Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن ذلك؟ نقول: ينهى عن هذا نهي تحريم, وما هو النهي؟ النهي في تعريفه عند البلاغيين والأصوليين هو طالب الكف على وجه الاستعلاء أي: أن الطالب يشعر بأنه عال على المطلوب لأنه لو نهى وهو يعتقد أنه دون المطلوب لكان هذا من باب الدعاء, ولو نهى وهو يعتقد أنه مثله لكان هذا من باب الالتماس, لكن لابد أن يشعر الناهي بأنه أعلى حتى يتوجه الأمر بالكف. يقول: "نهى عن قتل أربع من الدواب": "النملة" معروفة, وظاهر الحديث أنه يشمل الصغار منها والكبار, فالذر من النمل, ما هو أكبر هو أيضًا من النمل, نهى عن قتله احترامًا لها أو استقباحًا لها؟ الأول, احترامًا لها, وذلك جزاء لما قامت به حين مر سليمان بقرية النمل: ﴿قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهو لا يشعرون﴾ [النمل: ١٨]. تضمنت هذه الجملة إرشادًا وتوجيهًا وتعليلاً للحكم واعتذارًا مما يقع وهي نملة كلام بليغ أولاً: ﴿يأيها النمل﴾ دعتهم بنداء حتى ينتبهوا لما تقول, ﴿ادخلوا مساكنكم﴾ هذا إرشاد وتوجيه أن يدخلوا الملاجئ؛ لأن الناس عندما تقوم الحرب لابد أن يدخلوا الملاجئ إذا لم يكن عندهم ما يقاوموا به, العلة: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾ , معلوم إذا مرت الخيول والإبل على النمل ستحطمهم, ثم قالت: ﴿لا يحطمنكم﴾ ولم تقل: لا يطأنكم, ليكون هذا أبلغ في التنفير, ﴿وهم لا يشعرون﴾ هذا اعتذار, هذه النملة صارت بركة على النمل, أكرم النمل من أجلها, فنهى عن قتلها, فلا تقتل النملة لا في حرم ولا في حل ولا في إحرام ولا في إحلال.
الثاني: "النحلة" نهى عن قتلها؛ لأن قتلها إضاعة مال وحرمان خير كثير, غذ أن النحلة يكون منها العسل الذي فيه شفاء للناس, فإذا قتلت واحدة ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا فإن ذلك سبب لضياع ما ينتج منها من هذا العسل المبارك.
"الهدهد" معروف, هذا الهدهد نهى عن قتله احترامًا له؛ وذلك لقصته مع سليمان فإن سليمان حشر له جنوده من الجن والإنس والطير لأنه -علية الصلاة والسلام- كان ملكًا, وكان منظمًا لملكه, تفقد الطير ففقد الهدهد, ومع ذلك لم يحكم عليه بأنه غائب قال: ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل: ٢٠] يعني: بل أكان من الغائبين, وهذا واقع, أنت إذا تفقدت جنودك أو أولادك ولم تقع عينك على أحد منهم لا تحكم بأنه غائب ربما أن بصرك صرف عنه, ثم توعده قال: ﴿لعذبنه عذابًا شديدًا أو لأذبحنه﴾ [النمل: ٢١]. إعدام بالكلية, ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ [النمل: ٢١]. يعني: إما عذاب, وهذا العذاب حد أو تعزير؟ تعزير, ﴿أو لأذبحنه﴾ إعدام, ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ , يعني: بحجة قوية تكون عذرًا له؛ ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢٢]. فقال الهدهد حين جاء بخبر لا يحيط به سليمان قال
стр. 3012
كلمة الطير الواثق بنفسه: ﴿فقال أحطت بما لم تحط به﴾ , يعني: نتعجب كيف يقول الهدهد لسليمان هذا الكلام, فجعل نفسه في هذه القضية أعلى من سليمان, ﴿فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ [النمل: ٢٢]. ليس فيه شك ﴿إني وجدت امرأة تملكهم ... الخ القصة﴾ [النمل: ٢٣]. فمن أجل أنه كان سببًا في إسلام أمة كان بركة على جنسه من الطيور وهو الهدهد, فقد نهى النبي ﷺ عن قتله. بقينا في الرابع وهو: "الصرد" وهو طائر معروف, ويمكن أن ترجعوا إلى المنجد المصور حتى تعرفوه بصورته, وهو طائر أكبر من العصفور قليلاً له منقار أحمر, لكن أهل الطيور اختلفوا عندي فيه, ولكن نرجع إلى كتب اللغة, هذا الأخير المجهول الحال هو مجهول العلة أيضاً لا ندري ما السبب, وليس لنا إلا أن نقول: نهى النبي ﷺ عن قتله وكفى, هذه أربع من الدواب نهى النبي ﷺ عن قتلها, والنهي عن قتلها يتضمن النهي عن أكلها؛ لأنها لم تؤكل إلا بعد أن تذبح أو تقتل فيكون النهي عن القتل مستلزمًا للنهي عن الأكل, والنتيجة أنها تكون حرامًا, ولهذا يمكن أن نكون قاعدة فنقول: كل ما أمر الشرع بقتله فهو حرام, وكل ما نهى عن قتله فهو حرام, ووجه ذلك أنه أمر بقتل الفواسق مثل الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب والعقور أمر بقتلها لفسقها وإذا كانت فاسقة فإنه ربما يتأثر المتغذي بها ويأخذ من فسقها وعدوانها, أما ما نهى عن قتله فظاهر أنه حرام؛ لأنه لا يمكن أكله إلا بقتله فلهذا نأخذ قاعدتين:
الأولى: كل ما أمر الشارع بقتله من الحيوان فهو حرام, وكل ما نهى عن قتله فهو حرام, وحينئذ أيضًا نرجع إلى مسألة جواز قتل الحيوانات هل يجوز أن نقتل الحيوانات كلها أو لا؟ نقول: أما ما كان مباحًا فقتلها حرام؛ لأنني لم اقل: تذكيته, يعني: لو خنقت شاة هذا قتل فهو حرام؛ إذن ما أحله الله فهو حلال بتذكيته, وما أمر بقتله من المحرمات فقتله مشروع إما وجوبًا أو استحبابًا, وما نهى عن قتله من المحرمات فقتله حرام أو مكروه على حسب اختلاف العلماء في هذا, وما سكت عنه ما هو الأصل؟ الحل, معناه: أن كل الصوارير التي عندك في البيت اقتلها وكل الضباب اقتلها, يعني: الذي لا يخوف الصبيان ولا يوقظ من النوم ولا يفسد الطعام ولا يفسد البيت, فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز قتله, وإن كان مما سكت عنه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]. ويقول: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأنت الآن قطعت رزقها وقطعت تسبيحها لله فلا يحل ذلك, وقال بعض أهل العلم: بل يكره ولا يحرم؛ لأن الإنسان إذا قتل هذه الحشرات تعودت نفسه على انتهاك ذوات الرواح وصار فيه شيء من العدوان, وهذا أقل أحواله أن يكون مكروهًا؛ وهناك قول ثالث, وهو: أنه حلال؛ لأنه مما سكت عنه, وقد قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وأقرب الأقوال عندي أنه مكروه إلا لسبب إذا كان هناك سبب فلا بأس.
стр. 3013
بقينا فيما نهى عن قتله إذا آذى فكانت تحفر تحت البلاط ويبقى البلاط في الهواء ويخرب هل تقتل؟ تقتل, لكن إن اندفعت بغير القتل فافعل وإن لم تندفع إلا بالقتل فاقتلها لأنه إذا كان المؤذي من بني آدم لا يندفع أذاه إلا بالقتل يجوز قتله فالنمل من باب أولى, لكن قد تندفع بغير القتل, فمن ذلك أن بعض الناس يحفظ قراءة للنمل يجلس على كرسي بين النمل الكثير ثم يقرأ آيات, فإذا هي ترحل فإذا وجد هذا الرجل قلنا تعال عندنا نمل آذانا, ووجدنا أيضًا مما يخفف من ضررها أو يصرفها أن تصب على جحرها جاز, وهذا شيء جربناه, على كل حال هي: إذا آذاك فلك قتلها إذا لم تندفع إلا بالقتل؛ لأن كل مؤذ يجوز قتله على العموم, وقد ذكر شيخ الإسلام قصة أظن ذكرتها لكم, يقول ابن القيم ﵀ في كتابه "مفتاح دار السعادة": إنه حكي لشيخه ابن تيمية ﵀ قصة رجل وجد ذرة فوضع أمامها طعمًا, فجاءت هذه الذرة تجره فعجزت, فذهبت إلى صاحبتها في البيت ودعتهم: هلموا إلى الطعام, فلما أقبلوا نزع هذا الطعم بحثوا لم يجدوا شيئًا, والنملة التي ندبتهم لما انصرف قومها بقيت لعلها تجد شيئًا فوضع الطعم مرة ثانية فجاءت إليه وتيقنت أنه موجود, ولكن عجزت أن تحمله فذهبت إلى قومها ودعتهم: فلما أقبلوا المرة الثالثة نزعه, فلما جاءوا فلم يجدوه يقول: اجتمع النمل عليها فأكلوها قتلوها وهذا أولاً- كيف لم يقتلوها أول مرة وإنما قتلوها بعد الثالثة؟ كأن الحيوان مفطور على أن التكرار ثلاثًا يغني عما زاد عنه, وثانيًا: ولا ينقص عن التكرار, فقال شيخ الإسلام: هذا صحيح؛ لأن كل شيء مفطور على كراهية الكذب وعقوبة الظالم, فهذه كذبت عليهم باعتبار ما ظنوا, وإلا فالمسكينة لم تجد الطعم, النهاية على كل حال نقول: إن النمل منهي عن قتله, لكن إن لم يندفع أذاه إلا بقتله فلا بأس, وكذلك البقية: النحلة والهدهد والصرد.
حكم أكل الضبع:
١٢٧٤ - وعن ابن أبي عمار ﵁ قال: "قلت لجابر: الضبع صيد هو؟ قال: نعم. قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. رواه أحمد والأربعة, وصححه البخاري, وابن حبان. قال: "قلت لجابر", أولاً: ابن أبي عمار من التابعين؛ لأنه أدرك الصحابة, "الضبع صيد
стр. 3014
هو", هذه الجملة استفهامية أم خبرية؟ استفهامية, يعني: الضبع صيد أو لا؟ وإنما قال: أصيد هي؛ لأن الضبع معروف أنها ليست من الحيوان الإنسي بل من الحيوان الوحشي وكل حيوان وحشي فإنه صيد إذا كان حلالاً, قال: "نعم" هي صيد, قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" أي: صيد, ولهذا وجب في صيدها على المحرم شاة ولو كانت غير حلال لم يجئ فيها شيء؛ لأن غير الحلال لا قيمة له.
فيستفاد من هذا الحديث: أن عمل السلف ﵏ هو التساؤل عن الأحكام الشرعية الأفعال والأعيان, وهذا أمر لا تكاد أدلته تحصر, قال ابن مسعود: سألت النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها", والأمثلة على هذا كثيرة, هذا سؤال عن الأعمال, وهنا سؤال ابن أبي عمار عن الأعيان, سأل جابرًا الضبع صيد أم لا؟ وهكذا ينبغي للناس أن يكون همهم البحث في معرفة حدود الله تعالى وأحكامه حتى يحلوا العلم, ومعلوم أن المباحثة والمناقشة إذا كانت بنية صالحة أن الناس يوفقون فيها للحق, وأما المناقشة والمجادلة من أجل انتصار الإنسان لنفسه فالغالب أن يحرم الوصول إلى الخير.
ومن فوائد الحديث: أن "نعم" صريحة في الجواب, وقد قيل: إن الجواب بالحروف على نية إعادة الجملة التي وقع الاستفهام بها, يعني: إعادة الجملة التي هي صيغة الاستفهام, وعلى هذا فقوله: "نعم"؛ أي: ي صيد, وهل صيد, وهل تثبت بها الحقوق فيما لو قيل لشخص: أعليك لزيد ألف درهم فقال: نعم؟ نعم تثبت بها الحقوق, ولو قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم طلقت؛ لأن المعنى: نعم طلقتها.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يسأل العالم الذي هو أعلم منه عن الدليل؛ لأن النبي ﷺ إذا قاله كفى.
ومن فوائد الحديث: ما ساقه المؤلف من أجله وهو أن الضبع حلال, وهي حيوان معروف يشبه الذئب, واختلف العلماء لما كانت حلالاً هل هي مستثناة من كل ذي ناب من السباع أو أنها ليس لها ناب تفترس به, فمنهم من قال: إنها ليس لها ناب تفترس به, وأنه ليس من عادتها افتراس الحيوان إلا عند الضرورة, ومنهم من قال: إنها مفترسة, والله تعالى في الاستثناء من أحكامه ما يشاء, فعلى القول الأول قد يحصل فيه إشكال؛ لأنه ثبت بأن الضبع تأكل الإنسان, وعلى الثاني لا إشكال فيه, والذي للإنسان عند المناظرة والمجادلة أن يسلك ما لا إشكال فيه حتى يقطع النزاع, ويكفي المؤمن أن يقال له: هذا قول الله ورسوله,
стр. 3015
ويدل لهذا أن الإنسان ينبغي له عند المناظر أن يتبع ما تنقطع به المجادلة أن إبراهيم ﵊ لما حاجه في ربه من حاجه قال إبراهيم: ﴿ربي الذي يوحي ويميت قال أنا أحي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]. لو قال إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ لصار يلتوي في جوابه ويحتاج إلى عناء في رده لكن إبراهيم عدل عن هذا إلى شيء لا يمكن العدول عنه, فقال إبراهيم: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وحينئذ انقطع ما يمكن أن يجادل, ولهذا قال الله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فأنت إذا خفت من صاحبك الجدل لأن بعض الناس يجادل, بل الإنسان أكثر شيء جدلاً, ما يوجد في الحيوانات مثل الإنسان في المجادلة, هو أكثر شيء جدلاً, فتعمد إلى الأمر الذي تقضي عليه فيه بحيث لا يستطيع الحراك, فهنا جابر ﵁ قال: قاله رسول الله ﷺ , وحينئذ نقول: إن هذا مستثنى من قوله: "نهى عن كل ذي ناب من السباع".
حكم أكل القنفذ:
١٢٧٥ - وعن ابن عمر ﵄, أنه سئل عن القنفذ, فقال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: "ذكر عند النبي ﷺ فقال: إنها خبيثة من الخبائث. فقال ابن عمر: إن كان رسول الله ﷺ قال هذا فهو كما قال". أخرجه أحمد, وأب داود, وإسناده ضعيف.
