← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الإرسال، ومن قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾ [النحل: ٣٦]. أي: أرسلنا، وقوله: "في حاجة" لم يبينها إما لأن الذي ينبغي للإنسان المرسل في حاجة - لاسيما من ولاة الأمور- ألا يبينهما؛ لأنها قد تكون من الأسرار التي ينبغي اطلاع الناس عليها، أو لسبب من الأسباب، "فأجنبت" أي: أصابتني جنابة، وجنابة تكون في واحد من الأمرين: إما بالجماع، وإما بالإنزال، والظاهر أنها كانت بالاحتلام، أعني: التي وقعت من عمار بن ياسر. قوله: "فلم أجد الماء" وذلك بعد طلبه، قال العلماء: إن نفي الوجود لا يكون إلا بعد الطلب، وقد يكون تعبيره بقوله: "لم أجد الماء" فإنه هو أعلم بأنه ليس حوله ماء، فيصح ان يقول: "لم اجد الماء" وإن لم يطلبه. "فتمرغت في الصعيد" أي: تقلبت، يعني: على الجنبين الأيمن والأيسر، والبطن والظهر، "كما تتمرغ الدابة" وهاذ التشبيه للبيان، وليس للتقبيح، لأنه لا يمكن أن يأتي بتشبيه للتقبيح، وهو من فعل نفسه وهو أيضا بإقامة عبادة، لكنه للبيان لئلا يظن الظان أنه تمرغ في بعض جسده بل في كله "كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك" أي: ذكر أنه أصابته الجنابة، وأنه تمرغ كما تتمرغ الدابة بناء على أن طهارة التراب كطهارة الماء، فكما أن الماء يعم جميع البدن فكذلك طهارة التيمم هكذا قال. فقال له النبي ﷺ : "إنما يكفيك أن تقول: بيديك" "يكفيك" أي: عن التمرغ، ويحتمل أن المعنى: يكفيك عن الاغتسال الذي تمرغت من أجله أن تقول بيديك هكذا، هنا أطلق القول وأراد به الفعل؛ لأن اليد لا تقول القول باللسان، لكن قد يطلق القول ويراد به الفعل، "بيديك هكذا" ثم فسر هذا المجمل، "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه". قوله: "مسح الشمال على المين" يعني هكذا، وظاهره أنه على كل الكف ظاهره وباطنه؛ ولهذا قال: "وظاهر كفيه". إذن مسح الشمال على اليمين من الباطن، وظاهر كفيه من الظاهر، "ووجهه" يعني: ومسح وجهه. وفي رواية للبخاري: "وضرب بكفيه الأرض" ولكنها لا تعارض رواية مسلم؛ لأن اليد إذا أطلقت فالمراد بها: الكف، وإذا قيدت بما قيدت به. فإذا قيل: يده إلى الكتف صارت اليد كل العضو، وإذا قيل: يده إلى المرفق صارت إلى المرفق، يده فقط صارت الكف، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]. صار المراد بذلك: الكفين فقط، "وضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" وكأنه - والله أعلم- علق بهما تراب كثير فنفخ ليتساقط بعض ما علق ثم مسح بهما وجهه وكفيه. في هذه الرواية للبخاري زيادة النفخ: نفخ فيهما"، وفيه أيضا: سياق مخالفة الترتيب، فإن

стр. 317

سياق مسلم: أنه مسح بيديه قبل الوجه، وسياق البخاري: مسح الوجه قبل اليدين، وسياق رواية البخاري هو الذي يوافق القرآن، قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. فكون البدء بالوجه؛ لأنه أشرف، ولأجل أن يوافق ترتيب التيمم ترتيب الوضوء، فإن الترتيب في الوضوء: الوجه قبل اليدين. ففي هذا الحديث فوائد، منها: جواز بعث الغير في جاجة، فإن كانت دعوة أو كتابا أو ما أشبه ذلك فهي عبادة، وإن كانت خاصة فهي جائزة، وهذا لا ينافي كراهة السؤال - أي: سؤال الغير- لأنك إذا علمت أن الغير بفرح إذا كلفته بشيء فإن المنة تكون منك عليه، وليس منه عليك. ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة، لقوله: "فأجنبت" وهذا قد يستحي منه الإنسان، لكن إذا كان لحاجة كبيان حكم شرعي، فإنه لا بأس به، وقد يكون واجبا. ومن فوائده: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم. ومن فوائد هذا الحديث: أن مقتضى القياس مساواة الفرع للأصل، وجهه: أنه قال الطهارة بالتراب على الطهارة بالماء فتمرغ. ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز العمل بالقياس في عهد النبي ﷺ ، لكنه مشروط بما إذا لم يتمكن من الوصول إلى النص، فإن تمكن لم يصح القياس، أما إذا لم يتمكن فلا بأس؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه. ومن فوائده: أنه لا قياس مع النص؛ لأن النبي ﷺ أبطل قياس عمار بن ياسر ﵁. ومن فوائده: أن من اجتهد فاخطأ فإنه لا يؤمر بالإعادة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر عمارا بإعادة ما سبق من الصلاة، ولو أمره لنقل لأهميته، لا يقال: إن عدم النقل ليس نقلا للعدم؛ لأنا نقول هذا مهم، وإاذ كان عمار ﵁ ذكر صفة التيمم، فكيف لا يذكر إعادة الصلاة لو كان الرسول أمره بها مع أنها أهم؟ وعلى هذا؛ فإذا اجتهد الإنسان اجتهادا بلا تفريط وأخطأ؛ فإنه لا إعادة عليه، وهذا له شواهد وله أصول منها: المرأة التي كانت تستحاض حيضة شديدة ولا تصلي، فلم يأمرها النبي ﷺ بالإعادة لأنها بنت على الأصل، وهو أن الأصل في الدم أنه حيض، ولا تصلي الحائض، أما إذا كان مجرد حرص غير مبني على أصل أو كان هناك تفريط فإن عليه الإعادة. من التفريط مثلا لو اجتهد في القبلة وهو في البلد يمكنه أن يسأل ويتيقن؛ فإن عليه الإعادة؛ لأنه قادر على تصحيح الاتجاه، أما إذا لم يكن تفريط فلا إعادة.

стр. 318

ومن فوائد هذا الحديث: أن محل التطهير في التيمم عضوان فقط، وهما: الوجه واليدان، وهما أشرف الأعضاء بالنسبة للوجه فالوجه أشرف من الرأسى، واليدان أشرف من الرجلين، ولهذا كفى بالتعبد أن يلوث الإنسان وجهه ويديه بالتراب، فصارت الطهارة بالتيمم مقصورة على عضورين فقط هما أشرف أعضاء الوضوء: الوجه واليدان. ومن فوائد هذا الحديث: أن طهارة الوضوء وطهارة التيمم في الجنابة سواء، يعني من فوائده: أن الحدث الأصغر والأكبر سواء في طهارة التيمم بخلاف الماء. ومن فوائد الحديث: أنه لا يكرر المسح في التيمم؛ لأن حديث عمار ليس فيه أن الرسول ﷺ كرر، قال العلماء: وهكذا كل ممسوح فإن تكرار مسحه مكروه؛ لأن فيه نوع مضادة للحكم الشرعي، إذ إن الشارع إنما جعل تطهيره بالمسح تخفيفا فتكراره تقيل، فيكون فيه نوع مضادة، وعلى هذا كل شيء يمسح فتكرار مسحه مكروه، الرأس يكره تكرار المسح، الخفان يكره تكرار مسحهما، الجبيرة يكره تكرار مسحها، التيمم يكره فيه التكرار. ومن فوائد هذا الحديث: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر إلا ضربة واحدة، وأكدها فقال: "ضربة واحدة". هل يستفاد منه أن ما استعمل في الطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؟ ربما يستفاد من ذلك أن المستعمل بالطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؛ لأن الحديث ظاهره أن الرسول مسح الوجه، ومسح الكفين كليهما، أما الفقهاء الذين يرون أن التيمم المستعمل لا يجوز التطهير به، فيقولون: يمسح الوجه بالأصابع، ثم يمسح الكفين براحة اليد، ولا شك أن هذا تكلف لم تأت به السنة. فإما أن يقال: إنه يستفاد منه أن الطهور المستعمل في طهارة واجبة لا ينتقل من الطهورية إلى الطهارة، وإما أن يقال: إن طهارة التيمم يراعى فيها التخفيف، على أن الأصل الذي ذكرناه على القول الراجح لا ينتقل فيه الماء من الطهرية إلى الطهارة، وأن الماء المستعمل في رفع الحدث طهور مطهر. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب استيعاب الوجه في مسح التيمم لقوله: "ووجهه"، وبه نعرف تقصير بعض العوام الذين إذا تيمموا يمسحون وسط الوجه فقط، والواجب أن يمسح الوجه كله من منحى الجبهة إلى أسفل اللحية، ومن الأذن إلى الأذن؛ لقوله: "وجهه". ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية النفخ بعد الضرب، لكن نقول: إن هذا مقيد بما إذا علق بهما تراب كثير. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الترتيب في التيمم سواء كان عن جنابة أو كان عن حدث

стр. 319

أصغر، ولكن الفقهاء ﵏ يقولون: إن تيمم عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن تيمم عن حدث أكبر لم يجب الترتيب، لكن ظاهر الأدلة وجوب الترتيب مطلقا، ولا يصح أن يقاس على طهارة الماء؛ لمخالفته لطهارة الماء في أصول كثيرة، فالصواب: وجوب الترتيب. لكن هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيان؟ الظاهر هذا، أن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان في كل شيء. إذا قال قائل: من أين لكم وجوب الترتيب؟ قلنا: لقول النبي ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به". هكذا أخرجه مسلم، وفي رواية في السنن، قال: "ابدءوا بما بدأ الله به". فإن قال قائل: وهل يجوز التيمم على غير الأرض كالتيمم على البساط ونحوه؟ فالجواب: إن كان فيه تراب جاز ذلك؛ لأن التراب الذي فيه جزء من الأرض وإن لم يكن فيه تراب فالظاهر أنه لا يجوز. فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده في المكان إلا هذا الفراش النظيف؟ نقول: يسقط عنه التيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود التراب. ومن فوائد هذا الحديث - حديث عمار-: أنه يجوز للجن التيمم كما يجوز للمحدث حدثا أصغر؛ لأن قضية عمار هي تيمم في الجنابة، وهذا أجمع العلماء عليه بعد أن كان فيه الحلاف قديما، وممن خالف فيد قديما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه خالف في ذلك، وقال: إإنعلى الجنب أن ينتظر حتى يجد الماء، ثم يغتسل، وناظره عمار في ذلك؛ لأن عمر كان مع عمار حين بعثه النبي ﷺ وذكره هذا - ذكر عمار عمر هذه القضية- ثم قال له: يا أمير المؤمنين، إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به، قال: لا، حدث نوليك ما توليت، فحدث به، فصار يتحدث به، ولكن الإجماع بعد ذلك انعقد - والحمد لله- على أنه يجوز التيمم للجنب ولمن حدثه أصغر. ١٢٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". رواه الدارقطني، وصحح الأئمة وقفه.

стр. 320

قوله: "التيمم ضربتان" يعني: أنه لابد من ضربتين: وقوله: "ضربة للوجه، وضربة لليدين": أما ضربة الوجه، فالوجه قد اثبت أنه يمسح بالتيمم، وأما اليدان فقال: "وضربة لليدين إلى المرفقين" هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، والأحاديث الكثيرة حديث عمار وغيره، وأن التيمم يكون في الكفين فقط وهو أيضا ظاهر القرآن، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله ﵊؛ ولذلك قال المؤلف: "وصحح الأئمة وقفه" الأئمة يعني بذلك: أئمة الحديث، ولا يلزم أن يكون المراد: أئمة الفقه؛ لأن إمام كل فن من له قدم فيه وأتباع عليه، فيكون الأئمة هنا ليس الأئمة الأربعة، ولكن أئمة الحديث. وقوله: "وقفه" أي: كونه عن ابن عمر نفسه، وليس عن الرسول ﷺ ، وذلك لأن الموقوف عندهم هو ما انتهى إلى من؟ إلى الصحابي إذا لم يكن له حكم الرفع، فإن كان له حكم الرفع فهو مرفوع لكنه مرفوع حكما. في هذا الحديث من الفوائد: أنه لابد من ضربتين في التيمم، ولكن ما دمنا صححنا أنه موقوف، فيكون هذا على رأي ابن عمر، والسنة بخلافه، بل والقرآن بخلافه؛ لأن الله قال في التيمم: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]. ونحن نرى أن القرآن الكريم إذا أطلق الد فهي الكف فقط، ولهذا اجمع العلماء على انه لا يقطع في السرقة إلا الكف؛ لأن الله قال: ﴿أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ولم يقيد، أما في الوضوء فنعم إلى المرفق؛ لأن الله قيد ذلك فقال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. وفي قوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ دليل واضح على أن اليد إذا أطلقت لم تبلغ المرفق، وإنما المراد بها: الكف، وعليه يكون هذا الأثر من قول ابن عمر، ولكن لا عبرة به ما دام خالف ظاهر القرآن وصريح السنة فإنه لا عبرة به؛ لأن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف النص القرآني أالنبوي، وأيضا المعنى يقتضي عدم مسح الذراع؛ لأن الذراع غالبا يكون خفيا إما في الثوب وإما في الرداء، فلا يظهر عليه أثر التعبد بتمرغ الإنسان أو بتعفير الإنسان وجهه ويديه، بخلاف الوجه وبخلاف الكف فإنه يظهر عليهما الغبار - غبار التراب- حتى يتبين أن هذا الرجل تعبد لله تعالى بتعفير وجهه وكفيه تقربا إلى الله واحتسابا للأجر.

