← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 29558

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية

ابن عثيمين

Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

والقرآن ظاهره يعارضه لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولم يقل: رجل ويمين، وعلى هذا فيكون غير مقبول لمعارضته القرآن، ولكن الصحيح أن الحديث صحيح السند والمتن وأنه يجب العمل به، وأن هذا القضاء موافق للقياس تماما؛ وذلك لأنه إذا شهد مع المدعي شاهد واحد قوى جانبه بلا شك لكن الشاهد الواحد لا يقوى على ثبوت الحكم، فأكد ذلك بيمين المدعي، واليمين إنما تكون في جانب أقوى المتداعيين ليست على المدعى عليه دائما، بل قد تكون في جانب المدعي إذا قوى جانبه، وهذا المدعي الذي أقام شاهدا قوي جانبه، فلما قوي جانبه بدعواه أكدت هذه القوة باليمين، كذلك المدعى عليه، فلو ادعى شخص على آخر بشيء وأنكره فإننا نحكم ببراءة المدعى عليه بيمينه؛ وذلك لأن جانبه أقوى؛ حيث إن الأصل عدن ثبوت ما ادعاه المدعي، فيكون هذا الحديث موافقا تماما للقياس. وأما إذا أقام المدعي شاهدين فإننا نحكم له بذلك وإن لم يحلف؛ لأنه لا يحتاج إلى اليمين لما تم النصاب. وخلاصة القول: أن هذا الحكم مطابق للأصول تماما، ووجه المطابقة أن المدعي لما أقام الشاهد قوى جانبه، والقياس أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين سواء كان هو المدعي أو المدعى عليه، ولهذا جعل النبي ﷺ اليمين على المنكر إذا لم يقم المدعي بينة لقوة جانبه بالأصل، فإن الأصل عدم صحة ما ادعى عليه، وجعل النبي ﷺ الإيمان في القسامة في جانب المدعين؛ لأن جانبهم قوي بالعداوة التي كانت بينهم وبين المدعى عليهم. والقسامة أن يدعي قوم على قبيلة أخرى أنهم قتلوا صاحبهم وبين القبيلتين عداوة، فهنا إذا حلف خمسون من المدعين على عين المدعى عليه حكم بأيمانه بدون أن يقيموا أدنى بينة. فإذا قال قائل: كيف نجيب عن الآية؟ نقول: إن الآية ليست في الحكم، الآية في الاستشهاد، فالمطلوب من الإنسان إذا استشهد أن يستشهد برجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، حتى لا يحتاج فيما بعد إلى اليمين، لأنه لو استشهد واحدا احتاج إلى أن يحلف معه ليثبت ما ادعاه، لكن إذا استشهد اثنين لم يحتج إلى اليمين، فالآية في الابتداء؛ أي: في الاستشهاد وليست في الأداء، أي: في أداء الشهادة، ولما انفكت الجهة انفك التعارض، فلم يكن بين الآية والحديث أي تعارض، لأن كل واحد منهما له جهة. فالإنسان عند إثبات الحقوق نقول له: اختر أعلى المراتب، وهي: أن نستشهد رجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ألم تروا إلى الرهن إذا كان الإنسان في السفر ولم يجد كاتبا

стр. 3187

وأراد أن يأخذ رهنا يوثق دينه، قال الله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]. لأنه لا يتم توثيق الدين إلا إذا قبض الرهن، فلذلك أرشد الله تعالى إلى أعلى الحالين وهي الرهن المقبوض، ومع أن الرهن يثبت ويلزم وإن لم يقبض على القول الراجح. إذن يستفاد من هذا الحديث: جواز الحكم بالشاهد الواحد بالإضافة إلى يمين المدعي، ولكن هل نبدأ بالشاهد أو نبدأ باليمين؟ نقول: ما دمنا قلنا: إن اليمين شرعت لقوة جانب المدعي فإننا نبدأ بالشاهد أولا فنقول: أشهد فإذا شهد قلنا للمدعي: احلف على ما شهد به فإذا حلف حكمنا له بذلك، وهذا الحكم في الأموال وغير الأموال، يعني: في كل شيء حتى لو ادعى عليه ما يوجب القصاص. يقول العلماء: هذا في الأموال فقط أما ما يوجب القصاص فلابد فيه من التحري وأن يكون ذلك بشهادة رجلين. وبمناسبة هذا الحديث ينبغي أن نبين أن البينات في الشهود تنقسم إلى أقسام: الأول: ما يشترط فيه أربعة رجال عدول، وذلك في الزنا واللواط والإقرار بهما، فلابد من أربعة شهود عدول كما قال الله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]. وعلى هذا فلو شهد أربع نساء على زنا رجل أو امرأة لم تقبل شهادتهم، ولا ثمان نساء ولا ثمانين امرأة، لا تقبل لابد من أربعة رجال عدول: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ [النور: ٦]. الثاني: ما يشترط فيه ثلاثة رجال وهو من سأل لعثرته بعد اشتهاره بالغنى، رجل مشهور بالغنى ثم جاء يسأل من الزكاة فإننا لا نقبل منه حتى يأتي بثلاثة شهود رجال عقلاء ممن يعرفون حاله كما في حديث قبيصة: "حتى يقوم ثلاثة رجال من ذوي الحجى من قومه". الثالث: رجلان، وذلك في الحقوق غير المالية وما يقصد به المال كحد السرقة مثلا، حد القذف، القصاص، وما أشبه ذلك، هذا لابد فيه من رجلين، وهل تقوم المرأتان مقام رجل؟ لا، أو أربع مقام رجلين؟ لا، هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إن المرأتين تقومان مقام الرجل في كل شهادة ما عدا الزنا والإقرار به واللواط والإقرار به. الرابع: رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، هذا أوسع الشهادات، وهذا في المال وما يقصد به المال، في المال كما لو ادعى شخص على أن له في ذمته ألف ريال وأتى برجلين [هل] يحكم له بذلك؟ نعم، أتى برجل وامرأتين؟ يحكم له، برجل ويمينه؟ يحكم له، هذا في المال، وأما ما يقصد به المال كالرهن، مثلا: ادعى شخص أن فلانا رهنه بيته في دين عليه وأقام شاهدين يثبت الرهن، شاهدا وامرأتين يثبت الرهن، شاهدا ويمين المدعي يثبت

стр. 3188

الرهن، وكذلك لو ادعى أنه اشترط الخيار في البيع أو ما أشبه ذلك هذا هو المال وما يقصد به المال. الخامس: أن يكتفي فيه بواحد من رجل أو امرأة، وذلك فيما لا يطلع عليه إلا النساء غالبا كالولادة، واستهلال الحمل إذا سقط، وكذلك ما ذكره الفقهاء ما يحصل في العرف من إتلاف أموال أو شبهها، قالوا: إن هذا يكفي فيه امرأة واحدة والرجل أولى بالقبول من المرأة، وكذلك الرضاع لو شهدت امرأة أنها أرضعت هذا الطفل، أو أن فلانة أرضعت هذا الطفل يقبل فيه امرأة واحدة، والاستهلال: أن تشهد القابلة التي تولت توليد المرأة بأن الحمل استهل صارخا، فتقبل شهادتها لأجل أن يستحق من الميراث. السادس: اليمين المجردة مع القرائن، وذلك فيما إذا قوي جانب المدعي، كما في القسامة، وكما لو ادعى شخص على آخر أن الغترة التي معه له، يعني: رأينا رجلين أحدهما هارب والثاني طالب، الهارب عليه غترة وبيده غترة والطالب ليس عليه شيء، الطالب يقول: هات غترتي، والثاني يقول: ليست لك هي بيدي، فهنا نقبل دعوى المدعي لكن باليمين لقوة جانبه. * * * * باب الدعاوي والبينات قال المؤلف ﵀: باب الدعاوى، ويجوز الدعاوي؛ لأن فعلى تجمع على فعالي وفعالى كالفتاوى والفتاوي والصحارى والصحاري. يقول: الدعاوى وهي جمع دعوى، والدعوى أن يضيف الإنسان إلى نفسه حقا على غيره، عكسها: الإقرار، والإقرار: أن يضيف الإنسان حقا لغيره على نفسه، وبقيت الشهادة وهي أن يضيف الإنسان حقا لغيره على غيره، وهذه القسمة ثلاثة: إما أن تضيف حقا لنفسك على غيرك، وهذه دعوى، أو حقا لغيرك على نفسك فهذا إقرار، أو حقا لغيرك على عيرك، هذه شهادة. أما البينات فهي: جمع بينة، والبينة هي: ما يظهر به الحق ويبين به الحق، وهي أقسام: إما بينات خارجية، وإما بينات حالية كالقرائن، وإما بينات على البراءة الأصلية كإنكار المنكر. المهم: أن البينات جمع بينة، وهي ما يبين به الحق سواء كانت شهودا أو إقرارا أو إنكار أو غير ذلك، المهم أنه كل ما بان به الحق فهو بينة، ومن ذلك العمل بالقرائن، كما عمل شاهد يوسف بالقرينة فقال: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧].

стр. 3189

البينة على المدعي واليمين على من أنكر: ١٣٤٩ - عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس ردماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». متفق عليه. قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم»، يعني: لو أن الإنسان كلما ادعى شيئا أعطي ما ادعاه لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، دماء رجال بأن يقول: فلان قتل ابني من أجل أن يقتل، وأموالهم بأن يقول: فلان سرق مني كذا وكذا أو استعار مني كذا وجحدها، وكذلك الحقوق، لكن النبي ﷺ ذكر الدماء والأموال؛ لأنها الأصل، والحقوق تابعة. قوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم"، قال: "ولكن اليمين على المدعى عليه"، والمدعي بينه في الحديث الذي بعده. ١٣٥٠ - وللبيهقي بإسناد صحيح: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكره". وقوله: "لو يعطى الناس بدعواهم"، اعلم أن الدعوى تنقسم إلى قسمين: دعوى مستحيل، يعني: دعوى شيء مستحيل، وهذه لا تسمع أصلا، ولا يلتفت لها القاضي ويصرف المدعي فورا دون أن يطالبه ببينة وغيرها، وهو أن يدعي شيئا مستحيلا مثل أن يدعي أن هذا ابنه والمدعي له عشرون والمدعى به له خمس عشرة سنة، فهنا لا تسمع الدعوى ولا يشكل القاضي لها جلسة ولا يلتفت إليها. والقسم الثاني: دعوى شيء ممكن لكن الأصل عدمه هذا هو الذي أراد النبي ﷺ ، فإن ادعى شخص على آخر دما أو مالا أو حقا من الحقوق، فإننا نقول للمدعى عليه أولا: هل تقر بهذا؟ إن قال: نعم قال إشكال، وإن قال: لا، قلنا للمدعي: ألك بينة؟ إن قال: نعم، قلنا: أحضرها، وإن قال: لا، قلنا للمدعى عليه: احلف، فإذا حلف انتهت القضية، ولكن ليس معنى هذا الحلف أنه لو تبين فيما بعد أن هناك بينة، فإنه لا يحلف المدعى عليه، بل إن اليمين لقطع الخصومة الحاضرة فقط، فلا يكون للمدعي دعوى على من أنكر إذا حلف، لكن لو تبين فيما بعد أن الحق مع المدعي ببينة أو غير ذلك، فإن اليمين لا تكون مزيلة للحق إذا ترتب الدعوى.

