Полный текст (3 515 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
يلزمنا أن نجيره لكن لنا أن نجيره، وإن طلب الإجازة يريد أن يطلع على أحوال المسلمين فيكون عينًا للمشركين فهنا يحرم أن نجيره، إذ لا يصح ولا يمكن أن نجير شخصًا يكون جاسوسًا على المسلمين لأعداء المسلمين.
وقوله: للطيالسي من حديث عمرو بن العاص: "يجبر على المسلمين أدناهم" "أدنى" اسم تفضيل من الدنو والمراد: أدناهم مرتبة، فلا يشترط في المجير أن يكون ذا شرف وسيادة في قومه بل وإن كان أدنى قومه، تجير المرأة؟ نعم تجير، والفقير والجاهل، كل من يصح منه عقد الإجازة فإنه يجير ولو كان أدنى قومه:
وقوله: في حديث عليِّ "ذمة المسلمين"، "وذمة" بمعنى: عهد، فعهد المسلمين إذا وقع من واحد منهم حرم على غيره أن يعتدي على أجيره الذي آجره؛ ولهذا قال: "يسعى بها أدناهم" وهذا كقوله في رواية الطيالسي: "يجير على المسلمين أدناهم".
وزاد ابن ماجه: "ويجير عليهم أقصاهم" يعني: أن أقصاهم وأبعدهم عن المراتب والشرف والسيادة يجير عليهم.
وخلاصة هذه الأحاديث: أنه يجوز أن يستجير أحد من المشركين بواحد من المسلمين ولو لم يكن ذا شرف وسيادة وأنه إذا أجاره فهو كإجارة جميع المسلمين؛ لأن ذمة المسلمين واحدة,
وقوله في الصحيحين عن أم هانئ: "قد أجرنا من أجرت" أم هانئ أخت علي بن أبي طالب- ﵂ وعنه- أجارت رجلين من المشركين عام الفتح فكانا في جوارها فقال النَّبيّ ﷺ : "وقد أجرنا من أجرت" وإنما قال ذلك لأن علي بن أبي طالب امتنع أن يجيرهما وهو أخوها حتى رفع الأمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "قد أجرنا من أجرت" والمرأة بالنسبة لقومها من أدناهم إذن يكون هذا الحديث تطبيقًا عمليًا لقوله: "يسعى بها أدناهم"، صار عندنا الآن ثلاثة أقسام بالنسبة لتأمين الكفار، الأول: عقد الذمة، والثاني: عقد العهد العام، والثالث: الإجازة، أما الأول والثاني فلا يعقده إلا الأمام أو نائبه لأنه عقد عام.
لكن إذا قال قائل: ما الفرق بين عقد الذمة وعقد العهد.
نقول: عقد الذمة يكون بيننا وبين الكفار على أن يقيموا في بلادنا آمنين محفوظين ولكن عليهم الجزية، والعهد عهد بيننا وبين الكفار ألا نقاتلهم ولكنهم في ديارهم وليس علينا المطالبة بحمايتهم إنما لا يكون بيننا وبينهم قتال، كما جرى بين النَّبّي ﷺ وبين قريش، قريش في مكة والرسول في المدينة، والثالث: الإجازة الخاصة هذه لا تتعلق بالإمام ونائبه بل تكون من أدنى واحد من المسلمين وليس لها حكم، يعني: هذا الَّذي أجرناه من الكفار لنا أن نقاتل
стр. 2977
قومه؛ لأن الإجازة بيننا وبينه فقط وهذا يكون من الإمام وغير الإمام، وهل يجب علينا إجابة طلبه للإجازة؟ ذكرنا تفضيلاً وأنه على ثلاثة أحكام: واجب ومباح وحرام.
إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب:
١٢٥١ - وعن عمر ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجنَّ اليهود والنَّصارى من جزيرة العرب، حتَّى لا أدع إلاَّ مسلمًا". رواه مسلم.
قوله: "لأخرجن" هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات، وهي القسم المقدر واللام ونون التوكيد، وقوله: "اليهود" هم الَّذين ينتسبون إلى موسى والنصارى الَّذين ينتسبون إلى عيسى فلماذا سمي اليهود يهودًا؟ قيل: إن ذلك نسبة إلى جدهم يهوذا، وقيل: إنه من قوله تعالى: ﴿إنَّا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ١٥٦]. أي: من الهود وهو الرجوع ولا يبعد أن يكون من هذا ومن هذا لكننا قلنا: هم المنتسبون إلى موسى، فلماذا لم نقل هم أتباع موسى؟ لأنهم لم يتبعوه حقيقة، بل هم كافرون به وبجميع الرسل حتى الرسل الَّتي قبله كإبراهيم وغيره هم كافرون بهم؛ وذلك لأن المكذب بواحد من الرسل مكذب بجنس الرسالات وجنس الرسالات عام وإلا فما الفرق بين أن يكون فلانًا أو فلانًا، وقلنا أيضًا في النصارى: إنهم المنتسبون إلى عيسى ولم نقل أتباع عيسى لأنهم لم يتبعوه بل كذبوه وردوا بشارته وقال لهم عيسى: ﴿يا بني إسراءيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التَّوراة﴾ وهذا الرسول الَّذي قبله ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]. بشرهم وهل يبشرهم برسول لا ينتفعون به؟ لا، إذن بشرهم برسول، يعني: أنه رسولكم الَّذي تحصلون بإتباعه على كل خير وتسلمون من كل شر، ولهذا جعلها بشرى، لكن أتدرون ماذا قال النصارى؟ قالوا: إن الرسول الَّذي بشرنا به أحمد وهذا محمد ونحن ننتظر أحمد، فيقال لهم: قبحكم الله أخذتم بالمتشابه وتركتم المحكم، في هذه الآية نفسها: ﴿فلمَّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين﴾ إذن هذا الرسول الَّذي اسمه أحمد جاء فتبيَّن بطلان حجتهم.
فإن قال قائل: لماذا لم يسمه محمدًا؟
قلنا: إن عيسى لا يعلم الغيب، وإنه تلقى الاسم من الوحي أوحاه الله إليه وأوحى الله إليه هذا الاسم لفائدة عظيمة؛ لأن أحمد اسم تفضيل وهو إقرار من عيسى بفضيلة محمد ﷺ وأنه أحمد الناس لله وأحق الناس أن يحمد، فاسم التفضيل هنا للفاعل والمفعول، يعني: أحق الناس أن يحمد هو محمد ﷺ فأوحى إليه هذا الاسم ليتبين فضله- صلوات الله وسلامه عليه- دون محمد الَّذي هو اسم مفعول، ثمَّ نقول للنصارى: إنه جاءكم بالبينات وقلتم: هذا سحر
стр. 2978
مبين وأن الله ألهم عيسى أن يسميه أحمد لهذا السبب ليتبين فضله وأنه أحمد الناس لله وأحق الناس أن يحمد ﷺ .
قوله: "لأخرجن اليهود ... إلخ" أقسم أن يخرجهم من جزيرة العرب والنصارى سموا بهذا الاسم إما لأنهم من بلدة تسمى الناصرة في فلسطين وإما من قوله تعالى: ﴿قال الحواريُّون نحن أنصار الله﴾ [آل عمران: ٥٢]. وإما من الأمرين جميعًا وهؤلاء النصارى كانوا في عهد الرسول ﷺ أقرب إلى المؤمنين من اليهود لقوله تعالى: ﴿لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للَّذين ءامنوا اليهود والَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَّودَّةً للَّذين ءامنوا﴾ يعني: من الكفار ﴿الَّذين قالوا إنَّا نصارى﴾ وعلل آية: ﴿ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهبانًا وأنَّهم لا يستكبرون (٨٢) وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الَّرسول ترى أعينهم تفيض من الدَّمع ... ﴾ إلخ، ومثل هذه الأوصاف لا توجد في اليهود؛ لأن اليهود عتاة معاندون من أشد الناس عنادًا وكبرًا، فلا تجد فيهم هذا الوصف أما النصارى ففيهم هذا ولهذا صاروا أقرب الناس مودة إلى المؤمنين من سائر الكفار، ولكن بما أن الحكم يدور مع علته فإنه إذا انتفت هذه العلة انتفى الحكم، ولذلك نجدهم اليوم من أشد الناس عداوة للمؤمنين وأشدهم شراسة في قتال المسلمين وهذا شيء مشاهد فمنذ الحروب الصليبية إلى يومنا هذا وهم في صراع دموي وغير دموي مع المسلمين ولا يسعون أبدًا إلا لصالح أنفسهم ولو على حساب المسلمين، ونجد أنهم الآن تحقق فيهم قول الله- ﵎: ﴿يأيها الَّذين ءامنوا لا تتَّخذوا اليهود والنَّصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ﴾ [المائدة: ٥١].
فاليهود مع النصارى أولياء وفي هذا الزمن ظهر هذا تمامًا في قضية اليهود في فلسطين وقضية النصارى في البلاد الأخرى وأنهم يساعدون بالمال والعتاد وكذلك أيضًا بالسياسة، وهذا أمر معروف ولهذا قال النَّبيّ ﷺ ""لأخرجن اليهود والنصارى"، فجعل الاثنين حكمهما واحد في أنه يخرجهم من جزيرة العرب لما في إبقائهم فيها من الشر، ولأن جزيرة العرب منها خرج الإسلام وشاع نوره في الآفاق وإليها يعود كما ثبت عن النَّبيّ ﷺ : "أن الإيمان يأرز إلى المدينة، - أي: يرجع - كما تأرز الحية": ، إلى جحرها؛ ولأنه لو فشا فيها هذان الدينان لفسدت، ولهذا جاء في الحديث: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"، يعني: لا يمكن أن تقام
стр. 2979
شعائر دين الكفر مع شعائر دين الإسلام في المدينة، فإما هذا وإما هذا وهو إشارة إلى وجوب أن تمحيص هذه الجزيرة للمسلمين.
فما هي الجزيرة؟ الجزيرة حدودها: من الشمال الشام الشامل لسوريا وفلسطين وما والاها، وحدودها من الغرب البحر الأحمر وحدودها من الشرق العراق وحدودها من الجنوب اليمن، هذه جزيرة العرب، وسميت جزيرة من باب التغليب على خلاف المعروف عند الجغرافيين؛ لأن الجزيرة عند الجغرافيين هي ما جزر عنه الماء في وسط البحر، فيكون البحر محيطًا بها من كل جانب أما الجزيرة العربية فإنه لا يحيط بها البحر من كل جانب، ولهذا يعبر بعضهم بشبه الجزيرة؛ لأنها ليست جزيرة كاملة، هذا كلام الرسول ﷺ حيث أخبر بأنه يؤكد إخراج هؤلاء من جزيرة العرب.
وورد عنه فيما رواه أهل السنن أنه أمر بذلك فقال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" وفي مرض موته ﷺ أوصى أمته فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وعلى هذا فالواجب على المسلمين إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وإخراج المشركين من جزيرة العرب وقد ذكرنا آنفًا الحكمة في ذلك.
فإن قال قائل: يرد على هذا أن النَّبيّ ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وأقره ولم يجلهم إلا عمر بن الخطاب لسبب من الأسباب؟
فالجواب أن نقول: إن إقامة اليهود والنصارى في الجزيرة على نوعين:
النوع الأول: على وجه الإذلال وأنهم عمال من جملة العاملين، فهذا لا بأس به لكن بشرط أن نأمن شرهم فإنه لا يجوز أن يبقوا.
والثاني: إقامة استيطان فهذا هو الذي منع منه الرسول ﷺ وأمر بإخراجهم، بقاء اليهود في خيبر من النوع الأول، فلهذا قال النَّبيّ ﷺ في العقد الَّذي جرى بينهم: "نقركم على ذلك ما شئنا" ولما استغنى المسلمون عنهم في عهد عمر ﵁ ولما حصل منهم من الغدر أجلاهم إلى أذرعات في الشام وإلى مواطن أخرى.
فالحاصل أن نقول: إن المراد استيطان اليهود والنصارى والمشركين في المدينة هذا ممنوع ويجب على ولي الأمر منعه؛ لأنهم إذا استوطنوا سوف يطالبون بطلب المواطن من المدارس والمعابد وغيرها من الحقوق لا سيما الدين وهذا يوجب إشكالاً كبيرًا؛ لأنهم إما أن يجابوا فيجتمع دينان في جزيرة العرب، وإما ألاَّ يجابوا فيحصل منهم شر وبلاء؛ لهذا يمنع استيطان اليهود والنصارى والمشركين في الجزيرة مطلقًا بأي حال من الأحوال، أما بقاؤهم بأنهم عمال فهذا لا بأس به ما لم يؤد إلى شر وفساد فإن خيف شرهم وفسادهم فإنهم لا
стр. 2980
يمكَّنون من البقاء مطلقًا، يعني: لو أنهم بقوا على أنهم عمال ولكنهم يصنعون الخمر ويسوقونها عند الناس خفاء أو علنًا، أو يظهرون الصليب على صدورهم أو في سياراتهم فهؤلاء لا شك أنهم معتدون فيجب ردعهم أو ترحيلهم.
وقوله: "حتَّى لا أدع إلا مسلمًا" فيه دليل على أنه يجب أن يخلص الدين في هذه الجزيرة على دين الإسلام.
ومن فوائد الحديث: احترم هذه الجزيرة؛ لأن منها بدأ الإسلام، وفيها البيت الحرام وفيها مسجد رسول الله ﷺ فلا جرم أن يكون لها من الحرمة ما يجب أن تطهر من النجس من المشركين واليهود والنصارى.
ومن فوائد الحديث: أنه تجب العناية بهذه الجزيرة من حيث الاستقامة والتقوى بحيث تخلص للإسلام لقوله: "حتَّى لا أدع إلا مسلمًا".
هل نستفيد من هذا أنهم إذا لم يخرجوا إلا بقتال فإننا نقاتلهم؟ نعم إذا لم يكفوا عن الاستيطان إلا بالقتال قاتلناهم.
إجلاء بني النضير من المدين
١٢٥٢ - وعنه ﵁ قال: "كانت أموال بني النَّضير ممَّا أفاء الله على رسوله، ممَّا لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنَّبيّ ﷺ خاصَّةً، فكان ينفق على أهله نفقة سنةٍ، وما بقي يجعله في الكراع والسِّلاح عدَّةً في سبيل الله ". متَّفق عليه.
