← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

سب القرآن والاستهانة به وطلب تناقضه واختلافه ومخالفته للواقع، يعني: طلب القدح في القرآن بأي وسيلة كفر (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) كما أن سب الصحابة رضى الله عنهم واعتقاد أنهم كفروا أو فسقوا إلا نفرًا قليلاً منهم كفر مخرج عن الملة، وليس صاحبه من أهل الإسلام في شيء، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق. ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولاً: أم من سبٌ النبي ﷺ فدمه هدر وظاهر هذا الحديث أنه لا يستتاب لأن النبي ﷺ لم يبن أنه كان يجب أن يستتبها إلا أن يقال إن نهيه إياها وامتناعها عن الانتهاء بمنزلة الاستيتاب. وعلى كل حال: فمن سب الله أو رسوله فهو كافر مرتدٌ لا إشكال فيه، ولكن يبقى النظر إذا تاب هل تقبل توبته أو لا؟ فالمشهور من المذهب انه لا تقبل توبة من سب الله أو رسوله، لأن هذا كفر ليس بعده كفر هذا أعظم الكفر من جعل الله ندًا فهو كافر لكن من سب الله فهو أعظم ممن جعل لله ندًا لن سب الله بجعل الند سب ضمني والسب الصريح أقوى في الاستهانة وعلى هذا فمن سبَّ الله أو رسوله حتى لو قال إنه تاب فإنه لا يقبل منه ذلك-هذا هو المشهور من المذهب- وعللوا ذلك بعظم كفره وكذلك من سب القرآن فإنه لا تقبل توبته لأن سب القرآن سبٌ لله فمن سب القرآن فإنه لا تقبل توبته لعظم كفره وقيل: تقبل التوبة ممن سب الله ورسوله لقوله تعالى: (قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ... ) [الزمر: ٥٣]. يغفر الذنوب جميعًا مهما عظمت ولقول النبي ﷺ التوبة تهدم ما قبلها ولقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ولعموم قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ... ) [النساء: ١٧]. والقريب الذي في التأبين هب التوبة قبل الموت ولأن الله تعالى قال: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) [الأنعام: ١٠٨]. وهذا يدل على أن المشركين لا يبالون إذا سبوا الله لكنهم قد لا يسبون الله تعالى إذا انتهينا عن سب آلهتهم وهذا القول هو الصحيح أن من سب الله أو كتابه أو رسوله ثم تاب فتوبته مقبولة لعموم الأدلة لكن إذا كان السبٌ لله أو كتابه ارتفع عنه القتل، يعني: لا يُقتل لأن الله تعالى قد أخبرنا بأنه يعفو عن حقه في التوبة وإذا عفا، انتهى كل شيء وأما من سب الرسول ﷺ فإننا نقبل توبته لكن نقتله لا كفرًا بل نقتله ونغسله

стр. 2802

ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين لكننا نقتله أخذًا بالثأر حيث سب النبي ﷺ والنبي ﷺ بشر وليس حيًّا حتى نقول إن الرسول عفا عمن سبوه في حياته، في حياته هو بالخيار لكن بعد موته من يقول لنا إنه يعفو عن هذا الرجل الذي سبه فنأخذ بالثأر لنبينا ﷺ ونقول نقلت هذا الرجل على أنه مسلم لأنه تاب والآجال طالت أم قصرت لابد من الموت. إذن القول الصحيح فيمن سب الله ورسوله وكتابه تقبل توبته لكن من سب الرسول فقط يقتل أخذًا بالثأر لرسول الله ﷺ ، أما من سب الله وتاب وسب القرآن وتاب فإننا نقبل توبته ولا نقتله، من سب زوجات الرسول ﷺ ولا سيما إذا سبهن في عرضهن، فإن سب عائشة بما برأها الله منه، أي: بما قيل فيها في الإفك فهو مرتدٌ، ولا شك في هذا، ويجب أن يقتل؛ لماذا؟ لنه مكذب للقرآن، هو جامع بين ثلاثة أمور: تكذيب القرآن. القدح في أم المؤمنين. القدح فر يول الله ﷺ لأن هذا تدنيس لفراشه وأما من قذفها بغير ذلك أو قذف غيرها مزن أمهات المؤمنين فقد اختلف العلماء ولكن الصحيح الذي لا شك فيه أنه يكفر إذ لا فرق يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة ولا كرامة له ولكن هل تقبل توبته؟ نقول تقبل توبته بناء على عموم الآيات، ولكن يقتل للثأر لرسول الله ﷺ ؛ لأن الواحد منا لا برضى أن تقذف أمه من النسب أو زوجته فهل يمكن أن يرضى المسلمون بأن تقذف أمهات المؤمنين وهم أمهاتهم؟ لا والله لا يرضون أو يرضون أن تقذف زوجات الرسول ﷺ وهم لا يرضون أن تقذف زوجاتهم؟ أبدًا يقينًا بمن سب الصحابة رضى الله عنهم من سب الصحابة وقال إنهم ارتدوا بعد الرسول ﷺ إلا نفرًا قليلاً فهو كافر لا شك فيه لأن هذا قدح في حكمة الله وقدح في رسول الله وقدح في شريعة الله وقدح في الصحابة أنفسهم أما كونه قدح في الصحابة فواضح كيف يكون خيار الأمة خيرًا القرون منذ خلق آدم إلى خلق القيامة وهم أصحاب رسول الله فيأتي إنسان ويقول هم كفار أو فساق أو ما أشبه ذلك إلا من أملى هواه عليه أنهم بريئون من ذلك فهو قدح في الصحابة هو أيضًا قدح في الشريعة لأننا نقول من الذي نقل الشريعة إلينا؟ الصحابة إلى التابعين ثم تابعين التابعين إلى يومنا هذا فإذا كانوا كفارًا أو فساقًا فمن الذي يثق لما ينقلونه؟ ! ولهذا باتفاق علماء الحديث أن من شرط قبول رواية الراوي أن يكون عدلاً في دينه والله يقول: (يا أيها الذي آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) [الحجرات: ٦]، تثبتوا خبره وهو أيضًا قدح في القرآن لأن الذين حملوا القرآن إلينا الصحابة القرآن الذي بأيدينا إذا كان النقلة له كفارًا أو فساقًا فكيف نثق به؟ ! هو قدح في رسول الله ﷺ ووجهه أن يقال هؤلاء الأصحاب لمحمد فسقة كفار والمرء على دين خليله والقدح في صاحب الإنسان قدح في الإنسان نفسه؛ لأن القادح في صاحب الإنسان قدح في الإنسان من

стр. 2803

أحد وجهين ولابد إما أنه أبله لا يعرف من صاحبه عليه من الانحراف، وإما أنه موافق له في انحرافه، هو أيضًا قدح في حكمة الله -جل وعلا- حيث يختار لمحمد ﷺ وهو أفضل النبيين مثل هؤلاء الأصحاب الذين انتهزوا الفرصة ثم ارتدوا بعد موته وفسقوا هذا من أسفه السفه والرب يُنزه عنه وبهذا تبين أنه لا إشكال في أن من كفر الصحابة فهو كافر أو فسقهم إلا قليلاَ فهو كافر أو فسقهم فهم كافر بل قال شيخ الإسلام لا شك في كفر من لم يكفره لأنه يترتب عليه هذه المفاسد التي سمعتموها، إذن الخلاصة أن هناك أشياء لا تقبل فيها التوبة على المشهور من المذهب وهي من سب الله أو رسوله أو القرآن أو الصحابة أو زوجات الرسول ﷺ ؛ لأن كل هذا ينافي الدين، هناك أشياء أيضًا قال الفقهاء أنه لا تقبل توبة من ارتد بها وهي توبة الزنديق -وهو عند الفقهاء المنافق- الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر قالوا هذا لا تقبل فيها التوبة على المشهور من المذهب وهي من سب الله أو رسوله أو القرآن أو الصحابة او زوجات الرسول ﷺ ؛ لأن كل هذا ينافي الدين، هناك أشياء أيضًا قال الفقهاء إنه لا تقبل توبة من ارتد بها وهي توبة الزنديق -وهو عند الفقهاء المنافق- الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر قالوا هذا لا تقبل توبته قلنا: لم؟ قال لأن الرجل يظهر أنه مسلم من الأصل إذا سألته قال: أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأصلي الصلوات فيظهر الإسلام قالوا هذا لا تقبل توبته إذا علمنا أنه منافق لأنه لم يظهر لنا إلا الإسلام فلا نقبل توبته هذا هو التعليل لكنه تعليل في مقابلة النص، فإن الله صرح في القرآن بقبول توبة المنافق لكنه سبحانه وضع قيودًا وشروطًا فقال: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. أربعة قيود (فأولئك مع المؤمنين) ولهذا نتحرز بقوة ي قبول توبة المنافق لا نقبل مباشرة بل نمهله ونسبر حاله وننتظر وهذا هو الصحيح لدلالة القرآن عليه، وقد أشار إليه السفاريني في عقيدته فقال: قلت وإن دلَّت دلائلث الهدى ... كما جرى للعيلبوني اعتدى إذا دلت القرائن على أن هذا الزنديق هذا المنافق مسلم حقيقة فإننا نقبل منه السابع من تكررت ردته، يعني: ارتد ثم أمسكناه فرجع للإسلام فأطلقناه، ثم ارتد ثانية فأمسكناه فأسلم فأطلقناه، ثم ارتد ثالثة فهنا تكررت ردته قالوا: هذا لا تُقبل توبته؛ لأنه متلاعب، إذ كيف أمس يقول إنه قد كفر ثم يقول: إنه قد أسلم وهكذا، فلا نقبل توبته واستدلوا بقوله تعالى: (عن الذين أمنوا ثم كفروا ثم أمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً) [النساء: ١٣٧]. الذي تتكرر ردته لا تقبل ثوبته لأنه متلاعب وللآية، ولكننا نقول: اما الآية فلا دليل فيها؛ لأن نهاية من تكررت ردته فيها أنَّا ازداد كفرًا وهذا يقال في حقه إنه يبعد أن يهتدي للإسلام بل لا يمكن أن يهتدي للإسلام لأن الله قال: (لم يكن الله ليغفر لهم) وهذا، يعني: أنهم لا يمكن أن يتوبوا بعد هذا التكرار والزيادة في الكفر لكن إذا علمنا أن الرجل أخلص حقيقة وتاب، وقال: أنا أخطأت فلماذا لا نقبل توبته؟ وأما كونه متلاعبًا فإن كل مرتد متلاعب مستهزئ غير مبالٍ بما

стр. 2804

يجب لله من حق وعلى هذا فنقول إن القول الصحيح أن جميع من ارتد بأي نوع من الردة إذا تاب فإن توبته تقبل للآيات التي سمعتم والأحاديث التي سمعتم إلا أن من الناس من نحتاط ونتحرز في توبته مثل المنافق، فغن قال قائل: إذا كان صاحب بدعة مكفرة وتاب فهلا نقتله دفعًا للفساد في الأرض؟ لأن أهل البدع مفسدون في الأرض فالجواب أن نقول: لا؛ لأن الرجل تاب وإذا تاب زال فساده لكن نطالبه بان يكتب ردًا على بدعته التي كان يدعو إليها من قبل ونلزمه بذلك حتى لا يغتر أحد بما كان عليه أولاً وإلا يفعل فإننا بلا شك سوف نشك في صحة توبته فللحاكم أو لولي الأمر في هذه الحال أن يجتهد فيما يرى من قتله أو إبقائه أو إلزامه تحت الضغط الشديد أن يكتب ما يبين أنه عن بدعته، والساحر أيضًا مما اختلف العلماء في قبول توبته فمن العلماء من قال إن الساحر لا تقبل توبته -وهو المشهور من المذهب- لأن كفره عظيم وذلك يكون مفسدًا في الأرض معتديًا على الخلق فلا يمكن أن نقبل توبته، ولكننا قد بينا القول الراجح وأن جميع أهل الكفر تقبل توبتهم لكن الساحر ننظر إذا كانت صلحتن حاله وترك ما هو عليه قطعاً لا سرًا ولا علنا فإننا لا نتعرض له، والله على كل شيء، قدير قد يهديه الله سبحانه، أما إذا كان تاب أمامنا ولكنه في السر يتعاطى هذا العمل فإنه يجب قتله دفعًا لشره وفساده. ومن فوائد الحديث: أن سب النبي ﷺ كان معلومًا عند جميع الناس أنه مبيح للدم وجه ذلك أن هذا الصحابي لم يستأذن النبي ﷺ في قتله أم ولده. ومن فوائد الحديث: أن سب النبي ﷺ كان معلومًا عند جميع الناس أنه مبيح للدم وجه ذلك أن هذا الصحابي لم يستأذن النبي ﷺ في قتله أم ولده. وفي فوائده: جواز إقامة السيد الحد على رقيقه أو من كان من حكم الرقيق لأن هذا الرجل قتلها والقتل نوع من الحد وإن كان القتل على الرَّدة ليس حدًّا في الواقع لأن الحد لا يمكن إسقاطه والقتل الواجب بالردة يمكن إسقاطه بالتوبة ولو بعد القدرة عليه. ومن فوائد الحديث: أن من أُبيح قتله جاز قتله على أي صفة كان، يعني: لا يكون القتل ذبحًا لن هذا الرجل طعنها في بطنها ولكن لا يجوز أن يُقتل على سبيل التمثيل أو على سبيل يتألم به أكثر لقول النبي ﷺ "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة". ومن فوائد الحديث: جواز الإشهاد على الأحكام لأن النبي ﷺ قال ألا أشهدوا فإن دمها هدر مع أنه ﷺ لا يحتاج إلى إشهاد لكن هذا من باب تأكيد الحكم أن دمها هدر.