القنفذ: حيوان معروف, صغير يشبه الفأرة, وقد أعطاه الله ثوب جلد من الشوك شوك شديد إذا أصابك يخرق جلدك ما دام مطمئنًا تجده يمشي على أرجله, وتجد طرف رأسه قد خرج يأكل من الأرض؛ فإذا أحس بأحد انطوى حتى يكون كالكرة تمامًا لا تجده؛ أي: منفذ كرة كاملة, لكنها كرة شوكية لا أحد يستطيع مسه يحتمي بذلك, وهذا من هداية الله له, يقولون: إنه يأكل الحية يمسكها من ذيلها. وهي 'ذا جاءت تلدغه وجدت شوكًا فلا تستطيع, لكن الحدية تغلب هذا القنفذ تأتي عليه, فإذا انطوى على نفسه أمسكت بذقنها إحدى الشوك وحملته إلى الجو ثم أطلقته, وصل الأرض وإذا هو قد داخ ما يستطيع أن يدافع أن ينطوي على نفسه فتمسكه فتأكله. فهذا القنفذ يقول: سئل ابن عمر هل هو حلال أو حرام؟ فاستدل بآية فقال: ﴿قل لا أجد ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الآية ﴿إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥]. أربعة أمر الله نبيه أن يقول هذا, والآية في سورة الأنعام وهي مكية, أولاً:
стр. 3016
هذا الحديث في بيان حكم القنفذ هل هو حلال أم حرام, ولو أجريناه على القاعدة السابقة أن الأصل في كل مطعوم ومشروب الحل, فإننا نقول: هو حلال إلا إذا صح أن النبي ﷺ قد حرمه, فهذا يؤخذ به في هذا الحديث. سئل ابن عمر -وهو من فقهاء الصحابة ومفتيهم- عن القنفذ؛ يعني: هل هو حلال أم لا؟ فلم يقل: هو حلال, ولم يقل: هو حرام, ولكنه أجاب بالدليل, فقال: ﴿قل لا أحد﴾ , قال بمعنى: قرأ؛ لأن هذه الآية ليست قوله, ولكنها قول الله "قال" يعني: أنه قرأ هذه الآية: ﴿قل لا أجد ... الآية﴾ الخطاب في "قل" للرسول ﷺ و ﴿لا أجد في ما أوحي إلي﴾؛ يعني: من القرآن, ﴿محرمًا﴾ , أي: حرمه الله ﴿على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ , أربعة أشياء: ﴿إلا أن يكون ميتة﴾ , وهذه قد علم أنه يستثنى منها ما ميتته حلال مثل: السمك, والجراد, ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ وهذا أيضًا يستثنى منه الدم الطاهر كدم السمك, فإنه حلال, وخرج بقوله: ﴿مسفوحًا﴾ الدم غير المسفوح كالذي يبقى في العروق بعد الزكاة فإنه حلال وإن ظهرت حمرته؛ لأنه ليس دمًا مسفوحًا, فدم القلب الذي يكون بعد موت الحيوان بالزكاة حلال للإنسان أن يأخذه بمعلقة ويشربه وكذلك دم الكبد, ﴿أو لحم خنزير﴾ وهو الحيوان المعروف الخبيث المشهور بشيئين خبيثين: أحدهما معنوي والثاني حسي, أما الحسي فإنه يأكل العذرة والقاذورات, وأما المعنوي فإنه لا غيره فيه إطلاقًا, والمتغذي به ربما يناله من هذا الخلق الذميم أن تنزع منه الغيرة سواء على أهله أو على دينه, وقوله: ﴿فإنه رجس﴾ لا شك أن الضمير في قوله: ﴿فإنه﴾ يعود على الضمير المستتر في قوله: ﴿إلا أن يكون﴾ أي: لا أجد في الذي أوحي إلى محرمًا على طعام يطعمه إلا أن يكون ذلك الشيء ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير, هذه كلها خبر لكان التي فيها ضمير يعود على الشيء المطعوم, فعليه يكون قوله: ﴿فإنه رجس﴾ يكون الضمير عائدًا على ما ذكر كله, وليس عائدًا على لحم الخنزير فقط, والرجس هو: النجس, وهذه العلة -كما رأيتم- علة منصوصة. وعلى هذا فنقول: كل نجس محرم, لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا, ولا يصلح أن نقول: كل محرم نجس؛ لأن من المحرمات ما ليس بنجس كالسم والدخان, وكذلك على القول الراجح الخمر فإنه محرم وليس بنجس ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾ , ﴿أهل لغير الله به﴾
стр. 3017
الجملة كالبيان لقوله ﴿أو فسقًا﴾ , يعني: يبين ما هو الفسق, هو الخروج عن الطاعة, والذي أهل لغير الله به مذبوح على الشرك فيكون حرامًا وإن كان هو في ذاته ليس بخبيث, لكن لما ذبح لغير الله صار خبيثًا لا خبثًا ذاتيًا ولكنه خبث معنوي, ولذلك فصله عن قوله: ﴿رجس﴾ ليتبين أن ما حرم من أجل ذبحه لغير الله ليس لقذارته بذاته, بل قد يكون من أنقى ما يكون ذبحًا, لكنه من أجل أنه خبيث معنى, وهذه الآية استدل بها ابن عمر على حل القنفذ؛ لأن القنفذ ليس مذكورًا في هذه الأربع, وعلى هذا فيدخل في الحلال, وهذا استدلال جيد, ولكن الآية الكريمة لا ينافيها ما ثبت تحريمه بعد ذلك؛ لأن الله قال له: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ , ولم يقل: "لا أجد فيما يوحى إلي", و ﴿أوحي﴾ فعل ماض يدل على أن ما مضى مما أوحي ليس فيه تحريم إلا هذه الأشياء الأربعة, أما المستقبل فله شأن آخر' ولذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه حرم لحوم الحمر الأهلية مع أنها ليست مما ذكر, وكذلك كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع, وعلى هذا فلا يكون ما ذكر بعد نزول هذه الآية لا يكون نسخًا لهل؛ لأن الآية لم تدل على تعميم الحكم وإنما دلت على تعميم الحكم فيما مضى. وقوله: ثم إن رجلاً مجهولاً قال لعبد الله بن عمر: أنه سمع أبا هريرة يقول: ذكر القنفذ عند رسول الله ﷺ فقال: "إنها خبيثة من الخبائث" والنبي ﷺ قال: "إنها خبيثة", ولم يقل: إنها حرام؛ لأنه من المعلوم: أن الخبائث محرمة, فاكتفى بالوصف عن ذكر الحكم, فقال ابن عمر: إن كان رسول الله ﷺ قال ذلك فهو كما قال؛ يعني: إن كان قال ذلك فهو كما قال, ولا ينافي الآية؛ لأن الآية ليس فيها حصر التحريم فيما يستقبل, إنما حصر التحريم فيما مضى, فلا ينافي أن يأتي حكم يحرم ما لم يذكر فيها.
في هذا الحديث فوائد أولاً: جواز ذكر الدليل دون ذكر المدلول, يعني: ذكر دليل الحكم دون ذكر الحكم, وجهه إجابة عبد الله بن عمر بتلاوة الآية ولكن هذا مقيد بما إذا كان السائل يعرف أن يستنبط الحكم من الدليل, أما إذا كان عاميًا بحتًا لا يعرف فإنه لابد أن يذكر له الحكم فيقال: هذا حرام, ثم إن كان في الاستدلال لذلك الحكم مصلحة استدل وإلا فلا يفعل, وجه ذلك: أن العامي إذا ذكرت له الحكم ثم الاستدلال ربما يترخص في المستقبل ولا يفرق بين الحكم والدليل, فصار في هذه المسألة تفصيل: إن كان المستفتي يعرف استنباط الحكم من الدليل فإنه يجوز أن يذكر الدليل دون الحكم ليفهمه الإنسان من الدليل, وإن كان لا يعرف فلابد من ذكر الحكم, ثم إن كان من المناسب والمصلحة أن يذكر الدليل فهو أولى من أجل أن يكون المستفتي معتمدًا على الدليل فيكون ذلك أطمن لقلبه وأقوم لحجته وإن كان ليس من المناسب ذكر الدليل فلا يذكره؛ لأن المقصود معرفة الحكم, والناس يختلفون في هذا.
стр. 3018
ومن فوائد الحديث: جواز الحصر في المعلوم وإن كان يحتمل لوجوده سوى هذا المحصور لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد ... ﴾ الآية.
ومن فوائد الحديث: بلاغة القرآن؛ حيث لم يقل: قل ليس من المحرم إلا كذا وكذا, بل قال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي .. الخ﴾.
ومن فوائد الحديث: تحريم هذه الأشياء الأربعة: وهي الميتة, والدم المسفوح, ولحم الخنزير, وما أهل لغير الله به.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يرد المجهول ولا أن يقبله, بل يجعل الحكم معلقًا على ثبوته؛ أي: ثبوت الخبر عمن نقل إليه, ووجه ذلك: قول ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قال ذلك فهو كما قال, فإذا أخبرك إنسان مجهول فلا ترد الخبر ولا تقبله, بل الواجب التوقف, أما عدم رده فالاحتمال أن يكون صادقًا' وأما عدم قبوله فالاحتمال أن يكون كاذبًا, فيجب عليك التوقف وهذا هو الميزان العدل القسط؛ لأن الرد بدون مستند خطأ, والقبول بدون مستند خطأ أيضًا, فالواجب التوقف. فإذا قال قائل: هل تحكمون بصحة الحديث إذا لم يعرف هذا الشيخ المجهول؟
فالجواب: لا, ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إن إسناده ضعيف لجهالة هذا الشيخ, وينبني على ذلك هل يثبت الحكم بالحل أو بالتحريم في القنفذ؟ يثبت الحل؛ لأنه إذا ضعف السند فإنه لا يحتج به, إذ لا يحتج إلا بالحديث الذي يكون حسنًا أو صحيحًا, أما ما كان ضعيفًا فلا. فإن قال قائل: إذا كرهه الإنسان كراهة طبيعية فهل له أن يمتنع منه؟
الجواب: نعم له ذلك, كما امتنع النبي ﷺ من أكل الضب مع إباحته, ومن لا يهتم به ولا يكرهه فليأكله؛ لأن الحديث لم يصح في كونه من الخبائث, ولهذا كان بعض أهل العلم يرى حله, وكان العامة المقلدون لهؤلاء العلماء لا يستكرهونه أبدًا, ويرون أنه من جنس اليربوع وشبهه.
ومن فوائد الحديث: أن الخبائث محرمة, لاسيما إذا سيقت لبيان الحكم إن صح قوله: إنها خبيثة من الخبائث, ولكن هل نقول: كل خبيث محرم, أو نقول: كل محرم خبيث؟ الثاني؛ لأننا لو قلنا: كل خبيث محرم لكان التحريم عائدًا إلى أذواق الناس, وقد يستخبث قوم هذا الشيء ولا يستخبثه آخرون, ثم إن النبي ﷺ بين أن شجرة البصل والثوم ونحوها خبيثة ومع ذلك فهي حلال.
стр. 3019
النهي عن أكل الجلالة:
١٢٧٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ الجلالة وألبانها". أخرجه الأربعة إلا النسائي, وحسنه الترمذي.
النهي: هو طلب الكف على سبيل الاستعلاء, وصيغته: "لا تفعل", أما اترك فليست نهيًا ولكنها أمر بالترك, وكذلك دع ذر اجتنب, لكن يصح أن نعبر عنها بأنها نهي, فيقال: نهى النبي ﷺ عن كذا, وإن كانت تأتي بقول: اجتنب, والجلالة أحسن ما قيل فيها: أنها التي أكثر علفها النجاسة فهي جلالة ومنهي عنها, وكذلك نهى عن ألبانها؛ لأن ألبانها متولدة من بين فرث ودم من لحومها, فيكون اللبن تبعًا للحم, وفي بعض الأحاديث نهى عن ركوبها أيضًا, والنهي عن الركوب من أجل الابتعاد عنها حتى لا يضطر الإنسان إلى محاولة تطهير هذه الجلالة. ففي هذا الحديث: النهي عن الجلالة, واختلف العلماء ﵏ في حكمها؛ فمنهم من قال: إنها حرام لهذا الحديث, ولأنها تربت بخبيث فتأثرت به فتكون خبيثة, ومنهم من قال: إنها طاهرة وليست بخبيثة وذلك لأن غذاءها حال في العلف الذي أكلته مثلاً استحال إلى دم وتغذى به الجسم فتكون طاهرة بالاستحالة, ومنهم من قال: إنها حلال, وهؤلاء هم الذين ضعفوا الحديث وقالوا: إنه ضعيف لا تقوم به حجة, فنرجع إلى الأصل وهو الحل, منهم من فصل فقال: إن ظهر أثر النجاسة عليها بأن هذا اللبن له رائحة النجاسة أو اللحم له رائحة النجاسة حرم أكلها وإن لم يظهر فلا, وهذا أقرب الأقوال, لكن هذا ممكن في اللبن بعد حلبه وفي اللحم بعد الذبح, فيقال مثلاً: إذا ذبح الجلالة فإن شم رائحة نجاسة حرم, لأنها لم تتم استحالتها وإلا فهي حلال, وهذا القول أقرب ما يكون من القواعد سواء صح الحديث بالنهي أم لم يصح؛ لأنه إذا ظهرت رائحة الخبث فيها صار لها حكم ذلك الخبث كالماء إذا تغير بالنجاسة وإذا لم تظهر فقد استحالت النجاسة ولم يظهر أثر والأصل الحل. فإذا قال قائل: إلى متى يمتد النهي؟ قلنا: إلى أن تطعم الطاهر, وإلى متى؟ اختلف العلماء في ذلك بناء على اختلاف الروايات؛ فمنهم من قال: أربعون, ومنهم من قال: عشرون, ومنهم من قال: ثلاثة أيام, ومنهم من فرق
стр. 3020
وقال: الحيوان الكبير الجسم يحتاج إلى مدة أطول والصغير كالدجاجة يكفيه ثلاثة أيام, ولعل هذا أقرب القوال, أي: يختلف هذا باختلاف حجم الحيوان, وكذلك ينبغي أن يقال: ويختلف أيضًا باختلاف كثرة أكلها النجاسة, فإذا كان لها مدة طويلة تتغذى بالنجاسة وجب أن يكون انتظار التطهير أكثر, وإذا كان مدتها قصيرة فيكون انتظار التطهير أقل, الميزان ما ذكرناه أولاً وهو الرائحة, حتى لو أننا حبسناها عن النجاسات وأطعمناها الطاهر ثم ذبحناها ووجدنا فيها رائحة النجاسة فإنها تكون حرامًا؛ لأنها لم يزل عنها وصف الخبث.
