← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

لأن الله لا يحابي أحد، ليس بيننا وبين ربنا نسب، ولكن بيننا وبينه عبادة، إذا حققنا العبادة والتقوى فنحن أقرب الخلق لله، ولهذا قال: "إنما أهلك من كان قبلكم" تحذيرًا أن يقع الهلاك فينا كما وقع فيمن سبق. ومن فوائد الحديث: ضرب الأمثال عند الوعظ ترغيبًا أو ترهيبًا، لقوله: "إنما أهلك الذين من قبلكم"، فهذا ضرب أمثال؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الَّذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها﴾ [محمد: ١٠]. سيروا في الأرض انظروا ولا تظنوا أنكم سالمون من عذاب الله. ومن فوائد الحديث: أن العقوبات المقدرة شرعًا حد، ومعنى كونها حدًّا أنها لا يقصر عينها ولا تتجاوز، فمثلًا: لو أن رجلًا زنى وهو شريف وثبت زناه وأردنا إقامة الحد عليه فقلنا: هذا الرجل شريف نريد أن نقيم عليه الحد خمسين جلدة فقط، فلا يجوز حتى لو كان ضعيف البنية، إن كان ضعيف البنية نستعمل طريقًا آخر وهو ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤]. كذلك أيضًا لو كثر الزنا في الناس، واراد انسان آن يستعمل ما استعمله عمر حين كثر الشرب من الناس فضاعف عليهم العقوبة فهل نفعل هذا؟ لا؛ لأن هذا حد، ومعنى حد أنه لا يقصر عنه ولا يتجاوز مهما أكثر الناس من الزنا، فلا نتعدى حتى ولو تكرر من الشخص نفسه، السرقة إذا تكررت أربع مرات فإنه يغلظ عليه، إذا سرق تقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرِّجل اليمنى، حتى يبقى من غير يدين ولا رجلين، وفي الحديث: "إن سرق بعد ذلك فاقتلوه"، لكن قال بعض العامة - لما سمع هذا الحديث -: بأي شيء يسرق؟ نقول: ممكن، لكن الزنا لو تكرر منه ليس له إلا الجلد ما دام غير محصن. ومن فوائد الحديث - في الوجه الآخر الذي أخرجه مسلم -: بيان كيد النساء، كيف ذلك؟ أنها بدل أن تسطو على الناس في بيوتهم تستعير المتاع وتجحده، وهذا بمعنى السطو، لكته سطو مؤدب. ومن فوائد ألحديث: جواز الاستعارة، يعني: لا غضاضة عليك إذا استعرت من إنسان شيئًا، ولا يعد هذا من المسألة المذمومة، لكن كلما استغنى الإنسان عن الخلق، ولاسيما في عهدنا وعصرنا فإنه أولى؛ لأن الناس اليوم لا يهتمون إذا حصل أدنى شيء وهو أن يمنَّ عليك بما أعطاك من قبل حتى ولو كان يريد به الأجر، لهذا مهما استغنيت عن الناس فافعل، وكان مما بايع النبي ﷺ ألَّا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل تسقط عصاه وهو على راحلته فينزل فقد استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية دروعًا، وما زال المسلمون يستعيرون.

стр. 2872

ومن فوائد الحديث: وجوب قطع اليد بجحد العارية، لأن النبي ﷺ أمر بقطع يد المرأة. ومن فوائد الحديث: جواز استتابة الغير في إقامة الحد؛ يعني: يجوز للإمام الذي يتولى إقامة الحدود أن ينيب غيره في إقامة الحد لقوله: "فأمر النبي ﷺ ... إلخ". فإن قال قائل: هل الأولى أن يأمر الإمام بقطع اليد، أو أن يباشر القطع بيده؟ حسب المصلحة إذا كان من المصلحة أنه إذا تولى بنفسه قطع يد السارق كان أعظم شأنًا وأشد على الناس فليفعل، وله في ذلك أجر، لأن إقامة الحدود قيام بفريضة من فرائض الله يثاب عليه الإنسان ثواب الفريضة. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإمام إذا وكل أحدا في إقامة الحد أن يتغيب؛ لأن الظاهر أن الرسول ﷺ لم يحضر. فإذا قال قائل: هل يقاس على العارية جحد ما سواها من الأمانات كجحد الشيء المستأجر وجحد الوديعة؟ فالجواب: لا قياس؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق العلة التي ثبت بها قطع يد المستعير في أي صورة أو في أي مسألة من مسائل الجحد، ومن شرط القياس أن يتساوى الأصل والفرع في العلة، فلنأت أولًا إلى الوديعة مثل أن نعطي لشخص دراهم أو سيارة نقول خذ هذه عندك إلى حين، هذه لا يمكن أن نقيسها على العارية؛ لأن قابض العارية قبضها لمصلحتها والمودع لمصلحة المعطي، الإجارة لو أن الإنسان استأجر شيئًا ثم جاء مالكه وقال: أعطني ملكي، قال: لا أعطيك أبدًا ليس لك، لا يمكن أن يقاس على العارية؛ لأن المستأجر قبضها لمصلحة مالكها وهي الأجرة، الرهن كذلك، يعني: إنسان أعطى شخصًا شيئًا رهنًا عنده هذا قبضه المرتهن لمصلحته، فبينهما فرق؛ يعني: لا يمكن أن تساوي العارية من جميع الأمانات؛ ولهذا لا يصح أن نقيس هذا بالأمانات التي لا يقطع من جحدها؛ لأن بعض العلماء ﵏ قالوا: لا يمكن أن نقطع جاحد العارية، كما أنه لا يمكن أن نقطع جاحد الوديعة، قلنا: هذا قياس مع الفارق فيعتبر قياسًا فاسدًا. المختلس والمنتهب: ١١٨٤ - وعن جابر ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ليس على خائنٍ ولا منتهبٍ، ولا مختلسٍ قطعٌ". رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن حبَّان.

стр. 2873

هذا الحديث أتى به المؤلف ﵀ بعد العارية لأحد احتمالين: إما أنه يريد أن يضعف الوجه الثاني في صحيح مسلم وهو أن المرأة قطعت يدها لجحدها العارية، وإما أنه يريد الفرق بين جحد العارية وهذه الصور الثلاث، وهذا هو الأقرب. قوله: "ليس على خائن"، الخائن: هو الذي يغدر بك عند الائتمان، ومن غدر بك في غير موضع الائتمان فليس بخائن؛ ولهذا صارت الخديعة مما يحمد عليه الإنسان في بعض الأحيان، ويذم عليها في بعض الأحيان، وأما الخيانة فهي مذمومة بكل حال، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿إنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]. فذكر أن الله خادعهم؛ لأن الخديعة هي المكر في غير موضع الائتمان، وانظر إلى الخيانة فقد قال الله تعالى: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ [الأنفال: ٧١]. ولم يقل: فخانهم، والفرق ظاهر أن الخيانة غدر في موضع الائتمان، وأما الخديعة فهي الغدر بالإنسان في غير موضع الائتمان؛ ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة"، ويذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ أراد أن يبارز عمرو بن ودّ فخرج إليه عمرو وخرج عليّ فصاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين فظن عمرو أن وراءه أحد فالتفت فضربه على عنقه، الخديعة هنا في محلها تمامًا، لأن هذا الرجل جاء ليقتله، فغره بهذه الخديعة حتى قتله. فالحاصل: أن الخائن هو الغادر في محل الائتمان، ولهذا جاء في الحديث: "لا تخن من خانك"، حتى من جحد مالك وله عندك مال فلا تخته، مثال الخائن في الوديعة، ائتمنته على وديعة فخان. الثاني: مختلس المختلس: هو الذي يخطف الشئ ويمر به، وإن شئت فقال: هو الذي. يتحين غفلتك حتى يأخذ ما أراد، وهنا يكثر في السُّراق، يأتي اثنان إلى الدكان ويقول أحدهم لصاحب الدكان، كم هذه؟ فيتكلم معه بالمماكسة، والثاني يسرق ويمشي هذا نسميه مختلس، ويذكر أن رجلين في بلد عربي من السُّراق رأيا يهوديًّا قبل مسألة فلسطين فقال أحدهما للآخر: سنوقع هذا اليهودي قال: ماذا نعمل؟ قال: تقدم أنت ومعه بوك - الذي تحفظ به الدراهم - قال: اذهب أمامه وارم بالبوك، وعلى كل حال: الإنسان إذا سقط أمامه بوك إنسان يقول: يا فلان، خذ البوك، وقال: اجعل فيه دينارًا وندعي أن به مائة دينار، تقدم الرجل ورمى بالبوك وأخذه اليهودي فقال: خذ البوك، فقال: إنك لأمين وأثنى عليه خيرًا وفتح البوك، وقال:

стр. 2874

لكن البوك كان فيه مائة دينار والآن ما فيه إلَّا دينار أين يا رجل النقود؟ فقال: أبدًا ما أخذت شيئًا فأمسكه وجاء الثاني فقال: لا أنا أشهد أن البوك هذا فيه مائة دينار، المهم حصل نزاع فذهبوا إلى القاضي الرجلان مدعيان واليهودي منكر ورأى القاضي أن اليهودي صادق؛ لأنه أقسم إقسامات عظيمة لا يقسم بها اليهودي إلَّا وهو صادق فقال القاضي: أروني البوك فوجد فيه الدينار قال: إذن البوك الذي سقط غير هذا اذهب فابحث هذا ليس لكما ما دام تقول: البوك فيه مائة دينار فهذا فيه دينار واحد فسقط في أيديهم وخسروا بوكهم ودعواهم، على كل حال: أن قصدي أن السراق لهم طرق منها الاختلاس. الثالث: المنتهب وهو الذي يأخذ الشئ على وجه الغنيمة يعنى: بدون مخادعة لصاحبه. فيؤخذ من هذا الحديث: أن السرقة لا بد أن تكون من حرز لا بالمخادعة بل محرزة، فيأتي السارق ويكسر الحرز ويسرق المال، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، وإن كان أهل الظاهر لا يرون اشتراط الحرز، لكن الصحيح أنه يشترط وسيأتي - إن شاء الله - في قصة رداء صفوان ما يدفع به حجة أهل الظاهر. إذن نقول: الخائن في جميع الأمانات لا تقطع يده إلَّا في العارية المختلس، والمنتهب لا تقطع يده؛ لأنه لم يسرق من حرز، ويدل لاشتراط الحرز قول المؤلف: اشتراط الحرز لوجوب القطع: ١١٨٥ - وعن رافع بن خديج ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ". رواه المذكورون، وصحَّحه أيضًا التِّرمذيُّ، وابن حبَّان. يعني كالحديث السابق، المذكورون: أحمد والأربعة، والمصححون: الترمذي وابن حبان ولهذا قال: أيضًا، هذا يدل على اشتراط الحرز، "لا قطع في ثمر" أي: على الشجر سواء كان ثمر نخل وهو التمر أو ثمر عنب أو تين أو أي شيء لا قطع فيه؛ لأنه غير محرز بارز، كل الناس ممكن أن يأخذوا منه، "ولا كثر" وهو جمَّار النخل، جمار النخل يمكن سرقته على وجهين: الوجه الأول: أن يأتي السارق ويقطع القنو من أصله فيكون في أصله جمار. الوجه الثاني: النخلة نفسها ينقبها حتى يخرج جمارها من أصلها، أيهما أعظم ضررًا؟ الثاني، ومع ذلك لا يقطع لا على الثاني ولا على الأول، وسبب ذلك أنها غير محرزة.

