Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
اكتفى بكلام محيصة لشهودة القصة أو لأن المقصود ذكر القضية لا المطالبة وإلا لو كان المقصود المطالبة لكان أحق الناس أن يتكلم عبد الرحمن فتكلم حُويصة يقال حُويصة ويقال حُويِّصة، يعني: بتخفيف الياء وتشديدها والتشديد أشهر فقال رسول الله ﷺ إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب ومعلوم أن هذا ليس بحكم ولكنه فتيّا لأن الرسول لا يحكم على غائب فكتب إليهم في ذلك لينظر ماذا عندهم لأنه حتى الآن لم يُسأل المدعى عليه فكتبوا والله ما قتلناه كما قالوا لمحيصة فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل ... إلخ القائل هو الرسول ﷺ قال لهؤلاء الثلاثة الذين جاءوا يقصون عليه القصة "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، قوله: "أتحلفون" ظاهره أن الخطاب موجه للثلاثة وتوجيهه لعبد الرحمن واضح؛ لأنه وارث الدم لكن المشكل توجيهه لحويصة ومحيصة لأنهما ليس لهما حق في الدم؟ فيقال: إن هذا من باب التغليب ولأنهما لما جاءا يطالبان بالدم صح توجيه الخطاب إليهما، ثم إنه عندما يوجه التحليف فعلا فالذي يحلف هم ورثة عبد الله بن سهل وهو أخوه وإذا كان هناك وارث آخر وبهذا يزول الإشكال هذا ما ذكره العلماء وقروه ويحتمل أن القضية أصبحت ليست قضية عين أو شخصية، قضية بين قبيلة وقبيلة بدليل أن القوم جاءوا مع عبد الرحمن بن سهل وأن الذين اتهموا في القتل قبيلة يهود فيحتمل أنه إذا كانت المسألة هكذا أن يحلف من كبراء القوم من هؤلاء وهؤلاء ما يجب عليهم من الأيمان هذا ما يظهر، لكن عندما نريد أن نحقق حسب القواعد الفقهية نقول إن الذي يحلف هو من يرث الدم وحينئذ يكون الخطاب كما أشرنا إليه أولاً أنه خاطب الجميع، لأنهم جاءوا يطالبون بالدم وعندما يراد التحليف يتوجه الحلف إلى ورثة عبد الله بن سهل قالوا: لا لا نحلف وقد عللوا ذلك في رواية أخرى: أنهم لم يروا ولم يشهدوا، فكيف نحلف فتركوا اليمين لأنهم ليس عندهم شيء يعتمدون عليه، فأقرهم النبي ﷺ فقال يحلف لكم يهود وهنا لم يذكر كم يحلف اليهود لكن في رواية أخرى أنهم يحلفون خمسين يمينًا بأنهم ما قتلوا قالوا ليسوا مسلمين، يعني: وإذا كانوا غير مسلمين فإنهم لا يؤمنون أن يحلفوا وهم كاذبون، "فوداهم النبي ﷺ من عنده"، وداه يعني: أدى ديته؛ أي: دية القتيل، وذلك لأنه لم يثبت القتل على أحد؛ لأن المدعيين أبوا أن يلفوا وأبوا أن يرضوا بأيمان المدعى عليهم، فلم يرد النبي ﷺ أن يهدر دمه فوداه من عنده فبعث إليهم مائة ناقة ... إلخ.
بقي أن يقال متى كان هذا؟ الذهاب إلى خيبر؟ نقول: كان بعد فتحها ذهبوا إليها وهي يومئذ صلح لكن هل هو في أول سنة هذا لا يهم المهم أن القضية وقعت بعد أن فتحت خيبر.
стр. 2767
١١٤٦ - وعن رجلٍ من الأنصار ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناسٍ من الأنصار في قتيلٍ ادَّعوه على اليهود". رواه مسلم.
قوله: "أقر القسامة"، أولاً: الرجل من الأنصار مجهول، لكن لا يضر جهالته؛ لأنه صحابي؛ والصحابي لا تضر جهالته لأن الصحابة كلهم عدول، وقوله: أقرها، يعني: حكم بها، وقوله: "على ما كانت عليه في الجاهلية ننظر كيف كانت القسامة في عهد الرسول وتكون القسامة في الجاهلية كما كانت عليه في عهد الرسول، وهي أن يوجد قتيل عند قبيلة أعداء، لكون هذا القتيل تتهم به هذه القبيلة فتشرع القسامة، وقوله: "وقضى بها ... إلخ" هل هي قصة عبد الله بن سهل أو غيره؟ هي هي، هذا هو الظاهر.
وعلى كل حال يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: الحكم بالقسامة وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء وأنكرها بعض العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ووجه إنكارهم إياها أنها خارج عن قواعد الدعاوي، وقد أشرنا قبل هذا الدرس إلى الوجوه التي خرجت بها عن قاعدة الدعاوي وأجبنا عن ذلك بما فيه الكفاية وسبق وأما الجمهور فحكموا بها ولكن أما على وفق ما جاء به النص فمتفق عليه بين الاثنين، يعني: في دعوى قتل قتيل قُتل عند قبيلة معادية هذا لا أحد من الجمهور يخالفه، لكن فيه بعض مسائل سيأتي التنبيه عليها.
ومن فوائد الحديث: أننا لا نأمن من اليهود، يعني: معناه أن اليهود ليسوا أمناء ودليل ذلك أن ظاهر الحال أنهم هم الذين قتلوا عبد الله بن سهل ولا غرابة أن يغدروا، فهم عاهدوا الرسول، القبائل الثلاثة بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة كلهم عاهدوا الرسول حين جاء المدينة وكلهم نقضوا العهد، وهم من أغدر الناس، وأكذب الناس، وهم الطائفة التي وصفها ابن القيم ي كتابه: "إغاثة اللهفان" بالأمة الغضبية؛ يعني: المغضوب عليهم.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا قُتل شخص ولم يُعلم عن قاتله وليس هناك عداوة توجب التهمة فإنه لا قسامة، وجه ذلك: أن العداوة بين الأنصار واليهود ظاهرة فمن أجلها أُجريت القسامة، أما إذا لم يكن عداوة فإننا لا نقبل من المدعي دعوة القتل إلا ببينة أو اعتراف من المدعى عليه وهل يحلف، يعني: في غير موضع القسامة هل يحلف المدعى عليه أو لا، يعني: رجل ادعى أن قاتل أبيه فلان بدون عداوة وبدون لوث فهل يُحلَّف المدعى عليه؟ قال العلماء: إن كانت الدعوى في القتل الخطأ فإنه يحلف المدعى عليه وإن كانت في قتل عمد
стр. 2768
فإنه لا يُحلَّف، يعني: إذا قال فلان هذا الرجل دعس والدي خطأ فأنكر صاحب السيارة قال ما فعلت فهنا يُحلف صاحب السيارة وأما إذا قال إنه قتل والدي عمدً برصاص أو بالسيف وأنكر المدعى عليه القتل فإنه لا يحلف ويُخلى سبيله ولا يتعرض له والأول يؤتى به ويُحلف فإن حلف وإلا قضى عليه بالنكول، قد يقول قائل: إن ادعاء العمد أولى بالتحليف من ادعاء الخطأ لكن العلماء قالوا: مدعي العمد يريد القصاص والقصاص لا يقضى عليه بالنكول ومدعي الخطأ يريد المال والمال يقضى على المدعى عليه بالنكول، والنكول هو الامتناع عن اليمين نكمل المثال ادعى شخص على آخر بأنه دعس والده فأنكر صاحب السيارة وقال: ما فعلت قطُّ. نقول: احلف، قل: والله ما دعسته، فإذا حلف خلينا سبيله؛ لأنه لو ثبت ذلك كان الواجب الدية وهي مال كما لو ادعيت على شخص فقلت: هذا الرجل أتلف مالي فأنكر فهل يُحلف أو لا يحلف؟ يُحلف فإن نكل وقال لا أحلف قلنا: يُقضى عليك بالنكول تضمن المال، قالوا دعوى قتل الخطأ توجب المال فيحلف المدعى عليه أنه ما قتل فإن لم يفعل ونكل ضمناه الدية كما لو قال شخص لآخر هذا الرجل أتلف مالي فأنكر نقول له احلف إن أبى أن يحلف وهذا هو النكول قضينا عليه قلنا: اضمن المال وإلا ما الذي يضرك إذا حلفت في باب العمد إذا ادعى شخص على آخر أنه قتل أباه عمداً عدواناً الذي يضرك إذا حلفت في باب العمد إذا ادعى شخص على آخر أنه قتل أباه عمدًا عدوانًا فقال المدعى عليه ما قتلته هل نحلفه؟ لا، لأنه لو قال لا أحلف لم نقتص منه إذ القصاص لا يقصى فيه بالنكول، لأن القصاص أعظم حرمة من المال فلا يقضي فيه بالنكول هكذا المشهور عند العلماء أنه إذا كانت الدعوى في قتل عمد فإن المدعى عليه لا يلزم باليمين وإذا نكل لا يقضى عليه بالنكول وإن كانت في خطأ فإنه يلزم باليمين فإن نكل قضي عليه بالنكول وقال بعض العلماء يحلف في العمد لاحتمال صدق دعوى العلماء يحلف في العمد لاحتمال صدق دعوى المدعي فإن حلف نجا وغن نكل قضي علبه بالدية دون القصاص لأنه إذا نكل لم يثبت أن دمه الآن صار حلالاً فهو محرم الدم لكن المال يثبت خصوصًا إذا قلنا: إن قتل العمد يثبت به أحد أمرين إما القصاص وإما الدية وأنه ليس الواجب القصاص عينًا والدية لا تجب اليمين في القسامة واحدة إذن الراجح يحلف في العمد فغن حلف نجا وإن لم يحلف قضي عليه بالدية لا بالقصاص.
ومن فوائد الحديث: أن اليهود يعظمون الله لكونهم يحلفون به، والحلف تعظيم للمحلوف به ولكن تعظيمهم لله تعظيم لا فائدة منه؛ لأنهم لو عظموا الله لصدقوا رسله ولكنهم مكذبون للرسل.
ومن فوائد الحديث: أن مرجع الصحابة في الأحكام إلى رسول الله ﷺ ، ولهذا جاءوا إليه يخبرونه بالقضية من أجل الحكم فيها.
стр. 2769
ومن فوائد الحديث: اعتبار تقدم السن في الكلام؛ لقول النبي ﷺ : "كبر كبر"، وحينئذٍ نسأل هل هذا على إطلاقه أو نقول هذا إذا تساوى الشخصان في البيان والتعريف، وأما إذا كان الكبير لا يكاد يبين فإنه يقدم الصغير عند الحكومة والخصومة لأنه إذا تكلم الكبير وهو لا يكاد يبين ضاع الحق فيقال يرجع إلى كبر السن عند التساوي أو التقارب في الأوصاف المعتبرة للقضية ولهذا يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإن كان أصغرهم سنًا.
ومن فوائد الحديث: جواز الفتيا في حق الغائب؛ لن النبي ﷺ أفتى هؤلاء في حكم اليهود الذين اتهموا بقتل صاحبهم، وادعى بعضهم أن هذا من باب الحكم على الغائب وليس بصحيح، وهذا نظير ما فعل النبي ﷺ مع عند امرأة أبي سفيان حيث شكت إليه أن أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها، فأذن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها.
ومن فوائد الحديث: أن أهل الذمة إذا اعتدوا على المسلم بقتل فإن عهدهم ينتقض لقوله: "وإما أن يأذنوا بحرب".
ومن فوائده: أن الذمي إذا اعتدى على مسلم ثم أراد أن يضمن موجب عداونه فإنه يبقى على عهده لقول الرسول ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم ... إلخ"، وقيل: بل ينتقض العهد مطلقًا بمجرد العدوان لأن مجرد الاعتداء على المسلم انتهاك لحرمة المسلمين وإهدار للعهد.
ومن فوائد الحديث: جواز المكاتبة في القضاء؛ لأن الرسول ﷺ كتب إلى اليهود في القضية فردوا عليه فكتبوا، فدل هذا على جواز المكاتبة لإثبات الحكم وإثبات القضية، ومن هنا أخذ الفقهاء ما يسمى بكتاب القاضي إلى القاضي.
ومن فوائد الحديث: أنه يبدأ في القسامة بأيمان المدعي لقوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم".
فإن قال قائل: كيف كانت اليمين من جانب المدعي والنبي ﷺ جعلها في جانب المنكر؟
قلنا: إن اليمين لا تكون في جانب المدعى عليه وهو منكر دائمًا وإنما تكون اليمين في جانب أقوى المتداعيين فمن قوي جانبه شرعت اليمين في حقه.
ومن فوائد الحديث: أن القسامة يؤخذ فيها بالقصاص؛ لقوله: "وتستحقون دم صاحبكم" وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، وقال بعض العلماء: إنه لا تنتهك بها الدماء، وأنها إذا تمت تجب الدية تعظيمًا لشأن الدماء، والصحيح أنها إذا تمت واكتملت الشروط فإنه يثبت القصاص إن اختاره أولياء المقتول أو الدية أو العفو.
стр. 2770
ومن فوائد الحديث: الاعتداد بحلف الخصم وإن كان كافراً لقوله سيحلف لكم يهود وهو كذلك فلو ادعى مسلم على كافر بأنه أخذ ماله وأنكر الكافر وحلف فإنه يبرأ.
ومن فوائد الحديث: أنه لو لم يرض المدعون بأيمان المدعى عليهم فإنهم لا يلزمون بذلك وجهه أن النبي ﷺ لم يلزم عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أن يقبلوا أيمان اليهود.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا جرت القضية على مثل ما جاء به الحديث فإنه يجب دفع ديته من بيت المال فوداه النبي ﷺ من عنده ووجه الوجوب ألا يضيع دم مسلم هدرًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأصل في الدية الإبل لقوله: "فبعث إليهم مائة ناقة"، والحديث هنا يقول: "مائة ناقة"، وقد سبقت أنها من أربعة أصناف منها ذكور فما الجمع بين هذا وما سبق؟ يقال: في بيان الواجب و"ما" هنا على سبيل التبرع.
ومن فوائد الحديث: جواز تأكيد الخبر لما يصحبه من حادثة لقول سهل: "فلقد ركضتني منها ناقة حمراء"، ومن هنا أخذ المحدثون باب المسلسل وهو حكاية الراوي الحال التي كان عليها حيت التحديث أو أن يذكر كلمة قالها شيخه حين التحدث، هذا ما يتعلق بالفوائد، ولكن هنا مسائل.
مسائل مهمة تتعلق بالقسامة:
المسألة الأولى: الحديث ورد في قتل النفس فهل يلحق بها الجراح، يعني: لو أننا وجدنا رجلاً مقطوعة يده أو رجله عند قبيلة معادية فهل تجري القسامة؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنها تُجرى القسامة لأن ما ثبت في النفس ثبت في الطرف لقوله تعالى: (والجروح قصاص) والعدو ربما لا يقتل عدوه ولكن يقطع يديه ورجليه وموته أهون عنده من قتل يديه ورجليه والصحيح أنها تجرى القسامة في الأطراف والتعليل أن ما جرى في النفس يجري في الطرف وأما قول بعضهم إن القسامة خرجت عن الأصل وما خرج عن الأصل لا يقاس عليه وهذه قاعدة معروفة عند العلماء ولكن يقال هذه لم تخرج عن الأصل لما سبق بيانه لكم قبل هذا الدرس.