قوله: "كانت أموال بني النضير"، بنو النضير هم: إحدى الطوائف الثلاث اليهودية التى عاهدها النبي ﷺ حينما قدم المدينة وهم: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وكلهم غدروا وخانوا فأجلاهم النبي ﷺ بدون قتال، أجلى بني النضير بدون قتال فكانت مما أفاء الله عليه.
يقول: "مما لم يوجف عليه من المسلمين ... إلخ"، "يوجف" أي: يحمل عليه، "بخيل ولا ركاب"، الخيل من معروف، والركاب: الإبل؛ لأن هؤلاء نزحوا عن بلادهم وتركوها حتى كانوا- والعياذ بالله من الحسد والحقد- يخربون البيوت يكسرون أبوابها ويفسدونها بقدر ما يستطيعون: ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾.
يقول: "فكانت للنبي ﷺ خاصة"، ووجه ذلك: أنها لم تؤخذ بقتال والغنيمة: ما أخذ بقتال
стр. 2981
وما ألحق به، وهذه لم تؤخذ بقتال ولا ما الحق به. فكانت لرسول الله ﷺ خاصة فكان ﷺ ينفق على أهله نفقة سنة كأنه يدخر نفقة السنة لينفقها لكن مع ذلك إذا أتاه المحتاج فإنه يعطيه حتى إنه يبيت الليالي ذوات العدد وهو جائع وينفق ما عنده من الأموال.
قوله: "وما بقي يجعله في الكراع والسلاح" الكراع: الخيل، والسلاح معروف، وقوله: "عدة في سبيل الله" حال من الكراع والسلاح، يعني: حال كونه عدة في سبيل الله.
من فوائد الحديث: أنه يجوز أموال من جلوا عن أرضهم خوفًا منا؛ لأن النَّبيّ ﷺ أخذ أموال بني النضير، فلو كانت مدينة أو قرية لما سمع أهلها بأن المسلمين قد أقبلوا عليهم هربوا وتركوا أموالهم فهذه الأموال تكون فيئًا للمسلمين.
ومن فوائده: أن ما حصل فتحه على الوجه بدون قتالٍ فأمره إلى الأمام؛ لأن الأموال بني النضير صار أمرها إلى رسول الله ﷺ .
ومنها: جواز اتخاذ النفقة للأهل؛ لأن النَّبيّ ﷺ ادخر نفقة أهله ولكن الحديث فيه أنه إلى سنة فهل يجوز إلى أكثر من ذلك؟ نقول: إذا لم يكن في المسلمين حاجة وخاف هو من تجدد الحاجات فله أن يدخر أكثر وإلا فالأولى ألا يدخر أكثر من ذلك؛ لأن الطعام عرضة للفساد ولأن الطعام في مظنة حاجة الناس إليه فلا ينبغي أن يفسد، أما إذا كانت ليست في البلد حاجة وكان هو يخشى من نوائب الدهر فلا بأس.
ومن فوائد الحديث: اهتمام النَّبيّ ﷺ بالجهاد لكونه يصرف ما يخرج عن حاجته إلى الكراع والسلاح.
ومن فوائد الحديث: أن شراء الخيل والأسلحة من الجهاد في سبيل الله وحينئذ نسأل هل الأولى أن يصرف دراهم لقوت الجيش، أو أن يصرف كراعًا وسلاحًا؟ ينظر للمصلحة قد يكون عندهم من الأسلحة ما يكفيهم لكنهم يحتاجون إلى قوت، وقد يكون بالعكس، فإذا رأى وليّ الأمر أن المصلحة في بذل النقود في دفع المؤن دفع المؤنة، وهلم جرًا.
تقسيم غنائم خيبر:
١٢٥٣ - وعن معاذ بن جبلٍ ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفةً، وجعل بقيتها في المغنم". رواه أبو داود، ورجاله لا بأس بهم
стр. 2982
يقول: "غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر" أي: غزونا نفس المكان الذي هو خيبر وخيبر، يظهر لي- والله أعلم- أنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه أرض زراعية، والمخابرة بمعنى: المزارعة وهو عبارة عن مزارع وحصون وقلاع تقع في الشمال الغربي من المدينة نحو مائة ميل وفتحها النَّبيّ ﷺ في السنة السابعة من الهجرة.
يقول: "فأصبنا فيها غنمًا، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة وجعل بقيتها في المغنم"، يحتمل أن يكون هذا القسم لدفع الحاجة فأعطاهم من هذه الغنم ما يدفع حاجتهم، وجعل الباقي مع الغنيمة تبعًا لها ويحتمل أن يقال: إن تقسيم الغنائم راجع إلى رأي رسول الله ﷺ ، فإن شاء قسم الغنيمة كلها إلى خمسة أسهم ثمَّ أحد الأسهم إلى خمسة أسهم أيضًا، وإن شاء نفل ما ينفل وكلاهما صحيح، بمعنى: أن الجيش إذا احتاج إلى طعام فللقائد أن يعطيه من الطعام من غير قسم أو من اللحم من غير قسم ويحتمل أن الرسول ﷺ رأى حاجتهم إلى ذلك فأعطاهم.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: مشروعية غزو اليهود؛ لأن خيبر كان يسكنها اليهود.
ومنها: أن من الحكمة أن نبدأ بمن حولنا من الكفار دون من وراءهم وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذين ءامنوا قاتلوا الَّذين يلونكم من الكفَّار وليجدوا فيكم غلظةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. ووجه ذلك أننا لو ذهبنا نقاتل الأبعد هنا نخاف من الأقرب الَّذي يأتينا من ورائنا فالحكمة أن نأخذ البلاد من أطرافها مما يلينا؛ لأن ذلك أسلم.
ومنها: أن النَّبيّ ﷺ قاسم بأمر الله ولهذا قال: "إنما أنا قاسم والله هو المعطي" فالله هو المعطي والمدبر والنَّبيّ ﷺ قاسم لا يقسم إلا ما أمر به.
لا يحبس الرسول ﷺ الرسل ولا ينقض العهد:
١٢٥٤ - وعن أبي رافعٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس الرُّسل". رواه أبو داود، والنَّسائيُّ، وصحَّحه ابن حبَّان.
قوله: "إني لا أخيس" هذه الجملة مؤكة بمؤكد واحد وهي"إن"، وأما "لا أخيس" فهي نافية وليست للتوكيد ومعنى: "أخيس به" أنقضه، و"لا أحبس الرسل" يعني: الرسل الذين يأتون من الأعداء للمفاوضة؛ لأن حبس هؤلاء الرسل خيانة وفيه تفويت لمصلحة عظيمة؛ لأنه قد يكون الخير في التفاوض، فلو أن الرسل قتلت ما حصل تفاوض ولا صلح.
стр. 2983
في هذا الحديث فوائد وهي: وجوب الوفاء بالعهد، وقد دل على ذلك نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسئولاً﴾ [الإسراء: ٣٤].
ومنها: أن الله أمر بقتال الكفار إلا المعاهدين.
ومنها: أن الرسول ﷺ جعل الغدر بالعهد من علامات النفاق هذه أدلة سمعية أما الأدلة العقلانية فلأننا لو غدرنا بالعهد مع أعدائنا لكان هذا وصمة عار في ديننا لأنهم بعد ذلك يقولون: هذه أمة الإسلام تغدر بالعهد، الغدر بالعهد من كبائر الذنوب لأنه رتب عليه عقوبة خاصة.
فإن قال قائل: إذّا خفنا من نقض العهد؟
نقول: هذا الخوف إما أن يكون قبل إبرام العهد أو بعد إبرام العهد، فإن كان قبل إبرام العهد فإننا لا نبرمه معهم، لأن هذا يعتبر ذلاً، وإما أن يكون ذلك بعد العهد فهؤلاء لا يجوز أن ننقض عهدهم لكن ماذا نصنع؟ ننبذ إليهم على سواء لقوله تعالى: ﴿وإمَّا تخافنَّ من قومٍ خيانةً فانبذّ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]. فإن وفوا بالعهد وجب علينا أن نفي بالعهد لقول الله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إنَّ الله يحبُّ المتقين﴾ [التوبة: ٧]. وإن نكثوا العهد وجب قتالهم وقد حث الله عليه حثًّا بينًا فقال: ﴿وإن نَّكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمَّة الكفر إنَّهم لا أيمان لهم لعلَّهم ينتهون﴾ [التوبة: ١٢]. فصار المعاهدون ثلاثة أقسام.
ومن فوائد الحديث: بيان وفاء الرسول ﷺ حتَّى مع أعدائه؛ لأن قوله: "لا أخيس بالعهد" عام.
ومنة فوائده: منع حبس السبيل- رسل الأعداء- الَّذين يأتون للمفاوضة.
فإن قال قائل: إذا خفنا أن يكون هذا الرسول الَّذي أرسل عينًا للمشركين- ومعنى عينًا أي: جاسوسًا- فهل نحبسه؟
نقول: نعم نحبسه؛ لأن الأعداء ربما يرسلون رسولاً لا يريدون الصلح ولا التفاوض لكن يرسلون هذا الرسول ليعلم ما نحن عليه فيرجع وقد جسّ علينا، فمثل هذا إذا علمنا بالقرائن أنه قدم لهذا وجب علينا أن نحبسه؛ لأنه أهدر حقه بكونه عينًا للمشركين.
حكم الأرض المفتوحة:
١٢٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: أيما قريةٍ أتيتموها فأقمتم فيها؛ فسهمكم فيها، ، وأيما قريةٍ عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ورسوله، ثمَّ هي لكم". رواه مسلم.
стр. 2984
قوله: "أيما قرية" هذه اسم شرط، وفيها إشكال وهو أن اسم الشرط لا يليه إلا فعل وهذا وليها اسم فما الجواب عن هذا الإشكال؟
نقول: "قرية" مضاف إليه والمضاف: "أي" القرية هي المدينة سواء كانت كبيرة أو صغيرة هذا هو المعلوم من اللغة قال الله تعالى: ﴿وكأين من قريةٍ هي أشدُّ قوَّةً من قريتك التي أخرجتك﴾ [محمد: ١٣]. والقرية التي أخرجته مكة أم القرى، وهناك قرى أعظم منها أهلكها الله وأما المعروف بين الناس وهو أن المدينة للقرية الكبيرة، والقرية للمدينة الصغيرة فهذا لا أصل له في اللغة لكن تسمى القرية الكبيرة مصرًا؛ ولهذا يقول الفقهاء في القرى والأمصار فيفرقون بين القرى وبين الأمصار.
وقوله: "فسهمكم فيها" يعني: أنها تكون لكم، "وأيما قرية عصت الله ورسوله ... إلخ"، يعني: القرية الأخرى الَّتي عصت الله ورسوله وحوربت وفتحت، "فإن خمسها يكون لله ورسوله" فيذهب فيئًا، والباقي يكون لكم؛ أي: للمجاهدين، فيقسم بينهم على ما سبق وقد تقدم حكم هذه المسألة؛ لأن قوله: "ثمَّ هي لكم" يدل على أنهم يملكونها وسبق أن الإمام يخيّر فيها بين أن يقسمها على المجاهدين وبين أن يدعها وقفًا للمسلمين ويضرب عليها خراجً مستمًرا، يؤخذ ممن هي بيدهم فيقول مثلاً هذه الأرض لا أقسمها بين الغانمين لأنني إذا قسمتها بين الغانمين وهي أرض باقية لا تفني بفناء الناس حرمنا الأجيال القادمة من المسلمين فإننا لا نقسمها ولكن نوزعها الأراضي الزراعية نوزعها زراعة والأراضي السكنية نوزعها سكنى ونضرب على كل مسافة معينة شيئًا معينًا، وقال أهل العلم: إن المرجع في هذا إلى اجتهاد الإمام فقد يضرب على الفدان في هذه الأرض ألفًا وفي أرض أخرى ألفين وقد يضرب على الفدان في أرض ثالثة خمسمائة على حسب الحال وربما تتغير الأمور فيكون المرغوب هذا العام غير مرغوب في العام المقبل فتتغير الأحكام، ولهذا قال العلماء- ﵏: إن المرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: أن القرى تنقسم إلى قسمين: قرية أسلم أهلها فهذه لا تقسم ولكنها تبقى لهم وقسم آخر بقيت على كفرها وعصت الله ورسوله فهذه تخمس ويكون خمس أراضيها للفيء وأربعة أخماسها للمجاهدين هذا ما يدل عليه الحديث. وبهذا انتهى كتاب الجهاد.
стр. 2985
١ - باب الجزية والهدنة
الجزية: ما يوضع على الذمي من ضريبة عوضًا عن حمايته وإقامته في دارنا وبهذا نعرف أن الجزية لا تكون إلا في الذميين، ولا تكون إلا على من كان في أرضنا وأن مقتضاها حماية هؤلاء الذين يبذلون الجزية وإعطاؤهم الحقوق على حسب ما ذكره أهل العلم وجاءت به السنة.
وأما الهدنة: فهي وضع الحرب بيننا وبين العدو، وهي تشبه المصالحة من حيث إننا نضرب مدة معينة لوضع الحرب بييننا، ولكنها لا تكون إلا إذّا دعت الحاجة إليها؛ لأن النَّبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس"، وكونه يؤمر بقتال الناس يعني: أنه لا هدنة، لكن قد تدع الحاجة إلى الهدنة إما لضعف المسلمين ضعفًا عامًا، وإما لضعفهم ضعفًا خاصًا أمام هذا العدو المعين، فالضعف العام: كحال المسلمين اليوم فلا يمكن أن يتفقوا-وهم على هذه الحال- على حرب قرية ولو صغيرة؛ لأنهم هم بأنفسهم متنازعون، ومن كان الداء في بطنه فكيف يداوي غيره؟ ! لكننا نرجو الله- أن يكون مستقبل الأمة الإسلامية خيرًا من حاضرها، والله على كل شيء قدير، قد تكون الأمة الإسلامية مجتمعة ولكن عدوها قوي فتحتاج إلى هدنة لتتقوى ثمَّ بعد ذلك يفعل الله ما يشاء.
