← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

النتيجة وما هي الفائدة، والأحداث تشهد بأنه لا نتيجة ولا فائدة بل تشهد أيضا شهادة واقعية أن أولئك الذين يخرجون على أئمتهم بحجة أنهم يريدون أن ينتصروا للإسلام وأن أئمتهم على الضلال والكفر نرى أن الحال تنعكس وتكون أسوأ بكثير مما سبق، ولا حاجة إلى التشخيص والتعيين، تأملوا كل البلاد التي حصلت فيها الثورات يتمنى شعوبها الآن أنهم كانوا على الحال الأولى، يتمنون بقلوبهم ولكنن لا يحصل. إذن يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا ينبغي أن نقاتل العدو بسلاح هش ردئ لا ينفع ولا ينكأ العدو. ويستفاد من هذا الحديث: تجنب ما يكون ضرراً على الغير لقوله: «ولكنها تكسر السن» إذا أصابته، وكذلك قوله: «وتفقأ العين» وهذا ضرر، فالواجب اتقاء الضرر، ثم إن الضرر إن كان متيقنا أو راجحا فالنهي للتحريم. النهي عن اتخاذ ذي الروح غرضاً: ١٢٨٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً» رواه مسلم. هذا أيضاً نهي، والدليل على أنه نهي: جزم الفعل بعد «لا»، وقوله: «شيئا فيه الروح» قيد، ولم يقل: شيئا مطلقا، قال: «فيه الروح غرضاً»؛ أي: هدفاً يرمى إليه بأن ينصب أمام الناس، ويقال الآن نترامى عليه، وإنما نهى عنه ﷺ لما في ذلك من إيلامه وعدم الضرورة إليه؛ لأنه من الممكن أن يتخذ غرضاً ليس فيه الروح ليس من الضرورة أن نجعل ما فيه الروح غرضاً. ففي هذا الحديث: النهي عن اتخاذ ما فيه الروح غرضاً، والنهي للتحريم لما فيه من أذية الحيوان بدون ضرورة إليه. ومن فوائد الحديث: أن الدين الإسلامي كما يرحم الإنسان يرحم الحيوان، حتى إن الرسول ﷺ قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» أي: ما كان قوته واجباً عليه فكفى به إثما أن يضيعه. ومن فوائد الحديث: أنه لو مات الحيوان كالطير مثلاً وجعل غرضاً فلا بأس به، لكن هذا المفهوم مقيد بما إذا لم يكن ذلك متضمناً لإفساد المال، فإن كان متضمناً لإفساد المال بمعنى: أن هذا الطير الذي جعلناه غرضاً بعد أن مات يتخرق ويفسد لحمه فإنه ينهى عنه من هذه الناحية أن في ذلك إفساد للمال.

стр. 3047

ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون للرماة غرضاً يترامون إليه؛ لأن هذا هو الذي يحصل به تعلم الرمي، وكثير من الناس يصيب الهدف بما يريد أن يصيبه فيه من أعلاه أو من أسلفه أو من يمينه أو شماله، حتى إنه حدثنا بعض الناس أن من الرماة من يجعل البيضة على صدر ابنه ثم يرمي إليها فيصيب البيضة ويسلم الولد، وهذا يعني: أنه يبلغ من الإصابة غايتها؛ إذ إن رجلا يفعل هكذا يخشى عليه أن ترتعد فرائضه؛ لأن أمامه ابنه ومع ذلك يتحكم إلى هذا الحد، وهذا أمر معروف مشهور عندنا نحن لم نشاهده لكنه اشتهر عند الناس وإن كنا لا نحبذ هذا الأمر؛ لأنه إذا كان النبي ﷺ نهى أن يشير الرجل بحديدة إلى أخيه فهذا أشد خطراً لكننا نحكي الواقع، وحكاية الواقع لا يعني إقراره، فإن الرسول ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم اليهود والنصاري» وحكايته إياه لا يدل على إقراره، فالحاصل: أنه إذا مات ما فيه الروح جاز اتخاذه غرضاً بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إفساد المال. فإن قال قائل: يعزم معلمو الصيود اليوم أنه لا يمكن أن يتعلم الصيد حتى تطلق أمامه حمامة أو نحوها، فهل إطلاقها جائز، أو نقول: هي مثل هذا الحديث أنه يتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً لكنه اتخذه غرضا للصيد فهل نقول: إنه يدخل في هذا الحديث دخولا لفظياً أو دخولا معنوياً؟ الجواب: أن الظاهر أنه لا يدخل في الحديث إذا لم يمكن تعليم الصيد إلا بذلك والفرق بينه وبين السهم: أن السهم يمكن أن تجعل شيئاً ليس فيه الروح غرضاً أما هذا فلا يمكن أن نعرف أن نعلم الصيد إلا بهذا. حكم ذبح الحجر وذبح المرأة الحائض: وعن عكب بن مالك ﵁: «أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها» رواه البخاري. هذا الحديث ساقه البخاري رحمه مختصراً، والقضية التي وقعت أن جارية كانت ترعى غنماً بتل قريباً من المدينة، وكان في ذلك الوقت محل الرعي، الآن كله عمائر، كانت ترعى الغنم فأصاب الذئب شاة منها فأدركته أخذت حجراً له حد فذبحتها، فأمر النبي ﷺ بأكلها. وهذا الحديث فيه فوائد ذكرنا أظن فوق العشرة في كتابنا «الأضحية والذكاة» عشر فوائد تؤخذ من هذا الحديث نأخذ منها ما تيسر. أولاً: فيه دليل على جواز الذبح بالحجر، لأن النبي ﷺ أقر ذلك، حيث أمر بأكل الذبيحة

стр. 3048

به، لكن يشترط أن يكون الحجر ذا حد لقول النبي صلى الله فيما سبق: «ما أصاب بحده فكله وما أصاب بعرضه فلا تأكله» هنا الحجر لابد أن يكون له حد، ولأنه لا يمكن أن ينهر الدم إلا إذا كان له حد. ومن فوائد الحديث: جواز ذبح المرأة، وجه ذلك أن الرسول أقر ذلك. ومن فوائده: أنه يجوز ذبح المرأة الحائض، هنا ذبح مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني يجوز للحائض أن تذبح وجه الدلالة أنه لم يستفصل، وأخذ العلماء من ذلك أنه يجوز ذبح الجنب قالوا: لأن حدث الحيض أعظم من حدث الجنابة، ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن موجبات الحيض أدنى من موجبات الجنابة بمعنى: أن الحائض لا تمنع دخول الملائكة والجنب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب فالجنابة تبعد الملائكة والحيض لا تبعد الملائكة، ولكن على كل حال الأصل في ذبح الجنب أنه حلال سواء قسناه على الحائض أو جعلناه مستقلاً. فائدة في ذبح ملك الغير وحله: من فوائد الحديث: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة، وإن أدى إلى التلف ليس التلف الكامل- البعض الدليل أن الجارية تصرفت لأنها أمينة تصرفت وذبحت الشاة مع أن صاحب الشاة لم يأذن لها ولم يقل: إن أصابها شيء فاذبحيها؛ لأن هذا من المصلحة ويدل لهذا أيضاً قصة الخضر حين ركب السفينة فخرقها قال له موسى: أخرقتها لتغرق أهلها، فأخبر أنه خرقها لأن وراءه ملكاً يأخذ كل سفينة غصباً. إذا قال قائل: أنتم تقولون: فيه دليل على جواز تصرف الأمين بما فيه مصلحة، وإن لم يؤذن له فهل أردتم بالجواز ما يقابل المنع أو أدرتم بالجواز ما استوى فيه الأمران؟ الجواب: الأول أردنا ما يقابل المنع وهل هنالك فرق بين العبارتين؟ إذا قلنا: المراد بالجواز استواء الطرفين صار هذا الأمين إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وإذا قلنا: المراد بالجواز ما يقابل المنع صار واجباً على الأمين إذا خشي التلف أن يتصرف وهذا هو المراد، يعني: يجب على الأمين إذا خاف التلف فيما اؤتمن عليه أن يفعل ما هو أقرب إلى الصلاح، وعلى هذا فقولنا: جواز تصرف الأمين فيما فيه المصلحة وإن لم يأذن له صاحبه في مقابل المنع وليس معناه استواء الطرفين. ومن فوائد الحديث: أن ما أصابه سبب الموت فأدرك فهو حلال، وجه ذلك: أن هذه الشاة عدا عليها الذئب فأكلها لكن هذه الجارية أدركت البهيمة حية وذبحتها. ومن فوائد الحديث: أن الفعل إذا جرى من أهله فإنه لا يسأل عنه، ولهذا لم يسأل النبي

стр. 3049

صلى الله عليه وسلم هل هذه المرأة سمت الله عليها أم لا؟ بل أمر بالأكل لأن الأصل في الأفعال الواقعة من أهلها السلامة وصحة التصرف. ومن فوائد الحديث: ورع الصحابة- ﵃ حيث لم يأكلوها حتى سألوا النبي ﷺ فأمر بأكلها. ومن فوائد الحديث: أن الأمر يأتي بمعنى الإذن لأن قوله: «أمر» ليس معناه أمر تعبدي بمعنى أنه يلزمهم أن يفعلوا ذلك ولكنه أمر بمعنى الإذن، وهكذا كل أمر بعد استئذان فهو للإباحة وليس للوجوب ولا للاستحباب إلا بدليل خارجي أما مجرد الأمر الواقع جواباً للاستئذان فإنه يكون للإباحة وهذا هو الأصل. شروط الذبح: ١٢٨٩ - وعن رافع بن خديج ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر؛ أما السن؛ فعظم: وأما الظفر: فمدى الحبشة» متفق عليه. قوله: «ما أنهر الدم» هذه ما شرطية، «وأنهر» فعل الشرط وفاعله مستتر جوازاً تقديره هو «والدم» مفعول به وقوله: «وذكر اسم الله عليه» معطوف على فعل الشرط، وقوله: «فكل» هذا هو جواب الشرط واقترنت الفاء به لأنه طلب وإذا كانت جملة الجواب طلباً وجب اقترانها بالفاء وعلى هذا بيت مشهور فيما يجب اقترانه بالفاء: (اسمية طلبية ويجامد ... وبما ولن وبقد وبالتفيس) من أي هذه الأحكام السبعة هنا في الحديث؟ الطلبية وقوله: «ليس السن» ليس هذه أداة استثناء واسمها مستتر وجوباً، وليس كما نعلم يستتر اسمها وجوباً إلا إذا كانت أداة استثناء فإن اسمها يكون اسمها مصدرا وجوباً، والسن خبرها، وأما قوله: «فأما السن» فأما هذه حرف شرط وتفصيل، والسن مبتدأ وعظم خبر المبتدأ، ويقال: كذلك في «فأما الظفر فمدى الحبشة» يقول النبي ﷺ أي شيء أنهر الدم من حديد وخشب ورصاص وذهب وفضة، أي شيء أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، واستفدنا العموم من أداة الشرط لأن جميع أدوات الشرط الأسمية تفيد العموم كل اسم شرط فإنه مفيد للعموم، وعلى هذا فيشمل كل ما أنهر الدم من أي مادة كان الزجاج يدخل في هذا، ويدل على العموم الاستثناء حيث قال: ليس السن والظفر، وقد ذكر الأصوليون ضابطاً في هذه المسألة فقالوا: الاستثناء معيار العموم وهذا واضح لأن الشيء إذا

стр. 3050

تناول أشياء كثيرة ثم أخرج منه بعض الأفراد علم أن ما سوى هذا المخرج داخل في اللفظ لكن لو قال قائل: العموم يستثنى منه الذهب والفضة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الأكل في صحائفهما والشرب في صحائفهما قلنا النهي الوارد في الأكل والشرب ولا يصح أن يقاس غيرهما عليهما لظهور الفرق وحتى لو قلنا بتحريم ذلك فإنه لا يلزم من تحريمهما؛ أي: تحريم استعمالهما فهو حرام حتى في تقشير البصل يكون حراماً فليس تحريم ذلك خاصاً بالذبيحة وعلى هذا فالذبيحة حلال مع تحريم الفعل على القاعدة أن النهي العام لا يقتضي بطلان الخاص. وقوله: «ذكر اسم الله عليه» «ذكر» لم يبين من الذاكر، ولكن الأحاديث السابقة في الصيد تدل على أن الذكر لابد أن يكون من الفاعل فيكون المراد بذكر اسم الله أن يكون الفاعل هو الذاكر فلو أن أحداً ذبح وآخر ذكر فالذبيحة حرام، وقوله: «اسم الله» هل المراد هذا اللفظ المعين الذي هو لفظ الجلالة أو أنه عام لأن «اسم» مفرد مضاف إلى الرب فيشمل كل اسم من أسماء الله؟ فالجواب الثاني إذا ذكر اسم الله الخاص به فإنه يحصل به المقصود وقوله: «فكل» الأمر هنا للإباحة، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز أن ترمى هذه الذبيحة، لأن رميها إفساد للمال وإضاعة له لكن نقول: لا يلزم أن تأكل، ممكن أن تبيعها على أحد ولا تأكل، وعلى هذا فيكون الأمر للإباحة على كل حال لكن لا يعني ذلك جواز ترك الأكل ورميها بدون فائدة. وقوله: ليس السن والظفر، السن هنا مطلق فهل نقول: إن المراد به سن الإنسان أو سن الحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ بمعنى لو وجدنا سناً منفصلاً وذبحنا به لم يدخل في الاستثناء أو هو عام؟ الظاهر أنه عام لأنه ليس هناك قرينة تدل على التخصيص وعلى هذا فيتناول السن على أي وجه كان سواء كان متصلاً أو منفصلاً وسواء كان من إنسان أو من حيوان أي: سن يذبح به فإنه لا تحل الذبيحة. وقوله: الظفر ما المراد به؟ هل المراد ظفر الإنسان أو يشمل ظفر الإنسان والحيوان؟ وهل المراد المتصل أو المنفصل؟ الظاهر أن المراد ظفر الإنسان ويؤيد هذا قوله: أما الظفر فمدى الحبشة؛ لأن الحبشة هم الذين يطيلون أظفارهم ويذبحون بها وإلا لقلنا: إن الظفر عام كما قلنا إن السن عام. في هذا فوائد: منها: اشتراط إنهار الدم لحل الذبيحة وجه ذلك أن الرسول ﷺ علق حل الأكل على إنهار الدم، والمعلق على شرط لا يتم إلا بوجود ذلك الشرط، فلابد من إنهار الدم وهذا أصرح حديث فيما يجب قطعه عند الذبح.