стр. 2805

كتاب الحدود ويشتمل على: ١ - باب حد الزاني ٢ - باب حد القذف ٣ - باب حد السرقة ٤ - باب حد الشارب وبيان المسكر ٥ - باب التعزيز وحكم الصائل

стр. 2806

كتاب الحدود في فصل المؤلف كتاب الحدود عن قتل المرتد دليلٌ على أن قتل المرتد ليس من الحدود، وما يكتبه بعض الكُتَّاب المعاصرين من أنّ قتل المرتد من الحدود وهم منهم وليس من الحدود في شيء، لأن الحدود إذا وصلت السلطان وجبت إقامتها على كل حال، أما المرتد إذا وصل إلى السلطان واستتابه وتاب وجب رفع القتل عنه. مفهوم الحدود وحكمه: وقول المؤلف: "كتاب الحدود" هي جمع حد، وهو في اللغة: الشيء الفاصل بين شيئين، وسمي حدًّا؛ لأنه يمنع امتزاج كل واحد بالآخر، ومنه حدود الأرض، وهي المراسيم التي تُجعل بين أرض زيد وعمرو، أما في الشرع فله إطلاقات منها: المناهي، ومنها: الواجبات؛ يعني: أن المناهي تسمَّى حدودًا، والوجبات تسمى حدودًا، فما نهي عن تجاوزه فهو أوامر، وما نهي عن الدخول فهو نواه، يعني إذا قيل: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهذه نواه، وإذا قيل: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [البقرة]، فهي أوامر، لأن الواجبات يكون الإنسان داخلها في ضمنها فلا يجوز أن يتعداها، والنواهي الأصل أن يكون خارجًا منها يقربها، ولذلك نقول: إذا كانت الآية ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاعلم أنها أوامر، وإذا كانت الآية ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهي نواه، مثال ذلك قوله- ﵎ في آية الطلاق لما ذكر ما يجب على المُطلِّق وعلى المطلقة: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩]، لأنها أوامر، وقال- ﵎: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للنّاس لعلهم يتقون﴾، لما ذكر ما يتعلق بأموال اليتامى وغيرهم قال ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ المهم أن ما كان من النواهي يقال فيه: لا تقربوها، وما كان من الأوامر يقال فيه: لا تعتدوها. يطلق أيضًا الحد في الشرع على العقوبة، وهو المراد هنا، ونحده بأنه "عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتكون كفارة عن الفاعل ورادعة عن الفعل فإن السارق إذا كان يعلم أنه إذا سرق قطعت يده فإن هذا سيمنعه ويردعه عن السرقة، والزاني إذا علم أنه سيُجلد ويُغرّب إذا كان

стр. 2807

بكرًا فسيردعه، وسيُرجم إذا كان محصنًا فسيردعه، فتعريف الحدود أنها عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتكون كفارة للفاعل ورادعة عن الفعل، هذه هي الحكمة من الحدود. والحدود إقامتها فرض واجب لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاققطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما وإن القرينة تؤيده، إذ إن قطع عضو من معصوم حرام، والحرام لا ينتهك إلا بواجب، وكذلك ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحدة منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]. يدل على وجوب إقامة الحد، وقد صرَّح أمير المؤمنين عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ بأنه فريضة حيث قال: "وإن الرجم فريضة على من زنى إذا أحصن"، وعلى هذا فإقامة الحدود واجبة على من؛ يعني: من الذي يخاطب؟ يخاطب بذلك ولي الأمر، فإذا ترك حدًّا من الحدود لم يقمه كان تاركًا لواجب، ثم إن الحدود تجب إقامتها على الشريف والوضيع، والغني والفقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والقريب من ولي الأمر والبعيد، فهي تجب من ولي الأمر، حتى إن النبي ﷺ أقسم- وهو الصادق البار- بأن فاطمة بنت محمد ﷺ لو سرقت لقطع يدها، بدأ المؤلف ﵀ بحد الزنا فقال: ١ - باب حد الزاني وذلك لأن الزنا فاحشة وسقوط، وسفول للإنسان وشر مستطير في المجتمع، فكان أولى أن يُبدأ به، والزنا: "فعل الفاحشة في قبل أو دبر" هذا تعريفه، ولكن لا بد أن يكون من يكون من آدمي، فلا يعتبر فعل الفاحشة في البهيمة زنا، ولهذا لا يجب الحد على من أتى البهيمة. حد الزاني غير المحصن: ١١٥٩ - عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهنِّي ﵁: "أنَّ رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الآخر- وهو أفقه منه-: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي، فقال: قل: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإنّي أخبرت أنّ على ابني الرَّجم، فاقتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني: أنَّ ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرَّجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، والوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". متفق عليه، وهذا اللفظ لمسلم. الرجل هنا مبهم، ونحن لا يعنينا المبهم، إذ لا يتغير بإبهامه الحكم، فإذا صار ذكره أو

стр. 2808

عدم ذكره لا يتغير به الحكم فإن هذا لا يهمنا، الذي يهمنا القضية الواقعة سواء كان الذي وقعت منه فلانًا أم فلانًا، ولهذا قال: "أن رجلًا من الأعراب"، والأعراب اسم جمع للأعرابي وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجهل لقول الله- ﵎ ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ [التوبة: ٩٧]، ولكن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، فالغالب عليهم الجهل. "قال: لكن من الموجّه ومن الموجَّه إليه؟ الموجّه: أعرابي، فالناس عنده سواء، والموجَّه إليه أحلم الخلق محمد ﷺ ، وإلا فهي كلمة عظيمة "أنشدك الله" يعني: أذكرك الله وأعاهدك به أن تقضي بيننا بكتاب الله، وهذا لا يحتاج إليه النبي ﷺ ؛ لأنه إذا قضى سوف يقضي بكتاب الله ولا بد، قال العلماء: إن قوله: "إذا قضيت" فيها إشكال، من جهة أنها وردت على جملة مثبتة فقالوا: إن "أنشدك" على تقدير "ما" أي: ما أنشدك إلا القضاء بكتاب الله، وعلى هذا فتكون إلا حرف استثناء مفرغ وليست مثبتة؛ لأنه "أنشدك" على تقدير: ما أنشدك إلا كذا. "إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى" يعني: إلا حكمت، القضاء هنا بمعنى الحكم، وقوله: "بكتاب الله" أي: بمقتضى كتاب الله، سواء كان من عند الرسول ﷺ أو من القرآن، "فقال الآخر- وهو أفقه منه-: نعم، فأقضِ بيننا بكتاب الله"، قوله: "الآخر وهو أفقه" جملة معترضة تبين حالة الرجل الثاني وهو أنه أفقه من الأول، ولكن من أين علم الراوي أنه أفقه؟ يحتمل أنه علم ذلك بأنه لم يقل كما قال الأعرابي "أنشدك الله"، أو أنه يعلم من حالة أنه أفقه لكونه مدنيًّا حضريًّا من أهل الإقامة والمدينة، والغالب أن هؤلاء أفقه من الأعراب، المهم أنه تبين للراوي أنه أفقه من الأول، قال: "نعم" هنا حرف جواب، ولكنها ليست حرف جواب في الواقع، ولكنها لتحقيق ما سبق، ويستعملها العلماء في كتبهم، ولا سيما العلماء الذين يكتبون كتابة مستقلة، يقول: نعم لو كان كذا وكذا فهي حرف لتصديق ما سبق هنا، وإلا فالأصل أنها جواب لاستفهام. "فاقض بيننا بكتاب الله" "اقض" الأمر ليس للوجوب طبعًا؛ لأنه ليس في مرتبة تؤهله أن يأمر النبي ﷺ على سبيل الوجوب، ولكن نقول: إنها من باب الالتماس والترجي وما أشبه ذلك. "وأذن لي" يعني: أرخص لي أن اتكلم، وهذا من أدبه أنه استأذن النبي ﷺ أن يتكلم، والأعرابي لم يستأذن فقال "قل"، يعني: قل ما شئت، وهذا إذن، قال: "إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته"، "على هذا" يعني: الأعرابي، و"عسيفًا" بمعنى: أجبرا، فهو كأجير لفظًا ومعنى، وإن شئت فقل: كأجير وزنًا ومعنى، فمعنى عسيفًا أي: أجيرًا عليه، يعني: قد استأجره لرعي إبله أو غنمه أو ما أشبه ذلك، "فزنى بامرأته" الزاني العسيف الابن، ويظهر أن هذا شاب.

стр. 2809

وإن أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة"، "أُخبرت" أخبره بلا شك رجل جاهل جهلًا مركبًا؛ لأنه أخبره بما ليس هو الحق، ويقول العلماء: الجاهل المركب هو الذي لا يعلم ولا يدري أنه لا يعلم، ولهذا ركب جهله من كونه لا يعلم الواقع ولا يعلم بحاله أنه لا يعلم فهو في الحقيقة مركب من جهلين، والبسيط هو الذي لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم مثال ذلك: ثلاثة رجال سألنا أحدهم فقلنا له: متى كانت غزوة الخندق؟ فقال: في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة هذا جاهل مركب؛ لأن غزوة الخندق في شوال في السنة الخامسة، وسألنا الآخر فقال: لا أدري هذا جاهل بسيط، وسألنا الثالث قال: في شوال سنة خمس من الهجرة هذا عالم، فالذين أخبروه بأن على ابنه الرجم هؤلاء جهال جهلًا مركبًا، "فافتديت منه" يعني: أعطيت فداء عن ابني، "بمائة شاة ووليدة"، المائة شاة معروفة وهي الواحد من الضأن أو أعم من ذلك أو الأنثى من الضأن، "ووليدة" هي الأمة. "فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام"ـ أهل العلم أخبروه بالحق أنه لا يجب الرجم على ابنه وإنما الجلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، كان بالأول الأعرابي أتاه مائة شاة ووليدة وامرأته سالمة من فتوى الجهال، لكن الآن صار الرجم على امرأة الأعرابي وهذا ليس عليه إلا جلد مائة وتغريب عام بماذا؟ قال العلماء: يجلد بسوط بسوط لا جديد ولا خلق، يقولون: لأن الجديد صلب يؤثر عليه وربما يجرح جلده، ولا خلق يتفتت لأنه قديم ولا يكون على ما ينبغي إيجاع هذا الزاني، "وتغريب عام"، يعني: إخراجه من البلد حتى يكون غريبًا لمدة سنة، وقوله: "وأن على امرأة هذا الرجم"، الرجم: هو أن يضرب الزاني بالحصى الصغار التي ليست كبيرة جدًّا ولا صغيرة حتى يموت. فقال رسول الله: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله"، أقسم ﷺ بالذي نفسه بيده وهو الله، وإنما أقسم من أجل أن يطمئن كلا الخصمين، لا سيما الأول وهو الأعرابي، الإقسام هنا في محله لدعاء الحاجة إليه والمصلحة من وجوده، وقوله: "والذي نفسي بيده" أي: أن نفس الرسول بيد الله إن شاء أرسلها وإن شاء قبضها، وكل إنسان نفسه بيد الله إن شاء أرسلها وإن شاء قبضها، قال الله- ﵎: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ [الزمر: ٤٢]، مناسبة القسم بهذا دون أن يقول: والله ليشعر المخاطب بأن هذا أقسم، أقسم وهو يعلم أن وراءه الموت، ومعلوم أن الإنسان الذي يقسم وهو يعلم أن وراءه الموت سيكون إقسامه عن حق؛ لأنه يخشى من بيده أن يهلكه عاجلًا غير آجل، "لأقضين بينكما بكتاب الله" جملة "لأقضين" هي جواب

стр. 2810

القسم، وهي كما تشاهدون مؤكدة بالنون واللام، وعلى هذا فالجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم واللام، والنون. "الوليدة والغنم رد عليك"، "الوليدة" يعني: الأمة، و"الغنم": المائة شاة، "رد عليك"، و"رد" هي خبر المبتدأ، وهي بمعنى: مردود كقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، المعنى: أن الوليدة والغنم ترد عليك، وقوله: "الغنم والوليدة رد عليك" بعد أن قال: "لأقضين بينكما بكتاب الله". إذا قال قائل: أين ذلك في كتاب الله؟ نقول: هي موجودة في كتاب الله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، وهذا باطل لأنه أخذ بغير حق، وكل ما أُخذ بغير حق فهو باطل، لقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]. وعلى هذا فرد الغنم والوليدة على هذا الرجل موجود في كتاب الله، وإن لم يكن موجودًا بعينه، ولكن بالقاعدة العريضة وهي الأساس وهي تحريم أكل مال الغير بالباطل. قال: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" لأنه ابنه بكر لم يكن قد تزوج، والبكر جلده جلد مائة وتغريب عام، و"واغد يا أنيس" أي: اذهب غدوة في أول النهار، وقد يراد بالغدو مجرد الذهاب، أي: اذهب ولو في المساء، "يا أنيس" اسم رجل من الصحابة اختاره النبي ﷺ أن يذهب وهي- كما رأيتم- قضية عين لا ندري لماذا اختار النبي ﷺ هذا الرجل، لكنه اختاره لسبب اقتضى أن يكون هذا الرجل هو الذي يذهب، "إلى امرأة هذا" أي: الأعرابي، وامرأته، أي: زوجته "فإن اعترفت" أي: أقرت، "فارجمها". في هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها: جفاء الأعراب وغلظة الأعراب وجهل الأعراب لقول الأعرابي: "أنشدك الله إلا قضيت". ومنها أيضًا: سعة حلم الرسول ﷺ ، حيث لم يؤاخذ هذا الأعرابي بهذه الكلمة الغليظة التي لا ينبغي أن توجه لرسول الله ﷺ . ومنها: الحكم بالقرائن لقول الراوي "وهو أفقه منه". ومنها: حسن الأدب مع الكبير لقول الرجل: "وأذن لي"، فلا نبغي للإنسان أن يتكلم أمام الكبير إلا بإذنه اللفظي أو العرفي أو الحالي، اللفظي أن يقول: تكلم، العرفي أن يكون جرى به العرب الحالي أن يعلم من حال الرجل أنه لا يهمه أن يتكلم الناس في مجلسه ولو كان أصغر منه، والناس في هذا المقام يختلفون، فمن الناس الكبراء من يكره أن يتكلم أحد في مجلسه إلا بإذنه، وإذا تكلم أحدٌ في مجلسه يسند الكلام إلى غيره تجده يتمعر وجهه، وهذا ليس بطيب، اللهم إلا إذا كان هذا الرجل يتحدث بأمر ديني علمي شرعي فهو له الحق أن ينكر على هؤلاء الذين يتكلمون، لا سيما إذا كان الكلام بطلب من الجميع.

стр. 2811

ومن فوائد الحديث: خطر الإجراء والخدم على الأهل؛ لأن هذا الأجير خادم، وفي عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة ومع ذلك لم تسلم امرأة من استأجره من عدوان هذا الأجير عليها، وقد يكون بغير عدوان كأن يكون زوجها تمادت به السن وهذا رجل شاب وأعجبها وطلبته لنفسها لا ندري، ولهذا قالت امرأة العزيز لما أخذت يوسف إلى النساء: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ [يوسف]، فصحرت بما لا تملك أن تسكت عليه، فالنساء كالرجال كما أن الرجل يرغب في المرأة الجميلة، كذلك ترغب المرأة في الرجل الجميل وربما لا تملك نفسها إذا رأت الجميل أن تدعوه إليها إذا لم يكن إيمانها قويًّا. المهم: نأخذ من هذا الحديث: خطر الخدم، إذا كان هذا الخطر وقع في عهد الرسول ﷺ وعهد الصحابة فما بالك بعهدنا! ! ومن فوائد الحديث: التصريح بما يستقبح ذكره لدعاء الحاجة لذلك لقوله: "فزنى بامرأتي"، وكان يكفيه أن يقول: فأتى امرأته أو وقع على امرأته أو وقع على امرأته لكنه صرّح؛ لأن المقام يقتضي ذلك. ومن فوائد الحديث: ضرر الفتيا بلا علم؛ لأنها غيرت الحكم الشرعي فأبرأت المرأة من الحد وجعلت الحد على الأجير رجمًا وليس كذلك، فالفتيا بلا علم خطرها عظيم، ولهذا حرمها الله وقرنها بالشرك به فقال تعالى: ﴿إنّما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم يُنزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]. ومن فوائد الحديث: فضل أهل العلم وأنهم في الأرض نور وهدى لقوله: "فسألت أهل العلم فأخبروني بكذا وكذا". ومن فوائده: جواز فتيا المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الرجل استفتى أهل العلم وأفتوه مع أن النبي ﷺ كان حاضرًا موجودًا، لكن يحتمل أن هذا الأعرابي خارج المدينة وأنه استفتى أهل العلم الذين عنده، وإذا كان الأمر كذلك تبطل هذه الفائدة، والقاعدة عند العلماء أنه إذا تطرق الاحتمال إلى الدليل سقط الاستدلال به، ولكن يقال: هذه المسألة- وهي إفتاء المفضول مع وجود الفاضل- واقعة في عهد الصحابة- ﵃ فما زالوا يفتون في عهد الرسول ﷺ وبعد عهده مع وجود من هو أفضل منهم، لكن الكلام على أن الفتوى تكون بعلم. ومن فوائد الحديث: حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه وقضائه، وأنه يسلك أقرب الطرق إلى إقناع المخاطب، لقوله: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله". ومن فوائد الحديث: جواز الإقسام وإن لم يستقسم إذا دعت الحاجة أو اقتضت المصلحة ذلك لحلف النبي ﷺ دون أن يُستحلف؛ لأن المقام يقتضي ذلك حتى يقتنع الجميع. ومن فوائد الحديث": جواز القسم بهذه الصيغة: "والذي نفسي بيده".