والهدنة اختلف العلماء-﵏ هل تجوز لمدة عشر سنين فأقل أو لمدة خمس سنين فأكثر، المهم أن تحدد بحدَّ، أو يجوز أن تكون مطلقة؟ فالمشهور من مذهب الحنابلة أنها تجوز في حدود عشر سنوات قالوا: لأن النّبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس"، ثمَّ صالح قريشًا على عشر سنوات فتكون هذه المصالحة مخصصة للحديث السابق وإذّا كانت مخصصة فإنه لا يجوز أن يتعدى المستدل ما جاء في التخصيص، لأنه قال: الأصل المقاتلة خرجنا على الأصل بعشر سنوات فأقل لوجود النص فلا نتعداه وهذا لا شك أنه وجه قوي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تجوز المهادنة مطلقًا أي: بدون قيد السنوات لا قليلة ولا كثيرة ما دمنا على ضعف فإذا قوينا فإننا نقاتلهم وإذا قالوا: إن بيننا وبينكم عهدًا نقول: إن هذا العهد مطلق ولم يؤبد ونحن هادناكم هدنة مطلقة فعلى هذا القول يجب على المسلمين إذا أوتوا قوة أن يقاتلوا فإذا قالوا: في الهدنة، قلنا: الهدنة ليست عامة بل هي مطلقة والمطلقة تصدق بأي شيء وهذا الَّذي اختاره شيخ الإسلام هو الصحيح؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ إذ إن سبب المهادنة هو ضعف المسلمين فمتى وجد هذا الضعف فالهدنة قائمة ومتى زال هذا الضعف فالهدنة لا غية ثمَّ ساق المؤلف ﵀ الأحاديث في ذلك فقال:
стр. 2986
أخذ الجزية من المجوس:
١٢٥٦ - عن عبد الرَّحمن بن عوف ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذها- يعني: الجزية- من مجوس هجر". رواه البخاريُّ. وله طريق في الموطَّأ فيها انقطاع.
قوله: "أخذها" يعني: الجزية، "من مجوس هجر"، والمجوس: قوم وثنيون يعبدون النار ومنهم طائفة تسمي الثنوية وهم الَّذين يقولون بأن العالم له خالقان: ظلمة ونور الظلمة تخلق الشر والنور يخلق الخير، ومع ذلك فهم لا يقولون بتكافؤ الظلمة والنور بل يقولون: إن النور خير وأفضل لكن لا يمكن أن ننسب إليه الشر وهو نور بل نقول: لك الخير والظلمة لها الشر وإلا فالنور عندهم أكمل من الظلمة وأيضًا هو يخلق الخير والظلمة تخلق الشر وأيضًا هو قديم والظلمة لهم فيه قولان: هل هي محدثة أو قديمة؟
فعلى كل حال: لا تكافؤ بين إلهين عندهم إلا أنهم يقولون: نحن ننزه إله الخير عن الشر، المهم أن المجوس الأصل فيهم عبادة النار أخذها النَّبيّ ﷺ من مجوس هجر وهجر: هي الناحية الَّتي تقع جنوبًا في المملكة العربية السعودية وهي الإحساء وما حولها هذه المقاطعة كان يسكنها المجوس لأنها تابعة للفرس، فكان الَّذي فيها مجوسًا أخذ النَّبيّ ﷺ الجزية منهم وأبقاهم على ما هم عليه والتزم-﵊ بالأحكام الَّتي تلزم لهم.
ففي هذا الحديث: دليل على جواز أخذ الجزية من المجوس.
فإن قال قائل: هذا الحديث فيه أنه أخذها من مجوس هجر.
قلنا: لا فرق بين مجوس هجر ومجوس غيرها والمكان لا يختص بالأحكام إلا لسبب بين واضح بين واضح.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قاتلوا الَّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرّمون ما حرمَّ الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الَّذين أوتوا الكتاب﴾ [التوبة: ٢٩]. وهم اليهود والنصارى ﴿حتَّى يعطوا الجزية﴾ فالآية خصت اليهود والنصارى وعموم الآيات الدالة على وجوب قتال الكفار تكون عامة وقد سبق آنفًا أن المخصص يقتصر فيه على ما ورد به التخصيص فقط؟
قلنا في الجواب عن هذا: السنة دليل إلهي كما أن القرآن دليل إلهي ومن فرق بينهما فقد كفر بالقرآن والسنة لأن الله تعالى يقول: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ ويقول- جل
стр. 2987
وعلا-: ﴿مَّن يُطع الَّرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: ٨٠]. ويقول: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضللاً مُّبينًا﴾ [الأحزاب: ٢٦]. وهذا يدل على أن الرسول ﷺ يأتي بأحكام غير الَّتي في القرآن؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن للرسول ميزة على غيره من الخلق، لو قلنا: إن معصية الرسول هي معصية الله لكان الَّذي يأتي بعد الرسول وينهي عن معصية الله ثمَّ يعصى لا فرق بينه وبين الرسول كذلك أيضًا من يطع الرسول فقد أطاع الله لو قلنا: إن طاعة الرسول في أمر قد أمر الله به لم يكن بينه وبين غيره؛ إذ إن من أمر بأمر أمر الله به فإنه يطاع، وحينئذٍ لا يكون للرسول ﷺ ميزة فتبين بهذا أن ما جاء به الرسول ﷺ ولو لم يكن في القرآن فإنه من القرآن بمعنى: أنه حكم شرعي تجب طاعته وعلى هذا فنقول: ثبت أخذ الجزية من اليهود والنصارى بالقرآن وثبت أخذها من المجوس بالسنة.
بقي: هل تؤخذ من غيرهم؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: الأصل وجوب مقاتلة الكفار حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا نخصص منها إلا ما جاء به التفصيل فقط اليهود والنصارى بالقرآن، والمجوس بالسنة، لكن هناك حديث رواه بريدة ابن الحصيب رواه مسلم أن النَّبيّ ﷺ يقول حين يرسل جيشًا أو سرية: " إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أوخلال". وذكر منها الجزية، فصرح: "إذا لقيت عدوك من لمشركين"، وهذا عام في كل مشرك، وهذا القول هو الراجح أن الجزية تؤخذ من كل كافر بدلاً عن الكف عنه وعن حمايته أيضًا وإعطائه حقه.
من فوائد الحديث: جواز أخذ الجزية من المجوس؛ لأن النَّبيّ ﷺ أخذها منهم.
ومنها: أن فعل الرسول ﷺ يعتبر شرعًا؛ لأن العلماء استدلوا بهذا الحديث على جواز أخذ الجزية من المجوس.
أخذ الجزية من العرب:
١٢٥٧ - وعن عاصم بن عمر، عن أنسٍ، وعن عثمان بن أبي سليمان ﵁: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث خالد بن الوليد إلي أكيدر دومة الجندل، فأخذوه، فأتوا به، فحقن دمه، وصالحه على الجزية". رواه أبو داود.
"دومة الجندل" معروفة تقع هنا شمالاً غربًأ أرسل النَّبيّ ﷺ إلى الأكيدر فجاءوا به فحقن دمه وصالحه-لأنه كان أمير قومه- على الجزية، وهو ليس من أهل الكتاب ولا مجوسيًا، ولكنه كان مشركًا.
стр. 2988
يستدل بهذا الحديث على جواز أخذ الجزية من غير اليهود والنصارى والمجوس؛ لأن الرسول ﷺ أخذها من أكيدر دومة الجندل.
مقدار الجزية عن كل حالم:
١٢٥٨ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "بعثني النَّبيّ ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كلِّ حالم دينارًا، أو عدله معافريًّا". أخرجه الثَّلاثة، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم.
معاذ بن جبل بعثه النَّبيّ ﷺ إلى اليمن في السنة العاشرة في ربيع الأول بعثه داعيًا وقاضيًا وحاكمًا فدعاهم، وقصته - في الصحيحين من حديث ابن عباس- معروفة، فيقول: "أمرني أن آخذ من كل حالم دينارًا" والدينار: هو الوحدة من النقد الذهبي وهو أكبر وزنًا من الدرهم؛ لأن الدينار مثقال من الذهب والدرهم سبعة أعشار المثقال، فكل مائتي درهم تساوي مائة وأربعين مثقالاً بخلاف الدنانير فإن الدينار مثقال وهذا يتعجب منه الإنسان أن يكون النقد الذهبي أكبر من النقد الفضي في ذلك الوقت أما في وقتنا الحاضر فمعروف أن النقد افضي أكبر من النقد الفضي في ذلك الوقت أما في وقتنا الحاضر فمعروف أن النقد الفضي أكبر من النقد الذهبي، وقوله: "من كل حالم" أي: بالغ، وقوله: "أو عدله معافريًّا": نوع من ثياب اليمن، عدله أي: ما يعادله، ففي هذا دليل على تقدير الجزية وأنها دينار أو ما يعادله ولكن هل هذا حكم شرعي أو حكم مصلحي يعني: ينظر فيه للمصلحة؟ الجواب: الثاني ينظر فيه للمصلحة قد يكون من المصلحة أن نجعل الجزية أكثر؛ لأن حماية هؤلاء الذميين تقتضي نفقةكبيرة فلا يكفي الدينار وقد يكون الأمر بالعكس فيكفي دون الدينار؛ ولهذا قال العلماء: المرجع في الجزية إلى اجتهاد الإمام ويختلف هذا في كل وقت بحسبه.
علو الإسلام بالوقوف عند العمل به:
١٢٥٩ - وعن عائذ بن عمرو المزنيِّ ﵁، عن النَّبيّ ﷺ قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى". أخرجه الدَّارقطنيُّ.
ذكره المؤلف في باب الجزية والهدنة إشارة إلى أن من علو الإسلام أن يأخذ المسلمون
стр. 2989
الجزية من غير المسلمين لأن الجزية فيها إهانة وفيها ذل كما قال الله تعالى: ﴿حتَّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾ فهذا وجه المناسبة.
وقوله ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى" هذا خبر ولكنه يتضمن الحكم فالإسلام لا شك يعلو ولكن بشرط أن يكون أهله حاملون له حقيقة فإذا حملوه حقيقة نصرهم الله به. ودليل هذا في كتاب الله: ﴿هو الَّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]. أما إذا لم يحمله أهله حقيقة فإنه يوشك أن يكون هؤلاء الَّذين لم يحملوه أخبث من اليهود والنصارى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مثل الَّذين حملوا التوراة ثمَّ لمّ يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [الجمعة: ٥]. وإذا كان الله قد منَّ على هذه الأمة بميزات لم تكن لغيرها كان له عليها من الحق ما هو أوكد من حقوق الآخرين فإذا أهملوا هذا الحق صاروا أخبث وإذا نظرنا إلى المسلمين اليوم وجدنا أنهم على اختلاف طوائفهم كلُّ أخذ بنصيب مما عليه اليهود والنصارى، فالتحريف لكتاب الله وسنة رسوله موجود كما أن التحريف في التوراة والإنجيل موجود، الحسد موجود، إيثار الدُّنيا على الآخرة موجود ... إلى غير ذلك، لو تتبعت أحوال المسلمين اليوم لوجدتهم-أو أكثرهم- قد أخذوا من خصال الكفار والمشركين بنصيب ولذلك وصلوا إلى الحال الَّتي ترى صاروا من أذل الأمم بل إننا إذا اعتبرنا كثرتهم قلنا: هم أذل الأمم؛ لأن أمة تبلغ إلى هذا الحد من العدد وإلى هذا الحد من الغنى في بعض الجهات ثمَّ تذل هذا الذل لا شك أنها أرذل الأمم، فمن الأمم من هم دونهم في الكثرة والغنى ومع ذلك لهم نصيبهم من الكلمة في المجتمعات أكثر من نصيب المسلمين.
فالحاصل أن قوله: "الإسلام يعلو" متى؟ إذا أخذ أهله به فإنه سوف يعلو ويعلو بهم؛ أي: يعليهم حتَّى يكونوا فوق الناس، و"لا يعلى" أي: لا يمكن أن يهزم ويكون شيء فوقه، وهذه البشرى لكن هذه الجملة الأخيرة ليست شاملة عامة بل مقيدة بقول الرسول ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين"، هذه الطائفة هي الَّتي لا يمكن أن يعلى إسلامها أما الطوائف الأخرى فإنه قد يعلى إسلامها والحقيقة أنها قد تعلى هي ولا يعلى إسلامها الإسلام نفسه لا يمكن أن يعلوه أي: دين؛ لأن الدين الإسلامي هو العالي الظاهر لكن إن جاء تسلط غير المسلمين مع ضعف المسلمين فهو لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم.
يستفاد من هذا الحديث: البشرى التامة لمن تمسك بدين الإسلام وأنه سيكون له العلو والظهور.
стр. 2990
ويستفاد منه أيضًا: بيان مرتبة الدين الإسلامي وهو أنه لا يمكن أن يعلوه أي دين لقوله: "ولا يعلى" وهذا خبر كما قلت لكم لكنه يتضمن أحكامًا منها ما ذكره العلماء: أنه لا يجوز للكفار أن يعلو بنيانهم على المسلمين إذا كانوا في بلد واحد وأراد الكافر أن يعلي بنيانه على من حوله من المسلمين فإنه يمنع لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ومنها: أن العلماء كرهوا أن يكون الإنسان المسلم مستخدمًا عند الكافر ويكون خادمًا له شخصيًا فإن هذا من إذلال المسلم والعلو عليه، ولهذا يستطيع الَّذي استخدمه أن يقول: يا فلان هات الحذاء ألبسني إياه، اغسل ثوبي، ولهذا قال العلماء: إنه يكره ولو قيل بالتحريم لم يبعد، وأما استخدام الكافر للمسلم في جهة لا لعينه كما لو كان الكافر رئيسًا في شركة أو غير ذلك، فإن هذا الَّذي يخدم ليس يخدم الكافر وإنما يخدم الشركة أو المصلحة الحكومية أو ما أشبه ذلك فلا يعد هذا من باب استخدام الكافر للمسلم ومنها-أي: من الأحكام المترتبة على أن الإسلام له العلو- أننا لا نبدأغير المسلمين بالسلام، ولهذا أتى المؤلف ﵀ بحديث أبي هريرة بعد ذلك؛ لأن الإسلام هو الذي يجب أن يكرم أهله، وأما غير الإسلام فلأهله الإهانة والإذلال وعلى هذا ننتقل إلى حديث أبي هريرة.
السلام على الكفار وحكمه:
١٢٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود وانَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ، فاضطرُّوه إلى أضيقه". رواه مسلم.