стр. 3051

وهذه المسألة اختلف العلماء- ﵏ فيها هل يكفي إنهار الدم بدون قطع الحلقوم والمريء أو لابد من قطع الحلقوم والمريء؟ وهل إذا قلنا: لابد من قطع الحلقوم والمريء يكتفي بهما عن إنهار الدم أو لابد مع ذلك من إنهار الدم. نقول: إن الحديث ظاهر في أنه لابد من إنهار الدم وسكت النبي ﷺ عن الحلقوم هو مجرى النفس وعن المريء الذي هو مجرى الطعام سكت عنه. قد يقول قائل: سكوت النبي ﷺ عنها لأن من أنهر الدم من الودجين فقد قطع الحلقوم والمريء إذ إن الحلقوم أبرز من الودجين فإذا قطع الودجين فلابد أن يقطع الحلقوم والمريء، فيقال: هذا ليس بصحيح؛ إذ قد يقطع الودجين دون أن يقطع الحلقوم والمريء مثل أن يقطعها بمبراة صغيرة يقطع العرق وكذلك العرق الآخر فليس بلازم أنه إذا قطع الودجين قطع الحلقوم والمريء. وليعلم أن أكمل الحالات أن يقطع الأشياء الأربعة: الودجين والحلقوم والمريء هذا أطيب شيء وأذكى شيء يحصل بذلك إنهار الدم وقطع مادة الحياة التي هي الحلقوم والثاني المريء لأن الحلقوم به قطع النفس والمريء قطع الطعام والشراب وبالنفس والشراب تكون الحياة كما أن بالدم تكون الحياة فأكمل ذلك أن تقطع الأربعة. يلي هذا أن تقطع الودجين والحلقوم فإن الصحيح أن الذبيحة تحل بقطع الودجين والمريء يلي ذلك أن تقطع الودجين مع المريء وهذه صعبة لأن المريء داخل الحلقوم، يعني: تحته لكن قد يكون مثلا إنسان رمى بندقية وأصابت الودجين، يعني: رماها لأنه غير قادر على الذبح أو قادر ولكن أصاب الودجين والمريء المهم يكون هذا هو المرتبة الثالثة. المرتبة الرابعة: قطع الودجين فقط وهذا أيضاً تحل به الذبيحة، الدليل أن في ذلك إنهار للدم ولهذا إذا قطع الودجين فإنه يراهما يشحبان دماً. المرتبة الخامسة: أن يقطع المريء والحلقوم دون الودجين ففي حل ذلك خلاف والمشهور من المذهب أنها تحل وأن الشرط هو قطع الحلقوم والمريء وإن لم يقطع الودجين لكن القول بالحل هنا فيه نظر، وجه النظر أن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه» وهذا لا ينهر الدم، صحيح أنه بعد مدة طويلة يموت الحيوان لأنه ينضب الدم لكنه لا ينهره وأيضاً قد روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح ولا تفرى الأوداج وهذا الحديث وإن كان فيه مقال لكنه يشهد له حديث ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل.

стр. 3052

المرتبة السادسة: أن يقطع الحلقوم وحده فقط فهذه لا تجزئ قولاً واحداً حتى على المذهب لا تجزئ. المرتبة السابعة: أن يقطع المريء وحده فهذه لا تجزئ أيضاً، بقى عندنا أن يقطع أحد الودجين فهذه أيضا لا تحل؛ لأنه لا يحصل بذلك إنهار الدم، فصار الآن عندنا أكمل الحالات في الزكاة أن يقطع الأربع الودجين والحلقوم والمريء. من فوائد الحديث: أن الذبيحة لا تحل إلا إذا ذكر اسم الله عليها لقوله: «وذكر اسم الله عليها» بأن يقال: باسم الله، لو أن الإنسان قال: يا الله ثم ذبح فهذا لا يجزئ؛ لأن هذا لا يقال له: ذكر، يقال له: دعاء، ولابد من ذكر اسم الله. ومن فوائد الحديث: أنه إذا نسي اسم الله، أي: نسي أن يذكر اسم الله عليه فإن الذبيحة لا تحل، وجه الدلالة أن النبي ﷺ جعل ذكر اسم الله شرطاً والشرط لا يسقط بالنسيان، ولأن الله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] فنهانا أن نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه سواء تركت التسمية عمداً أو سهواً أو جهلاً. فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قلنا: بلى، ولهذا لو أكل الإنسان مما لم يسم عليه ناسيا أو جاهلاً لم يعاقب ولم يؤاخذ لكن هنا شيئان: فعل الذابح وفعل الآكل كلاهما إذا وقع نسيانا أو جهلا فلا إثم؛ فالذابح إذا نسي أن يسمي فلا إثم عليه، وكذلك إذا جهل، يبقى عندنا الآكل الآن وقف هذا الآكل على ذبيحة لم يسم عليها فهل له أن يأكل؟ لا؛ لأن الذي سقط عنه الإثم الذابح، أما الآكل فالآن هو يعلم أن هذه ذبيحة لم يسم عليها فيحرم عليه الأكل فإن أكل ناسياً أو جاهلاً يظن أنه قد سمي عليها فلا شيء عليه، لا إثم عليه وليس في هذا معارضة للآية التي هي قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن سنينا أو أخطأنا﴾ لأننا نقول إذا أكل من الذبيحة التي لم يسم عليها ناسياً لم تصح صلاته ولم يأثم لأنه معفو عنه لكنها لا تبرأ بها ذمته لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة. فإن قال قائل: ألستم تقولون إن الإنسان إذا صلى في ثوب نجس ناسياً فالصلاة صحيحة مع اشتراطكم طهارة الثوب للصلاة قلنا: بلى نقول بهذا لكن اشتراطنا طهارة الثوب للصلاة اشتراط عدمي؛ يعني: ألا يكون الثوب نجساً وأما اشتراطنا للوضوء إذا صلى ناسياً فهو شرط وجودي لابد من وجوده هذا هو الفرق.

стр. 3053

فإذن قال قائل: إذا حرمتم متروك التسمية سهواً أو جهلاً أضعتم الأموال لأن هذا يقع كثيراً في الناس؟ قلنا: الأمر بالعكس، لأننا إذا قلنا بتحريم متروك التسمية سهواً أو جهلاً أقمنا الناس واستقام الناس على الذكر؛ لأن الإنسان إذا حرم بعيره وهي بخمسة آلاف ريال وقلنا: حرم أكلها، ارمها للكلاب فهل ينسي في المرة الثانية أن يسمي؟ لا ينسى ربما يسمى عشر مرات ويخشى أن التسمية الأولى فيها نقص حركة أو شيء لكن لو قلنا: بأنه مستحب فربما يتهاون. ونظير هذا الاعتراض أعني أن يعترض الإنسان فيقول إذا حرمتم متروك التسمية سهواً أضعتم أموالاً كثيرة نظير هذا من اعترض على قطع يد السارق وقال: إذا قطعتم يد السارق جعلتم نصف الشعب أقطع، وهذا قرأناه في بعض المجلات، نقول: هذا بالعكس بل إذا قطعنا يد السارق قلت السرقة. يوجد إشكال في إعراب الحديث وهو قوله: «ليس السن والظفر» فلماذا لم تكن مرفوعة على أنها اسم ليس؟ يقولون: إن هذه- أعني «ليس» في المكان- وما أشبهها أداة استثناء واسمها محذوف وجوباً، وعلى هذا فنقول: ليس فعل ماض وهو أداة استثناء، وإن شئنا قلنا: السن مستثنى كما نقول ذلك فيما بعد إلا، أو نقول: اسمها مستتر وجوباً والسن خبرها، والسن بين الرسول ﷺ أنه العظم، والظفر: العلة فيه أنه مدى الحبشة، نرجع للفوائد. من فوائد الحديث: أنه لابد لحل الذبيحة من إنهار الدم، لقوله: «ما أنهر الدم» ولكن هل هو من أي موضع؟ لا؛ لأنه لا يمكن إنهار الدم إلا من موضع واحد وهو الرقبة؛ لأنها مجمع العروق ويكون إنهار الدم بقطع الودجين وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم. ومن فوائد الحديث: أنه إذا حصل إنهار الدم حلت الذبيحة وإن لم يقطع الحلقوم والمريء، وهذا هو القول الراجح، والمسألة فيها أقوال متعددة تصل إلى ستة أقوال؛ ولكنها كلها ليس عليها دليل واضح إلا هذا القول: إن الواجب هو قطع الودجين لأن بهما إنهار الدم، لكن لا شك أن الأكمل أن يقطع الأجزاء الأربعة وهما الودجان والحلقوم مجرى النفس والمريء مجرى الطعام والشراب. ومن فوائد الحديث: أنه لا تحل الذبيحة إلا إذا ذكر اسم الله عليها لقوله: وذكر اسم الله عليها؛ لأن ذكر اسم الله عليها معطوفة على الشرط، والمعطوف على الشرط يكون شرطاً مثله، والجواب: قوله فكل.

стр. 3054

واختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من يقول: إن التسمية سنة وليست بواجبة فإذا ذبح وسمى فهو أكمل وإذا ذبح ولم يسم فالذبيحة حلال، ولو كان عمداً، ومنهم من قال: إن التسمية واجبة ولكنها تسقط بالسهو والجهل لقول الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وقوله: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]. ومنهم من يقول: إن التسمية شرط ولا تحل الذبيحة بدونها سواء تركها سهواً أو جهلاً. وهذا القول أصح الأقوال وأشدها انطباقا على القواعد، وذلك لأن النبي ﷺ اشتراط لحل الأكل شرطين: الأول إنهار الدم، والثاني التسمية فإذا كان اختلاط الشرط الأول وهو إنهار الدم موجباً لتحريم الذبيحة فكذلك إذا اختل الشرط الثاني ولا فرق، أرأيت لو أن إنساناً نسي وذبح الذبيحة من خلف العنق وماتت الذبيحة وصار الدم يخرج منها حتى نفد الدم وماتت لكنه نسي أتحل الذبيحة؟ لا تحل، وكذلك لو كان جاهلاً فذبحها من على الرقبة حتى ماتت نبض الدم وماتت فإنها لا تحل. إذن ما الذي جعلنا نقول إذا نسي التسمية حلت وإذا جهل وجوبها حلت مع أن كلا الأمرين في شرط واحد لا وجه لذلك وأما قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ فنقول: نعم لا يؤاخذ الإنسان إذا ذبحها بدون تسمية جاهلاً أو ناسياً وليس الشأن بالذبح الآن الذبح إذا كان ناسياً أو جاهلاً فإنه لا يأثم به بلا شك، الكلام على الأكل هذا الذي يأكلها علاماً ذاكراً غير مكره قد تعمد المعصية لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ولهذا لو أن الإنسان أكل من هذه الذبيحة التي لم يسم عليها جهلاً أو نسياناً فلا شيء عليه لأن هناك فرقاً بين الذبح الذي هو فعل الذابح وبين الأكل الذي هو فعل الآكل فهما مفترقان فالذبح إذا تعمد الإنسان ترك التسمية [فيه] إنها لا تحل ولا إشكال في ذلك، لو نسي أو جهل فإنه ليس عليه إثم لأنه ناس أو جاهل، لكن يبقى الآكل إذا أراد أن يأكل قيل له هذه الذبيحة لم يسم الله عليها إذا أكل فقد تعمد مخالفة قول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ وإذا تأمل الإنسان المسألة وجد أن هذا هو الصواب من وجهين: أولاً: لظاهر النصوص، وثانياً لأنه أقرب إلى القواعد لأن الشرع لا سقط سهواً ولا جهلاً.

стр. 3055

ولذلك لو أن إنساناً صلى بلا وضوء جاهلاً فلا تصح صلاته ولو صلى بغير وضوء ناسياً لم تصح صلاته وهكذا شأن الشروط. يقول بعض الناس: إنه لو قيل بتحريم ما نسي ذكر اسم الله عليه لأدى ذلك إلى ضياع أموال كثيرة لأن النسيان يقع كثيراً من الناس فإذا قلنا: إن هذه البعير التي تساوي عشرة آلاف نسي أن يسمى الله عليها نقول: هي حرام، كيف نتلق هذا المال العظيم؟ نقول: لأنه لم يكن مالا حينما نسي أن يسمي الله عليه لم يكن مالا بل صار ميتة ولا إضاعة فيه ثم إنه فيما لو أراد أن ينحر بعيراً مرة أخرى هل سينسى؟ لن ينسى، وأظنه سوف يذكر اسم الله وهو مقبل على البعير قبل أن يبدأ في النحر لأنه يذكر الحلة الأولى. وما هذه العلة إلا كتعليل بعضهم قطع يد السارق بأننا لو قطعنا يد السارق لزم أن يكون نصف المجتمع أشل! نقول: هذا خطأ، إذا قطعنا يد السارق امتنعت أمة تريد السرقة، ومنه أيضاً من قال القصاص وهو: قتل النفس بالنفس يؤدي أيضاً إلى كثرة الأموات والقتلى، نقول: هذا غير صحيح، لأن الله يقول: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] ومن فوائد الحديث: هذا التأثير العظيم في التسمية لا حل الذبيحة إلا به ما يدل على بركة اسم الله عز ووجل وأنه يؤثر حتى في نتائج الأعمال وثمراتها، وهل هناك شيء يجب ذكر اسم الله عليه؟ الوضوء على قول كثير من العلماء، يجب أن نسمي عند الوضوء، وقاس عليه بعض العلماء الغسل والتيمم وكذلك يجب على القول الراجح عند الأكل والشرب لأنه إذا لم يسم الله عند أكله وشربه شاركه الشيطان في ذلك. ومن فوائد الحديث: أن الأمر يستعمل بمعنى الإباحة وذلك فيما إذا كان الحظر متوهماً فإن الأمر يكون للإباحة لقوله: فكل؛ لأن معنى فكل فقد أبيح لك الأكل وليس المعنى أنه سيلزم بأن يأكل أو يندب له أن يأكل من الذبيحة ولكن المعنى أنه رفع عن المنع. ومن فوائد الحديث: أن التذكية بالعظم والسن غير صحيحة، ولو كان جاهلاً؟ نعم، ولو كان جاهلاً فلو أن إنساناً ذبح أرنباً بعظم حاد وأنهر الدم فإنها لا تحل؛ لأن الآلة غير شرعية مستثناة «ليس السن والظفر» فإن قال قائل: لو ذبح بسكين مغصوبة، استعمال السكين الآن محرم لأنها لغيره ولا يحل

