Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عن المبهم لئلا يفهمه على خلاف المراد، الدليل أنه سأل عن اليمين الغموس وقال: وما اليمين الغموس؟ فبينه، وهل فيها كفارة؟ الجوةاب: لا، لأنها على شيء ماض.
لغو اليمين:
١٣١٣ - وعن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم﴾ [البقرة: ٢٢٥]. قالت: «هو قول الرجل: لا والله، بلى والله». أخرجه البخاري. وأورده أبو داود مرفوعا.
البخاري رواه عن عائشة فيكون موقوفا، وأبو داود رواه مرفوعا، أي: إلى النبي ﷺ ، وأيا كان فهو حجة؛ لأنه إن كان من عند الرسول فهو تفسير القرآن بالسنة، وإن كان من عند عائشة فهو تفسير القرآن بقول الصحابي، والصحيح أنه يرجع إلى قول الصحابي في التفسير ما لم يخالفه صحابي آخر.
في هذا الحديث: دليل على أن اللغو هو الذي لا يقصد الإنسان عقده، وإنما يجري على لسانه، مثل: لا والله، وبلي والله ويدل لهذا قوله تعالى-في نفس الآية-: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن﴾، فلا بد من عقد، أما الذي يجري على اللسان بلا قصد فهذا لا يؤاخذ به.
فيستفاد من هذا: أنه لابد من قصد عقد اليمين، وأنه إذا جرى على اللسان بلا قصد فإنه لا يؤاخذ به، وهل يقاس على هذا ما جرى على اللسان بلا قصد في الحلف بغير الله؟ الظاهر نعم لكن ينهى عن ذلك لئلا يغتر به من يسمعه.
وهل يلحق بذلك أيضا من طلق زوجته بلا قصد؟ الجواب: نعم، يلحق بذلك، لكن عند المحاكمة-ويعني: لو حاكمته- فإن الحاكم ليس له إلا الظاهر، وعليه فيدين هذا الرجل بالنسبة للطلاق الذي وقع منه على امرأته، بمعنى أن يقال له أنت ودينك أن كنت لم تنو الطلاق فلا طلاق عليك، وإن كنت قد نويت الطلاق فإنها تطلق لكن عند المحاكمة لا يحكم الحاكم إلا بما ظهر من كلامه.
أسماء الله الحسنى:
١٣١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعا وتسعين اسما، من
стр. 3117
أحصاها دخل الجنة» متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق: أن سردها إدراج من بعض الرواة.
قوله: «إن الله ... إلخ»، والله تعالى وتر يحب الوتر، ولهذا كان شرعه وترا، وكانت أقداره غالبا وترا، وكانت أسماؤه المعلوم منها، وترا فكانت له تسع وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وهي مبهمة، والحكمة من إبهامها: أن يجتهد الإنسان في معرفتها كما أخفيت ليلة القدر؛ ليجتهد الناس في العمل، وأخفيت ساعة الإجابة في الجمعة، وكذلك ساعة الإجابة في الليل من أجل أن يجتهد النس في طلبها، كذلك الأسماء التسعة والتسعون المقدسة إنما أخفاها الله ولم يعينها ليجتهد الناس في طلبها، ثم إذا فتح على الإنسان فإنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد يختار بعض الناس هذا الاسم والآخرون يختارون الاسم الآخر، لكن الإنسان عليه أن يجتهد.
وقوله: «من أحصاها» ما معنى الإحصاء؟ الإحصاء معناه: الإحاطة بالعدد، هذا هو الأصل كما قال تعالى: ﴿وأحصى كل شاء عددا﴾ [الجن: ٢٨]. ومنه قول الشاعر: [الرجز]
(ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر)
كانوا في الأول يحصون العدد بالحصى؛ لأنهم أميون فهل الإحصاء مجرد إدراكها عددا؟ لا، الإحصاء؛ أولا: إدراك لفظها والإحاطة بها، ثانيا: معرفة معناها؛ لأن من لا يعرف معناها كالذي لم يدركها، فإن الله تعالى وصف الذين لا يفهمون معنى القرآن بأنهم أميون، فقال: ﴿ومنهم أمنون لا يعلمون الكتب إلا أمانى﴾ [البقرة: ٧٨]. أي: إلا قراءة، فمن حفظ الأسماء ولم يعرف المعنى فإنه لا يعد محصيا لها؛ لأن حفظه وعدمه سواء، ثالثا: التعبد لله بمقتضاها، بمعنى: أن الإنسان يتعبد لله تعالى بمقتضى الاسم، فإذا علم أن من أسمائه السميع تعبد لله بمقتضى هذا الاسم، كيف ذلك؟ يحذر كل قول يغضب الله ، لأنه يعلم أنه إذا قال هذا القول فإن الله يسمعه، كذلك من أسماء الله البصير، تتعبد لله بمقتضى هذا الاسم؛ يعنى: أن كل
стр. 3118
كل فعل لا يرضاه الله تتجنبه؛ لأنك تعلم أنه بصير به، الغفور تتعبد الله بمقتضاه بمعنى: أن تفعل أسباب المغفرة، وهلم جرًا.
ولهذا كان العوض غاليًا جدًا وهو الجنة، ومثل هذا لا يمكن أن يحصل بمجرد أن الإنسان يسردها بلفظه فقط، فإحصاؤها إن يتضمن ثلاثة أشياء إحصاؤها لفظًا، فهمها معنى، والثالث: التعبد لله تعالى بمقتضاها فمن حصل على ذلك-ونسأل الله تعالى أن يكتبه لنا ولكم- فإنه يدخل الجنة.
أتى المؤلف ﵀ بهذا الحديث إشارة إلى أن أي اسم من أسماء الله تحلف به فإنه جائز، وكان الذي ينبغي أن يكون هذا الحديث بعد قوله: "كانت يمين رسول الله ﷺ لا ومقلب القلوب"، ولكن الإنسان عند التأليف ربما يفوته الترتيب.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا الحديث وبين حديث ابن مسعود في دعاء الغم والكرب: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فإن ما استأثر الله به عنده في علم الغيب لا يمكن إدراكه ولا إحصاؤه، ولا يمكن أن يقال عدده كذا أو كذا؟
فالجواب أن يقال: إن معنى هذا الحديث "إن لله تسعة وتسعين اسمًا": إن من أسماء الله تسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة، وعلى هذا فتكون الجملة "من أحصاها دخل الجنة" متعلقة بالجملة التي قبلها وليست منفصلة عنها، كأنه قال: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا ... الخ.
ونظير ذلك أن تقول عندي ألف ريال أعددتها للإقراض، يعني: من جاء يقترض أعطيته منها، فهل هذا يعني: أنه ليس عندك غيرها؟ لا يعني ذلك، ولاسيما أنه جاء في الحديث الذي معنا: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
وقول المؤلف ﵀: التحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة، الإدراج: هو أن يدخل أحد الرواة في الحديث كلامًا من عنده بدون بيان، وحكمه أنه حرام إلا أن يتعلق بتفسير الحديث أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا يجوز للإنسان أن يدخل في كلام الرسول ﷺ ما ليس منه بدون بيان، لكن يفعلها بعض الرواة إما لأنه أتى بالحديث غير مدرج في مكان آخر وقد علم ذلك؛ أو لأن الكلمة تكون شرحًا لمعنى الحديث مثل حديث: "كان النبي ﷺ يتحنث في غار
стр. 3119
حراء" قال الزهري: والتحنث: التعبد، هذا نقول: قاله شرحًا للحديث فلا بأس، أما أن يأتي بكلام مستقل بدون بيان فلا يجوز، فعلى هذا فإدراج هذه الأسماء يعتبر محرمًا إلا إذا وجد في بعض الألفاظ أنه بين أنه مدرج.
الدعاء بخير لصانع المعروف:
١٣١٥ - وعن أسامة بن زيد ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا؛ فقد أبلغ في الثناء". أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان.
قوله: "من صنع إليه معروف" يعني: أسدي إليه المعروف سواء كان هذا المعروف مالا أو جاهًا أو منفعة بدن أو غير ذلك، أي معروف يصنع إليك ويسدى إليك فإنك مأمور بأن تكافئ بما يليق، وإذا كنا نكافئه بما يليق فمن الناس من يليق أن نكافئه بمثل ما أعطانا، ومن الناس من لا يليق به إلا الدعاء، فالناس يختلفون ليس كلهم على حد سواء، مثلاً: لو أهدى إليك رجل كبير غنيُّ غنى واسعًا، أهدى إليك هدية تساوي مثلاً ألف ريال وهل من المستحسن أن تكافئه بألف ريال؟ لا حتى هو ينتقضك فمثل هذا يدعى له، ولو أسدى إليك فقير شيئًا يساوي مائة ريال فما مكافأة هذا الفقير؟ أن تعطيه ألف ريال؟ لا، أن تعطيه أكثر؛ لأن ألف ريال عند الفقير شيء كبير وليست بشيء عندك وأنت غني، فهذا الرجل اجتهد في إسداء المعروف إليك فكافئه، فإن لم تجد ما تكافئه فادع الله له.
ومن الدعاء قوله: "جزاك الله خيرًا" أي: أعطاك خيرًا مما أعطيتني، فخيرًا هنا اسم تفضيل، المعنى: أعطاك الله أخير مما أعطيتني، ويكون هذا قد أبلغ في الثناء يعني أنه أثنى على هذا الذي أعطاه أو صنع إليه المعروف على وجه بالغ، من الذي يقول: شكرًا لأن كثيرًا من الناس الآن إذا صنعت إليه معروفًا يقول: شكرًا حتى إنه لا يقول شكرًا لك، والأحسن أن يقول: جزاك الله خيرًا حتى يبلغ في الثناء.
стр. 3120
حكم النذر:
١٣١٦ - وعن ابن عمر ﵂، عن النِّبيِّ ﷺ : ﴿أنَّه نهى عن النَّذر وقال: إنَّه لا يأتي بخير وإنَّما يستخرج به من البخيل﴾. متَّفق عليه
قوله: "نهى عن النذر" النذر هو: أن يلتزم الإنسان بالشيء سواء بلفظ النذر أو لفظ العهد أو غير ذلك؛ ولهذا قيل في معناه إلزام المكلف نفسه طاعة غير واجبة، هذا هو النذر الذي يجب الوفاء به، والنذر بالمعنى العام إلزام المكلف نفسه شيئًا يقوم به فعلاً أو تركًا، وهذا الحديث يقول "نهى عن النذر" والأصل في النهي: التحريم، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن النذر لا يجوز، سواء كان مطلقًا أو معلقًا، وسواء كان على مباح أو على غيره، مثال النذر المطلق: أن يقول الله علىّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام هذا نذر مطلق لم يقيد بشيء.
مثال النذر المعلق أن يقول: لله عليّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام أن شفى الله مريضي هذا نذر معلق ومن ذلك ما ذكره الله في الآية ﴿ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصّدَّقنَّ ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة: ٧٥]. هذا ندر معلق على إغناء الله إياهم، والنذر-نذر غير العبادة- مثل أن يقول لله عليّ نذر أن ألبس الثوب الفلاني، لله عليّ نذر أن أركب السيارة الفلانية، هذا نذر فعل الطاعة، وسيأتي تقسيم النذر أن شاء الله.
قلنا: إن النذر هو إلزام المكلف نفسه شيئًا وعلم من قول العلماء: أنه لا يلزم من لم يبلغ، وأن من لم يبلغ لو نذر لم نلزمه بنذره؛ لأنه ليس أهلاًَ للوجوب، كل العبادات عليه غير واجبة إلا الزكاة لأنها حق مالي والنفقات أيضًا لأنها حق للمخلوق فهو إلزام المكلف نفسه شيئًا ولا نقول: طاعة لأن النذر قد يكون طاعة وقد يكون غير طاعة وقد قسّم أهل العلم- ﵏ النذر إلى خمسة أقسام نذر طاعة، ونذر معصية، ونذر مباح، ونذر يمين، ونذر لم يسم، ولكل قسم منها حكم.
أولاً: نذر الطاعة: بأن يقول لله علي نذر أن أصوم غدًا يوم الاثنين هذا نذر طاعة؛ لأن الصوم من العبادة وتخصيصه بيوم الاثنين عبادة أخرى فيلزمه أن يصوم يوم الاثنين، ونذر الطاعة تارة يكون معلقًا بشرط وتارة يكون مطلقًا، المعلق بشرط مثل ما حكي الله عن المنافقين ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدَّقن ولنكوننَّ من الصالحين (٧٥) فلما
стр. 3121
اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]. ويقع هذا كثيرًا، كثير من الناس إذا أيس من مريضه قال: لله علي نذر إن شفى الله مريضي لأتصدقنَّ بألف ريال، أو لأصومنَّ شهرًا، أو لأصلين عشرين ركعة مثلاً.
هذا نذر معلق، متى وجد الشرط لزم المشروط، إذن يجب الوفاء بنذر الطاعة سواء كان معلقًا أو مطلقًا، يعني: غير معلق، دليل ذلك: قول النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ولم يذكر سوى الطاعة ولابد من ذلك، ولو خالف الإنسان فلم يطع الله لكان على خطر عظيم، والخطر العظيم هو قوله تعالى: ﴿فأعقابهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة: ٧٧]. وهذا خطر عظيم، نفاق إلى الموت، لأنهم أخلفوا الله ما وعدوه وكذبوا فقال: لنتصدقنَّ ولنكوننَّ من الصالحين، ولم يحصل شيء من ذلك.