стр. 321

بطلان التيمم بوجود الماء: ١٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه بشرته". رواه البزار وصححه ابن القطان، ولكن صوب الدارقطني إرساله. ١٢٤ - وللترمذي: عن أبي ذر نحوه، وصححه. "الصعيد وضوء المسلم" وهذا الإطلاق في الصعيد مقيد بما جاء في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طبيا﴾ [النساء: ٤٣]. والصعيد: هو كل ما تصاعد من الأرض فهو صعيد سواء كان رمليا، أو ترابيا، أو حجريا أم غير ذلك، وقوله: "وضوء" بالفتح هو ما يتوضأ به، وهذا مثل قوله فيما سبق في حديث جابر: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". وقوله: "وضوء المسلم وإن لم يجد الماء" هل يقال: إن كلمة "المسلم" ليست وصفا مقيدا؛ لأن الكافر ليس له وضوء أصلا فيكون هذا من باب بيان الواقع؛ لأن الذي يتوضأ إنما هو المسلم. قوله: "وإن لم يجد الماء عشر سنين" "عشر" ظرف ل"يجد". والمعنى: لو عدم الماء عشر سنوات، فإن الصعيد يكون طهورا له ووضوءا له، "فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته" إذا وجد الماء بعد هذا الدهر فليتق الله؛ أي: فليلزم تقوى الله ، وبين أن التقوى هنا خاصة لقوله: "وليمسه بشرته" أي: فليتق الله في ترك التيمم واستعمال الماء؛ ولهذا قال: "وليمسه بشرته" أي: ما يجب تطهيره بالماء من البشرة، وهذا قد يكون البشرة كلها إذا كان عن جنابة، وقد يكون بعضها إذا كان عن حدث أصغر، لكن سياق الحديث إن كان هاذ اللفظ محفوظا - أعني: "وضوء" يقتضي- "وليمسه بشرته" أي: ما يجب تطهيره من البشرة وهي الأعضاء الأربعة، وأيضا "وليمسه بشرته" يشمل الممسوح والمغسول. وقوله: "رواه البزار وصححه ابن القطان، لكن صوب الدارقطني إرساله" اعلم أن الإرسال عند المحدثين له معنيان: المعنى الأول: هو أن المرسل ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ ، هذا يسمى مرسلا، وهذا التعريف أحسن من قول بعضهم: المرسل ما سقط منه الصحابي؛ لأن

стр. 322

هذا يخرج ما أرسله الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ مع أنه مرسل، فلو أن محمدا بن أبي بكر ﵁ رفع حديثا إلى الرسول ﵊ فهو مرسل؛ لأن محمدا إنما ولد في عام حجة الوداع فلا يمكن أن يسمع من الرسول ﷺ . المعنى الثاني: إذا رفعه التابعي - يعني: بأن حذف الصحابي - مثل أن يروي قتادة عن النبي ﷺ أو علقمة عن النبي ﷺ ؛ فهاذ يسمى مرسلا، وهذا هو المرسل الخاص الذي يتكلم عنه أهل الاصطلاح. وقد يطلق المرسل على ما سقط منه واحد من سنده، ولو كان في أثناء السند، وهذا هو المعروف عند أهل أصول الفقه يرون أن المرسل هو الذي سقط منه راو في متصل السند. على كل حال: المرسل بهذا، وهذا من أقسام الضعيف حتى نعلم من الساقط، وحينئذ نحكم على الحديث بعد معرفة الساقط بما يقتضيه من ضعف أو صحة. قوله: "وللترمذي عن أبي ذر نحوه وصححه" قال: إنه صحيح، لكنه من رواية أبي ذر، فيكون بذلك شاهدا للحديث، ومن المعلوم انه إذا كان الضعيف يسيرا وصار له شاهد فإنه يقوى به، فيقال: هذا الحديث لو قدرنا أن سنده ضعيف، فإن قواعد الشريعة تشهد له؛ لأن الله إنما أباح التيمم عند عدم الماء بدون تقييد، ما قال: "ما لم تجدوا ماء" بدون سنة أو سنتين أو أكثر أطلق، وأيضا قيد هذا بعدم وجود الماء، فيدل بذلك على أنه من وجد الماء وجب استعماله، فهذا الحديث وإن لم يصح باعتبار السند فهو صحيح باعتبار المعنى، وهذه فائدة ينبغي للإنسان أن يتفطن لها؛ لأن المرسل إذا قوي بشهادة قواعد الشريعة له صار حجة، وكذلك إذا قوي بقبول العلماء له فإنه يكون حجة. ففي هذا الحديث فوائد: أولا: جواز التيمم من جميع الأرض؛ لقوله: "الصعيد وضوء المسلم" بدون تقييد. ومن فوائده: أن التيمم يقوم مقام الماء بقوله: "وضوء"؛ والوضوء هو ما يتوضأ به الإنسان الذي يجد الماء؛ وهذا هو القول الراجح وقد بيناه فيما سبق، وقلنا: إن التيمم إذا تعذر استعمال الماء يقوم مقامه في كل شيء حتى لو تيمم لنافلة فله أن يصلي فريضة، ولو تيمم لقراءة القرآن فله أن يصلي فريضة؛ لأنه يقوم مقامه من كل وجه. ومن فوائد هذا الحديث: أنه متى تعذر استعمال الماء ولو طال الزمن فإن التيمم جائز لقوله: "وإن لم يجد الماء عشر سنبن". ومن فوائد هذا الحديث: جواز استعمال المبالغة في الكلام، وإذا وقع الكلام على سبيل المبالغة قلة أو كثرة فلا مفهوم له، وهذا موجود في القرآن وفي السنة، قال الله تعالى: ﴿فمن

стр. 323

يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الولولة: ٧، ٨]. ومن يعمل دون ذلك فكذلك، لكن ذكر مثقال الذرة على سبيل المبالغة، ومنه أيضا قول الرسول ﷺ : "من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة". فمن اقتطع دون ذلك فالحكم في حقه كذلك؛ لأن هذا ذكر على سبيل المبالغة، ومنه على أحد القولين قوله تعالى: ﴿إن نستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. يعني: وإن استغفرت أكثر فالحكم كذلك؛ لأن هذا ذكر على سبيل المبالغة قلة أو كثرة ليس له مفهوم". ومن فوائد هذا الحديث: بطلان طهارة التيمم في وجود الماء لقوله: "فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته"، وعلى هذا فإذا تيمم للجنابة ثم وجد الماء وجب عليه ان يغتسل لقوله: "فليتق الله وليمسه بشرته"، وإذا تيمم للوضوء ثم وجد الماء فعليعه أن يتوضأ به، لا يقول: إنه ارتفع حدثي بالتيمم ولا يعود الحدث إلا بموجب جديد؛ لأننا نقول: إنه ارتفاع مقيد بوجود الماء، أو بزوال العذر إذا تيمم لضرره باستعمال الماء، وقد حكى شيخ الإسلام ﵀ الاتفاق على أنه إذا وجد الماء وجب عليه استعماله، حتى ولو قلنا بأن التيمم رافع لنه رافع ما دام السبب موجودا، فإذا لم يوجد فعليه أن يستعمل الماء. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو تيمم مع وجود الماء فطهارته غير شرعية؛ لقوله: "وليمسه بشرته"، فإنه لو تيمم مع وجود الماء خالف الأمر باستعماله وبتقوى الله ومخالفة الواجب وقوع في المحرم، ومعلوم أن الشيء المحرم لا يستفيد به الإنسان شيئا، فهو لا يرفع الحدث، ولا يحل الحرام ولا يملك به المبيع، ولا غير ذلك، إذن لو تيمم مع وجود الماء وصلى فلا عبرة به، وصلاته باطلة، وعليه أن يتوضأ أو يغتسل ويصلي. فإن قال قائل: ما هو الضابط في الوجود وعدم الوجود؟ نقول: متى كان في حمل الماء مشقة فهو واجد او غير واجد؟ غير واجد، وإذا لم يكن مشقة فإنه يحمله كما لو كان عنده سيارة فيها [خزان] كبير فيه ماء، نقول: يجب عليك أن تحمل الماء أما إذا لم يكن كذلك فإننا لا نوجب عليه مثل أن يسافر في سيارة صغيرة فإننا لا نوجب عليه أن يحمل الماء؛ لما في ذلك في المشقة.

стр. 324

١٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فيمما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للآخر: لك الأجر مرتين". رواه أبو داود، والنسائي. هذه قصة، "خرج رجلان في سفر"، ولم يبين هذا السفر، لكن الله يقول: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣]. "فحضرت الصلاة" أي: دخل وقتها؛ لأن حضور كل شيء بحسبه، "وليس معهما ماء" أي: يتوضآن به، "فتيمما صعيدا طيبا فصليا" وسكت عن التيمم؛ ولا شك أنهما تيمما صعيدا طيبا يعني: استعملا التيمم من صعيد طيب، والمراد بالطيب هنا كما سبق وهو الظاهر، "فصليا، ثم وجد الماء" الألف التي هي الفاعل تسقط هنا، لماذا؟ لالتقاء الساكنين، قال ابن مالك ﵀: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينا فحذفه استحق مثل قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ [البينة: ١]. أصلها: "لم يكن" فكسرت النون؛ لأن ما بعدها ساكن، "وإن يكن" أي: ما سبق "لينا" أي: حرفا من حروف اللين، وهي ثلاثة "الواو، والألف، والياء" "فحذفه استحق" يعني: فقد استحق الحذف؛ أي: فأحذفه، فهنا في الحديث: "ثم وجد الماء" بحذف الألف، وأما ما يفعله بعض الناس بكونه يثبت الألف لكن ألف قصيرة فيقول: "ثم وجدا الماء" هذا حلاف القاعدة العربية، ومن ذلك أن نسمع بعض الناس في قوله تعالى: ﴿ولقد ءاتينا داود وسليمن علما وقالا الحمد لله﴾ [النمل: ١٥]. الصواب: أن تحذف الألف نقول: ﴿وقالا الحمد لله﴾ وزيعرف حذف الألف بالساق نقول: "ثم وجد الماء" في الوقت "فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء". قوله: "أعاد أحدهما الصلاة" واضح أنها إعادة؛ لأن الإعادة: فعل الشيء الذي فعل أولا؛ ولهذا سمي إعادة، فإذا أتى الإنسان بالشيء مرة أخرى فهو إعادة، لكن قوله: "والوضوء" هذا فيه تجوز؛ لأن الوضوء هنا لم يعاد؛ إذ إنهما قد تيمما لكن يحذف ما دل الدليل على حدوثه كقوله: [الكامل]. علفتها نبنا وماء باردا.

стр. 325

إذن "فأعاد أحدهما الصلاة" وفعل الوضوء، قوله: "لم يعد الآخر" يعني: لم يعد الصلاة، ولم يتوضأ، "ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة" أي: أصبت الطريقة الصحيحة؛ لأن السنة تطلق على الطريقة فيقال: سنة الرسول كذا وكذا، ويقال: سنة الخلفاء الراشدين كذا وكذا، وتطلق السنة بإزاء الواجب، وهذا مصطلح أهل الأصول؛ يعني: تنقسم الأحكام الشرعية إلى خمسة أقسام: الواجب، والسنة ... إلخ، ولكن إذا جاءت مطلقة في لسان الشارع فالمراد بها: الطريقة، سواء كانت على وجه الاستحباب أو على وجه الوجوب، يقول: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" أي صلاة؟ ليس هناك أولى ولا ثانية، يعني: صلاتك التي صليت. "وقال للآخر: لك الأجر مرتين" أما أحدهما- أي: أحد الأجرين- فهو تيممه وصلاته الأولى، وأما الثاني فبوضوئه صلاته الثاني، وإنما قال للثاني: "لك الأجر مرتين"؛ لأنه فعل الثاني؛ أي: الوضوء وإعادة الصلاة، متأولا ظانا أن هذا هو الواجب عليه، والمجتهد من هذه الأمة - والحمد لله- لا يمكن أن يحرم من الأجر، له الأجر إن أخطأ فأجر واحد، وإن أصاب فأجران، المهم أن الأجر مرتين على صلاته الأولى بالتيمم، وعلى صلاته الثانية بالوضوء، رواه أبو داود والنسائي. في هذا الحديث فوائد، منها: أن طلب الماء لا يجب إذا كان الإنسان قد علم أنه ليس حوله ماء؛ لأن هذا السياق ليس فيه أنهما طلبا الماء ولم يجداه، بل قال: "ليس معهما ماء"، وهو كذلك؛ أي: إذا كنت في أرض تعلم أنه ليس حولك ماء فلا حاجة للطلب؛ لأن الطلب زيادة عناء وذهاب وقت، أما إذا كنت في أرض تجهلها فلابد أن تبحث فيما حولك هل يوجد ماء أو لا؟ فلو قال قائل: حتى لو كان يعلم أن هذا المكان ليس فيه ماء ألا يمكن أن يكون قد نزل المطر، وصارت الأرض غدران؟ نقول: هذا ممكن، لكن الأصل عدمه لاسيما في أيام الصيف. ومن فوائد هذا الحديث: أن الرجل إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء فإنه لا يعيد الصلاة، وهذا له ثلاث صور: الأول: إما أن يجد الماء بعد انتهاء الوقت؛ فهاذ لا إعادة عليه قولا واحدا. الثاني: وإما أن يجده بعد الصلاة في الوقت؛ ففي ذلك خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة، ومنهم من قال: لا. والثالث: أن يجد الماء وهو يصلي مثل أن يكون له صاحب ذهب يأتي بالماء، أو تمطر السماء في أثناء الصلاة فيحصل الماء، فهذا أيضا فيه خلاف، لكن الخلاف فيه ضعف في كونه يستمر.