стр. 3190

حضر رجلان إلى القاضي، فقال أحدهما: إنني أطالب هذا الرجل بألف ريال، هذا مدع ماذا يعمل القاضي؟ يسأل المدعى عليه ويقول: أتقر بهذا؟ إن قال: نعم، انتهت القضية وحكم بإقراره، لكن هذا في الغالب لا يكون إلا حيلة لشيء ما، مثل أن يكون للمدعى عليه ديون لبعض الناس، فيريد أن يتفق مع صاحب له ويقول: أنا سأدعي عليك بدين وأقر به لأجل أن يزاحم الغرماء الآخرين، وإلا ليس من المعقول أن يحضر مدع ومدعى عليه ثم بمجرد ما يقول: أطالبه مائة درهم يقول: نعم، تفضل، هذا بعيد جدا، لكن ربما تكون حيلة، لكن على كل حال إذا أقر انتهت القضية، وحكم بالإقرار، وإن قال: لا، ليس بصادق، ولا حق له عندي، رجعنا للمدعي وقلنا: ألك بينة؟ إن قال: لا، رددنا إلى المدعى عليه، وقلنا: احلف أن فلانا ليس له حق عليك، فإذا حلف برئ وخلى سبيله، وإن أقام المدعي بينة بعد ذلك فهل تقبل؟ نقول: إن كان قد قال: لا أعلم لي بينة ثم أقامها فإنها تقبل؛ لأنه من الجائز أن تكون البينة شهدت وهو لا يعلم أو شهدت بإقرار المدعى عليه وهو لا يعلم بذلك أو كان نسيها. المهم: أنه إذا نسي العلم بالبينة ثم أقامها بعد تقبل، لأنه لا منافاة بين نفي العلم وبين إقامة البينة، وأما إذا قال: ليس لي بينة ثم أقام بعد ذلك بينة فإنها لا تقبل، وعلل الفقهاء ذلك بأن إقامتها بعد نفيها تناقض فيكون كلامه الثاني مكذبا لكلامه الأول فلا يقبل، ولكن هذا القول متوجه فيما إذا كان المدعي يعرف الفرق بين قوله: لا أعلم، وقوله: ليس لي بينة، وغالب العامة لا يفرقون بين قولهم: لا أعلم لي بينة، وقولهم: ليس لي بينة، وكونه له بينة لا يعلمها يرد كثيرا إما أن يكون البينة تسمع لإقرار في عدم حضور المدعي أو ما أشبه ذلك. وقوله: "اليمين على المدعى عليه" ظاهر الحديث أن ذلك في كل دعوى، بمعنى: أننا نوجه اليمين في كل مدعى عليه، سواء كان الذي ادعي به عليه من الأمور المالية أو التي يقصد بها المال أو من الأمور الدموية أو من الحقوق، فإن اليمين على المدعى عليه، إذا أبى وقال: لا أحلف، إما أن يأتي ببينة وإلا قضي عليه؛ لأنه قد يكون هذا الرجل يغير على الناس ويدعي عليهم ويحضرهم إلى القاضي ويهدم شرفهم ثم يقول الرجل: لا أحلف، قال العلماء: إذا لم يحلف قضي عليه، لأننا نقول له: لماذا تمتنع من اليمين أحلف إن كنت صادقا فإن اليمين لا يضرك وإن كنت كاذبا فعليك الإثم، وكونك تمتنع عن اليمين يدل على أن المدعي صادق وإلا فما يضرك؟ لا يضرك شيء.

стр. 3191

لكن الفقهاء ﵏ خصصوا هذا العموم بما إذا كان الأمر مما يقضى فيه النكول، وأما إذا كان لا يقضى فيه بالنكول، فإنه لا يلزم المدعى عليه الحلف، مثاله: لو أن رجلا ادعى على امرأة أنها زوجته وقال: هذه زوجتي فقالت: لا، لست بزوجة له، فعلى ظاهر الحديث نقول للمدعي: هات البينة؛ لأن المرأة أنكرت، فإذا قال: ليس عندي بينة أو قال: عندي بينة وفقدت أو جنت أو ما أشبه ذلك، ماذا نعمل؟ نوجه -على ظاهر الحديث- الدعوى إلى المرأة ونقول: احلفي أنه ليس زوجك، إذا أبت وقالت: لا أحلف هل يقضى عليها بالنكول؟ لا، لكن ظاهر الحديث أنه يقضى عليها بالنكول؛ لأن الرسول جعل اليمين هي التي نتفي الدعوى، وهذا فيه نظر -أعني: أن نجعل الحديث عاما - لأن في هذا مفاسد كثيرة. فقد يكون بعض الناس تتحرج أو تتورع أن تحلف وإن كانت صادقة فيحصل بذلك شر كثير؛ ولهذا خصها الفقهاء ﵏ بما إذا كان الدعوى لا يقضى فيها بالنكول، فإذا كان لا يقضى فيها بالنكول، فإنه إذا نكل المدعى عليه لم يحكم عليه بمقتضى دعوى المدعي. البينة ذكرنا أنها كل ما بان به الحق سواء كانت بينة منفصلة كالشاهدين مثلا أو بينة بالقرائن والأحوال، وهو كذلك، وقد مر علينا مثال من هذا وهو القضاء بالشاهد واليمين قلنا: الشاهد وحده لا يكفي، لكنه عزز باليمين لما رجح جانب المدعي بالشاهد صار اليمين مقررا لدعواه. وهذا الحديث يستفاد منه فوائد: أولا: سد باب الفساد لقوله: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم"، وهذه هي قواعد الشريعة العامة، لأن الشريعة إنما جاءت باستجلاب المصالح ودفع المفاسد وتأمل هذا في جميع مشروعاتها. ثانيا: ظاهر الحديث أن الدعوى مقبولة بأي حال كان، وقد ذكرنا أن ذلك مشروط فيما إذا كانت الدعوى ممكنة، فأما دعوى المستحيل فإنها لا [تقبل]، وضربنا لذلك مثلا. ولكن هل من المستحيل ما يستحيل عادة بحسب مقام المدعى عليه؟ إذا فرضنا أن رجلا من الناس قال: إن الملك اشترى مني حزمة علف هل يمكن هذا عادة؟ لا، جاء بالملك عند القاضي قال: هذا اشترى مني حزمة علف بربع ريال، يعني: فرضا، هل نقول: إن المستحيل ما استحال عادة وواقعا؟ يرى الإمام مالك ﵀ أن الدعوى على مثل هؤلاء بمثل هذا الشيء الصغير لا تقيل، لكن لو ادعى أن يستولي الأمير أو الوزير على مثل هذا، وما ذهب إليه الإمام مالك هو الصواب؛ لأننا لو قبلنا سماع الدعوى على مثل هؤلاء بمثل هذه الأشياء الزهيدة لحصل في ذلك مضرة، كل إنسان ادعى على إنسان ذي شرف وجاه، ويريد أن يحطم شرفه

стр. 3192

وجاهه يدعي عليه ويحضره للقاضي، وربما إذا امتنع أرسلوا إليه الشرط يحضرونه وهذه مشكلة، فما ذهب إليه الإمام مالك لا شك أنه قول قوي جدا. ومن فوائد الحديث: أن كل دعوى لابد فيها من بينة، وهذا وإن كان في الخصومات بين الناس، لكل يشمل حتى في الأحكام الشرعية، أي إنسان يدعي أن هذا حرام أو هذا حلال أو هذا واجب، فإننا نقول: له هات البينة، وما هي بينة التحليل والتحريم والإيجاب؟ الأدلة وهي أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس الصحيح، فلابد لكل مدع من بينة. ومن فوائد هذا الحديث: أن البينة هنا مطلقة، ولكنها ذكرنا أنها ما يبين به الحق على حسب ما رتب في الشرع، فمثلا: بينة الزنا أربعة أشياء، بينة مدعي الفقر بعد [أن كان غنيا] ثلاثة، بينة السرقة من أجل القطع شاهدان ومن أجل ضمان المال شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين حسب ما ذكرنا سابقا. القرعة بين الخصوم في اليمين: ١٣٥١ - وعن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين، أيهم يحلف». رواه البخاري. صورة هذا الحديث أن اليمين توجهت على جماعة كل منهم يريد أن يحلف، فأقرع بينهم النبي ﷺ هذا ظاهر، ويحتمل أن تكون الدعوى بين خصمين متكافئين لا يترجح أحدهما على الآخر؛ أي: ليس هناك مدع ومدعى عليه، فأسرع أحدهما إلى اليمين ليكون بريئا، فالمسألة تحتمل هذا وهذا، لكن الذي يظهر ويقرب من الأدلة هو أن اليمين توجهت على جماعة؛ يعني: رجل ادعى على جماعة فأسرعوا أيهم الذي يحلف، كل واحد يقول: أنا أحلف دونكم، أنا أحلف حتى أبرئكم كلكم فيسهم بينهم. ويوجد صورة ثالثة وهي: أن يدعي اثنان عينا بيد غيرهما، والتي في يده لا يدعيها؛ لأنه لو ادعاها لكان عليهما البينة لكنه لا يدعيها، يقول: أنا أعطاها لي رجل لا أذكره، فهنا العين المدعى بها بيد ثالث، كلاهما يقول: أنا أحلف أنها لي، هذا يقول: أنا أحلف أنها لي، وهذا يقول: أنا أحلف أنها لي، فهنا يسهم بينهما، لكن إن جرى صلح فالصلح خير؛ بأن تباع العين. ويقسم بينهما إن لم يكن قسمتها هي بنفسها فتقسم، ولكن إذا كان لا يمكن أن تنقسم كالنعل لا يمكن أن ينقسم بين اثنين، لو أعطينا أحدهما نعلا والآخر نعلا لا يستفيد أحدهما، إذ لابد من بيعها ثم تقسم، فإن قال: أنا أدعي بها كاملة والثاني قال: أنا أدعي بها كاملة ولا

стр. 3193

يمكن أن أرخص لهذا أن يشاركني فيها، اضطررنا الآن إلى القرعة، وهذه أوضح من الصورتين اللتين ذكرتهما؛ أولا: لأنها واضحة وهي ما إذا كانت العين المدعى بها بيد ثالث وأراد كل منهما أن يحلف ليأخذها فنقول إن اصطلحا على شيء من أي نوع من الصلح ما لم يحرم حلالا أو يحلل حراما فعلى ما اصطلحا وإلا أقرع بينهما، فمن قرع فهي له. ففي هذا الحديث: عرض اليمين عليه اليمين فإنه لا عبرة بحلفه كما قاله الفقهاء ﵏[حيث] قالوا لا عبرة بحلف المنكر ما لك يعرضها عليها القاضي. ومن فوائد الحديث: جواز القرعة إذا اشتبه الأحق من غيره فإنه لابد للتمييز من القرعة، يعني: إذا تعذر التمييز بغير القرعة فلابد من القرعة، وقد جاءت القرعة في القرآن في موضعين: الموضع الأول: قصة يونس لما ركب السفينة وكانت محملة كثيرا، فاضطروا أن يلقوا بعض الركاب فساهم فكان هو من الذين يلقون في البحر. والثاني: قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكقل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤]. والله إذا حكى لنا ما سبق من أفعال الأمم فهو دليل على أنه جائز. أما في السنة فقد جاءت في مواضع منها: أن النبي ﷺ قال في الرجلين يتشاحنان على الأذان يستهما، وكذلك على الصف الأول. "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"، وكان ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وفي استعمال القرعة فائدة وهي: أنه إذا تعذر التعيين رجعنا إلى القرعة. فإن قال قائل: القرعة فيها غرر. قلنا: لكن هذا الغرر بالتساوي لا يختلف أحدهما عن الآخر ولابد منه، ولهذا لو كان متاع بين شخصين على المناصفة وقسماه ثلثين وثلثا ثم قالا: نقرع أينا يكون له الثلث وأينا يكون له الثلثان، هذا لا يجوز هذا ميسر؛ لأنه إذا قرع صاحب الثلث أخذ دون ماله ويأخذ صاحب الثلثين أكثر من ماله، أما إذا كان الأمر بالتساوي فإنه لابد من ذلك.