стр. 3056

للإنسان أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه فهل تحل الذبيحة؟ نعم، وذلك لأن السكين في حد ذاتها آلة ذبح وإنما يحرم الذبح بها لأنها ملك الغير ثم إن استعمال السكين في الذبح ليس منهياً عنه لذاته وإنما المنهي عنه هو استعمال المغصوب في أي وجه من وجوه الانتفاعات، وعلى هذا فنقول: إنه لو ذبح بآلة مغصوبة فعمله محرم والذبيحة حلال. ومن فوائد الحديث: أن الزكاة لا تصح بالظفر؛ لقوله ﷺ «ليس السن والظفر» لكن هل المراد ظفر الإنسان أو أي ظفر يكون؟ فيه خلاف: بعض العلماء يقول: المراد بذلك ظفر الإنسان ومنهم من يقول: أي ظفر يكون والأمر محتمل أن يكون أي ظفر يكون، ويحتمل أن يكون ظفر الإنسان وهذا يرجع إلى عادة الحبشة هل هم يذبحون بأظفارهم أو بكل ظفر حيوان؟ الظاهر الأول وأن المراد ظفر الآدمي، لأن استعمال الظفر آلة للذبح يستلزم أن يبقيه الإنسان يستعملها وهذا خلاف الفطرة التي فطر الله الخلق عليها فإن تقليم الأظفار من الفطرة وإذا كان الإنسان يستعملها للذبح فسيتركها ويقول: إذا وجدت حيواناً وليس معنا مدية لأجل أن أذبح بالظفر فيكون ذلك مخالفاً للفطرة. ومن فوائد الحديث: أنه لا يحل الذبح بأي عظم، يؤخذ من عموم العلة في قوله: «أما السن فعظم» وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه العلة قاصرة وأن العلة مجموع الأمرين، أنه سن وأنه عظم وإنما حرم الزكاة بالسن الذي هو عظم لأن ذلك يشبه افتراس الذئب والسباع والإنسان منهي عن أن يتشبه بالسباع والذئاب. والذين رجحوا هذا القول قالوا: لو كان الأمر للعموم لكان النبي ﷺ يقول: ليس العظم فلا يخص السن، فكونه يخص السن بما هو عظم يدل على أن هذا جزء لعلة وليس هو العلة الكاملة، ولكن القول الثاني في هذه المسألة وهو أن المراد جميع العظام وأن قوله ليس السن والظفر إنما ذكر السن فقط دون بقية العظام لأنه هو الذي كان المعهود في التذكية به، فذكر السن لأن هذا هو المعهود أن يذكي به فلهذا نهى عنه واستثناه. والذين قالوا بالعموم عللوا تعليلاً جيداً قالوا: لأن العظم إما أن يكون عظم مذكاة أو عظم ميتة فإن كان عظم مذكاة لزم منه العدوان على الجن لأن الجن قد جعله النبي ﷺ لهم غذاء فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدون أوفر ما يكون لحماً» فيأكلونها. فإذا قال قائل: كيف هذا؟ ألسنا نشاهد العظام نطرحها ثم لا نجد عليها لحماً؟ قلنا: كن جنياً تجد اللحم! لماذا؟ لأن الرسول ﷺ جعلها لحما للجن، أما أنت فآدمي، وقد أخذت ما ينتفع به منها قبل ذلك، وهذا مما يدل على فضل الإنس على الجن أن الجن لا

стр. 3057

يأكلون إلا فضلاتهم، وهذا من أمور الغيب التي يجب على المؤمن أن يصدق بها، أليس الرسول ﷺ أخبر بأن الإنسان إذا أكل ولم يسم شاركه الشيطان؟ بلى فهل نرى الشيطان؟ لا ولكن هذا من أمور الغيب التي يجب علينا أن نصدق بها ونقول سمعنا وآمنا ولا نتعرض لأي إيراد يورده الذهن أو أن نجيب عن كل مورد في مثل هذه الأمور إلا أن نقول هذا خبر من رسول الله ﷺ وخبره صدق. إذا كان عظم غير مذكاة فإنه يكون نجساً، والنجس لا يليق أن يكون سبباً للذكاة والتطهير، الذكاة تطهر الحيوان فكيف تكون آلة التطهير نجسة على الخلاف في حكمها ولذلك نقول: إذا كانت العظام نجسة فوجد العلة أنه لا يليق أن يكون الشيء النجس بذاته سبباً لتطهير غيره. الظفر كما قال الرسول ﷺ «مدى الحبشة» فهل نقول: كل سكين للحبشة لا يذبح بها إلا الحبشة فإنه لا تجوز التذكية بها كما قلنا في قوله وأما السن فعظم؟ لا؛ لأن هذا بيان للواقع، وقد علمنا فيما سبق أن ما كان قيداً لبيان الواقع فإنه لا مفهوم له وعلى هذا فلو قدر أن هناك سكاكين- آلات- لا يستعملها إلا الحبشة فهل نقول: إنه يحرم علينا أن نذكي بها ولو ذكينا لكانت المذكاة حراماً الجواب: لا. ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول ﷺ حيث كان يذكر الحكم وعلته، وذكر العلة مع الحكم أمر مطلوب خصوصاً إذا كان فيما يشكل حتى يزول ما في النفس من الإشكال، لأنه قد يقول قائل: ما الذي أوجب أن نستثنى العظم والظفر مما لا يجوز به الذبح؟ فأراد النبي ﷺ أن يزيل هذا الإشكال. ففي ذكر العلة طمأنينة للمخاطب وراحة، وأحياناً يكون فيها فائدة أيضاً وهي أنه إذا كانت هذه العلة متعدية فإنها تكون مفتاحاً لباب القياس مثل قول الرسول ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة

стр. 3058

فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه» فيستفاد من هذا: أن كل شيء يحزن المؤمن فإنه منهى عنه سواء المناجاة أو غير ذلك. النهي عن قتل الدواب صبراً: ١٢٩٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵂ قال: «نهي رسول الله ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبراً» رواه مسلم. النهي: قال العلماء هو طلب الكف على وجه الاستعلاء عكس الأمر؟ لأن الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء وهذا طلب الكف أي: الترك على وجه الاستعلاء أي: أن الناهي يشعر بأنه مستعل على المنهي، وقد مر علينا في الأصول هل النهي المطلق يقتضي التحريم أو الكراهة؟ وبينا أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقتضي التحريم، والثاني: الكراهة، والثالث: التفريق بين العبادات والآداب، وقوله: «أن يقتل شيء من الدواب صبراً» الدواب جمع دابة والمراد بها كل ما دب علي الأرض سواء كان حلالاً أو حراماً وقوله صبراً أي: حبساً، والمعنى: أنه يحبس ثم يقتل، وهذا كالنهي عن اتخاذ ما فيه الروح غرضاً مثال ذلك أن يمسك إنسان بالدابة ثم يأتي شخص آخر ويرميها بالسهم/ هذا منهي عنه؛ لأنه إفساد ولا تحل به هذه المقتولة لأنه مقدور على ذبحها، والمقدور على ذبحها لا يحلها الرمي بالسهم لأن الرمي بالسهم إنما هو لما لا يقدر عليه وأما ما يقدر عليه فلابد أن يذبح أو ينحر. ففي هذا الحديث: أن الدين الإسلامي كما جاء بالرفق بالإنسان فإنه جاء بالرفق بالحيوان، ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبراً. ومن فوائده: النهي عن إضاعة المال لأن قتل الدواب صبراً إضاعة للمال إذ إنها لا تحل بهذا القتل؛ إذا كانت مما يؤكل فتضيع ماليتها، وإن كانت مما لا يؤكل كالحمير ضاعت ماليتها أيضاً فينهى عن ذلك. ومن فوائد الحديث: أن ما يقدر على ذبحه لا يحل برميه ولعل المؤلف ﵀ ساقه في هذا الباب من أجل هذه الفائدة أن كل ما يقدر عليه فلابد فيه من الذبح أو النحر، الذي لا يقدر عليه يحل بقتله في أي موضع من بدنه كالصيود الطائرة أو العادية وكالذي سقط في بئر ولم نقدر عليه فإنه يصح أن نرميه وفي أي موضع أصابه السهم ومات به يحل، وكذلك إذا ندت الإبل أو

стр. 3059

البقر أو الغنم، يعني: هربت وعجزنا عن إمساكها ورميناها حلت في أي موضع كان أصابه السهم. وجوب إحسان القتلة: ١٢٩١ - وعن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا بحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم. كتب: تأتي بمعنى فرض كما في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إنن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ [البقرة: ١٨٠] وقوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. فقوله: «كتب» الإحسان أي: فرضه وأوجبه ويحتمل أن المعنى كتبه أي: شرعه ويشمل الفرض والنفل بمعنى: أنه يشمل الإحسان الواجب والإحسان المستحب، وقوله: «على كل شيء» قيل: إن معنى «على» «في» أي: في كل شيء وليس هذا ببعيد وإذا جعلنا «على» على ظاهرها أنها للاستعلاء صار المعنى على فعل كل شيء، كل شيء يفعله الإنسان في غيره فإنه مفروض عليه الإحسان، قال: «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» وهذا مثالان وإلا فيكون الإحسان أيضا في غير هذا، كالجلد والرض وما أشبه ذلك فيحسن الإنسان هذا كما يحسن القتلة والذبحة، وقوله: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ففرق النبي ﷺ بين القتل وبين الذبح فالقتل فيما لا يجوز أكله، والذبح فيما يجوز أكله كالإبل والبقر والغنم، وقوله: «أحسنوا القتلة» هل الإحسان هو بالتسهيل أي: بتسهيل القتل واستعمال أقرب الطرق إلى القتل بالسهولة، أو يراد بالإحسان موافقة الشرع؟ الثاني، المراد هو: الثاني، ولهذا نرى أن الرجل إذا زنى وهو محصن فرجم بالحجارة، نرى أن هذا من إحسان القتلة لموافقته للشرع مع أنه لو قتل بالسيف لكان أسهل، وقوله: «القتلة» ولم يقل: القتلة- أي: بالفتح- والفرق بينهما أن فعلة للهيئة وفعلة للمرة كما قال ابن مالك ﵀ في الألفية: (وفعلة لمرة كجلبه ... وفعله لهيئته كجلسه)

стр. 3060

وعلى هذا فإذا قلت: وئب الرجل على المعتدي وثبة الأسد أو وثبة؟ وثبة بالكسر لأن المراد الهيئة، أما المرة فهذه تعود إلى نفس الأسد، وعلى هذا تكون القتلة بالكسر أي: هيئة القتل وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة يقال فيها مثل ما قيل في قوله: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» لكن هذه فيما يؤكل وكذلك إذا نحرتم فأحسنوا النحر وإذا رميتم فأحسنوا الرمي. المهم أن هذين المثالين ليس على سبيل الحصر ثم قال: «وليحد أحدكم شفرته» اللام هنا لام الأمر ولهذا جاءت ساكنة بعد الواو لأن لام الأمر تسكن إذا وقعت بعد حروف ثلاثة وهي «الواو، وثم، والفاء» قال الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩] وقال تعالى: ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥]. وأما لام التعليل فإنها مكسورة بكل حال وإن وقعت بعد هذه الحروف، وبهذا نعرف غلط من يقرأ قول الله تعالى: «هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد» وجه الغلط: أنه سكن اللام مع وجوب الكسر وهذا اللحن هل يغير المعنى؟ نعم يغير المعنى، ولهذا يجب الفتح على الإمام إذا قرأ هكذا ولينذروا به وليذكر فيقال: ولينذروا وليذكر أولوا الألباب لئلا يختلف المعنى. وقوله: «شفرته» الشفرة، قيل: إنها السكين العظيمة الكبيرة، والأظهر أن مراد النبي ﷺ في هذا: مطلق السكاكين، يعني: سكينة، وقوله: «شفرته» أي: الشفرة التي يذبح بها سواء أكانت ملكاً له أو ملكاً لغيره؛ لأن الإنسان قد يستعير السكين ليذبح بها لكنها أضيفت إليه والإضافة تكون لأدنى ملابسة، «وليرح ذبيحته» اللام هنا لام الأمر لأن اللام بعد الواو ساكنة. فإذا قال قائل: ونستطيع أن نقول: وليرح بالكسر؟ نقول فيه دليل في الفعل لأنها لو كانت لام التعليل لقال: وليريح ذبيحته، وقوله: ذبيحته فعلية بمعنى مفعولة أي: مذبوحته وهل الجملتان بمعنى واحد «وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» لأن حد الشفرة يريح الذبيحة أو هما معنيان مختلفان؟ الجواب: الثاني وهو: أنهما معنيان مختلفان: الراحة لا شك أن حد الشفرة مريح للذبيحة لكن المراد بالإراحة ما هو أشمل وأعم وذلك بأن يذبحها بقوة ونشاط وعزم لا يرخى يده عند الذبح بل يجذب بقوة هذا هو الإراحة، السكين إذا كان حاداً لكن الذابح ضعيف يذبح خفيفاً هل تنفع حدة الشفرة؟ لا، ولهذا قال وليرح ذبيحته بحيث يذبح بقوة ونشاط وسرعة. في هذا الحديث فوائد: منها: حب الله للإحسان لأنه تعالى محسن للعباد ويحب الإحسان إلى العباد، وجه الدلالة: أن الله كتب الإحسان على كل شيء ولولا محبته له ما كتبه على عباده إذ إنه لا يلزم العباد بما لا يحب بل ولا يشرع لهم ما لا يحب إطلاقاً ولهذا الشرع يتعلق بما يحب.

