← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

ومن فوائد ألحديث: جواز استفهام المرء عما يفعله الكبير؛ لقول عمر: "أتصلي عليها وقد زنت" فلا يستحي الإنسان في الاستفهام أمام الكبير؛ لأن الاستحياء في طلب العلم جبنٌ، ولهذا قال بعضهم: لا ينال العلم مستحيٍ ولا مستكبر. ومن فوائد الحديث: أن هذه المرأة تابت توبة واسعة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم". ومن فوائد الحديث: جواز المبالغة في الأشياء قلة وكثرة؛ لقوله: "لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة" وهذا يشبه قوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين"، فإن من اقتطع دون الشبر يطوق به، لكن ذكر الشبر على سبيل المبالغة في القلة، منه أيضًا عند بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. ومن فوائد الحديث: الاستدلال بالقرائن لقوله: "وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى"، فإن هذا يدل على كمال توبتها وصدق توبتها. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لأنها جادت بنفسها لله لا لغيره. هل يؤخذ من هذا الحديث أنه يجوز للإنسان ان يهلك نفسه لله؟ قد يقال: إنه يؤخذ من ذلك أن الإنسان يجوز له أن يفعل ما يكون سببا لإهلاك نفسه لله ، وقد مر بنا أنه لا يجوز للإنسان أن ينتحر في جهاد الأعداء، لكن له أن يغامر مثل أن يدخل في صف الكفار وحده ربما يستلم والكافر جبان عند المؤمن، فإذا رأى شخصا مقدما وسوف يقدم بقوة وانفعال، فإنهم ربما يفرون منه ويهربون منه فيسلم بخلاف من تأكد أنه سيقتل نفسه فإنه لا يجوز، وعلى هذا فالانتحاريون الذين يركبون السيارات الملغمة حتى يقفوا في صفوف العدو فيفجرونها ليسوا على صواب، لكن ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه لو كان في التسبب لقتل النفس مصلحة عظمى ن في الإسلام فإنه لا بأس بتلك واستدل بقصة الغلام الذي كان مؤمنًا يدعو إلى توحيد الله وكان ملكٌ ظالم يدعو للشرك وأراد أن يقضي على هذا الغلام فأرسله مرة إلى البحر ومرة إلى رءوس الجبال، وكل هذا يسلم، فدله الغلام على مسألة إذا فعلها قتله، قال: له: تجمع الناس ثم أقوم أمامهم وتأخذ سهمًا من كنانتي، وتقول: باسم رب هذا الغلام، فإذا فعلت هذا قدرت على قتلي، ففعل الملك فآمن الناس كلهم قالوا: لما كانت سلطة الملك لم يقدر على قتله ولما جاء اسم الله قدر على قتله، فإذن الرب رب الغلام فأسلم الناس، وهذه فائدة كبيرة فمثل هذا يجوز، أما أن ينتحر ليقتل شخصًا أو شخصين أو عشرة فهذا لا يوجب انكسار العدو ولا دخوله في الإسلام، بل ربما يوجب ازدياد العدو في الإيغال والإعداد.

стр. 2837

١١٦٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "رجم رسول الله ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأةً". رواه مسلمٌ. - وقصَّة رجم اليهوديَّين في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄. قوله: "رجلًا من أسلم" هو ماعز ﵁، "ورجلًا من اليهود"، وهو اليهودي الذي زنى بامرأة يهودية، وقوله: "وامرأة" هل المراد: امرأة من اليهود، أو المراد: امرأة مطلقًا؛ الظاهر أن المراد: امرأة من اليهود فهؤلاء ثلاثة رجمهم النبى ﷺ ، والباقي اثنان وهما الغامدية وامرأة صاحب العسيف، والغامدية هي الجهنية. تخفيف الحد على المريض الضعيف: ١١٦٨ - وعن سعيدٍ بن سعد بن عبادة ﵁ قال: "كان في أبياتنا رويجلٌ ضعيفٌ، فخبث بأمةٍ من إمائهم، فذكر ذلك سعيدٌ لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حدَّه. فقالوا: يا رسول الله، إنَّه أضعف من ذلك، فقال: خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ ثمَّ اضربوه به ضربةً واحدةً؛ ففعلوا". رواه أحمد، والنِّسائيُّ، وابن ماجه، وإسناده حسنٌ، لكن اختلف في وصله وإرساله. قوله: "في أبياتنا"، في للظرفية، والمعنى: في حيّنا، "رويجل"، تصغير رجل، يعني: أنه رجل ضعيف ممتهن، "فخبث" أي: زنى؛ لأن الزنا خبث كما قال الله ﵎: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطَّيبات للطَّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مبرَّءون ممَّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [النور: ٢٦]. "فخبث بأمة من إمائهم" والظاهر أنها كانت أمة مملوكة، "فذكر ذلك سعيد لرسول الله ﷺ فقال: اضربوه حدًّا، فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك" يعني: لا يستطيع الحد، فقوله: "اضربوه حدًّا" وهو مائة جلدة، وهذا يدل على أن هلًا الرويجل غير محصن، فقال: "خذوا عثكالًا فيه مائة شمراخ ثم أضربوه ... إلخ". قوله: "إنه أضعف من ذلك" أي مرن أن يضرب الحد، وقوله: "عثكالًا "، العثكال أصل الشماريخ، وأنتم تعرفون عذق النخل له أصل وله شماريخ، الأصل يسمى عثكالًا، والشمراخ هو الذي تنبت عليه حبات الرطب، "ثم أضربوه به ضربة واحدة" فإذا ضرب به ضربة وفيه مائة شمراخ كانت هذه الضربة الواحدة عن مائة ضربة.

стр. 2838

قال: "لكن اختلف في وصله وإرساله"، وإذا اختلف في وصله وإرساله اتبع الأرجح؛ لأن من خالف الأرجح فهو شاذ عند أهل المصطلح، فإن تساووا قدم من وصل؛ لأن معه زيادة علم. هذا الحديث فيه فوائد: منها: الحذر من المظاهر، وإلَّا يغتر الإنسان بها، وذلك أن هذا الرويجل الضعيف لا يظن به أن يعمد إلى أمة من الإماء فيفجر بها؛ لأنه ضعيف فيجب الحذر، وإلَّا يغتر الإنسان بالمظاهر. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الستر على من زنى، وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على من أخبره بزنا هذا الرويجل. ومن فوائد هذا الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحد لقوله: "اضربوه حدَّه". ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب التغريب؛ لأن النبي ﷺ لم يذكره، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأننا نقول: إن كان هذا الرويجل مملوكًا كما هو ظاهر الحال حيث زنى بأمة، فالمملوك لا يغرب؛ لأن في ذلك ضررًا على سيده، وقد قال بعض العلماء: إنه يغرب، وبعضهم قال: يغرب نصف سنة، وسبق ذكر الخلاف في هذا وإن كان حرًّا فإن عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وإذا كان كذلك فإنه لا ينافي الأحاديث الدالة على أنه يغرب الزاني. ومن فوائد الحديث: أن هذا الرويجل ليس محصنًا، وجه ذلك: أنه قال: "اضربوه حده"، ولم يقل: ارجموه، فإن كان مملوكًا فعدم إحصانه ظاهر؛ لأن من شرط الإحصان: أن يجامع زوجته التي تزوجها بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، وإن كان حرًّا فإنه يستدل باللازم، فإن من لازم الاقتصار على الأمر بالجلد أنه ليس بمحصن. ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان من وجب عليه الحد لا يقوى على تحمل الحد فإنه يعدل إلى ما أرشد إليه النبي ﷺ وهو أن يؤخذ عثكالًا من النخل فيه مائة شمراخ ويضرب به ضربة واحدة، واختلف العلماء ﵏: هل يجب آن تنشر الشماريخ حتي يباشر كل شمراخ بدن هذا المحدود أو لا يشترط؟ الصحيح أنه لا يشترط أولًا: لأنه لم يذكر في الحديث أن النبي ﷺ أمر بأن تفرق هذه الشماريخ، والثاني: أن تفريقها فيه مشقة شديدة، وقد لا يمكن أن تنشر مائة شمراخ حتى تباشر الضرب هذا صعب أو متعذر، فالصواب أنه لا يشترط أن تفرق هذه الشماريخ، وهل مثل ذلك ما ذكره الله عن أيوب حين قال له: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤]؟ الجواب: نعم مثل هذا؛ لأنه ﵊ أقسم أن يضرب امرأته مائة جلدة، ولكن أفتاه الله بذلك ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾، وهل يقال: إنه متى وجب الحد على ضعيف لا يحتمله فإنه يضرب بالعثكال الذي فيه مائة شمراخ بكل حال أو

стр. 2839

فيه تفصيل؟ الجواب: فيه تفصيل وهو أنه إذا كان يرجى زوال ضعفه فإنه ينتظر حتى يزول ثم يقام عليه الحد على الوجه المعتاد وأما إذا كان ميئوسًا منه فهو الذي يفعل به ما أشار إليه النبي ﷺ ، فإذا كان الذي وجب عليه مريضًا بزكام أو ما يسمى باللوزات أو ما أشبه ذلك، فإننا ننظر حتى يبرأ من المرض، وأما إذا كان مريضًا بمرض لا يرجى برؤه أو كان ضعيفًا لكبره فإننا نقيم عليه الحد على الوجه الذي أرشد إليه النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن الحدود لا يقصد بها الإيلام قصدًا أوليًّا، وإنما المقصود بها: التأديب والردع، وأن تكون كفارة للذنب؛ لأنه لو كان المقصود الإيلام لوجب أن يقام الجلد على الوجه المعتاد على الضعيف؛ لأن ذلك أقوى في إيلامه. عقوبة اللواط: ١١٦٩ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوطٍ؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه وقع على بهيمةٍ؛ فاقتلوه واقتلوا البهيمة". رواه أحمد والأربعة، ورجاله موثَّقون، إلَّا أنَّ فيه اختلافًا. قوله: "من وجدتموه .. إلخ" الخطاب هنا يعود للأمة جميعًا، ولكن الذي يتولى إقامة الحدود هو الإمام أو نائب الإمام وليس كل أحد يتولى إقامة الحد إلَّا واحدًا وهو السيد على رقيقه كما سبق، وقوله: "يعمل عمل قوم لوط" يعني: يأتي الرجال، وهذه الفعلة القبيحة سماها الله تعالى الخبائث فقال: ﴿ونجيناه من القرية الَّتي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤]. وسماها نبيهم الفاحشة فقال: ﴿أتأتون الفاحشة﴾ [النمل: ٥٤]. وفى الزنا قال الله تعالى فيه: ﴿إنه كان فاحشةً﴾ [الإسراء: ٣٢]. وما عرف فهو أقبح، يعني: كأنه جمع أنواع الفواحش، ولا شك أنه أقبح؛ لأن هذا الفرج لا يباح بحال من الأحوال وأما فرج المرأة فيباح بعقد النكاح الصحيح، أما هذا فلا يباح بأي حال من الأحوال فلذلك كان أقبح من الزنا، وقوله: "اقتلوا الفاعل والمفعول به"

стр. 2840

ولم يقل: اقتلوه مع أن مقتضى السياق أن يؤتى بالضمير، ولكنه أظهر في موضع الإضمار ليحسن العطف في قوله: "والمفعول به" لأنه لو قال: فاقتلوه والمفعول به، ما حسن العطف، لكن إذا أظهر صار فيه أنه يحسن العطف عليه وهذه فائدة لفظية، وفيه أيضًا فائدة معنوية: وهي أن الإظهار في مكان الإضمار هنا يشير إلى علة الحكم وهي: "اقتلوا الفاعل" وهي الفعلة القبيحة التي صدرت منه. "ومن وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه" وذلك للعلة السابقة؛ لأن فرج البهيمة لا يباح لبني آدم بأي حال من الأحوال، "اقتلوا البهيمة"، لأن في ذلك زجرًا له ومنعًا للعودة مرة ثانية إلى هذه البهيمة، ولئلَّا تحمل بحيوان يكون بعضه آدميًّا وبعضه بهيمة، ولئلَّا يعير بها. فالفوائد إذن في قتل البهيمة ثلاث، وهذا الحديث يدل على قبح هاتين الفعلتين: إتيان الذكور وإتيان البهائم، واختلف العلماء ﵏ في صحة هذا الحديث من ضعفه والعمل به؛ فمنهم من قال: إن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به، وعلى هذا فيبقى النظر في حد اللوطي وحد آتي البهيمة، ومنهم من قال: الحديث صحيح في الطرف الأول منه؛ يعني: إلى قوله: "والمفعول به"، ومنهم من قال: هو صحيح في الطرفين، لكن الطرف الثاني في قتل الفاعل بالبهيمة لوجود الشبهة فيه وهي اختلاف العلماء لا ينفذ. في هذا الحديث فوائد: أولًا: وجوب قتل اللوطية فاعلًا كان أو مفعولًا به لقوله: "اقتلوا"، والقتل إعدام، ولا يمكن إعدام المعصوم إلَّا بشيء واجب؛ لأن عصمة المعصوم ثابتة ولا تنتهك إلَّا بشيء واجب وهذا هو القول الصحيح. ومن فوائد الحديث: أنه يقتل الفاعل والمفعول به سواء كانا محصنين أو غير محصنين؛ أي: سواء سبق لهما الزواج أو لم يسبق لعموم الحديث، ولكن هل يشمل ما إذا كانا مكلفين أو غير مكلفين؟ الجواب: لا؛ لأن من شروط إقامة الحد أن يكون الفاعل لما يقتضي الحد بالغًا عاقلًا، وعلى هذا فلو وقع اللواط بين شخصين لم يبلغا فإنه لا يقام عليهما الحد، ولكنهما يعزران بما يردعهما وأمثالهما، وكذلك لو وقع بين مجنون ومجنون، أو مجنون وصغير، وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسالة على ثلاثة أقوال، بل أربعة لكن الرابع ساقط. القول الأول: "جوب قتل الفاعل والمفعول به، وهذا القول هو الصحيح المؤيد بالسُّنة وبعمل الصحابة ﵃، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به في اللواط قال: إلَّا أنهم اختلفوا كيف يقتل. القول الثاني: أن حده حد الزاني، وعلى هذا إن كانا محصنين رجما، وإن كانا غير - محصنين جللًا وغرِّبا.