стр. 326

فأما الأول وقلنا: ليس عليه إعادة، وهو الذي وجده بعد الوقت. وأما الثاني: ففيه خلاف قوي، والصحيح أنه لا قضاء عليه؛ وذلك لأنه أبرأ ذمته بفعل الصلاة على الوجه المطلوب، ولا يمكن أن يوجب الله على العبد صلاتين. والثالث: إذا وجده في أثناء الصلاة فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه لما وجده في أثناء الصلاة بطل التيمم، فإذا بطل التيمم صار كمن أحدث في أثناء الصلاة، وجب عليه أن يخرج منها ويستأنفها، وهذا القول هو الراجح أنه إذا وجد الماء في أثناء الصلاة بطل تيممه فبطلت صلاته، وعليه أن يعيد الصلاة من جديد بعد الوضوء، والحديث الذي أمامنا "ثم وجد الماء في الوقت" هو في الصورة الوسط؛ يعني: بعد الصلاة وقبل خروج الوقت. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاجتهاد في عهد النبي ﷺ لأنهما اجتهدا، وسبق اجتهاد آخر من حديث عمار بن ياسر، فأما إذا كان النبي غائبا فلا إشكال في أن الإنسان يجتهد، لكن هل يجوز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ ؟ في هذا خلاف، والصواب أنه جائز بمعنى: أن الإنسان لو تكلم بالشيء في عهد الرسول ﵊-في حضرته وأقره الرسول ﵊ فهو جائز، لكن قد يقال: إنه ربما يكون من سوء الأدب أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . ومن فوائد هذا الحديث: حلم النبي ﷺ وعدم توبيخه لمن اجتهد ولو أخطأ؛ لأن النبي ﷺ قال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" مع أنه خالف السنة لكنه مجتهد. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا فعل العبادة يظن أن فعلها واجب عليه فإنه يثاب على ذلك ولو أخطأ؛ لأنه عمل طاعة لله وتقربا إليه فيؤجر على هذا. ومن فوائد هذا الحديث: أن إصابة السنة خير من كثرة العمل؛ لقول النبي ﷺ للرجل الذي لم يعد: "أصبت السنة". ومعلوم أن إصابة السنة خير من كثرة العمل. فإن قال قائل: وهل لو أعاد أحد الآن بعد أن تبينت السنة لو أعاد الصلاة بعد وجود الماء هل يؤجر أو لا يؤجر؟ نقول: إنه لو كان علم بالسنة فإنه لا يؤجر، بل لو قيل: إنه يأثم لكان له وجه؛ لأنه إذا وجد الماء بعد انتهاء الصلاة، فإنه ليس عليه إعادة، لكنه لو لم يعلم بالسنة وأعاد بناء على أن ذلك هو الواجب عليه فإن الحكم واحد؛ بمعنى: أن الحكم الذي حكم به الرسول ﷺ للرجل الذي أعاد ينطبق تماما على من جهل السنة في عصر وأعاد. ومن فوائد هذا الحديث: تشجيع من أصاب السنة في عمله حتى يقوى على معرفة السنة ليكون مصيبا لها لقول النبي ﷺ : "أصبت السنة"، ولم يقل: "أجزأتك صلاتك" فقط، أو ما أشبه

стр. 327

ذلك من العبارات، لكن قال: "أصبت السنة: ؛ تشجيعا له ولغيره، على أن يحرص على إصابة السنة. حكم التيمم للجروح عند مخالفة الضرر: ١٢٦ - وعن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ [النساء: ٤٣]. قال: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح، فيجنب، فيخاف أن يموت إن اغتسل: تيمم". رواه الدارقطني موقوفا، ورفعه البزار، وصححه ابن خزيمة والحاكم. قوله: "عن ابن عباس في قوله " يعني: كأنها فسرها ﵁، وتفسير ابن عباس ﵄ في قمة التفاسير؛ لأن النبي ﷺ دعا له بأن الله يعلمه التأويل - أي: التفسير-، فقال في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣]. قوله: ﴿أو جاء﴾ هذه "أو" بمعنى الواو؛ يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، و"أو" تأتي بمعنى الواو كما في قوله في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك". فإن "أو" في قوله: "أو أنزلته" بمعنى الواو؛ لأن معنى الحديث: سميت به نفسك، وأنزلته في كتابك، وعلمته أحدا من خلقك، إذن نقول في قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ معناه: الواو؛ أي: وجاء أحد منكم من الغائط وهذا الحدث الأصغر، ﴿أو لمستم النساء﴾ وهذا الحدث الأكبر، ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ هذا قيد عائد على قوله: ﴿على سفر﴾؛ وذلك لأن المريض الذي يتضرر باستعمال الماء يجوز أن يتيمم وإن وجد الماء، فيكون قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ عائد على قوله: ﴿أو على سفر ... ﴾. قوله: ﵁: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله"، هذا ليس بقيد لكنه مثال؛ لأن الجراحة التي تبيح التيمم سواء كانت من جراء الجهاد في سبيل الله، أو كانت بسقطة أو بغير ذلك المهم أن يكون به جرح يتضرر بالماء، قال: "والقروح" يعني: وكذلك إاذ كان به القروح التي حدثت بدون جرح مثل الدمامل، والبثرة، وما أشبهها. قوله: "فيجنب فيخاف ان يموت إذا اغتسل تيمم" هذه "تيمم" جواب "إذا كانت"، وقوله: "فيخاف

стр. 328

أن يموت" هذا أيضا ليس بقيد؛ لأن التيمم يجوز وإن لم يخف الموت حتى لو خاف المرض، أو استمرار المرض وتأخر برئه، فإنه يجوز أن يتيمم كما في حديث عمرو بن العاص ﵁. فإنه تيمم خوفا من البرد مع أنه لم يخف الموت، لكن خاف أن يتضرر بالبرد إن اغتسل فتيمم. إذن نأخذ من هذا الحديث أن ابن عباس ﵄ يرى أن المراد بالمرض هنا: الجروح التي حصلت من الجهاد في سبيل الله، أو من غيرها، ولكنه ﵁ زاد أنه يخاف الموت، وفي كلا المرين نظر، أما الأول: فقلنا: إن هذا على سبيل المثال إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، فهاذ على سبيل المثال، وليس مراده التخصيص كذلك يخاف ان يموت هذا أيضا على سبيل المثال، وليس على سبيل القيد؛ لأن ابن عباس ﵄ لا يخفى عليه مثل هذا الحكم الذي تعم البلوى به. ويستفاد من هذا الحديث: أن من كان عليه جراحة ويخاف إذا غسلها أن يتضرر بموت أو بما دونه فإنه يتيمم؛ من أين أخذ؟ أخذ من عموم قوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ [النساء: ٤٣]. وأخذ من قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وأخذ من قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. كل هذا يدل على أن الإنسان إذا كان به جرح يتضرر بالماء فإنه يتيمم. قال العلماء ﵏: إذا كان في الإنسان جرح فإن كان الماء لا يضره إاذ غسله وجب عليه الغسل؛ لأنه مستطيع، وإذا كان يضره لكن لا يضره المسح به فإنه يمسح به، وإن كان يضره حتى المسح فإنه يتيمم، وهذا الترتيب يؤخذ من عموم قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، أما وجوب الغسل إذا لم يتضرر فظاهر، وأما وجوب المسح فلأن المسح بالماء أقرب من التيمم، فيؤخذ بالأقرب فالأقرب، وأما إذا كان يضره حتى المسح فإنه يتيمم، فهو بالقياس على أنه إذا عجز عن استعمال الماء في بعض البدون فهو كالذي يعجز عن استعمال الماء في البدن كله؛ إذ إن التيمم بدل عن طهارة الماء. وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يستطع ان يغسل الجرح سقط عنه المسح والتيمم، وقالوا: إن الله يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وهذا لا يستطيع الغسل فيسقط عنه، لكن الصواب ما ذكرنا من أنه على الترتيب الآتي: أولا: الغسل، ثم المسح، ثم التيمم. وإذا قلنا بالتيمم فهل يجب عليه مراعاة الترتيب والموالاة؟ نقول: إذا كانت الطهارة عن غسل فالغسل عن المشهور عند الفقهاء لا يشترط فيه ترتيب ولا موالاة، وعلى هذا فإذا كان في يده جرح يضره استعمال الماء غسلا ومسحا، وقلنا بوجوب

стр. 329

التيمم فله أن يؤخر إلى أن يريد الصلاة، ولو طال الفصل، هذا إذا كان غسلا عن جنابة؛ لأنه لا تشترط الموالاة على المشهور، يعني مثلا: إنسان قام من الليل فوجد نفسه مجنبا باحتلام وفيه جرح لا يمكن أن يمسجه، وقلنا: يجب عليك أن تيمم عنه فاغتسل الرجل وخرج إلى المسجد وتيمم في المسجد بعد مدة يجوز أو لا؟ يجوز بناء على أن الغسل لا تشترط فيه الموالاة، وإذا قلنا باشتراط الموالاة فإنه يجب أن يتيمم عنه فور انتهائه من الاغتسال لئلا تفوت الموالاة، أما الترتيب فلا يجب؛ لأن الغسل يعتبر البدن فيه عضوا واحدا. أما إذا كان عن وضوء؛ يعني: رجل توضأ وفي يده جرح يضره استعمال الماء غسلا ومسحا فالواجب التيمم، متى يتيمم؟ يتيمم إذا غسل وجهه تيمم، لنفرض أن الجرح في اليسرى نقول: اغسل وجهك، ثم اغسل اليد اليمنى، ثم ما لا يتضرر غسله من اليد اليسرى، ثم تيمم في الحال؛ لأنه يجب في الوضوء الترتيب والموالاة، فعليه أن يتيمم على الجرح في موضع الجرح، وهذا يؤدي إلى المشقة لأنه لابد أن يكون عنده منشفة يتنشف حتى إذا تيمم على الجراحة وفيه مشقة، ولا أظن أن الشريعة تأتي من هذا؛ ولهذا كان القول الراجح في الوضوء عن العضو أنه لا يشترط فيه ترتيب ولا موالاة، وأن له أن يؤخر التيمم إلى أن يفرغ من الوضوء كاملا، بل وإلى أن يصل إلى المسجد؛ وذلك لأن الطهارة الآن اختلفت عن طهارة الماء فلا يشترط فيها ترتيب ولا موالاة. ولو قال قائل: نسقط الترتيب؛ لأن الطهارة هذه من غير جنس الأولى، ولا نسقط الموالاة، لو قال قائل بهذا لكان له وجه، كيف؟ الترتيب فيمن بيده جرح، ما هي المراحل؟ يجب أولا الغسل، ثم المسح، ثم التيمم، وإذا قلنا بالتيمم فهل تجب مراعاة الترتيب والموالاة؟ الصحيح: أنه لا يشترط فيه ترتيب ولا موالاة، وعمل الناس الآن عليه تجد الإنسان الذي فيه جرح لا يمسحه ولا يغسله يتوضأ، وإذا جاء إلى المسجد تيمم. فإن قال قائل: إذا لم يخفف ضررا ولا موتا لكن خاف أن يتأخر برؤه بمعنى: أنه إن غسله تأخر برؤه، وإن لم يغسله برأ سريعا، فهل له أن يتيمم؟ الجواب: نعم له أن يتيمم؛ لأن تأخر البرء نوع من الضرر، ثم لا يدري لعله إذا تأخر برؤه عاد عليه، فلذلك نقول: إذا خشي الموت أو الضرر أو تأخر البرء، أما إذا خشي بقاء أثر شيء لو استعمل الماء؛ بمعنى: لا يخشى ان يتأخر البرء؛ ولا أن يتضرر، ولا أن يموت، ولكن يخشى أن يبقى أثر شيء مكان الجرح فهل له أن يتيمم؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا يتأذى به ولا شك فله أن يتيمم؛ لأن الأمر - الحمد لله- واسع في هذه المسألة. إذا خاف أن يزكم وعليه جنابة من جماع؟ إذن نقول فيه تفصيل المهم إذا كان يخشى من الضرر أو من الأم فلا بأس.