стр. 3061

ومن فوائد هذا الحديث: أن الإحسان شامل لكل شيء، إن قابلت أخاك بوجه طلق فهذا إحسان وإن قابلته بوجه عابس فهذا إحسان! نعم، إذا كانت المصلحة تقتضي أن تقابله بوجه عابس فهذا إحسان، ولهذا نجلد الزاني ونرجمه ويعد ذلك إحساناً له ولغيره أما لغيره فظاهر لأن الإنسان إذا علم أنه فعل الفاحشة حد بالجلد أو بالرجم امتنع وهو إحسان له أيضاً؛ لأن هذا الحد يكون كفارة له لا يعاقب عليه في الآخرة ولا يجمع الله تعالى له بين عقوبتين. إذن إن قابلت أخاك بوجه طلق فهو إحسان، وبوجه عابس فهو إحسان لكن لابد من قيد وهو إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، وهل لي أن أقول: إذا قابلت أخاك بوجه منبسط فهو إساءة؟ نعم، يمكن لكن بشرط إذا كان هذا يؤدي إلى تماديه في الإساءة؛ إنسان يعرف أن هذا رجل مجرم، ثم إذا قابله، قابله بوجه الرضا والانبساط، هذا العمل وإن كان خيراً في ذاته لكنه يؤدي إلى مفسدة وهي استمرار هذا المجرم في إجرامه، وبهذا نعرف أن المصالح الشرعية ليست مرتبة على الهيئات والأحوال بل على تحقيق المصالح الخالصة أو الراجحة. ومن فوائد الحديث: وجوب إحسان القتلة، إذا وجب على الإنسان القتل فإنه يجب إحسان القتلة [بأن] يسلك في قتله أقرب الطرق إلى إزهاق روحه بدون تعذيب، وأقرب شيء في ذلك هو السيف. ولكن لو قال قائل: إذا وجدنا طريقاً أسهل من القتل بالسيف بأن يقتل بالرصاص على نخاعه أو في رأسه أو بالصعق الكهربائي ألا نسلكه؟ قد يقول قائل: إن الصعق الكهربائي أسهل وقد يقول قائل: ليس بأسهل وحينئذ نرجع إلى رأي الاختصاصيين في هذا ولا يرد على ذلك أن يقال: إن هذا لم يقع في عهد النبي ﷺ لأنه لم توجد هذه الأداة في عهد الرسول ﷺ أما قتله بالرصاص فهذا قد جرى به العرف الآن كثيراً من الذين يقتلون؛ يقتلون بالرصاص فإذا ثبت أن هذا أسهل فإنه يسلك؛ لأن النبي ﷺ أمر بإحسان القتلة ولم يعين فيرجع إلى أهل الاختصاص في هذا. هل يقاس على ذلك إذا قطعتم عضواً في قصاص أو في حد فأحسنوا القطع؟ نعم، يدخل في هذا إذا وجب قطع يد قصاصها فلا شك أن من الإحسان أن يبنج من تقطع يده فهل يبنج؟ لا؛ لأننا إذا بنجناه أحسنا من وجه وأسأنا من وجه آخر، أحسنا من جهة إراحة هذا المقطوع لكن أسأنا القصاص؛ لأن الذي اعتدى عليه قد ذاق ألم القطع، وتمام القصاص أن المقتص منه يذوق الألم كما ذاقه الأول. وفي السرقة هل يجوز أن نستعمل البنج عند قطع يد السارق؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا ليس قصاصاً بل المقصود قطع اليد وقد حصل فيفرق بين هذا وهذا.

стр. 3062

ومن فوائد الحديث: وجوب الإحسان في الذبح بأن يضجع البهيمة برفق عند ذبحها على الجنب الأيسر إن كان ممن يذبح باليمنى أو بالأيمن إن كان ممن يذبح باليسرى لأن هذا هو الذي به الراحة لأن الذي يذبح باليمنى إذا أضجعها على الأيسر سهل عليه الذبح لأنه سوف يضع يده على صفحة العنق ويمسك بالرأس ويذبح، والذي لا يذبح إلا باليسرى لو أنه أضجعها على الجنب الأيسر لكان في ذلك تعب عليه وعلى البهيمة فتضجع على الجنب الأيمن ويمسك الرأس باليد اليمنى ويضع رجله على صفحة العنق ويذبح باليسرى. وهل من ذلك أن يعرضها على الماء؟ نقول في هذا تفصيل: إذا كان يخشى إنها عطشى فليعرض الماء عليها وإلا فلا حاجة، لو كان يعلم أننا في الشتاء ولا تحتاج إلى ماء أو أننا في الصيف ولكنها شربت قبل قليل فلا حاجة؛ ولهذا لا أذكر أن النبي ﷺ كان يعرض الماء على الذبيحة إذا ذبح ولو كان هذا من السنة المطلقة لبينه الرسول ﷺ إما بقوله أو بفعله لكنه إذا كان يخشى أن تكون عطشي وعرض عليها الماء لتبرأ ذمته من إساءة الإنفاق عليها ومراعاتها فهذا حسن لا بأس به. وهل من الإحسان أن يمسك بيديها ورجليها؟ ليس من الإحسان، من الإحسان أن يدعها تتحرك بأرجلها الأربع، لأن هذا أريح لها ولأن هذا أشد في تفريغ الدم، وتفريغ الدم من الذبيحة أمر مقصود للشرع، وأما ما يفعله بعض الناس الآن تجد الرجل القوي الكبير الجسم إذا أراد الذابح أن يذبح البهيمة برك عليها وأمسك بيديها ورجليها فهذا لا شك أنه تعذيب لها، هذا الرجل الكبير الجسم إذا برك عليها سوف يؤلمها ويضيق نفسها. فالأولى ألا تمسك اليدان والرجلان، الرقبة توضع الرجل عليها لأن هذا أريح للذبيحة عند ذبحها. هل من الإحسان أن توجه إلى القبلة؟ ذكر الفقهاء أنه يستحب أن توجه إلى القبلة إذا كانت تذبح تعبداً مثل الأضحية وأما الذبح للأكل، فلا فهذه ليست عبادة فلا يتوجه القول باستحباب استقبال القبلة، وعلى كل حال حتى لو كانت الذبيحة تعبداً لله فإن استقبال القبلة ليس بشرط خلافاً للعامة، العامة يقولون: لابد من استقبال القبلة ويرون أنه من شروط صحة الذكاة، ومثل هذه الأمور ينبغي لطلبة العلم أن ينشروا بيان حكمها للعامة، لأنه ربما يذبح العامي في مكان

стр. 3063

ليس عنده طالب علم فإذا ذبحها على غير القبلة قام يسترجع إنا لله وإنا إليه راجعون حرمت الذبيحة! جرها يا ولد للكلاب. فلابد أن يبلغ الحكم الشرعي للعوام حتى لا يضلوا. ومن إحسان الذبيحة ألا يعجل كسر عنقها أو سلخها قبل أن تموت موتاً نهائياً لأن في ذلك تعذيباً لها بدون فائدة. ومن فوائد الحديث: وجوب حد الشفرة لقوله: «وليحد أحدكم شفرته» وإذا قلنا بوجوب حد الشفرة صار الذبح بشفرة ليست حادة حراماً، ولكن هل تحل الذبيحة؟ نعم تحل مع تحريم الفعل؛ لأنه انطبق عليها قول الرسول ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل». ومن فوائد الحديث: وجوب إراحة الذبيحة لقوله: «وليرح ذبيحته» فيسلك أقرب الطرق لما فيه الإزاحة لأن الأصل أن إيلام الحيوان محرم لكن أباحه الله لمصلحة العباد، وعليه فنقتصر على قدر الضرورة في إيلامه ونريح الذبيحة بما ذكرنا لكم من قبل أن تكون الشفرة حادة وأن يذبحها بعزيمة وقوة وسرعة. ذكاة الجنين ذكاة أمة: ١٢٩٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» رواه أحمد، وصححه ابن حبان. «الذكاة» خي الذبح أو النحر وسميت ذكاة لأنها تذكي المذبوح أو المنحور فيكون طيباً ولو مات هذا المذبوح أو المنحور حتف أنفه لكان خبيثاً نجساً وقوله: «الجنين»؛ أي: الحمل في البطن سمي بذلك لأنه مستتر وهذه المادة- أعني الجيم والنون- في جميع تصاريفها تدل على الستر، فمنه الجنة للبستان الكثير الأشجار، ومنه الجنة التي يستتر بها المقاتل عند القتال ومنها الجنة وهم الجنة لأنهم مستترون عن الأعين. الجنين هو الحمل لأنه مستتر، «ذكاة أمه» يعني: بذكاة أمه وهنا نسأل أولاً على الجملة هذه هل الخبر ذكاة الجنين أو الخبر ذكاة أمه؟ ذكاة الجنين مبتدأ وذكاة أمه خبر هذا قول. قول ثان: «ذكاة أمة ذكاة الجنين» هل يختلف المعنى؟ إذا قلنا ذكاة الجنين ذكاة أمه احتمل أن تكون الجملة هنا جملة تشبيهية تشبيهاً بليغاً ويكون المعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه، كما لو قلت: فلان بحر في الكرم، يعني: معناه هذا تشبيه حذفت منه أداة التشبيه فإذا قلنا: فلان بحر صار تشبيهاً بليغاً، وعلى هذا يكون الحديث يحتمل معنيين:

стр. 3064

المعنى إذا قلنا ذكاة الجنين مبتدأ وذكاة أمه هي الخبر صار الحديث يحتمل معنيين الأول أن ذكاة الجنين كذكاة أمه وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والظاهرية، وقالوا: إن الجنين إذا ذكيت أمه وخرج ميتاً ولم يذك صار حراماً لأن مراد الرسول في الحديث أن ذكاة الجنين كذكاة أمه. ويحتمل أن تكون الجملة على غير التشبيه أي: أن ذكاة الجنين بذكاة أمه ويؤيد هذا أنه جاء في بعض ألفاظه ذكاة الجنين بذكاة أمه، أي: أن الأم إذا ذكيت فذكاتها ذكاة لجنينها لا يحتاج أن يذكي مرة أخرى، هذا إذا قلنا: إن ذكاة الجنين مبتدأ وذكاة أمه خبر. وإذا قلنا بالعكس: ذكاة أمه ذكاة الجنين ذكاة أمه مبتدأ وذكاة الجنين خبر، صار المعنى أن ذكاة الأم ذكاة للجنين ولا يحتمل وجها آخر لكن هذا التقدير فيه إعادة الضمير المتأخر على سابق، فيقال: هذا لا يضر لأن هذا السابق المتقدم لفظاً [فقط] ويجوز عود الضمير على متقدم لفظا متأخر رتبة. نعود إلى المعنى الأول أن ذكاة الجنين مبتدأ وذكاة أمه خبر فنقول: من جعل هذا على سبيل التشبيه فإن عليه ملاحظتين: الملاحظة الأولى: إذا قلنا: ذكاة الجنين كذكاة أمه صار الحديث ليس له معنى لأنه من المعلوم أن كل حي فإن ذكاته كذكاة الحي الآخر يكون الحديث عديم الفائدة كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا وهذا لا شك أنه لا فائدة فيه. ثانياً: إذا أخذناه بظاهره قلنا: ذكاة الجنين فهو إذا خرج لم يكن جنيناً وهذا يقتضي أن الحديث يدل على أن الجنين إذا ذكي في بطن أمه فذكاته كذكاة أمه، وهذا لا شك أن النبي ﷺ لا يريده فتبين بذلك بطلان أن القول الذي يقول المراد بذلك ذكاة الجنين كذكاة الأم تكون بإنهار الدم وهي حي. فإن قال قائل: لهم أن ينفصلوا عن هذا بقولهم إن المراد بذكاة الجنين اعتبار ما سبق كقوله تعالى: ﴿وءاتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢] واليتيم لا يعطي ماله إلا إذا بلغ وإذا بلغ لم يكن يتيماً قلنا: هذا خلاف ظاهر اللفظ والأصل أن يحمل الكلام على ظاهره فسقط هذا الجواب. وخلاصة القول: أن النبي ﷺ بين أنه إذا ذبحت البهيمة وهي حامل فإن ذكاتها ذكاة لجنينها لا نحتاج أن نذكيه إذا خرج ميتا أما إن خرج حياً فإنه لابد أن يذكى لأنه انفصل عن أمه وصار مستقلاً فلا تكون ذكاة أمه ذكاة له. وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا الجنين قد أشهر، أي: نبت شعره أم لم يشعر وهو كذلك، حتى لو لم يبق على وضعه إلا ساعات ثم ذبحت الأم وخرج الجنين ميتاً فإنه يكون حلالاً لعموم الحديث والتفصيل بين ما أشهر وبين ما لم يشعر لا دليل عليه. ومن فوائد الحديث: ما اخترناه أنه الصحيح أن ذكاة الأم ذكاة الجنين.

стр. 3065

ومن فوائده: أنه لا يشترط إنهار الدم بعد خروجه، أي: بعد إخراجه من بطن أمه بعد أن يذكي لا يشترط إخراج الدم لأن ذكاته قد تمت من قبل، ولكن قال بعض أهل العلم: ينبغي أن ينهر دمه حتى يطهر من الدم الذي لم يخرج. ومن فوائد الحديث: تيسير هذه الشريعة لأنه كل ما كان الأمر شاقا حل التخفيف لأن العثور على الجنين أمر لا يمكن إلا بشق بطن الأم وشق بطن الأم إن كان قبل أن تذبح فهو إضاعة لماليتها وإن كان بعد ذكاتها فربما لا يدرك الجنين حتى يذكى فكان من يتسير هذه الشريعة أن ذكاة أمه ذكاة له. ومن فوائد الحديث: سمو الشريعة وبيانها لكل شيء من دقيق وجليل؛ لأن مثل هذه الصورة - أعني: أن يذكى الحيوان في بطن الحمل- نادرة الوقوع؛ يعني: يمكن [أن يقع في] كل مائة خمسة أو أقل لكن لما كانت الشريعة شاملة لكل شيء نبه النبي ﷺ على ذلك. حكم نسيان التسمية عند الذبح: ١٢٩٣ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح، فليسم ثم ليأكل» أخرجه الدارقطني وفيه راو في حفظه ضعف وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ. «المسلم يكفيه اسمه» يعني: يكفيه أن يكون مسلماً في حل الذبيحة لأنه مسلم فيكفيه أن يكون مسلماً «فإن نسي أن يسمى حين يذبح فليسم» يعني: عند الأكل «ثم ليأكل» وهذا اللفظ كما ترى لفظ لا تشعر بأنه خارج من مشكاة النبوة لأن فيه ركاكة لأن المسلم يكفيه اسمه إذ قلنا إن وصف الإسلام كاف عن التسمية فيعني هذا أنه لا يشترط في المسلم أن يسمي كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء. وإن قلنا: إن الإسلام غير كاف قلنا: إذن ذبيحة الكتابي إذا نسى فإنها تكون كذبيحة المسلم لأن العلة هي النسيان، ثم إن سياق الحديث وصيغته تدل على أنه لم يخرج من فم النبي ﷺ ، ولهذا قال المؤلف: أخرجه الدارقطني وفيه راو ... إلخ، إذا قالوا: «صدوق» عند المحدثين فيعني أنه ضعيف يحتاج إلى من يقويه ولهذا قال:

стр. 3066

-وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ موقوفاً عليه. -وله شاهد عند أبي داود في مراسيله بلفظ: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر» ورجاله موثقون. كل هذه الأحاديث كما ترون ضعيفة جداً ولا يقوي بعضها بعضا بحيث تعارض الآيات والأحاديث الدالة على وجوب التسمية فضلاً عن كونها تقاومها وتبطل دلالتها فمثلاً الحديث الأول فيه راو في حفظه ضعف وفيه أيضا من هو صدوق ضعيف في حفظه ففيه راويان ضعيفان. والثاني: عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس فيه علة وهي أنه موقوف على ابن عباس فيكون رأيا لصحابي وهذا الرأي مخالف لمقتضى الكتاب والسنة فلا يعارض الكتاب والسنة ولا يقاومها. الثالث: فيه علة أيضا ً وهي الإرسال والمرسل من قبيل الضعيف، ولضعف هذه الأشياء سنداً أو متنا نقول: لا يمكن أن تعارض بها النصوص الواضحة الصريحة لأنه لابد من التسمية، وقد ذكرناها فيما سبق وبينا أنها واجبة. فإن قال قائل: إن ابن جرير ﵀ نقل الإجماع على سقوط التسمية بالنسيان، قلنا: أجاب عن هذا ابن كثير ﵀ في تفسيره بأن ابن جرير يرى أن مخالفة الواحد والاثنين لا تخدش الإجماع ولا تمنع منه، ولكن رأيه ﵀ ضعيف، لاسيما إذا كان رأي الأقل هو الذي تقتضيه الأدلة. فالمسألة ليس فيها إجماع والأدلة تدل على أنه لابد من التسمية، وهذا هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وإذا تأمل الإنسان الأدلة تبين له أنه الصواب أما كونه لا يؤاخذ بالنسيان فنعم لا يؤاخذ، ولهذا لو ذبح بدون تسمية عمداً كان آثما لكن هنا ذبح وهنا أكل فالذابح إذا نسي لا إثم عليه لكن الآكل من هذه الذبيحة وهي لم يسم الله عليها يأثم فإن أكل ناسياً فلا إثم عليه فهذا القول لا يخرج عن هذه القاعدة ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وهو الصواب.