стр. 2875

حديث رافع يشترط أن يكون الإنسان قد سرقه من شجرة، أي: الثمر أو جمار من شجرة، أما إذا أخذ وأحرز فإنه كغيره من الأموال يقطع سارقه، وسيأتي في كلام المؤلف. ثبوت السرقة بالإقرار: ١١٨٦ - وعن أبي أميَّة ﵁ قال: "أتي النَّبيُّ ﷺ بلصٍ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: اللهمَّ تب عليه - ثلاثًا-". أخرجه أبو داود واللَّفظ له، وأحمد، والنِّسائيُّ، ورجاله ثقاتٌ. - وأخرجه الحاكم من حديت أبي هريرة، فساقه بمعناه، وقال فيه: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه" وأخرجه البزَّاز أيضًا، وقال: لا بأس بإسناده. اللص: هو السارق، وقوله: "اعترف" يعني: أقرَّ، "ولم يوجد معه متاع" أي: لم يوجد معه متاع يظن أنه سرقه، فقال النبي ﷺ : "ما إخالك؟ " أي: ما أظنك سرقت، وقوله: "استغفر" أي: أطلب المغفرة من الله، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأنها مشتقة من (المغفر)، وهو ما يوضع على الرأس من الحديد فهو ساتر واقٍ، ويدل لهذا المعنى أن الله سبحانه إذا قرر عبده يوم القيامة بذنوبه قال: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وهذا يدل على أن المغفرة ليست مجرد السرقة، "وتب إليه"، أي: ارجع إليه من معصيته إلى طاعته فقال الرجل: "أستغفر الله"، يعني: أسأل الله المغفرة، "وأتوب إليه" أرجع إليه من معصيته إلى طاعته، فقال: "اللهم تب" عليه قال الرسول ﷺ : "اللهم تب عليه اللهم تب عليه اللهم تب عليه". ففي هذا الحديث: دليل على أن حد السرقة يثبت بالإقرار، وهذا يعتبر فردًا من قاعدة جاءت في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. فقوله: ﴿ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]. هذا هو الإقرار أن يشهد الإنسان على نفسه بما فعل، واختلف العلماء" ﵏ هل يشترط تكرار الإقرار أو لا؟ فقيل: إنه يشترط؛ وذلك لأن السرقة لا تثبت على القاعدة المعروفة عند أكثر العلماء إلَّا بشاهدين عدلين، فلا تثبت

стр. 2876

بشاهد واليمين ولا بشهادة امرأتين، ولا بشهادة رجل وامرأتين إلَّا أنه إذا أتى المسروق منه بشهادة رجل وامرأتين ثبت ماله دون القطع؛ وذلك لأن الحدود - على قاعدة هؤلاء العلماء - لا تثبت بشهادة النساء يختص بالشهادة فيها الرجل فقط، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يشترط تكرار الإقرار، وإن الإنسان إذا اعترف وهو بالغ عاقل مختار ولو مرة واحدة ثبت الحكم، وهذا القول هو الراجح، وقد سبق لنا هذا البحث في الإقرار بالزنا، وبينَّا أن الصواب أنه إذا أعترف الإنسان وهو بالغ عاقل مختار ثبت مقتضى إقراره. ومن فوائد الحديث: التعريض للمقر بالرجوع؛ لقول النبي ﷺ : "ما إخالك سرقت" أي: ما أظنك، وهذا تعريض له بالرجوع، يعني: ليقول: نعم أنا على ما ظننت يا رسول الله، واختلف العلماء في هذه المسألة هل يسن للحاكم أن يعرض بالرجوع عن الإقرار؟ فمن العلماء من قال: إنه يسن أن يعرض بالرجوع عن الإقرار، وأنه إذا رجع عن إقراره ارتفع عنه الحد؛ لأن هذا هو فائدة التعبير بالرجوع عن الإقرار، وقال بعض العلماء: لا يسن ذلك وهذا هو الصحيح أنه لا يسن إلَّا إذا كان هناك أحوال تقتضي أن يعرض له بذلك كهذا الحديث؛ لأن هذا الحديث اعترف الرجل بأنه سارق، لكن لم يوجد معه متاع، فيخشى أن يكون هذا الرجل ظن أن السرقة تثبت بكل قليل وكثير، أو أن السرقة تثبت بما دون ذلك، ومن المعلوم أن من السُّراق من يسرق ويعترف ويقول: هذا سرقته من البيت الفلاني من الحرز، فهل يمكن مثل هذا أن نعرض له بالرجوع؟ لا، ثم ينبني على القول بالتعريض بالرجوع لو رجع المقر فهل يقبل رجوعه، يعني: بعد أن أقر بالسرقة رجع، فهل نقبل رجوعه أو لا نقبل؟ اختلف العلماء في ذلك أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يقبل رجوعه مطلقًا؛ لأنه شهد على نفسه، ولو أننا قلنا بقبول رجوع المقر بما يقتضي الحد لم يثبت حد في الدنيا؛ لأن كل واحد يمكنه أن يرجع ويسلم من الحد، والاستدلال بقصة ماعز ﵁ لا وجه له؛ لأن ماعزًا لم يرجع عن إقراره لم يكذب نفسه، وإنما هرب ليتوب، وفرق بين من يرجع بإقرار ويكذب نفسه ويلعب بالحكام، وبين إنسان ما زال على إقراره لكنه هرب ليتوب فيما بينه وبين الله، فالاستدلال ليس بوجيه، لكن هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الإنسان إذا رجع عن إقراره قبل، لكن هذا إذا لم يكن هناك قرائن تقتضي تكذيب رجوعه، فمثلًا: لو أن السارق أقر بالسرقة وقال: سرقت المال الفلاني ووصفه كمًّا ونوعًا، وقال: سرقته من المكان الفلاني ووصف المكان بأنه حرز ووجد نفس المتاع الذي وصفه

стр. 2877

عنده، فهل بعد ذلك يمكن أن تقول: بقبول رجوعه عن إقراره؟ هذا لا يمكن، وإن كان بعض العلماء يقول: يمكن، لأنه لعله اشتراه هذا لا يمكن أن يقبل رجوعه عن إقراره؛ لأن القرائن تكذب رجوعه وتمنع قبول رجوعه، وعلى هذا فيكون القول الراجح الوسط في هذا إذا وجدت قرائن تشهد بأن رجوعه ليس بصحيح فإن رجوعه لا يقبل، وإن لم توجد فإنه يقبل رجوعه، لكن لو رأى الحاكم أن يعزره بما يقتضي ألَّا يتلاعب بالحكام فله ذلك؛ لأن القضية سوف تعرض ويكون لها جلسة عند القاضي ومحضر وكتابة وبعد هذا كله يقول: أنا أكذب أقررت بالسرقة، ولكن أكذب كنت أريد أن أعرف ما عندكم، ولما علمت أن السكينة الباترة مهيأة لقطع يدي فأنا أكذب، هذا ربما نقبل رجوعه إذا لم يكن هناك قرينة تكذبه، وأما مع وجود القرينة فلا وجه لقبول رجوعه، ولا يمكن أن يكون هذا القول عمليًّا في أحوال الناس لاسيما مع كثرة السرقات. في هذا الحديث: حكمة النبي ﷺ ؛ حيث إنه أعاد عليه هذا القول عدة مرات؛ لأن حاله تقتضي ألَّا يكون سرق وذلك لعدم وجود متاعٍ معه. ومن فوائد الحديث: أنه يطلب من الإنسان بعد إقامة الحد أن يستغفر الله ويتوب إليه، يعني: ينبغي للقاضي أن يقول: استغفر الله وتب إليه، لجواز أن يعود مرة أخرى إلى الذنب. فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أن الحدود كفارة للمعاصي؟ فالجواب: بلى ثبت ذلك، لكن هنا مما يزيد توبة الله علي، ثم إنها كفارة لما مضى، والاستغفار والتوبة عما مضى وعما يستقبل، لأن من شروط التوبة أن يعزم على ألَّا يعود في المستقبل. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا أمر شخصًا بالاستغفار والتوبة من أي ذنب كان أن يشرح صدره له وأن يشرح صدر التائب، فيدعو له بالتوبة، ويقول: اللهم اغفر له، اللهم تب عليه؛ لأن هذا مما ينشطه على الاستمرار في توبته. وفي رواية الحاكم قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه الحسم" بمعنى: القطع، لكن القطع هنا غير القطع الذي سبقه، فإن قوله: "فاقطعوه" أي: اقطعوا يده "احسموه" أي: اقطعوا نزيف الدم، قال العلماء: وكيفية الحسم أن يغلى الزيت بالنار ثم يغمس طرف الذراع في الزيت وهو يغلي؛ لأن هذا يسد أفواه العروق؛ إذ لو بقيت أفواه العروق مفتوحة لنزف الدم ومات.

стр. 2878

فيستفاد من هذا الحديث: وجوب حسم يد السارق. ولكن إذا قال قائل: هل يتعين الطريق الذي ذكره العلماء بأن يغلى الزيت ثم يغمس فيه طرف الذراع؟ الجواب: لا إذا وجد طريقة أخرى يمكن بها الحسم وهي أهون من هذا فإن الواجب اتباعها لقول النَّبيّ ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة". فإن قيل: هل يجوز أن يبنج محل القطع حتى لا يحس به المقطوع؟ فالجواب: نعم يجوز ذلك، لأن المقصود هو إتلاف اليد وهو حاصل سواء بنج أم لم يبنج، فإن قال قائل: يرد عليكم أنه يجوز لمن أريد جلده أن يبنج. قلنا: لا، لا يرد هذا؛ لأن المقصود بالجلد هو الإيلام، ولا يحصل بالبنج، أما المقصود بقطع اليد فهو إتلاف اليد وهو حاصل بالبنج. فإن قال قائل: فهل تعدون ذلك إلى اليد المقطوعة قصاصًا؟ الجواب: لا، اليد المقطوعة قصاصًا لا يجوز أن تبنج، لأننا لو بنجناها لم يتم القصاص، إذ إن قطع المعتدي ليد المعتدى عليه حصل به الإتلاف والإيلام، فإذا بنِّج لم يتم القصاص، ما الذي يفوت من القصاص؟ الإيلام. وهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها؛ لأن بعض الناس قد يقول: اليد باليد، قطعنا يد القاطع كما قطع هو يد المقطوع. قلنا: لكن الله تعالى يقول: ﴿والجروح قصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. فلا بد من أن يذوق هذا ألم الجرح كما ذاقه المعتدى عليه. فإن قال قائل: الحسم يحتاج إلى نفقة، الزيت له قيمة، غليه له قيمة، وما يقوم مقام الزيت له قيمة، فعلى من تكون أعلى الذي أقيم عليه الحد أم في بيت المال؟ قلنا: الثاني تكون في بيت المال؛ لأن إقامة الحدود من واجبات ولي الأمر، وعلى هذا فتكون في بيت المال. فإن قيل: لماذا لا تكون على ولي الأمر؟ قلنا: لأن هذا ليس لمصلحة خاصة بل لمصلحة عامة، فيكون في بيت المال الذي هو عام للمسلمين. ويستفاد من الحديث: اطمئنان الصحابة ﵃ على إقامة الحدود وانشراح صدورهم لها، فهذا الرجل الذي قطعت يده ثم حسمت إذا تأملت القصة وجدت أنه طيب النفس منشرح لم يتضجر ولم يظهر السخط مما وقع، وذلك لأن قطعه كان بأمر الله ورسوله:

стр. 2879

﴿وما كان لمؤمنٍ ولا لمؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦]. والإنسان المؤمن حقًّا يجري أمر الله ورسوله على نفسه وإن كان في ذلك مرارة؛ لأنه يرى أن امتثال أمر الله خير من المرارة التي يحس بها. لا ضمان على السارق: ١١٨٧ - وعن عبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يغرم السَّارق إذا أقيم عليه الحدُّ". رواه النِّسائيُّ، وبيَّن أنَّه منقطعٌ، وقال أبو حاتمٍ: هو منكرٌ. السارق حصل منه ثلاث مخالفات. المخالفة الأولى: أنه عصى الله ورسوله؛ لأن الله حرم أموال المسلمين كما أعلن ذلك رسول الله ﷺ في حجة الوداع في موضعين: في عرفة وفي منى، قال: "إن دماءكم وأموالكم واعراض كم عليكم حرام". المخالفة الثانية: العدوان على الشخص الذي سرق منه، وذلك بالاستيلاء على ماله وحرمانه إياه. المخالفة الثالثة: اختلال الأمن - أمن الناس - بحيث لا يأمنون على أموالهم إذا كثر السراق، بل ربما لا يأمنون على أنفسهم؛ لأن السارق قد يكون معتديًا فيحمل السلاح ليقاوم به من يصده عن السرقة، هذه الأمور الثلاثة كل شيء يتعلق به حق، أما الحق الأول وهو حق الله، فإنه لا شك إذا قطعت اليد فقد استوفي منه حق الله يبقى علينا اعتداؤه على أموال الناس حق الآدمي. هذا الحديث يقول: "لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد"، لكن هذا الحديث منكر متنًا ومنقطع سندًا، ووجه إنكاره متنًا أنه مخالف للقواعد الشرعية؛ لأن حق الله شيء وحق المخلوق شيء آخر، فهو إذا قطعت يده ماذا يستفيد صاحب المال؟ لا شيء؛ يعني: لنفرض أنه سرق مليونًا من الدراهم راحت على صاحبها وأقيم على السارق الحد كيف يضيع حق صاحب المال، فهذا الحديث إذن منكر من جهة المتن، وهذه فائدة ينبغي لطالب العلم أن يتبه لها، إذا رأى بعض المتون المروية عن الرسول ﷺ مخالفة لقواعد الشريعة العامة فليتأمل ولا يتعجل بنسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وسيجد أن هذا الحديث منكر، لأن قواعد الشريعة العامة قواعد كالجبال، ولا يمكن أن يأتي حديث نقله واحد من الناس فيخرم هذه القواعد لهذا يجب على طالب العلم إذا وجد حديثًا يخالف الأصول أن يتثبت، أنا لا أقول: يرده لأنه قد يكون هناك معنى لم نعقله نحن وجاء الحديث من أجله لكن يتثبت، إذا تثبتنا في

стр. 2880

هذا الحديث وجدنا أنه مخالف للقواعد العامة في الشريعة، وهي أنه من أتلف على إنسان شيئًا بغير حق وجب عليه ضمانه. بقي علينا الشئ الثالث وهو الأمن، يمكن أن نقول: إن الأمن استوفى بقطع اليد؛ لأن هذا من أعظم ما يكون يمشي بين الناس مقطوع يده اليمنى، لماذا؟ يقال: لأنه سارق هذا أعظم ما يوفر الأمن، وبهذا نعرف حكمة الله في وجوب قطع يد السارق: ﴿نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. حكم الجمع بين الضمان والقطع: ١١٨٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص في ﵁، عن رسول الله ﷺ : " أنه سئل عن التَّمر المعلَّق؟ فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ، غير متَّخذٍ خبنةٍ، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيءٍ منه، فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشيءٍ منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع". أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ، وصحَّحه الحاكم. قوله: "المعلق" يعني: في شجره كما يوجد في النخل تمر، فبيَّن النبي ﷺ سواء معلق أو غير معلق على ثلاثة وجوه: الأول: من أصاب بفيه من ذي حاجة، غير ... إلخ. الثالث: أشدها ولذلك عظمت العقوبة فيه. في هذا الحديث فوائد منها: أن الإنسان إذا مر بشجر فيه ثمر فأكل منه بفيه فقط - يعني: أخذ يده ووضعها في فيه - فهذا لا شيء عليه، لكن بشرط ألَّا يحمل معه شيئًا، واشترط الفقهاء زيادة في ذلك فقالوا: يشترط في هذا التمر أن يكون في بستان ليس عليه حائط ولا ناظر؛ وذلك لأنه إذا سوِّر أو كان عليه ناظر كان هذا دليلًا على أن صاحبه غير راضٍ بالأكل منه، ولا يحل مال امرئ مسلم إلَّا بطيب نفس منه، ﴿فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكلوه هنيئًا مَّريئًا﴾ [النساء: ٤]. وهذا القيد الذي ذكره بعض العلماء قيدٌ لا بد منه؛ لأن جعل السور أو الشوك المنيع على هذا الحائط دليل واضح على أن صاحبه لا يريد أن يأخذ أحد منه شيئًا، لكن نخل على الطريق وليس عليه حائط ولا ناظر فلك أن تأكل، ولكن هل تأكل حتى تشبع أو بقدر الحاجة؟ ظاهر الحديث أنه مقيد بالحاجة، ولكن بعض العلماء أطلق وقال: له أن يأكل حتى يشبع وظاهر كلامهم ولو أنه له ذلك كان واسع البطن، المهم لا يحمل شيئًا منه.

