Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ولو أن رجلاً ليس حاكماً بل كان مفتيا ثم استفتى في مسألة من المسائل وأخطأ فيها لكن بعد أن بذل جهده ثم تبين له الخطأ فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى القوم ويقول: يا أيها الناس، إني أخطأت فاعدلوا عما أفتيت به فلا يلزمه؛ لأنه كان في الأول مجتهداً.
وكم من صحابي وردت عنه في المسألة الواحدة عدة أحكام، فابن عباس مثلاً ورد عنه في قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام مرة قال: لا شيء عليه هذا لغو، ومرة قال: يمين يكفرها، وتلا قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومرة قال: إنه طلاق -فيما أظن- واختلفت أقواله في هذه المسألة هل تظنون أن ابن عباس لما قال القول الأخير ذهب يطلب الناس الذين أفتاهم ويعلن قائلاً لهم: اتركوا ما أفتيتكم به؛ لأنه قد تبين لي أنه خطأ؟ لا، ما كان ليفعل ذلك أبداً وكذلك من بعده الأئمة، لكنه إذا تبين له الخطأ لا يجوز أن يصر على رأيه الأول؛ لأن بعض الناس -نسأل الله العافية- إذا قال قولاً ثم تبين له الخطأ يصعب عليه جدا جدا أن يرجع ويظن أنه في رجوعه نقص في قيمته بين الناس، ولكن هذا من الشيطان، وبرجوعه تزداد الثقة به بين الناس؛ لأنهم يعلمون أن الرجل يتبع الحق أينما كان ولا يضره هذا، إن النبي ﷺ كان إذا تبين له الحق رجع إليه، لما سأله سائل عن الشهادة هل تكفر الذنب؟ قال: «نعم» ثم انصرف الرجل فجاءه جبريل فقال له: إلا الدين، فدعا بالرجل وقال: «إلا الدين أخبرني بذلك جبريل آنفاً».
كل إنسان يجب أن يرجع إلى الحق، والرجوع إلى الحق فضيلة وليس رذيلة ولا مهانة، ونحن قلنا ولي عليها، ذكرنا الآن اثنين من الناس: القاضي والمفتي.
كذلك أيضاً ولي اليتيم أو الوصي، أحياناً يتصرف ولي اليتيم بما يراه أنه أحسن ثم يتبين الخطأ فهل يكون ضامناً؟ ولنفرض أنه فتحت مساهمة في أرض فشارك فيها هذا الولي -أعني: ولي اليتيم - بناء على أن الأراضي سوف ترتفع قيمها، ولكن الله أراد فانخفضت القيم هل نقول: إن هذا الولي يجب أن يضمن النقص؟ لا؛ لأنه مجتهد، وكذلك لو باع له شيئاً ثم تبين أنه أخطأ بعد أن بذل الجهد، ولنفرض أنه باع له سيارة بخمسين ألفاً؛ لأن هذا سعر السوق وقد اجتهد ورد إلى كل من يظن أنه يشتري السيارة وباعها، وفي أثناء اليوم تبين أن السيارة قد زادت قيمتها ضعفين هل يضمن؟ لا يضمن؛ لأنه كان مجتهداً وفي ذلك الوقت لم ير أحداً يزيد في الثمن، وعلى فقس.
стр. 3152
وهذا الحديث أصل في هذا الأمر، بمعنى: أن كل من تصرف بطريق شرعي مجتهداً فيه فلا ضمان عليه، حتى الطبيب إذا عالج المريض واجتهد وهو حاذق تماماً ثم أخفق فليس عليه شيء، إذا كان خطؤه في محل العلاج.
وما تقولون في الذي أفتى نفسه؟ مثلاً: أحد من البادية جاء إلى شخص وقال له: أعطني حبوباً فأعطاه حبوباً وقال آكل واحدة في الصباح وواحدة في السماء، وكانت هذه الحبوب تستوعب ثلاثة أيام، فقال الأعرابي: بدلاً من أخذها في ثلاثة أيام آخذها جميعاً لأجل أن أشفى اليوم، فأكلها جميعاً فكان حتفه، هلك، هل هذا مجتهد؟ لا، هذا من غير أهل الاجتهاد، ليس بطبيب، وعلى هذا يعتبر قائلاً نفسه، لكنه قتلها خطأ.
النهي عن الحكم حال الغضب:
١٣٣١ - وعن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان». متفق عليه.
"لا يحكم" بالسكون على أن (لا) ناهية، والرفع على أنها نافية، فأما على الوجه الأول فلا إشكال، وأما على الوجه الثاني -وهو النفي- فإن العلماء -علماء البلاغة- قالوا: إذا جاء النفي في موطن النهي فإنه يكون أوكد، كأن هذا الأمر أمر ثابت لابد منه يعني: أنه لا يمكن أن يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان، وعلى هذا فما جاء بصورة الخبر في موضع الطلب فإنه يكون أقوى مما لو جاء بلفظ الطلب، كأن هذا أمر مستقر يخبر عنه خبراً ولا يطلب طلباً ومثل ذلك العكس إذا جاء الطلب في موضع الخبر صار أقوى مثل قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. هذه أبلغ من قوله: ونحن نحمل، لأن اللام هنا للأمر، كأنهم ألزموا أنفسهم بحمل الخطايا فهو أشد وأقوى من الوعد.
هنا: لا يحكم أو لا يحكم فإن النبي ﷺ نهى أن يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان، وجملة: "وهو غضبان" حالية من فاعل "يحكم" أي: والحال أنه غضبان، فما هو الغضب؟ الغضب حدة النبي ﷺ بحد هو أحسن الحدود قال: «إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور دمه»، ثم قال: «ألا ترى إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه» فهو جمرة يلقبها الشيطان يلقيها في قلب الإنسان ثم يغلي دمه حتى لا يستطيع أن يضبط نفسه وربما غاب غيبة كاملة لا يشعر بشيء إطلاقاً، لا يدري أهو في أرض أم في سماء.
стр. 3153
ففي هذا الحديث: نهى الحاكم أن يقضي بين اثنين وهو غضبان، لماذا؟ لأنه -أي: الغضب- يمنعه من تصور المسألة في أولها ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها، وهذا يؤثر في الحكم؛ لأنه سبق لنا أن الحكم لابد له من ثلاثة أمور: الأول: تصور القضية، والثاني: العلم بالشرع، والثالث: تطبيق الشرع على هذه القضية، والغضبان لا شك أنه لا يدرك واحدة من هذه لكننا نقول: الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
طرفان ووسط؛ الطرف الأول: أول الغضب الذي يدرك الإنسان فيه ما يتصوره ويدرك على تطبيق الأحكام الشرعية عليه فهذا لا يمنع من القضاء، يعني: له أن يقضي ولو كان غضباناً، بدليل أن النبي ﷺ قضى بين الزبير وخصمه وهو غضبان، لكنه غضب لا يمنعه من تصور القضية ولا من تطبيق الأحكام الشرعية عليها.
الطرف الثاني: غضب شديد لا يحس الإنسان فيه بنفسه ولا يدري أهو في أرض أو في سماء، فهذا لا عبرة بقوله ولا يقضي بين الناس، وهذا متفق عليه بين العلماء.
والثالث: الوسط الذي لا يملك نفسه، لكنه يدرك ويدري أنه في أرض أو في سماء، ولكن الغضب كأنه شيء يكرهه على أن يقول ما يقول أو يفعل ما يفعل، فهذا موضع خلاف بين العلماء في تنفيذ الأحكام التي تجري في مثل هذا، وأما القضاء فإنه لا يقضي.
فصار القاضي لا يقضي في حال الغضب المتوسط والغضب الشديد النهائي، أما الغضب اليسير فإنه لا بأس أن يقضي به، لأنه لا يكاد يخلو مجلس القاضي من ذلك، من الذي يأتي من الخصمين متعجباً؟ قل ذلك، ولهذا تجد أنه في مكان القضاء والحكم، تجد اللفظ والأصوات ترتفع وربما يحصل المشاتمة بين الخصوم فلابد أن يثير غضب القاضي، لكن الغضب اليسير الذي لا يمنعه من تصور المسألة ولا من العلم بالشيء ولا من تطبيق الشرع عليها هذا لا يضره.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: أنه ينبغي للحاكم أن يكون فارغ البال عند الحكم، أي: لا يتعلق باله بشيء سوى القضية التي بين يديه؛ لأن ذلك أقرب إلى إصابة الصواب.
ومنها: أنه لا يجوز أن يقضي في حال الغضب، والمراد به: الحال المتوسطة والحال الشديدة، ولكن لو خالف فحكم فهل ينفذ حكمه؟ قال العلماء: إن أصاب الحق في الحكم نفذ وإن لم يصب الحق لم ينفذ، وقال آخرون: لا ينفذ مطلقاً، ويجب إعادة القضية إذا برز عنه الغضب.
стр. 3154
أما حجة الأولين فقالوا: إن النهي عن القضاء في حال الغضب لئلا يخطئ في الحكم، فإذا أصاب فقد زالت العلة فينفذ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه إذا خالف فأصاب فالحكم نافذ ولا يحتاج إلى إعادة القضية.
وأما حجة الآخرين فقالوا: إن هذا عمل نهي عنه لذاته، والقاعدة الشرعية "أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا ينفذ"؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الغاضب حكم حكماً ليس عليه أمر الله ورسوله، بل فيه نهى الرسول ﷺ عن ذلك وحينئذ لا يكون نافذاً، ولكن القول الأول أقرب إلى القواعد وإلى ملاحظة المعنى، إنه إذا أصاب الحق نفذ الحكم وأنه أيسر للعامة؛ لأننا لو قلنا بعدم الحكم الأول ووجوب إعادة القضية ربما تحتاج إلى طول، ولاسيما في المدن الكبيرة التي تكثر فيها المحاكمات، فقد يمضي عليه سنة وسنتان وهو لم يصل إليه الدور وحينئذ تحصل مفاسد.
ومن فوائد الحديث: أن القاضي لا يحكم بين اثنين في حال تشويش فكره بغير غضب، مثل: أن يكون في هم شديد أو غم شديد أو اشتغال بمريض أو يكون هو نفسه مريضاً مرضاً لا يتصور معه القضية، وهذا القياس على الغضبان قياس جلي واضح؛ لأن العلة معلومة أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: «وهو غضبان»، فإن الغضب يمنع من تصور القضية واستحضار العلم وتصور تطبيق الأحكام الشرعية على هذه القضية، وعلى هذا فإذا جاء الخصوم إلى القاضي وقد اغتسل للجمعة وهو الآن يرتعد برداً فهل يحكم بين الخصوم في هذه الحال؟ لا يحكم؛ لأنه مشغول، الرجل الآن لا يمكن أن يتصور القضية أو الحكم على الوجه الذي ينبغي، فيقال: انصرفوا عنه حتى يزول ما به من ألم البرد، وكذلك الحر المزعج، لو كان هناك حرارة شديدة والخصوم طلبوا منه أن يقف لهم في حر الشمس في أشد القيظ، قالوا: لابد أن تقضي بيننا، لا تمش خطوة حتى تقضي بيننا وهو الآن حران وسط الشمس في أيام القيظ، فهنا له أن يصرفهم، ولا يقال: إن الرجل امتنع عن الحكم بين الناس وقد أمر أن يحكم بين الناس؛ لأنه هنا يكون معذوراً.
стр. 3155
ومن فوائد الحديث: حماية الأموال والأعراض والأبدان؛ لأن هذا النهي من أجل ألا يخطئ الحاكم في حكمه، والخطأ في الحكم يعتبر جناية على الأموال والأبدان والأعراض، فمن أجل حمايتها نهى النبي ﷺ عن القضاء بهذه الحال وهو غضبان.
ثم هل النهي هنا للتحريم أو للكراهة؟ قال بعض العلماء: إنه للكراهة، وقال بعضهم: إنه للتحريم وهو الأصح؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأن هذا يؤدي إلى الخطأ في الحكم إذا حكم في هذه الحال فالصواب: أنه -أي النهي- للتحريم وأنه إذا خالف فأصاب الحق فالحكم نافذ.
لا يقضي القاضي حتى يسمع قول الخصمين:
١٣٣٢ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول، حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي، قال علي: فما زلت قاضياً بعد». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان.
- وله شاهد عند الحاكم: من حديث ابن عباس.
"وإذا تقاضى إليك رجلان" تقاضى أي طلبا أن تقضي بينهما، وقوله: «رجلان» بناء على الأغلب، وإلا فالمرأتان كالرجلين، والمرأة والرجل كالرجلين أيضاً.
وقوله: "فلا تقض للأول" وهو المدعي "حتى تسمع كلام الآخر"؛ لأنه من الممكن القريب أن يكون عند الآخر ما يدفع به دعوى هذا المدعي، ولولا أن عنده ما يدفع به دعوى المدعي ما تقاضى إلى القاضي مع خصمه.
وقوله: "حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي" يعني: إذا سمعت كلام الآخر فحينئذ تعرف كيف تقضي، ويتبين لك الأمر قال علي: "فما زلت قاضياً بعد" أي: بعد أن قال النبي ﷺ هذا الكلام وأخذت به ما زلت قاضياً؛ أي: قاضياً حقاً؛ لأن ليس كل قاض يكون قاضياً، لكن من عمل بما أرشد إليه النبي ﷺ بالقضاء فإنه يكون قاضياً، فقوله: "فما زلت قاضياً بعد" المعنى: أنني حين عملت بهذا ما زلت قاضياً حقاً؛ لأنه ليس كل قاضٍ يكون قاضياً.
ففي هذا الحديث: أنه لا يجوز أن يقضي لأحد الخصمين حتى يسمع الإنسان كلام الخصم الآخر.