الثاني: ضد ذلك وهو نذر المعصية مثل أن يقول: لله علىّ نذر ليشربنَّ الخمر، هذا نذر معصية، حرام، فلا يجوز الوفاء به، لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، ولأن الوفاء به مضادة لله ومحادة له، كيف ينهاك الله عنه وأنت تتقرب إليه بفعله؟ هذا مستحيل عقلاً، ولكن هل يلزمه كفارة يمين؟ في هذا خلاف بين العلماء، وسيأتي الكلام عليه في شرح الحديث الآتي.
الثالث: نذر مباح، مثل أن يقول: لله عليّ نذر لألبسن هذا الثوب الليلة، هذا مباح؛ لأنه إن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه، إن لبسه لم يأثم وإن تركه لم يأثم هذا نذر مباح فما حكمه؟ قال العلماء: يخير بين فعله وكفارة اليمين يعني: أن شاء فعله ولبس الثوب الذي نذر أن يلبسه هذه الليلة وإن شاء لم يلبسه ولكن عليه كفارة يمين؛ لأن هذا النذر في حكم اليمين إذ إنه إنما نذر لإلزام نفسه كالحالف فيلزمه كفارة يمين ولأن النبي ﷺ أوجب الكفارة في النذر الذي لم يسم فالمسمي الذي خولف من باب أولى.
الرابع: نذر اليمين، يعني: النذر الذي قصد به معنى اليمين، مثل: أن يقول: إن كلمت فلانًا فلله عليّ نذر أن أصوم شهرين، هذا بمنزلة قوله: والله لا أكلم فلانًا؛ لأن هذا النذر ليس له
стр. 3122
قصد أن يتعبد لله بصيام شهرين، لكن قصده أن يلزم نفسه بألا يلكم فلانًا ورأى أن صيام الشهرين ثقيل على النفس فربط نذره بذلك، هذا قال العلماء: إنه يخير بين كفارة اليمين وبين فعل المنذور وهذا غير القسم الذي قبله، لأن القسم الذي قبله؛ نذر أن يفعل شيئًا وهذا نذر نذرًا معلقًا علي فعل شيء فهو نذر يمين، فيقال لهذا الناذر أنت الآن بالخيار إن شئت كلِّم زيدًا وإذا كلمت زيدًا فإن شئت كفر كفارة يمين، وإن شئت صم شهرين كما نذرت، وهذا يسميه العلماء نذر اللجاج والغضب؛ لأن الذي يحمل عليه غالبًا هو الغضب والملاجة.
الخامس: النذر الذي لم يسم بأن يقول: لله عليّ نذر فقط ولا يتكلم بشيء فهذا حكمه حكم اليمين يعني: تلزمه كفارة يمين كما جاءت به السنة. هذه أقسام النذر.
أما حكم النذر فلنقرأ حديث ابن عمر (الذي معنا) قال: "نهى عن النذر" وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل"، قوله: "نهى عن النذر" أي: بجميع أقسامه، كل الأقسام الخمسة منهي عنها، حتى نذر الطاعة منهي عنه، وأما من قال من العلماء- ﵏ وعفا عنهم-: ينبغي أن ينذر كل نافلة لتنقلب فريضة، فهذا قول مخالف للنص أولاً: أن الله قال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجنَّ قل لاَّ تقسموا﴾ [النور: ٥٣]. افعلوا العبادة من ذات أنفسكم بدون إكراه وبدون إجبار.
ثانيًا: كيف نقول: أن النذر هنا سنه والرسول ﷺ نهى عنه، لكن أكثر ما يؤتي الناس كما قال الإمام أحمد من القياس الفاسد أو التأويل، هذا قياس فاسد؛ لأنه كيف يقال للشخص: إذا أردت أن تصلي راتبه الظهر، قل: لله عليّ نذر أن أصلي راتبه الظهر، من أجل أن يجب عليه الوفاء بها فيثاب ثواب الواجب؟ نقول: سبحان الله، الله يقول: "لا تقسموا طاعة معروفة" يعني: عليكم طاعة معروفة بدون يمين وبدون إلزام للنفس، والرسول ﷺ نهى عن النذر، وربنا يقول: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [النساء: ٥٩]. ولولا هؤلاء العلماء الذين نقل عنهم ذلك لولا أننا نثق بأنهم مجتهدون لا يريدون إلا الحق لكن فضل الله يؤتيه من يشاء، لقلنا: إنهم آثمون بهذا القول، لكن الحمد لله المجتهد من أمة محمد أن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر والخطأ مغفور.
يقول: نهى عن النذر، ثم علل النهي فقال: إنه لا يأتي بخير؛ لأن بعض الناس ينذر
стр. 3123
لحصول خير أو اندفاع شر، مثل من قال: إنه نذر إن تزوج فلانة ليصومن سنة كاملة، مسكين هذا أيام عرسه يصوم سنة كاملة! ! هذا من الخطأ لكنه نذر لحصول خير مطلوب أما لزوال مكروه فهذا كثير، فمن الناس يكون عنده المريض آيسًا منه، ثم يقول: إن شفا الله مريضي فلله عليّ كذل وكذا فيشفي الله مريضه، وهل شفى الله مريضه من أجل نذره؟ أبدًا النذر لا يرد قضاءّ ولا يورد قضاءّ كما أنه لا يأتي بخير، كثيرًا ما يوجد بعض الناس اللآن مسكينًا ضعيفًا في الدراسة وأيس من النجاح يقول: لله عليّ نذر إن نجحت أن أصوم شهرين أو ثلاثة أشهر، ثم إذا نجح جاء إلى عتبة كل يسأل يتخلص مشكلة، نقول: يا أخي إذا أراد الله أمرًا، فإن النذر لا يأتي به والرسول ﷺ قال: "إنه لا يأتي بخير".
وإنما قال ذلك لأنه كما قلت لكم: كثير من الناذرين ينذر لحصول مطلوب، أو زوال مكروه، فيقول الرسول: النذر لا يأتي بشيء، الذي يأتي بالخير ويصرف الشر هو الله حتى لو فرض أنه صادف أن شفي من مرضه حين نذر نقول عن هذا الشفاء: إنه حصل عند النذر لا بالنذر؛ لماذا لا نقول بالنذر؟ لأن الرسول يقول: لا يأتي بخير ولم يفصل، فإذا قدِّر أنه شفي عند النذر قلنا: هذا حصل عنده لا به كما يقوم المشرك يدعو الصنم لحصول مطلوب أو زوال مكروه ثم يحصل مطلوبة أو يزول مكروهه ويقول: هذا من الصنم، نقول: غلط هذا ليس من الصنم، ولكن حصل الشيء عند دعائك إليه؛ لأن الله يقول: ﴿ومن أضل ممَّن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلي يوم القيامة وهم عم دعائهم غافلون (٥) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. ويقول : ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ [فاطر: ١٤]. كيف يأتي الصنم لداعيه؟ هذا غير ممكن، فإذا قدر أنه حصل الشيء فنقول: هذا حصل عنده لا به، ولا يقال: إن هذا رأي الأشعرية الذين ينكرون تأثير الأسباب لمسبباتها؛ لأننا نقول: نحن اعتمدنا على أدلة من القرآن والسُّنة.
إذن النذر لا يأتي بخير لا يرفع مكروهًا، ولا يجلب محبوبًا، وإنما قال: "لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل"؛ لأن البخيل لا ينفق، لكنه إذا اضطر إلى الإنفاق حينئذ ينذر ويقول: إن شفى الله مريض أو شفاني من المرضي لأتصدقنِّ بمائة ألف ريال هنا استخرجت الدراهم من البخيل بالنذر كما قال النبي ﷺ وإلا لولا هذا ما نذر، وربما أيضًا إذا حصل
стр. 3124
مطلوبه، ربما لا يوفى أيضًا؟ ربما تغلبه نفسه الشحيحة ولا يوفي، وحينئذ يصدق عليه قول الله : ﴿فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة: ٧٦].
من فوائد الحديث: أولاً: النهي عن النذر، وهل النهي هنا للكراهة أو للتحريم؟ أكثر العلماء يقولون: إنه للكراهة، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية مال إلى التحريم، وهو الذي مشى عليه صاحب سبل السلام أنه للتحريم، والقول بأنه للتحريم قول قوي.
فإن قال قائل: كيف تقولون: إنه للتحريم والله تعالى مدح الموفين بالنذر فقال: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. وإذا كانت النتيجة ممدوحة كان السبب ممدوحًا؟ نقول: هذا غلط أولاً: الآية الكريمة هل المراد بقوله: ﴿يوفون بالنذر﴾ أي: بما نذروه على أنفسهم وكلفوا به أنفسهم أو المراد العبادات الواجبة؟
فيها قولان: والآية محتملة؛ لأن العبادة الواجبة تسمى نذرًا كما قال الله تعالى في الحجاج: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ مع أنهم ما نذورا ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩].
وما دامت الآية محتملة فمع الاحتمال يسقط الاستدلال وحينئذٍ نقول الآية لا تعارض الحديث والمراد بقوله: ﴿يوفون بالنذر﴾ أي: بما نذروه على أنفسه وعاهدوا به الله وهو أن يسمعوا ويطيعوا لأمر الله هذا هو المراد، وليس المراد النذر الخاص الذي هو إلزام المكلف نفسه شيئًا.
ومن فوائد الحديث: أن النذر لا يرد قضاء، لا يجلب خيرًا ولا يدفع شرًا لقوله: "إنه لا يأتي بخير".
فإن قال قائل: ومن أين لكم أنه لا يدفع الشر؟ قلنا: إن دفع الشر خير فيكون عامًا، لا يأتي بخير لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرة، ثم إن الغالب أن الذين ينذرون يريدون حصول الخير.
ومن فوائد الحديث: ذمَّ البخل، لقوله: "وإنما يستخرج به من البخيل" ولا شك أن البخل
стр. 3125
خلق ذميم والإسراف كذلك خلق ذميم ولهذا مدح الله الذين يكونون بين هذا وهذا فقال: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. نحن نقول أنفق لكن بدون إسراف وبدون بخلٍ، قم بالواجب، وقم بما تقتضيه المروءة بين الناس، ولا تزد على ذلك والاقتصاد نصف المعيشة.
إذا قال قائل: هل من البخل البخل بالنفس الذي هو الجبن؟ يمكن أن يقال: إن ذكر البخل والجبن فالبخل في المال والجبن في النفس وإن أطلق البخل فقد يشمل البخل في النفس وهو الجبن؛ لأن بعض الناس يجود بماله ولا يهمه ولكن لا يجود بنفسه جبان، هذا نقول: إنه بخيل قد يشمله لفظ البخيل يقال له: اخرج اغز يقول: أخاف أن تأتيبني رصاصة، يجد رجلاً معه متاعه، فيقول: هذا معه مسدس ويهرب من الرجل هذا لأنه جبان هذا بخيل بنفسه، لكن تجد هذا الرجل عند بذل المال يبذله بسخاء، نقول هو كريم بماله بخيل بنفسه، لكن الذي يظهر من الحديث أن المراد بالبخيل هنا: البخل بالمال لقوله: "وإنما يستخرج" والذي يستخرج هو المال.
إذن في الحديث ذم البخل وكما قلنا: إنه ينبغي للإنسان بل يجب أن يكون إنفاقه بين بين، بين البخل والإسراف.
كفارة النذر:
١٣١٧ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفَّارة النَّذر كفَّارة يمينٍ". رواه مسلم وزاد التِّرمذيُّ فيه: "إذا لم يسمِّ"، وصحَّحه.
قوله: "كفارة النذر" كلمة النذر، هل "ال" فيها للعموم أو المراد نذر معين؟ قال بعض أهل العلم: إنها للعموم، ولكن هذا ليس بصحيح، وحتى لو قلنا: إنها للعموم، فإنه يخصص منها نذر الطاعة فإنه لا يجزئ فيه كفارة يمين، بل لابد من فعل المنذور؛ لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وقوله: "كفارة النذر كفارة يمين" ظاهره العموم فيشمل كل نذر، لكن رواية الترمذي "إذا لم يسمه" تقيد هذا النذر، يعني: النذر الذي لم يسم بأن قال الإنسان: لله عليّ نذر وسكت نقول: الآن عليك كفارة يمين، والحكمة - والله أعلم- في ذلك: من أجل أن يحترم الإنسان النذر حتى لا يعود، وحتى لا يكون النذر على لسانه، وحتى يبتعد عن الضيغة التي تقتضي إلزامه بما لم يلزمه الله به وهذا هو القسم الخامس على حسب ما شرحناه.
стр. 3126
فيستفاد من هذا الحديث: أن كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين، ومثاله ما ذكرناه "لله عليِّ نذر" فقط.
حكم نذر المعصية وما لا يطاق:
١٣١٨ - ولأبي داود: من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: "من نذر نذرًا لم يسمِّه؛ فكفارته كفَّارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا في معصيةٍ؛ فكفَّارته كفَّارة يمينٍ، ومن نذر نذرًا لا يطيقه، فكفَّارته كفَّارة يمين". وإسناده صحيح؛ إلا أنَّ الحفَّّاظ رجَّحوا وقفه.
قوله: "من نذر" إلي قوله: "يمين" هذا شاهد رواية الترمذي التي قيدت بها رواية مسلم "إذا لم يسم"، قال: "ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين"، يعني: من نذر نذر معصية فكفارته كفارة يمين، ولا يحل له أن يوفي به؛ لأن الوفاء به ممتنع شرعًا، وسواء كانت المعصية فعل محرم أو ترك واجب، فمن قال: لله عليه نذر ألا يصلي الجمعة فنقول: هذا نذر معصية لأن صلاة الجمعة واجبة إلا لعذر فنقول: إذن يجب عليه أن يصلي ويكفَّر كفارة يمين، ومن قال: لله عليه نذر أن يشرب الخمر نقول: لا تشرب الخمر وعليك كفارة يمين.