حل الحمار الوحشي والخيل:
١٢٧٧ - وعن أبي قتادة ﵁ في قصة الحمار الوحشي: فأكل منه النبي ﷺ . متفق عليه. قصة أبي قتادة ﵁. أنه مع أصحابه وكان حلالاً, وكان أصحابه محرمين فرأوا حمارًا وحشيًا وجعل بعضهم يحدث بعضًا وينظر بعضهم إلى بعض ويضحكون, ففطن لذلك أبو قتادة فرأى الحمار فركب فرسه, قال لهم: ناولوني الرمح, ولكنهم أبوا أن يناولوه؛ لأنهم محرمون, والمحرم يحرم عليه قتل الصيد, فأخذ رمحه ثم ذهب وقتل الحمار وأتى به إلى أصحابه وقدمه لهم, ولكنهم توقفوا عن الأكل حتى يسألوا النبي ﷺ فسألوه فقال: هل منكم أحد أشار إليه أو أعانه أو كلمة نحوها؟ قالوا: لا, قال: فكلوا.
ففي هذا الحديث من الفوائد: حل الحمار الوحشي, وجه ذلك: أن النبي ﷺ أكل منه وأذن لأصحاب أبي قتادة أن يأكلوا, ضد الحمار الوحشي والحمار الأهلي, والحمار الأهلي كان مباحًا ثم حرمه النبي ﷺ عام خيبر. لو قال قائل: فهمنا من هذا الحديث أن الحمار الوحشي حلال لكن لو لم يأت هذا الحديث فهل نحكم بحله؟ نعم بناء على الأصل ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
١٢٧٨ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "نحرنا على عهد رسول الله ﷺ وأكل منه, وما نحر في عهد الرسول ﷺ ولم ينكره الرسول فهو حلال.
стр. 3021
فإن قال قائل: هذا فيما علم به الرسول ﷺ , والحديث ليس فيه أن الرسول أكل أو علم؟ فنقول: مثل هذا الغالب أنه يشتهر ويعلم به الرسول, لاسيما وأن أسماء بنت أبي بكر قريبة من بيت الرسول ﷺ فإنها ابنة الصديق وصاحبه الذي هو أخص الناس به وأختها عائشة مع الرسول, فيبعد أن ينحر الفرس في هذا المجتمع القليل ثم لا يعلم به بقية العائلة. ثانيًا: على فرض أنه لم يعلم به فإن الله قد علم بذلك, ولا يقر الله تعالى الأمة على خطأ في عهد الرسول ﷺ حتى إن المنافقين الذين يبيتون ما لا يرضى من القول فضحهم الله فقال: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾ [النساء: ١٠٨]. إذن ففيه دليل على جواز أكل الفرس, وفيه أيضًا دليل على أن حل الخيل ثابت حتى بعد الجهاد خلافًا لمن قال إن الناس إذا احتاجوها للجهاد صارت حرامًا, ومعلوم أن الرسول ﷺ فرض عليه الجهاد في أول ما قدم المدينة, فيكون في هذا الحديث رد على من قال: إنه إذا احتاجها الناس للجهاد حرم أكلها, والصواب أن الناس إذا احتاجوها للجهاد فإنه لا يحرم أكلها لكن يحرم إتلافها فلو تعدى إنسان وأتلفها فهي حلال, وإنما قلنا: يحرم إتلافها من أجل حاجة الناس إليها لا من أجل أنها هي نفسها حرام بل هي حلال.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الخيل تنحر, لقولها: "نحرنا", ولكن قد ورد في هذا الحديث في بعض ألفاظه: "ذبحنا", وعليه فيحمل لفظ النحر على الذبح؛ لأن المشروع في غير الإبل الذبح- يجب قطع الأوداج؛ لأن الأوداج بها ينهر الدم, ولهذا نهى النبي ﷺ عن شريطة, وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها, إذن الفرس حلال, وأما ما اشتهر عند العامة من أن مؤخره حلال ومقدمه حرام فهذا لا أصل له, وليس في الشريعة الإسلامية حيوان واحد تختلف أجزاؤه, أما اليهود فنعم في شريعتهم بعض الحيوانات يحرم شيء من أجزائها دون كلها, وتعليل العامة في مقدمه حرام مؤخره, حلال, يقولون: لأن المقدم يواجه به العدو الكافر فلا ينبغي أن يؤكل, نحن الآن ذبحناه ما الفائدة هل المقدم بعد الذبح يواجه به العدو؟ لا, لكن على كل حال لا يؤخذ بأحكامهم ولا بتعليلاتهم.
стр. 3022
حل أكل الضب:
١٢٧٩ - وعن ابن عباس ﵂ قال: "أكل الضب على مائدة رسول الله رضي الله وسلم. متفق عليه. الضب حيوان معروف وهو لا يأكل الأشياء المستقذرة, وإنما يأكل الزرع والعشب وغير ذلك وهو حلال, ودليل ذلك أنه أكل على مائدة النبي ﷺ , يعني: إذا أقر شيئًا فهو مباح, إذ لا يمكن أن النبي ﷺ يقر شيئًا حرامًا بل إقراره دليل على التحليل.
حكم الضفدع:
١٢٨٠ - وعن عبد الرحمن بن عثمان القرشي ﵁: "أن طبيبًا سأل رسول الله ﷺ عن الضفدع يجعلها في دواء, فنهى عن قتلها". أخرجه أحمد, وصححه الحاكم, وأخرجه أبو داود والنسائي. الضفدع دويبة معروفة تعيش في البر وتعيش في الماء, وفي هذا الحديث سئل النبي ﷺ عنها يجعلها دواء فنهى عن قتلها, وإذا نهى عن قتلها صارت حرامًا؛ لأن القواعد المقررة التي سبق أن من طرق تحريم الحيوان ما أمر بقتله أو نهى عن قتله, وعلى هذا يكون الضفدع حرامًا لا يجوز قتله.
ومن فوائد الحديث: أن بعض الحيوانات قد يكون مفيدًا في الطب, لكن إذا كان حرامًا فإنه لا يجوز أكله للتطبب به, لكن هل يجوز أن يدهن به الإنسان إذا جرب ذلك ونفع كالادهان بشحم الخنزير مثلاً؟ الجواب: نعم, لا بأس, يعني: لو ثبت. طبيًا أن شحم الخنزير يستفاد منه فلا بأس. فإن قال قائل: هذا ينافي قول النبي صلى عليه وسلم: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". قلنا: لكن حرم الأكل وهذا ليس بأكل هذا دهن لكن على من ادهن بهذا الشيء النجس إذا حضرت الصلاة أن يزيله ويطهر الموضع لوجوب تطهير البدن من النجاسات كما وجب تطهير الثبات من النجاسات.
стр. 3023
خلاصة كتاب الأطعمة, وخلاصته تدور على أمور:
الأول: أن الأصل في الأطعمة الحل, فلا يجوز أن نحرم شيئًا إلا بدليل من الكتاب والسنة.
ثانيًا: أن على من حرم شيئًا من الأطعمة الحيوانية أو النباتية أو غيرها فعليه الدليل؛ لأن الأصل الحل.
ثالثًا: أن الأصل فيما عدا الحيوان أنه حلال ما لم يثبت ضرره, يعني: فليس فيه شيء معين نص على تحريمه, لكن إذا ثبت ضرر أي شيء من النبات كان حرامًا, بل إذا ثبت ضرر الشيء المباح الطيب لإنسان معين صار في حقه حرامًا, مثل أكل الحلوى للإنسان المصاب بمرض السكر والذي ثبت أنه يتضرر بأكل الحلوى, فإننا نقول: أكل الحلوى على هذا الرجل حرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. والنفي عن قتل النفس يشمل قتل النفس المؤدي إلى الهلاك, وكذلك ما يكون ضررًا على الإنسان, كذلك أيضًا حرم شيخ الإسلام ﵀ أكل الإنسان إذا كان يستلزم التخمة, ومعنى التخمة: تغير المعدة ونتنها وخبثها, وذلك بكثرة الأكل أحيانًا أو بالتخليط ربما يأكل الإنسان مثلاً قد تعشى وأكل لحمًا ثم قدم إليه طعام آخر فأكل أيضًا لحمًا وربما يكون اللحم الثاني نيئًا كثير السمن مثل هذا إذا أكله على الأول يخشى عليه من التخمة, ولكن -الله المستعان- الآن نأكل ونملأ بطوننا ثم نشرب كذلك فنكون كالذي تلطخ بالشيء القذر ثم يحاول أن يغسله.
ومن القواعد المقررة في الأطعمة: أن كل ذي ناب من السباع فهو حرام؛ وكل ذي مخلب من الطير فهو حرام, وكل ما أمر بتله فه حرام, وكل ما نهي عن قتله فهو حرام, هذه الأربع قواعد كلها في الحيوانات.
ومن القواعد في هذا الباب أيضًا: أن الشيء قد يكون محرمًا لذاته, وقد يكون محرمًا لمعنى آخر, فما كان خبيثًا في نفسه فهو حرام لذاته كالخنزير, وما كان خبيثًا لطبعه بمعنى أنه هو نفسه ليس خبيثًا لكن فيه العدوان والتجاوز, فهو حرام لا لذاته, لكن لما يترتب على التغذي به الخروج عن الاعتدال.
стр. 3024
١ - باب الصيد والذبائح
"الصيد" يطلق على معنيين: المعنى الأول: فعل, فيقال: صاد يصيد صيدًا, والثاني: على المصيد فيكون من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول وإطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كثير في اللغة العربية, ومنه: فراش بمعنى مفروش, وغراس بمعنى مغروس, وخلق بمعنى مخلوق, ومنه حمل البطن بمعنى محمول, ومنه: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" بمعنى: مردود, على كل حال: هذا موجود في اللغة العربية كثيرًا. إذن "صيد" بمعنى: مصيد, فصارت تعلق على معنيين: الأول: فعل الصائد, والثاني: المصيد, وهي على هذا الوزن مصدر أريد به اسم المفعول وهو اقتناص حيوان متوحش هذا الصيد. وأما الذبائح فهو جمع ذبيحة كصحائف جمع صحيفة, وفعيلة أي: ذبيحة بمعنى مفعولة كجريح بمعنى مجروح, والذبح: انهار دم الحيوان المقدور عليه بأي وسيلة كانت, لكن لابد من شروط تذكر -إن شاء الله-, ما هو الأصل في الصيد بمعنى: الصيد؟ الحل بناء على القواعد السابقة.
اقتناء الكلب:
١٢٨١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اتخذ كلبًا, إلا كلب ماشية, أو صيد أو زرع, انتقص من أجره كل يوم قيراط". متفق عليه.
صدر المؤلف هذا الباب بهذا الحديث؛ لأن الكلاب من جملة ما يصطاد به فلهذا كان ينبغي لنا أن نعرف الآلة التي يصاد بها وحكمها قبل أن نعرف حكم الصيد وما يشترط له قوله: "من اتخذ", وجاء بلفظ: "من اقتني", ومعناها واحد, وقوله: "كلبًا" نكرة في سياق الشرط فيعم كل كلب سواء كان أصفر أو أحمر أو ابيض, كل كلب, "إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص ... الخ". "قيراط" فاعل "انتقص". ففي هذا الحديث: حذر النبي ﷺ من اتخاذ الكلاب واقتنائها إلا عند الحاجة, ووجه التحذير: أنه بين أن المتخذ ينقص كل يوم من أجره قيراط, والقيراط قيل المراد به: الجزء بدون تحديد, وعلمه عند الله ورسوله, وقيل المراد بالقيراط: ما ذكره النبي ﷺ فيمن صلى على الجنازة وشهدها حتى يصلى عليها فله, قيراط, ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان, قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد, فحمل بعض العلماء هذا الحديث على الحديث الذي سقناه في الصلاة على الجنائز وقال: كل يوم يهدم من أجره قدر قيراط.
стр. 3025
وبناء على هذا التقرير يكون اقتناء الكلاب محرمًا لفوات الأجر به, وأنكر بعض العلماء أن يحمل على ذلك, وقال: لا يمكن أن نحمله على حديث شهود الجنازة؛ لأن حديث شهود الجنازة في فضل على عمل صالح, وهذه عقوبة على عمل غير صالح, ولا يمكن أن يساوي فضل الله بعقوبته؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه. وبناء على هذا يقول هذا القائل: أما القيراطان فيمن شهد الجنازة حتى يصلى عليها وتدفن فقد بينهما رسول الله ﷺ , وأما القيراطان هنا فإنه لم يبينهما, وعلى هذا فنقول: هما أو هو إن كان قيراطًا هو جزء من الأجر معلوم عند الله ورسوله؛ لأننا لا نعلم بذلك, وهذا أسلم, ولكن هل يدل على التحريم؟ سيأتي الكلام إن شاء الله.
في هذا الحديث من الفوائد: تحريم اتخاذ الكلاب إلا ما استثنى وجه التحريم: أن اقتناءها ينقص من أجر الإنسان, والعقوبة قد تكون بحصول مطلوب, وقد تكون بفوات محبوب, وهذا الحديث من أي النوعين؟ من النوع الثاني من فوات المحبوب, لهذا كان القول الراجح أن اقتناء الكلاب حرام.
ومن فوائده: أنه يبين لنا مدى سفه أولئك القوم الذين يقتنون الكلاب من الكفار ومقلدو الكفار, فإن اقتناءهم إياها سفه في العقل وضلال في الدين؛ والعجب أنهم يختارون لها أطيب اللحوم فيعطون الكلب أطيب اللحم, وصاحب الكلب يأكل [الرديء] والكلب يعطى أطيب اللحم, وسمعنا أنهم في كل صباح يغسلونه بالصابون والشامبو, وإذا كان مقر الشياطين هو محل قضاء الحاجة؛ لأنه خبيث, ولأنها خبيثة تأوي إلى الخبيث, هؤلاء أيضًا خبثاء نجس: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]. ولهذا ألقوا الخبائث.
ومن فوائد الحديث: جواز اقتناء الكلاب لهذه الأغراض الثلاثة: الماشية وهي ما يتخذ من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم, وإن كان الأكثر اتخاذ الكلاب للماشي؛ لأن الإبل كبيرة وكذلك البقر فتحمي نفسها من الذئاب, ولا يتخذ أهل الماشية الكلاب إلا للغنم لتحميها؛ لأن الكلب وفيَ على أنه كلب فهو وفيَ يطرد الذئاب عن الغنم.
والثاني: كلب الصيد, أما الأول الذي اتخذه للماشية فاتخذه حماية عن الضرر, وأما صاحب الصيد فاتخذ الصيد لكمال التنعم أو للراحة إلى الصيد ينتفع بثمنه.
أما الثالث: كالزرع كلب الزرع حماية لزرعه من السراق وغيره, بل إنه يحمي الزرع من أن يدخل إليها الهوام, إذا دخل بعير أو حمار يأكل الزرع فإن الكلب ينبحه حتى يخرج.