стр. 3156
وفيه أيضاً وهو من الفوائد: أنه لا يجوز القضاء على الغالب؛ لأنه إذا نهى عن القضاء بين اثنين قبل أن يدلي الثاني بحجته مع حضوره فمع غيبته من باب أولى.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لهند بنت عتبة التي شكت إليه بقولها: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وبنيها، أليس أذن لها أن تأخذ من ماله بغير ماله؟
الجواب: بلى، ولكن هذا قال العلماء: إنه ليس قضاء، ولهذا لم يسأل الرسول ﷺ زوجها حتى يعرف هل عنده ما يدفع هذه الدعوى أو لا؟ فهو من باب الفتوى.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يجب أن يكون سامعاً للدعوى، فلا تكفي الإشارة فيمن يمكنه النطق؛ لأن الإشارة إنما هي دلالة فقط على ما في قلب العبد، لكن اللسان هو الذي يعبر عما في قلبه تعبيراً صحيحاً، ولهذا قال: "حتى تسمع".
فإن قال قائل: إذا كان أحدهما أخرس لن يسمع حجته؟
قلنا: يمكن بالكتابة، فإن كان لا يحسن الكتابة فبالإشارة، فإن كانت الإشارة لا تفهم فبالوكالة، يوكل من يحاج عنه؛ لأنه لابد من أن نعرف ما عند الخصم.
ومن فوائد الحديث: حسن توجيه النبي ﷺ للقضاة الذين يحكمون بين الناس وأنك لا تسمع من جانب دون الآخر.
ومن فوائد الحديث: أننا لا نحكم على الشخص حتى نسمع كلام الخصم، يعني: لو سمعنا شخصاً يسب من يكرهه، أي: من يكرهه السامع فلا يجوز أم نأخذ بقوله حتى نعرف قول الطرف الآخر، ولهذا نجد بعض الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يأخذون الحكم على الناس وتصنيفهم كما يقال، يأخذون ذلك من قول الخصم سواء كان إيجابياً أو سلباً وهذا غلط؛ لأن النفوس مجبولة على محبة من تحب الدفاع عنه وعلى كراهة من تكرهه ورميه بالسب والشتم.
ويشبه هذا الذي أرشد إليه الرسول ﷺ ما حصل لداود ﵊، فقد ذكر الله تعالى قصته في صورة شيقة فقال: ﴿وهل آتاك نبؤا الخصم﴾ [ص: ٢١]. والاستفهام هنا للتشويق كأنه يشوق إلى استماع هذه القصة، ﴿إذا تسوروا المحراب﴾ [ص: ٢١]. تسوروا مع أن الخصم مفرد لكنه مفرد بمعنى الجمع، المحراب مكان الصلاة: ﴿إذ دحلوا على داود ففزع منهم﴾
стр. 3157
[ص: ٢٢]. كعادة الإنسان الذي يغلق بيته، فإذا بأناس يتسورون عليه الجدار؛ ألا يفزع؟ يفزع، لأنهم لا يدخلوا على الوجه السليم، ﴿قالوا لا تخف﴾ [ص: ٢٢]. يعني: لسنا سراقا ولا قاتلين، إنما نحن ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا نشطط واهدنا إلى سواء الصراط﴾ [ص: ٢٢]، ثم أدلى المدعي بحجته فقال: ﴿إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب﴾ [ص: ٢]، غلبني حتى أدركها ماذا قال داود ﵇ قال: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجة﴾ [ص: ٢٤]، فحكم له دون أن يسمع قولاً، وهذا لا شك أنه ليس الطريقة السوية، ولهذا عرف داود أن الله تعالى أختبره، قال تعالى: ﴿وظن داود﴾ [ص: ٢٤]. أي: أيقن؛ لأن الظن يأتي بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦]. وكما في قوله تعالى: ﴿وراء المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها -أي: أيقنوا ذلك- ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣]. ﴿وظن داود إنما فتنة فاستغفر ربه وخر راكعاً وأباب فغفرنا له ذلك﴾ [ص: ٣٥]. والنعجة هنا بمعنى: الشاة.
وأما القول بأنها زوجة أحد الجنود، وأن داود ﵇ سعى يكيد ويمكز -والعياذ بالله- حتى يتزوجها، وأمر هذا الجندي أن يذهب للجهاد لعله يقتل فيخلفه داود عليها، فهذا كذب، هذا من اليهود، ولا يجوز لأحد نقله بين العامة، حتى وإن قال: إنه علم، اللهم إلا أن يشتهر بين العامة ويتحدث عنه كذباً فهو لا بأس به، لكن شيئاً لا يطرأ على بال الناس فيقف يتحدث ثم ينقضه هذا وإن كان جيداً، لكن لاحظوا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان شيئاً بما يحدث به وإن كان في الأصل كذباً.
على كل حال: هذه القصة كذب، ومن اعتقدها فقد أساء إلى داود ﵊، إنما الذي حصل من داود: أنه حكم بمجرد سماع الخصم دون أن يأخذ قول الآخر، وهذا واضح من القصة.
قد يقال: إن هناك خطأ آخر وهو كونه يدخل يتعبد لله والعبادة الخاصة منفعتها له ويدع الحكم بين الناس وهو مما يتعلق به مصالح عامة الناس؛ ولهذا سلط عليه الخصوم حتى تسوروا عليه المحراب، هذا أيضاً ربما يكون فيه شيء من الخطأ يضاف إلى الأول، وحينئذ حصل ما حصل من الفتنة، ولكن الله تعالى رفعها عن داود حينما خر راكعاً وأناب.
والظاهر: أن معنى راكعاً: خر ساجداً لله ليتوب إلى الله فتاب الله عليه. هذه القصة إذا تصورها الإنسان على هذا الوجه عرف مدى قيمة الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ : «أنك لا تقضي بين اثنين حتى تسمع قول الآخر».
стр. 3158
حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له إذا كان باطلاً:
١٣٣٣ - وعن أم سلمة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار». متفق عليه.
من المعلوم أن الجملة هنا خبرية وأنها مؤكدة بـ (إن). فقد يقول قائل: لماذا تؤكد بـ (إن) وهي جملة ابتدائية ليست إنكارية حتى تحتاج إلى تأكيد؟ فيقال: إنها أكدت لما يأتي بعدها وهي قوله: "فمن قطعت له ... إلخ".
وقوله: "تختصمون إلي" قد يقول قائل: كان المتوقع أن يقول: تختصمون عندي، قلنا: إن معنى: رتختصمون" أي: ترغبون الخصومة إلي، ففي هذا الفعل تضمين، والتخاصم: هو تنازع الخصمين أيهما أحق.
"فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بع"، "لعل" هنا للتوقع؛ يعني: فيتوقع أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض يعني، أفصح لأن ألحن في الأصل، اللحن هو: الميل، ومنه لحن المتكلم في الإعراب، يقال: هذا لحن، لكن هنا من باب السلب، ألحن يعني: أبلغ حجة بحيث لا يكون في حجته ميل.
"فأقضي له على نحو ما أسمع منه" أي: أحكم له على نحو ما أسمع منه بناء على الظاهر؛ لأنه أفصح من ذاك وأقوى في الحجة وأشد تعبيراً وتأثيراً، فيقضي له ﵊ على نحو ما يسمع منه.
"فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار"، قوله: "من قطعت له من حق أخيه" يشمل الحقوق المالية والجنائية والشخصية وغيرها، "فإنما أقطع له قطعة من النار" على حد قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: ١٠]. لأن آكلي مال اليتامى يأكلونها بغير حق، وهذا الذي حكم له وهو مبطل يأخذه بغير حق فكأنما يأكل ناراً -والعياذ بالله-.
في هذا الحديث فوائد: منها: أن الخصومة واقعة في خير القرون، وأن هذا أمر لا يستغرب؛ لأن الصحابة كانوا يختصمون إلى رسول الله ﷺ ولكن هل هناك مرحلة قبل الوصول إلى الخصومة؟ الجواب: نعم وهو المصالحة، إذا أمكنت المصالحة فهي أطيب للقلب وأبعد
стр. 3159
عن العداوة والبغضاء وأسلم من شماتة الأعداء، فمتى أمكن الصلح فإنه لا ينبغي الترافع إلى الحاكم ولكن:
(وإن لم يكن إلا الأسنة مركب ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها)
إذا كان ولابد فلابد أن يختصم الناس.
ومن فوائد الحديث: أن الصحابة ﵃ لا يعدون في التخاصم إلى رسول الله ﷺ أحداً؛ يعني: لا يختصمون إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس، إنما تنتهي الخصومة إلى رسول الله ﷺ ، وإذا كان هو مرجع الأمة في الخصومة فورثته مرجع الأمة في الخصومة أيضاً وهم العلماء، ولهذا لابد أن يكون القاضي عالماً بالشريعة.
ومن فوائد الحديث: أن الناس يختلفون في التعبير عما في قلوبهم لقوله: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض"، وهذا شيء مشاهد، حتى مؤلفات العلماء تجد أن بينها فرقاً في الوضوح والانسياب والمعنى واحد، وإذا شئت فقارن بين أسلوب ابن القيم ﵀ في مؤلفاته، وأسلوب شيخه ﵀ تجد الفرق العظيم بينهما ولهذا قال بعضهم: ابن تيمية يطبخ، وابن القيم يقدم الطعام؛ لأن حقيقة الأمر أن كثيراً من كلام ابن القيم هو كلام شيخ الإسلام تماماً، لاسيما في مسائل العقائد، وكذلك أيضاً في مسائل الترجيحات عندما يتكلم على مسألة ويرجحها، لكن تجد الفرق، شيخ الإسلام كلامه جزل وفحل ولا يدركه إلا من تمرن عليه في الغالب، وقد يكون سهلاً، وأضرب لكم مثلا وإن كنا قد خرجنا [عن الشرح]: له كتاب "الرد على المنطقيين" وهذا صعب جدا، وله كتاب "نقد المنطق" أقل منه حجماً لكن أكثر منه فائدة؛ لأنه مرتب ومنسق، حتى إن طالب العلم المبتدئ يفهمه، والمؤلف واحد.
على كل حال: الناس يختلفون في التعبير عما في قلوبهم، منهم من يعبر بعبارة تكون سحراً: "إن من البيان لسحراً"، ومنهم من عنده في قلبه حجة قوية لكن لا يستطيع أن يعبر، ومن ذلك بعض الناس من إخواننا يقول: أنا أعرف الجواب بقلبي لكن لا أستطيع أن أنطق به بلساني.
стр. 3160
وعلى كل حال: هذا أمر معلوم، أن الناس يختلفون في قوة التعبير والتأثير.
ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب لقوله: «فأقضي له على نحو ما أسمع منه»، فلو كان يعل م الغيب لقضى بما يعلم لا بما يسمع لكنه لا يعلم الغيب.
حكم القاضي بعلمه وضوابطه:
ومن فوائد الحديث: أن القاضي لا يحكم بعلمه لقوله: "على نحو ما أسمع منه"، فهل يقضي بنحو ما رأى منه؟ يعني: لو رأى أن هذا الخصم ضرب خصمه؟ لا فرق، لكن يقال: إن رآه خارج الحكومة -يعني: ليس في مجلس الخصومة أو التحاكم - فلا يقضي به لأنه لو قضى به لكان هذا قضاء بعلمه وهو ممنوع، إذا ماذا يصنع؟
إذا كان يعلم أن الحق خلاف ما يظهر مما سمع، قال العلماء في مثل هذه الحال: يجب عليه أن يحولهما إلى قاض آخر ويكون هو شاهداً وبذلك يجمع بين المصلحتين، وهذا حق.
ومثله أيضاً "بما سمع" لو فرضنا أنه سمع خارج الخصومة فلا يمكن أن يحكم بما سمع خارج الخصومة، ولكن يحولهما إلى فاض آخر ويكون شاهداً، ولهذا قال: "تختصمون" وقال: "ما أسمع"، في أي وقت مما أسمع؟ في وقت الخصومة؛ لأن قال: "تختصمون إلي".
ولكن العلماء استثنوا من الحكم بالعلم مسألتين سبقتا: المسألة الأولى: ما كان عالماً به في مجلس الحكم، وهذا يدل عليه قوله: "على نحو ما أسمع"، لأن السمع طريق العلم، فما سمعه في مثل الحكم أو رآه في مثل الحكم لو فرض أن أحد الخصمين ضرب الثاني عند القاضي فيحكم به.
المسألة الثانية: إذا كان الأمر مشهورا، تحاكم إلي رجلان أحدهما يدعي أن البيت الذي فيه فلان والذي هو ساكن فيه من مدة طويلة والذي يعلم أنه بيته، ادعى أنه بيته، فههنا يحكم بعلمه.
لكن في الواقع توجد مسألة ثالثة: وهي علم القاضي بعدالة الشهود كافية لا يحتاج القاضي إلى أن يقول: شهد فلان ابن فلان بكذا وكذا، وشهد فلان وفلان بعدالته، ليس بلازم إلا إذا كان لا يعرفه فيذكر هذا لأجل ألا يكون هناك طعن في الشهود فيما بعد.
ومن فوائد الحديث: أن الواجب على القاضي أن يحكم بما سمعه حتى لو ظن أن الأمر بخلافه، لو ظن -وهو لم يعلم- أن الأمر بخلافه يجب أن يقضي بنحو ما سمع، ولو ظن أن الأمر على خلاف ما سمع بخلاف ما إذا علم فقد قلت لكم: إذا علم يحول إلى قاضٍ آخر ويشهد.
لكن هل أن يستظهر الحق بالتورية؟ نعم، له ذلك يعني: لو سمع شيئاً ولو حكم به لكان مخالفاً لما يظن، لكن أراد أن يستخرج الحق بالتورية، نقول: هذا جائز، ووقع من سليمان
стр. 3161
-﵊ في قصة المرأتين اللتين أخذ الذئب ولد إحداهما فحكم به داود للكبرى، ولكن سليمان دعا بالسكين وقال: أشقه بينكما نصفين، فقالت الصغرى: هو لها، وقالت الكبرى: شقه ليس عندي مانع، فقضى به للصغرى لوجود القرينة.
وهذه المسألة يوفق لها بعض القضاة: أي: استخراج الحق عن طريق الاستدراج، إذا علم أن الحق خلاف ما سمع، أما إذا لم يتبين له فيجب أن يقضي بنحو ما يسمع.