اليهود: هم الَّذين يدَّعون أنهم أتباع موسى، والنصارى هم الَّذين يدعون أنهم أتباع عيسى، سمي اليهود بذلك نسبة إلى جدهم يهوذا، وسمي النصارى بذلك من المناصرة؛ لأنهم نصروا عيسى ابن مريم؛ أعني: أن طائفة منهم نصرته وطائفة لم تنصره كما هو معروف في آية الصف، وقيل: إنهم سموا نصارى من البلد المعروف بالناصرة فهو نسبة إلى مكان وأيًّا كان فهم الَّذين يدَّعون أنهم متبعون لعيسى ابن مريم، وقلنا: يدَّعون وأضربنا عن قول: يتبعون؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن النصارى اليوم متبعون لعيسى بل هم مكذبون لعيسى كافرون به؛ لأن عيس ابن مريم قال لهم: ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقًا لما بين يدي من التوراة﴾ فهذا موقفه من الرسالات السابقة وموقفه من الرسالات اللاحقة قال: ﴿ومبشرا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ ولم يقل ومصدقًا بل قال ومبشرًا وهذا أبلغ؛ لأن المبشر به يكون نعمة على من بشر به فيكون تصديقه من باب تصديق الخبر وشكر النعم ومع ذلك رفضوا هذه البشارة وأنكروها ولم يؤمنوا
стр. 2991
بمحمد ﷺ إذن فهم حقيقة كافرون بعيسى وعيسى خصمهم يوم القيامة لأن الله سيقول له: ﴾ يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ... ﴿الآيات؛ فعيسى هو خصمهم يوم القيامة وهم مكذبون له كافرون به، لكن الإسلام - لسعته ورحابته - أقرهم على دينهم بالجزية ولعلهم بما عندهم من الكتاب لعلهم يهتدون ويرجعون للصواب، وقوله: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام" ولم يقل: بالتحية؛ لأن التحية أعم فقد يضطر الإنسان إلى بداءتهم بالتحية لكن نقول: لا تبدأهم بالسلام، التحية مثل أهلًا وسهلًا ممكن أن يضطر الإنسان إلى أن يقول لرجل يهودي أو نصراني أو وثني: أهلًا وسهلًا لكن لا يمكن أن يقول بمقتضى الشرع: السلام عليكم وعلم من قوله: "لا تبدءوهم بالسلام" أننا نرد ﵈؛ لأننا إذا رددنا فهم البادءون، والنهي إنما هو عن بداءتهم أما الرد عليهم فلا. ولكن كيف نرد عليهم؟ نرد عليهم بمثل ما حيَّونا به كما قال الله تعالى: ﴾ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴿[النساء: ٨٦]. فبدأ بالأحسن ثمَّ قال: ﴾ أو ردوها ﴿وهو الواجب، فإذا قال اليهودي أو النصراني: السلام عليك بلفظ صريح، فأقول: عليك السلام بلفظ صريح، وإذا قال: السام عليك أقول: وعليك وإذا احتمل الأمران أقول عليك أيضاً، وهذا أيضاً من الآداب الإسلامية أنهم إذا قال أحدهم: السام عليك لا أقول: عليك السام بل أكون أنا أحسن أدباً منه، وأقول: وعليك، ففي هذه الحال أكون قابلته بما قابلني به ولهذا لما قالت عائشة في ردها على اليهودي الَّذي مر بالنبي ﷺ وقال السام عليك يا محمد، قالت: وعليك السام واللعنة نهاها الرسول ﷺ وقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" وهذا من آداب الإسلام وعلوه ألا أنزل مثله إلى الساحة التي نزل فيها وهي الدعاء بل أقول عليك كما قال: "إن كان قال السلام فهو عليه وإن كان قال السام فهو عليه أيضاً".
وقوله: "وإذا لقيتم أحداً منهم في طريق فلا تفسحوا له اضطروه" أي: ألجئوه إلى أضيق الطرق فلا تفسح له مهما كان ولو كان أكبر منك مرتبة أو أغنى منك أو أعظم منك سلطة لا تفسح له إن بقي لم يذهب يميناً ولا يساراً فلا تهتم به اجعله هو الذَّي يميل يمينًا ويسارًا، وليس المعنى: أنك تلجؤه حتَّى تضيق عليه برصِّه على الجدار لماذا؟ لأن قول الرسول الله ﷺ يفسره فعله وفعل أصحابه فما كان الناس في المدينة يفعلون هكذا باليهود الَّذين فيها لكن إذا لقيناهم مثلاً ونحن خمسة وهم خمسة والطريق لا يتسع إلا لخمسة فقط فهل نحن نفسح لهم ونمشي واحداً واحداً حتَّى يتجاوزوا أو بالعكس؟ بالعكس نضطرهم إلى الأضيق، أما نحن فنبقى أعزة.
في هذا الحديث فوائد متعددة: أولًا: النهي عن بدء اليهود والنصارى بالسلام والأصل في النهي التحريم ولاسيما والقرينة هنا تدل عليه وهو أن بداءتهم بالسلام فيه شيء من إكرامهم
стр. 2992
وإعزازهم، والكافر لا يستحق إكرامًا ولا إعزازًا، لما قال المنافقون: ﴾ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴿قال الله تعالى: ﴾ ولله العزة ولرسوله ﴿. وأما المنافقون فلا عزة لهم وكذلك الكافرون.
ومن فوائد الحديث: جواز الرد عليهم يؤخذ من المفهوم؛ لأنه إذا كان نهى عن البداءة فالرد جائز ولكن هل يجوز أن أزيد في الرد على ما قال: إذا قال: السلام عليك، أقول: عليكم السلام ورحمة الله؟ يحتمل، الآية تدل على أن فيه احتمال: ﴾ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴿.
فإذا قال قائل: إن الرسول ﷺ نهى عن ابتدائهم.
نقول: نعم عن الابتداء، لكن الزيادة هنا صارت تابعة للرد ويغفر في التوابع ما لا يغفر في الأوائل لكن إذا خشينا أن يتعاظم في نفسه لو رددنا عليه بأكثر فحينئذٍ نمنعه من أجل هذه المفسدة.
ومن فوائد الحديث: أن المسلم ينبغي أن يكون عزيزاً في دينه لا بشخصه، فيرى في نفسه أنه عزيز بما يحمله من دين الله من غير فخر ولا خيلاء؛ لأنه إذا رأى أي عزيز بالدين لم يكن عنده فخر ولا خيلاء لأن الدين يحارب الفخر والخيلاء، لكن لا ينبغي أبدًا أن يذل أمام الكفار وينبني على ذلك أننا لا نقلدهم فيما لا خير لنا فيه، أما ما فيه خير كالصنائع وغيرها فهذا ليس تقليدًا لهم في الواقع وإنما نأخذ من علومهم ما ننتفع به، كما أخذ النَّبيّ ﷺ من عبد الله بن أريقط دلالته على الطريق ولم يقل هذا مشرك لا آخذ بدلالته بل أخذ بدلالته.
فإن قال قائل: وهل يلحق غير اليهود والنصارى بهم في النهي عن بداءتهم بالسلام؟
فالجواب: نعم، بل من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب ولهم من الخصائص والمزايا على غيرهم ما لا يوجد في غيرهم فإذا نهى عن بداءتهم بالسلام فغيرهم من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: أننا لا نفسح المجال لهم إذا لقيناهم في الطريق لقوله: "إذا لقيتموهم ... الخ".
ومن فوائد الحديث: أنه ليجوز أن نمكِّن اليهود والنصارى من المشي في الطرقات وغير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: اطردوهم، بل قال: "اضطروهم إلى أضيقه".
صلح الحديبية:
١٢٦١ - وعن السمسور بن مخرمة ومروان ﵄ "أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج عام الحديبية ... " فذكر الحديث بطوله، وفيه: "هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله سهيل بن عمروٍ: على
стр. 2993
وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها النَّاس، ويكف بعضهم عن بعض". أخرجه أبو داود وأصله في البخاريِّ.
بدأ المؤلف الآن في الهدنة، لأن الباب باب الجزية والهدنة وعام الحديبية العام السادس من الهجرة خرج النَّبيّ ﷺ من المدينة على مكة معتمرًا في نحو ألف وأربعمائة رجل لا يريد إلا العمرة ومعه الهدي وأحرم من ذي الحليفة ولما وصل إلّى الحديبية أبى المشركون أن يدخل مكة حملهم على ذلك حمية الجاهلية وقالوا: لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة وكان النَّبيّ ﷺ قد أراه الله من الآيات ما يقتضي أن يصالحهم وألا يدخل وذلك في ناقته حينما بركت وكان يزجرها ولكنها أبت فقال الناس: "خلأت القصواء" يعني: حرنت فقال ﷺ : "والله ما خلأت وما ذاك لها بخلق" حتَّى البهائم لها أخلاق؟ نعم، "وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل"، الفيل الَّذي جاء به أبرهة ليهدم به الكعبة ولكنه - أعني الفيل - أبى أن يمشي انحبس في المغمَّس.
حبس الفيل بالمغمَّس حتَّى ... صار يحبو كأنَّه معقور
ثمَّ قال: "والَّذي نفسي بيده"، أو قال: "نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمة الله إلا أجبتهم عليها" لا ذلأ لهم ولكن تعظيمًا لحرمات الله وحصل ما حصل وجرى الصلح، وكان فيه: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وكان قد قال: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ولكن سهيل بن عمرو [أنكر] قال: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا منعناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله! ! فقال ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله" فأنكر ﷺ إنكاره أن يكون رسول الله وأثبت أنه رسول الله، لكن تواضع للحق لا للخلق، وقال: اكتب محمد بن عبد الله وهو محمد بن عبد الله لا شك، لكن وصفه بالرسالة أفضل من وصفه بالنسب إلا أنه من باب تعظيم حرمات الله كتب محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ... إلخ، فكتب الكتاب على هذا الشرط ويوجد شروط أخرى لكن هذا هو المقصود من إيراده في هذا الباب، هذا ما صالح عليه على وضع الحرب عشر سنين يعني: لا حرب بينه وبين قريش لمدة عشر سنوات، وأطال النَّبيّ ﷺ في المدة من أجل أن يستتب الأمن بين الناس وقد سمى الله تعالى هذا الصلح فتحًا: ﴾ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴿[الحديد: ١٠]. فسماه الله تعالى فتحًا، لأن الناس اختلط بعضهم ببعض ولأنه مقدمة
стр. 2994
للفتح الأعظم فتح مكة إذ إن سبب فتح مكة هو نقض المشركين لهذا العهد فصار كالمقدمة بين يدي فتح مكة، يأمن فيها الناس، من المراد بالناس؟ المسلمون والكافرون يأمنون يذهب الرجل إلى مكة ويرجع ويأتي الآتي من مكة ويرجع من دون أن يخاف على نفسه والثاني يكف بعضهم عن بعض.
١٢٦٢ - وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس ﵁، وفيه: "أنَّ من جاء منكم لم نردَّه عليكم، ومن جاءكم مَّا رددتموه علينا. فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، إنَّه من ذهب منَّا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
من القائل؟ سهيل "من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا" هذا شرط ثقيل جدًا، لأن ظاهره عدم العدل إذ أن العدل يقتضي أن من جاءنا منهم لا نرده كما أن من جاءهم منا لا يردونه أو من جاءهم منا ردوه ومن جاءنا منهم نرده أما أن تكون المسألة بالعكس فالغضاضة فيها على المسلمين ظاهرة لكن نظرًا إلى أن المقصود بذلك تعظيم حرمات الله صارت فتحًا مبينًا وخيرًا كثيرًا، وتعلمون ما في القصة من مراجعة أمير المؤمنين عمر لرسول الله ﷺ حتّى قال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى" وحصل مراجعة بينه وبين الرسول ﷺ وبينه وبين أبي بكر، وكان جواب أبي بكر كجواب الرسول ﷺ سواًء بسواء.
يقول: "فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله" الَّذي يذهب من المسلمين إلى الكفار مهاجراً إليهم لا لغرض تجارة أو نحوها فأبعده الله "وأما من جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا" يعني: لو رددناه سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا وكان الأمر كذلك فإن من جاءنا منهم رددناه إليهم جعل الله له فرجًا ومخرجًا كما سيذكر إن شاء الله.
ففي هذا الحديث فوائد: أولًا: بيان غطرسة الكفار وأنهم يريدون الحيلولة بين المسلمين وبين دينهم، يؤخذ ذلك: من منع المشركين رسول الله ﷺ أن يقدم إلى مكة مع أن قريشًا قد فتحت الأبواب بل قد كسرت الأبواب لكل من جاء إلى مكة ليعتمر؛ لأنهم يستفيدون من ذلك استفادة دعائية واقتصادية وغير ذلك لكن الرسول لا، فمنعوه مع أنه هو ولي البيت: ﴾ وما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون ﴿[الأنفال: ٣٤].
وفيه أيضاً: بيان أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ويتفرع على هذا أن نصبر وإن كان في الأمر غضاضة علينا ما دمنا ننتظر أو نريد رضا الله غز وجل.
стр. 2995
ومن الفوائد: جواز مصالحة المشركين على وضع الحرب وهو ما يعرف بالسلم أو السلام لمدة عشر سنين لأن النَّبيّ ﷺ صالح قريشًا على وضع الحرب لمدة عشر سنين مع أن قريشًا أخرجوا النَّبيّ ﷺ وأصحابه من ديارهم واحتلوها وهي أشرف البقاع وصالحهم عشر سنوات على ترك الحرب وعلى هذا فيكون هذا الحديث مخصصًا لقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيكون هذا مخصصًا لهذا العموم أي: ما لم يكن بيننا وبينهم عهد أو صلح، وهل العهد والصلح جائز للحاجة أو مطلقًا؟
الجواب: أنه جائز للحاجة والضرورة لا مطلقًا، فإذا دعت الحاجة إلى الصلح بيننا وبين الكفار فعلنا وإلا فالأصل وجوب القتال، واختلف العلماء ﵏ هل هذا خاص بقريش لأن النَّبيّ ﷺ صالحهم تعظيمًا لحرمة البيت أو هو عام؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: إنه عام وأنه تجوز مصالحة الكفار لمدة عشر سنوات مطلقًا ومنهم من قال: هذا خاص بالنبي ﷺ ومن معه، وذلك لأن الرسول ﷺ قصد بهذا تعظيم البيت لا إقامة الهدنة بينه وبين الكفار والصحيح العموم وعلى هذا فهل يختص جواز المصالحة بهذا القدر من الزمن، أي: عشر سنوات فأقل أو لنا أن نزيد للمصلحة؟ الصحيح: أنه لنا أن نزيد للمصلحة لأن النَّبيّ ﷺ فعل ذلك بنفسه أي: عقد عشر سنوات لكنه لم يقل للناس لا تعقدون فوق ذلك فيكون الأصل الجواز يعني لنا أن نقول: عشرين سنة أو خمس عشرة سنة لأنه لا دليل على التحريم، وهل لنا أن نطلق يعني: أن نصالح صلحاً غير مقيد؟
في هذا خلاف بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: لا بأس، وبعض العلماء يقول: لا لابد من التحديد والصحيح جواز الإطلاق وأنه يجوز أن نصالح الكفار على وضع الحرب بدون قيد وحينئذ نقول ما دام الأمر مقيدًا بالحاجة فما دمنا في حاجة إلى بقاء هذا الصلح فلنبقه وإذا وجدنا ضعفًا في عدونا أو وجدنا قوة فينا فلنا أن ندعوهم إلى الدخول في الإسلام أو بذل الجزية ولا حجة للعدو علينا في هذه الحال، لأننا ليس بيننا وبينه مدة معينة حتَّى يقول: غدرتم أو نقضتم العهد لأن العهد مطلق وهل يجوز أن نعاهد عهدًا دائمًا؟ لا، لأن العهد الدائم يعني: وضع الجهاد وإبطال فرضيته، وهناك فرق بين الدائم وبين المطلق، الدائم يعني المؤبد فيكتب مثلًا في العقد: أننا نضع الحرب بيننا وبينكم دائمًا أو أبدًا هذا حرام، لأنه إبطال لفريضة من فرائض الإسلام، بل جد ذروة الإسلام لأن الإسلام ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا تم الصلح فإنه لا يجوز الاعتداء على الكفار الَّذين جرى بيننا وبينهم الصلح لقوله: "يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض" فلا يجوز لأي واحد من الناس
стр. 2996
يعتدي على هؤلاء الّذين جرى بيننا وبينهم الصلح لأنهم في عهد وأوفى الناس بالعهود هم المسلمون كما قال تعالى: ﴾ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴿[البقرة: ١٧٧].