стр. 3067

٢ - باب الأضاحي الأضاحي جمع أضحية ويقال: أضْحية وأضحيَة وهي: ما يذبح أيام النحر تقرباً إلى الله وأيام النحر- سيأتينا إن شاء الله- أربعة على القول الراجح وهي: يوم العيد والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر؛ فما يذبح تقربا إلى الله في هذه الأيام يسمى أضحية وأطلق عليه اسم الأضحية؛ لأنه يذبح ضحى، إذ إن ابتداء بعد صلاة العيد وخطبتها وهذا يكون ضحى يوم النحر، والتسمية تثبت بأدنى علاقة بدليل مزدلفة ماذا تسمى؟ تسمى جمعاً لأن الناس يجتمعون فيها بعد عرفة ومع أن الناس يجتمعون في عرفة ومني لكن كما قلت التسمية تحصل بأدنى علاقة. الأضاحي حكمها اختلفوا فيه: من العلماء من يقول: إنها واجبة وأنها فرض ولهم على ذلك أدلة ومنهم من يقول إنها سنة مؤكدة ولا يأثم الإنسان بتركها ولهم على ذلك أدلة ومنهم من يقول سنة يكره تركها للقادر فتكون أرفع من السنة قليلاً لأن السنة لا يأثم تاركها لكن السنة التي تكون قريبة من الواجب يكون تاركها قد أتى مكروها. ويظهر من كلام شيخ الإسلام ﵀ أن الأضحية واجبة لأنها من شعائر الإسلام ولأن الله تعالى شرعها لمن لم يكن في مكة حتى يتساوى العباد في التقرب إلى الله تعالى بالنحر في جميع البلاد، وهذا من نعمة لله ورحمته لما حرم هؤلاء الوصول إلى مكة ليذبحوا الهدايا هناك شرع لهم ذبح الأضاحي في البلاد فهي من الشعائر. والقول بالوجوب على القادر قول قوي جدا وأدلة هؤلاء وهؤلاء قد بسطنها في كتاب الأضحية والذكاة فمن أراد أن يراجعها فليراجعها، أما الأحاديث فيقول: شروط الأضحية: ١٢٩٤ - عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان يضحى بكبشين أملحين، أقرنين، ويسمي، ويكبر، ويضع رجله على صفاحهما» وفي لفظ: «ذبحهما بيده». متفق عليه. -وفي لفظ: «سمينين» ولأبي عوانة في صحيح: «ثمينين» بالمثلثة بدل السين. -وفي لفظ لمسلم، ويقول: «باسم الله، والله أكبر».

стр. 3068

أنس بن مالك ﵁ خادم النبي ﷺ ويعلم من أحواله في بيته ما لم يعلمه كثير من الرجال يقول: «كان يضحي بكبشين» والكبش ذكر الضأن الكبير، «أقرنين» يعني: لهما قرون وإنما اختار هذين لعظمهما ولأن ماله قرون أكمل مما ليس له قرون فإن وجود قرونه من كمال الخلقة وهو أيضاً يدل على قوة الخروف وشدته لأن هذا الذي له قرون تجده عند المناطحة يهزم ما يناطحه من الضأن وحينئذ يكون له قوة معنوية جسدية وقوة في مصارعة العدة، «ويسمى ويكبر» وفسر ذلك بقوله في اللفظ الآخر يقول: «بسم الله والله أكبر» والتسمية سبق أنها شرط لحل الذبيحة والتكبير سنة وإنما شرعت التسمية هنا لأنها شرط لحل الذبيحة وشرع التكبير لأنه تعظيم لله والذبح تقربا إليه تعظيم له فيحصل التناسب بين التعظيم الفعلي والتعظيم القولي أما بسم الله فقد مر علينا كيف إعرابها أنها متعلقة بمحذوف يقذر فعلا متأخراً مناسباً، لأن الأصل في العمل الأفعال. ولهذا تعمل الأفعال بلا شرط وما ينوب عنها في العمل لابد فيه من شروط عمل المصدر عمل اسم الفاعل عمل اسم المفعول عمل الصفة المشبهة كله لابد فيه من شروط، ومناسباً لأنه أدل على المقصود مثلا تقرأ فتقول: باسم الله أقرأ يجوز أن تقدرها باسم الله ابتدأ لكن إذا قلت باسم الله أقرأ صار أدل على المقصود، ومتأخراً تيمناً بالبداءة باسم الله، والثاني: إفادة الحصر لأن تقدير ما حقه التأخير يدل على الحصر. كيف تقدر إذا أردت أن تذبح فقلت باسم الله؟ باسم الله أذبح، أما الله أكبر فهي مبتدأ وخبر وقد عرفنا أن الحكمة من التكبير هنا هو أن يتفق الفعل والقول على تعظيم الله ، ويضع رجله على صفاحهما يضع رجله عند الذبح إذا أضجعهما وضع رجله على صفحتي عنقيهما من أجل أن يضبطها عن الاضطراب والتحراك؛ لأنها لو اضطربت وتحركت ربما لا يأتي ذبحها على وجه مطلوب وربما ترجع السكين على يده اليسرى فلابد من أن يضع رجله على صفاحهما. لكن هذا الوضع هل هو وضع هين أو وضع شديد بحيث يضبط البهيمة؟ الثاني بلا شك لأن مجرد الوضع لا يفيد وفي لفظ: «ذبحهما بيده» وهذا تصريح بالمراد بقوله يضحى وإلا لم تأت هذه لكان كلمة يضحى يحتمل أن يكون يذبحهما بيده أو يأمر من يذبحهما لكن إذا جاء التصريح صار أبلغ «بيده» بيان للواقع مثل كتب بيده بيان للواقع وقوله: أملحين الأملح هو الأبي سمي بذلك لأنه يشبه الملح في البياض وقيل الأبيض الذي خالطه سواد فصار كالرصاص أبيض وأسود ثم هل هذا مقصود هذا اللون أم لا؟ سيأتينا في الفوائد، وفي لفظ سمينين من السمنة وهي كثرة اللحوم والشحم، ولأبي عوانة ثمينين

стр. 3069

بالمثلثة بدل السين، أي: كثيري الثمن والغالب أنه كلما عظمت البهيمة كثر ثمنها، وقد يكثر ثمنها لجمالها وقد يكثر ثمنها لنوعيتها كما هو الآن مجود ضأن مثلاً مسمى باسم وضأن آخر مسمى باسم آخر وتجد الفرق بين أثمانها كثيراً. صفة ذبح النبي ﷺ للأضحية: ١٢٩٥ - وله: من حديث عائشة ﵂: «أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد؛ فأتي به ليضحى به، فقال لها: يا عائشة، هلمي المدية. ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت، ثم أخذها وأخذه فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به». قوله: «وله» لمسلم، وفي حديث أنس السابق يقول: كان يضحى بكذا، وحديث عائشة هنا يدل على أنه ضحى بواحد، فهل نقول بما رواه أنس ونقول: لعل عائشة ﵂ لم تعلم بالثاني أو نقول: إنه أحياناً يفعل كذا، وأحياناً يفعل كذا؟ الثاني، قوله: «أمر بكبش أقرن» يطابق قوله: «بكبشين أقرنين يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد» «يطأ في سواد» يعني: أن مقدم يديه ورجليه أسود، فيكون ما يلي الأرض من الرجلين واليدين أسود، «يبرك في سواد» يعني: أن بطنه أسود؛ لأنه هو الذي يبرك عليه، «ينظر في سواد» يعني: أن ما حول عينيه أسود، فهل الرسول قال: ائتوني بما هذا وصفه، أو أنه أمر بكبش أقرن ووصفته عائشة بأنه يطأ في سواد ... إلخ؟ وعندي محتمل أن الرسول أمر بكبش هذا وصفه أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد وينظر في سواد، ويحتمل أنه أمر بكبش أقرن، فجيء به فإذا هو ملون بهذا التلوين يطأ في سود .. إلخ، وعندي أن هذا أقرب؛ وذلك لأنه إذا أمر بكبش هذا وصفه فقد يكون صعباً جداً، ثم إن الإنسان لعقله القاصر يقول: أي فرق بين هذا اللون واللون الثاني. «فأتي به ليضحي به»، وهذا قد يؤيد أنه أمر به على هذا الوصف لقوله: «فأتي به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة، هلمي المدية» يعني: أعطيني إياها، و «هلم» هل هي اسم فعل أو فعل؟ فعل لأن كل ما دل على الأمر ولم يقبل علامته فهو اسم فعل، ، ، فإن قبل علامته فهو فعل، «هلمي المدية» وهي السكين، ثم قال «اشحذيها بحجر» يعني: حدديها بخجر، وفي ذلك الوقت فيما يظهر- والله أعلم- ليس عندهم هذه المبارد المعروفة عندنا لكن حجر، وكان الناس فيما سبق يحدون الشفار بالحجر.

стр. 3070

إذن «اشحذيها» أمريها على الحجر لتكون حادة، وقوله: «بحجر» لئلا تشحذها بمدر، «المدر» هو الطين اليابس هو لا يشحذ الشفرة؛ لأنه إذا أمررت الشفرة عليه تفتت ولم يؤثر فيها شيء، ولهذا قال ﷺ : «اشحذيها بحجر» لئلا تبادر فتشحذها بمدر أو على الأرض مثلاً، ففعلت ثم أخذها فأخذه فأضجعه، أخذ المدية أولاً ثم أخذه فأضجعه، وهذا هو الأولى إلا إذا كان الإنسان غير قوي بحيث يخشى أنه إذا حاول إضجاع البهيمة بدأت تتحرك وتضطرب فربنا عاد السكين إلى يده لعلم قوته وشده إياه، ففي هذه الحال نقول: أضجعها أولاً ثم خذ المدية، ثانياً: تقول: «ثم ذبحها ثم قال: بسم الله» ثم هنا للترتيب الذكري وليست للترتيب المعنوي لأن التسمية تكون قبل الذبح لا شك، يذكر اسم الله ثم تمر السكين ثم ذبحه، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثلاثاً محمد ﷺ وآل محمد، وأمة محمد، أما محمد فهو نفسه الكريمة ﷺ وأما آل محمد فهم المؤمنون من قرابته وليسوا كل قرابة؛ لأن أبا لهب وأبا طالب ليسا من آله، أما العباس وحمزة فمن آله، ، ، ، فالمراد بآله المؤمنون من قرابته في مثل هذا السياق، ومن أمة محمد، يعني: أمة الإجابة الذين أجابوه واتبعوه واقتدوا به في النحر فسأل الله أن يتقبل من أمة محمد، والأمة تطلق على معان متعددة منها: الطائفة، ومنها: الزمن، ومنها: الإمامة، ومنها: الملة، هذه أربعة أشياء. مثال إطلاق الأمة على الملة ﴿إنا وجدنا آباءنا على امة﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ [الأنبياء: ٩٢] إذا قلنا: أمة بمعنى ملة، ويحتمل أن تكون بمعنى طائفة في الآية، وبمعنى الإمام ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢] أمة بمعنى: زمن ﴿وقال الذي نجا منهما وأذكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥]. الرابع بمعنى الطائفة ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ [المؤمنون: ٥٢]. ثم ضحى به أيضا هذا ترتيب ذكري هذا الظاهر؛ لأن التضحية به كانت بذبحه. من فوائد الحديث الأول- حديث أنس-: مشروعية التضحية لقوله: «كان يضحى» وقد ثبتت مشروعية التضحية بأنواع السنة الثلاثة بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فإن حث ﷺ على الأضحية وأمر بها وهذا في عدة أحاديث، وأما فعله فكما في هذا الحديث، وأما إقراره فإنه يرى أصحابه يضحون ويقرهم على ذلك. أما القرآن فقد دل على عموم التقرب إلى الله تعالى بالذبح في قوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا أسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٣٤]. ومن فوائد الحديث: كرم النبي ﷺ حيث يختار الأفضل لقوله: «بكبشين» ووجه الكرم التعدد، والثاني: كونهما كبشين فهذا كرم بالكمية وكرم بالكيفية، فهل نقول: إنه كلما تعددت الأضحية كانت أفضل أو نقول: الأفضل الاتباع؛ لأنها عبادة؟ الظاهر الثاني وهو أن الأفضل