وحدثني ثقة عن بعض القضاة أن شخصين حصل بينهما عقد على مزارعة، يعني: يعطيه الأرض يزرعها بسهم، وقع العقد في أول الشتاء والأمطار قليلة، في مثل هذا يكون جزء مالك الأرض قليلا: لأن المزارع سوف يعمل كثيرا في السقي وغيره، المهم أنه تم العقد بينهما في أول الشتاء وكانت الأمطار قليلة وكان سهم المالك قليلا أراد الله فنزل المطر وارتفعت الأسهم فعاد المالك إلى هذا المزارع وقال له: يا فلان، يبقى نظر؛ لأنها طلبت مني بكذا وكذا، يعني: أتى واحد إلى صاحب الأرض وقال له: أنا أريد أن أزرعها بسهم أكثر مما تم العقد عليه فقال: يا فلان، هل لك نظر فيها، يعني: هل تزيد؟ قال: سبحان الله ألست قد عقدت معك؟ قال: لا ما عقدت، فقال: ألك شهود؟ قال: لا، بني وبينك الله، ما عندي شهود، قال: نحن نذهب إلى القاضي، فذهبا إلى أحد القضاة وجلسا عنده وكان ذا فراسة وعالما بأحوال الناس وعرف أن الصواب مع المزارع، فأدلى كل واحد منهما بحجته، وكان هذا القاضي يعرف أن هذه الأرض موقوفة، فقال القاضي للمزارع: يا فلان، هذا الرجل ناظر على الوقف، والناظر يجب عليه أن يتبع الأصلح، وما دام العقد الذي بينكما كان في زمن الرخص لم تنبت الأرض إلى الآن وزادت الأسهم فهو يريد الأفضل للوقف حتى لو تم العقد بينكما، يعني: هذا أمانة، يقوله لمن؟ لصاحب الأرض المالك: قال: صحيح يا شيخ جزاك الله خيرا قال: إذن الأرض للمزارع.
انظروا كيف استدرجه حتى أقر بأنه عقد، لكن زادت الأسهم فتراجع، المهم أن القضاء يحتاج إلى ذكاء وفراسة وفطنة كما شهد شاهد في قضية يوسف قال: ﴿قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]. فمثل هذه الأمور والقرائن ينبغي للقضاة وغير القضاة أن يدركوها حتى ينتفعوا بها.
ومن فوائد الحديث: أن قضاء القاضي لا يحل الحرام، وعلى هذا فيكون قضاء القاضي
стр. 3162
نافذا ظاهرا لا باطنا، الدليل: أنه ﷺ توعد من حكم له بأنه يقتطع له قطعة من النار، فلو أن إنسانا ادعى على شخص أنه زوجه ابنته وأنكر الرجل، ولي المرأة الذي هو أبوها أنكر فأتى هذا المدعي بشهود وشهدوا عند القاضي بأن العقد قد تم ماذا يحكم القاضي؟ بالظاهر، إنما يقضي بنحو ما يسمع، قضى بأن البنت زوجته فهل يكون وطؤه إياها حلالا؟ لا يكون زنا حتى وإن حكم له ظاهرا بأنها زوجته، ما موقف البنت هنا؟ ليس لها طريق إلا إما أن يعاد العقد من جديد على وجه صحيح وتنتهي المشكلة، وإما أن تحاول الابتعاد عنه ومنعه من الاستمتاع بها بقدر الإمكان، لأنها لا تحل لها.
هذا هو ما دل عليه الحديث بمعنى: أن حكم الحاكم لا يحل الحرام وأنه ينفذ ظاهرا لا باطنا، لا يقول القائل: أنا حكم لي القاضي وفي ذمته ...
ومن فوائد الحديث: عقوبة من أخذ مالا بغير حق، فهل يقال: إن كل من أخذ مالا بغير حق فإنما يأكل نارا؟ لا لكن إذا كان هناك سبب مثل أن يكون وليا على قصار لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، هذا يدخل في قوله: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾ [النساء: ١٠]. أو كان على شكل خصومة وخداع للقاضي؛ لأن هذه جناية عظيمة، خداع القضاة جناية عظيمة وفساد في المجتمع، فهذا يكون كمن يأخذ قطعة من النار، أما إذا كان مجرد ظلم فإنه لا يحكم له بذلك ما لم ترد الشريعة بهذا.
الاهتمام بإقامة العدل:
١٣٣٤ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «كيف تقدس أمة، لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟ ». رواه ابن حبان.
- وله شاهد: من حديث بريدة عند البزار، وآخر: من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه.
قوله: "كيف" استفهام بمعنى النفي، أي: لا تقدس أمة؛ أي: تطهر، تطهر من كل ما ينبغي التطهير منه: من الذنوب والحروب والبغضاء ... وغير ذلك؛ لأننا نقول: تطهر من كل ما ينبغي التطهر منه من الذنوب وعقوباتها.
стр. 3163
"لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم" الشديد هنا بمعنى القوي، ومنه قوله تعالى: ﴿أشداء على الكفار﴾ [الفتح: ٢٩]. أي: أقوياء، وقوله الله ﵎: ﴿وبنينا فوقكم سبعا شدادا﴾ [النبأ: ١٢]. أي: قوياً، يعني: لا يؤخذ من قويهم للضعيف، والقوة هنا ليست بالمال فقط، قد تكون بالمال فقط، قد تكون بالجاه، قد تكون بالقرب من الحاكم، المهم: أن له قوة على هذا الضعيف، فإذا كان الحق لا يؤخذ من القوي للضعيف فإن هذا إيذان بهلاك الأمة وعدم طهارتها.
ففي هذا الحديث: التحذير العظيم -تحذير الأمة- من ألا يؤخذ الحق من القوي للضعيف والعكس كذلك، يعني: لو أن الإنسان رحم الضعيف وهم يحكم له بغير الحق نفس الشيء، لكنه لما كان الغالب أن القوي هو الذي يؤخذ حقه والضعيف لا يؤخذ قال هكذا، وإلا فحتى الضعيف أليس الله يقول: ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا﴾ [النساء: ١٣٥]. لأن الإنسان قد يجور في الشهادة لغنى المشهود عليه أو لفقره.
فمن فوائد الحديث: تحذير الأمة من ألا يؤخذ الحق من الشديد للضعيف والعكس كذلك، لكن الأول هو الغالب.
ومن فوائد الحديث: وجوب العدل بين كل أحد لقوله: "لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم".
خطر القضاء وكبر مسئوليته:
١٣٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره». رواه ابن حيان وأخرجه البيهقي، ولفظه: "في تمرة".
"يدعى بالقاضي العادل" أي: يؤتى به، والقاضي: هو الحاكم بين الناس، والعادل: من لا يجوز في حكمه، و"يوم القيامة": هو الذي يقوم فيه الناس لله رب العالمين فيلقى هذا القاضي العادل الذي عدل في حكمه بحيث طبق حكمه على الشرع؛ لأن الشرع كله عدل وبحيث لم يمل مع أحد المتخاصمين، "فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره"، يعني: يحاسب على قضائه، وكيف حكمت لفلان، ولماذا لم تحكم لفلان؟ وكيف حكمت بالمال كله؟ ولماذا لم تحكم ببعضه؟ لاحتمال أن يكون قضى منه شيئا وما أشبه ذلك، وقوله: "ما يتمنى" التمني هو: أن يطلب الإنسان لنفسه ما في حصوله عسر أو تعذر.
стр. 3164
والرجاء: ما في حصوله قرب كلاهما تمن يعني: طلب نفسي، لكن إن كان متعلقا فيما يعسر فهو تمن، وإن كان فيما قرب حصوله فهو رجاء، أنه لم يقض بين اثنين في تمرة أو في عمره.
هذا الحديث فيه: التحذير من تولي القضاء.
وفيه أيضا: مصادمة لما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قال: «فيمن حكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر»، ومصادم أيضا للحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ قسم القضاة إلى ثلاثة أقسام.
وبناء على ذلك يكون هذا الحديث إما باطلا وإما شاذا شذوذا عظيما؛ لأننا لو أخذنا به لفر الناس كلهم من القضاء مع أن تولي القضاء فرض كفاية لا يمكن للناس أن يكونوا بلا فاض، ثم إنه مصادم للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن القاضي العادل ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وإن كان الحديث واردا في الإمام العادل، لكن قد يسمى القاضي إماما باعتبار أن يقتدى به، وقد لا يسمى فلا يستحق أن يظل في ظل الله، لكنه لا شك مأجور، وكيف يحاسب هذا الحساب الشديد الذي يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة واحد وهو عادل؟ هذا غير موافق لحكمة الله.
فالصواب: أن هذا الحديث باطل أو شاذ، المهم: أنه لا يصح عن النبي ﷺ وبناء على ذلك لا نحتاج أن نلتمس ما فيه من فوائد؛ لأن الجدار إذا انهدم لا يصخ أن يسقف عليه.
حكم ولاية المرأة أمور المسلمين العامة:
١٣٣٦ - وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». رواه البخاري.
الفلاح هو: حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، فقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١]. أي: قد حصلوا على مطلوبهم ونجوا من مرهوبهم، وهو قريب من معنى الفوز، و"قوم" نكرة في سياق النفي الذي هو النفي المستفاد من "لن"، فيعم كل قوم ولو أمرهم امرأة، وقوله: "ولوا أمرهم" أي: شأنهم وتدبير أمروهم سياسيا وعسكريا واجتماعيا وغير ذلك، والمرأة معروفة، و"امرأة" أيضا نكرة في سياق النفي فتعم أي امرأة حتى لو كانت أذكى بنات آدم في عهدها، فإن من ولاها لن يفلح، و"لن" للمستقبل فتعم جميع الزمن.
стр. 3165
وهذا الحديث له سبب، وهو أن النبي ﷺ بلغه أن الفرس ولوا ابنة كسرى غليهم فقال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أن المرأة لا يصح أن تكون لها ولاية عامة؛ لأن توليتها ولاية عامة يفضي إلى عدم الفلاح وإلى فساد الأمور.
ومن فوائد الحديث: بيان قصور المرأة في العقل والتدبير، وأنها لا تصح أن تشارك الرجال في مثل هذه الأمور العامة، أما أن تكون ولية في بيتها فلا بأس أو مدير ة لمدرسة بنات، فهذا كله لا بأس به، أما أن تتولى أمور الرجال فهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى عدم الفلاح.
ومن فوائد الحديث: أن النساء مهما بلغن في الذكاء والحنكة وغير ذلم فإن من ولاهن لن يفلح، ونأخذ هذا من كلمة "امرأة" التي هي نكرة في سياق النفي.
وهل هذا الحديث الذي قاله النبي ﷺ يشير إلى هؤلاء القوم الذين هم الفرس فيفهم منه كأنه قال: إنهم لما ولوا عليهم امرأة فلن يفلحوا أو أن النفي في الحديث يعم كل قضية على هذا النحو إلى يوم القيامة؟ الظاهر الثاني، ومن زعم أنه خاص بالفرس الذين ولوا أمرهم المرأة -فقال الرسول: «لن يفلحوا» يعني: هؤلاء القوم- يقال له: أولا: أنه لا يتعين أن يكون هذا المراد، ثانيا: لو فرضنا جدلا أنه المراد فإنه يقاس عليه ما أشبهه لوجود العلة في الفرع كما هي موجودة في الأصل؛ إذ لا فرق بين امرأة من فارس أو امرأة من العرب أو امرأة من بني إسرائيل، بل الكل واحد، الكلام على أن المرأة لا يصح أن تكو ولية على الرجال إطلاقا، ولهذا الإمامة الصغرى لا تجوز للمرأة، لا يجوز أن تكون إمامة للرجال حتى ولو كانت أقرأ القوم، لو وجد قوم من الرجال عوام وامرأة قارئة هل تقدم؟ لا، لو أدى الأمر إلى أن يصلوا فرادى ما قدمت المرأة إمام لهم أبدا، هذا في الإمامة الصغرى، إمامة حي، فكيف بالإمامة الكبرى؟ !
ومثل ذلك أيضا: أنه لا يصح أن تكون أميرة ولا وزيرة؛ لأن العلة واحدة لقصور عقل المرأة، ولأن المرأة سريعة العاطفة ولأن نظرها قريب، ولأنها تخدع، إلى غير ذلك ربما تكون ولية أمر سلطانة رئيسة فيأتيها شاب جميل من أحسن الشباب [ومع الكلام] تقول: ماذا تريد؟
[هذه] امرأة العزيز في قصة يوسف ماذا قالت؟ ﴿هيت لك﴾ [يوسف: ٢٣]. فلذلك لا يصح إطلاقا أن تكون المرأة في ولاية عامة للرجال، بل ولا خاصة كما قلت لكم، الولاية الخاصة كإمامة المرأة للرجال فإنها لا تصح.
стр. 3166
فإن قال قائل: هذا الحديث يعارضه الواقع؛ لأن الواقع أن هناك ملكات من النساء ورئيسات ووزيرات من النساء فما الجواب؟
الجواب من وجهين: أما الملكات فإنهن ملكات بلا ملك ليس لهن تدبير وإنما هو شيء ورثوه كابرا عن كابر وسموها ملكة وهي مسكينة لا تملك شيئا، هذا هو الواقع، وأما أن تكون رئيسة وزراء؛ فلأن لديها وزراء هم الذين يديرون في الواقع.
ثم يقال: لو فرضنا جدلا أنها تدير لكونها رئيسة لوزراء فإنهم لو تخلوا عنها وولوا أحدا من الرجال لكانوا أشد فلاحا.
إن قدر أنهم يفلحون يكونون بتولية الرجال أشد فلاحا؛ لأننا نحن نؤمن بكلام الرسول ﷺ ولا نؤمن بما يقولون: إنه واقع؛ لأن هذا الواقع عليه احتمالات وإيرادات فلا يصح أن يعارض كلاما محكما صدر من أصدق الخلق ﵊
أتى المؤلف بهذا الحديث في باب القضاء لنستفيد منه أنه لا يصح أن تتولى المرأة القضاء؛ لأننا لو وليناها القضاء لكنا ولينا أمرنا امرأة، فلا يجوز أن تتولى القضاء.