المسألة القانية: هل تجري القسامة في الأموال أو لا؟ بمعنى: لو أن شخصًا أوقف سيارته في قرية وأهل القرية أعداء لقبيلة صاحب السيارة، فجاء فوجد سيارته مكسرة فهل تجرى القسامة في هذه الحال أو نقول: هذه كسائر الدعاوي يقال للمدعي ائت بالبينة وإلا فليس لك لا يمين من ادعيت عليه في هذا أيضًا خلاف لكنه أقل من الخلاف الأول فمنهم من قال: إنها تجرى القسامة في الأموال كما تجرى في الدماء؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، ولم يفرق بين المال والدم ولكن الجمهور على خلاف
стр. 2771
ذلك أنها لا تُجرى في الأموال قالوا وإنما أُجريت في الدماء حقنًا للدماء وحماية لها ولئلا يجترئ مجترئ على القتل ويذهب دم المقتول هدرًا إذا لم يكن بينة والراجح والله أعلم أنها لا تجرى في الأموال أن يقال من ادعى إتلاف ماله عند أعداءً له أقم البينة وإلا فلا لكن في هذه الحال يجب على القاضي أن يتحرى؛ لأن صدق المدعي قريب فيجب عليه أن يتحرى أكثر مما وقع هذا الإتلاف من غير عدو.
المسألة الثالثة: إذا أجرينا القسامة سواء في النفس أو في المال أو في الطرف فهل تكرر فيما الأيمان أو لا؟ نقول تكرر فيها الأيمان وذلك لأجل أن يقوى جانب المدعي فإن الأصل أن المدعي يلزمه البينة فإذا أخذنا بيمينه قلنا: تكرر اليمين من أجل أن يقوى جانبك كما أنها إذا كانت في الدماء من أجل تعظيم الدماء.
المسألة الرابعة: إذا كان الورثة -ورثة القتيل- كلهم نساء فهل تجرى القسامة؟
يقول العلماء: لا تُجرى؛ لأم الرسول ﷺ يقول: "يحلفون خمسين يمينًا"، وفي بعض الألفاظ: "يحلف خمسين يمينًا رجلُ منكم" والنساء ليس لهن أيمان في القسامة لكن يوجد قول لبعض العلماء: أن النساء يحلفن، لا سيما إذا لم يوجد رجال فإن لهن الحلف.
المسألة الخامسة: هل يشترط تعيين المدعى عليه، أو يجوز أن يدعي على جماعة؟ الجمهور على أنها لابد أن تكون على واحد بعينه، أو يجوز أن يدعي على جماعة؟ الجمهور على أنها لابد أن تكون على واحد بعينه؛ لقوله في بعض ألفاظ الحديث: "يحلف خمسون رجلاً منكم على رجل منهم"، ولأن القتيل واحد فلا نقتل به أكثر إلا ببينة، ومجرد دعوى المدعين نقول: نعم لكم الحق بأن تقتلوا بدعواكم واحدًا، أما أن تدعوا على جماعة فإننا لا نقبل هذا ولا قسامة؛ إما أن تأتوا ببينة أو يقر هؤلاء وإلا فلا حق لكم، وهذا أقرب إلى الصواب، وقيل: إنه يجوز أن يدعي أهل القتيل على جماعة لكن يعينونه، وقيل: يجوز أن يدَّعوا على القبيلة كلها ويختارون منهم خمسين رجلاً يحلفون إذا أنكرت القبيلة.
وهذه المسائل سبب الخلاف فيها: أن القضية وقعت مرة واحدة في عهد الرسول ﷺ واختلف فيها الروايات ثم اختلفت فيها أوجه النظر بين العلماء؛ هل المسألة خارجة عن القياس فلا يقاس عليها أو موافقة للقياس فيقاس عليها، وهل يقاس الجزء على الكل، وهل يقال المال على الدم وهلم جرًّا.
المسألة السادسة: هل نقول: كل ما يغلب على الظن يُجرى مجرى العداوة، مثل: أن يكون رجل قد تهدد رجلاً بالقتل، أو مثل ما يكون بين السيد وعبده من المنازعات والمخاصمات، وتعرفون أن العبيد في الغالب سريعو الغضب ربما يغضب على سيده ثم يكون قويًّا فيأخذه ويطرحه على الأرض، ولهذا يقولون: احذر العبد إذا صاج، والفحل إذا
стр. 2772
هاج الفحل، يعني: فحل الإبل إذا رددته عن الناقة فيا ويلك عن قريب أو بعيد، حتى إنه حكى لنا بعض الناس أن رجلاً كان في جمع من الإبل وإذا بجمل ينظر إلى هذا الرجل ويكرر النظر، ثم أقبل إليه في غضب شديد وضربه برقبته حتى سقط على الأرض ثم برك عليه، ولولا أن الله أتى بالناس ضربوا الجمل حتى أوجعوه لأهلكه، فقالوا له: ما الذي حمله على هذا؟ قال: إني قد رددته منذ كم سنة عن ناقة أراد أن ينزو عليها فهو عنده حقد عظيم، فالذي يكون بين العبد وسيده قد يغلب على الظن على الظن صدق المدعي فإنه تُجرى فيه القسامة.
المسألة السابعة: إذا قام شخص وقال: أنا الذي قتلت القتيل فهل يرتفع الحكم عن المدعى عليه، والذي ثبت أنه القاتل بأيمان المدعين؟ الجواب: نعم، يرتفع الحكم بالنسبة للأول، وقيل: لا يرتفع إلا برضا المدعين؛ لأن المدعين ثبت حقهم بأيمانهم أن هذا هو الذي قتل صاحبهم فلا يرتفع هذا الحق إلا برضاهم، ولكن الصحيح: أنه يقبل إقرار هذا الذي قال: إنه القاتل؛ لن حكمنا بأن المدعى عليهم قاتلون لعدم البينة، أما إذا وجدت البينة وقال: أنا القاتل فإنه يتعلق الحكم بهذا المقر وهذا لا إشكال فيه، فيما إذا كان ذلك قبل تنفيذ القتل، لكن الإشكال إذا كان بعد تنفيذ القتل فهل نقتل هذا الذي اقر أن يدفع الدية لأولياء المقتول المدعى عليه لأنه هو القاتل ويرتفع القتل عنه بإقراره وأما أولياء المقتول الأول فقد أخذوا حقهم بقتل المدعى عليه ولا يمكن أن نقتل هذا المقر لأننا قلنا: لا يمكن أن نقتل نفسين بنفس واحدة ولا يمكن أن نقتله بالقتيل المدعى عليه لأنه هو لم يكن سببًا في قتله ليس شاهدًا ولا مساعدًا وليس هناك شيء يوجب أن يُقتل به.
* * * *
٣ - باب قتال أهل البغي
تعريف البغي، وبيان أهل البغي بالتفصيل:
"البغي" هو: التجاوز والعدوان، وأهل البغي عرفهم الفقهاء بأنهم: قوم لهم شوكة ومنعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ؛ ومعناه: أنهم أقوياء بالسلاح وبالكثرة، يخرجون على الإمام لا على غيره، بتأويل سائغ لا بدون تأويل، ولا بتأويل غير سائغ، قالوا: فإن اختل شرط واحد من ذلك فإنهم يسمون خوارج، فإذا لم يكن لهم شوكة ومنعة فهم خوارج، وإذا خرجوا على
стр. 2773
جزء من البلاد فهم خوارج، وإذا خرجوا بغير تأويل فهم خوارج، وإذا خرجوا بتأويل غير سائغ فهم خوارج، والخوارج لا يعاملون معاملة أهل البغي ولكن يعاملون بمعاملة أخرى ربما يأتي في الحديث ما يدل عليها، فما موقف الإمام من هذه الفئة الباغية هل يستسلم أو يقاتلهم؟
نقول: يجب أم يقاتلهم ويجب على الرعية أن يساعدوه في ذلك، ولكنه قبل القتال يراسلهم ويسألهم ماذا ينقمون منه إن ادعوا مظلمة وجب عليه إزالتها رفعًا للظلم ودفعًا للفتنة وإن ادعوا مظلمة وجب عليه إزالتها رفعًا للظلم ودفعًا للفتنة وإن ادعوا مشكلة كشفها لهم وبينها لهم فإن أصروا على القتال فإنهم بُغاة يجب على الإمام أن يقاتلهم ويجب على الرعية أن يساعدوه بالنفس والمال لقول الله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي) [الحجرات: ٩]، أمر بقتالها (حتى تقئ إلى أمر الله) وأما التخلي عن الإمام في مثل هذه المواقف فإنه لا يجوز إذ لا فائدة من البيعة ولا فائدة من الرعاية إذا كان الإمام سيُخلى في مثل هذه الأمور العظيمة إذن عندنا تعريف البغاة وماذا يجب على الإمام نحوهم وماذا يجب على الرعية نحو الإمام.
قتال من حمل السلاح على المسلمين:
١١٤٧ - عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "من حمل علينا السِّلاح؛ فليس منَّا". متفق عليه.
"من حمل علينا السلاح" ليقتلنا به "فليس منا، وهذا تبرؤ ممن حمل السلاح، ولكن هل هذا التبرؤ تبرؤ مطلق بحيث يكون حالم السلاح كافرًا أو تبرؤ دون تبرؤ كقوله "من غش فليس منا" الجواب: في ذلك تفصيل إن كان هذا الخارج مستحلاً لقتال المؤمنين فإنه كافر كفرًا مخرجًا عن الملة وإن كان باغيًا وليس مستحلاً لقتال المسلمين لكن متأول، فهذا ليس كافرًا، لكنه بلا شك خارج عن المسلمين من حيث الموالاة والمدافعة والمناصرة لأن الواجب للمسلم على أخيه الموالاة والمدافعة ومناصرة والمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا في هذا الحديث أن حمل السلاح على المسلمين من كبائر الذنوب.
ومن فوائده: أنه بعمومه يشمل من حمل السلاح على المسلمين فإنه يدخل في قوله من حمل علينا السلاح فليس منا.
ومن فوائد الحديث: تحريم قتال المسلمين بعضهم بعضًا وذلك لتبرؤ النبي ﷺ ممن حمل السلاح علينا ويدل لهذا قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، فقوله: "يضرب تفسير لقوله: "كفارًا"، ويدللذلك أنه ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق
стр. 2774
وقتاله كفر" فمن الكفر أن يحمل الإنسان السلاح على إخوانه وأن يقاتلهم والقتل أعظم من المقاتلة لأن القتل إثمه أعظم من المقاتلة لأن القتل إثمه أعزم (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا) [النساء: ٩٣).
عقوبة مفارقة الجماعة:
١١٤٨ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: "من خرج عن الطَّاعة، وفارق الجماعة، ومات؛ فميتته ميتةٌ جاهليَّةٌ"، أخرجه مسلمٌ.
قوله: "من خرج عن الطاعة"، أى: طاعة ولي الأمر، "وفارق الجماعة"، أي: جماعة المسلمين؛ لأن جماعة المسلمين ملتفة حول ولاة أمورها تطيع ولاة الأمور في غير المعصية، فإذا شد إنسان منهم ومات؛ فإن ميتته جاهلية -والعياذ بالله- يعني: كأنه مات قبل البعثة، أو المعنى أنه مات على الجهل العظيم والسفه البالغ حيث خرج عن الجماعة وفارق الجماعة وقوله: "من خرج عن الطاعة" هذا ليس على عمومه، بل هو مقيد بما إذا لم يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية وجب عليه المخالفة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن أُجبر على المعصية وقيل له: افعل وإلا قتلناك أو حبسناك أو أخذنا مالك أو حبسنا أهلك، فإنه له أن يخرج من هذا الإكراه بالفعل غير مطمئن به لقوله تعالى: (من كفر الله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالأيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله) [النحل: ١٠٦].
إلا أنه يشترط ألا يكون ذلك قائمًا مقام الجهاد، فإن كان ذلك قائمًا مقام الجهاد فإنه لا يحل له أن يستسلم للإكراه؛ لأنه في هذا الحال يكون مجاهدًا، والجهاد فرض على الإنسان مثل مقام الإمام أحمد ﵀ حين أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق ولو بالتأويل مع أن كثيرًا من العلماء أيام المحنة قالوا: إنه مخلوق، لكن بتأويل فإذا كان هذا الرجل إذا استسلم لما أمره عليه لزم من استسلامه إضلال الأمة، فغنه في هذه الحال لا يجوز أن يستسلم، لأنه ليس يريد إنجاء نفسه فقط هو إذا أنجى نفسه من الهلاك أهلك الأمة بالضلال فإذا كان انقياده واستسلامه لهذا الإكراه يستلزم إضلال الخلق وجب عليه الصبر وسيجعل الله له بذلك مخرجًا كما جعل للإمام أحمد وغيره.
فمن فوائد الحديث: تحريم الخروج عن الطاعة وهذا مقيد بما ذكرنا لكم، تحريم مفارقة الجماعة أي جماعة المسلمين حتى وإن كنت ترى أنك على حق فأتهم رأيك مادمت تخالف جماعة المسلمين لأنه لا شك أن الرأي المجمع عليه أقرب للصواب من الرأي الذي انفرد به واحد أو اثنان أو ثلاثة فيجب الاتحاد مع الجماعة وعدم مفارقتهم.
стр. 2775
ومن فوائد الحديث: أن من مات على حال الاستكبار عن طاعة ولي الأمر وعلى حال مفارقة الجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية لأن أهل الجاهلية ليس لهم إمام وليس لهم دين ينطون تحته فهو يموت ميتة جاهلية، والخوارج هل هم كفار مرتدون يعاملون معاملة الكافر فإذا مثلاً اسطلي عليهم سُبيت نساؤهم وقتل المقاتل منهم أو هم بغاة فسقة؟ هذه المسألة فيها خلاف طويل عريض بين العلماء أولاً لابد أن نعرف من همن الخوارج؟
الخوارج هم الذين خرجوا على الإمام يعتقدون كفره ليس بتأويل سائغ، يقولون: إنه كافر يخرجون عليه يقاتلونه مقاتلة الكفار والإمام لابد أن يقاتلهم فهل هم كفار يعاملون معاملة الكافرين وذلك لأنهم استحلوا دماء المسلمين المحرمة بالنص والإجماع وإنهم بغاة فسقة يعاملون معاملة البغاة فإذا قال قائل: ما الفرق بين عاملة البغاة والخوارج؟ قلنا: الفرق ظاهر البغاة يُقاتلون حتى يفيئوا إلى أمر الله لقوله تعالى: (فقاتلوا التي تبغى حتَّى تفئ إلى أمر الله) فإذا فاءوا إلى أمر الله تُركوا والخوارج يقاتلون مقاتلة الحربيين، يعني: يُقتل من يُقاتل منهم ويلحق من يفر ويجهز على الجريح وتسبى ذريتهم وتغم أموالهم كالحربيين تمامًا، والمسألة فيها خلاف فالمشهور من مذهب أحمد ﵀ أن الخوارج بغاة فسقة وليسوا كفارًا فيعاملون معاملة البغاة إذا انكفوا كففنا عنهم ولا نجهز على الجريح ولا نغم الأموال ولا نسبي الذرية لأنهم فساق والفاسق يُقاتل على وجه الضرورة حتى يندفع شره وضرره.