стр. 2841

القول الثالث: أنه لا حد عليهما، بل هو التعزير؛ وذلك لأن الحد إنما وجب في الزنا، واللواط ليس بزنًا. القول الرابع: "هو قول ساقط، لكن نذكره لإتمام سياق الأقوال أنه لا شيء عليهما اكتفاء بالرادع الطبيعي، وهذا من أضعف الأقوال، وقاسوا ذلك على البول قالوا: لو أن الإنسان شرب بولًا لم يحد ولو شرب خمرًا لحد؛ لأن النفوس لا تطلب البول وتطلب الخمر، فيقال: هذا منتقض في أصل القياس، وفي فرعه، أما أصل القياس فإننا لا نسلم أن من شرب البول لا يعزر، بل يجب أن يعزر؛ لأن شرب البول معصية حرام، والتعزير واجب في كل معصية. ثانيًا: أنه منتقض، فإن قولهم: "الطبيعة تنفر منه" يراد بذلك: الطبيعة السليمة، وأما المنجرفة فإنها لا تنفر، فهذه قرية كاملة أرسل إليها رسول كانت تعمل هذا العمل، ونقول الزنا أيضًا النفوس السليمة تنفر منه، ومع ذلك أوجب الله فيه الحد، فهذا القياس باطل في أصله وفي فرعه. يبقى النظر في التعزير نقول: الاقتصار على التعزير فيه نظر، وذلك لأن اللواط استمتاع محرم في فرج فأقرب ما يكون له الزنا وهذا هو القول لولا أن السُّنة وإجماع الصحابة على خلافه، وإلَّا لقلنا: إن حده حد الزاني؛ لكن ما دامت السُّنة دلت على وجوب قتله وكذلك الصحابة، فليس لنا بدٌّ عن القول بذلك، إذن فهو مؤيد بالنص وبإجماع الصحابة، ثم إنه مؤيد أيضًا بالنظر الصحيح؛ لأن التحرز عن اللواط غير ممكن، فإنه اقتران ذكر بذكر، فهل يمكن أن نقول: كلما وجدنا ذكرا مع ذكر وجب علينا أن نفرق بينهما خوفًا من الوقوع في اللواط، لكن إذا كان ذكرًا مع أنثى يفرق بينهما فالتحرز منه لا يمكن، وإذا كان التحرز منه لا يمكن فإنه لا بد من إعدامهما حتى لا يكونا جرثومة فاسدة في المجتمع، وهذا هو الحق الذي يتعين المصير إليه، أما من أتى البهيمة فنقول: إن الحديث لا يقوى على استباحة دم الفاعل لما فيه من الشبهة، وعليه فلا يقتل الفاعل في البهيمة ولكن يعزر بما يردعه، أما البهيمة فتقتل لكنها تقتل قتلًا ولا تذكي تذكية، تقتل بالرصاصي أو ما أشبهه ولا تذكى. فإن قال قائل: هل يحل أكلها؟ فالجواب: لا؛ لأنها قتلت حدًّا وتعزيرًا على صاحبها، بل وتعزيرًا على الفاعل فلا تؤكل فإن قيل: إذا كانت البهيمة للفاعل فالغرم عليه ولا إشكال، لكن إذا كانت لغيره فكيف نقتل مال غيره أليس هذا عدوانًا على الغير؟

стр. 2842

فالجواب: لا، ليس عدوانًا على الغير بل نقتلها ويغرم الفاعل للغير قيمتها، تقوم زانية أو غير زانية - يعني: البهيمة-؟ هل نقول: إننا نضمنه مثلها بمعنى أن نقول: ائت بشاة مثل هذه الشاة أو بعنز مثل هذه العنز؟ إن قلنا: إن الحيوان مثلي وهو الصحيح فإننا نضمنه مثلها ونلزم الفاعل أن يشتري مثلها ويعطيها مالكها، وإن قلنا: إن الحيوان غير مثلي - وهو المشهور من المذهب - فإنه يضمنها بالقيمة، لكن الصحيح أنه مثلي؛ لأنه يمكن أن نجد حيوانًا مماثلًا للآخر، ولأن النبي ﷺ استقرض بكرًا ورد خيارًا رباعيًا وقال: "خيركم أحسنكم قضاء". الجمع بين الجلد والتغريب للزاني البكر: ١١٧٠ - وعن ابن عمر ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضرب وغرَّب، وأنَّ أبا بكرٍ ضرب وغرَّب، وأنَّ عمر ضرب وغرَّب". رواه التِّرمذيُّ، ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أنَّه اختلف في وقفه ورفعه. وهذا في البكر إذا زنى البكر فإنه يضرب؛ أي: يجلد مائة جلدة ويغرب؛ أي: ينفى عن بلده ولم يبين في هذا الحديث كم يغرب، لكن مر علينا أنه يغرب سنة كاملة، وذكر ضرب أبي بكر وعمر مع أننا نكتفي بما جاء عن رسول الله ﷺ للإشارة إلى أن هذا لم ينسخ، وأن عمل المسلمين بقي عليه، وهذه فائدة كبيرة، فلو ادعى مدَّعٍ أن التغريب نسخ أو أنه لا يعمل به؛ لأنه لم يذكر في الآية الكريمة؛ إذ إن الآية لم يذكر فيها إلَّا الجلد، قلنا: نرد عليه بمثل هذا أنه جاء عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر. وقول المؤلف: "اختلف في رفعه ووقفه"، القاعدة عند علماء المصطلح أنه إذا اختلف في الرفع والوقف فإنه يؤخذ بالرفع؛ لأن مع الرافع زيادة علم، وأنه لا منافاة في الحقيقة بين الوقف والرفع، فإن الراوي الذي يسنده إلى الرسول ﷺ قد يتكلم به في مجلس من المجالس دون أن يسنده إلى الرسول فيسمعه من يسمعه فيظنه موقوفًا عليه والأمر ليس كذلك، فالحاصل: أنه لا تعارض بين الوقف والرفع ما دام الرافع ثقة كما سبق في ذكر الوصل والإرسال فإنه يؤخذ بالواصل؛ لأن معه زيادة علم.

стр. 2843

لعنة المخنثين والمترجلات: ١١٧١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ المخنَّثين من الرِّجال، والمترجِّلات من النِّساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم". رواه البخاريُّ "لعن" أي: دعا عليهم باللعنة، فقال: اللهم العن، أو قال: لعنة الله على كذا، فعبر عنها الراوي بقوله لعن، والمخنث والمؤنث والمذكر هذه ثلاث كلمات، المذكر للذكور الخلص، والمؤنث للإناث الخلص، والمخنث لما بينهما، رجل لكن طبائعه طبائع النساء، في كلامه، في مشيته، في هيئته، إذا سمعت كلامه وأنت لم تره ظننت أنه امرأة، فهذا هو المخنث طبائعه كطبائع النساء، لكن جسده جسد الذكور، المخنثون عادة يدخلون البيوت ولا تهتم بهم النساء؛ لأن طبيعتهم كطبيعة المرأة فلا تهتم به ولا تهابه ولا تخاف منه، ولكن كم من عود فيه جذوة نار، ربما يكون هو مخنثًا ولكن معه شهوة الرجال فيخشى عليه مع اطمئنان النساء إليه أن يفعل الفاحشة، ولهذا لعن الرسول المخنثين من الرجال، وقيل: إن معنى المخنث الذي يتشبه بالنساء وإن كان هو طبيعته طبيعة الذكر لكن يتشبه بالنساء في الكلام وفي المشية، والفرق بين القولين ظاهر، القول الأول: أن المخنث مخنث بطبيعته، والثاني: مخنث بتطبعه، ويؤيد هذا القول قوله: "المترجلات من النساء"، المترجلات اللاتي يحذون حذو الرجال في الهيئة والكلام والحركة وفي المشية، إذا رأيتها قلت: هذه رجل تمشي على الأرض بظاهر القدم كأنها فرس، وتتكلم بكلام جذم كلام الرجال وتجادل مع الرجال وتخالط الرجال، وكأنها رجل منهم، المهم أنها مترجلة أي: جاعلة نفسها بمنزلة الرجل، هذه ملعونة لعنها الرسول ﷺ ، وقوله: "من النساء"، بيان لأن "أل" هنا اسم موصول؛ لأن ابن مالك يقول: ومن وما وأل تساوي ما ذكر ثم قال في صلتها: وصفةٌ صريحةٌ صلة أل إذن "أل" الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول تكون اسمًا موصولًا، لكن لا تعرب؛ لأنها على صورة الحرف فينتقل إعرابها إلى ما بعدها، فالمترجلات إذا كانت "أل" اسمًا موصولًا فتحتاج إلى بيان، المترجلات من أين؟ من النساء؛ ولهذا نقول: "من" هذه بيانية.

стр. 2844

وقوله: "أخرجوهم من بيوتكم"، أخرجوهم الضمير هنا ضمير مذكر فيكون عائدًا على المخنثين من الرجال لا على المترجلات من النساء، يعني: أخرجوا هؤلاء المخنثين من الرجال من بيوتكم لا يدخلون البيوت لما يخشى من الخطر باختلاطهم بالنساء. ففي هذا الحديث فوائد عظيمة جدًّا أولًا: أن الشرع يراعي أن يكون النساء والرجال متميزين، أي: أن بعضهم يتميز عن بعض حتى لا يكون بعضهم مشابهًا لبعض. ومن فوائده: الرد على أولئك الذين ينادون الآن أن تكون المرأة مساوية للرجل تعمل كما يعمل الرجل وتجادل وتحامي وتفعل ما يفعله الرجل، فإن هذا الحديث يرد عليهم. ومن فوائده: تحريم قيام الرجل بدور المرأة في التمثيليات؛ لأنه تشبه بالنساء فهو تخنث فيدخل في الحديث، وكذلك العكس أن تقوم المرأة بدور الرجل فإنها تكون ملعونة. ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن تتجنب المرأة في لباسها ما يختص بلباس الرجال، وكذلك يتجنب الرجل ما يختص بلباس النساء، وأنه يحرم على المرأة أن تتشبه بالرجال في اللباس، وكذلك يحرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء في اللباس. فإن قال قائل: هل يلزم من ذلك أن تتجنب المرأة لبس الثوب الأبيض؟ فالجواب: لا، لا يلزم، كما لا يلزم الرجل أن يتجنب لبس الثوب الأسود، لكن إذا لبست الثوب الأبيض فلا بد أن يكون على تطريز يخالف ثياب الرجال من أجل التمييز، ثم نقول في هذه المسألة: الثياب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم خاص بالرجال، وقسم خاص بالنساء، ولا يختلف الناس فيه، وقسم مشترك، فأما الأول والثاني فأمرهما ظاهر، يعني: لا يلبس الرجل لبسة المرأة ولا المرأة لبسة الرجل، وأما الثالث فلا بأس إذا كان مشتركًا بين الطرفين مثل بعض الفنايل يلبسها الرجال والنساء على حدٍّ سواء، فما تقولون في البنطلون للمرأة هل نقول: إنه من خصائص لباس الرجال أو هو عام؟ نؤجل الكلام على هذا، لأنه يكثر السؤال عنه ونحن نمنعهن، نقول: لا تلبسن هذا، لكن التحريم يحتاج إلى دليل إلَّا أننا نفتي بأنها لا تلبسه اللهم، إلَّا في غرفة النوم عند زوجها فهذا شيء آخر، لأنه يؤدي إلى أنه ينفتح أمام النساء قلة الحياء، لأن الإنسان حتى الرجل إذا صارت أفخاذه محددة وسيقانه محددة وصوره محددة فهو ليس كالرجل الذي عليه قميص واسع، لا شك أنه ينزع الحياء، والمرأة شيمتها الحياء، ولهذا يقال: أشد حياء من العذراء في خدرها. ثانيًا: أن النساء وإن كن الآن يدعين أنهن يلبسن بناطيل واسعة هذا قد يكون مسلَّمًا لكن في المستقبل ما يأتي الواسع سوف يأتي بنطلونات تلزج على الجلد لزاجا، على كل حال:

стр. 2845

منعه أولى؛ لأن أقل ما نقول فيه: إنه ذريعة، أما إذا كان من بنطلونات الرجال التي لا يلبسها إلَّا الرجال فهذا حرام من أجل التشبه. ومن فوائد الحديث: أنه يحرم على النساء أن يترجلان بكل ما يختص بالرجال، اللباس فهمناه حتى في الهيئة، في الحركة، في النطق لأجل أن يتميز الجنس عن الجنس الآخر، والله ميز بينهما خلقة وطبيعة وشريعة، فالخلقة واضحة، والطبيعة أيضًا واضحة، أسأل الذين يتعاطون التشريح، كذلك شريعة يختلف الرجال على النساء، هناك أشياء من مهمات الدين لا تجب علين النساء؛ لأنهن لسن من أهلها، فالجماعة في الصلوات الخمس وفي الجمعة غير واجبة على النساء، وهي من مهمات الدين، الجهاد ذروة سنام الإسلام ليس واجبًا على النساء، الحج لا يجب على المرأة إلَّا بمحرم يصاحبها، ويجب على الرجل ولو لم يكن معه خادم يصاحبه، وأشياء كثيرة، فرق الله سبحانه بحكمته بين الرجال والنساء في الشريعة فكيف يأتي أناس اليوم ويحاولون أن يسووا بين الرجال والنساء! هذه محادة لله ورسوله مخالفة للفطرة التي فطر عليها الخلق، وسبحان الله! كيف يتمتع الإنسان بزوجة إذا دخل وقال: أحضري فنجان شاي قالت أنا أطالع الدرس أو أضع راديو مسجل وما أشبه ذلك، ثم ربما يغلب صوتها عليه كأنها رجل، أين الاستمتاع؟ ولست أقول هذا من أجل أن الإنسان لا يهمه إلَّا الاستمتاع، لا، لكن لا يمكن للإنسان أن يشعر بسعادة زوجية وهو يعتقد أن زوجته مثله لا يمكن أن يشعر بهذا لكن الذي يفكك الأسر في المجتمعات غير الإسلامية هو كون كل واحد يشعر بأنه وحده في البيت صار هذا الأمر سهلًا عليه. درء الحدود بالشبهات: ١١٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا". أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيفٌ. ١١٧٣ - وأخرجه التِّرمذيُّ، والحاكم: من حديث عائشة ﵂ "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو ضعيفٌ أيضًا