فإن قال قائل: لو حكمها نساء فيما بينهن، مثلا: تنازعت امرأتان وقالتا: الحكم بيننا فلانة، وذهبوا إليها وحكمت أينفذ حكمها؟ لا؛ لأنها غير صالحة للقضاء، والعلماء يقولون: ولو حكم اثنان رجلا صالحا للقضاء فلا ينفذ حكمه، لو أنها تعرف مسألة من باب الصلح وأصلحت فيصح؛ وذلك أن لأن الصلح عن تراض وليس شيئا لازما، فإذا أصلحت بين امرأتين فلا بأس ونقول: جزاها الله خيرا على إصلاحها بين المرأتين.
وهل يصح أن تكون مديرة على مدرسة؟ فيه تفصيل إن كانت المدرسة مدرسة نساء فلا بأس، وفلاح هذه المدرسة بقدر مديرتهم، وإن كانت على رجال فلا يصح؛ لأن عموم "أمرهم" يشمل الأمر العام والخاص.
التحذير من احتجاب الوالي عن حاجة المسلمين:
١٣٣٧ - وعن أبي مريم الأزدي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم؛ احتجب الله دون حاجته». أخرجه أبو داود، والترمذي.
قوله: "من ولاه شيئاً من أمور المسلمين"، "شيئا" نكرة في سياق الشرط فتكون عامة، فيشمل الشيء الكبير والشيء الصغير، "فاحتجب عن حاجتهم" يعني: فلم يقضها، سواء احتجب
стр. 3167
عن الأنظار أو لم يحتجب، ولكن منع لأن كلا احتجاب سواء احتجب عن الأنظار بأن جعل بينهم وبين الناس بابا، أو احتجب بالمنع، بأن كان جالسا على كرسيه لكن يمنع الناس أن يقربوا إليه فهذا محتجب في الواقع؛ لأنه لا يصل الناس إليه بحاجتهم.
وقوله: "عن حاجتهم" أي: حاجة المسلمين سواء كانوا أغنياء أم فقراء، وأما قوله و "فقيرهم" أي: فيما يحتاج إليه الفقير، وإنما نص عليه؛ لأن من الولاة من يحتجب عن الفقراء ولا يحتجب عن الأغنياء، كما هو عادة بني إسرائيل، فإنهم يقدمون الأغنياء والشرفاء، حتى إنهم لا يقيمون عليهم الحدود، وأما الفقراء ومن لا وجاهة له فيقام عليه الحد، العقوبة أن الله يحتجب دون حاجته فلا ييسر أمره ولا يقضي حاجته.
ففي هذا الحديث: وعيد على من احتجب عن حاجة المسلمين وفقرائهم وأمورهم إذا كان الله تعالى قد ولاه عليهم؛ لأن الله إذا ولاه عليهم، فهذا عهد وميثاق من الله أن يقوم بحاجتهم، ولولا أنه أهل لذلك لما ولاه على هذا، ولكن إذا احتجب لم يكن أهلا.
ففي هذا الحديث فوائده أولا: أن الإنسان مدبر لا يستقل بأمره، لقوله: «من ولاه الله»، ففيه رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ولا علاقة لله به، ولا يعلم الله من عمل العبد إلا ما أظهره فقط أما ما لم يظهر فلا شأن لله فيه، ولكن هذا الحديث يرد عليهم.
ومن فوائد الحديث: وجوب بروز الإنسان للمسلمين لقضاء حوائجهم إذا كان وليا عليهم، ودليل الوجوب الوعيد على الاحتجاب.
ولكن لو قال قائل: هل هذا الحديث يشمل كل وقت، بمعنى: لو جاء الناس إليه وهو في فراشة في ليلة باردة وقد أخذه الدفء ثم قرعوا عليه الباب وقالوا: اخرج؟ لا؛ لأنه لأنه يقال هنا: لم يحتجب عن حاجتهم؛ لأن الله يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولكن يجب أن يكون للولي، أوقات معلومة تكون مناسبة للناس يراجعونه فيها ثم بعد ذلك يحتجب لقضاء حاجاته أو يحتجب للاستعانة على قضاء حاجتهم؛ لأنه لو يبقى لا ينام ولا يأكل هلك ولم يقض حاجتهم.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما احتجب عن المسلمين احتجب الله دون حاجته.
ومن فوائده: التخصيص بعد التعميم، ولكن هذا لا يكون إلا لسبب، هنا التخصيص بعد التعميم في قوله: "عن حاجتهم عموما وفقيرهم خصوصا"، وإنما نص عليه؛ لأن من الولاة من لا يحتجب عن الأغنياء ويحتجب عن الفقراء.
المهم: أن لدينا قاعدة: لا يمكن أن ينص على خاص بعد عام إلا وهناك مزيد عناية
стр. 3168
لسبب، وهل يدخل في هذا القاضي؟ نعم يدخل، لا يجوز أن يحتجب عن حاجات المسلمين، لكن -كما قلت- يرتب أحوالهم، وهذا هو المعمول به الآن" جلسة القاضي من كذا إلى كذا معلومة، وكذلك غيره من الولاة كانوا قديما قبل أن تتطور الأمور ويكثر الناس وتكثر الحكومات، كان القاضي يقضي في أي وقت، حتى إنه يمشي في السوق بين الناس، ويجلس على دكان صاحبه ويقضي بين الناس على عتبة الدكان.
وجاء رجلان يختصمان إلى أحد القضاة وهو قد نام القيلولة فجعلوا يضربون الباب لكن الظاهر: أنهم من جنس الأعراب الذين ينادون من وراء الحجرات، فقرعوا الباب عليه حتى خرج عليهم فقال: كيف تأتون في هذا الوقت؟ قالوا: نعم أنت تأخذ كذا وكذا من صاع البر وكان مكافأة القضاة قديما أصواع قليلة من البر والتمر، فجعلوا يختصمون، كل واحد له حجة، قال لهم: يا جماعة، أكثرتم علي، أعطوني زبدة -وهي خلاصة الكلام- لكن الزبدة من اللبن خلاصة اللبن، ولا يمكن أن تأتي إلا بعد أن يخض في السقاء، فقالوا له: ما فيه زبدة إلا بخض؛ يعني: سوف نكثر القيل والقال والخصومة، فاستسلم لأمر الله.
فالحاصل: أنه إذا لم يكن هناك وقت مرتب للقاضي فإنه لا يحتجب عن الناس إلا في أمور ضرورية أو لمصلحة القضاء.
الرشوة والهدية للقاضي:
١٣٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم». رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان.
وله شاهد: من حديث عبد الله بن عمرو، عن الأربعة إلا النسائي؟
قوله: "لعن رسول الله" أي: دعا باللعنة عليه، ولعنة الله هي: طرد الملعون عن رحمة الله وإبعاده منها، فهي عقوبة عظيمة.
وقوله: "الراشي والمرتشي"، الراشي: دافع الرشوة، والمرتشي: آخذها، أما آخذ الرشوة فظاهر؛ لأنه أخذ ما لا يحل له، وأما الراشي فوجهه: أنه أعان على الإثم فكان له حكمه، أي: حكم الآخذ، وقوله: «في الحكم» أي: في القضاء.
стр. 3169
فمن هو الراشي الملعون؟ هو الذي يدفع الرشوة، ونسينا أن نقول: الرشوة: ما يقدم بين يدي الحكم ليتوصل به المعطي إلى مراده، مأخوذة من الرشاء، والرشاء: هو الحبل الذي ينزل إلى البئر ليفرع الماء منه، فهذه الرشوة من جنس الحبل الذي يكون في الدلو وينزل في البئر لأجل استخراج الماء منه، أما المرتشي فواضح.
ففي هذا الحديث: دليل على تحريم الرشوة في الحكم على الآخذ وعلى المعطي، لكن ما هي الرشوة المحرمة التي يلعن فاعلها؟ هي التي يريد الراشي بها أن يحكم له بالباطل إما بتحقيق دعواه وإما بتحقيق إنكاره، دعواه أن يقول: أنا أدعي على فلان بألف ريال فيعطي القاضي قبل الجلوس للخصومة، يعطيه عشرة ريالات لأجل أن يحكم له بدعواه.
والثاني: رشوة لإنكار ما يجب عليه، بأن يقول: فلان يدعي علي بكذا وكذا، فيعطي القاضي رشوة من أجل أن يحكم بإنكاره، وهذا شرط أن يكون بالباطل، بمعنى: أن يدفع عنه ما ادعي عليه أو يصدقه فيما أنكر مما ادعي عليه، هذه هي الرشوة المحرمة، أما إذا كانت الرشوة للوصول إلى حق فهذه حرام على الآخذ حلال للمعطي، لأن هذا المعطي لم يظلم أحدا، ولكن يدفع الظلم عن نفسه. فإذا وجدنا قاضيا نعلم أنه لم يحكم بالحق إلا برشوة، وجاء المحق فأعطى القاضي شيئا ليحكم له بالحق فهذا لا بأس به؛ لأنه هنا لم يبطل حقا لغيره ولم يثبت باطلا لنفسه فهو محق، ويكون الإثم على الآخذ، هكذا قال العلماء ﵏ وهو حق.
وهل يلحق بالحاكم من سواه ممن يتولى أمور الناس؟ الظاهر: نعم، أو الظاهر: نعم، إن نظرنا إلى هذا يتفق مع الرشوة في الحكم بأنه في تقديم الناس بعضهم على بعض، والظاهر: لا؛ لأن الرشوة في الحكم تؤدي إلى تغيير الحكم الشرعي بخلاف الحقوق الأخرى، وتغيير الحكم الشرعي ليس بالأمر الهين؛ لأنه ربما يقتدي بهذا القاضي، لاسيما إذا كان القاضي مشهورا بالعلم فربما يأتي قاض آخر ويحكم بهذه القضية بمثل ما حكم به القاضي الذي أخذ الرشوة، وحينئذ يكون فيه تغيير للشرع.
والظاهر لي: أن الرشوة في غير الحكم لا تدخل في اللعن، وذلك لأن الحاكم يسند هذا
стр. 3170
الحكم إلى الله ورسوله فيكون بهذا افتراء على الله ورسوله، أما مسألة الحقوق كما لو كان إنسان يستحق أن يوظف في هذا المكان ولكن غلقت الأبواب في وجهه وقيل له: ادفع شيئا من الرشوة للمسئول ويسهل أمرك وهو محق في هذا -له الحق في الوظيفة- فدفع شيئا، فهنا الإثم على الآخذ لا شك، ولكنه لا يستحق اللعنة كما يستحقها المرتشي في الحكم، وأما الدافع فلا شيء عليه؛ لأنه مطالب بحق.
وهذه مع الأسف -الرشوة- شاعت عند كثير من الدول كل يتضجر منها وكل يشكو منها، حتى إنه حدثني رجل عن شخص له حق دعوة ليس فيها إشكال، كلما جاء للمسئول قال له: انتظر انتظر، حتى بقي ستة أشهر وهو يتردد ويقال له: انتظر، فجاءه بعض الناس وقال له: أتريد أن تقضى حاجتك؟ قال: نعم. قال: أعطني مائتي ريال فقط، فأعطاه مائتي ريال وأعطاه القهوة، وأخذه للمسئول فقال: هات المعاملة فمشى المعاملة، ولما ذهب الرجل يصلي الظهر وجاء قال: تفضل هذه معاملتك، وهو يتردد ستة أشهر والأمر انتهى بمائتي ريال، وهذه مصيبة، يعني: ضاعت الحقوق -الآن- كلها لهذا السبب، يأتي إنسان مثلا: يتقدم في وظيفة قد سبقه من هو أحق بها منه ثم يعطي المسئولين شيئا من المال ويمشي، فيقدم على غيره، يمكن أن يكون قد تقدم لهذه الوظيفة قبله عشرون رجلا أو أكثر -نسأل الله العافية-.
والإنسان في الحقيقة يتعجب أن يقع هذا في عالم الإسلام مع أن الله أمر بالعدل وقال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]. ومع ذلك تحصل هذه الخيانة -والعياذ بالله-، ثم ربما يأتي هذا الموظف الكبير الذي بيده الوظائف ويولي من ليس أهلا وفي القوم المتقدمين من هو أحق منه في أهليته، وأي إنسان بولي أحدا من المسلمين وفيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، والمسألة كبيرة، نسأل الله الهداية للجميع.
تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس:
١٣٣٩ - وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم». رواه أبو داود، وصححه الحاكم.
الحديث فيه مقال، لكن لا شك أن من آداب القاضي الذي ينبغي للخصوم أن يتأدبوا بين
стр. 3171
يديه أن يكونوا أمامه بين يديه، قال أهل العلم ويجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه وفي لحظه، وفي الجلوس بين يديه، وفي كل شيء؛ لأن هذا من العدل الذي أمر الله به: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: ٩٠]. ولأنه لو جار على أحدهما لانقطعت حجة الآخر لانكسار قلبه واعتقاده أنه مهضوم ومظلوم فتضيع حجته.
ولكن أين يجلسان؟ هذا الحديث يدل على أنهما يجلسان بين يديه، وذلك من أجل أن يصوب إليهما النظر تصويباً كاملا؛ لأنه بالنظر إليهما قد يعرف بفراسته المحق من المبطل فإن كثيرا من الناس يعرفون المحق من المبطل بصفحات وجهه، فإن لم يكن ما بين يدي القاضي مكانا يتسع لذلك فلا بأس أن يكون أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال ولكن لو تنازعا أيهما يكون اليمين؟ فهل يقدم الأكبر أو الأعلم أو يضرب بينهما بالقرعة؟ الثالث، يعني: يقرع بينهما إن تنازعا؛ لأن أحدهما قد يكون يرغب في اليمين وينازعه الآخر، وهذا من تمام العدل، ثم قال:
* * *
١ - باب الشهادات
الشهادات: جمع شهادة، وهي إخبار الإنسان بما يعلمه من مرئي أو مسموع أو مذوق أو مشموم، يعني: الحواس الأربعة: السمع والبصر والشم والذوق، وربما نزيد الخامسة وهي اللمس، وقولنا: "بما يعلمه" يفيد أنه لا يمكن أن يشهد بالظن، لابد من العلم، وطرق العلم هي: الحواس.