стр. 3026
إذن يجوز اتخاذ الكلب واقتناؤه لهذه الأغراض الثلاث, فهل يقاس عليها ما هو أولى منها؟ الجواب: نعم؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين, ولا تجمع بين متفرقين, ونحن لا نعلم أن هناك علة توجب التفريق بين اتخاذ الكلاب لهذه الأغراض الثلاثة أو لما يشبهها هو أولى منها, وبناء على ذلك لو كان الإنسان ساكنًا في محل ناء بعيدًا عن العمران واتخذ كلبًا لحماية أهله ولحماية نفسه فهو من باب أولى يجوز له ذلك. اتخاذ الكلاب لاستخدامها في الاطلاع على السراق ونحوه هل يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن هذه حاجة, وهذه الحاجة مصلحة عامة أبلغ من المصلحة الخاصة؛ ولكن هل يحكم بشهادتها؟ الكلاب البوليسية الآن معروفة فهل يؤخذ بشهادتها إذا أمسكت إنسانًا على أنه متهم بالسرقة؟ لا يؤخذ بشهادتها, ولكن هي قرينة, فيؤخذ المتهم حتى يتبين أمره. فإذا قال قائل: أنتم قلتم: إن اقتناء الكلاب حرام, وهذه المسائل الثلاث ليست ضرورة, والقاعدة الشرعية: أن الحرام لا يباح إلا للضرورة لقول الله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴿[الأنعام: ١١٩]. أفلا يمكن أن نجعل إباحة اقتنائها لهذه الأغراض الثلاثة دليلاً على أنه ليس بحرام على أن اقتناءها ليس بحرام؛ لأن الحرام لا تجيزه المصلحة والحاجة لا يجيزه إلا الضرورة؟ قد يقال: إن هذا من رحمة الله أن أباح هذه الأشياء من أجل الحاجة أو المصلحة ويكون هذا مستثنى من القاعدة بأن الاقتناء مكروه مع قوله: "انتقص من أجره كل يوم قيراط" بعيد جدًا, والاعتراض الذي أوردناه قريب جدًا أن الأصل في المحرم إلا يباح إلا للضرورة, لكن نقول: لما عمت البلوى بهذه الأغراض رخص فيها الشارع مع أنه أحيانًا قد تكون هذه الأشياء ضرورة كالماشي؛ لأن تسلط السباع على الماشية وإتلافها يضطر الإنسان إلى أن يدافع, والصيد أيضًا ربما يكون ضرورة, قد يكون الإنسان ليس له كسب يعيش به وأهله غلا الصيد, وكذلك يقال في الزرع.
حل صيد الكلب المعلم:
١٢٨٢ - وعن بن حاتم ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه, فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه, وإن أدركته قد قتل ولم يؤكل منه فكله, وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل, فإنك لا تدري أيهما قتله, وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله تعالى, فإن غاب عنك يومًا, فلم تجد فيه إلا أثر سهمك, فكل إن شئت, وإن وجدته غريقًا في الماء, فلا تأكل". متفق عليه, وهذا لفظ مسلم. بين النبي ﷺ في هذا الحديث الآلة التي يكون بها قتل الصيد, وبين أنها نوعان: جارحة, وآلة
стр. 3027
الجارحة قال فيها: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه", وقوله: "كلبك" المراد به: الكلب المعلم؛ لأن الكلب قد يعلم وقد لا يعلم, وبماذا يحصل التعليم؟ يحصل تعليم الكلب بكونه يسترسل إذا أرسل, وينزجر إذا زجر, وإذا أمسك لم يأكل, يعني شروطه ثلاثة: الأول: أن يسترسل إذا أرسل, بمعنى: أن صاحبه إذا رأى الصيد استرسل, أما إذا كان لا يسترسل إذا أرسل بمعنى: أنه إذا كان جائعًا استرسل, وإن كان غير جائع سكت" وقال: الراحة زين فهذا ليس بمعلم.
الثاني: أن ينزجر إذا زجر, وتحت هذا شيئان: الأول: أن يتوقف إذا زجر ليوقف بعد أن ينطلق, والثاني: إذا استرسل بنفسه ثم إذا زجرته انطلق لأكثر, هذا أيضًا من التعليم, فإن كان لا ينزجر إذا زجر فإنه ليس بمعلم, لو أنك رأيت الصيد وأشليته به, ثم بعد أن انطلق زجرته ولكنه لم ينزجر ما زال مندفعًا حتى أمسكه؛ فهذا ليس بمعلم؛ لأنه كونه يعصيك إذا زجرته وذهب يقتل الصيد يدل على أنه إنما قتل لنفسه.
الشرط الثالث: إذا أمسك لم يأكل, فإن أكل إذا أمسك فليس بمعلم, ولماذا؟ لأنه إذا أكل دل هذا على أنه إنما أمسك على نفسه, الشرط أن يكون أمسك على صاحبه لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]. فإذا أكل معناه أمسك لنفسه, وظاهر هذا أنه لا فرق بين أن يكون جائعًا فيأكل للضرورة أو غير جائع فلا يأكل, وهو كذلك؛ لأنه إذا كان غير جائع لم يأكل فقد ترك الأكل لا لأنه أمسك على صاحبه ولكنه شبعان لا يريد, وسيأتي -إن شاء الله- ذكر هذه المسالة. يقول: ""فاذكروا اسم الله عليه", متى؟ عند إرساله, ولو تأخر صيده لو أرسلته عند طلوع الشمس وجعل يطارد الصيد ولم يتمكن منه إلا عند الزوال كانت التسمية مجزئة وصحيحة مع أنه طال الفصل بينه وبين قتل الصيد, هكذا أمر الرسول أن يذكر اسم الله إذا أرسله. كيف يذكر اسم الله عليه؟ يقول إذا أرسله: باسم الله, ويطلق الكلب فمتى صاد الصيد ولو تأخر فإنه حلال. فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن التسمية على الذبيحة لا تجزئ إلا إذا كانت عند تحريك السكين للذبح؟ فالجواب: بلى, نقول بهذا, ولم نقل ذلك في الصيد للمشقة, فكان إرسال الآلة سواء كانت جارحة أو غير جارحة كان إرسالها بمنزلة تحريك الذابح يده للذبح.
стр. 3028
فائدة: حكم التسمية عند الذبح:
من فوائد الحديث: وجوب ذكر اسم الله على الصيد, وقد اختلف العلماء- ﵏ في ذلك- أي: في هذا الأمر-هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ والقائلين بالوجوب اختلفوا هل هو شرط لحل الصيد أم لا؟ فمن العلماء من قال: إن التسمية على الصيد سنة وليست بواجبة, وهذا القول ضعيف؛ لأنه يخالف ما جاءت به السنة, بل يخالف ما جاء به القرآن, أما مخالفته لما جاءت به السنة فإنه مخالف لقوله ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل", فاشترط لحل الأكل شرطين: الأول: انهار الدم, والثاني: ذكر اسم الله عليه, وأما القرآن فلأن الله تعالى قال: "ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم الله" -أضعف؛ لأن هذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه.
حكم ما أكل منه كلب الصيد:
وقوله: "فإن أمسك عليك" أخذ منه العلماء أنه يشترط ألا يأكل منه شيئًا, وقوله: "فأدركته حيًا فاذبحه" ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون حيًا حياة مستقرة أو يكون حيًا كحياة المذبوح, ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن المراد: إذا أدركته حيًا حياة مستقرة, أما إذا أدركته وفيه حركة مذبوح, فالقتل هنا قتل الكلب, فإذا كان قتل الكلب فإنه يحل, لو أن الصيد جاء وقد قطعت أحشاؤه أو قطعت أوداجه فإنه قد يتحرك لكن هذه حركة مذبوح لا يؤثر فيكون قوله ﷺ : "أدركته حيًا"؛ أي: حياة مستقرة, وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكل. اشترط النبي ﷺ ألا يأكل منه ووجه الشرط ظاهر لأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه فلا يحل.
حكم اشتراك كلبين في الصيد:
يقول: "وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله", هذا أيضًا يقول فيه الرسول ﷺ : "إذا أدركت مع كلبك كلبًا غيره فلا تأكل ... الخ", فنكون هنا قد شككنا في الحل؛ أي: فيما يحل به الصيد فإذا شككنا فيما يحل به الصيد لم يحل, ظاهر
стр. 3029
الحديث العموم, لكنه يقيد بما إذا الكلب الثاني لم يرسله صاحبه ويسم عليه, فإن الكلب الثني قد أرسله صاحبه وسمى عليه فإن الصيد يحل؛ لأنه صيد بكلب معلم مرسل من قبل صاحبه, لكن يبقى النظر لمن يكون هذا الصيد لصاحب الكلب البيض أو لصاحب الكلب الأحمر؟ لا ندري من السابق, هل نقول: يقرع بينهما أو يقسم بينهما؟ الظاهر أن أقرب الاحتمالات أن يقسم بينهما, لو أننا نعلم أنه قتله كلب واحد لقلنا بالقرعة؛ لأن هذا الكلب لواحد منهما غير متعين, فيقول: يقرع بينهما, ولكنا لا ندري هل اشترك الكلبان في الصيد أو انفراده به أحدهما, فأقرب الأقوال أن يقسم بينهما, فإن أبيا قالوا: لا, ما نقسم, قلنا: يبقى الصيد حتى تصطلحا؛ لأنه لا مرجح لحد على الآخر. وقوله: "فإنك لا تدري أيهما قتله", هذا التعليل يدل على أنه إذا علم أن كلبه هو الذي قتله حل, لو كان ينظر من بعيد بالمنظار ورأى كلبه قتله وجاء مقبلاً به كلب الآخر فإنه يحل, ووجه حله: أن ... الحكم إذا علل صار تابعًا للعلة؛ إذا وجدت وجد الحكم, وإذا انتفت انتفى الحكم. "وإن رميت بسهمك" هذا النوع الثاني من آلة الصيد؛ لأن النوع الأول: الجارحة, النوع الثاني: الآلة, يقول: "إن رميت بسهمك فاذكر اسم الله متى؟ أعند الرمي أم عند إعداد السهم؟ الجواب: الأول عند إرسال السهم لا عند إعداده, وعلى هذا فنقول في عهدنا الآن: لو أن الإنسان عندما يخرج ليصيد عبأ البندقية بالرصاص وعند التعبئة سمى ولما رأى الصيد لم يسم عند إرسال السهم فهل يحل؟ لا؛ لأن النبي ﷺ أمر بذكر اسم الله عليه إذا أرسل السهم كما أن الإنسان لو حد السكين ليذبح البهيمة وسمى عند حدها ولكنه لم يسم عند الذبح فإنها لا تحل.
стр. 3030
وقوله: "وإن رميت بسهمك" ظاهرة العموم؛ أي: لو قدر أن السهم كان من العظام فإنه يحل, فهل نأخذ بهذا العموم؟ الجواب: لا؛ النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا السن والظفر, فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت", وهذه من نعمة الله وتيسيره إذا رميت الصيد وهر سواء كان طائرًا أم زاحفًا هرب ثم وجدته بعد ذلك ولم تجد فيه إلا اثر السهم فكل مع احتمال أن يكون هذا الصيد قد مات عطشًا أو جوعًا, ولكن يحال الحكم على الظاهر وهو السهم الذي أصابه فيحل. "وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل", وانتبه لقوله: "غريقًا في الماء فلا تأكل", ولم يقل: إن وجدته في الماء؛ لأنني قد أجده في الماء حيًا يتحرك حركة المذبوح ثم يموت, أو أجده في الماء وأعلم أن الماء لا أثر له في قتله لكون الجرح موحيًا, يعني: مصيبًا إصابة قاتلة, كأن يصيبه في قلبه أو ما أشبه ذلك فإنه يحل؛ لأنني وجدته وليس غريقًا في الماء بل الماء لا أثر له في قتله, كلام النبي ﷺ محكم: كل الفرق بين قول: وإن وجدته في الماء, وقوله: "وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل" هذا معنى الحديث.
أما فوائده فكثيرة منها: أن الله لم يضيق أسباب الرزق, ولم يغلق أبوابه بل الأبواب مفتوحة, فكل طريق يوصل على الرزق فهو حلال, إلا إذا قام الدليل على تحريمه سواء كان صيدًا أو حرثًا في الأرض أو بيعًا أو شراء أو غير ذلك, دليل هذا أن الشارع جعل من جملة أسباب التملك الصيد.
ومن فوائد الحديث: التوسعة على الأمة, فإن الصيود -كما نعلم- ليست سهلة, يعني: لا تمسك باليد ولا بالمطاردة, فيسر الله الأسباب لاقتناصها وجعل لها آلة تحيط بها, وهي الكلاب والسهام, ولكن قد يقع التسهيل لاقتناص الصيود امتحانًا مثل قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب﴾ [المائدة: ٩٤]. وذلك أن الله تعالى أرسل الصيود على الصحابة وهم محرمون حتى كانت أيديهم تناله ورماحهم, اليد تنال ما على الأرض, كالأرانب والظباء والرماح, وتنال ما يطير الرمح يقذفه الإنسان بيده, وليس من العادة أن الإنسان يقتنص الصيد الطائر بالرمح لكن الله تعالى ابتلى الصحابة ليعلم الله من يخافه بالغيب فعلم الله أن هؤلاء الصحابة الأخيار يخافونه بالغيب, ولم ينقل عن أي واحد أنه أخذ الصيد الزاحف الذي يناله باليد أو الطائر الذي يناله بالرمح, وهذا مما يدل على كمال هذه الأمة ولله الحمد, فإن بني إسرائيل ابتلاهم الله تعالى بالحيتان يوم
стр. 3031
السبت وقد حرم عليهم صيدها, فماذا صنعوا؟ احتالوا كما هو معروف, لكن هذه الأمة -ولله الحمد- لم يخطر ببالهم هذه الحيلة.
ومن فوائد الحديث: جواز الصيد بالكلاب لقوله: "إذا أرسلت كلبك", وكما سمعنا في المناقشة أنه يشمل ما إذا أرسل كلب غيره, وتقيد الكلب بإضافته إلى المرسل من باب الغالب فلا يكون مخرجاً لما سواه, فهل يلحق بالكلب ما سواه مما يصاد به؟ الجواب: نعم لكن النبي ﷺ ذكر الكلب؛ لأن غالب ما يصاد به في عهده هو الكلاب فإذا وجد غير الكلاب كالفهود وغيرها مما لا نعلمه ويعلمه متعهدو الصيد فإنه يحل, وهذا الحديث بالنسبة للآية أخص من الآية, والآية أعم, وهذا شيء قليل الوجود, الغالب أن النصوص النبوية تكون أعم, لكن في هذه الحال صار النص القرآني أعم من السنة لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]. فالجوارح عام يشمل الكلاب وغيرها, لكن قلت لكم: إن تقييد السنة ذلك بالكلاب بمعنى أن ذلك هو الغالب.