стр. 2846

١١٧٤ - ورواه البيهقيُّ: عن عليٍّ ﵁ من قوله بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشُّبهات". أحسن ما يكون ما روي عن علي من قوله: "ادرءوا الحدود بالشبهات" قوله: "ادرءوا" معنى: ادفعوا، و"الحدود" جمع حد، وهي العقوبة المقدرة شرعًا في معصية، وحكمتها: تكفير الذنب عن العاصي وردعه وردع غيره عن هذه المعصية في المستقبل، وخرج بقولنا: "العقوبة المقدرة شرعًا" التعزير، لأن التعزير ليس حدًّا، بل هو راجع إلى ولي الأمر، وليس القصاص من الحدود لا كما ظنه بعض الناس، بل القصاص حق للآدمي، له أن يعفو عنه إلى بدل وهي الدية، وله ان يعفو عن مجانًا، وأما الجدود فلا يستطيع أحد أن يدفعها ويعفو عنها إذا وصلت الإمام فلعن الله الشافع والمشفع له وقوله: "ما وجدتم لها مدفعًا"، يعني: ما وجدت لها دافعًا ولو من وجه يعيد. ولكن هذا الحديث - بفضل الله - ضعيف؛ لأننا لو أخذنا بهذا لكنا نحاول بقدر المستطاع ألَّا يثبت حد؛ لأن قوله: "ما وجدتم" تشبه أن تكون شرطية أو مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام وجودكم، فما دمت تجد مدفعًا فادفع، وهذا يؤدي إلى سقوط الحدود، وكذلك اللفظ الثاني "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم"، هذا أيضًا يؤدي إلى إسقاط الحدود إذا كنا بقدر المستطاع ندرأ الحدود فمعناه: أننا نأتي بشبهة بعيدة ولو احتمالًا واحدًا من ألف احتمال، أما الذي روي عن علي فهذا واضح: "ادرءوا الحدود بالشبهات" يعني: إذا وجدت شبهة في وجوب الحد إما لخلل في البينة أو في الإقرار أو لاشتباه أن ينطبق عليه الحكم الشرعي أو لا فحينئذٍ ندعها؛ وذلك لأن الأصل براءة المسلم حتى تقوم البينة بأنه متلبس بهذا الذنب الذي يوجب الحد، ولهذا لو شككنا في الشهود على سرقة أو على قذف أو على زنًا فإنه يجب علينا أن تعمل الأسباب التي يزول بها الشك مثل أن نستشهد كل واحد على حدة، وأن نجمع بين شهادتهم، فإذا تناقضت عرفنا أنها شهادة باطلة، وإن اتفقت زال الشك عنها، وكذلك ننظر في حال المقر هل هو عاقل كامل العقل، أو هو ناقص العقل هل هو سكران أو غير سكران، هل هو ملجأ للإقرار أو غير ملجا وهلم جرًّا حتى نتبين، وذلك لأن الأصل براءة المسلم حتى يثبت ما يستحق به العقوبة ثم بعد ذلك نعاقبه، وعلى هذا فيكون المعتمد ما روي عن علي ﵁: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، أما "ادرءوا الحدود ما استطعتم"، أو "ما وجدتم لها مدفعًا" فهذا لا يستقيم، ولذلك كان هذا الحديث ضعيفا في هذا الأثر عن علي ﵁. من الفوائد: أنه يجب رفع الحد إذا حدثت الشبهة.

стр. 2847

ومن فوائده: الحفاظ على أعراض المسلمين وعلى اعتباراتهم، وأنه لا يجوز أن نخدشها إلَّا إذا قامت البينة الواضحة التي ليس فيها شبهة. وجوب إقامة حد الزنا عند ثبوته: ١١٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا هذه القاذورات الَّتي نهى الله تعالى عنها، فمن ألمَّ بها فليستتر بستر الله تعالى، وليتب إلى الله تعالى، فإنَّه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ". رواه الحاكم، وهو في الموطَّأ من مراسيل زيد بن أسلم. قوله: "ورواه الحاكم"، الحاكم معروف ﵀ بالتساهل في الرواية وبالتساهل في التصحيح، وأما الموطأ فيقول: إنه من مراسيل زيد بن أسلم، والمرسل - كما تعرفون - من أقسام الضعيف، ولكن لننظر هل معنى هذا الحديث صحيح بقطع النظر عن كونه مرفوعًا أو غير مرفوع. "اجتنبوا هذه القاذورات" هي: جمع قاذورة، وهي كل ما يستقذر ويستقبح، ولا شك أن المعاصي عند أرباب العقول السليمة والإيمان القوي لا شك مستقذرة، ولهذا سمى الزنا خبثًا، واللواط خبثًا، فقال الله ﵎ في لوط: ﴿ونجَّيناه من القرية الَّتي كانت تعمل الخبائث﴾. مع أن هذه الخبيثة عند قوم طيبة لا يستنكرونها والعياذ بالله، كذلك الزنا يسمى خبيثًا، ومنه حديث الرويجل الذي خبث في جارية، ومنه قوله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات﴾ [النور: ٢٦]. فهذه قاذورات مستقذرة عند كل ذي طبع سليم ودين قويم؛ ولهذا قال: "التي نهي الله تعالى عنها" وهذه الصفة بيان للواقع وليست صفة مقيدة؛ لأن القاذورات كلها نهي الله عنها فليست القاذورات قسمين منهي عنه وغير منهي بل كلها منهي عنها، إذن فالصفة هنا بيان للواقع، وقوله: "ألم بها"، أي: أصاب منها؛ لأن اللمم هو الشيء اليسير كما قال تعالى: ﴿الَّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلَّا اللَّمم﴾ [النجم: ٣٢]. إما أنه يسير بممارسته بحيث لا يفعلون الكبيرة إلَّا مرة واحدة، أو ﴿إلَّا اللَّمم﴾ الذنب الصغير على خلاف بين العلماء، الشاهد "ألمّ بها" يعني: أصاب منها، فليستتر بستر الله، فإن الله يستر على من شاء من عباده، ولكن إذا أصر الإنسان على المعصية كشفه الله - والعياذ بالله - لا بد أن تظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، أما إذا فعلها مرة فقد يستر الله عليه، ويذكر أن بنى إسرائيل كان الواحد منهم إذا أصاب ذنبا وجد هذا الذنب مكتوبًا على بابه، فضيحة - والعياذ بالله - لهم ولكننا - ولله الحمد - لا يوجد هذا في هذه الأمة، فإذا كان الله قد ستر عليك فاستتر، لا تصبح تتحدث بأني فعلت كذا، وفعلت كذا، فإن هذه من المجاهرة، وكل هذه الأمة معافى إلَّا المجاهرين

стр. 2848

فإنهم لن يعافوا كثير من الناس إذا فعل المعصية قام يتحدث بها افتخارًا أو استهتارًا وعدم مبالاة أو دعوة للضلال، يريد من الناس أن يقتدوا به ويعملوا بعمله، لكن المؤمن لا يفعل هذا، فنقول: استتر بستر الله، "وليتب إلى الله". الحديث إذا ضح عن الرسول ﷺ أمره بأمرين: الاستتار وعدم الإصرار، يؤخذ عدم الإصرار من قوله: "وليتب إلى الله" أي: ليرجع إلى الله من هذه المعصية، فيندم ويستغفر ويعزم على ألَّا يعود، قوله: "فإنه من يبد لنا صفحته" يعني: ما عمل؛ لأن الصفحة هي الجانب الذي يكتب فيه الشيء، والمعنى: من أبدى لنا عمله فإننا نقيم عليه الحد الموجود في كتاب الله فمن جاءنا مقرًّا بالزنا ماذا نقيم عليها؟ نقيم عليه حد الزنا إما الجلد والتغريب وإما الرجم، حسب ما تقتضيه الحال. في هذا الحديث فوائد أولًا: "جوب اجتناب المعاصي، لقوله: "اجتنبوا هذه القاذورات"، وتأكيد ذلك يستقبح كالزنا واللواط لقوله: "القاذورات". ومن فوائده: إرشاد من ألمّ بشيء منها أن يستتر ويتوب إلى الله لقوله: "فمن ألمَّ بها فليستتر بستر الله"، ونحن نقول: إرشاد، ولا نقول: وجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لمنع النبي ﷺ من إقرار الذين أقروا عنده بالزنا، ولقال لهم: استتروا ولا تقروا؛ لكن هذا من باب الإرشاد أن الإنسان يستتر بستر الله، وربما يكون الآن غضبان على نفسه لكن فيما بعد تطمئن نفسه ويتوب إلى الله وتصلح حاله. ومن فوائد الحديث: وجوب التوبة لقوله: "وليتب"، ولعل قائلًا يقول: كيف تقول في اللام في قوله: "فليستتر" أنها للإرشاد والاستحباب، وتقول في قوله: "فليتب" إنها للوجوب، وهل هذا إلَّا تفريق بين كلمتين في نص على نسق واحد؟ الجواب: نعم، هو كذلك، لكن التفريق ليس مأخوذًا من هذا الحديث، وإنما هو من أدلة أخرى، فالتوبة من الذنب واجبة بالنص والإجماع: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّه المؤمنون لعلَّكم تفلحون﴾ [النور: ٣١]. وعلى هذا فقوله: "فليتب" الأمر للوجوب. ومن فوائد الحديث: أن من أقر عند الحاكم بذنب وجب على الحاكم أن يقيم عليه ما يستحقه بهذا الذنب لقوله في الحديث: "فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله". ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يربط الوقائع والأحكام بكتاب الله حتى يألف الناس الرجوع إلى كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله فليربطهم بالسُّنة، ولا مانع أن يضم إلى ذلك الدليل العقلي الذي نسميه الدليل النظري؛ لأن الدليل العقلي حجة على الشاك بالأدلة الشرعية وزيادة طمأنينة فيمن آمن بالنصوص الشرعية، وكثير من الناس لا يقبل الحكم الشرعي

стр. 2849

ولو قيل له: قال الله ورسوله إلَّا إذا قيل: بأنه كذا وكذا ثم ذكر له التعليل، ولاسيما إذا كان ناقص الإيمان، ولهذا نحث إخواننا طلبة العلم إلَّا يهدروا الدلالة العقلية مطلقًا وألَّا يعتمدوا عليها مطلقًا، بل يجمعوا بينها وبين النصوص الشرعية التي تسمى الأدلة السمعية ويركز عليها مع الخصم الذي لا يقر بالأدلة السمعية، ولهذا نجد الله في القرآن الكريم يضرب الأمثلة العقلية لإقرار المنكرين مدلول خطاب الشرع مثلًا الذين أنكروا إحياء الموتى ضرب الله أمثلة عقلية وحسية، أما العقلية فقال ﴿وهو الَّذي يبدءوا الخلق ثمَّ يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. هذا دليل عقلي؛ لأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، وأما الحسية فإنه سبحانه يضرب مثلًا بالأرض هامدة: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت وربت إنَّ الَّذي أحياها لمحي الموتى إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. نجد الذين اعتمدوا على الأدلة العقلية ضلوا مثل المعطلة وأصحاب الرأي، وحدِّث ولا حرج مثلًا يجوز أن تزوج المرأة العاقلة الرشيدة نفسها، كما يجوز أن تبيع ما لها هذا دليل عقلي قياسي كله عقلي، لكن هذا مصادم للنص، فضل الذين قالوا بذلك لاعتمادهم على العقل دون الرجوع إلى السمع، ونجد مثلًا الذين أنكروا صفات الله اعتمدوا على العقول وهي في الحقيقة أوهام وليست حقيقة يتوهمون من كذا وكذا، وكذا مما يجعلهم ينكرون. فالحاصل: أنك لا تهمل الأدلة العقلية، ولا تعتمد على الأدلة السمعية دون النظر إلى الأدلة العقلية، مثلًا أهل الظاهر يقابلون أهل الرأي، أهل الظاهر اعتمدوا على ظواهر النصوص ولم يرجعوا إلى العقل إطلاقًا، حتى إنهم من جمودهم على الظاهر قالوا: إن الإنسان لو ضحى بثنية من الضأن لم تقبل أضحيته، ولو ضحى بجذعة قبلت أضحيته، أيهما أولى بالقبول؟ الثنية، لكن قالوا: إن الرسول ﷺ قال: "لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن"، هذا جمود على ظاهر بعيد من العقل، وقالوا: إن الرجل إذا جاء لابنته البكر وقال: يا بنية، إن فلانًا خطبك، فقالت: نعم الرجل فلانًا ديانة وعلمًا ومالًا وشجاعة أنا لا أطلب إلَّا مثل هذا الرجل فزوجنيه، قالوا: هذه لا نزوجها؛ لأن الرسول قال: إذنها وهي بكر أن تسكت، أما إذا صرحت فلا نزوجها، إذن ماذا نصنع؟ نعيد عليها الاستئذان فإذا أعدناه عليها وسكتت حينئذٍ نزوجها، فأقول: إن الجمود على الظاهر دون أن يعرف مغزى الشريعة وأسرارها وحكمتها هذا أيضًا خطأ. * * *

стр. 2850

٢ - باب حدِّ القذف القذف: بمعنى الرمي بزنًا أو لواطٍ، وقد سماه الله تعالى رميًا، فقال تعالى: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]. ثم هو ينقسم إلى قسمين: تصريح وتعريض، التصريح أن يقول لشخص: يا زان، يا لوطي هذا تصريح، التعريض أن يقول: الحمد لله، لا أنا زانٍ ولا لوطي؛ يعني: يتخاصم رجل وآخر فقال له: لا أنا زانٍ ولا لوطي، معنى هذا: أنك زان ولوطي، فالقذف نوعان، ثم أيضًا التصريح، كناية وصريح، وقد ذكر الفقهاء ﵏ ألفاظًا غريبة في كنايات القذف حتى قالوا: إنه إذا قال الرجل للمرأة: جعلت لزوجك قرونًا فهو كناية عن القذف، وأشياء كثيرة قد تسلم وقد لا تسلم، لكن ما كان دالًا على الزنا بدون احتمال يسمى صريحا، وما كان دالًّا عليه مع الاحتمال يسمى كناية. ١١٧٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "لمَّا نزل عذري، قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزل أمر برجلين وامرأةٍ فضربوا الحدَّ". أخرجه أحمد والأربعة، وأشار إليه البخاريُّ. قصة عائشة ﵂ هي قصة الإفك، وأنزل الله تعالى فيها عشر آيات عظيمة تهز المشاعر، وتجعل الإنسان يعرف قدر منزلة الرسول ﷺ عند الله عائشة ﵂ كانت مع النبي في سفر، وكان من عادته أن يصطحب إحدى نسائه معه، وإن كنا نحن الآن مع الأسف لا نفعل هذا، الإنسان يذهب إلى سفر أسبوعا أو أكثر ولا يصطحب أهله، لكن الرسول ﷺ كان يصطحب أهله، فأراد السفر في غزوة المريسيع، فأقرع بين نسائه، فخرجت القرعة لأم المؤمنين عائشة، فلما قفل راجعًا وعرس يعني: نزل ليلًا، وفي آخر الليل ذهبت عائشة تقضي حاجتها فجاء الذين يحملون هودجها على الراحلة وحملوا الهودج ولم يحسوا أنه ليس فيه أحد؛ لأنها كانت صغيرة ولم يأخذها اللحم فتكون خفيفة، فظنوا أنها موجودة ثم ساروا، فلما رجعت لم تجد القوم، وكان من ذكائها ﵂ ورباطة جأشها وعقلها أن قالت: أبقى في هذا المكان؛ لأنهم إذا فقدوها سيرجعون لهذا المكان، لكن لو ذهبت يمكن أن تضيع، فبقيت وكان هناك رجل يقال له: صفوان بن المعطل من قبيلة لا يمكن أن يقوموا أبدًا إلَّا إذا أتى إنسان يوقظهم مهما كان، لا يقومون إلَّا إذا انتهي النوم، نعم هذا موجود حتى عندنا، هذا الرجل أستيقظ بعد أن ارتفعت الشمس ثم مشى، وإذا سواد - يعني: جسد - فاسترجع عليه، فإذا هي أم المؤمنين عائشة، وكان