ومن فوائد الحديث: في رواية مسلم جواز مثل هذا الشرط أن من جاءنا منهم مسلمًا رددناه، ومن جاءهم منا فإنه لا يرد، ونعلل بما علل به النَّبيّ ﷺ أن من جاءهم منا فأبعدهم الله ولا خير فيه ومن جاءنا منهم فرددناه فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وقد حصل هذا كما توقعه النَّبيّ ﷺ بل كما وعد به، لأنه قال: سيجعل والسين للتنفيس تفيد التحقيق، من الَّذي رد فجعل الله له فرجًا؟ أبو بصير، فهو جاء مسلمًا من قريش فألحقه قريش برجلين يطلبان رجوعه فلما أدركاه في المدينة رده النَّبيّ ﷺ وفاء بالشرط، لأن مراعاة المصلحة العامة أولى من مراعاة المصلحة الخاصة فهذا الرجل الَّذي رد إلى الكفار لاشك أن فيه غضاضة عليه عظيمة، وربما يقتلونه لكن المصلحة العامة - وهي وفاء المسلمين بعهودهم - أولى من مراعاة المصلحة الخاصة لا يقال كيف نرده وهو مسلم هذا إذلال للمسلم، نقول: نعم هو إذلال لكن المصالح العامة مقدمة، المهم: أن الرسول ﷺ رده فذهب به الرجلان وفي أثناء الطريق نزلوا يتغدون، فقال أبو بصير لأحدهم يمدح سيفه ويثني عليه فقال لذاك الرجل - والظاهر أنه غبي - قال: نعم ولقد فعلت وفعلت قال أعطني أراه فأعطاه إياه فسله وجبَّ رأسه، الثاني هرب إلى المدينة إلى الرسول ﷺ فلحقه أبو بصير، فلما وصل إلى رسول الله ﷺ قال له أبو بصير: يا رسول الله، إن الله قد أبرأ ذمتك ووفيت بعهدك، يعني: لا تردني قال: "ويل أمّه مسعر حرب لو يجد له من ينصره لما قال هذا الكلام" كان أبو بصير ذكيًّا عرف أنه سيرده فهرب خارج المدينة وذهب إلى الساحل - ساحل البحر - وجلس على الطريق وكلما مرت عير لقريش عدا عليها وأخذ منها وعلم به المستضعفون - الذين أسلموا بمكة علموا به - فخرجوا إليه فكوَّن عصابة لكن عصابة مسلمة بحف فكانت كلما جاء شيء لقريش أخذوه، فتعبت قريش منهم وأرسلوا للرسول ﷺ أن يفكهم من هؤلاء وهو أيضًا في حل، فهذا الَّذي حصل، فجعل الله لهم فرجًا ومخرجًا، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون واثقًا بالله في كل شيء.
النهي عن قتل المعاهد:
١٢٦٣ وعن عبيد بن عمر رضى الله عنه، عن النَّبيّ ﷺ قال: "من قتل معاهدًًا، لم يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا". أخرجه البخاريُّ.
"من" شرطية وجملة "لم يرح رائحة الجنة" جواب الشرط وهنا هل العمل لـ "لم" أو العمل لـ "من"؟ نقول أيهما المباشر؟
стр. 2997
"لم"، وعلى هذا فتكون الجملة في محل جزم جواب الشرط، "وإن ريحها" أي: الجنة "ليوجد من مسيرة أربعين عامًا"، ريح الجنة أشجارها ورياحينها وكل ما فيها يوجد من مسيرة أربعين عامًا وفي رواية أخرى يأتي الإشارة إليها إن شاء الله.
قوله: "من قتل معاهدًا" المعاهد هو من عقدنا معه عهدًا، وهو ثلاثة أنواع: مستأمن، وذمِّمي، ومعاهد.
المستأمن: هو الَّذي دخل بلادنا بأمان لمصلحة إما ليسمع كلام الله وإما ليحضر مجالس العلم، وإما ليبيع أو يشتري، وإما ليعمل، وإن كان أصله حربيًا فإنه إذا أمن بالدخول صار آمنًا.
أما المعاهد: فهو الّذي جرى بيننا وبينهم عهد كما جرى للنبى ﷺ مع قريش.
وأما الذمي: فهو الَّي يبقي في بلادنا تحت حمايتنا ويبذل لنا الجزية كل عام، وكلها تدخل في المعاهدة، لكن تختلف المعاهدة وأحكامها بين هؤلاء.
ففي هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: وجوب الوفاء بالعهد، وجهه أنه رتب على من غدر بالعهد حرمانه من دخول الجنة وهذا يقتضى أنه من كبائر الذنوب.
ثانيًا من فوائد: أن ما يصنعه بعض الناس اليوم من قتل الداخلين إلى البلاد بعهد وأمان يدخل في هذا الحديث، ما دام من له السلطة قد أذن له أذن له في دخول البلاد وأعطاه عهدًا فإنه لا يحل لأحد أني قتله، فإن فعل حق عليه هذا الوعيد.
ومن فوائد الحديث: إثبات أن للجنة رائحة، وهذا أمر معلوم، قال الله تعالى: ﴾ فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنات نعيم ﴿[الواقعة: ٨٨، ٨٩].
ومن فوائد الحديث: أن ريح الجنة يوجد من مسافات بعيدة ورد: "أربعين عامًا" وورد: "سبعين عامًا"، وورد غير ذلك، فاختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والجمع بينها سهل، فإما أن يقال: إن اختلاف هذه التقادير باعتبار اختلاف الشم، وإما أن يقال باعتبار اختلاف المشام لأن بعض الناس يشم شمًّا قويًّا وبعضهم دون ذلك، وإما أن يقال باعتبار المشمون، فإن بعض المشمومات لها رائحة تشم من بعيد وبعضها دون ذلك، المهم: أن القاعدة أنه ليس فيما أخبر الله به ورسوله شيء من التناقض وإذا تراءى لك شيء من التناقض فالواجب عليك أن تحاول الجمع بين النصوص، لأن نصوص الكتاب والسنة لا يمكن أن يكذب بعضها بعضًا، وبهذا الحديث انتهى باب الجزية والهدنة، ثمَّ قال المؤلف:
* * * *
стр. 2998
٢ - باب السبق والرمي
ومناسبة هذا الباب لكتاب الجهاد عمومًا أن من أنواع السبَّق ما يكون معينًا على الجهاد كما سيأتي، والسَّبق والسبَّق بينهما فرق: السَّبق: العوض، والسَّبْق: فوات من أراد إدراكه، يعني أن يسبق، يتقدم على غيره، فالتقدم على الغير هو السَّبْق، وأما السبَّق بالفتح فهو العوض وأما الرمي فواضح.
١٢٦٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: "سابق النَّبيّ ﷺ بالخيل التي قد ضمِّرت، من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل الَّتي لم تضمر من الثَّنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق". متفق عليه، وزاد البخاريُّ: قال سفيان: "من الحفياء إلى ثنيَّة الوداع خمسة أميال أو ستَّة، ومن الثَّنية إلى مسجد بني زريق ميل". متفق عليه.
هذه أماكن معروفة في المدينة، وأما الخيل الَّتى ضمِّرت فهي الَّتي تجاع، يعني: تمنع من العلف ولا تعطى إلا قدر ما يسد رمقها لمدة معينة، فتضمر ويخف لحمها، ويكون عندها من القوة أكثر مما إذا لم تضمر ثمَّ بعد ذلك تستعمل في المسابقة، وأما الَّتي لم تضمر فهي الَّتي بقيت تأكل على ما تريد ولا يخف لحمها ولا يكون فيها سبق، ولذلك فرق النَّبيّ ﷺ بين هذا وهذا وسابق بين الخيل الَّتي لم تضمر من الثنية إلى بني رزيق، وكان ابن عمر فيمن سابق.
ففي هذا الحديث: حسن رعاية النَّبيّ ﷺ حيث أجرى المسابقة على الخيل لما في ذلك من الاعتياد على ركوبها في الجهاد، وفي هذا مراعاة للإنسان وللخيل جميعًا، للإنسان الراكب وللخيل المركوبة.
ومن فوائده: أن تضمير الخيل وإن كان يلحقها شيء من المشقة بالتجويع فإن ذلك للمصلحة، فيؤخذ منه: أنه إذا اقتضت المصلحة أن نعمل في الحيوان ما يؤلمه فإنه لا بأس سواء كانت المصلحة دينية أو المصلحة دنيوية، فمثال الدينية هنا: تضمير الخيل، ومثالها أيضاً: إشعار الهدي، أتدرون ما إشعاره؟ أن يشق سنامه حتَّى يسيل الدم، وهذا لاشك أنه يؤلمه لكن لمصلحة وهي: العلامة على أنه هدي ومن ذلك أيضًا وسم إبل الصدقة فإن ذلك يؤلمها لاشك ولكن لمصلحة وهو: حفظ مال الصدقة، وأما الدنيوية فمثل: وسم الحيوان لمن أراد أن يبيع ويشتري فيه فإن هذه مصلحة دنيوية ولا بأس بها، ومن ذلك أيضًا ما يفعله الناس اليوم من تقطيع آذان بعض الغنم يزعمون بأن ذلك يقلل من إيذائها بتدلي آذانها بالشرب وعند الأكل
стр. 2999
وما أشبه ذلك وأن ذلك يزيد في القيمة فهذا لا بأس به، وليس هذا من البحيرة ولكنه مما يفعله الإنسان للمصلحة، إلا أننا نقول: إذا أمكن قطع آذانها بلا أذية وبلا إيلام كان واجبًا ولكن كيف يكون بلا إيلام؟ بالبنج تبنج وتقطع الأذن بدون إيلام وهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي مراعاة الشوط في بعده وقربه بحسب الخيل الَّتي سابق عليها، المضمرة يمد لها في الشوط، وغير المضمرة يقصد، لأن غير المضمرة تتعب فيلحقها مشقة لا داعي لها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا بأس أن تكون المسابقة مع من لم يبلغوا الأشد، فإن ابن عمر كان لم يبلغ أشده ومع ذلك دخل في المسابقة فلا يحقرن أحد نفسه في مثل هذا.
وزاد البخاريٌّ: قال سفيان: "ومن الحفياء إلى ثنيَّة الوداع خمسة أميالٍ أو ستة، ومن الثَّنية إلى مسجد بني زريق ميل".
فالفرق - إذن - عظيم، ميل إلى خمسة أميال أو سبعة واحد من خمسة أو واحد من ستة لأن كل واحد من هذه الخيل يسابق على حيث ما يمكنه.
١٢٦٥ - وعنه ﵄: "أنَّ النَّبيّ ﷺ سابق بين الخيل، وفضَّل القرَّح في الغاية". رواه أحمد، وأبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان.
هذا أيضًا كالذي قبله في أنه يفرق بين ما يحتمل بعد الشوط وما لا يحتمل.
السباق على الخف والحافر والنصل:
١٢٦٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا سبق إلا في خفٍّ، أو نصلٍ، أو حافرٍ". رواه أحمد والثَّلاثة وصحَّحه ابن حبَّان.
السبق: هو العوض الَّذي يؤخذ على المسابقة، قوله: "لا سبق إلا في خف" معروف أن "لا" نافية للجنس وأن خبرها محذوف، أي: لا سبق كائن إلا في خف، والخف إشارة إلى الإبل لأنها هي ذات الخفاف، والنصل إشارة إلى الرمي بالسهام، والحافر إشارة إلى الخيل
стр. 3000
فهذه الثلاثة أجاز النَّبيّ ﷺ المسابقة فيها على عوض، وأما غيرها فلا يجوز وهذا الاستثناء استثناء من شبه الميسر أو من الميسر نفسه؟ لأن المسابقة إذا أخذ عليها العوض صارت من الميسر إذ إن الداخل فيها بين غانم وغارم وهذا هو حقيقة الميسر.
فإن قال قائل: لماذا أبيح السبق في هذه الثلاثة؟
فالجواب: أنه أبيح؛ لأن ذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله، فالإبل تحمل أمتعة المجاهدين وأسلحتهم، وتحمل المجاهدين أيضًا، والنصل يرمي به المجاهد فيدافع عن نفسه، ويهاجم عدوه، وأما الحافر فكذلك يركب عليه ويفر فهو مما ينتفع به في الحرب للجهاد في سبيل الله.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: تحريم المسابقة على عوض إلا في هذه الثلاث، وجه ذلك: قوله "لا سبق" وهذا النفي بمعنى النهي، فهو نفي لكن يراد به النهي كقوله تعالى: ﴾ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴿[البقرة: ٢]. نفي لكنه بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه.