ومن فوائد الحديث: وجوب ذكر اسم الله تعالى على الكلب إذا أرسل لقوله: "فاذكر اسم الله عليه" وهل المراد: ذكر هذا اللفظ بعينه أو ذكر كل اسم يختص به الله؟ يعني: هل يجب أن تقول: باسم الله, أو يجوز أن تقول: باسم الرحمن, باسم الواحد القهار؟ الظاهر: الثاني أن المراد بذلك الثاني, وأنه إذا ذكر الإنسان أي اسم يختص بالله جائز, لكن من باب الاحتياط نقول: الأولى أن تقول: باسم الله.
ومن فوائد الحديث: تيسير الشريعة؛ حيث كانت التسمية عند إصابة الصيد بل عند إرسال الجارحة السهم أو الكلب.
ومن فوائد الحديث: وجوب تذكية الصيد إذا أدركه حيًا؛ لقوله: "فأدركته حيًا فاذبحه". فإذا قال قائل: لماذا؟ قلنا: لأن الإنسان الآن قادر على ذبحه فهو كالذي قدر عليه من قبل, فإن قيل: ما الفرق بين الذبح والصيد؟ قلنا: الصيد يحل بجرح في أي موضع من بدنه, والذبح لا يكون إلا في الحلق واللبة.
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط فيما صاده الكلب ألا يأكل منه لقوله: ﷺ : "فإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله", فإن مفهومه أنه إن أكل فلا تأكل.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط إنهار الدم فيما صاده الكلب؛ لقوله: "قد قتل", ولم يشترط أن ينهر الدم, وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمنهم من أخذ بذلك وقال: إنه إذا جاء بالكلب وقد قتله ولو خنقًا فإنه يحل لقوله: "قد قتل", ولم يشترط إنهار الدم, ولم يقل: قد
стр. 3032
ذبحه, ولم يقل: قد نحره مثلاً, وهي عندي محل توقف؛ لأنه تعارض فيها عموم هذا الحديث, وعموم قوله: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل", ويرجح الثاني -أنه لابد من إنهار الدم- أن عدم إنهار الدم وموت الحيوان ودمه فيه ضرر على الإنسان, والشارع ينهى عن كل ما فيه ضرر, فالظاهر أنه لا يحل إلا ما جرحه, إذا جرحه في أي موضع من بدنه فهو حلال.
ومن فوائد الحديث: أننا إذا شككنا في شرط الحل فإنه لا يحل لقوله: "وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل"؛ لأننا الآن تيقنا أن هذا الصيد قد مات إما بفعل الكلب المرسل أو بفعل الكلب المهمل أو بهما جميعًا, وشككنا في شرط الحل, والأصل عدم الحل, وليس هذا معارضًا لقولنا: إن الأصل في الحيوان الحل؛ لأن الحل في الحيوان يشترط لحله أن يذكي ذكاة شرعية.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى قاعدة معروفة عند العلماء وهي أنه إذا اجتمع مبيح وحاذر نغلب جانب الحذر, فهذا الذي قتل ونحن لا نعلم اشترك فيه الكلبان أو انفراد به أحدهما حصل فيه هذا الشيء اجتمع فيه مبيح وحاذر فغلب جانب الحذر.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ لقوله ﷺ : "فإنك لا تدري أيهما قتله", وهكذا ينبغي للمفتي أن يذكر ما يقتنع به المستفتي؛ لأنه إذا ذكر للمستفتي ما يقتنع به أخذ الفتيا بقلب مطمئن واستراح لها, ويمكن ذلك فتح باب للمناقشة, حتى لو كنت تعلم أنه مقتنع بما تقول وإن لم تعلل أو تلل, فالأحسن أن تعلل أو تدلل ما لم تخش بذلك اشتباهًا أو التباسًا؛ لأنه ربما لو لم يعلل للعامي يحصل ف ذلك التباس, العامي قل له: هذا حرام, هذا حلال, ودعه يذهب, لكن لو تقول: هذا حلال؛ لأن النبي ﷺ قال كذا وكذا, وإذا كان في حديث آخر ظاهرة التعارض مع ما استدللت به قلت: ولا يعارضه قوله ﷺ كذا وكذا, ووجه الجمع بينهما: أن بينهما عموم وخصوص من وجه فيقدم هذا من جهة ... الخ, العامي يقول: ما هذا؟ لكن حسب الحال إذا كان عاميًا الأحسن أن نقول: حلالاً أو حرامًا, حتى لو كان في المسالة خلاف إن ترجح لك أحد القولين قل له ما ترجح عندك, وإذا لم يترجح عندك أحد القولين قل: هذا فيه خلاف, لو قال: أعطني الراجح, فهذه مشكلة يكون الإنسان في حيرة, فمثل هذا إذا كنت في بلد فيه من هو أعلم منك قل له: أسأل غيري وتسلم منه.
стр. 3033
ومن فوائد الحديث: أننا إذا علمنا بعد اشتراك الكلبين في الصيد أن الذي قتله هو صيد المرسل فهو حلال لقوله: "فإنك لا تدري أيهما قتله".
ومن فوائد الحديث: أن الشك في شرط الحل مؤثر في الحل, بمعنى: أن الإنسان إذا شك هل وجد شرط الحل أم لا؟ فإنه يكون حرامًا لقوله: "فإنك لا تدري أيهما قتله".
ومن فوائده أيضًا: أنه إذا علم أن أحد الكلبين قتله ثبت الحكم, فإن علم أنه كلبه فهو حلال وإن علم أنه الكلب الآخر فهو حرام.
ومن فوائد الحديث: جواز الرمي بالسهام؛ لقوله: "إذا رميت بسهمك ... الخ", ووجه الجواز: أن النبي ﷺ جعله سببًا للحل, يتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم كيف يرمي ما دام الرمي مصدرًا للرزق فإن طلب الرزق مأمور به, وما توقف عليه المأمور به كان مأمورًا به على أن الأمر بتعلم الرماية له جهة أخرى وهي الجهاد في سبيل الله, ولهذا أباح الشرع فيه العوض والمراهنة, مع أن المغالبة بالرهان في غير ذلك لا يجوز إذ لا تجوز إلا في النصل والحافر والخف.
ومن فوائد الحديث: أن محل الذكر عند إرسال السهم وليس عند إصلاح السهم ولا عند إصابة السهم, إنما هو عند الإرسال, أما كونه لا يكون عند إصلاح السهم؛ فلأن المدة تطول بين إصلاح السهم وبين رميه. وثانيًا: أنه لا يدري هل يرمي هذا السهم على صيد أو على عدو أراده أو على سبع أو كلب أو ما أشبه ذلك, وأما كونه لا يجب عند الإصابة, فلأن هذا من الأمور الشاقة أو المتعذرة, لهذا وضع الشرع -والحمد لله- عن هذه الأمة هذه المشقة.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا الصيد الذي أصابه السهم ثم وجده ولم يجد إلا أثر سهمه كان حلالاً حتى لو فرض أنه بقي ساعة أو ساعتين بعد إصابة السهم ثم مات فإنه حلال, بينما لو أدركه الإنسان عند إصابة السهم حيًا حياة مستقرة فإنه يجب عليه أن يذكيه, لكن هنا لما غاب صار تذكيته متعذرة, ولهذا سمح فيه حتى لو غلب على الظن أنه سيبقى نصف يوم في هذا الجرح ولم يجد فيه إلا أثر السهم فهو حلال, وهذا من باب التخفيف على الأمة؛ لأنه في هذه الحال عاجز عن تذكيته, والمعجوز عن تذكيته حكمه حكم الصيد.
ومن فوائد الحديث: أنه يشترط لما غاب عن الرامي ألا يجد فيه أثرًا إلا أثر سهمه لقوله: "فلم تجد فيه إلا أثر سهمك".
ومن فوائده: أنه إذا وجد فيه أثرًا سوى سهمه فإنه لا يحل, ولكن هل هذا على الإطلاق أو فيه تفصيل؟ ينبغي أن يقال: فيه تفصيل؛ وذلك لعلمنا بالعلة في عدم الحل وهي أننا لا
стр. 3034
ندري أمات بسهمه أم بما أصابه من غيره؟ وبناء على ذلك إذا علمنا أن الذي أماته سهمه, وأن السهم الآخر إنما أصابه في رجل أو في جناح أو غير ذلك فهنا مقتضي الأدلة السابقة واللاحقة أنه حلال, وعلى هذا فيكون المفهوم لا عموم له, وهذه قاعدة مقيدة وهي أن المفهوم لا يتناول جميع الصور فيما عدا المنطوق, بل قد يكون في بعض الصور تفصيل وهذا كثير منها مثلاً: حديث ركانة حين طلق زوجته ثلاثًا في مجلس واحد, فسأله النبي ﷺ : "أفي مجلس واحد؟ " قال: نعم, قال: "هي واحدة", قال: طلقتها ثلاثًا يا رسول الله, قال: "قد علمت فإنها واحدة". قال شيخ الإسلام: وإنما قال: "في مجلس واحد"؛ لأنه إذا كان في مجالس فربما يكون راجعها بعد الطلقة الأولى ثم طلقها صارت ثانية, فإن راجعها من الثانية ثم طلقها الثالثة صارت ثالثة فبانت منه, يقول ﵀: فالمفهوم هنا لا عموم له؛ لأنه لو طلقها في غير هذا المجلس ففيه تفصيل أيضًا هذا نقول: إذا وجد فيه أثرًا غير أثر سهمه فيه تفصيل, فماذا نقول إن وجد فيه أثرًا غير أثر سهمه؟ فإن كان الأثر الثاني مميتًا فالصيد حرام؛ لأننا لا ندري أيهما قتله, وربما يغلب على ظننا أنه قتله غير سهمه إذا كان سهمه خفيفًا, وإن علمنا أن الذي أصابه تمامًا هو سهمه بحيث ضربه في قلبه وذاك في جناحه أو رجله فالحكم لسهمه فيكون حلالاً.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا غاب عنه الصيد فهو مخير, إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل؛ ولهذا قال: "كل إن شئت". قد يقول قائل: هذا كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا. نقول: لا, هي لها فائدة قوله: "إن شئت"؛ لأنه إذا تركه عافته نفسه فلا يقال: إن هذا من باب إضاعة المال, وأنه لا يحل له أن يدع الأكل, بل نقول: له أن يدع الأكل؛ لأن الرسول قال: "إن شئت", ربما يكون هذا الصيد كبيرًا يساوي مائتين ريال أو أكثر فتكره نفسه حين غاب عنه, فنقول: الحمد لله لقد خيرت الرسول ﷺ , قال: "إن شئت", بينما لو كانت نفسه لا تعافه لكان تركه إضاعة للمال ولا نصيده في ذلك. ومن فوائد الحديث: أنه إذا وجد الصيد غريقًا في الماء فلا يأكل, ولماذا؟ علله النبي ﷺ في حديث آخر, قال: "فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك", ولهذا قال غريقًا, ما قال: إن وجده
стр. 3035
في الماء؛ يعني: أننا نعلم أنه مات بالغرق, وعليه فإذا كان الجرح موحيًا؛ أي: قاتلاً, ووجدناه في الماء فهل نأكل؟ نأكل؛ لأننا نعلم أنه مات بالسهم وليس بالغرق.
ومن فوائد الحديث: أنه لو وجد حريقًا في نار فهل يؤكل أم لا؟ في الواقع قد لا نستطيع العثور على الجرح, لكن إن أمكن أن نعرف أن الجرح هو الذي قتله فهو كالماء لكن لما كان الحريق أو المحترق لا يتبين فيه أثر السهم, قلنا: لا تأكل؛ لأن تبين أثر السهم بالحرق بعيد جداً بخلاف الغرق.
ومن فوائد الحديث: الحكم بالظاهر, وأنه وإن احتمل شيئًا آخر فلا عبرة به؛ لأنه قال: "إن غاب عنك يومًا ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت", وهذا غالب أحكام الشريعة مبنية على الظاهر إلا إذا كان هذا الظاهر يستلزم إبطال شيء متيقن فإنه لا يلتفت إليه؛ لأن اليقين مقدم على الظن. مثاله: رجل وجد حركة في بطنه ثم أشكل عليه انتقض وضوؤه أم لا؟ وغلب على ظنه أنه انتقض وضوؤه فهل يجب أن يتوضأ؟ لا, ولهذا قلنا: ما لم يكن ظاهرًا مبطلاً ليقين فإنه لا يلتفت إليه؛ إذ أن الظاهر ظن, والظن لا يثبت به اليقين؛ ولهذا قال النبي ﷺ فيما أشكل عليه: أخرج منه شيء أو لا؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحًا, والقاعدة عند العلماء: أن اليقين لا يزول بالشك.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره لا فرق بين أن يصيبه السهم بعرضه أو بحده, ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأنه سيأتينا أنه إذا أصاب بعرضه فهو ميتة, وإن أصابه بحده فهو حلال.
صيد المعارض:
١٢٨٣ - وعن عدي ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض, فقال: إذا أصبت بحده فكل, وإذا أصبت بعرضه, فقتل, فإنه وقيذ, فلا تأكل". رواه البخاري. هذا يقيد ظاهر الحديث السابق, أولاً: ما هو المعراض؟ المعراض هو عصا في رأسها حديدة محددة يصطاد به الناس كما قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤]. فهو رمح في الواقع, فيقذف به الصائد على الصيد, فإما أن يصيبه بحده, وإما أن يصيبه بعرضه, إن أصابه بحده يقول النبي ﷺ : "فكل"؛ لأنه إذا أصابه بالحد مع قوة الرمي انجرح فأنهر الدم, وإن أصابه بالعرض فإنه لا ينجرح, وإذا قدر أن الصيد مات فقد مات بثقله لا بحده؛ ولهذا قال: "إنه وقيذ" وقوله: "عن صيد المعراض" هذا من باب إضافة الشيء
стр. 3036
إلى آلته أو نوعه, وقوله: "فإنه وقيذ", "وقيذ" بمعنى: موقوذ, ولفظ الآية الكريمة ﴿والموقوذة﴾ [المائدة: ٣]. وهي التي قتلت بشي ثقيل لا بشيء حاد. في هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة على التعلم حتى في مسائل غير الدين الأكل والشرب واللباس وغير ذلك, نجد أن الصحابة ﵁ يسألون عن هذه الأمور, وهذا واجب على كل إنسان أراد أن يفعل شيئًا ألا يدخل فيه حتى يعرف أحكامه الشرعية لأجل أن يكون على بصيرة.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان المسئول عالمًا بمعنى السؤال فإنه لا يحتاج إلى استفهام, وجه ذلك: أن النبي ﷺ لم يسأله عن المعراض؛ لأنه يعلمه, مع أن علماء اللغة اختلفوا فيه, لكن أقرب ما يقال فيه ما ذكرناه أنه عصا في رأسه حديدة محددة.