فإن قال قائل: إنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ولم يذكر كفارة وهذه رواية البخاري وغيره قلنا: إنه لا معارضة؛ لأن رواية البخاري تفيد هل يفعل أو لا يفعل، أما ماذا يترتب عليه لو لم يفعل فهذا لم تتعرض له رواية البخاري، وعليه فلا معارضة، ويكون العمل على ما دل عليه حديث ابن عباس، يقول: "ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين"؛ لأن ما لا يطاق من المستحيل أن يكون، فمن قال: "لله عليّ أن أصعد إلى السماء بنفسه" فإنَّ هذا النذر لا يطاق، فعليه كفارة يمين، لكن ينتظر حتى يرى هل يستطيع أو لا؟ لا ينتظر؛ لأنه لا فائدة من الانتظار هذا شيء مستحيل، هذا فيه ثلاثة نذور، الأول: الذي لم يسم، والثاني: المعصية، والثالث: النذر الذي لا يطاق كلها كفارتها كفارة يمين وكفارة اليمين بينَّها الله - تعالي- بيانًا كافيًا شافيًا في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ هذه الثلاثة على التخيير، فمن لم يجد فصيان ثلاثة أيام متتابعة كما في قراءة ابن مسعود ﵁ فتكون الثلاث الخصال: الأولى: على التخيير
стр. 3127
ويبدأ بالأسهل كما بدأ الله به، بدأ الله تعالى بالإطعام؛ لأنه أسهل ثم بالكسوة لأنها أصعب ثم بعتق الرقبة؛ لأنها أشقُّ.
فإن قال قائل: كيف يعادل إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم بعتق الرقبة؟ فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه قد يأتي زمان تكون الرقبة رخيصة والطعام والكسوة غالية، ثانيًا: أنه لا شك أن الغالب في كل زمان أن قيمة الرقبة أعلى وأغلى فيقال: إنّ في هذا إشارة إلى أن الذي انتهك حرمة اليمين لابد أن يفدي نفسه بمثلها وهو عتق الرقبة، لكن من نعمة الله أن خفف على عباده وجعل إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم بمنزلة عتق الرقبة، أما إذا لم يجد فيصوم ثلاثة أيام متتابعة.
من فوائد هذا الحديث: أولاً: صحة النذر الذي لم يسم، ويدل على صحته ترتب الحكم عليه؛ لأن ما ليس بصحيح لا يترتب عليه شيء، لكن إذا صح رتبت عليه الأحكام ووجهه قوله: "فكفارته كفارة يمين".
ومن فوائده: أن نذر المعصية منعقد، ولكن لا يجوز الوفاء به، بل يكفر كفارة يمين وجاء ذلك ظاهر؛ لأنه إذا كان النذر الذي لم يسم فيه كفارة يمين فنذر المعصية الذي يحرم الوفاء به من باب أولى.
ومن فوائد الحديث: تقديم طاعة الله على هوى النفس؛ لقوله: "فكفارته كفارة يمين" يعني: ولا يعصي الله مع أن الرجل الذي نذر أن يفعل المحرم إنما نذره؛ لأن نفسه تهواه فيقال له: رضا الله فوق هواه خالف الهوى وكفر كفارة يمين.
ومن فوائد الحديث: أن نذر المستحيل منعقد، ولكن فيه كفارة يمين؛ لقوله: "ومن نذر ندرًا لا يطيقه".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الطاقة وعدمها تختلف باختلاف الناس، فمن الناس من يطيق ما لا يطيقه الآخرون، فكل إنسان بحبسه، والقاعدة أن من نذر نذرًا لا يطيقه فإن عليه كفارة يمين ولا يكلف نفسه بذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه شاهد لقول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. بدليل أن الإنسان لم يلزم بفعل المنذور إذا كان لا يطيقه، ولكن كفارة عليه كفارة يمين.
стр. 3128
١٣١٩ - وللبخاريِّ: من حديث عائشة: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فائدة هذه الرواية التصريح بأن من نذر نذر معصية فإنه لا يجوز الوفاء بذلك؛ لأن الحديث الأول حديث ابن عباس، قد يقول قائل: إنه يخير بين أن يكفر كفارة يمين وأن يفعل المعصية لكن هذه الرواية - البخاري عن عائشة- بينت أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية.
ويستفاد مما سبق: أن الواجب تقديم ما يرضاه الله على ما تهواه النفس.
- ولمسلم: من حديث عمران: "لا وفاء لنذرٍ في معصيٍة".
والنفي هنا بمعنى: النهي، يعني: لا توفوا بنذر في معصية الله، فيكون أيضًا شاهدًا لحديث: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام:
١٣٢٠ - وعم عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: "نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافيةً، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته؛ فقال النَّبيُّ ﷺ : لتمش ولتركب". متَّفق عليه، واللَّفظ لمسلم.
قوله: "نذرت أختي" لم يبين في الحديث من هي، ولكن هذا ليس بلازم أن نعرف صاحب القضية، المهم أن نعرف القضية، وحكمها هذه امرأة نذرت أن "تمشي إلى بيت الله حافية" أي: ليس عليها نعال، حاسرة الرأس ليس عليها خمار، والذي حملها على ذلك -والله أعلم- قصد التقرب إلى الله تعالى بما يحصل لها من المشقة، فظنت أنه كلما كان الشيء أشق، فهو أحب إلى الله ففعلت تمشي ولا تركب حافية: لا تنتعل حاسرة الرأس، لا تخمر، فهذا النذر اشتمل على أربعة أشياء: أولاً: قصد البيت سواء كان لعمرة أو لحج وهذا طاعة يجب الوفاء بها، ثانيًا: المشي من بلدها إلى مكة وهذا ليس من نذر الطاعة، بل هو لنذر المعصية أقرب لما في ذلك من الإشقاق على النفس والإتعاب والإجهاد، ثالثًا: حاسرة الرأس، وهذا أيضًا إلى المعصية أقرب منه إلي الطاعة لأن حسر الرأس عرضة لإصابة الرأي بحر الشمس أو صقيع البرد، ففيه تغليب، والرابع: حافية القدمين، وهذا أيضًا لا شك أنه مشق من بلدها إلى مكة حافية مع أنها سوف تمر بأحجار وأشجار وشوك، وغير ذلك مما يؤذي الرجل، فرسول الله ﷺ أقرَّ المعروف وأنكر المنكر، وذلك لأنه أقر الذهاب إلى البيت الله الحرام، لكن الأوصاف الأخرى لم يقرها فقال: "لتمش ولتركب" اللام هنا لام الأمر، ولكن هل هو للوجوب أو
стр. 3129
للإباحة؟ أما قوله: "تركب" فهو للإباحة؛ لأنها نذرت أن تمشي حافية، وأما قوله: "لتمش" فهو مطابق للنذر، لكن يمكن أن نقول: إن اللام هنا للإباحة في الموضعين، بمعنى: أنه يباح لها أن تمشي ويباح لها أن تركب ويمكن أن يقال: أنها للطلب في الموضعين أيضًا، يعني: تركب أحيانًا ولتمش أحيانًا ويكون ركوبها عند الحاجة ومشيها عند عدم الحاجة، بمعنى إذا احتاجت إلى ركوب فلتركب لأن هذا النذر لا يطاق وإذا لم تحتج فإنها تمشي.
١٣٢١ - ولأحمد والأربعة فقال: "إنَّ الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرهًا: فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيامٍ".
لتختمر ما ذكرت في اللفظ الأول الذي من أنها ذكرت تمشي حافية لكن كأنه- والله أعلم- حذف من أحد اللفظين ما يدل عليه اللفظ الآخر، فحذف من الأول أنها تمشي حاسرة الرأس، وذكر الجواب بقوله: "ولتختمر" وذكر في الأول أنها تمشي حافية ولم يذكر حكمه في اللفظ الثاني، لكنه لا شك أنه نظير حسر الرأس بمعنى: أنها تمشي ناعلة ولا شيء عليها ولكن قال: "ولتصم ثلاثة أيام" صوم الثلاثة أيام لأجل ما تركت مما نذرت وهي الآن تركت ثلاثة أشياء، وحكم النذر إذا لم يوف أن فيه كفارة يمين، لكن هنا قال: "ولتصم ثلاثة أيام" نقول: هذا ليس حكمًا عامًا، لكن النبي ﷺ علم من حال المرأة أنها لا تستطيع العتق ولا الإطعام ولا الكسوة وقال: "ولتصم ثلاثة أيام".
في هذا الحديث فوائد: منها: جواز التوكيل في الاستفتاء؛ لأن أخته أمرته أن يستفتي النبي ﷺ .
ومنها: أنه ينبغي لمن استفتي ألاَّ يطلب الأصل، بمعنى: ألاَّ يقول لمن سأل عن غيره: هاته هو الذي يستفتي إلا إذا كان الأمر مهمَّا أو خاف من سوء الفهم، فهنا يحتاج إلى أن يستدعي الأصل فيقول: أحضره، أما إذا كان الأمر واضحًا ولا إشكال فيه، فإنه لا يحتاج إلى أن يقول لا أفتي إلا الأصل، أما وجه كونه لا يحتاج إلى ذلك فلهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ لم
стр. 3130
يطلب من عقبة إحضار أخته، وأما كونه في الأمر المهم أو إذا أقضت المصلحة ذلك فلأن الناس- ولاسيما في زماننا- قد يوردون السؤال على غير وجهه فتكون إجابة المفتي على حسب السؤال، وقد يوردون على وجهه ويفهمون خلاف ما يريد المفتي فيحصل بذلك خطأ كبير، ولاسيما في مسائل الطلاق التي يختلف حكمها باختلاف نية المطلق.
ومن فوائد الحديث: أم من نذر نذرًا لا يطيقه بوصفه فليفعل أصله وليكفِّر عن وصفه؛ وذلك لأن النبي ﷺ أمرها أن تأتي إلى البيت الحرام، لكن على غير الوجه الذي نذرت وأمرها أن تمشي وتركب، فهنا وجب الوفاء بالأصل وكفِّر عن الوصف.
ومن فوائد الحديث: مطابقته لقول الله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم﴾ [النساء: ٤٧]. يؤخذ من قوله: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا" لأن الله لا يريد من عبادة الشقاء والإعنات والحرج، بل يريد خلاف ذلك ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ٨٥].
ومن فوائد الحديث: وجوب الاختمار لقوله: "فلتختمر" وهذا قد ينازع فيه؛ إذ إن الأمر بعد الاستفتاء يراد به الإباحة، فإذا كان يراد به الإباحة لم يستقم القول بأن هذا فيه دليل على وجوب الاختمار، لكن وجوب الخمار يؤخذ من أدلة أخرى أن المرأة عليها أن تختمر فتغطي رأسها، وكذلك على القول الراجح تغطي الوجه والكفين.
وهل يستفاد من هذا جواز ركوب المرأة على الراحلة؟ نعم؛ لقوله: "ولتركب" وهل نقول وإذا جاز أن تركب الراحلة جاز أن تقود السيارة؛ لأنها توجه الراحلة فكذلك توجه السيارة؟ الجواب: أن يقال الأصل جواز هذا - قيادة المرأة للسيارة- لكن نمنع منه من أجل ما يترتب عليه من المحاذير العظيمة والفتنة الكبيرة، وإلا فالأصل الجواز، لو أن امرأة مثلاً في بستان لها بعيدة عن نظر الرجل وأرادت أن تقود السيارة من أعلى البستان إلى أسفله أو من شماله إلى جنوبه فإننا لا نقول: إن هذا حرام، ولكننا نحرم ذلك بناء على قيادة السيارة العامة؛ لما في ذلك من الفتنة والشر والفساد.
ومن فوائد الحديث: قيام الأفعال الاختيارية بالله لقوله: "ما يصنع" وقد قال الله تعالى: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ [النمل: ٨٨]. فيجوز أن يوصف الله بالصنع وبأنه صانع ولكن لا يسمى به لأن الأسماء كلها حسنى والصانع ليس متمحضًا للحسن، بل الصانع يصنع الخير ويصنع الشر.
стр. 3131
وفاء نذر الميت:
١٣٢٢ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: "استفتي سعد بن عبادة ﵁ رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمِّه، توفِّيت قبل أن تقضيه؟ فقال: اقضه عنها". متَّفق عليه.