стр. 2881

ومن فوائد الحديث: ألَّا يأخذ من هذا التمر شيئًا يضعه في جيبه أو في طرف ردائه أو ما أشبه ذلك، لأن هذا متملك، والأول منتفع، الأول يريد أن يسد جوعته فقط، أما هذا فمتملك أخذه في جيبه أو في كمه أو في طرف ردائه فهذا حرام عليه، فإن فعل فعليه الغرامة والعقوبة، الغرامة لصاحب التمر، والعقوبة لحفظ الأمن إلى الإمام، ولكن العقوبة هذه قيل: إنها إضعاف القيمة عليه، فإذا كان الثمر الذي أخذه يساوي عشرة أضفنا إليها عشرة أخرى تكون لبيت المال وقال بعض العلماء: العقوبة تعزير يقدره القاضي، والصواب أن ينظر في ذلك لما هو أنكى وأمنع، قد يكون بعض الناس المال عنده غالٍ والقرش عنده أغلى من أن يضرب عشر مرات، وبعض الناس بالعكس لو أخذ منه الألف أو يضرب مرة واحدة لاختار الألف، فينظر القاضي لما هو أنكى وأمنع وأنفع. ومن فوائد الحديث: أن من العلماء من أخذ منه قاعدة وهي أن من سرق من غير حرز ضوعفت عليه القيمة فإنه لا يقطع؛ لأنه يشترط الحرز ولكن تضعف عليه القيمة، وهذا هو المعروف عند كثير من العلماء، وقيل: إنه خاص بالثمر والكثر، والأقرب أن يقال: من أخذ من غير حرز فعليه عقوبة إما إضعاف القيمة، وإما جلد نكال. ومن فوائد الحديث: اشتراط الحرز في المسروق لقوله: "ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع"، الجرين: مجمع الثمر، وذلك أن الثمار تجمع في مكان ما لتيبس وتنشف ثم تدخل في البيوت، لكن الآن صارت الآلات التي تنجزه بسرعة وليس فيه جرين، فكون إيواء المكان الذي فيه المكاين كإيواء الجرين. فإن قال قائل: الآية عامة ﴿والسَّارق والسَّارقة فاقطعوا أيديهما﴾. قيل: إن صيغة العموم هنا الموصولية، وجه ذلك: أن "أل" الداخلة على المشتق اسم موصول، قال ابن مالك: *وصفةٌ صريحةٌ صلة أل * وعلى كل حال: نحن نقول: فيه عموم إما من الموصول وإما من كونه مفردًا محلًّى بـ "أل" التي ليست للعهد، أقول: إن قال قائل: اشتراط الحرز ينافي عموم الآية، قلنا: لكن هذه المنافاة - ليست من كل وجه، بل هي من بعض الوجوه، ما هي بعض الوجوه؟ أنه أخرج بعض أفراد العام من الحكم فهو من باب التخصيص، وتخصيص القرآن بالسُّنة جائز لا شك فيه؛ لأنه ليس رفعًا للحكم نهائيًّا، بل هو رفع للحكم عن بعض الأفراد وهذا هو التخصيص.

стр. 2882

ومن فوائد الحديث: اشتراط النصاب في السرقة لقوله: "فبلغ ثمن المجن"، والمجن ثمنه ثلاثة دراهم، والدراهم تساوي في ذلك الوقت ربع دينار، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء هل الفضة والذهب كلاهما معتبر في نصاب السرقة أو الذهب فقط، والصواب أنه الذهب فقط، وأنها تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا ولا تقطع فيما دون ذلك، لكن كان الدينار في عهد النبي ﷺ يساوي اثني عشر درهما فيكون ربعه ثلاثة دراهم. ومن فوائد الحديث: مطابقة أحكام الشريعة للحكمة، ووجهه: التفريق في الأحكام بين هذه الأحوال الثلاثة حيث جعل لكل حال حكمًا خاصًّا، ويتفرع على هذه الفائدة قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية وهي: أنها لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين، لأنها من لدن حكيم خبير: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الشفاعة في الحدةد، ضوابطها: ١١٨٩ - وعن صفوان بن أميَّة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له لمَّا أمر بقطع الَّذي سرق رداءه، فشفع فيه: "هلَّا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟ ". أخرجه أحمد والأربعة، وصحَّحه ابن الجارود والحاكم. صفوان بن أمية يعني كان نائمًا في البطحاء، قيل: في بطحاء عارية، وقيل: في المسجد النبوي، وقيل: في المسجد الحرام، وهذا لا يوجب اضطراب الحديث؛ لأن المقصود منه لا اختلاف فيه، وهذه مرت علينا في مصطلح الحديث، أي: أن الاختلاف الذي ليس في أصل الحديث لا يعد اضطرابًا كاختلاف الناس في ثمن جمل جابر، واختلافهم فيما وجد في ثمن قلادة حديث فضالة بن عبيد. قوله: "سرق رداءه"، ما هو الرداء؟ الرداء: ما يستر به أعلى الجسد، وكان أكثر اللباس في عهد النبي ﷺ هو الإزار والرداء، وقد توسد صفوان ﵁ رداءه فسرق الرداء فرفع إلى النبي ﷺ "فأمر بقطع يده"، "فأمر" الفاعل هو الرسول ﷺ ، "بقطع يد الذي سرق"، لكن خذفت اليد للعلم بها، وقد أصَّل ابن مالك ﵀ في ألفيته أصلًا مفيدًا في قوله: وحذف ما يعلم جائزٌ كما ... نقول زيدٌ بعد من عندكما

стр. 2883

وقوله: "سرق رداءه" الضمير يعود على صفوان بن أمية، "فشفع فيه" الفاعل: صفوان، والضمير في "فيه" يعود على السارق، قال النبي ﷺ : "هلًا كان ذلك" أي: شفعك "قبل أن تأتيني به"، "هلا" أداة تحضيض، "ألا" أداة عرض، والعرض دون التحضيض، والتحضيض عرض بإلحاح، ويجوز أن تكون هنا - أعني: هلا بمعنى: لو أي: لو كان ذلك قبل أن تأتي به لقبلت، والقصة أن صفوان بن أمية كان نائمًا على ردائه إما في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أو في بطحاء من الأرض على اختلاف الروايات في ذلك، وربما يقول قائل: اختلاف الروايات على هذا الوجه يقتضي أن يكون الحديث مضطربا، واضطراب الحديث يقتضي ضعفه؛ لأنه يدل على أن الرواة لم يضبطوه، ولكن عند المحدثين قاعدة وهي: أنه إذا كان الاختلاف لا يتعلق بالحكم فإن ذلك لا يضر، لأنه لا يؤثر في أصل الحديث وحكم الحديث، ولذلك أمثلة منها اختلاف الرواة في ثمن القلادة في حديث فضالة بن عبيد، ومنها اختلاف الرواة في قدر ثمن جمل جابر، وهذا لا يؤثر لأنه لا يتعلق به حكم هذا أيضًا نفس الشيء؛ لأن المهم أن الرداء سرق من تحت رأسه وهو نائم سواء في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام أو في بطحاء من الأرض، فلما سرق الرداء رفع الأمر إلى رسول الله ﷺ وجيء بالسارق واعترف فأمر النبي بقطع يده، فشفع فيه صاحب الرداء وهو صفوان، لأنه ظن أن الأمر لا يصل إلى حد القطع، ولكن النبي ﷺ قال: "هلا كان ذلك قبلي أن تأتيني به" يعني: ولو كان لأفادت الشفاعة. يستفاد من هذا الحديث فوائد من أهمها: أن الحرز يختلف باختلاف الأموال فرداء النائم حرزه أن يضعه تحت رأسه؛ لأن هذا هو العادي، فالوسادة تحت الرأس تعتبر في حرز؛ لأن هذا هو الذي جرت به العادة، ولو أن الإنسان توسد حفيظة دراهم -يعني: بوك دراهم - هل يعتبر هذا حرزًا؟ لا؛ لأن الدراهم لا تحفظ في مثل هذا، اللهم إلَّا أن يكون هناك قوة سلطان، فإن قوة السلطان تجعل ما ليس حرزًا تجعله حرزًا، يعني: في بعض الأحيان يكون أمير البلد أو السلطان الأكبر يكون حازمًا قويًا شديدًا فيكون الحرز في عهده أقل مما لو كان غير ذلك. ومن فوائد الحديث: أن وضع الرداء ومثله المشلح تحت الرأس توسُّدًا له يعتبر حرزًا. ومن فوائد الحديث: جواز الشفاعة في الحد قبل أن يصل إلى السلطان، ومن هو السلطان هل هو المحقق أو الحاكم أو المنفذ في عهدنا الآن ثلاث جهات: جهات تحقق وهي الشرطة، وجهات تحكم وهو القاضي، وجهات تنفذ وهي الإمارة، فأيها يعتبر سلطانًا؟ الظاهر لي الأخير أن الأمير هو المنفذ. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ حاكم؟

стр. 2884

قلنا: نعم، هو حاكم وهو محقق وهو منفذ، الرسول ﷺ ليس في عهده من يحقق أولًا ثم ترفع للمحكمة فتحكم ثم تأتي إلى الإمارة فتنفذ ليس موجودا، وعلى هذا فقد اجتمعت الولايات الثلاث في حق النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: بيان أن الأردية في عهد الرسول ﷺ كانت غالية رفيعة الثمن حملًا لهذا الحديث على أن الرداء يبلغ النصاب، ومن قال: إن النصاب ليس بشرط أستدل بهذا الحديث قال: لأن الرداء في الغالب لا يساوي هذه القيمة في عهد الرسول ﷺ ، ولكن لدينا قاعدة معلومة للأكثر وهي حمل المتشابه على المحكم، فلدينا نصوص محكمة تدل على أنه لا قطع في أقل من ربع دينار فتحمل هله الأحاديث المشتبهة على هذا الحديث البيِّن الواضح. ١١٩٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جيء بسارقٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: "اقتلوه، فقالوا: إنَّما سرق يا رسول الله، قال: اقطعوه فقطع، ثمَّ جيء به الثَّانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثمَّ جيء به الرَّابعة كذلك، ثمَّ جيء به الخامسة فقال: اقتلوه". أخرجه أبو داود، والنِّسائيُّ، واستنكره. - وأخرج من حديث الحارث بن حاطبٍ تخوه، وذكر الشَّافعيُّ أنَّ القتل في الخامسة منسوخٌ. قوله: "استنكره" يعني: قال: إنه منكر، وهو جدير بأن يكون منكرًا؛ لأنه يبعد جدًّا أن الرسول ﷺ يأمر بقتله دون أن يتحقق موجب القتل هذا من أبعد ما يكون، ولهذا نعتبر هذا الحديث منكرًا لا يصح عن النبي ﷺ ، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الكلام عليه ولا إلى بيان فوائده لأن المبني على الباطل باطل. وقوله: "وأخرج من حديث الحارث ... إلخ"، نقول: لا نفرح حتى يثبت وإذا لم يثبت، فلا حاجة لدعوى النسخ. الشبهة أنواعها وشروط انتفائها: وبهذا انتهي الكلام على حد السرقة، وبقي هناك شروط ذكرها الفقهاء وهي انتفاء الشبهة، ولكن الشبهة على أنواع: شبهة قريبة، وشبهة بعيدة، وشبهة بين ذلك، فأما الشبهة القريبة فنعم ينبغي أن يرفع القطع عن السارق، ومن ذلك عام المجاعة؛ أي: إذا لحق الناس مجاعة عامة