ومن فوائد الحديث: جواز الصيد بالمعراض مع احتمال أن يصيب بالعرض أو بالحد, فلا يقال مثلاً: إذا كان فيه احتمال أن يصيب بالعرض فإن هذا لا يجوز؛ لأنه إيذاء للحيوان, أو لأنه يكون سببًا لإتلافه إذا لم تدركه فتذكيه, نقول: هذا مما أباحه الشرح مع احتمال أن يصيبه بعرضه.
ومن فوائد الحديث: وجوب التفصيل في الفتوى إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ فصل, وهذا إذا احتيج إلى ذلك يستفصل عن شرط الحكم, أما عن عدم المانع فلا يجب, ولهذا لو سألنا سائل: هلك هالك عن أب وأم وأخ لا نحتاج أن نقول: هل الأب موافق للميت في الدين أم لا؟ أو هل الأم كذلك أو هل الأخ, لا نحتاج, لماذا؟ لأن هذا استفهام عن عدم المانع ولا يجب لكن لو قال هلك هالك عن بنت وأخ وعم شقيق, فهنا يجب أن نسأل نقول: ما الأخ هذا؟ إن كان أخًا لأم فللبنت النصف والباقي للعم, والأخ من الأم يسقط بالبنت وإن كان الأخ شقيقًا أو لأب فالباقي له ويسقط العم, في هذا الحديث الذي وقع السؤال من عدي بن حاتم لرسول الله ﷺ , فصل الرسول ﷺ قال: "ما أصاب بعرضه فقتله فإنه وقيذ" فيستفاد من ذلك: أنه يجب على المفتي أن يستفصل فيما يحتاج إلى التفصيل لكن في شرط الحكم لا في انتفاء المانع.
ومن فوائد الحديث: أنه لو أصاب المعراض بعرضه فأدركته وذكيته وفي حياة مستقرة حل, يؤخذ من قوله: "فقتل" يعني: مات بإصابته بعرضه, فإن هذا يعتبر قتلاً ولا يعتبر صيدًا مبيحًا للصيد.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ ؛ لأنه علل منعه من الأكل بأنه وقيذ, وقد قال الله تعالى في المحرمات: ﴿والموقوذة﴾.
стр. 3037
ومن فوائد الحديث: جواز تقديم العلة على الحكم كما يجوز تأخير العلة عن الحكم وهو الأصل, الأصل تقديم الحكم ثم العلة أو الدليل, لكن قد يأتي أحيانًا فيقدم العلة أو الدليل فمثلاً لو قال قائل: أنا صليت الظهر ولكن لم أنو ظهرًا نويت عصرًا, قلنا: قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فصل الظهر, هنا قدمنا الدليل على الحكم ولا بأس أو نقول: صل الظهر؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال ... الخ", وأيهما الأصل: تقديم الدليل أو الحكم؟ الحكم؛ لأن الحكم كالدعوى من المدعي الذي نقول له: هات بينة. هذا الحديث الذي معنا قدم فيه التعليل على الحكم؛ لأنه قال: "فإنه وقيذ فلا تأكل", لو فرض أن الرسول ﷺ لم يقل: فلا تأكل, هل يستفاد من الحديث التحريم؟ نعم, لقوله: "إنه وقيذ".
تنبيه:
إذا أمسك الكلب الصيد هل يجب غسل ما أصابه الكلب؟ معلوم أن الكلب لعابه من أخبث النجاسات يجب غسل ما أصابه سبع مرات إحداهما بالتراب, ومعلوم أنه إذا صاد الكلب صيدًا فلابد أن يصيب الصيد من لعابه فهل يجب غسله؟ اختلف العلماء في هذا, فمنهم من قال: أنه يجب غسله سبع مرات إحداهما بالتراب, قيل له: إذا وضعنا التراب على اللحم أفسده, قال: نجعل بدل التراب صابونًا أو شبهه مما يقوم مقامه, المهم: أنه لابد أن نغسله سبعًا إحداهما بالتراب, وقال آخرون: لا يجب غسله, فغسله من التنطح والتشدد, وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون", وفي عهد الرسول ﷺ وما بعده كل الصيادين تصيد الكلاب لهم, ولا نقل عن أحد منهم أنه كان يغسله, ولا أن النبي ﷺ أمر بغسله, القاعدة في الشريعة الإسلامية: أنه ليس في الدين من حرج -هذه واحدة-, القاعدة الأخرى: لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة, والرسول ﷺ لم يبين لكل هؤلاء الذين سألوه عن الصيد أنه يجب عليهم أن يغسلوه. فإذا قال قائل: قد يكون الرسول ﷺ لم يبين ذلك لوضوحه. فيقال: إن النبي ﷺ يعلم أنه ليس كل الصحابة, ولاسيما الصيادون الذين في البراري يعلمون حكم لعاب الكلب, ثم إن المسالة ملحة على أن يبين الحكم لو كان هذا واجبًا فإن قال قائل: اللعاب واحد, فكيف إذا ولغ من هذا الإناء؟ نقول: يلزمك أن تغسله سبع مرات إحداهما بالتراب, وإذا سال لعابه على الصيد لا يلزم واللعاب واحد والكلب واحد, هذا الكلب الذي قلنا الآن: إن صيده لا يجب غسل ما أصابه من فمه هو الذي شرب من الإناء, وشربه من الإناء نقول: يلزمه أن يغسله سبع مرات إحداهما بالتراب, وهذا نقول: لا يلزمه, نقول: نعم إن الله يودع الأشياء ما فيه مضرة في حال دون حال, وما يدريك أن الله رفع عن عباده ضرر لعاب الكلب في هذه الحال التي
стр. 3038
يكون فيها الإلزام بالغسل حرجًا وشاقًا, أليست الحمير في أول النهار قبل أن تحرم من الطيبات الحلال, هذا الحمار بعينه الذي لو ذبحناه في الصباح أكلناه في المساء لما حرم صار نجسًا خبيثًا وهو لم يتغير, هو الحمار في أول النهار قبل التحريم, وبعد التحريم لكن الله هو الذي بيده كل شيء, فهو يمكن أن يمنع ما كان ضارًا فلا يسري ضرره إلى المحل القابل للضرر؛ لأن الأمر بيده كل شيء بيده, قد يعجز الأطباء عن مرض من الأمراض النفسانيون والجسديون وغيرهم ويشفه الله بدون شيء؛ لأن الذي خلق للإنسان؛ أولاً: هو القادر على أن يرفع عنه, ثانيًا: كل الأمور بيد الله, فالقول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أنه لا يجب غسل ما أصابه فم الكلب من الصيد وذلك للمشقة. أسألك: لو أن هذا الكلب بعد أن جاء بالصيد وألقاه بيد صاحبه جعل يأكل منه هل يجب علينا أن نغسل ما أصاب فمه؟ نعم؛ لأن هذا الأخير يمكن التحرز منه وليس فيه مشقة إذا تحرزنا أو طهرناه بعد أن يصيبه بخلاف ما كان عند صيده, فإن فيه مشقة ولا يمكننا أن نتحرز منه وكل شيء له حكمه.
الصيد بالسهم وحكمه:
١٢٨٤ - وعن أبي ثعلبه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رميت بسهمك, فغاب عنك, فأدركته فكله, ما لم ينتن". أخرجه مسلم. هذا كحديث عدي رمى بسهم صيدًا فأصابه ثم غاب عنه ووجده بعد ذلك, فيقول النبي ﷺ : "فكل ما لم ينتن"؛ أي: ما لم تتغير رائحته بنتن, فإن تغيرت رائحته بنتن فلا تأكل, وهل نقول: إن هذا شرط زائد على ما في حديث عدي؛ لأن حديث عدي فيه أنه لم ير فيه إلا أثر سهمه؟ نقول: نعم هذا شرط زائد, ولابد من الشرط السابق الذي دل عليه حديث عدي. إذن فإذا وجده بعد أن رماه وغاب عنه يأكله إلا أن يجد فيه أثر غير أثر سهمه أو يجد نتنًا, أما الأول فلأنه شرط لحل الصيد لا يحل الصيد؛ لأنه جيفة, وأما الثاني فليس حلاً للصيد, فالصيد حلال وطاهر وليس بخبيث, لكنه إذا كان منتنًا فإن أكله ربما يضر بالصحة, فلهذا اشترط النبي ﷺ هذا الشرط, فيكون الشرط الأول الذي في حديث عدي شرطًا لحله الحل الوضعي؛ بمعنى: أنه لا يصح صيده إذا وجد معه صيدًا آخر, أما هذا فشرط لحله التكليفي؛ لأنه إذا كان منتنًا فإنه يضر وليس هذا شرطاً لصحة الصيد, ويظهر أثر الفرق بأن هذا الإنسان الذي غاب عنه الصيد حتى وجده منتنًا, نقول: إن الصيد طاهر والأول الذي وجد فيه جرح
стр. 3039
آخر نقول: أن الصيد نجس؛ لأنه ميتة, فيكون النهي فيما أنتن لضرره, والنهي فيما إذا ما وجد فيه سهماً آخر لخبثه ونجاسته وكونه ميتة.
يُستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أن الصيد إذا غاب ثم وجد الصائد فإنه يحل أكله إلا إذا أنتن.
ويستفاد منه: أن أكل اللحم المنتن ممنوع, إما منع تحريم, وإما منع كراهة, فإن كان النتن قوياً فإنه يكون حراماً, لأنه ظاهر, وإن كان خفيفاً فإن الغالب ولاسيما فيما سبق أن اللحم في أيام الصيف يسرع إليه التغير فلا يكون محرماً, بل يكون مكروهاً.
فإن قال قائل: هل علاج لهذا النتن أن يذهب؟
الجواب: نعم, إذا طبخ طبخاً تاماً يزول النتن, فإن بقي له أثر فإنه ينهى عن أكله.
ومن فوائد الحديث: حرص الشريعة الإسلامية على حفظ الصحة لقوله: «ما لم ينتن» , وعلى هذا فيجب على الإنسان المحافظة على صحته, ولا يقول: أنا حر إن شئت فعلت ما يضر بصحتي, وإن شئت لم أفعل, نقول: ليس كذلك, إن بدنك أمانة عندك ويجب عليك أن ترعاه أحسن رعاية, ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. وقال النبي ﷺ : «ولا ضرر ولا ضرار» , بل أسقط الله عن الإنسان شرطاً من شروط الصلاة خوف الضرر كالطهارة بالماء, فإن الإنسان إذا خاف الضرر سقط عنه أن يتطهر بها سواء من الجنابة أو من الحدث الأصغر؛ لأنك مأمور بحفظ بدنك, ولهذا وجب على الإنسان المضطر أن يأكل وليس بالخيار, فإن يم يأكل فقد تعرض لقتل نفسه.
التسمية على ما لم يسم عليه عند الذبح:
١٢٨٥ - وعن عائشة ﵂: «أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : إن قوماً يأتوننا باللحم, ولا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا الله عليه أنتم وكلوه». "رواه البخاري".
وفي لفظ آخر: «وكانوا حديثي عهد بكفر» أي: أسلموا قريباً, قولها: «كانوا حديثي عهد بكفر» كأنها تبين سبب السؤال لأنه لولا هذه الحال لكان سؤالهم: هل يأكلون اللحم أو لا تنطعاً وتعنتاً لكن إذا كانوا حديثي عهد بكفر فإنه قد يغلب على الظن أنهم لا يعرفون أن التسمية واجبة فيكون عند الإنسان شك.
هذا الحديث استدل به بعض العلماء على أن التسمية ليست بشرط لقول النبي ﷺ :
стр. 3040
«سموا أنتم وكلوا»، مع أن السائلين قد شكوا في كون هؤلاء قد سموا أو لا، وهذا شك في شرط الحل لو كان شرطاً فلا تحل الذبيحة إذا شككنا هل الذابح قد سمى أو لا، ولكنه لا وجه للاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة لوجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث يحتمل ما قبل، ويحتمل أمراً آخر وهو أن الرسول ﷺ أذن لهم في أكله؛ لأن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه واقع على السلامة والصحة لا لأن التسمية ليست شرطاً، وعندنا أدلة أخرى صريحة في اشتراط شرط التسمية لحل الذبيحة، والقاعدة الشرعية: أنه إذا وردت نصوص فيها احتمال ونصوص أخرى لا احتمال فيها فالواجب حمل المحتمل على ما لا يحتمل وهو من المتشابه إلى المحكم وهذه طريقة أهل العلم والإيمان، أما أتباع المتشابه فهي طريقة أهل الزيغ، ولكن لا ينبغي أن يؤخذ من هذه العبارة أن المخالفين في وجوب التسمية المستدلين بهذا الحديث أنهم أهل زيغ؛ لأن منهم علماء أجلة نعلم أن عندهم من النصح للأمة والنصل لله ولكتابه ما ليس عند غيرهم، لكن نقول: هذه الطريق طريق زيغ ضالة غير صحيحة، عندك نصوص محكمة واضحة تريد أن تحملها على المتشابه هذا عكس ما يقتضيه الشرع والعقل، بل احمل المتشابه على المحكم حتى يصير الجميع محكماً، وحينئذ يترجح احتمال أن النبي ﷺ أذن لهم في أن هذا الفعل وقع من أهله، والأصل فيما وقع من أهله أنه على السلامة حتى يتبين الفساد.
في هذا الحديث فوائد: منها: اشتراط التسمية لحل الذبيحة، وجه ذلك: أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن هذا، ولولا أنهم قد تقرر عندهم أن اللحم لا يؤكل إلا إذا ذكر اسم الله على الذبيحة ما سألوا، ولكن هذا متقرر عندهم.
ومنها: ورع الصحابة- ﵃؛ حيث سألوا عن هذه المسألة المشكلة، وهذا يدل على ورعهم وتحريهم، فالورع من طريق الصالحين، وحقيقته: أن يدع الإنسان ما فيه مضرة في الآخرة، كل إنسان يدع ما فيه مضرة فإنه يعتبر ورعاً، والزهد أكمل من الورع، الزهد أن يدع ما لا نفع فيه في الآخرة، فكل ما لا نفع فيه من أمور الدنيا إذا تركه الإنسان فهذا زاهد، وكل ما فيه ضرر إذا تركه الإنسان فهو ورع.
ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا وقع من أهله فإنه لا يسأل عنه؛ لأن الأصل السلامة، وإذا كان الأصل السلامة كان السؤال عنه تعتنا، ويدل لذلك أن النبي ﷺ عرض بهؤلاء السائلين حيث قال: «سموا أنتم وكلوا» كأنه يقول: لستم مسئولين عن فعل غيركم، فعل غيركم المسئول عنه الفاعل، أما أنتم فمسئولون عن فعلكم، ولهذا قال: «سموا أنتم وكلوا».