стр. 2812

ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى الحكمة في القسم بهذه الصيغة، وهو أن الإنسان يتذكر أنه سيموت وأن نفسه بيد الله. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي الإقسام ويشرع من أجل طمانينة المخاطب؛ لأن النبي ﷺ أقسم ليطمئن المخاطب، فإن المخاطب قال: "أنشدك الله ... إلخ"، فكان من المشروع أن يقسم له من أجل أن يطمئن، وعلماء البلاغة يقولون: المخاطب له ثلاث حالات: متشكك، أو خالي الذهن، أو منكر، فإن كان خالي الذهن فإنه لا يحسن أن تؤكد الكلام له بقسم؛ لأن خالي الذهن سوف يصدق إلا إذا كان المخبر به أمرًا مهمًّا يحتاج إلى تثبيت فلا بأس. والثاني: المتردد يحسن أن تقسم له أو أن تؤكد الكلام بأي مؤكد آخر من أجل زوال التردد الذي في نفسه. والثالث: منكر يجب أن يؤكد له حتى يزول إنكاره، في هذا الحديث من أي الأقسام الثلاثة المخاطب؟ الثاني. ومن فوائد الحديث: أن ما جاءت به السنة فهو من كتاب الله لقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله"، ثم قضى بما لم نجده بعينه في القرآن، وإن كان القرآن يتضمن على سبيل العموم ما حكم به الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن من قبض مالًا بغير حق وجب رده على صاحبه، لقوله: "الوليدة والغنم رد عليك" هذا خبر بمعنى: الإلزام، أي: مردود عليك، فكل من قبض مالًا بغير حق وجب رده إلى صاحبه. فإن قيل: فمن أين نعلم أنه بحق أو لا؟ قلنا: بعرضه على الكتاب والسنة، فإذا كان الكتاب والسنة يجيزان له ذلك فهو بحق وإلا فلا. ويرد على هذا سؤال أيضًا وهو إذا لم يعلم صاحبه فماذا يصنع؟ نقول: إذا لم يعلم صاحبه ولا ورثته فإنه يتصدق به عمن هو له، ولا نقول: عن صاحبه، بل نقول: عمن هو له، لأنه من الجائز أن يكون صاحبه قد مات وانتقل إلى ورثته، فنقول: عمن هو له. ويرد على هذا سؤال آخر: هل إذا تصدق به عن صاحبه يبقى حق صاحبه في الآخرة لقاء ما حال بينه وبين ملكه؟ وهل إذا دفعه إلى الورثة أيضًا حق المورث؟ الذي يظهر من عمومات الأدلة في أن من تاب، تاب الله عليه يسقط حق صاحبه المال ولو حال بينه وبينه هذه المدة ويتحمل الله سبحانه عن صاحب المال ما يكون مقابل ظلمه في هذه المسألة، ويرد على هذا إذا أخذه بغير حق شرعي، ولكن صاحبه قد أخذ مقابله، مثل مهر البغي وحلوان الكاهن وثمن الكلب فهل يرده لصاحبه الذي أخذه منه كامرأة زنى بها رجل بأجرة، ولما فرغ

стр. 2813

من الفعل قال: إن مهر البغي خبيث وليس لك عليَّ شيء، فهل نلزمه أن يدفع ذلك إلى المرأة التي زنى بها أم ماذا؟ نقول: لا يمكن أن يرده إلى المرأة، وقد قال النبي ﷺ : "مهر البغي خبيث"، هل نقول: يبقيه له؟ إن قلنا بذلك فهو مشكل؛ لأننا في هذه الحال جمعنا له بين العوض والمعوَّض؛ لأنه نال شهوته بالزنا، ثم نقول: أبق المال الذي اتفقت أنت والزانية عليه فيكون هذا مشكلًا، فنكون جميعًا له بين العوض والمعوَّض، ثم ربما يكون في ذلك تشجيع للزناة أن يفعلوا هذا مع البغايا ثم يقولون: نحن لا نعطيكن تلك الأجرة لأنها خبيثة، فما هو الجواب: أن نأخذ منه هذه الأجرة التي اتفق هو والبغي عليها ونجعلها في بيت المال، وهذا أصح الأقوال وأعدلها. فإن قال قائل: يكون في هذا تضييع حق المرأة؟ فالجواب: أن المرأة ليس لها حق في هذا؛ لأن هذا عوض عن فعل محرم، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه". ومن فوائد الحديث: أن الزاني إذا لم يكن متزوجًا فحده جلد مائة وتغريب عام، وسبق لنا صفة الجلد بأن يكون بسوط لا جديد ولا خَلق، وأنه يتقى في ذلك الرأس والفرج والمقاتل، لأن المقصود تعذيبه لا إهلاكه. ومن فوائد الحديث: أن الحكم عام في الأحرار والعبيد، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، لكن يخص الإماء من هذا العموم لقوله تعالى: ﴿فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء]، أي: أن الإمام يجلدن خمسين جلدة، أما التغريب فقيل: يغرب الزاني المملوك، وقيل: لا يغرب، فمن قال: يغرب أخذ بالعموم، ومن قال: لا يغرب قال: لأن في ذلك تفويتًا لحق سيده فتلحق الجناية غيرها، ولكن الصحيح أن يغرب، وكون ذلك تفويتًا على سيده نظيره ما لو جنى هذا العبد أحد بما يوجب قصاصًا أو مالًا، فهل يؤخذ من سيده؟ نعم يؤخذ إذا كان قصاصًا قتل العبد، وإذا جنى جناية توجب المال قلنا للسيد: إما أن تدفع الجناية وإما أن تدفع العبد عوضًا عنها وإما أن يباع العبد ويؤخذ ثمنه ويجعل في الجناية.

стр. 2814

بقي النظر: هل نقيس العبد على الأمة في تنصيف العذاب؟ أما الذين يمنعون القياس كالظاهرية فيقولون: لا قياس، وأما الذين يثبتون القياس فإنهم يقيسون العبد على الأمة ويقولون: إنه يتنصف على العبد، ولكن قد يعارض معارض في هذا القياس، ووجه المعارضة: أن من شرط القياس مساواة الفرع للأصل في العلة، والفرع هنا لا يساوي الأصل، وذلك لأن الإماء نساء مغلوبات على أمرهنّ، فربما يخدعن وربما يهددن، وبما يكرهن أسيادهن مع أن مع الإكراه ليس هناك حدٌّ بخلاف الرجل وحينئذٍ يمتنع القياس، فيقال: إذا زنى العبد يجلد على منع القياس مائة ويغرب عامًا، وإذا زنت الأمة فإنها ينص القرآن تجلد خمسين جلدة. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إثبات الحدود وفي إقامة الحدود لقوله: "واغد يا أنيس إلى امرأة فإن اعترفت فارجمها"، "وإن اعترفت" هذا إثبات الحد، "فأرجمها" هذا إقامة الحد. ومن فوائد الحديث: أنه لا بد من تعيين الوكيل؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: ليغد أحدكم إلى امرأة هذا، بل قال: "اغد يا أنيس"، فلا بد من تعيين الوكيل في مثل هذه الأمور الخطيرة. ومن فوائد الحديث: أنه لا تقبل دعوى الغير على الغير أو لا يقبل إقرار الغير على الغير، لأن النبي ﷺ لم يقبل قول الرجل فزنى بامرأتي، بل قال: "اغد يا أنيس فإن اعترفت فارجمها". ومن فوائده: أن القذف في مقام المحاكمة قبل ثبوت البراءة ليس فيه حد، يؤخذ من أن الرجل قال: "فزنى بامرأتي"، ولم يقم عليه النبي ﷺ الحد. فائدة في حكم استراط التكرار في الإقرار لثبوت الزنا: ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط في الإقرار بالزنا تكرار الإقرار، وأنه إذا أقر مرة واحدة ثبت الفعل؛ لقوله: "فاعترفت"، والفعل يدل على الإطلاق فهو غير مقيد بعدد، ولو كان العدد واجبًا لبينة النبي ﷺ ؛ لأن الرجل لم يعد إلى الرسول إلا وقد نفّذ الحد، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من ذهب إلى هذا الحديث وقال: لا يشترط تكرار الإقرار، ومنهم من قال: إنه يشترطن وحمل هذا المطلق على المقيد، وذلك في حديث ماعز بن مالك الأسلمي ﵁ حين جاء إلى النبي ﷺ فأقر أنه زنى فأعرض عنه إلى الوجه الثاني، فجاء من الوجه الثاني، وقال: إنه زني فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، وحينئذٍ استثبت النبي ﷺ من الرجل قال: "أبك جنون" قال: لا، فأرسل إلى أهله وذرية هل الرجل غير عاقل؟ وفي بعض الروايات أنه أمر شخصًا يستنكهه، يعني: يشمه لعله سكران من الخمر، كل هذا لم يكن مجنونًا ولا سكران بل هو عاقل، لكن لماذا لم يقم النبي ﷺ الحد إلا بعد التكرار؟ أما على القول بأنه شرط فالأمر ظاهر؛ لأنه لا يتم الحكم إلا بالتكرار، وأما على القول الثاني فأجابوا عن الحديث بأن النبي ﷺ قد تردد في صحة إقرار هذا الرجل بدليل أنه سأله أبك جنون؟ ثم سأله كيف زني، حتى قال له:

стр. 2815

"أنكتها" قال: "نعم"، وكأن النبي ﷺ لم يثبت عنده الأمر وتردد فيه، والقول الصحيح أنه لا يشترط في الإقرار التكرار، لأن الله تعالى سمى الإقرار شهادة، والشهادة لا يشترط فيها التكرار، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. والشهادة على النفس هي الإقرار، فكما أن الشاهد لا يؤمر بتكرار شهادته فكذلك المقر لا يشترط لصحة إقراره تكرار إقراره، نعم إذا صار عند القاضي تردد في حال هذا الرجل أو تردد في علم هذا الرجل بما يسمى زنا فحينئذٍ نكرر عليه. ومن فوائد الحديث: وجوب الرجم على من زنى إذا كان قد تزوج فإنه يجب رجمه لقوله "فإن اعترفت فارجمها" والرجم هو أن يرمي بالحجارة المتوسطة التي ليست صغيرة فيتأذى بها حتى يموت ولا كبيرة فيموت سريعًا بل حجارة متوسطة، يعني: مثل البيضة أو أقل هكذا الرجم. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، وهذا هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، بل إذا كان الرجم اقتصرنا عليه: وهذا مقتضى النظر؛ لأنه ما دام سوف يقتله لم نستفد من جلده إلا مجرد التعذيب فلا فائدة، الجلد من أجل ردعه، والآن سوف يقتل فلا فائدة من الجلد بل الرجم. فإن قال قائل: هل ثبت الرجم في القرآن؟ قلنا: نعم، وسيأتي في حديث عمر بن الخطاب في هذا الحديث إشكال أولًا: أن النبي ﷺ قبل قول الرجل على ابنه ولم يقبل قوله على امرأة الرجل، فما الجواب؟ الجواب: إما أن يكون الابن حاضرًا فيكون عدم إنكاره على أبيه بمنزلة الإقرار، وإما أن يكون هذا على سبيل الاستفتاء، والاستفتاء لا يشترط فيه إقرار المدعي عليه ولهذا حكم النبي ﷺ لهند بنت عتبة على زوجها أبي سفيان حين قالت: إنه شحيح لا يعطيني ما يكفيني، فقال: "خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك" ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الحديث صريح في أن المسألة من باب القضاء لا من باب الاستفتاء، لكن يقال: إما أن يكون الابن حاضرًا، وإما أن نجعل إقرار الأب على ابنه بمنزلة إقرار الابن، لأنه من المستحيل أن يقول الرجل: إن ابني زني وهو لم يزن بخلاف دعواه على المرأة. الإشكال الثاني: أن الرسول ﷺ قال: "على ابنك مائة جلد مائة وتغريب عام" فهل التغريب مفيد لهذا الزاني؟ نعم فيه فائدة منها أنه يبتعد عن محل الفاحشة لئلا تحدثه نفسه بالعودة إليها، ومنها: أن الغريب يكون منشغل البال غير مطمئن، وهذه الحال تجعل نفسه تهدأ ويزول عنها ما فيها من الأشر والبطر وحب النكاح فترجع وتهدأ فكان في التغريب فائدة، ولكن إذا كانت امرأة هل تغرب؟ نقول: تغرب بشرط أن يوجد معها محرم يصاحبها حتى تعود إلى

стр. 2816

بلدها وإلا فلا تغرب؛ لأن تغريبها لا يزيدها إلا شرًا، وإذا قدرنا أنه لا يوجد فيما حولنا إلا بلاد فاسدة معروفة بالخنا والفجور فهل نغربها إلى هذه البلاد؟ لا، لأننا لا يمكن أن نكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. حكم الجمع بين الجلد والرجم: ١١٦٠ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه مسلم. "خذوا" فعل أمر، و"عني" يعني: ما أقول، كررها تأكيدًا لأهمية الموضوع، "فقد جعل الله لهن سبيلًا"، "جعل" بمعنى: صيّر، ولذلك نصبت فعلين؛ لأن جميع أفعال التصيير تنصب مفعولين، فهنا يقول: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ [النساء]، يشير إلى قوله تعالى: ﴿والّاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا- أي: الأربعة- فأمسكوهن في البيوت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فيشير بأن الله قد جعل سبيلًا بما أوحاه إلى نبيه في قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، هذا السبيل يقول: "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" يعني: إذا زنى البكر بالبكر فإن كل واحد منهما يجلد مائة وينفى سنة، وقوله: "البكر بالبكر" هذه إحدى الصور الأربعة الممكنة في ذلك وهي بكر ببكر، ثيب بثيب، بكر بثيب، ثيب ببكر، إذا زنى بكر ببكر فكما بيَّنه النبي ﷺ ، إذا زنى ثيب بثيب فالرجم، إذا زنى بكر بثيب تبعَّض الحكم البكر جلد وتغريب كما سبق، والثيب رجم كما في الحديث السابق، إذا زنى ثيب ببكر كذلك تبعَّض الحكم يكون الزاني يُرجم والمزني بها تجلد وتُغرب. قوله: "والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" فجمع النبي ﷺ على الثيب بين عقوبتين الجلد والرجم، لكن قال العلماء: هذا في أول الأمر، أما في النهاية فإن النبي ﷺ اقتصر على الرجم ولم يُحفظ عنه أنه جمع بين الرجم والجلد، وإن كان علي بن أبي طالب ﵁ يرى الرجم مع الجلد، لكنه قول مرجوح، إذن الحديث ليس فيه إلا صورتان: بكر ببكر وثيب بثيب، ونحن ذكرنا أربع صور. في هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى: حرص النبي ﷺ على الإبلاغ لقوله: خذوا عني خذوا عني" فكررها. ومنها قول الواعظ أو المتكلم للناس: خذوا عني اتباعًا لسنة النبي ﷺ ، ولا يعد