سعد بن عبادة ﵁ هو سيد الخزرج، وسعد بن معاذ هو سيد الأوس، وكلا السعدين له منزلة عالية، ولكن سعد بن معاذ أفضل من سعد بن عبادة، وكلاهما ممن له منزلة عالية في الإسلام، قوله: "استفتى" أي: طلب منه الفتوى؛ لأن السين والتاء هي التي تدل على الطلب يقال: استفتى أي: طلب الفتيا، استغفر: أي طلب الاستغفار، وقد يراد بهما المبالغة، مثل: استكبر، ليس معناها طلب الكبر، لكن المعنى: أنه تكبر وزاد في كبريائه، وقوله: استفتى في نذر كان على أمه هنا لم يبين النذر، هل هو صيام عتق حج؟ لأن تنبيه ليس بذاك الضرورة، فإن تبين فإنه لا شك زيادة علم، وإن لم يتبين فلا يضر، توفيت قبل أن تقضيه أي: أن تقضي هذا النذر فقال: "اقضه عنها"، كلمة "اقضه" فعل أمر، لكنه هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الإباحة؟ الثاني: هو الأقرب، يعني: لا بأس أن تقضيه عنها؛ لأنه جواب عن سؤال يظن السائل أن ذلك ممنوع، فرخص له النبي ﷺ ، ولأننا لو قلنا بالوجوب لزم التأثيم بالترك، وهذا يخالف قول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ففي هذا الحديث فوائد: منها: حرص الصحابة- ﵃ على العلم، لا لمجرد العلم والنظر ولكن للتطبيق فهم يسألون النبي ﷺ الأسئلة ليطبقوها، وليس كما يصنعه كثير من الناس اليوم يسأل لينظر ماذا عند العالم، وربما إذا سأله ووجد ما عنده ذهب إلى آخر وسأله ثم قال: قال العالم الفلاني كذا، فضرب آراء العلماء بعضها ببعض.
ومن فوائد الحديث: جواز قضاء النذر عن الأم؛ لأن سعد بن عبادة استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه، فهل يقاس عليها الأب؟ الجواب نعم، يقاس عليها الأب، وذلك أن الأولاد من الكسب وكسب الإنسان كعمله، وهل يقاس على ذلك من ليس له صلة بالناذر؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يقاس؛ لأن النبي ﷺ قاس هذا بالدَّين، ومعلوم أن الدَّين إذا قضاه الأجنبي والقريب برئت ذمة المدين، فالصواب أنه يجوز قضاء النذر عن الغير، سواء كان أبًا أم أمًا أم أخًا أم عمًا قريبًا كان أم بعيدًا.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أنه لا يقضي النذر عن الناذر، إلا إذا تمكن من فعله فلم يفعل؛ لقوله: "توفيت قبل أن تقضيه"، وهذا لا يمكن إلا إذا كان متسعًا لقضائه، فأما لو لم
стр. 3132
يمكن فإنه لا يقضي عنه، مثال ذلك: إذا قال لله عليّ نذر أن أصوم شهر شعبان، ولكن لم يدرك الشهر مات قبل ذلك ففي هذه الحال لا يلزم قضاؤه، ولا حاجة لقضائه؛ لأن الوقت الذي عيَّنه للنذر لم يدركه فقد أتى عليه وهو قد انتهى من التكليف فإن أدرك البعض دون البعض فما أدركه وقضاه سقط عنه وما لم يقضه يقضي عنه.
ومن فوائد الحديث: أن الكلام يحمل على ما يقتضيه السياق، كل كلام يحمل على ما يقتضيه السياق وإن خرج عن الأصل، فالأصل في الأمر الطلب، سواء كان إلزامًا أو على سبيل التطوع، لكن إذا دلَّ على أنه ليس للطلب وإنما هو للإباحة كان للإباحة.
ويتفرع على هذه الفائدة فائدة عظيمة وهي: أن السياق والقرائن يعين المعنى المراد، وإذا كان كذلك أيضًا نرتقي إلى شيء آخر وهو أنه لا مجاز في اللغة العربية، وذلك أن كل نص ادعى فيه المجاز فإن سياق الكلام يمنع المعنى الأصلي الذي يدعي من يقول بالمجاز أنه نقل عنه؛ لأن السياق هو الذي يعين المعنى، فمثلاً قوله ﵎: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنَّا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩]. كل يعلم أنه ليس المراد بالقرى هنا الأبنية، ولا أحد يشكل عليه هذا الأمر، وأما قوله تعالى: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ [العنكبوت: ٣١]. فكلٌّ يعلم أن القرية هنا هي الأبنية لأنه قال: مهلكو أهل هذه القرية، فأضاف الأهل إليها فالسياق إذا كان هو الذي يعين المراد فإن المعنى الأصلي لو أنك فسرت به هذا الكلام الذي عيَّنه السياق لكان هذا خطأ، فإذن فمدلول الكلام هو الحقيقة، سواء كان هذا اللفظ منقولاً من غيره أو ليس بمنقول.
نفي المجاز عن القرآن:
ولهذا مشى شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك تلميذه ابن القيم، على أنه لا مجاز في اللغة العربية ومن العلماء من قال: لا مجاز في القرآن، وأما اللغة العربية ففيها المجاز، وعلَّل ذلك بأن من أكبر علامات المجاز صحة نفيه، والقرآن ليس فيه شيء يصح نفيه، فلهذا نقول: يمنع المجاز في القرآن ولا نقول بمنع المجاز في كلام امرئ القيس وغيره من أهل اللغة لكن الذين قالوا بالمنع مطلقًا ردُّوا على هذا، وقالوا: إننا نتكلم عن الكلام بقطع النظر عن المتكلم به. المتكلم به لا يبحث في موضوع الكلام، وإذا كنا نتكلم بهذا فنقول كل معنى يعينه السياق فهو حقيقة وحينئذ لا تحتاج إلى تقسيم ولكن كما تعلمون أن جمهور العلماء على هذا، مع أن هذا
стр. 3133
حدث بعد القرون الثلاثة في آخر القرن الثالث، بدأوا يتكلمون عن الحقيقة والمجاز ويشققون الكلام، لو أن أحدًا قال في مدح إنسان: إنه كثير الرماد، طويل النجاد، رفيع العماد، هذا كناية عن الكرم والشجاعة، لو قال: إنه كثير الرماد يعني: إنه يحرق الحطب حتى يصير رمادًا هل أحد يوافق على هذا؟ لا، إذن نعلم أن كثير الرماد بأنه كريم، فهو حقيقة في معناه حسب الحال، طويل النجاد يعني: علاقة السيف ويدل على طوله، لكن هذا لا يمنع حقيقة أنه طويل النجاد، أي: علاقة السيف في الواقع، رفيع العماد يعني: أن خيمته عمودها مرتفع ليتبين أنه سيد قومه، على كل حال القول بأنه لا مجاز في اللغة لاشك أنه أقرب إلى الصواب بناء على أننا نقول: إنّ المعنى المراد باللفظ هو السياق وقرائن الأحوال.
حكم نذر المكان المعين:
١٣٢٣ - وعن ثابت بن الضَّحَّاك ﵁ قال: "نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فقال: لا. فقال: أوف بنذرك؛ فإنَّه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا في قطيعة رحمٍ، ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود، والطَّبرانيُّ واللَّفظ له، وهو صحيح الإسناد.
- وله شاهد: من حديث كردمٍ عند أحمد.
يقول ثابت بن الضحاك "نذر رجل ... الخ" "بوانة" اسم مكان، والرجل مبهم، وكما قررنا كثيرًا بأن إبهام صاحب القصة لا يضر، "ينحر إبلاً ببوانة" لكن لماذا خص هذا المكان: هل هو لفضل المكان أو لحاجة أهله أو لأن فيه أقارب لهذا الرجل؟ نقول: أعلم لكن ليس أفضل المكان قطعًا؛ لأن هذا المكان ليس له فضيلة في حد ذاته، ولكن الرسول ﷺ خاف أن يكون هذا الرجل الذي عيَّن هذا المكان أنه لحظ كونه فيه أوثان أو أنه عيد من أعياد الكفار؛ لأن الرسول ﷺ وقع في ذهنه كيف يخصص هذا المكان لأي شيء؟ فسأل عن المحذور دون السبب الموجب فقال: "هل كان فيها وثن يعبد" قال: لا. والوثن: كل ما عبد من دون الله من قبر أو صنم أو شجر أو حجر أو غير ذلك، قال: لا، قال قوله: "وثن يعبد"، هل هذا قيد لبيان الواقع أو قيد احترازي؟ الظاهر أنه لبيان الواقع؛ إذ لا نعلم أن أوثانًا تنصب، ولكنها لا تعبد، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم"، بحيث يترددون إلى هذا المكان ويحيونه كل سنة على وجه
стр. 3134
معتاد؟ قال: "لا"، قال: "فأوف بنذرك" الأمر هنا الظاهر أنه للإباحة إذا قصد بذلك المكان المعين، أما إذا قصد مطلق النذر فهو للوجوب، فقال: "أوف بنذرك" ثم علَّل فقال: "إنه لا وفاء لنذر في معصية الله" ولو كان هذا المكان فيه الوثن أو فيه عيد من أعياد المشركين لكان النذر نذر معصية. ولا في قطيعة رحم بأن يقول: لله علىّ نذر إن لم يأت قريبي بكذا وكذا ألا أكلمه هذا حرام؛ لأنه في قطيعة رحم، ومن هم الرحم الذين تجب صلتهم؟ هم قرابة الإنسان من الجد الرابع فأنزل كما ذكر العلماء هذا في كتاب الوقف أنه لو وقف على قرابته، فإنه يكون من الجد الرابع وما نزل، "ولا فيما لا يملك ابن آدم" يعني: من الأمور التي لا يملكها شرعًا أو لا يملكها قدرًا، فلو نذر شيئًا مستحيلاً قلنا: لا نذر في المستحيل، ولكن هل يجب عليه الكفارة، سبق الكلام عليه.
في هذا الحديث فوائد: منها: جواز تعيين المكان للنذر إذا كان هذا لغرض صحيح، فلو نذر أن يتصدق بالمدينة ثم أراد أن ينقله إلى بيت المقدس فلا يصح؛ لأنه انتقل إلى مفضول.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز الذبح لله حول الأصنام والأوثان، وجهه أن النبي ﷺ رتب الإباحة على انتفاء الوثن، فدل هذا على أنه لو وجد الوثن، فإنه لا يجوز أن تذبحه ولو كان الذبح لله، لئلا يغتر أحد بفعله، حيث يظن أنه ذبح لغير الله، وهذا يتفرع عليه فائدة أخرى أكبر، وهو: سد ذرائع الشرك ولو كانت بعيدة.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن نخص المكان إذا كان مخصوصًا لأعياد المشركين، دليله: "هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ " لأنه لا يجوز موافقة المشركين في أعيادهم، وهو لو نذر وقضى النذر في الوقت الذي هو يوم عيد الكفار كان مشابهًا لهم، وعلى هذا يتبين أنه لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم، وهذا- أعني مشاركتهم في أعيادهم- أن لم يكن كفرًا فهو حرام؛ لأن مشاركتهم في أعيادهم الدينية رضًا بدينهم، ومن رضي بدين يدان به لله غير الإسلام فإنه كافر؛ لأنه مكذب للقرآن لأن الله يقول: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥]. ولهذا لا يجوز لنا نحن المسلمين أن نشارك الكفار في أعيادهم الدينية؛ لأن هذا رضا بشعائر الكفر- والعياذ بالله-.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا قوي الاحتمال وجب على المفتي الاستئصال وهنا الاحتمال قوي، إذ إنه يقال لماذا خصَّ هذا المكان؟ فلذلك استفصل النبي ﷺ من هذا السائل، أما إذا
стр. 3135
كان بعيدًا فإنه لا يستفصل، فلو سئل الإنسان عن رجل مات عن أبيه وأمه لا نحتاج إلى أن نقول: هل أبوك كافر أو مسلم أو غير ذلك؟ لو سئل عن رجل جامع زوجته في نهار رمضان لا حاجه إلى أن يستفصل ويقول هل هو جاهل أو ناسٍ أو متعمد؟ لكن إن قوي الاحتمال فإنه يجب الاستفصال.
ومن فوائد الحديث: جواز تخصيص النذر بمكان إذا كان خاليًا من معصية؛ لقوله: "أوف بنذرك" فإن نقله إلى مكان نظرنا إن كان أفضل فلا بأس، وإن كان دون ذلك لم يجز، وإن كان مثله جاز، ولكن عليه كفارة يمين، كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
ومن فوائد الحديث: جواز تحريم الوفاء بنذر المعصية؛ لقوله: "لا وفاء لنذر في معصية الله" والمعصية إما ترك واجب، وإما فعل محرم.
ومن فوائد الحديث: تحريم وفاء النذر بقطيعة الرحم، فلو قال: لله علىّ نذر ألا أكلم أخي قلنا: هذا حرام، ولا يحملك أن تفي بذلك النذر، لكن عليك كفارة يمين.
ومن فوائد الحديث: عدم وجوب وفاء النذر فيما لا يملك؛ لقوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم" وسواء كان لا يملكه شرعًا كالمعصية أو لا يملكه قدرًا، كملك الغير، وخلق الحيوان وما أشبه ذلك مما لا يمكن قدرًا.
حكم الانتقال عن النذر إلى ما هو أفضل منه:
١٣٢٤ - وعن جابر ﵁: "أنَّ رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إنِّي نذرت إن فتح الله عليك مكَّة أن أصلِّي في بيت المقدس، فقال: صل هاهنا. فسأله، فقال: صلِّ هاهنا. فسأله، فقال: شأنك إذن". رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم.
"يوم الفتح" إذا أطلق فهو فتح مكة ويطلق الفتح على صلح الحديبية، كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]. فالمراد بالفتح هنا: صلح الحديبية لأنه لا شك أنه حصل به فتح كبير [حيث] صار المسلمون يأمنون، وكذلك الكفار يأمنون على دمائهم وأموالهم، وقوله: "إني نذرت ... الخ" هذا يتضح منه جليًا أن هذا النذر نذر عبادة، وليس نذر عادة لأن الصلاة ليست من العادات التي يفعلها بعض الناس، كالصدقة والإنفاق وغير ذلك، يقول: أن أصلي في بيت
стр. 3136
المقدس ولم ندري؛ لماذا خصَّ بيت المقدس مع أن عنده المسجد النبوي، وهو أشرف البقاع بعد مكة؟ لكن لا ندري ما السبب، قال: "صلِّ هاهنا" أي: في مكة؛ لأن مكة أفضل من بيت المقدس "فسأله" يعني: أعاد السؤال، فقال: "صلَّ هاهنا فسأله فقال: شأنك إذن" يعني: اصنع شأنك أي: ما تريد "إذن" أي: حين لم تقبل الرخصة.