стр. 330

المسح على الجبيرة: ١٢٧ - وعن علي ﵁ قال: "انكسرت إحدى زيدي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر". رواه ابن ماجه بسند واه جدا. قوله: "انكسرت إحدى زندي" الذراع فيه عظمان متباريان كل عظمة منهما تسمى زندا، فانكسرت إحدى زنديه ﵁، فوضع عليها جبائر بأمر النبي ﷺ أو بغير أمره، المهم أن الرسول ﷺ أمره أن يمسح على الجبائر. والجبائر: عبارة عن أعواد أربعة أو اثنين تشد على محل الكسر بعد أن يلائم الكسر بعضه إلى بعض، ثم تشد عليه هذه الجبائر وتحتها خرقة وفوقها خرقة، وذلك من أجل أن ينضبط العظم حتى لا يختل بعد أن كان متلائما، وهذا النوع من الجبائر مفيد جدا وهو أفيد بكثير مما يفعله الأطبائ الآن من وضع الجبس؛ لأن الجبس لا يقدر أن يشد الرجل جيدا ثم إنه يكون فيه رائجة كريهة، وهو أيضا مؤذ للإنسان من جهة ثقله وتحمله، لكن هذه الجبائر يسيرة جدا، ولا تكلف، والغالب أنها أسرع نجاحا مما يفعله الأطباء الآن؛ قال: "أن امسح على هذه الجبائر" الجبائر: جمع جبيرة، وهي - كما قلت لكم- ما يشد على الكسر، وسميت جبيرة بمعنى جابرة تفاؤلا؛ لأن العرب يعبرون عما يستكره باسمه بما يقابله تفاؤلا، ولذلك سموا المهلكة "مفازة" من باب التفاؤل وهذا حسن؛ لأن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل. وهذا الحديث يقول المؤلف: "رواه ابن ماجه بسند واه جدا". الواهي: الضعيف، وهي بمعنى: ضعف، و"جدا" مصدر عامله محذوف تقديره: "أجده جدا" يعني: أجد هذا الحكم جدا؛ يعني: أحقه إحقاقا. إذا كان كذلك فهل يمكن أن يحتج بمثله على حكم من الأحكام، ولاسيما الحكم الذي يتعلق بالصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؟ الجواب: لا، ولكن يبقى أن ننظر هل له شواهد؟ إذا كان له شواهد تقويه صار حسنا لغيره كما قال أهل العلم بالمصطلح، فيقول الشاهد:

стр. 331

١٢٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ في لرجل الذي شج، فاغتسل فمات-: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على راويه. هذا الحديث خفف المؤلف ﵀ أمر ضعفه قال: "فيه ضعف" ولم يقل: إنه ضعيف جدا، فربما يقال: إنه صالح بأن يكون شاهدا لحديث علي، وقد يقال: إنه ليس بشاهد؛ لأن حديث علي ضعيف جدا فلا يحتج به، وإذا كان ضعيفا ساقطا يبقى هذا فيه ضعف أيضا، وفيه اختلاف على روايته وفي متنه وفي سنده، وعلى هذا ففيه ضعف وفيه اضطراب، وحينئذ يبقى الحكم في النفس منه شيء، فهل هناك قياس يعضد هذا؟ ننظر. أولا: نشح الحديث: هذا رجل بعثه النبي ﷺ مع أصحابه في سرية فشج وأصابته جنابة، فسأل أصحابه: ماذا تقولون؟ قالوا: لا نرى إلا أن تغتسل؛ لأنهم ﵃ ليس عندهم شيء يستندون إليه فاغتسل فدخل الماء الشجة، -كما تعرفون- هي الجرح في الرأس وهو به خاصة، وفي بقية البدن يقال جرح ولا يقال: شجة، دخل الماء إلى رأسه فمات فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال فيهم: "قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي - يعني: الجهل- السؤال" هذا الحديث بكماله. وقال ﵊: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب" يعني: يشد، مأخوذة من العصابة؛ وهي ما يعصب به الرأس ويحيط به على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده، فقال: "أن يتيمم" وظاهر اللفظ أنه يتيمم أولا، ثم يعصب على الجرح خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. "رواه أبو داود بسند فيه ضعف" في بعض ألفاظه إسقاط "تيمم"، وهذه الراوية التي فيها إسقاط التيمم أقرب من حيث القياس إلى الصواب، فلننظر الآن إذا كانت الروايات ضعيفة عن الرسول ﵊ ننظر القياس، القياس نقول: هذا عضو ستر بساتر مباح للضرورة فأيهما أقرب أن يلغى مسحه ويتيمم، أو نلغي مسحه والتيمم، أو نجمع بينهما؟ له شيء يماثله بعض الشيء المسح على الخفين يمسح الخف ولا يلزم نزعه، وغسل الرجل ولا يجمع بين المسح والتيمم، فأحسن ما يقال ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه

стр. 332

أنه يضع العصابة على الجرح، ويمسح عليه ويغسل الباقي ولا حاجة للتيمم هذا أقرب ما يكون من الأقوال، وأقرب ما يكون إلى القياس. وعلى هذا فنقول: إاذ حصل للإنسان جرح يضره الماء غسلا ومسحا، وقد عصب عليه عصابة فإنه يمسح هذه العصابة ويكفي، فإن كان يضره الغسل والمسح والإعصاب- بمعنى: أن بقاءه هاويا للهواء والشمس أقرب للشفاء- فهنا يتعين التيمم. هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة. مسائل مهمة في المسح على الجبيرة: ويبقى النظر في مسائل: هل يشترط أن يضع هذه الجبيرة على طهارة كما قلنا ذلك في الخفين؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: إنه يشترط لأنه ساتر ممسوح بدلا من غسله فيجب أن يكون على طهارة كالخف، ومنهم من يقول: لا يشترط أن يكون وضعه على طهارة أولا لأنه لا يمكن القياس؛ لأن بين مسح الخفين ومسح الجبائر فروقا كثيرة. وثانيا: أنه يأتي الإنسان على حين غرة لا يتمكن من الوضوء مثلا إنسان سقط من السيارة وانكسرت رجله أو يده كيف نقول إنه يلزمه أن يذهب ويتطهر ثم يجبرها؟ ، هذا فيه مشقة، وربما إذا برد محل الكسر يصعب جدا جبره، فالصواب إذن أنه يشترط أن تكون على طهارة. المسألة الثانية: هل تمسح في الحديث الأكبر والأصغر - أعني: الجبائر-؟ الجواب: نعم، تمسح في الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن مسحها ضرورة ليس اختيارا كالخف فيجوز أن يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر. المسألة الثالثة: هل لها مدة معينة؟ الجواب: لا ليس لها مدة معينة؛ لأن هذه ضرورة فتقدر بقدرها، وبناء على هذا نقول: متى برئ الجرح أو جبر الكسر وجبت إزالتها ولا يجوز إبقاؤها بعد ذلك. فإذا جبر الكسر أو برئ الجرح فهل يلزمه أن يعيد الاغتسال إن كان قد اغتسل عن جنابة أو الوضوء أو لا يلزه؟ الصواب: لا يلزمه؛ لأن هذه الطهارة طهارة كاملة، وإذا كانت طهارة كاملة حسب ما أمر فإنه لا يلزمه أن يعيد الغسل ولا الوضوء. فإن قال قائل: ألستم تقولون: إنه لو عدم الماء وتيمم عن جنابة أو عن وضوء ثم وجد الماء فإنه لا يصلي إلا بعد استعماله؟

стр. 333

فالجواب: بلى، لكن هناك فرق بين طهارة التيمم وهذه الطهارة: هل الطهارة تعتبر طهارة ماء؛ لأنه غسل بقية جسده ومسح على الجبائر، فالطهارة إذن طهارة ماء، وطهارة التيمم طهار التراب بدل، فإذا وجد المبدل منه تعين استعماله، هذا هو الفرق. المسألة الرابعة: هل يجوز المسح عليها فيما لو وضع عليها شيئا من الحرير، يعني: جعل الربط أي العصابة من الحرير وةهو رجل، هل يجوز المسح عليها أو لا يجوز؟ نقول: يجوز المسح عليه إذا كان يتضرر بحلها؛ لأن المسح عزيمة وليس رخصة حتى نقول إنه لا يستباح في المعصية، بل نقول: يجوز المسح عليه ما دام يخشى الضرر بحلها. لو قال قائل: إذا كان يمكنه أن يحلها ثم يعيدها هل يلزمه ذلك؟ نقول: إذا كان لا يتضرر بهذا ولا يخشى على نفسه من الضرر؛ لأن الحكم يدور على علته مثل بعض اللزقات التي تكون على موضع الألم، أحيانا يكون في الإنسان ألم في صدره أو في ظهره أو في أحد أعضائه فيضع عليه لزقه. نقول: إذا كان لا يتضرر بخلعها وجب عليه أن يخلعها ثم يعيدها بعد ذلك، وإن كان يتضرر أو يخشى الضرر فإنه لا يلزمه، وهذا يقع كثيرا فيمن يكون عليه لزقة في ظهره، ويقع عليه جنابة، ويقول: أنا إذا خلعتها لا أتضرر غاية ما هنالك أن تفوت عليه هذه اللزقة فنقول: هذا لا يضر؛ لأن ثمنها قليل، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب غسل جميع البدن؛ أما إذا كان يخشى منها الضرر فلا، فإن الله تعالى قد رفع الحرج عن هذه الأمة. ١٢٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى". رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جدا. يقول: "من السنة" اعلم أن الصحابي إذا قال: "من السنة" فتارة يكون المراد بها الواجب، وتارة يكون المراد بها المسنون المستحب، ووجه ذلك: أن السنة هي الطريقة، والطريقة إما أن تكون واجبة، وإما أن تكون سنة. مثال الأول: الواجب أن ابن عباس ﵄ سئل عن الرجل يصلي أربعا مع الإمام وهو مسافر، ويصليركعتين وحده فقال: تلك هي السنة، هذه الواجبة، ومثالها في الواجب أيضا قول أنس ﵁: "إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعا ثم قسم- أو قال: ثم دار

стр. 334

وإذا تزوج الثيب قام عندها ثلاثا". قوله: "من السنة" هنا يعني: السنة الواجبة، ومن ذلك أيضا قول ابن عباس ﵄ حين جهر في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، قال: "إنما فعلت ذلك ليعلموا أنها سنة". يعني: واجبة. أما السنة التي تكون للاستحباب فهو ما جاء في حديث ابن مسعود- وإن كان فيه شيء من النظر-: "من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة". ومعنى هذا الحديث هذه سنة ليست بواجبة ولكنها سنة مستحبة. هذا الذي معنا إذا صح هذا الأثر "من السنة ألا يصلي" هل هي من السنة الواجبة أو من السنة المستحبة؟ يحتمل الأمران، وإنما استحبت على سبيل الاحتياط. أما معنى هذا الحديث فظاهره أن الرجل إذا تيمم للصلاة فإنهيتيمم للصلاة الأخرى، لكن هل المراد للصلاة الأخرى يعني إذا دخل وقتها أو للصلاة الأخرى ولو في وقت الأولى كالصلاتين مجموعتين؟ إن نظرنا إلى ظاهر الحديث وقلنا: يتيمم للصلاة الأخرى، فظاهره أنه إذا سلم من الصلاة الأولى تيمم للصلاة الثانية، لكن الظاهر لي أنه غير مراد، وأن مراده للصلاة الأخرى يعني: في وقتها، وهو بمعنى قول الرسول ﷺ للمستحاضة: "توضئي لكل صلاة" أي: لوقتها، لكن هذا الأثر - كما ترون- أثر ضعيف جدا، ولم يقل المؤلف: له شاهد. وعلى هذا فنقول: الحديث ضعيف لا يعمل به، ونبقى على الأصل من أن الإنسان إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته فإنه لا يلزمه إعادة التيمم إذا دخل وقت التيمم، وقد قررنا هذا في أول كتاب التيمم، وبينا أن التيمم مطهر رافع للحدث إلى متى؟ إن أن يزول سبب إباحته إما بوجود الماء إن كان التيمم عن عدم الماء، وإما بزوال العذر إذا كان لعذر هذا هو الصحيح. ما حكم هذه الصيغة "من السنة" إذا قالها الصحابي، هل نقول: إنها موقوفة أو إنها مرفوعة؟ قال أهل المصطلح: إنها مرفوعة، لكنها مرفوعة حكما؛ لأن الراوي لم يصرح بأن النبي ﷺ قالها أو فعلها، أو فعلت عنده وأقرها، أو قيلت عنده وأقرها، إنما قال: "من السنة" فإذا رأيت "من السنة" من قول الصحابي فإنه مرفوع حكما؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يقول من السنة إلا وهو يريد سنة الرسول ﵊ لاسيما إذا قال ذلك على سبيل الاستدلال، فإنه إن قال ذلك على سبيل الاستدلال، فمعلوم أن الدليل إنما هو قول الرسول ﷺ .

стр. 335

وإذا قالها التابعي، فهل يقال: إنها مرفوعة حكما لكن السند منقطع، أو نقول: إنها موقوفة؟ في هذا أيضا خلاف بين علماء المصطلح، منهم من قال: إنها تكون موقوفة؛ لأن التابعي في الدرجة الثانية، فغذا قال: "من السنة" أي: من سنة الصحابة الذين أدركهم؛ لأنه لم يدرك النبي ﷺ فيكون "من السنة" أي: من سنة الصحابة إما الخلفاء الراشدون أو غيرهم، وقيل: إنها مرفوعة حكما لكنها مرسلة؛ لأن الصحابي سقط منها فتكون من قسم الضعيف؛ لأن المرسل من أقسام الضعيف. وعليه فنقول: إن كانت مرفوع حكما فهيضعيفة، وإن كانت موقوفة فيبقى البحث: هل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة، وهو محل خلاف بين أهل العلم. ١٠ - باب الحيض "الحيض" مصدر خاص بمعنى: سال، تقول العرب: "حاض الوادي" إاذ سال. وهو في الاصطلاح والعرف: هو سيلان الدم الطبيعي الذي ترخيه الرحم عند البلوغ، خلقه الله - تبتارك وتعالى- لتغذية الولد، وهو مكتوب على بنات آدم منذ خلقهن الله إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة - والله أعلم- لأنه دم طبيعة، ولذلك لا تجد المرأة تتضرر به مع كثرته، وإنما يلحقها شيء من الضعف؛ لكنه لو كان غير طبيعي لأضر بها كثيرا؛ لأنه يخرج بغزارة وهو معتاد، والغالب أنه يأتي كل شهر، والغالب أن أيامه ستة أو سبعة، هذا هو الغالب، وإنما قلنا: إن هذا هو الغالب؛ لأنه يأتي على خلاف الغالب، أحيانا تكون المرأة لا تحيض إلا بعد شهرين، وأحيانا تحيض عشرة أيام، وأحيانا خمسة أسام؛ يعني: تنقص أو تزيد، أحيانا لا يأتيها الحيض لمدة ثلاثة أشهر، أو اربعة أشهر، ثم يأتيها لمدة شهر كامل وهذا قد وقع، يعني: بعض النساء لا يأتيهم كل شهر، ولا الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع، في الخامس تحيض الشهر كله، وكأنها - والله أعلم- تجمتع وتخرج مدة طويلة، وهو يعتاد الأنثى عند البلوغ، ولا يمكن أن يقع في سن صغيرة إلا نادرا جدا؛ ولهذا قال الفقهاء: لا حيض قبيل تمام تسع سنين، هذا ما قالوه، والصحيح أنها يمكن أن تحيض قبل تمام تسع حسب تكوين خلقة المرأة، بعض النساء تكون لها تسع سنين أو في آخر التاسعة وتجد جسمها كبيرا يمكن أن ينزل منها الحيض، وبعضهن بالعكس، المهم متى وجد هذا الحيض - هذا الدم الذي يسيل عند البلوغ أو قريبا منه- فهو دم الحيض، وله علامات: منها: اللون فلونه أسود قاتم. ومنها: الغلظ فهو غليظ ئخين.

