Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
وقوله: "كان إذا أراد غزوة وري بغيرها" أي: أرى الناس أنه يريد غيرها فإذا كان يريد الذهاب ناحية الشمال سأل عن طريق الجنوب ولا يقول: أنا أريد الجنوب لكن يسأل كيف يذهب الإنسان إلى الجنوب وهكذا وليس المعنى أنه يقول: أنا أريد أن أذهب إلى الجنوب، لأنه لو قال: أنا أريد أن أذهب إلى الجنوب صار كذبًا صريحًا لكن إذا جعل يسأل أين الطريق إلى قبيلة فلان التي في الجنوب، يظن الناس أنه الجنوب ولكنه يريد الشمال والحكمة من ذلك: هي تعمية الأخبار عن الأعداء: ، لأن الأعداء إذا علموا بالخير فإنهم سوف يتأهبون على مقتضى ما علموا فيحصل بذلك مضرة على المسلمين، ولهذا لم يظهر النبي ﷺ الجهة التي يريدها إلا في غزة واحدة فقط وهي غزوة تبوك فإن النبي ﷺ صرح بأنه يريد ذلك، لأنها جاءت في وقت حر وفي وقت طيب الثمار فلا بد أن يصرح للناس بهذا ولأن العدو بعيد عنهم فلهذا صرح بذلك ﷺ .
ومن فوائد الحديث: حكمة النبي ﷺ في تدبير الجيوش، لأن التورية لا شك أنها من الحكمة.
ومن فوائده: جواز التورية، ونحن إذا قلنا "جواز" فلا ينفي أن تكون مستحبة في بعض الأحيان، وذلك لأن كل حكم وصف بالجواز فإنه قد ينقلب إلى مسنون وقد ينقلب إلى واجب، وقد ينقلب إلى محرم، وقد ينقلب إلى مكروه، يعني: أن الحكم بالإباحة لا ينفي أن يكون الشيء محرمًا أو واجبًا أو مسنونًا أو مكروهًا بحسب ما تقتضيه الأدلة، فالبيع مثلاً من الأشياء المباحة وإذا باع الإنسان سلاحًا في فتنة صار حرامًا وإذا باع عنبًا لمن يتخذه خمرًا صار حرامًا وإذا اضطر الإنسان إلى مأكل أو مشرب صار البيع عليه واجبًا وهلم جرًا، ومثله أيضًا كل المباحات يمكن أن تجد فيها الأحكام الخمسة فإذا كانت التورية جائزة فلا يعني، أنها لا تستحب في بعض الأحيان.
وليعلم أن التورية نوعان: تورية بالفعل وتورية بالقول؛ فالتورية بالقول أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره والتورية بالفعل أن يفعل ما يخالف ما يريد ظاهرًا فكلاهما على خلاف المراد فيما يظهر للناس وهل التورية بالقول جائزة؟ اتفق العلماء، على أن التورية إذا كانت في شيء محرم فهي حرام، يعني: لو أن صاحب حق أدعي على المحقوق أن عنده وديعه فقال: إني أودعت هذا الرجل ألف درهم فأنكر الرجل فهل يجوز لهذا المنكر أن يوري بالإنكار فيقول ما له عندي شيء يريد بـ "ما" الأسم الموصول، أي: الذي عندي له شيء نقول: حرام
стр. 2942
وهذه متفق عليها على أن التورية القولية إذا تضمنت فعل محرم أو إسقاط واجب للغير فهي حرام، فإن لم تتضمن ذلك فهل هي جائزة وإذا قلنا بالجواز فهل هي تصل إلى الاستحباب في بعض الأحيان أم لا؟ الصواب: أنها ليست جائزة إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة وإنما قلنا بهذا؛ لأن هذا الموري إذا ظهر فيما بعد خلاف ما قال صار عند الناس كاذبًا وهذه مفسدة فلهذا نري أنها لا تجوز التورية إلا إذا كانت لحاجة أولمصلحة وإلا فلا يجوز.
القتال أول النهار وأخره:
١٢٢٠ - وعن عقل، أن النعمان بن مقرن ﵁، قال: "شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار آخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر"، رواه أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم.
- وأصله في البخاري.
هذا أيضًا من الحكمة في تدبير الجهاد، وهو أن يتحرى الأوقات التي تكون أقرب إلى النصر، فمثلاً أول النهار لا شك أنه بعد برودة الليل، ونشاط الجسم بعد النوم فهو وقت مناسب للقتال فإذا لم يحصل ذلك فلا ينبغي أن يستقبل الإنسان القائلة، يعني: شدة الحر لأن ذلك ضرر بل يؤخر إلى أن تزول الشمس ولا بد أن نلاحظ أن يؤخر إلى أن تزول الشمس وتحصل البردوة، لأنه عند زوال الشمس المباشر لا يحصل بذلك برودة، بل إنهم يقولون أشد ما يكون من الحرارة بعد زوال الشمس بنحو ساعة.
وقوله: "حتى تزول الشمس" أي: تميل إلى جهة المغرب وذلك أن الشمس أول ما تطلع تكون في ناحية المشرق فإذا توسطت السماء زالت- أي: مالت- إلى جهة المغرب ثم أخذت في البرودة بعد أن كانت في الحرارة.
وقوله: "تهب الرياح" هذا شيء معتاد أنه في آخر النهار تهب الرياح إما عواصف شديدة أو دون ذلك لكن تتحرك الرياح- بإذن الله- في آخر النهار وهذه الرياح التي تتحرك في آخر النهار تكون باردة، لأن الجو قد برد وقوله: "وينزل النصر" هل هذا النصر الذي ينزل أمر لا نعلم سببه أو أن المراد: ينزل النصر، لأن الناس قاتلوا في زمن يكون فيه النشاط والقوة والشجاعة وهذا أقرب إلى النصر؟ فيه احتمالان، فإن كان الله تعالى ينزل النصر في آخر النهار حمل على ذلك وإن كان المعنى: أن القتال في آخر النهار سبب للنصر فهذا سبب حسي معلوم.
стр. 2943
من فوائد الحديث: أولاً: أنه ينبغي القتال في أول النهار، لأن النبي ﷺ إذا لم يقاتل آخر القتال حتى تزول الشمس.
ومنها: حسن رعاية النبي ﷺ لمراعاة الأوقات المناسبة للقتال، وإذا كان هذا هو السبب فإنه يمكن أن يقال: إن هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا قدرنا أن مفعول السلاح في الليل أبلغ منه في النهار فليكن في الليل ولا حرج من تبيت الكفار وإن قتل من لا يجوز قتله كما نص على ذلك أهل العلم، لأن هؤلاء الذين قتلوا إنما قتلوا تبعًا لا قصدًا.
ومن فوائد الحديث: أن الغالب أن آخر النهار تهب الرياح وتبرد الأرض بعد حرارة الشمس لقوله: "حتى تزول الشمس وتهب الرياح".
ومن فوائد الحديث: أنه متى كان الجو مناسبًا كان هذا أقرب إلى الظفر والنصر لقوله: "وينزل النصر" هذا إذا قلنا: إن نزول النصر سببه حسي وهو برودة الجو، وأما إذا قلنا: إن نزول النصر في آخر النهار سببه أمر شرعي فهذا لا نعلم أنه سبب.
جواز قتل النساء والذرية عند التبييت:
١٢٢١ - وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين، يبتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم" متفق عليه.
قال: "سئل عن أهل الدار" المراد بهم: أهل القرية أهل المنزلة، بل حتى وإن كانوا مجتمعين في خيام فإنهم يسمون أهل دار، وذلك لأن هذه المنطقة تجمعهم، وقوله: "يبيتون" يعني: يغار عليهم ليلاً، أي: في الليل يهاجمون، وقوله: "فيصيبون من نسائهم وذراريهم" يعني: يصيبون النساء والذرية بالقتل، فقال النبي ﷺ : "هم منهم" "هم" الضمير يعود إلى النساء والذرية "منهم" أي: من أهل القرية ولا شك أن هذا التبييت سيؤدي إلى قتل النساء والذرية وقتل النساء والذرية في الحرب ليس بجائز غلا من شارك في الحرب فإن يقاتل كما لو شاركت امرأة في القتال فإنها تقتل كالرجل.
ففي هذا الحديث: دليل على جواز تبييت الكفار، وذلك لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك لعدم الملائمة للقتال بالنهار فيبتون.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى ما ذكره العلماء أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالاً،
стр. 2944
وذلك بإباحة قتل النساء والذرية في هذا التبييت، والأصل أن قتل النساء والذرية لا يجوز، لأن النساء والذرية يكونون أرقاء بالسبي وعلى ملك المسلمين ولا يجوز إتلاف أموال المسلمين لكن هذا للحاجة ولكون ذلك تبعًا لا استقلالاً.
ومن فوائد الحديث: أن من كان مجتمعًا مع قوم فإنه يكون منهم، أي: له حكمهم ولهذا جاء التحذير من مجامعة المشرك والسكن معه فإن ذلك يؤدي إلى الاختلاط به وإلى الارتباط بدينه وأخلاقه وبالتالي يكون الإنسان من هؤلاء المشركين الذين جامعهم.
واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الذرية يتبعون آباءهم فيحكم عليهم بالشرك إذا كان آباؤهم مشركين لعموم قوله: "هم منهم" ولا شك أن المولود يولد على الفطرة لكن النبي ﷺ قال "أبواه يهودانه أو ينصرانه أو بمجسانه" فيحكم على أولاد المشركين بأنهم منهم في أحكام الدنيا أما الآخرة فالصحيح أنهم يمتحنون فيما بما يريد الله من التكليف في الآخرة ثم من أطاع منهم دخل الجنة ومن عصا دخل النار هذا ما لم يبلغ فإن بلغ فهو مستقل بنفسه يسلم أو يكفر يكون مستقلاً.
لا يستعان بمشرك في الحرب:
١٢٢٢ - وعن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ قال لرجل تبعه في يوم بدر: أرجع، فلن استعين بمشرك"، رواه مسلم.
قوله: "قال لرجل تبعه في يوم بدر" يوم بدر أولاً ما هو؟ فيقال: هو مكان بين مكة والمدينة وهو معروف على الطريق الأول لسالك طريق السيارات ولا يزال موجودًا إلى الآن قرية معروفة، ويوم بدر كان في سبعة عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ بلغه أن أبا سفيان قد أقبل إلى مكة ومعه عير لقريش محملة من الشام فخرج ﷺ إلى هذه العير ليأخذها، لأن قريشًا حربيون، والحربي يجوز أخذ ماله، لأن حربي كما يجوز قتله فعلم بذلك أبو سفيان فعدل عن الطريق الأصلى وسار من عند سيف البحر وأرسل إلى قريش يستنجدهم فخرجت قريش بكبرائها وزعمائهم وحدها وحديدها خرجوا كما وصفهم الله بقوله: ﴿بطرًا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٤٧] وجمع الله تعالى بينهم وبين النبي ﷺ على غير ميعاد وكانو نحو تسعمائة رجل والنبي ﷺ ومن معه كانوا ثلاثمائة وبضعه عشر رجلاً، وليس معهم إلا سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون عليهم جمع الله بينهم كما وصفهم الله وهم عزل ليس معهم سلاح ولا استعداد، ولكن الله -
стр. 2945
نصرهم في هذا اليوم، تبعه رجل من المشركين فقال: "ارجع فلن استعين بمشرك" خوفًا منه، لأن المشرك لا يؤتمن وكذلك غير المشركين كاليهود والنصارى، فإنهم لا يؤتمنون ولهذا كتب أحد عمال الأمصار إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين بلغ عمر أنه قد اتخذ- أي: هذا الأمير- كاتبًا نصرانيًا، فكتب- أي: عمر- إلى هذا الأمير أن أعزله وقال كيف نأمنهم وقد خونهم الله فأرسل إليه يقول: هذا الرجل عنده علم حافظ جيد كأنه يريد أن يبقيه فكتب إليه من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى فلان: إن النصراني قد مات، معني هذا الكلام إذا مات فماذا تفعل؟ وكأنه يوبخه على محاولة إبقاء النصراني كاتبًا في شأن من شئون المسلمين، ولهذا يعتبر من الغباوة أن يؤتمن النصارى واليهود وغيرهم من الكفار على أمور المسلمين سواء كان في السلاح أو غير ذلك، لأنهم أعداء بنص القرآن، واليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض بنص القرآن، وإذا كان عدوًا لك كيف تأمنه وما ضر الأمة الإسلامية إلا ائتمان غير المسلمين ولشيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى كلام جيد جدًا حول هذا الموضوع وهو ائتمان اليهود والنصارى أو غيرهم من الكفار على أحوال المسلمين بكتابة أو غيرها ففي المسلمين من هو خير من هؤلاء كما قال الله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ [البقرة: ٢٢١].
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: الحذر من المشركين حتى وإن تظاهروا بالمعاونة والمساعدة، فالواجب الحذر منهم.
ومن فوائد الحديث: رد من خرج مع المسلمين لمساعدتهم في الغزو، لأن النبي ﷺ رده وقال: "لن أستعين بمشرك".
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد استعان بصفوان بن أمية في استعارة الدروع منه.
قلنا: بلى لكن هذه استعانة با لمال، والذي نفاه الرسول ﷺ هنا الاستعانة بالنفس، لأنه إذا أعاننا بنفسه لا نأمن خيانته أن يدل الأعداء على خفايا أسرارنا أو أن يقاتل لا قتال الشجاع المدافع، أما الاستعانة بالمال فلا بأس، لأن الذين استعملوا الدروع هم المسلمون فلا ضرر علينا بذلك هذا خير محض فلا يعارض هذا الحديث.
