← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

من فوائد الحديث: أن ما أخذها الطلق فإنه لا يضحى بها حتى تضع، وذلك لأنها على خطر بما تموت، ولهذا قال العلماء- ﵏ إن التي أخذها الطلق يعتبر مرضها مرضا مخوفاً في باب العطايا والهبات فعلى هذا إذا كانت هذه البهيمة تتولد وأراد الإنسان أن يضحي بها نقول: انتظر حتى تلج. كذلك أيضا المبشومة لا يضحي بها حتى تبرأ، والمبشومة هي التي انتفخ بطنها من الأكل، أحياناً تأكل الشاة تمراً ولا يناسبها فينتفخ البطن وهي على خطر في هذه الحال فلا يضحي بها حتى تبرأ، أي: حتى يخرج منها الخارج، كذلك ما لدغت الحية فإنه لا يضحي بها لأنها على خطر، وكذلك لو تدحرجت من شاهق فأغمي عليها فإنه لا يضحي بها حتى تفيق وأمثال هذا، المهم: أن يكون الشيء بينا معرضا للخطر. ومن فوائد الحديث: أن العرجاء البين عرجها لا تجزئ فأما ذات العرج السهل فإنها تجزئ لكنه كلما كانت أكمل فهو أفضل لقول الله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. ومن فوائد الحديث: أن مقطوعة اليد أو الرجل لا تجزئ لأن هذا أولى من العرج، فإذا كان العرج يمنع من الإجزاء فقطع العضو، أي: اليد أو الرجل من باب أولى. ومن فوائد الحديث: أن الزمني لا يضحى بها والزمني: التي لا تستطيع المشي إطلاقاً كالشلل أو تعكف في اليدين والرجلين كيف نعرف أنها لا تجزئ؟ من أنها أولى من العرجاء البين عرجها. ومن فوائد الحديث: أن الكبيرة التي ليست فيها مخ لا تجزئ لقوله: «الكبيرة التي لا تنقي» فإن كان فيها مخ فإنها تجزئ ولو كانت كبيرة جداً، وإن كانت لا مخ فيها لكنها صغيرة فهل تجزئ؟ ذكرنا لكم أن الكبيرة وصف طردي لا مفهوم له وهو بيان للواقع الغالب، وعلى هذا فلو فرض أن شاة هزيلة ضعيفة ليس فيها مخ ولكنها شابة فإنها لا تجزئ لكن لو كانت الشاة ليس فيها مخ وهي شابة وذات لحم يعني لا هزيلة ولا كبيرة لكن ليس فيها مخ أو لا نسأل هل هذا ممكن؟ هذا لا يمكن لأن السمينة لابد أن يكون فيها مخ وكذلك الشابة. لكن قالوا: إنه يمكن أن تكون سمينة فيها لحم وشحم كثير ولكن لا مخ فيها، يكون هذا إذا كانت السنة سنة جدب لا تأكل ثم أنشأ الله تعالى الربيع بسرعة وشبعت منه فإنها هنا تبني اللحم والشحم قبل أن يدخل المخ إلى أعضائها ومثل هذه نقول: إنها تجزئ لأن أصل المخ الذي في العظام ليس مقصوداً لذاته، وليس مقيداً لصورة البهيمة، لكنه دليل على اللحم والشحم والقوة والنشاط فإذا حصل مثل هذه الحال وهي نادرة فإنها تجزئ.

стр. 3082

ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتقرب إلى الله بما فيه عيب، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧] الخبيث يعني: الرديء ﴿ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. وكان ابن عمر ﵂ إذا أعجبه شيء عنده تصدق به لأجل أن ينال البر المذكور في هذه الآية. وأبو طلحة ﵁ كان له بستان وكان قبلة هذا البستان المسجد النبوي، وكان فيه ماء طيب، وكان النبي ﷺ يأتي إلى هذا البستان ويشرب منه، ولا شك أن شرب النبي ﷺ سيزيده غلاء في قلب أبي طلحة، فلما نزلت هذه الآية جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إن الله أنزل ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب مالي إلى بيرحاء وإني أضعها بين يديك صدقة إلى الله ورسوله فقال: «بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح» وصدق النبي ﷺ هذا مال رابح لأن مالك مهما كان حسنا في عينك فإنك مغادره أو هو مغادرك، لكن المال الذي تخرجه لله هو المالك الرابح لأنك تجده في يوم أنت أحوج ما تكون إليه لا درهم عندك ولا متاع ولا أهل ولا ولد، فهذا هو الذي يبقى «بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح» ثم قال له: «أرى أن تضعها في الأقربين» فجلها أبو طلحة في بني عمه وأقاربه. والحاصل: أن هذا الحديث يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتقرب إلى الله بالشيء الجيد الطيب السليم، وألا يتقرب إلى الله بما ليس كذلك، وهنا سؤال هل المعتبر هنا في العيوب ما كان عيباً في البيوع وهو ما ينقص قيمة المبيع، أو أن هذه عيوب منصوص عليها ولا عبرة بالقيمة. الثاني لا شك، ولهذا تجد أن العوراء التي لا يبين عورها هي غير معيبة شرعاً في الأضاحي لكنها في البيع والشراء معيبة، وكذلك في العرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها، العرجاء التي لا يبين عرجها هذا عيب في البيع والشراء والمريضة التي لا يبين مرضها عيب في البيع والشراء، لكن لا عبرة بذلك، العبرة بالعيوب المنصوص عليها شرعاً. نأخذ من هذا الحديث من الفوائد أيضاً: أنه يشترط في الأضاحي أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء وسبق لنا أنه يشترط أن تكون من بهيمة الأنعام فهذان شرطان.

стр. 3083

حكم ذبح المسنة: ١٢٩٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» رواه مسلم. «لا تذبحوا» هذا نهي والمراد: لا تذبحوا في الأضاحي وليس نهياً مطلقاً لأن ما هو صغير من المواشي يذبح في عهد الرسول ﷺ ولا يضر، «إلا مسنة» هذه المسنة فما هو السني من الضأن؟ ما تم له سنة، ومن المعز ما تم له سنة، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الإبل ما تم له خمس سنين، وما دون ذلك لا يجزئ في الأضاحي لكن الرسول ﷺ استثنى فقال: «إلا أن عسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» الضأن تختص بما دون السنية وهي الجذعة تجزئ، ولهذا قال: إلا أن تعسر فتذبحوا جذعة من الضأن، والجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر، قالوا: وله علامة وهي أن الصغير من الضأن يكون شعر ظهره واقفاً فإذا صار جذعاً فإنه ينام الشعر ينام على الظهر، وهذا ربما تكون علامة مقربة لكن المدار على ما تم له ستة أشهر. في هذا الحديث: دليل على أنه لابد في الأضاحي من أن تكون الأضحية سنية فأكثر لقوله: «لا تذبحوا إلا مسنة». ومن فوائده أيضاً: أنه يجوز التضحية بالجذع من الضأن لكن الحديث كما ترون مشروط بن إذا تعسرت السنية، فهل هذا الشرط شرط للإجزاء أو للكمال؟ ظاهر الحديث أنه شرط للإجزاء لأنه قال: إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن، يعني: فلا حرج، ولكن سيأتينا- إن كان المؤلف قد ذكره- بأنه يجوز التضحية بالجذع مطلقاً فالسنة عن النبي ﷺ أنه أباح التضحية بالجذع من الضأن مطلقاً، وعلى هذا فيكون هذا القيد: «إلا أن تعسر عليكم» قيد للأكمل والأفضل: يعني: أن الأفضل السنية أفضل من الجذعة، لكن إن تعسرت ولم تكن متيسرة فاذبحوا جذعة من الضأن، وإن ذبحتم بدون أن تتعسر فلا بأس، دلت عليه السنة من وجه آخر، إذن أضف إلى الشرطين السابقين شرطاً ثالثاً، وهو بلوغ السن المعتبر شرعاً وهو في الإبل خمس سنين والبقر سنتان والمعز سنة والضأن ستة أشهر.

стр. 3084

عيوب الأضحية: ١٣٠٠ - وعن علي ﵁: قال «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا ثرماء» أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. «أمرنا» الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء وهل يقتضي الوجوب أو الاستحباب؟ هذا محل ذكره أصول الفقه، «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين» أي: طلب شرفهما أي: حسنهما يعني: أن نتفقد العين والأذن وننظر الأحسن في منظره والأحسن في أذنه، وألا نضحي بعوراء يعني: وأمرنا ألا نضحي بعوراء وسبق أن العور فقد البصر في إحدى العينين وأنه ينقسم إلى قسمين بين وغير بين، وحديث على بعوراء يشمل العوراء البين عورها وما لا يبين عورها، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة هذه هي العيوب المقابلة والمدابرة والخرقاء كلها عيوب في الأذن. أما المقابلة فهي التي يقابلك عيبها والمدابرة هي التي يدابرك عيبها والخرقاء مخروقة الأذن، المقابلة هي أن تشق أذنها عرضا من قدام، المدابرة عكسها تشق الأذن عرضا من الخلف، الخرقاء ما خرقت أذنها سواء خرقت من أعلى أو أسفل أو الوسط أو اليمين أو اليسار، أي: خرق وسواء كان الخرق من الوسم أو من حادث أصابها. ولا ثرمي وهي التي سقط من أسنانها شيء، ويوشك أن تكون هذه الكلمة غير محفوظة لأنه ليس لها علاقة بالعيب والأذن، والحديث يقول: أن نستشرف العين والأذن، ولذلك [جاء في] بعض ألفاظ الحديث: «لا شرقي» وهي التي تشق أذنها من الوسط طولاً. هذا الحديث: يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد أضحيته حتى الأعضاء الصغيرة فيها وهي العين والأذن يتفقدها ويختار الأحسن والأجمل لقوله: «أمرنا أن نستشرف العين والأذن» وهل هذا الأمر للوجوب بمعنى أن تكون العين شريفة والأذن شريفة؟ لا، هذا على سبيل الاستحباب ويدل لذلك حديث البراء أن الممنوع من التضحية به هي الأربع، أما هذا فهو على سبيل الكمال ألا نضحي بعوراء، هذا يستفاد منه أيضاً: «أمر النبي ﷺ ألا نضحي بعوراء»،

стр. 3085

وهل هذا الأمر على الوجوب؟ نقول: لا، فيه تفصيل، أما العوراء البين عورها فإننا لا نضحي بها وجوبا ويفيده حديث البراء، وأما العوراء التي ليس عورها بيناً فإننا نضحي بها لكن الأفضل الا أن التضحية بها تكون مكروهة. كذلك يستفاد من هذا الحديث: جواز التضحية بما اختل أذنه من البهائم، يستفاد من هذا الحديث: جواز التضحية لكن على خلاف الأفضل والأكمل وعليه فينبغي أن تكون الأذن سليمة ليس فيها خروق ولا شقوق ولا غير ذلك. فإن قال قائل: إذا قطعت الأذن للمصلحة فهل تدخل في هذا الحديث. نقول: نعم تدخل لأن المصلحة التي قطعت لها الأذن ليس لمصلحة البهيمة ولكنها لمصلحة صابحها لكثرة الدراهم بخلاف الخصي، تجوز التضحية به، وقد ضحى به النبي ﷺ لأن الخصي إنما قطعت خصيتاه لمصلحة البهيمة فهو يكون سبباً لحسن اللحم وكثرته. ومن فوائد الحديث: ألا نضحي بالمقابلة والمدابرة والخرقاء، بل يضحي بما أذنه سليمة أسنانه شيء سواء الثنايا أو الرباعيات أو الأضراس فإنه لا يضحي به، وذلك لنقص خلقته، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب؟ لا، ، هو على سبيل الكمال لأنه كلما كانت أسنانها أكمل فهي أفضل. بقي لنا لو انكسر قرنها فهل تجزئ؟ الجواب: نعمن تجزئ حتى لو انكسر القرن كله فإنها تجزئ: لأن القرن لا يؤكل ولا يستفيد الناس منه بالأكل، ولا يضر البهيمة إذا انكسر، لكن إن كان انكساره طريا والبهيمة متأثرة به فإننا نقول: إن كان تأثرها بيناً لم تجزئ لدخولها في قوله: «المريض البين مرضها» وأما إذا لم يكن مؤثراً فلا حرج فيها إطلاقاً أيضا: هل مقطوعة الذنب تجزئ أو لا؟ الأحاديث ليس فيها شيء يدل على هذا، لكن يؤخذ من القياس أنها مكروهة لأنها كمقطوعة الأذن، ولكنها مجزئة، وإذا كانت مقطوعة الإلية فإنها لا تجزئ، وذلك لأن الإلية لحم مقصود ومؤثر في البهيمة، وإذا كانت البهيمة مما لا ألية له خلقة فهل تجزئ؟ نعم، تجزئ، لأن هذا بأصل الخلقة، من ذلك الضأن الاسترالي فإن الأسترالي ليس له ذنب بل هو مقطوع الذنب فهو مجزئ لأنهم يقطعونه من أجل طيب اللحم وكثرة اللحم وهو يشبه ذنب البقرة ولا يشبه ألية الضأن، وقد رأينا ذلك في التي تولدت من الاستراليات ووجدنا أن ذنبها مستطيل كذنب البقرة تماماً يعني: ليس كالضأن الذي قطعت أليته، وعلى هذا فيكون مجزءاً الخصي يجزئ مقطوع الذكر يجزئ، لكن كلما كانت البهيمة أكمل فهي أفضل.

