Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
حكم الصائل:
١٢٠٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيٌد" رواه الأربعة، وصحَّحه التَّرمذيُّ.
"من" شرطية، فعل الشرط: "قتل" جوابه: "فهو شهيد"، ومعنى "قتل دون ماله ": أنه لو جاء أحد من الناس فصال عليه لأخذ ماله فقاتله دفاعًا عن نفسه وعن ماله ثم قتل فهو شهيد، فيكون هذا المقتول شهيدًا؛ لأنه دافع بحق، فإن قتل الصائل فالصائل ليس بشهيد بل هو في النار، ولهذا سئل النبي ﷺ عن الرجل يأتيه الإنسان يقول: أعطني مالاً؟ قال: "لا تعطه"، قال: يا رسول الله، ﷺ أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" قال: أرأيت إن قتلني قال: "فأنت شهيد"، وذلك لأنه صائل معتٍد فيكون في النار، أما هذا فيكون شهيدًا، ولكن قال العلماء: يجب أن يدافع الصائل بما هو أسهل فأسهل، فمثلاً: إذا كان يمكن أن يدافعه بالتهديد ويقول: سوف أرفع بك إلى ولي الأمر إذا لم تنته فلا حاجة إلى ضرب ولا غيره، وإذا لم ينتفع به هذا وأمكن للمصول عليه أن يوثقه ويدفعه فإنه لا يحتاج للضرب، وإذا لم يمكن الاندفاع بذلك واندفع بالضرب فليضربهن هذا لا يمكن مدافعته
في هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز مدافعة الإنسان عن ماله لكونه إذا قتل يكون شهيدًا
ومن فوائده: أن المقتول ظلمًا شهيد، ولكا هل هو شهيد في الآخرة أو شهيد في الدنيا؟ في هذا للعلماء قولان: القول الأول: أنه شهيد في الدنيا والآخرة، والقول الثاني: أنه شهيد في الآخرة فقط، والثاني هو الصحيح أنه شهيد في الآخرة، وبناء عليه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه.
стр. 2907
فإن قال قائل: ألا يصح قياسه على من قتل في سبيل الله؟ لا يصح القياس؛ لأن المقاتل في سبيل الله إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولأن المقاتل في سبيل الله هو الذي بذل نفسه وذهب إلى الخطر، أما هذا فإنه مدافع فقط فبينهما فرق؛ ولهذا كان القول الراجح: أنه يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يلام الإنسان على المدافعة عن ماله وذلك لقوله: "فهو شهيد" ولكن هل يلزمه أن يدافع عن ماله؟ قال الفقهاء: إنه لا يلزمه أن يدافع عن ماله، لأن المال لو ذهب يخلف الله غيره، وقال آخرون: بل يجب أن يدافع عن ماله؛ لأن ماله محترم، ولأن النبي ﷺ قال لما سئل أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" فأمر بقتله، ولأننا لو تركنا المقاتلة لكان في ذلك فتح باب للصائلين أن يصولوا، على الناس، وهذا القول - أعني: وجوب المدافعة - أقرب غلى القول بأن ذلك على سبيل الإباحة، هل يلزمه أن يدافع عن نفسه وعن أهله؟ نعم، يجب قولا واحدا، وذلك لأن المدافعة عن النفس والأهل أوكد من المدافعة عن المال، لو أراد أحد أن يقتلك أو أن يهتك عرضك فلا تمكِّنه من هذا، وهل يلزمه أن يدافع عن مال الغير؟ ينبني على الخلاف في المدافعة عن ماله، فنقول: نعم، إذا كان الغير معصومًا وله حرمة فإنه يجب أن يدافع عنه.
الدفاع عن النفس:
١٢٠٧ - وعن عبد الله بن خبَّاب ﵁ قال: سمعت أبي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تكون قتنٌ، فكن فيها يا عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". أخرجه ابن أبي خيثمة والدَّارقطنيِّ.
- وأخرج أحمد نحوه: عن خالد بن عرفطة ﵁.
"تكون" هنا فعل مضارع، ولكنها هنا تامة، أي تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك:
*وذو تمام ما برفع يكتفي *
وعلى هذا تكون "فتن" فاعلًا، أي توجد فتن، والفتنة ما يفتن به الناس، وهي أنواع كثيرة قد يفتن الناس في أديانهم، أو في أعراضهم، أو في أخلاقهم عموما أو في دمائهم، المهم أن الفتن أنواع، ومن الفتن: الفتن المقالية التي يتنابز فيها بالناس بالألقاب السيئة: أنت مبتدع، أنت كافر، أنت فاسق، وغير ذلك من الكلمات التي لا يجنى منها إلا اختلاف القلوب، واختلاف الناس، لكن المراد بالفتن هنا - والله أعلم - فتن الدماء، أي: تكون فتن، أي قتال بين الناس.
стр. 2908
"فكن فيها يا عبد الله المقتول" "عبد" هنا يجوز أن تكون منصوبة على أنها خبر "كن"، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها منادى وحرف النداء محذوف، أي: كن فيها يا عبد الله المقتول، فعلى الأول تكون، "المقتول" صفة لعبد الله، وعلى الثاني أن "عبد" منادى "تكون" "المقتول" خبر كان، أي: كن يا عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وهذا يعني: أنك لا تدافع عن نفسك في الفتن؛ لأن المدافعة عن النفس في الفتن قد يكون فيها شر كثير وذلك كما جرى لأمير المؤمنين ﵁ الخليفة الثالث بعد رسول الله ﷺ فإنه نهى أن يدافع عنه، بل قال لغلمانه كل إنسان لا يدافع عني فهو حر، فتركوا الدفاع عنه؛ لأنه يحصل بذلك قتل كثير في المدينة النبوية، فهو ﵁ فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها ولا يقولون عن عثمان: إنه فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها مع أن الواضح جدًا أن الثاني هو الحق، أي: أن عثمان ﵁ أراد أن يفدي بنفسه دماء المسلمين وليقتل شهيدًا؛ لأن الرسول ﷺ لما صعد جبل أحد واهتز بهم وارتجف قال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، النبي: محمد ﷺ والصديق: أبو بكر، والشهيدان: عمر، وعثمان ﵄، فالحاصل أنه اختار ذلك، ولهذا قال العلماء: يجب عليه الدفاع عن نفسه إلا في الفتنة فلا يجب، ولكن إذا قلنا: لا يجب هلى معنى ذلك أنه يحرم الدفاع عن نفسه في الفتانة أو ينظر للمصلحة؟ الجواب: الثاني، قد يكون الإنسان في مكان فيه فتنة وفيه قتال، لكن يمكن أن يقتل من صال عليه بدون أن يحصل بذلك فتنة، حينئذ نقول اقتل، وقد يكون بالعكس لو قتله لثارت القبائل؛ لأنه من قبائل كبيرة فتثور ويحصل بذلك فتنة، فالحاصل: أنه في غير الفتنة في حكم الدفاع عن النفس أنه واجب، وفي الفتنة لا يجب لكن ينظر الإنسان للمصلحة قد تكون المصلحة بالمدافعة ولو بالقتل وقد تكون بعدم المدافعة، والإنسان ينظر إلى المصالح العامة فيقدمها على المصالح الخاصة؛ لأن تقديم المصالح العامة هو شرع الله، يعني: يتوافق الشرع والقدر في تقديم المصالح العامة، على المصالح الخاصة، أرأيتم المطر مصلحة عامة لكن يأتي إنسان صب صبة السقف قبيل نزول المطر ما شأن هذا المطر بالنسبة له؟ ضرر له لكن هذا الضرر يزول ويضمحل، فالحكم القدري والحكم الشرعي من ربنا وله الحكمة البالغة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، فأنت انظر في حال الفتنة هل من المصالحة أن تدافع عن نفسك أو من المصلحة أن
стр. 2909
تمسك عن الدفاع، افعل ما تراه مصلحة لكن في غير الفتنة يجب أن تدافع، وبهذا نعرف أن من قاتل ليستشهد فهل يكون شهيدًا؟ إذا قاتل ليقتل فهذا ليس بشهيد، وإن قاتل ليستشهد بمعنى: أن يكون قتاله لإعلاء كلمة الله فهو شهيد، والنية لها أثر بالغ؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا قتل في الجهاد فإنه شهيد بكل حال، وليس كذلك ليس من الشهادة أن تذهب لأجل أن تقتل، إنما الشهادة أن تذهب لتقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حينئذ إذا قتلت فأنت شهيد، فالقتل ليس مقصودًا لذاته، المقصود: أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا قتلت من أجل ذلك فأنت شهيد.
стр. 2910
كتاب الجهاد
ويشتمل على
١ - باب الجزية والهدنة.
٢ - باب السبق والرمي.
стр. 2911
كتاب الجهاد
ذكرنا فيما سبق أن العلماء صنفوا تصنيفاتهم على ثلاثة وجوه: كتاب، والثاني: باب، والثالث: فصل، فالكتاب هو عبارة عن الدخول إلى مسائل متعددة، لكن يجمعها حكم واحد والباب لتحديد الأنواع، فمثلاً: الجهاد فيه عقد ذمة وفيه عهد، وأشياء متنوعة، والفصل لتنوع المسائل فقط فهو كالاستراحة، إذا طال الباب جعلوا فصولاً.
تعريف الجهاد لغة وشرعًا:
الجهاد: لا يشك عالم باللغة العربية أنه مصدر فعله جاهد يجاهد جهادًا، ومعناه: بذل الجهد، أي: الطاقة في إدراك أمر شاق، وهنا نقول: المراد به في هذا الباب خاصة: بذل الجهد لتكون كلمة الله هي العليا، وعلى هذا التعريف يشمل الجهاد بالسلاح، والجهاد بالبيان؛ لأن طالب العلم يبذل الجهد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ودين الله تعالى هو المعمول به في الأمة، فهو يقرأ الكتاب والسنة ويفهم معناهما وينشره بين الناس ويدعو إلى سبيل الله، فهو إذن مجاهد في سبيل الله؛ ولهذا نرى أن الذين في المعركة والذين في مجلس العلم وهم يطلبون العلم حقيقة أنهم سواء في الأجر، بل ربما يزداد أجر طالب العلم لما يحصل من علمه إذا كان ناصحا لله ورسوله من نشره السنة وبيانها، ولهذا نجد أن المجاهد في المعركة محتاج إلى المجاهد في العلم ولا عكس.
أقسام الجهاد:
ينقسم الجهاد إلى قسمين:
* هو أولاً جنسان: الجنس الأول: جهاد الأعداء بالسلاح.
والجنس الثاني: الجهاد لإعلاء كلمة الله بالبيان والعلم، الجهاد - أعني: جهاد الأعداء - ينقسم إلى قسمين: جهاد دفاع، وجهاد طلب؛ فمن غزانا من الكفار فجهاده جهاد دفاع، ومن غزوناه من الكفار فجهاده جهاد طلب، ولكن جهادنا للكفار هل هو من أجل أن يسلموا أو من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وإن يسلموا؟ الثاني، والدليل على هذا ما رواه مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن الرسول ﷺ كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله
стр. 2912
وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثمَّ يأمره إذا حاصر العدو أن يسلم العدو أو ينزل على حكم الله فيبذل الجزية أو يقاتل، وهذا أمر معلوم، أي: أن قتالنا لأعدائنا ليس لأن يسلموا: ﴾ لا إكراه في الدين ﴿، ولكن من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون السيطرة لدين الإسلام: ﴾ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ﴿] التوبة: ٣٣ [
هذا هو المقصود، فنحن مثلاً إذا أخذنا الجزية على الكفار وقلنا: أعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فلمن الكلمة العليا؟ لله ، إذا جاءك اليهودي أو النصراني أو المشرك - على القول الراجح - ذليلاً حقيرًا يسلم الجزية، قوله تعالى: ﴾ عن يدٍ ﴿] التوبة: ٢٩ [. ذكرنا فيما سبق أن لها معنيين: المعنى الول: عن قوة متكلم، أي: أنكم تظهرون أمامه بمظهر القوة، والثاني أنَّ﴾ عن يدٍ ﴿أي: أنك تأخذ بيده عندما تأخذ الجزية وتجره لتريه القوة فليس بصحيح.
وجوب جهاد الدفاع وشروطه:
إذن الجهاد نوعان: جهاد دفاع، وجهاد طلب:
جهاد الدفاع واجب فرض عين بدون تفصيل؛ لأنه يجب أن يدافع عن دينه لأنه دفاع عن النفس وعن بلاد المسلمين، فيجب أن نقاتل - ندافع - حتى من يستطيع الدفاع من النساء أو المراهقين أو ما أشبه ذلك بشرط أن نأمن انهزامهم، فإن خفنا من انهزامهم - كما هو الغالب في النساء ومن لم يبلغ- فإننا لا نمكنهم من القتال.
ولهذا قال العلماء: يجب القتال ويكون فرض عين بأمور أربعة:
الأول: إذا حضر الصف فإن القتال يجب لقول الله تعالى: ﴾ يأيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴿] الأنفال: ١٥، ١٦ [. وقد جعل النبي ﷺ التولِّي يوم الزحف من كبائر الذنوب من الموبقات، إلا أن الله تعالى خفف عن عباده وأذن للمسلمين أن يفروا إذا كان العدو أكثر من مثليهم لقوله تعالى: ﴾ الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا .. ﴿] الأنفال: ٦٦ [. ولهذا أجاز العلماء الفرار من العدو إذا كان أكثر من الضعف. الثاني: إذا استنفره يعني: إذا قال الإمام: اخرجوا قاتلوا، فإنه يجب على المسلمين أن يخرجوا ويقاتلوا؛ لقوله تعالى: ﴾ يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل
стр. 2913
الله اثاقلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨]. يعني: ملتم إليها بثقل، ومعلوم أن الذي يختار الأرض على السماء ضائع﴾ أرضيتم بالحياة الدنيا من االآخرة فما متاع الحياة الدنيا إلا في الآخرة إلَّا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير ﴿] التوبة: ٣٨، ٣٩ [.