فإن قال قائلك: أليس قد استعان النبي ﷺ بمشرك في أخطر موقف له وهو الهجرة فإن الرسول ﷺ اتخذ هاديًا، أي: دليلاً، رجلاً يقال له: عبد الله بن أريقط من بني الديل وكان مشركًا فكيف نجيب عن هذا الحديث؟
стр. 2946
نجيب عنه: بأن لكل مقام مقالاً، ففرق بين الاستعانة بالكفار في حال الحرب وبين الاستعانة بالكفار في مثل الدلالة على الطريق أو ما أشبه ذلك.
أو يقال جواب آخر: أننا متى أمنا من خيانتهم واستفدنا منهم بالرأي أو بالقتال فلا بأس، لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، ولعل هذا الوجه أقرب لأن عبد الله بن أريقط لو شاء لخان أعظم خيانة فإن قريشًا قد جعلت لمن جاء بالنبي ﷺ وأبى بكر قد جعلت له مائتي بعير ومائتا بعير في ذلك الوقت لها شأن كبير فالذي يظهر أني قال الأصل منع الاستعانة بالمشركين في الحرب لكن إذا كان هناك مصلحة ومنفعة محققة مع الأمن من غدرهم ومكرهم فإن ذلك لا بأس به، لأنه مصلحة بلا مضرة والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
النهي عن قتل النساء والصبيان في الحروب:
١٢٢٣ - وعن ابن عمر ﵂: "أن النبي ﷺ رأي امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان" متفق عليه.
قوله: "في بعض مغازية" ولم تعين، لكن لا يهمنا تعيين الغزوة، لأن المقصود معرفة الحكم، وقوله: "أنكر قتل النساء" يعني: أنه نهي عنه لكن بشدة، لأن الإنكار أخص من النهي قد ينهي عن الشيء بدون إنكار، لكن إذا أنكر فقد تضمن النهي وزيادة، وقوله: "قتل النساء والصبيان" النساء مطلقًا حتى البالغات، وأما الصبيان فهم الذكور غير البالغين وإنما نهي عن ذلك لأن النساء والصبيان يكونون أرقاء بالسبي فإذا قتلوا فوت على المسلمين خيرًا كثيرًا.
* ففي هذا الحديث دليل على فوائد:
أولاً: أنه يجب إنكار المنكر حتى وإن كان فاعله جاهلاً بالحكم، وذلك لأن الذين قتلوا هذه المرأة لا شك أنهم جاهلون ولو كانوا عالمين بذلك ما قتلوها.
والثاني: تحريم قتل النساء والصبيان في حال الحرب.
فإن قيل: لو فعلوا ذلك بنا بأن قتلوا صبياننا ونساءنا فهل نقتلهم؟ الظاهر أنه لنا أن نقتل النساء والصبيان ولو فاتت علينا المالية لما في ذلك من كسر قلوب الأعداء وأهانتهم، ولعموم قوله تعالى: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم﴾ [البقرة: ٩٤]، وتفويت
стр. 2947
المال على المسلمين ليس بشيء غريب ولهذا يحرق رحل الغال مع أنه فيه تفويت مال على أحد الغزاة.
فإن قال قائل: لو هتكوا أعراض نسائنا فهل نهتك أعراض نسائهم؟ لا، هذا لا نفعله، لأن هذا محرم بنوعه ولا يمكن أن نفعله، يعني: ليس محرمًا لاحترام حق الغير ولكنه محرم بالنوع فلا يجوز أن نهتك أعراض نسائهم ولكن إذا حصلت القسمة ووقعت المرأة منهم سبيه صارت ملك يمين يطوؤها الإنسان بملك اليمين حلالاً ولا شيء فيه.
وهل يخصص من النساء من كانت تحارب؟ الجواب نعم لو فرض أن المرأة تحارب كما هو في عصرنا الحاضر ففي النساء من تقود الطائرة وترمي بالمدفع والصاروخ فإنها تقتل، لأنه ليس بينها وبين الرجل فرق.
جواز قتل شيوخ المشركين:
١٢٢٤ - وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرحهم﴾ رواه أبو داود، وصححه الترمذي.
"الشيوخ": كبار السن، يعني: من زادوا على الأربعين، ولكن المراد بذلك من بلغ، وهو أهل القتال، هذا هو المراد به هنا، وقوله: "استبقوا شرخهم" الشرخ: هم الصغار الذين لم يبلغوا، في قوله ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين" يعني: في الغزو أو في غير الغزو إذا لم يكن بيننا وبينهم عهد، لأن المشرك إذا لم يكن بيننا وبينه عهد فهو مباح الدم بالنسبة لنا.
ففي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي التركيز على قتل كبار السن من العدو لقوله: "اقتلوا شيوخ المشركين".
وفيه أيضًا من الفوائد: وجوب استبقاء الصغار لقوله: "استبقوا شرخهم"، وقد سبق أنه يجب استبقاء النساء أيضًا، وأن النساء لا يقتلن إلا إذا قاتلن، إلا إذا قاتلن، وفي عصرنا الحاضر نجد نساء العدو يشاركن في القتل فإذا كان كذلك فإنهم كالرجال تمامًا، يعني: أنهن يقتلن.
المبارزة في الحروب:
١٢٢٥ - وعن على ﵁: "أنهم تبارزوا يوم بدر"، رواه البخاري.
- وأخرجه أبو داود مطولاً.
"المبارزة" مشتقة من البروز، وهو الظهور، ومعناها: أن يطلب أحد رجال الجيش من رجال
стр. 2948
العدو أن يبارزه في القتال، يبرز له فيقاتله وفائدة هذا التبارز: أنه إذا قتل حد المتبارزين صار في ذلك قوة للقوم الذين منهم القاتل، وصار في ذلك ضعف وذل للذين منهم المقتول ويكون هذا من أسباب النصر ونوعًا من الجهاد، يعني: بدل ما يكون بالرصاص، يكون بمثل هذا، لأن ضعف قلب العدو من أكبر أسباب النصر، ولهذا قال النبي ﷺ ، "نصرت بالرعب مسيرة شره"، لكن شرط المبارزة أن يكون لدي الإنسان علم بكيفية المبارزة.
وأن يكون عنده قوة يستطيع بها أن يقضي على خصمه، أما أن يخرج رجل ليس عنده علم بذلك أو ليس عنده قوة فإنه لا يجوز، ويجب أن يمنع.
ففي هذا الحديث: دليل على جواز المبارزة، ولكن شرطها شيئان: الأول: العلم بكيفية المبارزة، الثاني: القوة: لأنه إن لم يكن عالمًا فإنه يخدع ويغلب، وإن كان عالمًا لكن ليس عنده قوة فإن الثاني في الغالب يغلبه، ويذكر أيضًا أن علياً ﵁ بارز عمر بن ود في إحدى المغازي وأنه لم خرج عمرو من صف القتال صاح به على وقال: والله ما خرجت لأبارز رجلين! فظن عمرو أن معه رجلاً آخر فالتفت فضربه علي، وهذا خدعه لكنها خدعة جائزة، لأنني ما خدعت رجلاً آمن بل هو خرج مغامرًا بنفسه وخرج ليقتلني، فإذا وجدت حيلة أن أقتله أنا فلا بأس، ولهذا جاء في الحديث "الحرب خدعة" إذن في هذا الحديث: جواز المبارزة ولكنها بشرطين كما سمعتم.
الحمل على صفوف الكفار وضوبطه:
١٢٢٦ - وعن أبى أيوب ﵁ قال: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، يعني قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، قاله ردًا على من أنرك على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم، رواه الثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم.
قوله: "إنما أنزلت هذه الآية" أيهم المنزل للعلم به، فإن الذي أنزلها هو الله ، وهذا نظيره في القدر قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ فإنه أبهم الخالق للعلم به وهو الله.
وقوله: "أنزلت هذه الآية فينا معشر" المعشر هم الطائفة وسموا بذلك، لأن بعضهم يعاشر بعضًا ويناصره ويؤويه.
وقوله: "الأنصار" هم قبيلتان كبيرتان في المدينة إحداهما: الأوس، والثانية الخزرج وسموا أنصار لنصرهم النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ تلقوا بها: أي: تضعوها أمام
стр. 2949
ما يهلكها كما يقال: ألقى بالحبل، أي: وضعه أمام وجهه، فالمعني: لا تلقوا بها أمام الهلاك وقوله: ﴿بأيديكم﴾ المراد بها: النفس، لكن يعبر بالأيدي عن النفس كثيرًا في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿فيما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] أي: بما كسبتم، والتهلكة تفعله من الهلاك، أي: بما يكون به الهلاك.
"قال ﵁ ردًا على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم، لأنهم كانوا في غزوة فحمل رجل من المسلمين على صف الروم وهم أمة حتى دخل فيهم وقاتلهم فقال الناس ألقى بيده إلى التهلكة صاحوا: ألقى بيده إلى التهلكة، فبين أبو أيوب أن هذا ليس من التهلكة وأنها نزلت فيهم حين كفوا أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله وقالوا: ننفق الأموال في غير هذا فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] فبين ﵁ أنه ليس الحمل على صف العدو من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وقوله: "حتى دخل فيهم" يعني: دخل فيهم وقاتلهم.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن القرآن منزل لقوله: "أنزلت فينا هذه الآية"، قال العلماء: ويتفرع على هذه الفائدة فرعان عظيمان الفرع الأول علو الله ، لأن النزول لا يكون إلا من أعلى، والثاني: أن القرآن كلام الله، لأنه إذا نزل من عنده وهو صفة من الصفات الكلام صفة المتكلم ليس عينًا قائمة بنفسها فهو إذا أضيف إلى الله لزم أن يكون كلام الله وهو كذلك قال الله ﵎: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦].
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يذكر نفسه بما قد يلام عليه بيانًا للحق وعليه، لأن أبا أيوب الأنصاري بني ما نزلت فيه هذه الآية وهو أنهم كفوا أيديهم عن الإنفاق وقالوا لا نضيع أموالنا في القتال فلماذا لا نصرفها إلى أشياء أخرى ولا شك أن مثل هذا يلام عليه العبد لكنه ﵁ ذكره بيانًا للحق، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥].
ومن فوائد الحديث: جواز الحمل على صف الكفار ولو واحدًا، وجهه: أن أبا أيوب أقر هذا وأنكر على من أنكره.
فإن قال قائل: هل يجوز الحمل ولو غلب على ظنه أنه يقتل؟
الجواب: نعم، أما إذا تيقن أنه يتقل فإنه لا يجوز، لأنه يكون أعان على قتل نفسه لكن مع احتمال النجاة ولو واحدًا في المائة يجوز.
ومن فوائد الحديث: بيان شجاعة جيوش المسلمين المقاتلة لأعدائهم لأن هذا الرجل - وهو فرد حمل- على صف الروم وهم أمة عظيمة.
стр. 2950
ومن فوائد الحديث: تحريم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.
ومن فوائده: أن الهلاك يكون حسيًا بالجسد ومعنويًا بالعمل، لأنه إذا كانت نزلت هذه الآية في هؤلاء الذين أرادوا أن يكفوا أيديهم عن المساعدة في القتال فهذا هلاك معنوي بالعمل وليس بالجسد أما قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، فهو نهي عن قتل النفس جسديًا لكن يصح أن يكون حتى هذه الآية تدل على تحريم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
إتلاف أموال المحاربين:
١٢٢٧ - وعن ابن عمر ﵂ قال: "حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير، وقطع".
"بنو النضير": إحدى القبائل الثلاث اليهودية التي عاهدت النبي ﷺ حين قدم المدينة ولكن كل هذه الطوائف خانت، وهم: بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة، لما حاصر النبي ﷺ بني النضير وخرج المسلمون قبل أن يخرجوا قطع نخلهم وحرقها بالنار إذلالاً لهم وحملاً على الاستسلام أو الخروج، وقد كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين كما في سورة الحشر "وقطع" يعني: أنه حرق البعض وقطع البعض الآخر فحصل من ذلك تشويه لسمعه المسلمين، وقالوا: ها هو محمد ينهي عن إضاعة ثم يحرق النخيل ويقطعها وهذه إضاعة مال فأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ [الحشر: ٥].
يعني: أن الله هو الذي أذن لنا وإذا أذن الله بشيء صار حلالاً حتى وإن كان جنسه حرامًا فإنه يكون حلالاً، أرأيتم السجود لغير لله ألم يكن شركًا؟ بلى، لكن لما استكبر عنه من أمر به- أي: بأن يسجد لغير الله- صار هذا الذي استكبر كافرًا، فإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، قتل الأولاد من كبائر الذنوب ولما أمر الله به خليله إبراهيم صار قربه من أفضل القرب فقطع النخيل أو إحراق النخيل إضاعة مال لا شك، لكن إذا أذن الله به صار قربه، فالله تعالى أذن لنبيه بأن يحرق النخيل ويقطعه ثم قال: ﴿وليخزي الفاسقين﴾ هذه فائدة عظيمة فخزي الفاسقين أمر مطلوب للشرع حتى وإن ضاع به المال فبين الله سبحانه أن الله أباح له أن يفعل وأن من فوائده: إذلال الفاسقين، يعني: الكافرين.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز قطع نخيل العدو وجواز حرقه.
فإن قيل: إن هذا إفساد مال.
قلنا: نعم، هو إفساد مال لكن لمصلحة أهم، وهي إذلال الكفار ونصر المؤمنين.
стр. 2951
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى قاعدة عظيمة عند العلماء وهي: أنه إذا وجد مفسدة ومصلحة يغلب أقوامها، فإن تساويًا غلب دفع المفسدة، ولهذا نقول: العبارة المشهورة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" ليست على إطلاقها، إنما هذا مع تساوي الأمرين، وأما مع ترجح المصلحة فإن المفسدة تنغمر فيها، فهنا لا شك أن قطع النخيل وإحراقها مفسدة، لكن يتحقق به مصلحة أعظم فإذا وجد في فعل من الأفعال مصلحة ومفسدة وكانت المصلحة أرجح أخذنا بالمصلحة، أما مع التساوي فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح لأنه لو لم يكن به إلا السلامة لكان ذلك مرجحًا.