стр. 2851

يعرفها قبل الحجاب، فاسترجع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أناخ بعيره ووطأ على عضده ولم يتكلم بكلمة احترامًا لفراش رسول الله ﷺ ، وهي لما رأت أنه هيأ لها البعير ركبت، ثم ذهب يقودها لا يمشي وراءها لئلَّا تقع عنه عليها حتى وصل إلى الجيش، وحينئذٍ صارت فرصة عظيمة للمنافقين للقلح في زوجة الرسول ﷺ . أولًا: حد القذف فهو في القرآن الكريم ﴿والذَّين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]. فرتب الله على القذف ثلاثة أحكام، أولًا: الجلد، والثاني: رد شهادته دائمًا، والثالث: الفسق، ثم قال: ﴿إلَّا الَّذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنَّ الله غفورٌ رحيمٌ﴾ [النور: ٥]. وهذا الاستثناء عائد على الأخير بالاتفاق وليس عائدًا على الأول بالاتفاق، واختلفوا في الأوسط هل يعود إليه أو لا؟ على قولين؛ يعني: إذا تاب وأصلح فإنه يزول عنه وصف الفسق ويكون من أهل العدالة ولكنه لا يسقط عنه حد القذف؛ لأنه حق آدمي فيقام عليه الحد، ولكن هل تقبل شهادته بعد التوبة أو لا؟ فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: تقبل توبته؛ لأن الاستثناء عائد إلى الجمل الثلاث كلها، ومنهم من قال: لا تقبل؛ لأن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور، والظاهر أنها تقبل؛ وذلك لأن أصل رد شهادته لفسقه لقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا﴾ [الحجرات: ٦]. فإذا زال الفسق بالتوبة زال موجب الرد وحيث يتقبل شهادته، فيكون قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا﴾ [النور: ٤]. مستثنى منه من تاب، أما حد الثمانين فهذا لمن ذكره الله تعالى بهذا الوصف: ﴿الَّذين يرمون المحصنات﴾ [النور: ٢٣]. فلا بد أن يكون المرمي محصنًا، فمن هو المحصن؟ المحصن هو الحر العاقل العفيف الذي يجامع يمثله وفارق المحسن في باب الزنا؛ لأن المحصن في باب الزنا لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا متزوجًا، ولا فرق بين أن يكون عفيفًا أو غير عفيف يقام عليه حد الرجم، لكن هنا لا بد أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنا، وعلى هذا فمن رمى بالزنا من كان متهمًا به فإنه يعزر ولا يقام عليه الحد، ومن رمى بالزنا من لا يتهم به ولا تتطرق إليه التهمة برميه فإنه يعزر، مثل: لو رمى أهل بلد جميعًا وقف عند باب المسجد والناس يخرجون من صلاة الجمعة فقال: يا أيها الناس، كلكم زناة، هل يقام عليه الحد؟ لا؛ لأن هذا لا يقدح فيهم بل يقدح هو في نفسه، يقال: هذا الرجل مجنون، أما لو كان جماعة يمكن حصرهم ويمكن أن يلحقهم العار بقذفه فإنه يحد، إذن صار الحد إنما يجب على من قذف محصنًا، أما من قذف غير محصن فإنه يعذر ولا يقام عليه الحد.

стр. 2852

ثم ذكر المؤلف حديث عائشة قالت: لما نزل عذري ... إلخ قصة الإفك، لعلكم قرأتموها بعد أن أشرنا إليها في الدرس الماضي قصة غريبة عجيبة فيها فوائد عظيمة، ساق ابن القيم كثيرًا منها في زاد المعاد، هذه القصة هي أن عائشة كانت مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع رجعوا ونزلوا في الليل وقامت لقضاء حاجتها ورجعت وفقدت عقدًا يعني: قلادة فذهبت تطلبه فلما رجعت وجدت القوم قد ساروا وشدوا لأنهم حملوا هودجها وكانت صغيرة لم يأخذها اللحم، وكان الذي حمل الهودج جماعة فصار الهودج خفيفًا فحملوا على أن المرأة موجودة فيه، ولكنها لم تكن فيه فلما رجعت إلى المكان وجدت أنهم ساروا [فمن رجاحة] عقلها أن بقيت في المكان لأنها؛ لو ذهبت تطلبهم لأضاعتهم ثم لو جاءوا هم يطلبونها أضاعوها أيضًا، لكن بقيت في مكانها والغريب أنها بقيت ونامت، سبحان الله! في هذه الحال المخوفة المرعبة تنام مما يدل على قوة جأشها وطمأنينتها ولا شك أن هذا ليس غريبًا على أم المؤمنين ﵂ نامت، وكان صفوان بن المعطل ﵁ في أخريات القوم وكان إذا نام لا يقوم إلَّا إذا بعثه الله فلما قام ورأى السواد ركب بعيره وأتى إليه فلما رآها فإذا هي عائشة وكان يعرفها بعينها بوجهها قبل نزول الحجاب فاسترجع - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون -؛ لأنه ﵁ يعلم أن بين أيديهم منافقين كل شيء يحتمل منهم، ولكنه ﵁ أناخ البعير واستيقظت هي باسترجاعه وركبت البعير، ولم يتكلم معها ولو بربع كلمة احترامًا لفراش النبي ﷺ وجعل يقود البعير، حتى أتت القوم فصار في هذا فرصة عظيمة للمنافقين أن يقدحوا في عائشة لا لأنها عائشة ولكنها زوج النبي ﷺ ، وهذا من أكبر العار أن يكون فراش الإنسان بغيًا - والعياذ بالله -، ففرح المنافقون بهذا وجعلوا يتكلمون ويتكلم رؤساؤهم، ولكنهم خبثاء، عبد الله بن أبي هو رأس المنافقين وهو الذي تولى كبره منهم، لكنه لا يقول: إنها زنت، يقول: قيل كذا، ويأتي للإنسان ويقول: ماذا تقول في هذه الشبهة، هذه امرأة شابة تأخرت عن القوم وجاءت يقودها رجل شاب، فيجمع حواشي الحديث ويفرقه في الناس، ومن المعلوم أن الإنسان بشر، وإذا جاء هؤلاء المنافقون الذين قال الله عنهم: ﴿وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ [المنافقون: ٤]. أهل بيان وفصاحة فربما يؤثرون بلا شك، وهذا الذي حصل لما وصلت عائشة المدينة مرضت، والناس يخوضون، ومن نعمة الله أنها مرضت حتى لا تسمع ما يقال، وبقي الوحي شهرا لا ينزل على الرسول ﷺ ، هذه محن، ولكن الإنسان يؤجر على هذه المصائب، بقي الوحي لا ينزل والناس يخوضون، والنبي ﷺ يستشير أصحابه في القضية منهم من يثني على عائشة ويقول: لا نعلم إلَّا خيرًا، ومنهم من يقول: النساء سواها كثير أرخ نفسك، يعني: طلقها وأرح نفسك كعلي بن أبي طالب، لأنه ابن عمه وأشد الناس شفقة عليه، ولا يحب أن يغتم الرسول ﷺ كثيرًا،

стр. 2853

والرسول ﷺ صابر محتسب يدخل على أهله ولا يتكلم بالكلام الذي كانت تعهده عائشة، ولكن يقول: كيف تيكم أو كيف هاتيكم كلمة واحدة فقط ثم يخرج، واستنكرت عائشة ﵂ منه، لكن ما ظنت هذا الأمر، وفي يوم من الأيام خرجت مع أم مسطح بن أثاثة وكان الناس في ذلك الوقت ليس في بيوتهم مراحيض خرجت لقضاء الحاجة فعثرت فقالت أم مسطح تعس مسطح ألقى الله على لسانها أن تقول هذا الكلام، فقالت عائشة كيف هذا مهاجر شهد بدرًا فكيف تقولين: تعس مسطح؟ فقالت: أما علمت ما يقول؟ قالت: ماذا قال؟ فأخبرتها لأن مسطحًا ﵁ وعفا عنه - ممن تكلموا في هذا الأمر، فحينئذ أصابها ما أصابها من الغم، وجعلت تبكي ليلًا ونهارًا ولا تذوق نومًا؛ لأن الله حكيم يشتد الكرب إذا قرب الفرج، مضى عليها ليلة أو ليلتان على هذه الحال، ثم جاء النبي ﷺ وقال لها: إن كان الأمر قد وقع منك فاستغفري الله وتوبي إليه وجعل يعرض لها، فقالت لأمها وأبيها: أجيبوا رسول الله، قالوا: ما ندري ما نقول؛ لأن الأمر فشا وانتشر، قالت لما قالوا: أجيبي أنت الرسول: ذهب عني كل ما أجد، وكان الأمر لم يكن، وألهمها الله قولًا سديدًا قالت: إن قلت: قد فعلت شيئًا وأنا لم أفعل فإنكم لم تصدقوني، حتى لو قلت: ما فعلت، وإن لم أكن فعلت فسيبرؤني الله ، انظر ثقتها بالله ، فما قام النبي ﷺ من مكانه إلَّا وقد نزل عليه الوحي ببراءتها، فلما تجلى عنه الوحي قال لها: أبشري! بشرها بنزول براءتها من عند الله ، فكأن أباها وأمها طلبا منها أن تقوم إلى الرسول ﷺ وتحمده، قالت: والله ما أحمد إلَّا الله هو الذي أنزل براءتي، ثم خرج النبي ﷺ وقال: "من يعذرني في رجل قال في أهلي ما قال؟ "، وتكلم الناس وصار بينهم كلام، منهم من قال: أنا أعذرك يا رسول الله، أضرب عنقه وتشاتموا فيما بينهم، والقصة مشهورة، لكن الرسول هدَّأهم ﷺ ، وأمر أن يحد ثلاثة منهم وهم مسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، هؤلاء الثلاثة - عفا الله عنهم - يصرحون بالأمر، فأمر النبي ﷺ بأن يحدُّوا، وانظر حمنة بنت جحش ليست من زوجات الرسول وزينب أختها من زوجات الرسول وكانت هي التي تسامي عائشة، يعني: تضارعها عند الرسول ﷺ ، ومع ذلك لما سأل النبي ﷺ زينب عن عائشة قالت: والله لا أعلم عنها إلَّا خيرًا، وأثنت عليها مع أنها ضرَّتها وأختها وقعت فيه،

стр. 2854

والهدى هدى الله ، أما مسطح فقال أبو بكر - وكان ينفق عليه -: "الله لا أنفق عليه غيرة لرسول الله ﷺ ولابنته، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسَّعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبُّون أن يغفر لكم والله غفورٌ رَّحيم﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكر: بلى، والله نحب أن يغفر الله لنا، ثم رد عليه النفقة. اللعان: ١١٧٧ - وعن أنسٍ بن مالكٍ ﵁ قال: "أوَّل لعانٍ كان في الإسلام: أنَّ شريك بن سحماء قذفه هلال بن أميَّة بامرأته، فقال له رسول الله ﷺ : البيَّنة وإلَّا فحدٌّ في ظهرك". الحديث أخرجه أبو يعلى، ورجاله ثقاتٌ. قوله: "أول لعان كان في الإسلام"، اللعان: مصدر لأعن يلاعن، كقتال مصدر قاتل يقاتل، وهو مأخوذ من اللعن، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، واللعان أيمان مكررة بل شهادات مؤكدة بأيمان مقرونة بلعنة أو غضب، وغلب جانب اللعن، لأنه هو الذي يبدى به أولًا، ولأنه من جانب الزوج، وسبب اللعان قذف الرجل زوجته بالزنا، وإذا قذف الرجل زوجته بالزنا فإما أن يقيم البينة فيثبت عليها حد الزنا، وإما أن تقر فيثبت عليها حد الزنا، وإما أن تنكر وحينئذٍ نقول للزوج: عليك الحد في ظهرك وهو حد القذف ثمانون جلدة كما سيأتي في الحديث نفسه. وقوله: "أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته" الضمير في قوله: "بامرأته" يعود إلى هلال بن أمية، يعني: أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء بأنه زنى بامرأته، ورفع الأمر إلى النبي ﷺ وأنكرت المرأة وأجرى اللعان بينهما، لكن قال له النبي ﷺ : "البينة" يعني: أقم البينة، فهي مفعول لفعل محذوف تقديره: أقم البيئة، وإلَّا فحدٌّ" هذه جملة شرطية، والتقدير: وإلًا تقم البينة فعليك حد في ظهرك، وعلى هذا فيكون فعل الشرط فيها محذوفًا، ويكون أيضًا خبر المبتدأ فيها محذوفًا تقديره وإلَّا تقم البينة فعليك حدٌّ في ظهرك، الذي معنا الآن "إن" الشرطية مدغمة بـ "لا" النافية المحذوف فعل الشرط، عندنا أيضًا فـ "حد" هذا مبتدأ، والمحذوف خبره التقدير: فعليك حد في ظهرك، و"حد" كلمة منكَّرة، لكن المراد حد القذف في ظهرك؛ أي: تضرب به على ظهرك، فما هي البينة التي طلبها النبي ﷺ ؟ البينة هي إما إقرار الزوجة المقذوفة بالزنا، وإما أن يقيم أربعة رجال يشهدون بزناها على وجه صريح، فإذا لم يجد يقول النبي ﷺ : "فحد في ظهرك"، وهنا ليس في الحديث ذكر اللعان، وإنما أوجب النبي ﷺ الحد