стр. 3194

ومن فوائد الحديث: جواز المساهمة في الحقوق، لأن هذا مساهمة أيهم أحق باليمين وهو أيضا ثابت كما كان النبي إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وإذا جاز في الأموال ففي الحقوق من باب أولى. بالنسبة للقرعة كيف تكون؟ تكون القرعة بطرق كثيرة معروفة، منها: ما كنا نستعمله سابقا في المبايعات بأن يجعل أحدنا في يده نواة تمر وفي اليد الأخرى حصاة فيقول: من وقع اختياره على النواة فهو الغارم، ومن وقع على الحصاة فهو المغروم، أو أن يجعل ذلك بالأوراق بأن يكتب مثلا (مستحقا)، غير مستحق، أو أن يكتب (مستحقا)، ويترك بقية الأوراق بيضاء، المهم: ليس لها طريق معين. غضب الله على من أخذ مال غيره بغير حق: ١٣٥٢ - وعن أبي أمامة الحارثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك». رواه مسلم. "من اقتطع" جملة شرطية، فعل الشرط هو: "اقتطع"، وجوابه: "فقد أوجب الله"، وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مقرون بـ"قد"، و"قد" إذا كانت في جواب الشرط فإنه يجب أن يؤتى قبلها بالفاء كصاحبتها وهن المجموعات في قول الناظم. (اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس) وقوله: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه" أي: يحلف، وهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن يدعي شيئا ويأتي بشاهد ويحلف معه وهو يعلم أنه كاذب، فهنا اقتطع حقا؛ لأنه استباح ماله بيمين كاذبة. والصورة الثانية: في مقام الدفاع بأن يكون على شخص حق ثم ينكره وليس للمدعي بينة، فهنا سوف يحلف المدعى عليه ويخلى سبيله، فيكون قد اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، إذا لها صورتان الصورة الأولى في دعوى ما ليس له، والصورة الثانية في إنكار ما يجب عليه، وكلاهما يقول الرسول ﷺ عنهما: «فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، أوجبها له؛ أي: جعله مستحقا لها؛ لأنه لما فعل هذا الأمر العظيم فكان بذلك انتهك حرمتين:

стр. 3195

الحرمة الأولى: حرمة الرب حيث حلف به كاذبا، والحرمة الثانية حرمة صاحب الحق، ومن أجل ذلك صار وعيده هذا الوعيد الشديد، "وحرم عليه الجنة" أي: حرم عليه دخولها، "فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟ "، أي: وإن كان الحق الذي اقتطعه شيئا يسيرا، قال: و"وإن كان قضيبا من أراك"، الأراك: هو شجر السواك، وقوله: "قضيبا" يعني: ما يقضب باليد، وظاهره: ولو كان عودا واحدا، وإنما قال الرسول: «وإن كان قضيبا من أراك" مبالغة في القلة وعدم المبالاة به؛ لأن أكثر الناس لا يبالون بالسواك وما أشبه ذلك، فالمعنى: اقتطع مال امرئ مسلم ولو كان يسيرا ... فهذا جزاؤه. في هذا الحديث فوائد: منها: ما ساقه المؤلف من أجله، وهو أن الإنسان قد يستحق بدعواه شيئا بيمينه، ولو صورتان: دعوى ما ليس له، أو إنكار ما يجب عليه. ومن فوائد الحديث: أن هذا النوع من الدعوى واليمين من كبائر الذنوب، وجه الدلالة: أنه رتبت عليه هذه العقوبة العظيمة، وكل ذنب رتبت عليه عقوبة دينية أو دنيوية، فإنه من كبائر الذنوب، وتعظم هذه الكبيرة بحسب ما فيها أو بحسب ما رتب عليها من العقوبة، فكل ما كانت عقوبته أعظم كان أكبر وأكبر. ومن فوائد الحديث: أن فاعل الكبيرة لا يدخل الجنة بل هو مخلد في النار لقوله: "أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة"، وبهذا استدلت المعتزلة والخوارج -فقد استدلوا بهذا الحديث وما أشبهه من النصوص -على أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، أخذا بظاهر النص وإعراضا عن بقية النصوص، وهكذا كل إنسان مبطل يأخذ من النصوص بجانب ويدع الجانب الآخر فينظر إلى النصوص بأعين عوراء لا يرى إلا من جانب واحد. على كل حال: لو سألنا سائل: ما ظاهر هذا الحديث، أيوافق ما استدل به المعتزلة والخوارج أم لا؟ لقلنا: يوافق، كلام الرسول ﷺ محكم وهو خبر لا يحتمل الكذب، "فأوجب الله له النار وحرم عليه الجنة"، ولكن يجب أن نعلم أن الشريعة كلها دليل واحد لابد أن يقيد بعضه بعضا، وأن يخصص بعضه بعضا لا نأخذ بجانب وندع الجانب الآخر، فنكون ممن قال الله تعالى عنهم: ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ [النساء: ١٥٠]. الأدلة الشرعية كلها كتلة واحدة فيجب أن يقيد مطلقها وأن يخصص عامها بمخصصها؛ لأنها دليل واحد.

стр. 3196

وعلى هذا فنقول خرج هذا مخرج الوعيد، وما خرج مخرج الوعيد فلا بأس من أن يؤتى به على سبيل الإطلاق تنفيذا للنفس عنه؛ لأن النفس إذا سمعت هذه الكلمة نفرت وهربت من أن تعمل هذا، ونظير ذلك فيما يجري بيننا، ومنه: أن تقول الأم لودها: لئن فعلت كذا وكذا لأفعلن بك كذا وكذا من العقوبة، وهي في نفس الوقت لن تفعل، لكن باب الترهيب شيء آخر، قد يقول: هذا فيمن استحل ذلك وإن لم يفعل استحق هذا الوعيد، ولهذا لما ذكر للإمام أحمد ﵀ في آية وعيد قاتل المؤمن عمدا أنها فيمن استحل ذلك ضحك تعجبا قال كيف هذا إنه إذا استحل قتل المؤمن عمدا فهو كافر سواء قتل أم لم يقتل. ونظير ذلك من قال: إن تارك الصلاة يكفر إذا تركها جاحدا لوجوبها، فهذا جواب مضحك؛ لأنه إذا جحد وجوبها فهو كافر ولو صلى فريضة وتطوعا، إذن لا يصح هذا التخريج، تخريج هذا الحديث على من استحل ذلك، لماذا لا يصح؟ لأن مستحله يستحق هذه العقوبة سواء فعل أم لم يفعل. جواب ثالث: أن هذا سبب يعني أن من اقتطع مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر سبب لذلك؛ أي: لكونه تحرم عليه الجنة وتجب له النار، والأسباب لا تنفذ إلا بانتفاء الموانع، والمانع هنا هو الإيمان المانع من كونه تحرم الجنة عليه وتجب له النار، فيكون هذا كقولنا في الإرث مثلا القرابة سبب للإرث، الأب يرث من الابن والابن يرث من أبيه، لكن إذا وجد مانع امتنع الإرث لا لفوات سببه ولكن لوجود مانعه هذا، والأول هو أحسن الأجوبة أن يقال: لإنه خرج مخرج الوعيد من أجل قوة النفور عنه، أو يقال: هذا بيان لكون هذا الشيء سببا، والسبب قد يختلف لوجود مانع. ١٣٥٣ - وعن الأشعث بن قيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين، يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان». متفق عليه. "على" هنا بمعنى الباء، ويعني: من حلف بيمين، فهذا كحديث الذي قبله فيه الوعيد على من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، لكن الحديث الأول أعم؛ لأنه قال: "اقتطع حق امرئ"، والحق أعم من المال، إذ أن الحقوق قد تكون غير مالية، وقوله "امرئ مسلم" نقول فيها كما سبق بأن هذا القيد بناء على الأغلب، وإلا فكل مال معصوم، ولو لم يكن مال مسلم، فإنه يحرم أن يحلف الإنسان على اقتطاعه؛ لأنه مال محترم، وعلى هذا فمال المعاهد

стр. 3197

محترم لا تجوز سرقته ولا ادعاؤه بباطل ولا الحلف عليه، ولكن هل نقول: إن من اقتطع مال معاهد بيمينه يستحق هذا العقاب المذكور في الحديثين، أو نقول: إنه لا شك أنه يعاقب ويأثم حيث اعتدى على حق معصوم لكن لا يستحق هذه العقوبة؟ فيها خلاف، بعضهم يقول بالثاني؛ أي: يقول: إن هذا الوعيد الخاص فيمن اقتطع ذلك من مسلم، وأما من اقتطعه من معاهد فلا شك أنه آثم ولكنه لا يستحق هذا الوعيد، وبعضهم قال: إن هذا قد أغلبي ولا عبرة به، لأن القاعدة الأصولية أن كل قيد أغلبي فإنه ليس له مفهوم. ثم إنه إذا كان هذا في المسلم فإنه يكون في الذمي؛ لأن الذمي إذا أهين صار فيه إخفار للذمة والعهد، وإخفار الذمة والعهد من صفات المنافقين. على كل حال: لا يجزم الإنسان بأن هذا الوعيد الذي حصل لمن اقتطع من مال امرئ مسلم يكون كذلك لمال المعاهد والمستأمن والذمي، لكنه يخشى أن يكون كذلك، وقوله "هو بها فاجر" الجملة هنا حالية، حال من فاعل "يقتطع" أو من فاعل "حلف" وهو الأقرب، يعني: من حلف حال كونه فاجرا، والفاجر هو الكاذب، "لقى الله"، يعني: يوم القيامة، "وهو عليه غضبان"، ويحتمل أن يكون اللقاء بعد الموت مباشرة؛ لأن من مات انتقل إلى الآخرة، لكن الظاهر الأول، وقوله "وهو عليه"، "هو" الضمير يعود على الله، "عليه" الضمير يعود على المقتطع، "غضبان" الوصف هذا لله . في هذا الحديث فوائد: منها: أن اليمين قد يكون سببا للاستحقاق ولو ظاهرا، وله صورتان كما سبق. ثانيا: وجوب احترام أموال المسلمين وعدم العدوان عليها. ثالثا: أن الحالف قد يكون صادقا، وقد يكون كاذبا، بدليل -هو فيها فاجر- ولو لم يكن ينقسم ما احتيج إلى القيد. ويستفاد من الحديث: إثبات ملاقاة الله ، وقد جاء في القرآن في عدة مواضع: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦] ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه وبشر المؤمنين﴾ [البقرة: ٢٢٣]. هذا فيه أمر وخبر وبشارة ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه﴾ لكن لا تخافوا من هذه الملاقاة إن كنتم مؤمنين، ولهذا قال: ﴿وبشر المؤمنين﴾ أما من لم يكن مؤمنا - والعياذ بالله - فسيلقى جزاءه الأوفى. مسألة: وهل يستفاد من الملاقاة رؤية الله؟ الجواب: لا، لا يلزم من الملاقاة الرؤية فيما سيظهر، وإن كان بعض العلماء قال: إنه يلزم من الملاقاة الرؤية؛ لأن من لم يرك ولو خاطبك فإنه لم يلاقك، ولهذا تجدون المهاتفة في الهاتف لا تعد ملاقاة مع أنه يخاطبك، فإن كان في