هناك شيء يعلم بالاستفاضة، ولكن المعلوم بالاستفاضة لا يخرج عن هذه المدركات الخمس، يعني: يستفيض عند الناس كذا وكذا، مثلا قدمت لنا جنازة وقالوا: هذا فلان ابن فلان نشهد بأن فلانا قد مات بأي طريق؟ بالاستفاضة؛ إذ أن الإنسان ليس جالسا عنده حين احتضر وخروجه روحه، نشهد أنه فلان ابن فلان، وهل نحن عنده حين ولدت أمه على فراش أبيه؟ الجواب: لا، لكن نشهد بماذا؟ بالاستفاضة، نشهد أن فلانا أمير على البلد الفلاني فهل نحن شهدنا قرار السلطان بأنه أمير؟ لا، هذا يكون بالاستفاضة.
فإذن طرق العلم بالمشهود به تكون ستة: السمع، والبصر، والشم، والذوق واللمس، والاستفاضة.
النكاح مثلا: أتينا إلى محفل وقلنا: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج بنت فلان، هل نحن عنده عند العقد؟ الجواب: لا، لكن نشهد بالاستفاضة وهلم جرا، إذن لا يجوز أن يشهد بالظن ولو كان عنده قرائن قوية، ولكن هل يشهد بالقرائن؟ نعم يشهد بالقرائن مدركة بواحد من هذه الأمور السيئة فمتى أدرك الإنسان الشيء شهد به.
стр. 3172
وليعلم أن الشهادة تطلق على شيئين: تحمل وأداء، أما التحمل فإنه فرض كفاية قال الله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: إذا دعوا.
وأما الأداء ففرض عين، لقوله تعالى: ﴿ولا تكتمزا الشهادة ومن يكتمها فإنه أتم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]، إذا كان حضر القضية من حضر لكن هؤلاء الذين حضروا قد لا تقبل شهادتهم لفسقهم أو قرابتهم من المشهود له أو عداوتهم للمشهود عليه أو ما أشبه ذلك، فهل تكون الشهادة الآن فرض عين على الحاضر؟ الجواب: نعم، فإذا حضر من لا تقبل شهادته أو يحتمل أن يرد شهادته صار فرض عين على الآخرين.
والخلاصة: تحمل الشهادة فرض كفاية وأداؤها فرض عين، ثم هل الأولى أن يبادر الإنسان بالشهادة قبل أن يستشهد، أو الأولى ألا يشهد حتى يستشهد؟ يؤخذ هذا الحكم من الحديثين الآتيين.
خير الشهود الذي يشهد قبل أن يسأل:
١٣٤٠ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها». رواه مسلم.
"ألا" هذه أداة عرض، و"هلا" أداة تحضيض، والتحضيض عرض بحث، والعرض عرض بلا حث، والفائدة من قوله: "ألا أخبركم" يعني: من هذا العرض تنبيه السامع من أجل أن يحضر ذهنه ليسمع ما يقال، والخطاب في قوله: "ألا أخبركم" للحاضرين عند الرسول ﷺ .
وقوله: "بخير الشهداء" أي: أفضلهم، و"خير" أصلها: أخير؛ لأنها اسم تفضيل واسم التفضيل، على وزن أفعل، وبكن حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال فصار خيرا ومثله شر، تقول: شر الناس منزلة كذا وكذا، أي: أشر، لكن يقال في حذف الهمزة منها كما يقال في حذف الهمزة من خير، ومن ذلك أيضا: "الناس" قالوا: أصلها: الأناس، وحذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، و"الشهداء" جمع شهيد وهو الذي يشهد بأحد الطرق الستة التي ذكرناها.
ثم قال: "الذي يأتي للشهادة" "الذي" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي يأتي بالشهادة، "قبل أن يسألها" ولم يعين السائل، لأن السائل قد يكون الحاكم وقد يكون المشهود له، فلذلك أبهمه النبي ﷺ ، ولم يقل: قبل أن يسأله صاحب الحق، ولم يقل: قبل أن يسأله الحاكم أيضا، من أجل أن يشمل هذا وهذا، أما لو سأله من لا علاقة له بالقضية فلا عبرة بسؤاله.
стр. 3173
في هذا الحديث: دليل على تفاضل الشهداء، وأن منهم الخير، ومنهم من دون ذلك.
ومن فوائده: أن الذي يشهد قبل أن يسأل هو خير الشهداء، وصورة ذلك: أن يسمع الإنسان بخصومة بين زيد وعمرو وعنده شهادة لزيد على عمرو، فلما سمع بالخصومة ذهب إلى مكان القضاء وقال: عندي شهادة لزيد على عمرو، هذا شهد قبل أن يستشهد وقبل أن يسأل فهو خير الشهداء.
ولكن سيأتي حديث ظاهرة خلاف ذلك، وهو قوله في الحديث الآتي -حديث عمران بن حصين-: "يشهدون ولا يستشهدون"، وفي رواية: "يشهدون قبل أن يستشهدوا"، وسيأتي الكلام عليها بعد أن نتكلم على حديث عمران ونذكر الأوجه في الجمع.
خير القرون الثلاثة الأولى:
١٣٤١ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن خيركم قرني، ثم الذين بلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن». متفق عليه.
"إن خبركم" الخطاب للأمة عموما، وإن كان الذي أمامه هو الصحابة الموجودة في عهده، وقوله: "قرني" ما المراد بالقرن؟ ذكروا فيه أقوالا: الأول: أن القرن معتبر بالزمن واختلفوا فيه من عشر سنوات إلى مائة وعشرين سنة، يعني: بعضهم بقول القرن عشر سنوات، وبعضهم يقول: القرن مائة وعشرون سنة، ثم ما بينهم من عقود العشرات محل خلاف وهذا خلاف واسع.
في هذا الحديث: أن المراد به أهل القرن، فمتى يكون قرن الصحابة ثم التابعين ثم تابعيهم؟ يقول شيخ الإسلام: القرن معتبر بأكثر أهله، فإذا كان أكثر الموجودين من الصحابة فهذا قرن الرسول ﷺ ، وإن كانوا أقل وأكثره من التابعين فهذا قرن التابعين، وإذا كان انقرض أكثرهم وبقيت قلة مع تابعي التابعين فهذا قرن تابعي التابعين، وعلى هذا فالقرن والعصر على حد سواء وهذا أقرب، إذا خير الناس قرن الرسول، أي: الصحابة، وينقرض الفرن بموت أكثرهم، "ثم الذين يلونهم" وهو التابعون، "ثم الذين يلونهم" وهو تابعو التابعين، إذن ذكر ثلاثة قرون، "ثم يكون قوم"، "يكون" هنا تامة وعلى هذا فنعرب "قوم" على أنها فاعل، أي: يوجد.
"قوم يشهدون ولا يستشهدون"، "يشهدون" يؤدون الشهادة من غير أن يستشهدوا، وفي رواية أصرح من هذا: "يشهدون قبل أن يستشهدوا" يعني: قبل أن تطلب منهم الشهادة على خلاف في هذا المعنى.
стр. 3174
"ويخونون ولا يؤتمنون" أي: تظهر فيهم الخيانة والغدر والخديعة، "ولا يؤتمنون"، أي: لظهور خيانتهم لا يأتمنهم الناس.
"وينذرون ولا يوفون"، "ينذرون" بمعنى: يعاهدون، وهو شامل للمعاهدة بينهم وبين الله، والمعاهدة بينهم وبين الخلق.
ولا يوفون؛ لأنهم لا يهتمون بالعهود، "ويظهر فيهم السمن"؛ وذلك لانفتاح الدنيا عليهم، وكثرة أكلهم، وترفيه أبدانهم ولا يهتمون بحياة القلوب وسمن القلوب، وإنما يهتمون بالأجسام، فتجد الواحد منهم ليس له عن إلا كم وزنه، ممكن أن يزن نفسه في اليوم والليلة مرتين إذا أراد أن ينام وإذا استيقظ هكذا سمعنا عن بعضهم، سمعنا أيضا عن بعضهم أنه يزن نفسه كل أسبوع كأنه قطعة لحم يجلب نفسه على الناس، وهذا لا داعي له، أنت ما دام الله قد عافاك فأنت صحيح، اعمل في طاعة الله، وإذا سقمت، فمن مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما.
في هذا الحديث: دليل على فضل القرن الأول وهم الصحابة، والفضل هنا باعتبار الجنس والقرن لا باعتبار كل واحد، إذ أنه قد يوجد في التابعين من هو خير من الصحابة للأمة في علمه وتعليمه وجهاده وغير ذلك، لكن في الصحابة فضل لا يمكن أن يدركه أحد وهو الصحبة هذا الفضل المطلق في الصحبة لا يناله أحد، لكن الفضل باعتبار أنواع العبادات وأفعال العباد لا شك أنه يوجد من التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة.
وأضرب لكم مثلا: رجل جاء وافدا إلى الرسول ﷺ وبقي معه يوما أو يومين وأخذ منه ما شاء الله من الأحكام، ثم خرج إلى إبله وإلى أهله ومات ولم ينتفع الناس به، وآخر من التابعين نفع الله به الأمة بعلمه ونقله للحديث ودعوته للحق وجهاده في سبيل الله، أيهما أفضل كم حيث أنواع الأفعال؟ الثاني أفضل، لكن الأول يمتاز عليه بالصحبة التي لا يمكن أن ينالها إلا من صحب النبي ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أن التابعين أفضل من تابعي التابعين، والمراد أيضا: الجنس، يعني: جنس التابعين أفضل من جنس تابعي التابعين، وليس المراد: كل فرد من هؤلاء أفضل من كل فرد من هؤلاء؛ لأن في تابعي التابعين من هو أفضل من التابعين.
والتابعون لا يتميزون بصحبة حتى نقول: إننا لا يمكن أن نفضل من بعدهم عليهم مطلقا، بل هم مثل تابعي التابعين من حيث فقد الصحبة في كل منهما، لكن في الجملة وباعتبار الجنس: التابعون أفضل من تابعي التابعين، ثم الذين يلونهم وهم تابعو التابعين، ثم بعد ذلك تتغير الأحوال، تحدث شهادة الزور والخيانات والغدر؛ ولهذا قال: "ثم يكوم قوم يشهدون ولا يستشهدون".
стр. 3175
أيضا من فوائده: ذم من يشهد ولا يستشهد ولكن ما محط الذم هنا؟ اختلف العلماء ﵏ في هذا، فقيل: المعنى: أنهم يشهدون بدون أن يحملوا الشهادة، وهذا أقرب ما قيل في الحديث، بمعنى أن المراد بهم: شهداء زور، لأن هذا هو المناسب لأحوال من وصفوا من بعد، وبناء على ذلك نقول: لا معارضة بينه وبين الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول فيمن عنده شهادة الحق ولكن أداها قبل أن يسألها، وسيأتي التفصيل في هذا أيضا، وقيل: المراد بقوله: "يشهدون ولا يستشهدون" أي: أنهم يشهدون متسرعين في الشهادة لا لغرض صحيح ولكن للتسرع، وهذا لا شك أنه ذم كما هو واضح، إنسان لم يدع للشهادة يذهب ويشهد هذا لاشك أنه تسرع يخالف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من التأني والتثبت.
ومن فوائد الحديث: التحذير من شهادة الزور وإن كان الرسول ﷺ أخبر أن هذا سيقع.
ومن فوائده: أن الإخبار بالشيء لا يعني جوازه، فالرسول ﷺ أخبر بأن قوما يأتون يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف فهل إخباره بذلك إقرار أو تحذير؟ تحذير، وأخبر أن من هذه الأمة من يتبع سنن اليهود والنصارى، وهذا إخبار وليس بإقرار، بل هو تحذير، وأخبر أن الظعينة تمشي من صنعاء إلى عدن لا تخشى أحدا، وهذا أيضا إخبار لا إقرار، فلا يكون فيه دليل على جواز سفر المرأة بلا محرم.
المهم: أن ما أخبر به الرسول ﷺ وهو مما يخالف الحكم الشرعي فإنه لا يدل على أن الرسول أقره أو أباحه.
ومن فوائد الحديث: أنه يفسد الزمان أيضا بأن يظهر في الناس الخيانة، وقد أخبر النبي ﷺ عن ذلك أنها تنزع الأمانة حتى يقال القبيلة فيهم أمين، يعني: لا يكاد تجد الأمين في القبيلة الكاملة.
ومن فوائده أيضا: أنه يتغير الزمان بنقض العهد: "ينذرون ولا يوفون"، وكل هذه الأوصاف التي ذكرها الرسول ﷺ كلها مقام ذم وتحذير.
الحديث الأول حديث زيد إذا قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها؟ نقول: هذا فيه تفضيل، والتفضيل: أنه إذا كان المشهود له لا يعلم وجب عليه أن يشهد وإذا لم يسأل.
فإذا قال قائل: كيف يتصور أن المشهود له لا يعلم؟
قلنا: يتصور، لو سمع شخصا رجلا يقول لصاحبه: إن القرض الذي أعطيته لي الذي هو
стр. 3176
ألف درهم سوف أحضره بعد يوم أو يومين، ثم إن الذي أقر أنكر، وذاك الذي له الحق له يعلم بسماع هذا منه، فهذا نقول: إن هذا عنده شهادة لم يعلم بها صاحب الحق.