فإن قال قائل: وهل تجوز المسابقة في غير ذلك على غير عوض؟
فالجواب: نعم تجوز المسابقة على غير عوض في غير هذا تجوز المسابقة في المصارعة لأن النَّبيّ ﷺ صارع ركانه بن يزيد، وتجوز المسابقة على الأقدام؛ لأن النَّبيّ ﷺ سابق عائشة وتجوز المسابقة في كل عمل مباح لكن بلا عوض وأما العمل غير المباح فلا تجوز المسابقة فيه، مثل النرد والشَّطرنج وما أشبههما وبذلك نعرف أن المسابقة على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما جاز بعوض وبغير عوض وهو هذه الثلاث، والثاني: ما حرم بعوض وغيره مثل النَّرد والشَّطرنج، وضابطه: أنه يلهى كثيرًا ويكسب قليلًا، فكل ما ألهى كثيرًا وأكسب قليلًا فإنه محرم، والثالث: ما يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض وهو المسابقة في الأشياء المباحة، لكن القسم الثاني الَّذي لا يجوز بعوض ولا غيره يرخص فيه للصبيان ما لا يرخص فيه للكبار، وذلك لأن الصبي لابد أن يلهي نفسه باللعب والمسابقة وما أشبه ذلك وليس مكلفًا بحفظ الوقت كما يكلف الكبير، فلهذا يرخص للصبيان في أشياء من اللعب مما ترخص للكبار.
من فوائد الحديث: أن ظاهره أنه يجوز السبق ولو كان من أحد المتسابقين مثل أن يقول أحدهما: سأسابقك على فرس وأنت على فرسك والغالب منا له ألف درهم ثمَّ يتسابقا على ذلك فمن سبق أخذ ألف الدرهم وهذا هو القول الراجح، بمعنى: أنه يجوز أن يكون السبق من
стр. 3001
أحد المتسابقين بدون أن يكون هناك طرف ثالث يسمى المحلل لأن هذا حلا ولا يحتاج إلى محلل، ولكن بعض أهل العلم قال: لا، لا يصح من أحد المتسابقين إلا بمحلل بأن يدخل معهما متسابق ثالث يساوي فرسه فرسيهما وهذا الثالث لا يؤخذ منه شيئًا إن سبق فله وإن سبق فليس عليه شيء، وعللوا ذلك قالوا لأجل أن تخرج الصورة عن مشابهة القمار، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا لأن الشارع أجاز القمار في هذا لغلبة المصلحة والمصلحة إذا كانت كبيرة أكبر من مضرة المفسدة فإنها تغلب، لأن الدين الإسلامي إنما جاء لتحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة، فإذا ترجحت المصلحة انغمرت المفسدة فيها وكان ذلك جائزًا، ثمَّ ذكر المؤلف ﵀ عن أبي هريرة.
محلل السبَّاق:
١٢٦٧ - وعنه ﵁، عن النَّبيّ ﷺ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس به، وإن أمن فهو قمار". رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده ضعيفٌ.
هذا من أدلة من قالوا: إنه لابد في المسابقة من محلل، قال: من أدخل فرسًا بين فرسين فتكون الأفراس ثلاثة والمتسابقون ثلاثة وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس، يعني: فيه احتمال أن يسبق هذا الفرس أو يسبق، يعني: أن فيه احمالًا أنه يسبق فهذا لا بأس به، وأما إذا كان قد أمن أن يسبق لأنه يعرف أن فرسه سابق ولابد يقول: فهذا قمار لأنه إذا كان يأمن أن يسبق صار المسابقة حقيقة بين الاثنين السابقين؛ إذ إن فرسه قد أمن أن يسبق، ولكن هذا الحديث - على تقدير صحته - لا يدل على، ما قاله من يرى أنه لابد من المحلل، لأن هذا المحلل إذا كان يأمن أن يسبق فهو قمار، إذا سبق هو من يكون له العوض؟ يكون له فأين القمار؟ القمار أن يكون العاقد إما غانمًا وإما غارمًا وإذا كان هذا الرجل يأمن أن يسبق ويعلم أن فرسه سيسبق بكل حال صار معناه أنه غانم بكل حال ولا يمكن أن يلحقه غرم، فهو في الحقيقة لو صح فلا دليل فيه على اشتراط المحلل.
وخلاصة القول: أن المسابقة في الخيل والإبل والسهام لا بأس بها وأنه لا يشترط أن يدخل بينهما محلل، والمحلل: هو الطرف الثالث الَّذى لا يغرم شيئًا فيكون إما غانمًا أو سالمًا.
стр. 3002
شرعية التدريب على القوة:
١٢٦٨ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقرأ: ﴾ وأعذوا لهم مَّا استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ﴿[الأنفال: ٦٠] الآية. ألا إنَّ القوة الرَّمي، ألا إنَّ القوَّة الرَّمى، ألا إنَّ القوَّة الرَّمي". رواه مسلم.
يقول: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر، إنما قال هذه الجملة لفائدتين: الفائدة الأولى: أن يؤكد ضبطه للقضية، والثانية: أن يبين أن النَّبيّ ﷺ أعلنه، لأنه على المنبر تلا هذه الآية: ﴾ وأعدُّوا لهم مَّ استطعتم من قوةٍ ﴿﴾ وأعدوا ﴿الخطاب للمؤمنين، و﴾ لهم ﴿الضمير يعود على الكفار، ﴾ ما استطعتم ﴿أي: ما قدرتم عليه، ﴾ مّن قوة ﴿هنا نكرة في سياق الشرط فتكون عامة فتشمل القوة الإيمانية الَّتي هي صدق الإيمان بالله والثقة بنصره والتوكل على الله وتفويض الأمر إليه وتشمل أيضًا القوة بإعداد العدة بكثرة الجيوش ومهارتها وما أشبه ذلك وتشمل القوة النهائية وهي الرمي وهي الَّتي نص عليها النَّبيّ ﷺ حيث قال: "ألا إن القوة الرمي" ووجه كون هذه القوة الغاية: أن الإنسان ينال عدوه من بعد، بخلاف ما إذا كان القتال بالسيوف فإنه عن قرب وربما يصيبه عدوه، لكن إذا كان بالرمي فهو عن بعد فنيل عدوه له يكون أقل احتمالًا وكررها النَّبي ﷺ تأكيدًا، وإلا فإن خبره الواحد يغني عن التكرار لوجوب تصديق خبره.
ومن فوائد الحديث: أن النَّبيّ ﷺ يفسر القرآن، بمعنى أن تفسير النَّبيّ ﷺ للقرآن واقع، لقوله: "ألا إن القوة الرمي".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي لنا نحن المسلمين أن نهتم بالرمي، والرمي في كل مكان بحسبه ففي عهد الرسول ﷺ الرمي بالقوس وهو سهم لا يتجاوز ثلاثمائة ذراع أو نحوه أما الآن فالرمي بالصواريخ عابرة القارات وبهذا يجب على المسلمين أن يكون لهم قوة من هذا النوع.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الحصر الإضافي، بمعنى: أن يذكر الكلام محصورًا بالنسبة لشيء معين، لقوله: "ألا إن القوة الرمي" فالرسول ﷺ حصرها بذلك، لكن هذا حصر إضافي، بمعنى: أن هناك قوة سوى هذا، لكن باعتبار الغاية المثلى إنما يكون بالرمي.
هل يستفاد من هذا الحديث طلب تعلم الرمي؟ نعم، لأنه إذا كان الله أمر بذلك وفسر النَّبيّ ﷺ القوة بالرمي فهذا يكون داخلًا في أمر الله حيث قال: ﴿وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوُّة﴾.
стр. 3003
في الحديث الَّذي قبله بل الَّذي قبل الَّذي قبله، هل يمكن أن نقيس على الخف الَّذي هو الإبل ما يشبهها من معدات الحرب اليوم؟ نعم، مثل الدبابات وشبهها، وهل نقيس على النصل ما يشبهه اليوم؟ نعم، وكذلك يقاس الحافز فما الَّذي يشبه الحافز؟ أظن الطائرات فهي أسبق ما يعدى به، في الوقت الحاضر توجد أشياء لم يذكرها المؤلف ﵀ مثل السباحة، فهى مما يسابق عليه بغير عوض، لأنها من الأعمال المباحة، لكنها لا تدخل في قول النَّبيّ ﷺ : "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر".
* * * *
стр. 3004
كتاب الأطعمة
الأطعمة: جمع طعام وهي ما يؤكل ويشرب.
فإن قال قائل: يؤكل واضح طعام, ولكن ما يشرب هل يسمى طعاما؟
الجواب: الذي يشرب يطعم فيكون طعاما من هذه الناحية لقوله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٩]. ولقوله ﵎: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا لنحي به بلدةً ميتًا ونسقيه مما خلقنا وأنعامًا وأناسي كثيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]. وهذا الماء النازل من السماء, لقول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" فالأصل هو الحل, وقد أنكر الله على من حرم ذلك بغير دليل فقال: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. وعليه فإذا اختلف اثنان في حل شيء مأكول فمن الذي يطالب بالدليل؟ الذي يمنع ويحرم, وكذلك يقال في المشروبات إذا تنازع اثنان في شراب فقال أحدهما: حلال, وقال الثاني حرام, فالذي يطالب بالدليل هو القائل بأنه حرام؛ إذن فالأصل الحل, وهل الأصل الطهارة؟ نعم, في كل شيء, وسنبين -إن شاء الله- الصول التي ينبني عليها التحريم فمنها ما كان ضارًا, لكن الضار ينقسم إلى قسمين: ضار لذاته وضار لعارضه, الضار لذاته مثل: السم هذا حرام؛ لأنه ضار قاتل, وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. والضار لعارض مثل الحلوى لمن أصيب بالسكر وكان يضره فإنه يحرم عليه أن يأكله وإن كان في الأصل حلالاً, بل قال شيخ الإسلام ﵀: أنه يحرم أن يأكل الإنسان شيئًا يتأذى به وإن لم يضره, يعني: يملأ بطنه من الطعام, ولاسيما إن كان مالحًا فحينئذ يحتاج إلى ماء, وإذا شرب ماء وقد ملأ بطنه من الطعام فإنه على خطر أن ينفجر أو على الأقل يتأذى, والعجيب أننا نأكل كثيرًا ثم نطلب مهضمات فلماذا تأكل كثيرًا؟ ! كل قليلاً وتسلم من أن تبذل دراهمك في مهضمات لكن طبيعة الإنسان هكذا, ولهذا كان دعاء النبي ﷺ لمعاوية
стр. 3005
﵁ أن يأكل بسبعة أمعاء ليس هذا للقدح فيه, بل هذا لأجل أن تطيب له الحياة؛ لأن معاوية صار ملكًا أو خليفة يؤتى إليه بكل شيء فإذا وسع الله بطنه وأكثر أكله صار هذا من جملة التنعيم في الدنيا إذن الضار سواء كان ضارًا بنفسه أو لعارض فإنه يكون حرامًا, النجس كل نجس حرام حتى لو تصور أحد أنه ليس بضار فإنه حرام؛ لأنه إذا كان يجب التخلي عن النجس ظاهرًا فالتخلي عنه باطنًا من باب أولى. فإن قال قائل: ألا نقول له: كل هذا النجس واغسل فمك ويديك إن تلوثت به؟ نقول: لا؛ لأن الله تعالى لم يجعله نجسًا يجب التحرز منه إلا لضرر فيه لكن الضرر قد يحصل, وقد يكون الضرر بطيئًا لا تظهر أعراضه إلا بعد حين, الحيوان الأصل فيه الحل؛ لأنه مما خلف الله لنا في الأرض لكن قد يحرم لسبب منها ما ذكره هنا, قال:
تحريم كل ذي ناب من السباع:
١٢٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل ذي ناب من السباع فأكله حرام". رواه مسلم. فقيد النبي ﷺ التحريم بقيدين: الأول: أن يكون من السباع, والثاني: أن يكون له ناب, والمراد بالناب: الناب الذي يفترس به مثل الكلب والذئب والأسد والنمر, هذه كلها حرام؛ لأن لها نابًا تفترس به, وقول الرسول ﷺ : "فأكله حرام" ولم يقل: فهو حرام؛ لأن من هذه الأشياء ما يجوز الانتفاع به بما سوى الأكل, هذه قاعدة كل ذي ناب من السباع فهو حرام, فإن كان من غير السباع فإنه لا يحرم, وكذلك لو كان من السباع لكن ليس له ناب يفترس به فإنه لا يحرم, وبناء على ذلك نقول: الضبع هل حرام أم حلال؟ حلال؛ لأنها ليست لها ناب تفترس به ولا تفترس إلا عند الضرورة القصوى, ما هي الحكمة من التحريم؟ الحكمة: أن الإنسان إذا تعدى بهذا النوع من الطعام فإنه يكتسب طبيعة منه فيكون محبًا للعدوان على الغير فلذلك منع, ولهذا قال العلماء في الرضاع لا ينبغي أن تسترضع امرأة حمقاء أو سيئة الخلق؛ لأن ذلك يؤثر في الرضيع, كذلك أيضًا الإنسان إذا أكل من هذه السباع فإن ذلك يؤثر في طباعه.
تحريم كل ذي مخلب من الطير:
- وأخرجه: من حديث ابن عباس ﵁ بلفظ: "نهى", وزاد: "وكل ذي مخلب من الطير". "وأخرجه" أي: مسلم, بلفظ "نهى", وأيهما أقوى في التحريم؟ الأول؛ لأنه قال: فأكله
стр. 3006
حرام" وزاد: "وكل ذي مخلب من الطير", يعني: ونهى عن كل ذي مخلب من الطير, فكل ذي مخلب من الطير فإنه حرام, والمراد بالمخلب: المخلب الذي يصيد به, وأما ما لا يصيد به فلا بأس, والمخلب هنا هو الظفر؛ لأنه مأخوذ من الخلب وهو الإمساك والجذب وليس المخلب ما يظهر في ساق الديكة إذا تقدم بها السن, الظفر مخلب لكن إذا كان يصيد به فهو حرام مثل الصقر والبازي والنسر وغير ذلك, وأما ما ذهب إليه بعض العامة من أن كل ذي منقار معقوق فهو حرام هذا ليس بصحيح وليست قاعدة شرعية, وما رأيت هذا في كتب الفقهاء, قد يكون الشيء مباحًا منقاره معقوق أو حرامًا ومنقاره مستقيم, المدار على ما بينه الرسول ﷺ كل ذي مخلب من الطير إذا كان له مخلب لا يصيد به فهو حلال, ولهذا الحمام لها مخلب والدجاج لها مخلب وأكثر الطيور لها مخلب لكن لا يصيد به فلذلك كان حلالاً, وإذا شككنا فيه فالأصل الحل.