стр. 3086

نعود إلى شروط الأضحية هي أربعة أولا: أن تكون من بهيمة الأنعام، ثانياً: تبلغ السن المعتبرة شرعاً، ثالثاً: أن تكون سلمية من العيوب المانعة من الإجزاء رابعاً: أن يكون في وقت الأضحية وهو ما بين انتهاء الإمام من صلاة العيد يوم النحر إلى أن تغرب الشمس في اليوم الثالث عشر على القول الراجح. ومن العلماء من قال: إنه يوم النحر فقط، ومنهم من قال: إنه يوم النحر ويومان بعده، ولكن القول الراجح: أنها ثلاثة أيام بعد العيد، فتكون أيام الذبح أربعة ويجزئ الذبح ليلاً ونهاراً بلا كراهة، على هذا فقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] لا يمنع من دخول الليالي، لأن العرب تطلق الأيام على الليالي والليالي على الأيام. هل يشترط أن تكون ملكاً للإنسان؟ نعم، يشترط، فلو أن أحداً غصب شاة شخص ثم ضحى بها فإنها لا تجزئه لقول النبي ﷺ «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» وهذه ليست طيبة بل هي خبيثة وكذلك ما تعلق بها حق الغير كالمرهونة فإنه لو ضحى بها لم تجزئ، لأنه لا يمكن التصرف فيها. وهناك بحث: هل الأضحية للأموات أو للأحياء؟ الأضحية للأحياء وليست للأموات، ولهذا لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم ضحوا عن ميت إطلاقاً، فالرسول ﷺ توفيت زوجته خديجة وهي من أحب الناس إليه وتوفي جميع أولاده ما عدا فاطمة وتوفي عمه حمزة بن عبد المطلب ولم يضح عن أحد منهم أيداً، ولو كان هذا من شرع الله لفعله النبي ﷺ أو أرشد الأمة إليه أو فعل بحضرته وأقدره فدل ذلك على أن الأضحية سنة تتعلق ببدن الفاعل كالصلاة وغيرها من العبادات، وقد قرنها الله تعالى بالصلاة فقال: ﴿فصل لربك وأنحر﴾ [الكوثر: ٢] وأما عن الأموات فلم يرد، لكن لو أن الإنسان تبرع لوالده بأضحية فنرجو ألا يكون في هذا بأس، وإن كان بعض العلماء يقول: لا يجوز، ، ولا تنفع الميت على أنها أضحية ولكن تنفعه على أنها صدقة؛ لأن الأضحية إنما تشرع للأحياء فقط، وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يجعلون الأضاحي كلها للأموات يعني: مر علينا أعوام سابقة لا يعرف الناس الأضحية إلا للأموات، لا تجد أحداً يضحي عن نفسه وأهل بيته، حتى في بيتنا أذكر أنه يكون عندنا عشر أو إحدى عشرة أضحية كلها للأموات لكنها وصاياً، أما الأحياء فما كان يطرأ على بالهم أن الحي يضحى له إطلاقا. فإن قال قائل: هل يجوز أن يضحى عن الميت تبعاً؟ فالجواب: نعم، بأن يقول الإنسان: هذا عني وعن أهل بيتي ويدخل في ذلك الأحياء

стр. 3087

والأموات، فهذا لا بأس به، ولهذا ضحى النبي ﷺ عن أمته، وأمته يدخل فيها الأحياء والأموات، فإذا ضحي عن الميت تبعاً فلا بأس. أما استقلالاً فلا، لكن الوصايا لابد من تنفيذها يعني: لو أن إنساناً كتب وصيته بأن يجعل ربع هذا البيت أو الدكان أضحية فإنه لابد أن ينفذ، لأنه ليس بإثم وقد قال الله تعالى: ﴿فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم- فمن خاف من موص جنفاً أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٨١ - ١٨٢] ثم انتقل المؤلف في الأحاديث الواردة في كيفية الانتفاع بالأضحية فقال: لا يعطي الجزار من الأضحية: ١٣٠١ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين، ولا أعطي في جزارتها شيئاً منها» متفق عليه. علي بن أبي طالب صلته إلى الرسول ﷺ من وجهين من قرابة النسب وصلة الصهر، أما قرابة النسب فهو ابن عمه، وأما صلة الصهر فهو زوج ابنته، وهو أفضل أهل البيت، وكان النبي ﷺ يحبه ولذلك أشركه في هديه في حجة الوداع ووكله فيه أيضا يقول: «أمرني أن أقوم على بدنه» بدن جمع بدنة، وهي الإبل التي أهداها النبي ﷺ إلى البيت في حجة الوداع وهي مائة بعير يعني: رعية كاملة أهداها ﷺ لا يجب عليه منها إلا واحدة فقط، لأجل أنه كان قارنا واحدة من سبعمائة وهذا يدل على كرمه لأنه أكرم الناس. وقول علي ﵁: «وأن أقسم لحومها وجلالها على المساكين» كلها أمر أن تقسم اللحوم والجلود والجلال، أما اللحوم والجلود فواضحة وأما الجلال فهو ما تكسى به البعير وقاية من الحر أو من البرد يكون على ظهرها، فأمر النبي ﷺ : أن يتصدق بكل ما يتعلق بهذا الهدي لكنه ﷺ أن يتصدق بكل ما يتعلق بهذا الهدي لكنه ﷺ أمر أن يؤخذ من كل بدنه بضعة، أي: قطعة، وجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها ﷺ تحقيقاً لأمر ربه في قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] وقوله: ولا أعطي في جزارتها شيئاً منها يعني: لا تعطي الجزار شيئاً منها، ومن الجزار؟ هو الذي يذبح ويقطع اللحم ويوزعه ويفرقه، ولا يدخل الذبح هنا في هدي النبي ﷺ الجزار من يذبح لأن النبي ﷺ نحر ثلاثاً وستين بيده وأعطى عليا فنحر ما بقي، فما

стр. 3088

عمل الجزار بعد النحر؟ السلخ وتفريق اللحم وغير ذلك، وهو يحتاج إلى أجرة لكن النبي ﷺ أمر عليا ألا يعطي في جزارتها شيئاً منها؛ لأنه لو أعطي الجزار منها شيئاً في الجزارة لكان هذا رجوعا في الصدقة لأنه إذا أعطاه أجرته منها وفر على نفسه الأجرة المالية فكان هذا رجوعا في الصدقة، والرجوع في الصدقة محرم. فيستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: جواز التوكيل في توزيع الأضيحة لقول علي: «أمرني أن أقوم على بدنه». وفيه أيضا: منقبة علي بن أبي طالب حيث أنابه الرسول ﷺ منابة. وفيه أيضا من فوائده: كرم النبي ﷺ حيث أمر أن تقسم اللحوم والجلود والجلال على المساكين. ومن فوائده: أنه لا يجوز أن يعطي الجزار شيئاً منها في أجرته، لأن حقيقة هذا أنه رجوع في الصدقة والرجوع في الصدقة حرام، لقول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: «لا تعد في صدقتك» ولأن كل شيء أخرجه الإنسان لله فإنه لا يعود فيه، ، ، وكل شيء خرج منه لله فإنه لا يعود فيه؛ ولهذا حرم على المهاجر أن يعود إلى البلاد التي هاجر منها، لكن رخص له أن يبقى فيها ثلاثة أيام. ومن فوائد الحديث أيضا: جواز الأجرة في جزارة الهدي، ويقاس عليها الأضاحي ولا يقال: إن هذا عمل ديني لا يجوز أخذ الأجرة عليه، لأننا نقول: العمل الديني المحض هو الذي لا يجوز أخذ الأجرة عليه أما ما كان متعدياً فإنه لا بأس بأخذ الأجرة، عليه ولهذا كان الصواب أن من قرأ على مريض بآيات من القرآن أو علم أحداً القرآن فإنه يجوز أن يكون ذلك بأجرة لقول النبي ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة: ١٣٠٢ - وعن جابر بن عبد الله قال: «نحرنا مع النبي ﷺ عام الحديبية: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» رواه مسلم. الحديبية هي: أن الرسول ﷺ خرج في ذي القعدة في السنة السادسة عام الحديبية، خرج

стр. 3089

إلى مكة يريد العمرة فأخذت قريشاً حمية الجاهلية ومنعوه أن يدخل، ولكنه ﷺ بايع أصحابه على الجهاد وبايعوه فكتبت لهم غزوة كاملة؛ ولهذا تسمى غزوة الحديبية مع أنه لم يحصل فيها قتال لكن حصل فيها صلح وتم الصلح على أن الرسول ﷺ يرجع إلى المدينة ويأتي بالعمرة من العام القادم ثم أمر أصحابه أن ينحروا وأن يحلقوا، أما النحر فلقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] وأما الحلق فلأنه نسك من أنساك العمرة وهم قادرون على فعله، فلهذا أمرهم النبي ﷺ أن يحلقوا، وإن كان لم يذكر في القرآن فقد ثبت بالسنة، الصحابة- ﵃ كان معهم الهدي فأمرهم النبي ﷺ أن يشترك السبعة في بدنة أو في بقرة فاشتركوا، فكان السبعة يشتركون في بدنة وكان السبعة يشتركون في بقرة. فيستفاد من هذا الحديث: جواز اشتراك عدد من المضحين أو المهدين في الهدي أو في الأضحية وأنه محدد بسبعة في البقرة وبسبعة في البدنة فما معنى هذا التحديد؟ هل معناه أن الإنسان لو أراد أن يجعل ثواب هذه البدنة لعشرين رجلاً فإنه لا يجوز أو المراد أن السبعة يشتركون في هذه البدنة أو البقرة والسبع يكون عن شاة؟ المراد الثاني: يعني: أن سبع البدنة أو سبع البقرة يكفي عن شاة وعلى هذا فإذا اجتمع سبعة أشخاص في الأضحية ببقرة وكل واحد ضحى عنه وعن أهل بيته وكل واحد منهم أهل بيته عشرة تكون مجزئة عن سبعين، لكن في الواقع لم يشترك فيها إلا سبعة، فالثواب ليس له حصرا؛ إن النبي ﷺ ضحى عن أمته جميعاً وعن أهل بيته جميعاً وهم عدد لا يحصيهم إلا الله- أعني: أمته، في الثواب شيء والاشتراك في النسك شيء آخر. ففي هذا الحديث: دليل على اشتراك السبعة في بدنة أو في بقرة في الهدي فهل نقلو: إن الأضحية مثل الهدي الجواب: نعم، الأضحية مثل الهدي. ومن فوائد الحديث: أنه لا عبرة في الثواب وحصول الأجر بكبر الجسم، وجهه: أن البقرة أقل جسماً من البدنة لا شك لكن مسائل الثواب والشعائر ليست مبنية على الأمور الحسية، وإنما هي مقدرة من قبل الشرع فإن اشترك ثمانية في بدنة على أنهم سبعة وبعد ذبحها ونحرها تبين أنهم ثمانية فهل نقول: إن الأضحية الآن بطلت ولا تجزئ عن واحد منهم لقول النبي ﷺ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا عمل ليس على أمر الله ورسوله فيكون مردوداً أو نقول يضحون بشاة إما عن واحد منهم وأما عن الجميع؟ الثاني، ولهذا قال العلماء: لو اشترك سبعة في بقرة أو في بدنة فبانوا ثمانية فإنهم يذبحون شاة وتجزئ عن الجميع، وهذا أهون لكن كما قلت لكم: هل هذه الشاة مشاعة عن الثمانية أو عن واحد منهم؟ يحتمل هذا وهذا، ولهذا قال بعض العلماء: إنها مشاعة، وبعضهم قال: إنها لواحد مبهم والله تعالى يعلمه.

стр. 3090

٣ - باب العقيقة العقيقة: اسم على وزن فعلية بمعنى مفعولة والعق هو القطع، وعلى هذا فالعقيقة يعني المقطوعة؛ لأنها تقطع أوداجها عند الذبح، والتسمية تكون بأدنى ملابسة كما مر علينا كثيرا حيث تسمى مزدلقة جمعا لأن الناس يجتمعون فيها مع أنهم يجتمعون في عرفة وفي منى لكن التسمية تحصل بأدنى ملابسة. والعقيقة تسمى في اللغة-لغتنا نحن-: التميمة؛ لأنها تتمم الطفل وتفكه من الأمر وهو اسم طيب فلها اسم عرفي واسم شرعي الاسم الشرعي العقيقة والعرفي التميمة، وليست هي التميمة التي تعلق على المرضى ونحوهم، وهي سنة لأنها ثبتت عن النبي ﷺ بقوله وفعله لكنها من السنن المؤكدة حتى إن الإمام أحمد ﵀ قال في رجل ليس عنده شيء قال: يقترض ويعق أحب إلي أحيا سنة. وهذا الذي قال الإمام أحمد يقيد بما إذا كان يرجو وفاء كرجل له راتب يحل في آخر الشهر وعند ولادة طفله لم يكن عنده مال فيقترض لأنه يعلم أنه سوف يوفيه في آخر الشهر، أما الإنسان الذي ليس عنده شيء ولا يرجو شيئا فلا يقترض، ثم قال المؤلف: العقيقة عن الغلام والجارية: ١٣٠٣ - عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا». رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله، وأخرج ابن حبان: من حديث أنس نحوه. «عتق» يعني: ذبح، كبشا كبشا يعني: لكل واحد منهما كبشا والحسن والحسين ﵁ صلتهما بالنبي ﷺ أنهما سبطاه أي ابنا بنته فلذلك عق عنهما، ولأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولأن مثل هذا الفعل يشرح صدر أهل الحسن والحسين حيث عق عنهما رسول الله ﷺ ، ولهذا عق عنهما لهذه الوجوه الأربعة. فيستفاد من الحديث: أولا: استحباب العق عن الأبناء وكذلك عن البنات كما سيأتي، دليله: فعل النبي ﷺ .