ويذكر في ترجمة المعري أنه كان رجلا قوي الحافظة، وأنه تخاصم رجلان فارسيان في المسجد يتنازعان [بلغتهم] في المسجد، وأنهما مع النزاع أقر أحدهما للآخر ثم أنكر، فارتفعا للحاكم، فقال الحاكم: هل عندك شهود -يقوله لصاحب الحق- قال: أين أقر لك؟ قال: في المسجد، قال: هل في المسجد أحد؟ قال: لا يوجد إلا رجل أعمى ولا أدري ما عنده، قال: أحضروه، فجاء فقال: أنا لا أدري ما يقولان، ولكن أنا أحكي لك كلامهما! ! هو عربي وهما عجم، فقال: احك وبدأ يرطن عليه وتبين الحق، فهذه إن صحت تدل على قوة الحافظة، يعني: ليس كلاما عربيا يفهمه الإنسان؛ لأن الكلام العربي تفهم المعنى، ويمكن أن تعبر عنه بلفظ مقابل أو باللفظ نفسه، لكن كلام غير غربي وهذا الرجل غير عربي هذا من العجائب إن صحت القصة، لكني قرأتها قديما في ترجمته.
على كل حال نقول: يمكن أن يشهد الإنسان بحق وهو لا يدري عن شهادته، نقول: الأفضل لمن شهد شهادة لا يعلم بها صاحب الحق أن يؤديها قبل أن يسأل، بل نقول: يجب أن يؤديها أو على الأقل يعلم صاحب الحق.
وأما القسم الثاني فإنه إذا كان عنده شهادة لشخص يعلمها فالأفضل ألا يتسرع حتى يسأل إما من قبل الخصم وإما من قبل الحاكم، وأما أن يتسرع، فهذا يدل على أنه رجل خفيف وأنه لا يتأنى في الأمور، وحمله بعض العلماء على أن المراد بذلك: الشهادة في حق الله، يعني بذلك: أهل الحسبة، فإنهم يشهدون على المنكر وإن لم يستشهدوا، ولكن الصحيح أنه عام، وأن المراد بذلك: من كان عنده شهادة وليس يعلمها صاحب الحق.
حكم شهادة الخائن والعدو والقانع:
١٣٤٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت». رواه أحمد وأبو داود.
"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة"، خائن في حق العباد أو في حق الله؟ الحديث عام، أما الخائن في حق العباد فهو الذي يخون أماناتهم من ودائع وعوار وأعيان مضمونة وغير ذلك، وأما في حق الله فهو الذي لا يقيم دينه، لأن دين الله مؤتمن عليه الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿إن عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها﴾ [الأحزاب: ٧٢].
стр. 3177
وقوله: "ولا ذي غمر"، وضبطه بعضهم: "غمر" لكن الأصوب غمر، والعمر هو الحقد والشحناء، وقوله: "على أخيه" يعني: أن شهادة من في قلبه حقد وشحناء لا تقبل على أخيه، وأما على غيره فتقبل، "ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت"، "القانع"، يعني: التابع لأهل البيت كما قال الله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال﴾ [النور: ٣١]، والمراد بهم: الخدم، وقوله: "لأهل البيت" يحتمل أن تكون متعلقة بـ"شهادة" أو ب"القانع"؟ إن قلنا: متعلقة بـ"القانع" صار المعنى: التابع لأهل البيت، وكلاهما صحيح؛ يعني: أن التابع لأهل البيت لا تجوز شهادته لهم.
ففي هذا الحديث: دليل على أن هؤلاء لا تجوز شهادتهم، وذلك أنه ينبغي أن نقول الشهادة لابد فيها من شروط ولابد فيها من الخلو من الموانع كغيرها من الأمور لا تتم إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، فنبدأ بالشروط.
الشرط الأول: أن يكون مسلما، فالكافر لا تقبل له شهادة، أما على المسلم فظاهر، وأما على كافر مثله فالصحيح أنها تقبل، لاسيما في الأماكن التي لا يوجد فيها أحد من المسلمين، وعلى هذا فأصحاب الشركات الكفار والعمال الكفار يجوز أن يشهد بعضهم على بعض وإن كانوا كفارا، لكن هل تجوز شهادة الكافر على المسلم للضرورة؟ يرى بعض العلماء أنها تجوز للضرورة ويرى بعضهم أنها لا تجوز إلا في شيء معين وهو الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، يعني: لو كان رجل مسافرا وليس معه إلا كفار وأوصى بوصية في السفر ثم عند المخاصمة من الورثة الذين أنكروا الوصية يقبل الحاكم شهادة الرجلين من غير المسلمين.
فالإمام أحمد في المشهور من مذهبه يقول: لا تجوز شهادة الكافر إلا في هذه الحال، ولابد أن يكون من أهل الكتاب.
والصحيح: أن شهادة الكافر عند الضرورة تجوز سواء في السفر أو غيره، وسواء كان الكافر من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب، فمثلا: لو فرضنا أن رجلا مريضا في المستشفى ويمرضه طبيبان من الكفار وأوصى عند موته بوصية ولم يحضره في المستشفى قبل موته إلا هذان الكافران وشهدا فإننا نقبل شهادتهما للضرورة، ولكن إذا ارتبنا فهناك عمل آخر.
الشرط الثاني: البلوغ، ولكن البلوغ شرط للأداء وليس شرطا للتحمل، وعلى هذا فلو تحمله وهو صغير وأدى للشهادة بعد البلوغ فإنها تقبل. وهذا يقع كثيرا تكون القضية لها سنة أو سنتان ويشهد بها بالغ كان حين الوقوع -وقوع القضية- ليس ببالغ، فالعبرة بالأداء.
стр. 3178
ولكن هل تقبل شهادة الصبي للضرورة؟ بمعنى: أن تكون قضية لم يشهدها إلا صبيان، وهذا يقع، صبيان يلهون في السوق فأخذ أحدهم حجرا وقذف به الآخر حتى شجه، فجاء أولياؤه يطالبون هذا الذي أخذ الحجر فشج صاحبهم، فقال أولياء الجاني: هل عندكم شهود؟ قالوا: كل الصبيان يشهدون، فهل تقبل شهادتهم؟ لا تقبل؛ لأنهم كلهم لم يبلغوا ولابد من البلوغ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فبعضهم قال: لا تقبل شهادتهم، وبعضهم قال: تقبل شهادتهم إذا لم يفارقوا محل الحادث؛ لأنهم إذا فارقوا محل الحادث ربما ينسون أو يلقنون، لكن طالما في محل الحادث تقبل لعدم التهمة، ومنهم من قال: العبرة بالضرورة، فمثلا: يوجد بالغ كما هو البالغ فإنها تقبل، لاسيما مع وجود القرائن، وهذا فيما أرى أنه راجع إلى رأي الحاكم، يعني: له أن يختار واحدا من هذه الأقوال الثلاثة، لكن إذا أجمع الصبيان على أن الجاني هو فلان فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف في وجوب العمل بهذه الشهادة.
الشرط الثالث: العقل، فإن كان مجنونا لم تقبل الشهادة، فإن تحمل وهو مجنون وأدى وهو عاقل لا تصح؛ لأن هذا لا يمكن، إذن فالعقل شرط للتحمل والأداء، ومما يلحق بالمجنون: الذي أصيب بعقله من جراء حادث أو غيره هذا أيضا لا تقبل شهادته، لأنه لن يضبطها.
الرابع: العدالة، بمعنى: أن يكون الشاهد عدلا، لقول الله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]. فأمر الله تعالى أن نشهد ذوي عدل، أي: صاحب عدل.
فمن ذوا العدل؟ قال العلماء: العدل من استقام دينه واستقامت مروءته، أو من استقام في دينه ومروءته، هذا العدل في الدين، قالوا: بأن يحافظ على الواجبات ولا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، فإن فعل كبيرة لم يتب منها أو أصر على صغيرة فإن شهادته لا تقبل؛ لأنه ليس بعدل.
وبناء على ذلك لا نقبل تحملا ولا أداء شهادة كل من يحلق لحيته، لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل شهادة كل من يدخن؛ لأنه مصر على صغيرة، ولا نقبل من اغتاب أحدا ممن لا يحل اغتيابه -ولو مرة واحدة- إذا لم يتب لا نقبل شهادته، ولو طبقنا هذا الشرط على عالمنا اليوم ما وجدنا أحدا يكون مستحقا للشهادة، حتى بعض الناس الذين هم على دين واستقامة لا يخلون من غيبة الناس، فلو طبقنا هذا الشرط ما وجدنا شاهدنا.
كذلك أيضا المروءة لابد أن يستقيم في مروءته، فلو فعل فعلا يخرجه عن المروءة ويشار إليه به ويستنكره الناس منه وإن كان حلالا فإنه ليس بعدل، وهذا مشكل، يعني: لو خرج واحد منكم -ممن تجري العامة بأنه لا يخلع غترته- خالعا غترته ماذا يكون؟ مخالفا للمروءة، وهذا في قوم يعتادون ستر رءوسهم بالغترة، أما من اعتاد كشف الرأس فهذا شيء آخر.
стр. 3179
كذلك لو خرج إنسان في السوق يمشي ومعه تفاحه بيمينه وبرتقالة بيساره يأكل باليمين مرة وباليسار مرة، هذا بكون خارما للمروءة من وجه فاعلا محرما بالأكل بالشمال.
من فوائد الحديث: أن الخيانة مانع من قبول الشهادة لقوله: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة"، ووجه ذلك: انتفاء العدالة؛ لأن الخيانة من أكبر الأسباب التي تزول بها العدالة، ومن شروط الشهادة: العدالة: ﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢].
ومن فوائد الحديث: التحذير من الخيانة؛ لأن رد شهادته من أعظم العقوبات؛ لأنه صار غير معتبر في المجتمع.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأحوال، وأنها مقدمة على مراعاة الأشخاص لقوله: "ولا ذي غمر على أخيه"، فإن هذا الرجل في نفسه ثقة، أعني: الشاهد على أخيه وبينهما عداوة، فإنه ثقة في نفسه لكن حاله تقتضي ألا تقبل شهادته عليه.
ومن فوائد الحديث: أن العداوة والبغضاء لا تنافي الأخوة الإيمانية لقوله: "على أخيه".
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل العداوة والبغضاء عن قلبه بين إخوانه؛ لأن قوله: "على أخيه" فيه نوع استعطاف لهذا الذي في قلبه حقد، فحاول أن تزيل العداوة والبغضاء والحقد عن قلبك بقدر ما تستطيع، واضغط على النفس؛ لأن النفس قد لا تقبل هذا، وقد ترى أن هذا انهزام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: ٣٥]، لكن حاول، [واعلم] أنك إذا قابلت السيئة بالحسنة فإن الذي بينك وبينه عداوة سيكون كأنه ولي حميم، وهذا وعد الله وليس مخلفا.
لا تقبل شهادة البدوي على صاحبه قرية:
١٣٤٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية». رواه أبو داود، وابن ماجه.
البدوى: ساكن البداية، وصاحب القرية: ساكن المدن، والقرية هنا ليست خاصة بالمدينة الصغيرة كما هو معروف من معناه عرفا، ولكنها تشمل المدن والبلاد الصغيرة، بدليل قول الله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك﴾ [محمد: ١٣]. والمراد بالقرية: أم القرى، وهي: مدينة عظيمة ومع ذلك سماها قرية؛ لأنها مأخوذة من الاجتماع، فيؤخذ منه: أن شهادة البدوي على صاحب القرية لا تقبل، ولكن هذا العموم مقيد بما إذا كان البدوي متهما بشهادته، وأما إذا كان عدلا غير مهتم فإنها تقبل لعموم الأدلة الدالة على قبوله.
стр. 3180
وعلم من هذا الحديث قبول شهادة البدوي، وهذا أيضا مقيد -أعني: قبول الشهادة- بما إذا لم يكن بينهما عداوة كالعداوة التي تكون بين القبائل في الغالب.
ومن فوائد الحديث: قبول شهادة صاحب القرية على صاحب القرية، وهل لابد أن يكون من قريته أو لو كان من قرية مجاورة؟ الثاني.
ومن فوائد الحديث: قبول شهادة صاحب القرية على البدوي، وهذا مأخوذ من المفهوم لا تجوز شهادة البدوي على صاحب القرية، فمفهومه: أن صاحب القرية على البدوي شهادته مقبولة، لكن كما قلنا: إن هذا مقيد بما إذا لم يكن هناك تهمة، فصار المدار كله في هذه الأشياء على التهمة، بمعنى: أن يكون الشاهد يجر إلى نفسه نفعا ولو بالتشفي من عدوه أو يدفع عنها ضررا.
العبرة في عدالة الشاهد بما يظهر:
١٣٤٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب فقال: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم». رواه البخاري.
عمر بن الخطاب يتكلم بهذا الكلام حين ولايته بدليل قوله: "وإنما نأخذكم ... إلخ". يقول: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي"، كأنه يشير ﵁ إلى بعض المنافقين الذين علمهم النبي ﷺ وأخبر بهم من أخبر من أصحابه مثل حذيفة بن اليمان صاحب السر، فإن الرسول ﷺ أعلمه بأسماء أناس بأعيانهم من المنافقين، يقول: "يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وهو وحي الله ، وإن الوحي قد انقطع بماذا؟ بموت الرسول ﷺ ، وعلى هذا فمن ادعى أن الله أوحى إليه شيئا بعد موت الرسول فهو كاذب؛ لأن الوحي انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم دون ما بطن؛ لأن ما بطن علمه عند الله، ولا يمكن أن يؤخذ الإنسان به.
ففي هذا الحديث فوائد: أولا: ثبوت علم الله بمن يخالف قلبه ما ظهر من جوارحه ولهذا يخبره الله عنهم.
ومن فوائده: أن الله تعالى قد يخبر نبيه ﷺ عن أناس ظواهرهم تخالف بواطنهم بالوحي.
ومن فوائد الحديث: أنه لا وحي بعد رسول الله ﷺ ، ولكن الرؤيا الصادقة إذا ظهرت القرائن على صدقها فإنه يؤخذ بها، لكن بشرط أن يكون هناك قرائن، ومثلوا لذلك بعمل أبي بكر بوصية ثابت بن قياس بن شماس، ثابت بن قيس بن شماس قتل في غزوة اليمانية ومر به
стр. 3181
أحد الجنود وأخذ درعه ووضعها بجانب العسكر ووضع عليها برمة، ورآه-أي: رأى ثابت بن قي بن شماس بعض أصحابه في المنام -فأخبره ثابت بأنه مر به أحد الجند وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة بجانب العسكر وحوله فرس تستن وكأنه يريد أن يأخذه، فلما أصبح الرجل وذهب إلى المكان وجد الأمر كما قال، وفي هذه الرؤيا أوصاه ثابت بأمور يعهد بها إلى أبي بكر ﵁، وسبب ذلك أنه وجد قرائن تدل على صدقه، فإذا وجدت قرائن تدل على صدق الرؤيا عمل بها؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.
