث: أننا لا نأمن من اليهود، يعني: معناه أن اليهود ليسوا أمناء ودليل ذلك أن ظاهر الحال أنهم هم الذين قتلوا عبد الله بن سهل ولا غرابة أن يغدروا، فهم عاهدوا الرسول، القبائل الثلاثة بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة كلهم عاهدوا الرسول حين جاء المدينة وكلهم نقضوا العهد، وهم من أغدر الناس، وأكذب الناس، وهم الطائفة التي وصفها ابن القيم ي كتابه: "إغاثة اللهفان" بالأمة الغضبية؛ يعني: المغضوب عليهم.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا قُتل شخص ولم يُعلم عن قاتله وليس هناك عداوة توجب التهمة فإنه لا قسامة، وجه ذلك: أن العداوة بين الأنصار واليهود ظاهرة فمن أجلها أُجريت القسامة، أما إذا لم يكن عداوة فإننا لا نقبل من المدعي دعوة القتل إلا ببينة أو اعتراف من المدعى عليه وهل يحلف، يعني: في غير موضع القسامة هل يحلف المدعى عليه أو لا، يعني: رجل ادعى أن قاتل أبيه فلان بدون عداوة وبدون لوث فهل يُحلَّف المدعى عليه؟ قال العلماء: إن كانت الدعوى في القتل الخطأ فإنه يحلف المدعى عليه وإن كانت في قتل عمد
стр. 2768
فإنه لا يُحلَّف، يعني: إذا قال فلان هذا الرجل دعس والدي خطأ فأنكر صاحب السيارة قال ما فعلت فهنا يُحلف صاحب السيارة وأما إذا قال إنه قتل والدي عمدً برصاص أو بالسيف وأنكر المدعى عليه القتل فإنه لا يحلف ويُخلى سبيله ولا يتعرض له والأول يؤتى به ويُحلف فإن حلف وإلا قضى عليه بالنكول، قد يقول قائل: إن ادعاء العمد أولى بالتحليف من ادعاء الخطأ لكن العلماء قالوا: مدعي العمد يريد القصاص والقصاص لا يقضى عليه بالنكول ومدعي الخطأ يريد المال والمال يقضى على المدعى عليه بالنكول، والنكول هو الامتناع عن اليمين نكمل المثال ادعى شخص على آخر بأنه دعس والده فأنكر صاحب السيارة وقال: ما فعلت قطُّ. نقول: احلف، قل: والله ما دعسته، فإذا حلف خلينا سبيله؛ لأنه لو ثبت ذلك كان الواجب الدية وهي مال كما لو ادعيت على شخص فقلت: هذا الرجل أتلف مالي فأنكر فهل يُحلف أو لا يحلف؟ يُحلف فإن نكل وقال لا أحلف قلنا: يُقضى عليك بالنكول تضمن المال، قالوا دعوى قتل الخطأ توجب المال فيحلف المدعى عليه أنه ما قتل فإن لم يفعل ونكل ضمناه الدية كما لو قال شخص لآخر هذا الرجل أتلف مالي فأنكر نقول له احلف إن أبى أن يحلف وهذا هو النكول قضينا عليه قلنا: اضمن المال وإلا ما الذي يضرك إذا حلفت في باب العمد إذا ادعى شخص على آخر أنه قتل أباه عمداً عدواناً الذي يضرك إذا حلفت في باب العمد إذا ادعى شخص على آخر أنه قتل أباه عمدًا عدوانًا فقال المدعى عليه ما قتلته هل نحلفه؟ لا، لأنه لو قال لا أحلف لم نقتص منه إذ القصاص لا يقصى فيه بالنكول، لأن القصاص أعظم حرمة من المال فلا يقضي فيه بالنكول هكذا المشهور عند العلماء أنه إذا كانت الدعوى في قتل عمد فإن المدعى عليه لا يلزم باليمين وإذا نكل لا يقضى عليه بالنكول وإن كانت في خطأ فإنه يلزم باليمين فإن نكل قضي عليه بالنكول وقال بعض العلماء يحلف في العمد لاحتمال صدق دعوى العلماء يحلف في العمد لاحتمال صدق دعوى المدعي فإن حلف نجا وغن نكل قضي علبه بالدية دون القصاص لأنه إذا نكل لم يثبت أن دمه الآن صار حلالاً فهو محرم الدم لكن المال يثبت خصوصًا إذا قلنا: إن قتل العمد يثبت به أحد أمرين إما القصاص وإما الدية وأنه ليس الواجب القصاص عينًا والدية لا تجب اليمين في القسامة واحدة إذن الراجح يحلف في العمد فغن حلف نجا وإن لم يحلف قضي عليه بالدية لا بالقصاص.
ومن فوائد الحديث: أن اليهود يعظمون الله لكونهم يحلفون به، والحلف تعظيم للمحلوف به ولكن تعظيمهم لله تعظيم لا فائدة منه؛ لأنهم لو عظموا الله لصدقوا رسله ولكنهم مكذبون للرسل.
ومن فوائد الحديث: أن مرجع الصحابة في الأحكام إلى رسول الله ﷺ ، ولهذا جاءوا إليه يخبرونه بالقضية من أجل الحكم فيها.
стр. 2769
ومن فوائد الحديث: اعتبار تقدم السن في الكلام؛ لقول النبي ﷺ : "كبر كبر"، وحينئذٍ نسأل هل هذا على إطلاقه أو نقول هذا إذا تساوى الشخصان في البيان والتعريف، وأما إذا كان الكبير لا يكاد يبين فإنه يقدم الصغير عند الحكومة والخصومة لأنه إذا تكلم الكبير وهو لا يكاد يبين ضاع الحق فيقال يرجع إلى كبر السن عند التساوي أو التقارب في الأوصاف المعتبرة للقضية ولهذا يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإن كان أصغرهم سنًا.