стр. 336

ومنها: الرائحة فرائحته منتنة؛ ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : "أسود يعرف"، وفي لفظ" "يعرف". أي: له عرف أي رائحة، فهذه علاماته: السواد، والغلظ، والرائحة. ذكر بعض المعاصرين من الأطباء أن له علامة رابعة، وهي: أنه لا يتجمد، يقول: إنه لا يتجمد لأنه - بإذن الله- عبارة عن دم في الرحم يتجمد ثم يذوب وينزل، فذكروا أنه لا يتجمد، وقيل: إنه لابد أن يتجمد لكن لا يتجمد إلا ببطء بخلاف الدم العادي يتجمد بسرعة. ويثبت بالحيض أحكام شرعية كثيرة جدا تتعلق بالعبادات، وأحكام اجتماعية تتعلق بالمعاملات كالحكم ببلوغها وإعطائها مالها إذا كانت محجورا عليها، وأحكاما شخصية كعقد النكاح، وتمام العدة وغير ذلك، المهم أن للحيض أحكاما كثيرة جدا تعرف بالتتبع تتبع كلام العلماء ﵏ وبعض العلماء يجمعها أو يجمع أكثرها في مكان واحد. الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: ١٣٠ - عن عائشة ﵂: "أنفاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي، وصلي". رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، واستنكره أبو حاتم. قول عائشة ﵂: "كانت تستحاض" كلمة "استحاضت" أو "استحيضت" فيها زيادة عن حاضت ما هي الزيادة؟ الهمزة، والسن، والتاء، وقد قيل: إن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني، وعلى هذا فيكون الاستحاضة زائدة على الحيض كمية وزمنية؛ ولهذا نقول: الاستحاضة: هي أن يستمر الدم على المرأة أكثر الشهر، هذه الاستحاضة، وحدده بعضهم بخمسة عشر يوما. قال: "فما زاد فهو استحاضة"، ولدم الاستحاضة علامات ضد علامات الحيض، فمثلا إذا قلنا: أسود في دم الحيض، نقول في دم الاستحاضة: أحمر، وإذا قلنا: دم الحيض غليظ، فدم الاستحاضة رقيق، وإذا قلنا: دم الحيض له رائحة، فدم الاستحاضة ليس له رائحة؛ ولهذا قال النبي ﵊: "إنه دم عرق كسائر الدماء"، وقول النبي ﷺ : "إن دم الحيض أسود يعرف" يعرف أسود، يعني: في اللون، وغير دم الحيض أحمر.

стр. 337

وقوله: «يعرف» أي: يعرفه من يباشره, وهن النساء؛ ولهذا نقول: النساء في معرفة الحيض والاستحاضة أعلم من الرجال حتى إن بعض التابعين - رحمهم - الله إذا سئلوا عن أحكام الحيض قال: اذهب وسأل النساء؛ لأن النساء يمارسن هذا الشيء ويباشرنه فهن خبرة به, لكن مع ذلك ترى أن النبي ﷺ لم يُضف المعرفة للنساء, قال: «أسود يعرف» , وفي رواية: «يعرف» بالكسر أي: له عرف - يعني: رائحة -, وأما الاستحاضة فليس له رائحة. أسئلة: - التيمم من خصائص هذه الأمة, فما الدليل؟ - هل في حديث: «أعطيت خمسًا» ما يدل على أن التيمم رافع للحدث؟ . - رجل تيمم لصلاة الفجر وأدركته صلاة الظهر فهل يصلي بتيممه الأول؟ - رجل تيمم لفقد الماء وصلى ثم وجد الماء؟ - المسح على الجبيرة هل يُقاس بالمسح على الخفين في التوقيت أو لا؟ - هل تمسح الجبيرة في الحدث الأكبر؟ - عرف الحيض. - هل هو كما يقال إنه من عقوبات بني إسرائيل أنهم عوقبوا بحيض نسائهم؟ - المؤلف ﵀ كغيره من أهل العلم ذكروا باب الحيض في آخر كتاب الطهارة لكن ما هو الحيض؟ - ذكر العلماء الحكمة في خلق هذا فما هي؟ - هل الحيض حادث لبنات آدم أو قديم, وما هو الدليل؟ مباحث مهمة في الحيض: المبحث الأول: هل للحيض سن معينة في ابتدائه وانتهائه؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏ فمنهم من قال: إن الحيض له سن معين ابتداءً وانتهاءً, ولكن الصواب أنه ليس له سن معين؛ لأن النساء تختلف فقالوا: ابتداؤه إذا تم للأنثى تسع سنوات, وما قبل التسع فليس بحيض, وانتهاؤه إذا تم لها خمسون سنة, فما بعد الخمسين ليس بحيض, حتى لو أن الدم استمر معها بعد الخمسين على وتيرة واحدة باللون والرائحة, وكل طبيعة الحيض, فإنه لا يكون حيضًا فيجب عليها الصلاة والصيام ولا تنتهي به العدة, والصحيح أنه لا حد لذلك لا ابتداء ولا انتهاء؛ لأن الله قال: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وأطلق وكذلك السنة جاءت بذلك مطلقة, وأي شيء يأتي في القرآن والسنة مطلقًا فإن تحديده بحكم يحتاج إلى دليل في هذا, وفي غيره

стр. 338

كل من حدد شيئًا مطلقًا في الشرع - أعني: في الكتاب والسنة - فإنه يحتاج إلى دليل وهذا له أمثلة: منها: الحيض, ومنها: الماء هل ينجس أو لا ينجس إذا بلغ قلتين, أو أقل, ومنها: السفر هل له مدة معينة, هل له مسافة معينة. المبحث الثاني: هل للحيض مدة معينة في أقله وأكثره؟ في هذا خلاف أيضًا, فمن العلماء من قال: له مدة في أقله وأكثره, أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يومًا, وقال بعض العلماء: لا حد لذلك؛ لأن النصوص الواردة في الحيض مطلقة لم تحدد زمنًا معينًا, ولا شك أن هذا القول أصح وأريح للنساء؛ لأن القائلين بتحديد المدة يتعبون النساء يقولون: إنه لابد أن يتكرر ثلاث مرات من غير أن يختلف, فإن اختلف فما تكرر ثلاثًا فهو حيض, وما بعده فليس بحيض حتى يتكرر ثلاثًا, وله في ذلك تفاصيل, حتى إن بعض العلماء جعل باب الحيض مائة وخمسين صفحة لكثرة التفاريع التي ليس عليها سلطان. فالصواب: أن الحيض دم معروف متى وجد ثبت حكمه, ومتى انتفى انتفى حكمه, لكن إذا طرأت عليه الزيادة على خمسة عشر يومًا فهنا ينبغي أن نقول: ما زاد على الخمسة عشر يومًا فإنه استحاضة؛ لأنه استوعب أكثر الزمن فيكون استحاضة, ترجع بعد ذلك إلى عادتها, أما لو كان من أول الأمر يأتيها الحيض لمدة سبعة عشر يومًا فكله حيض إذا استمر كذلك إذا علمنا أن الزائد على خمسة عشر كان نتيجة تأخر الحيض؛ لأن بعض النساء كما حدثتكم يتوقف عنها الحيض لمدة ثلاثة أشهر, أو أربعة, ثم يأتيها الحيض شهرًا كاملًا هذه كل شهرها حيض؛ لأننا نظرنا إلى القرينة فوجدناها تدل على أن الحيض بقي في الرحم, وانحبس ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر, ثم خرج مرة واحدة. المبحث الثالث: الاستحاضة إذا طرأت على المرأة فماذا تصنع؟ ذكر المؤلف ﵀ حديث عائشة, أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ كانت تستحاض وقد شرحناه, وقلنا: إن العلماء ﵏ اختلفوا في حكمه, فمنهم من قال: إن هذا الحديث في المبتدأة, ما معنى المبتدأة؟ يعني: التي أتاها الحيض أول مرة واستمر معها فهذه ترجع إلى التمييز - يعني: الدم - هل يختلف أو لا يختلف, فإذا كان بعض دمها يتميز عن الآخر فما كان له صفات الحيض فهو حيض, وما لم يكن له صفات الحيض فليس بحيض, فما هي العلامات؟ ذكرناها فيما سبق: الحيض أسود غليظ له رائحة منتنة, ولا يتجمد كما ذكره بعض العلماء المعاصرين, فهذه نقول: ترجع إلى التمييز, لكن لو كان التمييز يزيد على خمسة عشر يومًا, ويزيد وينقص حينئذٍ يكون ما زاد على خمسة عشر يومًا حكمه حكم الاستحاضة, كما لو لم تكن مستحاضة أصلًا وهذا الذي ذكرته في أن فاطمة ﵂ كانت مبتدأة, وأن المبتدأة تعمل

стр. 339

بالتمييز وهو مذهب الإمام أحمد ﵀, وعنه رواية أخرى: أنها تعمل بالتمييز حتى ولو كانت معتادة, يعني: فيرجع إلى التمييز مطلقًا, إذن مذهب الشافعي ورواية عن أحمد أن المستحاضة تعمل بالتمييز سواء كانت معتادة أو غير معتادة, يعني: سواء سبق لها الحيض المعتاد أو لا, وعللوا ذلك بأن هذا الحديث مطلق ما فيه أن فاطمة كانت معتادة أو غير معتادة, وعللوا أيضًا بأنه لعلها اختلفت عادتها لما استحيضت, يعني: قد تكون عادتها ستة أيام أو سبعة في أول الشهر, ولما استحيضت صار الدم المتميز خمسة أيام في وسط الشهر فتغير في العدد وتغير في المكان فقالوا: ربما يكون تغيره بسبب الاستحاضة. ويظهر أثر الخلاف في امرأة معتادة تحيض ستة أيام من أول كل شهر, هذه عادتها ثم طرأت عليه الاستحاضة, وكان لها تمييز خمسة أيام في آخر الشهر فهنا تعارض عندنا عادة وتمييز, فمن العلماء من قال: نقدم التمييز وهو رواية عن الإمام أحمد, ومذهب الشافعي, ومنهم من قال: نقدم العادة لما سيأتي - إن شاء الله - في الأحاديث. أما الأولون فعللوا ذلك بأنه ربما يختلف محل الحيض بسبب الاستحاضة, ربما يكون الحيض فيما سبق من أول الشهر, والآن تأخر إلى آخر الشهر لوجود هذا المرض, وهو الاستحاضة. وأما الذين قالوا: تغلب العادة فقالوا: إن هذا مقتضى الحديث الآتي إن شاء الله وقالوا: إن هذا أضبط وأريح للمرأة أن يقال: اجلسي عادتك وما زاد على ذلك فهو استحاضة, سواء كان أسود أو غير أسود, ولا شك أن هذا أريح للمعتادة, أما المبتدأة فنعم التمييز لابد من العمل به. علامة المستحاضة: ١٣١ - وفي حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود: «ولتجلس في مركنٍ, فإذا رأت صفرةً فوق الماء, فلتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا, وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا, وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا, وتتوضأ فيما بين ذلك». يعني بذلك: المستحاضة إذا استحيضت تجلس في مركن, يعني: طستا كبيرًا واسعًا, فإذا رأت أثر الدم - يعني: الصفرة - فوق الماء فإنها تكون مستحاضة فتغتسل ثلاث مرات في اليوم والليلة, الغسل الأول: للظهر والعصر, والثاني: للمغرب والعشاء, والثالث: للفجر, وفي هذا الحديث دليل على أن المستحاضة تجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, ولكن هذا على سبيل الاستحباب إذا طلبنا منها أن تغتسل, أما إذا لم نطلب أن تغتسل فإن لها أن تجمع لمشقة الوضوء ولها ألا تجمع, لكننا نأمرها بالجمع إذا أمرناها بالاغتسال.

стр. 340

وعلى هذا فنقول: المستحاضة تؤمر بالاغتسال لكل صلاة, وإذا شق عليها أن تغتسل للصلوات الخمس اغتسلت ثلاثة مرات, وتجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, لكن هذا الاغتسال ليس بواجب وإنما هو سنة كما سنذكر - إن شاء الله - وحينئذٍ نقول: إذا لم تغتسل فالأفضل أن تصلي كل صلاة في وقتها, فإن قالت إنه يشق عليها؛ قلنا لها: أن تجمع ولو تطهرت بالوضوء. أحكام الاستحاضة: ١٣٢ - وعن حمنة بنت جحشٍ قالت: «كنت أستحاض حيضةً كثيرةً شديدةً, فأتيت النبي ﷺ أستفتيه, فقال: إنما هي ركضة من الشيطان, فتحيضي ستة أيام, أو سبعة أيام, ثم اغتسلي, فإذا استنفأت فصلي أربعةً وعشرين, أو ثلاثةً وعشرين, وصومي وصلي, فإن ذلك يجزئك, وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء, فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر, ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا, ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء, ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي, وتغتسلين مع الصبح وتصلين. قال: وهو أعجب الأمرين إلي». رواه الخمسة إلا النسائي, وصححه الترمذي, وحسنه البخاري. قوله: «حيضة كثيرة» أي: في الكم. «شديدة» يعني: في الاندفاع, يعني: تطول مدتها وهي شديدة, أي: يخرج منها دم كثير. قولها: «أستفتيه» أي: أطلب منه الفتيا, والنبي ﷺ مفت, والله تعالى أيضا مفت, والفتيا: هي الإخبار عن حكم شرعي, وحينئذ يكون معنى «أستفتيه»: أي أطلب منه أن يخبرني بحكم شرعي فيما نزل بها, وقوله: «إنما هي ركضة» الركضة بمعنى: الدفعة, كما قال الله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ [ص: ٤٢]. يعني: ادفع بها, «من الشيطان» يعني: أن الشيطان دفع الرحم, فنزل منه الدم, «فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام, ثم اغتسلي» , «تحيضي» أي: اجلسي للحيض ستة أيام, أو سبعة, و «أو» هنا ليست للتخيير ولكنها للتنويع؛ لأن غالب النساء يجلسن ستة أيام أو سبعة, فتنظر إلى أقاربها هل عادتهن سبعة أيام أو ستة أيام, فتجلس كما هي عادة الأقارب, «ثم اغتسلي» بعد أن تحيضت ستة أيام أو سبعة وجوبًا؛ لأننا حكمنا بأن هذه الأيام الستة أو السبعة حيض.