ومثله ما ذكره ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه أشكل عليه بعض المسائل في الفقه والعلم، منها: أنه يقدم جنائز من أهل البدع لا تدري أمسلمون هم أم كفار؟ ! فرأى النبي ﷺ في المنام فأسله عن أشياء منها هذه المسألة فقال له: عليك بالشرط يا أحمد بمعنى: أن تشترط في الدعاء فتقول: اللهم إن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه، وله شاهد من الوحي في اليقظة، الشاهد ما جاء في آية اللعان في قوله تعالى: ﴿والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ [النور: ٧]. والمرأة تقول: ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور: ٩]. فهو دعاء مقيد بشرط، وكذلك في قصة الثلاثة أبرص والأقرع والأعمى، قال الملك لهم: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت عليه، فدل هذا على جواز الاستثناء في الدعاء، إذن فإذا قدم للإنسان شخص اشتهر عنه أنه لا يصلي -ومعلوم أن ترك الصلاة كفر، وأن من ثبت عندنا أنه لا يصلي ومات على ذلك -لا نصلي عليه؛ لأنه كافر ونكفره بعينه، ولا نستوحش من هذا؛ لأننا لو استوحشنا وقلنا: نفكر الفعل دون الفاعل فهذا خطأ لم يبق أحد كافرا، نكفره بعينه ونقول: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، فإذا قدم إليك رجل تشك فيه فلك أن تقول: اللهم إن كان مسلما فاغفر له وارحمه.
ومن فوائد هذا الأثر عن عمر: أن الواجب أخذ الناس بظواهرهم لقوله: "وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لها من أعمالكم"، ويؤيد هذا القول من أمير المؤمنين عمر أن النبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين حتى قيل له في قتلهم، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، وكذلك يشهد له قول النبي ﷺ : «إنما أنا بشر ملكم، وإنكم تختصون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع»، فنحن في هذه الدنيا لا نعامل الناس إلا على ظواهرهم، أما في الآخرة فالعمل على البواطن.
стр. 3182
وجه اتخاذ هذا الأثر في باب الشهادات: أن الأصل في المسلم هو العدالة وقبول الشهادة، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل الأصل في المسلم العدالة أو الأصل فيه عدم العدالة؟
في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إن الأصل إنه ليس بعدل فلا تقبل شهادته حتى تتبين لنا عدالته؛ لأن العدالة شرط وجودي فلابد من وجوده، اشترطه الله في قوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]. ومنهم من قال: إن الأصل في المسلم أن يكون قائما بطاعة الله ممتثلا بأمره والفسق طارئ عليه، فالأصل فيه العدالة والذي يظهر لي أن يقال: إن هذه المسألة تختلف باختلاف الناس، فمن لم يظهر منه سوء حملناه على العدالة وقبلنا شهادته، لكن للخصم المشهود عليه أن يطعن فيه ويجرحه، ثم يعطى مهلة لإقامة البينة على جرحه، فإن ثبتت فحينئذ ترد شهادته، وهذا الذي نقوله فيمن لم تظهر عدالته وتتبين لجميع الناس، وفيمن لم يظهر فسفه وانحرافه، أما من ظهرت عدالته وصار معروفا عند الناس فهذا لا إشكال في أن الأصل في العدالة، ولهذا لو طعن أحد في الإمام أحمد وقال: لا ندري هل هو عدل فنقبل روايته أم لا؟ لا حاجة لهذا، لا حاجة أن نطلب التعديل في مثل الإمام أحمد أو نحوه من العلماء الأئمة الثقات، ولو طعن إنسان في شخص معروف بالفسق والفجور لا حاجة إلى أن نقول: هات البينة؛ لأن هذا أمر واضح للناس كلها.
شهادة الزور:
١٣٤٥ - وعن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر». متفق عليه في حديث طويل.
الرسول ﷺ قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قالوا ليته سكت. فجعلها النبي ﷺ من أكبر الكبائر، فما هي شهادة الزور؟ الزور مأخوذ من الازورار وهو الانحراف، وشهادة الزور: كل ما خالف الحق، فمن شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه فهو شاهد زور، ومن شهد بما لا يعلم فهو شاهد زور، ومن شهد بما علم على الوجه الذي علم شاهد حق.
فشاهد الزور قسمان: من شهد بما يعلم أن الأمر بخلافه ومن شهد بما لا يعلم، وأما شاهد الحق فهو الذي شهد بما يعلم على حسب ما علم.
стр. 3183
مثال ذلك: رجل ادعى على شخص بألف ريال وأقام شاهدا، والشاهد يعلم أن المدعي كاذب ولكنه شاهد؛ لأن المدعي صاحب له، فالشهادة هنا شهادة زور لا شك، لأنه شهد بما بعلم أنه باطل.
ومن شهد بما لا يعلم مثل أن يدعي شخص أنه سلم فلانا مائة ورقة في ظرف وعنده شخص آخر يشهد أنه أعطاه الظرف لكن لا يدري ما الذي في الظرف هل هو دراهم أو رسائل أو خرق؟ لا يدري، ولكنه لما أقيمت الدعوى شهد بأنه أعطاه ظرفا فيه الدراهم فهذا شهد شهادة زور؛ لأنه لا يعلم ما في هذا الظرف فتكون شهادته شهادة زور.
وأما من شهد بالشيء الذي يعلمه على الوجه الذي يعلمه فهذا شهادته شهادة حق، إذن شهادة الزور من أكبر الكبائر لما يترتب عليها من إتلاف الأنفس والأموال والأبضاع والأعراض؛ لأن شاهد الزور لا تقتصر شهادته على أن يشهد بدرهم أو بدرهمين، ولكنه قد يشهد بما يؤدي إلى الرجم، قد يشهد بما يؤدي إلى قطع اليد، قد يشهد بما يؤدي أن ترد شهادة المشهود عليه، فلذلك كانت شهادة الزور من أكبر الكبائر، وعظم النبي ﷺ شهادة الزور بأمرين: بالقول والفعل، أما القول؛ فلأنه كررها حتى تمنى الصحابة أنه سكت، وأما الفعل فكان متكئا فجلس، وهذا يدل على تعظيم الأمر، أرأيت لو أن شخصا دخل عليك في البيت وأنت متكئ وأنت تعظمه ألست تقوم وتقعد لعظم من ورد عليك؟ لكن لو دخل عليك ابنك الصغير وأنت متكئ لا تهتم له، فكون الرسول ﷺ متكئا فيجلس يدل على عظم الأمر وهو كذلك لما يترتب على هذه الشهادة من العظم.
في هذا الحديث فوائد: أولا: ما ذكره المؤلف ﵀ من أن شهادة الزور من أكبر الكبائر.
ثانيا: أن الذنوب كبائر وصغائر، فما هو حد الكبيرة؟ اختلف العلماء في ذلك، منهم من عد الكبائر عدا ولم يذكر لها حدا، ومنهم من ذكر لها حدا، واختلفوا أيضا فقيل: ما ختم بلعنة أو غضب أو نفي إيمان فهو كبيرة، وما لم يختم بذلك فهو صغيرة.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ في بعض كلامه: أن ما رتبت عليه العقوبة الخاصة فهو كبيرة؛ لأنه خص بذكر العقوبة، وما ذكر التحريم فيه أو الكراهة بدون أن تذكر له العقوبة فهو من الصغائر.
ومن فوائد الحديث: أن الكبائر تختلف، فيوجد كبائر دون الأكبر لقول النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر».
ومن فوائد هذا الحديث: أن شهادة الزور من أكبر الكبائر كما ذكر، لكن أعدناها لما يترتب عليها من التحذير من شهادة الزور.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن أشهد بما دلت القرينة عليه أو أشهد بالقرينة فقط؟
стр. 3184
الجواب: أشهد بالقرينة فقط، يعني: لو أن إنسانا رأى شخصا صاحب دين وخلق ادعى على شخص فاسق بأنه سرق بيته فهنا القرينة تدل على أن الدعوى صحيحة؛ لأن المدعي ثقة وأمين وصاحب دين، والثاني بالعكس، هل يجوز أن تشهد بأنه سرق بيته؟ لا لكن يجب أن تشهد بالقرينة، نقول مثلا: أنا أشهد بأن هذا الرجل المدعي ثقة وأمين ولا يمكن أن يدعي ما ليس له، وأما الثاني فهو رجل فاجر بأنه يحصل منه ما شهد به عليه.
فالمهم: أن ما ثبت بالقرائن لا يجوز الجزم به شهادة، ولكن يشهد به على الوجه الذي يعلمه الشاهد، بمعنى: أنه يشهد بالقرينة، والأمر بعد ذلك إلى الحاكم.
الشهادة على ما استيقن وبالاستفاضة:
١٣٤٦ - وعن ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ قال لرجل: ترى الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد، أو دع». أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ.
"قال لرجل" من هذا الرجل؟ نقول: لا يعنيا هذا، المهم معرفة القضية والحكم، وأما تعيين الرجل فلا شك انه زيادة علم لكنه ليس ضروريا في ثبوت الحكم، ولهذا يأتي مثل هذا كثيرا، وقوله: "ترى الشمس"، من المعلوم أن الرسول يعلم أنه يرى الشمس؛ لأنه مبصر، لكن قال ذلك ليبني عليه ما بعده وهو قوله: "على مثلها فاشهد"، وقوله: "نعم" حرف جواب، وقوله: "على مثلها فاشهد" الجار والمجرور متعلق بقوله: "اشهد" والفاء هنا مزيدة لتحسين اللفظ، ولو حذفت لاستقام الكلام بدونها، لو قال مثلا: على مثلها أشهد لاستقام الكلام، لكنها زيدت لتحسين اللفظ كزيادتها في قوله تعالى: ﴿فإني فارهبون﴾ [النحل: ٥١]. والأصل: إياي ارهبون.
قال: "على مثلها أشهد أو دع" يعني: إن ظهر لك الأمر جليا كما ترى الشمس وإلا فلا تشهد، دع.
المؤلف ﵀ جزم بأن هذا الحديث إسناده ضعيف ولكنه مع ضعف إسناده إلا أن متنه صحيح كما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهو يعلمون﴾ [الرخرف: ٨٦]. ولأن الشهادة: هي الإخبار عن يقين، فلابد فيها من علم متيقن، كما يتيقن الإنسان الشمس إذا رآها.
فالحديث ضعيف كما قال المؤلف ونحن نقلد المؤلف في هذا، ولكن متنه صحيح، ولابد من أن يؤخذ به، في هذا الحديث على تقدير صحته-: أنه ينبغي للإنسان أن يقرب الأحكام بالأمور المحسوسة؛ لقوله: "ترى الشمس"، وذلك بأن تقريب المعقول بذكر المحسوس من حسن
стр. 3185
صناعة التعليم كما قال الله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان لا يجوز له أن يشهد إلا بما يتيقنه كما يتيقن الشمس لقوله: "على مثلها فاشهد أو دع".
ومن فوائده: أنه لا تجوز الشهادة بغلبة الظن وإن قوي، وقد سبق لنا أنه إذا رأى شيئا تقوى به غلبة الظن فإنه يشهد بما رأى، والحاكم له أن يتصرف، ومثلنا لذلك برجل خرج من دكان وفي يده صره لكنه لا يعلم الذي فيها وادعى صاحب الدكان أنه حق لهذا الرجل الذي بيده الصرة قضاه، فهل يشهد بذلك مع أن ظاهر الحال والقرينة أنها هي الدراهم التي عليه؟ لكن نقول: لا يشهد، ولكن يشهد بما رأى.
ومن فوائد الحديث: تعظيم أمر الشهادة وأنه يجب فيها التثبت، ولاسيما إذا كانت في أمر خطير، فإنه كلما عظم الخطر في المشهود به تعين التثبت أكثر مع أن الأمر اليسير له حقه في التحري، أي: تحريم الشهادة على ما لا يعلم، وما أسكر كثيره فقليله حرام، يعني: أن الإنسان ربما يشهد بالشيء اليسير ويقول: هذا أمر يسير أو سهل أنا أشهد وهذا ضمن المشهود عليه يقول هذا أمر نقول هذا يجره إلى الشهادة بما هو أكبر.
القضاء باليمين والشاهد:
١٣٤٧ - وعنه ﵁: «أن رسول الله ﷺ قضى بيني وشاهد». أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقال: «إسناده جيد».
١٣٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ مثله أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان.
"قضى" بمعنى: حكم، والقضاء هنا قضاء شرعي، وقوله: "بيمين" أي: من المدعي، و"شاهد" على ما ادعى، "شاهد"، أي: شاهد واحد، وهذا يقتضي أنه ذكر الآن شاهد اسم فاعل مذكر فيكون الرسول ﷺ قضى بيمين ورجل واحد.
وهذا الحديث اختلف العلماء في تخريجه، أما صحته فصحيح؛ لأنه أخرجه مسلم، وقد جوده النسائي فهو صحيح، لكن حكمه قال بعض أهل العلم: إنه غير مقبول؛ لأنه خبر آحاد،
стр. 3186
والقرآن ظاهره يعارضه لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولم يقل: رجل ويمين، وعلى هذا فيكون غير مقبول لمعارضته القرآن، ولكن الصحيح أن الحديث صحيح السند والمتن وأنه يجب العمل به، وأن هذا القضاء موافق للقياس تماما؛ وذلك لأنه إذا شهد مع المدعي شاهد واحد قوى جانبه بلا شك لكن الشاهد الواحد لا يقوى على ثبوت الحكم، فأكد ذلك بيمين المدعي، واليمين إنما تكون في جانب أقوى المتداعيين ليست على المدعى عليه دائما، بل قد تكون في جانب المدعي إذا قوى جانبه، وهذا المدعي الذي أقام شاهدا قوي جانبه، فلما قوي جانبه بدعواه أكدت هذه القوة باليمين، كذلك المدعى عليه، فلو ادعى شخص على آخر بشيء وأنكره فإننا نحكم ببراءة المدعى عليه بيمينه؛ وذلك لأن جانبه أقوى؛ حيث إن الأصل عدن ثبوت ما ادعاه المدعي، فيكون هذا الحديث موافقا تماما للقياس.