стр. 3091

ويستفاد منه أيضا: جواز الاقتصار على واحدة في عقيقة الذكر؛ لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا، وقد روي أن فاطمة ﵂ عقت أيضا كبشا كبشا فيكون على هذا متمشيا على المشهور من أن العقيقة للذكر تكون اثنتين. ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط في العقيقة أن يتولاها الأب؛ لأن النبي ﷺ تولاها مع أن أباهما علي بن أبي طالب. ويستفاد منه: جواز تصرف الفضولي يعني: لو أن الإنسان فعل شيئا لشخص وأقره وأجازه فإنه يمضي على ما فعل، وجه ذلك: أنه ليس في الحديث أن النبي ﷺ استأذن من علي بن أبي طالب ﵁ وهذا يقتضي أن الإنسان إذا عق لشخص وأجازه فإنه لا بأس بذلك. ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ عق عنهما كبشا كبشا ولم يذكر في الحديث ماذا صنع بهذا الكبش، هل تصدق به كله أو أكل منه وتصدق أم ماذا؟ لكن العلماء قالوا: ينبغي أن تطبخ العقيقة وتوزع مطبوخة أو يدعى إليها على خلاف الأضحية، الأضحية لا توزع مطبوخة بل توزع نيئة أما هذه فتوزع مطبوخة. قال أهل العلم: وينبغي أن تطبخ بحلو تفاؤلا بحلاوة أخلاق الطفل، لكن في هذا نظر أولا: إذا خلط الحلو مع اللحم فإنه لا يستساغ ولا يشتهيه الإنسان في الغالب، وثانيا: أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى توقيف من الرسول ﷺ ، والصواب أنه يطبخ كما يطبخ غيرها. لكن المؤلف قال: «رجح أبو حاتم إرساله»، والمرسل-كما تعرفون- من أقسام الضعيف، لأنه سقط منه رأو، ولكن المرسل في الاصطلاح الخاص هو ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من الرسول ﷺ كمحمد بن أبي بكر ﵁ وقد يطلق العلماء-علماء الحديث- المرسل على ما لا يتصل إسناده إطلاقا وليس المرسل الخاص وهذا يظهر بالتتبع. ١٣٠٤ - وعن عائشة ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمرهم؛ أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة». رواه الترمذي وصححه. -وأخرج الخمسة عن أم كرز الكعبية نحوه. هذا فيه أمر، أن يعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة، والأصل في الأمر أنه للوجوب، ولكن سبق أن القول الراجح أنها ليست واجبة وأنها سنة وأن هذا أمر استحباب وقوله:

стр. 3092

«عن الغلام شاتان مكافئتان» يعني: متشابهتان في السن والكبر والسمن، والحكمة في ذلك لئلا تكون إحداهما أطيب والثانية يجعلها تابعة للأولى ولا يهتم بها، فلهذا ندب الشارع إلى أن تكون الشاتان متكافئتين؛ لأنه لو عق بشاة جيدة ثم قال: حصل المقصود والشاة الثانية تكون تبعا ولم يتحر فيها الجودة كما تحراها في الأولى ولذلك قال: شاتان مكافئتان أي: متشابهتان سنا وكبرا وسمنا. أما اللون فليس بشرط، وكذلك أيضا الذكورة والأنوثة كما جاء ذلك في حديث آخر. في هذا الحديث: دليل على أن الأفضل في حق الغلام أن يعق عنه بشاتين وأن تكونا مكافئتين أي: متساويتين سنا وكبرا وسمنا. ومن فوائد الحديث: بيان مرتبة الذكور مع الإناث، وأن مرتبة الإناث متأخرة لا تساوي الرجال وهذا أمر مشهور قدرا وشرعا، يعني: الاختلاف بين النساء والرجال مشهور قدرا وشرعا، فالرجل أقوى وأصبر وأذكى وأعقل، والمرأة ناقصة عقل ودين، غير صابرة، ولهذا لعن النبي ﷺ النائحة والمستمعة، ولم يلعن النائح؛ لأن النوح في الرجال قليل لجلدهم وصبرهم بخلاف المرأة فالمرأة ناقصة عن الرجل قدرا وشرعا ومن سوى بينهما في غير ما سوى الله بينهما فيه فقد سفه عقله وضل في دينه. هنا في العقيقة الذكر اثنتان والأنثى واحدة على النصف تماما وهل هناك أشياء أخرى تكون فيها المرأة على النصف؟ نعم، منها: الشهادة ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ومنها الميراث ﴿يوصيكم الله فى أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]، ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١٧٦]. هذه ثلاثة [وكذلك] الدية دية المرأة على النصف من دية الرجل، العتق فإن عتق رجل واحد أفضل من عتق أمرأتين كما جاء لك في الحديث عن النبي ﷺ ، العطية فإن الرجل إذا أراد أن يعدل بين أولاده يعطي الرجل مثل حظ الأنثيين، فهذه كلها، وربما فاتنا بعض الشيء، لكن هذه تدل على أن هناك فرقا بين الذكور والإناث. ارتهان الغلام بعقيقة: ١٣٠٥ - وعن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى». رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي.

стр. 3093

هذا جمع بين عدة مسائل «كل غلام» وهل مثله الأنثى؟ نعم مثله، «مرتهن بعقيقته» المرتهن هو المأخوذ رهنا والرهن هو الحبس، مثال ذلك رهنت عندي ساعة أخذت الساعة منك فالساعة الآن مرتهنة «كل غلام مرتهن» أي: محبوس بعقيقته وما معنى الحبس هنا أو الارتهان؟ ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه محبوس عن الشفاعة لوالديه؛ لأن الغلمان إذا ماتوا صاروا حجابا من النار لوالديهم فيكون مرتهنا أي: محبوسا عن الشفاعة لوالديه. ولكن ابن القيم ﵀ نظر في هذا القول، وقال: إن المعنى هو أنه محبوس عن مصالحه هو نفسه وأن للعقيقة تاثيرا في انطلاقة الطفل وانشراحه وسعة إدراكه؛ لأن العقيقة شكر لله على هذا الولد، والشكر للنعم يزيدها فيزداد هذا الغلام سواء ذكرا أو أنثى يزداد عقلا وفهما، ويسلم من الشرور بسبب العقيقة. قال: «تذبح عنه يوم سابعه»، تذبح الفعل هنا مبني لما لم يسم فاعله؛ لأنه قد يكون الفاعل معلوما لكن بنيناه للمجهول لإخفائه كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسن ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]. الله يعلم من الخالق فالفعل هنا مبني لما لم يسم فاعله، وهذا هو الذي عبر عنه ابن مالك في الألفية قال: ما لم يسم فاعله. إذن تذبح مبنية لما لم يسم فاعله فمن الذي يذبحها؟ الأصل أن المطالب بها الأب هذا الأصل، فإن لم يكن أب فالجد من قبل الأب، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته. وقت العقيقة والحلق: وقوله: يوم سابعه أي: يوم سابع ولادته بأن تذبح قبل يوم من ولادته في اليوم الذي يسبق يوم ولادته، ، فمثلا: إذا ولد يوم الأربعاء متى تذبح؟ يوم الثلاثاء وإذا ولد يوم الاثنين تذبح يوم الأحد وهلم جرا. وإنما اختير أن تذبح في هذا اليوم لأنه مرت عليه أيام الدهر كلها مثلا إذا قلنا: إنه ولد يوم الأربعاء نعد الخميس، والجمعة، والسبت، والأحد، والأثنين، والثلاثاء كل أيام الدهر مرت عليه فيكون ذبحها في هذا اليوم تفاؤلا بطول عمره وأن يبقى ما بقيت هذه الأيام، ومن المعلوم أن كل شيء له أجل، لكن من باب التفاؤل تذبح يوم سابعه، ويحلق أي: الغلام يحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقا أي: فضة، ولكن لابد أن يكون الحالق حاذقا لأن الرأس لين ربما يأتي إنسان فيه غشم فيحلقه ويجرح رأسه، لكن اجعل الذي يحلقه رجلا عنده خبرة وتأني فإن لم تجد وقلت: أريد أن أتصدق بما أظن على وزن الشعر من الورق أي: من الفضة هل يجزئ؟

стр. 3094

يجزئ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. ما دمت لم أجد من يحلقه وأنا لا أحسن الحلق فلا حرج أن أقدر وزنه وأتصدق به ويسمى أي: يوم السابع. وظاهر الحديث أن التسمية تؤخر إلى اليوم السابع حتى وإن كانت أعدت وعينت فإنها تؤخر إلى اليوم السابع ولكن ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأهله: «ولد لي الليلة ولد وسميته إبراهيم» فسماه حين ولادته فما الجمع بين هذا وهذا؟ نقول: الجمع بينهما أنه إذا كان الأسم مهيئا من قبل فالأفضل أن يسمى حين الولادة لئلا يمر عليه يوم من الدهر وليس له اسم، أما إذا كان الأهل يتشاورون في الاسم ولم يتهيئأ لهم أن يسموا في أول ولادته فإنهم يؤخرونه إلى اليوم السابع ليتوافق مع العقيقة. يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولا: البحث على العقيقة لقوله: «كل غلام مرتهن»، والعقيقة تفك رهنه فيكون في هذا حث عليها. ومن فوائده: أن العقيقة يذبحها أي إنسان يقوم بها لكن يبدأ بالأولى، فالأولى الأب ثم الجد من قبله ثم الإخوان ثم من تلزمه نفقته. ومن فوائد الحديث: أنه قد يكون في قوة فحواه أن الذي يباشر الذبح هو الذي يعق وهذا مشروط بما إذا كان عارفا بالذبح، أما إذا لم يكن عارفا فإنه لا يمكن أن يذبح بل يوكل من يذبح ويحضر. ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي عند الذبح أن تقول: هذه عقيقة فلان لقوله: تذبح عنه فتنوي أنها عقيقة عن هذا الصبي أو الطفلة. ومن فوائد الحديث: اختيار اليوم السابع لذبح العقيقة: «تذبح عنه يوم سابعه» فإن ذبحت من قبل فلا بأس؛ لأن توقيتها بالسابع على سبيل الأفضلية فقط، فإن ذبحها في الخامس أو في الرابع أو في أول يوم فلا بأس، لكن بعد السابع أحسن لتمر عليه أيام الدهر كلها فإن لم يتيسر في اليوم السابع ففي الرابع عشر، فإن لم يتيسر ففي الحادي والعشرين، هكذا روي عن النبي ﷺ حديثا في صحته نظر، لكن العلماء مشوا على هذا.

стр. 3095

الرابع عشر قبل يوم الولادة بيوم يعني مثلا: ولد يوم الأربعاء فالسابع يوم الثلاثاء، الرابع عشر يوم الثلاثاء، الحادي والعشرون يوم الثلاثاء أيضا. ومن فوائد الحديث: أنه يسن حلق الرأس في اليوم السابع، ويتصدق بوزنه ورقا أي: فضة بقوله: «ويحلق». ومن فوائد الحلق: في اليوم السابع أنه يقوي أصول الشعر، والإنسان مطلوب منه أن يقوي أصول شعر أبنائه. فائدة الأسماء المستحبة والأسماء الممنوعة: ومن فوائد الحديث: التسمية أن يسمى في اليوم السابع وقلنا: إن الجمع بينه وبين تسمية النبي ﷺ ابنه إبراهيم في ليلة ولادته الجمع هو: أنه إذا كان قد هياء فالأولى المبادرة؛ لئلا يمضي عليه يوم وليس له اسم، وأما إذا كانوا مترددين فإنهم يؤخرونها إلى اليوم السابع. ولم يبين النبي ﷺ لماذا يسمى؟ لكن قد ثبت عن الرسول ﷺ أن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وهل أحد يعدل عن ذلك إلى أسماء أخرى مع أن هذين الاسمين هما المحبوبان إلى الله؟ أعتقد أن أحدا لا يفعل، ولذلك ينبغي لك أن تسمى ولدك بعبد الله، والثاني بعبد الرحمن لأنهما أحب الأسماء إلى الله وإذا كانوا أحب الأسماء وإذا سميت بهما طلبا لما يحبه الله فقد يكون هذا من بركة الولد أن الله يبارك فيه ويجعله من عباد الله وعباد الرحمن. وأما ما يفعله الناس الآن يبحثون عن أسماء ما ترد على الذهن إطلاقا فهذا من العجائب تجد الإنسان يمسك القرآن من أوله إلى آخره يطلب كلمة يسمي بها، حتى قيل لي: إن بعض الناس سمى ابنه «نكتل» قال في القرآن: ﴿فأرسل معنا أخانا نكتل﴾ [يوسف: ٦٣]. يعني: كأنه قرأ «نكتل» نكتلا جعلها منصوبة هذا عجيب وأكثر ما يكون هذا في النساء، تجد الناس يتعجبون كيف تسميه المرأة مع أن الأسماء الكثيرة الخفيفة الطيبة موجودة بأكثر لكن تجده يمسك الإصابة في تمييز الصحابة يمسك أسماء النساء من أوله إلى آخره عله يجد اسما يختاره وهذا طيب لا بأس نحن لا ننكر على هذا لكن ننكر على من يتخذ أسماء اليهود والنصارى والأوروبيين يسمي بها أولاده فإن هذا خطر عظيم وضعف في الشخصية. قال النبي ﷺ : «أصدق الأسماء حارث وهمام» كيف ذلك؟ لأن كل إنسان له همة، كل إنسان حارث عامل ﴿يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه﴾ [الانشقاق: ٦]. هذا أصدقها، لكن أنا لا أختار أصدقها وأنا يمكنني أن أحصل على أحب الأسماء إلى الله، بل أختار أحب الأسماء إلى الله ولابد في الاسم من أن يعبد لله إذا عبد فلا يجوز أن يعبد لغير الله، قال ابن حزم ﵀:

стр. 3096

اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب وإنما استثنى هذا لأن النبي ﷺ قال: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» يعني: وظاهر كلام ابن حزم أن الإنسان لو سمى ابنه عبد المطلب لم يخرج عن إجماع المسلمين، ولكن الصواب أن الرسول ﷺ لم ينشا اسم عبد المطلب، وإنما أخبر بأنه ابن عبد المطلب وعبد المطلب سمي وعرف بهذا، وعلى هذا فلو كان لك جد اسمه عبد الرسول تقول: ابن فلان ابن فلان ابن عبد الرسول، هذا ليس فيه شيء لأنه خبر وليس إنشاء، أما أن تسمي ابنك عبد الرسول فهذا لا يجوز، لأنه نوع من الشرك، كل اسم معبد لغير الله فإنه محرم بالإجماع واستثناء عبد المطلب لا وجه له؛ لأنه لو أنشا اسم عبد المطلب لكان حراما، وأما خبر عن جد له اسمه عبد المطلب فهذا لا بأس به، ومتى تكون التسمية؟ قلنا: إذا كانت هيئت فتكون حين الولادة وإلا ففي يوم العقيقة. مسألة السقط وأحكامه: هل السقط يعق عنه ويسمى نقول: في هذا تفصيل أما السقط قبل أن تنفخ فيه الروح فهذا لا يسمى ولا يعق عنه؛ ولا يجب تغسيله، ولا تكفينه، ولا الصلاة عليه، لأنه قطعة لحم فيدفن في أي مكان ولا يسمى، وأما إذا كان بلغ أربعة أشهر فإنه إنسان يبعث يوم القيامة ويكون شبيها لوالديه ويكون مع والديه في الجنة فهو إنسان تام؛ ولهذا قال العلماء: إنه يسمى ولو كان سقطا لكنه قد بلغ أربعة أشهر، فيسمى بالاسم الذي يختاره أبوه، والأفضل اختيار الأسماء الكاملة لأنه يوم القيامة يدعى الناس بأسمائهم وأسماء أبائهم، كما ثبت في صحيح البخاري، ، أن لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان ومن ثم نعرف خطأ من قال: إن الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم فإن هذا لا أصل له ولا حقيقة له. إذن يسمى السقط إذا نفخت فيه الروح، ومن الذي له حق التسمية الأم أو الأب؟ التسمية للأب هو الذي يختار، فإن تنازع مع زوجته كما يوجد كثيرا ولا سيما في أسماء البنات فالرجوع إلى قول الب، لكن مع هذا ينبغي له أن يوافق إذا لم يكن هناك محظور شرعي اقتداء بالرسول ﷺ حيث قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فالأحسن المياسرة وعدم المعاسرة إلا إذا كان هناك محظور شرعي، لكن ما دام ليس فيه محظور فالأفضل أن يطيعها لاسيما في أسماء البنات، وإن تقاسما وقال: سم هذا المولود وأنا لي اسم المولود الآتي لا بأس؛ لأن الحق لهما وإلى هنا أنتهى باب العقيقة، وبه نعرف أن الذبائح

стр. 3097

المشروعة: الأضاحي والهدايا والعقائق، وما عدا ذلك فليس بمشروع، اللهم إلا جبرانا لترك واجب كالحج أو فعل محظور، واختلف العلماء-﵏ في الفرع والعتيرة هل هما سنة أو هما من المباحات؛ العتيرة: هي ذبيحة رجب، والفرع: هو ذبيحة أول ولد الناقة، وكانوا إذا ولدت الناقة أول مرة ذبحوا فصيلها ثم تصدقوا به، وكذلك في رجب في أول جمعة منه أو في أول يوم منه يذبحون عتيرة ويتصدقون بها فهذه وردت فيها أحاديث تدل على أنها جائزة ولكن بعض العلماء يقول: إنها مكروهة وأنه نسخ الأمر بها والله أعلم.

стр. 3098

كتاب الأيمان والنذور جمع بينهما؛ لأن في كل منهما التزاما، فالحالف يلتزم بما حلف عليه والناذر يلتزم بما نذر؛ فلهذا جمع المؤلف بينهما. تعريف الأيمان: و«الأيمان»: جمع يمين، وهو القسم، وهو: تأكيد الشيء بذكر معظم سواء كان خبرا عن ماض أو مستقبل. و«النذور»: جمع نذر، وهو: إلزام المكلف نفسه شيئا غير واجب سواء كان عبادة أو غير عبادة، وسيأتي بيان حكم الوفاء بالنذر وأنه أقسام. كراهة الإكثار من اليمين: ثم اعلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من اليمين؛ لقول الله-﵎: ﴿واحفظوا أيمنكم﴾ [النساء: ٨٩]. فقد فسرها بعض العلماء بأن المراد: لا تكثروا اليمين، وهذا حسن؛ ولأن إكثار اليمين فيه شيء من التهاون بالمحلوف به، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر اليمين، ولا ينبغي أن يحلف إلا على شيء مهم. فائدة: قرن اليمين بقول: «إن شاء الله»: واعلم أيضا أنه ينبغي لك إذا حلفت على شيء أن تقرن ذلك بمشيئة الله، فتقول: إن شاء الله؛ لتستفيد في ذلك فائدتين: الفائدة الأولى: تسهيل أمرك، والفائدة الثانية: رفع الكفارة عنك فيما لو حنثت، دليل الأول أن سليمان بن داود-عليه وعلى أبيه الصلاة والسلام- حلف أن يطوف ليلة من الليالي على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، لكنه لم يقل اعتمادا على جزمه لا استهانة بالاستثناء، لكن اعتمادا على أنه جازم فلم يقل: إن شاء الله، فطاف على تسعين امرأة في ليلة واحدة فلم تلد منهن إلا واحدة ولدت شق إنسان، ليتبين لجميع الخلق- وعلى رأسهم الأنبياء- أن الأمر أمر الله، وأن الإنسان مهما كان في عزيمته على شيء فلابد أن يعترف أن الأمر بيد الله ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 3099

عن قصة أصحاب الكهف سألوه قريش قال: أخبركم غدا، ولكنه امتنع الوحي عنه بأن توقف إلى خمسة عشر يوما لم ينزل عن خبرهم شيء، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشااء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. أما دليل الثاني: وهو أنه لو حنث لم تجب عليه الكفارة فقد قال النبي ﷺ : «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه»، لذلك ينبغي أن يقرن الإنسان يمينه دائما بـ «إن شاء الله»، أو «إلا أن يشاء الله»، ولا يكفي أن يمرها على قلبه، بل لابد من النطق بها، وهل يشترط أن تكون مساوية لليمين في الجهر والإسرار، أو يجوز أن يسر بها ولو كان اليمين جهرا؟ الجواب: الثاني، يجوز أن يذكرها سرا ولو كانت اليمين جهرا، وهذه تنفع الإنسان فيما إذا حلف على شخص ولم يقل: إن شاء الله جهرا، فإن مخاطبه يظن أنه لم يستثن فلا يحنثه، لكن لو استثنى قال له المخاطب: استثنيت الآن فلا حنث عليك، وأنا لن أفعل. كذلك أيضا من مباحث هذا الباب أن اليمين أو الحلف بغير الله محرم، وسيأتي في الحديث الذي بعد الأول، وستأتي الكفارة فيما أظن في المستقبل. شروط وجوب الكفارة: الكفارة لا تجب إلا بشروط: الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، وهي أن اليمين المنعقدة التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن؛ فإن لم يقصد عقدها لم تكن منعقدة وليس عليه كفارة، لكن إن كان صادقا فقد بر، وإن كان كاذبا فعليه إثم الكاذبين، لكنه يتضاعف عليه الإثم؛ لأنه قرن كذبه باليمين بالله، وهل هذه يمين غموس؟ قيل: إنها يمين غموس، وقيل: لا، والصحيح أنها ليست يمين غموس، وأن اليمين الغموس هي التي يقسم بها ليأكل بها مالا بالباطل، وأما هذه فهو كاذب عليه إثم الكاذبين مع مضاعفة الإثم عليه لكونه حلف وأقسم إذن على أمر مستقبل، الحلف على الماضي ليس فيه الكفارة، فإما صادقا وإما كاذبا، مثل: أن يقول: والله لقد حصل أمس كذا وكذا وهو لم يحصل فما الحكم، هل عليه كفارة؟ لا؛ لأن ذلك على أمر ماض، لكننا نقول: هو بين أمرين إما آثم وإما سالم إن كان صادقا فهو سالم، وإن كان كاذبا فهو آثم، وهل يجوز أن يحلف على غلبة ظنه في أمر ماض؟ الجواب: نعم يجوز ذلك؛ لأنه حلف عند النبي ﷺ على غلبة الظن ولم ينكر ذلك. وقولنا: «قصد عقدها ضده» ما لم يقصد ذلك، فإذا لم يقصد عقدها فلا حنث عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفرته إطعام عشرة

стр. 3100

مسكين ... ﴾ الآيات [المائدة: ٨٩]. فما هي التي لا يقصدها؟ هي التي تأتي في مجرى الكلام بلا قصد مثل أن يقال له: أتذهب إلى فلان؟ يقول: لا والله ما أنا ذاهبا ثم يذهب فهذا ليس فيه الكفارة؛ لماذا؟ لأنه لم يقصد عقدها وهذه تقع كثيرا، تقول المرأة أو الأب لابنه مثلا: والله لئن خرجت إلى السوق لأكسرن رجليك هذه لم يقصد عقدها؛ لأنه لا يكسر رجليه فهذه من لغو اليمين. وأما قوله: «ممكن» فضد الممكن المستحيل، والمستحيل إذا حلف على إيجاده فقد اختلف العلماء فيه: هل عليه كفارة في الحال؟ لأننا نعلم أنه لا يمكن أن يوجده أو ليس عليه شيء؛ لأن هذا من باب اللغو والهذيان، مثل أن يقول: والله لأبنين بيتا في القمر هذا مستحيل، فهل تقول: إن عليك الكفارة من الآن؛ لأنك لا يمكن أن تصل أن تصل إلى هذا، أو نقول: إن هذا كلام لغو وهذيان فليس فيه كفارة؟ فيه خلاف، بعضهم يقول كذا، وبعضهم يقول كذا، ولو ألزمناه بالكفارة تأديبا له عن هذا الكلام اللغو لكان حسنا؛ يعني: من باب الأديب. الحلف بغير الله: ١٣٠٦ - عن ابن عمر ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ : «ألا إن ينهاكم أن تحلفوا بابائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت». متفق عليه. أدركه «في ركب» يعني: أنه في سفر، وتعيين هذا السفر أو الركب أو كيف قابلهم الرسول ﷺ ؟ كل هذا من الأمور التي ليست بذات أهمية، المقصود: فهم القضية وما يترتب عليها من أحكام. يقول: «وعمر يحلف بأبيه»؛ لأنهم كانوا يعتادون هذا في الجاهلية ومشوا عليه، وهذا هو الأصل أن الإنسان يبقى على ما كان عليه، حتى يدل الدليل بالوجوب أو التحريم أو ما أشبه ذلك، وكذلك يقول: «فناداهم» أي: كلمهم بصوت مرتفع؛ لأن النداء للبعيد يكون بصوت مرتفع، على أن الله ينهاهم، أكد النبي ﷺ هذه الجملة بمؤكدين: المؤكد الأول: «ألا»؛ لأنها أداة استفتاح يقصد بها تنبيه المخاطب على ما يرد عليه، والمؤكد الثاني: «إن»، «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بابائكم»، والنهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، والصيغة التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله في هذا لا نعلمها، لكن نعلم المعنى وهو: أن الله تعالى ينهانا أن نحلف بآبائنا، والآباء جمع أب يشمل الأب والجد لأن الجد يسمى أبا كما في القرآن الكريم.