الثالث: إذا حضر العدو بلده، وهذا هو الشاهد لما قلناه قبل قليل، إذا حصر العدو بلدك صار الجهاد الآن واجبًا؛ لأنه جهاد دفاع؛ لأن العدو إذا حصر البلد معناه أن أهلها يكونون عرضة للهلاك لاسيما في مثل وقتنا الحاضر، إذا حصر العدو البلد وقطع الكهرباء وقطع المياه وقطع مصادر الغاز معناه أن الأمة سوف تهلك فيجب الدفاع ما دام عندهم ما يمكن أن يدافعوا به.
الرابع: إذا كان محتاجًا إليه، يعني: إذا احتيج إلى هذا الرجل بعينه وجب أن يقاتل مثل أن نغنم دبابات أو طائرات من عدو ونحن لا نعرف كيف نشغلها، لكن يوجد واحد من الناس قد عرف هذه الصنعة وعرف كيف يشغلها فهذا يجب عليه بعينه أن يقاتل، لا يقول: الناس كثير. نقول: نعم، الناس كثير لكن يعرفون تدبير هذا الطائرات فيجب أن تخرج أنت بنفسك. فهذه أربعة مواضع ذكرها العلماء ﵏ أن الجهاد فيها يكون فرض عين، وما عدا ذلك فهو فرض كفاية، الجهاد فرض كفاية على المسلمين لأمر الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن، وأخبر النبي ﷺ أن الجهاد ذروة سنام الإسلام - يعني: أعلاه؛ لأن المجاهدين يعلون على أعدائهم فلهذا شبهه النبي ﷺ بذروة السنام، لأنه أعلى ما في البعير، فالجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفي تعيَّن عليهم.
شرط القدرة على الجهاد وضوابطه:
ولكن اعلموا أن كل واجب لابد فيه من شرط القدرة، والدليل على ذلك النصوص من القرآن والسنة ومن الواقع أيضًا؛ أما القرآن فقد قال الله تعالى: ﴾ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴿] البقرة: ٢٨٦ [وقال تعالى: ﴾ فاتقوا الله ما استطعتم ﴿] التغابن: ١٦ [. وقال تعالى: ﴾ وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴿] الحج: ٧٨ [يعني: حتى لو أمرتم بالجهاد لا يوجد حرج إن قدرتم عليه فهو سهل، وإن لم تقدروا عليه فهو حرج مرفوع، إذن لابد من القدرة والاستطاعة، ومن السنة قال النبي ﷺ وإذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وهذا عام لكل أمر؛ لأن قوله تعالى: "بأمر" نكرة في سياق الشرط فيكون للعموم سواء أمر العبادات أو الجهاد أو غير ذلك، وأما الواقع فقد كان النبي ﷺ في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله وإلى
стр. 2914
الصلاة، وبقي على هذا ثلاث عشرة سنة لم يؤمر بالجهاد مع شدة الإيذاء له ولمتبعيه ﷺ وقلة التكاليف، أكثر أركان الإسلام وما وجبت إلا في المدينة، ولكن هل أمروا بالقتال؟ لا، لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون، هم خائفون على أنفسهم، إنَّ النبي ﷺ خرج من مكة خائفًا على نفسه وهذا معروف، ولذلك لم يوجب الله القتال إلا بعد أن صار للأمة الإسلامية دولة وقوة: ﴾ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ﴿] الحج: ٣٩ [.
وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا؟
فالجواب أن يقال: لعدم القدرة، الأسلحة التي قد ذهب عصرها عندهم هي التي بأيدينا وهي عند أسلحتهم بمنزلة السكاكين الموجودة عند الصواريخ ما تفيد شيئًا، فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء؟ !
ولهذا أقول: إن من الحمق أن يقول قائل: إنه يجب علينا الآن أن تقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا، هذا تأباه حكمة الله ويأباه شرعنا، لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله : ﴾ وأعدُّوا لهم ما استطعت من قوة ﴿] الأنفال: ٦٠ [. هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة نعدها هو الإيمان والتقوى؛ لأننا بالإيمان والتقوى سوف نقضي على أهوائنا، ونقضي على تكاسلنا، ونقضي على محبتنا للدنيا، لأننا الآن نحب الدُّنيا ونكره الموت.
الصحابة المجاهدون حالهم عكس حالنا يريدون الموت ويكرهون الحياة في الذل، فالواجب أن نعد ما استطعنا من قوة وأولها الإيمان والتقوى ثمَّ التسلح، الذي علَّم هؤلاء ألا يعلمنا؟ ّ! يعلمنا لكننا لم نتحرك ثم في الواقع لو تحركنا كمخت الرءوس ما نستطيع، ولا حاجة إلى أن نعين لكم أنهم إذا رأوا دولة يمكن أن تنتعش بالأسلحة فعلوا ما فعلوا مما هو معلوم لكم.
أقول: إن الواجب الآن أن نستعيد بالإيمان والتقوى، وأن نبذل الجهد والشيء الذي لا نقدر عليه نحن غير مكلفين به ونستعين الله على هؤلاء الأعداء، ونحن نعلم أن الله لو شاء لانتصر منهم كما قال تعالى: ﴾ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴿] محمد: ٤ [. يعني: حتى لو ابتلى بعضنا ببعض وقتل من قتل منا فإن الله لا يضل أعمال هؤلاء الذين قتلوا في سبيله سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفا لهم.
فالحاصل: الذي أحب أن أقوله وأؤكده أنه لابد من القدرة، أما مع عدم القدرة فإن الشرع والقدر يتفقان بأنه لا يجب علينا أن نتحرك ما دمنا لا نستطيع الواقع، والشرع كله يدل على هذا
стр. 2915
من المهم فيما نعده لأعدائنا ألا نتفرق ونحن تحت راية واحدة، وألا نتفرق ونحن تحت رايات، يعني: مثًلا الأمة الإسلامية كم لها من دولة؟ دول كثيرة، بينما هي في صدر الإسلام دولة واحدة لكن تعددت الدول، هذه الدول هل هي متفقة أو مختلفة؟ مختلفة غاية الاختلاف متباينة غايو التباين، ثم الدولة الواحدة هل اتفق شعبها؟ الغالب لا، أحزاب: طوائف من الناحية السياسية، وطوائف من الناحية الدينية والأخلاقية والمنهجية، واخرج من بلادك ترى العجب العجاب، يمكن أن يكون كل قرية ترى نفسها دولة مستقلة في عقيدتها ومنهجها وأعمالها وأحكامها، فكيف مع هذا التفرق نريد أن ننتصر على أعدائنا؟ !
ولهذا يحكى لنا أن هناك كلمة حكيمة يطلقها الإنجليز، يقولون: فرق تسد؛ أي: تكون أنت السيد؛ لأنك إذا فرقت الناس صار الناس يضرب بعضهم بعضًا وأنت تتفرج، وهذا هو الواقع بالنسبة لنا على كثرة المسلمين وما عندهم من القوة وإن كانت لا تضاهي ولا تقارب قوة الكفار لكننا متفرقون، وليس هذا من إعداد القوة لأعدائنا، بل هذا من أسباب الفشل كما قال تعالى: ﴾ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ﴿] الأنفال: ٤٦ [. ولهذا نحن نحرص دائمًا على تأليف القلوب وعدم الاختلاف وعدم الفوضى الكلامية والقلبية، ونرى أن الناس يغضون عما يحصل من الأشياء التي قد يستنكرونها يرجون بذلك جمع الكلمة؛ لأن جمع الكلمة مهم جدًا لاشك أنه قد مر على بعضكم من النصوص ما يدل على أن الاجتماع من أهم ما يكون للشرع حتى الرسول ﷺ يقول: "لا يبع بعضكم على بيع بعض"، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى التباغض والتنافر، فتجدون أن الشرع ضد كل طريق يكون فيه اختلاف.
الترغيب في الجهاد في سبيل الله:
١٢٠٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه به، مات على شعبة من نفاق". رواه مسلم.
"من مات" الجملة هذه شرطية، فعلى الشرط فيها "مات"، وجواب اشلرط فيها "مات" الثانية.
قوله: "ولم يغز" أي بالفعل، "ولم يحدث نفسه بالغزو" أي: لو قام الجهاد بأنه سيجاهد إذا قام الجهاد من لم يفعل ذلك مات على شعبة من النفاق، ووجه ذلك: أن المؤمن حقًا هو المجاهد في سبيل الله، أما المنافق فإنه أجبن الناس ولا يمكن أن يجاهد ولا أن يحدث نفسه بالجهاد، ولهذا رجع من الجيش في غزوة أحد نحو الثلث؛ لأنهم كانوا منافقين، فالمنافق لا
стр. 2916
يريد الجهاد ولا يحدث نفسه به؛ لأنه عكس ما يراد بالجهاد؛ إذ إنه يريد أن تكون كلمة الله هي السفلى فلا يمكن أن يحدث نفسه بالغزو، فمن كان من المؤمنين على هذا الوجه "مات على شعبة" أي: على جانب، وشعبة الشيء جانبه، على جانب "من النفاق" والنفاق هو إبطان الشر وإظهار الخير، فإن كان الذي أبطنه كفرًا والذي أظهره إيمانًا صار منافقًا نفاقًا أكبر من الذين في الدرك الأسفل من النار، وإن كان معصية صار منافقًا نفاقًا أصغر، لماذا سمي هذا النوع من العمل السيء بالنفاق يعني: إبطان الشر وإظهار الخير، لماذا سمي بالنفاق؟ قالوا: لأنه مأخوذ من النافقاء وهي نافقاء اليربوع، واليربوع دويبة أكبر من الفأرة قليلًا رجلاه طويلة ويداه قصيرة، ـ لكنه ذكي وله حيل منها أنه يحفز له جحرًا في الأرض ويجعل له بابًا يخرج منه، ويدخل منه ثم يحفر في أقصى الجحر صاعدًا إلى الأرض حتى إذا بقى عليه مثل القشرة وقف من أجل إذا حجره أحد من بابه فتح النافقة هذه، والذي ينظر إلى الجحر من الأصل يقول: هذا ليس له إلا باب واحد، فهو قد أخفى الباب الثاني خداعًا ولهذا اشتق من هذه النافقاء كلمة نفاق.
ففي هذا الحديث: أنه يجب على الإنسان أن يغزو، فإن لم يفعل فليحدث نفسه بالغزو إذا قام ساق الجهاد.
وفيه أيضًا: التحذير من النفاق، ولعمر الله إنه لعمل سيئ يجب الحذر منه؛ لأن المنافق يرائي الناس بأعماله يظهر للناس أنه مستقيم وأنه على الهدى وهو بالعكس وقد قال الله تعالى: ﴾ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا ﴿] النساء: ١٤٢ [
ومن فوائد الحديث: أن النفاق يتشعب يكون أكبر وأصغر لقوله: "على شعبة من النفاق"، وهل الإيمان يتبعض؟ نعم، الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة.
ومن فوائد الحديث: أنه يمكن أن يجتمع في الإنسان خصال إيمان وخصال كفر، فالنفاق من خصال الكفر، وهذا الذي قررناه هو مذهب السلف وأئمة الخلف، وعليه درج أهل السنة والجماعة أن الإنسان يكون فيه خصلة إيمان وخصلة كفر، وقال بعض أهل البدع: لا يمكن أن يجتمع إيمان وكفر، فإما كفر خالص أو إيمان خالص، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة، وكذلك المرجئة الخوارج يقولون: لا يمكن أن يكون في الإنسان خصال إيمان وكفر، إما كفر وإما إيمان، ولهذا لا يزيد الإيمان عندهم ولا ينقص، ففاعل الكبيرة كالزاني مثلًا عند الخوارج كافر خارج من الإيمان هو ومن يسجد للصنم سواء، وعند المرجئة: مؤمن كامل الإيمان لم ينقص إيمانه؛ لأن الإيمان عندهم هو المعرفة سواء استلزم القبول والإذعان أم لا.
стр. 2917
هناك طائفة تمحلت وتمعرفت وتمعلقت وهم المعتزلة قالوا: لا نقول مؤمن ولا كافر، بل نقول: في منزلة بين المنزلتين، لا نسميه مؤمنّا ولا نسميه كافرًا نسميه في منزلة بين المنزلتين، لو أن أحدًا سافر من أهل المدينة إلى مكة وفي أثناء الطريق وقف هل نقول: إنه من أهل المدينة؟ لا، ولا من أهل مكة، لأنه لم يصل إليها بعد، يقولون: هذا في منزلة بين المنزلتين، هذا الفاعل للكبيرة لا يكون مؤمنًا، لأنه خرج من الإيمان، ولا يكون كافرًا، لأنه لم يصل إلى الكفر، وهو في الأخر مخلد في النار كما يقول الخوارج تمامًا، لكن أهل السنة - والحمد لله - هداهم الله تعالى الصراط المستقيم وقالوا: يجب أن نقول بالعدل، نقول: هذا مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، وهذا هو الحق.