стр. 3071

الاقتصار على ما ورد، والنبي ﷺ ضحى عنه وعن أهل بيته بكبش وعن أمته بكبش ومن لا أمة له يضحي بكبش. فإن ضحى الإنسان عنه عن طلابه فهل يكون كتضحية الرسول عنه وعن أمته؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ يجب على أمته اتباعه، والمعلم لا يجب على طلابه أتباعه، وفي هذه المناسبة أود أن أذكر الطلبة عموماً أنه ينبغي للطالب أن يتعلم على معلمه على أنه يأخذ بقوله وعلى أنه إمامه، ومعلمه ولا على انه ند له، لأنه إن سلك المنهج الثاني لم يستفيد منه كثيراً؛ إذ إنه كلما أورد معلمه مسألة وقع في نفسه معارضة هذه المسألة وحينئذ لا يستفيد، ولست أريد بهذا أن أسد باب الاجتهاد على الطلبة، باب الاجتهاد وحرية الفكر طيب، ولكن الطالب إلى الآن لم يصل إلى هذا الحد، فما دام طالباً متلقياً فالذي ينبغي أن يعتمد قول معلمه على أنه إمام له، ولذلك نجد الطلبة ونحن منهم لما كنا طلبة عند الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ نقتدي حتى في أفعاله وحركاته حتى خطي كان طيباً قبل أن أبدأ الدراسة عليه فلما بدأت الدراسة عليه صرت أقلد كتابته كتابة رديئة فتركت خطي كل ذلك من محبتنا له، واتخاذه قدوة لنا اقتدينا حتى في الكتابة حتى في المشي وحتى في كل شيء، لأن الإنسان إذا لم يعتقد في معلمه هذا الاعتقاد فإنه لا ينتفع به إذا نصب نفسه جالسا عنده للتعلم يريد أن يجعل في نفسه شيئاً من المعارضة لما يقول أستاذه، فأنا أقول: لا ينتفع به، وإن انتفع به فهو قليل. لكن إذا قدرنا أن هذا الطالب عنده من العلم ما ليس عند معلمه وهذا شيء واقع لا ينكر، فيقال: نعم، إذا كان عنده من العلم بدلالة الكتابة والسنة ما ليس عند معلمه فإنه لا يمكن أن يأخذ بقول معلمه ويدع ما دل عليه الكتاب والسنة، لكن هنا يجب أن يناقش المعلم إما في الجلسة إذا رأى مناسبة، وإما فيما بينه وبينه. والواجب على المعلم إذا تبين له الحق أن يرجع لأن الحق ضالة المؤمن فتمسكوا بهذا على ان المتعلم آخذ عن معلمه يأخذ عن معلمه حتى يستفيد، أنت الآن لو تطالع كتاباً لكي تناقش ما في الكتاب هل تستفيد منه كما لو طالعته لتكسب منه علما؟ لا، بينهما فرق، ولهذا أنا أجد في نفسي فرقاً بين أن أقرأ مؤلفاً لشيخ الإسلام ابن تيمية أو مؤلفاً لغيره، أجد نفسي في الأول متلقياً مستلهماً مستفيداً. أما في الثاني فقد يكون مراجعتي له من باب الإطلاع على خلاف في المسألة إن كانت المسألة تحتاج إلى معرفة خلاف وما أشبه ذلك فالآن هذه نصيحة لكم وجربوها تجدوها. ومن فوائد الحديث: أنه كلما كانت البهيمة أكمل خلقة فهي أفضل لقوله: «أقرنين» والقرن من كمال البهيمة، وكذلك أيضا الأذن إذا كانت الأذن تامة ليس فيها خرف ولا شق ولا قطع فهو أفضل.

стр. 3072

ومن فوائد الحديث: التسمية والتكبير عند الذبح لقوله: «يسمى ويكبر» فالتسمية سبق لنا أنها شرط لحل الذبيحة، والتكبير سنة وليس بشرط، ولكن هل هو سنة على ما ذبح لغير العبادة أو هو سنة فيما ذبح للعبادة فقط؟ فيه احتمالان، الأول: أنه سنة فيما ذبح على أنه عبادة فقط، وأما ما ذبح على أنه ليس للعبادة فهو تسمية بدون تكبير، ولكن ما دام الأمر متردداً فقد يقال: إن الأتباع أولى وهو الجمع بين التسمية والتكبير. ومن فوائد الحديث: استحباب وضع الرجل على الصفاح يعني: على صفحة الرقبة؛ لأن النبي ﷺ فعله، ولأن فيه إراحة للحيوان؛ ولأن فيه تمام قدرة المذكي على التذكية. ومن فوائد الحديث: أنه لا يسن الإمساك بأرجلها؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ولم يأمر بذلك، فإن قال قائل: وعلى أي جنب يضجع؟ قلنا: على ما هو أسهل وأيسر فالذي يذبح باليمنى، الأفضل أن يضجعه على الجانب الأيسر، والذي يذبح باليسرى، الأفضل أن يضجعه على الجانب الأيمن؛ لأن علة هذا معقولة ليست تعبدية بإضجاعه على الجانب الأيسر بل هي معقولة المعنى وداخلة في قول الرسول ﷺ : «وليرح ذبيحته». ومن فوائد الحديُ: أنه ينبغي للمضحي أن يذبح بيده لقوله: «ذبحهما بيده» لأن في ذلك كمال لتعبيد لله فيكون متقربا لله بالذكر والفعل والمال الذكر في التسمية والتكبير، والفعل ذبحهما بيده، والمال أنه اشتراهما، فالإنسان إذا ذبح بيده مع التسمية والتكبير استفاد هذه الفوائد الثلاث. ومن هنا نأخذ أن ما استحسنه بعض الناس في هذه الأيام من إرسال قيمة الذبائح إلى جهات بعيدة تذبح ويتصدق بها على الفقراء هناك خطأ؛ لأنه ليس المقصود من الأضحية الانتفاع باللحم لقول الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧] المقصود التقرب إلى الله بالذبح، فالذبح نفسه عبادة محبوبة إلى الله مقصودة بالذات، ولكن لو فرضنا أن بالمسلمين حاجة شديدة في بلادهم فهنا نقول: إن كنت ذا جدة فأرسل إليهم ما يسد حاجتهم، وإن لم تكن ذا جدة فينظر هل الأفضل أن تضحي أو أن تسد جوع إخوانك؟ إذا كان الثاني فأرسل لهم دراهم تنفق عليهم لا على أنها أضحية ويكون هذا من باب تفضيل الصدقة على الأضحية. ومن فوائد الحديث: استحباب مباشرة المضحي للذبح؛ لأن النبي ﷺ باشر ذلك، ذبحها بيده، فإن كان لا يحسن أو كان عاجزاً فقد قال العلماء: ينبغي أن يوكل واحداً يذبح ويكون حاضراً. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي اصطياد السمين لقوله: «سمينين» واختلف العلماء أيما أفضل التعدد أو الحسن، يعني: السمين أو التعدد، فمثلاً: إذا كان الإنسان يريد أن يضحى

стр. 3073

بواحدة لكنها سمينة جيدة أو يضحي باثنتين دونها لكنها في الثمن توافيهما، اختلف العلماء في ذلك: والصحيح التفصيل، وهو أن الناس إذا كانوا في رغد من العيش وسعة فإن الأسمن أفضل، وإذا كانوا في ضيق من العيش فكلما تعددت كان أحسن لأجل أن ينتشر انتفاع الناس بالأضحية. ومن فوائد الحديث: استحباب ما كان ثمنه أكثر لقوله في رواية أبي عوانة: «ثمينين» والغالب أن ما زاد ثمنه فإنما يزيد لحسنه إما للسمن أو للكبر أو لغير ذلك. ومن فوائد الحديث: أنه يسمي ويقول: الله أكبر، أمال التسمية فظاهر أنها واجبة وأنها لا تحل ذبيحة بدونها، وأما التكبير فسنة، ومناسبته هنا واضحة، لأن الذبح تعظيم لله تعالى بالفعل والتكبير تعظيم له بالفعل. أما حديث عائشة ففيه فوائد: منها: جواز إصدار الأمر إلى الغير، ومعلوم أن إصدار الأمر سؤال مع أنه ورد أن النبي ﷺ كان يبايع أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً فكيف الجمع؟ الجمع سهل يقال: أما من كان يستثقل أمره ولا يمتثل المأمور إلا على إغماط فهذا لا يسال، وأما من كان يفرح بأمره بحيث إنه إذا أمر يعتقد المأمور بأن له الفضل عليه فإن هذا لا بأس به، ومعلوم أن كل واحد يحب أنه يوجه النبي ﷺ إليه أمراً وأنه يفرح بذلك، ولهذا أمر بكبش أقرن. ومن فوائد الحديث: اختيار الكبش وهو الكبير من الخراف واختيار الأقرن، لأنه أكمل خلقة وأقوى غالباً. ومن فوائد الحديث: اختيار هذا اللون أن يكون أبيض لكن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد كما سبق، وقد يقال: إن النبي ﷺ أمر أمراً معيناً على كبش صادف أنه يطأ في سواد ... إلخ، بمعنى أن اختيار اللون لا أثر له، لكن الأصل أن قوله: «أنه أمر بكبش» هذا وصفه وأنه لم يقع اتفاقاً. وكيفية وقوع الاتفاق يكون مثلاً قطيع من الغنم فقال الرسول ﷺ هاتوا هذا نضحي به، فصادف أنه على هذا الوصف يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، وأن الرسول أختاره لا لأجل هذا اللون المعين، ولكن لعله أفضل ما يكون في هذا القطيع. ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الاستعانة بالغير في الذبح، لأن النبي ﷺ استعان بعائشة. ومن فوائده: أنه ينبغي شحذ المدية بحجر أو ما يقوم مقامه مما هو أشد لأجل إراحة الذبيحة، وظاهر هذا الحديث أنها شحذتها والبهيمة تنظر مع أن النبي ﷺ أمر أن تحد الشفار

стр. 3074

وأن تواري عن البهائم وتخفى لئلا تنزعج؛ لأن البهيمة تدري وتعرف، فلذلك أمر الرسول ﷺ أن توارى عن البهائم فيقال في الجمع: إن أمره إياها أن تشحذها بحجر لا يستلزم مشاهدة البهيمة لأنها لو استدبرت البهيمة شحذتها بدون أن تراها. ومن فوائد الحديث: أنه يسن اضطجاع الضأن، وكذلك المعز، وكذلك البقر، هذه الثلاث يس اضطجاعها، ولكن على أي الجنوب؟ حسب ما هو أسهل للذبيحة فالذي يعمل باليمين، الأسهل للذبيحة أن يضجعها على اليسار، والذي يعمل باليسار، الأسهل للذبيحة أن يضجعها على اليمين والمقصود إراحة الذبيحة. ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على البسملة دون التكبير؛ لأنها لم تذكر التكبير قال: باسم الله ولم يذكر التكبير، وفي حديث أنس السابق أنه سمى وكبر، فدل ذلك على أن التكبير ليس بواجب. ومن فوائد الحديث: أنه يسن أن يدعو الإنسان بالقبول؛ لأن النبي ﷺ دعا بذلك، ولكن هل يقال: إن هذا مشروع في كل عبادة أو فيما ورد به النص فقط؟ الظاهر: الثاني؛ لأننا لم نعلم أن النبي ﷺ إذا انتهى من صلاته قال: «اللهم تقبل» وإنما كان يستغفر ويقول: «اللهم إنك أنت السلام» وهذه الجملة هي في الحقيقة تتضمن الدعاء بالقبول لأن قوله «اللهم إنك أنت السلام» توسل إلى اله سبحانه باسم السلام ليسلم له صلاته، وهذا، يعني: دعاءه بالقبول لكنه ضمنا. ومن فوائد الحديث: فضل النبي ﷺ على أمته حيث سأل الله أن يتقبل من أمة محمد، الأضاحي، وأما اللفظ فيدل عمومه على أنه عام في كل شيء يتقبله الله . لو أن الإنسان أتى بهذا الدعاء بغير هذه الصيغة وقال: يا رب تقبل منا هل يجزئ؟ نعم يجزئ لكن الأفضل المحافظة على اللفظ الوارد في كل الأدعية، كل الأدعية يحسن أو يصلح أن تقتصر على المعنى ويجزئ لكن الأفضل مراعاة اللفظ. حكم الأضحية: ١٢٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له سعة ولم يضح، فلا يقربن مصلان» رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم، ورجح الأئمة غيره وقفه.

стр. 3075

«من كان له سعة» أي: قدرة على الأضحية فلم يضح فلا يقربن مصلانا، والنهي هنا الأصل فيه التحريم، وأنه يمنع من قربان المصلى لأن من كان ذا سعة فصلى ولم ينحر فقد خالف قول الله تعالى ﴿فصل لربك وأنحر﴾ [الكوثر: ٢] حيث قرن النحر بالصلاة. هذا الحديث اختلف علماء الحديث فيه هل هو مرفوع أو موقوف يقول: إن الأئمة رجحوا وقفه، والحاكم صححه على أنه مرفوع، ومر علينا قاعدة: (أنه إذا اختلف في الحديث أمر مرفوع هو أم موقوف وكان الرابع له ثقة أخذ بالرفع) فهل نقول: إن هذا مثله؟ الجواب: لا، لأن العبارات التي يسلكها العلماء- ﵏ ليست في كل مكان وفي كل سياق، مر علينا قاعدة تشبه هذا (إذا تعارض مثبت وناف أخذنا بقول المثبت) وسبق لنا في رفع اليدين في السجود أن ابن عمر قال: كان لا يرفع يديه في السجود، وأنه مقدم على الحديث الذي يقول: كان يرفع إذا سجد لأن ابن عمر هنا نفيه إثبات لأنه ﵁ تتبع الصلاة يشاهد الرسول ﷺ يرفع عند التكبير وعند الركوع وعند الرفع منه ثم يقول: ولا يفعل، هذا لا يمكن أن يقال: لعله لم يطلع؛ لأن أصل تقديم المثبت على النافي هو أن النافي ليس عنده علم فإما نسي وإما جهل، لكن هذا لا يمكن أن يقال: ليس عنده علم لأنه فصل وبين، ولا يمكن أن يقال: نسي؛ لأنه يبعد أن ينسي جملة من ثلاث جمل أو أربع. على كل حال: كلام العلماء في بعض الأحيان ليس على إطلاقه، هنا نقول: تعارض رافع وواقف فمن نقدم؟ الأصل نقدم الرافع، لأن الرفع لا يناقض الوقف؛ إذ إن الراوي قد يسوق الحديث خبراً وقد يعمل به حكما، إذا عمل به حكما فهو موقوف وإذا ساقه خبراً فهو حديث مرفوع لكن هنا قرينة تدل على أن الوقف أرجح مها الموازنة ابن حجر يقول الأئمة رجحوا وقفه، ومعلوم أن الأئمة أقوى من الحاكم وحده، ثانياً: أن أبا هريرة تولى إمارة المدينة صار أميراً في المدينة فيمكن أن ﵁ يرى وجوب الأضحية أو يرى تأكدها ومنع من لم يضح مع السعة أن يقرب المسجد تعزيزاً له، فهذه قرينة تؤيد أنه موقوف، وكون الأئمة رجحوا وقفه وانفراد الحاكم برفعه أيضاً يؤيد أنه موقوف. أما ما يستفاد منه: فقد استدل به من يرى أن الأضحية واجبة، ووجه الدلالة: تعزيز من لم يضح بمنعه من المسجد، ولا تعزيز إلا على ترك واجب، أو فعل محرم، وأجاب من لم ير الوجوب بأن هذا الحديث موقوف على أبي هريرة وليس بحجة فلا يدل على الوجوب، ومر علينا بالنسبة لحكم هذه المسألة أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى وجوب الأضحية وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ﵀. ومن فوائده- سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً: أن من لم يجد فلا واجب عليه، وهذا هو