стр. 2817

هذا إعجابًا، اللهم إلا أن يقع في قلب القائل إعجاب فهذا شيء آخر، لكن إذا لم يقع فإنه لا بأس به، ولكن يشترط في غير النبي ﷺ أن يكون ما قاله مؤكدًا أي أنه حكم الله. ومن فوائد الحديث: أن الأحكام الشرعية قد تأتي مؤجَّلة وقد تأتي منجزة، فجلد الزاني مؤجل أو معجل؟ مؤجل، كان بالأول (والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتّى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلًا) [النساء: ١٥]، فهنا جعل الله تعالى غاية إمساكهن بالبيوت إما الموت أو السبيل، فهذا حكم مؤجل بمعنى: أنه قد يكون هذا الحكم مشارًا إلى تغييره. ومن فوائد الحديث: أن الجعل يكون في الأمور الشرعية كما يكون في الأمور القدرية، فالجعل في الأمور القدرية كثير جدًّا: وجعلنا الَّيل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا) [النساء: ١٠ - ١١]، ﴿وجعلنا أية النهار مبصرة﴾ [الإسراء: ١٢]، لكن الجعل الشرعي قليل، الجعل هنا شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [المائدة: ١٠٣]، ﴿ما جعل﴾ يعني: جعلًا شرعيًّا، أما كونيًّا فقد جعل ذلك، فالبحائر موجود والسوائم موجودة، والوصائل موجودة، وكذلك الحام موجود. ومن فوائد الحديث: الجمع بين الرجم والجلد، وسبق أن آخر الأمرين من الرسول ﷺ عدم الجمع ويقتصر على الرجم. ثبوت الزنا بالإقرار: ١١٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رجلٌ من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إنِّي زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إنِّي زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنَّى ذلك عليه أربع مرَّات، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه". متفق عليه. هذا الحديث في قصة ماعز بنم مالك ﵁ وهو أنه زنى فأراد أن ينتقم من نفسه وأن يطهر نفسه من الإثم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبرهن فقوله: "فناداه" يعني: كلمه بصوت مرتفع؛ لأن النداء هو الصوت المرتفع، والنجاء هو الصوت المنخفض، ألا ترون إلى قوله تعالى: ﴿ونادينه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم: ٥٢]، فجعل المناجاة في القرب، والمناداة في البعد، وهذا ظاهر معتاد.

стр. 2818

وقوله: "وهو في المسجد" أي: جاءه وهو في المسجد، وقوله: "إني زنيت" هذا صريح في الزنا، والزنا هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر من آدمي، وقوله: "أعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه" يعني: التفت إلى ناحية أخرى، ولكن الرجل أعاد وقال ذلك مرة ثانية. "فلما ثنى ذلك" أي: كرر ذلك أربع مرات دعاه الرسول ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " الاستفهام هنا استعلام، والجنون: هو تغطية العقل، وسمّي جنونًا؛ لأنه مأخوذ من الاجتنان وهو التغطية، وعلامة الجنون ألا يكون الإنسان متصرفًا تصرف العقلاء إما بمقاله أو بفعاله أو بحاله، وقوله: "هل أحصنت؟ " يعني: هل أحصنت فرجك، وحينئذٍ يكون الفعل متعديًا والمفعول محذوف، ويجوز: "هل أحصنت" بمعنى: هل كنت محصنًا فيكون الفعل لازمًا، والإحصان: هو الجماع، أن يجامع الرجل زوجته بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، وقوله: "اذهبوا به فارجموه"، لما أقر على نفسه بالزنا وأنه قد أحصن، وسبق معنى الإحصان وهو أن يطأ الرجل زوجته الحرة البالغة في نكاح صحيح وهو كذلك حر بالغ. فأوصاف الإحصان في باب حد الزنا خمسة: أن يكون كلٌّ منهما حرًّا، بالغًا، عاقلًا، ويطأها الزوج في نكاح صحيح، فقال: نعم، فقال: "اذهبوا به فارجموه"، "اذهبوا" أي: بهذا الرجل، فذهبوا به فرجموه، فلما شرعوا في رجمه وأزلقته الحجارة وذاق مسها هرب، فلحقه الصحابة حتى أدركوه فرجموه حتى مات، وإنما لحقه الصحابة امتثالًا لأمر النبي ﷺ في قوله: "فارجموه" ولم يستثن، لم يقل: إلا أن يهرب أو كلمة نحوها حتى يتركوه، فهم أمروا أن يرجموه، ففعلوا ﵃ فرجموه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ "، ولكنه لم يضمنهم لأنهم فعلوا ذلك متأوِّلين، كما لم يضمن أسامة حين قتل المشرك الذي أسلم فعاتب النبي ﷺ أسامة وقال له: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله"، وما زال يكررها حتى تمنى أنه لم يكن أسلم بعد، ولم يضمنه الرسول ﷺ ؛ لأنه كان متأولًا كما لم يضمن خالد بن الوليد دية الذين قتلهم حين قالوا: صبأنا صبأنا، هو عرض عليهم الإسلام فقالوا: صبأنا صبأنا، ولم يعرف خالد ﵁ أنهم أرادوا بقولهم: صبأنا، أي: دخلنا في الإسلام وتركنا ديننا، بل ظن أنهم يريدون أن يؤكدوا أنهم على دين يخالف الإسلام فقتلهم فلامه النبي ﷺ على ذلك ثم لم يضمنه ولكنه وداهم من بيت المال؛ لأنَّ خالدًا قتلهم متأولًا. في هذا الحديث فوائد عديدة منها: أنه ينبغي الستر عن الإنسان باسمه إذا كانت الفائدة [تتحقق] بدون ذكر اسمه مأخوذة من هذا اللفظ الذي معنا وهو قوله: "أتى رجل من المسلمين"، مع أنه في بعض الروايات ضرّح باسمه، لكن بعض الرواة ربما يلاحظ أن الستر أولى فيعبر بهذا التعبير.

стр. 2819

ومن فوائد الحديث: جواز الإقرارات في المسجد مع أن أصل بناء المساجد للذكر وقراءة القرآن والصلاة لكن لا بأس بالإقرارات، فأما ما يتعلق بأمور الدين فلا شك في جوازه، ومنه هذه المسألة؛ لأن معازًا ﵁ أقر في المسجد ولم يقل له الرسول ﷺ : انتظر حتى تخرج بل قبل إقراره، لكن إذا كان إقرارًا في أمور دنيوية كرجل أقر بدين عليه في المسجد فعل ذلك جائز؟ الجواب: نعم، هو جائز؛ لأن إقرار الإنسان بحق عليه قد نقول: إنه من الدين؛ حيث إنه اعتراف بما يجب عليه من حقوق الناس، وكذلك يجوز التقاضي في المسجد؛ أي: أن الإنسان يكون عليه دين فيرى غريمه في المسجد فيوفيه فإن ذلك جائز؛ لأن إبراء الذمة من الأمور المطلوبة فلا بأس بقضاء الدين في المسجد، وأما البيع والشراء سواء كان بالصيغة المعهودة كبعت واشتريت، أو بما يدل على ذلك مثل أن يقول الرجل للتاجر: يا فلان، أرسل إلى البيت كيسًا من الرز أو كيسًا من السكر فيقول: أفعل، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه بيع وشراء، فقوله: أرسل إليّ، يعني: بع عليّ، وأرسل إلى البيت، وقول الثاني: "نعم" هذا هو القبول أو الإيجاب. ومن فوائد الحديث: جواز رفع الصوت في المسجد لقوله: "فناداه"؛ لأن النداء يكون بصوت عالٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وناديناه - أي: موسى - من جانب الطُّور الأيمن وقرَّبناه نجيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. لما قرب صار كلامه مناجاة، ولما كان بعيدًا كان كلامه نداء، إذن "ناداه" أي: بصوت مرتفع. ومن فوائد الحديث: جواز التصريح بما يلام عليه العبد إذا دعت الحاجة إليه لقوله: "إني زنيت"، وكان بإمكانه أن يقول: أتيت أمرًا عظيمًا، لكنه صرَّح بهذا، وكأنه - والله أعلم - فعل ذلك غضبًا لله وانتقامًا لنفسه من نفسه، وهذا يجري كثيرًا في أولياء الله، فها هو سليمان ﵊ عرضت عليهالخيل قبل صلاة العصر فانشغل بها عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، فلما رأى ما حصل قال: ﴿ؤدُّوها عليَّ﴾ فردوها ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾ [ص: ٣٣]. المراد بذلك: قطع أعناقها وعقر سوقها، والسوق جمع ساق، فعل ذلك انتقامًا من نفسه لنفسه؛ لأنها ألهته عن ذكر الله ﴿إنِّي أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربِّي حتَّى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. ولا حرج أن الإنسان إذا رأى شيئًا من ماله ألهاه عن ذكر الله أن يكسره أو يبيعه ويخرجه عن ملكه حتى لا يتلهى به، ونظير ذلك إحراق رحل الغال الذي يغل من الغنيمة مع أن الأنفع - فيما يبدو - أن يدخل في بيت المال في الغنيمة ينتفع به الناس، لكنه يحرق هنا لما يترتب على ذلك من النكال والعقوبة. ومن فوائد الحديث: حسن معاملة النبي ﷺ لأصحابه؛ حيث ينزل كل إنسان منزلته، وذلك أنه أعرض عن ماعز بن مالك متشككًا في أمره، لكنه لم يعرض في قضية العسيف؛ لأن الأمر كان واضحًا.

стр. 2820

ومن فوائد الحديث: فضيلة ماعز بن مالك ﵁؛ حيث أنه ألح على رسول الله ﷺ حتى إنه كلما تنحى عنه اتجه إليه فأقر بأنه زنى حتى أتم ذلك أربع مرات. ومن فوائد الحديث: أنه لا يقبل في الإقرار بالزنا إلا أربع مرات وأنه لو قال: زنيت، ثم قال: زنيت، ثم قال: زنيت فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن النبي ﷺ لم يقم الحد على ماعز حتى شهد على نفسه أربع مرات؛ ولأن كل إقرار مرة بمنزلة الشاهد، والزنا لا يقبل فيه بالشهادة إلا أربعة رجال: ﴿ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]. يعني: لو شهد على إنسان ثلاثة رجال أنه زنى فماذا نصنع؟ نجلد الثلاثة كل واحد ثمانين جلدة، والمتهم بالزنا - المشهود عليه - لا نتعرض له لأنه لا بد في الشهادة بالزنا من أربعة، ما دون الأربعة يكونون قذفة وهذا الذي دل عليه ظاهر الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد في المشهور عن أصحابه. وقد سبق لنا في الحديث الأول أن في ذلك خلافًا بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن قضية ماعز إنما احتاج النبي ﷺ أن يقرره أربع مرات لأنه كان شاكًّا في أمره، ولهذا أعرض عنه وظن أن في عقله شيئًا، ثم لما تأكد أن الرجل ليس في عقله خلل حكم عليه، وكون ذلك أربع مرات قد يقول قائل: إن هذا وقع اتفاقًا وليس مقصودًا بأن يكون كل إقراره مرة عن شهادة رجل وما دام الاحتمال قائمًا فإن الاستدلال يكون ساقطًا، ومن قواعدهم المقررة: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، والقول الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا أقر مرة واحدة وهو بالغ عاقل يعلم ما يقول فإنه يثبت عليه الحد. ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مؤتمن على نفسه في بيان حالها لقوله: "أبك جنون؟ " فقال: لا، فإذا رأينا شخصًا مفطرًا فقلنا: لم أفطرت في رمضان أأنت مريض؟ فقال: نعم، فلا نتعرض له؛ لأن الإنسان مؤتمن على نفسه في بيان حاله وحسابه على الله، كما قال الرسول ﷺ لماعز: "أبك جنون؟ " قال: "لا"، فأقره على ذلك وحكم بمقتضى هذا الإقرار. ومن فوائد الحديث: أن إقرارات المجنون لا تعتبر، وجه الدلالة: أن قوله: أبك جنون؟ " يريد أن يرتب عليه الحكم فيما لو قال: إنه مدجنون، يعني: فلا إقرار له وهو كذلك، والمجنون جميع أقواله لاغية لا يحاسب عليها سواء كانت متعلقة بنفسه أو بحق الله أو بحق العباد فهي لاغية لا يترتب عليها شيء، اللهم إلا أن يحصل من أقواله أذية فهنا يحبس لئلا يؤذي الناس، فلو أن مجنونًا قال لإنسان: أنت زانٍ فإننا لا نقول له شيئًا، يعني: لا يترتب على قذفه هذا إقامة حد القذف؛ لأنه مجنون، ولو قال المجنون لشخص: في ذمتي لك ألف ريال وهو مجنون فهل تثبت الألف؟ لا، ولو قال المجنون: زوجتي طالق هل تطلق؟ لا، إذن جميع أقواله غير معتبرة، ولو قال المجنون: إن الله شريكًا فلا نحكم بكفره.