стр. 2885

وسرق أحد من الناس سرقة لحفظ حياته فإن هذا لا يقطع، وقد رفع ذلك أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ في زمن المجاعة؛ لأن الشبهة هنا قوية وهي أن هذا السارق مضطر، والمضطر يجب على من علم بحاله أن ينقذه، فهو يقول: سواء علم بي صاحب المال أم لم يعلم لا بد أن يبذل لي من ماله ما تقوم به حياتي، أما إذا ادعى السارق أنه جائع وقال: لو لم أسرق لمت فهل يرتفع القطع عنه؟ لا؛ لأن هذا ليس مجاعة عامة، ولو أننا صدقنا مثل هذا لكان كل سارق يقول: إنه مضطر. السرقة من مال من تجب نفقته هل فيها شبهة: نعم، فيها شبهة، فهذا رجل فقير عنده أخ غني يجب عليه أن ينفق على هذا الفقير، فسرق منه الفقير فقال: أنا سرقت منه؛ لأنه لم ينفق علي النفقة، فهذه لا شك أنها شبهة، ولكن نقول لهذا السارق: بدلًا من أن تسرق خذ من ماله - إذا قدرت عليه - ما يكفيك؛ لأنه يجوز لمن تجب نفقته على شخص ولم ينفق عليه أن يأخذ من ماله بغير علمه بقدر النفقة، أفتى بذلك رسول الله ﷺ هند بنت عتبة حين جاءت تشكو زوجها أبا سفيان بأنه رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها فقال: "خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف". هل سرقة الزوج من مال زوجته يقطع؟ الفقهاء يقولون: هذه شبهة؛ لأن العادة جرت بأن الزوج يتبسط بمال زوجته وكذلك العكس، مع أن الزوجة إذا سرقت فلها شبهتان الشبهة الأولى: وجوب النفقة، والثانية: البسط بمال الزوج. فإذا قال الإنسان: يوجد امرأة لا تريد أن يأخذ زوجها منها ولا فلسًا ولا ترضى أن يتبسط بمالها فهل تقطعونه إذا سرق من مثل هذه الزوجة؟ نقول: النادر لا حكم له والعبرة بالأكثر، أكثر النساء قد يطيب لها أن يأخذ زوجها من مالها سرقة أو نهبًا وترى هذا من كمال المودة، وكذلك بالعكس هذا هو الغالب، وإذا وجدت حالات نادرة فالنادر لا حكم له، إذا ثبت القطع فمن الذي يقطع المسروق منه أم أولو الأمر؟ الثاني؛ لأنهم هم الذين توجه إليهم مثل هذه الخطابات إقامة الحدود وما أشبه ذلك، إذا كان عبدًا فهل يقطعه سيده أم ولي الأمر العام؟ الثاني، والسيد لا يقطعه، ولهذا لم يرخص الفقهاء للأسياد أن يقيموا الحدود على مماليكهم إلَّا في الجلد فقط وأما القطع فلا، ثم إن هناك محظورًا آخر نقول للسيد إذا قطع يد عبده السارق ربما نقول إنه يعتق عليه؛ لأن التمثيل بالعبد يوجب العتق، لكن يدفع هذا الإيراد بأن هذا ليس قصده التمثيل، وإنما قصده التأديب. وما معنى قولنا: إذا مثل بعبده عتق؟ يعني: لو قطع أنملة من أصابعه عتق، ولو قطع ظفرًا من أظفاره لم يعتق؛ لأن الظفر في حكم المفصل، ولو قطعه خطأ فظاهر التعليل أنه لا يعتق؛

стр. 2886

لأنه لم يقصد التمثيل، ولكن لو أن القاضي حكم بعتقه سدًّا للباب، لئلَّا يدَّعى كل سيد أنه قطعه خطأ، وعلى هذا يفرق بين ما علما يقينا أنه خطأ وما شككنا فيه. * * * ٤ - باب حدِّ الشَّارب وبيان المسكر "الشارب" يعني: للخمر، و"بيان المسكر"، ما هو؟ وليعلم أن الخمر ما خامر العقل؛ أي: غطى العقل حتى لا يكون عند الإنسان إحساس عقلي، وإن كان يشعر بالألم لو ضرب لكنه ليس له إحساس عقلي، لكن يضاف إلى ذلك أنه غطى العقل على سبيل اللذة والطرب ليخرج بذلك البنج وشبهه فإنه لا يكون مسكرًا، فلا بد أن يكون هناك لذة وطرب؛ لأن قوة اللذة والطرب هي التي تجعل هذا الإنسان يفقد عقله حتى يكون كالمجنون، وحكم شرب الخمر أنه من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ توعد عليه بأن من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ولعن النبي ﷺ شارب الخمر فهو من كبائر الذنوب، وهو مفتاح كل شر وأم الخبائث، وكم من شرور حصلت من أجل السكر، حتى في عهد الرسول ﷺ لما كان الخمر مباحًا حصل منه مفاسد كثيرة، ومن ذلك ما حصل لحمزة بن عبد الطلب أفضل أعمام الرسول ﷺ فقد كان شاربا ذات يوم وعنده جارية تغنيه، فمر ناضحان لعلي بن أبي طالب بعيران يسقى عليهما فغنته هذه الجارية وقالت: * ألَّا يا حمز للشُّرف النُّواء * فأخذ السيف وجب أسنمتهما وشق بطونهما وأكل من أكبادهما وهو سكران لا يدري ماذا صنع، فجاء علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ فأخبره، فقام النبي ﷺ إلى حمزة فرآه قد ثمل يعني: سكران فلما كلمه قال له حمزة: هل أنتم إلَّا عبيد أبي استحقارًا واستخفافًا فتراجع النبي ﷺ ، هذه الكلمة لو جاءت من عاقل لكانت كفرا لكنها من إنسان غير عاقل، ولهذا كان القول الراجح في السكران أن جميع أقواله غير معتبرة لا عقوده ولا فسوقه، كل شيء من أقواله غير معتبر فلو أن السكران: قال نسائي طوالق وعبيدي أحرار وعقاراتي أوقاف فإنه لا ينفذ شيء من ذلك؛ لأنه غير عاقل لا يدري ما يقول كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]. فالسُّكر يؤدي إلى مفاسد عظيمة وقرأت

стр. 2887

قديمًا في مجلة من غير هذه البلاد أن شابًّا دخل على أمه في الساعة الواحدة ليلًا وهو سكران فراودها عن نفسها وأبت عليه، فأخذ السكين وقال: إن لم تفعلي فسأنتحر فأدركتها الشفقة فمكنته من نفسها ثم انصرف وذهب إلى غرفة نومه، وفي الصباح أحس بشيء فأتى إلى أمه، وقال: ماذا فعلت البارحة؟ قالت: لم تفعل شيئًا، فأصر عليها فأخبرته، فأخذ دلوًا من البنزين أو الغاز وذهب إلى الحمام وصبها على نفسه، ثم أحرق نفسه فصار هذا فعل جنايات شرب الخمر والزنا بأمه وقتل النفس وأشياء كثيرة تذكر عن السكارى، ولهذا صارت تسمى أمّ الخبائث ومفتاح كل شر، تبين الآن أنها حرام، وماذا يجب على الإمام أن يعامل من شرب المسكر؟ بينه في الحديث الآتي: عقوبة شارب الخمر: ١١٩١ - عن أنسٍ بن مالكٍ ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمر استشار النَّاس، فقال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر". متَّفقٌ عليه. هذا رجل ولم يذكر اسمه ولا حاجة إلى تعيين اسمه؛ لأن المقصود هو الحكم، أما كون الفاعل فلانًا أو فلانًا هذا لا يهمنا، وقوله: "شرب الخمر" سبق معنى الخمر، "فجلده" يعني: أمر بجلده، ولهذا قام الصحابة يجلدونه، وقوله: "نحو أربعين"، كلمة "نحو" تدل على أنها ليست حدًّا مؤكدًا، إذ لو كانت حدًّا مؤكدًا القال: جلده أربعين، قال: "وفعله أبو بكر" يعني: أنه جلد في الخمر نحو أربعين. "فلما كان عمر استشار الناس" أي: طلب منهم المشورة، والمشورة: هي إبداء الرأي في الأمور المشكلة، وكان من عادة عمر ﵁ على ما عنده من الإلهام الذي قال عنه النبي ﷺ : "إن يكن فيكم تحدثون فعمر"، كان ﵁ لا يستقل برأيه يستشير الصحابة وله في ذلك مقامات كثيرة، استشار الصحابة؛ لأن الناس كثر فيهم شرب الخمر بواسطة ما أنعم الله عليهم به من الفتوح واختلاط الأنباط بهم، فكثر فيهم شرب الخمر، فاستشار الصحابة ماذا يصنع، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، ويعنى بذلك: حد القذف لقول الله تعالى: ﴿والَّذين يرمون المحصنات ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً﴾ [النور: ٤]. فأمر به عمر يعني أمر بحد القذف أن يجلد الشارب، فزادت العقوبة نحو الصعف أو أكثر، فنفذه عمر ﵁ بعد أن استشار الصحابة ﵃.

стр. 2888

في هذا الحديث فوائد: منها: أن وقوع مثل هذه المنكرات لا يستغرب؛ لأنه وقع في عهد الصحابة وفي زمن الرسول ﷺ السرقة وجدت الزنا وجد، شرب الخمر وجد في خير القرون وأفضل العهود في قرن الصحابة وفي عهد النبي ﷺ ، والإسلام طري النفوس مقبلة عليه شغوفة به متمسكة به، ومع ذلك يقع من أفراد الناس مثل هذا، فلا تستغرب إذا وقع في عصرك وأنت في القرن الخامس عشر مثل هذه الأشياء مع بعد الفرق بين ذاك الزمن وهذا الزمن، وبين أولئك الناس وهؤلاء الناس، وبين الكثرة والقلة، كان الصحابة في عهد الرسول ﷺ مائة وأربع وعشرون ألفًا، الآن كم عدد المسلمين؟ مليار، فإذا قدر أنه زنى منهم ألف الألف نسبته إلى المليار قليلة جدًّا فعلى هذا نقول: لا يلحقك همٌّ أو غم إذا رأيت شيئًا من المنكرات في عهدك، ولكن هذا لا يمنعك من أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر. ومن فوائد الحديث: يطلب إخفاء الفاعل إذا لم تلاع الحاجة إلى بياته وتعيينه من قوله: "شرب رجل" ولم يعينه. ومن فوائد الحديث: نسبة الشيء إلى الآمر به لقوله: "فجلده نحو أربعين". ومن فوائد هذا الحديث: أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد لقوله: "نحو أربعين"، ولأن عمر زادها والحد لا يمكن أن يزاد، ولهذا لو كثر الزنا في غير المحصنين فهل لنا أن نزيد على مائة جلدة؟ لا، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حدًّا ما زاد عمر عليها. الوجه الثالث: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، قالها بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، ولو كانت عقوبة شارب الخمر حلًا لكان أخف الحدود أربعين، وهذا القول هو الذي تبين لي من السُّنة أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، ولكن يمكن أن نقول: إنها حد أدنى، بمعني: ألَّا ننقص عن أربعين، أما الزيادة على أربعين إلى ثمانين أو عن ثمانين إلى مائة وعشرين فهذا لا بأس به، إذا كان الناس لا يرتدعون بدونه. ومن فوائد ألحديث: أنه في عهد أبي بكر ﵁ كان الناس قريبين من عهد النبوة والمعاصي فيهم قليلة وتوسع الفتوحات كان قليلًا؛ لأن عهد أبي بكر سنتين وخمسة أشهر تقريبًا. ومن فوائد الحديث: مشروعية الاستشارة حتى وإن كان الإنسان ذا عقل ومشورة. شاور سواك إذا نابتك نائبةٌ ... يومًا وإن كنت من أهل المشورات المرع قليل بنفسه كثير بإخوانه، وإذا كان عمر ﵁ هو من هو - يستشير الصحابة فمن دونه - من باب أولى، ولكن هل نستشير في كل شيء؛ بمعنى: إذا عرض للحاكم مسألة يجمع الناس

стр. 2889

إليها ليستشيرهم أو لا يستشير إلَّا فيما تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيه؟ الثاني هو المقصود أنك لا تستشير إلَّا في أمور تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها، وهل يستشير الإنسان في أموره الخاصة أو لا يستشير إلَّا في الأمور العامة؟ الأول، لأن النبي ﷺ استشار في شأن عائشة ﵂ في قصة الإفك، فالإنسان يستشير في أموره الخاصة ويستشير في الأمور العامة، ولكن يشترط في المستشار أن يكون أمينا وأن يكون ذا رأي، وهل يشترط أن يكون قريبًا؟ لا؛ لا بد أن يكون أمينًا لا تستشر إلَّا إنسانًا أمينًا يحب لك ما يحب لنفسه، الثاني: أن يكون ذا رأي، لأن من ليس له رأي لا تستفيد منه كثير من الناس إذا استشرته في شيء يقول: كله زين، ويقول العامة: إذا أردت أن تحيره فخيره، فلا بد أن يكون ذا رأي، هل يشترط أن يكون ذا دين، أو نقول: إن قولنا أمين يكفي؟ الثاني، إذا كان أمينا فالأمانة لا تكون إلَّا [ممن عنده] دين، وإذا استشرت فهل تستسلم لما يقول أو تناقشه؟ الثاني، تناقشه حتى يستبين الأمر؛ لأنه قد يشير عليك بما يرى انه مصلحة لكنه لا يدري ما وراء ذلك مما هو عندك أنت فلا حرج أن تناقشه، قد يغضب بعض الناس يقول: كيف تستشيرني ثم تجادلني ماذا تقول له؟ تقول: أنا ما جادلتك اعتراضًا لكن جادلتك لأجل أن يتبين الأمر حتى أعرف؛ لأن الإنسان قد يبدو له شيء وتغيب عنه موانعه، فإذا وجد من يعارضه تبين تمامًا. ومن فوائد الحديث: تواضع عمر ﵁، وبه نضع شجن في حلوق الذين يقولون: إن عمر رجل مستبد. بقي علينا بحث: هل الخمر نجس أو لا؟ أكثر العلماء على أن الخمر نجس نجاسة حسية وأنه كالبول والغائط في تنجيس الثياب والأراضي وغيرها، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسُ من عمل الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون﴾ واستدلوا بأنه حرام، ولا يحرم الله إلَّا الخبيث، والخبيث نجس، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية، واستدلوا لذلك بدليل إيجابي، ودليل سلبي، أما الدليل الإيجابي فقالوا: إن الخمر حين حرمت أراقها الناس في الأسواق ولم يؤمروا بغسل الأواني، وهذا يدل على أنها طاهرة إذ لو كانت نجسة لأمروا بغسل الأواني كما أمر الناس حين حرمت الحمر أن يغسلوا الأواني بعدها. ثانيًا: أن الصحابة أراقوا الخمر حين حرمت بأسواق المدينة، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق؛ لأنه لا يحل للإنسان أن يضع في أسواق المسلمين ما يكون نجسًا؛ ولهذا حرم البول والغائط في الطرقات. ثالثًا: أن رجلًا أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية من خمر، فقال النبي ﷺ : إنها حرمت،