القول الثاني يقول: إن الخوارج كفار مارقون عن الإسلام، يقاتلون مقاتلة الحربيين من أهل الكفر، وبناء على هذا القول يكون كأن الذي أمامنا مشركون أو يهود أو نصارى إذا قدرنا عليهم قتلناهم، وإذا أدبروا اتبعناهم وإذا جُرحوا أثخنا عليهم ونغم أموالهم ونُسبي نساءهم وذريتهم هذا إذا قلنا: إنهم كفار وقد اختار صاحب الإنصاف، والتنقيح أنهم كفار وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، أنهم كفار مرتدون لاستحلالهم دماء المسلمين وعلى هذا فيعاملون معاملة الكفار المرتدين قال صاحب الإنصاف هذا هو الصواب الذي ندين الله به واستدل بقول النبي ﷺ : "إنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وحثه ﷺ على قتالهم وهذا يدل على كفرهم لكن الذين قالوا بأنهم فسقة يعاملون معاملة البغاة قالوا إنهم يمرقون من الإسلام لكن عندهم شبهة فلا نخرجهم من الدين إلا بيقين وعلى هذا القول
стр. 2776
يعاملون معاملة البغاة ولا يعاملون معاملة المرتدين، في الحديث: "من حمل علينا السلاح فليس منا" هل يدل على تحريم الخروج على الإمام؟ نعم ووجه الدلالة أن رسول الله تبرأ منه فقال ليس منا.
١١٤٩ - وعن أمِّ سلمة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "تقتل عمارًا الفئة الباغية" رواه مسلمٌ.
المراد به: عمار بن ياسر رضى الله عنه "الفئة"، الطائفة "الباغية" الخارجة على الإمام، فهذا الحديث فيه إخبار النبي ﷺ عن أمر غيبي مستقبل وهو علم من أعلام نبوته؛ لأن إخبار النبي ﷺ عما يستقبل يدل على أنه أوحي إليه به؛ لأننا لو نظرنا إلى ذات الرسول ﷺ لعلمنا علم اليقين أنه لا يعلم الغيب؛ لقول الله تعالى: (قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب)، ولقوله: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلَّا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ... )، فهو لا يعلم الغيب فإذا أخبر عن شيء مستقبل كان هذا علمًا من أعلام نبوته لأن من أين جاءه هذا إلا عن طريق الوحي، عمار بن ياسر رضى الله عنه كان مع جيش علي بن أبي طالب حين قاتل معاوية رضى الله عنه فقتل على أيدي جيش معاوية، وبهذا الحديث النبوي نعرف أن جيش معاوية هو الفئة الباغية وأن جيش علي بن أبي طالب هو فئة أهل العدل، لأن العلماء يقولون الباغية ضدها العادلة، فالإمام ومن معه هم أهم أهل العدل ومن يقاتلهم هم أهل البغي، فعمار بن ياسر رضى الله عنه قتله جيش معاوية فيستحقون هذا الوصف وأن ما ذكر أن بعضهم تأول الحديث وقال: إن الذي قتله علي بن أبي طالب لأنه هو الذي أخرجه فكان سببًا في إخراجه فإن هذا قد رد عليه برد مفحم فقيل إذن رسول الله ﷺ هو الذي قتل حمزة؛ لأن حمزة بن عبد المطلب مع جيش الرسول ﷺ وقتله المشركون وهذا إلزام واضح، لكن يبقى النظر كيف كان جيش معاوية الفئة الباغية؟ كان كذلك، لأنه لا شك أن علي بن أبي طالب أحق بالخلافة من معاوية، لكن معاوية رضى الله عنه تأول، وقد قال كثير من العلماء: إن سبب القتال الذي جرى بين جيشه وجيش علي بن أبي طالب سببه من الجيش نفسه فقد كان بين الجيشين نعرة وحمية جاهلية فاشتبك الناس بدون أن يكون هناك رضا وتأن فحصل ما حصل من الشر.
وعلى كل خال: فأصل خروج معاوية نحن نعتقد أن هـ بتأويل لكنه بتأويل خاطئ غير صحيح وعلي رضى الله عنه أقرب إلى الصواب من معاوية؛ لأنه هو الخليفة، بعد عثمان بلا شك، فمن ثم صارت فئته هي العادلة وفئة معاوية هي الباغية، فما موقفنا نحن من هذا الصراع الذي حصل بين علي ومعاوية؟ موقفنا أن نقول كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: هذه دماء طهر
стр. 2777
الله أسيافنا منها فيجب أن نطهر ألسنتنا منها ﵀ هذا كلام جيد، نقول: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا الكلام فيهم الآن في أعيانهم وأشخاصهم لا يفيد ردوا إلى الله مولاهم الحق والله تعالى يفضل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، أما نحن فعندنا قواعد شرعية الإمام الذي بويع له بالإمامة هو صاحب الحق في أي زمن كان ومن خرج عليه فهو الباغي في أي زمان ومكان أما نجعل بيننا عداوة من أجل أن معاوية خرج على علي بن أبي طالب وأن علي قاتله وما أشبه ذلك فإن هذا من الخطأ ولا يمكن أن يسلكه ناصح للأمة الإسلامية أبدًا، بل لا يسلكه إلا من أراد أن يشق عصا المسلمين ويوقع الفتنة، وإلا فنحن نقول ما علينا من هؤلاء فإنهم إن كانوا مصيبين فلهم أجران وإن كانوا مخطئين فلهم أجر واحد، ونحن نحسن الظن بصحابة رسول الله ﷺ ، ونرى أن معاوية أحد كتاب الوحي ائتمنه الرسول ﷺ على كتاب وعلى وحي الله، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فنحن لا يهمنا ما حصل الذي يهمنا القاعدة الشرعية وهي أن من بويع له بالإمامة فهو الإمام، ومن خرج عليه فهو الباغي، وبهذا نسلم ونقول: نصلح أنفسنا اليوم، وأما ما مضى فأمره موكل إلى الله .
في هذا الحديث من الفوائد أولاً: علم من أعلام نبوة محمد ﷺ ، وهو إخباره بالغيب.
ومن فوائد الحديث: بيان أن الفئة التي كان فيها عمار هي الفئة العادلة وهي فئة علي ابن أبي طالب.
ومن فوائده: الإشارة إلى أن الفئة الأخرى هي الفئة الباغية لأنها خرجت على الخليفة.
ضوابط معاملة البغاة:
١١٥٠ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدري يا ابن أمِّ عبدٍ، كيف حُكم الله فيمن بغى من هذه الأمَّة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يُطلب هاربها، ولا يُقسم فيئها". رواه البزَّار والحاكم وصحَّحه فوهم؛ لأن في إسناده كوثر بن حكيم، وهو متروكٌ.
-وصحَّ عن عليٍّ من طرقٍ نحوه موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم.
هذا الحديث فيه إشكال الحديث الآن من مسند ابن عمر والخطاب من رسول الله ﷺ يقتضي أنه يخاطب عبد الله بن مسعود؛ لأنه هو المشهور بهذه الكنية فما هو المخرج؟ نقول لعله أي ابن عمر يكنى بهذه الكنية ولكن لم يشتهر بها، وهذا ضعيف، أو نقول: لعل ابن عمر رواه عن ابن مسعود وحذف الةاسطة بينه وبين الرسول ﷺ ، وكان الرسول ﷺ يخاطب في
стр. 2778
الأول ابن مسعود، الأمر الثالث: وهو خير من ذلك كله أن الحديث متروك، وحينئذٍ نستريح، لكن على تقدير صحته وهي بعيدة يكون في الاحتمالان السابقان قال: "كيف حكم الله ... إلخ".
قوله: "فيمن بغى" ذكر الله تعالى البغي في القرآن طائفتين مقتتلتين تحت راية إسلامية لقوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التَّي تبغى).
والغالب أنه إذا خوطب بالجمع في مثل هذا أنه يخاطب به أهل الحل والعقد، لكن قد تكون الباغية مع نفس الإمام أو الخليفة الشرعي تبغي عليه فأيَّا كان الباغي فله الحكم الآتي قال: "الله ورسوله أعلم"، "أعلم" هنا مفرد وهو خبر عن اثنين "الله ورسوله أعلم"، وذلك لأن اسم التفضيل يُلتزم فيه الإفراد والتذكير إذا كان على تقدير من، أما إذا لم يكن على تقدير من فإنه يكون مطابقًا للموصوف فيقول زيد وعمرو الأفضلان ولا تقول زيد وعمرو أفضلان وليس على تقدير من أما إذا كان على تقدير أفضل من كذا أو أعلم من كذا فإنه يلتزم فيه الإفراد والتذكير، وهكذا ينبغي للإنسان إذا سُئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: الله ورسوله أعلم في الأمور الشرعية يقول الآن وقبل الآن، أما في الأمور الكنية فيقول: الله أعلم فقط، والفرق أن الأمور الكونية علمها علم غيب محض والرسول ﷺ ليس عنده من علم الغيب إلا ما أعلمه الله، أما الأمور الشرعية فعلمها علم شرعي والرسول ﷺ اعلم الناس بالشرع، حتى وإن كان ميتًا فهو أعلم الناس فيجوز أن أقول الآن في حكم شرعي: الله ورسوله أعلم، أما لو قيل لي: هل يقدم فلانًا غدًا فأقول: الله أعلم فقط، قال: يعني: في حكم الله، "لا يجهز على جريحهم"؛ يعني: ان الجريح من البغاة لا يقتل يترك، ولكن هل يُداوى؟ نعم؛ يداوى؛ لأنه له حُرمة، ولذلك لم نجهز عليه بخلاف ما لو جُرح كافر من الحربيين، فإننا نجهز عليه نقتله.
قال: "ولا يقتل أسيرهم" الأسير من الفئة الباغية لا يقتل "والأسير" فعيل بمعنى: مفعول؛ أي: المأسور الذي أسرناه حيًّا فإنه لا يقتل؛ لأنه مسلم حرمته باقية، وإنما جاز قتلا الفئة الباغية لدفع شرها فقط.
أحكام مهمة:
وأما أسير الكفار المحاربين فإنه إن كان من النساء أو الذرية فهو رقيق بمجرد السبي يكون مملوكًا، وإن كان من المقاتلين خُير فيه الإمام بين أمور أربعة: القتل، والفداء بنفس، أو مال، أو المنّ مجانًا، والرابع الاسترقاق، على خلاف في الرابع فإذا أسرنا من المحاربين الكفار فلنا الخيار إما أن نقتله صبرًا فورًا، وإما أن نمن عليه بدون شيء نقول: اذهب فأنت طليق، وإما أن يقادى به بمال أو بمنفعة أو أسير مسلم؛ يعنى: نقول: نفك أسرك وتعطينا مائة ألف أو منفعة
стр. 2779
نقول نفك أسرك وتعلمنا كيف نشغل هذه الطائرة أو الدبابة التي غنمناها منكم كما فعل النبي ﷺ في أسرى بدر حيث طلب منهم أن يعلموا صبيان أهل المدينة الكتاب الثالث: أو فداء أسير مسلم يكون عنده أسرى لنا فنقول أعطونا أسرانا ونعطيكم أسراكم الربع الاسترقاق بأن يسترقه الإمام كما يسترق النساء والذرية وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء منهم من أجازها ومنهم من قال لا تجوز ومع ذلك فإنه لا ينبغي المن إلا إذا أثخن المسلمون في القتال كما قال الله تعالى: (ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يُثخن فى الأرض) [الأنفال: ٦٧]. لأن القتل أنكى للعدو (تريدون عرض الدنيا والله يريد الأخرة) البغاة لا يسترق أسيرهم ولا يقتل الخوارج إن قلنا بكفرهم فهم كالكفار الحربيين وإن قلنا بعدم كفرهم فهم كالبغاة قال ولا يطلب هاربهم الهارب من البغاة لا يقتل لأن المقصود كف شره هذه الفئة والهارب ليس منه شر واختلف العلماء فيما لو خرج إلى فئة من قومه ليقويهم ويأتي بهم هل يطلب أو لا يطلب؟ فمن نظر إلى ظاهر هذا الأثر قال إنه لا يطلب ومن نظر إلى ظاهر هذا الأثر قال إنه لا يطلب ومن نظر إلى المعنى قال إنه يطلب والصحيح النظر إلى المعنى وأننا إذا لعمنا أن هذا الهارب إلى فئة أخرى ليأتي بها إلنا فإننا نأسره حتى ينكف شره قال: ولا يقسم فيئها الفيء ما غُنم منهم من سلاح ومتاع وغير ذلك لا يقسم أي كما تقسم الغنائم فيما لو كانت من أهل الحرب الكفار فإن غنائم الكفار تقسم أولاً خمسة أسهم سهم من هذه الخمسة يقسم خمسة أسهم (واعلموا أنَّما غنمتم من شيءٍ فإنَّ لله خمسه وللرَّسول) وهذا واحد (ولذى القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل) [الأنفال: ٤١]، خمسة أسهم الخمس يقسم خمسة يوزع هكذا والذي لله ورسوله يجعل في المصالح العامة للمسلمين وذوي القربي قيل: إنهم قرابة الرسول وهو الصحيح، وقيل: قرابة الوالي ولكنه مرجوح الأربعة أخماس الباقية تصرف للغانمين للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه هذه في غنيمة الكفار الحربين، أما البغاة فإنه لا يقسم فيئهم بل يبقى مالهم لهم يرد عليهم فإن جُهل مالكه جُعل في بيت المال وإن علم مالكه سلم إليه، وقوله صححه الحاكم فوهم أي وقع في الوهم؛ يعني: في الغلط؛ لأن في إسناده .. إلخ في المصطلح أن معنى قولهم متروك أي متروك الرواية لتهمته بالكذب لأنه متهم بالكذب فمن اتهم بالكذب سمي متروكًا تترك روايته وهو أشد من الفاسق، الفاسق تترك روايته لكن ليس كالمتهم بالكذب لأن المتهم بالكذب عيبه في صميم موضوع الخبر بخلاف الفاسق فإن فسقه عام لكن يقول وصح عن علي نحوه موقوفًا ... إلخ.
يقول: "صح عن علي بن أبي طالب موقوفًا" أي: من قوله، وقوله رضى الله عنه هو محض القياس، يعني: هذه الأحكام ثابتة لكن هل ثبتت بحديث موقوف أو مرفوع؟ نقول ثبتت بحديث
стр. 2780
موقوف لكنه محض القياس والموافق للحكمة وعلي رضى الله عنه أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة حتى وإن لم نعلم حكمتها إذا لم تخالف سُنة الرسول ﷺ وعلى هذا فالأحكام الموجودة ثابتة في هذا الأثر فوائد منها عرض المسائل على الطالب للتنبيه لقوله هل تدري كيف حكم الله ومنها أن الإنسان إذا كان لا يعلم يقول الله ورسوله أعلم وهو أحسن من قوله لا أعلم، وإن كان لا أعلم لا بأس بها وهي كما قيل نصف العلم لكن إذا قال الله ورسوله أعلم فإن هذا أضبط للجواب وفيه إسناد العلم إلى عالمه وهو الله ورسوله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن البغاة لا يجوز الإجهاز على جريحهم لقوله: "لا يجهز على جريحهم"؛ وذلك لأنهم لم يكفروا وإنما خرجوا بتأول.