стр. 2855

عليه؛ لأنها لم تنزل آية اللعان، والأصل في قاذف العفيف أن يحد حد القذف لعموم قول الله تعالى: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً﴾ [النور: ٤]. فيكون هذا الحكم الذي حكم به النبي ﷺ قبل أن تنزل آية اللعان، من أين أخذه النبي ﷺ ؟ أخذه من العموم: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً﴾ هذا الرجل الذي قذف زوجته بالزنا رمي المحصنات ولم يأت بأربعة شهداء، فيجلد ثمانين جلدة، ولكن الله سبحانه خفف عن الزوج إذا قذف زوجته بالزنا خفف عنه بمشروعية اللعان، وكيفيته: أن يحضر القاضي الزوج والزوجة ويقول للزوج: ادَّع ما ادعيت، فإذا ادعى وقال: هذه زوجتي قد زنت ماذا يقول؟ يسأل الزوجة فإن أقرت انتهى الأمر ولا حاجة لطلب البينة؛ لأن إقرارها بينة شهادة على نفسها، فإذا أقرت أقيم عليها الحد، وما هو حدها؟ إن كانت بكرًا فحدها الجلد، وإن كانت ثيِّبا فحدها الرجم، ولكن كيف تكون بكرًا؟ يقذفها قبل أن يطأها حتى لو دخل عليها ولكن لم يطأ، فإنه لم يدخل بها، إذن نقول: إذا أقرت أقيم عليها حد الزنا؛ إن كانت بكرًا فالجلد والتغريب، وإن كانت ثيبًا فالرجم، إن أنكرت قلنا للزوج: هات البينة أربعة رجال يشهدون بأنهم رأوها تزني بصراحة فإن لم يقم البيئة تجري اللعان، لا نقيم حد الرجم؛ لأن الزوج مع الزوجة مستثنى فنجري اللعان، نقول للزوج: اشهد أربعة شهادات بالله أنها زانية وأنك صادق فيما رميتها به وفي الخامسة قال: إن لعنة الله عليك، ويجعل ضميرًا لنفسه إن كان من الكاذبين، ثم يقال للزوجة: ماذا تقولين؟ إن نكلت فسيأتي ذكر حكمها إذا قالت: لا أقول شيئًا، إن لاعنت قلنا: لابل أن تقولي أربع مرات: أشهد بالله أنه كاذب فيما رماني به من الزنا وتقولي في الخامسة، وأن غضب الله عليها أي: بضمير المتكلم إن كان من الصادقين، فإذا فعلت ذلك وجب أن يفرق بينهما تفريقا مؤبدًا لا تحل له أبدا، ويدرأ عنها العذاب - عذاب الزنا - بملاعنتها ويدرأ عن زوجها عذاب القذف بملاعنته، فإن لاعن وأبت أن تلاعن فقيل: إنها تحبس حتى تقر أو تلاعن، وجعل هذا تفسير قوله تعالى: ﴿ويدرءوا عنها العذاب﴾ [النور: ٨]. الذي هو الجلد ﴿أن تشهد أربع شهاداتٍ باللَّه﴾ [النور: ٨]. قالوا: إن العذاب هنا الحبس، وقيل: إن نكلت أقيم عليها حد الزنا،

стр. 2856

وهذا هو القول المتعين، وهو الصواب، وفسر العذاب بهذا المعنى، فيكون قوله: ﴿ويدرءوا عنها العذاب﴾ [النور: ٨]. أي: حد الزنا رجما كان أو جلدًا، ويدل لذلك قوله تعالى في الزاني والزانية: ﴿وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. فجعل حد الزنا عذابًا وهو كذلك إن تكل هو عن اللعان يعني لما لم تقر ولم يأت ببيئة وقلنا له: لاعن. قال: لا ألاعن، ماذا نصنع؟ نقيم عليه حد القذف، فصار الزوج إن نكل أقيم عليه حد القذف، والزوجة إن نكلت بعد ملاعنة الزوج أقيم - عليها على القول الراجح - حد الزنا، صار هذا الحديث يعتبر منسوخًا بالقرآن هكذا قال بعض العلماء، وقيل: ليس منسوخًا بالقرآن ولكنه مخصوص بالقرآن، وهذا القول هو الصحيح أي: أنه مخصوص بالقرآن، لكن إن ورد عن السلف أنه منسوخ فإن السلف يجعلون التخصيص نسخًا، ووجه ذلك: أن التخصيص نسخٌ للعموم؛ لأنه أخرج بعض أفراد العموم عن الحكم العام وهذا نوعٌ من النسخ، فالسلف - يعني: الصحابة والتابعين - قد يعبرون بالنسخ ويريدون به التخصيص، والصحيح أنه تخصيص. وخلاصة هذا الحديث نقول: إذا قذف الرجل زوجته بالزنا فلا تخلو الحال من أربعة أحوال. الأولى: أن تقر بالزنا فيقام عليها الحد. الحال الثانية: أن يقيم عليها بينة بعد أن تنكر، فيقيم عليها بينة، فيقام عليها الحد. الحال الثالثة: إلَّا يكون عنده بينة وينكل عن اللعان إذا طلبناه منه، فيقام عليه هو الحد. الحال الرابعة: أن يلاعن؛ يعني: ألَّا يكون عنده بينة ويلاعن، ولا تلاعن الزوجة فيقام عليها الحد على القول الصحيح؛ أي: حد الزنا وليس الحبس. الحال الخامسة: أن يلاعن وتلاعن هي أيضًا، وفي هذه الحال لا يقام عليه الحد حد القذف ولا يقام عليها حد الزنا، ولكن يفرق بينهما تفريقًا مؤبدًا لا تحل له أبدًا، هذا حكم قذف الرجل زوجته، وعرفتم كيف نخرج قوله ﷺ : "البينة وإلا حد في ظهرك" بأن هذا كان قبل نزول آية اللعان. قال: وفي البخاريِّ نحوه من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄. وهو كذلك الذي في البخاري من حديك ابن عبَّاسٍ قريب من هنا، بل إن قوله: "البينة أو حد في ظهرك" جاءت في البخاري بهذا اللفظ. * * *

стр. 2857

حد المملوك القاذف: ١١٧٨ - وعن عبد الله بن عامرٍ بن ربيعة قال: "لقد أدركت أبا بكرٍ، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين". رواه مالكٌ، والثَّوريُّ في جامعه. في قوله: "لقد أدركت أبا بكر" فيه نظر، والذي في الموطأ: "أدركت عمر وعثمان"، وذلك أن عبد الله بن عامر بن ربيعة لم يدرك أبا بكر، فيكون حديثه عن أبي بكر مرسلًا لكنه في الموطأ بدون ذكر أبي بكر. في هذا الأثر يقول: "فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلَّا أربعين"، وعلى هذا فيكون حد القذف بالنسبة للمملوك إذا قذف غيره يكون أربعين جلدة، فإذا صح هذا عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح لنا فيهم أسوة، وإن لم يصح فإن القول الراجح أن المملوك في حد القذف كغيره ولا يصح قياسه على حد الزنا الذي ثبت فيه التنصيف بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]. ووجه عدم صحة القياس: أن القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف، والزنا يرجع إلى معنى في الزاني، كيف كان القذف يرجع إلى معنى في غير المقذوف؟ لأن القذف يلحق به العار؛ أي: المقذوف، وهذا لا فرق فيه بين الحر والعبد، لاسيما إذا كان العبد معروفًا بالتأني والثقة، فإن العار الذي يلحق المقذوف بقذف هذا العبد كالعار الذي يلحقه بقذف الحر ولا فرق. ربما يقول قائل: إن قذف المملوك يعني: قذف العبد لغيره لا يؤبه به ولا ينظر إليه؛ لأن عادة العبيد في الغالب أنهم لا يهتمون بهذه الأمور، وأنهم يطلقون القذف ولا يبالون به. فيقال: هذا وارد، لكن مثل هذا التعليل لا يمكن أن يخصص قوله تعالى: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً﴾ [النور: ٤]. ثم إن القذف من المملوك لا فرق فيه عندكم بين المملوك الذي يعتبر قوله والذي هو عند الناس بمنزلة الحر وبين المملوك الذي ليس بهذا المستوى. فعلى كل حال: إن صح ما نقل عن هؤلاء الخلفاء فالأمر واضح؛ لأن لهم سنة واضحة، وإن لم يصح فالقول ما قاله أهل الظاهر أن المملوك كالحر يجلد ثمانين جلدة، ولا يصح قياس القذف على الزنا لما علمتم من أن الزنا يتعلق عاره بالزاني والقذف، يتعلق عاره بالمقذوف.

стр. 2858

١١٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قذف مملوكه يقام عليه الحدُّ يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال". متَّفقٌ عليه. قوله: "من قذف مملوكه" هل "من" شرطية أو موصولة؟ أما كونها موصولة فلا إشكال فيه؛ لأن قوله: "يقام عليه الحدُّ" مرفوع؛ يعني: لا إشكال بأن يأتي اسم الموصول مبتدأ وخبره فعل مضارع مرفوع، لكن إذا كانت شرطية فهنا إشكال كيف رفع الفعل المضارع وهو جواب الشرط؟ والجواب عن ذلك: أنه إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا جاز رفع المضارع وجزمه، وفي هذا يقول ابن مالك: وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن ... ورفعه بعد مضارعٍ وهن يعني: أنه يجوز إذا كان جواب الشرط فعلًا مضارعًا وفعل الشرط فعلًا ماضيًا يجوز لك في الجواب وجهان الأول: الجزم وهو الأصل، والثاني: الرفع، فهل في مثل هذه العبارة نسلك ما لا إشكال فيه، أو نسلك ما فيه إشكال لنزيل الإشكال؟ أما الذي لا يعرف النحو سيقول: نسلك الأول ونستريح، والذي يريد أن يعرف النحو ويتعمق فيه يقول: سأسلك الذي فيه الإشكال حتى ينحل عني الإشكال. قوله: "من قذف مملوكه" أي: قال له: يا زان أو يا لوطي، يقام عليه الحد يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة هو الذي يظهر فيه العدل ظهورًا كاملًا، والمملوك في الدنيا لا يستطيع أن يطالب سيده في أن يقام عليه الحد؛ لأنه يخشى منه، ولأنه قد لا يصدّق في دعواه أنه قذفه ... إلى غير ذلك من الأسباب التي قد لا تمكِّن المملوك من إقامة الحد على سيده بقذفه إيام ثم إن قلف السيد لمملوكه بالزنا أو اللواط يعود ضرره على السيد، لأن هذا المملوك إذا كان موصوفًا بهذا الوصف من قبل سيده فإن قيمته سوف تنزل، ولهذا لا يقام الحد على السيد؛ لأن الغالب أنه إذا قال ذلك فإنما يقول عن يقين أو غلبة ظن؛ إذ لا يمكن أن يصف عبده بصفة تنزل بها قيمته لأن هذا ضرر عليه في هذا الحديث عدة مسائل: المسألة الأولى: إثبات الملكية للبشر لقوله: "من قذف مملوكه"، وهذا الحكم ثابت بالقرآن والسُّنة، قال الله ﵎: ﴿إلَّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنَّهم غير ملومين﴾ [المعارج: ٣٠]. والسُّنة كما رأيتم، وأجمع العلماء علي ثبوت الملكية للبشر. ومن فوائد الحديث: تحريم قذف السيد لمملوكه، وجه ذلك: أنه يعاقب عليه يوم القيامة.

стр. 2859

ومن فوائد الحديث: أن الجزاء كما يكون في الدنيا يكون في الآخرة، ومن قال: إن الآخرة ليست دار تكليف فليس على إطلاقه؛ لأن الآخرة فيها تكليف، لكنه ليس كالتكليف في الدنيا، أرأيتم قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساقٍ ويدعون إلى السُّجود فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢]. قال: ﴿يدعون إلى السُّجود﴾ [القلم: ٤٣]. وهذا تكليف، فالآخرة فيها شيء من التكليف لكن ليس كالتكليف في الدنيا. ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، وهو الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون من قبورهم لله والوجه الثاني: أنه يقام فيه تمام العدل، والوجه الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنَّا لننصر رسلنا والَّذين آمنوا في الحياة الدُّنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: ٥١]. ومن فوائد الحديث: أنه لا حد على السيد إذا كان الأمر كما قال لقوله ﷺ : "إلَّا أن يكون كما قال"، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة عظيمة بل فوائد عظيمة واسعة منها: لو أن الرجل حلف على شيء يعتقد أنه على ما حلف عليه فتبين خلافه فإنه لا يحنث، وكذلك لو حلف على زوجته بطلاق وتبين أن الأمر بخلافه فإنها لا تطلق كما لو قيل له مثلا: إن فلانًا يكلم زوجتك فقال: أهكذا حصل؟ قيل: نعم، قال: إذن هي طالق، ثم تبين أن الذي كان يكلمها ليس هو الذي أوقع الطلاق من أجل مكالمته، فهنا لا تطلق الزوجة حتى وإن صرح بالطلاق؛ لأن هذا الطلاق مبني على سبب تبين أنه لم يوجد، كذلك أيضًا لو أن رجلًا حلف على شيء يعتقد صحة ما حلف فتبين أنه على خلافه فإنه لا حنث عليه؛ لأنه إنما حلف على شيء يعتقده، فإذا كان يحلف على شيء يعتقده فتبين خلافه فإنه لا يضر. * * * ٣ - باب حدِّ السَّرقة "حد السرقة" يعني: عقوبة السارق، وليس المراد بالحد هنا: التعريف، والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالك أو نائبه، فقولنا: "أخذ المال" خرج به أخذ ما ليس بمال فإنه لا يعد سرقة شرعًا؛ لأنه لا حرمة له، كما لو سرق الإنسان آلة لهو فإنه ليس بسارق شرعًا؛ لأن هذه الآلة لا يقر عليها مالكها فهي حرام، وقولنا: "من مالك" خرج به ما لو سرق من غير المالك مثل أن يسرق من سارق فإنه لا يقطع، لماذا؟ لأن بقاء المال بيد السارق الأول بقاء غير شرعي لا يقر عليه، فالسارق من السارق لا يقطع، وليس كما قال العامة: السارق من السارق كالوارث من أبيه! هذا غير صحيح؛ لأن الوارث من أبيه يرث مالًا حلالًا وهذا لا يرث اللهم إلَّا إذا كان يسرق من السارق ليوصله إلى صاحبه فهذا جزاه الله خيرًا، وقولنا: "من نائبه" أي: من ينوب مناب المالك كمستأجر العين ومن استودعت عنده والمرتهن وغير ذلك، المهم كل من