стр. 3198

ذلك دليل على رؤية الله فهذا المطلوب، وإن لم يكن فالأدلة -والحمد لله- متوافرة سوى هذا. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات الغضب لله لقوله: "وهو عليه غضبان"، والله تعالى بوصف بالغضب، ويوصف بالرضا، ويوصف بالسخط، ويوصف بالكراهية، وبوصف بالمقت، ويوصف بالبغض، لكن في محله، فما هو الغضب؟ قال أهل التحريف: الغضب هو الانتقام، أو إرادة الانتقام، وقال السلف وأهل الحق: الغضب وصف يليق الله من آثاره الانتقام، وليس الانتقام هو الغضب بل هو وصف زائد على الانتقام، انظر كيف فسروا الغضب الانتقام، لأن الانتقام منفصل عن الباري ، إذ هو عقوبة منفصلة لا تتعلق بالذات، وهو لا يمنعون أن يكون هناك عقوبة منفصلة عن الله لا تتعلق بذاته الانتقام، لأنهم يثبتون الإرادة ويقولون: لا بأس أن يوصف الله بالإرادة لكن الغضب لا، أما نحن فنقول: إن لله غضبا هو وصفه كما يليق بجلاله، ولا يمكن أن يفسر بالانتقام، لأن الله تعالى قال: ﴿فلما ءاسفونا أنتقاما منهم﴾ [الزخرف: ٥٥]. وأسفونا بمعنى: أغضبونا، وليس المعنى: ألحقوا بنا الأسف الذي هو الحزن، بل آسفونا: أغضبونا فانتقمنا منهم. إذن لو غضب بمعنى الانتقام لكان معنى الآية: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، وهذا كلام عبث ينزه عنه كلام الخالق إذن الغضب ليس الانتقام بل هو شيء زائد على الانتقام. ما حجة الذين ينكرون أن بوصف الله بالغضب؟ حجتهم مبنية على مصدر تلقي صفات الله من أين تتلقى؟ هم يرون أن تتلقى من العقل، ولهذا كانت القاعدة عندهم فيما يثبت وينفى عن الله كما يلي: ما دل العقل على ثبوته فأثبته سواء وجدته في القرآن والسنة أم لم تجده، إذا لم أجده يكون هذا من باب من افترى على الله كذبا، وقال على الله ما لا يعلم، هم يقولون: لا بأس ما دام العقل دل على هذا أثبته. القاعدة الثانية: وما نفاه العقل فانفه ولا تثبته؛ لأن الله لا يوصف بما ينافي العقل. القاعدة الثالثة: وما لم يقتض إثباته ولا نفيه فماذا نفعل؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أكثرهم نفاه؛ لأن القاعدة عندهم لابد من دليل إيجابي على ثبوته فإن لم يدل على ثبوته فلا تثبته، هذه قاعدة أكثرهم، وعلى هذا فما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فإن أكثرهم ينفيه ولا يصدق به حتى ولو كان في كتاب الله بأصرح العبارة أو في كلام رسوله، وبعضهم توقف فيه. أيهم الأقرب للورع -ولا ورع عندهم-؟ المتوقف، لكنه ليس ورعا؛ لأن الورع حقيقة أن يثبت ما أثبته الله لنفسه سواء اقتضاه عقله أو لم يقتضه، نحن نقول: إن الله تعالى يغضب، ولكن هل يمكن لقائل أن يقول الغضب صفة نقص؛ لأن النبي ﷺ سأله رجل قال: أوصني، قال: "لا

стр. 3199

تغضب" فقال أوصني قال: "لا تغضب"، قال: أوصني، قال: "لا تغضب"، ردد مرارا قال: لا تغضب، وإذا كان الرسول الله ﷺ يوصيه ألا يغضب فإنه لن يوصيه بشيء يكون كمالا بل لابد أن يكون ناقصا فيكف يوصف الله به؟ قلنا: إن قسنا غضب الله بغضب الإنسان فهو نقص لا شك؛ لأن الإنسان إذا غضب تصرف المجنون ربما يقتل ولده وربما يكسر ماله وربما يحرق ماله وربما يطلق زوجاته، إذا هو نقص لكن في حق الخالق لا يمكن أن يصدر عن غضب الله شيء ينافي حكمته بل لابد أن يكون لحكمة. ثم الغضب من حيث هو في مقام السلطة يدل على كمال السلطان، لأنك إذا ضربت إنسانا مثلا ثم غضب معناه أنه يستطيع أن ينتقم منك، ولهذا إذا رأيته غضبان تهرب، لكن لو ضربت ضعيفا ماذا يفعل؟ يمشي، لأنه لا يستطيع الانتقام، إذا فالغضب من حيث هو غضب هو كمال، لكن من حيث ما يصدر عنه يكون نقصا، وهو هو الذي أوصى النبي ﷺ بعدمه. على كل حال: في هذا الحديث إثبات الغضب لله وهل جاء في القرآن إثبات غضب الله؟ في مواضع متعددة ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه﴾ [النساء: ٩٣]. الحكم بحسب البينة: ١٣٥٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁: «أن رجلين اختصما في دابة، وليس لواحد منهما بينة؛ فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وهذا لفظه، وقال: "إسناده جيد". اختصما في دابة وليس لواحد منهما بينة، وظاهر الصورة هذه أن الدابة ليست في يد أحدهما أو في أيديهما جميعا، ليست في يد واحد منهما بأن تكون بيد ثالث لا يدعيها ولم يقر بها لأحدهما، كل منهما ادعاها وليس له بينة، ماذا تعمل؟ هذه واحدة. الصورة الثانية: ادعيا في أيديهما كل واحد ممسك بها، واحد يجرها من الخلف ويقول: هذه ناقتي، والثاني من الأمام ويقول هذه ناقتي، وليس لأحدهما بينة، قضى بها النبي ﷺ بينهما نصفين؛ وذلك لأن نصفها بيد واحد والنصف الثاني بيد الآخر، فمن بيده النصف يكون مدعي عليه به، ومن بيده النصف الآخر يكون مدعى عليه به ومنكر، فكل نصف منها فيه دعوى وإنكار وليس هناك بينة، إذن الطريق -طريق العدل- أن نقسمها بينهما نصفين؛ لأنه لا

стр. 3200

يوجد مرجح لا لهذا ولا لهذا، وقسمها بينهما نصفين ممكن بأن تباع العين المتنازع فيها أو تقوم ويأخذها أحدهما، ويمكن إذا كانت مما تؤكل أن تذبح وتقسم، لكن إذا أبيا أن تذبح لم يمكن عندنا إلا البيع أو التقويم، فقضى بها النبي ﷺ بينهما. فهذا الحديث فاصل بين المتنازعين من العلماء، حيث إن لهم في هذه المسألة أقوال، فمنهم من قال: إنه يقرع بينهما؛ لأن هذه الدابة ملك لواحد منهما فقط فهي إما لزيد وإما لعمرو ولا بينة فيقرع بينهما، فإن قال أحدهما: أنا أحلف وأبى الثاني أن يحلف فيقضى له بها -أي: للحالف-؛ لأنه ترجح جانبه باليمين ونكل صاحبه. وقال بعض العلماء: تقسم بينهما على حسب البينة، وهذا يوافق ما روي عن علي ﵁ فيما سبق فيما رواه البخاري أن الرسول ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهما، وهو أن يقال: إذا كان لأحدهما بينة بثلاثة وللاخر بينة وبأثنين تقسم أخماسا أسهم ثلاثة لمن بينته ثلاثة وسهمان لمن بينته سهمان. ولكن إذا صح الحديث الذي ذكره المؤلف، والمؤلف يقول: إن إسناده جيد، إذا صح فإنه فصل النزاع، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله ﷺ ، فإن لم يصح فالقرعة أقرب؛ لأنها حقيقة هي لواحد لا بعينها لم يدع كل واحد منهما أن نصفها له ادعى كل واحد أنها كلها له، وعلى هذا فلا طريق إلى فصل الخصومة بينهما إلا بالقرعة. ولكن كما قلت لكم لا يمكن لأحد استبانت له السنة أن يعدل عنها إلى قول أحد كائنا من كان كما نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على ذلك أن كل من استبانت له سنة الرسول ﷺ فلا يحل له أن يعدل عنها إلى قول أحد كائنا من كان، فنقول: هذا الحديث إذا صح وهو قد جود إسناده الحافظ ﵀ فإنه فصل النزاع، ونقول: هي بينكما نصفين. تغليظ اليمين بالزمان أو المكان: ١٣٥٥ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من خلف على منبري هذا بيمين آثمة؛ تبوأ مقعده في النار». رواه أحد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان. قوله ﷺ : «من حلف على منبري هذا» منبره ﵊ مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع وهو الذي صنع له من طرفاء الغابة، وكان قبل ذلك يخطب إلى جذع نخلة ثم صنع له هذا المنبر فصار ﷺ يخطب علبه في خطبة الجمعة، وقوله: "على منبري هذا" يحتمل

стр. 3201

أن "على" هنا بمعنى: عند، ويحتمل أنها بمعنى العلو، يعني: عليه؛ أي: صاعدا عليه أو عنده، يعني: بقربه، وعلى هذا فيرجع في ذلك إلى رأي القاضي، إذا قال: لابد أن ترقى على المنبر لتعلن هذه اليمين التي تحلف عليها في استحقاق ما تدعيه، ولا شك أنه إذا صعد عليه فهو أشد وأعظم خطرا وأعظم هيبة. وقوله: "بيمين آثمة"، اليمين الآثمة هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق، "تبوأ مقعده في النار" هذه خبر على ظاهره، أي: أنه أعاد مقعده من النار بهذه اليمين. في هذا الحديث: التحذير من الحلف باليمين الكاذبة على منبر النبي ﷺ ، وفيه إشارة إلى التغليظ بالمكان، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أن تغليظ اليمين لا يكون إلا في شيء له خطر وأهمية كمال كثير أو دعوى قصاص أو زنا أو غير ذلك من الأمور الخطرة، والزنا ليس فيه يمين، لكن أقول: إنه من الأمور الخطرة، لكن لا تغلظ في الشيء التافه؛ لأن تغليظها خطير جدا، والشيء التافه لا يساوي أن تغلظ الأيمان فيه، إنما تغلظ فيما له خطر. وهل التغليظ واجب على القاضي أن يغلظ مطلقا يعني: واجبا مطلقا أو واجبا بطلب الخصم، أو ليس بواجب، ويرجع فيه إلى ما يراه الحاكم؟ الصواب: الثالث أنه إذا رأى الحاكم أن يغلظ اليمين فليفعل؛ لأن هذا من باب استظهار الحق، التغليظ يكون بأربعة أمور: بالمكان، والزمان، والهيئة، والصيغة. أما الزمان فمن بعد صلاة العصر إلى الغروب؛ لأن هذا الزمن أقرب ما يكون للعقاب فيما إذا كان الإنسان كاذبا؛ لأنه آخر النهار، وآخر النهار أفضل النهار، ويشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿تحسبونهما من بعد الصلاوة﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: من بعد صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى وهي أفضل الصلوات. أما المكان ففي المدينة النبوية على منبر النبي ﷺ وفي مكة قالوا: بين الركن والمقام - مقام إبراهيم - ولكن هو الحجر الأسود، والظاهر -والله أعلم- أن هذا التعبير حين كان المقام لاصقا بالكعبة فيكون التغليظ في الملتزم الذي بين الركن وبين الباب؛ لأن هذا من أشرف الأماكن، وفي غيرهما يكون عند المنبر في المسجد الجامع أو عند المحراب في المساجد غير الجوامع هذا تغليظ في المكان. أما في الهيئة فقالوا: أن يكون الإنسان -المحلف- قائما لأنه أقرب للعقوبة -والعياذ بالله- ربما يغمى عليه في الحال ويسقط. بقي لنا الصيغة، المسلم يقول: أحلف بالله العلي العظيم ... إلخ ما يذكر من صفات العظمة والسلطان، قالوا: واليهودي يغلظ عليه فيقال: أحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى،