في هذا الحديث دليل على فوائد: أولاً: أن الإنسان إذا نذر فإنه يجب عليه الوفاء بالنذر؛ لقول الرسول ﷺ : "صل هاهنا".
ومن فوائده: أنه يصح النذر المعلق؛ لقوله: "إني نذرت إن فتح الله عليك"، وسواء كان النذر معلقًا على شيء عام أو على شيء خاص كما يصح النذر المطلق.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الانتقال عن النذر إلى ما هو أفضل منه؛ لأن النبي ﷺ قال: "صل هاهنا" وعلى هذا فإذا نذر أن يصلِّي في مكة لم يجز في غيرها لأنها أفضل البقاع، وإذا نذر أن يصلِّي في المدينة في المسجد النبوي جاز في المسجد النبوي وجاز في مكة، وإذا نذر أن يصلي في بيت المقدس جاز في بيت المقدس، وفي المسجد النبوي، وفي المسجد الحرام؛ لأنه انتقل إلى ما هو أفضل.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لو نوى أن ينفق في شيء من أعمال البر، ثم أراد أن ينقله إلى شيء آخر أفضل فلا بأس، ومن ذلك إذا وقَّف وقفًا على طائفة معينة أو على جهة معينة ثم أراد أن ينقله إلى مكان آخر أفضل فلا بأس، فلو أن الإنسان وقف بيته على طائفة معينة ثم رأى من المصلحة أن يبيع هذا البيت وينقله إلى بيت أفضل في مكان الناس فيه أحوج فإن ذلك لا بأس، وهذا القول هو القول الراجح، ويدل عليه هذا الحديث، والمشهور من المذهب إنه لا يجوز بيعه، أي: الموقوف، إلا أن تتعطل منافعه، فما دام فيه منفعة، ولو قليلة فإنه لا يجوز بيعه، لكن الصحيح ما قدمناه؛ لدلالة الحديث عليه.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا أردا أن يشقَّ على نفسه، فإننا نوليه ما تولى ذلك؛ لأن هذا الرجل أرشده النبي ﷺ إلى أن يصلى في مكة ولكنه أبى إلا أن يشقَّ على نفسه فقال: "شأنك إذن" فإن قال قائل: كيف يكون هذا وقد تبرأ النبي صلي الله عليه وسلم من القوم الذين قال بعضهم: إنه يصلي ولا ينام، والآخر قال: يصوم ولا يفطر والثالث: قال: لا أتزوج النساء فيقال في الجواب عن ذلك: إنّ هؤلاء القوم الثلاثة أرادوا أن يغيروا تغييرًا ظاهرًا في الشريعة فيصوم أحدهم بلا فطر، والثاني يقوم بلا نوم، والثالث لا يتزوج النساء، أما هذا فهي مسألة فردية لا يتغير بها شيء؛ فلذلك قال له: "شأنك إذن" على أنه ربما نفهم من قوله: "شأنه إذن" نفهم منه: أن
стр. 3137
الرسول يكره هذا، كره أن يصمم على أن يذهب إلى بيت المقدس، وفرق آخر أن الذهاب إلى بيت المقدس ليس كالإشقاق فيما إذا ما صام ولم يفطر أو قام ولم ينم أو ترك النكاح.
١٣٢٥ - وعن أبي سعيد الخدريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا". متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
قوله: "لا تشد الرحال" "لا": نافية وليست ناهية، لو كانت ناهية لقال: لا تشدوا الرحال فهي نافية، لكن هذا النفي بمعنى: النهي والخبر يأتي بمعنى الطلب سواء كان أمرًا أو نهيًا؛ لأنه أبلغ إذ كان هذا الأمر أمر مفروغ منه لا يحتاج إلى نهي ولهذا قال العلماء: إنّ إتيان الخبر في موضع الطلب يدل على توكيد هذا الطلب، وهذا حق كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فهنا جملة ﴿يتربصن﴾ جملة خبرية، والمراد بها: الأمر، فيكون هذا أوكد، ووجه التوكيد: أن جعله بمنزلة الخبر أو التحدث عنه كأنه خبر مستقر يدل على أن هذا الأمر مفروغ منه وأن هذا هو الحال وقوله: "لا تشد الرحال" جمع رحل، وهو: ما يحمل على البعير، أو بعبارة أصح وأعم ما يحمل على المركوب، أي: ما يحمله المسافر من متاع على مركوبه "إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام" هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته وأصله المسجد الحرام، الثاني "مسجد الأقصى"، كالأول من باب إضافة الموصوف إلى صفته، و"مسجدي هذا" والمشار إليه مسجد النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز شدُّ الرحل إلى أي مكان من الأرض إلا هذه المساجد الثلاث؛ لأن هذه هي البقع المفضلة على غيرها فأفضلها مكة ثم المدينة ثم الأقصى وما سواها من البقع، فإنه لا يجوز شد الرحل إليها من أجل هذه البقعة، أما إذا كان يشد الرحل إليها من أجل أمر آخر لا يتعلق بالبقعة فلا بأس، كما لو شد الرحل إلى بلد أكثر علمًا أو أيسر مؤونة أو غير ذلك فهذا لا يقال: إنه شد الرحل تعبدًا للمكان بل يقال: إنه شد الرحل لهذا الغرض الآخر.
فمن فوائد الحديث: فضيلة هذه المساجد الثلاثة وجه ذلك: أنها هي التي أذن بشد الرحل إليها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشدُّ الرحل إلى المقابر لزيارتها؛ لأن هذا مكان يختص بالبقعة ولا شيء من البقع يخصص إلا هذه الثلاثة.
ومن فوائد الحديث: أن شد الرحل يختص بالمساجد المعينة الثلاثة وينبني على ذلك أننا لا نشدُّ الرحل إلى مسجد في مكة سوى مسجد الكعبة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد
стр. 3138
الذي فيه الكعبة، كما جاء ذلك صريحًا في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة"، وهذا هو الذي تشدُّ إليه الرحال.
ومن فوائد الحديث: بيان فساد ما ذهب إليه بعض العلماء من أنه لا فضل في المسجد النبوي إلا المسجد الذي كان على عهد النبي ﷺ وأما الزيادات فهي خارجة عنه، فهذا ليس بصحيح، والصحيح أن ما زيد في المسجد فله حكمه، سواء كان في المسجد الأقصى أو النبوي أو الحرام، ودليل ذلك أن الصحابة لما زادوا في المسجد النبوي ما زادوا لم يكونوا يتركون الصلاة في الزيادة، بل كانوا يصلون في الزيادة، ويرون أنها داخلة في المسجد وهو كذلك؛ ولهذا قال العلماء: ما يزيد في هذه المساجد فله حكمها ولو بلغ، ما بلغ إذن التخصيص بمكان معين من أجل البقعة ينهى عنه أي: أنه نهى عن شد الرحل إليه، أما إذا كان لغرض آخر فلا بأس كتجارة أو علم أو مؤونة.
الوفاء بالنذر بعد الإسلام:
١٣٢٦ - وعن عمر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إنِّي نذرت في الجاهليَّة أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك". متَّفق عليه.
قال العلماء: الاعتكاف في الأصل هو: لزوم الشيء ومنه قول إبراهيم لقومه: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ أي: ملازمون عليها، وفي الشرع: لزوم مسجد لطاعة الله فلو لزم المسجد لغير الطاعة إما لكونه لا مبيت له ولا أهل له فليس بمعتكف ولو لزم غير المسجد لطاعة الله فإنه ليس بمعتكف لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المسجد﴾ عمر ﵁ نذر في الجاهلية قبل أن يسلم أن يعتكف في المسجد الحرام ليلة أو يومًا كما في اختلاف الروايات، ويطلق اليوم والليلة بعضهما على بعض والظاهر- والله أعلم- أنه نذر أن يعتكف يومًا وليلة.
ومن فوائد الحديث: أن تخصيص النذر بالمسجد الحرام يجب أن يوفي به؛ لقوله: "أوف بنذرك" ولم يؤذن له أن يوفي بالمدينة ولا غيرها.
ومن فوائد الحديث: انعقاد النذر من الكفار؛ لأن النبي ﷺ أقر عمر على ذلك.
ومن فوائده: فيما يظهر أنه لو أوفي الكافر نذره في حال كفره سقط عنه؛ لأن الظاهر أن الذين أسلموا في عهد الرسول ﷺ ما كانوا يسألون عن اعتكافاتهم التي نذورها، بل كان يقرهم على ما هم عليه وهذا هو الأقرب أن الكافر لو نذر أن يعتكف في أيَّ مسجد كان واعتكف، فإنه يسقط عنه باعتكافه.
стр. 3139
ومن فوائد الحديث: جواز الاعتكاف بدون صيام؛ لقوله: "أن أعتكف ليلة" والليل: ليس محلاَّ للصيام، وهذه المسألة مختلف فيها.
من العلماء من يقول: إنه لا اعتكاف إلا بصوم، ومنهم من يقول: إنه يصح الاعتكاف بلا صوم؛ لأن كلاُّ منهما عبادة منفردة عن الأخرى فيصح أن يعتكف بلا صوم، وأن يصوم بلا اعتكاف، والثاني: محلُّ إجماعٍ، وأما أن يعتكف بلا صوم فموضع اختلاف، ولكن الراجح أنه ليس بشرط، وأن الإنسان يجوز أن يعتكف بلا صوم.
ومن فوائد الحديث: جواز الاعتكاف في غير رمضان؛ لقول النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ولم يقل: إذا أتى رمضان وهو كذلك، لكن لو قال قائل: هل هذا من السُّنة؟ قلنا: لا ليس من السُّنة أن يعتكف في غير رمضان؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يعتكفون في غير رمضان، ولأن الحكمة من الاعتكاف أو العلة فيه هو تحري ليلة القدر، بدليل أن الرسول ﷺ اعتكف العشر الأول ثم الأوسط؛ تحريًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر، ومعلوم أن هذا لا يكون في غير رمضان إذ إن ليلة القدر قطعًا في رمضان وفي العشر الأواخر منها، وهذا هو الصحيح، أي: أننا لا نأمر إنسانًا ولا نقول: يسنُّ لك أن تعتكف في غير رمضان، وبناء عليه تبيَّن ضعف قول من قال من العلماء: يسنُّ لمن أتى المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبسه فيه؛ لأنه يقال من أين ذلك؟ أليس النبي ﷺ يتردد على المسجد كل يوم خمس مرات على الأقل؟ ! والصحابة كذلك هل قال لأحد منهم: إذا أتيت إلى المسجد فانو الاعتكاف؟ وهل كان جاهلاً بهذه السُّنة؟ لا، هل قال لأحد منهم: إذا أتيت إلى المسجد فانو الاعتكاف؟ وهل كان جاهلاً بهذه السُّنة؟ لا، هل كان عالمًا بها وكتمها، لا كل ذلك لم يكن، وعلى هذا فالصحيح أنه لا يسنُّ للإنسان أن ينوي الاعتكاف مدة لبسه بالمسجد وأن الاعتكاف المسنون ما كان في العشر الأواخر.
فإن قال قائل: كيف يقرُّ النبي ﷺ عمر على أن يعتكف في هذه المدة وليس بمشروط؟ نقول: هذا جرت به العادة من الرسول ﷺ ، فقد أقرَّ سعد بن عبادة أن يتصدق لأمه بمخرافه بعد موتها، وأقرَّ الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت أفأ تصدق عنها؟ قال: نعم، وأقر الرجل الذي كان في سرية يقرأ لأصحابه ويختم بقل هو الله أحد، ومع ذلك لم يشرع هذا لأمته، لم يقل: أيها الناس تصدقوا لأمهاتكم بعد موتهن ولم يقل: يا أيها الناس، اختموا القراءة بقل هو الله أحد ولم يكن هو يفعله، ما كان يختم قراءته بقل هو الله أحد، فدلَّ هذا على أن من الأشياء ما يقرُّ عليه الإنسان ولا يقال: إنه مبتدع، ولكنه لا يطلب منه فعل ذلك، وأظن أن بين المرتبتين فرقًا واضحًا؛ لأننا إذا قلنا: إنه سنة دعونا الناس إليه وأمرناهم به، وإذا قلنا: إنه من القسم المباح الذي إذا أراده الإنسان، لم يمنع منه صار من الأمور المباحة، ولكنه ليس من الأمور المشروعة.
стр. 3140
كتاب القضاء
ويشتمل على:
١ - باب الشهادات.
٢ - باب الدعاوى والبينات.
стр. 3141
كتاب القضاء
القضاء يضاف إلى الله تعالى ويضاف إلى العبد والمراد به هنا القضاء المضاف إلى العبد، وليس القضاء المضاف إلى الله، لكن مع ذلك يحسن أن نتكلم عن القضاء المضاف إلى الله .