стр. 2860

قام مقام المالك فإذا سرق منه فهي سرقة شرعًا، إذن هل السرقة شرعًا أعم أم السرقة لغة؟ نقول: السرقة لغة أعم، والغالب في جميع التعريفات أن التعريف اللغوي أعم من التعريف الشرعي؛ لأن التعريفات الشرعية متلقاة من الشرع. ثم إن السرقة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن السارق، واللعن لا يكون إلَّا على كبيرة من كبائر الذنوب، ولأن فيها حدًّا في الدنيا، وقد ذكر العلماء ﵏ أن كل ذنب فيه حدٌّ في الدنيا فهو من كبائر الذنوب فهي حرام، ومنزلتها في المحرمات أنها من كبائر الذنوب وتوجب القطع - قطع اليد - لقول الله تعالى: ﴿والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. ﴿والسَّارق والسَّارقة﴾ يعني: من ثبت آنه سارق أو سارقة فاقطعوا والخطاب للأمة ويقصد به أو بالقصد الأول ولاة الأمور، ﴿أيديهما﴾ جمع يد، ومعلوم أنه لا يقطع من الإنسان إلَّا يد واحدة، لكن المتعدد إذا أضيف إلى متعدد فالأفصح فيه الجمع، وقوله: ﴿أيديهما﴾ لم يقيدها فتختص بالكف؛ لأن اليد إذا لم تقيد فهي الكف، والدليل على هذا قوله تعالى في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مِّنه﴾ [المائدة: ٦]. ومعلوم أن التيمم في الكف فقط، وقوله: ﴿أيديهما﴾ في القراءة المشهورة اليد مجملة، أو إن شئت فقل: مبهمة، لكنه فسرها قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ حين قال: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ فيكون المراد باليد: اليد اليمنى، ولأنها هي آلة الآخذ والإعطاء غالبًا، ﴿جزاءً بما كسبا نكالًا من الله﴾ [المائدة: ٣٨]. أي: جزاء بكسبهما؛ أي: بما كسباء من المال المحرم ﴿نكالًا من الله﴾ أي: عقوبة حتى ينكل الناس عن السرقة، ﴿والله عزيزٌ حكيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. فلعزته وحكمته وحكمه قطع، ويذكر أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿والله غفورٌ رَّحيمٌ﴾ فأمره الأعرابي أن يعيد الآية فقال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رَّحيمٌ﴾. فأمره فأعاد في الثالثة والرابعة فقال: ﴿والله عزيزٌ حكيمٌ﴾ قال الأعرابي: الآن؛ يعني: الآن أصبت لأنه عزَّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وصدق الأعرابي لو غفر ورحم ما قطع، ولهذا قال في قطاع الطريق: ﴿إلَّا الَّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أنَّ الله غفورٌ رَّحيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. قال العلماء: يؤخذ من هذا أنهم إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم سقط عنهم الحد، وظاهر الآية الكريمة: ﴿والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. العموم، وأن السارق يقطع سواء سرق من جرز أو من غير حرز، وسواء سرق قليلًا أو كثيرًا لأن الآية مطلقة: "السارق"، وبهذا أخذ الظاهرية وقالوا كل سارق يقطع ولم يلتفتوا إلى السُّنة، وبعضهم التفت إليها في الذهب فقط، فقالوا: الذهب لا يقطع إلَّا ما بلغ النصاب - أي: نصاب القطع -، وما سوى ذلك فإنه يقطع فيه بالقليل والكثير، ولكن الصحيح أنه لا بد من بلوغ النصاب، ويدل لذلك قوله:

стр. 2861

نصاب السرقة الموجب للقطع: ١١٨٠ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يد سارقٍ إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ، ولفظ البخاريِّ: "تقطع يد السارق في ربع دينارٍ فصاعدًا". - وفي رواية لأحمد: "اقطعوا في ربع دينارٍ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". هذه ثلاث روايات: الأولى يقول: "لا تقطع يد السارق إلَّا في ربع دينار" يعني: إلَّا إذا سرق ربع دينار، والدينار الإسلامي زنته مثقال من الذهب، وعلى هذا فتقطع في ريع مثقال من الذهب، وقوله: "فصاعدًا"، أي: فذهب القدر صاعدًا، وقد أعربها النحويون على أنها حال حذف منها عاملها وصاحبها، وتقدر في كل سياق بحسبه. الحديث يقول: "لا تقطع إلَّا في ربع دينار فصاعدًا"، فلو سرق لمن دينار أو سدس دينار فلا قطع، إذا سرق ثلث دينار تقطع؛ لأن الثلث أكثر من [الربع] فيدخل في قوله: "فصاعدًا". لفظ البخاري يقول: "تقطع يد السارق" وهو خبر بمعنى الأمر؛ لأن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى: ﴿والَّذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وكما في قوله: ﴿والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكما في قول الرسول ﷺ يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، فقوله: "تقطع" هي خبر بمعنى الأمر؛ ولهذا أتى المؤلف ﵀ برواية أحمد التي فيها "اقطعوا في ربع دينار" هذا يوافق رواية البخاري: "ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" يوافق رواية مسلم فتكون رواية أحمد جمعت بين الروايتين. فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا رأفة الله بالعباد في كون الشيء اليسير لا قطع فيه. وثانيًا: أنه لابد من نصاب لقطع السرقة، والتصاب هنا ربع دينار، فإذا سرق ما دون ذلك فلا قطع. فإن قال قائل: ألم يقل النبي ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" فكيف نجمع بين الحديثين؟ نقول: إن قول الرسول ﷺ : "لعن الله السارق يسرق البيضة" يحمل على بيضة تبلغ قيمتها ربع دينار، وهذا يمكن في زمن المسغية يمكن أن تصل البيضة دنانير، وقد وقع هذا في زمننا

стр. 2862

في بعض الجهات، أو يقال: إن المراد بالبيضة: البيضة التي توضع على الرأس عند القتال، وهي عبارة عما يشبه الإناء يضعه الإنسان على رأسه يتقي به السهام، أما الحبل فالحبل من الحبال ما يبلغ ربع دينار، الحبل المطوي الطويل يبلغ ربع دينار أو يقال: إن المراد بالحبل: الحبال الغليظة التي تربط بها السفن على الساحل، وهو يبلغ هذه القيمة. المهم: أنه لا بد من تأويل الحديث مع ما يتناسب مع الحديث الثاني. ومن فوائد الحديث: أن سرقة ربع الدينار تهدر عصمة اليد، وقد اعترض بعض الزنادقة على الشريعة في هذا الحكم وقال: كيف تقطع اليد في ربع دينار، وإذا قطعت اليد وجب فيها خمسمائة دينار؟ فدية اليد خمسمائة دينار، فكيف تقطع هذه التي قيمتها خمسمائة دينار في ريع دينار، وهل هلًا إلَّا تناقض، وفي ذلك يذكر عن المعري أنه قال في ذلك: [البسيط] يدٌ بخمس مئينٍ عسجدًا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تناقضٌ ما لنا إلَّا السُّكوت له وصدق في قوله: "إلًا السكوت له"، وكلب في قوله: "تناقض"، لا يوجد تناقض، فأجيب: قل للمعري عارٌ أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التُّقى عار معناه: أنك جاهل ولا عندك تقوى؛ لأن الجاهل الواجب عليه أن يسكت، وبيّن أنه إنما قطعت بربع دينار حماية للأموال، ووديت بخمسمائة دينار حماية للنفوس، ولهذا قال: حماية النَّفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري وقال بعضهم: لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، فالحاصل: أن الحكمة واضحة جدًّا، وأن الله تعالى جعل ديتها خمسمائة دينار حفظًا للنفوس حتى لا يجترئ أحد على قطع الأيدي، وجعلها تقطع في ربع الدينار حماية الأموال حتى لا يجترئ السراق على أموال الناس. ١١٨١ - وعن ابن عمر ﵄: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ قطع في مجنٍّ، ثمنه ثلاثة دراهم". متَّفقٌ عليه. "قطع في مجن" أي: بسبب، فـ "في" هنا للسببية، وفي الكلام محذوف والتقدير: في سرقة مجن، والمجن: ما يجتنُّ به المقاتل عن القتال، ويقال له: ترس يتترس به المقاتل، ثمنه ثلاثة دراهم فقطع في ثلاثة دراهم، فهل هذا الحديث يخالف ما سبق: "لا تقطع إلَّا في ربع دينار؟ "

стр. 2863

نقول: لا، لا يخالف، لأنه يجب أن نقول: ثلاثة دراهم قيمتها في ذلك الوقت ربع دينار؛ ولهذا جاءت الدية ألف مثقال ذهبًا واثني عشر ألف درهم فضة وألف مثقال ذهبًا، فصار الآن ثلاثة در هم ربع دينار، فهكذا كانت القيمة في عهد النبي ﷺ قيمة الدينار كانت اثني عشر درهمًا فتكون ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وحينئذ لا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : "لا تقطع يد السارق إلَّا في ربع دينار". فإن قال قائل: إن قول ابن عمر هذا مبني على ظنه. قلنا: الأصل عدم الظن، وأنه يعلم أن ثمنه لو بيع لكان ثلاثة دراهم، ولكن الجمع كما قلنا، لو سرق ثلاثة دراهم ليس شيئًا يساوي ثلاثة دراهم بل سرق ثلاثة دراهم هل تقطع أو لا؟ تقطع؛ لأن ثلاثة دراهم ربع دينار - نصاب -، واختلف العلماء ﵏ فيما لو اختلف السعر عن عهد النبي ﷺ فهل المعتبر الدراهم أو الدنانير أو الأعلى ثمنًا وقيمة؟ فقيل: المعتبر الدراهم، وقيل: الدنانير، وقيل: الأرفع قيمة، يعني: قد يكون ربع الدينار أربعة دراهم، وقد يكون ربع الدينار درهمين، والصحيح أن المعتبر ربع الدينار، فلو زادت الدراهم أو قلَّت الدراهم أو رخصت فلا عبرة، بها العبرة بالدنانير، فإذا سرق ربع دينار أو ما يساوي ربع الدينار فإنه يقطع. ١١٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، "لعن الله السَّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". متَّفقٌ عليه أيضًا. هذا يحتمل أن يكون خبرًا، ويحتمل أن يكون دعاءً، وهذا واضح إذا صدر عن النبي ﷺ ، أما إذا صدر عن غيره فإن ثبت اللعن فهو خبر وإلَّا فهو دعاء، فقول الرسول: "لعن الله السارق" يحتمل أنه خبر عن الله، أي: يخبر بأن الله لعن السارق، ويحتمل بأنه دعاء، وأيًّا كان فإنه دليل على أن السرقة من كبائر الذنوب. وقوله: "يسرق البيضة ويسرق الحبل"، سبق لنا أن بعضهم قال: المراد بالبيضة: الخوذة التي توضع على الرأس عند القتال، وقال بعضهم: المراد بالبيضة إذا بلغت ربع دينار، ويوجد معنى ثالث وهو: أن المراد بذلك: السارق يسرق الأشياء الخفيفة أولًا ثم لا يزال يترقى حتى يسرق الأشياء الغالية الثمن، فيكون المراد: أنه لعنه بابتداء تدربه على السرقة. فمن فوائد الحديث: جواز الدعاء باللعن على من سرق، تقول: لعن الله السارق سرق

стр. 2864

الباب، سرق الساعة، سرق القلم وما أشبه ذلك، ولكن الدعاء على شخص بعينه لا يجوز، حتى وإن كان ينطبق عليه الوصف، لأن ما ورد معلقًا بالأوصاف يجب أن يكون معلقًا بالأوصاف، وما ورد معلقًا بالأعيان يكون معلقًا بالأعيان، ولهذا نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة ولا نشهد لفلان أنه في الجنة وإن كان مؤمنًا. ومن فوائد هذا الحديث والذي قبله: قطع يد السارق، وأن ذلك لا ينافي الرحمة. ومن فوائده هو والذي قبله: أن مراعاة العموم أولى من مراعاة الخصوص؛ لأنه لا شك أن الضرر على السارق ضرر عظيم ستفقد يده اليمنى ويشل شيء كثير من عمله ويكون عارًا عليه بين الناس، لكن هذه المفسدة فردية، والمصلحة العامة حماية أموال الناس أولى من مراعاته، فيؤخذ من هذا قاعدة مفيدة: وهي أننا لا ننظر إلى الشخص إذا كان في محاباته ضرر بالمصلحة العامة، الواجب أن ننظر للمصلحة العامة ولو ضر ذلك الشخص، بعض الناس مثلًا إذا حصل من شخص جناية قال: ارحمه هذا له أولاد وليس له وظيفة وأتى بالمبررات، فنقول: مراعاة المصلحة العامة أولى من مراعاة المصلحة الخاصة، ولسنا بأرحم من الله ولا بأحكم من الله، فالله نجد في حدوده سبحانه ما يكون ضررا على شخص معين لكن للمصلحة العامة. جحد العارية: ١١٨٣ - وعن عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ ثمَّ قام فاختطب، فقال: أيُّها النَّاس، إنَّما هلك الَّذين من قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدَّ". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ. - وله من وجه آخر عن عائشة: "كانت امرأةٌ تستعير المتاع وتجحده، فأمر النَّبيُّ ﷺ بقطع يدها". الهمزة للاستفهام، والمراد به هنا: التوبيخ والإنكار، وتشفع) من الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة ليدخلوا الجنة من أي النوعين؟ من جلب المنفعة، وفي أهل الموقف أن يريحهم الله منه هذه لدفع مضرة، وسميت الشفاعة - أعني: التوسط للغير -؛ لأن الشافع يشفع من شفع له، فبعد أن كان المشفوع له واحدًا صار الآن شفعا - اثنين -. "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، الحد يطلق على ثلاثة معانٍ: الأول: الأوامر، والثاني: النواهي، والثالث: العقوبات المقدرة شرعًا في المعاصي، والمراد هنا الثالث، وهو العقوبات

стр. 2865

التي قدرها الشرع في فعل المعصية، والمعنى: أتشفع في عقوبة فرضها الله وسبب هذا أن امرأة مخزومية من بني مخزوم - من كبار قبائل العرب - كانت تستعير المتاع؛ أي: تطلب من مالكه أن يعيرها إياه ثم إذا استعارته أنكرته، وقالت: لم آخذ منك شيئًا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر أن تقطع يدها، فلما أمر بذلك لحق قريشا الهم والكآبة والحزن أن تقطع يد امرأة من بني مخزوم، فأهمهم هذا الأمر وطلبوا من يشفع إلى الرسول ﷺ ، فهابوا أبا بكر وعمر وغيرهما من سادات الصحابة وقالوا: لا أحد يشفع إلَّا أسامة بن زيد بن حارثة؛ لأنه ابن مولى رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ يحبه ويحب أباه؛ ولهذا يلقب بأنه حب رسول الله؛ أي: محبوبه فطلبوا من أسامة أن يشفع إلى رسول الله ﷺ في هذه المرأة، فشفع فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: "أتشفع في حد من حدود الله" يعني: هذا لا يمكن؛ لأننا لو قبلنا الشفاعة لتعطلت الحدود ولبقيت الحدود التي فرضها الله لا قيمة لها، ثم قام فخطب الناس، يعني: ألقى خطبة، وكان من عادة النبي ﷺ أن يخطب عند النوازل، وخطبه ﵊ قسمان: قسم راتب كخطبة الجمعة، وقسم عارض كخطبة الكسوف، وكذلك خطبته في قصة بريرة وغير ذلك من المناسبات، خطب فقال: "يا أيها الناس، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم" النداء هنا مناسب جدًّا لأن المقام مقام عظيم ينبغي أن يتنبه له المخاطب، والنداء - كما أسلفنا مرارًا - يفيد تنبيه المخاطب حتى ينتبه ويعتني قال: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم، والمراد بالهلاك هنا يحتمل الهلاك الحسي يهلكهم الله بسبب المعاصي، أو أنه الهلاك المعنوي وهو هلاك المجتمع، وقوله: "أنهم كانوا" وأنه هنا بالفتح؛ لأنها على تقدير حرف الجر أي: بأنهم، فالجملة - إذن تعليلية على تقدير حرف الجر. "أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه" يعني بالشريف: ذا الشرف والرفعة والجاه عند قومه إذا سرق تركوه لأنه شريف، "وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"، لأنه لا ناصر له ولا جاه له فيقيمون عليه الحد. ولم يذكر المؤلف ﵀ بقية الحديث؛ لأن هذا لفظ مسلم، والمقصود منه في هذا الباب ما ذكر، ولكن النبي ﷺ قال كلمة ينبغي أن يسير عليها ولاة الأمر قال: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وفي لفظا: "لقطع محمد يدها"، فأقسم - وهو الصادق البار بدون قسم - أنه لو كانت فاطمة وهي أجل قدرًا من المخزومية وأعلى نسبًا لو أنها سرقت لقطع يدها، يعني: لا بد من قطع اليد، لا بد من تنفيذ حدود الله، وهذا كقوله في قصة الربيع أخت