ومن فوائده: أنه لا يقتل أسير البغاة وإنما يؤسر حتى تنطفئ الفتنة ثم يترك.
ومن فوائده: أنه لا يطلب هارب البغاة بخلاف هارب الحربيين فإنه يطلب قلنا: إن بعض العلماء استثنى ما إذا هرب إلى طائفة يقويها فحينئذ يطلب ولكن لا يقتل يؤسر حتى تزول الفتنة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يقسم ما غنم من أموالهم لقوله ولا يقسم فيء البغاة ولكن ماذا نعمل فيه؟ يرد إلى صاحبه إن كان معلومًا وإلا صُرف في بيت المال.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه لا ضمان بين أهل العدل والبغاة فيما تلف من نفس ومال بمعنى أمنهم لا يضمنون ما أتلفوا لنا من الأنفس والمال ولا نضمن ما أتلفنا لهم من الأنفس والمال وهذا الذي حصل من أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه.
ومن فوائد الحديث: أن التأويل له شأن في تغيير الحكم فمثلاً هؤلاء الذين قاتلوا المسلمين لما كان لهم تأويل كان لهم هذه الأحكام ولو خرجوا بغير تأويل لكان لهم أحكام أخرى غير هذه ولوجب عليهم أن يضمنوا ما أتلفوا على المسلمين من مال ودم.
الحث على الاجتماع ونبذ الفرقة:
١١٥١ - عن عرفجة بن شريحٍ رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمرككم جميعٌ، يريد أن يفرِّق جماعتكم، فاقتلوه". أخرجه مسلمٌ.
"من أتاكم"؛ يعني: أي إنسان يأتيكم، "وأمركم" على رجل واحد "يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه" حدًا ولا ينتظر به وإنما يقتل فورًا دفعًا لشره وقوله أمركم جميع؛ يعني: مجتمع على أمير واحد، وذكر العلماء المتأخرون أنه لا يشترط أن تكون الأمة الإسلامية كلها على إمام واحد لأن هذا قد اندفع منذ زمان من آخر الخلافة العباسية والمسلمون ليسوا على إمام
стр. 2781
واحد، قالوا: ومن كان إمامًا في جهته مطاعًا فله حكم الخليفة العام، وهذا هو الذي عليه العمل الآن فإن كل قوم لهم إمام في جهتهم يكون حكمه حكم الخليفة العام لجميع المسلمين وليس هو أميرًا فقط؛ لأننا لو قلنا: إنه أمير والثاني في جهته أمير، والثالث في جهته أمير بقي الناس لا إمام لهم وضاعت الأمور، لكن إذا قلنا: كل إنسان في جهته يعتبر بمنزلة الإمام العام كما هو شأن المسلمين منذ أزمنة متقادمة زال الإشكال وزال ما يطالب به بعض الناس اليوم من أنه لابد أن يكون الإمام إمامًا عامًّا يبايعه جميع المسلمين، فإن هذا في الوقت الحاضر متعذر ولو قلنا بهذا ما بقي لولاة أمورنا الآن سلطة ولا كلمة مطاعة، إذا قلنا: إنه لابد أن يكون هناك خليفة عام ولكن في هذا خرق للإجماع؛ لأن المسلمين أجمعوا على أن كل إنسان يكون بمنزلة الإمام في جهته فهاهم الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم كلهم يقرون بهذا.
ومن فوائد الحديث: الحث على الاجتماع وعدم التفرق لأنه لا يكون خروج على الإمام إلا باجتماع عليه لقوله وأمركم جميع.
زمن فوائده: حل قتل الخارج عن الإمام لقوله فاقتلوه بل وجوب قتله لأن الأمر هنا للوجوب بلا شك لما يترتب على ترك قتله من المفاسد العظيمة وهذا معنى حديث ابن مسعود المشهور "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وذكر منها "التارك لدينه المفارق للجماعة".
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره يشمل ما إذا كان الخارج واحدًا أو كانوا جماعة لكن سبق أنه إذا كان لهم شوكة ومنعة وخرجوا بتأويل سائغ فهم بغاة، أما إذا كان غير ذلك وقالوا نريد السيطرة على الحكم بغير تأويل فإن حكمهم حكم قطاع الطريق.
* * * *
٤ - باب قتال الجانب وقتل المرتدِّ
الأول قال: قتال، والثاني فال: قتل، وبينهما فرق؛ فالقتل ليس فيه مغالبة، والقتال فيه مغالبة من الجانبين لأن المفاعلة تكون بين اثنين فصاعدًا أما المرتد يقتل بدون مقاتلة ثم عاد ينظر في قبول توبته كما سيأتي إن شاء الله فمن هو الجاني؟ هو كل معتد ومن الجناة الصائل على الإنسان إذا صال إنسان عليك يريد نفسك يريد مالك يريد أهلك فهذا جانٍ معتد فإذا دافعته بالتهديد أو بأي شيء آخر ولكنه أبى إلا أن يعتدي ويجني عليك فلك قتله.
стр. 2782
جواز قتل الصائل:
١١٥٢ - عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "من قُتل دون ماله فهو شهيدٌ". رواه أبو داود، والنَّسائُّي، والترمذي وصحَّحه.
وليت المؤلف ذكر الحديث الآخر الذي هو أوفى من هذا أن رجلاً سأل النبي ﷺ عمن أراد ماله أو نفسه قال قاتله قال: أرأيت يا رسول الله إن قتلني قال فأنت شهيد، قال: أرأيت يا رسول الله إن قتلته قال فهو في النار وهو أوفى من الحديث الذي ذكره لأن الحديث الذي ذكر المؤلف يدل على أن الذي يقتل دون ماله شهيد لأنه قتل ظلمًا.
هذا الحديث فيه فوائد: أولاً: جواز مدافعة الإنسان عن ماله والتعبير بالجواز هل هو لنفي التحريم، فلا ينافي الوجوب أو هو جائز حكمًا والفرق بينهما واضح إذا قلنا الجواز لنفي التحريم صار لا ينافي الوجوب وعلى هذا فيجب عليه أن يدافع عن ماله ولكن الأمر ليس كذلك بل المدافعة عن المال جائزة وليست بواجبة ووجه هذا أن للإنسان أن يتبرع بماله لأي واحد من الناس ولو كان يجب عليه أن يحفظ ماله لنفسه حرم عليه أن يتبرع به لأحد إذن فله أن يدافع عن ماله فلو جاءك إنسان وقال أعطني السيارة غصبًا فقلت: لا إن قاتلك فقاتله فإن لم يندفع إلا بالقتل فاقتله فإذا قتلته فهو في النار وإذا قتلك فأنت شهيد وهل يلزمه الدفاع عن نفسه وعن حرمته؟ الجواب: نعم يلزمه أن يدافع عن نفسه وعن حرمته إلا إذا كان في زمن فتنة فإنه لا يلزمه القتال لأنه إذا دافع فربما تراق دماء كثيرة بسبب مدافعته لأن المقام مقام فتنة ربما إذا قتل هذا الصائل في الفتنة تقتل جميع قبيلته ولهذا لما طُلب من أمير المؤمنين عثمان أن يُقاتل دون حين حُوصر في بيته أبى وقال لا تقاتلوا لأنه خاف أن يكون بالمقاتلة تُراق دماء كثيرة في مدينة رسول الله ﷺ فاستسلم رضى الله عنه حتى قتل، وهذا لأن النبي ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة فكن فيها عبد الله المقتول ولا تكن القاتل"، لأن الفتنة ليست بهينة غوغاء الناس وعامتهم والجهال والسفهاء كلها تطيش كما يطيش القدر من فوق النار يمينًا وشمالاً، إذن يلزمه الدفع عن نفسه إلا في الفتنة.
أما إذا كان في غير فتنة فيجب أن يدافع عن نفسه لأنه مأمور بحفظ نفسه قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وهل يلزمه أن يدافع عن حرمته لو أن أحدًا
стр. 2783
حاول أن يزني بامرأته فيجب أن يدافع، فإن لم يندفع الجاني إلا بالقتل فله قتله له نفي للتحريم وليست للإباحة، يعني: لا يحرم القاتل، لكن يجب دفاعًا عن حرمته، واختلف العلماء في الدفاع عن مال غيره، والصحيح أنه لا يلزمه الدفاع عن مال غيره كما لا يلزمه الدفاع عن مال نفسه لأن مال غيره إن كان بيده أمانة فأقل ما فيه أنه سيضمه إذا كان متعديًا مفرَّطًا وضمانه من ماله.
ومن فوائد الحديث: أن من قتل دون ماله فهو شهيد وكذلك من قتل دون نفسه أو دون حرمته من باب أولى.
ومن فوائده: أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن مع المسلمين أغني المقتول ظلمًا لأنه شهيد والشهداء لا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم ويدفنون إن كانوا في قتال في مصارعهم، ولهذا لما جيء بشهداء أحد إلى المدينة أمر النبي ﷺ بردهم إلى مصارعهم فيس أحد حيث يخرجون يوم القيامة من المكان الذي قتلوا فيه وهذا الذي قتله هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن المقتول ظلمًا حكمه حكم المقتول في سبيل الله في أنه شهيد دنيا وأخرى وقيل: لا بل شهيد أخرى وليس شهيد دنيا وعلَّلوا ذلك بان هناك فرقّا بين هذا الذي قتل ظلمًا وبين المقتول في سبيل الله، المقتول في سبيل الله بذل نفسه اختيارًا وعرض رقبته اختيارً لأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا وهذا الرجل الذي قُتل ظلمًا اضطرارًا فبينهما فرق عظيم، ولهذا لما قال الفقهاء إنه يقاس على المقتول في سبيل الله لأن كلاً منهما قتل بغير حق قلنا لكن هناك فرق عظيم بين من عرض رقبته لأعداء الله لإعلاء كلمة الله ومن دافع نفسه حتى قتل فالصواب أنه شهيد أخرى وليس شهيد دنيا وأنه يجب أن يغسل ويكفن ويصفى عليه كما يجب ذلك في سائر الأموات ولو أننا قلنا: كل من أطلق الشارع عليه شهيدًا فإن حكمه حكم الشهيد في سبيل الله لقلنا المطعون والمبطون ومن مات بغرق أو هدم أو حرق يكون حكمه حكم الشهداء في سبيل الله ولا قاتل بذلك، إذا قُتل الجاني في المدافعة فهو كما قلنا في النار ولكن إذا اختلف أولياء الجاني والقاتل دفعًا عن نفسه فقال أولياء الجاني إنه لم يصل عليه وقال أولياء المدافع بل صال عليه فما العمل؟
أهل المذهب يقولون: إننا لا نصدق دعوى القاتل لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء ناس وأموالهم ولكان كل واحد يقتل من يريد قتله لأنه صائل عليه فلابد من بينة البينة
стр. 2784
في مثل هذه الحال متعذرة لأن الصائل لا يمكن أن يصول على شخص وحوله أحد فالبينة إما أن تكون متعذرة أو متعسرة جدًا فإقامة البينة في مثل هذه الحال بعيدة وقال بعض أهل العلم بل ينظر في القرائن فإذا كان المقتول الذي اتهم بالصول أهلاً لذلك لكونه معروفًا بالشر والفساد وكان القاتل الذي ادعى الدفاع عن نفسه رجلاً صالحًا أهلاً للصدق فإننا نصدقه ولكن هل تجري القسامة في هذه الحال أو بدون قسامة؟ يرى بعض العلماء أنه لابد من القسامة وذلك لأنه توجد قرينة على صدق دعوى القاتل فهذه كالعداوة بل إننا قلنا: إن الراجح في مسألة القسامة أنه كلما يغلب على الظن صدق المدعي تجرى فيه القسامة وعلى هذا فتجرى القسامة فيحلف المدعي خمسين يمينًا أنه صال عليه وقيل: لا حاجة للقسامة لأن القسامة يدعيها أولياء المقتول ليأخذوا القصاص وهنا الذي يدعي أنه قتل بالحق هو القاتل حتى يسلم من الضمان وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه يقبل قولاً معروفًا بالصدق في هذه المسألة، إذا قال قائل: هل له أن يقتله مبادرة أي المصول عليه هل للمصول عليه أن يقتل الصائل مبادرة أو يدافعه بالأسهل فالأسهل؟ الواجب: أن يدافعه بالأسهل فالأسهل لأن المقصود كف شره إلا إذا خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبدره بالقتل لكن إذا أمكنه أن يكسر يده التي أشهر بها السلام فليفعل لأن كسر اليد ممكن يحصل بها المقصود.
سقوط الضمان في الدفاع عن النفس:
١١٥٣ - وعن عمران بن حصين رضى الله عنهما قال: "قاتل يعلى بن أمية رجلاً، فعضَّ أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فمه فنزع ثنيَّته، فاختصما إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أيعضُّ أحدكم أخاه كما يعضُّ الفحل؟ لا دية له". متفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلم.
القصة معروفة "قاتل يعلى بن أمية رجلاً"، والمقاتلة: المشادة والإمساك بالأيدي، ولا يلزم أن يكون بسلاح فهي أعم من أن تكون بالسلاح وغيره قد تكون بالأيدي كالملاكمة وبالعصا وبالأحجار فهي أعم من السيف والسلاح؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الرجل إذا أراد أن يجتاز بين المصلي قال: "فليدفعه فإن أبي فليقاتله" ومعلوم أن المصلي ليس معه سلاح يقاتل به هذا المار، ولكن المراد أن يدفعه بشدة، يقول: "فعض" بالضاد مضارعها يعض ق الله تعالى: (ويوم يعضَّ الظَّالم على يديه) [الفرقان: ٢٧]. قال: "فانتزع يده من فمه" الفاعل في قوله: "فانتزع" يعود على المعضوض، وكذلك الضمير في "يده من فمه" يعود على العاض؛ يعني: أن المعضوض لم يتحمل، وعادة لا يمكن أن يتحمل فنزع ثنيته؛ أي: ثنية العاضّ، فاختصما إلى النبي ﷺ الخصم هو المحاكم المجادل الذي يريد أن يخصم صاحبه؛ أي: أن يغلبه في
стр. 2785
الخصومة فقال الرسول ﷺ : "يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل" هذه الجملة خبرية ولكنها إنشائية، حذفت منها همزة الاستفهام الإنكاري والتقدير: أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، والمراد من الاستفهام هنا: الإنكار والتوبيخ، ولهذا جاءت بوجهين الوجه الأول: وجه يقتضي الحنو والرفق والرأفة وهو قوله: "أخاه" والوجه الثاني: يقتضي التنفير والبعد عن هذا العمل المشين وهو قوله: "كما يعض الفحل" بالحيوان، والفحل هو الذكور من البهائم، لكن المراد به: الذكور من الإبل؛ لأن عضه شديد كما سيذكره، قلنا: إن الجملة هنا خبرية حذف منها همزة الاستفهام، ونظير ذلك قوله تعالى: (أم اتخذوا إلهة من الأرض هم ينشرون" [الأنبياء: ٢١]. جملة هم ينشرون ليست صفة لآلهة ولكنها جملة استئنافية إنشائية حذفت منها همزة الاستفهام والتقديم أهم ينشرون حتى يكون آلهة والاستفهام هنا للإنكار ولهذا يحسن للقارئ إذا قرأ هذه الآية (أم اتخذوا إلهة من الأرض) يحسن به أن يقف حتى يتبين معنى الكلام وكثير من القراء وهم قراء قد يُشار إليهم بالبنان يغفلون مثل هذه الأمور تجده يقرأ هذه الآيات ويصل بعضها ببعض فيختلف المعنى اختلافًا كبيرًا ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى: (أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا) [السجدة: ١٨]. سمعنا قراء يقولوا: (كمن كان فاسقًا لا يستوون)، وهذا غلظ بل تقف (أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا) يحتاج إلى جواب الآن، الجواب (لا يستوون) فالجملة بعدها جواب لها فكيف توصل بها وهي جواب؟ فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يتفطن لها حتى إن شيخ الإسلام ﵀ انتقد الذين حزبوا القرآن ولم يراعوا الجمل والقواطع أو الفواصل المعنوية (لقد جئت شيئًا نكرًا * قال ألم أقل لَّك إنك لن تستطيع معى صبرًا) [الكهف: ٧٤، ٧٥]. كثير من المصاحف يجعلون منتهى الجزء (لقد جئت شيئًا نكرًا) ما تم الكلام، الصحابة لا يمكن أن يحزبوا القرآن هذا التخريب فيبترون المعاني أبدًا، لابد أن يكون الحزب على منتهى الكلام وقد ذكر هذا ﵀ في التفسير الذي خرج أخيرًا بأن تحزيب الصحابة للقرآن ليس كالتحزيب الموجود الآن، يعني: من كل وجه، بل كانوا يراعون الكلام والمعاني المتصل بعضها ببعض، حتى إني رأيت بعض المصاحف جعل نصف القرآن (وليتلطف) قال: هذا نصف القرآن ويبدأ النصف الثاني من (ولا يشعرن بكم أحدًا) [الكهف: ١٩]. فإن أرادوا بالمعنى فهذا غير صحيح وإن أرادوا بالحروف أو الكلمات فهذا يرجع إلى الإحصاء المهم.