стр. 3101

وقوله: «فمن كان حالفا فليحلف بالله» يعني: من أراد أن يحلف فليحلف بالله، فقوله: «من كان حالفا» ليس شيئا ماضيا، بل المراد: من أراد أن يحلف «فليحلف بالله أو ليصمت»، واللام في قوله: «فليحلف»، قد يقال: إنها لام الأمر، وقد يقال: إنها لام الإباحة، فباعتبار أنه لا يحلف بغيره تكون لام أمر، وباعتبار أنه يباح له أن يحلف بالله تكون لام إباحة «أو ليصمت»: ليسكت. في هذا الحديث من الفوائد: أولا: حرص النبي ﷺ على إنكار المنكر؛ لأنه لما سمع هذا المنكر ناداهم ولم يسكت، وظاهره أنه ناداهم من بعد، يعني: لم يصبر حتى يصل إليهم فيكلمهم بكلام معتاد، بل ناداهم من بعد وأخبرهم بما أوحاه الله تعالى إليه من النهي. ومن فوائد الحديث: أن من كان جاهلا فإنه لا يؤاخذ، ولهذا لم يعنفهم الرسول ﷺ ، بل بين لهم الحكم دون أن يوبخهم ويعنفهم. ومنها: البناء على الأصل وهو أن يبقى الإنسان على ما كان عليه حتى يتبين نقل الحكم أو الحال عن الأصل، دليله فعل عمر حيث حلف بالأب. ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في المسائل المهمة أن تؤكد بأنواع التأكيدات، وذلك أن النبي ﷺ أضاف النهي إلى الله، ولا شك أن إضافة النهي إلى الله تعطي الإنسان قوة في اجتناب هذا المنهي عنه؛ لأن الله له الحكم وبيده ملكوت السموات والأرض وما صدر عنه فإنه أقوى مما صدر عن غيره؛ ولهذا قال: «ألا إن الله ينهاكم» إلا أن هذه الفائدة قد ينازع فيها، فيقال: إن الرسول ﷺ نسب النهي إلى الله لأن الله نهى عن ذلك لا من أجل أن يؤكد الاجتناب، وهذا قد يقال: إنه أقرب؛ لأن النبي ﷺ يجب عليه البلاغ. ومن فوائد هذا الحديث: أن تعظيم الآباء كان معروفا في الجاهلية، ولهذا يحلفون بآبائهم وهذا أمر فطري، كل الناس يعظمون آباءهم ويحترمونهم إلا من ضل عن سواء السبيل هذا له شأنه. ومن فوائد هذا الحديث: جواز اليمين إذا كانت على وجه مشروع؛ لقوله: «من كان حالفا فليحلف بالله». ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا نهى عن شيء أن يذكر ما يكون بدلا عنه، وهذه طريقة القرآن والسنة، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤]. فلما ذكر اللفظ المنهي عنه أتى ببدله، وقال النبي ﷺ في بيع التمر الرديء بالجيد مع الزيادة: «هذا عين الربا، ولكن بع التمر-يعني: الرديء- بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا جيدا»، فلما ذكر الممنوع ذكر ما يقوم مفامه، وهذا في الحقيقة هو خلاصة الدعوة؛ لأن الناس إذا ذكر لهم ما كانوا يعتادونه أو يستحسنونه وهو مخالف للشرع ثم قيل

стр. 3102

لهم: اجتنبوه دون أن يوجد لهم بديل فإن ذلك يشق عليهم، لا يمتثلون أمر الله ورسوله، فأنت إذا نصحت إنسانا أو أمرته بمعروف أو نهيته عن منكر فبين له الشيء المباح؛ ليكون ذلك أدعى للقبول. مسائل مهمة في اليمين: وهنا مسائل خارجة عن موضوع الحديث: أولا: لو حلف الإنسان بأبيه فهل تنعقد اليمين؟ الجواب: لا، لا تنعقد؛ لأن هذا الحلف حرام، وإذا كان حراما فإن اليمين لا تنعقد؛ لأنه بانعقادها ما يترتب عليه الكفارة إذا حنث فيها والكفارة قربة إلى الله، والله لا يتقرب إليه بما كان معصية، أيضا لو حلف الإنسان بغير أبيه حلف برئيسه أو بالشمس أو بالقمر فهل يكون كالحلف بالآباء؟ نعم هو كالحلف بالآباء، فتقييد النبي ﷺ الحلف بالآباء بناء على أن هذا هو الذي وقع فما كان مثله فإن له حكمه، فإذا حلف الإنسان برئيسه أو بجده أو بأمه فالحكم في ذلك واحد، وقول الرسول: «فليحلف بالله» هذا مما يتفرع عليه لو حلف بالرحمن ينعقد، بالرحيم ينعقد؛ لماذا قال: «فليحلف بالله»؟ لأن هذا هو العلم الذي لا يسمى به غير الله . وعلى هذا فجميع أسماء الله يجوز الحلف بها، والحلف بصفاته جائز أيضا، لو قال: وعزة الله، وقدرة الله لأفعلن كذا وكذا فهو جائز، ومنه-فيما يظهر- قول إبليس لرب العالمين: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ فإن هذا من الحلف بصفة الله، ومنه على رأى بعض العلماء قول الرسول ﷺ : «لا ومقلب القلوب»، فإن تقليب القلوب من الصفات الفعلية. وعلى كل حال نقول: الصحيح أن الحلف بصفات الله جائز ومنعقد، أما الحلف بآيات الله ففيه تفصيل: إن كان مراد الحالف بآيات الله الكونية فهذا لا يجوز ولا ينعقد به اليمين، مثل أن يقول: والشمس والقمر والليل والنهار فهذا كله حرام، مع أنها من آيات الله، لكن لكونها من آيات الله الكونية حرم على الإنسان الحلف بها، أما إذا كانت من آيات الله الشرعية كالقرآن- فالقرآن صفة من صفات الله لأنه كلام الله- فيجوز الحلف بذلك؛ ولهذا ينبغي أن نسأل العامي إذا سمعناه يحلف بآيات الله كما هو كثيرا الآن وشائع نقول: ماذا تريد بآيات الله؟ قد يقول: أنا لا أعرف من آيات الله إلا الليل والنهار والشمس والقمر، نقول: إن أردت ذلك فالحلف بها حرام ولا يجوز، فإذا قال: أنا أريد بآيات الله المصحف أو القرآن، قلنا: هذا لا بأس به، لكن بشرط أن تريد بالمصحف: القرآن لا الورق والجلد.

стр. 3103

١٣٠٧ - وفي رواية لأبي داود والنسائي: عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لا تحلفوا بابائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون». إذا قيل: «مرفوعا» فهو يعني: معزورا إلى الرسول ﷺ ؛ لأن السند إذا كان غايته أن يصل إلى النبي ﷺ فهو مرفوع، وإذا كان غايته أن يصل إلى الصحابي فهو موقوف، وإذا كان غايته أن يصل إلى التابعي فمن بعده فهو مقطوع، وهو غير المنقطع؛ لأن المنقطع من مباحث الإسناد، والمقطوع من مباحث المتن، يقول: «لا تحلفوا بآبائكم» وهذا في الحكم كقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم»، حتى بالأم نهى النبي ﷺ أن يحلف بها مع أنها محل الرأفة والرحمة وحسن الصحبة، «ولا بالأنداد»، «الأنداد»: جمع ند، أي: الأوثان التي تعبد من دون الله مثل: اللات والعزى ومناة وهبل، قال: «لا تحلفوا إلا بالله»، فلا تحلف بقبر فلان، ولا باللات والعزى ومناة، «ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون»، لما نهى عن الحلف بما ذكر بقي الحلف بالله فنهى أن نحلف به- إلا ونحن صادقون؛ لأن الحلف تأكيد الشيء بذكر معظم، كأن الحالف يقول: بعظمة هذا الشيء عندي وفي قلبي أؤكد هذا الشيء، يعني: المحلوف عليه؛ ولهذا كان الحلف من أكبر ما يدل على تعظيم المحلوف به. في هذا الحديث فوائد: النهي عن الحلف بالآباء والأمهات، وهل النهي للتحريم؟ الجواب: نعم؛ لأنه هو الصل؛ ولأنه قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز الحلف بالأنداد كاللات والعزى وغير ذلك، فإن حلف فقد أمر النبي ﷺ للحالف بالأنداد أن يقول بعد ذلك: لا إله إلا الله فقال: «من قال: واللات» -يعني: في يمينه- فليقل: «لا إله إلا الله بعد ذلك». قال العلماء: وفائدته أن تعظيم هذا الصنم شرك، ودواء الشيء يكون ضده بالإخلاص، تقول: لا إله إلا الله، وفي بقية الحديث: «ومن قال: تعال أقامرك فليتصدق» لتمحوا هذه الصدقة الجناية. فيه أيضا: تحريم الحلف بالأنداد، وذكرنا إن دواء ذلك أن يقول: لا إله إلا الله، لأنه يداوى الشرك بالإخلاص.

стр. 3104

شبهة والرد عليها: فإن قال قائل: ما الجواب عما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل النجدي الذي جاء يسأل النبي ﷺ عن الإسلام فذكر له خمس صلوات وصيام رمضان والزكاة [فقال الرجل بعد ذلك]: هل علي غيرها؟ فقال له النبي ﷺ : «لا إلا تطوع»، فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : «أفلح وأبيه إن صدق»، فقال: «وأبيه»، وهذا حلف بالآباء، فقيل في الجواب عن ذلك أولا: أن اللفظة شاذة انفرد بها بعض الرواة الآخرين، والشاذ غير مقبول؛ لأن من شرط القبول أن يكون الحديث غير شاذ وعلى هذا نستريح منه، وهذا من حسن المناظرة أي: أن الإنسان يطالب أولا بصحة الدليل قبل كل شيء؛ لأنه إذا لم يصح لا حاجة إلى أن نتكلف في رده، وهذه من طرق العلماء التي يسلكونها، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه «منهاج السنة» الذي رد به على الرافضة، يقول في الجواب: نطالبك بصحة النقل؛ لأنه إذا عجز أن يقيم الدليل على صحته فمعناه: أنه سقط وعليه تسقط حجته، وقيل: إن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، وهذا يحتاج إلى العلم بتأخر هذا عن النهي عن الحلف بالآباء، فإن لم يوجد دليل فإنه لا يجوز ادعاء النسخ؛ لإمكان أن يكون المدعي نسخه هو الناسخ، وقيل: إن هذا في حق النبي ﷺ خاصة؛ لأنه لا يمكن أن يتصرف فيما فيه احتمال الشرك وتعظيم المخلوق كتعظيم الخالق بخلاف غيره، وأما غيره فلا يحل له أن يقول: وأبيه، وهذا أيضا فيه نظر؛ لأنه يحتاج إلى دليل على الخصوصية، الرابع: أنه على حذف، والتقدير: أفلح ورب أبيه إن صدق، وهذا أيضا غير صحيح، لأن حذف المضاف هنا يوجب إشكالا، والنبي ﷺ يبلغ البلاغ المبين، فلا يمكن أن يعبر بلفظ مبهم عن لفظ واضح، فلو كان مراد النبي ﷺ أن يقول: ورب أبيه لقال: ورب أبيه، حتى لا يبقى إشكال، الخامس: أن هذا مما يجري على اللسان بلا قصد كقول النبي ﷺ لمعاذ: «ثكلتك أمك يا معاذ»، وكقوله: «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، كلمات تقال على الألسن ولا يراد معناها وهذا أيضا فيه نظر؛ لأن الحلف بالآباء مما يجري على الألسن في عادة الجاهلية ومع ذلك أبطله النبي ﷺ ونهى عنه. فأسلم الأجوبة في ذلك أن يقال: إن هذه الكلمة شاذة ولا يبقى إشكال، وأما القول بأنها تصحيف فهو أيضا وجه سادس؛ قيل به وفيه نظر، ويقول: الأصل: «أفلح والله إن صدق»، لكنهم كانوا فيما سبق لا يعربون الكلمة ولا ينقطونها ولم يرفعوا اللامين، وعليه فلفظ: «أبيه» إذا حذفت النقط ورفعت النبرة صارت «والله» وهذا تحريف، فتكون الكلمة محرفة، ولكن هذا أيضا غير صحيح، بل هو باطل؛ لأن الحديث يروى بالنقل بالمشافهة وبالنقل بالمكاتبة، وأكثر المحدثين

стр. 3105

يحدثون بالمشافهة، فلو سلمنا جدلا إن هناك تصحيفا في الكتابة لم يكن هناك خطأ في المشافهة، فهذه الأقوال في هذه المسألة، ولكن أقرب الأقوال: أنها شاذة، والشذوذ قد يقع من بني آدم. ومن فوائد الحديث: النهي عن الحلف بالله إلا والإنسان صادق؛ لقوله: «ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون»، وتحت أمور أو أحوال: الحال الأولى: أن يعلم أنه صادق. والحال الثانية: أن يعلم أنه كاذب. والحال الثالثة: أن يغلب على ظنه أنه صادق. والحال الرابعة: أن يغلب على ظنه أنه كاذب. والحال الخامسة: أن يشك يتردد، أما إذا علم أنه صادق فلا بأس باليمين، وقد تكون اليمين مطلوبة، كما لو أراد أن يقنع شخصا في أمر يحسن إقناعه فيه، كأن يحلف مثلا على فرضية الصلاة وما أشبه ذلك، هذا يعلم أنه صادق، والحال الثانية: ضده أنه يحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فهذه محرمة، وإذا تضمنت أكلا لمال الغير بالباطل صارت يمينا غموسا من كبائر الذنوب، والحالة الثالثة: أن يغلب على ظنه الصدق فيما حلف فهذا لا باس به وقد أقره النبي ﷺ في قصة المجامع في رمضان حيث قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فأقره النبي ﷺ لكن إذا تضمن هذا أكل مال الغير بالباطل فلا يجوز؛ لأن مال الغير محترم، لا يجوز انتهاك حرمته إلا بيقين، والحال الرابعة: أن يغلب على ظنه أنه كاذب فهذا حرام، والحال الخامسة: أن يشك فهو حرام أيضا حتى يعلم أو يغلب على ظنه، ورسول الله ﷺ هنا يقول: «إلا وأنتم صادقون»، فخرج بذلك كل الأحوال الأربعة الباقية، وهي: أن يعلم أنه كاذب، أو يغلب على ظنه أنه صادق، أو يغلب على ظنه أنه كاذب، أو يشك؛ لأن قوله: «إلا وأنتم صادقون» أي: عالمون بانكم صادقون، فيقال: نعم، هذا أعلى الحالات، لكن قد جاءت السنة بجواز الحلف على غلبة الظن. اعتبارنية المستحلف في اليمين: ١٣٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يمينك على ما يصدقك به صاحبك». وفي رواية: «اليمين على نية المستحلف». أخرجهما مسلم. قوله ﷺ : «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» يعني: أنك إذا حلفت لشخص وأظهرت