стр. 341

قوله ﷺ : «فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين» «استنقأت» يعني: استنقأت من الحيض, وذلك بالاغتسال منه, «صلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين؟ » إن تحيضت سبعة أيام تصلي ثلاثًا وعشرين, وإن تحيضت ستة تصلي أربعا وعشرين, «وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك» «يجزئك» أي: يكفيك بالعمل لما يلزمك شرعا, «وكذلك فافعلي كل شهر» , وقوله: «كذلك فافعلي» يعني: أن تجلسي ستة أيام أو سبعة تتحيضي, ثم بعد ذلك تغتسلي وتصلي, «كما تحيض النساء» , يعني لأن الغالب أن النساء يحضن ستة أيام أو سبعة. قوله: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر, ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا, ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء, ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي, وتغتسلين مع الصبح وتصلين». قوله ﵊: «فإن استطعت» يعني: أن تقومي بهذا العمل وهو الاغتسال ثلاث مرات للظهر والعصر, والمغرب والعشاء, والثالث للفجر, وقوله: «تؤخري الظهر, وتعجلي العصر»؛ يعني: معناه تصلي الظهر في آخر وقتها, والعصر في أول وقتها. هكذا فسره بعض علماء الحديث, ويأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في الفوائد. قال: «تغتسلين مع الصبح وتصلين» قال: «وهو أعجب الأمرين إلي» , ما الأمر الأول؟ الأمر الأول: أن تغتسل مرة واحدة, متى؟ عند انتهاء الحيض, وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة. الأمر الثاني: أمرها النبي ﷺ أن تغتسل لكل صلاة, لكن للمشقة تجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, فيكون قوله: «أعجب الأمرين إلي» يعني: أن تجمع وتغتسل, والأمر الآخر ما هو؟ أن تغتسل مرة واحدة عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة. يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: أن الاستحاضة تعددت في عهد النبي ﷺ في النساء؛ لأن الأولى من هي؟ فاطمة بنت أبي حبيش, وهذه حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش, وقد ذكر بعض العلماء أن اللاتي استحضن في عهد النبي ﷺ بلغن تسعًا من النسوة, وعدهن. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لجاهل أن يستفتي العالم, بل يجب عليه, لكن

стр. 342

الوجوب لا نأخذه من هذا الحديث, إنما نأخذه من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧]. ومن فوائد هذا الحديث: جواز إطلاق الفتيا في سؤال النبي ﷺ بمعنى: أنه يصح أن نقول: إن الرسول مفت, وهذا أمر لا إشكال فيه؛ لأنه إذا جاز في حق الرب فجوازه في حق الرسول من باب أولى, أليس الله تعالى يقول: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧]. ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]. ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم تسليطًا حسيًا, لكن التسليط المعنوي واضح؛ يعني: إلقاء الوسوسة في القلب بالوساوس الخبيثة الرديئة هذا ثابت ولا إشكال فيه, لكن هذا تسليط حسي؛ لأن كونها تمرض بركضة من الشيطان يدل على أن للشيطان تسلطًا, وهو كذلك؛ ولذلك إذا ولد المولود فإن الشيطان يضرب في خاصرته ولذلك يبكي عند الولادة كما جاء في الحديث: «إذا استهل المولود صارخًا ورث». وربما يكون أيضًا من تسليط الشيطان أن يغفل حتى يقع في حفرة أو يضربه حجرًا أو ما أشبه ذلك, وهذا يقع كثيرًا يكون الإنسان ذكيًا فطنًا لكن لا يدري في يوم من الأيام إلا وهو قد صدم جدارًا أو وقع في حفرة, أو صدم حجرًا في غفلة منه, وهذا يمكن أن يكون من تسلط الشيطان يغفله حتى يوقعه في هذا الضرر, وقد قال غلام موسى لموسى: ﴿فإن نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ [الكهف: ٦٣]. ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادة النساء؛ لقوله ﷺ : «كما تفعل النساء» , ولكن متى يكون هذا؟ يكون في المرأة التي ليس لها عادة ولا تمييز فهذه ترجع إلى عادة النساء, ولكن من أين تبتدئ من نصف الشهر, من أوله, من آخره؟ تبتدئ من أول يوم أتاها الدم فيه, مثلًا إذا كان أتاها أول مرة في اليوم العاشر من الشهر يكون الشهر الثاني تجلس من اليوم العاشر ستة أيام أو سبعة, وإن أتاها من أول يومٍ من الشهر جلست من أول يوم, فإن نسيت متى أتاها تبتدئ من أول الشهر الثاني؛ مثلًا هي علمت بأنه أتاها الحيض في محرم واستحيضت من حين أتاها الحيض لا عادة ولا تمييز, ولكنها تقول: لا أدري هل أتاني في أول الشهر أو وسطه, أو آخره, تجعله من أوله ممن باب الاحتياط ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. ومن فوائد هذا الحديث: أن الصوم والصلاة يحرمان على الحائض لقوله: «وصومي وصلي» , وهذا أمر مجمع عليه, وظاهر هذا الحديث أنها لا تصوم حتى تغتسل وتستنقي؛ لأنه

стр. 343

قال: «فإذا استنقأت أربعًا وعشرين فصومي وصلي» , لكنه باعتبار الصوم غير مراد؛ لأن الحائض يصح منها أن تصوم إذا طهرت من الحيض قبل الاغتسال كامرأة طهرت قبل الفجر بربع ساعة, ولم تغتسل إلا بعد الفجر فهل لها أن تشرع في الصوم قبل الاغتسال؟ الجواب: نعم؛ لأن شأنها حينئذٍ كشأن الجنب, والجنب قد صح عن النبي ﷺ أنه كان يصبح صائمًا وهو جنب من جماع, صلوات الله وسلامه عليه. ومن فوائد هذا الحديث: أن عادة النساء قد تكون ستة أيام, أو سبعة, وهل المرأة مخيرة بين هذا وهذا؟ الجواب: لا؛ لأن تخييرها مشكل لأنها في اليوم السابع إما أن نقول: إن الصلاة حرام عليها, أو نقول: واجبة عليها, وهذا تناقض, إذن كيف نعمل والرسول يقول: هذا أو هذا, نقول: «أو» هنا للتنويع وعليها أن تنظر إلى عادة نسائها, إما ستة أو سبعة وتعمل بذلك. ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى الغالب, وهل يتناول هذا جميع الأحكام؟ الجواب: نعم, فمثلًا رجل حلف ألا يفعل شيئًا وفعله, ولكنه شك هل هو استثنى في الحلف وقال: إن شاء الله أو لا؛ لأنه إن استثنى فلا حنث عليه, وإن لم يستثن فقد حنث, وعليه الكفارة, نقول: انظر إلى الغالب, ما هو غالب أيمانك, هل الغالب أنك إذا حلفت استثنيت فالحكم للغالب, وأما إذا كان الغالب ألا تستثني أو ترددت أيهما أغلب فإنه تجب عليك الكفارة؛ لأن الأصل عدم الاستثناء. ومن فوائد هذا الحديث: أن الغالب في النساء أن يحضن في كل شهر مرة؛ لقوله: «فافعلي كل شهر» , وهذا هو الواقع أن الغالب في النساء أن يحضن كل شهر مرة, ويدل لذلك أن الله جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاث حيض, وعدة من لا تحيض ثلاثة أشهر, وهذا يدل على أن الحيض يأتي النساء في كل شهر. ومن فوائد هذا الحديث: أن المستحاضة مخيرة بين أمرين, إما أن تغتسل عند انتهاء الحيض حكمًا, متى يكون هذا؟ إذا مرت ستة أيام أو سبعة, ثم تتوضأ لكل صلاة, وإما أن تغتسل لكل صلاة, ولكن فيما إذا طلبنا منها أن تغتسل لكل صلاة ينبغي لها أن ترفق بنفسها, وذلك بأن تجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء. ومن فوائد هذا الحديث: بيان صراحة نساء الصحابة ﵃ حيث قالت حمنة: «كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة» , ولقد قالت عائشة ﵂: «نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».

стр. 344

قالت ذلك حين قالت أم سليم: «يا رسول الله, هل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ قال: نعم, إذا هي رأت الماء». ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل البناء على ما كان معروفاً؛ بمعنى: أن الدم الأصل فيه أنه حيض, ولذلك قالت: «أستحاض حيضة كثيرة شديدة» , ولم تقل: استحاضة, قالت: حيضة؛ لأنها بنت على الأصل أنها حيض, ولذلك كانت لا تصلي ﵂, وسيأتي بيان الفائدة التي تستنبط من هذا. ومن فوائد هذا الحديث: أن مرجع الصحابة ﵃ إلى رسول الله ﷺ في الاستفتاء, يعني: لا يحاولون أن يجتهدوا ما دام الرسول ﷺ حيا بينهم, ويترتب على هذه الفائدة أن المرجع بالنسبة إلينا هو سنة الرسول ﷺ والكتاب. ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على الإنسان تسليطًا حسيًا؛ لقوله: «إنما هي ركضة من الشيطان» وهذا واقع, فالشيطان قد يؤثر على الإنسان تأثيرًا حسيًا, كما في فعله في الإنسان حين الولادة, فإن المولود إذا سقط خرج فإن الشيطان يطعنه في خاصرته. وكذلك أيضًا من التسلط الحسي: إلقاء الخيلات في قلب الإنسان, وأحيانًا في بصره يرى ويشاهد أشياء لا حقيقة لها, من أجل أن يدخل عليه الروع والخوف والحزن, وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليجزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله﴾ [المجادلة: ١٠]. والآية التي سبقتها الآن تدل على أن الشيطان قد يباشر أذية الإنس, وقط يسلط أعداءه على أذيته لأن الذين يتناجون ليسوا شياطين هم بنو آدم, لكن يتناجون من أجل أن يحزنوا المؤمنين وذلك بأمر الشيطان. ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى عادة النساء, ويترتب على ذلك العمل بالعرف الشائع بين الناس فيما لم تأت الشريعة بتحديده وهو كذلك. ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاغتسال على المستحاضة إذا تحيضت ستة أيام أو سبعة, وهذا الحديث - حديث حمنة - في أي المستحاضات؟ فيمن ليس لها عادة ولا تمييز. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الاغتسال لكل صلاة؛ لأنه قال: «ثم اغتسلي, فإذا استنقأت فصلي» , وقال: «إن ذلك يجزئك» ولم يذكر الغسل, وهذا أحد الأمرين, والأمر الثاني سيأتي إن شاء الله. ومن فوائد هذا الحديث: أن العادة الغالبة في النساء أن تحيض كل شهر لقوله ﷺ : «فافعلي كل شهر كما تحيض النساء» , وهو كذلك, ومن النساء من تحيض في الشهر مرتين, وقد

стр. 345

تحيض في الشهر ثلاث مرات لكن هذا نادر وقليل, وقد لا تحيض في الشهر بل تحيض في الشهر الثاني, وهو أيضًا موجود لكنه قليل. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الجمع من المستحاضة؛ لأنه يشق عليها أن تغتسل لكل صلاة بدون جمع, لو قلنا: تغتسل لكل صلاة بدون جمع لاغتسلت خمس مرات, فإذا قلنا: بالجمع لاغتسلت ثلاث مرات. ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من ثبوت الجمع الصوري؛ أي: أن الإنسان يصلي كل صلاة في وقتها, لكن كل صلاة قريبة من الأخرى فيكون جمعًا صوريًا؛ لأنه صلى كل صلاة في وقتها, فلم يجمع الصلاتين في وقت واحد منهما, بل صلى كل صلاة في وقتها, لكنه أخر الأولى وعجل الثانية, ولا يلزم من هذا أن تكونا متواليتين, قد يؤخر هذه في آخر الوقت ويعجل هذه في أول الوقت, ويكون بينهما فاصل, فإذا قيل بالجمع الصوري في مثل هذا, بمعنى: أن يكون بينهما فاصل, فإنه ممكن؛ يعني: يمكن أن يقال بالجمع. وأما ما قيل بالجمع الصوري مع الموالاة فهذا لا يمكن؛ لماذا لا يمكن؟ لأن الجمع الصوري معناه: أن تؤخر الصلاة - صلاة الظهر - إلى آخرها إلى أن يصير ظل كل شيء مثلها, ثم تعجل العصر, ومن الذي يرقب الشمس حتى يصير ظل كل شيء مثله؟ لو قلنا باللزوم لكان هذا أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها المتسع؛ ولهذا الجمع الصوري - كما ذكرنا لكم - إن كان المراد: أنه لا موالاة بينهما لكن الأولى يصليها في آخر الوقت, والثانية يصليها في أول الوقت, فهذا ممكن. وأما إذا قيل: جمع بالموالاة؛ فهذا لا يمكن, وأشق من ذلك المغرب والعشاء متى يدخل وقت العشاء؟ بعد مغيب الشفق, ومن الذي يرقب مغيب الشفق حتى يدع صلاة المغرب آخر شيء قبل مغيب الشفق, ويجعل صلاة العشاء أول شيء, هذا صعب جدًا, ولاسيما إن قلنا في الشتاء؛ لأنه يلزمه أن يطلع إلى السطح أو أن يخرج إلى البرية من أجل أن يعرف متى يغيب الشفق. على كل حال: الجمع الصوري الذي ذهب إليه بعض الناس واستدل بهذا الحديث نقول: إن كان المراد مع التفريق دون اشتراط الموالاة, فهذا ممكن, أما مع اشتراط الموالاة فهذا لا يمكن. ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع حتى الحقيقي إذا كان هناك مشقة ولسنا نستدل على هذا بحديث حمنة, ولكن بحديث ابن عباس ﵂ حين قال: «جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر» , قالوا: ما