فإن قال قائل: وهل يلحق بذلك هم القصور والبيوت؟
قلنا: نعم، يلحق بذلك قال الله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم﴾ وفي قراءة ﴿يخربون بيوتهم بأيدهم وأيدي المؤمنين﴾ فدل ذلك على جواز هدم بيوت الكفار.
فإن قيل: ألا يمكن أن يخرج هؤلاء عن ديارهم وعن حيطانهم وتبقى مصلحتها للمسلمين؟
قلنا: بلى يمكن هذا، لكن إذلال هؤلاء الكفار من ذلك والمسلمون إذا غنموا الأرض أمكنهم أن يعيدوا ما كان فيها من بناء، وما كان فيها من غراس.
النهي عن الغلول:
١٢٢٨ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تغلوا؛ فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة"، رواه أحمد، والنسائي، وصححه ابن حبان.
"لا تغلو" "لا" ناهيه، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون و "الغلول": أن يكتم الغنام شيئًا مما غنم، وقوله: "فإن الغلول نار وعار ... الخ" أما كونه نارًا في الآخرة فظاهر ولكن كيف يكون نارًا في الدنيا؟ .
يمكن أن يقال: إن قوله: "في الدنيا والآخرة" متعلق بقوله عار لا نار، وأنه نار على أصحابه في الآخرة وعار عليهم في الدنيا والآخرة لأنه خزي ونشر لغلوله، فإن الغال يأتي يوم القيامة وهو يحمل على عنقه ما غله من حيوان أو متاع.
ففي هذا الحديث: تحريم الغلول.
стр. 2952
وفيه أيضًا: أنه من كبائر الذنوب ووجه كونه من كبائر الذنوب: الوعيد عليه، لأن كل ذنب توعد عليه بوعيد خاص فإنه يكون من كبائ الذنوب، لأن المحرمات نوعان: منهيات لم تذكر لها عقوبة، ومنهيات ذكر لها عقوبة، فالأول صغائر، والثاني كبائر هذه هي القاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الكبيرة ما رتب عليها وعيد خاص دون الوعيد العام على كل شيء.
ومن فوائد الحديث: أن الغلول نار على صاحبه يوم القيامة فإن ما غله يوقد عليه نارًا كما أخبر النبي ﷺ في صاحب الشملة الذي غلها أنها نار عليه.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ ، حيث ربط الحكم بالعلة لما نهي عنه بين ما يترتب عليه.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الترهيب عن العمل المحرم فيما ذكر من عقوبة الدنيا والآخرة، ولا يقال: إن تارك المحرم خوفًا من عقوبة الدنيا لا يكون له أجر بل يكون له أجر حتى وإن تركه خوفًا من عقوبة الدنيا لكن أجره ناقص عمن تركه خوفًا من عقوبة الآخرة.
فإن قال قائل: فإذا غل الإنسان فماذا يكون الحكم؟
يقال: إن الحكم أن يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف والحيوان، أما السلاح فلأنه ينتفع به في القتال وأما المصحف فاحترامًا له، وأما الحيوان فئلا يعذب النار مع أنه لم يحصل منه شيء.
سلب القاتل:
١٢٢٩ - وعن عوف بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ قضي بالسلب للقاتل" رواه أبو داود.
- وأصله عند مسلم.
"قضي" بمعني: حكم، والقضاء يطلق على أمور متعددة منها: الفراغ من الشيء مثل قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾، ومنها: الفصل مثل قوله: ﴿وقضي بينهم بالحق﴾ يعني: فصل بين الناس كما قال تعالى: ﴿يوم القيامة يفصل بينكم﴾ [الممتحنة: ٣]، ومنها: الحكم الشرعي أو الكوني ففي قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ [الإسراء: ٤]، كوني ﴿فلما قضينا عليه الموت﴾ [سبأ: ١٤] كوني ﴿وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] شرعي يطلق أيضًا على علي الحكم بين الناس وهو بمعني الفصل الذي أشرنا إليه أولاً.
قوله: "السلب للقاتل" السلب ما على المقاتل من ثياب وسلاح ونحوها وهو على العدو
стр. 2953
يقتله المسلم فقضي النبي (صلى الله ع ليه وسلم) بالسلب لهذا القاتل ينفرد به من الغنيمة من بين سائر الأعيان التي تغنم.
وقوله: "قضي" هل المراد بالقضاء هنا أنه حكم شرعي ثابت أو حكم في قضية معينة تبع المصلحة؟ في هذا للعلماء قولان: الأول أنه قضاء شرعي حكم شرعي، وعلى هذا فيكون السلب للقاتل، سواء شرط له أم لم يشترط، لأن النبي ﷺ قضي به، وقيل: إنه قضاء تدبيري اقتضته المصلحة، وعلى هذا فإذا رأي الإمام أن يقول للمجاهدين: من قتل قتيلاً فله سلبه استحق السلب وإن لم يقل فإن سلب المقتول يكون مع الغنيمة فأيهما الأصل أنه قضاء تدبيري أو قضاء شرعي؟ الظاهر أن الثاني أولى وأحوط، وذلك لأن الأصل إتباع النبي ﷺ والتأسي به حتى لو فرض أنه قضاء تدبيري فإنه ينبغي لقائد الجيش أن يقضي بهذا القضاء:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].
فيستفاد من هذا الحديث- على احتمال أنه قضاء شرعي-: أن السلب للقاتل سواء اشترط له أم لم يشترط.
ويستفاد منه: تشجيع الإنسان على العمل الصالح بأمر دنيوي، لأن الرسول شجع على القتال وعلى قتل العدو بجعل السلب للقاتل، وعلى هذا فالجوائز التي تجعل على المسابقات الشرعية إذا دخل الإنسان المسابقة فإنه لا يحرم الأجر ما دام يريد الوصول إلى العلم، لكن جعل هذا العوض- الذي في المسابقة- حافزًا له على الدخول في البحث والمراجعة والسؤال.
ومن فوائد الحديث: أنه يشرع للإنسان أن يشجع على الخير ولو بأمر دنيوي، لأن النفوس مجبولة على محبة الدنيا والآخرة فلا حرج أن تجعل مسابقة فيها عوض لمن سبق لكن هل يجوز التفريق بين المتسابقين فيقال: من كان أجود أعطي أكثر أو لا بد أن يتساووا؟ الأول هو الجواب الصحيح ولا يلزم التساوي، ولهذا قضي النبي ﷺ بالسلب للقاتل مع أن المقتول من العدو قد يكون سلبه كثيرًا وقد يكون سلبه قليلاً.
ومن فوائد الحديث: حسن تدبير النبي ﷺ حيث كان يجعل المحفزات عند الحاجة إلى ذلك كما فعل هنا في جلب السلب للقاتل.
١٢٣٠ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ في قصة قتل أبى جهل قال: "فابتدراه بسفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ ، فاخبراه، فقال: أيكما قتله؟ هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا قال: فنظر فيهما، فقال: كلاكما قتله، فقضى ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" متفق عليه.
стр. 2954
قوله في: "قصة قتل أبى جهل" أبو جهل من أكبر زعماء قريش، وكان يكني أبا الحكم، ولكن النبي ﷺ هو الذي كناه بأبى جهل، وهذه الكنية هي المطابقة تمامًا لحال هذا الرجل، لأن من جهله أن يرد دعوة النبي ﷺ وليس من الحكمة أن يردها فكيف يستحق أن يكني بأبي الحكم بل هو أبو جهل وقوله: "في قصة قتل أبى جهل"، القصة: هو أن عبد الرحمن بن عوف كان بين شابين صغيرين فسألاه عن أبى جهل، فقال لهما: ماذا تريدان منه؟ فصرح أحدهما قال: والله لأن عرفته لأقتلنه أو أموت دونه ثم التفت إلهي الآخر وسارة أيضًا وقال ما قال الأول، فلما رآه عبد الرحمن قال: هذا هو الرجل الذي تريدانه؟ قال فانطلقا من عنده كالصقرين على الصيد يريدان هذا الرجل فضرباه بسيفيهما فأردياه حتى سقط على الأرض ثم جاء بعدهما عبد الله بن مسعود وأجهز عليه وحز رأسه وكان يخاطبه، لمن الدائرة الآن؟ فقال عبد الله، ورسوله يا عدو الله، ثم وضع رجله على صفحة وجهة، ابن مسعود راعي غنم يضع رجله على صفحة وجه أبى جهل زعيم قريش فقال له: لقد ارتقيت مرتقي صعبًا يا رويعي الغنم، يحقره فهذا عزة الإسلام جاء الشابان إلى رسول الله ﷺ فأخبراه أنهما قتلا أبا جهل فقال: "أيكما قتله؟ " ولعله سأل عن ذلك ليقي بالسلب للقاتل ثم قال: "هل مستحتما سيفيكما؟ "
قال: لا، فنظر في السيفين وإذا كلاهما متغمص بالدم فعرف أنهما قتلاه جميعًا.
يقول: "فقضي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح".
في هذا الحديث فوائد متعددة منها: أن الشجاعة قد تكون في قلوب الصغار، لأن هذين الشابين سألا عبد الرحمن بن عوف عن أبى جهل وقالا هذه الكلمة العجيبة: لأقتلنه أو أموت دونه، وهذا يدل على التصميم التام في قلهما أبا جهل.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يتخلف عن فرض الكفاية إذا قام به من يكفي؛ لأن عبد الرحمن يشاهد أبا جهل، وليس بذاك الرجل الجبان لكنه لما رأي هذه الشابين يريدان قتله اكتفى بهما وهذا هو القاعدة في فرض الكفاية أنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب لقوله: "أيكما قتله"، فيكون رد لقول الخرافيين الذين يدعون أن النبي ﷺ يعلم الغيب حتى بعد موته، يقولون: إنه يعلم الغيب يحتجون بشبهات مثل قوله النبي ﷺ : "فإن صلاتكم تعرض على"، ومثل ما ورد في بعض الآثار أن أعمال الأمة تعرض عليه، فيقال: لا يلزم من عرضها عليه أن يكون عالمًا بها قبل وقوعها ولا عالمًا بها قبل أن تعرض عليه أيضًا فهو ﷺ لا يعلم الغيب لا حيًا ولا ميتًا.
стр. 2955
ومن فوائد الحديث: العمل بالقرائن، لأنه استدل بما على سيفيهما من الدم على أنهما قتلاه وقد ثبت العمل بالقرائن بالكتاب والسنة، أما في الكتاب فقصة يوسف مع امرأة العزيز حيث شهد الشاهد: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، كذلك أيضًا من السنة حكم سليمان ﵊ في قصة المرأتين اللتين تحاكمتا إلى داود بابن إحداهما حيث أكل ابن إحداهما الذئب فاختصمتا في الابن الباقي إلى داود فرأي ﵊ أن يحكم به لكبيرة بناء على أنها أحوج للولد من الصغيرة وبناء على أن الصغيرة يمكن أن تنجب ولكن سليمان- ﵊ خالفه في الحكم، فلما تحاكمتا إليه دعا بالسكين وقال أريد أن أشق الولد بينكما نصفين كل واحدة تأخذ النصف فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، وقالت الكبرى: شقة! فحكم به للصغرى، أين القرينة؟ الرحمة والحنان من الصغرى، الصغرى لا يهمها أن يفارقها ولكن يبقي حيًا والكبرى ال يهمها أن يقتل ويموت، لأن أبنها قد أكله الذئب، والحديث أن يفارقها ولكن يبقي حيًا والكبرى لا يهمها أن يفارقها ولكن يبقي حيًا والكبرى لا يهمها أن يقتل ويموت؛ لأن أبنها قد أكله الذئب، والحديث الذي معنا من الحكم بالقرائن على يدي الرسول خاتم الأنبياء ﷺ ، ولكن لا بد أن تكون القرائن قوية لا مجرد شبهة فإن مجرد الشبهة لا يكفي، بل لا بد أن تكون القرينة قوية جدًا مثلاً: لو تنازع الزوجان بعد الفراق في أساس البيت فقالت الزوجة: دلال القهوة لي، وقال الزوج: لي، القرينة مع الزوج، لأن النساء لا يكثرن من شرب القهوة والذي يكثر الرجال إذن يحكم بأنها للرجل بناء على الظاهر وإن كان فيه احتمال أن المرأة هي التي اشترتها.
تنازع الرجل والمرأة في حلي سوار من الذهب، قال الزوج: لي، وقالت الزوجة: لي القرين مع الزوجة مع أن فيه احتمالاً أن للزوج وأنه أعارها إياه كما يفعل بعض الأزواج الآن يشتري ذهبًا وبعيره زوجته، ويكتب بأني أعرت الزوجة كذا وكذا، إذن العمل بالقرآن إذا كانت قوية عمل مشروع وطريق صحيح إلى الحكم بين الناس.
ومن فوائد الحديث: أن من اشتركا في عمل استحقا ما جعل عليه ولا حاجة إلى الإقراع بينهما ما دامت القسمة ممكنة، وإن كان لا يمكن احتيج إلى إجراء القرعة بينهما، ووجه الاستدلال من الحديث يترتب على تحرير الحديث.
стр. 2956
الرمي بالمنجنيق:
١٢٣١ - وعن مكحول ﵁: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف" أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات.
- ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي ﵁.
قوله عن "مكحول" ﵀ وفي بعض النسخ ﵁ وهذا يوهم أن يكون مكحول من الصحابة وليس كذلك وعلى هذا فيحسن أن تغير ﵁ إلى ﵀ "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق"، "المنجنيق" هو عبارة عن سلاح ينصب على أعمدة من خشب أو غير خشب ثم يوضع في شيء مثل القبة حجر كبير ثم يرمي به رجال أقوياء ثم يطلقونه بقوة فينطلق الحجر الكبير إلى الهدف المقصود، ويشبه في وقتنا الحاضر المدافع، وقوله: "على أهل الطائف" لأن النبي ﷺ حاصرهم نحو عشرين ليلة أو ثلاثين ليلة على اختلاف الروايات، حاصرهم حتى نزلوا على ما أراد النبي ﷺ .