وأما إذا أقام المدعي شاهدين فإننا نحكم له بذلك وإن لم يحلف؛ لأنه لا يحتاج إلى اليمين لما تم النصاب.
وخلاصة القول: أن هذا الحكم مطابق للأصول تماما، ووجه المطابقة أن المدعي لما أقام الشاهد قوى جانبه، والقياس أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين سواء كان هو المدعي أو المدعى عليه، ولهذا جعل النبي ﷺ اليمين على المنكر إذا لم يقم المدعي بينة لقوة جانبه بالأصل، فإن الأصل عدم صحة ما ادعى عليه، وجعل النبي ﷺ الإيمان في القسامة في جانب المدعين؛ لأن جانبهم قوي بالعداوة التي كانت بينهم وبين المدعى عليهم.
والقسامة أن يدعي قوم على قبيلة أخرى أنهم قتلوا صاحبهم وبين القبيلتين عداوة، فهنا إذا حلف خمسون من المدعين على عين المدعى عليه حكم بأيمانه بدون أن يقيموا أدنى بينة.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن الآية؟
نقول: إن الآية ليست في الحكم، الآية في الاستشهاد، فالمطلوب من الإنسان إذا استشهد أن يستشهد برجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، حتى لا يحتاج فيما بعد إلى اليمين، لأنه لو استشهد واحدا احتاج إلى أن يحلف معه ليثبت ما ادعاه، لكن إذا استشهد اثنين لم يحتج إلى اليمين، فالآية في الابتداء؛ أي: في الاستشهاد وليست في الأداء، أي: في أداء الشهادة، ولما انفكت الجهة انفك التعارض، فلم يكن بين الآية والحديث أي تعارض، لأن كل واحد منهما له جهة.
فالإنسان عند إثبات الحقوق نقول له: اختر أعلى المراتب، وهي: أن نستشهد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ألم تروا إلى الرهن إذا كان الإنسان في السفر ولم يجد كاتبا
стр. 3187
وأراد أن يأخذ رهنا يوثق دينه، قال الله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. لأنه لا يتم توثيق الدين إلا إذا قبض الرهن، فلذلك أرشد الله تعالى إلى أعلى الحالين وهي الرهن المقبوض، ومع أن الرهن يثبت ويلزم وإن لم يقبض على القول الراجح.
إذن يستفاد من هذا الحديث: جواز الحكم بالشاهد الواحد بالإضافة إلى يمين المدعي، ولكن هل نبدأ بالشاهد أو نبدأ باليمين؟ نقول: ما دمنا قلنا: إن اليمين شرعت لقوة جانب المدعي فإننا نبدأ بالشاهد أولا فنقول: أشهد فإذا شهد قلنا للمدعي: احلف على ما شهد به فإذا حلف حكمنا له بذلك، وهذا الحكم في الأموال وغير الأموال، يعني: في كل شيء حتى لو ادعى عليه ما يوجب القصاص.
يقول العلماء: هذا في الأموال فقط أما ما يوجب القصاص فلابد فيه من التحري وأن يكون ذلك بشهادة رجلين.
وبمناسبة هذا الحديث ينبغي أن نبين أن البينات في الشهود تنقسم إلى أقسام:
الأول: ما يشترط فيه أربعة رجال عدول، وذلك في الزنا واللواط والإقرار بهما، فلابد من أربعة شهود عدول كما قال الله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]. وعلى هذا فلو شهد أربع نساء على زنا رجل أو امرأة لم تقبل شهادتهم، ولا ثمان نساء ولا ثمانين امرأة، لا تقبل لابد من أربعة رجال عدول: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ [النور: ٦].
الثاني: ما يشترط فيه ثلاثة رجال وهو من سأل لعثرته بعد اشتهاره بالغنى، رجل مشهور بالغنى ثم جاء يسأل من الزكاة فإننا لا نقبل منه حتى يأتي بثلاثة شهود رجال عقلاء ممن يعرفون حاله كما في حديث قبيصة: "حتى يقوم ثلاثة رجال من ذوي الحجى من قومه".
الثالث: رجلان، وذلك في الحقوق غير المالية وما يقصد به المال كحد السرقة مثلا، حد القذف، القصاص، وما أشبه ذلك، هذا لابد فيه من رجلين، وهل تقوم المرأتان مقام رجل؟ لا، أو أربع مقام رجلين؟ لا، هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شهادة ما عدا الزنا والإقرار به واللواط والإقرار به.
الرابع: رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، هذا أوسع الشهادات، وهذا في المال وما يقصد به المال، في المال كما لو ادعى شخص على أن له في ذمته ألف ريال وأتى برجلين [هل] يحكم له بذلك؟ نعم، أتى برجل وامرأتين؟ يحكم له، برجل ويمينه؟ يحكم له، هذا في المال، وأما ما يقصد به المال كالرهن، مثلا: ادعى شخص أن فلانا رهنه بيته في دين عليه وأقام شاهدين يثبت الرهن، شاهدا وامرأتين يثبت الرهن، شاهدا ويمين المدعي يثبت
стр. 3188
الرهن، وكذلك لو ادعى أنه اشترط الخيار في البيع أو ما أشبه ذلك هذا هو المال وما يقصد به المال.
الخامس: أن يكتفي فيه بواحد من رجل أو امرأة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا كالولادة، واستهلال الحمل إذا سقط، وكذلك ما ذكره الفقهاء ما يحصل في العرف من إتلاف أموال أو شبهها، قالوا: إن هذا يكفي فيه امرأة واحدة والرجل أولى بالقبول من المرأة، وكذلك الرضاع لو شهدت امرأة أنها أرضعت هذا الطفل، أو أن فلانة أرضعت هذا الطفل يقبل فيه امرأة واحدة، والاستهلال: أن تشهد القابلة التي تولت توليد المرأة بأن الحمل استهل صارخا، فتقبل شهادتها لأجل أن يستحق من الميراث.
السادس: اليمين المجردة مع القرائن، وذلك فيما إذا قوي جانب المدعي، كما في القسامة، وكما لو ادعى شخص على آخر أن الغترة التي معه له، يعني: رأينا رجلين أحدهما هارب والثاني طالب، الهارب عليه غترة وبيده غترة والطالب ليس عليه شيء، الطالب يقول: هات غترتي، والثاني يقول: ليست لك هي بيدي، فهنا نقبل دعوى المدعي لكن باليمين لقوة جانبه.
* * * *
باب الدعاوي والبينات
قال المؤلف ﵀: باب الدعاوى، ويجوز الدعاوي؛ لأن فعلى تجمع على فعالي وفعالى كالفتاوى والفتاوي والصحارى والصحاري.
يقول: الدعاوى وهي جمع دعوى، والدعوى أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقا على غيره، عكسها: الإقرار، والإقرار: أن يضيف الإنسان حقا لغيره على نفسه، وبقيت الشهادة وهي أن يضيف الإنسان حقا لغيره على غيره، وهذه القسمة ثلاثة: إما أن تضيف حقا لنفسك على غيرك، وهذه دعوى، أو حقا لغيرك على نفسك فهذا إقرار، أو حقا لغيرك على عيرك، هذه شهادة.
أما البينات فهي: جمع بينة، والبينة هي: ما يظهر به الحق ويبين به الحق، وهي أقسام: إما بينات خارجية، وإما بينات حالية كالقرائن، وإما بينات على البراءة الأصلية كإنكار المنكر.
المهم: أن البينات جمع بينة، وهي ما يبين به الحق سواء كانت شهودا أو إقرارا أو إنكار أو غير ذلك، المهم أنه كل ما بان به الحق فهو بينة، ومن ذلك العمل بالقرائن، كما عمل شاهد يوسف بالقرينة فقال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧].
стр. 3189
البينة على المدعي واليمين على من أنكر:
١٣٤٩ - عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس ردماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». متفق عليه.
قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم»، يعني: لو أن الإنسان كلما ادعى شيئا أعطي ما ادعاه لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، دماء رجال بأن يقول: فلان قتل ابني من أجل أن يقتل، وأموالهم بأن يقول: فلان سرق مني كذا وكذا أو استعار مني كذا وجحدها، وكذلك الحقوق، لكن النبي ﷺ ذكر الدماء والأموال؛ لأنها الأصل، والحقوق تابعة.
قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم"، قال: "ولكن اليمين على المدعى عليه"، والمدعي بينه في الحديث الذي بعده.
١٣٥٠ - وللبيهقي بإسناد صحيح: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكره".
وقوله: "لو يعطى الناس بدعواهم"، اعلم أن الدعوى تنقسم إلى قسمين: دعوى مستحيل، يعني: دعوى شيء مستحيل، وهذه لا تسمع أصلا، ولا يلتفت لها القاضي ويصرف المدعي فورا دون أن يطالبه ببينة وغيرها، وهو أن يدعي شيئا مستحيلا مثل أن يدعي أن هذا ابنه والمدعي له عشرون والمدعى به له خمس عشرة سنة، فهنا لا تسمع الدعوى ولا يشكل القاضي لها جلسة ولا يلتفت إليها.
والقسم الثاني: دعوى شيء ممكن لكن الأصل عدمه هذا هو الذي أراد النبي ﷺ ، فإن ادعى شخص على آخر دما أو مالا أو حقا من الحقوق، فإننا نقول للمدعى عليه أولا: هل تقر بهذا؟ إن قال: نعم قال إشكال، وإن قال: لا، قلنا للمدعي: ألك بينة؟ إن قال: نعم، قلنا: أحضرها، وإن قال: لا، قلنا للمدعى عليه: احلف، فإذا حلف انتهت القضية، ولكن ليس معنى هذا الحلف أنه لو تبين فيما بعد أن هناك بينة، فإنه لا يحلف المدعى عليه، بل إن اليمين لقطع الخصومة الحاضرة فقط، فلا يكون للمدعي دعوى على من أنكر إذا حلف، لكن لو تبين فيما بعد أن الحق مع المدعي ببينة أو غير ذلك، فإن اليمين لا تكون مزيلة للحق إذا ترتب الدعوى.
стр. 3190
حضر رجلان إلى القاضي، فقال أحدهما: إنني أطالب هذا الرجل بألف ريال، هذا مدع ماذا يعمل القاضي؟ يسأل المدعى عليه ويقول: أتقر بهذا؟ إن قال: نعم، انتهت القضية وحكم بإقراره، لكن هذا في الغالب لا يكون إلا حيلة لشيء ما، مثل أن يكون للمدعى عليه ديون لبعض الناس، فيريد أن يتفق مع صاحب له ويقول: أنا سأدعي عليك بدين وأقر به لأجل أن يزاحم الغرماء الآخرين، وإلا ليس من المعقول أن يحضر مدع ومدعى عليه ثم بمجرد ما يقول: أطالبه مائة درهم يقول: نعم، تفضل، هذا بعيد جدا، لكن ربما تكون حيلة، لكن على كل حال إذا أقر انتهت القضية، وحكم بالإقرار، وإن قال: لا، ليس بصادق، ولا حق له عندي، رجعنا للمدعي وقلنا: ألك بينة؟ إن قال: لا، رددنا إلى المدعى عليه، وقلنا: احلف أن فلانا ليس له حق عليك، فإذا حلف برئ وخلى سبيله، وإن أقام المدعي بينة بعد ذلك فهل تقبل؟ نقول: إن كان قد قال: لا أعلم لي بينة ثم أقامها فإنها تقبل؛ لأنه من الجائز أن تكون البينة شهدت وهو لا يعلم أو شهدت بإقرار المدعى عليه وهو لا يعلم بذلك أو كان نسيها.
المهم: أنه إذا نسي العلم بالبينة ثم أقامها بعد تقبل، لأنه لا منافاة بين نفي العلم وبين إقامة البينة، وأما إذا قال: ليس لي بينة ثم أقام بعد ذلك بينة فإنها لا تقبل، وعلل الفقهاء ذلك بأن إقامتها بعد نفيها تناقض فيكون كلامه الثاني مكذبا لكلامه الأول فلا يقبل، ولكن هذا القول متوجه فيما إذا كان المدعي يعرف الفرق بين قوله: لا أعلم، وقوله: ليس لي بينة، وغالب العامة لا يفرقون بين قولهم: لا أعلم لي بينة، وقولهم: ليس لي بينة، وكونه له بينة لا يعلمها يرد كثيرا إما أن يكون البينة تسمع لإقرار في عدم حضور المدعي أو ما أشبه ذلك.
وقوله: "اليمين على المدعى عليه" ظاهر الحديث أن ذلك في كل دعوى، بمعنى: أننا نوجه اليمين في كل مدعى عليه، سواء كان الذي ادعي به عليه من الأمور المالية أو التي يقصد بها المال أو من الأمور الدموية أو من الحقوق، فإن اليمين على المدعى عليه، إذا أبى وقال: لا أحلف، إما أن يأتي ببينة وإلا قضي عليه؛ لأنه قد يكون هذا الرجل يغير على الناس ويدعي عليهم ويحضرهم إلى القاضي ويهدم شرفهم ثم يقول الرجل: لا أحلف، قال العلماء: إذا لم يحلف قضي عليه، لأننا نقول له: لماذا تمتنع من اليمين أحلف إن كنت صادقا فإن اليمين لا يضرك وإن كنت كاذبا فعليك الإثم، وكونك تمتنع عن اليمين يدل على أن المدعي صادق وإلا فما يضرك؟ لا يضرك شيء.
следующие страницы →