стр. 3106

خلاف الواقع من باب التورية فاليمين على حسب نية المستحلف الذي عبر عنه بقوله: «صاحبك»، ولا عبرة بنيتك حتى لو نويت نية تخرجك من الإثم، فإن المدار على نية صاحبك، مثال ذلك: إذا قال لك شخص ادعى عليك مائة ريال وأنت تعلم أنه صادق فقلت: والله ما عندي لك مائة، تريد أن «ما» بمعنى: الذي؛ يعني: الذي عندي لك مائة، وهو سيفهم النفي وأنت الآن تثبت أن له عندك مائة، لكن نيتك غير معتبرة، بل النية على حسب ما يصدقك به صاحبك، وهل يبرأ الإنسان فيما إذا حلف هذا الحلف من المائة؟ نقول: أما ظاهرا باعتبار الحكم لو تحاكما إلى قاض فإنه يبرأ؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع لكن عند أحكم الحاكمين- لا يبرأ ولا ينفعه هذا التأويل. في هذا الحديث من الفوائد: أولا: أن الأصل الرجوع إلى نية الحالف ما لم يكن هناك خصم له، فإن كان له خصم فالمرجع نية الخصم، لكن إذا لم يكن خصم فإنه يرجع إلى نية الحالف، لكن العلماء افترضوا أن يحتملها اللفظ، فإن لم يحتملها اللفظ فلا عبرة بها، مثال هذا: لو قال قائل: والله لا أنام الليلة إلا على فراش، ثم توسد كثيبا من الرمل، ونام على الرمل، هو قد أقسم ألا ينام على فراش، وقال: أنا أنوي بالفراش الأرض؛ لأن الله قال: ﴿الذى جعل لكم الأرض فرشا﴾ [البقرة: ٢٢]. والثاني: قال: لا أنام الليلة على وتد-عود يدق بالجوار يعلق به الحوائج- ثم نام على جبل، نقول هذه نيته واللفظ يحتملها، فإن قال: والله لا آكل اليوم خبزا ثم أكل الخبز وقال: أردت بذلك التمر فهل تقبل نيته؟ لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتملها. إذن الأصل في الأيمان لإلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، دليل ذلك قوله-﵎: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيسن﴾ [المائدة: ٨٩] أي: على حسب ما عقدتموه، وقول النبي ﷺ : «إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وكذلك هذا الحديث، فإن لم يكن له نية رجعنا إلى السبب الذي هيج اليمين وأثار اليمين، لماذا حلف هذا الرجل؟ نرجع إلى السبب، مثال ذلك: قال له رجل من الناس: إن عمرا يقرر البدعة قال له: صحيح؟ قال: نعم، قال: والله لا أكلم عمرا الذي ذكره لصاحبه، ثم كلمه فهل يحنث؟ نقول: لا يحنث اعتمادا على السبب، كذلك أيضا لو قال: والله لا أدخل هذا البيت بناء على منكرات ذكرت في هذا البلد ثم تبين أنه لا يوجد منكرات، وأن ما نقل عن وجود منكرات ليس بصحيح فهل يدخلها؟ نعم يدخل بناء على السبب، ومثل ذلك: رجل رأى امرأته تكلم إنسانا فقال: أنت طالق بناء على أن هذا الإنسان من غير محارمها ثم تبين أنه محرم لها فهل تطلق؟ لا، بناء على السبب، فإن لم يوجد سبب، لا نية ولا سبب يرجع إلى التعيين-وهي المرتبة الثالثة- يعني: إلى ما عينه الحادث كيف

стр. 3107

ذلك؟ قال: والله لا آكل لحم هذا الحمل-وهو الجذع من الضأن- عين ثم أن الحمل كبر صار سنيا أو رباعيا وأكل منه فهل يحنث؟ يحنث؛ لأنه عين، قال: هذا الشيء إلا إذا أراد ما دام حملا فعلى نيته، لكن نقول: لو لم يوجد نية فنرجع إلى التعيين، كذلك لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب وجعله سراويل وكان حين حلف عليه قميصا فهل يحنث أم لا؟ يحنث بناء على التعيين فإن لم يوجد تعيين وإنما علق اليمين بالمعاني لا بالأعيان ولم يوجد نية ولا سبب رجعنا إلى ما يتناوله اللفظ؛ يعني: إلى معنى اللفظ، وحينئذ ننظر ما معنى هذا اللفظ وما حقيقة هذا اللفظ؟ والحقائق ثلاثة: شرعية ولغوية وعرفية، أول ما نرجع إليه النية ثم السبب ثم التعيين، فإذا لم يحصل شيء من ذلك رجعنا إلى مدلول اللفظ فنرجع إلى الحقائق الثلاث: الشرعية واللغوية والعرفية، وحينئذ تجدون الألفاظ منها ما تتفق فيه الحقائق الثلاث كالسماء، السماء: لغة وشرعا وعرفا معناها واحد، لكن المشكل إذا اختلفت الحقائق فإلى أي الحقائق نرجع؟ مثلا: إذا قال رجل: والله لا أصلي، ثم قام وصلى قلنا: كفر، قال: لماذا؟ الصلاة في اللغة: الدعاء وهذه الصلاة الشرعية، نقول: أنت هل نويت الدعاء، إن كنت نويت الدعاء؟ فأنت ونيتك ولا تجادله، لكن إذا قال: ليس عندي نية فتحملها على المعنى الشرعي؛ لأن هذا هو المعروف عند المسلمين، رجل آخر قال: والله لأبيعن اليوم وأعقد عقد بيع ثم ذهب وباع خمرا، حتى غربت الشمس ما رأينا الرجل قد باع شيئا قلنا: كفر، فقال: قد بعت خمرا وهو بيع بمقتضى اللغة العربية فهل نطيعه بأنه بيع بمقتضى اللغة العربية؟ نعم، ولكنك مسلم فنحمل البيع الذي حلفت عليه على الشرعي وبيع الخمر ليس شرعيا، فلا يعتبر، ونلزمه بالكفارة، لكن لو قال: أردت (عنبا) يرجع إلى نيته، بقي عندنا الحقيقة الشرعية والعرفية، إذا تعارضت اللغوية والعرفية فإنه يحمل على اللغة العرفية، يعني: كلام الناس على أعرافهم، مثل لو قال: والله لأذبحن الآن شاة فأخذ تيسا فذبحه هل يحنث؟ قال: الشاة في اللغة تطلق على الذكر والأنثى من الضان والمعز، ماذا تقول؟ لكن العرف أن الشاة هي: الأنثى من الضان ولا نقبل كلامه إلا إذا قال: نعم، نويت الحقيقة اللغوية، فعلى ما نوى. من حلف فرأى الحنث خيرا كفر عن يمينه: ١٣٠٩ - وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها؛ فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير». متفق عليه. قوله: «وإذا حلفت» الواو هنا حرف عطف، فأين المعطوف عليه؟ المعطوف عليه حذفه

стр. 3108

المؤلف؛ لأنه لا شاهد فيه للباب، وهو قول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها»، هذا هو المحذوف، بمعنى: أن الرسول ﷺ نهى عن طلب الإمارة، وأخبر أن من طلبها فأعطيها وكل إليها، وإن جاءته من غير مسألة أعين عليها، وأيهما أحسن؟ الثاني: أحسن أي: أن يعان عليها؛ ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتعرض للإمارة، العافية خير والسلامة أسلم، اللهم إلا إذا كان القائم عليها ليس أهلا لها، فحينئذ لك أن تسألها كقول يوسف-﵊: ﴿اجعلنى على خزائن الأرض إلى حفيظ عليم﴾ [يوسف: ٥٥]. وهذه وإن لم تكن إمارة سلطة لكنها إمارة وزارة مالية؛ لأنه قال: ﴿اجعلنى على خزائن الأرض﴾، ثم بعد ذلك ترقى حتى صار ملك مصر، أما الولاية فلا بأس أن يسألها من هو أهل لها كقول عثمان بن أبي العاص للنبي ﷺ : يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم»، ولكن يجب على الآمر المسئول ألا يجيب السائل إذا لم يكن أهلا مطلقا، سواء في الإمارة أو الولاية، وكلامنا هنا فيمن طلب الإمارة أو الولاية، لا فيمن أعطى الإمارة أو الولاية؛ لأن من أعطى الإمارة أو الولاية يجب عليه أن يختار من هو أقوم في العمل من غيره فإن ولى من هو دونه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، إذا ولى أحد على أمر وفيه من هو خير منه فهذا خيانة، لكن كلامنا على الطالب فصار طلب الإمارة منهيا عنه، طلب الولاية لا بأس به إذا كان أهلا لذلك، أو إذا لم يكن القائم على ذلك أهلا؛ كقصة يوسف؛ لأن يوسف لم يسأل الولاية-ولاية السلطة- التي هي الإمارة، وإنما قال: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾، أما الموضوع المناسب للحديث لهذا الباب فهو قوله ﷺ : «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر»، المراد باليمين هنا: ليست اليمين التي ينعقد بها الحلف، ولكن اليمين التي حلف عليها، فالمعنى: إذا حلفت على شيء لأن اليمين حقيقة هي صيغة القسم، ولا يستقيم الكلام إذا قلت: حلفت على قسم، ولكن المعنى: إذا حلفت على شيء فرأيت غيرها خيرا منها، رأيت رؤية قلبية أو بصرية؟ الظاهر أنها قلبية؛ لأنها أعم، «غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وئت الذي هو خير» فأمره النبي ﷺ أن يكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير، وهذا اللفظ بدأ فيه بالتكفير قال: «كفر عن يمينك وائت الذي هو خير»، والواو هنا لا تستلزم الترتيب، وإن كانت تقتضيه؛ لأن أصل دلالة الواو على الترتيب ليست لزومية، وإنما على الترتيب بحسب الأدلة.

стр. 3109

وفي لفظ للبخاري: «فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك». فبدأ هنا بالحنث قبل الكفارة. وفي رواية لأبي داود: «فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير». وإسنادهما صحيح. فبدأ هنا بالتكفير قبل الحنث على وجه مرتب صريحا لقوله: «ثم»، و «ثم» تقتضي الترتيب، وهذه الألفاظ المختلفة قد نرجح بعضها على بعض، وقد نقول: إنها تدل على أن الأمر واجب، لقوله: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها»، والخيرية: هنا هل هي خيرية الدين أو خيرية الدنيا أو كلاهما؟ كلاهما جميعا، مثال ذلك: حلف ألا يصومن غدا الإثنين، ومعلوم أن صوم الإثنين سنة، نقول: كفر عن يمينك وصم، دعاه ابن عمه لوليمة عرس أو غيرها فحلف ألا يجيب دعوته، فأشار عليه بعض الموفقين قال: هذا ابن عمك وإجابة دعوته من صلة الرحم وامتناعك قطيعة، فرأى أن الخير في إجابته ماذا تقول؟ كفر عن يمينك واذهب إلى صاحبك، وهل التكفير والإتيان هنا واجب؟ نقول: فيه تفصيل: إن كان الخير واجبا وجب الحنث وفعل الخير، وإن كان مستحبا استحب الحنث وفعل الخير، فإذا قال: والله لا أصلين اليوم في جماعة، إنسان أحمق! كان ابنه يقول له: يا أبت، صل مع الجماعة خير وفضل وأجر، فقال عنادا لابنه: والله لا أصلين اليوم مع الجماعة، حلف على ترك واجب، الخير هنا واجب الذي هو الحنث لو حنث وصلى مع الجماعة صار هذا أمرا واجبا عليه، فنقول: يجب عليك الآن أن تحنث وأن تكفر صل مع الجماعة وكفر، فصار إتيان الذي هو خير والتكفير حسب هذا الخير أن كان واجبا وجب الحنث والتكفير إن كان سنة سن الحنث ووجب التكفير، لأن كفارة اليمين واجبة، وإذا كان ليس خيرا ولا شرا أي: بأن كان شيئا مباحا، كأن يقول مثلا: والله لا ألبس هذا الثوب، فقال له بعض الحاضرين: البسه هذا الثوب أجمل من الثوب الذي عليك، قال: والله لا ألبسه، فهنا نقول: الأولى حفظ اليمين، لكن لو فعل ولبس الثوب وكفر فلا بأس. الحنث في اليمين على خمسة أقسام: وقد قسم العلماء-﵏ الحنث إلى خمسة أقسام: واجب، وحرام، وسنة، ومكروه، ومباح، واجب الحنث يعني: قطع اليمين والكفارة إما واجب أو سنة أو حرام أو مكروه أو مباح، متى يكون واجبا؟ إذا توقف على الحنث فعل واجب أو ترك محرم صار

стр. 3110

الحنث واجبا مثاله-ما قلنا قبل قليل- إذا قال: والله لا أصلي مع الجماعة اليوم فهنا يتوقف على الحنث فعل واجب، يعني: أنه يجب عليه إذا حنث من هذا اليمين أن يصلي لأن هذه الصلاة فعل واجب، فيكون الحنث واجبا، ويكون الحنث سنة إذا توقف عليه فعل سنة، ويكون مكروها إذا توقف عليه فعل مكروه مثلا نقول: والله لا آكلن الآن بصلا، البصل: أصله مكروه عند قرب الجماعة، ماذا نقول؟ الحنث هنا مستحب، يعني: ألا يأكل، لكن لو قال: والله لآكلن الآن بصلا، قلنا: الحنث مكروه، المباح كما ذكرنا في مسألة الثوب، ولكن العلماء يقولون في قسم المباح حفظ اليمين أولى من الحنث؛ لقوله-﵎: ﴿واحفظوا أيمنكم﴾ [المائدة: ٨٩]. بقي لنا: هل يكفر أولا ثم يحنث أو يحنث ثم يكفر؟ اختلف العلماء في ذلك بناء على اختلاف الروايات، فقال بعض أهل العلم: كفر ثم احنث. عيد على عمر وقال بعضهم: احنث ثم كفر بناء على اختلاف الروايات، والصواب أن هنا لا بأس بهذا أو بهذا، ولكن إذا كان التكفير قبل الحنث فإنه يسمى تحلة، وإن كان بعده فإنه يسمى كفارة، دليل ذلك قول الله-﵎: ﴿يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تنبغى مرضات أزوجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم﴾] التحريم: ١ - ٢]. وهو التكفير قبل الحنث وقال تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفرته إطعام عشرة مسكين﴾ [المائدة: ٨٩]. هذا بعد الحنث، والصواب أن الإنسان إذا حلف على شيء وأراد أن يحنث نقول له: أنت بالخيار إن شئت فافعل ثم كفر وإن شئت كفر ثم افعل هذا هو القول الراجح بمعنى: أنه لا يتعين لا هذا ولا هذا. من فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحنث في اليمين إذا كان خيرا؛ لقوله: «فرأيت غيرها خيرا منها فكفر ... إلخ». ومن فوائد الحديث: الانتقال عن المفضول إلى الأفضل ولو عينه الفاعل، يعني: ينتقل عن المفضول إلى الأفضل ولو كان المفضول قد عين، دليله قوله: «كفر عن يمينك وائت الذي هو خير» ويدل لهذا قول النبي ﷺ للرجل الذي نذر أن فتح الله على رسوله مكة أن يصلي في بيت المقدس قال: «صل هاهنا» فأعاد عليه قال: «شأنك»، فهذا يدل على أن الانتقال عن المفضول إلى الفاضل جائز ولو كان المفضول قد عين، وبناء على ذلك لو