١٢٠٩ - وعن أنس ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (وجاهدُوا المشركين بأموالكُم، وأنفسكُم، وألسنتكُم). رواهُ أحمد، والنسائيُّ، وصححُه الحاكمُ.
(جاهدوا) فعل أمر، ومعناه: ابذلوا الجهد، يعني: الطاقة في معاملة المشركين لأجل إعلاء كلمة بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، أما الأموال فأن يدفع الإنسان شيئًا من ماله للمجاهدين في سبيل الله، أو لشراء السلاح ليجاهد به في سبيل الله ومن جهز غازيًا فقد غزا، (أنفسكم) أن يباشر الإنسان نفسه الجهاد في سبيل الله، الثالث: (ألسنتكم) وذلك بالخطب والأشعار وما أشبه ذلك كهجاء المشركين وتشجيع المسلمين المجاهدين، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: (وألسنتكم): بيان الحق، فيكون منفصلًا عما قبله، ويكون المراد بالجهاد باللسان هُو جهاد أهل العلم يجاهدون بألسنتهم فيبينون للناس شريعة الله ويدعونهم إليها، وأيهما أولى أن نقول: المراد بالجهاد باللسان الخطب التَّي تحث على الجهاد والتَّي توجب وهن أعدائنا وكذلك القاصئد، وكم كلمة صارت أشد من السيوف، وكان النَّبيّ ﷺ يحث حسَّانا على هجاء المشركين ويقول: (اللَّهُمَّ أيده بروح القدس)، أو أن نقول: إن المراد بالألسن بيان الحق، ويكون المراد بالجهاد هنا جهاد العلم، فيبين للناس ما نُزل إليهم، أو الأمرين معًا؟ الأمرين جريًا على القاعدة التَّي تقول: إذا أمكن جمل اللفظ على المعنيين بدون تناقض فهو أولى من الاقتصار على أحدهما، وعلى هذا فيكون هذا أعم.
стр. 2918
قوله ﷺ حينئذ: (جاهدوا المشركين) هل هُو خاص بالمشركين أو حتَّى الكفار والمنافقين وغيرهم؟ الثاني، ويكون ذكر المشركين على سبيل التمثيل، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿يأيها النبيُ جهد الكُفار والمنفقين واغلظ عليهم﴾ وهذا يعُمُ أي: كفار.
فيستفاد من الحديث: وجوب جهاد المشركين، أي: بذل الجهد في قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا.
وفيه من الفوائد: أن الجهاد يكون بالمال والنفس واللسان لقوله: (بأموالكم ..... إلخ)، وهل هذا ينزل على حالات أو على التخيير؟ الظاهر الثاني، لأننا إذا قلنا بأنه على الحالات صار الجهاد بالمال واجبًا على من لا يستطيع ببدنه، وصار الجهاد واجبًا بالنفس على من لا يستطيع بماله، وكذلك يقال في الجهاد باللسان، أما إذا قلنا على التخيير فصار من لم يجاهد بنفسه صار يجاهد بماله، وربما يكون الجهاد بالمال أنفع من الجهاد بالنفس، قد يكون الإنسان جبانًا أو ضعيف الجسم أو غير ذلك وعنده ثروة مالية يستطيع أن يبذل منها في الجهاد فهنا نقول: الأفضل الجهاد بالمال، لأن هذا الرجل ضعيف لا يستطيع المقاومة أو يكون جبانًا، والجبان لا يستطيع المجابهة إذَّا رأى العدو ألقى بالسيف ثُم هرب فهذا لا يصلح للجهاد.
فالحاصل: أن المسلم إذا كان عنده مال وهو ضعيف أو جبان نقول له: جاهد بمالك، أما إذا لم يكن عنده مال ولا قوة بدن فهذا نقول له: جاهد بلسانك، وكم من إنسان يستطيع أن يجاهد بلسانه دون ماله ونفسه، فالظاهر: أنه على التخيير، ولكنه ينظر فيه للمصلحة.
جهاد النساء:
١٢١٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: يا رسُول الله، على النَّساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: هو الحجُّ والعُمرة). رواهُ ابن ماجه، وأصلهُ في البُخاريِّ.
فسر الجهاد لهن بأنه الحج، فالحج نوع من الجهاد، لأنه يبذل فيه المال والنفس ويلحق فيه من المشقة جهاد، ولذلك قال الله : ﴿وأنفقُوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنُوا إن الله يحب المحسنين﴾ (وأتمُوا الحجَّ والعُمرة لله) فذكر إتمام الحج بعد ذكر الإنفاق في سبيل الله، فدل هذا على أن الحج نوع من الجهاد في سبيل الله.
وقوله: (هُو الحج والعُمرة)، الحج هُو التعبد لله تعالى بقصد مكة والمشاعر لإقامة أعمال معلومة، وهذا أحسن من تعريف من عرفه بقوله: قصد مكة لعمل مخصوص، لأن هذا التعريف
стр. 2919
يشمل ما لو ذهب رجل إلى مكة ليتَّجر فقد ذهب إلى مكة لعمل مخصوص، فالتعريف هنا غير مانع، والصواب أن يقال: التعبد لله، الحج إذن هُو التعبد لله بقصد مكة والمشاعر لعمل مخصوص، والعمرة: التعبد لله تعالى بقصد البيت لعمل مخصوص، لأن عمل المعتمر لا يشمل كل مكة فهو لا يخرج إلى مزدلفة ولا إلى منى ولا إلى عرفة.
في هذا الحديث فوائد: أولًا: حرص الصحابة على العلم، وذلك بسؤال عائشة النَّبي ﷺ هل على النساء جهاد، وهل سؤال الصحابة لمجرد العلم، أو للعلم والعمل؟ الثاني خلافا لكثير من الناس اليوم يسأل لمجرد أن يعلم فقط، ولكن العمل قليل إلا من شاء الله.
من فوائد الحديث: رغبة النساء في الجهاد، لأنه من أفضل الأعمال بل هُو ذروة سنام الإسلام كما قال النَّبي ﷺ ذلك، ووجهه: هل عليهن جهاد؟
ومن فوائده: أن الجهاد لا يجب على المرأة وهو كذلك، فالمرأة لا يجب عليها الجهاد، بل للحاكم أن يمنعها من الجهاد، وذلك لأنها ليست من ذوي العزائم والقوى والجلد، إذ إنها عزيمتها ضعيفة وكذلك صبرها وقتها وجلدها ضعيف فلا تصلح أن تكون من أهل الجهاد، بل ربما يكون وجودها ضرراً على الجاهدين.
فإن قال قائل: في وقتنا قد تكون المرأة قائدة لطائرة مسلحة أفلا يجب عليها أن تجاهد؟
نقول: لا يجب، لأنها وإن كانت قائدة لطائرة مسلحة فإنها ربما تجبن عند اللقاء فلا يجب عليها الجهاد، ولكن هل تخرج مع المجاهدين؟ نقول: إن خرجت من أجل القيام بمداواة الجرحى وتضميدهم فلا بأس كما فعل نساء الصحابة، وأما إن خرجت للقتال فلا، لأنها لا تستطيع المواجهة والمقاومة، فإذا وجدت امرأة نادراً تستطيع ذلك فالنادر لا حكم له.
ومن فوائد الحديث: وجوب الحج والعمرة، يؤخذ من قولها: (عليهن جهاد) و (على) تفيد الوجوب، وهذا هُو القول الراجح أن الحج والعمرة كلاهما واجب، ومن العلماء من قال: إن العمرة ليست بواجبة مطلقًا، ومنهم من قال: ليست بواجبة على مكي وواجبة على الآفاقي الَّذي ليس من أهل مكة، وهذا هُو نص الإمام أحمد رحمة الله أي: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، وأما غيرهم فعليه العمرة، ولكن الَّذي ليس من أهل مكة، وهذا هُو نص الإمام أحمد رحمة الله أي: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، وأما غيرهم فعليهم فعليه العمرة، ولكن الَّذي لي من النصوص وجوب الحج والعمرة على أهل مكة وغيرهم.
стр. 2920
تقديم بر الوالدين على الجهاد:
١٢١١ - وعن عبد الله بن عُمر رضي الله قال: (جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ يستأذنه في الجهاد. فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد) مُتَّفق عليه.
(رجل) منهم، وكثيرًا ما تجد هذه المبهمات، ولكن قد اعتنى بعض العلماء ببيانها، ومنهم من وصل به الحال إلى حد التكلف، والحقيقة أن بيان المبهم إذا كان مصلحة فجدير أن يبذل الإنسان وقته في بيانه، وإلا فالمهم هُو معرفة الحكم. وقوله: (يستأذن في الجهاد) أي: يطلب الإذن، فقال النَّبي ﷺ : (أحي والداك؟ ) الجملة استفهامية للاستعلام يعني: يستعلم الرسول هل له من ذلك، وقولة: (أحي والداك) هذا التركيب مما يتعين فيه أن يكون الفاعل نائبا مناب الخبر، لماذا؟ لأن الوصف مفرد والفاعل مثنى، فيتعين أن يكون الوصف مبتدأ، و (والداك) خبره، لأننا لو قلنا: (والداك) مبتدأ مؤخر لم يطابق الوصف للمبتدأ وهذا متعذر، ولو قال: وأحيان (والداك) جاز لكي تكون (حيان) خبرًا مقدمًا، و (والداك) مبتدأ مؤخرًا، ولا يجوز أن تكون (والداك) فاعل سد مسد الخبر إلا على لغة أكلوني البراغيث، إذن (حي) مبتدأ، و (والداك) فاعل سد مسد الخبر.
وقوله: (والداك) يعني: أمه وأباه، وهل هذا من باب اتغليب أولا؟ هل يطلق كلمة والد على الأب والأم أو على الأم وحدها؟ ﴿إن أُمَّهتُهُم إلَّا التَّي ولدنهُم﴾ الولادة تطلق على الأم، لكن هل الأب يقال: والدا؟ نعم، والشاهد: (لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يعطي ولده)، والمراد به هنا: الأب كما ذكر أهل العلم، على حال: والداك إذن ليست من باب التغليب، لأن الوالد يطلق على الأب وعلى الأم.
(قال: نعم)، حرف جواب، أي: أنهما حيان، قال: (ففيهما فجاهد) يعني: اجعل جهادك فيهما، وقوله: (وفيهما) الفاء عاطفة، وقوله: (فجاهد) الفاء زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: (ففيهما جاهد)، وتاتي زائدة في قولك: فقط، والأصل: قط.
هذا الحديث يفيد: أن حق الوين مقد على الجهاد، فهل هُو على إطلاقه؟ سيأتي في الفوائد.
يستفاد من الحديث: أولًا: وجوب استئدان ولي الأمر في الجهاد، هل يفيد الوجب الوجوب أو يفيد أنه الأولى والأفضل؟ الثاني أنه ينبغي لمن أراد الجهاد أن يستأذن من ولي الأمر لئلا يجاهد من لا يصلح للجهاد
стр. 2921
ومن فوائد الحديث: أن النَّبي صلى الله عليه لا يعلم الغيب لقوله: (أحي والداك؟ )، وهذا أمر يكاد يكون معلومًا بالضرورة لدلالة الكتاب والسنة عليه دولة صريحة واضحة وأنه لا يعلم الغيب ﷺ .
ومن فوائد الحديث: مشروعية استفهام المفتي حتى لا يجيب بكلام مطلق أو عام مع وجوب التقييد أو التخصيص لقوليه: (أحي والداك؟ ).
فإن قال قائل: الأصل عدم التفصيل إلا فيما دعت إليه الضرورة.
فيقال: لعل النَّبي ﷺ فهم من حال السائل أنه لابد من الاستفهام، فعندي أنه يحتمل أن الرسول ﷺ لما رأى هذا الرجل غير صالح للجهاد وأراد أن يعرف هل له والدان حتى يكون جهاده في والديه مغنيًا عن جهاد الأعداء، لأن من الناس من نأذن له أن يجاهد لكونه أهلًا للجهاد في القوة والشجاعة، ومن الناس من لا نأذن له ونوجهه إلى جهاد آخر وإلا فلو جاء أحد يستأذن مني ويقول: أفاد جاهد وأنا أرى أنه رجل شجاع قوي فلا حاجة للاستفصال، ولكن يظهر لي- والله أعلم- أن النَّبيّ صلى رأى من حال الرجل أن جهاده في والديه أفضل من جهاده للكفار.
ومن فوائد الحدث: أن الاقتصار على (نعم)، في الجواب دون إعادة السؤال يحصل به المقصود، لأن النبَّي صلي الله عليه بني على كلامه حين قال (نعم)، وكذلك الإشارة تقوم مقام العبارة شرعًا أو حساً أو لا يشترط؟ يرى بعض العلماء أن الإشارة لا تقوم مقام العبارة إلا إذا تعذرت العبارة شرعًا كما لو كان الإنسان في صلاة واستأذنه احد أو سلم عليه، فهنا يتعذر الرد بالعبارة، ومن ثمَّ فلا بد من الإشارة، أو تعذرت حسًا كالأخرس، أما إذا أمكن فإنه لا تقوم الإشارة مقامه، والصحيح أنها تقوم مقامه مطلقًا إلا ما شرط فيه النطق كإيجاب النكاح والطلاق وما أشبه ذلك، ولهذا لو أن امرأة سألت زوجها الطلاق قالت: طلقني، فقال برأسه فلا يكفي، لأنه لابد من لفظ الطلاق أو ما يقوم مقامه من العبارات، الكتابة تقوم مقام النطق حتى وإن أمكن النطق، ولهذا لو كتب الإنسان: في ذمتي لفلان كذا وكذا، أو زوجتي طالق، أو عبدي حر، أو بيتي وقف نفذ، وإن لم يكن عاجزًا عن النطق.