في هذا الحديث: دليل على جواز نصب المنجنيق أو ما يقوم مقامه من المدافع أو ما يقو مقام المدافع من الصواريخ.
وفيه دليل أيضًا: على أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المستقبل، وجهه: أن هذا المنجنيق سوف يهلك النساء والذرية ومعلوم أن إهلاكهم محرم حتى في الحروب لكن إذا جاء تبعًا فإنه يثبت في التبع ما لا يثبت في الاستقلال.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي لنا أن نفوت الفرصة من أجل خوف إصابة من لا تجوز إصابته، لأنه من الممكن أن الرسول ﷺ يقيم الحصار حتى يستسلموا ولكنه ﷺ اختار هذا- إن صح الحديث-.
ومن فوائد الحديث: أن ما يفعله الناس اليوم في المزارع حيث يحرقونها إذا حصدوا الزرع لئلا يكون فيها ثوابت ضارة في الزرع في المستقبل فإنه لا بأس به وإن أدي ذلك إلى إحراق الحشرات التي تكون فيها، وذلك لأنه تابع غير مقصود، وقد مر علينا أن النبي ﷺ حرق نخل بني النضير والنخل قد يكون فيه فراخ الطيور أو غير ذلك لكنها لم تقصد.
وهذا الحديث يقول المؤلف: "أخرجه أبو داود في المراسيل" والمراسيل: جمع مرسل
стр. 2957
والمرسل له اصطلاحان: المصطلح الأول المشهور، وهو ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ أو رفعه الصحابي الذي لم يسمع من الرسول فهو صنفان مرفوع تابعي أو صحابي لم يسمع من النبي ﷺ وسواء لم يسمع من الرسول لصغر سنه أو لتيقننا أنه غاب عنه في هذا المشهد، فمثلاً لو ري أحد من الناس حديثًا عن رسول الله ﷺ في غزوة من الغزوات ونحن نعلم أن هذا الراوي لم يشهد هذه الغزوة فإنه يكون مرسلاً لأننا نعلم أن بين الراوي وبين الرسول ﷺ ، واسطة، كذلك إذا رواه الراوي الذي لم يسمع من الرسول كمحمد بن أبى بكر، فإنه ولد عام حجة الوداع، أمه أسماء بنت عميس وضعته ف ي ذي الحليفة، فإذا روي محمد عن رسول الله ﷺ حديثًا فإنه مرسل.
أما النوع الثاني من المرسل في الاصطلاح: فهو كل ما لم يتصل سنده فإن بعضهم يسميه مرسلاً فيقول: أرسله فلان عن فلان، لأن بينهما واسطة، وهو يشبه المرسل المصطلح عليه المشهور من حيث سقوط الواسطة؛ ولذلك يطلق عليه بعض المحدثين أنه مرسل، أما حكم المرسل فهو الضعف إلا في حالين: الحال الأولى: إذا رفعه الصحابي، قالوا: فإن مرسل الصحابي مقبول وذلك لشدة تحري الصحابة في النقل عن رسول الله ﷺ فهو لم يرسله إلى الرسول مباشرة إلا لعلمه أن الواسطة ثقه، والحال الثانية: إذا علمنا أن هذا التابعي لا يروي إلا عن صحابي كما يذكر عن سعيد بن المسب أن مراسيله عن أبى هريرة ﵁ [متصلة] فهذا أيضًا يكون مقبولاً وما عدا فإن المرسل يعد من قسم الضعيف.
ثم قال المؤلف: ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي فصار هذا الحديث إما ضعيفًا من حيث اتصال السند لكون مكحول أرسله، وإما ضعيفًا من حيث الرواة، كما قال الحافظ ابن حجر، وصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي ﵁ لكن على كل حال إذا لم يصح سندًا عن رسول الله ﷺ فإن القواعد الشرعية تقتضي ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يتم الوصول إلى غزو هؤلاء الكفار وإثخانهم إلا بذلك كان جائزًا بلا شك.
جواز قتل المرتد في الحرم:
١٢٣٢ - وعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" متفق عليه.
قوله: "دخل مكة"، يعني: في غزوة الفتح، وكان ذلك في رمضان في السنة الثامنة من
стр. 2958
الهجرة، وروي أهل التاريخ أنه في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان، فيكون النبي ﷺ أدرك تسعة أيام من رمضان في مكة ومع ذلك فقد ورد في البخاري أنه لم يصم هذه الأيام التسعة، لأنه مسافر ومشغول بتدبير شئون الفتح وما يتعلق به.
وقوله: "على رأسه المغفر" الجملة من حيث الإعراب في محل نصب على الحال، والمغفر: آلة الغفر، أي: الستر؛ لأن مفعل تطلق على معان منها الآله مثل مقلاع، محراب، آله الحرب، مغفر على وزن مفعل يعني: آله الغفر: هو الستر مع الوقاية، وهو شيء يلبس على الرأس يقي سهام المقاتلين، "فلما نزعه- يعني: انتهي الحرب ونزعه- جاءه رجل وقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة .. الخ) ابن خطل اسمه عبد الله، قال: "متعلق بأستار الكعبة" متعلق بها تأمينًا على نفسه، لأن هذا البيت من دخله كان آمنًا فالمتعلق بأستار الكعب يكون أشد أمنًا فهذا الرجل متعلق بأستار الكعبة، ولكن النبي ﷺ قال: "اقتلوه"، فقتل لا شك، وكان ذلك ضحي يوم الفتح وقد أحل الله لنبيه ﷺ مكة من ضحي يوم الفتح إلى صلاة العصر، وهذا معني قوله: "وإنما أحلت لي ساعة من النهار" يعني: من طلوع الشمس إلى العصر- حوالي ثماني ساعات- لكن ليست الساعة الاصطلاحية.
* فائدة: اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل.
من فوائد هذا الحديث: أولاً: مشروعية فعل الأسباب الواقية من الضرر وأنها لا تنافي التوكل، وذلك للبس الرسول ﷺ المغفر على رأسه وقاية من السهام وقد ظاهر ﷺ في غزوة أحد بين درعين، يعني: لبس درعين، ليكون ذلك أشد حماية، ففعل الأسباب النافعة الثابتة شرعًا أو حسًا من الأمور المطولبة الثابتة شرعًا كالرقي التي يرقيها على المرضي أو على نفسه والأوراد وما أشبه ذلك هذه نافعة ثابتة بالشرع، والثابتة بالحس كالذي يثبت بالتجارب كثير من الأدوية يثبت نفعه بالتجارب، فمتى ثبت حسًا بأن هذا نافع فإنه مأمور أما ما كان ينفع وهمًا ولا أثر له في الواقع فإن الاعتماد عليه من باب الشرك بالله كلبس الحلقة لدفع البلاء أو رفعه فإن هذا من باب الشرك لكنه شرك أصغر، ووجه كونه شركًا، إنه إثبات سبب لم يثبت شرعًا ولا حسًا وهذا يقتضي أن يكون المثبت مقدرًا مع الله وربًا مع الله، فإذا كان هذا لم يثبت أنه سبب لا شرعًا ولا حسًا فإنه لا يجوز الاعتماد عليه.
стр. 2959
ومن فوائد الحديث: أن للأسباب تأثيرًا، لأن النبي لبس المغفر ولولاً أنه تحصل به الوقاية لكان لبسه عبثًا لا فائدة منه، فالأسباب لها تأثير سواء كانت أسباباً شرعية أو أسباباً حسية، أما الشرعية فمثل قول الرسول ﷺ : "من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" وأما الأسباب الحسية فكثيرة.
ثبوت تأثير الأسباب وأدلته:
وبهذا نرد على من قالوا: إن الأسباب لا أثر لها ولا تؤثر، لأن من العلماء من قال: إن الأسباب ليس لها أثر حتى لو رميت زجاجة بحجر فانكسرت فإنها لم تنكسر بإصابة الحجر، الحجر لا يمكن أن يكسر، قال: هذه انكسرت عند الإصابة وليس بالإصابة، الإصابة هذه علامة أنه إذا التقى الحجر بالزجاج انكسر إمارة وليس له تأثير، ولا أدري كيف تكون هذه أمارة ولو ضربنا الحديد بالحجر لم ينكسر.
ومن فوائد الحديث: العمل بالأسباب.
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن للأسباب تأثيرًا، وذكرنا أن للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: طرفان ووسط أما الطرفان فالأول أنه لا تأثير للأسباب مطلقًا وأن ما يحصل من التأثير بها فهو حاصل عندها لا بها وأنها مجرد علامات، يعني: علامة انكسار الزجاجة إذا ضربها الحجر أن يصدمها الحجر وليست تنكسر به، وهذا مذهب الأشاعرة ومذهب كل من ينكرون الحكمة في أفعال الله لأنهم لا يعللون الأفعال والقوائع، ولا شك أن هذا القول باطل ومردود بأوجه كثيرة بالدليل العقلي والسمعي والحسي وأن هذا لو ذكر أنه من عقائد المسلمين عند غير المسلمين لاتخذوا عقيدة المسلمين هزوا؛ لأن هذا القول يكذبه الحس والواقع، يعني: لو أن إنسانًا قذف بحجر على زجاجة فانكسرت وقالت: إنها لم تنكسر بالحجر وإنما انكسرت عنده لا به لضحك الناس من هذا، والعجب أن القائلين بهذا القول يرون أنهم هم أهل الإخلاص، لأن إثبات تأثير الأسباب عندهم من باب الشرك حيث جعلوا مؤثرًا دون الله أو مع الله، وهذا القول تصوره كاف عن سياق أدلة بطلانه.
الطرف الثاني: القائلون بأن الأسباب مؤثرة بطبائعها بمقتضى طبيعتها مؤثرة بذاتها، فالحجر هو الذي كسر الزجاجة بنفسه وبطبيعتها، والنار هي التي أحرقت الورق بنفسها، وهذا القول باطل بدلالة الواقع ودلالة الشرع، يعني: بدلالة الشرع والواقع على أنه باطل وهو نوع من الشرك بالله لأن اعتقاد أن شيئًا ما يؤثر في الشيء الآخر بنفسه دون الله هذا شيء من الشرك
стр. 2960
لا شك فيه، ووجه بطلانه من الشرع: قول الله ﵎: ﴿أفرأيتم النار التي تورون (٧٦) أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٢]، فبين الله تعالى أن الذي أنشأ شجرة النار والتي تنقدح بها النار هو الله وبين أنه جعلها متاعًا للمقوين، وتذكرة للمتقين، وأما الواقع فإن الله قال للنار التي ألقى فيها إبراهيم: ﴿كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا ولم تحرقه ولو كان إحراقها بذاتها لأحرقته بذاتها إذن بطل الطرفان الأول والثاني أيهما أبعد عن المعقول والفطرة؟ الأول أبعد عن المعقول والفطرة.
أما القول الوسط وهو الحق- والغالب أن القول الوسط هو الصحيح- فيقول: إن للأسباب تأثيرًا ولكن لا بذاتها، بل بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة وبهذا نسلم من شرك من جعلوها مؤثرة بذاتها ونسلم من سفه القول بأنها لا تؤثر.
من فوائد الحديث: أن مكة فتحت عنوة بالسيف لا بالصلح لقوله: "وعلى رأسه المغفرة"، وهذا يدل على أنه فتحا عنوة لا صلحًا، وهذا هو الصحيح.
فإن قال قائل: لماذا لم تقسم مكة على الغانمين إذا كانت فتحت عنوة كما قسم النبي ﷺ أرضي بني النضير وبني قريظة؟
فالجواب عن ذلك من أحد وجهين: إما أن نقول: إن قسم الأراضي المغنومة راجع إلى الإمام فإن رأي مصلحة في القسم قسم وإن رأي مصلحة في الإيقاف أن توقف وتجعل وقفًا للمسلمين ويضرب عليها الخراج فعل، وإن رأي أن تكون وقفًا بدون خراج فعل، وإن رأي أن يمن بها على أهلها فعل، الوجه الثاني: أن المانع من قسمة مكة هو أن مكة مشعر من المشاعر فيكون في هذا دليل على أن مكة لا تقسم كما هو قول كثير من العلماء أن مكة كمني وعرفة ومزدلفة مشعر لا يمكن أن يجري فيها القسم لكن يجري فيها الأحقية، فمن كان تحته دار أو ما أشبه ذلك فهو أحق بها من غيره، لكن لا يملكها، والمسألة فيها أقوال، أظن أننا ذكرناها في الكلام على زاد المستنقع فلا حاجة للإعادة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب الإحرام على من دخل ولو تباطأ العهد، وجه الدلالة: أن النبي دخلها وعلى رأسه المغفر والمحرم لا يمكن أن يلبس المغفر، واختلف العلماء في تخريج هذا فمنهم من قال: إنه لا يجب الإحرام على داخل مكة إذا دخلها لقتال مباح والنبي ﷺ دخلها لقتال مباح، فكل من دخلها لقتال مباح فإنه لا يلزمه الإحرام لأنه سيشتغل بالقتال عن النسك، ومنهم من قال: إنه لا يجب على من أدي فريضة العمرة والحج ثم دخل مكة أن يحرم وهذا المأخذ هو الصحيح- أن من دخل مكة وقد أدي الفريضة فلا إحرام عليه- ويدل لذلك أن النبي ﷺ لما أخبر أن الله فرض علينا الحج قال الحج قال رجل يا رسول الله أفي كل عام؟ قال:
стр. 2961
"لو قلت نعم لوجبت وما استطعتم، الحج مرة فما زاد فهو تطوع" فقال: "ما زاد" و"ما زاد" هذه شرطي تعم كل شيء، فمتى أدي الإنسان فريضة الحج والعمرة كان ما يفعله بعد ذلك تطوعًا إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، ويدل لذلك أيضًا قول النبي ﷺ حين وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتي عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة" هكذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث، وفي هذا الاستدلال منازعة، لأن قوله: "ممن يريد" لا تدل على عدم الوجوب، لأن الوجوب سابق على الإرادة، فيمكن أن نقول: "ممن يريد" ممن يجب عليه، وكل الناس يجب عليهم، ونظير ذلك أن نقول: الوضوء واجب على من يريد أن يصلى الظهر، هل هذا يدل على أن صلاة الظهر غير واجبة؟ لا، بل يدل على وجوب الوضوء لمن أرادها، ثم الإرادة يسبقها الحكم الشرعي واجبًا كان أم مندوبًا لكن الدليل الواضح هو الأول وهو قوله: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع".