حكم أكل الحمر الأهلية والخيل:
١٢٧٠ - وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية, وأذن في لحوم الخيل". متفق عليه, وفي لفظ البخاري: "ورخص". وقوله: "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية", هذا الثالث مما يحرم من الحيوان, الحمر جمع حمار, والحمر بسكون الميم جمع أحمر وحمراء, ويخطئ بعض الناس في هاتين الكلمتين فتجده يقول في قوله ﷺ : "خير لك من حمر النعم", يقول: حمر -بضم الميم- وهذا غلط. إذن الحمر جمع حمراء وأحمر, والحمر جمع حمار. وقوله: "الأهلية" وصف مقيد يخرج به الحمر الوحشية التي لا تالف الناس وليست أهلية وهي ما يوجد في البراري. وقوله: "يوم خيبر", يعني: يوم فتح خيبر, وذلك في السنة السادسة من الهجرة, فإن الناس كانوا في مجاعة وخرجت الحمير فأخذوها وذبحوها وطبخوها حتى كانت القدور تغلي فأمر النبي ﷺ بإراقتها ونهى عن أكلها, وإذن في لحوم الخيل. وفي لفظ: "رخص" وهي بمعنى: أذن, فهنا منع وترخيص, المنع في لحوم الحمر, والترخيص في الخيل, وهي معروفة فأذن فيها ﷺ -فهاتان قاعدتان-, أما الأولى وهي قاعدة تحريم لحوم الحمر الأهلية فهي مستثناة من الحل, وأما الإذن في لحوم الخيل فهل نقول: إنها مستثناة من التحريم, أو نقول: إنها على الأصل؟ الصحيح أنها على الأصل؛ لأنه لم يسبق أن
стр. 3007
منعت, وأما لفظ: "رخص" فهو في مقابل "نهى", وليس المعنى أنه كان محرمًا ثم رخص فيه, لا هو من أصل حلال, أما لحوم الحمر الأهلية فالظاهر أن الإجماع انعقد عليها وأنها حرام, وكانفيها خلاف عن بعض السلف في جواز أكلها مطلقًا, أو في جواز أكلها عند الحاجة, أو في جواز أكلها إذا كثرت, ولم نحتج إلى ظهرها, والصحيح أنها حرام مطلقًا؛ لأن الأدلة عامة, لكن من المعلوم أن الحرام إذا اضطر إليه صار حلالاً حتى الخنزير وهو أخبث من الحمير إذا اضطر إليه الإنسان أكله, أما لحوم الخيل فالصحيح الذي عليه الجمهور أن لحمها حلال؛ لأن النبي ﷺ أذن فيها, وقالت أسماء: نحرنا فرسًا في عهد النبي ﷺ ونحن في المدينة فأكلناه, ففيه السنة القولية والسنة الإقرارية أنه اقر أكل لحوم الخيل, وهذا هو الذي عليه الجمهور -جمهور العلماء- أن لحم الخيل حلال, وذهب بعض العلماء إلى أن لحم الخيل حرام, واستدلوا بدلالة ضعيفة وهي قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]. بعد قوله: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم﴾ [النحل: ٥ - ٧]. فقالوا: إن الله قسم هذه الحيوانات إلى قسمين: قسم لنا فيه دفء ومنافع وحمل أثقال وأكل, وقسم آخر الخيل والبغال والحمير لشيئين فقط هما: الركوب والزينة, فدل ذلك على التحريم, ولكن هذا الاستدلال بعيد من وجهين:
الأول: أنه مخالف للنصوص الدالة على الحل.
ثانيًا: أن الآية في سورة النحل مكية والإذن في لحوم الخيل في المدينة, فعلى فرض أن الآية تدل على ذلك فيكون نسخ التحريم. اهـ
ثالثًا: أن الذين يستدلون بذلك - أي: بالآية - على تحريم لحوم الخيل إنما استدلالهم مبني على دلالة الاقتران وهي ضعيفة؛ لأن الشيئين قد يشتركان في أمر ويختلفان في أمر آخر أو أمور, فليست دلالة الاقتران ملزمة لكون القرين مساويًا لقرينه في كل شيء.
رابعًا: أنهم لا يقولون بمقتضى الآية؛ لأننا لو قلنا بأن الله قسم الحيوانات إلى قسمين ما يحمل الأثقال وما يركب وما يؤكل, قلنا: إذن لا نحمل الثقال على البغال ولا على الحمير؛ لأن الله تعالى لم يذكر من منافعها إلا الركوب والزينة, وعلى هذا فالآية لا دلالة فيها, وعلى أعلى تقدير أنها تدل على تحريم الخيل, فإننا نقول: إن ما جاء في حل الخيل متأخر ويكون ناسخًا لما تقتضيه الآية في التحريم.
стр. 3008
وقوله: "في لحوم الخيل" يشمل جميع أجزائه, وما اشتهر عن العوام أنه مقدمها حرام؛ لأنه يتقى به سهام المشركين في القتال فيكون محرمًا لاحترامه بخلاف عجزها ومؤخرها فإنه لا يكون إلا عند الإدبار فلا حرمة له فهذا حكم باطل وتعليل عليل وليس في الشريعة الإسلامية ما تختلف أجزاؤه أبدًا حلة وحرمة, نجاسة وطهارة, إيجابًا ومنعًا أبدًا, وانتبهوا لهذه القاعدة المفيدة في الشريعة الإسلامية حرم الله على الذين هادوا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرم عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم, لكن الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يوجد فيها حيوان واحد تختلف أجزاؤه, وعلى هذه القاعدة يتبين أن القول الراجح في لحم الإبل أن جميع أجزاء البعير تنقض الوضوء خلافًا لمن قال: إن الكبد والكرش والمصران والرئة لا ينقض الوضوء نقول: كلها تنقض الوضوء؛ لإذن حكم العوام باطل.
حكم أكل الجراد:
١٢٧١ - وعن ابن أبي أوفى ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات, نأكل الجراد". متفق عليه. "الغزوة والغزو": مجاهدة العدو ومقاتلته, والنبي ﷺ غزا غزوات كثيرة تبلغ نيفًا وعشرين غزاة وباشر أكثرها بنفسه ﷺ , ومنها: هذا الحديث: "سبع غزوات". يقول عبد الله بن أبي أوفى: "نأكل الجراد", قوله: "نأكل" هذه الجملة حالية من فاعل "غزونا", يعني: كوننا نأكل الجراد, والجراد معروف هو طائر ذو مخالب في رجليه, ولا حاجة إلى أن نصفه, الجراد إذن معروف. فيستفاد من الحديث أولاً: أن النبي ﷺ جاهد بيده ولسانه وبدنه وقبله أيضًا فإنه يحزن إذا لم يؤمن الناس وهذا جهاد بالقلب, وجاهد بيده وبلسانه في بيان الحق لقوله: "غزونا مع رسول الله".
ومن فوائد الحديث: حل أكل الجراد لقوله: "نأكل الجراد".
فإن قال قائل: لو لم يأت هذا الحديث أتحكمون بحل الجراد أو بتحريمه؟ بحله لأنه الأصل, لكن إذا جاءت هذه الأمثلة تكون كمثال للأصل, وقوله: "نأكل الجراد" لم يشترط شرطًا أن تكون حية, والجراد قد يوجد حيًا وهو الأكثر وقد يوجد ميتًا فهل نأخذ بالعموم, أو نقول إن هذا فعل, والفعل المطلق لا يدل على العموم؟ نقول: يمكن أن نأخذ بالعموم لا على وجه الصيغة الفعلية؛ ولكن لأنه في حديث عبد الله ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أحل لنا ميتتان ودمان, فأما الميتتان فالجراد والحوت, وأما الدمان
стр. 3009
فالطحال والكبد, وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا مرفوعًا لكنه صحيح موقوفًا؛ لأن قوله: "أحل لنا" في حكم المرفوع, وعلى هذا فالجراد حلال حيه وميتته, وقيل: إن مات بسبب من الآدمي فهو حلال؛ وإن مات بغير سبب فهو حرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]. والصحيح الأول أنه حلال سواء مات بسبب من الإنسان أو مات بغير سبب لعموم حديث عبد الله بن عمر؛ ولأنه ليس فيه دم, وإذا لم يكن فيه دم فإنه لا يكون خبيثًا بالموت فيحل, والمحرم بالموت هو الذي فيه دم؛ لأنه يكون خبيثًا باحتقان الدم فيه, وأما ما لا دم فيه فهو حلال. فإن قال قائل: أرأيتم لو مات بمبيدات هل يحل؟ يأخذ حكم المباح أن كل مباح ترتب عليه ضرر فهو حرام؛ لأننا نقول: المباح هو مباح في أصله, لكن قد تجري فيه الأحكام الخمسة.
حكم أكل الأرنب:
١٢٧٢ - وعن أنس ﵁ في قصة الأرنب قال: "فذبحها, فبعث بوركها إلى رسول الله ﷺ فقبله". متفق عليه. الأرنب معروف, وهذه القصة: أنهم أمسكوا أرنبا في مر الظهران فهربت منهم فلحقها القوم فتعبوا إلا أنس بن مالك ﵁ أدركها ثم ذبحها وجاء بوركها إلى النبي ﷺ , الورك كم بالكيلو؟ صغير جدا جاء به إلى رسول الله ﷺ فقبله, وفي رواية: "وأكله", وهذه الرواية كالتبيين فقط, وإلا فإنه لم يقبله إلا ليأكله ما قبله ليرمي به. فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولاً: جواز تهييج الأرنب من جحرها من أجل اصطيادها؛ لأنها مما خلق لنا, فإذا كانت مما خلق لنا فأي وسيلة نسلكها للحصول على ما أحل الله لنا فهي جائزة, نعم لو كانت ذات عيال ربما يقول قائل: إنه لا يمكن أن تصاد وحدها حتى يصاد معها أولادها لئلا يتعذب الأولاد بفقد الأم. ومن فوائد الحديث: قوة الصحابة ﵃ وشدتهم؛ لأنهم لحقوها, وأين الواحد منكم يلحق الأرنب؟ لا أحد, ومن وجه آخر أنهم أمسكوها, ومعروف أنها إذا أمسكت لا تسكت لابد من أن تدافع عن نفسها بأظفارها وربما بأسنانها, ولكن لقوتها عرفوا كيف يصيدونها.
ومن فوائد الحديث: تواضع سيد المرسلين محمد ﷺ وجه التواضع: أن أصحابه أقدموا على أن يقدموا إليه ورك أرنب, وأظن أن لو قدم لكم ورك الأرنب لأكلتموه لكن ترون أن هذا
стр. 3010
الرجل الذي أهدى لكم ورك أرنب أنه يحتقرك لكن النبي ﷺ يقول: "لو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت"؛ لأنه ﷺ غاية المتواضعين.
ومن فوائد الحديث: جواز الإهداء إلى الفقراء, ولا يقال: يخشى أن يكون المهدي ممن من ليستكثر, والله تعالى قال لرسوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر: ٦]. يعني: لا تمن على أحد ليعطيك أكثر مما مننت به, لكن الإنسان هو ونيته وإذا أهديت إلى الأكابر كالملوك والرؤساء والوزراء والأمراء والعلماء حتى وإن ظننت أنهم سيردون هديتك بأكثر ما دمت لست مستشرفًا فلا بأس بذلك.
ومن فوائد الحديث: ما ساق المؤلف الحديث من أجله وهو الأرنب, أرأيتم لو لم يأت نص بحلها فما هو حكمها؟ حلال على الأصل.
حكم النملة والنحلة والهدهد والصرد:
١٢٧٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة, والنحلة, والهدهد, والصرد. رواه أحمد, وأبو داود, وصححه ابن حبان. "نهى عن قتل أربع". والنهي عن قتل أربع لا يعني أن النهي مقصور عليها, بل قد يكون هناك أشياء منهي عنها كما يوجد هذا في كثير من السنة مثل: "سبعة يظلهم الله في ظله", وقد وردت أحاديث صحيحة أن الله يظل غيرهم, "ثلاثة لا يكلمهم الله", وقد ورد غيرهم.
فالحاصل: أن مثل هذا الحصر يأتي به النبي ﷺ لمناسبة المقام, ولا يعني ذلك أن الحصر ينفي ما سواه؛ ولهذا قال الأصوليون: إن أضعف المفاهيم مفهوم العدد, حتى إن بعضهم قال: إنه لا مفهوم للعدد إطلاقًا, فإذا قال مثلاً: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا" لا نقول: إن هذا حصر, قد يكون هناك أشياء أخرى من النفاق إلا إذا وجد قرينة تدل على الحصر فإن العدد يكون دالاً على الحصر, مثاله: حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ قال: "أربع وأشار بأصابعه", فهذا يدل على الحصر؛ لأن السؤال يقتضي ذلك, والجواب مركب على السؤال, أما إذا جاء عدد بدون قرينة تدل على الحصر فإنه لا يستلزم الحصر. إذن نهى عن قتل أربع من الدواب, وهل النهي هنا للكراهية أو التحريم؟ الأصل للتحريم, وقال بعض العلماء: إنه للكراهية, لكن ما جوابنا يوم القيامة إذا قتلنا هذه الأربع من الدواب,
стр. 3011
وقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن ذلك؟ نقول: ينهى عن هذا نهي تحريم, وما هو النهي؟ النهي في تعريفه عند البلاغيين والأصوليين هو طالب الكف على وجه الاستعلاء أي: أن الطالب يشعر بأنه عال على المطلوب لأنه لو نهى وهو يعتقد أنه دون المطلوب لكان هذا من باب الدعاء, ولو نهى وهو يعتقد أنه مثله لكان هذا من باب الالتماس, لكن لابد أن يشعر الناهي بأنه أعلى حتى يتوجه الأمر بالكف. يقول: "نهى عن قتل أربع من الدواب": "النملة" معروفة, وظاهر الحديث أنه يشمل الصغار منها والكبار, فالذر من النمل, ما هو أكبر هو أيضًا من النمل, نهى عن قتله احترامًا لها أو استقباحًا لها؟ الأول, احترامًا لها, وذلك جزاء لما قامت به حين مر سليمان بقرية النمل: ﴿قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهو لا يشعرون﴾ [النمل: ١٨]. تضمنت هذه الجملة إرشادًا وتوجيهًا وتعليلاً للحكم واعتذارًا مما يقع وهي نملة كلام بليغ أولاً: ﴿يأيها النمل﴾ دعتهم بنداء حتى ينتبهوا لما تقول, ﴿ادخلوا مساكنكم﴾ هذا إرشاد وتوجيه أن يدخلوا الملاجئ؛ لأن الناس عندما تقوم الحرب لابد أن يدخلوا الملاجئ إذا لم يكن عندهم ما يقاوموا به, العلة: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ , معلوم إذا مرت الخيول والإبل على النمل ستحطمهم, ثم قالت: ﴿لا يحطمنكم﴾ ولم تقل: لا يطأنكم, ليكون هذا أبلغ في التنفير, ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا اعتذار, هذه النملة صارت بركة على النمل, أكرم النمل من أجلها, فنهى عن قتلها, فلا تقتل النملة لا في حرم ولا في حل ولا في إحرام ولا في إحلال.