ومن فوائد الحديث: تقديم القيام بحق الوالدين على الجهاد، لقوله: (ففيهما فجاهد)، ولكن هذا ليس على إطلاقه كما تفيده الأدلة الشرعية، فإذا كان حق الوالدين واجبًا فهو مقدم على الجهاد، لأنه واجب عيني لشخص خاص مثل ألاَّ يوجد أحد يقوم بحاجة الوالدين إلا هذا الولد، فالواجب تقديم حق الوالدين هنا على الجهاد ولو كان فرض عين، اللَّهم إلا في المسائل التَّي سبقت إذا حضر الصف، أو احتيج إليه حاجة ضرورية أو ما أشبه ذلك، وأما إذا كان عندهما من يقوم مقام هذا فلينظر إلى المصلحة.
стр. 2922
وفي حديث عبد الله بن مسعود أنه سأل النَّبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين) قال ثُم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فجعل الجهاد مؤخرًا على بر الوالدين، لأن وجوبه عام بخلاف وجوب بر الوالدين فهو خاص.
ومن فوائد الحديث: أن القيام ببر الوالدين يقوم مقام الجهاد في سبيل الله لقولة: (فيهما فجاهد).
ومن فوائد الحديث: حرص الدين الإسلامي على ائتلاف الأسرة وعدم تفرقها وتمزقها، خلافًا لما عليه الكفار اليوم وقبل اليوم من تفكيك الأسر، حتى إن الواحد منهم إذا بلغ سن ثماني عشرة انفصل ولابد، ويكون مع أبيه كالرجل الأجنبي، لأنه ليس عندهم دين يبين لهم ويحثهم على التآلف والاجتماع.
١٢١٢ - ولأحمد وأبي داود: من حديث أبي سعيٍد نحوه، وزاد: (ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك وإلا فبرَّهُما)
هذه الزيادة تدل على أن الرجل كان أهلا للجهاد، لكن النّبي ﷺ فضل قيامه ببر الوالدين على الجهاد، ولهذا قال: (أستأذنهما)
ومن فوائد هذه الرواية: أن ما وجب لحق الغير فأسقطه الغير فإنه يسقط، فلو أن الأب أو الأم أسقطا عن الولد برهما وقالوا: نحن نسمح لك أن تفعل كذا، فقال: أنتما محتاجان لي.
قالوا: نسمح لك اذهب، ففي هذه الحال نقول: يجوز له أن يفعل إلا إذا علم أنهما قالا ذلك حياء وخجلًا، أو قالا ذلك لقوة رحمتهما للوالد وأنهما في حاجة، مثلًا لو قالا ما حاجة تبيت عندنا اذهب بت حيث شئت، وهو يعلم أنهما قالا ذلك شفقة عليه ورحمة به، ففي هذه الحال لا يطيعهما ما داما محتاجين بأن يبيت عندهما.
حكم الإقامة في دار الكفر:
١٢١٣ - وعن جريرٍ البحلي ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيمُ بين المشتركين) رواهُ الثَّلاثة وإسناده صحيح، ورجح البخاري إرساله.
стр. 2923
يعني: أنه منقطع عند البخاري، الحديث يقول: (أنا بريء) والبراءة بمعني: التخلي، ومنه إبراء المدين من دينه، أي: إسقاطه عنه، فالبراءة معناها: التخلي من كل مسلم يقيم بين المشركين سواء أقام في بيت واحد مع المشركين أو أقام في بلد واحد مع المشركين، فالنبي ﷺ منه بريء.
وهذا الحديث يدل على: تحريم إقامة المسلم في بلاد المشركين وأن ذلك من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ تبرأ منه، وبراءة النبي ﷺ من الفاعل تدل على أن فعله كبيرة من الكبائر، ولكن قوله: (يقيم) هل المراد الإقامة المطلقة أو مطلق الإقامة؟ الاول، أما من ذهب وأقام بين المشركين لحاجة شراء بضاعة أو ما أشبه ذلك فإن هذا لا بأس به، لأن هذه لا تعد إقامة مطلقة، وإنما هي مثل الزيادة والعيادة وما أشبهها، ولكن هذا الحديث يقول: إن البخاري رجح إرساله ففيه هذه العلة وهو كان من أثمة الحديثين أعلَّه بهذه العلة، والإرسال يوجب القدح في الحديث ما لم تتلقاه الأمة بالقبول، إن تلقته بالقبول صار مقبولا من حيث إن الأمة تلقته بالقبول وهذا شأن كل مرسل.
فإن قال قائل: إن هذا الحديث يشكل في الوقت الحاضر، لأنه لابد من إقامة المسلم بدار المشركين في موضوع السفارة، فإن سفراء الآن مقيمون بين المشركين؟
فالجواب عن هذا أن يقال: إذا كان السفير سفير خير يبين الحق ويدعو للإسلام ويدافع عن دولته ما يلحق بها من التهم والكذب والافتراء فإن هذا لا بأس به لما في ذلك من المصالح الكبيرة، لأن السفارات الآن ليس مجرد أن يتكلم السفير بلسان الحومة في أمور سياسية، بل فيها اقتصاديات وعسكريات وغيره، فالناس لابد لهم من ذلك فهو ضرورة، أما إذا كان السفير على اسمه بهذا المعنى فلا خير فيه، لأنه يوجد من السفراء من يشوه سمعة دولته بل من يشوه سمعة الإسلام ويكون وجوه في السفارات ضررا عظيمًا ليس على دولته فحسب بل على دولته وعلى المسلمين عمومًا، تجده لا يقوم بواجبه لا يحضر إلا يومًا بعد يوم، وإذا حضر لم يحضر إلا بعد الدوام، ثم إنا نسمع عن بعض السفراء أنهم يعربدون ويشربون الخمر! شئ يوحش! هؤلاء إقامتهم هناك حرام، لأن إقامتهم لا تزيدهم إلا شرا ومعصية، فرجوعهم إلى
стр. 2924
بلاد الإسلام المحافظة واجب، لكن من السفراء من يكون فيه خير في الدعوة إلى الله في الدفاع عن الإسلام في الدفاع عن دولته فيما هي متصفة به إلى غير ذلك من الأشياء التي يحمد عليها السفير.
الهجرة من دار الكفار وأحكامها:
١٢١٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". متفق عليه.
قوله: "لا هجرة"، الهجرة هي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو من بلد يغلب على أهله البدعة إلى بلد السنة، حتى وإن كانوا يدعون الإسلام، لكن بدعتهم تكفر فهم كبلاد الكفر، يجب الهجرة من بلادهم ما دام الإنسان لا يستطيع أن يقيم السنة.
وقوله: "بعد الفتح": "أل" هنا للعهد الذهني، والمراد به: فتح مكة، وقوله: "لا هجرة بعد الفتح" يعني: من مكة، يتعين هذا المعني، لأنه لا علاقة بين فتح مكة وبين بلاد الكفر الأخرى، بلاد الكفر الأخرى باقية على كفرها ولو بعد الفتح، أهل الطائف قريب من مكة كانوا على الكفر بعد فتح مكة، إذ يتعين أن المراد لا هجرة بعد الفتح من مكة، وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض العلماء على هذا الحديث، وقالوا: كيف يصح هذا الحديث مع أن الهجرة لا تنقطع حتى تطلع الشمس من مغربها؟ نقول: لا تعارض، لأن نفي الجنس هنا للبلد معين وهو مكة، وذلك أن رجلًا سأل النبي صلي الله عليه وسلم في الهجرة فقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، جهاد للأعداء للكفار، جهاد للقادر ونية لغير القادر، والجهاد للقادر والنية لغير القادر تقوم مقام الهجرة، بل تكون أعظم، لأن المجاهد يأتي للكفار يقاتلهم في بلدهم، والمهاجر يدع البلد ويتركها لكن لا يقاتلهم على كفرهم فالجهاد أعظم، وقوله: "ونية" المراد: نية لمن لا يستطيع الجهاد.
يستفاد من حديث جرير السابق: تحريم إقامة المسلم بين المشركين، بل هو من كبائر الذنوب، لأن النبي صلي الله عليه وسلم تبرأ منه، ولكن هذا مبني على صحة الحديث.
ومن فوائدة: أنه وإن كان مطلقًا أو عامًا فإنه لابد أن يخصص أو يقيد بما إذا أقام لمصلحة الدعوة كما لو أقام في بلاد المشركين يدعوهم إلي الله، فهنا لا يلحقه هذا الوعيد، ولكن إن وجده فائدة فليبقي وإلا فليرحل.
стр. 2925
أما حديث ابن عبس ففيه فوائد: أولًا الإشارة إلى مكة ستبقى بلاد إسلام، وجهه: قوله: "لا هجرة بعد الفتح" ولو عادت بلاد كفر -أجارها الله من ذلك- لعادت الهجرة منها، لكن فيه بشارة بأنها لا تعود بلاد كفر.
ومن فوائد الحديث: أن الجهاد يقوم مقام الهجرة، بل كما قلت هو أعظم من الهجرة، لأنه هجوم على الكفار في بلادهم، والهجرة فرار منهم من بلد الإنسان.
ومن فوائد الحديث: أن النية تقوم مقام الفعل لقوله: "ونية" وعلى هذا فتكون الواو هنا بمعنى "أو" يعني: أنه جهاد لمن قدر، أو نية لمن لم يقدر، ولكن النية لا تقوم مقام الفعل إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تكون النية صادقة، بمعني: أن ينوي نية صادقة من قلبه أنه لولا المانع لفعل.
الشرط الثاني: أن يكون قد شرع في العمل ولكن عجز عن إتمامه لقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠]. أما إذا نوى بدون أن يشرع في العمل فله أجر النية فقط ويكون هذا الأجر مساويًا لأجر نية الفاعل، ودليل ذلك- أي: دليل أنه لا يحصل على الأجر كاملًا- قصة الفقراء الذين جاءوا يشكون إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الأغنياء سبقوهم، فقال صلي الله عليه وسلم: "ألا أحبركم بشيء تدركون به من سبقكم ولا يكون أحد أفضل منكم"، ثم دلهم على التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة، فعلم بذلك الأغنياء ففعلوا مثلهم، فرجع الفقراء مرة ثانية إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا الأغنياء بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال لهم: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، ولم يقل: أنتم وهم سواء، فدل على أن من لم يشرع في العمل لا يحصل له أجره.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا نفى شيئًا يتطلع الناس إليه أن يفتح لهم بابًا آخر يكون قائمًا مقامه، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما نفى الهجرة بعد الفتح فتح الناس الراغبين في الخير بابًا آخر وهو: الجهاد والنية.
وجوب الإخلاص في الجهاد:
١٢١٥ - وعن أبي موسي الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله". متفق عليه.
سبب هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية، يعني: حمية لقوم ودفاعًا عن قومه ويقاتل بشجاعة، يعني: يقاتل لأنه شجاع، والشجاع يجب أن يقاتل، لأن الشجاعة خلقه، فيجب أن يعمل بهذا الخلق، كما يحب صاحب الصيد أن يخرج إلى البر في الشتاء
стр. 2926
وفي الصيف من أجل أن يصطاد وإن لم يكن محتاجًا إلى الصيد، بل ربما يصطاد الصيد ثم يهبه لأحد من الناس، فالإنسان الشجاع يجب أن يقاتل، لأنه شجاع يريد أن ينفذ هذا الخلق الذي أعطاه الله إياه ويقاتل ليرى مكانه، وفي رواية: يقاتل رياء يعني: يرائي الناس بأنه شجاع وأنه يقاتل في سبيل الله، فقال النبي صلي الله عليه وسلم كلمة جامعة مانعة: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"، فـ"من قاتل" هذه شرطية، و"لتكون" اللام للتعليل، و"كلمة" هي دينه، و"العليا" يعني: فوق كل الأديان، "فهو في سبيل الله" هذا جواب الشرط، هذه الكلمة جامعة مانعة لها منطوق ولها مفهوم، منطوقها: أن من قاتل بهذه النية الطيبة فهو في سبيل الله، مفهومها: أن من قاتل على خلاف ذلك فليس في سبيل الله.
ففي هذا الحديث: الحث على إخلاص النية في الجهاد.
وفيه الإشارة إلى أن الجهاد إنما شرع لهذا الغرض لتكون كلمة الله هي العليا لا لإكراه الناس على الدين، ولهذا سيأتينا في حديث بريدة أننا لا نكره الناس علي الدين لكننا نكرههم على ألا يعارضوا ولا أن يقوموا في وجهه، نقاتلهم على أن تكون كلمة الله هي العليا.
ومن فوائد الحديث: أن الناس يختلفون اختلافًا كثيرًا في الجهاد في سبيل الله، ، منهم من يجاهد في سبيل الله، ومنهم من يجاهد في غير سبيل الله حسب النية.
ومن فوائد الحديث: أن للنية أثرًا بالغًا في قلب الأعمال إلى صالحة أو إلى فاسدة لقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا".
ومن فوائد الحديث: أن الإسلام دين عزيز، لا ينبغي للمسلم أن يرضى أن يكون دين فوقه لقوله: "أن تكون كلمة الله هي العليا".
وعلى كل حال: هذا منوط بالقدرة: لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. وهذا شبيه قول النبي صلي الله عليه وسلم في طالب العلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع"، وهذا عند الإخلاص، أما عند عدم الإخلاص فقد قال: "من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة". وذلك لفساد النية.