стр. 2890

فتكلم أحد الصحابة مع الرجل سرًّا، فقال النبي ﷺ : بما ساررته؟ قال: قلت: بعها، فبيَّن الرسول ﷺ أن ثمنها حرام، ثم فتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر الذي فيها ولم يمنعه الرسول ﷺ من إراقته لما كان قريبًا من مجلسه، وقد يكون هذا في المسجد ثم لم يأمر أن يغسل الراوية، وهذا يدل على طهارة الخمر، أما الدليل السلبي فنقول: الأصل في الأشياء الطهارة، فمن ادعى نجاسة أي عين من الأعيان طولب بالدليل، وقد علمتم للقائلين بأنه نجس دليلًا من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿با أيُّها الَّذين ءامنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾ [المائدة: ٩٠]. والجواب عن الآية أن المراد بالرجسية هنا رجسية العمل؛ لأنه قال: ﴿رجسٌ من عمل الشيطان﴾، ولأن قوله: ﴿رجسٌ﴾، خبر عن أربعة أشياء: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والخبر حكم على المخبر عنه، وإذا كان بالإجماع أن ثلاثة من هذه الأربعة ليست نجسة نجاسة حسية لزم أن يكون الرابع مثلها لا فرق، وعلى هذا فيكون الدفع، أي: دفع من قال بالنجاسة واستدل بهذه الآية قالوا: وهو محرم؛ أي: الخمر، قلنا: وليكن محرمًا ولا شك في ذلك، لكن هل يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسًا؟ لا يلزم فها هو السُّم حرام وليس. بنجس، والدخان مثلًا حرام وليس بنجس، وبهذه الأدلة يتبين أن الخمر ليس بنجس، ويبنى على هذا ما أبتلي به الناس اليوم من أن بعد الأطياب تحمل كحولًا بنسبة كبيرة فهل يجوز أن يتطيب بها الإنسان، وهل إذا تطيب بها تكون ثيابه نجسة هذان سؤالان؟ أما الأول فنقول: الأولى ألَّا يتطيب بها؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك إذ إنّ هناك أطيابًا طيبة خالية من هذه المادة، والشيء الثاني: أنها من الأمور المشتبهة لقول الله تعالى: ﴿إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وع الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]. وهذا يكون فيما إذا شربه، أما إذا تطيب به أو ادَّهن به فلا يحصل ذلك بلا شك، وعلى هذا فيبقى التطيب من الأمور المشتبهة، والأمور المشتبهة القاعدة فيها أنها تبيحها الحاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الكحول لتعقيم جرح أو غير ذلك فهذا جائز ولا ريب فيه، حتى وإن كان فيها مادة كحول كثير لأنها حاجة، والتحريم فيه اشتباه، ولا يمكن أن نمنع ما كان فيه الاشتباه مع أن الأصل الحل، فإذا احتاج الإنسان إلى استعمال هذه الأشياء لتعقيم جرح أو ما أشبه ذلك فلا بأس. * * *

стр. 2891

١١٩٢ - ولمسلمٍ: عن عليٍّ ﵁ في قصَّة الوليد بن عقبة: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنّةٌه، وهذا أحبُّ إليَّ. وفي هذا الحديث: "أنَّ رجلًا شهد عليه أنَّه رآه يتقيَّأ الخمر، فقال عثمان: إنَّه لم يتقيَّأها حتَّى شربها". قوله: "هذا أحب إليَّ"، "هذا" المشار إليه الثمانون؛ لأن الإشارة والضمير يعودان إلى أقرب مذكور، وإنما كان أحب إلى علي ﵁ لما فيه من النكال والعقوبة، وفي الحديث - يعني: نفسه - الذي عند مسلم وقوله: "إنه لم يتقيأها حتى شربها" هذا معلوم. ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه يجوز الاقتصار على أربعين في شرب الخمر؛ لقول عليّ: "وكل سنَّة"، وتجاوز الزيادة على الأربعين؛ لأن علي يقول: "إنه سنة" الأول - أعني: الأربعين - سنة الرسول ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر، والثاني سنة عمر ﵁ وقول علي: "كل سنة" يعني: كل سنة يجوز العمل بها. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي التغليظ في العقوبة كلما تتابع الناس في المعصية لقول علي: "وهذا أحب إلي". ومن فوائد الحديث: جواز إقامة عقوبة شرب الخمر لمن تقيأ الخمر، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن من تقيا الخمر وجبت عقوبته كالمرأة إذا حملت يجب أن تحد ما لم تدعي شبهة، وهذا الذي تقيأ الخمر يجب أن يعاقب بعقوبة شرب الخمر ما لم يدَّع شبهة، وهذا القول هو الراجح وهو الصحيح، وهو قول عثمان ﵁، وعلله بتعليل معقول صحيح، وهو أنه لم يتقيأها حتى شربها؛ لأنه من أين دخلت ليس هناك طريق إلَّا الفم وهذا هو الشرب، وقال بعض العلماء: إنه لا يحد إذا تقياها لاحتمال أن يكون شربها جاهلًا أو مكرهًا أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا الاحتمال وارد حتى فيمن شربها يحتمل أنه مكره أو أنه جاهل يحسب أن هذا شراب عادي، نعم لو أن الذي تقيأها ادعى أنه لم يعلم ولما علم تقيأها لقلنا: إنه لا تجب عقوبته لأنه جاهل، فإذا لم يدَّع شبهة فإن الأصل كما قال عثمان ﵁: "أنه لم يتقيأها حتى شربها". ١١٩٣ - وعن معاوية ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الثَّالثة فاجلدوه، ثمَّ إذا شرب الرَّابعة فاضربوا عنقه". أخرجه أحمد وهذا لفظه، والأربعة.

стр. 2892

وذكر التِّرمذيُّ ما يدلُّ على أنَّه منسوخٌ، وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزُّهري. قوله: "اضربوا عنقه"، يعني: اقتلوه، ووجه ذلك: أن هذا الرجل الذي أقيم عليه الحد ثلاث مرات ولم تصلح حاله قد أيس من صلاح حاله، وإذا أيس من صلاح حاله فالأحسن أن يعدم حتى لا يزداد إثمًا ببقائه: "فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله". وهذا الحديث اختلف العلماء في العمل به فقال المؤلف ﵀: "ذكر الترمذي ما يدل على أنه منسوخ وأخرج ذلك أبو داود صريحًا عن الزهري، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، أن هذا الحديث منسوخ، وأن شرب الخمر لا يبيح القتل لا في الرابعة، ولا في الخامسة ولا في العاشرة، وأنه إنما يجلد جلدًا، وذهبت الظاهرية إلى أن الحديث محكم غير منسوخ، وقالوا: إنه لا بد أن يقتل إذا تكرر منه أربع مرات، وفي كل مرة تقام عليه العقوبة، وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إذا لم ينته الناس بدون قتله قتل، وإذا أمكن أن ينتهوا لم يقتل، وعلامة ذلك: أن نرى الناس يشربون الخمر ويجلدون ولكن يرجعون إلى الشراب وهذا يعني: أنه لا ينفع فيهم إلَّا القتل، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الصحيح؛ أولًا: أنه يمكن حمل الحديث عليه بأن يقيد حديث اقتلوه في الرابعة بما إذا أيس من صلاحه ولم يندفع إلَّا بالقتل. ثانيًا: أنه إذا أستمر علين شرب الخمر مع كونه يعاقب ويجلد ثلاث مرات صار من المفسدين في الأرض الذين يحاربون الله ورسوله، وهؤلاء يقتلون أو يصلبون أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، إما على حسب نظر الإمام، وإما على حسب الجريمة كما سيأتي - إن شاء الله -، وعلى هذا فالقول الراجح أن الناس إذا لم ينتهوا بدون القتل فإنه يقتل من شرب في الرابعة وهو يعاقب في كل مرة. تجنب الضرب على الوجه: ١١٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ضرب أحدكم فليتَّق الوجه". متَّفقٌ عليه. "إذا ضرب أحدكم"، وهذا عام في ضرب التأديب الذي يقع من الأب على ابنه، ومن المعلم على تلميذه وفى غيره، فإنه إذا ضرب الإنسان أحدًا فليتق الوجه، لماذا؟ لأن الوجه

стр. 2893

مجمع المحاسن، والضرب على الوجه ربما يؤدي إلى جرحه أو ميله أو غير ذلك، والضرب على الوجه أشد إذلالًا للمضروب من الضرب على الصدر أو على الرأس أو على الظهر، فصارت العلل ثلاثًا. في هذا الحديث: دليل على وجوب اتقاء الوجه عند الضرب في أي حالٍ من الأحوال، وبه نعرف خطأ كثير من الناس الذين يربون أولادهم تجده يضربه على الوجه ولا يبالي، لكن لعل هذا يكون جهلًا منهم، وإلا فمن علم بالنهي فلا أظنه يرتكبه إلا أن يشاء الله. ١١٩٥ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد". رواه التِّرمذيُّ والحاكم. "الحدود" نائب فاعل، و"تقام" مبني لما لم يسم فاعله، والحدود جمع حد، والمراد بها العقوبات المقدرة شرعًا في المعصية لتمنع من غيرها، والمساجد جمع مسجد، وهو المبني ليصلى فيه، وإنما نهي عن ذلك؛ لأن المحدود قد يحصل منه حدث من شدة الضرب، وقد يحدث منه صراخ، وقد يحدث منه سب أو شتم، وهذا كله غير لائق بالمساجد، فلهذا نهى النبي ﷺ عن إقامة الحدود في المساجد. الخمر بين الطهارة والنجاسة: ١١٩٦ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "لقد أنزل الله تحريم الخمر، وما بالمدينة شرابٌ يشرب إلَّا من تمرٍ". أخرجه مسلمٌ. قوله: "لقد أنزل الله" هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم المقدر؛ لأن "لقد" جواب لهذا القسم، الثاني: لام القسم، الثالث: "قد"، وقوله: "أنزل الله تحريم الخمر" صريح في أن قوله: ﴿فاجتنبوه﴾ للوجوب؛ أي لوجوب الاجتناب، ووجوب الاجتناب يقتضي تحريم الفعل وقوله: "وما بالمدينة" الباء هنا بمعنى "في"، وإتيان "الباء" بمعنى "في" كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿وإنَّكم لتمرُّون عليهم مُّصبحين * وباللَّيل أفلا تعقلون﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]. وقوله: "شراب يشرب إلا من تمر" وهو معروف، وذلك أن التمر يوضع في الماء، فإذا مر عليه مدة صار هذا الماء الذي وضع فيه التمر خمرًا إذا شربه الإنسان سكر، وإنما ذكر ذلك ليبين ﵁ أن ما ساوى التمر في الإسكار فهو مثله.