стр. 3202

والنصراني نقول له: قل أحلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وإذا رأي القاضي أن يذكر صيغة أخرى لكنها ليست شركا فليفعل، أما إذا كانت شركا بأن يحلف البوذي بإلهه فهذا لا يجوز. الحلف بالطلاق والعتق والوقف هل يجوز؟ لا يجوز، هذه أيمان رتبها الحجاج بن يوسف الثقفي في البيعة ولهذا تسمى أيمان البيعة الذين يبايعون الخلفاء يؤاخذون بالعهود في هذا، فمثلا إذا قال: إن كنت كاذبا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار، وأملاكي أوقاف هل يحلف بهذا؟ لا يحلف: لأن هذه أيمان بدعية فلا يركن إليها حتى لو قال قائل: هذا الرجل لو أحلفته إذا كان فاجرا فهل نحلفه؟ الجواب لا، نحن نقول: نحلفه بالله والعقوبة وراءه يلقى الله وهو عليه غضبان، قم إني أقول لكم بحسب ما سمعنا: أنه إذا حلف الإنسان كاذبا فإن العقوبة أقرب إليه من قدميه وله شواهد ليس هذا موضع ذكرنا فيمن يحلفون وهم كاذبون أن العقوبة لا تتجاوزهم إلا قليلا وتحيط بهم إما بفقد المال الذي حلفوا عليه وإما بفقد أولادهم، أحيانا يحلفون ثم يخرجون بأولادهم للنزهة والفرح بالنجاة في هذه القضية، وإذا بهم يصابون بحادث يعدمهم -والعياذ بالله- وهذا له شواهد واقعية، ولهذا يجب الحذر من الحلف بالله تعالى في مثل هذا الأمر. في هذا الحديث أيضا من الفوائد: إثبات النار، أو لا حاجة لهذه الفائدة، وبكون قولنا هذا مثل قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا؟ نقول: لا؛ لأن هناك ناسا ينكرون النار، الذين ينكرون البعث ينكرون النار، فلهذا لا مانع من أن نقول: في الحديث إثبات النار، وأن هذه اليمين سبب لاتخاذ مكان من النار. ومن فوائد الحديث: تغليظ الحلف على منبر النبي ﷺ ، ووجه ذلك: أن منبر النبي ﷺ مقام دعوة للخير، فإذا حلف الإنسان على هذا المنبر الذي هو مقام دعوة للخير على وجه يكون ظلما وجورا فهذا غاية المحادة لله ورسوله، المنبر كان الرسول يخطب عليه الناس، يدعو للخير، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإذا حلف الإنسان على هذا المنبر يمينا كاذبة فيعني ذلك أنه أحل محل الحق باطلا فصار ذلك أعظم. ومن فوائد الحديث: أنه يمكن تغليظ اليمين بالمكان، وقد ذكرنا في الشرح أن لتغليظ يكون بأربعة أوجه. ومن فوائد الحديث: أن الحلف على منبر النبي ﷺ بيمين كاذبة من كبائر الذنوب، وجهه:

стр. 3203

الوعيد على ذلك: "تبوأ مقعد من النار"، فهل نقول: كل ذنب ذكر الوعيد عليه فهو من الكبائر؟ الجواب: نعم، هكذا قال العلماء، وبناء على ذلك تكون الكبائر معروفة بالحد لا بالعد، وما ورد في بعض النصوص من العد فليس المراد به الحصر كقول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات». الحد اختلفت عبارات العلماء والفقهاء فيه، وأجمع ما قيل فيه: أنه ما ذكر عليه عقوبة خاصة، إذا ذكر على الذنب عقوبة خاصة دينية أو دنيوية أو أخروية فإنه من كبائر الذنوب، أما ما جاء منهيا عنه فقط مثل لا تفكل كذا أو مذكورا فيه التحريم مثل: حرم كذا، أو نفي الحل مثل: لا يحل كذا، فهذا ليس من الكبائر بمجرد هذه الصيغة ما لم يوجد دليل. وهل يمكن أن يقال: إن فيه إثبات وجود النار؟ نعم، من قوله: "تبوأ مقعده". وهل يمكن أن تلحق بمنبر الرسول ﷺ منابر المساجد الأخرى؟ الجواب: قال بعض أهل العلم: إنه يلحق به من حيث التغليظ لا من حيث العقوبة، فمثلا: لو حلف الإنسان على يمين فاجر عند منبر مسجد من المساجد ورأى القاضي أنه يغلظ اليمين في هذا المكان فلا بأس، لكنه لا يستحق العقوبة التي كانت على منبر النبي ﷺ وذلك لشرف المكان. الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: ١٣٥٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة، يمنعه من ابن السبيل؛ ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأخذها بكذا وكذا، فصدقه، وهو على غير ذلك؛ ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف». متفق عليه. "ثلاثة" مبتدأ، وجملة: "لا يكلمهم الله" معطوفة عليه خبر، فإن قال قائل: كيف جاز الابتداء بالنكرة والابتداء بالنكرة ممنوع؛ لأن الخبر تعريف وحكم، ولا يمكن أن يكون الحكم إلا على شيء معلوم والنكرة غير معلومة؛ ولهذا قال النحويون قولا حقا إنه لا يجوز الابتداء بالنكرة؛ لأن الاسم النكرة مجهول، والخبر محكم عليه، ولا يمكن أن نحكم على شيء مجهول؟ فيقال: إن ابن مالك ﵀ قال كلمة جيدة في هذا قال: (ولا يجوز الابتدا بالنكرة ... ما لم تفد كعند زيد نمرة)

стр. 3204

يعني: ما لم يكن لها معنى خاص زائد على مدلولها المطلق، هذا معنى قوله، لابد أن يكون هناك سبب لكونها ابتدئ بها وهي نكرة، وإلا فالأصل أنه لا يصح، لو قلت: رجل قائم ما يصح، لكن إذا كان هناك شيء يقيد هذا الإطلاق فإنه يصح، لو قلت: رجل فاضل قائم صح، إذن الجواب: أنه يجوز الابتداء بالنكرة، متى؟ إذا أفادت، وهنا فيها فائدة تقسيم: "ثلاثة لا يكلمهم"، ولا شك أن التقسيم فائدة، ومنه قول الشاعر: [المتقارب] (فيوم علينا ويوم لنا ... ويون نساء ويوم نسر) ومثل هذا التركيب لا يدل على الحصر، أي: أنه لا يوجد سوى هؤلاء؛ لأنه يوجد سوى هؤلاء كثيرون، يقول: "لا يكلمهم الله يوم القيامة"، أي: كلام رضا، لكن قد يكلمهم كلام غضب كما في قوله تعالى: ﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وكلام الغضب ليس بشيء بل عدمه خير من وجوده، إذن "لا يكلمهم" كلام رضا، "ولا ينظر إليهم" كذلك نظر رحمة ورضا، أما النظر العام فهو لا يخفي عليه شيء، كل شيء يراه ، "ولا يزكيهم"، أي: لا يطهرهم؛ لأنهم ليسوا أهلا للتزكية، "ولهم عذاب أليم"، بالإضافة إلى ذلك لهم عذاب أليم، بمعنى: مؤلم، ففعيل هنا بمعنى: مفعل، ويوجد بيت مشهور وهو قول الشاعر: [الوافر] (أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع) السميع بمعنى المسمع، يعني: هل هناك داع يسمعني. الأول: "رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه من ابن السبيل"، أي: عنده ماء زائد عن حاجته في فلاة يمنعه من ابن السبيل، يأتي ابن السبيل محتاجا إلى الماء فيقول له: هذا ممنوع، لا تأخذ منه، لا تشرب منه، مع أنه زائد عن الحاجة ليس محتاجا إليه. والثاني: "رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك"، هذا المنفق سلعته بالحلف الكاذب، لكن جاء في حديث أبي ذر على وجه الإطلاق، وجاء هنا مقيدا بما بعد العصر، حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة لا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» قالها ثلاثة، قال أبو ذر: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».

стр. 3205

الشاهد قوله: "المنفق سلعته بالحلف الكاذب"، فهنا أطلق أن كل من كذب في سلعته فإن له هذه العقوبة، لكن يمكن أن نقول: هذا مطلق ويقيد بما في هذا الحديث، وهذا الحديث قيد الإطلاق من وجهين: أنه بعد العصر، وأنه حلف أنه أعطى بها كذا وهو لم يعطه، كما قيدنا قوله: "المسبل" بأنه إذا كان مسبلا ثوبه خيلاء. "رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لآخذها بكذا" من الحالف؟ البائع، "لأخذها" أي: اشترها بكذا، وقوله: "لأخذها" اللام الواقعة في جواب القسم، وحذف منها "قد"، وإلا فالأصل: "لقد"، لكن حذفت لقرب الجواب من القسم، "لأخذها بكذا وكذا" كناية عن عدد معين، "فصدقه" أي: المشتري؛ لأن المشتري رجل سليم القلب يظن أن الناس على صدق، وهو على غير ذلك، بكم سيأخذها المشتري؟ قد يأخذها بثمنها وقد يكون أكثر، المهم سوف يعتقد المشتري أنه لن يبيعها بأقل. والثالث: "رجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا"، "بايع" أي: عاهده، وسميت المعاهدة المبايعة؛ لأن كل منهما يمد باعه إلى الآخر ليأخذ بيده، فيمد يده فيقول: أبايعك على كذا وكذا، فهذا بائع إماما على السمع والطاعة، ولكن إنا فعل ذلك لأجل الدنيا، إن أعطى من الدنيا وفى وإن لم يعط منها لم يف وتمرد وخالف وعصى هذا من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، الشاهد من هذا الحديث قوله: "رجل بايع". ففي هذا الحديث فوائد أصولية وفقهية جمة: منها: إثبات أن الله يكلم، ووجه الدلالة: أن الله نفى الكلام عن هؤلاء الثلاثة، ولولا أنه يكلم من سواهم ما كان [لتخصيصهم بعدم الكلام] فائدة، وكلامه بالحرف والصوت، فهو يقول قولا مسوعا، وهذا شيء متواتر متفق عليه بين السلف، دل عليه الكتاب والسنة يقول الله : ﴿ونادينها من جانب الطور الأيمن وقربناه يحيا﴾ [مريم: ٥٢]. لما كان بعيدا ناده الله مناداة؛ لأن البعيد يحتاج إلى رفع الصوت، والنداء: هو المخاطبة برفع الصوت، ولما قرب صارت مناجاة؛ يعني: بصوت أدنى. وقال النبي ﷺ : «إن الله يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك»، الجواب: من من؟ من آدم «فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار»، «فينادى -الفاعل الله بصوت: إن الله يأمرك»، هذا الحديث واضح ينادي بصوت وقد حرفه بعض أهل التعطيل، وقال: إن الصواب: "فينادى بصوت إن الله يأمرك" من أجل أن