الثاني: "النحلة" نهى عن قتلها؛ لأن قتلها إضاعة مال وحرمان خير كثير, غذ أن النحلة يكون منها العسل الذي فيه شفاء للناس, فإذا قتلت واحدة ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا فإن ذلك سبب لضياع ما ينتج منها من هذا العسل المبارك.
"الهدهد" معروف, هذا الهدهد نهى عن قتله احترامًا له؛ وذلك لقصته مع سليمان فإن سليمان حشر له جنوده من الجن والإنس والطير لأنه -علية الصلاة والسلام- كان ملكًا, وكان منظمًا لملكه, تفقد الطير ففقد الهدهد, ومع ذلك لم يحكم عليه بأنه غائب قال: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل: ٢٠] يعني: بل أكان من الغائبين, وهذا واقع, أنت إذا تفقدت جنودك أو أولادك ولم تقع عينك على أحد منهم لا تحكم بأنه غائب ربما أن بصرك صرف عنه, ثم توعده قال: ﴿لعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه﴾ [النمل: ٢١]. إعدام بالكلية, ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ [النمل: ٢١]. يعني: إما عذاب, وهذا العذاب حد أو تعزير؟ تعزير, ﴿أو لأذبحنه﴾ إعدام, ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ , يعني: بحجة قوية تكون عذرًا له؛ ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢٢]. فقال الهدهد حين جاء بخبر لا يحيط به سليمان قال
стр. 3012
كلمة الطير الواثق بنفسه: ﴿فقال أحطت بما لم تحط به﴾ , يعني: نتعجب كيف يقول الهدهد لسليمان هذا الكلام, فجعل نفسه في هذه القضية أعلى من سليمان, ﴿فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ [النمل: ٢٢]. ليس فيه شك ﴿إني وجدت امرأة تملكهم ... الخ القصة﴾ [النمل: ٢٣]. فمن أجل أنه كان سببًا في إسلام أمة كان بركة على جنسه من الطيور وهو الهدهد, فقد نهى النبي ﷺ عن قتله. بقينا في الرابع وهو: "الصرد" وهو طائر معروف, ويمكن أن ترجعوا إلى المنجد المصور حتى تعرفوه بصورته, وهو طائر أكبر من العصفور قليلاً له منقار أحمر, لكن أهل الطيور اختلفوا عندي فيه, ولكن نرجع إلى كتب اللغة, هذا الأخير المجهول الحال هو مجهول العلة أيضاً لا ندري ما السبب, وليس لنا إلا أن نقول: نهى النبي ﷺ عن قتله وكفى, هذه أربع من الدواب نهى النبي ﷺ عن قتلها, والنهي عن قتلها يتضمن النهي عن أكلها؛ لأنها لم تؤكل إلا بعد أن تذبح أو تقتل فيكون النهي عن القتل مستلزمًا للنهي عن الأكل, والنتيجة أنها تكون حرامًا, ولهذا يمكن أن نكون قاعدة فنقول: كل ما أمر الشرع بقتله فهو حرام, وكل ما نهى عن قتله فهو حرام, ووجه ذلك أنه أمر بقتل الفواسق مثل الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب والعقور أمر بقتلها لفسقها وإذا كانت فاسقة فإنه ربما يتأثر المتغذي بها ويأخذ من فسقها وعدوانها, أما ما نهى عن قتله فظاهر أنه حرام؛ لأنه لا يمكن أكله إلا بقتله فلهذا نأخذ قاعدتين:
الأولى: كل ما أمر الشارع بقتله من الحيوان فهو حرام, وكل ما نهى عن قتله فهو حرام, وحينئذ أيضًا نرجع إلى مسألة جواز قتل الحيوانات هل يجوز أن نقتل الحيوانات كلها أو لا؟ نقول: أما ما كان مباحًا فقتلها حرام؛ لأنني لم اقل: تذكيته, يعني: لو خنقت شاة هذا قتل فهو حرام؛ إذن ما أحله الله فهو حلال بتذكيته, وما أمر بقتله من المحرمات فقتله مشروع إما وجوبًا أو استحبابًا, وما نهى عن قتله من المحرمات فقتله حرام أو مكروه على حسب اختلاف العلماء في هذا, وما سكت عنه ما هو الأصل؟ الحل, معناه: أن كل الصوارير التي عندك في البيت اقتلها وكل الضباب اقتلها, يعني: الذي لا يخوف الصبيان ولا يوقظ من النوم ولا يفسد الطعام ولا يفسد البيت, فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز قتله, وإن كان مما سكت عنه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. ويقول: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأنت الآن قطعت رزقها وقطعت تسبيحها لله فلا يحل ذلك, وقال بعض أهل العلم: بل يكره ولا يحرم؛ لأن الإنسان إذا قتل هذه الحشرات تعودت نفسه على انتهاك ذوات الرواح وصار فيه شيء من العدوان, وهذا أقل أحواله أن يكون مكروهًا؛ وهناك قول ثالث, وهو: أنه حلال؛ لأنه مما سكت عنه, وقد قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وأقرب الأقوال عندي أنه مكروه إلا لسبب إذا كان هناك سبب فلا بأس.
стр. 3013
بقينا فيما نهى عن قتله إذا آذى فكانت تحفر تحت البلاط ويبقى البلاط في الهواء ويخرب هل تقتل؟ تقتل, لكن إن اندفعت بغير القتل فافعل وإن لم تندفع إلا بالقتل فاقتلها لأنه إذا كان المؤذي من بني آدم لا يندفع أذاه إلا بالقتل يجوز قتله فالنمل من باب أولى, لكن قد تندفع بغير القتل, فمن ذلك أن بعض الناس يحفظ قراءة للنمل يجلس على كرسي بين النمل الكثير ثم يقرأ آيات, فإذا هي ترحل فإذا وجد هذا الرجل قلنا تعال عندنا نمل آذانا, ووجدنا أيضًا مما يخفف من ضررها أو يصرفها أن تصب على جحرها جاز, وهذا شيء جربناه, على كل حال هي: إذا آذاك فلك قتلها إذا لم تندفع إلا بالقتل؛ لأن كل مؤذ يجوز قتله على العموم, وقد ذكر شيخ الإسلام قصة أظن ذكرتها لكم, يقول ابن القيم ﵀ في كتابه "مفتاح دار السعادة": إنه حكي لشيخه ابن تيمية ﵀ قصة رجل وجد ذرة فوضع أمامها طعمًا, فجاءت هذه الذرة تجره فعجزت, فذهبت إلى صاحبتها في البيت ودعتهم: هلموا إلى الطعام, فلما أقبلوا نزع هذا الطعم بحثوا لم يجدوا شيئًا, والنملة التي ندبتهم لما انصرف قومها بقيت لعلها تجد شيئًا فوضع الطعم مرة ثانية فجاءت إليه وتيقنت أنه موجود, ولكن عجزت أن تحمله فذهبت إلى قومها ودعتهم: فلما أقبلوا المرة الثالثة نزعه, فلما جاءوا فلم يجدوه يقول: اجتمع النمل عليها فأكلوها قتلوها وهذا أولاً- كيف لم يقتلوها أول مرة وإنما قتلوها بعد الثالثة؟ كأن الحيوان مفطور على أن التكرار ثلاثًا يغني عما زاد عنه, وثانيًا: ولا ينقص عن التكرار, فقال شيخ الإسلام: هذا صحيح؛ لأن كل شيء مفطور على كراهية الكذب وعقوبة الظالم, فهذه كذبت عليهم باعتبار ما ظنوا, وإلا فالمسكينة لم تجد الطعم, النهاية على كل حال نقول: إن النمل منهي عن قتله, لكن إن لم يندفع أذاه إلا بقتله فلا بأس, وكذلك البقية: النحلة والهدهد والصرد.
حكم أكل الضبع:
١٢٧٤ - وعن ابن أبي عمار ﵁ قال: "قلت لجابر: الضبع صيد هو؟ قال: نعم. قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. رواه أحمد والأربعة, وصححه البخاري, وابن حبان. قال: "قلت لجابر", أولاً: ابن أبي عمار من التابعين؛ لأنه أدرك الصحابة, "الضبع صيد
стр. 3014
هو", هذه الجملة استفهامية أم خبرية؟ استفهامية, يعني: الضبع صيد أو لا؟ وإنما قال: أصيد هي؛ لأن الضبع معروف أنها ليست من الحيوان الإنسي بل من الحيوان الوحشي وكل حيوان وحشي فإنه صيد إذا كان حلالاً, قال: "نعم" هي صيد, قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" أي: صيد, ولهذا وجب في صيدها على المحرم شاة ولو كانت غير حلال لم يجئ فيها شيء؛ لأن غير الحلال لا قيمة له.
فيستفاد من هذا الحديث: أن عمل السلف ﵏ هو التساؤل عن الأحكام الشرعية الأفعال والأعيان, وهذا أمر لا تكاد أدلته تحصر, قال ابن مسعود: سألت النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها", والأمثلة على هذا كثيرة, هذا سؤال عن الأعمال, وهنا سؤال ابن أبي عمار عن الأعيان, سأل جابرًا الضبع صيد أم لا؟ وهكذا ينبغي للناس أن يكون همهم البحث في معرفة حدود الله تعالى وأحكامه حتى يحلوا العلم, ومعلوم أن المباحثة والمناقشة إذا كانت بنية صالحة أن الناس يوفقون فيها للحق, وأما المناقشة والمجادلة من أجل انتصار الإنسان لنفسه فالغالب أن يحرم الوصول إلى الخير.
ومن فوائد الحديث: أن "نعم" صريحة في الجواب, وقد قيل: إن الجواب بالحروف على نية إعادة الجملة التي وقع الاستفهام بها, يعني: إعادة الجملة التي هي صيغة الاستفهام, وعلى هذا فقوله: "نعم"؛ أي: ي صيد, وهل صيد, وهل تثبت بها الحقوق فيما لو قيل لشخص: أعليك لزيد ألف درهم فقال: نعم؟ نعم تثبت بها الحقوق, ولو قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم طلقت؛ لأن المعنى: نعم طلقتها.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يسأل العالم الذي هو أعلم منه عن الدليل؛ لأن النبي ﷺ إذا قاله كفى.
ومن فوائد الحديث: ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن الضبع حلال, وهي حيوان معروف يشبه الذئب, واختلف العلماء لما كانت حلالاً هل هي مستثناة من كل ذي ناب من السباع أو أنها ليس لها ناب تفترس به, فمنهم من قال: إنها ليس لها ناب تفترس به, وأنه ليس من عادتها افتراس الحيوان إلا عند الضرورة, ومنهم من قال: إنها مفترسة, والله تعالى في الاستثناء من أحكامه ما يشاء, فعلى القول الأول قد يحصل فيه إشكال؛ لأنه ثبت بأن الضبع تأكل الإنسان, وعلى الثاني لا إشكال فيه, والذي للإنسان عند المناظرة والمجادلة أن يسلك ما لا إشكال فيه حتى يقطع النزاع, ويكفي المؤمن أن يقال له: هذا قول الله ورسوله,
стр. 3015
ويدل لهذا أن الإنسان ينبغي له عند المناظر أن يتبع ما تنقطع به المجادلة أن إبراهيم ﵊ لما حاجه في ربه من حاجه قال إبراهيم: ﴿ربي الذي يوحي ويميت قال أنا أحي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]. لو قال إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ لصار يلتوي في جوابه ويحتاج إلى عناء في رده لكن إبراهيم عدل عن هذا إلى شيء لا يمكن العدول عنه, فقال إبراهيم: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وحينئذ انقطع ما يمكن أن يجادل, ولهذا قال الله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فأنت إذا خفت من صاحبك الجدل لأن بعض الناس يجادل, بل الإنسان أكثر شيء جدلاً, ما يوجد في الحيوانات مثل الإنسان في المجادلة, هو أكثر شيء جدلاً, فتعمد إلى الأمر الذي تقضي عليه فيه بحيث لا يستطيع الحراك, فهنا جابر ﵁ قال: قاله رسول الله ﷺ , وحينئذ نقول: إن هذا مستثنى من قوله: "نهى عن كل ذي ناب من السباع".
حكم أكل القنفذ:
١٢٧٥ - وعن ابن عمر ﵄, أنه سئل عن القنفذ, فقال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: "ذكر عند النبي ﷺ فقال: إنها خبيثة من الخبائث. فقال ابن عمر: إن كان رسول الله ﷺ قال هذا فهو كما قال". أخرجه أحمد, وأب داود, وإسناده ضعيف.
القنفذ: حيوان معروف, صغير يشبه الفأرة, وقد أعطاه الله ثوب جلد من الشوك شوك شديد إذا أصابك يخرق جلدك ما دام مطمئنًا تجده يمشي على أرجله, وتجد طرف رأسه قد خرج يأكل من الأرض؛ فإذا أحس بأحد انطوى حتى يكون كالكرة تمامًا لا تجده؛ أي: منفذ كرة كاملة, لكنها كرة شوكية لا أحد يستطيع مسه يحتمي بذلك, وهذا من هداية الله له, يقولون: إنه يأكل الحية يمسكها من ذيلها. وهي 'ذا جاءت تلدغه وجدت شوكًا فلا تستطيع, لكن الحدية تغلب هذا القنفذ تأتي عليه, فإذا انطوى على نفسه أمسكت بذقنها إحدى الشوك وحملته إلى الجو ثم أطلقته, وصل الأرض وإذا هو قد داخ ما يستطيع أن يدافع أن ينطوي على نفسه فتمسكه فتأكله. فهذا القنفذ يقول: سئل ابن عمر هل هو حلال أو حرام؟ فاستدل بآية فقال: ﴿قل لا أجد ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الآية ﴿إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. أربعة أمر الله نبيه أن يقول هذا, والآية في سورة الأنعام وهي مكية, أولاً:
следующие страницы →