على كل حال: أن قوله: "يعض أحدكم" الجملة خبرية لكنها إنشائية حذفت منها همزة الاستفهام الدالة على الإنكار وقوله: "كما يعض الفحل"، قلنا: إن هذا للتقبيح لينفر الإنسان من هذا الحال لأن الفحل عضه شديد والإبل من أكثر الحيوان حقدًا، ولا ننسى أبدًا أنه قد ذكر لنا
стр. 2786
أن رجلاً كان هنا في عنيزة تُباع الإبل عند الجامع كان فيه متسع يُسمى المجلس وهو سوق للغنم وللإبل وكان مع الناس واقفًا ليشتري بعيرًا فإذا بجمل جاء منصبًا إلى دماغ هذا الرجل فأمسكه بفمه وضرب به الأرض وبرك عليه لولا أن الله سبحانه يسر أن عادة الناس الذين يبتاعون الإبل يكون معهم عصى جيدة، فضربوا هذا الجمل حتى مات وإلا لمات الرجل فقيل له ما السبب قال إني مرة من المرات أراد الناقة فمنعته عنها! فجعل هذا الجمل الحقد في قلبه حتى وجده، فالفحل عضه شديد، ثم قال: "لا دية له" الدية هي العوض المدفوع عن الجناية عن النفس الكاملة ولكن تطلق الدية حتى على دية الأعضاء والجروح تسمى دية وأما ما يدفع ضمانًا لغير النفس والأعضاء والجروح فإنه لا يسمى دية، فلو أن إنسانًا أتلف بعيرًا أو شاة أو بقورة لشخص ودفع قيمتها فإن ذلك لا يسمى دية ولكن يسمى قيمة.
هذا الحديث فيه فوائد: أولاً: أن الشيطان ينزغ بين بني آدم حتى يلحقهم بالبهائم لكون هذين الرجلين عض أحدهما الآخر كما بعض الفحل.
من فوائد الحديث: أن من أتلف شيئًا لدفع أذاه فلا ضمان عليه لأن هذا الرجل اتلف الثنية لدفع أذاه هي التي عضت يده، ولهذا لم يجعل فيها النبي ﷺ صمانًا وهذه قاعدة من قواعد الفقه ذكرها ابن رجب في القواعد الفقهية قال من أتلف شيئًا لدفع أذاه لم يضمنه وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه الدليل مثل هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أهدر دية الثتية التي تلفت بانتزاع هذا الرجل يده من بينها وبين الثنية الأخرى لأن الرجل إنما أراد دفع الأذى ومن ذلك ما سبق في الحديث الذي قبله أن من صال عليك فدفعته فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتلته فإنه ليس له دية لأنك أتلفته لدفع أذاه، أما إذا أتلفت الشيء لدفع أذاك به فإنك تضمنه ودليل ذلك قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ ... ) الآية نزلت في كعب بن عجرة حين جيء به إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهه من رأسه لمرض كان به فأذن له النبي ﷺ أن يحلق رأسه وأن يفدي فهنا أتلف الشعر لدفع أذى الشعر أو لدفع أذاه به؟ الثاني؛ لأن الذي أذاه هو هوام رأسه كما قال النبي ﷺ "لعلك أذاك هوام رأسك" والقمل عادة يكون تحت الشعر فإذن له أن يحلق رأسه وأن يفدي وهذا أتلف الشعر لدفع أذاه به أي بإتلاف الشعر ومن ذلك أيضًا لو أن شخصًا في سفينة محملة وفيها بضائع للناي وخيف الغرق فإننا نلقي من البضائع في البحر خوفًا من الغرق فهل تضمن هذه البضائع التي ألقياها في البحر؟ نعم، لأننا نريد أن ندفع الأذى بذلك فنضمن لصاحبها قيمتها أو مثلها حسب ما هو معروف في الفقه.
стр. 2787
ومن فوائد الحديث: شدة الإنكار على عض الإنسان أخاه وجهه قول الرسول ﷺ : "أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل"، فإن هذا للتنفير وهذه قاعدة مطردة: لا يرد تشبيه الإنسان بالحيوان إلا في مقام الذم، وإذا تتبعت النصوص وجدتها كذلك، في الذي آتاه الله تعالى الآيات فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ماذا قال الله فيه؟ قال: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) [الأعراف: ١٧٦]. وجاء في الذين لا يعملون بما أنزل يفترش يديه في حال السجود بالكلب وكذلك من لا يطمئن في صلاته جاء تشبيهه بالغراب، المهم أنك إذا تأملت النصوص وجدت أنه لا يشبه بنو آدم بالحيوان إلا في مقام الذم وذلك لأن الله فضل بني آدم على البهائم فإذا نُزل بهم وشبهوا بالبهائم فهذا يقتضي الذم والتنفير؛ ولهذا يرى الناس أنك إذا قلت لشخص ما يا بهيم يسرون ذلك قدحًا.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يدافع عن نفسه ولو تضرر الصائل لأن نزع اليد ولو تضرر ومنه لو أن إنسانًا أمسك بيده شخص عدوانًا وانتزع منه فانخلعت يد الممسك فلا ضمان على الأول.
سقوط الضمان للمتطلع لبيوت المسلمين:
١١٥٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن امرأ اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فحذفته بحصاةٍ ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جناحٌ". متَّفقٌ عليه.
وفي لفظٍ لأحمد، والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان: "فلا دية له ولا قصاص".
قوله أبو القاسم هذه كنية النبي ﷺ وقد قال ﷺ "إنما أنا قاسم والله معط" لكن هذا لا علاقة له بالدنيا فهل هذه الكنية عامة لكل من سُمي محمدًا يكنى أبا القاسم أو لأن النبي ﷺ له ولد يمسى القاسم؟ الظاهر الثاني لكنها انتقلت الآن وصارت كنية لكل من سمى محمدًا فإنه يكنى عن الناس بأبي القاسم هذا معروف عندنا هنا في المملكة.
قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن": "لو" هذه شرطية، ولكن "لو" الشرطية لا تدخل إلا على الأفعال فأين الفعل؟ الفعل محذوف، أي: لو ثبت أن، وجواب "لو" قوله: "أم يكن عليك
стр. 2788
جناح"، وقوله: "بغير إذن" أي: اطلع على بيتك؛ أي: جعل يتطلع من وراء الباب على البيت بغير إذن منك، يعني: لم تأذن له إذنًا سابقًا ولا إذنًا لاحقًا فيقول: "فحذفته بحصاة ففقأت عينه" لم يكن عليك جناح حذفته بحصاة الحذف هو أن تجعل الحصاة على طرف الأصبع الإبهام ثم تقذفها بالوسطى هذا الصف لكنه ليس لازم أن يكون على هذا الوجه يعني: لو أخذت الحصاة بين أصابعك الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى فالمعنى واحد وقوله: "فحذفته بحصاة" معروفة "ففقأت عينه"؛ يعني: أنك فضأتها بعنى شققتاها حتى تلفت لم يكن عليك إثم وإذا انتفى الإثم انتفى الضمان صورة هذه المسألة أن رجلاً يطلع من شقوق الباب على البيت لينظر ما فيه ولا شك أن الإنسان قد يطلع على عورة فإن الناس في بيوتهم تختلف حالهم عن حالهم فيما إذا كانوا خارج البيت ربما يطلع على عورة لا يحب أهل البيت أن يطلع عليها الناس فجعل النبي ﷺ عقوبة هذا أن تفقأ عينه وإذا فعلت ذلك فليس عليك جناح وظاهر صنيع المؤلف أنه جعل هذا من باب دفع الصائل وقتال الجاني وأنه إذا أمكن دفع شره بغير ذلك لم يجز هذا أي إذا أمكن دفع الشر بغير حذفه بالحصاة فإنه لا يجوز أن يحذف بالحصاة، وقد قال بذلك بعض أهل العلم وزعم أن ذلك من باب دفع الصائل ولكن الصحيح أن هذا من باب عقوبة المعتدي ونظيره ما لو وجد الإنسان شخصًا على امرأته يزني بها فإن له أن يقتله بدون إنذار لأن هذا باب عقوبة الجاني المعتدي وقوله لو أن امرأ اطلع يفهم منه أن الباب مغلق لأن كلمة اطلع تقتضي معالجة الإطلاع وأنه لو كان الباب مفتوحًا فوقف إنسان ينظر ما في البيت فإنه لا يفعل به ذلك لأن التفريط هنا من صاحب البيت وكذلك أيضًا حذفته بحصاة ظاهر ذلك أنك لو رميته برصاص فإن ذلك لا يجوز للفرق بين الحصاة وبين الرصاص فإنك ربما تقتله بخلاف الحصاة ولكن لو حذفته بحربة فهل يكون كالحصاة؟ الجواب: نعم، لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يطلع في البيت فآخذ المدرأ وجعل يختله، يعني: يمشي مشيًا خفيًا حتى لا يشعر به من أجل أن يحذفه بهذا المدرأ وقوله فقأت عينه لو أصبت غير عينه مثل جبهته أو خده فنجرح فهل تكون ضامنًا؟
الجواب: نعم تكون ضامنا وذلك لأنه أي هذا الذي حصل في غير محل الجناية لأن محل الجناية بالنظر هو العين وهذا ليس فيها.
نأخذ من هذا الحديث فوائد: أولاً: تحريم الاطلاع على بيوت الناس ودليله أن النبي ﷺ أباح حذف هذا الرجل وإن فقئت عينه وهذا يدل على أنه معتد، ولولا ذلك لكان محترماً لا يجوز العدوان عليه.
стр. 2789
ومن فوائده: أنه لو كان للإنسان بيت يشرف على بيت الثاني وجب عليه أن يرفع الجدار حتى لا يطلع على بيت جاره وجهه أن النبي ﷺ حرم الاطلاع على البيوت وإذا كانت الجدران قصيرة أو كانت الشبابيك في الجدران قصيرة فهذه وسيلة للإطلاع؛ ولهذا قال الفقهاء في باب أحكام الجوار قالوا يلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل، ولكن هنا مسألة هل يفرق بين الجار الملاصق والجار الذي بينك وبينه طريق؟ نقول لا فرق لأن العلة هي الاطلاع على بيوت الناس وهل يفرق بين جار تقدم أو تأخر، يعني: مثلاً لو كان الذي جداره قصير أو شبابيكه قصيرة سابقًا عليك وأنت الذي أحدثت بناء بعده فهل نقول للأول أرفع الجدار أو تقول أنت الذي وردت عليه؟ الصحيح انه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، لأن الناس جرت عادتهم أن يبني بعضهم بجنب بعض حتى لو فرض أنك آخر البناء وأنك ظننت أنه لن يبني أحد وراءك ثم بنى فإن عليك أن تتخذ جدارًا طويلاً يمنع مشارفة جدارك.
ومن فوائد الحديث: أن للإنسان أن يُطلع غيره على ما في داخل بيته وجه ذلك قوله: "بغير إذن" والحكمة ظاهرة لأن حجاب البيوت حق لأهل البيوت فإذا رضي صاحب البيت أن يدخل الإنسان إلى بيته وينظر ما فيه فلا حرج لأن هذا حق له ولكن إذا كان في البيت أناس متعددون فلا تطلعهم على حجرة الآخرين بغير إذنهم أما حجرتك الخاصة فأنت حر فيها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط لحذفه تقدم الإنذار وجهه أن النبي ﷺ لم يشترط لجواز الحذف تقدم الإنذار ويتفرع على هذه الفائدة أن حذفه ليس من باب دفع الصائل ولكنه من باب عقوبة المعتدي إذ لو كان من باب دفع الصائل للزم أولاً إنذاره ثم إن بقي وأصر عُمل فيه هذا العمل لكن هذا من باب عقوبة المعتدي وذكرت لكم نظيرًا وهو من رأى شخصًا يزني بامرأته أو فوقها ثم قتله فلا شيء عليه.
ومن فوائد الحديث: أنه لو فقأ عينيه جميعًا فإنه ضامن للعين التي لم تطلع وجه ذلك أن فقأ العين التي لا تنظر فقأ في غير محل الجناية فيضمنها كما لو أصاب جبهته أو خده أو أنفه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يحذفه بما يقتله لقوله فحذفته بحصاة ولم يقل بسهم فلو حذفه بما يقتله ثم مات فإنه يكون ضامنًا.