стр. 2821

هل يلحق بالمجنون من زال عقله بسبب؟ نقول: إن كان السبب غير محرم فإنه يلحق بالمجنون ولا يترتب على أقواله شيء كما لو بنِّج على وجه حلال أو أصيب بحادث فاختل عقله أو كان مريضًا مرضًا شديدًا وصار يخرف فغنه لا عبرة بقوله؛ لأنه لا يعي ما يقول، وأما إذا كان بسبب محرم كما لو شرب مسكرًا فهل تعتبر أقواله؟ في هذا خلاف بين العلماء، مثاله: رجل سكر فطلق زوجته فهل تطلق؟ فيه خلاف؛ من العلماء من قال: إنها لا تطلق، ومنهم من قال إنها تطلق، فأما من قال: إنها تطلق فحجته أن هذا الرجل الذي لا يعي ما يقول إنما فعل ذلك باختياره فيعاقب بما تكلم به، كما عاقب أمير المؤمنين عمر من طلق ثلاثًا بمنعه من الرجوع إلى زوجته؛ لأن الطلاق الثلاث محرم، ومن العلماء من يقول: إن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه لا يدري ما يقول، وقد صرَّح الله بأن السكران لا يعي ما يقول، فقال : ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]. ومن المعلوم أن من طلق بلا علم ولا وعي كيف نلزمه بالطلاق وهو لا يعي ولا يدري ما يقول؟ وهذا هو الصحيح، وهو داخل في قوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاق"؛ لأن السكران مغلق عليه، وقد صح ذلك عن الخلفاء الراشدين أنه لا طلاق على السكران، وقولهم: إننا نلزمه بالطلاق عقوبة له كإلزام عمر المطلق ثلاثًا بعدم الرجوع إلى زوجته عقوبة له، نقول: الفرق بينهما ظاهر؛ لأنّ شارب الخمر لم يشرب ليطلق بخلاف الذي قال: إنها طالق ثلاثًا، فإنه طلق ثلاثًا من أجل أن تبين منه فعوقب بما قصد، وأما السكران فإنه لم يسكر ليطلق فصار بينهما فرق، وأيضًا عقوبة السكران ثبتت في السُّنة، وذلك بالجلد، فإذا زدنا على تلك العقوبة فهذا فيه نوع من تعدي حدود الله لا سيما على القول بأن عقوبة شارب الخمر من باب الحدود، فالصواب أن طلاق السكران لا يقع كسائر أقواله. بقي علينا: ماذا نقول في أفعال المجنون هل تعتبر؟ الجواب: تعتبر، ولكن ذلك في حق العباد لا في حق الله، فمثلًا لو أتلف شيئًا أتلف مالًا لشخص هل نضمنه؟ نعم؛ لأن هذا حق آدمي، وإتلاف مال الآدمي يستوي فيه العامد وغير العامد، ولو قتل صيدًا في الحرم هل نضمنه؟ لا؛ لأن هذا حق الله، فصارت أفعال المجنون تنقسم إلى قسمين الأول: ما يتعلق بحق العباد فهذا يضمن إياه، وما يتعلق بحق الله فإنه لا يضمن؛ لأنه رفع القلم عنه. هناك بحث آخر: هل يضمن حق الآدمي كما يضمن العاقل؟ الجواب: لا، لكنه يضمن حق الآدمي كما يضمن المخطئ؛ مثال ذلك: لو أن هذا المجنون تعمد قتل إنسان عمدًا فهل يقتص منه، يعني: هل يقتل المجنون؟ لا؛ لأن فعله عن غير قصد، فهو كفعل العاقل المخطئ،

стр. 2822

فكما أن العاقل إذا رمى صيدًا فأصاب إنسانًا فإنه لا يقتص منه، فكذلك المجنون إذا قتل إنسانًا فإنه لا يقتص منه؛ لأنه لا يتصور منه العمد فيعامل معاملة المخطئ، هل يلحق بذلك السكران بمعنى: أن السكران لو قتل إنسانًا فإنه لا يقتص منه؟ هذا إن سكر ليقتل فلا شك أنه يقتل؛ لأن السبب محرم والمباشرة محرمة، وأما إذا سكر لا ليقتل، ولكن حصل منه الفعل ففي تضمينه نظر؛ أي: ففي القصاص منه نظر، وذلك لأنه غير عامد، والقصاص لا بد فيه من العمد. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحد؛ أي: أنه يجوز للإمام أن يوكل من ينفذ عنه إقامة الحد لقوله: "اذهبوا به فارجموه". ومن فوائد الحديث: جواز توجيه الخطاب إلى العموم؛ لقوله: "اذهبوا به"، ولم يعين شخصًا، وإذا كان كذلك فإن إقامة الحد تكون من باب فرض الكفاية. في بقية الحديث التي لم يسقها المؤلف أخذ بعض العلماء من الحديث أنه يجوز رجوع المقر في الحد؛ يعني: لو أقر الإنسان بالزنا وثبت عليه ثبوتًا شرعيًّا بإقراره سواء قلنا: المرة تكفي أو الأربع ثم رجع عن الإقرار فهل يقام عليه الحد؟ قال: بعض العلماء لا يقام عليه الحد استدلالًا بحديث ماعز لقول النبي ﷺ : "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ "، وقال بعض العلماء: إنه لا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا سيما إذا احتفت به قرائن؛ لأن ماعزًا لم يرجع لكنه هرب بخلاف الراجع، فإن الراجع متلاعب بالأحكام الشرعية ومتلاعب بالحكام مرة يقر ومرة ينكر الإقرار ويرجع، ثم إنه إذا احتفت به القرائن لا يتجه إطلاقًا القول بقبول الرجوع، مثال ذلك: رجل أقر على نفسه بالزنا فقلنا: كيف؟ قال: أخذت بنتًا من بيتها الفلاني في الزقاق الفلاني وركبت أنا وهي سيارة وذهبنا إلى مكان ما وعينه، وفعلت بها الفاحشة ثم رددتها، وكان ذلك في الليلة الفلانية من الشهر الفلاني، ثم أرانا الأثر، ثم رجع وقال: أنا رجعت عن إقراري هل يمكن أن تأتي الشريعة الحكيمة بقبول رجوع مثل هذا؟ أبدًا لا يمكن، نعم لو كان مجرد إقرار بأن قال: إنه زنى فهذا ربما يكون أقر بسبب ضغط عليه أو حياء أو خجل بأن يكون شهده أناس فرأى من نفسه أنه لا بد أن يقر فأقر، ولولا هذا لم يقر، هذا ربما نقول بقبول رجوعه مع أن في القلب من ذلك شيئًا، أما إذا صرح في إقراره بالزنا وذكر القرائن التي تشهد لما صنع ثم نقول: يرجع استدلالًا بحديث ماعز فهذا بعيد جدًّا، وحديث ماعز ليس فيه الرجوع بل فيه الإقرار، لكنه هرب من أجل أن الحجارة أزلقته وأراد أن يتوب فيتوب الله عليه. * * *

стр. 2823

وجوب التثبت في إثبات الزنا: ١١٦٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: "لمَّا أتى ماعز بن مالكٍ إلى النَّبيِّ ﷺ قال له: لعلَّك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله". رواه البخاريُّ. "لعل" هنا للتوقع؛ يعني: أتوقع أنك فعلت كذا وكذا، "قبَّلت" أي: قبَّلت المرأة فظننت أن التقبيل زنًا، والتقبيل زنًا لا شك، لكنه ليس الزنا الذي يوجب الحد، "أو غمزت" أي: غمزت المرأة بيدك، الثالثة: "أو نظرت"، والنظر زنا العين، فقال ماعز: "لا يا رسول الله"، وإنما ذكر النبي ﷺ هذا له من أجل أن يتثبت هل إقراره إقرار عن يقين وعن تعقل، أو إقراره عن معرفة، فلهذا سأله النبي ﷺ هذه الأسئلة، وسأله أيضًا أسئلة أخرى فقال له: "أنكتها؟ " قال: نعم، قال: "كما يغيب الميل في المكحلة والرشا في البئر؟ " قال: نعم، ولم يكن هناك حاجة إلى مثل هذه الأشياء، لكن أراد النبي ﷺ أن يستنتج من هذا الرجل أنه عاقل وليس به جنون، وبهذا نعلم أن تكرار الأربع مرات ليس بشرط على القول الراجح كما سبق ذكر الخلاف فيه. يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: أنه يجب على الإمام عند التردد أن يتثبت، لا سيما في هذا الأمر العظيم الذي يوجب إزهاق النفس، ويوجب العار على الفاعل، فإن الواجب التثبت، ولهذا لا يقبل في الزنا إلا أربعة رجال شهود، يشهدون على الفعل الصريح، وهم ثقات عدول، فلو شهد أربعون امرأة لم تقبل، بل لا بد من أربعة رجال. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن هذه الأفعال زنًا، ووجه ذلك: أن ماعزًا أتى فقال: إني زنيت، فكأن الرسول قال له: لعلك زنيت زنا تقبيل أو غمز أو نظر. ومن فوائد الحديث: صراحة الصحابة ﵃ وحبهم لتعزير أنفسهم، ولهذا أصرَّ ماعز ﵁ على هذا الإقرار من أجل تنفيذ الحد عليه. طرق ثبوت الزنا ١١٦٣ - وعن عمر بن الخطَّاب ﵁: "أنَّه خطب فقال: إنَّ الله بعث محمَّدًا بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرَّجم. قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالنَّاس زمانٌ ان يقول قائلٌ: ما نجد الرَّجم في كتاب الله، على من زنى إذا أحصن من الرِّجال والنِّساء، إذا قامت البيِّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف". متَّفقٌ عليه. الذي يظهر - والله أعلم - أنها خطبة الجمعة، وأن ذلك كان في خلافته فقال: "إن الله بعث

стр. 2824

محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب"، وهذا كالتمهيد لما بعده؛ لأن صلب الموضوع سيذكر فيما بعد، قوله: "بعث محمدًا" ولم يقل: رسول الله؛ لأن هذا من باب الخبر، ويجوز أن يذكر النبي ﷺ باسمه في باب الخبر بخلاف الدعاء فإنه لا يدعى باسمه، بل يقال: يا رسول الله، أو يا نبي الله، قال الله تعالى: ﴿لاَّ تجعلوا دعاء الرَّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور: ٦٣]. وقوله: "بالحق" له وجهان: الوجه الأول: أنه ملتبسٌ بالحق؛ أي: أن رسالته حق. والوجه الثاني: أنه جاء بالحق أرسل بالحق، وأن ما جاء به من الرسالة حق؛ لأنها مشتملة على الصِّدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وعلى مصالح الناس في دينهم ودنياهم، وعلى أسباب الرفعة والعزة والكرامة والتقدم والظهور والانتصار، "وأنزل عليه الكتاب" يعني به: القرآن، وسمي القرآن كتابًا بمعنى مكتوب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة، ومكتوب في المصاحف التي بأيدينا فلهذا يسمى مكتوبًا. "فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم"، "في" هنا للظرفية؛ لأن ما أنزل على الرسول أوسع من آية الرجم، فصح أن تكون "آية الرجم" مظروفًا لما أنزل على الرسول ﷺ . "قرأناها ووعيناها وعقلناها"، قرأناها بألسننا ووعيناها بآذاننا كما قال الله تعالى: ﴿وتعيها أذنٌ واعيةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]. وعقلناها بقلوبنا يعني: أنها تمت فيها شروط الثبوت بالقول والسمع والفهم - العقل -. "فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده"، كم رجم النبي ﷺ ؟ اليهوديين وماعزًا والغامدية وامرأة صاحب العسيف هذه خمسة، يقول: "ورجمنا بعده"؛ لأنه ﵁ خليفة، وإقامة الحدود إلى السلطان وهو الخليفة. "فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله"، "أخشى" بمعنى: أخاف خوفًا ثقيلًا، "إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله" لأن الناس كلما بعد زمانهم عن عهد النبوة ضعف فهمهم لها لطول الزمن وضعف الدين كما قال النبي ﷺ لما ذكر أن خير الناس قرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ويؤتمنون ويخونون ويظهر فيهم السِّمن، فإذا طال الزمن بين الناس وبين عهد النبوة فلا بد أن يتخلخل الأمر، من ذلك أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله؛ لأن هذه الآية نسخ لفظها وبقي حكمها، وهذا أحد أوجه النسخ أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، وهناك آخر ضده أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ، وهناك وجه ثالث: أن ينسخ الحكم واللفظ، والله حكيم لا ينسخ شيئًا إلا لحكمة سواء كان اللفظ أو الحكم أو الجميع. قال: "فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله" يضلوا أي: يتركوا فالضلال قد يراد به عدم العلم، وقد

стр. 2825

يراد به عدم العمل، لكن الأكثر أنه على عدم العلم، يترك فريضة أنزلها الله وهي الرجم، وإن الرجم حق في كتاب الله، أكد ذلك بـ "إن"؛ لأن المقام مهم، "الرجم حق"، أي: ثابت وواجب في كتاب الله، وما هي الآية التي نزلت؟ لم يبينها عمر، لكن قد روي أنها بهذا اللفظ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم"، ولكن هذا اللفظ لا ينطبق أو لا يتفق مع الحكم الذي ذكره عمر ﵁ وهذا يدل على أن الآية المنسوخة ليست هي هذا المنقول، ولذلك يقول ﵁: "على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء"، "على من زنى" والزنا سبق لنا أنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر إذا أحصن، وسبق لنا معنى الإحصان وهو أن يطأ الرجل زوجته في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حرّان، وقوله: "إذا أحصن من الرجال والنساء"، "من" هذه بيانٌ للموصول في قوله: "من زنى". "إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"، هذا شرط ثبوت الزنا، والأول شرط ثبوت الحكم وهو الإحصان، أما ثبوت الزنا فلا بد من قيام البينة، وما هي البينة؟ ذكرها الله في قوله: ﴿لَّولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ [النور: ١٣]. أربعة، هذا عدد يدل على أن المعدود مذكر، إذن بأربعة شهداء من الرجال، أو كان الحبل، يعني: الحمل، بأن تحمل امرأة ليس لها زوج وليس لها سيد، "أو الاعتراف"، يعني: الإقرار، فذكر ﵁ أن طرق ثبوت الزنا ثلاثة: البينة، الحمل، والثالث الإقرار وهو كذلك وقد اختلف العلماء ﵏ في الحمل هل هو طريق لثبوت الزنا أو لا؟ والصحيح أنه طريق لذلك؛ لأن عمر خطب به على المنبر ولم يذكر أن أحدًا نازعه في ذلك أو عارضه. ففي هذا الحديث فوائد جمَّة: أن عادة السلف أن الذي يتولى خطبة الجمعة هو الإمام؛ أي: الخليفة وهو كذلك، ولهذا قال العلماء ﵏ إن الذي يتولى إمامة الجمعة وخطبتها وإمامة العيدين هو الإمام نفسه؛ لأنه إمام فيؤم الناس في المجامع الكبيرة العامة. ومنها: أن الله تعالى بعث محمدًا بالحق وأن دينه ليس فيه شيء من الباطل؛ لقوله ﵁: "إن الله بعث محمدًا بالحق". ومنها: فضيلة عمر؛ حيث أعلن هذا الإعلان المبني الذي هو أساس التوحيد، أو بالأصح هو أساس الشهادة بالرسالة أن الله بعثه بالحق.