стр. 3206

تكون المناداة من غير الله ، وأيد حديثه بقوله: "إن الله يأمرك"، ولم يقل: إني آمرك، ولكن هذا تحريف؛ لأن الرواة باللفظ المتواتر: "فينادي بصوت"، وأيضا لفظ الحديث في آخره: "قال: يارب، وما بعث النار؟ " وهو صريح في المخاطبة. المهم: قوله: "فينادي بصوت" فإن قوله: "بصوت" توكيد لمعنى النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا برفع صوت إذن كلام الله بحرف وصوت خلافا لقول الأشاعرة الذين قالوا: إن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه وهو أزلي لا يقبل الحدوث أبدا، وبناء على قولهم لا فرق بين العلم والكلام، لأن الكلام عندهم هو المغنى القائم بالنفس، ولا يمكن أن يتجدد ولا يحدث ولا يتعلق بمشيئة. إذا كيف نجيب عما يسمعه الأنبياء الذي يوحى إليهم ويكلمهم؟ قالوا: إنه يخلق أصواتا تعبر عما كان في نفسه فيسمعه المخاطبون، وهذا تحريف، وهو يؤدي إلى فساد أبلغ من فساد الجعمية والمعتزلة؛ لأن الكل يقولون: إن ما يسمع مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: هو كلام الله، وهؤلاء الأشاعرة يقولون: ليس كلام الله، بل هو عبارة عنه؛ ولهذا كانوا أبعد عن الصواب من المعتزلة في هذه المسألة؛ لأن أولئك يقولون هذا كلام الله تعالى خلقه وسمع، وهم يقولون: لا، لم يكن كلام الله ولكنه عبارة عنه. ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة، والإيمان به أحد أركان الإيمان السنة وهو معروف. ومن فوائده: إثبات النظر لله لقوله: "ولا ينظر إليهم"، ووجد الدلالة: أن نفي النظر عن هؤلاء دليل على إثباته لغيرهم، كما استدل الإمام الشافعي ﵀ في قول الله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففيين: ١٥]. قال: لم يثبت الحجب لهم وإلا وهو يراه من سواهم. ومن فوائد الحديث: إثبات تزكية الله للعبد، وهذا ثابت حتى في القرآن، قال الله تعالى: ﴿ولكن الله يزكى من يشاء﴾ [النور: ٢١]. فمن الذي زكاه الله؟ الذي زكاه الله تعالى هو المتقي لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، فكل فكل من كان أتقى لله كان أشد تزكية من الله تعالى. ومن فوائد الحديث: إثبات العذاب وأنه عذاب ليس بالهين بل هو عذاب مؤلم لقوله: "ولهم عذاب أليم". ومن فوائده: بذل فضل الماء لمن احتاجه إذا كان على طريق، وجه الدلالة على الوجوب: هو الوعيد على المنع، فإذا ثبت الوعيد على المنع ثبت الوجوب في البذل. ومن فوائده: أن الإنسان إذا كان محتاجا إلى الماء فله أن يمنع غيره منه، يؤخذ من قوله:

стр. 3207

"فضل الماء"، ومن قوله ﷺ : «ابدأ بنفسك»، وعلى هذا فإذا وجد ماء يكفي لإنقاذ نفس واحدة وهو مملوك لآخر وهو إن لم يشرب هلك ومعه صاحب له إن لم يشرب هلك، فهل الأولى لصاحب الماء أن يؤثر به صاحبه أو أن يشربه هو؟ الثاني. هذا إذا لم يمكن قسم الماء، أما إذا أمكن قسم الماء فالأمر واضح، أما إذا لم يكن فالأولى أن يبدأ بنفسه لقول النبي ﷺ : «ابدأ بنفسك»، وما ذكر من القصة التي حصلت في وقعة اليرموك وهي قصة الثلاثة الذين أحضر إليهم الماء، وكل واحد يقول: أعطه فلانا فما عاد إلى الأول حتى هلكوا جميعا، فهذه القصة أولا لا أعرف صحتها، هذه واحدة، والثاني: أنه اجتهاد، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب. ومن فوائد الحديث: أن الكذب في ثمن السلعة بعد العصر من كبائر الذنوب، لقوله: "ورجل بايع ... إلخ"، فهل يقال على الكذب في الثمن كالكذب في الصفة؛ يعني: هل تقول: إنه لو كذب الإنسان في وصف البيع بعد العصر وحلف بأن قال: والله إن هذه الشاة لبون، والله إن هذا الثوب من الثوب الأصلي، فهل نقول: كالكذب في الثمن؟ الظاهر: نعم؛ لأن كل منهما كذب من أجل زيادة الثمن، فالظاهر أن الرسول ذكر ذلك على ضرب المثل، وأن كل منهما كذب من أجل زيادة الثمن، فالظاهر أن الرسول ذكر ذلك على ضرب المثل، وأن كل من حلف في وصف السلعة أو في ثمنها من أجل الزيادة فالحكم واحد؛ لأنه يقتطع به مال امرئ مسلم. ومن فوائد الحديث: أن مبايعة الأئمة من الدين، وجهه: أن النبي ﷺ جعل المبايعة من أجل الدنيا من كبائر الذنوب وهو كذلك، ومبايعة العامة للإمام دين لا شك؛ لأنه يترتب عليها واجبات كثيرة ومحرمات كثيرة، وإذا كان عقد النكاح على المرأة من الدين وهو يترتب عليه ما يترتب على البيعة -بيعة الإمام- فهذه من باب أولى، فعندنا أثر وقياس، أن مبايعة الإمام من الدين؛ ولهذا من مات وليس في عنقه بيعة للإمام مات ميتة جاهلية. ومن فوائد الحديث: تحريم مبايعة الإمام للدنيا، لأن الرسول ﷺ توعد على ذلك، وعلى هذا فيكون من كبائر الذنوب. هل يقال مثل ذلك من كذب على الإمام بأن سأله الإمام عن أحوال الناس؟ فقال له: الأحوال كلها مرضية وكلها على ما تريد، كل شيء طيب، وهو كذاب هل يدخل من هذا؟ هذا لا يدخل في الحديث، لكنه خيانة لولي الأمر وخيانة للرعية، والواجب على من سأله ولي

стр. 3208

الأمر سواء الولى في الدولة أو من دونه، أن يبين له الأمر على ما كان عليه، قد يقول: إذا بينت له الأمر على ما كان عليه ضاق صدره، ونحن لا نحب أن نضيق صدره، نريد أن يبقى مسرورا منشرح الصدر، نقول: نعم، هو يضيق صدره الآن لكن يسعى للحلول كيف يتخلص من هذا؟ إما أن يبدي له الأمور على أنها أكمل شيء وهي بالعكس فسيبقى الشر والفساد على ما كان عليه فلابد من أن يبين لولاة الأمور الأمر على ما كان عليه. كذلك الأمر في المدارس سأله المدير قال ما تقول في أجوبة الطلبة؟ قال: ما شاء الله ما بين ممتاز وجيد جدا، وأجوبتهم في الحقيقة أعلاهم من أتى بلقب مقبول، لكن يريد أن يدخل السرور على المدير، نقول: هذا حرام عليك، الواجب أن تخبره بالواقع، وإذا كان أعلاهم من أتى بلقب مقبول فماذا يكون أدناهم؟ ! فيجب أن تبلغ حتى تحل المشكلة. اليد المرجحة للشهادة الموافقة لها: ١٣٥٧ - وعن جابر ﵁: «أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما: نتجت عندي، وأقاما بينة، فقضى بها رسول الله ﷺ لمن هي في يده». قوله: "أن رجلين" لم يبنيا هذان الرجلان، ولا يهمنا أن يبين صاحب القصة أو لا يبين إذا لم يكن في تبيينه ضرورة، وعلى هذا فلا يعد هذا من الجهل المذموم؛ لأن الذي يهمنا هو القصة، وقوله: "اختصما في ناقة فقال كل واحد منهما نتجت"، يقال: إن نتج يكون دائما مبنيا للجهول، وقد ألف في هذا رسائل مثل: "إتحاف الفاضل في الفعل المبني لغير الفاعل"، وهو كتيب صغير لكنه جيد في موضوعه، يذكر كل فعل في اللغة العربية لا يبنى للفاعل، وإنما يبنى لما لم يسم فاعله، ومعنى "نتجت" أي: ولدت عنده. "وأقاما بينة" كل واحد منهما أقام بينة، ومن المعلوم أن هاتين البينتين متناقضتان، هذه تشهد بأنها ولدت عند زيد والأخرى تشهد بأنها ولدت عند عمرو، ولا يمكن أن تولد ناقة واحدة من بطنين مختلفين، فلابد أن إحدى البيتين غير صحيحة، المهم: أن كل واحد أقام بينة. "فقضى بها رسول الله ﷺ لمن هي في بيده"، إذن الناقة الآن في يد واحد، أيهما المدعي وأيهما المدعى عليه؟ المدعى عليه الذي هي في يده، فلدينا الآن مدع ومدعى عليه، كما منهما أقام بينة، ونحن لو وقعت عندنا هذه الخصومة لمكان القاضي أول ما يطلب أن يقول للمدعي: ألك بينة؟ إذا أتى ببينة ولم يكن للثاني بينة حكم له وانتهى الموضوع، وإذا قال: ليس عندي