ومن فوائد الحديث: أن الإخبار عن الجاني ليس وشاية وليس بحرام، يؤخذ من قوله: "أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" هذه وشاية لكن لمصلحة، فمن هو ابن خطل؟ هو رجل كان قد أسلم في المدينة ثم ارتد ولحق بالمشركين في مكة، واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، فجمع بين الردة واللحاق بالمشركين وسب النبي (صلى الله علي وسلم)، فكانت ذنوبه عظيمة، واشتهر ذلك فجيء إلى النبي ﷺ ليخبر به، فقال: "اقتلوه".
ومن فوائد الحديث: أنه قد اشتهر حتى عند الكفار الالتجاء إلى بيت الله الحرام.
ومن فوائد الحديث: جواز قتل المرتد في مكة، وذلك لقوله "اقتلوه" ولكن هل هذا عام بحيث من ارتد خارج مكة ثم دخل مكة فإن الحرم يعيده أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إن من فعل ما يوجب خارج مكة ثم لجأ إليها فإنها لا تقام عليه العقوبة، لعموم قوله الله تعالى: ﴿ومن دخله كان أمنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أو لم يروا أن جعلنا حرمًا أمنًا ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العكنبوت: ٦٧] ولأن الطيور- وهي من غير البشر- تأمن إذا دخلت إلى مكة، فالآمي من باب أولى، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، لكنهم قالوا: يضيق على هذا الرجل حتى يخرج فلا يكلم ولا يطعم ولا يسقي ولا يماشي حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت ثم يخرج فإذا خرج أقمنا عليه الحد، ومنهم من قال: إن الحرم يعيد العاصي مطلقًا ولا يتعرض له بشيء ولا يضيق عليه؛ لأنه دخل المكان الآمن وربما يمن الله عليه بالهداية إذا عرف أنه استجار بحرم الله فأجير تعظيمًا لله فالأقوال ثلاثة.
فإن قال قال: هل في قصة ابن خطل دليل على القول الذي يقول: إنه يجيره مطلقًا؟
стр. 2962
فالجواب: لا، لأن ابن خطل فعل الجريمة في مكة، وفاعل الجريمة في مكة منتهك لحرمة الحرم فلا حرمة له هو بنفسه؛ لأنه انتهك حرم الله فلم يكن له حرمة، ولهذا أجمع العلماء على إقامة الحد على من فعل ما يوجب الحد في مكة وهذا هو الذي يدل عليه الحديث.
القتل صبرًا:
١٢٣٣ - وعن سعيد بن جبير ﵁: "أن رسول الله ﷺ قتل بدر يوم ثلاثة صبرًا" أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات.
عندي: "عن سعيد بن جبير ﵁، والصواب ﵀ حسب اصطلاح العلماء أو حسب ما عرف بين العلماء، وإلا فهو ممن ﵃ إن شاء الله، "يوم بدر" يعني: يوم غزوة بدر، وهو مشهورة في مكانها وسببها وزمانها ولا حاجة إلى إعادة القول فيها لأننا ذكرناه وقوله: "ثلاثًا صبرًا" يعني: ثلاثة من قريش وقوله: "صبرًا" أي: بدون قتال أوقدهم وصبرهم، أي: حبسهم ثم قتلهم.
يقول: أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات، لكنه ما دام مرسلاً ففي صحته نظر، إلا إذا علمنا أن سعيد بن جبير لا يرسل إلا عن صحابي، ولكنه يشهد له الحديث السابق في قصة ابن خطل، فإنه قتل صبرًا، أي: بدون تشابك في القتال.
الأسير وأحواله:
١٢٣٤ - وعن عمران بن حصين ﵁: "أن رسول الله ﷺ فدي رجلين من المسلمين برجل من المشركين" أخرجه الترمذي وصححه.
- وأصله عند مسلم.
هذا أيضًا في الأسرى أنه يجوز فداؤهم، يعني: يجوز أن يأخذ فدية عن قتلهم بأناس من المسلمين، ففي هذا الحديث أن الرسول فدي رجلين من المسلمين برجل مشرك، يعني: أعطي المشركين رجلاً وأخذ رجلين.
ففيه: جواز فداء الأسير المشرك بأسير من المسلمين، فإذا ضممته إلى ما سبق تبين أنه يجوز في الأسرى شيئان: الأول أن يقتلوا، والثاني: أن تؤخذ الفدية من المشركين، أي: يفدوا
стр. 2963
برجال من المسلمين، ويجوز أن يفدوا بمال ويجوز أن يفدوا بمنفعة كما فعل النبي ﷺ في أساري بدر حيث أطلقهم على أن يعلموا أهل المدينة، فهذه ثلاثة أشياء: أن يقتل صبرًا والثاني الفدية بأسير مسلم، والفدية بمال، والرابع: فدية بمنفعة، وهل يجوز أن يطلقوا؟
نعم يجوز ذلك لقوله الله ﵎: ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤]، فصار مخيرًا بين ثلاثة أشياء بين القتل والفداء- والفداء له ثلاث صور- والثالث: المن، ولكن هذه القضايا المختلفة هل هي حسب تشهي القائد أو الإمام أو هي حسب المصلحة؟ الثاني، لأن القاعدة الشرعية: أن من تصرف لغيره فإنه يجب عليه أتباع الأصلح في حق ذلك الغير، بخلاف من تصرف لنفسه فإنه مخير تخيير تشه، فخصال الكفارة في الإيمان الخصال الثلاث، التخيير فيها تشه أفعل ما شئت، فصار الفدية- فدية الأعداء- التخيير فيها أيضًا تشهيًا أفعل ما شئت، لكن إذا كنت تتصرف لغيرك فيجب أن يكون التخيير مبنيًا على مصلحة ذلك الغير، فمثلاً: إذا رأي الإمام أن في قتل هذا الأسير مصلحة للمسلمين بتقوية نفوسهم وإذلال أعدائهم، فالواجب أن يقتله حتى لو أعطي ملايين الملايين فإنه لا يجوز أن يقبل الفدية، وإذا رأي أن المصلحة أن يأخذ منه فدية مالية فليأخذ فدية مالية وإذا رأي من المصلحة إلا أن يقول: أنا لا أقبل فداء إلا بالأسري الذين عندكم فله أن يفعل وأما المن ففي الآية واضح إذا رأي من المصلحة أن يمن عليه فلا بأس، وهذا يرجع إلى كل قضية بعينها وهذا هو الذي تسمعون أحيانًا في كلام العلماء: هذه قضية عين، يعني: ليست حكمًا عامًا يستدل بعمومه، ولكن قضية عين يعني: قد يكتنفها من الأشياء ما يجعل حكمها هكذا ولو اختلف الأمر لاختلف الحكم، وهل يجوز أن يسترقه؟ نعم ذكر فقهاؤنا- ﵏ أنه يجوز أن يسترق الأسير- والمراد بالأسير: المقاتل الذي يؤخذ في الحرب بعدما استسلم- إذا شاء الإمام، وقيل: ليس له أن يسترقه، لأن الاسترقاق حق لله لا يمكن أن يسترقه إلا بسبب شرعي لكن فقهاؤنا صرحوا يجوز ذلك وقالوا: إذا كان يجوز أن يقتل فاسترقاقه قد يكون أنفع للمسلمين من قتله.
إسلام الكافر ونتائجه:
١٢٣٥ - وعن صخر بن العيلة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن القوم إذا أسلموا، أحرزوا دماءهم وأموالهم" أخرجه أبو داود، ورجاله موثقون.
"القوم": المراد بهم: الكفار بدليل قوله: "إذا أسلموا"، ثم إن كلمة "القوم إذا أسلموا" عامة، ولكن الأدلة تدل على أنها تحتاج إلى تفصيل على النحو التالي:
стр. 2964
أولاً: إذا أسلموا قبل قتالهم أحرزوا دماءهم وأحرزوا أموالهم أيضًا ولا يجوز أن نأخذ من أموالهم شيئًا، لا من الأموال المنقولة ولا من الأموال غير المنقولة، لأنهم أسلموا وقد قال النبي ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى فهؤلاء الذين أسلموا بمجرد أن أسلموا لا يجوز أن نتعرض لهم قد أحرزوا دماءهم وأموالهم.
الحال الثانية: أن يسملوا بعد القتال، فما أخذ من أموالهم حال القتال وقبل الإسلام فهو غنيمة للمسلمين وما لم يؤخذ فهو لهم ومنه غير المنقول كالأراضي فإذا أسلموا على أراضيهم فلا يجوز أن نقسمها بين الغانمين، لأنهم أسلموا عليهم فتكون لهم ويحرزون بذلك أموالهم التي لا تنقل وكذلك الأموال التي كانت بأيديهم بعد أن أسلموا، لأنهم صاروا محترمين معصومين أما إذا أسلموا بعد المقاتلة وبعد أن غنمنا أموالهم فما غنمناه من الأموال فهو غنيمة وكذلك لو اسلموا بعد أن فتحنا أرضهم عنوة وملكناها فإن هذه الأرض للإمام أن يصالحهم فيها على ما يريد مما تقتضيه المصلحة.
معرفة الجميل لأهله:
١٢٣٦ - وعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال في أساري بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًا، ثم كلمني في هؤلاء النتني لتركتهم له" رواه البخاري.
"في أساري بدر" يعني: الذين أسروا في بدر، وكان عددهم سبعين نفرًا أسروا، وقتل سبعون، هؤلاء جاء بهم الرسول ﷺ إلى المدينة، وقال: "لو كان المطعم بن عدي- الذي هو أبو جبير- حيًا ثم كلمني ... الخ" "النتني" جمع نتن، والنتن: الرائحة الكريهة المستقذرة وإنما وصفهم بذلك لأنهم مشركون، والمشرك نجس كما قال الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله: "لتركتهم له" يعني: لأطلقتهم، وهذا فيه المن بال شيء، وسبب ذلك- يعنيك سبب ذلك هذا القول- أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف بعد أن ردوا دعوته ودخل مكة أجارة المطعم بن عدي وركب فرسه وأمر أبنية أن يكون أحدهما عن يمينه و [الآخر] عن الشمال وكان مجيرًا لرسول الله ﷺ من أن يناله سوء من قريش فمن أجل هذه الحسنة العظيمة التي فعلها بين الرسول ﷺ أنه أحق الناس برد الجميل وأن المطعم لو كلمه في هؤلاء لتركهم له.
стр. 2965
ففي هذا دليل على فوائد: أولاً: رد الجميل والمعروف حتى وإن كان الفاعل لو كافرًا وهذا يؤيده عموم قوله ﷺ : "من صنع إليكم معروفًا فكافئون".
ثانيًا: جواز التعبير بـ "لو" وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، في كتاب التوحيد قال: باب ما جاء في اللو ثم ساق ما ساق من الآثار والأحاديث، واستعمال" لو" على ثلاثة وجوه، أولاً أن يكون المراج بها مجرد الخبر فهذه جائزة ولا تنافي التوحيد، ومنه هذا الحديث" لو كان حيًا ثم كلمني لتركتهم له" وكذلك لو قلت: لو جاءني زيد لأكرمنه، هذا لا بأس به ولا ينافي التوحيد، لأنه خبر وهل منه قول الرسول ﷺ في حجة الوداع "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم"؟ نعم، هو منه وليس هذا تمني ما فات ولكنه الإخبار عما كان يفعله لو استقبل من أمره ما استدبر.
الوجه الثاني: أن تكون للندم والحزن على ماضي فهذه منهي عنها لقول النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت، لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان" وهذه لأن الإنسان يظهر الندم والحزن على ما فات، وهذا لا ينفع، فما فات لا يمكن أن يرد ولا تستفيد من هذه "اللو" إلا التحسر والضيق وعدم الأمل، فلهذا قال الرسول ﷺ : "إنها من عمل الشيطان "، لأن الشيطان يريد أن يقلقك دائمًا وأن يحزنك ﴿إنما النجوي من الشيطان ليحزن الذين أمنوا﴾ [المجادلة: ٨] ولهذا إن وجدت من نفسك قلقًا وحزنًا من شيء فاعلم أنه من الشيطان، استعن بالله على رفع ما يمكن رفعه وما لا يمكن فلا يمكن أن يرفع المهم هذه اللو منهي عنها.
الوجه الثالث: أن تكون في التمني أن يتمني الإنسان شيئًا، فهذه حسب ما يتمناه إن تمني خيرًا فهي خير وإن تمني شرًا فهي شر، ويدل لذلك حديث أربعة النفر أحدهم عنده مال ينفقه في طاعة الله والثاني فقير لكنه يحب الخير يقول: لو أن لي مال فلان فأفعل فيه مثل عمل فلان أو لعملت فيه مثل عمل فلان، فهذا قال الرسول ﷺ فيه: "هو بنيته فهمًا في الأجر سواء" وهذا طيب، لأن الإنسان إذا فعل هذا فإن يحثه على فعل الخير، والثالث: رجل غني لكنه يبذل ماله في غير مرضاة الله، والرابع: فقير ليس عنده مال لكن يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه مثل عمل فلان هذه لو مذمومة، لأنها في تمني شر، فهذه أقسام "لو" التي جاءت بها السنة قوله تعالى:
стр. 2966
﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا" ﴿آل عمران: ١٦٨] هذه مذمومة لأنها للتحسر كأنهم يقولون: ليتهم أطاعونا حتى لا يقتلون.