стр. 2894

في هذا الحديث فوائد: أولًا: أن القرآن كلام الله، لقوله: "أنزل الله" ونحن لا نشاهد إلا ما كان في القرآن الكريم. ومنا: إثبات علو الله؛ لأن النزول يكون من العلو. ومنها: أن الخمر كان مباحًا أول الأمر لقوله: "لقد أنزل الله تحريم الخمر" فدل هذا على أن التحريم طارئ، والأصل عدمه وهو الحل، وينبني على ذلك أنه متى ادعى إنسان تحريم شيء من المأكولات أو المشروبات أو الملبوسات قلنا له: عليك بالدليل؛ لأن الأصل هو الحل. ومنها: أن التحليل والتحريم إلى الله لقوله: "لقد أنزل الله تحريم الخمر". ومنها: أن الطيب قد يكون خبيثًا، والخبيث قد يكون طيبًا، الخبيث يكون طيبًا، الخمر إذا تخللت وصارت خلاًّ صارت طيبة، والخل إذا تخمر صار خبيثّا، وأعجب من ذلك أن الشيء قبل التحريم طيب، وبعد التحريم خبيث، هو عين واحدة، فالخمر قبل أن تحرم طيبة تدخل فى قوله" ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢]. وبعد التحريم صارت خبيثة؛ لأن الله قال: ﴿ويحرم عليهم الخبيث﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وبهذ نعرف أن الأوصاف الشرعية قد لا تكون ظاهرة للناس، ولكننا نعرفها بالحكم الذي رتب عليها، فنحن نعرف أن الخمر خبيث، لأنه حرم، ونعرف أنه قبل التحريم طيب، كذلك الخمر قبل أن تحرم هي طيبة وبعد التحريم صارت خبيثة مع أنها عين واحدة. ١١٩٧ - وعن عمر رضى الله عنه قال: "نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل". متفق عليه. يعني: أنها تصنع من هذه الأشياء فى عهد الصحابة ﵁، ثم قال كلمة جامعة: "والخمر ما خامر العقلط" معنى "خامر العقل" يعني: غطاه حتى زال على وجه السكر واللذة. كل مسكر خمر: ١١٩٨ - وعن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". أخرجه مسلم. وهذه من جوامع كلمه ﷺ ، لأنها كلمة جامعة تشمل كل شيء، وعلى هذا فلا يختص الخمر بالأشربة التى كانت عند نزوله؛ لأن لدينا حدًا لا عدًا، ما هو الحد؟ الإسكار، فكل شيء مسكر من أي نوع كان فإنه خمر يترتب على متناوله ما يترتب على من شرب الخمر، لو كان

стр. 2895

بالشم وليس بالشرب هل يسكر؟ إن نظرنا إلى عموم قوله: "الخمر ما خامر العقل" قلنا: إنه يسكر وحكمه حكم الخمر الذي يؤكل ويشرب؛ لأنه الآن يستعملون أشياء بالرائحة إذا شمها سكر وصار يهذي كالمجنون. من فوائد الحديث: ومنطوقه وهو: "أن كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"، مفهومه: أن ما لا يسكر حلال وهذا هو المفهوم. ١١٩٩ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما اسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان. قوله: "ما أسكر كثيره" يعني: ولو لم يسكر قليله حرام، قوله: "ما أسكر" يحتمل أن تكون "ما" موصولة، ويحتمل أن تكون شرطية، والأقرب أن تكون شرطية لدخول الفاء فى الجواب؛ لأنه قال: فقليله حرام. فيستفاد من هذا الحديث: أولًا: سد الزرائع. ومن فوائد الحديث: أنه إذا لم يسكر لا القليل ولا الكثير فإنه ليس بحرام، ولكن ليعلم أن بعض الناس فهم من هذا الحديث أن الذي فيه جزء من مسكر يدخل فى الحديث، وأنه لو كان فيه جزء من ألف جزء من المسكر فهو حرام لقوله: "ما أسكر كثيره"، ولكن هذا خطأ، بل معنى الحديث: أن الشيء إذا سكر مع كثرة الشراب لا مع قتله صار القليل حرامًا؛ يعني مثلًا: يوجد شراب إن شربت من عشرة أكواب حدث السكر وإن شربت خمسة لم يسكر ماذا نقول؟ هو حرام، يوجد شراب فيه مادة من الكحول تساوي واحدًا في المائة من مكوناته فماذا نقول؟ هذا حلال وليس بخمر؛ لأنه إذا اختلط الخمر بغيره نظرنا إن كانت النسبة كبيرة بحيث يؤثر هذا الخمر الذي يسمى الآن الكحول على الطاهر صار حرامًا، وإن كانت النسبة قليلة خمسة في المائة أو ثلاثة في المائة فإنه ليس بحرام، وإذا شككنا فالأصل الحل، هل لنا أن نجرب فيما شككنا فيه؟ نعم لنا أن نجرب؛ لأنه لم يثبت التحريم بعد، والتجربة لأجل دفع الوهم، فإذا جربنا هذا الشراب الذي شككنا فيه فلا بأس به.

стр. 2896

حكم مزج الزبيب بالماء أو اللبن: ١٢٠٠ - وعن ابن عباس ﵁ قالك "كان رسول الله ﷺ ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه، والغد، وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه". أخرجه مسلم. قوله: "كان الله ينبذ له" اشتهر عند كثير من العلماء أن "كان" تدل على الدوام، ولكن هذا ليس بصحيح ولكنها تدل على الاتصاف بما يقتضيه الخبر ولا يلزم من ذلك الاستمرار، ويدل لهذا أنكم تسمعون ما يمر عليكم من الأحاديث أن النبي ﷺ كان يقرأ فى يوم الجمعة بسبح والغاشية، وفى حديث آخر كان يقرأ الجمعة والمنافقون، ولو قلنا: إن كان تفيد الدوام دائمًا لكان بين الأحاديث تعارض وليس الأمر كذلك، فـ"كان" لا تدل على الدوام دائمًا، أما هنا "كان ينبذ له الزبيب" فهذا أيضاً يدل على أنه ليس كل يوم ينبذ له. وقوله: "ينبذ له الزبيب فى السقاء"، الزبيب هو العنب المجفف وهو عنب خاص، بمعنى: أنه ليس كل عنب يجفف يكون زبيبًا، "في السقاء"، السقاء معروف هو جلد الشاه أو المعز الدبوغ يوضع فيه الماء أو اللبن أو النبيذ فيشرب يوماً وإنما كان الرسول ﷺ ينبذ له الزبيب؛ لأن الزبيب يكسب الماء حلاوة ويمتص ما في الماء من مكروبات، هو التمر، ففيه فائدتان: الأولى فى الماء والثانية في طعم الماء. "فيشربه يومه والغد وبعد الغد" هذه ثلاثة أيام، "فإذا كان مساء ... ألخ" يعني: لا يبقيه بعد الثالثة؛ وذلك لأنه لو بقي بعد الثالثة لصار خمرًا وقد يصير خمرًا وانت لا تشعر، ولاسيما في البلاد الحارة كالحجاز فإنه يسرع إليه التخمر، فلذلك كان ﷺ يهريقه إذا تمت له ثلاثة أيام خوفًا من أن يكون خمرًا وهو لا يشعر به، أما فى وقتنا الحاضر والثلاجات موجودة الآن فيمكن أن يبقى النبيذ لمدة طويلة ونأمن أمنا تامًّا من انتقاله إلى الخمر؛ لأنه يبقى بارداً ولا يتخمر، فالتقييد بثلاثة أيام إنما يكون حين يتحمل أن يكون خمرًا، أما إذا أمنا ذلك كما هو المعروف الآن فلا بأس، ولهذا قال العلماء: لو خلل الخل قبل أن يختمر لكان ذلك حلالًا بأن يوضع عليه أشياء قبل أن يتخمر ولا يتخمر بعدها ولو طالت المدة، وعلامة التخمر: أنك ترى الشراب يحصل فيه فقاعات مع أنه لا يوجد نار، ولكن ليس منه ما يوجد الآن في بعض العلب، يوجد الآن علب إذا فتحتها تطيش عليك هذا ليس خمرًا، لكن هذا النبيذ إذا بقي مدة مع الحر يربو وتراه كالأسفنج، هذا خمر، والعجيب أن هذا يوجد فى كثير من الأحيان

стр. 2897

[في بعض الأشياء] تجد أنها زبيبن وهذا يعني: أنها خمر فلا يجوز إمساكها، وقوله: "فإن فضل شيء أهراقه" لئلا يشرب. فتأخذ من هذا الحديث فوائد: أولًا: جواز اتخاذ الإنسان ما يتلذ به من طعام وشراب لفعل الرسول "كان ينبذ له" وهذا لا شك أنه تلذذ بالطعام والشراب، وهل هذا الأمر محمود أو أمر جائز أو أمر خلاف الأولى؟ الأول أنه أمر محمود إذا أنعم الله عليكم فأنعموا على أنفسكم، فما دام الله قد أحله ولا يعد إسرافًا، فلماذا لا نتبسط بنعمة الله؟ ولهذا قال شيخ الإسلام: من امتنع عن الطيبات بلا عذر شرعي فإنه شيء مذموم، أما لو امتنع لعذر شرعي فهذا شيء آخر، أما بدون عذر شرعي فإن الامتناع عما أحل الله لك من الأمور المذمومة، احمد الله حيث أنعم عليك فانعم على نفسك، وهذا سيد الزهاد وأهل الورع محمد ﷺ كان يتخذ النبيذ. ومن فوائد الحديث: أنه لا يشرب النبيذ بعد ثلاثة أيام، وهذا كان احتمال أن يكون خمرًا وإلا فلا بأس. ومن فوائد الحديث: مشروعية إراقة الخمر؛ لأن النببي ﷺ كان يهراق النيذ بعد ثلاثة أيام، ولأن إمساكها لافائدة منه لأنها الآن حرام، فهل نقول: إن كانت لا تستعمل إلا للسكر وجبت إراقتها: وإن كانت تستعمل لغير السكر فهذا محل نظر؛ لأنك إن نظرت إلى قوله تعالى: ﴿فاجتنبوه﴾ قلت: هذا يدل على وجوب اجتناب كل ما يمكن أن يكون مسكرًا، وإن نظرنا إلى التعليل ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]. قلنا: هذا فيمن اتخذه من أجل الشرب؛ لأن هذ هو الذي يكون فيه العداوة والبغضاء، ولذلك أنا لا أحرمه- يعني: هذا الكحول- ولا أستعمله إلا عند الحاجة كتعقيم جرح أو شبهه، وقد سبق لنا البحث هل الخمر نجس أو ليس بنجس، وبيَّنا أن الصحيح أنه ليس بنجس وأنه لا دليل على نجاسته. حكم التداوي بالمحرم: ١٢٠١ - وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يجعل شفعاءكم فيما حرم عليكم". أخرجه البيهقيُّ، وصححه ابن حبان. "الجعل" ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل قدري، والجعل هنا فى هذا الحديث جعل قدري، والجعل فى قوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سآبٍه ولا وصيله ولاحام﴾

стр. 2898

[المائدة: ١٠٣]. هذا جعل شرعي. ﴿وجعلنا اليل لباسا (١٠) وجعلنا النهار معاشًا﴾ [النبا: ٩ - ١١]. جعل كوني ألا يقول قائل إن ﴿وجعلنا اليل لباسا﴾ إنه شرعيظ له وجه لكنه بعيد في الواقع الجعل هنا "لم يجعل شفاءكم" جعلًا قدريًا، وكذلك أيضًا شرعيًّا لأنه حرم، وقوله: "شفاءكم" الشفاء والإشفاء بينهما فرق عظيم: الشفاء البرء من الأسقام، والإشفاء الهلاك، ولهذا تقول: شفاك الله ولا أشفاك لأن شفى الثلاثي بمعنى: أبرأ من المرض، وأشفى: أهلك، ﴿وكنتم على شفا حفرٍة من النار فأنقذكم منها﴾ [ال عمران: ١٠٣]. وأظن أنك لو قلت للعامي: شفاك الله ولا أشفاك لعلك تختنق معه؛ لأنه يقول: دعوت لي بالشفاء ثم تراجعت، لكننا نقول: إننا دعونا بقولنا: لا أشفاك الله. وقوله: "فيما حرم عليكم" التحريم بمعنى: المنع ومنه: الحرم لمنع القتال فيه، ومنه حريم البئر، لمنع التملك حولهن إذن المحرم ليس فيه شفاء، وتعليل ذلك ظاهر؛ لأنه لو كان فيه شفاء لكان فيه مصلحة، والله لا يمنع عباده عما فيه مصلحة، كل ما حرم على عباده فهو مضرة ولايمكن أن يحرِّم عليهم ما فيه مصلحتهم إطلاقا. في هذا الحديث فوائد: أولًا: منع التداوي بالمحرمن وجهه: أنه قال: "لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" فإذا انتهك الإنسان المجرم بدون أن يكون له شفاء صار هذا ممنوعًا؛ يعني: لا مصلحة منه. ومن فوائد الحديث: أن المباح قد يكون فيه الشفاء؛ لأنه إذا انتفى الشفاء عن المحرم فمفهومه إمكان ذلك فى الحلال وهو كذلك وهناك أشياء جاء الشرع بكونها شفاء وأشياء علمت بالتجارب، فمما جاء به الشرع العسل، قال الله تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩]. ومنه الحبة السوداء، وتعرف عندنا فى القصيم بالسميرة، وعند المصريين حبة البركة والكمون الأسود ويوجد ناس يسمونه الشونيز المهم أنها معروفة وكذلك الحجامة فيها شفاء، وكذلك فيه شفاء، وهناك عملت بالتجارب-تجارب الناس فيها-فوجد فيها الشفاء. فإن قال قائل: إذا اضطر الإنسان بالتداوي بالمحرم فهل يجوز؟ لا ولو اضطر، بل نقول: لا تمكن الضرورة للتداوي إلا بأشياء معلومة كما لو كان التداوي بقطع عضو من الأعضاء، وهذا ربما يعلم بالضرورة، لكن على سبيل العلاج والتداوي لا تمكن الضرورة لابد فيها من أمرين: الأمر الأول: الإلتجاء إلى هذا العمل، والثاني: ارتفاع الضرورة به، والدواء هل الإنسان ملجا إليه؟ إلى هذا الدواء بعينه؟ لاقد يتداوى بغيره وقد يشفى بلا تداو، وكم من أناس شفاهم الله بلا تداٍو.