стр. 2866

أنس بن النضر انكسر ثنية الربيع قال: "يا أنس، كتاب الله القصاص، لو أن فاطمة ... إلخ"، قال: وله من وجه آخر عن عائشة قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها"، وقد تقدم الكلام عليه. هذا الحليبث فيه فوائد عظيمة منها: الإنكار على من شفع في حد من الحدود، ولكن هذا بعد أن يصل الأمر إلى السلطان، فأما قبل ذلك فلا بأس، لكن إذا وصل إلى السلطان فإنه لا تجوز الشفاعة فيه لما في ذلك من إسقاط حدود الله . ومن فوائده: الإنكار على من فعل ما ينكر عليه ولو كان أحب الناس إليك؛ لأن النبي ﷺ أنكر على أسامة، والله تعالى لا يستحي من الحق، لا نقول: هذا صديق، هذا رفيق، لا أحب أن أنكر عليه، بل أنكر عليه لاسيما في الأمور العظيمة. ومن فوائد الحليخثا: أن الشفاعة تجوز في غير الحدود كما لو كان من باب التعزيرات فإنه يجوز أن يشفع فيها، والفرق أن الحدود فرائض والتعزيرات تبع للمصالح، فقد يكون من المصلحة أن نشفع في هذا الذي يستحق التعزير لأجل أن يسقط عنه التعزير؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إن التعزير ليس بواجب، وإنما هو راجع إلى رأي الإمام إن رأى من المصلحة أن يفعل التعزير فعل وإلَّا فلا. ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع في تحديد العقوبات، وأنها مناسبة تمامًا للجرائم، ولهذا أضيفت إلى الله تعالى قال: "حد من حدود الله"، ومعلوم أن ما كان من حدود الله فإنه في غاية الحكمة وفي غاية الرحمة. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان القدوة أن يخطب في المناسبات التي تستدعي الخطبة ولو كان ذلك في غير جمعة لقوله: "ثم قام فخطب". ومن فوائده: أن الخطبة تكون عن قيام، والحديث العادي يكون عن جلوس، ويتفرع على هذه الفائدة: ما يفعله بعض الإخوة من القيام خطيبًا عند دفن الميت يعظ الناس مستدلًّا بأن النبي ﷺ وعظ أصحابه حين جلسوا إليه، وجعل يتكلم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الموت وترجم البخاري على ذلك بقوله: "باب الموعظة عند القبر"، فيقال: هناك فرق بين الموعظة وبين الخطبة، نحن لا نتكر أن يجلس رجل [عند] المقبرة ويجلس إليه الناس ينتظرون إلحاد القبر ثم يتكلم معهم بموعظة تلين القلوب وتذكر، لكن أن يقوم خطيبًا يخطب في الناس فليس هذا موضعها.

стр. 2867

ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أستعمال الأسلوب الذي يكون أبلغ في الوصول إلى المقصود، وهذا ما يسمى بالبلاغة، أي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لقوله: "أيها الناس"؛ حيث وجه الخطاب بالنداء من أجل أن ينتبه الناس لما يقول. ومن فوائد الحديث: أن الحيلولة دون تنفيذ الحدود سبب للهلاك لقوله: "إنما أهلك من كان قبلكم". ومن فوائده: أن عقوبة الله لا تختلف بالنسبة للأمم؛ لأنه ليس بين الله وبين الخلق نسب حتى يراعيهم، فإذا هلك من قبلنا بذنب فيوشك أن نهلك به، لكن الفرق أن هذه أمة لا تهلك بعقوبة عامة بخلاف الأمم السابقة، وقد قيل: إنه بعد نزول التوراة لم تهلك أمة بعامة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ [القصص: ٤٣]. وأما هلاك فرعون فإنه [كان] قبل نزول التوراة. ومن فوائد الحديث: أن حد السرقة ثابتٌ في الأمم السابقة لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف ... إلخ)، كما أن حد الزنا ثابت أيضًا في الأمم السابقة، وعلى هذا فإذا شنّع النصارى واليهود على المسلمين بقطع يد السارق قلنا لهم: نحن أيضًا نشنع عليكم؛ لأن هذا موجود في شريعتكم لكن أنتم تجرأتم وأبطلتم شريعة الله، لكن نحن التزامنا بشريعة الله، وكذلك إذا شنعوا علينا في القصاص قلنا: وأنتم أشد منا شناعة، فاليهود يجب عليهم القصاص: ﴿وكتبنا عليهم فيها - أي: فرضنا عليهم - أنَّ النَّفس بالنَّفس والعين بالعين ... إلخ﴾ [المائدة: ٤٥]. إذن نقول: حد السرقة بقطع يد السارق ثابت في الأمم السابقة. ومن فوائد الحديث: "جوب العدل بين الناس في إقامة الحدود، وأن الجور سبب للهلاك لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". ومن فوائد الحديث: أن السرقة لا تختص بالحاجة، بل قد تكون عن هوى وشهوة لكون الشريف يسرق، فالشريف في العادة يكون غنيا إما بنفسه أو بقومه، ولكن الشيطان يغوي ابن آدم؛ ولهذا نجد أن الرجل المتزوج الذي عنده زوجة من أحسن النساء خلقًا وسمتًا وصورة نجده يستهويه الشيطان فيزني بمن ليست بشيء عند زوجته. ومن فوائده: أنه لا يجوز أن يختلف الناس في إقامة الحدود بالمال، يعني: بالغنى أو الفقر قياسا على الشرف والضعف؛ لأن المراد بالضعيف هنا ما يقابل الشريف، فلا يقال: هذا غني لا نقطعه وهذا فقير اقطعوه، لكن لو كان بالعكس وقالوا: نقطع الغني ولا نقطع الفقير لأجل أن نبقي. له جوارحه يحصل بها الرزق فلا يجوز أيضًا لوجوب العدل ووجوب إقامة الحد. ومن فوائد الحديث: - ونتكلم على ما حذف منه -: جواز إقسام الإنسان بدون أن يستقسم؛ لأن. النبي ﷺ أقسم فقال: "وايم الله" مع أنه لم يستقسم.

стр. 2868

ومن فوائده: أنه كلما عظم شأن المخبر عنه فإنه يستحسن أن يقسم عليه؛ لأن النبي ﷺ أقسم لعظم شأن هذا الأمر، وإلَّا لو قال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها اكتفى بذلك. ومن فوائده: فضيلة فاطمة ﵂، ولا شك أن فاطمة أفضل بنات الرسول ﷺ ، وأنها سيدة نساء أهل الجنة، لكن لا يعني ذلك أن نبالغ ونغلو فيها، فإن الغلو فيها أو في غيرها مما نهى عنه الرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: أن جاحد العارية يقطع لحديث عائشة: "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر"، وجه الدلالة: أن الفاء في قوله: "فأمر" للسببية؛ أي: فسبب ذلك أمرًا، فيكون هذا الحكم مفرعًا على تلك العلة، وهي: أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، والقول بأن جاحد العارية يقطع انفرد به الإمام أحمد ﵀، وأكثر العلماء على أنه لا يقطع، كما أن الخائن في الوديعة وغيرها لا يقطع، فكذلك الخائن في العارية، ولكن يقال: إذا ثبت النص فلا قول لأحد، فما دام الحديث ثابتا عن النبي ﷺ أنه أمر بقطع يدها؛ لأنها كانت تستعير المتاع فتجحده فإنا نقول: هذا سبب مستقل، فسموه سرقة أو لا تسموه، إن كانت السرقة تنطبق على هذه الحال فالأمر ظاهر، وإن كانت لا تنطبق فإنها قسم مستقل برأسه جاءت به السُّنة فوجب الأخذ به، وأما من قال: إن هذا الحديث على تقدير محذوف: "كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقته فأمر النبي ﷺ بقطع يدها"، فهذا لا وجه، له لأنه إثبات علة لم توجد ونفي علة موجودة، وهذا تحريف، لأن رفع الوصف عن الحكم وإثبات وصف آخر لا شك أنه تحريف، وهذا كقول من قال: إن قول رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" قال هذا لمن كان جاحدًا وهذا تحريف؛ لأننا إذا حملناه على الجحد ألغينا الوصف الذي رتب عليه الحكم وأتينا بوصف آخر جديد فيكون في هذا جناية على النص. ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحدود لقوله: "فأمر النبي ﷺ بقطع يدها". ومن فوائده: أن يد السارق إنما تقطع من الكف لا من المرفق، وجهه: أن اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف، وإذا أريد بها ما زاد عليه فيدت به، ولهذا جاءت الآية في الوضوء مقيدة: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. فوجب أن تغسل في الوضوء إلى المرفق، وجاءت في التيمم مطلقة "فلم يجب إلَّا مسح الكفين فقط.

стр. 2869

ثم قال: "وله - أي: لمسلم - كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ " كانت امرأة، ومعروف أنها من بني مخزوم، لكن أحيانًا يذكر الراوي الاسم مبهمًا سترًا عليه إذا كان لم ينسه أو نسيانًا إن كان قد نسيه ولكن الذي يظهر أنه كان من باب الستر؛ لأنه قد ورد مصرحًا به في وتجه آخر، "تستعير المتاع"، الاستعارة: طلب الإعارة، كالاستغفار طلب المغفرة، والغالب أن السين والتاء المزيدتين فيهما استدعاء وطلب، وقولنا: "الغالب"، احترازًا من غير الغالب في مثل "استقر" فإنه ليس معناها طلب القرار، ولكنه بمعنى قرَّ، لكن الغالب أن الاستفعال يفيد الطلب، فقوله: "تستعير" أي: تطلب الإعارة، وما هي الإعارة؟ هي بذل المال لمن ينتفع به ورده بعينه، فقولنا: "لمن ينتفع به" خرج به سائر البذل وخرج به الهبة؛ لأن باذلها يريد بذلك تمليك الموهوب له، وخرجت الوديعة؛ لأن معطيها لا يريد أن ينتفع بها المودع، وإنما يريد منه أن يحفظها، وخرج بقولنا: "لمن ينتفع به" الإجارة؛ لأن المؤجر يسلِّم العين المستأجرة لملك المستأجر منافعها، وبه يظهر الفرق الدقيق بين العارية وبين الإجارة، فالإجارة يملك المستأجر المنافع، والعارية يملك الانتفاع، وبينهما فرق يظهر في بيان حكم من الأحكام التي تترتب على هذا الفرق، المستأجر له أن يؤجر العين بشرط إلَّا يكون لشخص أكثر منه ضررًا، المستأجر له أن يعير العين بشرط ألَّا يكون ذلك أشد ضررًا من انتفاعه هو، أمَّا المستعير فلا يملك تأجيرها ولا يملك إعارتها، لأنه يملك الانتفاع، ومن الفروق. على المذهب: أن المستعير ضامن لكل حال، والمستأجر لا يضمن إلَّا إذا تعدى أو فرط، والصحيح أن المستعير كالمستأجر في مسألة الضمان لا يضمن إلَّا إذا تعدى أو فرط، اللهم إلَّا إذا اشترط عليه الضمان مطلقًا والتزم فعلى ما اشترط، الجحد: بمعنى الإنكار، فمعنى جحد أي: أنكر، تأخذ المال من الناس إعارة ثم تنكر وتقول: ما أخذته ولا استعرته، "فأمر النبي ﷺ بقطع يدها"، أي: بقطع كفها؛ لأن اليد عند الإطلاق معناها الكف، ولم يبين في الحديث أيُّ اليدين، ولكن ثبت أن المراد بها: اليد اليمنى، لقراءة عبد الله بن مسعود في ﵁: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾، والقراءة لا شك أنها حجة. ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم الشفاعة في الحد، يعني: في سقوطه، ولكن هذا إذا وصل إلى السلطان ولم يبق إلَّا التنفيل، أما قبل أن يصل إلى السلطان فلا بأس من الشفاعة.