ومن فوائد الحديث: حماية الشريعة الإسلامية لعورات الناس حتى في البيوت وجه ذلك أن النبي ﷺ أجاز العقوبة لمن انتهك حرمة البيت واطلع على العراة وهل يؤخذ من الحديث جواز إقامة الحد والقصاص ممن له الحق، يعني: مثلاً إنسان قُذف قذفه رجل قال أنت زان والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة فهل لهذا المقذوف
стр. 2790
أن يتولى إقامة الحد على قذفه؟ لا، إلا أن يكون في بلد لا يحكم فيها بالإسلام فله إقامة الحد لتعتذر إقامته من ولي الأمر أما إذا كان هناك ولي أمر فإنه هو الذي يتولى ذلك، ولهذا جاء في الآية الكريمة قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) [النور: ٤]. فجعل الحكم موكولاً إلى ولي الأمر، في القصاص لو أن إنسانًا قتل شخصًا فأراد وليه أن يقتله فهل له ذلك؟ ليس له ذلك اللهم إلا أن يكون في بلد لا يحكم فيه بالإسلام فله ذلك ما لم يخش فتنة اكبر فإن خشي فتنة أكبر فلا يقتص ولهذا منع عثمان ﵁ من الدفاع عن نفسه خوفاً من الفتنة.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذه المسائل التي ذكرت وبين مسألة المطلع على البيت؟
نقول: لأن المطلع على البيت لا يمكن التأخير فيه لأنك لو أخرت فتذهب للحاكم وتثبت المسألة فيهرب من حين ما يفتح الباب بخلاف صاحب القذف أو القصاص أو ما أشبه ذلك وهل يلحق التسمع والتصنت بالنظر، يعني: لو أن إنسانًا جعل أذنه على شق الباب يستمع ما يقال في هذا البيت فجاء إنسان وقذف هذه الأذن بحصاة أو جاء بالمدرأ ووخذها فهل يلحق بالنظر أو لا؟ الصحيح أنه لا يلحق وذلك لأن إدراك النظر للعورة أقوى من إدراك السمع فلا يقاس عليه فالمطلع الذي يشاهد ليس كالذي يسمع، يعني: لو فرضنا أن إنسانًا مع أهله فليس إطلاع الناس عليه وهو مع أهله كسماعهم لكلامه معهم.
قال: وفي لفظ لأحمد والنسائي وصححه ابن حبان "فلا دية له ولا قصاص" يعني: بدلاً من قوله: "لم يكن عليك جناح"، "لا دية" ومعروف أن دية العين نصف الدية كاملة؛ لأنه بفقأها أذهب بصره وهي منفعة مستقلة وقوله: "ولا قصاص" كذلك أيضًا لا يقتص منه لأنه لم يتعمد إثمًا.
فإن قال قاتل: هل هناك فرق بين هذا اللفظ وبين لفظ الصحيحين؟
قلنا: لا فرق من حيث المعنى لأن لفظ الصحيحين دل على أنه لا دية له ولا قصاص بالالتزام، لأنه من لازم انتفاء الدية والقصاص وعلى هذا فيكون قد انتفى عنه الإثم والدية والقصاص وهذا مطابق للقاعدة المعروفة أن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
стр. 2791
ضمان ما أتلفته المواشي:
١١٥٥ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "قضى رسول الله ﷺ أنَّ حفظ الحوائط بالنَّهار على أهلها، وأنَّ حفظ الماشية باللَّيل على أهلها، وأنَّ على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم باللَّيل". رواه أحمد والأربعة إلا التَّرمذيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان وفي إسناده اختلافٌ.
هذا الحديث أولاً: نسأل ما وجه وضعه في هذا الباب؟ والجواب عن ذلك: أن يقال وجه وضعه أن إهمال المواشي في الليل جناية على أهل الحوائط، يعني: البساتين فلذلك ناسب أن يدخله في هذا الباب، وقوله: "قضى" هل حكمًا أو قضى شرعًا؟ الجواب: نقول ما قضاه حكمًا فهو مقض شرعًا، والفرق بين ما قلت من جهة الحكم أو الشرع أنه هل المعنى هل رفعت قضية إلى رسول الله ﷺ ثم قضى فيها بما ذكر أو أن الرسول قال ذلك كلامًا مخبرًا له عن أمر شرعي؟ نقول سواء هذا أو هذا فالحكم واحد: "قضى أن حفظ الحوائط بالنهار ... إلخ" "الحوائط" جمع حائط وهي البساتين، وسميت بذلك لأنه يحوط عليها غالبً، فحفظ الحوائط على أهلها بالنهار وذلك لأن أهلها في يقظة ويستطيعون حفظها، ولأن الماشية في النهار ترسل من أجل أن ترعى، فكان على أهل الحوائط أن ينتبهوا ويحفظوا حوائطهم فهم المسئولون عن الحوائط وقوله: "بالنهار" الباء هنا بمعنى "في" لأن الباء تأتي للظرفية قال ابن مالك.
بِالبَا اسْتَعنْ وَعَدِّ عَوِّضْ أَلْصِقِ ... وَمِثْلَ مَعْ وَعَنْ بِهَا انْطِق
ثم ذكر أنها أيضًا تأتي للظرفية واستدلوا لذلك بقوله تعالى: (وبالَّيل أفلا تعقلون) [الصافات: ١٣٨]، أي وفي الليل وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وتعليله ما ذكرنا أن الماشية في الليل لا حاجة أن ترسل بل تبقى في أعطانها إن كانت إبلا وفي أحواشها إن كانت غير إبل وأن على أهل الماشية "ما أصابت ماشيتهم بالليل" يعني: ما أتلفت الماشية بالليل فإنه على أهلها وجه ذلك أن أهل الحوائط معذورون لم يحملهم النبي ﷺ حفظ حوائطهم وأن أهل الماشية مفرطون حيث لم يحفظوا ماشيتهم بالليل مع أن حفظها واجب عليهم.
стр. 2792
هذا الحديث يستفاد منه فوائد متعددة: منها: أن الأحكام الشرعية مبنية على العلل المناسبة لأن ذلك هو الحكمة أن تكون الأحكام مبنية على العلل المناسبة وجه ذلك أن إلزام أهل المواشي بحفظ مواشيهم بالليل وإلزام أهل الحوائط بحفظ حوائطهم بالنهار مناسب تمامًا للحكمة.
ومن فوائده: أن ما أتلفت البهيمة من الحوائط في الليل من ثمر أو زرع فهو على أهلها، لأنهم هم الذين فرطوا بتركها مرسلة في الليل في وقت لم تجربه العادة.
ومن فوائد الحديث: أن ما أتلفته البهيمة بالنهار من الحوائط فليس فيه ضمان؛ لأن المسئول عن حفظ الحوائط هم أهلها إلا أن بعض أهل العلم استثنى من ذلك ما إذا أرسلها بقرب ما تتلفه في العادة مثل أن يكون حوله مزرعة فأرسل البهيمة فإن عليه الضمان واستدلوا لذلك يقول النبي ﷺ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه أو أن يرفع فيه فبين الرسول ﷺ أن الذي يرعى الحمى يقرب جدًا أن يرتع فيه وهذا الذي قالوه مراعاة للمعنى وإلا فلو أخذنا بظاهر الحديث ما كان على أهل الماشية ضمان ولو أرسلوها برب ما تتلفه نهم لو أنهم تقصدوا ذلك مثل أن يقول صاحب الماشية سأذهب بها إلى قرب مزرعة فلان وأتحين غفلته فحينئذٍ نعرف أن الرجل نوى العدوان فيضمن.
ومن فوائد الحديث: اعتبار العرف والعمل به لأننا لا نعلم أن للتفريق بين إتلاف البهائم في النهار وفي الليل إلا ما جرى به العرف حيث إن العرف أن أهل الحوائط يحفظونها في النهار وأن أهل المواشي يحفظونها في الليل وهذا الحديث -أعني: كون صاحب الماشية يضمن ما أتلفه- يخصص قول النبي ﷺ : "العجماء جبار"، يعني: البهيمة هدر لا ضمان فيما أتلفته فيقال: إنه يستثنى من ذلك ما إذا أرسلها صاحبها في الليل وأتلفت شيئًا من الحوائط وهل يلحق بذلك ما أتلفه من الأموال الأخرى غير الحوائط؟ الجواب: لا غير الحوائط يلزم صاحبها حفظها فلو أن البهيمة انطلقت على أكياس من الشعير في حوش مثلاً فأتلفته فإنه لا ضمان على صاحبها إلا أن تكون يده عليها إن كانت يده عليها فهو ضامن ومعنى كون يده عليها أن يكون قائدًا أو سائقًا أو راكبًا، فإذا كانت يده عليها فهو ضامن لكن إذا تم تكن يده عليها فإن الأصل فيما أتلفته أنه هدر ولا ضمان فيه لكن النبي ﷺ في مسألة الحوائط فرق بين الليل والنهار.
* * *
стр. 2793
قتل المرتد:
١١٥٦ - وعن معاذ بن جبل ﵁ -في رجلٍ أسلم ثم تهود-: "لا أجلس حتَّى يُقتل، قضاء الله ورسوله، فأمر به، فقتل". متفقٌ عليه.
-وفي روايةٍ لأبي داود: "وكان قد استتيب قبل ذلك".
معاذ بن جبل أحد الرسل الذين أرسلهم النبي ﷺ إلى اليمن داعيًا وحاكمًا وقاضيًا أرسله إلى اليمن وقال له: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب" فذكر له أن رجلاً أسلم ثم تهود؛ أي: صار يهوديًا! في حاشية النسخة التي معي: بعث النبي ﷺ أبا موسى إلى اليمن ثم أتبعه معاذًا فلما قدم على أبي موسى ألقى له وسادة، وقال له: اجلس فإذا رجل موثق قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود فقال: "لا أجلس" يعني: على هذه الوسادة "حتى يقتل". وهذا الرجل اليهودي كما رأيتم أسلم ثم ارتد؛ لأن رجوعه إلى دينه بعد أن أسلم ردة، قال: "قضاء الله ورسوله"، أي: هذا قضاء الله ورسوله، أي: حكم الله ورسوله، والقضاء المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: قضاء شرعي، وقضاء قدري، فالقضاء الشرعي: هو الحكم الشرعي كالأمر والنهي وما يتعلق به، والقضاء القدري: هو الحكم الكوني الذي يقضي به الله ولابد من وقوعه. مثال الأول: القضاء الشرعي قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) هذا قضاء شرعي، يعني: أمر بذلك، والدليل على أنه قضاء شرعي؛ يعني: أمر بذلك، والدليل على أنه قضاء شرعي: أن من الناس من لم يعبد الله ولم يمتثل لهذه الأوامر، ولو كان قضاء كونيًا لامتثل جميع الناس، ومثال القضاء الكوني: قوله تعالى: (وقضينا إلى بنى اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا) [الإسراء: ٤]. فالقضاء هنا لا شك أنه قضاء الله ورسوله مراده الشرعي ولم يقل قضاء الله ثم رسوله لأن الأحكام الشرعية حث سواء من الله أو من رسوله والحكم الصادر من الرسول كالحكم الصادر من عند الله فأمر به فقتل، يحتمل أن الذي أمر معاذ ابن جبل ويحتمل أنه موسى المهم أنه قتل هذا اليهودي لأنه أسلم ثم ارتد.
وفي رواية لأبي داود: "وكان قد استتيب قبل ذلك؛ أي: طلب منه التوبة والرجوع إلى الإسلام، ولكنه أصر فقتل هذا الحديث أصل في قتل المرتد، وكذلك الحديث الذي بعده.
стр. 2794
شروط قتل المرتد:
١١٥٧ وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لدَّل دينه فاقتلوه". رواه البخاري.
"من بدل دينه" أي: دينه الإسلامي، "فاقتلوه" أما من بدل دينه غير الإسلامي فإننا نرحب به ولا نقتله لكن المرد بالدين دين الإسلام هذان الحديثان هما أصل في قتل المرتد فلابد إذن من أن نعرف من هو المرتد؟ المرتد هو الذي كفر بعد إسلامه وهو في اللغة الراجع مأخوذ من ارتد بمعنى رجع ولكنه شرعًا هو الذي يكفر بعد إسلامه والكفر يدور على شيئين أما جحد وإما استكبار فمن جحد شيئًا مما أخبر الله به ورسوله أو مما حكم الله به ورسوله فأنكر الحكم وجحده فإنه كافر مثال ذلك: لو قال: إن آية من القرآن ليست منه فإنه كافر كفر جحود ولو قال إن الصيام ليس فريضة فهو كافر كفر جحود ولو صام، ومن قال: إن الزنا ليس محرمًا فهو كافر كفر جحود وهلم جرا، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فهو كافر إذا كان إنكاره جحود فإن إنكاره إنكار تأويل فإنه لا يكفر بذلك وله أحكام تليق به أما الاستكبار فإن لا يجحد شيئاً ولكن يستكبر عنه كما فعل إبليس فإن إبليس أمر أن يسجد لآدم ولكنه أبى واستكبر لم يجحد الأمر لكنه استكبر، وقال: أنا خير منه وقال أأسجد لمن خلقت طينًا وهذا لو استكبر أحد عن شيء من فرائض الله ولو أقر بوجوبها، فإنه يكون كافرًا لكن هناك تقييدات، فإن بعض الشرائع لا تكفر الإنسان بالاستكبار عنها، الاستكبار عن الصلاة وعن الزكاة وعن الصيام وعن الحج هذا كفر وليس هذا من باب التهاون، التهاون ليس يرى نفسه أنه كبير وأنه أعظم من أن يؤمر المستكبر هو الذى يرى نفسه أنه أعظم من أن يؤمر بهذه الشرائع أو الشعائر والمتهاون متهاون يوجه الخطاب إليه ويؤمر ولكنه متهاون فترك التهاون لا يكفر به إلا في الصلاة وأما ترك الاستكبار والعند والتعارض على أوامر الله فهذا يكفر به ولو كان غير الصلاة حتى لو لكان من الزكاة والصيام والحج، بقينا من اتخذ الله صاحبة أو ولدًا أو شريكًا في الملك أو ما أشبه ذلك من أي أنواع الكفر هذه؟ هذا كفر جحود أنه جحد أن يكون الله واحدًا حيث أشرك به وقد يكون من باب الجحود والاستكبار أيضًا فإن الله نهى أن يشرك به فإذا أشرك فهو مستكبر بناء على ذلك نقول إن الإنسان إذا ارتد على الوجه الذي ذكرنا فإنه ينتقل من وصف الإسلام إلى وصف الكفر ولكن لابد لهذا من شروط الشرط الأول العلم فإن لم يكن عنده علم فإنه لا يكفر سواء جحدًا أو استكبارًا ودليل ذلك قول الله ﵎: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)
стр. 2795
رسولاً ليعلم الناي، وقال تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فدل ذلك على أنه إذا لم تبلغ الرسالة فاللناس حجة فلا يكفرون وقال الله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكى القرى إلاَّ وأهلها ظالمون) [القصص: ٥٩]، قال حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا ... إلخ.
وقال الله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد غذ هداهم حتَّى يبين لهم ما يتقون) [التوبة: ١١٥]، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبين لهم) [إبراهيم: ٤]، وإذا لم يبن فلا فائدة من الرسالة، وقال النبي ﷺ "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار"، وهذا يدل على أنه إذا لم يسمع فليس من أهل النار لأنه جاهل وأنكر عمر ﵁ آية من الفرقان؛ لأنه سمعها من النبي ﷺ على غير الوجه الذي سمعها من قارئها حتى إنه خاصمه وذهب به إلى الرسول ﷺ فحكم بينهما وقال هكذا أنزلت لما قال عمر ولما قال الرجل الآخر ومعلوم أن إنكار آية أو حرف من القرآن كفر لكن عمر لم يعلم إذن لابد من العلم.