стр. 346

أراد بذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته». فدل هذا التعليل من ابن عباس وهو المفقه في الدين على أنه كلما كان الحرج في عدم الجمع جاز الجمع, وهذا هو الضابط. ومن فوائد هذا الحديث: بيان تفاضل الأعمال لقوه: «وهو أعجب الأمرين إلي». «أعجب» بمعنى: أحسن, كما في حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن». أي: يستحسنه, ففيه دليل على تفاضل الأعمال, وأن بعضها أفضل من بعض, وهذا ثابت بالقرآن والسنة, ولا إشكال فيه أن بعض الأعمال أفضل من بعض, قال الله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾ [النساء: ٩٥]. مع أنهم كلهم في جهاد, يعني: القاعد لم يجاهد, لكن المجاهد بنفسه وماله يتفاضل جهاده بحسب ما بذل من نفس ومال, ثم قال المؤلف: حكم الاغتسال لكل صلاة للمستحاضة: ١٣٣ - وعن عائشة ﵂, «أن أم حبيبة بنت جحشٍ شكت إلى رسول الله ﷺ الدم, فقال: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك, ثم اغتسلي, فكانت تغتسل لكل صلاة». رواه مسلم. قولها: «أن أم حبيبة بنت جحش» والأولى التي في الحديث الذي قبل هذا «حمنة بنت جحش» , بقي «زينب جحش» هؤلاء الثلاث أخوات «زينب بنت جحش» إحدى أمهات المؤمنين, قال بعض العلماء: إنها أيضًا استحيضت لكنه لم يثبت فيها الذي ثبت في حمنة, الثانية «أم حبيبة» شكت إلى رسول الله - أي: رفعت إليه الشكوى - هو الإخبار بما يؤلم الإنسان نفسيًا, أو جسديًا هذه هي الشكوى, «شكت إليه الدم» يعني: كثرته, فهو على حذف المضاف, والتقدير: «كثرة الدم» , قال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» هذه لها عادة, ولهذا قال لها: «اجلسي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» , وأختها لم يقل لها رسول الله ﵊ ذلك, بل قال: «سبعة أيام, أو ستة». وكأنه ﵊ علم أن الأولى - أعني: حمنة ليس لها عادة ولا تمييز, والثانية لها عادة ولهذا لم يستفصل, بل حكم بدون استفصال أنها تمكث «قدر ما كانت تحبسك حيضتك, ثم اغتسلي» بعدما تنتهي المدة؛ لأننا حكمنا بطهارتها, قالت: «فكانت تغتسل لكل صلاة» , وهذا يدل على أنه اجتهاد منها أي: كانت تغتسل يعني: دون أن يأمرها الرسول ﷺ بذلك لكن سبق أن حمنة أرشدها النبي ﷺ أن تغتسل

стр. 347

لكل صلاة, لكن أذن لها في هذه الحال أن تجمع, والحكمة من ذلك - والله أعلم -: أن الاغتسال يؤدي إلى تقلص العروق, وتقليل الدم, ويكون سببًا لانقطاع الاستحاضة. ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه قد يقول قائل: إن الاستحاضة تأتي عن وراثة؛ لأن هاتين الأختين كلتيهما استحيضت, فلعل هذا يكون عن وراثة, فإن ثبت هذا أن الاستحاضة كسائر الأمراض تكون عن وراثة فلا عجب في ذلك, وإن لم يثبت ألغيت هذه الفائدة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستفتاء عن الشيء المؤلم يسمى شكوى لقولها: «شكت إلى رسول الله الدم». ومن فوائد هذا الحديث: أن الشكوى للمخلوق جائزة بشرط ألا تكون تنبئ عن السخط عن الخالق, وعلى هذا فإذا قلت لشخص: أنا أشكو من كذا من المرض فإنه لا بأس به, بشرط أن لا يكون القصد السخط من الخالق , مجرد إخبار الرسول ﵊ لما قالت عائشة: وارأساه, قال: «بل أنا وارأساه». فلا بأس في الشكاية إلى الخلق إذا كان المقصود مجرد الإخبار لا شكوى الخالق والسخط منه؛ ولهذا قال العلماء ﵏: إن الشكوى إلى المخلوق إذا لم يكن المقصود السخط من الخالق لا تنافي الصبر الجميل. ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى العادة في المستحاضة لقوله ﷺ : «قدر ما كانت تحبسك حيضتك» وإن قل عن ستة أيام وسبعة؟ نعم وإن قل, وأيضًا وإن زاد عليها. ومن فوائد هذا الحديث: أن الحيض يحبس المرأة عن الصلاة والصيام, وأشياء كثيرة تترتب على الحيض. ومن فوائده: أن المعتادة ترجع إلى عادتها سواء كان لها تمييز أو لا, وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستفصل, لم يقل: كيف حال الدم, بل أطلق الرجوع إلى العادة, وهذا لا شك أنه أيسر على المرأة أن ترجع إلى عادتها؛ لأن الأصل بقاء العادة على ما كانت عليه, وتغير الدم ربما يتغير في أول الشهر, وفي الشهر الثاني في آخره, وربما يتغير تغيرًا بينًا, وقد يتغير تغيرًا يسيرًا لكن الرجوع للعادة أضبط بلا شك, فإذا عدمت العادة رجعنا إلى التمييز. ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا تمت العادة بالنسبة للمستحاضة المعتادة وجب عليها الاغتسال؛ لأنها الآن طهرت. ومن فوائد هذا الحديث: جواز اجتهاد الإنسان في العبادات لقولها: «فكانت تغتسل» , ولكن على أي شيء بنت أم حبيبة؟ الظاهر والله أعلم أنها بنت هذا على ما أفتى النبي ﷺ به أختها؛ حيث أمرها أن تغتسل لكل صلاة, وقال: «هذا أعجب الأمرين».

стр. 348

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة؛ لأن الاغتسال من فعلها ﵂, وباجتهاد منها, ولو كان واجباً لبينه النبي ﷺ , وحديث حمنة صريح في أنه ليس بواجب. وجوب الوضوء لكل صلاة للمستحاضة: - وفي رواية للبخاري: «وتوضئي لكل صلاة». وهي لأبي داود وغيره من وجهٍ آخر. فيستفاد منه: وجوب وضوئها لكل صلاة. فإذا قال قائل: ما الحكمة في أنها تتوضأ لكل صلاة؟ قلنا: إن هذه طهارة ضرورة؛ إذ إن الحدث الموجب للطهارة لم يزل قائمًا فتكون الطهارة ضرورة تتقدر بقدرها, وقوله: «لكل صلاة» المراد: لوقت كل صلاة, وليس المراد: أنها إذا جمعت توضأت للظهر, ثم توضأت للعصر, لا بل المراد: توضئي لوقت كل صلاة. فإذا توضأت فهل لها أن تصلي فروضًا ونوافل, أو الفروض فقط؟ الصحيح: أنها تصلي فروضًا ونوافل؛ لأن هذا الوضوء رفع, لم نقل: رفع حدثها, ولكن بمعنى: ارتفاع الحدث, وإذا خرج الوقت فإن دخل وقت الصلاة الأخرى وإن لم يدخل وقت صلاة أخرى لم تتوضأ إلا إذا أرادت أن تتنفل, فمثلًا في صلاة الفجر إذا خرج الوقت وهي قد توضأت لصلاة الفجر وأرادت أن تصلي صلاة الضحى, نقول لها: توضئي لها, كذلك في العشاء الآخرة على القول الراجح أن وقتها يخرج في منتصف الليل, فإذا انتصف الليل وأرادت أن تتهجد نقول: توضئي من جديد. ألحق العلماء ﵏ بالقياس الجلي, بالمستحاضة من كان حدثه دائمًا كإنسان لا يستمسك بوله, أو لا يستمسك الريح من دبره, أو دبره دائمًا يفرز رطوبة, فقالوا: إن حكم هؤلاء حكم المستحاضة, بمعنى: أنه لا يتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها, ولكن لابد من محاولة التقليل من النجاسة بالتحفظ بالحفاظات الموجودة الآن - ولله الحمد - سواء كان رجلًا أو امرأة بقدر المستطاع, وأما ما يفعله بعض الجهال بربط الذكر فهذا غلط عظيم؛ لأن ربط الذكر ضرر على الإنسان فإن البول سينزل من المثانة, وإذا نزل احتقن في القنوات وهي ضعيفة جدًا فربما تنفجر, ولذلك يجب أن ينهى عن هذا, بل يقال: ضع على محل الخارج شيئًا يحفظ من انتشار البول وكفى.

стр. 349

حكم الكدرة والصفرة: ١٣٤ - وعن أم عطية ﵂ قالت: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا». رواه البخاري, وأبو داود واللفظ له. «أم عطية» أنصارية معروفة ﵂ قالت: «كنا لا نعده». «كنا» يعني: معشر النساء, ولم تقل: في عهد النبي ﷺ , ومثل هذا اختلف فيه العلماء هل هو من اجتهاد الصحابة أو له حكم الرفع, ما لو قالت: في عهد الرسول ﷺ فلا شك أنه في حكم الرفع, لكن هنا لم تقل: في عهد الرسول ﷺ , فلذلك هل نقول: إنه في حكم الرفع, أو نقول: إنه من عمل الصحابيات واجتهادهن؟ وقوله: «لا نعد»؛ أي: لا نحسبها ولا نعتبرها, و «الكدرة» أن يكون الدم متكدرًا, وشبهوا ذلك بغسالة اللحم, وأما «الصفرة» فهو شيء يشبه الصديد أصفر, «بعد الطهر» أي: بعد زمن الحيض, يعني: إذا طهرت المرأة بالقصة البيضاء ثم وجدت الكدرة أو الصفرة فإنها لا تعد شيئًا, ومعنى «لا تعد شيئًا» أي: لا تعد شيئًا معتبرًا في الحيض, وإلا فإنها تنقض الوضوء, وإذا استمرت مع المرأة صار لها حكم سلس البول. المؤلف يقول: «رواه البخاري, وأبو داود, واللفظ له» , وهذا سهو من المؤلف ﵀, فإن البخاري لم يرو: «بعد الطهر» , وإنما رواية: «بعد الطهر» لأبي داود, ولا يسلم المؤلف من التبعة حين قال: «واللفظ له» , بل نقول: كان الذي ينبغي أن يقول: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا» رواه البخاري, وأبو داود, وزاد: «بعد الطهر»؛ حتى يبين اللفظ الذي رواه البخاري من اللفظ الذي رواه داود. هذا الحديث يدل على أن النساء قد يرين دمًا خالصًا, ويرين كدرة, ويرين صفرة, وفيه قسم رابع يرين ماء أبيض وهي القصة البيضاء. وقد اختلف العلماء ﵏ في هذا الحديث هل هو مرفوع أو موقوف هذه واحدة, فإن كان مرفوعًا فهو حدة, وإن كان موقوفا فهو رأي واجتهاد قابل للنقاش. ثانيًا: وعلى تقدير صحته وأنه مرفوع فإنهم اختلفوا أيضًا هل هذا يعني بعد حذف «بعد الطهر»؛ لأن «بعد الطهر» ليست في البخاري هل تعد الصفرة والكدرة شيئًا أو لا تعد؟ على أقوال متعددة تبلغ الستة والسبعة؛ لأن الحديث: أولًا: غير صريح في الرفع. وثانيًا: ليست زيادة «بعد الطهر» متفق عليها, ولا من رواية البخاري؛ فالعلماء اختلفوا, منهم من قال: الصفرة والكدرة ليستا بشيء سواء كانتا قبل الحيض

стр. 350

أو بعد الحيض متصلًا بالحيض, وأن الحيض هو الدم الخالص المعروف, وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀, وأيد هذا بأدلة قوية وقال: ليس لنا أن نلزمها بما لم يلزمها الله ؛ أو نحرم عليها ما لم يحرمه الله, وذكر شيخ الإسلام ﵀ ذلك وجها لأصحابنا الحنابلة, وهذا القول هو الذي تطمئن نفسي إليه سواء قبل الحيض أو بعد الحيض متصلة بالحيض أو منفصلة, وهذا في الحقيقة مع وضوحه وبيانه أريح للنساء؛ لأن بعض النساء تبقى معها الصفرة مدة طويلة بعد الدم, فإذا قلنا: إن الحيض هو الدم المعروف كما قال ابن حزم ﵀ في اللغة العربية, نقول: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى إشكال, وفي حديث أم عطية أنهم كانوا لا يعدونه شيئًا, فهو أصوب وأقرب للصواب. يلي ذلك القول بأن الصفرة المتصلة بالحيض بعد الحيض من الحيض, وأما التي تسبق الحيض فليست من الحيض, وهذا أقرب من الأقوال الأخرى. ويلي ذلك أن الصفرة والكدرة المتصلة بالحيض في أوله أو آخره من الحيض, والأقوال المتعددة ذكرها النووي ﵀ في شرح المهذب. فالقول الراجح عندي: أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض مطلقًا, نعم لو وقع في أثناء الحيض مثلًا: امرأة عادتها خمسة أيام في بعض الأيام نصف يوم أو ساعة أو ما أشبه ذلك تجد صفرة هذا لا يعتبر طهرًا بل هو تابع للحيض, وإن لم تر الصفرة؛ لأن الجفاف أو الجفوف مدة يسيرة في أثناء الحيض تعتبر حيضًا. الاستمتاع بالحائض: ١٣٥ - وعن أن ﵁: «أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها, فقال النبي ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح». رواه مسلم. قوله: «كانت اليهود إذا حاضت المرأة» أنث اليهود باعتبار الجمع؛ لأن اليهود بمعنى: القبيلة, أو الطائفة, أو ما أشبه ذلك, وقوله: «لم يؤاكلها» أي: هجروها ولا يأكلون معها, فقال النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» يخاطب أصحابه يعني: افعلوا مع النساء كل شيء, يعني: الأكل, والنوم, والمباشرة كل شيء إلا النكاح, والمراد بالنكاح هنا: الجماع, وليس عقد النكاح, بل الجمع. ففي هذا الحديث فوائد, منها: تشديد اليهود في التطهر من النجاسة؛ ولهذا كانوا لا يؤاكلون