ومن فوائد الحديث: وجوب التسمية على الأكل لقوله: «سموا أنتم وكلوا» وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال إن التسمية على الأكل والشرب سنة، ومنهم من قال:
стр. 3041
إنها واجبة؛ والصحيح أنها واجبة، وأنه يجب على الإنسان إذا أكل أو شرب أن يسمي؛ وذلك لأمر النبي ﷺ به، حتى إنه أمر الغلام الصغير وهو عمر بن أبي سلمة حين كان يأكل مع الرسول ﷺ فقال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك»، ولأن الإنسان إذا ترك التسمية شاركه الشيطان في أكله، فيشاركك أعدى عدو لك في أكلك إذا لم تسم، وإذا سميت صارت تسميتك حصنا منيعاً تمنع الشيطان من مشاركتك، فالصواب: أن التسيمة على الأكل والشر واجبة.
فإن قال قائل: إذا نسيت أن أسمي في أول الأكل وذكرته في أثنائه فماذا أصنع؟
نقول: قل: باسم الله أوله وآخره كما جاء في الحديث، واستمر فإذا انتهى الإنسان من الأكل ولم يذكر إلا بعد أن انتهى ماذا يقول؟ يقول: الحمد لله؛ لأن التسمية فات محلها، وقد قال الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فائدة: حكم اللحوم المستوردة من بلاد الكفار:
ومن فوائد الحديث: أن هذه الشريعة مسيرة؛ حيث إننا لا نطالب بالسؤال عن فعل غيرنا؛ لأننا لو طولبنا للحقتنا بهذا مشقة عظيمة، أذكر لكم مثالا: وجدنا لحما يباع في السوق لو كان يلزمنا أن نبحث لبحثنا عن الذابح هل هو يصلي أو لا يصلي، ثم بحثنا هل سمى أم لم يسم؟ ثم بحثنا هل أنهر الدم أم لم ينهر الدم؟ ثم بحثنا عن الذبيحة هل هي ملك له أو لمن استنابه في ذبحها أو لا؟ ثم إذا قال: هي ملك لفلان، نقول: من أين جاءته؟ اشتراها من فلان، وهل فلان هو مالك حين باعها أو قائم مقام المالك؟ قالوا: نعم، ثبت، قلنا: ممن اشتراها؟ قالوا: من فلان، فهل هو مالك، إلى أن نصل أول ما خلق الله الذبائح، لكن من نعمة الله أن فعل غيرنا لا نكلف به.
يبقى عندنا الآن هذه الذبائح التي تردنا من الخارج هل من الحق أن نسأل من الذابح؟ نعم، إذا كانت وردت من بلاد يمكن أن يتولى ذبحها من يحل ذبحه أو من لا يحل فلابد أن نسأل عن الذابح، إذا قيل لنا: الذابح من أهل الكتاب هل لنا أن نسأل كيف يذبح؟ لا، هل سمي؟ لا هل ذكر اسم المسيح أو غيره؟ لا؛ لأنه ما دام ثبت عندنا أنه ممن يحل ذبحه فليس لنا أن نسأل كيف ذبحها ولا هل سمى أو لا؟ ويعتبر السؤال عن هذا من باب التعنت والتنطع.
فإن قال قائل: هو ورد من دولة فيها أهل كتاب وفيها مشركون وفيها ملحدون، نسأل من الذي يتولى الذبح، إذا قالوا: الذي يتولى ذبحها في المذابح كتابيون ماذا نقول؟ هي حلال
стр. 3042
حتى لو كانت البلد شيوعية، إذا علمنا أن الذي يتولى الذبح كتابيون أو مسلمون؛ لأنه يوجد الآن مسلمون في بلاد شيوعية يتولون المذابح إذا قالوا: إنهم مسلمون أو كتابيون، قلنا: هي حلال، فإذا قال: لا ندري من يتولى الذبح أهم مشركون وثنيون أو كتابيون أو مسلمون لا ندري والبلد خليط من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، فماذا نصنع؟ نقول: الأكثر، إذا كان الأكثر يمكن أن يتولى الذبح، فإن كان الأكثر هم التجار والأغنياء والذين لا يمكن أن يتولوا الذبح فلا عبرة بالأكثرية هنا، لأننا نعتبر الأكثر فيما إذا كان الاحتمال وارداً أن يكون الذابح هو الأكثر أم لا، وإذا كنا نعلم أن الأكثر هم الكبار الأغنياء الذين لا يمكن أن يتولوا الذبح سقط الترجيح بالأكثرية حينئذ، ويبقى الآن أنه يوجد صعوبة إذا سقطت الأكثرية أو إذا سقط الترجيح بالأكثر سيبقى الأمر مشكلاً تماماً، فنقول في هذا الحال: اترك لا تأكل لكن أنا أخبركم بالنسبة للبلاد السعودية أنه جرى مناقشة هذا الأمر في هيئة كبار العلماء ودعوا وكلاء الوزارة مرة أو مرتين يسألونهم كيف ترد إلينا هذه الذبائح؟ فقالوا: إن هناك أناساً موكلين بالإشراف، وأنه لا يمكن أن يرد إلى المملكة إلا ما أشرف على ذبحه وأنه بطريق شرعي ونحن في ذمة غيرنا، لكن من أراد أن يسلك الورع فهذا شيء آخر بشرط أن يكون للورع محل، أما إذا كان الورع من باب التنطع فإنه ليس بورع.
فإن قال قائل: وهو يورد الكتابيون في الوقت الحاضر ملاحدة لا يؤمنون إيمان عيسى ولا إيمان موسى.
قلنا: ولو كان الأمر كذلك ما داموا ينتسبون إلى اليهودية أو النصرانية، فإنهم وإن كانوا مشركين ذبائحهم حلال، والدليل أن الله تعالى قال في سورة المائدة: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾ [المائدة: ٥] وقال في نفس السورة ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣] فكفرهم عز ووجل مع أنه حكم بحل ذبائحهم؛ لأنهم ينتسبون إلى هذا الدين، ثم نقول: مجرد ما يبقون على دينهم بعد بعثة الرسول ﷺ كانوا كفاراً، أي: بمجرد ما يأبون دخول دين الإسلام، فالمسألة ليست مسألة كفر وإيمان، هم وإن طبقوا اليهودية والنصرانية مائة في المائة فهم كفار بعد بعثة الرسول ﷺ ، والمسألة ليست مسألة كافر أو مؤمن، بل المسألة أنه منتسب لأهل الكتاب، إذا انتسب لأهل الكتاب حلت ذبيحته وإن كان ملحداً في دينه.
стр. 3043
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يضيق على نفسه في الأمور التي أطلقها الله ورسوله؛ لأن التضييق على النفس يوجب الحرج والمشقة سواء كان ذلك في تبيان الحكم أو العمل، فإن الإنسان إذا شق على نفسه شق الله عليه كما يروى عن النبي ﷺ : «لا تشددوا فيشدد الله عليكم»، سواء كان ذلك في الحكم أو في التطبيق، فمثلاً في التطبيق بعض الناس يتشدد في الطهارة أو في أقوال الصلاة أو في أفعالها فيشدد الله عليه، فبدلاً من أن يغسل يديه ثلاث مرات يغسلها ست مرات؛ لأنه شدد على نفسه أو في العمل، تحده مثلاً في العمل يريد أن يشدد يقرأ القرآن بالتجويد كما زعم فتجده عند خروج الحاء يخرجها حتى يكرها كراً في حلقومه، وربما تأخذه السعلة من أجل هذا عند القلقلة يقلقل حتى كأنما قلقل رجليه من الأرض، وهكذا أيضا في بقية القواعد التجويدية فيتنطع ويزيد على المشروع، فإذا شدد، شدد الله عليه، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ في وصف أصحاب النبي ﷺ أنهم أقل الناس تكلفاً ليس عندهم تكلف لا في العمل ولا في التطبيق، كذلك إذا شدد الإنسان، شدد الله عليه في الحكم، بمعنى: أنه قد يوجب على نفسه ما لم يوجب الله عليه إذا كان قد انتهى زمن التشريع، وقد يوجب الله عليه ما لم يجب إذا كان في زمن التشريع؛ ولهذا امتنع النبي ﷺ من الصلاة في رمضان صلاة التطوع، وقال: «إذا خشيت أن تفرض عليكم» يعني: أن تلتزموا بها فتفرض عليكم، ولما أمر موسى- ﵊ قومه أن يذبحوا بقرة ما رأيكم لو أخذوا أي بقرة وذبحوها أكان يجزئ؟ يجزئ، ولو فعلوا هذا لسهل عليهم الأمر، لكن قالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ [البقرة: ٦٨] ما هذه البقرة، ما عملها، ما سنها، ما لونها؟ قال في الجواب الأول: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون﴾ [البقرة: ٦٨] لكن ما فعلوا، فجاء السؤال عن اللون ما لونها، قال: ﴿إنها بقرة صفراء ليست صفراء فقط فاقع لونها- كالذهب تسر الناظرين﴾ [البقرة: ٦٩] ثلاثة أوصاف: صفرة، فقوع اللون، سرور الناظرين، هذا فيه تشديد ما انتهوا، وفي هذه الآية ما قال: افعلوا ما تؤمرون لأن الذين عتوا في الأولى سيعتون في الثانية، قالوا: ﴿ادع لنا ربك لنا ما هي إن البقر تشابه علينا﴾ أفهامهم حجر، وقالوا: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ [البقرة: ٧٠] ما جزموا، قال: ﴿إنه يقول إنها بقرة إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها﴾ أي: لا عيب فيها، ثم صاروا هم الحكام وليس موسى هو الحاكم، قالوا: ﴿الئن جئت بالحق﴾ هم الذين حكموا بأن هذا هو الحق، ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١] فالمهم: أن الإنسان إذا شدد على نفسه فإنه يشدد عليه مثلا ظن أن ظروف ثوبه
стр. 3044
نجاسة ظن قال: أحتاط وأغسله فرشش الماء، وظل هكذا حتى يغسل الثوب كله من أجل هذا؛ لأنه شدد على نفسه، فإذا شدد على نفسه شدد الله عليه، وهكذا أيضاً في طريق الموسوسين أشياء غريبة لكن لو أن الإنسان قطع هذا الأمر وأخذ بالأيسر سهل الله عليه، فهذا الحديث أصل في أن الإنسان لا ينبغي أن يشدد على نفسه ولا يسأل عن فعل غيره ما دام الفعل قد وقع من أهله فهو سليم صحيح.
النهي عن الحذف:
١٢٨٦ - وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الحذف، وقال: إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» متفق عليه، واللفظ لمسلم.
«نهى»، النهي معناه: طلب الكف عن العمل على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة وهي المضارع المقرون ب «لا» الناهية، فقولنا: «طلب الكف» خرج به الأمر، لأن الأمر طلب الفعل، وقولنا: «على وجه الاستعلاء» خرج به الالتماس والدعاء، وقولنا: «بصيغة مخصوصة» خرج بذلك ما كان بمعنى النهي من ألفاظ الأمر مثل دع واترك واجتنب، هذا بمعنى النهي، ولكنه ليس نهيا بل هو أمر.
وقوله: «نهى عن الخذف» «الخذف» هو الرمي بحجر صغير يوضع بين السبابة والوسطى ثم هكذا يدفع، ويطلق أيضا على المقلاع، وهو عبارة عن حبل ممدود تمسك طرفاه بواسطة شيء مثل القبة توضع فيه الحجر ثم يديره الإنسان بقوة ويطلق أحد الطرفين فتنطلق الحصاة بسرعة، هذا أيضا من الخذف فقد نهى عنه النبي ﷺ .
ومن ذلك ما سنذكره في الفوائد، وعلل النهي بقوله: «إنها لا تصيد صيداً» وهذا هو الشاهد من الحديث، يعني: لو أصابت الصيد فقتلته فإنه لا يحل؛ لأنها إنما تقتله بالثقل، «ولا تنكأ عدوا» أي: لا تدفع العدو، فإن العدو لا يرمي بمثل هذا، إذ إن هذا لا يفيد شيئاً «ولكنها تكسر السن» إذا أصابته «وتفقأ العين» إذا أصابتها، فبين الرسول ﷺ أن هذه لا خير فيها، وأنها تجلب سوءا، وإذا كان كذلك فإن أحد الأمرين موجب للنهي عنها وهي أنها لا تنكأ عدوا ولا تصيد صيداً فتكون لغوا لا فائدة منها، وإذا كانت تفقأ العين وتكسر السن صار فيها مضرة.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: النهي عن الحذف، وهل هو للتحريم أو للكراهة؟ الأظهر أنه للكراهة ما لم يتحقق الضرر الذي أشار إليه النبي ﷺ وهي أنها تفقأ العين وتكسر السن، وذلك بأن
стр. 3045
يكون أمامنا ناس نخشى أن يصيبهم هذا الحجر الصغير فيفقأ العين وبكسر السن، ويقاس على الخذف ما يعرف عندنا الآن بالنباطة هذا أيضاً من جنسه؛ لأنه لا يصيد الصيد ولا ينكأ العدو.
ومن فوائد الحديث: أن من أصيب بحصى الخذف فإنه لا يحل لقوله: «لا تصيد صيداً» لكن لو أدركه حياً فذكاه فإنه يحل؛ لأن هذا يشبه الموقوذة التي قال الله تعالى فيها: ﴿إل ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] فإّا أردك الصيد وذبحه وخرج منه الدم الحار الأحمر فهي حلال سواء تحركت أم لم تتحرك؛ فمثلاً: إذا أصاب صيدا بحصى الخذف ثم سقط وأدركه قبل أن يموت وذبحه وسال منه الدم الأحمر الحار فهو حلال، لأنه أنهر الدم، ولا فرق بين أن يتحرك أو لا يتحرك، وقيل: إنه لابد أن يتحرك؛ لأن كون يذكى ولا يتحرك يدل على أنه انهارت قواه وخرجت روحه، ولكن الصحيح الأول.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ ، حيث إنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة، وهذا فرد من آلات الأفراد من قوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ١١٣].