стр. 2899

الثاني: هل إذا تداوى الإنسان بما يعتقد أنه شفاء هل يرتفع المرض؟ لا، إذن ارتكاب المحرم مفسدة محققة وحصول الشفاء غير محقق، فها يليق أن نرتكب الشيء المحرمالمحقق بأمر غير محقق؟ لا. فإن قال إنسان: يرد عليكم أن الله أحل الميته للجائع المضطر إليه. قلنا لا يرد علينا، أولًا: لأن اندفاع ضرورة الجائع لا تكون إلا بالأكل فهو مضطر، وثانيًا: أنه إذا أكل ارتفعت الضرورة واستفاد من الأكل فلا يرد علينا، اشتهر عند العامة عندنا أن لبن الحمارة يشفي من السعال-الحكة- حتى وضعوا قاعدة وهي تقول: دواء الشهاجة - نوع من السعال شديد- لبن النهاجة وهي الأنثى من الحمير، وهذه قاعدة من أبطل القواعد، ولا يمكن أن يكون الشيء الحرام فيه شفاء، فإن قيل: قد وقع ذلك وارتفع المرض يعني: مجرب، نقول: إن المرض ارتفع عنده لا به امتحانًا من الله وفرق بين ما يقع عند الشيء أو يقع بالشيء؛ لأن ما وقع بالشيء فالشيء سبب له، وما وقع عنده فهو وقع فقط، ولكن لنعلم أنه لا يمكن أن يكون لبن الحمير سببًا للشفاء إطلاقًا. يقولون: إن هناك أمراضًا جلدية ينفع فيها دم بعض الحيوانات أو شحم بعض السباع فهل يجوز التداوي بها؟ نعم، يجوز لكن إن كانت نجسه فالواجب عندى الصلاة أن يتطهر منها، وقد ذكر ذلك أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي فى أول كتاب الجنائز؛ أى: أنه يجوز التداوي بشحم الخنزير ادهاناً لا أكلا؛ لأن هذا يصل إلى الجوف وربما ينفع. وهذا لو قال قائل: يرد عليكم أن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. قلنا: إن الله لم يحرم علينا أن ندهن أجسامنا بشيء نجس ثم نغسله للمصلحة. حكم التداوي بالخمر: ١٢٠٢ - وعن وائل الحضرمي، إن طارق بن سويٍد ﵁ سأل النبي ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء؟ فقال: "إنها ليست بدواٍء، ولكنها داء". أخرجه مسلم، وأبو داود وغيرهما. سأله عن الخمر يصنعها للدواء كالصيادلة فقال النبي ﷺ : "إنها ليست بدواء ولكنها داء" لأنها محرمة، والمحرم داء إن الله لم يحرمه إلا لمضرته، ثم لو فرض أنه لم يحصل فيه مضرة بدنية ففيه مضرة شرعية دينية فهي داء، وهذا أبلغ مما لو قال: إن ذلك حرام لماذا كان أبلغ؟

стр. 2900

لأن وصفها بهذا الوصف يقتضي النفور منها لا عدم استعمالها للدواء، وهذا الحديث يكون مؤيداً للحديث الذي قبله لكن الذي قبله أعم. فإن قال قائل: يوجد بعض السموم يتداوى بها الناس، قلنا: إذا كانت في ظاهر الجلد فلا بأس؛ لأنه قد جرب هذا، وإن كان الإنسان يأكلها فينظر إذا كان في هذا الدواء جزء كبير من السُّم بحيث يقتل الإنسان صار استعماله حرامًا، وأما إذا كان فيها شيء يسير يقتل فيروس المرض، ولكنه لا يقتل الإنسان فهذا لا بأس به، ولهذا يقال الآن: إن الأدوية-الأقراص- فيها شيء من الكحول لكنه لا يؤثر من حيث الإسكار، نقول: إن هذا لابأس به؛ لأنه منغمر في جانب الشيء المباح. إذا قال قائل: ما مناسبة هذين الحديثين لباب حد المسكر أفلا يقال: إن الأولى أن تجعل فى كتاب الجنائز؟ ما يعرض للإنسان من الشبهة في استعمال الخمر للدواء. من فوائد الحديث: حرص الصحابة - ضي الله عنهم - على أن يتعلموا أمور دينهم قبل أن يقعوا فيا خلافًا لما عليه الناس اليوم؛ حيث يفعلون الشيء ثم بعد ذلك يسألون عنه إلا من شاء الله. ومن فوائد الحديث: أن الخمر لايمكن أن تكون دواًء؛ لأن النبي ﷺ نفى ذلك حيث قال: "إنها ليست بدواء". ومن فوائده ايضا: أن الخمر داء معنوي لأنها محرمة تمرض القلب وداء حسي لأنه يحصل من المضار بشربها أكثر مما يحصل من المنافع.

стр. 2901

٥ - باب التعزيز وحكم الصَّائل "التعزيز" يطلق على عدة معان، منها: النصرة كما فى قوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه﴾ [الفتح: ٩].أى تعزروا الرسول ﷺ وذلك بنصره، ومنها: التأديب كما هنا، والتأديب في الواقع فيه نصرة لقول النبي الرسول ﷺ : "أنصر أخاك ظالماً أو مظلومًا) قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم فكيف نصر الظالم؟ قال: " أن تمنعه من الظلم"، والتعزير يمنع الإنسان من ظلم، فهذا وجه الارتباط بين كون التعزيز تأديبًا وكونه أيضًا نصرًا، وقولنا: إن التعزيز هو التأديب هل يتحدد بشيء معين؟ الجواب: لا، التعزيز لا يتحدد بشيء معين قد يكون بالمضرب، وقد يكون بأخذ المال، وقد يكون بالتخجيل أمام الناس، المهم أنه تأديب، فكل ما يحصل به التأديب فإنه تعزير، ولهذا نرى أن بعض الناس تجلده مائة جلدة ولا تأخذ منه درهمًا، وبعض الناس بالعكس خذ منه دراهم كثيرة ولا تجلده، ونرى بعض الناس أيضًا خجلة ما شئت ولا تأخذ منه درهمًا، وبعض الناس بالعكس خذ منه الدراهم ولا تخجله، فلكل مقام مقال فما يحصل به التأديب فهو مشروع أيًا كان ولهذا كان القول الصحيح أنه يجوز التعزير بالمال، ومنه: إحراق النبي ﷺ رحل الغال من الغنيمة فإنه تعزير بالمال، لأنه يحرق رحله، ومنه إحراق أمير المؤمنين عمر دكان الخمار الذي كان يبيع الخمر، ومنه التعزير في غير المال وهو التعزير بحلق الرأس كما فعل عمر نصر بن الحجاج، كان فى المدينة شاباً وسيماً صارت النساء تتغزل به، فحلق عمر ﵁ رأسه، فلما حلق رأسه ازدادت فتنة النساء به، فنفاه عن المدينة، فالمهم: أن التعزير يكون بما يحصل به التأديب. وهل يجوز أن يعزر الإنسان بحلق اللحية؟ . لا، لأنه لايجوز أن يعزر بشيء محرم بعينه، وقد كان بعض الولاة الظلمة فيما سبق يعزرون بحلق اللحى، وصار بعض الناس اليوم يحلقون ويؤجرون على حلق لحاهم انقلبت الأوضاع. هل يجوز التعزير بتسويد الوجه؟ يجوز لكن بشرط ألا يكون دائمًا لأن هذا ضرره عظيم. هل يجوز التعزير بأن نركبه حمارًا ووجهه إلى ذيل الحمار؟ نعم يجوز؛ لأن هذا يحصل به التخجل، رجل من الشرفاء نركبه حمارًا وهو يركب كاديلاك فهذا تعزير جدُّا، ثم مع ذلك نجعل وجهه إلى عجز الحمار هذا ايضًا تعزير آخر، فإذا عرفت القاعدة قلت: إن التعزير هو التأديب ويختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأشخاص.

стр. 2902

أما حكم الصائل: وهو اسم فاعل من صال يصول وهو المعتدي المندفع الذي يريد نفسك أو مالك أو اهلك أو ما أشبه ذلك. التعزيز بين الوجوب والاجتهاد: وهنا بحث: هل التعزيز واجب يجب على الإمام أن ينفذه إذا وجد سببه، أو راجع إلى إجتهاد الإمام؟ قال بعض العلماء: إنه واجب وهذا هو المذهب، وقال آخرون: إنه ليس بواجب بل يرجع فيه إلى رأي الإمام، والصواب أنه واجب، اللهم إلا إذا رأى الإمام مصلحة تربو على المفسدة فهذه ربما يقال له أن يسقطه من أجل هذا، ثم فيم يجب؟ قال العلماء: يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، وعلى هذا فالزنا لا تعزير فيه؛ لأن فيه حدًّا، وكذلك السرقة لا تعزير فيها؛ لأن فيها حدًّا، فيكتفى بالحد عن التعزيز ولاكفارة الوطء في نهار رمضان لا تعزيز لأن فيها كفارة. اختلاف قدر التعزيز وضوابطه: ثم البحث الثاني: هل يتحدد التعزير بعدد معين من الجلدات بحيث لا يزيد عليها؟ في هذا خلاف تذكره على هذا الحديث. ١٢٠٣ - عن أبي بردة الأنصاري رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لايجلد فوق عشرة أسواٍط إلا في حدود الله". متفق عليه. "ويجلد بالرفع على أنها جملة خبرية؛ لأنها بالرفع تكون "لا" نافية، والفعل المضارع مرفوع، ولكن هي خبرية لفظًا طلبيه معنى، فهو نفي بمعنى: النهي، وقوله: "عشرة أسواط"، والسوط معروف، هو عبارة عن جلد أو نحوه يفتل ثم يضرب به، وقد يطلق على مجرد العصا ونحوها، "إلا في حد من حدود الله" اختلف العلماء ما المراد بالحد، هل المراد بالحد: العقوبة المقدرة شرعًا كمائة جلدة في الزنا وثمانين جلدة في القذف، أو المراد بالحد: الحكم سواء كان واجباً أو محرماً، فيعزر لترك الواجب ويعزر بفعل المحرم؟ فى هذا قولان للعلماء؛ والصحيح: الثاني أن المراد بالحد هنا: حكم الله وقد سمى الله تعالى أحكامه حدوداً فقال تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولايخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله﴾ [الطلاق: ١]. وقال تعالى في ختام آيات المواريث قال: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم﴾ [النساء: ١٣].

стр. 2903

والآيات في هذا متعددة فعليه يكون المراد بالحد هنا: الحكم إن كان واجباً فليجلد حتى يقوم بالواجب، وإن كان محرمًا فليجلد حتى يكف عن المحرم. فإذا قال قائل: على القول بان المراد بالحد الحكم الشرعي فما المراد بقوله: " لايجلد إلا فى حد؟ ". قلنا: لا يجلد هذا منصبِّ على ما إذا جلد الإنسان ولده من أجل إجلاله بالمروءة مثل أن يقول لوالده: يابني، إني قد دعوت فلانًا وفلانًا انتظرهم بعد صلاة العشاء، فأهمل الابن ذلك، فللأب أن يجلده إلى عشر جلدات ولايزيد، هذا على القول بان المراد بالحدود: الحكم الشرعي وهو الصحيح. يستفاد من هذا الحديث: أولًا: تحريم الزيادة على عشر جلدات فيما يؤدب به الإنسان ولده، واما إذا كان فى حكم شرعي فيجلد أكثر من ذلك، وهل يمكن أن نقول: إننا لو وجدنا رجلًا قد خلا بامرأة وباشرها وقبلها وراجعها عدة ليال. نقول: نعزره بعشر جلدات فأقل هذا لا يمكن أن صلح الناس، وعلى القول بأن المراد بالحد هنا العقوبة المقدرة يقولون: إنه إذا وقع مثل هذه القضية فإننا نجلد المرأة والرجل عشر جلدات فأقل، ومعلوم أن هذا لا يصلح الخلق، أما على القول الصحيح فإن لنا أن نجلده أكثر: عشرين، ثلاثين إلى تسع وتسعين، ولا نصل إلى المائة؛ لأن الزنا أعظم من هذا الفعل ومع ذلك عقوبته مائة جلدة؛ ولهذا لا يبلغ بالتعزير الحد إذا كانت المعصية من جنس الذي فيه الحد: تقبيل المرأة، الخلوة، مباشرتها، السفر بها، لكن بدون زنا لا يبلغ به مائة جلدة، رجل مثلًا اعتدى على الناس صار يضرب هذا وينهب مال هذا ويشتم هذا هل يمكن أن نعزره بمائة جلدة أو أكثر؟ لا؛ لأن هذا ليس من جنس الزنا الذي فيه الحد. ومن فوائد الحديث: الرفق بالأهل والأولاد بحيث لا نجلدهم أكثر من عشر جلدات فيما يتعلق بالتأديب والمروءة. فإن قال قائل: هذا حد في العدد فهل هناك حد فى الكيفية أو فى السوط؟ نقول نعم لابد أن يكون الضرب غير مبرح لقول النبي ﷺ في حجة الوداع وهو يخطب: "ولكم عليهن- أى: الزوجات- ألاَّ يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح"، ويشترط أيضًا ألا يكون في الوجه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ضرب الوجه، أما بالسوط فيجب أن يكون سوطًا ليس جديدًا فيؤثر ولاخلقًا فلا ينفع لابد أن يكون وسطًا.