стр. 2927
جواز الهدنة:
١٢١٦ - وعن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو". رواه النسائي، وصححه ابن حبان.
"الهجرة": هي الخروج من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الساكن في هذا البلد، أعني: بلد الكفر لا يستطيع إظهار دينه فإنه يجب عليه أن يهاجر، وقوله: "ما قوتل"، "ما" مصدرية ظرفية، وإذا حولناها إلى المصدر يكون المعني: مدة قتال العدو، ومعلوم أن مقاتلة العدو واجبة إلى يوم القيامة لما روي النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة"، فالجهاد لا يمكن أن يسقط بأى حال من الأحوال، وإن سقط عن المسلمين في حال الضعف، فإن الواجب أن يكون من نيتهم أنهم متى كانوا قادرين على قتال العدو فإنهم سيقاتلون، وأما وضع الجهاد مطلقًا فهذا خلاف الإسلام، ولا يجوز أن نصالح الكفار صلحًا على ألا نقاتلهم وإن كنا مثلهم أو خيرًا منهم في السلاح والقوة، ولكن لنا أن نهادنهم، وقد سبق أن العلماء اختلفوا هل تقيد بعشر سنوات أو تقيد بالحاجة أو يصح أن تكون الهدنة مطلقة؟ والصحيح: أنها تصح أن تكون مطلقة، ولكنه لا يعني: أننا نضع الجهاد، بل لابد أن يكون نيتنا أننا متى كنا قادرين فسوف نجاهد، لأنه ديننا يجب أن نحميه، ويجب أن نجعله فوق كل دين.
من فوائد الحديث: استمرار الهجرة إلى قيام الساعة لقوله: "ما قوتل العدو" والعدو مقاتل إلى قيام الساعة.
ومن فوائد الحديث: أن كل من ليس بمسلم فهو عدو، لقوله: "ما قوتل العدو".
ومن فوائده: أن المشروع مقاتلة العدو حتى يسلم أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر وهو كذلك، فإن قال قائل: لا شك أن الكافر عدو للمسلم لقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين﴾ [البقرة: ٩٨]. وإذا كان الله عدوًا للكافرين فالكافر عدو لكل مسلم، ولقوله تعالي: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم
стр. 2928
أولياء﴾ [الممتحنة: ١] يعني بذلك: الكفار، لكن هذا لا ينافي جواز مخالفتهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لأن النبي ﷺ حالف خزاعة في الصلح الذي وقع بينه وبين أهل مكة في الحديبية.
فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث الحديث الذي سبق؟
فالجواب: أن حديث ابن عباس خاص في الهجرة من مكة، وأما هذا فعام.
حكم الإغارة بلا إنذار:
١٢١٧ - وعن نافع ﵁ قال: "أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم. حدثني بذلك عبد الله بن عمر ﵁". متفق عليه، وفيه "وأصاب يومئذ جويرية ﵂".
نافع هو مولى ابن عمر، وأورد المؤلف الحديث على هذه الصيغة على خلاف العادة، لأن الحديث الآن متصل وليس بمرسل، إذ رواه نافع عن ابن عمر، لكن كأنه لما ورد هكذا في الأمهات ساقة على ما ورد: "أغار" الإغارة هي الاندفاع بسرعة على أي شيء كان عدو أو صديق، وقوله: "على بني المصطلق" هم قبيلة من العرب "وهم غارون" أي: غافلون، يعني: أنه لم ينذرهم قبل، بل أغار عليهم وهم غافلون، "فقتل مقاتلتهم" يعني: قتل الذين يقاتلون وهم الرجال البالغون العقلاء الذين ليس فيهم مانع من شيخوخة أو مرض أو ما أشبه ذلك، "وسبى ذراريهم" "الذراراي": هم الصغار من الأولاد وكذلك النساء مطلقًا.
في هذا الحديث فوائد: منها: جواز الإغارة على العدو بدون إنذار، وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، وذلك أن العدو إما أن يكون قد بلغته الدعوة لنا أن نغير عليه بدون إنذار، وإما ألا تكون الدعوة بلغته فهذا يجب أن ندعوه أولًا ثم نقاتله إذا امتنع، كما يدل عليه حديث بريدة القادم، وعلى هذا يكون الرسول ﷺ أغار على هؤلاء القوم بعد أن بلغتهم الدعوة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز تبييت الكفار إذا بلغتهم الدعوة، يعني: مهاجمتهم ليلًا ما دامت الدعوة بلغتهم لقوله: "وهم غارون" أي: غافلون لم يتأهبوا للقتال أو يحسبوا له حساب.
ومن فوائد الحديث: قتل المقاتلين، ولكن لو قال قائل: هل لنا أن نأسرهم؟ الجواب: في ذلك تفصيل يوضحه قوله تعالى: ? فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق? [محمد: ٤]. وقوله تعالى: ? ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض? [الأنفال: ٦٧]. فإذا
стр. 2929
كنا قد اثخناهم وكسرنا شوكتهم بقتال المقاتلين فلنا أن نأسر، وليس لنا أن نأسر ابتداء، لأن ذلك هوان علينا وذل لنا، بل لابد من أن نثخن أولًا بالقتل والجراح حتى إذا استسلموا وذلوا فحينئٍذ يأتي دور الأسرى.
ومن فوائد الحديث: جواز سبي الذرية، أي ذرية العدو وهم النساء والصغار، ومن لا عقل له، ومن لا رأي له، ومن لا يستطيع القتال، كل هؤلاء يسبون ولا يجوز قتلهم لأنهم إذا سبوا صاروا غنيمة للمسلمين وقتلهم يفوت ماليتهم على المسلمين ولا فائدة منه، فلذلك على المسلمين ولا فائدة منه، فلذلك هؤلاء يؤسرون، قال العلماء: ويكونون أرقاء بمجرد السبي، يعني: لا يحتاج أن يقول الإمام أو القائد: إنني قد استرققتهم، أما المقاتلون إذا جاز أسرهم فإن الإمام يخير فيهم أمور أربعة: القتل والفداء بمال، والفداء بأسير، والمن، وقال بعض العلماء: يجوز استرقاقهم، يعني: فيكون هنا يخير بين خمسة أشياء: القتل واضح، والثاني: الفداء بأسير يعني: يكون لدى العدو أسرى منا فنقول: أعطونا أسيرًا بأسير أو بأسيرين حسب الحال أو بمال نقول نعطيكم أسيركم بشرط أن تدفعوا لنا كذا وكذا من المال، وأيهما الأولى المفاداة بالمال أو بالأسير؟ ينظر للمصلحة قد يكون الأسرى عندهم في أمن ونحن لدينا قدرة على أن نفك أسرانا بالقوة وعندنا حاجة للمال فينظر للمصلحة فإن تساوت المصلحة رجحنا الفداء بالأسير، لأن حرمة النفس أعظم من تحصيل المال، الرابع السن يعني: أن نطلقهم بلا شيء لكن هذا لابد أن يترجح عند الإمام أن فيه مصلحة كبيرة وهذا قد يرد قد يكون الأسير من زعمائهم ورؤسائهم وإذا مننا عليهم به كفينا شرًا عظيمًا منهم، وإذا بقي أسيرًا عندنا قد يحصل بذلك مفسدة كبيرة، أما الاسترقاق فمن العلماء من أجازة ومنهم من قال: لا يجوز لأنهم أحرار، ولم يذكر الله إلا? فإما منا بعد وإما فداء? أما أن نسترقهم وهم أحرار ومقاتلون فلا والمشهور من المذهب أنه يجوز استرقاقهم.
ومن فوائد الحديث: فضيلة جويرية حيث اختارها النبي ﷺ وصارت من أمهات المؤمنين مع أنها من السبي.
وفيه أيضًا: دليل على زواج أشراف الناس نسبًا بمن جرى عليها الرق، لأن جويرية جرى عليها الرق حيث سبيت مع النساء ورسول الله ﷺ أشرف الخلق لكنها عتقت وصارت حرة وهي من العرب.
стр. 2930
لكن فيه دليل أيضًا: على جواز نكاح الهاشمي لغير الهاشمية، وهذا هو الذي جاءت به السنة خلافًا لمن يدعون الآن أنهم أشراف ويقولون:
لا نزوج إلا من كان شريفًا وهذه حمية جاهلية، لأن عمر بن الخطاب ﵁ من بني عدى، وعلي بن أبي طالب من بني هاشم وعمر تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأيهما أشرف نسبًا؟ أم كلثوم أشرف نسبًا من عمر ﵁ ومع ذلك تزوجها، ولم يقولوا: لن نزوجك، لكن الحمية الجاهلية العمياء أوجبت ألا يتزوج أحد ممن يقولون الآن: نحن من آل الرسول لا يزوجون ولا يتزوجون بقيت نساؤهم مساكين أرامل عوانس، وبقي أيضًا شبابهم ربما يختارون المرأة الدينة المهذبة، ولكن لا تحصل له لأنه ممنوع عندهم عرفًا أن يتزوج أحد من بني هاشم من غير بني هاشم.
وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم لأمراء الجيوش:
١٢١٨ - وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵂ قال: "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا علي جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا على اسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تفلحوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا.
وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها، فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون كأغراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تفعل، ولكن أجعل لهم ذمتك، فإنكم أن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تفعل، بل على حكمك، فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله تعالى أم لا". أخرجه مسلم.
هذا الحديث يقول: "إذا أمر أميرًا" يعني: إذا نصبه أميرًا وقوله: "على جيش أو سرية، "أو" هنا التنويع، والفرق بين الجيش والسرية: أن ما زاد على أربعمائة فهو جيش وما دون ذلك فهو سرية، "أوصاه في خاصته بتقوى الله"، "أوصاه" يعني: عهد إليه عهدًا موثقًا، لأن الوصية العهد
стр. 2931
بالشيء على الغير على وجه موثق يعني: مؤكد، وقوله: "في خاصته" أي: في نفسه بتقوى الله، وتقوى الله سبحانه هي اتخاذ ما يقي من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، قال" "وبمن معه من المسلمين خيرًا" يعني: عهد إليه أن يختار لهم الخير، لأنه ولي عليهم فيجب أن يختار ما يراه خيرًا.
ثم قال بعد هذه الوصية وهي وصية فليلة اللفظ كثيرة المعنى، لأن تقوى الله تشمل القيام بكل أوامر الله وترك نواهيه، والخير للمسلمين يشمل كل خير لهم في دينهم ودنياهم، ثم قال: "اغزوا على اسم الله" "اغزوا" الخطاب هنا للأمير ومن معه، "على اسم الله" هو قولنا: سر على بركة الله، فالمعنى: اجعل غزوك مقرونًا باسم الله وقوله: "في سبيل الله" متعلق ب"اغزوا"، وهو إشارة إلى إخلاص النية، وقد سبق قبل قليل في حديث أبي موسى- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ففي سبيل الله" قال: "قاتلوا من كفر بالله"، ومن كفر بالله يشمل من كان كفره بجحود أو شرك أو استهزاء أو غير ذلك، "اغزوا" هذا تكرار لقوله: "اغزوا على اسم الله" للتوكيد، "اغزوا ولا تغلوا" أي: لا تأخذوا شيئًا من الغنيمة ولا تغدروا أي: لا تغدروا بالعهد إن جرى بينكم وبين أعدائكم عهد، "ولا تمثلوا" أي: تقطعوا الأعضاء إن ظفرتم بعدوكم، "ولا تقتلوا وليدًا" أي: صغيرًا في السن.
قال: "وإذا لقيت عدوك من المشركين" أي: واجهته، وقوله: "عدوك" ولم يقل إذا لقيت أحدًا بل أتى بالعدو من أجل إثارته وإغرائه على ما يراد بهذا المشرك وقوله: "من المشركين" المراد بذلك: المشرك شركًا أكبر الذين يقاتلون على شرك، "فادعهم إلى ثلاث خصال" يعني: اطلب منهم أن يحضروا إلى هذه الخصال "فإن هم أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم" ثم بينها بقوله: "ادعهم إلى الإسلام، وصوم رمضان، وحج البيت، هذا الإسلام عند الإطلاق كما أجاب به النبي صلي الله عليه وسلم جبريل حسين سأله عنه.
"فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" يعني: إذا أسلموا فاطلب منهم التحول إلى دار المهاجرين اختيارًا لا لزامًا، لأنه قال: "فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون كأعراب المسلمين"، ولو كان إلزامًا لم يقبل منهم وقوله: "إلى دار المهاجرين" الظاهر أن المراد بها: المدينة، لأنها هي التي هاجر المسلمون إليها كما قال تعالى: ? والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم? [الحشر: ٩]. ولأن هجرتهم إلى المدينة فيها تكثير المسلمين واجتماعهم في مكان واحد، "فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون من كأعراب .... إلخ"، إن أبوا التحول من دارهم إلى دار المسلمين، يعني: لهم أن يبقوا في دارهم ولكنهم يكونون
стр. 2932
كأعراب المسلمين، يعني: البادية، "ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن جاهدوا وهم في ديارهم استحقوا ما يستحقه المجاهدون من الغنيمة، والغنيمة هي ما أخذ من مال المشرك أو الكافر بقتال وما ألحق به وأما الفيء فهو ما أخذ بغير قتال وله موارد متعددة، منها ما يؤخذ من الكفار بغير قتال كالجزية والخراج، ومنها: الأموال المجهولة التي لا يعلم مالكها فهذه تجعل في بيت المال، ومنها: دية من لا وراث له فإنها أيضًا تجعل في بيت المال، ومنها خمس خمس الغنيمة يعني: واحدًا من خمسة وعشرين جزءًا من الغنيمة أيضًا فيئًا في بيت المال ومصرف الفيء المصالح العامة، أما الغنيمة فقد سبق بيان أنها تقسم خمسة أسهم، أربعة منها للغانمين، وواحد يقسم إلى خمسة أسهم أيضًا.