القضاء المضاف إلى الله نوعان: قضاء شرعي، وقضاء قدري كوني، فالقضاء الشرعي ما أمر الله به، وعلى هذا يكون قضى بمعنى أمر، مثاله: قول الله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. قضى يعني: أمر، وقوله تعالى: ﴿والله يقضى بالحق﴾ [عاقر: ٢٠]، يعني: يشرع الحق، والقضاء القدري: هو ما قضاه الله تعالى قدرًا وكونًا، ولا يلزم أن يكون فيما يحبه الله ومنه قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ [الإسراء: ٤].
فالقضاء هنا كوني قدري بلا شك؛ لأن الله لا يمكن أن يقضي شرعًا بالفساد، بل هو لا يحب الفساد، فالقضاء المضاف إلى الله ينقسم إلى هذين القسمين: كوني قدري، وشرعي، والشرعي يكون فيما يحبه الله، والكوني فيما يحبه وما لا يحبه.
معنى القضاء والفرق بين القاضي والمفتي:
أما القضاء المنسوب إلى الإنسان فهو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به، فالقاضي في المحكمة يبين الحكم الشرعي ويلزم به، وبهذا يعرف الفرق بين القاضي والمفتي، المفتي لا يلزم أحدًا، والقاضي يلزم، ولهذا صح الإفتاء على الغائب، ولا يصح القضاء على الغائب؛ لأن القضاء على الغائب إلزام له وقد يكون له حجة تدفع الإلزام، وأما الفتوى فليست إلزامًا؛ ولهذا لما استفتت امرأة أبي سفيان النبي ﷺ بأنه رجل شحيح قال: "خذي ما يكفيك" مع أن المقضي عليه غائب، لكن هذا ليس من باب القضاء، بل من باب الفتوى.
فإذن القضاء اصطلاحًا: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به. الفتوى: تبيين الحكم الشرعي بدون إلزام، ولهذا جازت الفتوى على الغائب ولم يجز القضاء على الغائب.
والقضاء من فروض الكفاية، وإذا لم يوجد إلا واحد يصلح للقضاء صار فرض عين عليه؛ لأنه لابد أن يوجد للناس من يقضي بينهم.
стр. 3142
[فائدة]: الإلجاج: هو المنع أو الحثُّ أو التصديق أو التكذيب، مثال المنع: أن يقول والله لئن فعلت كذا لأصومنَّ سنة، هل قصده الطاعة؟ لا، ولا نذر شيئًا مباحًا، إنما علَّق نذره بهذا ليمنع نفسه من فعله، الحثُّ مثل أن يقول: والله إن لم أفعل كذا لأصومنَّ سنة، هذا مقصود به حث نفسه على الفعل، التصديق هذا في مقابلة المخاطب، أخبر بخبر فقال: حصل كيت وكيت، فقال له المخاطب: كذبت، قال: إن كنت كاذبًا فلله عليَّ نذر أن أصوم سنة كاملة، غرضه بهذا أن يحمل المخاطب على التصديق، العكس إذا أخبره المخاطب بخبر فقال: إن كان ما أخبرتني به حقًا فلله علىَّ نذر أن أصوم سنة ما المقصود؟
تولي القضاء فرض كفاية:
سبق لنا أن القضاء هو: بيان الحكم الشرعي والإلزام به، وأن الفتوى: بيان الحكم الشرعي دون الإلزام، ونقول: إن القضاء من أفضل الولايات التي يقوم بها المسلم؛ لأنه ينفذ حكم الله في عباد الله، ولأنه إذا لم يتول القضاء من هو أهل له تولاه من ليس بأهل له؛ ولهذا قال العلماء: إن تولي القضاء فرض كفاية إن قام به من يكفي وإلا تعين عليه، وتهرب بعض السلف منه؛ لأن العلماء في وقتهم كثيرون وإذا تهرب إنسان وجدنا من تكون به الكفاية لكن إذا قلَّ العلماء الموصوفون فإنه لا ينبغي أبدًا أن يتهرب الإنسان منه.
وقول القائل: أخشى أن أجور في الحكم.
نقول: حتى وإن جرت في الحكم بعد الاجتهاد فلك أجر؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر"، ثم إنك قد تخطئ وقد تصيب، لماذا تغلب جانب الخطأ؟ ! أليست الإصابة لمن أراد الحق واجتهد هي الأكثر؟ وإذا كانت هي الأكثر فلماذا نتهرب خوفًا من الأقل وقد قال الله تعالى لداود- ﵊: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص: ٢٦].
فهو ولاية من أفضل الولايات لما يحصل فيها من وصول الحقوق إلى أهلها وحقن الدماء وعقوبة المفسد وغير ذلك؛ لأن كل هذه الأشياء تمرُّ بالقضاء، فالتهرب عنه ليس في محله ولا
стр. 3143
ينبغي؛ لأن الناس لابد لهم من قضاة فإذا تهرب أهل القضاء الذين هم أهله حقُّا تولاه من ليس بأهل له ففسدت الدنيا والدَّين.
ثم أنه قد يقول القائل: الناس تغيرت وكثرت الحيل وكثر الكيد وهذا يشق علينا؟
جوابنا على ذلك ما ذكرناه: أولاً: أن تجتهد في تحري الحق، فإن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر واحد.
ثم إنه ينبغي للقاضي أن يكون عنده فراسة ومعرفة بأحوال الناس؛ لأن هذه تخدمه كثيرًا، قد يتحاكم اثنان وظاهر الحال مع الأول، ولكن بالفراسة ومعرفة الأحوال يكون الحق مع الثاني، لهذا ينبغي للقاضي أن يكون لديه فراسة حتى يصل إلى الحق، وما قصه سليمان وداود بغريبة عليكم في قصة المرأتين اللتين خرجتا فأكل ولد إحداهما الذئب فاختصمتا إلى داود فقضى به للكبرى اجتهادًا منه بناءً على أن الصغرى شابة وأمامها سنوات ويأتيها أولاد- إذا أراد الله- خلاف الكبرى، فخرجتا فقصتا على سليمان فقال: أشقه بينكما نصفين، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، أما الكبرى فوافقت حتى يلحق هذا بابنها ويهلك كما هلك ابنها الذي أكله الذئب، فقضى به سليمان للصغرى. وهذه من الفراسة.
ويذكر عن قضاة من السلف ومن الخلف أيضًا أشياء غريبة في الفراسة؛ ولهذا أتمنى أن يتتبع أحد من الناس مثل هذه القصص وتؤلف في مؤلف وتوزيع بين القضاة حتى يستعينوا بها على تحرى الحكم والحق.
على كل حال: القضاء إذن حكمه فرض كفاية وإذا لم يوجد أهل سوى واحد تعين عليه، وهو من أفضل الأعمال وأجل الطاعات وأعلى الولايات، حتى إن الحاكم القاضي يحكم حتى على الأمير والسلطان لأنه حاكم قاضٍ يقضي بشرع الله، ثم إنه يتأكد في زمننا هذا أن يتولى العلماء لشريعة الله مناصب القضاء؛ لأنه كثر التحاكم الآن إلى الطاغوت- وهو القانون المخالف للشريعة- وصار كثير من الناس اليوم- ولا أقول أكثر الناس- يعتمدون على القوانين المكتوبة ويخافون إن حكموا بخلافها أن ترد أحكامهم أو أن توضع فوق رءوسهم علامة الاستفهام، ولكن الواجب على الإنسان أن يقول الحق، قال تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]، ثم ذكر المؤلف حديث بريدة فقال:
стр. 3144
صفة القاضي الصالح:
١٣٢٧ - عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النَّار، وواحد في الجنَّة: رجل عرف الحقَّ فقضى به؛ فهو في الجنَّة، ورجل عرف الحقَّ فلم يقض به، وجار في الحكم؛ فهو في النَّار، ورجل لم يعرف الحقَّ فقضى للنَّاس على جهلٍ؛ فهو في النَّار". رواه الأربعة، وصحَّحه الحاكم.
ثلاثة بالشخص أو بالصَّنف؟ الثاني، وهذا من حسن تعليم النبي ﷺ أنه كان أحيانًا يصنف الأشياء، يقسَّم الأشياء أحيانًا يحصرها بعدد معين مع أنها أكثر من ذلك حسب ما تقتضيه الحال.
"القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة"، هذا جمع بين العلم والعدل، جمع بين العلم لأنه عرف حقه والعدل لأنه قضى به فهذا في الجنة.
الثاني: "رجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم"، قوله: "وجار في الحكم" من باب عطف التفسير تفسير: "ولم يقض به"؛ لأنه إذا لم يقض بالحق لزم من ذلك الجور؛ لأن ما خالف الحق فهو جور، وعلى هذا فيكون قوله: "وجار في الحكم" من باب عطف التفسير لا عطف التباين فهذا في النار.
والثالث: "رجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار"، إنسان نصب نفسه قاضيًا بسبب هيئته وزيه فنصب نفسه قاضيًا لكنه أجهل من الحمار لا يعرف الحق فقضى بغير الحق، هذا في النار، وأيهما أعظم: الثاني أو الثالث؟ الثاني الذي عرف الحق ولم يقض به هذا أعظم- والعياذ بالله؛ لأن هذا من صنف المغضوب عليهم، والثالث من صنف الضالين، والمغضوب عليهم أقبح حالاً من الضالين.
وجوب الحذر من تولي القضاء:
١٣٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ولِّي القضاء؛ فقد ذبح بغير سكِّين". رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان.
أولاً: في إعراب هذا الحديث إشكال وهو أن الفعل مبني لما لم يسم فاعله ومع ذلك
стр. 3145
نصب ما بعده، فأين نائب الفاعل؟ ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو، والقضاء مفعول ثانٍ، يعني: من ولاه السلطان أو نائبه القضاء فقد ذبح بغير سكين والمذبوح بغير سكين لا شك أنه سوف يكون عليه مشقة في الذبح لكنه لا يعني أنه يكون ميتة نجسًا؛ لأن المذبوح إذا ذبح على وجه صحيح فإنه يكون طاهرًا مذكى حلالاً، لكن يحصل عليه مشقة حيث ذبح بغير سكين مثل أن يذبح بخشبة أو حجر أو عظم أو غير ذلك. وجه المشابهة: أن المذبوح بغير سكين يتألم، والقاضي أيضًا يتألم أولاً: في طلبه معرفة الحق من الكتاب والسنة؛ لأن عليه أن يبحث وينظر في دلالة الكتاب والسُّنة على هذه القضية المعينة، ثانيًا: في تطبيق هذا على القضية المعينة، ثالثًا: في معرفة حال الخصوم؛ لأن من الخصوم من يظهر على خصومته الكذب ويعرفها الحاكم بفراسته.
فلهذه المقدمات الثلاث صار الحاكم أو القاضي كالمذبوح بغير سكين من أجل المشقة، ولكن الرسول ﷺ لم يقل: إن الذبيحة ستكون حلالاً أو حرامًا، بل ظاهر الحديث أنها تكون حلالاً، فإذا اجتهد في هذه المقدمات الثلاث وحكم فإن حكمه صحيح نافذ وليس عليه في ذلك إثم.
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: الحذر من القضاء أو التحذير من القضاء، ولكن هذا ما لم يتعين عليه، فإن تعين عليه بحيث لا يوجد أحد أفضل منه فإنه يجب عليه أن يتعين وأن يكون قاضيًا لئلا تضيع حقوق الناس، إذ إن الحقوق سوف تضيع إذا لم يكن هناك حاكم، ولهذا قال الله تعالى لداود: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم﴾. ولأن الناس إذا لم يجدوا حاكمًا يحكم بالشرع ذهبوا إلى حاكم يحكم بغير الشرع؛ إذ إن الناس لابد لهم من حل مشاكلهم بأي طريق، فلا يحل لإنسان هو أهل للقضاء ولا يوجد من يقوم مقامه أن يعتذر، أو يقول: القضاء مشقة، والناس اختلفوا والحقوق صعبة وغير ذلك، نقول استعن بالله، وأنت إذا استعنت بالله ثم بذلت الجهد فإن أخطأت فلك أجر واحد وإن أصبت فلك أجران، إذن لا نحذر من القضاء مطلقًا، ولا نرغب فيه مطلقًا، بل لابد من التفصيل.
تبعات الإمارة:
١٣٢٩ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة". رواه البخاريُّ.
"إنكم" الخطاب للأمة جميعًا، "ستحرصون" أي: سيكون منكم حرص على الإمارة، أي:
стр. 3146
على أن يكون أحدكم أميرًا، وهذا في الغالب من طبيعة الإنسان يحب أن يكون له سلطة على الناس سواء بحق أو بغير حق، الحرص على الإمارة ستكون ندامة يوم القيامة، لكن هذا اللفظ المطلق مقيد بما إذا لم يقم بحقها، فإن قام بحقها لم تكن ندامة بل كانت نعمة؛ لأن الذي يكون أميرًا ينفذ أحكام الله في عباده لا شك أنه مأجور على هذا، والمأجور لا يمكن أن يندم أبدًا، لكن هذا فيما إذا لم يقم بالإمارة، أو يقال: هذا فيمن كان حريصًا على الإمارة بدون سبب شرعي؛ لأن الحريص على الإمارة بدون سبب شرعي إنما حرص ليكون له السلطة والسيطرة، والإنسان الذي يتولى أمور الناس من أجل أن يكون له السلطة والسيطرة في الغالب أنه يتبع الهوى ولا يرجع حتى لو بين له الحق، وحينئذ تكون ندامة. وقولنا: "بغير سبب شرعي" علم منه أنه لو كان لسبب شرعي فإنه لا بأس به، مثل: أن يكون القائم على هذه البلدة أميرا لا خير فيه بل فيه شر، فيأتي إنسان ويحرص على أن يكون هو الأمير من أجل أن يزيل هذا الشر ويحلّ محله الخير، فهنا نقول: الرجل لم يحرص على الإمارة لمجرد السُّلطة ولكن لإصلاح الخلق.