стр. 3209

بينة وأطلب يمينا فحلف من هي في يده أيضا انتهت الخصومة، لكن الآن لدينا مدع أقام بينة ومدعى عليه أقام بينة، اليمين هنا لا محل لها؛ لأن لدينا بيتين لكل واحد منهما بينة، فلمن نحكم في هذه الحال؟ الحديث صريح بأن الرسول ﷺ قضى بها لمن هي في يده، وجه القضاء بذلك: أن الذي في يده لديه بينة معارضة ببينة المدعي، لكن جانبه ترجح بكون المدعي به في يده فترجح جانبه الآن؛ لأننا نقول البينتان تعارضتا فتساقطتا فيرجح جانب المدعى عليه لأنها في يده، ثم هل يحتاج إلى اليمين؟ من أهل العلم من قال: إنه يحتاج إلى اليمين؛ لأن البينتين لما تساقطنا صارت القضية كأنه ليس فيها بينة لا للمدعي ولا للمدعى عليه، وفي مثل هذه الحال يكون على المدعى عليه اليمين، أنتم تعلمون الآن لو أن زيدا ادعى على عمرو بمائة وليس له بينة فإننا نقول لعمرو: احلف، فالآن تساقطت البينتان، فلابد من أن يحلف المدعى عليه، وقال بعض أهل العلم: لا حاجة لليمن؛ لأن لديه بينة، ولا يمين مع البينة، وهذه البينة إنما رجحناها لكون المدعى به في يده وحينئذ لا حاجة إلى اليمين. إذا هذا هو ظاهر الحديث، فالآن تحكم بها لمن هي في يده وهو المدعى عليه بيمين أو غير يمين؟ على قولين، وظاهر الحديث أنه لا يمين عليه وهو الأقرب، وهذا هو القول الراجح، وذلك أنه يقضي بها للداخل وهو الذي هي بيده. القول الثاني خلاف هذا الحكم أنه يحكم بها للمدعي ويسمى الخارج، قالوا: لأن الداخل ليس مطالبا ببينة لقول النبي ﷺ : «البينة على المدعي»، وهذا أتى ببينة فيحكم له بها، أما ذاك فليس في جانبه إلا اليمين، ولسنا بحاجة إلى اليمين، لأن لدينا بينة للمدعي، فصار أصل المسألة فيها قولان: هل هي للمدعي عليه؟ المدعي يسمى عندهم "الخارج"، والمدعى عليه يسمى "الداخل"، فهل هي للخارج ببينته وتلغى بينة الداخل أو هي للداخل؟ فيها قولان على القول بأنها للداخل وهو الراجح، هل يحتاج إلى اليمين أو لا يحتاج؟ في ذلك قولان أيضا هذه هي المسألة والقول بأنها للخارج غريب؛ لأن أقل ما نقول من حيث النظر: تعارضت البينتان فتساقطتا، فبقي هذا المدعى عليه الذي هي في يده بقي راجحا جانبه بكون المدعى به في يده، لكن هل يحتاج إلى اليمين أو لا؟ ترى في هذه المسألة أنه يقضى بها لمن هي في يده وهو الداخل، وأما إلزامه باليمين أو عدمه فهذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم، قد يرى الحاكم من المصلحة أن يحلفه، وهل يستحلف؟ نعم، لأنه جازم بأنها ناقته فيحلف، وهل سيحلف؟ نعم، لأنه جازم بانها ناقته فيحلف، ولا ضرر على الإنسان أن يحلف إذا كان صادقا.

стр. 3210

رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه: ١٣٥٨ - وعن ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق». رواهما الدارقطني، وفي إسنادهما ضعف. رد اليمين على جانب المدعي، وصورة هذه المسألة: أن المدعي ليس عنده بينة، والمدعى عليه نكل عن اليمين بأن قال: لا أحلف، فحينئذ يقضي عليه بالنكول، لكن يحتاج إلى تقوية دعوى المدعي وذلك باليمين، ترد اليمين على المدعي ونقول: تحلف؟ فقال: لا أحلف، فتبطل دعواه وإن حلف قضي له بذلك. صورة المسألة: ادعى زيد على عمرو بمائة ريال، ماذا نقول لزيد؟ البينة، ليس عنده بينة، ماذا نقول لعمرو؟ إذا أقر حكم عليه، وإذا لم يقر نقول عليك اليمين، فحلف، إذا حلف يخلى سبيله يترك وسقطت الدعوى، لو أبى أن يحلف يقضى عليه بالنكول، لأنه كونه يأبى اليمين يدل على أنه كاذب في إنكاره وإلا لحلف، إذ لا يضره اليمين شيئا. لكن هل ترد اليمين على المدعي قبل أن تحكم له بذلك أو لا؟ الحديث يدل على أنها ترد، فإذا قال المدعي: أنا لا أحلف، الحلف على المدعى على المدعى عليه، أنا على البينة وليس عندي بينة، والرسول يقول: اليمين على المدعى عليه فكيف تلزمونني؟ نقول: نلزمك؛ لأن صاحبك لما نكل وأبى أن يحلف ترجح جانبك أنت، واليمين تكون في أقوى جانبي المتداعيين، والنبي ﷺ رد اليمين على المدعي في باب القسامة لوجود القرينة الدالة على صدقه. والصحيح كما في هذه المسألة: أن الأمر موكول إلى القاضي، إن رأى أن يرد اليمين على المدعي فليردها ويقول للمدعي: احلف، وهل يضره إذا حلف وهو صادق؟ لا يضره، فإن أبى فحينئذ توقف الخصومة حتى يتبين الأمر، وإن رأى ألا يردها لكون المدعي ظاهر العدالة والمدعى عليه نكل، فإنه يقضى عليه بالنكول بلا يمين، أي: لا ترد اليمين على المدعي. وهذا القول هو الراجح: أن يكون رد اليمين على المدعي موكولا إلا رأي القاضي إن رأى أن ترد فترد وإلا فلا، والقاضي يعرف المسألة من قرائن الأحوال بالنسبة للشخصين وبالنسبة للمدعي به ويحكم بما يرى. * * *

стр. 3211

الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب: ١٣٥٩ - وعن عائشة ﵁ قالت: «دخل على رسول ﷺ ذات يوم مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري إلى مجزز المدلجي؟ نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض». متفق عليه. كلمة "ذات" ترد في اللغة العربية على عدة أوجه، منها: الزيادة للتوكيد مثل هذا اللفظ: "ذات يوم" فهنا كلمة "ذات" زائدة؛ إذ إنك لو حذفتها فقلت: دخل علي النبي ﷺ يوما صح [الكلام]، إذن هي زائدة للتوكيد، وأيضا فيها زيادة على التوكيد زيادة الإبهام؛ لأن "ذات يوم" مبهم، وقولها: "مسرورا" هذه حال من النبي ﷺ ، "تبرق أسارير وجهه" حال أخرى، و"تبرق" أي: تلمع، وأسارير الوجه هي مغابنه التي تكون في الجبهة، وإنما تبرق إذا دخل السرور على الإنسان، وأيضا الوجه -بإذن الله- مع السرور يستنير ويتوسع ويحس به الإنسان. فقال: "ألم ترى ... إلخ"، أي: ألم تعلمي، والاستفهام هنا للتقرير، والمغنى: أعلمت، وهو لتقرير الحكم الواقع، وقوله: "مجزز" اسم فاعل من جزز المزيدة، وأصلها غير مزيدة من جز، وهذا الرجل وصف بذلك؛ لأنه إذا كان عنده أسرى جز رءوسهم وأطلقهم ومن عليهم بالإطلاق. "والمدلجي" من بني مدلج، "نظر آنفا" أي: قريبا، "إلى زيد بن حارثة" وزيد بن حارثة مولى الرسول ﷺ ، وهبته له خديجة ﵁ فأعتقه فصار مولى له، "وأسامة بن زيد" ابنه، وكان لونهما مختلفا: أسامة أسود؛ لأن أمه حبشية، وزيد أبيض. هذا الذي نعرفه، لكن عندي في الحاشية يقول: وكان أسامة أبيض، لكن المعروف أن أسامة هو الأسود؛ لأن أمه حبشية فصار على لون أمه، وأبوه زيد أبيض، فكان المشركون ينالون من عرضه، لأنه له صلة بالنبي ﷺ ، لو كان مولى واحد من قريش ما همهم الأمر، لكن لأنه مولى للنبي ﷺ أرادوا أن يطعنوا فيه، فكانوا يتكلمون كيف يكون الابن أسود والأب أبيض، والنبي ﷺ -كما تعلمون- مغنم من ذلك أن يقال هذا في مولاه، وكان النبي ﷺ يحبه ويحب ابنه، حتى إنه يلقب -أعني: أسامة- بجب رسول الله ﷺ وابن حبه، فكان هذا يحزن الرسول ﷺ ، فلما مر هذا المجزز وكان قائفا نظر إلى أسامة وأبيه وكان فوقهما كساء لم يخرج منها إلا الأقدام فقط ولعله لا يعرفهما فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض"؛ لأنه قائف، فسر بذلك النبي ﷺ أن شهد هذا القائف بأن هذه الأقدام بعضها من بعض، ولا يكون بعضها من بعض إلا أن أحدهما ابن الآخر؛ لأن الولد بضعة من أبيه، فسر ذلك.

стр. 3212

ففي هذا الحديث فوائد: منها: أن النبي ﷺ بشر يلحقه البشر من السرور والحزن لقولها: "دخل علي مسرورا". ومنها أيضا: أنه ينبغي للإنسان أن يسر بمثل هذه الأمور التي يظهر بها الحق وينجلي بها، وتزول بها التهم عمن ليس من أهلها؛ لأن القلب الحجر لا يبالي، لا يسر بما يسر ولا يحزن بما يحزن، تجد قلبه حجريا لا يتأثر، والإنسان الرقيق اللين هو الذي يتأثر بمثل هذه الأمور سرورا أو حزنا. ومنها: حرص النبي صلى الله عليه على حماية الأعراض، وكما أن الله يحمي الأعراض بحد القذف ثمانين جلدة وألا تقيل له شهادة -أي: القاذف- وأن يكون فاسقا، فكذلك النبي ﷺ يحب حماية الأعراض. ومنها: أن النبي ﷺ من خير الناس لأهله، بل هو خير الناس لأهله؛ حيث دخل على أصغر نسائه عائشة أم المؤمنين ﵂ وأخبرها الخبر مما يدل على ينبغي للإنسان أن يكون مع أهله ممتزجا مختلطا لا يخفي عليهم شيئا، كما أنه لا ينبغي أن يخفوا عليه شيئا. ومنها: أن اختلاف اللون بين الأب وابنه أو بين الأم وابنها لا يستلزم التهمة، ويدل لذلك أيضا: ما ثبت في الصحيحين أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود -وكان الرجل وزوجته غير أسودين -وكأنه إما أنه يعرض بامرأته، وإما أنه يسأل الرسول كيف كان ذلك؟ الكلام محتمل، يعني: كيف يولد غلام أسود من بين أبوين أبيضين؟ ! وكان الرجل أعرابيا صاحب إبل، فقال له النبي ﷺ : «هل لك من إبل»، قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟ »، قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟ » قال: نعم، والأورق هو الذي لونه أبيض وفيه شيء من السواد كلون الفضة التي تسمى الورق، قال: «من أين أتاها ذلك؟ »، قال: لعله نزعه عرق -عرق من آبائه أو أجداده أو أمهاته - فقال: «فابنك هذا لعله نزعه عرق»، انظر للتعليم، ذكر الدليل قبل الحكم حتى يأتي الحكم والإنسان مقتنع تماما، فاللون لا ينبغي أن يكون سببا للتهمة، فقد يكون هناك عرق سابق، مع أن قضية أسامة وأبيه قريبة المسألة، من الذين يدعون بهذا؟ الأم قريبة أمه حبشية. ومن فوائد الحديث: العمل بالقيافة، وجه ذلك: أن النبي ﷺ أقرها وسر بها، أي: بالحكم بها، والنبي ﷺ لا يقر على باطل، ولا يسر بالباطل، فالقيامة حكم شرعي، دلت السنة عليه مبنية على الشبه. ولهذا نقول: القافة هم قوم يعرفون الأنساب بالشبه، والقائف: هو الذي يعرف الإنسان بالشبه، ولهذا قال العلماء ﵏: إذا تنازع رجلان في غلام ولا بينة لأحدهما فإنه يعرض على القافة، فمن ألحقته به لحقه، لكن لو ألحقته بالاثنين جميعا هل يلحق؟