فإن قال قائل: إذا ادعى أنه جاهل فهل تقبل دعوى الجهل؟
نقول في هذا تفصيل: إن كان في مكان ناءٍ بعيد كمن عاش في بادية بعيدة ليس عندهم من يعلمهم فإن دعوى الجهل منه مقبولة وإن كان قد عاش بين الناس الذين عندهم علم في هذا الأمر فإنه لا يقبل فمن كان حديث عهد بإسلام هو في بلده بلد كفر يعبدون الأشجار والأصنام ويزنون ويشربون الخمر ثم أسلم وقال إن الخمر ليست حرامًا فإننا نعذره في ذلك لأنه جاهل لكن لو قال إن الخمر غير حرام وهو عائش في بلاد المسامين فإننا لا نقبل منه لأن هذه الدعوى خلاف الظاهر، الشرط الثاني: أن يكون قاصدًا للكفر وانتبهوا لكلمة قاصدًا لأنها دقيقة فمن قصد الكفر كفر سواء كان جادًا أم هازلاً المهم أنه قصد فمن نطق بالكفر غير قاصد فإنه لا يكفر وتحت هذا عدة صور الصورة الأولى: أن يغضب غضبًا شديدًا حتى لا يدري ما يقول ثم يتكلم بكلمة الكفر فهذا لا يكفر لعدم القصد.
الصورة الثانية: أن يفرح فرحًا شديدًا فيقول كلمة الكفر وهو غير قاصد فهو أيضًا لا يكفر بدليل صاحب الناقة التي أضلها حتى اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة فأخذ به وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ولم يكفر؛ لأنه غير قاصد، ويشبه هذا من فعل مكفرا لكمال تعظيمه لله وخوفه منه لا استهانة بالله مثل
стр. 2796
الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه فقال لأهله: والله إن قدر الله علي لعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين ولكن إذا مت فأحرقوني واذروني في اليم ففعل أهله فجمعه الله وقال ما الذي حملك على هذا قال يا رب مخافتك فغفر الله له لأن هذا جاهل كيف ينفذ هذا الخوف من الله ورأى أن هذا أسلم طريق يسلم به من مخافة الله ومن صور هذه المسألة -أعني القصد- إذا أكره الإنسان على الكفر ففعله لداع الإكراه لا قاصدًا إياه فإنه لا يكفر لقول الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا) [النحل: ١٠٦]، ولا فرق بين أن يكره على قول أو على فعل وقصة الذبابة التي ذكرت ليست بصحيحة التي فيها أنه قبل لأحدهم: قرب ولو ذبابة فقرب فدخل النار وقيل للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد من شيء دون الله فإنها غير صحيحة ثم على فرض صحتها هي شرع من قبلنا وقد ورد شرعنا بخلافه لقوله تعالى: (ألا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ولم يقيد ذلك من أكره بقول وكذل الحديث إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، المهم أن هذه الصور كلها تدخل تحت كلمة قصد الكفر ولا فرق بين كونه جادًا أو هازلًا، يعني: لو نطق بكلمة الكفر جادًا أو هازلًا أو فعل فعلة الكفر جادًا أو هازلًا فهو كافر ودليل ذلك قوله ﵎: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: ٦٥، ٦٦].
الشرط الثالث: أن نعلم أن هذا الشيء كفر منطبق على من قام به بمعنى أن نعرف أن هذا كفر دل عليه الشرع وأن الذي قام به هذا العمل المكفر قابل لأن يكفر فإذا لم نعلم أنه كفر وشككنا هل هذا كفر أو غير كفر فالأصل عدم الكفر وأن الإنسان مسلم وإذا علمنا أنه كفر لكن شككنا في حال من قام به هذا العمل هل هو معذور بتأويل أو جهل أو لا فإننا أيضًا لا نحكم بكفره ولهذا منع النبي ﷺ من منابذة الولاة قال "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان" فهذه قيود مبينة عظيمة أن تروا، يعني: تعرفوا وصده الجهل أو الظن كفرًا أي: لا فسقًا لابد أن نعلم أنه كفر بواحًا أي: صريحًا واضحًا عندكم فيه من الله برهان أي دليل واضح.
من فوائد الحديث: أن في دليل على أنه يجب على الإمام بعث الدعاة إلى الأقطار للدعوى للإسلام وهل توافقوني على وجوب البعث؟ لو قال قائل: هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب فالجواب هذا فعل مفسر لقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) والأمر للوجوب بلا شك فيكون الفعل المفسر له واجبًا.
стр. 2797
ومن فوائد الحديث: مشروعية استعانة الدعاة بعضهم ببعض؛ لأن النبي ﷺ بعث لأبا موسى ولأتبعه معاذًا.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن بعث داعيتين فأكثر أن يأمرهما بالتطاوع وعدم التعارض كما أمر النبي ﷺ أبا موسى ومعاذاً أن يتطاوعا، يعني: لا يتنازعا في شيء يطبع أحدهما الآخر ولو كان يرى في ذلك غضاضة عليه لما في الاتفاق والتطاوع من الخير والمصلحة.
ومن فوائد الحديث: حسن الصحبة بين الصحابة -رضى الله عنهم-؛ لأنه قد ورد في نفس الحديث وقد رواه البخاري أنه كلما قرب أحدهما من الآخر ذهب إليه ليجدد العهد به ويتفرع على هذه المسألة ما ذكره بعض العلماء من أنه يستحب للعلماء والدعاة إلى الحق أن يكثروا الزيارات بينهم لأن هذا يجلب المودة والألفة وينشط الدعاء ويغيظ أعداء الدعوى وأعداء الخير وهذا أمر لا شك انه مطلوب لا سيما بين العلماء ودعاة الخير.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لمن بعث دعاة إلى الإسلام أن يأمرهم بما أمر به النبي ﷺ أبا موسى ومعاذاً حيث قال "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" وهذا عام أو إن شئت فقل مطلق كل ما كان فيه التيسير بدون إخلال بالشرع فهو مطلوب كل ما كان فه التبشير حتى لو أذنب الإنسان وجاء يقول إنه أذنب فبشره قل أبشر يا أخي إذا أذنبت فتب والتوبة تهدم ما قبلها وربما تجعل التائب أحسن حالاً منه قبل قبل فعل الذنب وتبشره خلافًا لبعض الأخوة الذين عندهم غيره إذا جاء إنسان يقر بذنبه ويقول فعلت كذا وكذا اكفهر وجهه وعبس وقال أعوذ بالله فعلت هذا، هذا ليس بصحيح الذي جاء تائبًا ينبغي أن يفرج عنه ويشرح له الأمر ويوسع له كما قال النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: إكرام الصاحب والزميل لأن أبا موسى أكرم معاذًا بوضع الوسادة له والوسادة هي المخدة التي ينام عليها الإنسان يضع رلأسه عليها عند النوم ووضعها له ليجلس عليها دليل على إكرامه.
ومن فوائده: أنه لا بأس أن يجلس شريف القوم على فراش او وسادة وإن كان الآخرون لم يجلسوا عليها ولا يقال إن في هذا كبرياء وأنفة لأن لكل مقام مقالاً.
ومن فوائد الحديث: قوة معاذ بن جبل ﵁، يعني: كأنه جاء على بغلة فقال له انزل قال لا أنزل ولا أجلس حتى يقتل وهذا لا شك يدل على القوة لأن هذا الرجل كان يهوديًّا فأسلم ثم عاد فتهود.
ومن فوائد الحديث: أن المرتد لا يقر على ردته وإن كان يقر على دينه الأول لأن اليهودي يقر على دينه لكن إذا اسلم ثم ارتد وتهود فإنه لا يقر.
стр. 2798
ومن فوائد الحديث: استدلال العالم بالنص وإن كان عالمًا مع أن معاذ بن جبل من القضاة المشهورين في الإسلام ومن أئمة الفتوى في الصحابة ومع ذلك استدل على ما قال بقضاء الله ورسوله.
ومن فوائد الحديث: أن قضاء رسول الله قضاء لله وعلى هذا فمعصية رسول الله معصية لله وإن لم يكن هذا في القرآن لأن ما قاله النبي ﷺ من الشرع فهو شرع الله .
ومن فوائد الحديث: جواز قرن الرسول ﷺ مع الله بالواو فى المسائل الشرعية؛ لقوله: "قضاء الله ورسوله".
ومن فوائد الحديث: تعظيم قضاء الله ورسوله عند الصحابة وأنهم يرون لزامًا عليهم أن ينفذوا قضاء الله ورسوله وهكذا يجب على كل مؤمن أن يرى من نفسه وجوب تنفيذ قضاء الله ورسوله والقيام بذاك؟
ومن فوائد الحديث: إذا لم نعتبر رواية أبي داود أن المرتد يقتل بدون استتابة.
أما الحديث الثاني قال: من بدل دينه فاقتلوه، "من" هذه شرطية وألفاظ الشرط تفيد العموم وجواب الشرط قوله فاقتلوه وإنما اقترن الجواب بالفاء؛ لأنه جملة طلبية، والناظم يقول في الجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا:
أسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس
يقول: "من بدل دينه" يعني: أتى بدين غير دينه الذي كان عليه "فاقتلوه" والخطاب هنا للأمة جميعًا لكن المراد بذلك ذوو الأمر منها لأن ذوي الأمر نواب عن الأمة، ولهذا قال العلماء: إن ولي الأمر نائب عن الأمة فهو نائب عنها يرعى مصالحها، ولهذا لا يمكن أن يكون خليفة إلا بالمبايعة من ذوي الشأن والجاه أو بنص ممن قبله حسب ما ذكره العلماء في هذه المسألة فإذا وجه الأمر فى الحدود وقتل المرتد إلى الجماعة فالمراد بذلك ولى الأمر لأنه نائب عن الجماعة سياق هذا الحديث في قصة وردت عن علي بن أبي طالب وهو أنه رُفع إليه قوم عن الزنادقة والزنادقة قيل: إنهم الدهريون الذين يقولون (ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكها إلا الدهر) [الجاثية: ٢٤]، وقيل: إنهم المنافقون، وقد جاء في روايات أخرى في هذه القضية أن على بن أبي طالب جاءه أناس من الشيعة يتشيعون له وقالوا له: أنت الله حقًا، أنت الذي خلقتنا، وأنت الذي رزقتنا، فنهاهم فأصروا إلا كذلك فأمر بالأخدود -يعني: حفرة- وأمر أن يجعل فيها الحطب ثم توقد فيه النار ثم جاء بهم وألقاهم في النار فبلغ ذلك عبد الله بن عباس فأنكر ذلك وقال لو لم يعذبهم بالنار وقتلهم؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يعذب بالنار، وقال: "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك علي بن أبي طالب، أي: بلغه قول ابن عباس فقال: ما أسقط ابن أم الفضل
стр. 2799
على الهناة، يقصد عبد الله بن عباس ولكن الفضل أكبر منه، والهناة ما يعاض على المرء، وهذا إقرار من علي رضى الله عنه بان الصواب مع عبد الله بن عباس قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" "من" هذه للعموم.
فيستفاد من الحديث فوائد: أولاً: أن من بدل دينه وجب قتله من رجل أو امرأة ولكن بشرط أن يكون بالغًا، وأما الصغير فإنه قد رُفع عنه القلم، وقيل: بل يكفر التمييز إذا كان مميزًا وارتد فإنه يقتل إذا لم يرجع إلى الإسلام، لكن المشهور الأول أنه لابد أن يكون بالغًا عاقلاً فإن كان غير بالغ أو غير عاقل فلا عبرة بردته لأن النبي ﷺ يقول: "رُفع القلم عن ثلاثة" وعلى هذا فيكون قوله "من"هذا العام يكون عامًا أريد به؟ البالغ العاقل ويشمل المرأة والرجل.
وهل من فوائد الحديث: أنه لو تهود نصراني أو تنصر يهودي قُتل؟ كله باطل والكفر ملة واحدة وهذه المسألة فيها خلاف فذهب بعض العلماء أن اليهودي إذا تنصر أو النصراني إذا تهود يقتل لأنه انتقل عن شيء يعتقده دينًا فهو دينه ويكون بهذا الانتقال ساخرًا بآيات الله التي يرى أنها حق ولكن لو كان صاحب هذا الرأي قال إن تهود نصراني قتل وإن تنصر يهودي لم يقتل لكان اقرب إلى المعقول لأن اليهودي إذا تنصر إلى دين خير من دينه لأنه ناسخ له بخلاف العكس، لكن القول هذا ضعيف فالحديث لا يشمله لا شك والدليل على أن الحديث ليس على عومه من كل صورة أننا لو أخذنا بعمومه في كل صورة لكان الرجل إذا أسلم وهو كافر يُقتل لأنه بذل دينه ولا قائل به وعلى هذا فنقول إذا انتقل الكافر للإسلام فإنه لا يقتل بالإجماع وإذا انتقل كافر من ملته إلى ملة أخرى ففيه خلاف والصحيح أنه لا يقتل لأن كلا الدينين باطل لكن بعض العلماء يقول إنه إذا تهود نصراني أو تنصر اليهودي فإنه لا يقبل منه إلا الرجوع إلى دينه أو الإسلام؛ لأنه متلاعب، لكنه لا يقتل، بل يقال: ارجع لدينك أو الإسلام.
الصورة الثانية: أن ينتقل من الإسلام إلى الكفر فهذا هو الذي يقتل وهذا هوة المراد وعلى هذا فقوله: "من بدل دينه" أي: دينه الذي يرتضيه الله والذي هو دينه شرعًا؛ لأن الدين غير دين الإسلام وإن كان دين الإنسان قدرًا فليس دينه شرعًا ويكون المراد من بدل دينه الشرعي ولا دين شرعي إلا الإسلام، فيكون إذن الحديث من ارتد عن الإسلام إلى دين آخر وجب قتله، وإنما يقتل؛ لأنه انتقل إلى ما لا يرضي الله؛ لأنه انتقل من الإسلام إلى الكفر إما إذا انتقل من
стр. 2800
يهودية إلى نصرانية فكلاهما لا يرضى عند الله، على أنه ورد فيه حديث، لكنه في السنن ليس في الصحيحين، وهو أنه من اختار غير الإسلام دينًا فاقتلوه.
قُتل من سب النبي أو زوجاته أو أصحابه:
١١٥٨ - وعنه رضى الله عنه: "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة أخذ المعول، فجعله في بطنها، واتكأ عليها عليه فقتلها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا اشهدوا فإن دمها هدرٌ". رواه أبو داود ورواته قاتٌ.