стр. 2826

ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله لقوله: "أنزل عليه الكتاب"، والكتاب قول، والقول لا بد له من ققائل، وإذا كان نازلًا من عند الله صار هو القائل. ومن فوائده: إثبات علو الله؛ لقوله: "أنزل عليه الكتاب". ومن فوائد الحديث: أن آية الرجم كانت من القرآن ولكنها نسخت لقوله: "وكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم" فنسخت لفظًا وبقي العمل بها حكمًا. فإن قال قائل: هل يمكن أن نستنبط لذلك حكمة؟ قلنا: نعم، يمكن وهي تميز هذه الأمة وتمام انقيادها لشريعة الله، فإن الأمة الإسلامية تطبق الحكم الشرعي وإن لم يكن موجودًا لفظًا في الكتاب، بينما بنو إسرائيل لم يطبقوا الحكم الشرعي مع أنه موجود في كتابهم، هذا - والله أعلم - هو الحكمة في أن الله رفعها لفظًا وأبقى حكمها ليتبين بذلك فضيلة هذه الأمة وتميزها عن بني إسرائيل، وللأمة - والحمد لله - فضائل كثيرة من أبرزها ما مر علينا في قصة أصحاب السبت الذين حرّمت عليهم الحيتان يوم السبت فجعلوا حيلة لصيدها بأن يضعوا شباكًا يوم الجمعة ويأخذوا الحوت يوم الأحد، هذه الأمة اتليت بشيء قريب من ذلك كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا ليبلونَّكم اللَّه بشيءٍ من الصَّيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤]، يعني: "هم محرمون، فهل أحد منهم أخذ صيدة واحدة؟ لا مع تيسر ذلك لهم لكن تركوه. ومن فوائد الحديث: تأكيد عمر ﵁ بأن هذه الآية نزلت في القرآن لقوله: "قرأناها ووعيناها وعقلناها". ومن فوائد الحديث: أن هذا الحكم لم ينسخ لقوله: "رجم النبي ﷺ ورجمنا بعده" ومعلوم أن بقاء الحكم إلى ما بعد وفاة الرسول دليل على أنه ثابت لم ينسخ. ومن فوائد الحديث: "قوع ما توقعه عمر؛ حيث قال: "أخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله"، بل قالوا: أشد من ذلك، قالوا: إن إقامة الحدود وحشية ولا يجوز أن نقيم الحدود، وقالوا: إنا إذا قطعنا يد السارق لزم أن يكون نصف الشعب أشل مشوهًا، فنقول لهم: أقررتم الآن على أنفسكم بأن نصف شعبكم سراق؟ ونقول لكم: لو أنكم قطعتم يد السارق لنقص العدد إلى الربع، وإذا قطعتم الثاني نقص إلى الثمن، ثم لا يزال يتناقص حتى لا يوجد أحدٌ يسرق، وكذلك أيضًا الرجم يقولون: "حشية، كيف نقيم رجلًا إنسانًا ونرجمه بالحجارة! إذا كان لا بد فلنقتله ولا نرجمه، فيقال: أنتم أرحم أم الله؟ لا يستطيعون أن يقولوا: نحن أرحم، لكن ربما يقولون قولًا غير سديد بأن هذا كان في زمن غير زمننا الآن، زمننا الآن زمن الحضارة التي هي خسارة وليست حضارة، زمن الحضارة وزمن

стр. 2827

الإنسانية، أما في عهد الرسول ﷺ فالناس رعاة إبل وبدو، فنقول لهم: إذن كفر تم بالإسلام إذا ادعيتم أن الإسلام لا يصلح إلَّا لوقت معين، وأنه في هذا الوقت غير صالح، فهذا هو الكفر بعينه وحينئذٍ لا جدال معكم. ومن فوائد الحديثة وجوب إقامة الحدود لقوله: "بترك فريضة" فصرح ﵁ أن إقامة الحد فريضة حتى في الرجم، وهو كذلك أنظر إلى آية السرقة: ﴿والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا مِّن اللَّه واللَّه عزيزٌ حكيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. وقال: ﴿الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدةٍ مِّنهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين اللَّه إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر﴾ [النور: ٢]. إذن أمر ﴿فاجلدوا﴾ وتهديد: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين اللَّه إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر﴾، ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً﴾ [النور: ٤]. إذن الحدود من فرائض الله، ويجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحدود على الصغير والكبير والشريف والوضيع بشرط أن يكون الصغير قد بلغ، لأن من دون البلوغ لا يقام عليه الحد. ومن فوائد الحديث: أن الرجم حق وليس بباطل، لقوله: "وإن الرجم حق في كتاب الله"، خلافًا لهؤلاء الخلف الخالفون المخالفون الذين يقولون: إن الرجم همجية ووحشية ... ومن فوائد الحديث: أنه لا يثبت الحد - أعني: حد الرجم - إلَّا بشرط الإحصان لقوله: "من زنى إذا أحصن" فإن كان غير محصن فإنه لا يرجم، ولكنه يجلد مائة جلدة ويغرب سنة. ومن فوائد الحديث: أن الزنا يثبت بواحد من طرق ثلاثة: البينة، الحمل، الاعتراف، أما البينة فلا بد أن يشهد أربعة رجال عدول على فعل واحد، فإن شهد اثنان على أنه زنى بالأمس واثنان على أنه زني اليوم فإن الشهادة لا تكمل، ويحد كل واحد منهم ثمانين جلدة، كذلك أيضًا لو قالوا: نعم، هو زنى اليوم، ولكن شاهدين قالا: إنه زنى في البيت رقم واحد وشاهدين قالوا: زنى في البيت رقم اثنين، فلا تكمل الشهادة، فإن قال اثنان: زنى في الحجرة، وقال اثنان: زنى في الصالة فلا تكمل، إلَّا يمكن أن يتدحرج الفاعلان إلى الصالة؟ هذا بعيد، لكن في حجرة واحدة عين اثنان ربعة والآخرون ربعة أخرى يمكن أن تكمل، لأن هذا شيء قريب. فإن قال أحد الشهود الأربعة: أنا رأيته عليها ورأيت حركة تدل على الجماع، لكنني لا أشهد أن ذكره في فرجها، والثلاثة قالوا: نشهد أن ذكره في فرجها فلا تكمل ويسلم الرابع ويجلد الثلاثة، الرابع يسلم؛ لأنه لم يصرح بالزنا، والثلاثة يجلدون؛ لأنهم صرحوا بالزنا. الطريق الثاني لثبوت الزنا: الحبل - الحمل - لكن يشترط أن يكون ممن ليس لها زوج ولا سبيل، فإن كان لها زوج فإنه لا يمكن أن يقام عليها حد الزنا بالحمل لاحتمال أن يكون من زوجها، وكذلك لو كان لها سيد فإنه لا يقام عليها حد الزنا؛ لأنه احتمال أن يكون السيد قد

стр. 2828

جامعها، والسيد تحلُّ له مملوكته، فإن ادعت شبهة وقالت: إن هذا الحمل من زنًا ولكنني فكرهة فإنه لا يقام عليها الحد لاحتمال صدقها، وكذلك لوادعت أن أحدًا زنا بها وهي نائمة ولم تعلم فإنه لا يقام عليها الحل لوجود الشبهة. الثالث: أو الاعتراف، أي اعتراف كان؟ نقول: أو الاعتراف وأطلق أمير المؤمنين عمر، فيحتمل أن تكون "أل" لبيان الحقيقة أو للعهد والأصح أنها لبيان الحقيقة، وأنه لا يشترط تكرير الاعتراف، بل إذا اعترف الزاني مرة واحدة فإنه يقام عليه الحد، وقد عرفتم الجواب عن قصة ماعز ﵁. ومن فوائد الحديث: أنه لا مانع من أن تضمن خطبة الجمعة المسائل الفقهية، ولاسيما المسائل الكبيرة العظيمة التي يحتاج الناس إليها، وأنه لا يشترط أن تكون الخطبة خطبة وعظ فقط، بل حسب ما تقتضيه الحال، قد تقتضي أن تكون الخطبة خطبة وعظ، وقد تقتضي الحال أن تكون الخطبة بيان أحكام. حد الأمة الزانية: ١١٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبيَّن زناها؛ فليجلدها الحدَّ ولا يثرِّب عليها، ثمَّ إن زنت فليجلدها الحدَّ ولا يثرِّب عليها، ثمَّ إن زنت الثَّالثة فتبيَّن زناها؛ فليبعها ولو بحبلٍ من شعرٍ". متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ. يراد بالأمة هي المملوكة، وقد يراد بالأمة مجرد الأنثى كقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فالمراد بالإماء هنا الحرائر، وقوله: "إذا زنت أمة أحدكم" المراد بها: المملوكة، وقوله: "فتبين زناها" أي: ظهر ظهورًا بينًا للسيد وإن لم يكن بشهود أربعة؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: فشهد عليها أربعة، وإنما قال: "فتبين زناها"، "فليجلدها الحد ولا يثرب"، اللام هنا للأمر، وهل الأمر للوجوب أو للإباحة؟ نقول: الأمر للوجوب، ولكن له أن يتنازل عن حقه ويجعل الحد لولي الأمر يجلدها وقوله: "لا يثرب" يعنى: لا يوبخها ويعنفها؛ لأن إقامة الحد عليها كافٍ. ثم إن زنت مرة ثانية ... إلخ، "إن زنت الثالثة فتبين زناها"، أعاد قوله: "فتبين" لئلا يتسرع الإنسان في الثالثة، "فليبعها ولو بحبل من شعر ولم يذكر جلدها"، وسيتبين ذلك في أخذ الفوائد. هذا الحديث: يدل على أن سيد الأمة هو الذي يتولى إقامة الحد عليها، وذلك أن ملكه إياها أخص من ملك الولي العام، وسيطرته عليها أخص من سيطرة الولي العام. فإن قال قائل: "الزوجة هل يقيم عليها الزوج الحد؟

стр. 2829

قلنا: لا؛ لأن الزوجة لها حرية وتصرف أكثر من الأمة، الأمة مملوكة، الحرة مالكة نفسها. ومن فوائد الحديث: أنه لا بد أن يتبين الزنا، وأن مجرد التهمة لا يجيز للإنسان أن يقيم "الحد عليها لقوله: "فتبين زناها". ومن فوائده: أنه لا يشترط في إقامة السيد الحد أن يثبت ذلك بالشهود، بل يكفي أن يتبين ذلك للسيد فإذا تبين فإنه يقيم عليها الحد. ومن فوائد الحديث: أنه لا رجم في حق الإماء، الدليل قوله: "فليجلدها"، والرجم ليس جلدًا بل هو رمي بالحجارة حتى تموت. فإذا قال قائل: ما هو الحد؟ قلنا: هو ما ذكره الله في قوله: ﴿فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنَّ نصف ما على المصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]. يعنى: ما على الحرائر، والعذاب الذي يمكن أن يتنصف في الحرائر هو الجلد، فيؤخذ من ذلك: أن الأمة وإن كانت محصنة لا ترجم بل تجلد خمسين جلدة، وظاهر هذا الحديث أنها لا تغرب؛ لأن النبي ﷺ قال: "فليجلدها"، والتغريب ليس جلدًا، وهذه المسألة مختلف فيها بين العلماء، فمنهم من قال: إنه لا يغرّب لما في ذلك من الإضرار بالسيد؛ لأن منفعة المملوك لسيده، فإذا غربناه فإنه تفوت مصلحة السيد، ومن العلماء من قال: تغرب بشرط أن يكون تغريبها آمنًا وأن يؤمن من هروبها؛ لأنها ربما تهرب إلى بلد الكفر؛ لأنها ربما تكون حديثة عهد بسبي فتهرب إلى بلاد الكفر، فإذا أمنت الفتنة وأمن هروبها إلى بلد الكفر فإنها تغرب، ولكن ظاهر الحديث أولى وهو عدم التغريب. ومن فوائد الحديث: أنه إذا أقيم الحد ألَّا يوبخ المحدود ويعير بذنبه؛ لأن إقامة الحد كفارة للذنب فلا يجمع عليه بين عقوبتين، ويلتحق بهذه القاعدة أن شارب الخمر إذا طلق زوجته فإن زوجته لا تطلق خلافا لمن قال: إنها تطلق نكالًا به؛ لأننا نقول: إن شارب الخمر تكاله بالجلد فلا ينكل بنوع آخر. ومن فوائد الحديث: اعتبار التكرار ثلاثًا وهذا ظاهر في مسائل كثيرة، تكرر ثلاث مرات كالاستئذان والسلام والكلمة إذا لم تفهم، وغير ذلك مما هو كثير في الأحكام الشرعية. ومن فوائد الحديث: أنه إذا زنت الثالثة فإنها تباع، وهل تباع وجوبا أو استحبابًا؟ الحديث فيه الأمر "فليبعها" فاختلف العلماء هل الأمر للوجوب وأنه يجب على السيد في الثالثة أن يبيعها، أو الأمر للاستحباب؛ لأنها ملكه ويكون الأمر "فليبعها" للإرشاد وليس للوجوب؟ الظاهر أنه للوجوب، لكنه وجوب مقيد بما إذا كنَّا نرجو من بيعها أن تستقيم جالها، أما إذا كنَّا نخشى من بيعها أن يزداد شرها فحينئذٍ لا تباع.

стр. 2830

فإذا قال قائل: ما الفائدة من البيع إذا كانت هذه امرأة زنت ثلاث مرات يخشى إذا بيعت على آخر أن تزني فنكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؟ فنقول: فيه فائدتان: الفائدة الأولى للسيد، والفائدة الثانية للأمة، أما فائدة السيد: فلئلَّا يتهم السيد بالدياثة وإقرار أمته على الزنا، كأنه يقول للناس: انظروا أنا خليتها وبعتها، والفائدة الثانية للأمة: أنه ربما إذا تغير عليها الوضع تغيرت حالها، وكذلك إذا فكرت في الأمر وأنها كلما زنت ثلاث مرات سوف تباع وتنتقل من رجل إلى آخر فإنه ربما تتغير حالها. ومن فوائد الحديث: أنها تباع ولو بثمن قليل لقوله: "ولو بحبل من شعر"، ولكن هل هذا مراد أو المبالغة، يعني: بعها ولو برخص؟ المراد الثاني بلا شك، وإلَّا حبل من شعر لم تجر العادة بأنه ثمن للإماء. السيد يقيم الحد على مملوكه: ١١٦٥ - وعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". رواه أبو داود. - وهو في مسلمٍ مؤقوفٌ. "أقيموا": فعل أمر، فهل هو للوجوب أو للاستحباب؟ الجواب: أنه للوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر، ولأن إقامة الحدود من فرائض الله، وقوله "على ما ملكت أيمانكم" يشمل الذكور والإناث، وأن الإنسان يقيم الحد على ما ملكت يمينه من ذكور وإناث، فيقيم الحد على الأمة ويقيم الحد على العبد، وقوله: "الحدود" ظاهره العموم وأنه يشمل حدود الجلد وحدود القطع فيما لو سرق وستأتي في الفوائد، وقوله: "على ما ملكت أيمانكم" المراد بالأيمان هنا نفس الشخص، لكن يعبر باليمين عن الكل لأنها آلة الأخذ والإعطاء في الغالب. ففي هذا الحديث دليل على وجوب إقامة الحدود لقوله: "أقيموا"، والأصل في الأمر الوجوب، وقد مر علينا في حديث عمر أن إقامة الحد فريضة. من فوائد الحديث: أن السيد يقيم الحد على مملوكه سواء كان الحد جلدًا أم قطعًا أم غير ذلك للعموم في قوله: "الحدود". فهي صيغة جمع معرف بـ "أل" فيكون للعموم، والمشهور عند