"فإن هم أبوا" يعني: أبوا الإسلام "فاسألهم الجزية" هي مال يضعه ولاة الأمر على كل كافر تحت ذمة المسلمين مثل لو كان في بلد فتحناها واستولينا عليها، ثم إننا قلنا لأهلها إذا كانوا كفارًا: تبقون فيها بالجزية كل واحد يبذل الجزية التي توضع عليه ويبقى على دينه ويستحق له ما يقتضيه هذا العقد مما هو معروف عند أهل العلم، "فإن هم أجابوك فاقبل منهم"، هاتان اثنتان " فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى وقاتلهم"، "إن أبوا" أي: الجزية، فاستعن عليهم بالله" أي: اطلب العون من الله تعالى عليهم وقاتلهم فبدأ أولًا بالاستعانة بالله حتى ينبني عليها الفعل، لأن الاستعانة بالله قبل كل شيء لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" يعني: لا تتكاسل، استعن عليهم بالله وقاتلهم هكذا.
قال شراح الحديث في هذه الخصال: الإسلام أولًا ثم الجزية ثانيًا ثم القتال لكنه يشكل على هذا قوله: "فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، لأن القتل يختلف على هذا الشرط أفلا يمكن أن تكون الخصلة الثانية أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين والثالثة سؤال الجزية؟ يمكن لكن يشكل على هذا أنهم إن امتنعوا من التحول من دارهم إلى دار المهاجرين لم يجز قتالهم فالحديث فيه شيء من الإشكال، وعلى هذا فيكون جملة "فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم" يراد بها: الأكثر لا الكل وذلك لأن قتالهم ليس فيه كف وعدم تحولهم من دارهم إلى دار المهاجرين ليس فيه قتال، فيتعين أن يكون قوله: "فإن هم أجابوك إليها" يعني: باعتبار الأغلب والأكثر وإلا لبقي الحديث مشكلًا. ثم قال: "وإذ حاصرت" الحصر: بمعني التضييق، ومعني حصر أي: أحاط بهم حتى منعهم من الخروج من حصنهم إذا حصر.
стр. 2933
أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعل، يعني: إذا قالوا: ننزل ونسلم أنفسنا على ذمة الله وذمة رسوله فلا تفعل لهم ذلك، والذمة يعني: العهد، لا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله وعلل النبي صلي الله عليه وسلم ذلك فقال: "فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله" قوله: "أن تخفروا" بفتح الهمزة "أن" على أنها مصدرية، وهي بدل اشتمال من الكاف في قوله: "فإنكم" يعني: فإنكم خفركم، وعلى هذا فتكون "أنج مؤولة بمصدر منصوبة على أنها بدل اشتمال في قوله: "فإنكم إن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله" وخفر الذمة يعني: نقض العهد، ومعلوم أن نقض الإنسان عهده أهون من أن ينقض عهد الله وعهد رسوله صلي الله عليه وسلم فلهذا نهاهم النبي صلي الله عليه وسلم أن يجعلوا لهم ذمة الله وذمة نبيه، وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل ولكن أنزلهم على حكمك ثم علل ذلك إذا قالوا: ننزل على حكم الله فلا تفعل بل أنزلهم على حكمك واجتهادك وذلك لأنك تدري أن تصيب فيهم حكم الله، لأنك قد تجتهد فتخطيء وحينئذ لا تكون مصيبًا لحكم الله، وقد تجتهد وتصيب حكم الله ولكن ينفسخ الحكم، لأن الوقت وقت تشريع، فلهذا قال: "فإنك لا تدري ... إلخ" نحن عللنا بأنه قد يجتهد ويخطئ وقد يحكم بصواب يكون قد نسخ ما دام الوقت وقت تشريع وسيأتي في الفوائد ما يترتب على اختلاف هذين التقديرين. هذا الحديث يعتبر أساسًا لتوجه ولي الأمر لمن ينفذه في الجهاد، لأنه ذكر فيه كل ما يحتاج من نفذ في الجهاد
ففيه فوائد: أولًا: مشروعية التأمير.
ومن فوائد الحديث: أن من هدي النبي صلي الله عليه وسلم بعث السرايا والجيوش.
فإن قال قائل: لماذا يبعث السرايا والجيوش ويتأخر؟
قلنا: لأن الدين الإسلامي له شعائر وله شرع يحتاج إلى أن يقيم الإنسان بعضها ويقيم غيره بعضها فهل كان الرسول صلي الله عليه وسلم يذهب مع كل جنازة؟ لا كانت تمر الجنازة من عنده ولا يقوم لها، لأنه يشتغل بما هو أهم من اتباع الجنازة كذلك أيضا في الجهاد هل كان يغزو مع كل جيش وسرية؟ لا بل يبقي في المدينة يعلم الناس الخير وقد أشار الله إلي ذلك في قوله: ? وما كان المؤمنون لينفروا كافة? [التوبة: ١٢٢]. فالدين الإسلامي لابد له أن يتكامل فالمؤمنون يكمل بعضهم شيئًا ويكمل الآخرون شيئًا آخر.
ومن فوائد الحديث: أنه يشرع للإمام أن يوصي الأمراء بما أوصى به النبي صلي الله عليه وسلم الأمراء وهو تقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من كان أميرًا أو وليًا أن يختار لمأموره وموليه ما هو خبر لقوله: "أوصاه ومن معه من المسلمين"، والوصية بالشيء تدل على الاهتمام به، ومن هنا
стр. 2934
أخذ العلماء- ﵏ فائدة قالوا: إن من خير بين شيئين فإن كان التخيير للتيسير على المكلف فهو تخيير تشه، يعني: ما يريد مثل التخيير في كفارة اليمين وإن كان تخيير مصلحة فالواجب أن يفعل ما هو الأصلح وذلك فيمن يتصرف لغيرها فكل ما يتصرف لغيره إذا قيل: يخير بين كذا وكذا يجب عليه أن يختار ما هو أصلح إذن التخيير بين الأشياء إذا كان المقصود منه التيسير على المكلف فالتخيير تشه، يعني: افعل ما تريد، مقاله: خصال كفارة اليمين وإن كان التخيير للمصلحة فهذا تخيير مصلحة يفعل ما هو الأصلح، وهذا يكون فيمن يتصرف لغيره فالأمير على الجيش يجب عليه أن يفعل الأصلح، إمام المسجد يجب عليه أن يفعل الأصلح لا يقول: أنا بالخيار إن شئت طولت وإن شئت خففت لا، ولكن يجب عليه أن يفعل من السنة ما يستطيع
ومن فوائد الحديث: تشجيع الغزاة وتوجيههم بالاستعانة بالله وإلى الإخلاص، تشجيعهم بقوله: "اغزوا" ثم أكدوها بقوله: "اغزوا" يعني: الغزو الحقيقي المبني على الشجاعة والإقدام،
ومن فوائد الحديث: النية على الاستعانة بالله لقوله: "على اسم الله"، والإخلاص لقوله: "في سبيل الله"، قد يفوت الإنسان الإخلاص لله ويقع في قلبه شيء من الرياء، وقد يفوته الاستعانه بالله إذا رأى من نفسه القوة والقدرة غاب عنه الاستعانه بالله، وكلاهما يخل بالعمل لابد من إخلاص واستعانه ولهذا إذا اعتمد الإنسان على نفسه فالغالب من ذلك أن يخذل ولا أدل على ذلك من قصة حنين حينما أعجبت المسلمين كثرتهم فغلبوا مع أنهم اثنا عشر ألفًا وعددهم ثلاثة آلاف وخمسمائة ومع ذلك هزم المسلمون لأنهم أعجبوا بالكثرة.
ومن فوائد الحديث: وجوب مقاتلة الكفار لقوله: "قاتلوا من كفر بالله" وهذا العموم مخصص بنفس الحديث، وهو أن من بذل الجزية من الكفار وجب الكف عنه.
ومن فوائد الحديث: تحريم الغلول لقوله: "ولا تغلوا" وقد مر معنى الغلول وهو أن يكتم الغال شيءًا من الغنيمة، وهل للغلول عقوبة؟ نعم عقوبة أخروية وعقوبة دنيوية، أما الأخروية فقد قال الله تعالى: ? ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة? [آل عمران: ١٦١]. وأما الدنيوية فإنه يحرق رحله إلا الحيوان والمصحف والسلاح وإلا فيحرق رحله تنكيلًا به، وهل يدخل في ذلك السرقة من بين المال؟ الجواب لا، لأن النهي موجه إلى الغزاة لكن من غل من بيت المال فإنه شبيه به، لأنه أخذ من مال عام خلافًا لما يفهمه العامة أهل الجشع الذين يقولون: إن مال
стр. 2935
الحكومة حلال هذا غلط مال الحكومة قد يكون أشد تحريمًا من مال الشخص المعين، لأن مال الحكومة يتعلق به حق كل إنسان حتى العجائز والشيوخ والصبيان، ثم إذا أراد الإنسان أن يتخلص منه قد يصعب عليه ذلك، لكن حق المعين حث خاص لواحد يمكنه أن يستحله يمكنه أن يعطيه عوضًا عما أخذ وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الحديث: تحريم الغدر لقوله: "ولا تغدروا"، والغدر هو الخيانة في موضع الأمانة فإن قيل: كيف يجاب عن المبارزة التي وقعت من الصحابة مع أعدائهم وحصل فيها الغدر؟ ويذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ لما بارز عمرو بن ود- نقله الفقهاء ﵏ لما بارزه وخرج عمرو بن ود يريد أن يقتله صاح به على ما خرجت لأبارز رجلين فالتفت عمرو لعل أحدًا لحقه فلما التفت ضربه علي حتى سقط رأسه على الأرض، هذا غدر في ظاهرة لكنه ليس غدرًا، إذ إن الرجل جاء ليقتله ليس بينهما أمانة فليس بغدر، ولهذا جاء عن النبي صلي الله عليه وسلم: "الحرب خدعه"، ما عقبة الغادر؟ له عقوبة عظمة فإن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان بن فلان في ذلك اليوم المشهود وهذه من أعظم العقوبات
ومن فوائد الحديث: تحريم التمثيل لقوله: "ولا تمثلوا" وظاهر الحديث العموم وألا نمثل ولو كانوا يمثلون بنا، لأنه لم يستثن من ذلك شيئًا ولكن يقال: إن هذا العموم يعارض بعموم آخر وهو قوله تعالى: ? فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدى عليكم? [البقرة: ١٩٤]. ولقوله: ? وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به? [النحل: ١٢٦]. ولأن في التمثيل بهم إذا مثلوا بنا كفا لهم وإهانة وذلة وعلى هذا فيكون هذا العموم مخصوصًا بعمومات أخرى، فإن قيل: هل يدخل في ذلك ما أخذنا جسد حربي قتلناه من أجل إجراء التجارب على الجسد للعلم، ليس لقصد التمثيل أو الأهانة أو الذل هل يدخل في التمثيل أو لا يدخل؟ محل نظر، وذلك لأن الشرع حرم بيع أجزاء الكافر على الكفار يعني مثلًا: لو قال الكفار: أنتم الآن قتلتم سيدنا ولكن أعطونا رأسه قلنا لا نعطيكم رأسه إلا بكذا وكذا من القيمة يقول العلماء: هذا حرام فالانتفاع بجثثهم كالانتفاع بعوض المال فلا يجوز، وقد يقال إن هذا جسد حربي لا حرمة له وإذا لم يكن له حرمة ولنا منه فائدة فما المانع فالمسألة عندي يتجاذبها أصلان وأنا فيها متوقف.
ومن فوائد الحديث: تحريم قتل الصغار لقوله: "ولا تقتلوا وليدًا" ولأن في قتل الصغار تفويت ماليتهم على المسلمين، لأنهم يسترقون بالسبي فإذا قتلوا فوتت ماليتهم على المسلمين، ولأن الصغار قريبون من الإسلام، لأن الشاب الصغير ميله أكثر من ميل الشيخ الكبير ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" لأن الصغار أقرب للإجابة من الكبار.
стр. 2936
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا لقي عدوه فإنه لا يباغته بالقتال ولكن يعرض عليه الخصال الثلاث التي ذكرها النبي صلي الله عليه وسلم لقوله: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلي ثلاث خصال .... الخ".
فإن قيل: ما الجمع بين هذا الحديث وبين إغارة النبي صلي الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون؟
فالجواب أن يقال: إما أن الدعوة على سبيل الاستحباب وأنه إذا اقتضت المصلحة أن يغير على العدو بدون دعوة فليفعل، وإما أن يقال: إن بني المصطلق قد بلغتهم الدعوة وأصروا على ما هم عليه من الكفر وحينئذٍ تكون الدعوة واجبة فيمن لم تبلغه ومن بلغته فلا ندعوه إلا على سبيل الاستحباب
فائدة جواز الجزية من مشركي العرب:
ومن فوائد الحديث: أخذ الجزية من المشركين لقوله: "إذا لقيت عدوك من المشركين"، وعلى هذا فلا يختص أهل الجزية باليهود والنصارى والمجوس، وهذه المسألة اختلف فيها العلم فقال أكثر أهل العلم: إنها لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى لقوله تعالى: ? قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون? [التوبة: ٢٩]. وقال في غيرهم: ? فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وأحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصد? [التوبة: ٥]. وقال النبي صلي الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وعلى هذا فلا تكون الجزية إلا لليهود والنصارى.