ومن فوائد الحديث: جواز المن على الأسرى بدون فداء، سواء كان ذلك لمصلحة مترقبة أو لمكافأة على معروف، فمثلاً إذا رأينا شخصًا نعرف أنه صاحب خير وإحسان على المسلمين، لكنه لم يوفق للإسلام وقلنا له: أنت فعلت كذا في المسلمين فنحن الآن نطلقك حرًا كريمًا فهذا لا بأس به لمكافأته على ما صنع.
ومن فوائد الحديث: جواز غيبة الكافر لقوله: "هؤلاء النتني" ومعلوم أنك لو وصفت الكافر بأنه منتن لكره ذلك لكنه لا غيبة له، الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، والكافر ليس أخًا لك.
النهي عن وطء المسبية حتى تستبرأ أو تضع:
١٢٣٧ - وعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فتحرجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] الآية"، أخرجه مسلم.
قوله: "سبايا" يعني نساء سبيت، وقوله: "يوم أوطاس" يعني: يوم حنين، وأوطاس: واد في ديار هوزان قريب من الطائف، وهذه الغزوة تسمي غزوة هوازن وثقيف، وتسمي غزوة الطائف، وتسمي غزوة أوطاس، وقوله: "لهن أزواج فتحرجوا" من المتحرج؟ الصحابة، وذلك لأن النساء إذا سبين صرن ملكًا للمسلمين، لكن هؤلاء المتزوجات يشكل على الإنسان كيف تحل له وهي متزوجة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤]، يعني: وحرمت عليكم المحصنات من النساء، والمراد بالمحصنات هنا اللاتي أحصن بالأزواج، يعني: اللاتي هن متزوجات مع أزواجهن إلا ما ملكت أيمانكم ومنه- مما ملكت أيمانهم- السبايا فأحل الله لهم هؤلاء النساء المسبيات ولو كن مع أزواج ولكن لا بد من استبراء قبل الجماع والاستبراء إن كان حاملاً فبوضع الحمل، وإن كانت غير حامل- وهي تحيض- فبحيضة، وإن كانت غير حامل ولا تحيض فشهر فعلي هذا يكون الاستبراء بواحد من أمور ثلاثة خوفًا من أن يختلط ماء السابي بماء الزوج وحفظًا للأنساب، لأن حفظ الأنساب أمر مهم حتى إن الرسول ﷺ قال للرجل الذي قال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود يعرض بأن الغلام ليس له، فقال له الرسول ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "أنني أتاها ذلك؟ " قال: يا رسول الله لعله نزعه عرق،
стр. 2967
فقال: "ابنك هذا لعله نزعة عرق" كل هذا لئلا يقلق الإنسان من كون هذا الود ليس ولدًا له فيضيع النسب.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: انفساخ نكاح المسبية يؤخذ من حلها للمسلمين، إذ لا يمكن لامرأة أن تحل لرجلين في آن واحد، إذن المرأة إذا سبيت انفسخ نكاح زوجها، ولكن هل ينفسخ نكاح زوجها إذا سبي معها أو نقول لا ينفسخ إلا إذا كان الزوج في دار الحرب أما إذا كان مع زوجته- مسبي- فلا ينفسخ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال إنه إذا كان معها زوجها فهو زوجها ولكن إذا سبيت وحدها وزوجها في دار الكفر فحينئذ ينفسخ النكاح، والمسألة تحتاج إلى تحرير لترجيح أحد القولين.
ومن فوائد الحديث: إتباع سبيل الورع عند الاشتباه لقوله: "تحرجوا" أي: خافوا من الحرج وكأنه من المعلوم عندهم أن السبايا ملك للسابي تحل له لكن أشكل عليهم إذا كانت متزوجة.
ومن فوائد الحديث: أن القرآن كلام الله لقوله: "فأنزل الله" ووجه الدلالة: أن الكلام ليس عينًا قائمة بنفسها حتى نقول إنه مخلوق كما في قوله: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾، ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمينة أزواج﴾ القرآن كلام صفة للمتكلم ليس عينًا قائمة بنفسها وحينئذ يدل هذا الحديث أن القرآن كلام الله كما هو قول أهل السنة.
ومن فوائد الحديث: أن القرآن الكريم على نوعين أو إنزال القرآن الكريم على نوعين: الأول ما نزل ابتداء بدون سبب وهذا هو الأكثر، والثاني: ما نزل بسبب وهو كثير لكنه بالنسبة للأول فقليل.
ومن فوائد الحديث: أن كلام الله يتعلق بمشيئة متى شاء تكلم وليس هو المعنى القائم بنفسه الذي هو موصوف به أزلاً وأبدًا كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة، بل هو قول يحدثه الله ، متى شاء وجاء الدلالة، أنهم لم تحرجوا أنزل الله هذه الآية.
ومن فوائد الحديث: علم الله أو إحاطة علم الله، حيث علم- أن الصحابة تحرجوا ثم أنزل ما يزيل تحرجهم.
ومن فوائد الحديث: الحديث سعة ﵀ للعباد، لأنه لو بقيت المرأة في عصمة زوجها الكافر للحق المسلمين بذلك حرج شديد، فلهذا رحم الله العباد وجعل المسبية ملكًا لسابيها ويفسخ نكاح زوجها.
ومن فوائد الحديث: جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن لم تكن كتابيه بخلاف النكاح،
стр. 2968
النكاح لا يجوز أن يتزوج الإنسان امرأة غير مسلمة إلا إذا كانت كتابية، يهودية أو نصرانية وأما الإماء فمتى ملك الإنسان أمة فهل حل له، لعموم قوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ ولهذا الحديث، لأن السبايا مشركات من المشركين وهذا هو القول الراجح أن الأمة يحل وطؤها بملك اليمين سواء كانت كتابية أم غير كتابية.
تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء:
١٢٣٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية وأنا فيهم قبل نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم أثنى عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا" متفق عليه.
"بعث" يعني: أرسل سرية، قلنا: إن السرية هي ما ينطلق من الجيش دون أربعمائة أو دون خمسمائة على خلاف ذلك وسميت سرية، لأنها تسير ليلاً أو نهارًا، وقوله: "وأنا فيهم" الجملة في موضع نصب على الحال.
قد يقول قائل: كيف تكون في موضع نصب على الحال وقد سبقها نكرة، وقد ذكرتم قاعدة أن الجمل بعد النكرات صفات؟
نقول: يمنع هذا إثبات الواو إثبات الواو في هذه الجملة يمنع أن تكون صفه لها، وقوله: "قبل نجد" أي: جهة نجد، ونجد في الأصل كل ما ارتفع من الأرض، والمراد به: نجد العرب، وهي بالنسبة للمدينة مرتفعة.
يقول: "فغنموا إبلاً كثيرة" "غنموا": الفاعل يعود على السرية باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ وإلا لقال: فغنمت لكن لما كانت السرية مؤلفة من أناس عاد الضمير إليها بالواو موافقة للمعنى وكل لفظ مفرد يدل على الجمع فإنه يجوز عود الضمير إليه مفردًا باعتبار لفظه ومجموعًا باعتبار معناه، قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩] فأعاد الضمير الأول باعتبار المعنى، فقال: "اقتتلوا" وفي الثاني قال: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ ولم يقل: بينهم، ففي الضمير الأول باعتبار المعنى، وفي الثاني باعتبار اللفظ، والإبل معروفة ليس لها مفرد من لفظها فهي اسم جمع، ومفردها بعير، "فكانت سهمانهم" أي: سهم كل واحد من هؤلاء السرية اثني عشر بعيرًا، لنفرض أن هذه السرية ثلاثمائة رجل كل واحد له أثنا عشر بعيرًا ستكون الغنيمة ثلاثة آلفا وستمائة، قال: "ونفلوا بعيرًا بعيرًا" فيكون أربعة آلاف بعير في هذه السرية.
من فوائد الحديث: هذا الحديث مشروعية بعث السرايا سواء كانت منطلقة من الجيش أو
стр. 2969
منطلقة من العاصمة إذا لم تتجاوز أربعمائة رجل فإنها سرية، وما زاد على ذلك فيسمي جيشًا، ودليل مشروعيتها فعل النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن الإمام الأعظم هو القائد الأول للأمة وهو الذي يبعث الجيوش ويؤمر الأمراء ويعرف العرفاء، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ هو الذي كان يفعل ومن بعده الخلفاء.
ومن فوائد الحديث: أن الحيوان من الأموال المغنومة كالأمتعة، لقوله: "فغنموا إبلاً".
ومن فوائد: أنه يقسم بين الغانمين ولا يؤخر، وكيفية القسم أنه يوزع خمسة أسهم، سهم يوزع لله ورسوله، وسنذكره إن شاء الله، وأربعة أخماس تكون للغانمين تقسم بينهم، السهم الخامس ذكر الله تعالى مصرفه في قوله: ﴿وأعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول وذي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]، والذي لله ورسوله يجعل في المصالح العامة إلا في حياة الرسول ﷺ فهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، لكن بعد موته الصحيح أنه يكون فيئًا يكون لبيت المال، وقال بعض العلماء: يكون للخليفة، لأنه قائم مقام الرسول ﷺ والصحيح أنه يكون في المصالح العامة ويسمي عند العلماء فيئًا.
ومن فوائد الحديث: جواز التنفيل، أي: تنفيل السرية، فإما أن تنفل شيئًا معينًا كما فعل الرسول ﷺ في هذه السرية، وإما أن تنفل سهمًا مشاعًا، وقد فرق العلماء - كما جاء في الحديث- بين السرية التي انطلقت من الجيش في البداية وبين السرية التي انطلقت في الرجوع أيهما أكثر؟ الثانية أكثر؛ لأن التي تنطلق قبل الجيش لها سند يسندها وهو الجيش خلفها وأيضًا تكون قد بدأت القتال وهي في قوتها، وتكون أيضًا بدأت القتال وربما العدو في غفلة فلهذا كان تنفيلها أقل من التي تنفل في الرجعة، لأن في الرجعة الجيش يكون منهكًا، ثم إنها في الرجعة ليس لها سند، الجيش كله قد ولاها دبره، ثم إنها في الرجعة ربما يكون عند العدو استعداد أكثر وحنق أكثر فيكون الخطر عليها أكثر.
سهم الفارس والفرس والراجل:
١٢٣٩ - وعنه ﵁ قال: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهمًا" متفق عليه، واللفظ للبخاري.
стр. 2970
١٢٤٠ - ولأبي داود: "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمين لفرسه، وسهمًا له" فهذا في كيفية القسمة تقسم بين الغانمين، كم نسبة الذي يقسم إلى الغنمية كلها؟ أربعة أخماس، يقسم بين الغانمين للراجل الذي ليس معه حيوان سهم ولمن كان على فرس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، ووجه التفريق: أن فعل الفارس أقوى من فعل الراجل في الكر والفر بخلاف الراجل حتى وإن كان الراجل غناء وله فتح في الأعداء فإنه لا يزاد على سهم، اللهم إلا على سبيل التنفيل، بمعني: أن ينفله الإمام أو قائد الجيش والراكب على بعير له سهمان سهم لبعيره وسهم له، وذلك لأن العبير دون الفرس في النكاية في الأعداء وهذا هو العدل.
حكم التنفيل:
١٢٤١ - وعن معن بن يزيد ﵂ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تفل إلا بعد الخمس" رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الطحاوي.
١٢٤٢ - وعن حبيب بن مسلمة (رضي الل عنه) قال: "شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة" رواه أبو داود، وصححه أبن الجارود، وابن حبان، والحاكم.
١٢٤٣ - وعن ابن عمر ﵂ قال: "كان رسول الله ﷺ ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوي قسمة عامة الجيش" متفق عليه.
اختلف العلماء- ﵏ في التنفيل هل يكون بعد الخمس أو قبله؟ على قولين، فمنهم من يقول: ينفل بعد الخمس، بمعنى: أنه يؤخذ الخمس كاملاً ويصرف على خمسة أصناف كما مر ثم أربعة الأخماس يؤخذ منها النفل السدس أو الربع كما في التفصيل المذكور، ومنهم من قال: يؤخذ النفل قبل الخمس، يعني: من أصل الغنيمة، ولو قيل بأن ذلك راجع للإمام أو للقائد لكان له وجه، لأن الأحاديث في ذلك مختلفة، فيكون هنا لا نفل إلا بعد الخمس وهذا يقتضي أن يكون التنفيل بعد الخمس، يعني: من أربعة الأخماس، وهنا يقول: "نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة" وظاهره أنه من أصل الغنيمة لا من أربعة الأخماس، ومن
стр. 2971
ثم اختلف العلماء والراجح أن هذا يرجع إلى اجتهاد الإمام أو من له القول في الجيش، وقوله: "نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة" تكلمنا عليه، أما حديث أبن عمر "كان ينفل ... الخ" استفدنا من قوله: "بعض من يبعث من السرايا" أنه ليس التنفيل أمرًا حتميًا ولكنه راجح إلى الإمام، والإمام يجب أن يراعي المصلحة، إن اقتضت التنفيل فعل وغلا فلا.
حكم الأخذ من طعام العدو قبل القسمة:
١٢٤٤ - وعنه ﵁ قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه" رواه البخاري، ولأبي داود: "فلم يؤخذ منهم الخمس" وصححه ابن حبان.
١٢٤٥ - وعن عبد الله بن أبى أوفى ﵁ قال: "أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء، فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف" أخرجه أبو داود، وصححه أبن الجارود والحاكم.