стр. 2831

الفقهاء ﵏ أنه لا يقيم على رقيقه إلَّا الجلد فقط؛ لقول النبي ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها"، ولكن الصواب العموم، وأن له أن يقيمه بالجلد والقطع بشرط أن يكون عارفًا بمحل القطع وعارفًا كيف يقطع؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بمحل القطع فقد يقطع أكثر مما يطلب أو دون ما يطلب، وإذا لم يكن عارفًا بكيفية القطع فقد يقطع على وجه محرم فيعتدي به على هذا الرقيق فإذا كان عارفًا بمحل القطع وعارفًا كيف يقطع وتبين أنه فعل ما يوجب القطع فما المانع؛ لأن الضرر في هذه الحال على السيد؛ فإذا كان الضرر عليه وباشره بنفسه فلا نرين مانعًا من أن يقيمه عليه كما يقيم الجلد. ومن فوائد الحديث: إثبات ملك الإنسان، وأن هذا لا ينافي قول الله تعالى: ﴿ولله ملك السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٨٩]. لأن ملك الإنسان لما يملك ليس كملك الله للسموات والأرض، فإن ملك الله للسموات والأرض أعم وأوسع وأشمل يفعل ما يشاء لكن ملكك لما تملك ضيق لا تملك إلَّا شيئًا يسيرًا مما في هذا الكون، ولا تملكه أيضًا على وجه الإطلاق، لو أردت أن تفعل فيه ما شئت لم تتمكن من هذا؛ إذ إنك لا تتصرف فيه إلَّا على حسب ما جاء به الشرع، ولهذا إذا قال إنسان: هذا المال مالي سأحرقه، قلنا: لا يجوز؛ لأن الشرع نهي عن إضاعة المال، لكن لله تعالى أن يفعل في خلقه ما يشاء، وحينئذٍ يكون قولنا: إن توحيد الربوبية هو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير لا ينافي ما ذكر. ومن فوائد الحديث: إطلاق الجزء على الكل لقوله: "على ما ملكت أيمانكم". قال: "وهو في مسلم موقوف" يعني: على عليَّ، والموقوف عند العلماء هو ما كان منتهي سنده الصحابي؛ يعني: ما أضيف إلى الصحابي فهو موقوف، وما أضيف إلى النبي ﷺ فهو مرفوع، والمضاف إلى الصحابي موقوف إلَّا أن يثبت له حكم الرفع، فإن ثبت له حكم الرفع صار مرفوعًا حكمًا، مثل: أن يخبر الصحابي عن شيء من أمور الغيب وهو ممن لم يعرف عنه الأخذ من بني إسرائيل فإن إخباره هذا له حكم الرفع. فإذا قال قائل: إذا سقط كونه مرفوعًا فهل يسقط الاستدلال به إذا كان موقوفًا؟ فالجواب: لا؛ لأنه قول صحابي، قول أحد الخلفاء الراشدين، قول من غرف بالفقه والعلم وهو علي بن أبي طالب ﵁، فيكون قوله حجة ما لم يخالف نصًّا أو صحابيًّا آخر، فإن خالف نصًّا فالعبرة بالنص، وإن خالف صحابيًّا آخر وجب أن نطلب المرجح، وهذه القاعدة في قول الصحابي: أن قول الصحابي المعروف بالفقه، ولاسيما الخلفاء الراشدون حجة بشرط ألَّا يخالف نصًّا أو قول صحابي، فإن خالف نصًّا وجب إطراحه، وإن خالف قول صحابي طلب المرجح.

стр. 2832

تأجيل إقامة حل الزنا على الحامل: ١١٦٦ - وعن عمران بن حصينٍ ﵁: "أنَّ امرأةً من جهينة أتت نبيَّ الله ﷺ وهي حبلى من الزِّنا فقالت: يا نبيَّ الله، أصبت حدًّا، فأقمه عليَّ، فدعا رسول الله ﷺ وليَّها، فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها، ففعل، فأمر بها فشكَّت عليها ثيابها، ثمَّ أمر بها فرجمت، ثمَّ صلَّى عليها، فقال عمر: أتصلِّي عليها يانبيَّ الله وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفصل من أن جادت بنفسها لله؟ ". رواه مسلمٌ. قوله: "وهي حبلى من الزنا" الجملة في محل نصب على الحال من فاعل "أتت"، قولها: "أصبت حدًّا": أصبت ما يوجب الحد، ولهذا قالت: "أقمه عليّ"، وإطلاق المسبب على السبب كثير كما في قوله تعالى: ﴿وينزِّل لكم مِّن السَّماء رزقًا﴾ [غافر: ١٣]. فالذي ينزل من السماء هو المطر يكون به الرزق. وقوله: "فدعا رسول الله ﷺ وليها" يعني: من يتولى أمرها من أب أو زوج أو غير ذلك، فقال: "أحسن إليها" أي: أحسن إليها بالقول والفعل، أما بالقول فلا تخجِّلها ولا تثرب عليها ولا تبد لها تسخطًا مما وقع منها؛ لأن هذه المرأة جاءت تائبة، وأما بالفعل فلا تقصر عليها بالنفقة من طعام وشراب وكسوة، "فإذا وضعت فائتني بها"، ففعل، يعني: أحسن إليها حتى وضعت فأتى بها، "فأمر النبي ﷺ فشكت عليها ثيابها" يعني: شدت عليها ثيابها، وذلك لئلَّا تنكشف إذا أحست بألم الحجارة، "ثم أمر بها فرجمت"، يعني: بعد أن شكت ثيابها أمر بها فرجمت بالحجارة على ما سيأتي وصفها، "ثم صلى عليها" الفاعل الرسول ﷺ ، فقال عمر: "أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت" الاستفهام هنا يحتمل أنه للاستعلام، ويحتمل أنه للاستنكار، ولكن الاحتمال الثاني باطل؛ لأن عمر لا يمكن أن يستفهم هذا الاستفهام منكرًا على النبي ﷺ وإنما يريد الاستفهام، ولكن يؤيد الاحتمال الثاني قوله: (وهل وجدت .... إلخ) مما يدل على أن النبي ﷺ فهم من عمر أنه استنكر هذه الصلاة. فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"، "توبة"، نكرة لكنها للتعظيم، ولهذا وصفت بعد ذلك بقوله: "لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة"، فما هي التوبة؟ هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته، "وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ " يعني: هل وجدت شيئًا أفضل من هذا، امرأة جاءت وعرفت أنها سترجم ولكنها جادت بنفسها وسهل عليها بذل النفس لله هذا من أفضل المقامات، ولهذا صلى عليها النبي ﷺ .

стр. 2833

ففي هذا الحديث فوائد منها: جواز إقرار الإنسان بالزنا على نفسه وطلبه أن يطهر، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على هذه المرأة، ولكن هل الأفضل أن يقر الإنسان على نفسه بالحد ليحد، أو الأفضل أن يستر على نفسه؟ فيه تفصيل، يقال: إذا كان الرجل يعلم من نفسه أنه سيتوب توبة حقيقية ولا يعود للذنب، فالأفضل أن يستر على نفسه، وإذا كان يخشى أن يعود لكثرة الفتن وضعف عزيمته فالأفضل أن يقر من أجل أن ترفع العقوبة عنه في الآخرة، وهل مجرد إقرار الإنسان عند القاضي يوجب الحد أو لا يوجب حتى يطلب أن يقام عليه الحد؟ الثاني، يعني: لو جاء الإنسان وأقر على نفسه بأنه زنى فإنه لا تجب إقامة الحد عليه حتى يطلب إقامة الحد، والدليل على هذا أن الرسول ﷺ لم يقم الحد على ماعز، ولا على المرأة التي قالت: "أتريد أن تردني كما رددت ماعزًا" إلَّا بعد أن طلب إقامة الحد، أما مجرد الإقرار فإنه لا يعتبر طلِّبا لإقامة الحد. ومن فوائد الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة لقوله: "وهي حبلى من الزنا" لأن هذا يستحيا منه في العادة، لكن إذا دعت الحاجة للتصريح به فلا بأس، وقد سبق أن النبي ﷺ قال لماعز: "أنكتها" لا يكني بذلك أي: لا يكنى عن ذلك. ومن فوائد الحديث: جواز إطلاق المسبب على السبب لقولها: "أصبت حدًّا"، ويمكن أن يقال فيه أيضًا: جواز التكنية عما يستحيا منه؛ لأنها هي بنفسها لم تقل: إنها زنت، القائل الراوي، ففيه الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكنى عما يستحيا منه، ولكن لو صرح فلا بأس. ومن فوائد الحديث: أن من أقر بما يوجب الحد فإنه لا يجوز أن يساء إليه لا بالقول ولا بالفعل لقول الرسول ﷺ لوليها: "أحسن إليها". ومن فوائد الحديث: بيان قصور النساء، وأنه ما من امرأة إلَّا وينبغي أن يكون لها ولي، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿الرِّجال قوامون على النِّساء﴾ [النساء: ٣٤]. ومن فوائد أحاديث: جواز رجم الزانية إذا وضعت الحمل بمجرد الوضع، هذا هو ظاهر هذا السياق، ولكن قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يرجم الغامدية حتى أرضعت الولد وفطمته وهذا هو الذي أقره أهل العلم، وقالوا: إنه لا يجوز أن ترجم حتى تضع الولد وترضعه اللِّبا ثم إن وجد من يرضعه وإلَّا تركت حتى تفطمه، إذن لا يجوز أن ترجم وهي حامل؛ لأن في ذلك تعدٍّ على جنينها، وهو لم يفعل شيئًا، ثانيًا: أنه لا يجوز أن ترجم حتى تسقيه اللِّبا وهو أول رضعة تكون من الثدي، فإن هذا اللِّبا - بإذن الله - بمنزلة الدبغ للمعدة ينتفع به الصبي انتفاعًا كاملًا.

стр. 2834

المسألة الثالثة: "هل يجوز بعد أن ترضعه اللِّبا أن ترجم؟ فيه تفصيل إن وجد من يقوم بإرضاعه أقيم عليها الحد، وإلَّا تركت حتى تفطمه كما جاءت بذلك السُّنة. ومن فوائد الحديث: أنه لا يحفر للمرجوم؛ لأن النبي ﷺ لم يحفر لها، والسُّنة جاءت بالحفر وبعدم الحفر، وعلى هذا فينظر إلى المصلحة في ذلك. ومن فوائد الحديث: سد الذرائع لقوله: "فشكت عليها ثيابها"؛ لأن هذا سد لذريعة انكشاف الثوب عند مس الألم. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحد لقوله: "ثم أمر بها فرجمت"، وقد سبق أن النبي ﷺ وكَّل أنيسًا. ومن فوائد الحديث: أن من أقيم عليه الحد بزنًا أو سرقة أو غير ذلك فإنه لا يكفر الدلالة: "فصلى عليها" لأنها لو كفرت بذلك لم يصلّ عليها. ومن فوائد هذا الحديث: حرص الصحابة ﵃ على استطلاع الحق والعلم به لقول عمر: "أتصلي عليها وقد زنت؟ ". ومن فوائد الحديث: ان الإقرار بالذنب علامة على التوبة؛ لقول النبي ﷺ : "لقد تابت توبة"، ولا شك أنه علامة على التوبة، وأن الإنسان ندم وغضب على نفسه وأراد أن ينتقم لنفسه بنفسه. فإن قال قائل: هل للتوبة شروط؟ فالجواب: نعم، شروطها خمسة: أولها: الإخلاص بألًا يكون الحامل للإنسان على التوبة مراعاة الناس أو طلب جاه أو طلب مال. الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، وهنا يرد إشكال فيقال: إن الندم انفعال، والانفعال ليس باختيار الإنسان، أرأيت لو وجد سبب الغضب بغضب الإنسان بدون اختيار المحبة، الكراهة ... كلها بدون اختيار، فالندم انفعال نفسي فكيف يندم الإنسان؟ الجواب: ليس المعنى أن توجد في نفسك هذا الانفعال، بل المعنى: أنك تتمنى أنك لم تفعل، يعني: تقول بقلبك أو بلسانك: ليتني لم أفعل، وإلَّا فالندم انفعال نفسي لا يمكن للإنسان أن يدركه. الثالث: الإقلاع عن الذنب، وقد سأل أحدكم الآن فقال: رد المظالم، فنقول رد المظالم من الإقلاع، ولا تصح التوبة مع الاستمرار في الذنب، فلو قال قائل: أنا تبت إلى الله من الغيبة، ثم قال لجاره: تعال يا فلان، ماذا تقول بفلان وصار يشتم فيه فهل تصح التوبة؟ لا، ولو قال: أنا تبت من الربا لكن أمواله في البنوك فلا ينفع، ولو قال: أنا تائب من ظلم الناس وهو قد استولى على أرض غيره ولم يردها عليه فهذا لا تصلح توبته، فلا بد من الإقلاع عن الذنب.

стр. 2835

والرابع: العزم على ألَّا يعود وليس بشرط ألَّا يعود؛ لأن الإنسان قد يعود مع صحة التوبة الأولى، فإذا كان في تلك الساعة عازمًا على ألَّا يعود أبدًا ثم وسوس له الشيطان بعد ذلك فعاد فتوبته الأولى مقبولة صحيحة، ويحتاج إلى أن يجدد توبته للذنب الثاني. الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه وذلك نوعان: عام وخاص، فالعام الذي تنقطع به التوبة هو طلوع الشمس من مغربها، والخاص حضور الأجل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وليست التَّوبة للَّذين يعملون السَّيِّئات حتَّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنِّي تبت الآن﴾ [النساء: ١٨]. ولهذا لما تاب فرعون لما أدركه الغرق ماذا قيل له: ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩١]. وأما النوع العام فدليله قوله تعالى: ﴿أو يأتي ربُّك أو يأتي بعض آيات ربِّك يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقد فسّر النبي ﷺ بعض هذه الآيات بأنه طلوع الشمس من مغربها. ومن فوائد الحديث: في قوله: "فشكت عليها ثيابها" أن المرأة تجب المحافظة على سوأتها أكثر من الرجل، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يأمر بمثل هذا في حديث ماعز. ومن فوائده: جواز الصلاة على المحدود، وأن الكبائر لا تسقط الصلاة لقوله: "ثم صلى عليها". فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ لم يصلِّ على قاتل نفسه؟ فالجواب: بلى، لكن هذا من أجل ردع الناس عن هذه الفعلة القبيحة؛ لأن الإنسان إذا علم أنه لم يصلِّ عليه فإنه يرتدع، ولكن هل تترك الصلاة على قاتل نفسه من كل أحد أو ممن يحصل بتركه صلاته عليه ردع لأمثاله؟ الثاني. ومن فوائد الحديث: أنه لا يحفر لمن يقام عليه الحد؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بالحفر لها، وقد اختلفت الأحاديث في ذلك؛ فمنها ما دل على الحفر للمرجوم، ومنها ما سكت عنه، والقاعدة أنه إذا سكت عن شيء وأثبت في موضع آخر فإنه يؤخذ بالمثبت؛ لأن عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة هل يحفر للمرجوم حين رجمه أو لا؟ فمن العلماء من قال: إن ثبت الزنا بالبينة فإنه يحفر له؛ لأنه لا يمكنه أن يرجع ولا يمكنه أن يهرب لا بد أن يكمل عليه الحد، وإن ثبت بإقراره فإنه لا يحفر له لأنه لو حفر له وأراد أن يهرب صعب عليه ذلك، مع أن من ثبت الحد بإقراره فإنه يجوز له أن يهرب قبل أن يكمل عليه الحد، ومن العلماء من قال: يحفر للنساء دون الرجال، والأصح في هذا كله أنه يرجع إلى رأي الإمام إن رأى في الحفر مصلحة حفر وإلَّا فلا.