стр. 351

الحائض, ولا يضاجعونها, ولا يقربونها, وكانوا إذا أصابت ثوبهم النجاسة قصوه بالمقص, ولا يرون أن الماء يطهره كما ذكر أهل العلم, ولما ذكر أهل العلم أن الأمة الإسلامية وسط بين الأمم في النجاسات قالوا: إن اليهود إذا تنجس الثوب عندهم قصوه ولا يطهرونه بالماء, والنصارى, بالعكس يتلوث بالنجاسة أو لا يتلوث لا يهمهم هذا, المسلمون - والحمد لله - وسط. ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستمتاع بالحائض في كل شيء إلا الوطء, وعلى هذا فله أن يقبلها ويؤاكلها, ويضمها ويجامعها بين الفخذين, كل شيء يفعل إلا النكاح: إلا الجماع. وهل يلزم مع ذلك أن تأتزر إذا أراد أن يباشرها أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ لأن النبي ﷺ أطلق فله أن يباشرها وإن لم تأتزر, لكن اتزارها أفضل وأكمل لوجهين: الوجه الأول: أنه ربما يعجز عن كبح نفسه إذا كانت غير مئتزرة فيجامع في الفرج. وثانيًا: لئلا يرى منها ما يكره من الدم, فإذا كانت مئتزرة فليباشرها ما شاء لكن لئلا يرى هذا؛ ولهذا قال: ١٣٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر, فيباشرني وأنا حائض». متفق عليه. «يأمرني فأتزر» أي: ألبس الإزار, «فيباشرني» المباشرة أبلغ من التقبيل, «وأنا حائض» الجملة هذه حالية, يعني: والحال أني حائض. ففي هذا الحديث فوائد, منها: أن الإنسان إذا أراد أن يتمتع بامرأته وهي حائض فليأمرها بالاتزار. ومن فوائد الحديث: جواز استمتاع الرجل بزوجته بدون إزار إذا كانت طاهرة, وهذا واضح, فإنه يجوز للزوجين أن يباشر أحدهما الآخر وهما عاريان ولا حرج في هذا, لكن ينبغي أن يكونا عليهما رداء أو نحوه يغطيهم في هذه الحال. من فوائد الحديث: أنه يشرع للمرأة إذا كانت حائضًا وأراد زوجها أن يستمتع بها أن يأمرها بالاتزار اقتداء بالرسول ﷺ . ومن فوائد الحديث: صراحة نساء الصحابة في الأمر الذي يستحيا حائضًا بكل شيء إلا النكاح - أي: الجماع -. ثانيًا: أنه ينبغي إذا أراد أن يباشر أن تتزر لوجهين:

стр. 352

الأول: لئلا يرى منها ما يكره. والثاني: لئلا تغلبه نفسه فيجامعها. كفارة وطء الحائض: ١٣٧ - وعن ابن عباس ﵄, عن رسول ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينارٍ, أو بنصف دينارٍ». رواه الخمسة, وصححه الحاكم وابن القطان, ورجح غيرهما وقفه. هذه المسألة - مسألة وطء الحائض - فوطء الحائض لا شك أنه حرام بنص القرآن, قال الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ومتى يرتفع هذا التحريم؟ قيل: إنه يرتفع بانقطاع الدم, وقيل: إنه يرتفع بالاغتسال, فالذين قالوا إنه يرتفع بانقطاع الدم, قالوا: إن الله قال: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ والطهر: هو انقطاع الحيض, وقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ أي: من الحيض, والمراد بذلك: أن تغسل محل الدم والفرج فتحل بعد ذلك, وليس المراد: الاغتسال, وأن المرأة إذا طهرت من الحيض وغسلت الفرج وما أصاب الدم فإنه يجوز للزوج أن يجامعها, وهذا رأي ابن حزم ﵀, ولكنه ضعيف. والصواب: أن المراد بالتطهر: الاغتسال لقول الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. فسمى الاغتسال تطهرًا, وهذا أحوط وأبرأ للذمة, ولعله أصح للمرأة؛ لأن المرأة بعد الاغتسال سوف يكون لها نشاط وتعود عليها قوتها وتكون متهيئة للجماع. ولكن إذا فعل الإنسان فجامع في الحيض فهو آثم بلا شك, إلا أن يكون جاهلًا فالجهل عذر, لكن إذا كان عالمًا فهو آثم, ثم هل يلزمه مع التوبة إلى الله أن يتصدق بشيء؟ في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: لا شيء عليه, عليه أن يتوب فقط, ولا يلزمه أكثر من ذلك, والأصل براءة الذمة, فلا تلزم المسلمين بشيء إلا بيقين؛ لأنك إذا ألزمته شيئًا فقد استبحت بعض ماله بقدر ما تلزمه, ومن الذي أحل لك ماله حتى يخرجه من ملكه إلى الفقير, والأصل احترام الأموال ولا نلزم الناس يبذلها إلا بدليل, فصار عندنا أصلان:

стр. 353

الأول: براءة الذمة. والثاني: عصمة المال, واحترام المال. فكيف نقول لهذا الرجل: عليك الكفارة ونخرج شيئًا من ماله بدون دليل شرعي؟ ! وقال بعض أهل العلم: بل عليه الكفارة لحديث ابن عباس الذي ساقه المؤلف ﵀, والكفارة إما دينار أو نصف دينار, والدينار الإسلامي مثقال من الذهب, يعني: ما يزن مثقالًا من الذهب, أو نصف مثقال, وقيمته معروفة عند أهل الصرف. ولكن الحديث - كما تشاهدون - اختلف العلماء في رفعه إلى النبي ﷺ فأكثر المحدثين بأنه موقوف على عبد الله بن عباس ﵄ ثم الحديث فيه اضطراب في إسناده, وفيه أيضًا شيء من الاضطراب في موجبه ومقتضاه ديار أو نصف دينار, ولم يرد مثل هذا التخيير في جنس واحد, في أي كفارة من الكفارات, التخيير الذي يكون في الكفارات يكون بين جنسين طعام, أو كسوة, أو عتق مثلًا في كفارة الأيمان, أما أن يكون دينار أو نصفه فهذا لا يستقيم. ثم هل الحديث صريح في الوجوب؟ الحديث يقول: «يتصدق» فيحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب, ويحتمل أن يكون على سبيل الوجوب, واحتمال كونه على سبيل الوجوب أقرب؛ لأنه في مقابلة ذنب, والذنب لا يرفع إلا بواجب, لكن يبقى النظر في كونه مخيرًا بين الدينار أو النصف دينار, فهل هذا مستقيم؟ ثم يبقى النظر أن الحديث مختلف فيه, هل هو مرفوع إلى النبي ﷺ أو من قول ابن عباس, ثم الحديث أيضًا فيه اضطراب في سنده ولذلك عدل عنه الإمام الشافعي ﵀ وقال: «إن وطء الحائض ليس فيه كفارة, ولو صح الحديث لقلت به». ولكن لا شك أن الإنسان إذا احتاط وكان الله قد أعطاه سعة من المال وكفر فإن هذا يكون سببًا لردعه عن العودة إليه, فإخراج الكفارة بلا شك أولى من التبعة. فإذا قلنا: التخيير فيه إشكال وهو كيف يخير بين شيئين من جنس واحد أحدهما أقل من الآخر؟ فيقال: هذا من فضل الله أن الله تعالى أوجب الدينار وهذا على الكمال, أو نصفه وهذا على الإجزاء, فالكمال دينار, والإجزاء نصف دينار, على أن بعض العلماء قال: إن هذا التخيير ليس تخييرًا تشهيًا ولكنه تنويع, وأنه إذا كان الجماع في فور الحيض فدينار, وإن كان في آخره فنصف دينار؛ لأن الحيض في فور الدم أشد ضررًا وأكثر إثما, ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أنه على التخيير مطلقًا. ***

стр. 354

أحكام تترتب على الحيض: ١٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟ ». متفق عليه في حديث طويل. هذا جواب من الرسول ﵊ لسؤال ورد عليه, فإن النبي ﷺ وعظ النساء بعد أن وعظ الرجال في خطبة صلاة العيد, وذكرهن وقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». و «لبه» يعني: عقله, فقال: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين» فانتبهت النساء لهذا, وقالوا: يا رسول الله, ما نقصان عقلنا, وما نقصان ديننا؟ فبين أن نقصان العقل المراد بالعقل: عقل الأشياء وضبطها, وليس العقل الذي هو ضد الجنون, وبين أن نقصان عقلها أن شهادة الرجل بشهادة امرأتين لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وبين الله السبب قال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ﴿تضل﴾ , بمعنى: تجهل, أو بمعنى: تنسى, و ﴿فتذكر﴾ بمعنى: تنبه إن كانت جاهلة فبالتعليم, وإن كانت ناسية فبالتذكير, فبين الله الحكمة أن المرأة قليلة العقل ما تعقل الأشياء ولا تحفظها كما يفعل الرجل. أما الصلاة فقال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلت: بلى يا رسول الله, قال: «هذا نقصان دين» , فمثلًا إذا حاضت المرأة سبعة أيام لا تصلي والرجل يصلي صار أكمل منها دينًا, وأكثر منها عملًا فهذا نقصان دينها. ولكن هل تلام على هذا النقص؟ الجواب: لا؛ لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية النقص؟ الجواب: لا, لأن نقص الإيمان ينقسم إلى قسمين: إن كان لترك واجب أو فعل معصية فهو نقصان يلام عليه العبد, وإن كان لترك مستحب أو لترك معذور فيه الإنسان فهو نقص لا يلام عليه. فإن قال قائل: المرأة الآن لا تصوم بإذن الله وبأمر الله ولو صامت لأثمت, فكيف تجعلونها ناقصة؟ نقول: نجعلها ناقصة كما جعل النبي ﷺ الفقراء ناقصين عن الأغنياء الذين ينفقون أموالهم فيما يرضي الله, وأرشدهم إلى أن يسبحوا الله ويحمدوه ويكبروه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين, فلما علم الأغنياء بذلك فعلوا مثله, فجاء الفقراء يشتكون, قالوا: يا رسول الله, إن إخواننا الأغنياء فعلوا مثل ما فعلنا, فال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فإذا احتجت المرأة وقالت: إنها لم تترك الصلاة إلا بأمر الله, ولم تترك الصوم إلا بأمر الله, قلنا: هذا فضل الله وليس لك حجة على الله, والله تعالى يؤتي ملكه من يشاء, أليس الله تعالى يفضل بعض الناس على

стр. 355

بعض في العلم, في العبادة, في الرسالة, في النبوة, في الولاية, في كل شيء, فضل الله يؤتيه من يشاء. استفدنا من هذا الحديث: أولًا: حسن خلق الرسول ﵊, وأنه أحسن الناس خلقًا وأرحب الناس صدرًا, وأنه ﵊ يقبل أن يناقشهن ولا يأنف عن ذلك ولا ينهر ولا يكفهر ﵊. ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا طلب منه الإرشاد إلى معرفة الحكمة أن يبين ذلك بصدر منشرح إن تبينت له الحكمة وإلا يقول: الله أعلم. ومنها: أنه قد تقرر في الدين الإسلامي أن المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك مقررًا: «أليس إذا حاضت» , والاستفهام هنا للتقرير. ومنها: أن الحائض لا تصلي نفلا ولا فرضًا, ولا تصوم نفلًا ولا فرضًا, وجه ذلك: الإطلاق, والشيء إذا أطلق لا يمكن أن يقيد. أسئلة: - لماذا كان النبي ﷺ يأمر عائشة أن تتزر فيباشرها؟ - من أتى امرأته وهي حائض ماذا عليه؟ - ما هو الدينار؟ - هل قول ابن عباس «يتصدق» على سبيل الوجوب؟ - هل قوله: «أليس إذا حاضت» استفهام أم ماذا؟ - لماذا ساقه المؤلف في باب الحيض؟ - إذا قال قائل: كيف تكون ناقصة وهي ممتثلة؟ ١٣٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: «لما جئنا سرف حضت, فقال النبي ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج, غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». متفق عليه في حديث طويل. «لما جئنا» الضمير هنا يعود على الرهط الذين كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع, وكان النبي ﷺ في حجة الوداع قد خرج بزوجاته كلهن, وأحرمن بعمرة متمتعات بها إلى الحج, ومنهن عائشة, فلما بلغوا «سرف» وهو مكان في طريق المدينة إلى مكة حاضت, فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي وسألها لماذا؟ فأخبرته بأنها حاضت, فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» , قال تسلية لها حتى تتأسى؛ لأن الإنسان إذا تأسى بغير هانت عليه المصيبة, ويشير
следующие страницы →