فهذه النصوص المطلقة يجب أن تقيد بالقاعدة العظيمة العريضة، وهي: أن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المضار.
وقوله ﷺ "يوم القيامة" أي: يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، وسمي بذلك لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الناس يقومون كلهم لرب العالمين: ﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ [القمر: ٧]. ولا يكون خروجهم هذا في مهلة بل في لحظة، قال الله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة (١٣) فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، وقال: ﴿إن كانت إلاَّ صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣]. صيحة واحدة يصاح بهم: اخرجوا فيخرجون، ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلاَّ كنفس واحدة﴾ [لقمان: ٢٨]. لأن الله إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون مهما كان ومهما كان من الصعوبة.
الأمر الثاني في سبب تسمية هذا اليوم يوم القيامة: أنه يقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [عاقر: ٥١]. والأشهاد منهم الرسل، ومنهم العلماء، ومنهم هذه الأمة، فإنها يومئذ تشهد على من سبقها، ومنها الجوارح تشهد على نفس الرجل أو المرأة بما عملوا، ومنها الأرض: ﴿يومئذ تحدث أخبارهم (٤) بأن ربك أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥].
الأمر الثالث مما سمي يوم القيامة من أجله: أنه يقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿ونضع
стр. 3147
الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وكما أخبر النبي ﷺ أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء وذلك يوم القيامة، وهذا غاية العدل.
وقوله: "فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة"، نعمت المرضعة لأن الأمير الذي لا يريد إلا مجرد السلطة يتنعم بما وصل إليه من الهوى الذي كان يحبه ويهواه فيكون في نعيم، لكن بئست الفاطمة إذا قطع عنه هذا النعيم بانتقاله إلى الآخرة ووجد بدل النعيم البؤس فلهذا قال: "نعمت المرضعة وبئست الفاطمة".
في هذا الحديث فوائد: أولاً: مصداق قول الرسول ﷺ حين قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة»، وهل وقع ذلك؟ نعم وقع، وقتل الناس، وسفكت الدماء، واستحلت الأموال من أجل الوصول إلى الإمارة فظهر مصداق قول الرسول ﷺ : «إنكم ستحرصون على الإمارة».
ومن فوائده: التحذير من الحرص على الإمارة، وكنه مقيد لغير سبب الشرعي، أما إذا كان لسبب شرعي، وكان الإنسان يريد أن يكون أميراً ليقوم بالعدل أو ليقيم العدل الذي أمر الله به فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: "وستكون ندامة يوم القيامة"، وهو اليوم الآخر، والإيمان به أحد أركان الإيمان، ولا يمكن للإنسان أن يستقيم على ما يطلب إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر، ولهذا تجدون أن الله يقرن بين الإيمان به واليوم الآخر كثيراً.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من حرص على الإمارة ونعم بها وأترف بها وصار الناس يمتثلون أمره وينقادون له ويكرمونه ويعظمونه، ولكنها -أي: الإمارة- في حقه على نية سيئة، فيقال فيها: نعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ أمر في السفر إذا كانوا ثلاثة أن يؤمر أحدهم؟
قلنا: نعم، لكن هؤلاء الثلاثة لا يحرص أحدهم على الإمارة إلا إذا رأى من نفسه أنه خير أخويه فحينئذ لا بأس أن يحرص عليها، وأما إذا رأى أنه ليس فيها خير وقالوا: يا فلان، نحن نرى أنك أميرنا فله أن يمتنع، فإن كان هو أحسن القوم في الرأي والتدبير والحزم والديانة فإنه لا يحل له أن يعتذر في هذه الحال. ومن الأسف: أن الناس يعتذرون في هذه الحال يقول أحدهم: أنا لست بملزوم، غيري يكون أميراً: فنقول: سبحان الله! أنتم رفقة ثلاثة أو خمسة أو عشرة أو عشرون، لماذا لا تكون أميراً لهم؟ أحمد الله أنك أهل لها، كما أن بعض الناس الآن يتدافعون عن الإمامة في الصلاة يأتي ناس مثلاً في نزهة أو في سفر فإذا أقيمت الصلاة هذا
стр. 3148
يقول: تقدم أنت، والثاني يقول تقدم أنت حتى تنتهي إلى أسوئهم، وقد ذكر الإمام أحمد ﵀ في رسالة له في الصلاة أنه إذا أم القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال، يعني: في انحطاط وتأخر ونزول، لأنه يجب أن يولى الأمور من هو أحق الناس بها.
حكم الحاكم أو القاضي أو المفتي المجتهد:
١٣٣٠ - وعن عمر بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجره. متفق عليه.
"إذا حكم حاكم" هل المراد بذلك الذي يحكم بين الناس وهو قاض أو الحاكم بالشرع من قاض وغيره؟ الثاني؛ لأنه أعم؛ وإذا كان المعنى أعم واللفظ يحتمله فهو أولى من المعنى الخاص. إذن "إذا حكم الحاكم"، أي: من حكم بالشرع سواء بين الخصوم وهو القاضي أو للمستفتين وهو العالم.
وقوله: "فاجتهد ثم أصاب" قال بعض العلماء: إن في هذا تقديماً وتأخيراً؛ لأن الأصل أن الاجتهاد يسبق الحكم، وأن أصله: "إذا اجتهد الحاكم فحكم ثم أصاب" وهذا يسمونه: الترتيب الذكري؛ لأن الترتيب إما أن يكون معنوياً أو ذكرياً، ودائماً يستشهدون بقول الشاعر:
(إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد من بعد ذلك جده)
يعني: فهو السيد حقا، الشاهد: "ثم ساد أبوه ثم ساد جده، ومعلوم أن سيادة أبيه وجده في الغالب سابقة على سيادته، فلهذا قالوا: إن ذلك من باب الترتيب الذكري.
وعلى كل حال: البيت فيه منازعة ومناقشة، لكن الحديث الذي معنا هل نقول: إن هذا من باب التقديم والتأخير وإن الأصل إذا اجتهد الحاكم فحكم؟ نعم، هذا لا شك أنه محتمل، ويحتمل أن يكون المعنى: إذا حكم الحاكم فكان مجتهداً، فيكون التقدير: "كان" أي: فكان مجتهداً في حكمه، وحينئذ يبقى الترتيب كما هو، ويكون الاجتهاد هنا خبراً عما سبق الحكم.
وقوله: "اجتهد" فعل على وزن افتعل أي: بذل الجهد في الوصول إلى الحق، وهذا يحتاج أولاً: إلى معرفة الحكم الشرعي قبل كل شيء، فمن لم يعرف الحكم الشرعي لا يجوز له أن يجتهد؛ لأنه لو اجتهد وحكم سيكون حاكماً برأيه لا بالشرع، ويكون إن أصاب كالأعمى الذي عثر بخرزة السبحة يعني: من غير قصد، وهذا لا يجوز فلابد أن يبذل جهده في الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، هذه واحدة.
стр. 3149
وهناك اجتهاد آخر وهو: أن يجتهد في الواقعة وما يحيط بها، ثم يجتهد اجتهاداً ثالثاً في تطبيق الحكم الشرعي عليها؛ لأنه قد يفهم الواقعة ويتصورها تماماً لكن الحكم الشرعي لا ينطبق عليها إما لفوات شرط وإما لوجود مانع، فلابد من اجتهادات ثلاثة، بدون ذلك لا يحصل اجتهاد، وهذا لا شك أنه يحتاج إلى جهد، إن كان الإنسان قد أوسغ الله له في العلم فإن الوصول إلى الحكم الشرعي يكون عليه سهلاً.
لكن يبقى النظر في الواقعة، فقد يكون الإنسان عنده علم كثير من الشرع لكن أحوال الناس ومعرفتهم ومعرفة ألفاظهم ومدلولاتهم قد تكون صعبة عليه، الآن يوجد علماء لا يعرفون أحوال الناس لا يخالطونهم ولا يذهبون إلى أسواقهم ولا يعرفون شيئاً عن حياتهم، هؤلاء عندهم قصور في معرفة الواقع فلابد من ذلك.
الثالث: كيف نطبق الحكم الشرعي على هذا الواقع؟ لأننا قد نعرف الواقع لكن يكون هناك فوات شرط أو وجود مانع، بحيث لا ينطبق الحكم الشرعي على القضية الواقعة.
قال: "ثم أصاب" أي: أصاب الحق الذي هو الشرع، "فله أجران" أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته الحكم.
فإن قال قائل: الأجر على اجتهاده واضح؛ لأنه من عمله وكسبه، لكن إصابة الحق كيف يؤجر عليه؟
نقول: يؤجر عليها؛ لأن إصابته للحق دليل على أنه بذل جهداً واسعاً في طلب الحق، ولأن إصابته للحق تستلزم ظهور الحق للناس وبيانه، وينتفع به آخرون من بعده أو في عصره فصار له أجران: الأول: أجر الاجتهاد، وهذا واضح؛ لأنه من عمله، والثاني: إصابة الحق، وفيه شيء من الإشكال؛ لأن إصابة الحق ليست من عمله، لكن نقول: فيه أجر؛ أولاً: لأن إصابته للحق تدل على أن الرجل بذل جهداً وافياً، والغالب أن من اجتهد في الوصول إلى الحق بنية خالصة يوفق له، والثاني: أنه أيان الحق وأظهره وعرفه الناس، ويكون فيما بعد أسوة لمريد الحق؛ لذلك جعل الشارع له أجراً في ذلك.
قال: "وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" وهذه نعمة، أجران على الاجتهاد، لا يضيع الله أجر من أحسن عملاً، وأجر على الخطأ.
فإذا قال قائل: أفلا يكون عليه إثم لخطئه على الأجر والإثم ثم يتساقطان؟
الجواب: لا؛ لأن هذا مجتهد مريد للحق لكن لم يوفق له، وهذا الخطأ هل هو باختياره؟ لا، بل هو يظن أنه على صواب لكنه عند الله غير مصيب، هذا له أجر واحد والخطأ مغفور له، وهذه من نعمة الله .
стр. 3150
هذا حديث يدل على فوائده: أولاً: أنه يجب على الإنسان أنه يبذل الجهد في الحكم لينال الأجر، إما الأجرين وإما الأجر الواحد، وذلك مأخوذ من قوله: «فاجتهد».
ومن فوائد الحديث: أن المصيب واحد، ولا يمكن أن يصيب اثنان الحق في قولين مختلفين، وعليه فأي العبارتين أصح: لكل مجتهد نصيب، أو كل مجتهد مصيب؟ الأولى: لكل مجتهد مصيب صحيحة، لكن الثانية: كل مجتهد مصيب خاطئة، لكن لها وجه؛ لأنها صدرت من العلماء فلها وجه، فيكون توجيهها كالآتي: كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي بذل الجهد، وليس معنى ذلك أنه مصيب للحق؛ لأننا لو قلنا: إنه مصيب للحق لكان هذا في الحديث خطأ، فإن النبي ﷺ قسم المسلمين المجتهدين إلى مصيب ومخطئ، ولا يمكن أن نقول فيما قسمه الرسول ﷺ : إنه لا ينقسم إلا إلى قسم واحد.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا اجتهد فيما هو ولي عليه وأخطأ فلا شيء عليه ينبني على ذلك حكم الحاكم إذا تبين له أنه أخطأ فلا شيء عليه.
مثاله: لو أنه رفعت إليه قضية في المواريث كالمشركة -وهي معروفة عندكم- وهي امرأة هلكت عن زوج وأم وأخوين من أم وإخوة أشقاء، فالقسمة من ستة: للزوج النصف ثلاث وللأم السدس واحد وللأخوين من أم الثلث اثنان والإخوة الأشقاء لا شيء لهم.
دليل هذا قول النبي ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» ونحن ألحقنا الفرائض بأهلها ولم يبق شيء فيقال للإخوة الأشقاء: لا شيء لكم بما دل عليه الحديث، حكم هذا القاضي بالتشريك بين الأخوة الأشقاء والإخوة لأم وقال: الثلث بينكم أيها الإخوة بالسوية كميراث الإخوة من الأم، ثم إنه بعد أن حكم وأخذ أهل الحق حقهم واشتركوا في التركة حصلت قضية أخرى مشركة، فحكم بان الإخوة الأشقاء ليس له شيء بناء على أن الدليل تبين له أنه لا شيء للإخوة الأشقاء فهل عليه إثم حيث ضر الإخوة لأم في الحكم الأول؟ لا؛ لأنه حكم عن اجتهاد، هل يلزمه أن ينقض الحكم الأول؟ لا، لا يلزمه، الحكم الأول مضى، وكما قال أمير المؤمنين: -إن صح عنه- ذاك على ما قضينا، وذاك على ما نقضي، الحكم الأول ذهب وانتهى، والحكم الثاني حسب الاجتهاد، واجتهاده قد تغير، فليس عليه إثم لا في الأول ولا في الثاني؛ لأنه مجتهد، ونحن قلنا فيمن ولي عليه ليشمل القاضي كما مثلنا وكذلك المفتي.
стр. 3151
ولو أن رجلاً ليس حاكماً بل كان مفتيا ثم استفتى في مسألة من المسائل وأخطأ فيها لكن بعد أن بذل جهده ثم تبين له الخطأ فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى القوم ويقول: يا أيها الناس، إني أخطأت فاعدلوا عما أفتيت به فلا يلزمه؛ لأنه كان في الأول مجتهداً.