من هي أم الولد؟ هي السرية التي أتت من سيدها بولد قال العلماء ﵏ ويثبت كونها أم ولد بأن تضع ما يتبين فيه خلق الإنسان وعلى هذا فنقول في التعريف أم الولد تضع ما يتبين فيه خلق الإنسان من سيدها وحكم أم الولد أنها تعتق بعد موت سيدها ولو لم يملك إلا هي فإنها تعتق في حياته ولكن هل يجوز بيعها أو لا كانت أمهات الأولاد تباع على عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ثم في أول خلافة عمر ثم إن الناس تجرءوا على بين أمهات الأولاد والتفريق بينهن وبين أولادهن فمنع عمر رضى الله عنه من بيعهن ولا شك أنه إذا كان معها ولد لا تباع لئلا يفرق بينها وبين ولدها لكن إذا قدر أنها وضعت الولد ومات فهل يجوز بيعها نقول من العلماء من أخذ بسنة عمر على سبيل الإطلاق وقال لا يجوز بيعها والصحيح أنه يجوز بيعها في هذه الحال لأنها لم تعتق بعد ولأن أمهات الأولاد يبعن على عهد النبي ﷺ وعلى عهد أبي بكر وأول خلافة عمر، يقول: "كانت تشتم النبي" يعني: تذكره بالعيب وتقع فيه بالسب والتقبيح -والله أعلم- هل كانت كافرة من الأصل أو كانت مسلمة ثم ارتدت "فينهاها فلا تنتهي فلما كان ذات ليلة أخذ المعول"، والمعول حديدة تنقي بها الجبال لاستخراج الحصا منها، "أخذ المعول فجعله في بطنها واتكأ عليها" فقتلها رضى الله عنه غيرة لله ورسوله، فهذا جزاؤها، يعني: صار دمها هدرًا فبلغ ذلك الرسول ﷺ فقال: "ألا اشهدوا فإن دمها هدر"، "إلا" هذه أداة تنبيه وتسمى أداة استفتاح، وهي للتنبيه بلا شك "اشهدوا" استشهدهم النبي ﷺ على أن دمها هدر، ومعنى "هدر" أي: لا قيمة له؛ وذلك لأنها سبت النبي ﷺ وشتمته وسب النبي ﷺ وشتمه لا شك أنه كفر وردة عن الإسلام، كما أن سب الله كفر وردة عن الإسلام كما أن
стр. 2801
سب القرآن والاستهانة به وطلب تناقضه واختلافه ومخالفته للواقع، يعني: طلب القدح في القرآن بأي وسيلة كفر (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) كما أن سب الصحابة رضى الله عنهم واعتقاد أنهم كفروا أو فسقوا إلا نفرًا قليلاً منهم كفر مخرج عن الملة، وليس صاحبه من أهل الإسلام في شيء، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: أم من سبٌ النبي ﷺ فدمه هدر وظاهر هذا الحديث أنه لا يستتاب لأن النبي ﷺ لم يبن أنه كان يجب أن يستتبها إلا أن يقال إن نهيه إياها وامتناعها عن الانتهاء بمنزلة الاستيتاب.
وعلى كل حال: فمن سب الله أو رسوله فهو كافر مرتدٌ لا إشكال فيه، ولكن يبقى النظر إذا تاب هل تقبل توبته أو لا؟ فالمشهور من المذهب انه لا تقبل توبة من سب الله أو رسوله، لأن هذا كفر ليس بعده كفر هذا أعظم الكفر من جعل الله ندًا فهو كافر لكن من سب الله فهو أعظم ممن جعل لله ندًا لن سب الله بجعل الند سب ضمني والسب الصريح أقوى في الاستهانة وعلى هذا فمن سبَّ الله أو رسوله حتى لو قال إنه تاب فإنه لا يقبل منه ذلك-هذا هو المشهور من المذهب- وعللوا ذلك بعظم كفره وكذلك من سب القرآن فإنه لا تقبل توبته لأن سب القرآن سبٌ لله فمن سب القرآن فإنه لا تقبل توبته لعظم كفره وقيل: تقبل التوبة ممن سب الله ورسوله لقوله تعالى: (قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... ) [الزمر: ٥٣]. يغفر الذنوب جميعًا مهما عظمت ولقول النبي ﷺ التوبة تهدم ما قبلها ولقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ولعموم قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ... ) [النساء: ١٧].
والقريب الذي في التأبين هب التوبة قبل الموت ولأن الله تعالى قال: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) [الأنعام: ١٠٨]. وهذا يدل على أن المشركين لا يبالون إذا سبوا الله لكنهم قد لا يسبون الله تعالى إذا انتهينا عن سب آلهتهم وهذا القول هو الصحيح أن من سب الله أو كتابه أو رسوله ثم تاب فتوبته مقبولة لعموم الأدلة لكن إذا كان السبٌ لله أو كتابه ارتفع عنه القتل، يعني: لا يُقتل لأن الله تعالى قد أخبرنا بأنه يعفو عن حقه في التوبة وإذا عفا، انتهى كل شيء وأما من سب الرسول ﷺ فإننا نقبل توبته لكن نقتله لا كفرًا بل نقتله ونغسله
стр. 2802
ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين لكننا نقتله أخذًا بالثأر حيث سب النبي ﷺ والنبي ﷺ بشر وليس حيًّا حتى نقول إن الرسول عفا عمن سبوه في حياته، في حياته هو بالخيار لكن بعد موته من يقول لنا إنه يعفو عن هذا الرجل الذي سبه فنأخذ بالثأر لنبينا ﷺ ونقول نقلت هذا الرجل على أنه مسلم لأنه تاب والآجال طالت أم قصرت لابد من الموت. إذن القول الصحيح فيمن سب الله ورسوله وكتابه تقبل توبته لكن من سب الرسول فقط يقتل أخذًا بالثأر لرسول الله ﷺ ، أما من سب الله وتاب وسب القرآن وتاب فإننا نقبل توبته ولا نقتله، من سب زوجات الرسول ﷺ ولا سيما إذا سبهن في عرضهن، فإن سب عائشة بما برأها الله منه، أي: بما قيل فيها في الإفك فهو مرتدٌ، ولا شك في هذا، ويجب أن يقتل؛ لماذا؟ لنه مكذب للقرآن، هو جامع بين ثلاثة أمور: تكذيب القرآن. القدح في أم المؤمنين. القدح فر يول الله ﷺ لأن هذا تدنيس لفراشه وأما من قذفها بغير ذلك أو قذف غيرها مزن أمهات المؤمنين فقد اختلف العلماء ولكن الصحيح الذي لا شك فيه أنه يكفر إذ لا فرق يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة ولا كرامة له ولكن هل تقبل توبته؟ نقول تقبل توبته بناء على عموم الآيات، ولكن يقتل للثأر لرسول الله ﷺ ؛ لأن الواحد منا لا برضى أن تقذف أمه من النسب أو زوجته فهل يمكن أن يرضى المسلمون بأن تقذف أمهات المؤمنين وهم أمهاتهم؟ لا والله لا يرضون أو يرضون أن تقذف زوجات الرسول ﷺ وهم لا يرضون أن تقذف زوجاتهم؟ أبدًا يقينًا بمن سب الصحابة رضى الله عنهم من سب الصحابة وقال إنهم ارتدوا بعد الرسول ﷺ إلا نفرًا قليلاً فهو كافر لا شك فيه لأن هذا قدح في حكمة الله وقدح في رسول الله وقدح في شريعة الله وقدح في الصحابة أنفسهم أما كونه قدح في الصحابة فواضح كيف يكون خيار الأمة خيرًا القرون منذ خلق آدم إلى خلق القيامة وهم أصحاب رسول الله فيأتي إنسان ويقول هم كفار أو فساق أو ما أشبه ذلك إلا من أملى هواه عليه أنهم بريئون من ذلك فهو قدح في الصحابة هو أيضًا قدح في الشريعة لأننا نقول من الذي نقل الشريعة إلينا؟ الصحابة إلى التابعين ثم تابعين التابعين إلى يومنا هذا فإذا كانوا كفارًا أو فساقًا فمن الذي يثق لما ينقلونه؟ ! ولهذا باتفاق علماء الحديث أن من شرط قبول رواية الراوي أن يكون عدلاً في دينه والله يقول: (يا أيها الذي آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) [الحجرات: ٦]، تثبتوا خبره وهو أيضًا قدح في القرآن لأن الذين حملوا القرآن إلينا الصحابة القرآن الذي بأيدينا إذا كان النقلة له كفارًا أو فساقًا فكيف نثق به؟ ! هو قدح في رسول الله ﷺ ووجهه أن يقال هؤلاء الأصحاب لمحمد فسقة كفار والمرء على دين خليله والقدح في صاحب الإنسان قدح في الإنسان نفسه؛ لأن القادح في صاحب الإنسان قدح في الإنسان من
стр. 2803
أحد وجهين ولابد إما أنه أبله لا يعرف من صاحبه عليه من الانحراف، وإما أنه موافق له في انحرافه، هو أيضًا قدح في حكمة الله -جل وعلا- حيث يختار لمحمد ﷺ وهو أفضل النبيين مثل هؤلاء الأصحاب الذين انتهزوا الفرصة ثم ارتدوا بعد موته وفسقوا هذا من أسفه السفه والرب يُنزه عنه وبهذا تبين أنه لا إشكال في أن من كفر الصحابة فهو كافر أو فسقهم إلا قليلاَ فهو كافر أو فسقهم فهم كافر بل قال شيخ الإسلام لا شك في كفر من لم يكفره لأنه يترتب عليه هذه المفاسد التي سمعتموها، إذن الخلاصة أن هناك أشياء لا تقبل فيها التوبة على المشهور من المذهب وهي من سب الله أو رسوله أو القرآن أو الصحابة أو زوجات الرسول ﷺ ؛ لأن كل هذا ينافي الدين، هناك أشياء أيضًا قال الفقهاء أنه لا تقبل توبة من ارتد بها وهي توبة الزنديق -وهو عند الفقهاء المنافق- الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر قالوا هذا لا تقبل فيها التوبة على المشهور من المذهب وهي من سب الله أو رسوله أو القرآن أو الصحابة او زوجات الرسول ﷺ ؛ لأن كل هذا ينافي الدين، هناك أشياء أيضًا قال الفقهاء إنه لا تقبل توبة من ارتد بها وهي توبة الزنديق -وهو عند الفقهاء المنافق- الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر قالوا هذا لا تقبل توبته قلنا: لم؟ قال لأن الرجل يظهر أنه مسلم من الأصل إذا سألته قال: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأصلي الصلوات فيظهر الإسلام قالوا هذا لا تقبل توبته إذا علمنا أنه منافق لأنه لم يظهر لنا إلا الإسلام فلا نقبل توبته هذا هو التعليل لكنه تعليل في مقابلة النص، فإن الله صرح في القرآن بقبول توبة المنافق لكنه سبحانه وضع قيودًا وشروطًا فقال: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. أربعة قيود (فأولئك مع المؤمنين) ولهذا نتحرز بقوة ي قبول توبة المنافق لا نقبل مباشرة بل نمهله ونسبر حاله وننتظر وهذا هو الصحيح لدلالة القرآن عليه، وقد أشار إليه السفاريني في عقيدته فقال:
قلت وإن دلَّت دلائلث الهدى ... كما جرى للعيلبوني اعتدى
إذا دلت القرائن على أن هذا الزنديق هذا المنافق مسلم حقيقة فإننا نقبل منه السابع من تكررت ردته، يعني: ارتد ثم أمسكناه فرجع للإسلام فأطلقناه، ثم ارتد ثانية فأمسكناه فأسلم فأطلقناه، ثم ارتد ثالثة فهنا تكررت ردته قالوا: هذا لا تُقبل توبته؛ لأنه متلاعب، إذ كيف أمس يقول إنه قد كفر ثم يقول: إنه قد أسلم وهكذا، فلا نقبل توبته واستدلوا بقوله تعالى: (عن الذين أمنوا ثم كفروا ثم أمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً) [النساء: ١٣٧]. الذي تتكرر ردته لا تقبل ثوبته لأنه متلاعب وللآية، ولكننا نقول: اما الآية فلا دليل فيها؛ لأن نهاية من تكررت ردته فيها أنَّا ازداد كفرًا وهذا يقال في حقه إنه يبعد أن يهتدي للإسلام بل لا يمكن أن يهتدي للإسلام لأن الله قال: (لم يكن الله ليغفر لهم) وهذا، يعني: أنهم لا يمكن أن يتوبوا بعد هذا التكرار والزيادة في الكفر لكن إذا علمنا أن الرجل أخلص حقيقة وتاب، وقال: أنا أخطأت فلماذا لا نقبل توبته؟ وأما كونه متلاعبًا فإن كل مرتد متلاعب مستهزئ غير مبالٍ بما
стр. 2804
يجب لله من حق وعلى هذا فنقول إن القول الصحيح أن جميع من ارتد بأي نوع من الردة إذا تاب فإن توبته تقبل للآيات التي سمعتم والأحاديث التي سمعتم إلا أن من الناس من نحتاط ونتحرز في توبته مثل المنافق، فغن قال قائل: إذا كان صاحب بدعة مكفرة وتاب فهلا نقتله دفعًا للفساد في الأرض؟ لأن أهل البدع مفسدون في الأرض فالجواب أن نقول: لا؛ لأن الرجل تاب وإذا تاب زال فساده لكن نطالبه بان يكتب ردًا على بدعته التي كان يدعو إليها من قبل ونلزمه بذلك حتى لا يغتر أحد بما كان عليه أولاً وإلا يفعل فإننا بلا شك سوف نشك في صحة توبته فللحاكم أو لولي الأمر في هذه الحال أن يجتهد فيما يرى من قتله أو إبقائه أو إلزامه تحت الضغط الشديد أن يكتب ما يبين أنه عن بدعته، والساحر أيضًا مما اختلف العلماء في قبول توبته فمن العلماء من قال إن الساحر لا تقبل توبته -وهو المشهور من المذهب- لأن كفره عظيم وذلك يكون مفسدًا في الأرض معتديًا على الخلق فلا يمكن أن نقبل توبته، ولكننا قد بينا القول الراجح وأن جميع أهل الكفر تقبل توبتهم لكن الساحر ننظر إذا كانت صلحتن حاله وترك ما هو عليه قطعاً لا سرًا ولا علنا فإننا لا نتعرض له، والله على كل شيء، قدير قد يهديه الله سبحانه، أما إذا كان تاب أمامنا ولكنه في السر يتعاطى هذا العمل فإنه يجب قتله دفعًا لشره وفساده.
ومن فوائد الحديث: أن سب النبي ﷺ كان معلومًا عند جميع الناس أنه مبيح للدم وجه ذلك أن هذا الصحابي لم يستأذن النبي ﷺ في قتله أم ولده.
ومن فوائد الحديث: أن سب النبي ﷺ كان معلومًا عند جميع الناس أنه مبيح للدم وجه ذلك أن هذا الصحابي لم يستأذن النبي ﷺ في قتله أم ولده.
وفي فوائده: جواز إقامة السيد الحد على رقيقه أو من كان من حكم الرقيق لأن هذا الرجل قتلها والقتل نوع من الحد وإن كان القتل على الرَّدة ليس حدًّا في الواقع لأن الحد لا يمكن إسقاطه والقتل الواجب بالردة يمكن إسقاطه بالتوبة ولو بعد القدرة عليه.
ومن فوائد الحديث: أن من أُبيح قتله جاز قتله على أي صفة كان، يعني: لا يكون القتل ذبحًا لن هذا الرجل طعنها في بطنها ولكن لا يجوز أن يُقتل على سبيل التمثيل أو على سبيل يتألم به أكثر لقول النبي ﷺ "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
ومن فوائد الحديث: جواز الإشهاد على الأحكام لأن النبي ﷺ قال ألا أشهدوا فإن دمها هدر مع أنه ﷺ لا يحتاج إلى إشهاد لكن هذا من باب تأكيد الحكم أن دمها هدر.
стр. 2805
كتاب الحدود
ويشتمل على:
١ - باب حد الزاني
٢ - باب حد القذف
٣ - باب حد السرقة
٤ - باب حد الشارب وبيان المسكر
٥ - باب التعزيز وحكم الصائل
следующие страницы →