стр. 2904

إقالة العثرات وضوابطها: ١٢٠٤ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاَّ الحدود". رواه أبو داود، والنسائي والبيهقي. "أقيلوا" يعني اعفوا واسمحوا، ومنه إقالة البيع أن الرجلين إذا تعاقدا عقد بيع ثم طلب أحدهما الفسخ فوافقه الآخر تسمى هذه إقالة، فالمراد بالإقالة هنا العفو والسماح، وقوله: "ذوي الهيئات" ليس المراد بذوي الهيئات: هيئة المنظر، ولكن المراد بذوي الهيئات أي: ذوي الشرف والسؤدد من الناس؛ لأن الناس يختلفون، ذوي الشرف والسؤدد قد يؤثر فيهم هذا الشيء تأثيراً بالغا، والآخرون لا يهتمون به، إذن المراد بالهيئات: الشرف والسؤدد، وليس المراد: هيئة الإنسان بان يكون له هندام يصلحه ويعمل عليه ويرجل الشعر ويدهن دائمًا ويلبس فى الصباح ثوبًا، وفي المساء ثوبًا وهو أيضًا قامته طويلة ووجهه جميل ليس هذا المراد ولكن المراد بالهيئات: الشرف والسؤدد وقوله: " عثراتهم" جمع عثرة وهي: الزلة، وذلك بفعل مالا ينبغي أن يفعلوه، "إلا الحدود" فإن الحدود لا تقال من أحد مهما كان لقول النبي ﷺ : " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". ففي هذا الحديث فوائد متعددة: منها: مراعاة حال الشخص في التعزير، وأنه ربما نعزر فلانًاعلى هذا العمل، ولا نعزز فلانًا.؟ فإن قائل: لو ظهر هذا في المجتمع لكان فيه ضرر كبير، إذا إن العامة لا يفرقون بين التعزير والحد؛ إذ سيقولون مثلًا لماذا حبس فلانًا لما فعل كذا ولم يحبس فلان؟ قيل: لأنه من ذوي الهيئات حينئذ ينفر الناس. فيقال: إن قول النبي ﷺ هذا يشترط فيه ألا يتضمن مفسدة أعظم من إهانة هؤلاء الشرفاء، فإن تضمن مفسدة أعظم فإنه لابد أن يعاملوا كما يعامل غيرهم. ومن فوائد الحديث: حكمة الشرع وذلك بتنزيل الناس منازلهم، وهذه من أهم ما يكون فى معاملة الخلق أن تنزل الناس منازلهم حتى في الدعوة إلى الله ينزل الناس منازلهم، منهم من ندعوه باللين واللطف، ومنهم من يكون بالعكس، حتى قال الله تعالى: ﴿ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾ [العنكبوت: ٤٦]. فهؤلاء لا تجادلهم بالتى هي أحسن بل التي هي أشد واشق، لأنهم معاندون ظالمون.

стр. 2905

ومن فوائد الحديث: أن الحدود لا يمكن أن تقال عن أحد ولو كان من ذوي الهيئات لقوله: "إلا الحدود" فالحدود لا تقال عن أحد، حتى لو أن الذي فعل ما يوجب الحد من أقرب الناس إلى ولي الأمر، فإن الواجب عليه أن يقيم عليه الحد وألا تأخذه في الله لومة لائم. ١٢٠٥ - وعن علي ﵁ قال: "ما كنت لأقيم على أحٍد حدًّا فيموت فأجد في نفسي، إلا شارب الخمر؛ فإنه لو مات وديته". أخرجه البخاريُّ. قوله: "فيموت" يعني: من إقامة الحد، "فأوجد في نفسي" يعني: أجد في نفسي قلقًا وندمًا إلا شارب الخمر، "فإنه لومات وديته" يعني: لو مات أديت ديته. وعند أبي داود: قال علي: لأن النبي ﷺ لم يسن فيه شيئًا، وإنما قلنا نحن، وهذه الزيادة صحيحة. في هذا الأثر عن علي دليل على مسائل أولًا: أن الإمام يجب عليه أن يحتاط في إقامة الحد بحيث لا يصل إلى الموت. وثانيًا: أنه لو مات المحدود بالحد فإنه لا يضمن، لماذا؟ لأن الحد مأذون فيه وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون وأضرب لكم مثالين لتوضيح القاعدة هذه وهي مفيدة إذا جنى على شخص جناية جرح أو كسر ثم سرت الجناية فهل يضمن الجاني؟ نعم يضمن؛ لأن جنايته غير مأذون فيها، ول أنا اقتصصنا من الاني ثم سرى القصاص إلى أكثر مما اقتصصنا فإنه لا يضمن لأنه مترتب على أمر مأذون فيه. ومن فوائد الأثر: أن عقوبة شارب الخمر ليست بحد؛ لأنه صرح بأن النبي ﷺ لم يسن فيه شيئًا، ولأنه لو كان حدًّا لم يكن في نفس عليٍّ شيء كسائر الحدود. ومن فوائد الأثر: أن خطأ الإمام عليه؛ يعني: لو أخطأ في الحكم فإن الخطأ يكون عليه من ضمانه، لقوله: "وديته"، ولكنه ليس بصريح في أنه يكون عليه نفسه، إذ من الجائز أن يكون في بيت المال، ولهذا صرح الفقهاء: أن خطأ لحاكم يكون في بيت المال، لأنه يتصرف للناس، فإذا كان يتصرف لهم فكيف يضمن ما يترتب على فعله مع أنه مجتهد.

стр. 2906

حكم الصائل: ١٢٠٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيٌد" رواه الأربعة، وصحَّحه التَّرمذيُّ. "من" شرطية، فعل الشرط: "قتل" جوابه: "فهو شهيد"، ومعنى "قتل دون ماله ": أنه لو جاء أحد من الناس فصال عليه لأخذ ماله فقاتله دفاعًا عن نفسه وعن ماله ثم قتل فهو شهيد، فيكون هذا المقتول شهيدًا؛ لأنه دافع بحق، فإن قتل الصائل فالصائل ليس بشهيد بل هو في النار، ولهذا سئل النبي ﷺ عن الرجل يأتيه الإنسان يقول: أعطني مالاً؟ قال: "لا تعطه"، قال: يا رسول الله، ﷺ أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" قال: أرأيت إن قتلني قال: "فأنت شهيد"، وذلك لأنه صائل معتٍد فيكون في النار، أما هذا فيكون شهيدًا، ولكن قال العلماء: يجب أن يدافع الصائل بما هو أسهل فأسهل، فمثلاً: إذا كان يمكن أن يدافعه بالتهديد ويقول: سوف أرفع بك إلى ولي الأمر إذا لم تنته فلا حاجة إلى ضرب ولا غيره، وإذا لم ينتفع به هذا وأمكن للمصول عليه أن يوثقه ويدفعه فإنه لا يحتاج للضرب، وإذا لم يمكن الاندفاع بذلك واندفع بالضرب فليضربهن هذا لا يمكن مدافعته في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز مدافعة الإنسان عن ماله لكونه إذا قتل يكون شهيدًا ومن فوائده: أن المقتول ظلمًا شهيد، ولكا هل هو شهيد في الآخرة أو شهيد في الدنيا؟ في هذا للعلماء قولان: القول الأول: أنه شهيد في الدنيا والآخرة، والقول الثاني: أنه شهيد في الآخرة فقط، والثاني هو الصحيح أنه شهيد في الآخرة، وبناء عليه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه.

стр. 2907

فإن قال قائل: ألا يصح قياسه على من قتل في سبيل الله؟ لا يصح القياس؛ لأن المقاتل في سبيل الله إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولأن المقاتل في سبيل الله هو الذي بذل نفسه وذهب إلى الخطر، أما هذا فإنه مدافع فقط فبينهما فرق؛ ولهذا كان القول الراجح: أنه يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. ومن فوائد الحديث: أنه لا يلام الإنسان على المدافعة عن ماله وذلك لقوله: "فهو شهيد" ولكن هل يلزمه أن يدافع عن ماله؟ قال الفقهاء: إنه لا يلزمه أن يدافع عن ماله، لأن المال لو ذهب يخلف الله غيره، وقال آخرون: بل يجب أن يدافع عن ماله؛ لأن ماله محترم، ولأن النبي ﷺ قال لما سئل أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" فأمر بقتله، ولأننا لو تركنا المقاتلة لكان في ذلك فتح باب للصائلين أن يصولوا، على الناس، وهذا القول - أعني: وجوب المدافعة - أقرب غلى القول بأن ذلك على سبيل الإباحة، هل يلزمه أن يدافع عن نفسه وعن أهله؟ نعم، يجب قولا واحدا، وذلك لأن المدافعة عن النفس والأهل أوكد من المدافعة عن المال، لو أراد أحد أن يقتلك أو أن يهتك عرضك فلا تمكِّنه من هذا، وهل يلزمه أن يدافع عن مال الغير؟ ينبني على الخلاف في المدافعة عن ماله، فنقول: نعم، إذا كان الغير معصومًا وله حرمة فإنه يجب أن يدافع عنه. الدفاع عن النفس: ١٢٠٧ - وعن عبد الله بن خبَّاب ﵁ قال: سمعت أبي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تكون قتنٌ، فكن فيها يا عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". أخرجه ابن أبي خيثمة والدَّارقطنيِّ. - وأخرج أحمد نحوه: عن خالد بن عرفطة ﵁. "تكون" هنا فعل مضارع، ولكنها هنا تامة، أي تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك: *وذو تمام ما برفع يكتفي * وعلى هذا تكون "فتن" فاعلًا، أي توجد فتن، والفتنة ما يفتن به الناس، وهي أنواع كثيرة قد يفتن الناس في أديانهم، أو في أعراضهم، أو في أخلاقهم عموما أو في دمائهم، المهم أن الفتن أنواع، ومن الفتن: الفتن المقالية التي يتنابز فيها بالناس بالألقاب السيئة: أنت مبتدع، أنت كافر، أنت فاسق، وغير ذلك من الكلمات التي لا يجنى منها إلا اختلاف القلوب، واختلاف الناس، لكن المراد بالفتن هنا - والله أعلم - فتن الدماء، أي: تكون فتن، أي قتال بين الناس.

стр. 2908

"فكن فيها يا عبد الله المقتول" "عبد" هنا يجوز أن تكون منصوبة على أنها خبر "كن"، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها منادى وحرف النداء محذوف، أي: كن فيها يا عبد الله المقتول، فعلى الأول تكون، "المقتول" صفة لعبد الله، وعلى الثاني أن "عبد" منادى "تكون" "المقتول" خبر كان، أي: كن يا عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وهذا يعني: أنك لا تدافع عن نفسك في الفتن؛ لأن المدافعة عن النفس في الفتن قد يكون فيها شر كثير وذلك كما جرى لأمير المؤمنين ﵁ الخليفة الثالث بعد رسول الله ﷺ فإنه نهى أن يدافع عنه، بل قال لغلمانه كل إنسان لا يدافع عني فهو حر، فتركوا الدفاع عنه؛ لأنه يحصل بذلك قتل كثير في المدينة النبوية، فهو ﵁ فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها ولا يقولون عن عثمان: إنه فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها مع أن الواضح جدًا أن الثاني هو الحق، أي: أن عثمان ﵁ أراد أن يفدي بنفسه دماء المسلمين وليقتل شهيدًا؛ لأن الرسول ﷺ لما صعد جبل أحد واهتز بهم وارتجف قال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، النبي: محمد ﷺ والصديق: أبو بكر، والشهيدان: عمر، وعثمان ﵄، فالحاصل أنه اختار ذلك، ولهذا قال العلماء: يجب عليه الدفاع عن نفسه إلا في الفتنة فلا يجب، ولكن إذا قلنا: لا يجب هلى معنى ذلك أنه يحرم الدفاع عن نفسه في الفتانة أو ينظر للمصلحة؟ الجواب: الثاني، قد يكون الإنسان في مكان فيه فتنة وفيه قتال، لكن يمكن أن يقتل من صال عليه بدون أن يحصل بذلك فتنة، حينئذ نقول اقتل، وقد يكون بالعكس لو قتله لثارت القبائل؛ لأنه من قبائل كبيرة فتثور ويحصل بذلك فتنة، فالحاصل: أنه في غير الفتنة في حكم الدفاع عن النفس أنه واجب، وفي الفتنة لا يجب لكن ينظر الإنسان للمصلحة قد تكون المصلحة بالمدافعة ولو بالقتل وقد تكون بعدم المدافعة، والإنسان ينظر إلى المصالح العامة فيقدمها على المصالح الخاصة؛ لأن تقديم المصالح العامة هو شرع الله، يعني: يتوافق الشرع والقدر في تقديم المصالح العامة، على المصالح الخاصة، أرأيتم المطر مصلحة عامة لكن يأتي إنسان صب صبة السقف قبيل نزول المطر ما شأن هذا المطر بالنسبة له؟ ضرر له لكن هذا الضرر يزول ويضمحل، فالحكم القدري والحكم الشرعي من ربنا وله الحكمة البالغة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، فأنت انظر في حال الفتنة هل من المصالحة أن تدافع عن نفسك أو من المصلحة أن

стр. 2909

تمسك عن الدفاع، افعل ما تراه مصلحة لكن في غير الفتنة يجب أن تدافع، وبهذا نعرف أن من قاتل ليستشهد فهل يكون شهيدًا؟ إذا قاتل ليقتل فهذا ليس بشهيد، وإن قاتل ليستشهد بمعنى: أن يكون قتاله لإعلاء كلمة الله فهو شهيد، والنية لها أثر بالغ؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا قتل في الجهاد فإنه شهيد بكل حال، وليس كذلك ليس من الشهادة أن تذهب لأجل أن تقتل، إنما الشهادة أن تذهب لتقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حينئذ إذا قتلت فأنت شهيد، فالقتل ليس مقصودًا لذاته، المقصود: أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا قتلت من أجل ذلك فأنت شهيد.

стр. 2910

كتاب الجهاد ويشتمل على ١ - باب الجزية والهدنة. ٢ - باب السبق والرمي.
следующие страницы →