هذا في بيان هل مثل هذه الأشياء تدخل في الغلول؟
بينت هذه الأحاديث أنها لا تدخل في الغلول، يقول: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه" يعني: لا نرفعه إلى القائد أي: لا نرسله في الغنيمة والمعنى واحد، يعني: أنهم إذا وجدوا عسلاً أكلوه"، أو عنبًا أكلوه أو رطبًا أكلوه أو طعامًا مطلقًا أكلوه، ولكنهم لا يدخرونه، بل يأكل الإنسان منه حاجته ولا يدخر، ولهذا جاء في الحديث الثاني يأكل قدر ما يكفيه ثم ينصرف، وأما ادخاره فهذا غلول، لكن الأكل منه بقدر الحاجة ليس بغلول، لأنه قد يحتاج الجند إلى ذلك، ربما يصيبون العسل أو العنب أو الرطب أو الطعام وهو في حاجة إليه، فإذا قلنا: إن أكلكم منه من الغلول ازدادوا ضرورة، فيقال: إن هذا أمر من المرخص فيه، وإذا كان الجند يستوون في هذا ففي الحقيقة أنه لا غلول، لأن كل واحد من الجند سوف يتمتع بهذه الرخصة، صحيح أن المسلمين الذين لهم حق في الفيء لا يساوون هؤلاء، لكن ما دام الأمر سهلاً ومما جرت العادة ب الحاجة إليه فإنه لا بأس به.
стр. 2972
وجوب المحافظة على الفيء:
١٢٤٦ - وعن رويفع بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردهًا فيه، ولا يلبس ثوبًا في فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه" أخرجه أبو داود، والدرامي، ورجاله لا بأس بهم.
قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب" تذكر هذه الجملة حثًا للمخاطب على ألا يفعل إن كانت في نفي، أو أن يفعل إن كان في إثبات، ففي قوله: "من كان يؤمن بالله واليوم فليقل خيرًا أو ليصمت" هذا في إثبات، فالمقصود بذلك الحث على فعل هذا، في نهي كما في الحديث فلا يركب الحث على الاجتناب، لأنه من يؤمن بالله واليوم الآخر سيحمله ذلك على فعل الأوامر وترك النواهي، وقوله: "واليوم الآخر" هو يوم القيامة وسمي بذلك، لأنه آخر مرحلة للبشر فالبشر لهم مراحل لهم دور الدار الأولى: بطن الأم، والدار الثانية: الدنيا دار العمل، والدار الثالثة: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، والدار الرابعة: المستقر الدار الآخرة، فلهذا يسمي ذلك اليوم اليوم الآخر، لأنه لا يوم بعده وليس فيه ليل ولا نهار بل إما جنة وإما نار.
فإن قال قال: لماذا ذكر اليوم الآخر ولم يقل: وملائكته وكتبه ورسوله والقدر خيره وشره؟ قلنا: إن هذه الأربعة داخلة في ضمن الإيمان بالله، لأن الرسل رسل الله والكتب كتب الله والقدر قدر الله والملائكة ملائكة الله، وكلها مما أخبر الله به عنه فيكون الإيمان بها داخلاً في الإيمان بالله.
فإن قال قائل: يرد عليكم أن اليوم الآخر الإيمان به من الإيمان بالله؟
قلنا: نعم، لكنه خصه بالذكر؛ لأنه يوم الجزاء، فإذا ذكره وآمن به فسوف يحمله على أن يقوم بالأمورات ويترك المنهيات، لأن تحقيق الإيمان باليوم الآخر لا بد أن يحمل الإنسان على فعل الأوامر وترك النواهي.
وقوله: "فلا يركب دابة من فيء المسلمين" المراد بالفيء هناك الغنيمة وليس الفيء الذي هو خمس الخمس، بل هو الغنيمة يركبها، "حتى إذا أعجفها ردها" لأن هذه خيانة للمسلمين وهو غلول للمنافع، لأن الغلول يشمل: غلول الأعيان كما لو أخذنا الإنسان ثوبًا أو غير ذلك وغلول المنافع وهذا من غلول المنافع.
"ولا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه" وكذلك أيضًا لا يلبس ثوبًا من الغنيمة
стр. 2973
حتى إذا أخلقه، أي: صيره خلقًا، والخلق هو الثوب القديم المستعمل، "رده فيه" أي: في الفيء؛ لأن ذلك نوع من الغلول غلول المنافع، "أخرجه أبو داود والدرامي ورجاله لا بأس بهم" قوله: "رجال لا بأس بهم" هذا أدنى مراتب التعديل وهو قريب من أدني مراتب التجريح، فهي ليست توثيقًا تامًا ولا جرحًا فهو تعديل لكنه أدنى مراتب التعديل.
في هذا الحديث فائد: أولاً: إثبات اليوم الآخر، لقوله: "واليوم الآخر" ولم نقل: إثبات وجود الله، لأن هذا أمر دل عليه العقل والفطرة والشرع ولا إشكال فيه لكن اليوم الآخر هو الذي أنكره من يؤمن بالله، الكفار يؤمنون بالله لكن ينكرون اليوم الآخر، لأنه ليس مشاهدًا لا بعينه ولا بآثارها.
ومن فوائد الحديث: أن آخر مرحلة للبشر هي اليوم الآخر ويترتب على هذه الفائدة بيان خطأ من يقول في الميت إذا دفن: ردوه إلى مثواه الأخير هذا غلط عظيم ولو كنا نعلم أن الذي يقوله يعتقد موجبه لقلنا: إن كافر، كأنه يقول: ليس هناك بعث هذا آخر شيء وهذا غلط عظيم وهذا من البلاء الذي يصيب كثيرًا من الناس يتلقون الكلمات عن الغير دون تمحيص، ونبهنا في درس أمس بعد صلاة العصر على كلمتين تقالان بدون تمحيص، كثير من الناس يقولون: دين الإسلام دين مساواة، وهذا لا يصح على إطلاقه، هو دين مساواة فيما لا فرق بينهما ودين المخالفة فيما بينهما فرق، وهذه الكلمة لما كانت تحتمل معنى باطلاً ومعنى حقًا صار لا يجوز إطلاقها بالنسبة لدين الإسلام، ألم تروا أن هذه الكلمة احتج بها من يقول: لا فرق بين الرجال والنساء! واحتج به من يقول: يجب أني سوي بين الغني والفقير وما دون ذلك بالاشتراكية، هم يقولون: دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط هذا خطير بدل هذه الكلمة وأحسن وأنصع وأبيه: أن الدين الإسلامي دين العدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] الثانية من العبارات المشهورة بين العامة مع أنها تخالف العقيدة الصحيحة- قولهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه هذا غلط مخالف للحديث، الحديث يقول: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" وكم من شيء أراده الله فرفعه بالدعاء، ألم تعلموا أن النبي ﷺ قال في صلاة الكسوف: " إن الله يخوف عباده بذلك فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه والصلاة" لماذا؟ حتى نرد الشر الذي انعقد سببه والذي أنذرنا به بهذا الكسوف، ومن ذلك ما أشرت إليه الآن كلمة مثواه الأخير، هذا تقال في الصحف ويقولها بعض الناس أيضًا، فالمهم أن الواجب على طلبه العلم أن يمحصوا هذه الكلمات الحديثة التي هي ليست من كلام السلف حتى يبينوا صوابها من خطئها.
ومن فوائد الحديث: تخريم ركوب الدابة من الغنيمة لقوله "فلا يركب" لكن لو قال قائل:
стр. 2974
هل المحرم مجرد الركوب أن يركبها حتى يعجفها؟ يحتمل أن تكون "حتى" للغاية أو تكون للتعليل، وإذا نظرنا إلى أن هذا المال قد تعلق به حق جميع الغانمين ترجح أن تكون "حتى" للتعليل، نعم لو دعت الضرورة إلى ركوب الدابة فلا حرج تكون كالطعام الذي يحتاج إليه، أما بدون ضرورة فلا.
ومن فوائد الحديث: أن ركوب الدابة من فيء المسلمين مناف لكمال الإيمان بالله واليوم الآخر، وجهه: أنه جعل مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر ألا يركب، فإذا كان هذا من مقتضاه وتخلف هذا المقتضى دل على نقصان الإيمان بالله واليوم الآخر.
ومن فوائد الحديث: حماية بيت المال، وجهه: حيث جعل ذلك من كبائر الذنوب، ويتفرع على هذه الفائدة: بطلان قاعدة قعدها العوام، يقولون: مال الحكومة حلال، كل كما شئت بالكذب والحيلة وكل شيء! ! إذا كان هذا الوعيد على من ركب دابة من فيء المسلمين فكيف بمن نهب أموال كثيرة وبه نعرف أن من أعطي انتدابًا وهو لم ينتدب فإنه يأكل سحتًا وأن الذي أعطاه ذلك لم يقم بواجب الأمانة لأنه مؤتمن على مال الحكومة، وأنه- أي: الذي أعطاه هذا الانتداب- ظالم له- للمعطي؛ لأنه أعطاه ما لا يستحق وجعله يأكل سحتًا، لأن بعض الموظفين مساكين قد يقبلون هذا إما لحاجتهم أو لاستكثارهم من المال لكن الذي أغراهم بذلك وجعل لهم انتدابًا هو الذي لم يقم بأمانته وهو الذي ظلمهم ومثل ذلك أيضًا من يكتب له [حاضر] الدوام وهو لم يعمل فإن هذا حرام عليه أن يأخذه وكذلك من كتب له هذا فإن لم يقم بواجب الأمانة من جهة ولي الأمر فيكون ظالمًا لهذا المسكين الذي أخذ مثل هذه المكافأة، إذن القاعدة العامية باطلة.
من فوائد الحديث: تحريم لبس ثوب من فيء المسلمين، لقوله: "ولا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين" ونقول في قوله: "حتى إذا أخلقه" ما قلنا في قوله: "حتى إذا أعجفه" وإن "حتى" للتعليل، أن اللبس لا بد أن يؤثر في الثوب ولو لبسه واحدة كما هو معروف.
يجير على المسلمين أدناهم:
١٢٤٧ - وعن أبى عبيدة بن الجراح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجير على المسلمين بعضهم" أخرجه أبن أبى شيبة وأحمد، وفي إسناده ضعف.
стр. 2975
١٢٤٨ - وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص: "يجير على المسلمين أدناهم".
١٢٤٩ - وفي الصحيحين عن علي ﵁ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم".
زاد ابن ماجه من وجه آخر: "ويجير عليهم أقصاهم".
١٢٥٠ - وفي الصحيحين من حديث أم هانئ: "قد أجرنا من أجرت".
هذه أحاديث، الأول منها قال المؤلف: في إسناده ضعف، والثاني لم يتكلم عن إسناده لكنه يسمى عند أهل المصطلح شاهدًا؛ لأن الشاهد عند أهل المصطلح ما جاء من رواية صحابي آخر مؤيدًا للحديث الضعيف، والثالث: "ذمة المسلمين" أي: عهدهم واحد، شاهد مقو لا شك ورواية ابن ماجه "يجير عليهم أقصاهم"، وأيضا هناك شاهد تطبيقي وهو قول الرسول ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
نعود إلى البحث في الأحاديث، هذه الأحاديث في إجارة الإنسان رجلا من المشركين، هل تنفذ إجارته؟ والإجارة بمعنى: التأمين؛ يعني: لو أمنه هل ينفذ أو لا بد أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه هذا هو موضوع الأحاديث، وليعلم أن عقد الذمة لا يكون إلا من الإمام أو نائبه، وعقد العهد العام لا يكون إلا من الإمام أو نائبه، وتأمين شخص معين يكون من كل واحد من المسلمين.
يقول النبي ﷺ فيما يروى عنه: "يجير على المسلمين بعضهم" أي: يكون جارا مجيرا مؤمنا للمشرك على المسلمين بعض المسلمين، فلو دخل مشرك إلى بلد المسلمين بأمان من تاجر أو عالم أو ما أشبه ذلك فإنه يجار، ولا يجوز لأحد أن يعتدي عليه؛ لأن ذمة المسلمين واحدة، يعني: عهدهم يسعى بها أدناهم، وقد قال الله لرسوله ﷺ : ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، "وحتى" هنا للغاية وللتعليل أيضًا ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ أي: إلى مكانه الذي يأمن فيه، وهذا إذا طلب أحد من المشركين أن يجار فإن كان لقصد ديني وجب علينا أن نجيره إذا قال: أجيروني أريد أن أسمع كلام الله، أريد أن أنظر عمل المسلمين كيف يصلون، كيف يتصدقون كيف يصومون، فههنا يجب علينا أن نقبل وأن نجيره؛ لأن هذا لمصلحة الإسلام والمسلمين، وإن طلب الإجارة من أجل أمور مباحة كالبيع والشراء فإننا لا
стр. 2976
يلزمنا أن نجيره لكن لنا أن نجيره، وإن طلب الإجازة يريد أن يطلع على أحوال المسلمين فيكون عينًا للمشركين فهنا يحرم أن نجيره، إذ لا يصح ولا يمكن أن نجير شخصًا يكون جاسوسًا على المسلمين لأعداء المسلمين.
وقوله: للطيالسي من حديث عمرو بن العاص: "يجبر على المسلمين أدناهم" "أدنى" اسم تفضيل من الدنو والمراد: أدناهم مرتبة، فلا يشترط في المجير أن يكون ذا شرف وسيادة في قومه بل وإن كان أدنى قومه، تجير المرأة؟ نعم تجير، والفقير والجاهل، كل من يصح منه عقد الإجازة فإنه يجير ولو كان أدنى قومه:
وقوله: في حديث عليِّ "ذمة المسلمين"، "وذمة" بمعنى: عهد، فعهد المسلمين إذا وقع من واحد منهم حرم على غيره أن يعتدي على أجيره الذي آجره؛ ولهذا قال: "يسعى بها أدناهم" وهذا كقوله في رواية الطيالسي: "يجير على المسلمين أدناهم".
وزاد ابن ماجه: "ويجير عليهم أقصاهم" يعني: أن أقصاهم وأبعدهم عن المراتب والشرف والسيادة يجير عليهم.