стр. 3111

أن إنسانا أوقف بيتا على ما يفعله كثير من الناس فيما سبق على أضاح وعشاء في رمضان، ورأى الناظر أن يصرفه في بناء المساجد، فهل يجوز أن يغير شرط الواقف؟ الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا أفضل، فيكون الانتقال إلى الأفضل عن المفضول ولو كان معينا مما جاءت به السنة عن النبي ﷺ . ومن فوائد الحديث: وجوب التكفير عن اليمين بالحنث لقوله: «كفر عن يمينك». ومن فوائده: جواز الإجمال في القول إذا كان قد فصل في موضوع آخر لقوله: «كفر عن يمينك»، ولم يذكر الكفارة، ولكنها كانت معلومة عند عبد الرحمن بن سمرة، فإذا كان التفصيل معلوما فلا بأس أن يخاطب بالمجمل. الاستثناء في اليمين: ١٣١٠ - وعن ابن عمر رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله؛ فلا حنث عليه». رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان «من حلف على يمين» أي: على شيء، يعني من حلف على شيء بيمين، فقال: «إن شاء الله فلا حنث عليه». تحقيق القول في تعليق الحلف بالمشيئة: هذا فيه: أن الإنسان إذا حلف على شيء وقرن اليمين بالمشيئة، سواء تقدمت أو تأخرت، فإنه ليس عليه حنث مثال التقدم: والله إن شاء الله لأفعلن كذا وكذا، ومثال التأخر والله لأفعلن كذا أن شاء الله فإنه إذا قال أن شاء الله لم يحنث أي: لا تلزمه الكفارة ولو خالف ما حلف عليه مثل أن يقول: والله لأزورن فلانا اليوم: إن شاء الله، ثم لم يزره لم يحنث لا شيء عليه أو قال: والله لا أزور فلانا اليوم فزاره لكنه قال أن شاء الله لم يحنث أيضا، وظاهر الحديث سواء أراد التحقيق أو أراد التعليق، أما الثاني فظاهر-إذا أراد التعليق- ظاهره أنه علقه بمشيئة الله ولو شاء الله أن يفعله لفعله، لكن التحقيق كيف ينفع التعليق مع إرادة التحقيق؟ ! هذه المسألة هي ظاهر الحديث؛ لان النبي ﷺ قال: «إن شاء الله»، ولم يقيد لكن بعض العلماء يقول: إذا أراد التحقيق فإن هذا الشرط يكون ملغى؛ لأن الشارط لم يرد أن يعلق الأمر بمشيئة الله بل لقوة إرادته، قال: إن هذا سيقع بمشيئة الله، ولكن شيخ الإسلام ﵀ اختار أنه لا فرق بين إرادة التحقيق أو إرادة التعليق لعموم الحديث، ولأن التحقيق ليس بيدك ما دمت قلت: إن شاء الله فإن الله-تعالى-

стр. 3112

لعله: قد لا يحقق هذا الشيء، وما ذكره الشيخ ﵀ أقرب إلى الصواب، والأول أقرب إلى القواعد، فإن الذي أراد التحقيق يقول: إني لم أرد التعليق إطلاقا ولا أردت أن يكون الأمر راجعا إلى مشيئة، لكن ذكرت المشيئة تبركا وتحقيقا فقط، فهو إلى القواعد أقرب، لكن رأي شيخ الإسلام ﵀ إلى ظاهر الحديث أقرب. نية الاستثناء لا تغني في اليمين إلا بالتلفظ به: وقوله: «فقال إن شاء الله «ظاهر الحديث أنه لابد من القول باللسان، وأن نية الاستثناء لا تغني شيئا، فلو قال: والله لأفعلن كذا ومن نيته أنه بمشيئة الله فإن ذلك لا ينفعه لقوله فقال. ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يكون هذا القول مقارنا لليمين؛ لقوله: «فقال: إن شاء الله»، فصل عن اليمين فإنه لا ينفع؛ وذلك لأنه إذا فصل عن اليمين لم يكن الكلام متصلا، وإذا لم يكن الكلام متصلا صار كلامين لا كلاما واحدا، فلو قال: والله لأزورن فلانا الليلة، وبعد ربع ساعة قال: إن شاء الله فإن ذلك لا ينفعه. واختلف العلماء-﵏ هل يشترط في هذا أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، أي: أن ينوي أنه مقرون بمشيئة الله قبل أن يتم الكلام أو لا يشترط؟ فمن العلماء من قال: يشترط أن ينويه قبل أن يتم الكلام، فإذا قال: والله لأزورن فلانا الليلة إن شاء الله لابد أن ينوي إن شاء الله قبل قوله: الليلة، ولكن ظاهر السنة خلاف ذلك، وأنه لا تشترط نيته، بل لو أنه ذكر بعد أن أتم الكلام فله أن يستثني، ودليل ذلك قصة سليمان حيث قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن ةشاء الله، فلم يقل، قال النبي ﷺ : «لو قالها لولدت كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله». وعلى هذا فإذا أقسم عليك أخوك وقال: والله لتدخلن وفتح لك الباب وقال: تفضل فقلت: لا، وقال: والله لتدخلن، فقيل له: قل إن شاء الله، فقال إن شاء الله هل يحنث؟ لا يحنث على القول الراجح؛ لأنه قال: إن شاء الله، فإن قال: لا اقول إن شاء الله فهل يحنث؟ يحنث، لكن الكفارة على الحالف الذي هو صاحب البيت لا على من حنثه؛ لأنه هو السبب إلا أنه ينبغي للإنسان أن يبر المقسم وألا يحنثه، إلا إذا كان هناك ضرورة فلا بأس، وإلا ففي مثل هذه الحال ادخل؛ لأنه من مكارم الأخلاق، بل أنت ماجور عليه؛ لأن الرسول ﷺ أمر بإبرار المقسم.

стр. 3113

لفظ يمين الرسول ﷺ : ١٣١١ - وعنه ﵁ قال: «كانت يمين النبي ﷺ : لا ومقلب القلوب». رواه البخاري. «كانت يمينه» يعني: قسمه الذي يقسم به، وهذا ليس كل يمين، بل أحيانا يقول: والذي نفسي بيده، وأحيانا يقول: والله، وأحيانا يقول: وربي، كما أمره الله: ﴿قل بلى وربى لتعبثن﴾ [التغابن: ٧]. المهم: أن الرسول كان يقسم بهذا، فيكون معنى قوله: «كانت يمين» أي: من أيمان الرسول ﷺ «لا ومقلب القلوب»، ويحتمل أن المعنى يمينه التي يجتهد فيها، يقول: «لا ومقلب القلوب»، وقوله: «لا» هذه للتنبيه، وليست للنفي؛ لأن هذا القسم يكون في الإثبات فتقول: لا ومقلب القلوب لأفعلن كذا أو لا أفعلن كذا، فتكون «لا» هنا كـ «لا» في قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيمة﴾ [القيامة: ١]. ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١]. ﴿فلا أقسم برب المشرق﴾ [المعراج: ٤٠]. وقوله: «مقلب القلوب» يعني: أنه يصرف إرادة الإنسان عما كان يريد، فيقلب قلبه، وتقليب القلوب حسب مشيئته- قد يقلب القلب-والعياذ بالله- من خير إلى شر، ومن أسباب تقليب القلوب إلى شر ألا يقبل الإنسان الحق أول مرة ويكون عنده تردد، فإن الله يقول: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الانعام: ١١٠]. أي: لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة. فإذا رأيت من نفسك أنها لا تقبل الحق لأول مرة تتبين له فاعلم أنك على خطر؛ أنك تبتلى بأن ترد الحق ولا تؤمن به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريح﴾ [ق: ٥]. تختلط عليهم الأمور ويضلون-والعياذ بالله- فاقبل الحق من أول ما ياتيك، حتى يكون قلبك سليما قابلا لشرع الله . في هذا الحديث: جواز القسم بما كان من صفات الله ، لقوله «لا ومقلب القلوب»، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت الصفة خاصة بالله مثل تقليب القلوب؛ لأنه لا أحد يقدر على تقليب القلوب إلا الله ، أما إذا كانت صفة تكون لله ولغيره فهذه إن نواها لله فهي يمين، وإن أطلق-وهي تقال لله ولغيره- فليست بيمين؛ لأنها لم تتعين يمينا، وإن ترجح أنها لله فهي يمين، وإن ترجح أنها لغيره فليس بيمين. حكم الحلف بصفة من صفاته تعالى: فإن قال قائل: هذه صفة بمعنى أنها مشتقة فهل يجوز أن نحلف بالصفة التي هي صفة مخصة؟

стр. 3114

قلنا: إذا كانت الصفة من صفات المعاني فلا بأس؛ وأما إذا كانت من الصفات الخبرية، فلا يجوز، اللهم إلا ما يعبر به عن الذات، فمثلا: عزة الله يحلف بها، كلام الله يحلف به، استواؤه على عرشه لا يحلف به، يد الله لا يحلف بها، وجه الله يحلف به؛ لأنه يعبر به عن الذات مثل: ﴿كل شاء هالك إلا وجهه﴾ [القصاص: ٨٨]. ومثل ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلل والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] من فوائد الحديث: جواز القسم بمقلب القلوب، وما كان مشابها له مثله، مثل: لا والذي يفعل ما يريد، هذا يجوز؛ لأنه لا أحد يفعل ما يريد إلا الله أما غير الله فإن إرادته تحت إرادة الله وقد يريد الإنسان شيئا فلا يفعله لأن الله لم يرده، لو قلت: لا والذي فلق البحر لموسى يصح؛ لأن هذا لم يكن إلا الله ، لا وفالق الإصباح يصح، وعلى هذا فقس. اليمين الغموس من كبائر الذنوب: ١٣١٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ ... » فذكر الحديث وفيه «اليمين الغموس» وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرى مسلم، هو فيها كاذب». أخرجه البخاري. الأعرابي: ساكن البادية، والغالب على الأعراب الجهل بدين الله: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوت الرسول﴾ [التوبة: ٩٩]. الغالب عليهم أيضا الصراحة-يقول ما في قلبه تماما- ولهذا كان الصحابة يتمنون أن ياتي أعرابي إلى الرسول ﷺ يسأله عما يستحون أن يسألوا الرسول ﷺ عنه. فقال: «ما الكبائر؟ »، وهذا يدل على أن الرجل يعرف الكبائر من الصغائر، فذكر الحديث، وفيه: «اليمين الغموس». الحديث فيه: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واليمين الغموس، فما هي الكبائر هل هي محدودة أو معدودة؟ من العلماء من قال: إنها معدودة، ومنهم من قال إنها محدودة، ومنهم من قال/ كل ذنب ترتب عليه لعنة أو غضب أو نفي إيمان أو تبرؤ منه أو غير ذلك فهو كبيرة. ورأيت لشيخ الإسلام كلاما، قال: كل ذنب رتب عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة؛ وذلك لأن الذنوب منها ما يستفاد بالنهي المطلق، أو ما يستفاد بمطلق النهي هذا لا يكون كبيرة ومنها ما يترتب عليه عقوبة خاصة كنفي الإيمان والتبرؤ منه واللعن والغضب والحد وما أشبه

стр. 3115

ذلك، فهذا يكون كبيرة، والكبائر نفسها تتفاوت كما في حديث أبي بكرة أنبئكم: «ألا أنبنكم بأكبر الكبائر». وقوله: «اليمين الغموس»، «غموس» فعول، وهي صيغة مبالغة، والغمس بمعنى: ربط الشيء في شيء آخر، وسميت بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار. قلت: «ما اليمين الغموس ... إلخ»، إذن اليمين الغموس: ما يقتطع بها مال امراء مسلم هو في هذه اليمين كاذب، الشاهد من هذا قوله: «اليمين الغموس». والاقتطاع نوعان: إما أن يدعي ما ليس له، أو ينكر ما ثبت عليه، أما الأول فظاهر، مثل: أن يقول: هذه السيارة ملكي، فيقول من هي بيده: إنها لي ليست ملكا لك، فيقيم هذا المدعي شاهدا ويحلف معه، وإذا أقام شاهدا وحلف معه حكم له بها؛ لأن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين، هذا الرجل الآن اقتطع مال امراء مسلم بيمين هو فيها كاذب والذي شهد معه شاهد زور. الثاني: أن يجحد ما يجب عليه، مثل: أن يقول له شخص في ذمتك لي مائة ريال، فيقول: لا، ثم يحلف بأنه ليس في ذمته له مائة ريال، فحينئذ يكون اقتطع من ماله؛ لأن الأصل: أن ما في ذمة هذا المطلوب للطالب، فإذا أنكره وجحده وحلف عليه فقد اقتطعه. ففي هذا الحديث فوائد: أولا: حرص الصحابة-﵃ على السؤال والبحث عن الدين، وهذا من نعمة الله عليهم وعلى الأمة: لأن جميع ما يسأل عنه الصحابة يقع أيضا في قلوب الناس من بعدهم فتكون إجابة الصحابي كإجابة ما يرد على القلوب ممن بعدهم. ومن فوائد الحديث: أن الذنوب تتفاوت كبائر وصغائر، والكبائر أيضا تتفاوت منها السبع الموبقات، وهي أشدها، ومنها ما دون ذلك. ومن فوائد الحديث: أن اليمين الغموس من كبائر الذنوب وهي التي يقتطع بها مال امراء مسلم، فإن لم يقتطع بها مال امراء مسلم ولكنه كاذب فيها فهل تكون غموسا؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ خص اليمين الغموس بالتي يحلفها ويقتطع بها مال امراء مسلم وهو كاذب، ولكن إذا حلف على شيء ماض هو فيه كاذب فهل عليه كفارة؟ لا، لأن الكفارة إنما تكون في اليمين على المستقبل. وهل من فوائد الحديث: أنه لو حلف على يمين يقتطع بها مال امراء غير مسلم فليست يمينا غموسا؟ نقول: لا، هي يمين غموس إذا كان هذا ممن عصم ماله ودمه لكن ذكر النبي ﷺ المسلم؛ لأن ذلك هو الغالب وإلا فمن له حرمة وعصمة كالمسلم.