стр. 2870

ومن فوائد الحديث: وجوب الإنكار على من شفع حتى وإن كان جاهلًا؛ وذلك لأن هذه المسألة عظيمة فيجب الإنكار. ومن فوائد الحديث: إعلان إنكار الشفاعة في الحدود لأهميتها حتى لا يتلاعب الناس بفرائض الله . ومن فوائد الحديث: الإنكار على من هو أحب الناس إليك فلا تحابي أحدًا في دين الله قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًّا ولا فقيرًا: ﴿يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما﴾ [النساء: ١٣٥]. يعني: إن يكن غنيًّا فحابيتموه لغناه أو فقيرًا فحابيتموه لفقره فالله أولى بهما، وولاية الله تعالى خير من ولايتكم التي تحابون بها هؤلاء ولا تقومون بالشهادة بالقسط. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للخطيب استعمال الألفاظ التي تستدعي الانتباه لقوله: "يا أيها الناس"، وكذلك ينبغي للخطيب استعمال الإلقاء الذي يستدعي انتباه الناس، مثل: لو فرضنا أنه يغير الصوت في بعض الأحيان من أجل انتباه الناس فإن هذا لا بأس به، وقد كثر السؤال عن استعمال بعض الخطباء عند تلاوة الآيات أن يتلوها على حسب التلاوة المجودة وهو في أثناء الخطبة، وأشكل هذا على بعض الناس فما الجواب؟ الجواب: أنه جائز؛ يعني: لا بأس أن تحول الأداء من الأداء المعتاد في الخطبة إلى الأداء المعتاد في القراءة عند تلاوة الآيات، وربما يكون في هذا تنبيه. ومن فوائد الحديث: أن إضاعة إقامة الحدود من أسباب الهلاك: "إنما أهلك الذين من فبلكم أنهم ... إلخ". ومن فوائد الحديث: أنه تجب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، وجه ذلك: الوعيد بالهلاك على من أقامه على الوضيع دون الشريف. ومن فوائد الحديث: أن السرقة قد تقع من ذوي الشرف والسيادة لقوله: "إذا سرق فيهم الشريف". فإذا قال قائل: كيف يسرق وهو شريف ذو جاه أو نسب أو غير ذلك؟ قلنا: السرقة مرض من الأمراض، والمرض قد يعتري الإنسان، ولو كان بعيدًا عنه، فهي مرض يكون الإنسان به مملوء القلب بالطمع والجشع فيسرق، أو لمجرد أن يسرق ولو ألقى ما سرقه في الأرض، المهم أنها مرض من الأمراض، ولا تستغرب أن يكون هذا المرض يسري في الشرفاء. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أن سنَّة الله في الخلق واحدة؛ يعني: لا نقول: نحن من أمة محمد لا يصيبنا البلاء ولا يصيبنا العذاب، بل نقول: سنة الله في الأولين والآخرين واحدة؛

стр. 2871

لأن الله لا يحابي أحد، ليس بيننا وبين ربنا نسب، ولكن بيننا وبينه عبادة، إذا حققنا العبادة والتقوى فنحن أقرب الخلق لله، ولهذا قال: "إنما أهلك من كان قبلكم" تحذيرًا أن يقع الهلاك فينا كما وقع فيمن سبق. ومن فوائد الحديث: ضرب الأمثال عند الوعظ ترغيبًا أو ترهيبًا، لقوله: "إنما أهلك الذين من قبلكم"، فهذا ضرب أمثال؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الَّذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها﴾ [محمد: ١٠]. سيروا في الأرض انظروا ولا تظنوا أنكم سالمون من عذاب الله. ومن فوائد الحديث: أن العقوبات المقدرة شرعًا حد، ومعنى كونها حدًّا أنها لا يقصر عينها ولا تتجاوز، فمثلًا: لو أن رجلًا زنى وهو شريف وثبت زناه وأردنا إقامة الحد عليه فقلنا: هذا الرجل شريف نريد أن نقيم عليه الحد خمسين جلدة فقط، فلا يجوز حتى لو كان ضعيف البنية، إن كان ضعيف البنية نستعمل طريقًا آخر وهو ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤]. كذلك أيضًا لو كثر الزنا في الناس، واراد انسان آن يستعمل ما استعمله عمر حين كثر الشرب من الناس فضاعف عليهم العقوبة فهل نفعل هذا؟ لا؛ لأن هذا حد، ومعنى حد أنه لا يقصر عنه ولا يتجاوز مهما أكثر الناس من الزنا، فلا نتعدى حتى ولو تكرر من الشخص نفسه، السرقة إذا تكررت أربع مرات فإنه يغلظ عليه، إذا سرق تقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرِّجل اليمنى، حتى يبقى من غير يدين ولا رجلين، وفي الحديث: "إن سرق بعد ذلك فاقتلوه"، لكن قال بعض العامة - لما سمع هذا الحديث -: بأي شيء يسرق؟ نقول: ممكن، لكن الزنا لو تكرر منه ليس له إلا الجلد ما دام غير محصن. ومن فوائد الحديث - في الوجه الآخر الذي أخرجه مسلم -: بيان كيد النساء، كيف ذلك؟ أنها بدل أن تسطو على الناس في بيوتهم تستعير المتاع وتجحده، وهذا بمعنى السطو، لكته سطو مؤدب. ومن فوائد ألحديث: جواز الاستعارة، يعني: لا غضاضة عليك إذا استعرت من إنسان شيئًا، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، لكن كلما استغنى الإنسان عن الخلق، ولاسيما في عهدنا وعصرنا فإنه أولى؛ لأن الناس اليوم لا يهتمون إذا حصل أدنى شيء وهو أن يمنَّ عليك بما أعطاك من قبل حتى ولو كان يريد به الأجر، لهذا مهما استغنيت عن الناس فافعل، وكان مما بايع النبي ﷺ ألَّا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل تسقط عصاه وهو على راحلته فينزل فقد استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية دروعًا، وما زال المسلمون يستعيرون.

стр. 2872

ومن فوائد الحديث: وجوب قطع اليد بجحد العارية، لأن النبي ﷺ أمر بقطع يد المرأة. ومن فوائد الحديث: جواز استتابة الغير في إقامة الحد؛ يعني: يجوز للإمام الذي يتولى إقامة الحدود أن ينيب غيره في إقامة الحد لقوله: "فأمر النبي ﷺ ... إلخ". فإن قال قائل: هل الأولى أن يأمر الإمام بقطع اليد، أو أن يباشر القطع بيده؟ حسب المصلحة إذا كان من المصلحة أنه إذا تولى بنفسه قطع يد السارق كان أعظم شأنًا وأشد على الناس فليفعل، وله في ذلك أجر، لأن إقامة الحدود قيام بفريضة من فرائض الله يثاب عليه الإنسان ثواب الفريضة. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإمام إذا وكل أحدا في إقامة الحد أن يتغيب؛ لأن الظاهر أن الرسول ﷺ لم يحضر. فإذا قال قائل: هل يقاس على العارية جحد ما سواها من الأمانات كجحد الشيء المستأجر وجحد الوديعة؟ فالجواب: لا قياس؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق العلة التي ثبت بها قطع يد المستعير في أي صورة أو في أي مسألة من مسائل الجحد، ومن شرط القياس أن يتساوى الأصل والفرع في العلة، فلنأت أولًا إلى الوديعة مثل أن نعطي لشخص دراهم أو سيارة نقول خذ هذه عندك إلى حين، هذه لا يمكن أن نقيسها على العارية؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحتها والمودع لمصلحة المعطي، الإجارة لو أن الإنسان استأجر شيئًا ثم جاء مالكه وقال: أعطني ملكي، قال: لا أعطيك أبدًا ليس لك، لا يمكن أن يقاس على العارية؛ لأن المستأجر قبضها لمصلحة مالكها وهي الأجرة، الرهن كذلك، يعني: إنسان أعطى شخصًا شيئًا رهنًا عنده هذا قبضه المرتهن لمصلحته، فبينهما فرق؛ يعني: لا يمكن أن تساوي العارية من جميع الأمانات؛ ولهذا لا يصح أن نقيس هذا بالأمانات التي لا يقطع من جحدها؛ لأن بعض العلماء ﵏ قالوا: لا يمكن أن نقطع جاحد العارية، كما أنه لا يمكن أن نقطع جاحد الوديعة، قلنا: هذا قياس مع الفارق فيعتبر قياسًا فاسدًا. المختلس والمنتهب: ١١٨٤ - وعن جابر ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ليس على خائنٍ ولا منتهبٍ، ولا مختلسٍ قطعٌ". رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.

стр. 2873

هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ بعد العارية لأحد احتمالين: إما أنه يريد أن يضعف الوجه الثاني في صحيح مسلم وهو أن المرأة قطعت يدها لجحدها العارية، وإما أنه يريد الفرق بين جحد العارية وهذه الصور الثلاث، وهذا هو الأقرب. قوله: "ليس على خائن"، الخائن: هو الذي يغدر بك عند الائتمان، ومن غدر بك في غير موضع الائتمان فليس بخائن؛ ولهذا صارت الخديعة مما يحمد عليه الإنسان في بعض الأحيان، ويذم عليها في بعض الأحيان، وأما الخيانة فهي مذمومة بكل حال، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]. فذكر أن الله خادعهم؛ لأن الخديعة هي المكر في غير موضع الائتمان، وانظر إلى الخيانة فقد قال الله تعالى: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ [الأنفال: ٧١]. ولم يقل: فخانهم، والفرق ظاهر أن الخيانة غدر في موضع الائتمان، وأما الخديعة فهي الغدر بالإنسان في غير موضع الائتمان؛ ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة"، ويذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ أراد أن يبارز عمرو بن ودّ فخرج إليه عمرو وخرج عليّ فصاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين فظن عمرو أن وراءه أحد فالتفت فضربه على عنقه، الخديعة هنا في محلها تمامًا، لأن هذا الرجل جاء ليقتله، فغره بهذه الخديعة حتى قتله. فالحاصل: أن الخائن هو الغادر في محل الائتمان، ولهذا جاء في الحديث: "لا تخن من خانك"، حتى من جحد مالك وله عندك مال فلا تخته، مثال الخائن في الوديعة، ائتمنته على وديعة فخان. الثاني: مختلس المختلس: هو الذي يخطف الشئ ويمر به، وإن شئت فقال: هو الذي. يتحين غفلتك حتى يأخذ ما أراد، وهنا يكثر في السُّراق، يأتي اثنان إلى الدكان ويقول أحدهم لصاحب الدكان، كم هذه؟ فيتكلم معه بالمماكسة، والثاني يسرق ويمشي هذا نسميه مختلس، ويذكر أن رجلين في بلد عربي من السُّراق رأيا يهوديًّا قبل مسألة فلسطين فقال أحدهما للآخر: سنوقع هذا اليهودي قال: ماذا نعمل؟ قال: تقدم أنت ومعه بوك - الذي تحفظ به الدراهم - قال: اذهب أمامه وارم بالبوك، وعلى كل حال: الإنسان إذا سقط أمامه بوك إنسان يقول: يا فلان، خذ البوك، وقال: اجعل فيه دينارًا وندعي أن به مائة دينار، تقدم الرجل ورمى بالبوك وأخذه اليهودي فقال: خذ البوك، فقال: إنك لأمين وأثنى عليه خيرًا وفتح البوك، وقال:

стр. 2874

لكن البوك كان فيه مائة دينار والآن ما فيه إلَّا دينار أين يا رجل النقود؟ فقال: أبدًا ما أخذت شيئًا فأمسكه وجاء الثاني فقال: لا أنا أشهد أن البوك هذا فيه مائة دينار، المهم حصل نزاع فذهبوا إلى القاضي الرجلان مدعيان واليهودي منكر ورأى القاضي أن اليهودي صادق؛ لأنه أقسم إقسامات عظيمة لا يقسم بها اليهودي إلَّا وهو صادق فقال القاضي: أروني البوك فوجد فيه الدينار قال: إذن البوك الذي سقط غير هذا اذهب فابحث هذا ليس لكما ما دام تقول: البوك فيه مائة دينار فهذا فيه دينار واحد فسقط في أيديهم وخسروا بوكهم ودعواهم، على كل حال: أن قصدي أن السراق لهم طرق منها الاختلاس. الثالث: المنتهب وهو الذي يأخذ الشئ على وجه الغنيمة يعنى: بدون مخادعة لصاحبه. فيؤخذ من هذا الحديث: أن السرقة لا بد أن تكون من حرز لا بالمخادعة بل محرزة، فيأتي السارق ويكسر الحرز ويسرق المال، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، وإن كان أهل الظاهر لا يرون اشتراط الحرز، لكن الصحيح أنه يشترط وسيأتي - إن شاء الله - في قصة رداء صفوان ما يدفع به حجة أهل الظاهر. إذن نقول: الخائن في جميع الأمانات لا تقطع يده إلَّا في العارية المختلس، والمنتهب لا تقطع يده؛ لأنه لم يسرق من حرز، ويدل لاشتراط الحرز قول المؤلف: اشتراط الحرز لوجوب القطع: ١١٨٥ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ". رواه المذكورون، وصحَّحه أيضًا التِّرمذيُّ، وابن حبَّان. يعني كالحديث السابق، المذكورون: أحمد والأربعة، والمصححون: الترمذي وابن حبان ولهذا قال: أيضًا، هذا يدل على اشتراط الحرز، "لا قطع في ثمر" أي: على الشجر سواء كان ثمر نخل وهو التمر أو ثمر عنب أو تين أو أي شيء لا قطع فيه؛ لأنه غير محرز بارز، كل الناس ممكن أن يأخذوا منه، "ولا كثر" وهو جمَّار النخل، جمار النخل يمكن سرقته على وجهين: الوجه الأول: أن يأتي السارق ويقطع القنو من أصله فيكون في أصله جمار. الوجه الثاني: النخلة نفسها ينقبها حتى يخرج جمارها من أصلها، أيهما أعظم ضررًا؟ الثاني، ومع ذلك لا يقطع لا على الثاني ولا على الأول، وسبب ذلك أنها غير محرزة.

стр. 2875

حديث رافع يشترط أن يكون الإنسان قد سرقه من شجرة، أي: الثمر أو جمار من شجرة، أما إذا أخذ وأحرز فإنه كغيره من الأموال يقطع سارقه، وسيأتي في كلام المؤلف. ثبوت السرقة بالإقرار: ١١٨٦ - وعن أبي أميَّة ﵁ قال: "أتي النَّبيُّ ﷺ بلصٍ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: اللهمَّ تب عليه - ثلاثًا-". أخرجه أبو داود واللَّفظ له، وأحمد، والنِّسائيُّ، ورجاله ثقاتٌ. - وأخرجه الحاكم من حديت أبي هريرة، فساقه بمعناه، وقال فيه: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه" وأخرجه البزَّاز أيضًا، وقال: لا بأس بإسناده. اللص: هو السارق، وقوله: "اعترف" يعني: أقرَّ، "ولم يوجد معه متاع" أي: لم يوجد معه متاع يظن أنه سرقه، فقال النبي ﷺ : "ما إخالك؟ " أي: ما أظنك سرقت، وقوله: "استغفر" أي: أطلب المغفرة من الله، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأنها مشتقة من (المغفر)، وهو ما يوضع على الرأس من الحديد فهو ساتر واقٍ، ويدل لهذا المعنى أن الله سبحانه إذا قرر عبده يوم القيامة بذنوبه قال: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وهذا يدل على أن المغفرة ليست مجرد السرقة، "وتب إليه"، أي: ارجع إليه من معصيته إلى طاعته فقال الرجل: "أستغفر الله"، يعني: أسأل الله المغفرة، "وأتوب إليه" أرجع إليه من معصيته إلى طاعته، فقال: "اللهم تب" عليه قال الرسول ﷺ : "اللهم تب عليه اللهم تب عليه اللهم تب عليه". ففي هذا الحديث: دليل على أن حد السرقة يثبت بالإقرار، وهذا يعتبر فردًا من قاعدة جاءت في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. فقوله: ﴿ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. هذا هو الإقرار أن يشهد الإنسان على نفسه بما فعل، واختلف العلماء" ﵏ هل يشترط تكرار الإقرار أو لا؟ فقيل: إنه يشترط؛ وذلك لأن السرقة لا تثبت على القاعدة المعروفة عند أكثر العلماء إلَّا بشاهدين عدلين، فلا تثبت
следующие страницы →