وكم من صحابي وردت عنه في المسألة الواحدة عدة أحكام، فابن عباس مثلاً ورد عنه في قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام مرة قال: لا شيء عليه هذا لغو، ومرة قال: يمين يكفرها، وتلا قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومرة قال: إنه طلاق -فيما أظن- واختلفت أقواله في هذه المسألة هل تظنون أن ابن عباس لما قال القول الأخير ذهب يطلب الناس الذين أفتاهم ويعلن قائلاً لهم: اتركوا ما أفتيتكم به؛ لأنه قد تبين لي أنه خطأ؟ لا، ما كان ليفعل ذلك أبداً وكذلك من بعده الأئمة، لكنه إذا تبين له الخطأ لا يجوز أن يصر على رأيه الأول؛ لأن بعض الناس -نسأل الله العافية- إذا قال قولاً ثم تبين له الخطأ يصعب عليه جدا جدا أن يرجع ويظن أنه في رجوعه نقص في قيمته بين الناس، ولكن هذا من الشيطان، وبرجوعه تزداد الثقة به بين الناس؛ لأنهم يعلمون أن الرجل يتبع الحق أينما كان ولا يضره هذا، إن النبي ﷺ كان إذا تبين له الحق رجع إليه، لما سأله سائل عن الشهادة هل تكفر الذنب؟ قال: «نعم» ثم انصرف الرجل فجاءه جبريل فقال له: إلا الدين، فدعا بالرجل وقال: «إلا الدين أخبرني بذلك جبريل آنفاً».
كل إنسان يجب أن يرجع إلى الحق، والرجوع إلى الحق فضيلة وليس رذيلة ولا مهانة، ونحن قلنا ولي عليها، ذكرنا الآن اثنين من الناس: القاضي والمفتي.
كذلك أيضاً ولي اليتيم أو الوصي، أحياناً يتصرف ولي اليتيم بما يراه أنه أحسن ثم يتبين الخطأ فهل يكون ضامناً؟ ولنفرض أنه فتحت مساهمة في أرض فشارك فيها هذا الولي -أعني: ولي اليتيم - بناء على أن الأراضي سوف ترتفع قيمها، ولكن الله أراد فانخفضت القيم هل نقول: إن هذا الولي يجب أن يضمن النقص؟ لا؛ لأنه مجتهد، وكذلك لو باع له شيئاً ثم تبين أنه أخطأ بعد أن بذل الجهد، ولنفرض أنه باع له سيارة بخمسين ألفاً؛ لأن هذا سعر السوق وقد اجتهد ورد إلى كل من يظن أنه يشتري السيارة وباعها، وفي أثناء اليوم تبين أن السيارة قد زادت قيمتها ضعفين هل يضمن؟ لا يضمن؛ لأنه كان مجتهداً وفي ذلك الوقت لم ير أحداً يزيد في الثمن، وعلى فقس.
стр. 3152
وهذا الحديث أصل في هذا الأمر، بمعنى: أن كل من تصرف بطريق شرعي مجتهداً فيه فلا ضمان عليه، حتى الطبيب إذا عالج المريض واجتهد وهو حاذق تماماً ثم أخفق فليس عليه شيء، إذا كان خطؤه في محل العلاج.
وما تقولون في الذي أفتى نفسه؟ مثلاً: أحد من البادية جاء إلى شخص وقال له: أعطني حبوباً فأعطاه حبوباً وقال آكل واحدة في الصباح وواحدة في السماء، وكانت هذه الحبوب تستوعب ثلاثة أيام، فقال الأعرابي: بدلاً من أخذها في ثلاثة أيام آخذها جميعاً لأجل أن أشفى اليوم، فأكلها جميعاً فكان حتفه، هلك، هل هذا مجتهد؟ لا، هذا من غير أهل الاجتهاد، ليس بطبيب، وعلى هذا يعتبر قائلاً نفسه، لكنه قتلها خطأ.
النهي عن الحكم حال الغضب:
١٣٣١ - وعن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان». متفق عليه.
"لا يحكم" بالسكون على أن (لا) ناهية، والرفع على أنها نافية، فأما على الوجه الأول فلا إشكال، وأما على الوجه الثاني -وهو النفي- فإن العلماء -علماء البلاغة- قالوا: إذا جاء النفي في موطن النهي فإنه يكون أوكد، كأن هذا الأمر أمر ثابت لابد منه يعني: أنه لا يمكن أن يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان، وعلى هذا فما جاء بصورة الخبر في موضع الطلب فإنه يكون أقوى مما لو جاء بلفظ الطلب، كأن هذا أمر مستقر يخبر عنه خبراً ولا يطلب طلباً ومثل ذلك العكس إذا جاء الطلب في موضع الخبر صار أقوى مثل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. هذه أبلغ من قوله: ونحن نحمل، لأن اللام هنا للأمر، كأنهم ألزموا أنفسهم بحمل الخطايا فهو أشد وأقوى من الوعد.
هنا: لا يحكم أو لا يحكم فإن النبي ﷺ نهى أن يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان، وجملة: "وهو غضبان" حالية من فاعل "يحكم" أي: والحال أنه غضبان، فما هو الغضب؟ الغضب حدة النبي ﷺ بحد هو أحسن الحدود قال: «إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور دمه»، ثم قال: «ألا ترى إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه» فهو جمرة يلقبها الشيطان يلقيها في قلب الإنسان ثم يغلي دمه حتى لا يستطيع أن يضبط نفسه وربما غاب غيبة كاملة لا يشعر بشيء إطلاقاً، لا يدري أهو في أرض أم في سماء.
стр. 3153
ففي هذا الحديث: نهى الحاكم أن يقضي بين اثنين وهو غضبان، لماذا؟ لأنه -أي: الغضب- يمنعه من تصور المسألة في أولها ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها، وهذا يؤثر في الحكم؛ لأنه سبق لنا أن الحكم لابد له من ثلاثة أمور: الأول: تصور القضية، والثاني: العلم بالشرع، والثالث: تطبيق الشرع على هذه القضية، والغضبان لا شك أنه لا يدرك واحدة من هذه لكننا نقول: الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
طرفان ووسط؛ الطرف الأول: أول الغضب الذي يدرك الإنسان فيه ما يتصوره ويدرك على تطبيق الأحكام الشرعية عليه فهذا لا يمنع من القضاء، يعني: له أن يقضي ولو كان غضباناً، بدليل أن النبي ﷺ قضى بين الزبير وخصمه وهو غضبان، لكنه غضب لا يمنعه من تصور القضية ولا من تطبيق الأحكام الشرعية عليها.
الطرف الثاني: غضب شديد لا يحس الإنسان فيه بنفسه ولا يدري أهو في أرض أو في سماء، فهذا لا عبرة بقوله ولا يقضي بين الناس، وهذا متفق عليه بين العلماء.
والثالث: الوسط الذي لا يملك نفسه، لكنه يدرك ويدري أنه في أرض أو في سماء، ولكن الغضب كأنه شيء يكرهه على أن يقول ما يقول أو يفعل ما يفعل، فهذا موضع خلاف بين العلماء في تنفيذ الأحكام التي تجري في مثل هذا، وأما القضاء فإنه لا يقضي.
فصار القاضي لا يقضي في حال الغضب المتوسط والغضب الشديد النهائي، أما الغضب اليسير فإنه لا بأس أن يقضي به، لأنه لا يكاد يخلو مجلس القاضي من ذلك، من الذي يأتي من الخصمين متعجباً؟ قل ذلك، ولهذا تجد أنه في مكان القضاء والحكم، تجد اللفظ والأصوات ترتفع وربما يحصل المشاتمة بين الخصوم فلابد أن يثير غضب القاضي، لكن الغضب اليسير الذي لا يمنعه من تصور المسألة ولا من العلم بالشيء ولا من تطبيق الشرع عليها هذا لا يضره.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: أنه ينبغي للحاكم أن يكون فارغ البال عند الحكم، أي: لا يتعلق باله بشيء سوى القضية التي بين يديه؛ لأن ذلك أقرب إلى إصابة الصواب.
ومنها: أنه لا يجوز أن يقضي في حال الغضب، والمراد به: الحال المتوسطة والحال الشديدة، ولكن لو خالف فحكم فهل ينفذ حكمه؟ قال العلماء: إن أصاب الحق في الحكم نفذ وإن لم يصب الحق لم ينفذ، وقال آخرون: لا ينفذ مطلقاً، ويجب إعادة القضية إذا برز عنه الغضب.
стр. 3154
أما حجة الأولين فقالوا: إن النهي عن القضاء في حال الغضب لئلا يخطئ في الحكم، فإذا أصاب فقد زالت العلة فينفذ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه إذا خالف فأصاب فالحكم نافذ ولا يحتاج إلى إعادة القضية.
وأما حجة الآخرين فقالوا: إن هذا عمل نهي عنه لذاته، والقاعدة الشرعية "أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا ينفذ"؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الغاضب حكم حكماً ليس عليه أمر الله ورسوله، بل فيه نهى الرسول ﷺ عن ذلك وحينئذ لا يكون نافذاً، ولكن القول الأول أقرب إلى القواعد وإلى ملاحظة المعنى، إنه إذا أصاب الحق نفذ الحكم وأنه أيسر للعامة؛ لأننا لو قلنا بعدم الحكم الأول ووجوب إعادة القضية ربما تحتاج إلى طول، ولاسيما في المدن الكبيرة التي تكثر فيها المحاكمات، فقد يمضي عليه سنة وسنتان وهو لم يصل إليه الدور وحينئذ تحصل مفاسد.
ومن فوائد الحديث: أن القاضي لا يحكم بين اثنين في حال تشويش فكره بغير غضب، مثل: أن يكون في هم شديد أو غم شديد أو اشتغال بمريض أو يكون هو نفسه مريضاً مرضاً لا يتصور معه القضية، وهذا القياس على الغضبان قياس جلي واضح؛ لأن العلة معلومة أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: «وهو غضبان»، فإن الغضب يمنع من تصور القضية واستحضار العلم وتصور تطبيق الأحكام الشرعية على هذه القضية، وعلى هذا فإذا جاء الخصوم إلى القاضي وقد اغتسل للجمعة وهو الآن يرتعد برداً فهل يحكم بين الخصوم في هذه الحال؟ لا يحكم؛ لأنه مشغول، الرجل الآن لا يمكن أن يتصور القضية أو الحكم على الوجه الذي ينبغي، فيقال: انصرفوا عنه حتى يزول ما به من ألم البرد، وكذلك الحر المزعج، لو كان هناك حرارة شديدة والخصوم طلبوا منه أن يقف لهم في حر الشمس في أشد القيظ، قالوا: لابد أن تقضي بيننا، لا تمش خطوة حتى تقضي بيننا وهو الآن حران وسط الشمس في أيام القيظ، فهنا له أن يصرفهم، ولا يقال: إن الرجل امتنع عن الحكم بين الناس وقد أمر أن يحكم بين الناس؛ لأنه هنا يكون معذوراً.
стр. 3155
ومن فوائد الحديث: حماية الأموال والأعراض والأبدان؛ لأن هذا النهي من أجل ألا يخطئ الحاكم في حكمه، والخطأ في الحكم يعتبر جناية على الأموال والأبدان والأعراض، فمن أجل حمايتها نهى النبي ﷺ عن القضاء بهذه الحال وهو غضبان.
ثم هل النهي هنا للتحريم أو للكراهة؟ قال بعض العلماء: إنه للكراهة، وقال بعضهم: إنه للتحريم وهو الأصح؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأن هذا يؤدي إلى الخطأ في الحكم إذا حكم في هذه الحال فالصواب: أنه -أي النهي- للتحريم وأنه إذا خالف فأصاب الحق فالحكم نافذ.
لا يقضي القاضي حتى يسمع قول الخصمين:
١٣٣٢ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول، حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي، قال علي: فما زلت قاضياً بعد». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان.
- وله شاهد عند الحاكم: من حديث ابن عباس.
"وإذا تقاضى إليك رجلان" تقاضى أي طلبا أن تقضي بينهما، وقوله: «رجلان» بناء على الأغلب، وإلا فالمرأتان كالرجلين، والمرأة والرجل كالرجلين أيضاً.
وقوله: "فلا تقض للأول" وهو المدعي "حتى تسمع كلام الآخر"؛ لأنه من الممكن القريب أن يكون عند الآخر ما يدفع به دعوى هذا المدعي، ولولا أن عنده ما يدفع به دعوى المدعي ما تقاضى إلى القاضي مع خصمه.
وقوله: "حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي" يعني: إذا سمعت كلام الآخر فحينئذ تعرف كيف تقضي، ويتبين لك الأمر قال علي: "فما زلت قاضياً بعد" أي: بعد أن قال النبي ﷺ هذا الكلام وأخذت به ما زلت قاضياً؛ أي: قاضياً حقاً؛ لأن ليس كل قاض يكون قاضياً، لكن من عمل بما أرشد إليه النبي ﷺ بالقضاء فإنه يكون قاضياً، فقوله: "فما زلت قاضياً بعد" المعنى: أنني حين عملت بهذا ما زلت قاضياً حقاً؛ لأنه ليس كل قاضٍ يكون قاضياً.
ففي هذا الحديث: أنه لا يجوز أن يقضي لأحد الخصمين حتى يسمع الإنسان كلام الخصم الآخر.
следующие страницы →