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي أن نقابل أعداءنا بسلاح لا ينفع فإن هذا من التهور الذي يكون سببا للتدهور، بل نقابله بمثل سلاحه أو أعظم لقوله الله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: ٦٠] ومن هنا نعرف أن ما يفعله بعض الناس في المدن الإسلامية وغير الإسلامية من الفئات القليلة التي لا تملك من السلاح ما تملكه حكوماتهم ثم يخرجون على الحكومة نرى أن هؤلاء مخطئون بكل حال، حتى لو فرض أن الحكومة كافرة مائة في المائة فإنه لا يجوز الخروج عليها في مثل ذلك، لأن هذا سوف يكون إساءة إلى الإسلام وانتصاراً لهذه الطائفة الكافرة إذا قدر أن الحكومة كافرة، وجه ذلك: أنهم سيغلبون والعلم عند الله إذا غلبوا حينئذ قدر على البقية من المسلمين وانتصرت هذه الدولة التي يعتقد هؤلاء أنها كافرة، وهذا أمر ظاهرة حتى من الناحية العقلية، أما من الناحية الشرعية فانظر إلى حكمة أحكم الحاكمين حيث لم يأمر ولم يأذن للمسلمين في مكة أن يجاهدوا أو يقاتلوا لم يأذن لهم إلا بعد أن انتقلوا إلى المدينة وصار لهم دولة، والإنسان يجب عليه أن يتأمل قبل أن يقدم ما هي
стр. 3046
النتيجة وما هي الفائدة، والأحداث تشهد بأنه لا نتيجة ولا فائدة بل تشهد أيضا شهادة واقعية أن أولئك الذين يخرجون على أئمتهم بحجة أنهم يريدون أن ينتصروا للإسلام وأن أئمتهم على الضلال والكفر نرى أن الحال تنعكس وتكون أسوأ بكثير مما سبق، ولا حاجة إلى التشخيص والتعيين، تأملوا كل البلاد التي حصلت فيها الثورات يتمنى شعوبها الآن أنهم كانوا على الحال الأولى، يتمنون بقلوبهم ولكنن لا يحصل.
إذن يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن نقاتل العدو بسلاح هش ردئ لا ينفع ولا ينكأ العدو.
ويستفاد من هذا الحديث: تجنب ما يكون ضرراً على الغير لقوله: «ولكنها تكسر السن» إذا أصابته، وكذلك قوله: «وتفقأ العين» وهذا ضرر، فالواجب اتقاء الضرر، ثم إن الضرر إن كان متيقنا أو راجحا فالنهي للتحريم.
النهي عن اتخاذ ذي الروح غرضاً:
١٢٨٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً» رواه مسلم.
هذا أيضاً نهي، والدليل على أنه نهي: جزم الفعل بعد «لا»، وقوله: «شيئا فيه الروح» قيد، ولم يقل: شيئا مطلقا، قال: «فيه الروح غرضاً»؛ أي: هدفاً يرمى إليه بأن ينصب أمام الناس، ويقال الآن نترامى عليه، وإنما نهى عنه ﷺ لما في ذلك من إيلامه وعدم الضرورة إليه؛ لأنه من الممكن أن يتخذ غرضاً ليس فيه الروح ليس من الضرورة أن نجعل ما فيه الروح غرضاً.
ففي هذا الحديث: النهي عن اتخاذ ما فيه الروح غرضاً، والنهي للتحريم لما فيه من أذية الحيوان بدون ضرورة إليه.
ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي كما يرحم الإنسان يرحم الحيوان، حتى إن الرسول ﷺ قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» أي: ما كان قوته واجباً عليه فكفى به إثما أن يضيعه.
ومن فوائد الحديث: أنه لو مات الحيوان كالطير مثلاً وجعل غرضاً فلا بأس به، لكن هذا المفهوم مقيد بما إذا لم يكن ذلك متضمناً لإفساد المال، فإن كان متضمناً لإفساد المال بمعنى: أن هذا الطير الذي جعلناه غرضاً بعد أن مات يتخرق ويفسد لحمه فإنه ينهى عنه من هذه الناحية أن في ذلك إفساد للمال.
стр. 3047
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون للرماة غرضاً يترامون إليه؛ لأن هذا هو الذي يحصل به تعلم الرمي، وكثير من الناس يصيب الهدف بما يريد أن يصيبه فيه من أعلاه أو من أسلفه أو من يمينه أو شماله، حتى إنه حدثنا بعض الناس أن من الرماة من يجعل البيضة على صدر ابنه ثم يرمي إليها فيصيب البيضة ويسلم الولد، وهذا يعني: أنه يبلغ من الإصابة غايتها؛ إذ إن رجلا يفعل هكذا يخشى عليه أن ترتعد فرائضه؛ لأن أمامه ابنه ومع ذلك يتحكم إلى هذا الحد، وهذا أمر معروف مشهور عندنا نحن لم نشاهده لكنه اشتهر عند الناس وإن كنا لا نحبذ هذا الأمر؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ نهى أن يشير الرجل بحديدة إلى أخيه فهذا أشد خطراً لكننا نحكي الواقع، وحكاية الواقع لا يعني إقراره، فإن الرسول ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم اليهود والنصاري» وحكايته إياه لا يدل على إقراره، فالحاصل: أنه إذا مات ما فيه الروح جاز اتخاذه غرضاً بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إفساد المال.
فإن قال قائل: يعزم معلمو الصيود اليوم أنه لا يمكن أن يتعلم الصيد حتى تطلق أمامه حمامة أو نحوها، فهل إطلاقها جائز، أو نقول: هي مثل هذا الحديث أنه يتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً لكنه اتخذه غرضا للصيد فهل نقول: إنه يدخل في هذا الحديث دخولا لفظياً أو دخولا معنوياً؟
الجواب: أن الظاهر أنه لا يدخل في الحديث إذا لم يمكن تعليم الصيد إلا بذلك والفرق بينه وبين السهم: أن السهم يمكن أن تجعل شيئاً ليس فيه الروح غرضاً أما هذا فلا يمكن أن نعرف أن نعلم الصيد إلا بهذا.
حكم ذبح الحجر وذبح المرأة الحائض:
وعن عكب بن مالك ﵁: «أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها» رواه البخاري.
هذا الحديث ساقه البخاري رحمه مختصراً، والقضية التي وقعت أن جارية كانت ترعى غنماً بتل قريباً من المدينة، وكان في ذلك الوقت محل الرعي، الآن كله عمائر، كانت ترعى الغنم فأصاب الذئب شاة منها فأدركته أخذت حجراً له حد فذبحتها، فأمر النبي ﷺ بأكلها.
وهذا الحديث فيه فوائد ذكرنا أظن فوق العشرة في كتابنا «الأضحية والذكاة» عشر فوائد تؤخذ من هذا الحديث نأخذ منها ما تيسر.
أولاً: فيه دليل على جواز الذبح بالحجر، لأن النبي ﷺ أقر ذلك، حيث أمر بأكل الذبيحة
стр. 3048
به، لكن يشترط أن يكون الحجر ذا حد لقول النبي صلى الله فيما سبق: «ما أصاب بحده فكله وما أصاب بعرضه فلا تأكله» هنا الحجر لابد أن يكون له حد، ولأنه لا يمكن أن ينهر الدم إلا إذا كان له حد.
ومن فوائد الحديث: جواز ذبح المرأة، وجه ذلك أن الرسول أقر ذلك.
ومن فوائده: أنه يجوز ذبح المرأة الحائض، هنا ذبح مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني يجوز للحائض أن تذبح وجه الدلالة أنه لم يستفصل، وأخذ العلماء من ذلك أنه يجوز ذبح الجنب قالوا: لأن حدث الحيض أعظم من حدث الجنابة، ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن موجبات الحيض أدنى من موجبات الجنابة بمعنى: أن الحائض لا تمنع دخول الملائكة والجنب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب فالجنابة تبعد الملائكة والحيض لا تبعد الملائكة، ولكن على كل حال الأصل في ذبح الجنب أنه حلال سواء قسناه على الحائض أو جعلناه مستقلاً.
فائدة في ذبح ملك الغير وحله:
من فوائد الحديث: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة، وإن أدى إلى التلف ليس التلف الكامل- البعض الدليل أن الجارية تصرفت لأنها أمينة تصرفت وذبحت الشاة مع أن صاحب الشاة لم يأذن لها ولم يقل: إن أصابها شيء فاذبحيها؛ لأن هذا من المصلحة ويدل لهذا أيضاً قصة الخضر حين ركب السفينة فخرقها قال له موسى: أخرقتها لتغرق أهلها، فأخبر أنه خرقها لأن وراءه ملكاً يأخذ كل سفينة غصباً.
إذا قال قائل: أنتم تقولون: فيه دليل على جواز تصرف الأمين بما فيه مصلحة، وإن لم يؤذن له فهل أردتم بالجواز ما يقابل المنع أو أدرتم بالجواز ما استوى فيه الأمران؟
الجواب: الأول أردنا ما يقابل المنع وهل هنالك فرق بين العبارتين؟ إذا قلنا: المراد بالجواز استواء الطرفين صار هذا الأمين إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وإذا قلنا: المراد بالجواز ما يقابل المنع صار واجباً على الأمين إذا خشي التلف أن يتصرف وهذا هو المراد، يعني: يجب على الأمين إذا خاف التلف فيما اؤتمن عليه أن يفعل ما هو أقرب إلى الصلاح، وعلى هذا فقولنا: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة وإن لم يأذن له صاحبه في مقابل المنع وليس معناه استواء الطرفين.
ومن فوائد الحديث: أن ما أصابه سبب الموت فأدرك فهو حلال، وجه ذلك: أن هذه الشاة عدا عليها الذئب فأكلها لكن هذه الجارية أدركت البهيمة حية وذبحتها.
ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا جرى من أهله فإنه لا يسأل عنه، ولهذا لم يسأل النبي
стр. 3049
صلى الله عليه وسلم هل هذه المرأة سمت الله عليها أم لا؟ بل أمر بالأكل لأن الأصل في الأفعال الواقعة من أهلها السلامة وصحة التصرف.
ومن فوائد الحديث: ورع الصحابة- ﵃ حيث لم يأكلوها حتى سألوا النبي ﷺ فأمر بأكلها.
ومن فوائد الحديث: أن الأمر يأتي بمعنى الإذن لأن قوله: «أمر» ليس معناه أمر تعبدي بمعنى أنه يلزمهم أن يفعلوا ذلك ولكنه أمر بمعنى الإذن، وهكذا كل أمر بعد استئذان فهو للإباحة وليس للوجوب ولا للاستحباب إلا بدليل خارجي أما مجرد الأمر الواقع جواباً للاستئذان فإنه يكون للإباحة وهذا هو الأصل.
شروط الذبح:
١٢٨٩ - وعن رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر؛ أما السن؛ فعظم: وأما الظفر: فمدى الحبشة» متفق عليه.
قوله: «ما أنهر الدم» هذه ما شرطية، «وأنهر» فعل الشرط وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو «والدم» مفعول به وقوله: «وذكر اسم الله عليه» معطوف على فعل الشرط، وقوله: «فكل» هذا هو جواب الشرط واقترنت الفاء به لأنه طلب وإذا كانت جملة الجواب طلباً وجب اقترانها بالفاء وعلى هذا بيت مشهور فيما يجب اقترانه بالفاء:
(اسمية طلبية ويجامد ... وبما ولن وبقد وبالتفيس)
من أي هذه الأحكام السبعة هنا في الحديث؟ الطلبية وقوله: «ليس السن» ليس هذه أداة استثناء واسمها مستتر وجوباً، وليس كما نعلم يستتر اسمها وجوباً إلا إذا كانت أداة استثناء فإن اسمها يكون اسمها مصدرا وجوباً، والسن خبرها، وأما قوله: «فأما السن» فأما هذه حرف شرط وتفصيل، والسن مبتدأ وعظم خبر المبتدأ، ويقال: كذلك في «فأما الظفر فمدى الحبشة» يقول النبي ﷺ أي شيء أنهر الدم من حديد وخشب ورصاص وذهب وفضة، أي شيء أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، واستفدنا العموم من أداة الشرط لأن جميع أدوات الشرط الأسمية تفيد العموم كل اسم شرط فإنه مفيد للعموم، وعلى هذا فيشمل كل ما أنهر الدم من أي مادة كان الزجاج يدخل في هذا، ويدل على العموم الاستثناء حيث قال: ليس السن والظفر، وقد ذكر الأصوليون ضابطاً في هذه المسألة فقالوا: الاستثناء معيار العموم وهذا واضح لأن الشيء إذا
стр. 3050
تناول أشياء كثيرة ثم أخرج منه بعض الأفراد علم أن ما سوى هذا المخرج داخل في اللفظ لكن لو قال قائل: العموم يستثنى منه الذهب والفضة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الأكل في صحائفهما والشرب في صحائفهما قلنا النهي الوارد في الأكل والشرب ولا يصح أن يقاس غيرهما عليهما لظهور الفرق وحتى لو قلنا بتحريم ذلك فإنه لا يلزم من تحريمهما؛ أي: تحريم استعمالهما فهو حرام حتى في تقشير البصل يكون حراماً فليس تحريم ذلك خاصاً بالذبيحة وعلى هذا فالذبيحة حلال مع تحريم الفعل على القاعدة أن النهي العام لا يقتضي بطلان الخاص.
وقوله: «ذكر اسم الله عليه» «ذكر» لم يبين من الذاكر، ولكن الأحاديث السابقة في الصيد تدل على أن الذكر لابد أن يكون من الفاعل فيكون المراد بذكر اسم الله أن يكون الفاعل هو الذاكر فلو أن أحداً ذبح وآخر ذكر فالذبيحة حرام، وقوله: «اسم الله» هل المراد هذا اللفظ المعين الذي هو لفظ الجلالة أو أنه عام لأن «اسم» مفرد مضاف إلى الرب فيشمل كل اسم من أسماء الله؟
فالجواب الثاني إذا ذكر اسم الله الخاص به فإنه يحصل به المقصود وقوله: «فكل» الأمر هنا للإباحة، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز أن ترمى هذه الذبيحة، لأن رميها إفساد للمال وإضاعة له لكن نقول: لا يلزم أن تأكل، ممكن أن تبيعها على أحد ولا تأكل، وعلى هذا فيكون الأمر للإباحة على كل حال لكن لا يعني ذلك جواز ترك الأكل ورميها بدون فائدة.
وقوله: ليس السن والظفر، السن هنا مطلق فهل نقول: إن المراد به سن الإنسان أو سن الحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ بمعنى لو وجدنا سناً منفصلاً وذبحنا به لم يدخل في الاستثناء أو هو عام؟ الظاهر أنه عام لأنه ليس هناك قرينة تدل على التخصيص وعلى هذا فيتناول السن على أي وجه كان سواء كان متصلاً أو منفصلاً وسواء كان من إنسان أو من حيوان أي: سن يذبح به فإنه لا تحل الذبيحة.
وقوله: الظفر ما المراد به؟ هل المراد ظفر الإنسان أو يشمل ظفر الإنسان والحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ الظاهر أن المراد ظفر الإنسان ويؤيد هذا قوله: أما الظفر فمدى الحبشة؛ لأن الحبشة هم الذين يطيلون أظفارهم ويذبحون بها وإلا لقلنا: إن الظفر عام كما قلنا إن السن عام.
في هذا فوائد: منها: اشتراط إنهار الدم لحل الذبيحة وجه ذلك أن الرسول ﷺ علق حل الأكل على إنهار الدم، والمعلق على شرط لا يتم إلا بوجود ذلك الشرط، فلابد من إنهار الدم وهذا أصرح حديث فيما يجب قطعه عند الذبح.
следующие страницы →