ومن فوائد الحديث: جواز الفتيا في حق الغائب؛ لن النبي ﷺ أفتى هؤلاء في حكم اليهود الذين اتهموا بقتل صاحبهم، وادعى بعضهم أن هذا من باب الحكم على الغائب وليس بصحيح، وهذا نظير ما فعل النبي ﷺ مع عند امرأة أبي سفيان حيث شكت إليه أن أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها، فأذن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها.
ومن فوائد الحديث: أن أهل الذمة إذا اعتدوا على المسلم بقتل فإن عهدهم ينتقض لقوله: "وإما أن يأذنوا بحرب".
ومن فوائده: أن الذمي إذا اعتدى على مسلم ثم أراد أن يضمن موجب عداونه فإنه يبقى على عهده لقول الرسول ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم ... إلخ"، وقيل: بل ينتقض العهد مطلقًا بمجرد العدوان لأن مجرد الاعتداء على المسلم انتهاك لحرمة المسلمين وإهدار للعهد.
ومن فوائد الحديث: جواز المكاتبة في القضاء؛ لأن الرسول ﷺ كتب إلى اليهود في القضية فردوا عليه فكتبوا، فدل هذا على جواز المكاتبة لإثبات الحكم وإثبات القضية، ومن هنا أخذ الفقهاء ما يسمى بكتاب القاضي إلى القاضي.
ومن فوائد الحديث: أنه يبدأ في القسامة بأيمان المدعي لقوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم".
فإن قال قائل: كيف كانت اليمين من جانب المدعي والنبي ﷺ جعلها في جانب المنكر؟
قلنا: إن اليمين لا تكون في جانب المدعى عليه وهو منكر دائمًا وإنما تكون اليمين في جانب أقوى المتداعيين فمن قوي جانبه شرعت اليمين في حقه.
ومن فوائد الحديث: أن القسامة يؤخذ فيها بالقصاص؛ لقوله: "وتستحقون دم صاحبكم" وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، وقال بعض العلماء: إنه لا تنتهك بها الدماء، وأنها إذا تمت تجب الدية تعظيمًا لشأن الدماء، والصحيح أنها إذا تمت واكتملت الشروط فإنه يثبت القصاص إن اختاره أولياء المقتول أو الدية أو العفو.
стр. 2770
ومن فوائد الحديث: الاعتداد بحلف الخصم وإن كان كافراً لقوله سيحلف لكم يهود وهو كذلك فلو ادعى مسلم على كافر بأنه أخذ ماله وأنكر الكافر وحلف فإنه يبرأ.
ومن فوائد الحديث: أنه لو لم يرض المدعون بأيمان المدعى عليهم فإنهم لا يلزمون بذلك وجهه أن النبي ﷺ لم يلزم عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أن يقبلوا أيمان اليهود.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا جرت القضية على مثل ما جاء به الحديث فإنه يجب دفع ديته من بيت المال فوداه النبي ﷺ من عنده ووجه الوجوب ألا يضيع دم مسلم هدرًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الدية الإبل لقوله: "فبعث إليهم مائة ناقة"، والحديث هنا يقول: "مائة ناقة"، وقد سبقت أنها من أربعة أصناف منها ذكور فما الجمع بين هذا وما سبق؟ يقال: في بيان الواجب و"ما" هنا على سبيل التبرع.
ومن فوائد الحديث: جواز تأكيد الخبر لما يصحبه من حادثة لقول سهل: "فلقد ركضتني منها ناقة حمراء"، ومن هنا أخذ المحدثون باب المسلسل وهو حكاية الراوي الحال التي كان عليها حيت التحديث أو أن يذكر كلمة قالها شيخه حين التحدث، هذا ما يتعلق بالفوائد، ولكن هنا مسائل.
مسائل مهمة تتعلق بالقسامة:
المسألة الأولى: الحديث ورد في قتل النفس فهل يلحق بها الجراح، يعني: لو أننا وجدنا رجلاً مقطوعة يده أو رجله عند قبيلة معادية فهل تجري القسامة؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنها تُجرى القسامة لأن ما ثبت في النفس ثبت في الطرف لقوله تعالى: (والجروح قصاص) والعدو ربما لا يقتل عدوه ولكن يقطع يديه ورجليه وموته أهون عنده من قتل يديه ورجليه والصحيح أنها تجرى القسامة في الأطراف والتعليل أن ما جرى في النفس يجري في الطرف وأما قول بعضهم إن القسامة خرجت عن الأصل وما خرج عن الأصل لا يقاس عليه وهذه قاعدة معروفة عند العلماء ولكن يقال هذه لم تخرج عن الأصل لما سبق بيانه لكم قبل هذا الدرس.
المسألة القانية: هل تجري القسامة في الأموال أو لا؟ بمعنى: لو أن شخصًا أوقف سيارته في قرية وأهل القرية أعداء لقبيلة صاحب السيارة، فجاء فوجد سيارته مكسرة فهل تجرى القسامة في هذه الحال أو نقول: هذه كسائر الدعاوي يقال للمدعي ائت بالبينة وإلا فليس لك لا يمين من ادعيت عليه في هذا أيضًا خلاف لكنه أقل من الخلاف الأول فمنهم من قال: إنها تجرى القسامة في الأموال كما تجرى في الدماء؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، ولم يفرق بين المال والدم ولكن الجمهور على خلاف
следующие страницы →