стр. 2836

ومن فوائد ألحديث: جواز استفهام المرء عما يفعله الكبير؛ لقول عمر: "أتصلي عليها وقد زنت" فلا يستحي الإنسان في الاستفهام أمام الكبير؛ لأن الاستحياء في طلب العلم جبنٌ، ولهذا قال بعضهم: لا ينال العلم مستحيٍ ولا مستكبر. ومن فوائد الحديث: أن هذه المرأة تابت توبة واسعة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". ومن فوائد الحديث: جواز المبالغة في الأشياء قلة وكثرة؛ لقوله: "لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة" وهذا يشبه قوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين"، فإن من اقتطع دون الشبر يطوق به، لكن ذكر الشبر على سبيل المبالغة في القلة، منه أيضًا عند بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. ومن فوائد الحديث: الاستدلال بالقرائن لقوله: "وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى"، فإن هذا يدل على كمال توبتها وصدق توبتها. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لأنها جادت بنفسها لله لا لغيره. هل يؤخذ من هذا الحديث أنه يجوز للإنسان ان يهلك نفسه لله؟ قد يقال: إنه يؤخذ من ذلك أن الإنسان يجوز له أن يفعل ما يكون سببا لإهلاك نفسه لله ، وقد مر بنا أنه لا يجوز للإنسان أن ينتحر في جهاد الأعداء، لكن له أن يغامر مثل أن يدخل في صف الكفار وحده ربما يستلم والكافر جبان عند المؤمن، فإذا رأى شخصا مقدما وسوف يقدم بقوة وانفعال، فإنهم ربما يفرون منه ويهربون منه فيسلم بخلاف من تأكد أنه سيقتل نفسه فإنه لا يجوز، وعلى هذا فالانتحاريون الذين يركبون السيارات الملغمة حتى يقفوا في صفوف العدو فيفجرونها ليسوا على صواب، لكن ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه لو كان في التسبب لقتل النفس مصلحة عظمى ن في الإسلام فإنه لا بأس بتلك واستدل بقصة الغلام الذي كان مؤمنًا يدعو إلى توحيد الله وكان ملكٌ ظالم يدعو للشرك وأراد أن يقضي على هذا الغلام فأرسله مرة إلى البحر ومرة إلى رءوس الجبال، وكل هذا يسلم، فدله الغلام على مسألة إذا فعلها قتله، قال: له: تجمع الناس ثم أقوم أمامهم وتأخذ سهمًا من كنانتي، وتقول: باسم رب هذا الغلام، فإذا فعلت هذا قدرت على قتلي، ففعل الملك فآمن الناس كلهم قالوا: لما كانت سلطة الملك لم يقدر على قتله ولما جاء اسم الله قدر على قتله، فإذن الرب رب الغلام فأسلم الناس، وهذه فائدة كبيرة فمثل هذا يجوز، أما أن ينتحر ليقتل شخصًا أو شخصين أو عشرة فهذا لا يوجب انكسار العدو ولا دخوله في الإسلام، بل ربما يوجب ازدياد العدو في الإيغال والإعداد.

стр. 2837

١١٦٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "رجم رسول الله ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأةً". رواه مسلمٌ. - وقصَّة رجم اليهوديَّين في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄. قوله: "رجلًا من أسلم" هو ماعز ﵁، "ورجلًا من اليهود"، وهو اليهودي الذي زنى بامرأة يهودية، وقوله: "وامرأة" هل المراد: امرأة من اليهود، أو المراد: امرأة مطلقًا؛ الظاهر أن المراد: امرأة من اليهود فهؤلاء ثلاثة رجمهم النبى ﷺ ، والباقي اثنان وهما الغامدية وامرأة صاحب العسيف، والغامدية هي الجهنية. تخفيف الحد على المريض الضعيف: ١١٦٨ - وعن سعيدٍ بن سعد بن عبادة ﵁ قال: "كان في أبياتنا رويجلٌ ضعيفٌ، فخبث بأمةٍ من إمائهم، فذكر ذلك سعيدٌ لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حدَّه. فقالوا: يا رسول الله، إنَّه أضعف من ذلك، فقال: خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ ثمَّ اضربوه به ضربةً واحدةً؛ ففعلوا". رواه أحمد، والنِّسائيُّ، وابن ماجه، وإسناده حسنٌ، لكن اختلف في وصله وإرساله. قوله: "في أبياتنا"، في للظرفية، والمعنى: في حيّنا، "رويجل"، تصغير رجل، يعني: أنه رجل ضعيف ممتهن، "فخبث" أي: زنى؛ لأن الزنا خبث كما قال الله ﵎: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطَّيبات للطَّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مبرَّءون ممَّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [النور: ٢٦]. "فخبث بأمة من إمائهم" والظاهر أنها كانت أمة مملوكة، "فذكر ذلك سعيد لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حدًّا، فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك" يعني: لا يستطيع الحد، فقوله: "اضربوه حدًّا" وهو مائة جلدة، وهذا يدل على أن هلًا الرويجل غير محصن، فقال: "خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ ثم أضربوه ... إلخ". قوله: "إنه أضعف من ذلك" أي مرن أن يضرب الحد، وقوله: "عثكالًا "، العثكال أصل الشماريخ، وأنتم تعرفون عذق النخل له أصل وله شماريخ، الأصل يسمى عثكالًا، والشمراخ هو الذي تنبت عليه حبات الرطب، "ثم أضربوه به ضربة واحدة" فإذا ضرب به ضربة وفيه مائة شمراخ كانت هذه الضربة الواحدة عن مائة ضربة.

стр. 2838

قال: "لكن اختلف في وصله وإرساله"، وإذا اختلف في وصله وإرساله اتبع الأرجح؛ لأن من خالف الأرجح فهو شاذ عند أهل المصطلح، فإن تساووا قدم من وصل؛ لأن معه زيادة علم. هذا الحديث فيه فوائد: منها: الحذر من المظاهر، وإلَّا يغتر الإنسان بها، وذلك أن هذا الرويجل الضعيف لا يظن به أن يعمد إلى أمة من الإماء فيفجر بها؛ لأنه ضعيف فيجب الحذر، وإلَّا يغتر الإنسان بالمظاهر. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الستر على من زنى، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على من أخبره بزنا هذا الرويجل. ومن فوائد هذا الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحد لقوله: "اضربوه حدَّه". ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب التغريب؛ لأن النبي ﷺ لم يذكره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأننا نقول: إن كان هذا الرويجل مملوكًا كما هو ظاهر الحال حيث زنى بأمة، فالمملوك لا يغرب؛ لأن في ذلك ضررًا على سيده، وقد قال بعض العلماء: إنه يغرب، وبعضهم قال: يغرب نصف سنة، وسبق ذكر الخلاف في هذا وإن كان حرًّا فإن عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وإذا كان كذلك فإنه لا ينافي الأحاديث الدالة على أنه يغرب الزاني. ومن فوائد الحديث: أن هذا الرويجل ليس محصنًا، وجه ذلك: أنه قال: "اضربوه حده"، ولم يقل: ارجموه، فإن كان مملوكًا فعدم إحصانه ظاهر؛ لأن من شرط الإحصان: أن يجامع زوجته التي تزوجها بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، وإن كان حرًّا فإنه يستدل باللازم، فإن من لازم الاقتصار على الأمر بالجلد أنه ليس بمحصن. ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان من وجب عليه الحد لا يقوى على تحمل الحد فإنه يعدل إلى ما أرشد إليه النبي ﷺ وهو أن يؤخذ عثكالًا من النخل فيه مائة شمراخ ويضرب به ضربة واحدة، واختلف العلماء ﵏: هل يجب آن تنشر الشماريخ حتي يباشر كل شمراخ بدن هذا المحدود أو لا يشترط؟ الصحيح أنه لا يشترط أولًا: لأنه لم يذكر في الحديث أن النبي ﷺ أمر بأن تفرق هذه الشماريخ، والثاني: أن تفريقها فيه مشقة شديدة، وقد لا يمكن أن تنشر مائة شمراخ حتى تباشر الضرب هذا صعب أو متعذر، فالصواب أنه لا يشترط أن تفرق هذه الشماريخ، وهل مثل ذلك ما ذكره الله عن أيوب حين قال له: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤]؟ الجواب: نعم مثل هذا؛ لأنه ﵊ أقسم أن يضرب امرأته مائة جلدة، ولكن أفتاه الله بذلك ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾، وهل يقال: إنه متى وجب الحد على ضعيف لا يحتمله فإنه يضرب بالعثكال الذي فيه مائة شمراخ بكل حال أو

стр. 2839

فيه تفصيل؟ الجواب: فيه تفصيل وهو أنه إذا كان يرجى زوال ضعفه فإنه ينتظر حتى يزول ثم يقام عليه الحد على الوجه المعتاد وأما إذا كان ميئوسًا منه فهو الذي يفعل به ما أشار إليه النبي ﷺ ، فإذا كان الذي وجب عليه مريضًا بزكام أو ما يسمى باللوزات أو ما أشبه ذلك، فإننا ننظر حتى يبرأ من المرض، وأما إذا كان مريضًا بمرض لا يرجى برؤه أو كان ضعيفًا لكبره فإننا نقيم عليه الحد على الوجه الذي أرشد إليه النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن الحدود لا يقصد بها الإيلام قصدًا أوليًّا، وإنما المقصود بها: التأديب والردع، وأن تكون كفارة للذنب؛ لأنه لو كان المقصود الإيلام لوجب أن يقام الجلد على الوجه المعتاد على الضعيف؛ لأن ذلك أقوى في إيلامه. عقوبة اللواط: ١١٦٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوطٍ؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه وقع على بهيمةٍ؛ فاقتلوه واقتلوا البهيمة". رواه أحمد والأربعة، ورجاله موثَّقون، إلَّا أنَّ فيه اختلافًا. قوله: "من وجدتموه .. إلخ" الخطاب هنا يعود للأمة جميعًا، ولكن الذي يتولى إقامة الحدود هو الإمام أو نائب الإمام وليس كل أحد يتولى إقامة الحد إلَّا واحدًا وهو السيد على رقيقه كما سبق، وقوله: "يعمل عمل قوم لوط" يعني: يأتي الرجال، وهذه الفعلة القبيحة سماها الله تعالى الخبائث فقال: ﴿ونجيناه من القرية الَّتي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤]. وسماها نبيهم الفاحشة فقال: ﴿أتأتون الفاحشة﴾ [النمل: ٥٤]. وفى الزنا قال الله تعالى فيه: ﴿إنه كان فاحشةً﴾ [الإسراء: ٣٢]. وما عرف فهو أقبح، يعني: كأنه جمع أنواع الفواحش، ولا شك أنه أقبح؛ لأن هذا الفرج لا يباح بحال من الأحوال وأما فرج المرأة فيباح بعقد النكاح الصحيح، أما هذا فلا يباح بأي حال من الأحوال فلذلك كان أقبح من الزنا، وقوله: "اقتلوا الفاعل والمفعول به"

стр. 2840

ولم يقل: اقتلوه مع أن مقتضى السياق أن يؤتى بالضمير، ولكنه أظهر في موضع الإضمار ليحسن العطف في قوله: "والمفعول به" لأنه لو قال: فاقتلوه والمفعول به، ما حسن العطف، لكن إذا أظهر صار فيه أنه يحسن العطف عليه وهذه فائدة لفظية، وفيه أيضًا فائدة معنوية: وهي أن الإظهار في مكان الإضمار هنا يشير إلى علة الحكم وهي: "اقتلوا الفاعل" وهي الفعلة القبيحة التي صدرت منه. "ومن وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه" وذلك للعلة السابقة؛ لأن فرج البهيمة لا يباح لبني آدم بأي حال من الأحوال، "اقتلوا البهيمة"، لأن في ذلك زجرًا له ومنعًا للعودة مرة ثانية إلى هذه البهيمة، ولئلَّا تحمل بحيوان يكون بعضه آدميًّا وبعضه بهيمة، ولئلَّا يعير بها. فالفوائد إذن في قتل البهيمة ثلاث، وهذا الحديث يدل على قبح هاتين الفعلتين: إتيان الذكور وإتيان البهائم، واختلف العلماء ﵏ في صحة هذا الحديث من ضعفه والعمل به؛ فمنهم من قال: إن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به، وعلى هذا فيبقى النظر في حد اللوطي وحد آتي البهيمة، ومنهم من قال: الحديث صحيح في الطرف الأول منه؛ يعني: إلى قوله: "والمفعول به"، ومنهم من قال: هو صحيح في الطرفين، لكن الطرف الثاني في قتل الفاعل بالبهيمة لوجود الشبهة فيه وهي اختلاف العلماء لا ينفذ. في هذا الحديث فوائد: أولًا: وجوب قتل اللوطية فاعلًا كان أو مفعولًا به لقوله: "اقتلوا"، والقتل إعدام، ولا يمكن إعدام المعصوم إلَّا بشيء واجب؛ لأن عصمة المعصوم ثابتة ولا تنتهك إلَّا بشيء واجب وهذا هو القول الصحيح. ومن فوائد الحديث: أنه يقتل الفاعل والمفعول به سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ أي: سواء سبق لهما الزواج أو لم يسبق لعموم الحديث، ولكن هل يشمل ما إذا كانا مكلفين أو غير مكلفين؟ الجواب: لا؛ لأن من شروط إقامة الحد أن يكون الفاعل لما يقتضي الحد بالغًا عاقلًا، وعلى هذا فلو وقع اللواط بين شخصين لم يبلغا فإنه لا يقام عليهما الحد، ولكنهما يعزران بما يردعهما وأمثالهما، وكذلك لو وقع بين مجنون ومجنون، أو مجنون وصغير، وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسالة على ثلاثة أقوال، بل أربعة لكن الرابع ساقط. القول الأول: "جوب قتل الفاعل والمفعول به، وهذا القول هو الصحيح المؤيد بالسُّنة وبعمل الصحابة ﵃، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به في اللواط قال: إلَّا أنهم اختلفوا كيف يقتل. القول الثاني: أن حده حد الزاني، وعلى هذا إن كانا محصنين رجما، وإن كانا غير - محصنين جللًا وغرِّبا.
следующие страницы →