ثم إنه أورد على القول بأنه قد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وهم ليسوا من أهل الكتاب، أجابوا على ذلك بأن لهم شبهة كتاب وأن لهم كتابًا أنزل لكنهم ضلوا عنه، ولكن هذه الإجابة فيها نظر، والصواب أن يقال: إن كونه يخص الجزية بالذين أوتوا الكتاب لا يدل على أن غيرهم لا يؤخذ منهم بدليل هذا الحديث: "إذا لقيت عدوك من المشركين"، لكن خص أهل الكتاب، لأن معهم علمًا ببعثة الرسول صلي الله عليه وسلم، فإذا أخذت الجزية منهم وعاشوا في بلاد الإسلام فربما يستجيبون وهذا فيما سبق، أما الآن فإن النصارى واليهود أشد عداوة من غيرهم في الوقت الحاضر وأبعد الناس عن الدخول في الإسلام والاستجابة ولاسيما العرب
стр. 2937
منهم فإن عندهم عنادًا عظيمًا في البقاء على كفرهم ولا تكاد تجد أحدًا من نصارى العرب أو اليهود أسلم لكن غير العرب يوجد كثير من النصارى يسلمون ومن المشركين، إذن القول الراجح: أخذها من جميع الكفار.
ومن فوائد الحديث: أن فيه دليلًا على أنه لا إكراه على الإسلام، لأنه لو كان إكراه ما قبلت الجزية، فبقبول الجزية يدل على أن لا إكراه في الإسلام، إذن ما الواجب نحو الإسلام والله تعالى يقول: ? ليظهره على الدين كله? ؟ الواجب: أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الظهور للإسلام إما بالدخول فيه وإما ببذل الجزية مع الصغار، لأنه إذا بذل الجزية وصار يعطينا الجزية بذل وخضوع فهذا هو العلو، ثم إن هذا الذي يعطي الجزية لو أنه نقض العهد ولو بتعد على مسلم انتقض عهده ووجب أن يقتل وحل دمه وماله حينئذٍ يحصل إعلاء كلمة الله .
ومن فوائد الحديث: أن أول ما يدعي إليه الناس الإسلام، فيكون فيه رد لقول من يقول: إن أو لواجب هو النظر، لأن هذا القول ضعيف إذ إن الفطرة كافية في ذلك فأول واجب أن يدعى الناس إلى الإسلام ولا حاجة أن نقول: انظر في الآيات أولًا ثم أسلم، لأن هذا سوف يطيل المسألة ثم هو مخالف لسنة الرسول صلي الله عليه وسلم ودعوته إلى الإسلام بل كان يدعو إلى التوحيد رأسًا دون أن يقول: انظر للمقدمات والنتائج وكيف حصل كذا وهذا لابد له من محدث والمحدث لابد أن يكون واجب الوجود ثم يدور رأيه ويقول: ما دام الإسلام السلام عليكم بل نقول: أول ما ندعو إليه هو التوحيد كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله".
ومن فوائد الحديث: أنه يجب التحول إلى دار الهجرة دون البقاء في البادية لما في ذلك من اجتماع الكلمة واجتماع الناس في بلد واحد، لكنه يجب هذا أو أن يسقطوا حقهم من الغنيمة والفيء، فيقال: أنتم كنتم تريدون أن يكون لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فتحولوا إلى بلد المهاجرين ولا تبقوا في البادية وإذا شئتم بقيتم ولا حق لكم في الغنيمة إلا أن تشاركوا في الجهاد إذا شاركتم في الجهاد فلكم من الغنيمة
ومن فوائد هذا الحديث: جواز أخذ الجزية على الكافر إذا لم يسلم وهل هي عقوبة أو من أجل حمايته، لأن من له ذمة يجب حمايته وعصمته؟ الظاهر: الثاني، ولهذا يجب علينا أن نحميهم وإذا اعتدى عليهم أحد بحقهم ويجب علينا أن نكف عنهم أيضًا لو اعتدى أحد
стр. 2938
على عرضهم وغير ذلك فإن قيل: إنها عقوبة على بقائه على الكفر فإننا نقفز منها إلى فائدة ثانية، وهي: جواز العقوبة بالمال والعقوبة بالمال ثابتة لا شك فيها منها: ما سبق في تحريق رحل الغال، ونمها: إضعاف القيمة على من كتم الضالة، ومنها: إضعاف القيمة على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يئويه الجرين.
المهم: أن القول الراجح أنه يجوز التعزيز بأخذ المال ولكن لو قال قائل: التعزيز بأخذ المال لأنه يستفاد منه أن نأخذ المال ونجعله في بيت المال، لكن كيف تعزرون بإحراق المال أو بكسر آلات اللهو أو ما أشبه ذلك؟ يقال إن التعزيز هو التأديب فإذا كان التغزيز بالإحراق أو بالكسر كان هو الواجب ونحن أتلفنا هذه المالية على صاحبها إذن نتلفها على بيت المال، لأنه عام فإذا جاز إتلافها على الأخص جاز إتلافها على الأعم وهذا هو القياس.
ومن فوائد الحديث: استحضار الاستعانة بالله عند قتال الكفار لقوله: "فاستعن عليهم بالله وقاتلهم" والاستعانة بالله تكون بالقلب وتكون باللسان أما بالقلب فواضح أن الإنسان يستعين الله ، وأما باللسان فيقول: اللهم أعني عليهم اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم اللهم إنا نقاتلهم فيك، وما أشبه ذلك من الكلمات التي يتوسل بها الإنسان إلى ربه في الدعاء المفيد للاستعانة.
ومن فوائد الحديث: جواز محاصرة العدو، بمعني: أن نحيط به ونطوقه، لكن هل يجوز في محاصرته أن نقطع عنهم الماء؟ إذا كان هذا مصلحة قطعناه، إذا كان أقرب إلى إجابتهم فإننا فننا نقطع الماء عنهم.
فإن قال قائل: قطعكم الماء يستلزم هلاك الصبيان والنساء والشيوخ ومن لا يجوز أن يقتل.
قلنا: هذا اللازم يكون تبعًا غير مقصود، فإننا لم نقصد بذلك هلاك هؤلاء الذين لا يقاتلون وإنما قصدنا قتل هؤلاء المقاتلين وجاء هلاك تبعًا غير مقصود، ولهذا يجوز أن نرمي العدو بالمنجنيق، وهو- فيما سبق- عبارة عن خشبتين تنصبان وثالثة تكون عرضًا ويكون هناك حبلان طرفهما في مكان يجعل فيه الحجر ثم يدار بشدة، إذا دير بشدة ثم يطلق فإن الحجر سوف ينطلق ويكون على حسب قوة الرامي على كل حال، المنجنيق بدله الآن المدفع والصواريخ يجوز أن نفعل هذا بالكفار وإن قتلنا من لا يحل قتله، لأن هذا غير مقصود بل هو تبع ولأننا لا يمكن أن نصل إلى المقصود إلا بهذه الطريقة ويمكن أن يستدل لذلك بإغارة النبي ﷺ على بني المصطلق، لأنه إذا أغار عليهم سوف يكون عندهم نساء وربما يقتلون نساء أو أطفالاً.
стр. 2939
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للقائد المحاصر للحصن إذا أرادوا أن ينزلوا على حكمه أن يجعل لهم ذمة الله وذمه رسوله، يعني: عهد الله وعهد الرسول، لأنه ربما تخفر الذمة وخفر ذمم الإنسان أهون من خفر ذمة الله ورسوله.
فإن قيل: إذا كان الإنسان واثقًا من الوفاء فما الجواب؟
أقول: وإن كان واثقًا فإن إخفار الذمة وارد، قد يكون بسبب مباح لكن العدو لا يعلم فيظنه غادرًا فيغدر أمام العدو بذمة الله وذمة رسوله أو يقال: الإنسان بشر يمكنه عند عقد العهد واثقًا من الوفاء لكنه يطرأ عليه الغدر والخيانة، فلذلك نقول: لا يجوز أن تجعل لهم ذمة الله وذمه رسوله ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن الأحكام معللة يعني: أنها ليست مجرد حكم بل لا بد لها من علة إما أن تكون معلومة أو مجهولة أو منصوصًا عليها أو غير منصوص، فالأقسام أربعة: علة معلولة منصوص عليها وعلة معلومة مستنبطة، والثالث: علة مجهولة لنا لكنها معلومة عند الله الرابع: أن تكون مجرد امتحان للعباد والمعلومة يمكن أن نقسمها إلى معلومة عند جميع الناس ومعلومة عند بعض الناس.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للمتكلم في الفقه أو الموعظة أن يعلل ما يذكر من أحكام مهما أمكن، لأن ذلك يستفاد منه فائدتان: الفائدة الأولى: بيان سمو الشريعة الإسلامية، , أن أحكامها كلها مركودة بالمصالح، والثانية: اطمئنان المكلف؛ لأنه إذا ذكر لك الحكم المعلل أطمأنت أكثر، وربما نزيد ثالثة: وهو القياس على الحكم المنصوص عليه المعلل، لأن الأحكام تتبع العلل، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس) [الأنفال: ١٤٥] علل تحريم هذه الأشياء بأنها رجس، إذن نأخذ من هذا: أن كل ما كان رجسًا فهو حرام حتى روث الحمير مثلاً وعزره الإنسان فهي حرام، لأنها رجس.
ومن فوائد الحديث: جواز اشتراك الحكم الثابت لله ورسوله بدون"تم" لقوله: "ذمه الله وذمه رسوله"، وهذا يحتاج إلى تفصيل، فيقال: في الأمور القدرية لا تشرك الله مع رسوله بما يقتضي الاشتراك والتساوي في الأمور الشرعية لا بأس، وذلك لأن ما شرعه الرسول ﷺ فهو شرع الله أما الأمور القدرية فإن النبي ﷺ لا يستقل بشيء من الأمور القدرية فهي لله وحده هذا هو الضابط.
ومن فوائد الحديث: إثبات تفاضل الأعمال قبحًا وحسنًا ومن قوله: "أهو من أن تخفر دمه الله وذمه رسوله" وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأعمال تتفاضل قبحًا وحسنًا وإذًا
стр. 2940
تفاضلت الأعمال لزم من ذلك تفاضل العامل فالناس طبقات حسب أعمالهم ودرجاتهم في الجنة درجات حسب أعمالهم.
ومن فوائد الحديث: منع تنزيل الحصن المحاصر على حكم الله لقوله: "فلا تفعل" ولكن هل هذا خاض زمن حياة الرسول ﷺ ، لأن الإنسان لا يدري هل بقي الحكم أم نسخ أو أنه عام؟ لا شك أن القول بأنه خاص بحياة الرسول واضح، لأنه قد نسخ الأحكام قد يفارق أمير الجيش النبي ﷺ على حكم ثم يتغير الحكم فلا يدري أيصيب أم لا وإذا قلنا: إنه عام نقول أيضًا حتى بعد وفاة الرسول ﷺ لا تنزلهم على حكم اجتهادي، لأن الحكم الاجتهادي فيه الإصابة وفيه الخطأ لقول النبي ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران"، أما ما كان معلومًا بدون اجتهاد فلا بأس أن تنزله على حكمك وعلى حكم الله أيضًا لأنه معلوم مثلاً إذا أنزلناهم على أن نأسرهم فإما منا بعد وإما فداء هل وافقنا حكم الله؟ نعم (حق إذا أتخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]، وعلى هذا فتكون العلة التي ذكرها النبي ﷺ : "فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا" العلة إذا انتفت انتفى الحكم فإذا كان الإنسان قد علم أنه أصاب فيهم حكم الله فإنه لا بأس أن ينزلهم على حكم الله.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للعالم أن يقول في حكم من الأحكام: حكم الإسلام في كذا وكذا لا تقل هكذا، لأنك قد تخطئ فينسب الخطأ إلى الإسلام، ولكن قيد فقل حكم الإسلام فيما أرى كذا وكذا، وبه نعرف تهاون بعض المتأخرين الذين تجد في كتبهم الإسلام يقول: كذا الإسلام يمنع كذا مع أن هذا المنع قول ضعيف في الإسلام ومع ذلك ينسبونه إلى الإسلام فيجب الحذر من مثل هذه الكلمات.
التورية عند الغزو:
١٢١٩ - وعن كعب بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها". متفق عليه.
سبق لنا أن كلمة "كان" تفيد الاستمرار لكن لا دائمًا بل غالبًا، والدليل على أنها ليست دائمًا تفيد الاستمرار ما ود في الأحاديث في الصلاة: "كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية" "وكان يقرأ بالجمعة والمنافقون" "وكان يقرأ في العيدين بـ "ق" واقترتب" وكان يقرأ فيها بسبح والغاشية، كل هذا يدل على أن "كان" لا تفيد الاستمرار لكن إن وجد قرينة أفادت الاستمرار بهذه القرينة.