стр. 3076

الذي يشهد له القرآن والسنة/ قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] هذا في الأوامر، وفي النواهي قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ فنقول: في هذا الحديث دليل على أن من كان غير قادر على الأضحية فإنه لا تجب عليه، وهذا موافق للقاعدة العامة وهي قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. ومن فوائد الحديث: جواز تعزيز الإنسان بحرمانه من الطاعة لقوله: «فلا يقربن مسجدنا» وفي هذا إشكال، لأن العلماء قالوا: يحرم التعزيز بالمحرم، وقالوا: يحرم التغزيز بترك الواجب، مثلاً: لو أن الأمير عزر عاصياً بحلق اللحية كان هذا حراماً عليه، لأن حلق اللحية حرام. وكان بعض الولاة الظلمة فيما سبق بهذا إذا فعل الإنسان معصية غزره بحلق لحيته، وماذا يصنع المحلوق؟ يتلثم حتى لا يرى إذا اضطر إلى الخروج وإلا بقي في بيته خوفاً من الفضيحة أما الآن- نسأل الله السلامة فكما تعلمون- يأتي الإنسان ووجهه أوسع من جسمه وهو حالق اللحية، ولا يبالي نسأل الله لهم الهداية يقول: لا يجوز التعزيز بالمحرم ولا بترك الواجب، فيجاب عن ذلك أن ترك الواجب هنا فيه مصلحة وهو أن يكون منع هذا الرجل من قربان المسجد نكالاً له ثم إن بإمكانه أن يقوم بالواجب إذا قلنا بوجوب الأضحية وقت الأضحية ١٢٩٧ - وعن جندب بن سفيان ﵁ قال: «شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت، فقال: من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله» متفق عليه في هذا الحديث: دليل على جواز نحر الأضاحي وذبحها في المصلى، يعني: حول المصلى، والحكمة في ذلك: هو أن أصحاب الشعيرة تكون صلاتهم مقارنة للنحر في الزمان والمكان، ولإظهار الشعيرة، وهذه السنة تركها الناس من أزمنة متطاولة لكن هي سنة لا شك. وسمعت أن بعض الناس في بعض القرى يقومون بهذه السنة يخرج الإنسان ما يريد أن يضحي به ويربطه حول المسجد فإذا انتهت الصلاة والخطبة ذبحها وهذا خير. لكن في الوقت الحاضر لو قال قائل: يلزم من هذا أي: دعوة الناس لفعل هذه السنة يلزم على ذلك مفاسد وهو أن هذه الأضاحي ربما تشغل المصلين بأصواتها ويكون في ذلك تشويش على الناس، ثم إذا ذبحت في المكان لزم من ذلك الدماء والأذى والقذر ما يصعب معه أن يعالج ثم ربما تختلط هذه الأضاحي بعضها ببعض ويحصل عند ذلك نزاع.

стр. 3077

فعلى كل حال: نرى أنه إذا خيف من هذه المفاسد أن يقال: تبنى على القاعدة العامة وهي أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، على أن هذا ليس بسنة لكل أحد؛ لأن الرسول ﷺ أقر بعض الصحابة الذين ضحوا في بيوتهم، أقرهم على ذلك وهو لم يأمر أن يذبح في المصلى، ولكن فعل وهذا أيضا مما يهون المسألة إذا قلنا إن هذه سنة أميتت، والسنة إذا أميتت يجب أن تحيا، ويكون إحياؤها واجباً، نقول: الحمد لله علم الرسول أن بعض المسلمين ذبحها في مكانه. ومن فوائد الحديث: أن من ذبح قبل الصلاة وجب عليه الضمان أن يذبح شاة «مكانها» وتأمل قوله مكانها لتستفيد منه أنه لابد أن يكون البدل مثيلاً للمبدل فإن كان أحسن كان أولى. ومن فوائد الحديث: أن العبادة إذا فعلت قبل وقتها فإنها لا تجزئ ولو كان عن جهل لأن النبي ﷺ لم يستفصل وعلى هذا فلو أن الإنسان صلى الظهر قبل زوال الشمس ظناً منه أن الشمس قد زالت أو أنه يجوز أن يصلي قبل الزوال فإن صلاته لا تجزئه عن الفريضة لكنها تجزؤه نافلة، لأنه لم يوجد في الصلاة ما يبطلها إلا أنها قبل الوقت فتكون نافلة له، ولهذا من عبارات الفقهاء في هذا الموضع ينقلب نفلاً ما بأن عدمه، كفائته لم تكن، وفرض لم يدخل وقته فائتة لم تكن، يعني: إنسان ظن أنه نسي صلاة الظهر فصلاها بناء على أنه نسيها ثم تبين أنه قد صلاحا نقول: الثانية تكون نفلاً، وكذلك الفرض قبل دخول وقته إذا ظن أن وقته قد دخل وصلى فإنه يكون نفلاً لكن الرسول ﷺ صرح في الحديث الآتي أو الذي لم يأت لكنه مفهوم صرح بأن الأضحية إذا ذبحت قبل الصلاة فإنها شاة لحكم. وعلى هذا فلا تكون عبادة والفرق أن الأضحية لا تصح نفلاً ولا فريضة قبل دخول الوقت، وأما صلاة الفريضة قبل دخول وقتها فإنها تكون نافلة لأن النفل يجوز في غير وقت الفريضة. ومن فوائد الحديث: وجوب البدل على من ذبح قبل الصلاة، الدليل «فليذبح» واللام للأمر، ويقاس على ذلك من أتلفها بغير نية التقرب فإنه يلزمه ضمانها، يعني: لو عين شاة على أنها أضحية ثم ذبحها لضيف نزل به فإنه يجب عليه أن يذبح أضحية بدلها مكانها بمعنى: أن الأضحية البدل تكون مثل المبدل من جهة الحسن والطيب وإذا كانت أطيب فلا بأس. ومن فوائد الحديث: وجوب الذبح على اسم الله لقوله: «ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله» وسبق لنا أن التسمية شرط وأنها لا تحل الذبيحة بدون تسمية، سواء أتركها ناسياً أو جاهلاً أو عامداً.

стр. 3078

إذن من شروط الأضحية أن تكون في الوقت وقت الذبح- ووقت الذبح من بعد الصلاة وينتهي على القول الراجح بغروب الشمس ليلة الثالث عشر، وهل يشترط أن يكون الذبح بعد خطبة الإمام؟ لا، هذا الحديث يدل على أنه ليس بشرط لقوله: «من ذبح قبل الصلاة» وهل يشترط أن يكون بعد ذبح الإمام؟ لا العبرة بالصلاة وهل يشترط أن يكون مصلياً؟ يعني: لو ترك الصلاة ولكنه يسمع أداء الصلاة وسمع الإمام يسلم، فهل يجوز أن يذبحها؟ نعم، لأن الصلاة ليس شرطاً للأضحية بمعنى: أنه يجوز أن يضحى من لا يصلي العيد. عيوب الأضحية: ١٢٩٨ - وعن البراء بن عازب ﵁: قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها والكبيرة لا تنفي» رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان. هذا الحديث روي على عدة أوجه منها ان النبي ﷺ سئل ماذا يتقى من الضحايا فأجاب «أربع» وأشار بأصابعه- صلوات الله وسلامه عليه- نحوها بالقول وبالإشارة، ولا يبعد أن يكون سئل وهو يخطب فأشار ثم نقل الراوي المقصود منه وهو بيان ما يتقى في الضحايا لكن هذا المعنى لا تجزئ أو المعنى لا تحل؟ أما ظاهر اللفظ فهي لا تحل، ويحتمل أن يكون المراد ينفي الجواز نفي الإجزاء، لكن نفي الجواز هو المطابق لظاهر الحديث والمعنى يقتضيه أيضا لأن هذه المعيبات لو تقرب بها الإنسان على أنها ضحايا صار كالمستهزئ بآيات الله وحينئذ يكون هذا حراماً ولا شك، فإذا كان في إحدى الروايات لا تجزئ صار المعنى أنها حرام، أي: يحرم التقرب إلى الله تعالى بها، لأن ما يسخطه لا يجوز أن يتقرب به الإنسان إليه- وقوله: «وفي الضحايا» جمع ضيحة وهي ما يذبح أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى سواء ذبحها في الضحى أو بعد الظهر أو بعد العصر أو في الليل. أولاًك «العوراء البين عورها» قد يقول متزحلق: المراد بالعوراء هنا ما كانت معيبة لأن العو هو العيب، ولكننا نقول: ليس كذلك؛ لأنه ذكر أشياء بعدها كلها معيبة، فالمراد بالعور هنا: عور العين، العوراء البين عورها، لم يطلق الرسول ﷺ العور بل قال: البين عورها، فبهذا يكون بيان العور؟ هل هو بالمشي أو برؤية العين؟

стр. 3079

بالمشي؛ لأن العوراء مشيها ليس كمشي الصحيحة، تجدها تخضع لرقبتها قليلاً ليكون النظر مسلطاً على ما أمامها لأنها لا تنظر إلا من جانب واحد فإذا دققت النظر وجدت ذلك من أجل أن تنظر تماماً، أو المراد: النظر، البين عورها بالرؤية؟ بالرؤية نعم بماذا؟ قال العلماء: يكون بيان العور بواحد من أمرين: إما أن تكون العين قد نتأت، وإما أن تكون قد، انخسفت نتأت يعني: برزت: بعض الأحيان يكون العين يبرز كأنها غدة زائدة، أو انخسفت يعني: غارت. وبناء على ذلك لو كانت لا تبصر بالعين لكن من رآها لا يرى أنها عوراء فإنها تجزئ. الثاني: «المريضة البين مرضها» أيضا لم يطلق الرسول ﷺ لئلا يشق على الأمة، لأنه قد لا تخلو شاة من مرض، لكن لابد أن تكون بينة المرض، فبماذا يبين المرض؟ أولاً: بالسخونة إذا مسكتها وجدتها حارة جدا، هذا مرض بين. ثانياً: بالخمول وعدم المشي مع السليمات وما أشبه ذلك. ثالثا: بقلة الأكل فإن قلة الأكل يدل على المرض لاسيما في الحيوان الذي ليس له إرادة كإرادة الإنسان. رابعاً: بما يظهر على جسدها مثل الجرب مرض بين وخطير وربما يتقعر حتى يصل إلى اللحم أو إلى العظم، فهذا من بيان المرض. كذلك قد يكون من المرض أن يكون معها خمول وكسل وتئن أنيناً غير معتاد؛ لأن الأنين يدل على أن فيها مرضاً. فعلى كل حال: ربما تكون هناك بيانات أخرى غير ما ذكرت، فالمقصود أن يكون المرض بيناً. الثالثة: «العرجاء البين ضلعها» العرجاء اليد أو الرجل أو بهما؟ بأحدهما أو بهما إذا كانت عرجاء باليد أو بالرجل لكن عرجها بين ليس مجرد أن تهمز إذا مشت لا، لابد أن يكون العرج بينا حده بعض العلماء بأنه لا تطيق المشي مع الصحيحة، دائماً تجدها متخلفة عن الماشية سواء كانت بعيراً أو بقراً أو غنماً متخلفة حتى لو نهرتها ما استطاعت أن تعانق الصحيحات، أما التي تهمز يسيراً ولكنها تعانق الصحيحات فهذه عرجاء ولكن ليس بينا عرجها. الرابع: «الكبيرة التي لا تنقي» الكبيرة هي الكبيرة في السن التي لا تنقي، يعني: ليس فيها نقي والنقي هو المخ، وهذه لا يمكن أن يعلم بها إلا بعد أن تذبح ويكسر عظمها، المراد هنا: الكبيرة في أعضائها وليس مخ الرأس، وهذه لا تعرف إلا بعد الذبح، وكبر العظم إذا كان العظم ليس فيه مخ فإنها لا تجزئ ولكن هل لابد من الشرطين بمعنى أن تكون كبيرة وأنه لا مخ فيها، بمعنى: أنه لو كان ليس فيها مخ ولكنها صغيرة تجزئ أو لا؟ الظاهر أن قوله: «كبيرة» وصف طردي بمعنى: أن المدار على المخ، ويحتمل أن يقال: إنه ليس وصفاً طردياً لوجهين، أن الأصل في الأوصاف أنها أوصاف قيود لابد منها، والثاني: أن

стр. 3080

التي لا مخ فيها وهي شابة لا تكون كالعجوز الكبيرة؛ لأن العجوز الكبيرة لحمها فاسد وليس فيها مادة قوة التي هي المخ فالظاهر لي-والله أعلم- أن التي لا مخ فيها وهي شابة لا يمنع ذلك إجزاءها. هذه الأربع ذكرها النبي ﷺ محصورة بالعدد، والعدد غالباً مفهومه مخالفة؛ لأنه في الحقيقة يؤول إلى صفة لأن «أربع» هو البالغ هذا العدد، فعلى هذا يكون مفهومه مفهوم الصفة إن لم يكن أشد دلالة على الحصر، وعلى هذا فما سوى الأربع يجزئ، لأن النبي ﷺ حصرها في مقام الخطابة، وجواباً للسؤال وهذا كله يؤيد أن الذي لا يجزئ محصور بهذا العدد وبهذه الموصوفات بهذه الصفات. نرجع إلى الفوائد نقول في هذا الحديث: دليل على حرص رسول الله ﷺ على إبلاغ الأمة حيث قام خطيباً يبين للناس ما يجزئ وما لا يجزئ في الأضحية. ثانياً: فيه حسن التعليم وذلك بالحصر؛ لأن حصر الأشياء يوجب أن يكون الإنسان يحفظها ولا ينساها لو ذكر لك الكلام مرسلاً بدون حصر بعدد يمكن أن تنسى شيئاً من الجمل لكن إذا كان محصوراً بعدد فسوف تقول: واحداً اثنين ثلاثة، أين الرابع ثم تتذكره وتبحث عنه في الحافظة المخية، فلذلك من حسن التعليم: أن المعلم يحصر الأشياء لأنها أقرب فهما وأقوى حفظاً وأسرع للاستذكار. ومن فوائد الحديث: أن العوراء البين عورها لا تجزئ، ولا تجوز وهو نص الحديث ومفهومه: أن العوراء التي لا يبين عورها تجزئ، ولا تجوز العمياء من باب أولى، هذا ما نعتقده ونرى أنه مقتضى اللفظ والمعنى لكن بعض العلماء- ﵏ وعفا عنهم- قال إن العمياء تجزئ لأنها لا تمشي قد أنملة، والعوراء لا تجزئ، قال: «لأن العمياء يعتني بها ويؤتي إليها بالعلف والماء ولا يقصر عليها قاصر فهي كالعيناء التي ترعى بعينها، وحينئذ لا يأتيها قاصر لكن هذا تعليل عليل بل ميت.» نحن نقول: حتى العوراء أيضا يمكن أن يؤتى إليها بالرزق لكن العلة هي فقد عضو مهم في هذا الجسد الذي يتقرب به الإنسان إلى الله فالقول بأن العلة هذا، قول ضعيف لا شك، يعني: أن العلة أنها لا تأكل أكلاً كثيراً هذا ضعيف وليس بصحيح. ويستفاد من هذا الحديث: أن المريضة التي مرضها خفيف لا تضر يعني: لا تمنع من الإجزاء ولكن لا ينبغي للإنسان أن يأكلها أو أن يضحي بها وفيها هذا المرض حتى يعرضها على الأخصائيين البياطرة يسأل هل هذا مرض مضر أو لا؟ إن كان مضراً فلا يذبحها أصلا، لا تجزئ، وأن لم يكن بينا فإنها تجزئ.