وخلاصة هذه الأحاديث: أنه يجوز أن يستجير أحد من المشركين بواحد من المسلمين ولو لم يكن ذا شرف وسيادة وأنه إذا أجاره فهو كإجارة جميع المسلمين؛ لأن ذمة المسلمين واحدة,
وقوله في الصحيحين عن أم هانئ: "قد أجرنا من أجرت" أم هانئ أخت علي بن أبي طالب- ﵂ وعنه- أجارت رجلين من المشركين عام الفتح فكانا في جوارها فقال النَّبيّ ﷺ : "وقد أجرنا من أجرت" وإنما قال ذلك لأن علي بن أبي طالب امتنع أن يجيرهما وهو أخوها حتى رفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "قد أجرنا من أجرت" والمرأة بالنسبة لقومها من أدناهم إذن يكون هذا الحديث تطبيقًا عمليًا لقوله: "يسعى بها أدناهم"، صار عندنا الآن ثلاثة أقسام بالنسبة لتأمين الكفار، الأول: عقد الذمة، والثاني: عقد العهد العام، والثالث: الإجازة، أما الأول والثاني فلا يعقده إلا الأمام أو نائبه لأنه عقد عام.
لكن إذا قال قائل: ما الفرق بين عقد الذمة وعقد العهد.
نقول: عقد الذمة يكون بيننا وبين الكفار على أن يقيموا في بلادنا آمنين محفوظين ولكن عليهم الجزية، والعهد عهد بيننا وبين الكفار ألا نقاتلهم ولكنهم في ديارهم وليس علينا المطالبة بحمايتهم إنما لا يكون بيننا وبينهم قتال، كما جرى بين النَّبّي ﷺ وبين قريش، قريش في مكة والرسول في المدينة، والثالث: الإجازة الخاصة هذه لا تتعلق بالإمام ونائبه بل تكون من أدنى واحد من المسلمين وليس لها حكم، يعني: هذا الَّذي أجرناه من الكفار لنا أن نقاتل
стр. 2977
قومه؛ لأن الإجازة بيننا وبينه فقط وهذا يكون من الإمام وغير الإمام، وهل يجب علينا إجابة طلبه للإجازة؟ ذكرنا تفضيلاً وأنه على ثلاثة أحكام: واجب ومباح وحرام.
إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب:
١٢٥١ - وعن عمر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجنَّ اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب، حتَّى لا أدع إلاَّ مسلمًا". رواه مسلم.
قوله: "لأخرجن" هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات، وهي القسم المقدر واللام ونون التوكيد، وقوله: "اليهود" هم الَّذين ينتسبون إلى موسى والنصارى الَّذين ينتسبون إلى عيسى فلماذا سمي اليهود يهودًا؟ قيل: إن ذلك نسبة إلى جدهم يهوذا، وقيل: إنه من قوله تعالى: ﴿إنَّا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ١٥٦]. أي: من الهود وهو الرجوع ولا يبعد أن يكون من هذا ومن هذا لكننا قلنا: هم المنتسبون إلى موسى، فلماذا لم نقل هم أتباع موسى؟ لأنهم لم يتبعوه حقيقة، بل هم كافرون به وبجميع الرسل حتى الرسل الَّتي قبله كإبراهيم وغيره هم كافرون بهم؛ وذلك لأن المكذب بواحد من الرسل مكذب بجنس الرسالات وجنس الرسالات عام وإلا فما الفرق بين أن يكون فلانًا أو فلانًا، وقلنا أيضًا في النصارى: إنهم المنتسبون إلى عيسى ولم نقل أتباع عيسى لأنهم لم يتبعوه بل كذبوه وردوا بشارته وقال لهم عيسى: ﴿يا بني إسراءيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التَّوراة﴾ وهذا الرسول الَّذي قبله ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]. بشرهم وهل يبشرهم برسول لا ينتفعون به؟ لا، إذن بشرهم برسول، يعني: أنه رسولكم الَّذي تحصلون بإتباعه على كل خير وتسلمون من كل شر، ولهذا جعلها بشرى، لكن أتدرون ماذا قال النصارى؟ قالوا: إن الرسول الَّذي بشرنا به أحمد وهذا محمد ونحن ننتظر أحمد، فيقال لهم: قبحكم الله أخذتم بالمتشابه وتركتم المحكم، في هذه الآية نفسها: ﴿فلمَّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين﴾ إذن هذا الرسول الَّذي اسمه أحمد جاء فتبيَّن بطلان حجتهم.
فإن قال قائل: لماذا لم يسمه محمدًا؟
قلنا: إن عيسى لا يعلم الغيب، وإنه تلقى الاسم من الوحي أوحاه الله إليه وأوحى الله إليه هذا الاسم لفائدة عظيمة؛ لأن أحمد اسم تفضيل وهو إقرار من عيسى بفضيلة محمد ﷺ وأنه أحمد الناس لله وأحق الناس أن يحمد، فاسم التفضيل هنا للفاعل والمفعول، يعني: أحق الناس أن يحمد هو محمد ﷺ فأوحى إليه هذا الاسم ليتبين فضله- صلوات الله وسلامه عليه- دون محمد الَّذي هو اسم مفعول، ثمَّ نقول للنصارى: إنه جاءكم بالبينات وقلتم: هذا سحر
стр. 2978
مبين وأن الله ألهم عيسى أن يسميه أحمد لهذا السبب ليتبين فضله وأنه أحمد الناس لله وأحق الناس أن يحمد ﷺ .
قوله: "لأخرجن اليهود ... إلخ" أقسم أن يخرجهم من جزيرة العرب والنصارى سموا بهذا الاسم إما لأنهم من بلدة تسمى الناصرة في فلسطين وإما من قوله تعالى: ﴿قال الحواريُّون نحن أنصار الله﴾ [آل عمران: ٥٢]. وإما من الأمرين جميعًا وهؤلاء النصارى كانوا في عهد الرسول ﷺ أقرب إلى المؤمنين من اليهود لقوله تعالى: ﴿لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للَّذين ءامنوا اليهود والَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَّودَّةً للَّذين ءامنوا﴾ يعني: من الكفار ﴿الَّذين قالوا إنَّا نصارى﴾ وعلل آية: ﴿ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهبانًا وأنَّهم لا يستكبرون (٨٢) وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الَّرسول ترى أعينهم تفيض من الدَّمع ... ﴾ إلخ، ومثل هذه الأوصاف لا توجد في اليهود؛ لأن اليهود عتاة معاندون من أشد الناس عنادًا وكبرًا، فلا تجد فيهم هذا الوصف أما النصارى ففيهم هذا ولهذا صاروا أقرب الناس مودة إلى المؤمنين من سائر الكفار، ولكن بما أن الحكم يدور مع علته فإنه إذا انتفت هذه العلة انتفى الحكم، ولذلك نجدهم اليوم من أشد الناس عداوة للمؤمنين وأشدهم شراسة في قتال المسلمين وهذا شيء مشاهد فمنذ الحروب الصليبية إلى يومنا هذا وهم في صراع دموي وغير دموي مع المسلمين ولا يسعون أبدًا إلا لصالح أنفسهم ولو على حساب المسلمين، ونجد أنهم الآن تحقق فيهم قول الله- ﵎: ﴿يأيها الَّذين ءامنوا لا تتَّخذوا اليهود والنَّصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
فاليهود مع النصارى أولياء وفي هذا الزمن ظهر هذا تمامًا في قضية اليهود في فلسطين وقضية النصارى في البلاد الأخرى وأنهم يساعدون بالمال والعتاد وكذلك أيضًا بالسياسة، وهذا أمر معروف ولهذا قال النَّبيّ ﷺ ""لأخرجن اليهود والنصارى"، فجعل الاثنين حكمهما واحد في أنه يخرجهم من جزيرة العرب لما في إبقائهم فيها من الشر، ولأن جزيرة العرب منها خرج الإسلام وشاع نوره في الآفاق وإليها يعود كما ثبت عن النَّبيّ ﷺ : "أن الإيمان يأرز إلى المدينة، - أي: يرجع - كما تأرز الحية": ، إلى جحرها؛ ولأنه لو فشا فيها هذان الدينان لفسدت، ولهذا جاء في الحديث: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"، يعني: لا يمكن أن تقام
стр. 2979
شعائر دين الكفر مع شعائر دين الإسلام في المدينة، فإما هذا وإما هذا وهو إشارة إلى وجوب أن تمحيص هذه الجزيرة للمسلمين.
فما هي الجزيرة؟ الجزيرة حدودها: من الشمال الشام الشامل لسوريا وفلسطين وما والاها، وحدودها من الغرب البحر الأحمر وحدودها من الشرق العراق وحدودها من الجنوب اليمن، هذه جزيرة العرب، وسميت جزيرة من باب التغليب على خلاف المعروف عند الجغرافيين؛ لأن الجزيرة عند الجغرافيين هي ما جزر عنه الماء في وسط البحر، فيكون البحر محيطًا بها من كل جانب أما الجزيرة العربية فإنه لا يحيط بها البحر من كل جانب، ولهذا يعبر بعضهم بشبه الجزيرة؛ لأنها ليست جزيرة كاملة، هذا كلام الرسول ﷺ حيث أخبر بأنه يؤكد إخراج هؤلاء من جزيرة العرب.
وورد عنه فيما رواه أهل السنن أنه أمر بذلك فقال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" وفي مرض موته ﷺ أوصى أمته فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وعلى هذا فالواجب على المسلمين إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وإخراج المشركين من جزيرة العرب وقد ذكرنا آنفًا الحكمة في ذلك.
فإن قال قائل: يرد على هذا أن النَّبيّ ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وأقره ولم يجلهم إلا عمر بن الخطاب لسبب من الأسباب؟
فالجواب أن نقول: إن إقامة اليهود والنصارى في الجزيرة على نوعين:
النوع الأول: على وجه الإذلال وأنهم عمال من جملة العاملين، فهذا لا بأس به لكن بشرط أن نأمن شرهم فإنه لا يجوز أن يبقوا.
والثاني: إقامة استيطان فهذا هو الذي منع منه الرسول ﷺ وأمر بإخراجهم، بقاء اليهود في خيبر من النوع الأول، فلهذا قال النَّبيّ ﷺ في العقد الَّذي جرى بينهم: "نقركم على ذلك ما شئنا" ولما استغنى المسلمون عنهم في عهد عمر ﵁ ولما حصل منهم من الغدر أجلاهم إلى أذرعات في الشام وإلى مواطن أخرى.
فالحاصل أن نقول: إن المراد استيطان اليهود والنصارى والمشركين في المدينة هذا ممنوع ويجب على ولي الأمر منعه؛ لأنهم إذا استوطنوا سوف يطالبون بطلب المواطن من المدارس والمعابد وغيرها من الحقوق لا سيما الدين وهذا يوجب إشكالاً كبيرًا؛ لأنهم إما أن يجابوا فيجتمع دينان في جزيرة العرب، وإما ألاَّ يجابوا فيحصل منهم شر وبلاء؛ لهذا يمنع استيطان اليهود والنصارى والمشركين في الجزيرة مطلقًا بأي حال من الأحوال، أما بقاؤهم بأنهم عمال فهذا لا بأس به ما لم يؤد إلى شر وفساد فإن خيف شرهم وفسادهم فإنهم لا
стр. 2980
يمكَّنون من البقاء مطلقًا، يعني: لو أنهم بقوا على أنهم عمال ولكنهم يصنعون الخمر ويسوقونها عند الناس خفاء أو علنًا، أو يظهرون الصليب على صدورهم أو في سياراتهم فهؤلاء لا شك أنهم معتدون فيجب ردعهم أو ترحيلهم.
وقوله: "حتَّى لا أدع إلا مسلمًا" فيه دليل على أنه يجب أن يخلص الدين في هذه الجزيرة على دين الإسلام.
ومن فوائد الحديث: احترم هذه الجزيرة؛ لأن منها بدأ الإسلام، وفيها البيت الحرام وفيها مسجد رسول الله ﷺ فلا جرم أن يكون لها من الحرمة ما يجب أن تطهر من النجس من المشركين واليهود والنصارى.
ومن فوائد الحديث: أنه تجب العناية بهذه الجزيرة من حيث الاستقامة والتقوى بحيث تخلص للإسلام لقوله: "حتَّى لا أدع إلا مسلمًا".
هل نستفيد من هذا أنهم إذا لم يخرجوا إلا بقتال فإننا نقاتلهم؟ نعم إذا لم يكفوا عن الاستيطان إلا بالقتال قاتلناهم.
إجلاء بني النضير من المدين
١٢٥٢ - وعنه ﵁ قال: "كانت أموال بني النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله، ممَّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنَّبيّ ﷺ خاصَّةً، فكان ينفق على أهله نفقة سنةٍ، وما بقي يجعله في الكراع والسِّلاح عدَّةً في سبيل الله ". متَّفق عليه.
قوله: "كانت أموال بني النضير"، بنو النضير هم: إحدى الطوائف الثلاث اليهودية التى عاهدها النبي ﷺ حينما قدم المدينة وهم: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكلهم غدروا وخانوا فأجلاهم النبي ﷺ بدون قتال، أجلى بني النضير بدون قتال فكانت مما أفاء الله عليه.
يقول: "مما لم يوجف عليه من المسلمين ... إلخ"، "يوجف" أي: يحمل عليه، "بخيل ولا ركاب"، الخيل من معروف، والركاب: الإبل؛ لأن هؤلاء نزحوا عن بلادهم وتركوها حتى كانوا- والعياذ بالله من الحسد والحقد- يخربون البيوت يكسرون أبوابها ويفسدونها بقدر ما يستطيعون: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾.
يقول: "فكانت للنبي ﷺ خاصة"، ووجه ذلك: أنها لم تؤخذ بقتال والغنيمة: ما أخذ بقتال
следующие страницы →