стр. 2941
وقوله: "كان إذا أراد غزوة وري بغيرها" أي: أرى الناس أنه يريد غيرها فإذا كان يريد الذهاب ناحية الشمال سأل عن طريق الجنوب ولا يقول: أنا أريد الجنوب لكن يسأل كيف يذهب الإنسان إلى الجنوب وهكذا وليس المعنى أنه يقول: أنا أريد أن أذهب إلى الجنوب، لأنه لو قال: أنا أريد أن أذهب إلى الجنوب صار كذبًا صريحًا لكن إذا جعل يسأل أين الطريق إلى قبيلة فلان التي في الجنوب، يظن الناس أنه الجنوب ولكنه يريد الشمال والحكمة من ذلك: هي تعمية الأخبار عن الأعداء: ، لأن الأعداء إذا علموا بالخير فإنهم سوف يتأهبون على مقتضى ما علموا فيحصل بذلك مضرة على المسلمين، ولهذا لم يظهر النبي ﷺ الجهة التي يريدها إلا في غزة واحدة فقط وهي غزوة تبوك فإن النبي ﷺ صرح بأنه يريد ذلك، لأنها جاءت في وقت حر وفي وقت طيب الثمار فلا بد أن يصرح للناس بهذا ولأن العدو بعيد عنهم فلهذا صرح بذلك ﷺ .
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في تدبير الجيوش، لأن التورية لا شك أنها من الحكمة.
ومن فوائده: جواز التورية، ونحن إذا قلنا "جواز" فلا ينفي أن تكون مستحبة في بعض الأحيان، وذلك لأن كل حكم وصف بالجواز فإنه قد ينقلب إلى مسنون وقد ينقلب إلى واجب، وقد ينقلب إلى محرم، وقد ينقلب إلى مكروه، يعني: أن الحكم بالإباحة لا ينفي أن يكون الشيء محرمًا أو واجبًا أو مسنونًا أو مكروهًا بحسب ما تقتضيه الأدلة، فالبيع مثلاً من الأشياء المباحة وإذا باع الإنسان سلاحًا في فتنة صار حرامًا وإذا باع عنبًا لمن يتخذه خمرًا صار حرامًا وإذا اضطر الإنسان إلى مأكل أو مشرب صار البيع عليه واجبًا وهلم جرًا، ومثله أيضًا كل المباحات يمكن أن تجد فيها الأحكام الخمسة فإذا كانت التورية جائزة فلا يعني، أنها لا تستحب في بعض الأحيان.
وليعلم أن التورية نوعان: تورية بالفعل وتورية بالقول؛ فالتورية بالقول أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره والتورية بالفعل أن يفعل ما يخالف ما يريد ظاهرًا فكلاهما على خلاف المراد فيما يظهر للناس وهل التورية بالقول جائزة؟ اتفق العلماء، على أن التورية إذا كانت في شيء محرم فهي حرام، يعني: لو أن صاحب حق أدعي على المحقوق أن عنده وديعه فقال: إني أودعت هذا الرجل ألف درهم فأنكر الرجل فهل يجوز لهذا المنكر أن يوري بالإنكار فيقول ما له عندي شيء يريد بـ "ما" الأسم الموصول، أي: الذي عندي له شيء نقول: حرام
стр. 2942
وهذه متفق عليها على أن التورية القولية إذا تضمنت فعل محرم أو إسقاط واجب للغير فهي حرام، فإن لم تتضمن ذلك فهل هي جائزة وإذا قلنا بالجواز فهل هي تصل إلى الاستحباب في بعض الأحيان أم لا؟ الصواب: أنها ليست جائزة إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة وإنما قلنا بهذا؛ لأن هذا الموري إذا ظهر فيما بعد خلاف ما قال صار عند الناس كاذبًا وهذه مفسدة فلهذا نري أنها لا تجوز التورية إلا إذا كانت لحاجة أولمصلحة وإلا فلا يجوز.
القتال أول النهار وأخره:
١٢٢٠ - وعن عقل، أن النعمان بن مقرن ﵁، قال: "شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار آخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر"، رواه أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم.
- وأصله في البخاري.
هذا أيضًا من الحكمة في تدبير الجهاد، وهو أن يتحرى الأوقات التي تكون أقرب إلى النصر، فمثلاً أول النهار لا شك أنه بعد برودة الليل، ونشاط الجسم بعد النوم فهو وقت مناسب للقتال فإذا لم يحصل ذلك فلا ينبغي أن يستقبل الإنسان القائلة، يعني: شدة الحر لأن ذلك ضرر بل يؤخر إلى أن تزول الشمس ولا بد أن نلاحظ أن يؤخر إلى أن تزول الشمس وتحصل البردوة، لأنه عند زوال الشمس المباشر لا يحصل بذلك برودة، بل إنهم يقولون أشد ما يكون من الحرارة بعد زوال الشمس بنحو ساعة.
وقوله: "حتى تزول الشمس" أي: تميل إلى جهة المغرب وذلك أن الشمس أول ما تطلع تكون في ناحية المشرق فإذا توسطت السماء زالت- أي: مالت- إلى جهة المغرب ثم أخذت في البرودة بعد أن كانت في الحرارة.
وقوله: "تهب الرياح" هذا شيء معتاد أنه في آخر النهار تهب الرياح إما عواصف شديدة أو دون ذلك لكن تتحرك الرياح- بإذن الله- في آخر النهار وهذه الرياح التي تتحرك في آخر النهار تكون باردة، لأن الجو قد برد وقوله: "وينزل النصر" هل هذا النصر الذي ينزل أمر لا نعلم سببه أو أن المراد: ينزل النصر، لأن الناس قاتلوا في زمن يكون فيه النشاط والقوة والشجاعة وهذا أقرب إلى النصر؟ فيه احتمالان، فإن كان الله تعالى ينزل النصر في آخر النهار حمل على ذلك وإن كان المعنى: أن القتال في آخر النهار سبب للنصر فهذا سبب حسي معلوم.
стр. 2943
من فوائد الحديث: أولاً: أنه ينبغي القتال في أول النهار، لأن النبي ﷺ إذا لم يقاتل آخر القتال حتى تزول الشمس.
ومنها: حسن رعاية النبي ﷺ لمراعاة الأوقات المناسبة للقتال، وإذا كان هذا هو السبب فإنه يمكن أن يقال: إن هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا قدرنا أن مفعول السلاح في الليل أبلغ منه في النهار فليكن في الليل ولا حرج من تبيت الكفار وإن قتل من لا يجوز قتله كما نص على ذلك أهل العلم، لأن هؤلاء الذين قتلوا إنما قتلوا تبعًا لا قصدًا.
ومن فوائد الحديث: أن الغالب أن آخر النهار تهب الرياح وتبرد الأرض بعد حرارة الشمس لقوله: "حتى تزول الشمس وتهب الرياح".
ومن فوائد الحديث: أنه متى كان الجو مناسبًا كان هذا أقرب إلى الظفر والنصر لقوله: "وينزل النصر" هذا إذا قلنا: إن نزول النصر سببه حسي وهو برودة الجو، وأما إذا قلنا: إن نزول النصر في آخر النهار سببه أمر شرعي فهذا لا نعلم أنه سبب.
جواز قتل النساء والذرية عند التبييت:
١٢٢١ - وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين، يبتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم" متفق عليه.
قال: "سئل عن أهل الدار" المراد بهم: أهل القرية أهل المنزلة، بل حتى وإن كانوا مجتمعين في خيام فإنهم يسمون أهل دار، وذلك لأن هذه المنطقة تجمعهم، وقوله: "يبيتون" يعني: يغار عليهم ليلاً، أي: في الليل يهاجمون، وقوله: "فيصيبون من نسائهم وذراريهم" يعني: يصيبون النساء والذرية بالقتل، فقال النبي ﷺ : "هم منهم" "هم" الضمير يعود إلى النساء والذرية "منهم" أي: من أهل القرية ولا شك أن هذا التبييت سيؤدي إلى قتل النساء والذرية وقتل النساء والذرية في الحرب ليس بجائز غلا من شارك في الحرب فإن يقاتل كما لو شاركت امرأة في القتال فإنها تقتل كالرجل.
ففي هذا الحديث: دليل على جواز تبييت الكفار، وذلك لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك لعدم الملائمة للقتال بالنهار فيبتون.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى ما ذكره العلماء أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالاً،
стр. 2944
وذلك بإباحة قتل النساء والذرية في هذا التبييت، والأصل أن قتل النساء والذرية لا يجوز، لأن النساء والذرية يكونون أرقاء بالسبي وعلى ملك المسلمين ولا يجوز إتلاف أموال المسلمين لكن هذا للحاجة ولكون ذلك تبعًا لا استقلالاً.
ومن فوائد الحديث: أن من كان مجتمعًا مع قوم فإنه يكون منهم، أي: له حكمهم ولهذا جاء التحذير من مجامعة المشرك والسكن معه فإن ذلك يؤدي إلى الاختلاط به وإلى الارتباط بدينه وأخلاقه وبالتالي يكون الإنسان من هؤلاء المشركين الذين جامعهم.
واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الذرية يتبعون آباءهم فيحكم عليهم بالشرك إذا كان آباؤهم مشركين لعموم قوله: "هم منهم" ولا شك أن المولود يولد على الفطرة لكن النبي ﷺ قال "أبواه يهودانه أو ينصرانه أو بمجسانه" فيحكم على أولاد المشركين بأنهم منهم في أحكام الدنيا أما الآخرة فالصحيح أنهم يمتحنون فيما بما يريد الله من التكليف في الآخرة ثم من أطاع منهم دخل الجنة ومن عصا دخل النار هذا ما لم يبلغ فإن بلغ فهو مستقل بنفسه يسلم أو يكفر يكون مستقلاً.
لا يستعان بمشرك في الحرب:
١٢٢٢ - وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ قال لرجل تبعه في يوم بدر: أرجع، فلن استعين بمشرك"، رواه مسلم.
قوله: "قال لرجل تبعه في يوم بدر" يوم بدر أولاً ما هو؟ فيقال: هو مكان بين مكة والمدينة وهو معروف على الطريق الأول لسالك طريق السيارات ولا يزال موجودًا إلى الآن قرية معروفة، ويوم بدر كان في سبعة عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ بلغه أن أبا سفيان قد أقبل إلى مكة ومعه عير لقريش محملة من الشام فخرج ﷺ إلى هذه العير ليأخذها، لأن قريشًا حربيون، والحربي يجوز أخذ ماله، لأن حربي كما يجوز قتله فعلم بذلك أبو سفيان فعدل عن الطريق الأصلى وسار من عند سيف البحر وأرسل إلى قريش يستنجدهم فخرجت قريش بكبرائها وزعمائهم وحدها وحديدها خرجوا كما وصفهم الله بقوله: ﴿بطرًا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٤٧] وجمع الله تعالى بينهم وبين النبي ﷺ على غير ميعاد وكانو نحو تسعمائة رجل والنبي ﷺ ومن معه كانوا ثلاثمائة وبضعه عشر رجلاً، وليس معهم إلا سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون عليهم جمع الله بينهم كما وصفهم الله وهم عزل ليس معهم سلاح ولا استعداد، ولكن الله -
стр. 2945
نصرهم في هذا اليوم، تبعه رجل من المشركين فقال: "ارجع فلن استعين بمشرك" خوفًا منه، لأن المشرك لا يؤتمن وكذلك غير المشركين كاليهود والنصارى، فإنهم لا يؤتمنون ولهذا كتب أحد عمال الأمصار إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين بلغ عمر أنه قد اتخذ- أي: هذا الأمير- كاتبًا نصرانيًا، فكتب- أي: عمر- إلى هذا الأمير أن أعزله وقال كيف نأمنهم وقد خونهم الله فأرسل إليه يقول: هذا الرجل عنده علم حافظ جيد كأنه يريد أن يبقيه فكتب إليه من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى فلان: إن النصراني قد مات، معني هذا الكلام إذا مات فماذا تفعل؟ وكأنه يوبخه على محاولة إبقاء النصراني كاتبًا في شأن من شئون المسلمين، ولهذا يعتبر من الغباوة أن يؤتمن النصارى واليهود وغيرهم من الكفار على أمور المسلمين سواء كان في السلاح أو غير ذلك، لأنهم أعداء بنص القرآن، واليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض بنص القرآن، وإذا كان عدوًا لك كيف تأمنه وما ضر الأمة الإسلامية إلا ائتمان غير المسلمين ولشيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى كلام جيد جدًا حول هذا الموضوع وهو ائتمان اليهود والنصارى أو غيرهم من الكفار على أحوال المسلمين بكتابة أو غيرها ففي المسلمين من هو خير من هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ [البقرة: ٢٢١].
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: الحذر من المشركين حتى وإن تظاهروا بالمعاونة والمساعدة، فالواجب الحذر منهم.
ومن فوائد الحديث: رد من خرج مع المسلمين لمساعدتهم في الغزو، لأن النبي ﷺ رده وقال: "لن أستعين بمشرك".
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد استعان بصفوان بن أمية في استعارة الدروع منه.
قلنا: بلى لكن هذه استعانة با لمال، والذي نفاه الرسول ﷺ هنا الاستعانة بالنفس، لأنه إذا أعاننا بنفسه لا نأمن خيانته أن يدل الأعداء على خفايا أسرارنا أو أن يقاتل لا قتال الشجاع المدافع، أما الاستعانة بالمال فلا بأس، لأن الذين استعملوا الدروع هم المسلمون فلا ضرر علينا بذلك هذا خير محض فلا يعارض هذا الحديث.
فإن قال قائلك: أليس قد استعان النبي ﷺ بمشرك في أخطر موقف له وهو الهجرة فإن الرسول ﷺ اتخذ هاديًا، أي: دليلاً، رجلاً يقال له: عبد الله بن أريقط من بني الديل وكان مشركًا فكيف نجيب عن هذا الحديث؟
следующие страницы →