стр. 3116

ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عن المبهم لئلا يفهمه على خلاف المراد، الدليل أنه سأل عن اليمين الغموس وقال: وما اليمين الغموس؟ فبينه، وهل فيها كفارة؟ الجوةاب: لا، لأنها على شيء ماض. لغو اليمين: ١٣١٣ - وعن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]. قالت: «هو قول الرجل: لا والله، بلى والله». أخرجه البخاري. وأورده أبو داود مرفوعا. البخاري رواه عن عائشة فيكون موقوفا، وأبو داود رواه مرفوعا، أي: إلى النبي ﷺ ، وأيا كان فهو حجة؛ لأنه إن كان من عند الرسول فهو تفسير القرآن بالسنة، وإن كان من عند عائشة فهو تفسير القرآن بقول الصحابي، والصحيح أنه يرجع إلى قول الصحابي في التفسير ما لم يخالفه صحابي آخر. في هذا الحديث: دليل على أن اللغو هو الذي لا يقصد الإنسان عقده، وإنما يجري على لسانه، مثل: لا والله، وبلي والله ويدل لهذا قوله تعالى-في نفس الآية-: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن﴾، فلا بد من عقد، أما الذي يجري على اللسان بلا قصد فهذا لا يؤاخذ به. فيستفاد من هذا: أنه لابد من قصد عقد اليمين، وأنه إذا جرى على اللسان بلا قصد فإنه لا يؤاخذ به، وهل يقاس على هذا ما جرى على اللسان بلا قصد في الحلف بغير الله؟ الظاهر نعم لكن ينهى عن ذلك لئلا يغتر به من يسمعه. وهل يلحق بذلك أيضا من طلق زوجته بلا قصد؟ الجواب: نعم، يلحق بذلك، لكن عند المحاكمة-ويعني: لو حاكمته- فإن الحاكم ليس له إلا الظاهر، وعليه فيدين هذا الرجل بالنسبة للطلاق الذي وقع منه على امرأته، بمعنى أن يقال له أنت ودينك أن كنت لم تنو الطلاق فلا طلاق عليك، وإن كنت قد نويت الطلاق فإنها تطلق لكن عند المحاكمة لا يحكم الحاكم إلا بما ظهر من كلامه. أسماء الله الحسنى: ١٣١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعا وتسعين اسما، من

стр. 3117

أحصاها دخل الجنة» متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق: أن سردها إدراج من بعض الرواة. قوله: «إن الله ... إلخ»، والله تعالى وتر يحب الوتر، ولهذا كان شرعه وترا، وكانت أقداره غالبا وترا، وكانت أسماؤه المعلوم منها، وترا فكانت له تسع وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وهي مبهمة، والحكمة من إبهامها: أن يجتهد الإنسان في معرفتها كما أخفيت ليلة القدر؛ ليجتهد الناس في العمل، وأخفيت ساعة الإجابة في الجمعة، وكذلك ساعة الإجابة في الليل من أجل أن يجتهد النس في طلبها، كذلك الأسماء التسعة والتسعون المقدسة إنما أخفاها الله ولم يعينها ليجتهد الناس في طلبها، ثم إذا فتح على الإنسان فإنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد يختار بعض الناس هذا الاسم والآخرون يختارون الاسم الآخر، لكن الإنسان عليه أن يجتهد. وقوله: «من أحصاها» ما معنى الإحصاء؟ الإحصاء معناه: الإحاطة بالعدد، هذا هو الأصل كما قال تعالى: ﴿وأحصى كل شاء عددا﴾ [الجن: ٢٨]. ومنه قول الشاعر: [الرجز] (ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر) كانوا في الأول يحصون العدد بالحصى؛ لأنهم أميون فهل الإحصاء مجرد إدراكها عددا؟ لا، الإحصاء؛ أولا: إدراك لفظها والإحاطة بها، ثانيا: معرفة معناها؛ لأن من لا يعرف معناها كالذي لم يدركها، فإن الله تعالى وصف الذين لا يفهمون معنى القرآن بأنهم أميون، فقال: ﴿ومنهم أمنون لا يعلمون الكتب إلا أمانى﴾ [البقرة: ٧٨]. أي: إلا قراءة، فمن حفظ الأسماء ولم يعرف المعنى فإنه لا يعد محصيا لها؛ لأن حفظه وعدمه سواء، ثالثا: التعبد لله بمقتضاها، بمعنى: أن الإنسان يتعبد لله تعالى بمقتضى الاسم، فإذا علم أن من أسمائه السميع تعبد لله بمقتضى هذا الاسم، كيف ذلك؟ يحذر كل قول يغضب الله ، لأنه يعلم أنه إذا قال هذا القول فإن الله يسمعه، كذلك من أسماء الله البصير، تتعبد لله بمقتضى هذا الاسم؛ يعنى: أن كل

стр. 3118

كل فعل لا يرضاه الله تتجنبه؛ لأنك تعلم أنه بصير به، الغفور تتعبد الله بمقتضاه بمعنى: أن تفعل أسباب المغفرة، وهلم جرًا. ولهذا كان العوض غاليًا جدًا وهو الجنة، ومثل هذا لا يمكن أن يحصل بمجرد أن الإنسان يسردها بلفظه فقط، فإحصاؤها إن يتضمن ثلاثة أشياء إحصاؤها لفظًا، فهمها معنى، والثالث: التعبد لله تعالى بمقتضاها فمن حصل على ذلك-ونسأل الله تعالى أن يكتبه لنا ولكم- فإنه يدخل الجنة. أتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث إشارة إلى أن أي اسم من أسماء الله تحلف به فإنه جائز، وكان الذي ينبغي أن يكون هذا الحديث بعد قوله: "كانت يمين رسول الله ﷺ لا ومقلب القلوب"، ولكن الإنسان عند التأليف ربما يفوته الترتيب. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن مسعود في دعاء الغم والكرب: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فإن ما استأثر الله به عنده في علم الغيب لا يمكن إدراكه ولا إحصاؤه، ولا يمكن أن يقال عدده كذا أو كذا؟ فالجواب أن يقال: إن معنى هذا الحديث "إن لله تسعة وتسعين اسمًا": إن من أسماء الله تسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة، وعلى هذا فتكون الجملة "من أحصاها دخل الجنة" متعلقة بالجملة التي قبلها وليست منفصلة عنها، كأنه قال: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا ... الخ. ونظير ذلك أن تقول عندي ألف ريال أعددتها للإقراض، يعني: من جاء يقترض أعطيته منها، فهل هذا يعني: أنه ليس عندك غيرها؟ لا يعني ذلك، ولاسيما أنه جاء في الحديث الذي معنا: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك". وقول المؤلف ﵀: التحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة، الإدراج: هو أن يدخل أحد الرواة في الحديث كلامًا من عنده بدون بيان، وحكمه أنه حرام إلا أن يتعلق بتفسير الحديث أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا يجوز للإنسان أن يدخل في كلام الرسول ﷺ ما ليس منه بدون بيان، لكن يفعلها بعض الرواة إما لأنه أتى بالحديث غير مدرج في مكان آخر وقد علم ذلك؛ أو لأن الكلمة تكون شرحًا لمعنى الحديث مثل حديث: "كان النبي ﷺ يتحنث في غار

стр. 3119

حراء" قال الزهري: والتحنث: التعبد، هذا نقول: قاله شرحًا للحديث فلا بأس، أما أن يأتي بكلام مستقل بدون بيان فلا يجوز، فعلى هذا فإدراج هذه الأسماء يعتبر محرمًا إلا إذا وجد في بعض الألفاظ أنه بين أنه مدرج. الدعاء بخير لصانع المعروف: ١٣١٥ - وعن أسامة بن زيد ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا؛ فقد أبلغ في الثناء". أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان. قوله: "من صنع إليه معروف" يعني: أسدي إليه المعروف سواء كان هذا المعروف مالا أو جاهًا أو منفعة بدن أو غير ذلك، أي معروف يصنع إليك ويسدى إليك فإنك مأمور بأن تكافئ بما يليق، وإذا كنا نكافئه بما يليق فمن الناس من يليق أن نكافئه بمثل ما أعطانا، ومن الناس من لا يليق به إلا الدعاء، فالناس يختلفون ليس كلهم على حد سواء، مثلاً: لو أهدى إليك رجل كبير غنيُّ غنى واسعًا، أهدى إليك هدية تساوي مثلاً ألف ريال وهل من المستحسن أن تكافئه بألف ريال؟ لا حتى هو ينتقضك فمثل هذا يدعى له، ولو أسدى إليك فقير شيئًا يساوي مائة ريال فما مكافأة هذا الفقير؟ أن تعطيه ألف ريال؟ لا، أن تعطيه أكثر؛ لأن ألف ريال عند الفقير شيء كبير وليست بشيء عندك وأنت غني، فهذا الرجل اجتهد في إسداء المعروف إليك فكافئه، فإن لم تجد ما تكافئه فادع الله له. ومن الدعاء قوله: "جزاك الله خيرًا" أي: أعطاك خيرًا مما أعطيتني، فخيرًا هنا اسم تفضيل، المعنى: أعطاك الله أخير مما أعطيتني، ويكون هذا قد أبلغ في الثناء يعني أنه أثنى على هذا الذي أعطاه أو صنع إليه المعروف على وجه بالغ، من الذي يقول: شكرًا لأن كثيرًا من الناس الآن إذا صنعت إليه معروفًا يقول: شكرًا حتى إنه لا يقول شكرًا لك، والأحسن أن يقول: جزاك الله خيرًا حتى يبلغ في الثناء.

стр. 3120

حكم النذر: ١٣١٦ - وعن ابن عمر ﵂، عن النِّبيِّ ﷺ : ﴿أنَّه نهى عن النَّذر وقال: إنَّه لا يأتي بخير وإنَّما يستخرج به من البخيل﴾. متَّفق عليه قوله: "نهى عن النذر" النذر هو: أن يلتزم الإنسان بالشيء سواء بلفظ النذر أو لفظ العهد أو غير ذلك؛ ولهذا قيل في معناه إلزام المكلف نفسه طاعة غير واجبة، هذا هو النذر الذي يجب الوفاء به، والنذر بالمعنى العام إلزام المكلف نفسه شيئًا يقوم به فعلاً أو تركًا، وهذا الحديث يقول "نهى عن النذر" والأصل في النهي: التحريم، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن النذر لا يجوز، سواء كان مطلقًا أو معلقًا، وسواء كان على مباح أو على غيره، مثال النذر المطلق: أن يقول الله علىّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام هذا نذر مطلق لم يقيد بشيء. مثال النذر المعلق أن يقول: لله عليّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام أن شفى الله مريضي هذا نذر معلق ومن ذلك ما ذكره الله في الآية ﴿ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصّدَّقنَّ ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة: ٧٥]. هذا ندر معلق على إغناء الله إياهم، والنذر-نذر غير العبادة- مثل أن يقول لله عليّ نذر أن ألبس الثوب الفلاني، لله عليّ نذر أن أركب السيارة الفلانية، هذا نذر فعل الطاعة، وسيأتي تقسيم النذر أن شاء الله. قلنا: إن النذر هو إلزام المكلف نفسه شيئًا وعلم من قول العلماء: أنه لا يلزم من لم يبلغ، وأن من لم يبلغ لو نذر لم نلزمه بنذره؛ لأنه ليس أهلاًَ للوجوب، كل العبادات عليه غير واجبة إلا الزكاة لأنها حق مالي والنفقات أيضًا لأنها حق للمخلوق فهو إلزام المكلف نفسه شيئًا ولا نقول: طاعة لأن النذر قد يكون طاعة وقد يكون غير طاعة وقد قسّم أهل العلم- ﵏ النذر إلى خمسة أقسام نذر طاعة، ونذر معصية، ونذر مباح، ونذر يمين، ونذر لم يسم، ولكل قسم منها حكم. أولاً: نذر الطاعة: بأن يقول لله علي نذر أن أصوم غدًا يوم الاثنين هذا نذر طاعة؛ لأن الصوم من العبادة وتخصيصه بيوم الاثنين عبادة أخرى فيلزمه أن يصوم يوم الاثنين، ونذر الطاعة تارة يكون معلقًا بشرط وتارة يكون مطلقًا، المعلق بشرط مثل ما حكي الله عن المنافقين ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدَّقن ولنكوننَّ من الصالحين (٧٥) فلما
следующие страницы →