стр. 3081

من فوائد الحديث: أن ما أخذها الطلق فإنه لا يضحى بها حتى تضع، وذلك لأنها على خطر بما تموت، ولهذا قال العلماء- ﵏ إن التي أخذها الطلق يعتبر مرضها مرضا مخوفاً في باب العطايا والهبات فعلى هذا إذا كانت هذه البهيمة تتولد وأراد الإنسان أن يضحي بها نقول: انتظر حتى تلج. كذلك أيضا المبشومة لا يضحي بها حتى تبرأ، والمبشومة هي التي انتفخ بطنها من الأكل، أحياناً تأكل الشاة تمراً ولا يناسبها فينتفخ البطن وهي على خطر في هذه الحال فلا يضحي بها حتى تبرأ، أي: حتى يخرج منها الخارج، كذلك ما لدغت الحية فإنه لا يضحي بها لأنها على خطر، وكذلك لو تدحرجت من شاهق فأغمي عليها فإنه لا يضحي بها حتى تفيق وأمثال هذا، المهم: أن يكون الشيء بينا معرضا للخطر. ومن فوائد الحديث: أن العرجاء البين عرجها لا تجزئ فأما ذات العرج السهل فإنها تجزئ لكنه كلما كانت أكمل فهو أفضل لقول الله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. ومن فوائد الحديث: أن مقطوعة اليد أو الرجل لا تجزئ لأن هذا أولى من العرج، فإذا كان العرج يمنع من الإجزاء فقطع العضو، أي: اليد أو الرجل من باب أولى. ومن فوائد الحديث: أن الزمني لا يضحى بها والزمني: التي لا تستطيع المشي إطلاقاً كالشلل أو تعكف في اليدين والرجلين كيف نعرف أنها لا تجزئ؟ من أنها أولى من العرجاء البين عرجها. ومن فوائد الحديث: أن الكبيرة التي ليست فيها مخ لا تجزئ لقوله: «الكبيرة التي لا تنقي» فإن كان فيها مخ فإنها تجزئ ولو كانت كبيرة جداً، وإن كانت لا مخ فيها لكنها صغيرة فهل تجزئ؟ ذكرنا لكم أن الكبيرة وصف طردي لا مفهوم له وهو بيان للواقع الغالب، وعلى هذا فلو فرض أن شاة هزيلة ضعيفة ليس فيها مخ ولكنها شابة فإنها لا تجزئ لكن لو كانت الشاة ليس فيها مخ وهي شابة وذات لحم يعني لا هزيلة ولا كبيرة لكن ليس فيها مخ أو لا نسأل هل هذا ممكن؟ هذا لا يمكن لأن السمينة لابد أن يكون فيها مخ وكذلك الشابة. لكن قالوا: إنه يمكن أن تكون سمينة فيها لحم وشحم كثير ولكن لا مخ فيها، يكون هذا إذا كانت السنة سنة جدب لا تأكل ثم أنشأ الله تعالى الربيع بسرعة وشبعت منه فإنها هنا تبني اللحم والشحم قبل أن يدخل المخ إلى أعضائها ومثل هذه نقول: إنها تجزئ لأن أصل المخ الذي في العظام ليس مقصوداً لذاته، وليس مقيداً لصورة البهيمة، لكنه دليل على اللحم والشحم والقوة والنشاط فإذا حصل مثل هذه الحال وهي نادرة فإنها تجزئ.

стр. 3082

ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتقرب إلى الله بما فيه عيب، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧] الخبيث يعني: الرديء ﴿ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. وكان ابن عمر ﵂ إذا أعجبه شيء عنده تصدق به لأجل أن ينال البر المذكور في هذه الآية. وأبو طلحة ﵁ كان له بستان وكان قبلة هذا البستان المسجد النبوي، وكان فيه ماء طيب، وكان النبي ﷺ يأتي إلى هذا البستان ويشرب منه، ولا شك أن شرب النبي ﷺ سيزيده غلاء في قلب أبي طلحة، فلما نزلت هذه الآية جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إن الله أنزل ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب مالي إلى بيرحاء وإني أضعها بين يديك صدقة إلى الله ورسوله فقال: «بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح» وصدق النبي ﷺ هذا مال رابح لأن مالك مهما كان حسنا في عينك فإنك مغادره أو هو مغادرك، لكن المال الذي تخرجه لله هو المالك الرابح لأنك تجده في يوم أنت أحوج ما تكون إليه لا درهم عندك ولا متاع ولا أهل ولا ولد، فهذا هو الذي يبقى «بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح» ثم قال له: «أرى أن تضعها في الأقربين» فجلها أبو طلحة في بني عمه وأقاربه. والحاصل: أن هذا الحديث يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتقرب إلى الله بالشيء الجيد الطيب السليم، وألا يتقرب إلى الله بما ليس كذلك، وهنا سؤال هل المعتبر هنا في العيوب ما كان عيباً في البيوع وهو ما ينقص قيمة المبيع، أو أن هذه عيوب منصوص عليها ولا عبرة بالقيمة. الثاني لا شك، ولهذا تجد أن العوراء التي لا يبين عورها هي غير معيبة شرعاً في الأضاحي لكنها في البيع والشراء معيبة، وكذلك في العرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها، العرجاء التي لا يبين عرجها هذا عيب في البيع والشراء والمريضة التي لا يبين مرضها عيب في البيع والشراء، لكن لا عبرة بذلك، العبرة بالعيوب المنصوص عليها شرعاً. نأخذ من هذا الحديث من الفوائد أيضاً: أنه يشترط في الأضاحي أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء وسبق لنا أنه يشترط أن تكون من بهيمة الأنعام فهذان شرطان.

стр. 3083

حكم ذبح المسنة: ١٢٩٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» رواه مسلم. «لا تذبحوا» هذا نهي والمراد: لا تذبحوا في الأضاحي وليس نهياً مطلقاً لأن ما هو صغير من المواشي يذبح في عهد الرسول ﷺ ولا يضر، «إلا مسنة» هذه المسنة فما هو السني من الضأن؟ ما تم له سنة، ومن المعز ما تم له سنة، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الإبل ما تم له خمس سنين، وما دون ذلك لا يجزئ في الأضاحي لكن الرسول ﷺ استثنى فقال: «إلا أن عسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» الضأن تختص بما دون السنية وهي الجذعة تجزئ، ولهذا قال: إلا أن تعسر فتذبحوا جذعة من الضأن، والجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر، قالوا: وله علامة وهي أن الصغير من الضأن يكون شعر ظهره واقفاً فإذا صار جذعاً فإنه ينام الشعر ينام على الظهر، وهذا ربما تكون علامة مقربة لكن المدار على ما تم له ستة أشهر. في هذا الحديث: دليل على أنه لابد في الأضاحي من أن تكون الأضحية سنية فأكثر لقوله: «لا تذبحوا إلا مسنة». ومن فوائده أيضاً: أنه يجوز التضحية بالجذع من الضأن لكن الحديث كما ترون مشروط بن إذا تعسرت السنية، فهل هذا الشرط شرط للإجزاء أو للكمال؟ ظاهر الحديث أنه شرط للإجزاء لأنه قال: إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن، يعني: فلا حرج، ولكن سيأتينا- إن كان المؤلف قد ذكره- بأنه يجوز التضحية بالجذع مطلقاً فالسنة عن النبي ﷺ أنه أباح التضحية بالجذع من الضأن مطلقاً، وعلى هذا فيكون هذا القيد: «إلا أن تعسر عليكم» قيد للأكمل والأفضل: يعني: أن الأفضل السنية أفضل من الجذعة، لكن إن تعسرت ولم تكن متيسرة فاذبحوا جذعة من الضأن، وإن ذبحتم بدون أن تتعسر فلا بأس، دلت عليه السنة من وجه آخر، إذن أضف إلى الشرطين السابقين شرطاً ثالثاً، وهو بلوغ السن المعتبر شرعاً وهو في الإبل خمس سنين والبقر سنتان والمعز سنة والضأن ستة أشهر.

стр. 3084

عيوب الأضحية: ١٣٠٠ - وعن علي ﵁: قال «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا ثرماء» أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. «أمرنا» الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء وهل يقتضي الوجوب أو الاستحباب؟ هذا محل ذكره أصول الفقه، «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين» أي: طلب شرفهما أي: حسنهما يعني: أن نتفقد العين والأذن وننظر الأحسن في منظره والأحسن في أذنه، وألا نضحي بعوراء يعني: وأمرنا ألا نضحي بعوراء وسبق أن العور فقد البصر في إحدى العينين وأنه ينقسم إلى قسمين بين وغير بين، وحديث على بعوراء يشمل العوراء البين عورها وما لا يبين عورها، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة هذه هي العيوب المقابلة والمدابرة والخرقاء كلها عيوب في الأذن. أما المقابلة فهي التي يقابلك عيبها والمدابرة هي التي يدابرك عيبها والخرقاء مخروقة الأذن، المقابلة هي أن تشق أذنها عرضا من قدام، المدابرة عكسها تشق الأذن عرضا من الخلف، الخرقاء ما خرقت أذنها سواء خرقت من أعلى أو أسفل أو الوسط أو اليمين أو اليسار، أي: خرق وسواء كان الخرق من الوسم أو من حادث أصابها. ولا ثرمي وهي التي سقط من أسنانها شيء، ويوشك أن تكون هذه الكلمة غير محفوظة لأنه ليس لها علاقة بالعيب والأذن، والحديث يقول: أن نستشرف العين والأذن، ولذلك [جاء في] بعض ألفاظ الحديث: «لا شرقي» وهي التي تشق أذنها من الوسط طولاً. هذا الحديث: يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد أضحيته حتى الأعضاء الصغيرة فيها وهي العين والأذن يتفقدها ويختار الأحسن والأجمل لقوله: «أمرنا أن نستشرف العين والأذن» وهل هذا الأمر للوجوب بمعنى أن تكون العين شريفة والأذن شريفة؟ لا، هذا على سبيل الاستحباب ويدل لذلك حديث البراء أن الممنوع من التضحية به هي الأربع، أما هذا فهو على سبيل الكمال ألا نضحي بعوراء، هذا يستفاد منه أيضاً: «أمر النبي ﷺ ألا نضحي بعوراء»،

стр. 3085

وهل هذا الأمر على الوجوب؟ نقول: لا، فيه تفصيل، أما العوراء البين عورها فإننا لا نضحي بها وجوبا ويفيده حديث البراء، وأما العوراء التي ليس عورها بيناً فإننا نضحي بها لكن الأفضل الا أن التضحية بها تكون مكروهة. كذلك يستفاد من هذا الحديث: جواز التضحية بما اختل أذنه من البهائم، يستفاد من هذا الحديث: جواز التضحية لكن على خلاف الأفضل والأكمل وعليه فينبغي أن تكون الأذن سليمة ليس فيها خروق ولا شقوق ولا غير ذلك. فإن قال قائل: إذا قطعت الأذن للمصلحة فهل تدخل في هذا الحديث. نقول: نعم تدخل لأن المصلحة التي قطعت لها الأذن ليس لمصلحة البهيمة ولكنها لمصلحة صابحها لكثرة الدراهم بخلاف الخصي، تجوز التضحية به، وقد ضحى به النبي ﷺ لأن الخصي إنما قطعت خصيتاه لمصلحة البهيمة فهو يكون سبباً لحسن اللحم وكثرته. ومن فوائد الحديث: ألا نضحي بالمقابلة والمدابرة والخرقاء، بل يضحي بما أذنه سليمة أسنانه شيء سواء الثنايا أو الرباعيات أو الأضراس فإنه لا يضحي به، وذلك لنقص خلقته، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب؟ لا، ، هو على سبيل الكمال لأنه كلما كانت أسنانها أكمل فهي أفضل. بقي لنا لو انكسر قرنها فهل تجزئ؟ الجواب: نعمن تجزئ حتى لو انكسر القرن كله فإنها تجزئ: لأن القرن لا يؤكل ولا يستفيد الناس منه بالأكل، ولا يضر البهيمة إذا انكسر، لكن إن كان انكساره طريا والبهيمة متأثرة به فإننا نقول: إن كان تأثرها بيناً لم تجزئ لدخولها في قوله: «المريض البين مرضها» وأما إذا لم يكن مؤثراً فلا حرج فيها إطلاقاً أيضا: هل مقطوعة الذنب تجزئ أو لا؟ الأحاديث ليس فيها شيء يدل على هذا، لكن يؤخذ من القياس أنها مكروهة لأنها كمقطوعة الأذن، ولكنها مجزئة، وإذا كانت مقطوعة الإلية فإنها لا تجزئ، وذلك لأن الإلية لحم مقصود ومؤثر في البهيمة، وإذا كانت البهيمة مما لا ألية له خلقة فهل تجزئ؟ نعم، تجزئ، لأن هذا بأصل الخلقة، من ذلك الضأن الاسترالي فإن الأسترالي ليس له ذنب بل هو مقطوع الذنب فهو مجزئ لأنهم يقطعونه من أجل طيب اللحم وكثرة اللحم وهو يشبه ذنب البقرة ولا يشبه ألية الضأن، وقد رأينا ذلك في التي تولدت من الاستراليات ووجدنا أن ذنبها مستطيل كذنب البقرة تماماً يعني: ليس كالضأن الذي قطعت أليته، وعلى هذا فيكون مجزءاً الخصي يجزئ مقطوع الذكر يجزئ، لكن كلما كانت البهيمة أكمل فهي أفضل.
следующие страницы →