стр. 3213

الفقهاء يقولون: نعم، يمكن أن يلحق الأبوين جميعا، لكن الأطباء يقولون: لا، لا يمكن أن يلحق بأبوين، فهل نرجع إلى كلام الفقهاء المبني على النظر أو نرجع إلى كلام الأطباء المبني على المحسوس؟ هذه ما لنا بها دخل، المهم: العمل بالقيافة، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرها وسر بها، ولا يقر على باطل، ولا يسر بباطل. فإذا قال لنا قائل: عن شخص مشتبه بنسبه قال: هذا ولد فلام ولم يدعيه أحد فهل يحكم له به؟ الجواب: نعم، يحكم له به ما لم يكذبه الحس، فإن كذبه الحس فإنه لا يحكم له به، مثل أن يقول: هذا ولد فلان، وللغلام خمس سنوات وللآخر ثماني سنوات هذا لا يمكن، وهل يلحق بالنسب غيره؛ بمعنى: لو أن القائف حكم بشيء من الأموال أو من الحقوق فهل يلحق بالنسب؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنه يلحق؛ لأن النبي ﷺ إنما حكم بالقيافة لأنها دليل ليس لأنها حكمت بنسبه، والدليل يكون في كل شيء. ومنهم من قال: إنه لا يكون إلا في النسب؛ وذلك لأن الشارع له تشوف لثبوت الأنساب، لكن العمل الآن على الأول أنه يعمل بالقيافة، لكنه يؤخذ الإنسان ويقرر حتى يقر، فلو قال القائف: هذا الأثر قدم فلان فإنه يحكم بذلك، ويؤتى بالرجل ويقرر، ولا يقال: إننا لا نلفت لقول القائف إطلاقا. ولقد حدثني بعض القافة أنه إذا رأى قدم إنسان فكأنما رأى وجهه وإن لم يوجد التباس حتى إنه يقول: وإن لم أكن أعرفه، وهذه غريبة، والقافة أيضا يعرفون أثر البعير إذا كانت كبيرة أو صغيرة أو حاملا أو غير حامل، بل إنهم يصلون إلى اللون، يعرفون اللون وهذا شيء غريب، لولا أنهم يستفيدون بالأمور المحسوسة لقلنا: إنهم يدعون الغيب وليس كذلك. وكان في هذا البيت قائف يجيد القيافة تماما فتسلق رجل سارق الجدار وسرق وكان من أقارب أهل البيت، بمعنى: أنه تبعد تهمته، فجاء هذا القائف فرأى إبهامه في الجدار -لما أراد أن يتسلق أثر إبهام رجله في الجدار -فقال لمن معه- وكان الذي معه خدم الأمير-: انصرفوا عرفنا الرجل، بماذا؟ بإبهام رجله، فذهب القائف إلى صاحبه وقال: يا فلان، لماذا تسرق من أقاربك -أرحامك وأنسابك- يعني: بالقرابة وليس بالمصاهرة؟ قال: لم أسرق قط! من قال لك أني سرقت؟ ! ما سرقت، قال: على كل حال أنا علمتك، أعطني السرقة لأردها وهذا المطلوب، وإلا ما عندي في أنك أنت السارق، فلما تبين الأمر أعطاه المسروق.

стр. 3214

فالصحيح: أنه يعمل بالقيافة حتى في الأموال، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رجمه الله، وربما يستدل لذلك بقصة داود وسليمان: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: ٧٨]. فإنه لا يدري أنها نفشت إلا بالأثر. * * *

стр. 3215

كتاب العتق ويشتمل على: ١ - باب المدبر والمكاتب وأم الولد

стр. 3216

كتاب العتق أخر المؤلف كتاب العتق إلى آخر أحاديث الأحكام تفاؤلا بأن يعتقه الله تعالى من النار، وقدد سلك ذلك بعض أهل العلم، ومن العلماء من جعل كتاب العتق بعد المواريث؛ لأن صلته بالمواريث أن العتق يحصل به الولاء، والولاء أحد أسباب الإرث الثلاث فلكل من المؤلفين وجهة نظر ونسأل الله أن يعتقنا وإياهم من النار. تعريف العتق وبيان بعض أحكامه: «العتق»: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، ولابد أن نعرف ما هي الأسباب التي يكون بها الإنسان - البشر- رقيقًا؛ لأنه لا يمكن أن نعرف العتق حتى نعرف الرق؟ الرق سببه شيء واحد، وهو الكفر ليس له سبب سوى ذلك ليس سببه الجوع؛ فيبيع الإنسان ولده أو ابنته، وإنما سببه الكفر، وذلك أن المسلمين إذا قاتلوا الكفار وغلبوا عليهم، واستولوا على نسائهم وذرياتهم؛ فإن هؤلاء النساء والذرية يكونون أرقاء بمجرد السبي، يعني: يدل أنهم كانوا أحرارًا في الأول ثم صاروا الآن أرقاء مملوكين للمسلمين. فإذا السبب الوحيد للرق هو الكفر ثم بعد ذلك يأتي الإنتاج، فإذا أنتجت الأمة إنتاجا؛ فإن ما يأتي منها يكون رقيقا، إلا إذا أتت به سيدها، فإنه يكون حُرًا وتكون هي أم ولد، أو إذا استثني حملها، فإنه يكون حرا وما عدا ذلك، فإن حملها يكون رقيقا تبعا لأمه حتى لو تزوجت رجلا حرا وأتت منه بولد فالولد رقيق لسيدها ولهذا حرم الله على عباده أن يتزوج الإنسان أمة إلا بشروط قال تعالى ﴿ذلك لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. وألا يجد طولاً أي: مهر حُر؛ ولهذا قال الإمام أحمد: إذا تزوج الحرُّ أمة رق نصفه لأن أولاده يكونون أرقاء إلا بشرط. إذن سبب الرق: الكفر أو النتاج من امرأة رقيقة، يأتي الآن دور العتق، العتق له أسباب متعددة، وإنما كثرت أسباب العتق دون أسباب الرق؛ لأن الشارع له تطلع وتشوف إلى التحرير ولهذا جعل له أسباب كثيرة من أجل أن يقل رق الناس بعضهم بعضًا، فالعتق يحصل بأمور:

стр. 3217

الأول: اللفظ بأن يقول السيد لرقيقه: أنت حُر إذا قال: أنت حُر صار حُرا أو أتى بلفظ يدل على ذلك بأي لغة كانت، فإنه يكون حينئذ حُرا بالقول، يكون التحرير أيضا بالفعل، وذلك بالتمثيل بالعبد، إذا مثل فإنه يعتق عليه، كيف يكون التمثيل؟ بأن يقطع طرفًا من أطرافه، أنملة من أنامله، شيئا من أذنه، وما أشبه ذلك! ! الترغيب في العتق: ١٣٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولَ الله ﷺ : «أَيُّما امرئٍ مسلم أعتق امرأ مسلمًا؛ استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار». متفق عليه. قال عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرئ مسلم أعتق»، والعتق: هو تحرير الرقاب؛ يعني: أن يكون هناك إنسان مملوك فيأتي شخص فيعتقه ويحرره ابتغاء وجه الله فهذا من أفضل الأعمال، قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَترَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٦]. وقوله «مسلمًا»: اشتراط الإسلام في الرقبة المعتقة يدل على أن هذه الفضيلة لا تنال إلا بعتق الرقبة المسلمة، وإن كان في عتق الرقبة الكافرة فضل، لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر، وقوله: «استنقذه» يشعر بأنه بعد استحقاقه للنار، وذلك لأن عتق الرقاب صعب وشاق على النفوس؛ لأن فيه إخراج المملوك عن ملكه وهو شاق ولذلك استوجب من يقتحم هذه العقبة الشاقة على النفوس أن يعتق الله بكل عضو من المعتق عضواً من المعتق من النار، حتى إنه قد وقع في رواية البخاري: «حتى فرجه بفرجه» يعني: أنك إذا أعتقت عبدًا، أعتق الله كل بدنك من النار؛ لأنك أعتقت هذا العبد المسلم من الرق فيعتقك الله تعالى من النار. وقال الشيخ ابن باز ﵀: هذا الحديث يتعلق بالعتق وفضله، وإن الإعتاق من أسباب العتق من النار، وإن الإنسان إذا أعتق أمرأ مسلما أعتقه الله بكل عضو من النار حتى فرجه بفرجه، وإن المؤمن يستحب له العتق إذا تيسر له ذلك. عتق الأنثى: ١٣٦١ - وللترمذي وصححه عن أبي أمامة: «وأيما امرئٍ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانت فكاكهُ من النار».

стр. 3218

١٣٦٢ - ولأبي داود: من حديث كعب بن مُرة: «وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة؛ كانت فكاكها من النار». قوله: «اعتق امرأتين مسلمتين» فيه دليل على أن عتق المرأة أجره على النصف من عتق الذكر فالرجل إذا أعتق امرأة كانت فكاك نصفه من النار، والمرأة إذا أعتقت الأمة كانت فكاكها من النار، كما دل له مفهوم الحديث الأول عن أبي أمامة، ومنطوق الحديث الثاني عن كعب بن مُرة فإن قال: «وأيما امرأة مسلمة اعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار». قال الشيخ ابن باز ﵀: وظاهر الأحاديث العموم، وأن العبد متى أعتق رجلاً أو امرأة حصل هذا الفضل العظيم، وإذا أعتق امرأتين كانتا فكاكه من النار؛ لأنه أعتق رقبتين، ولا يلزم من ذلك عتق الرجل دون المرأة، فإن الحديث العام الصحيح الذي هو أصح يعم الجميع، يعم المرأة والرجل، وأنه متى أعتق امرأة أو رجلاً يبتغي بذلك وجه الله عتق الله به بكل عضو من النار حتى المرأة بالمرأة. عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى: ١٣٦٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها». متفق عليه. قال الشيخ ابن باز ﵀: وفي حديث أبي ذر سألت النبي ﷺ : «أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا» فكلما كانت أغلى وأثمن صار أجرها أعظم، وهكذا في الضحايا والهدايا وغيرها كلما كانت أنفس كانت أعظم. وقال النووي: محله - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلاً فأراد أن يشتري بها رقابا يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين، قال: فثنتان أفضل، بخلاف الأضحية؛ فإن الواحدة السمينة أفضل؛ لأن المطلوب في العتق فك الرقبة وفي الأضحية طيب اللحم. وقال صاحب «سبل السلام». والأولى أن هذا لا يُؤخذ قاعدة كلية، بل يختلف باختلاف الأشخاص؛ فإنه إذا كان شخص بمحل عظيم من العلم والعمل وانتفاع المسلمين، فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه السمات؛ فيكون الضابط اعتبار الأكثر نفعًا، وقوله:

стр. 3219

«وأنفسها عند أهلها» أي: ما كان اغتباطهم بها أشد وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿لَنْ تنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: (٩٢)]. حكم من أعتق نصيبه من عبد: ١٣٦٤ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوِّم قيمة عدلٍ، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق». متفق عليه. قوله: «من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل» أي: لا زيادة فيه ولا نقص، وقوله: «فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا» يكن له مال يبلغ ثمن العبد «فقد عتق منه ما عتق». قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقاته: وفي حديث ابن عمر الدلالة على أنه إذا أعتق شركا في عبد يقوم عليه، ويُعطي شركاءه حصصهم، ويعتق عليه عبده إذا كان يستطيع ذلك؛ فإذا كان له النصف وأعتقه لزمهم أن يعتقوا النصف الثاني، ويقوم عليه، ويسلم عليه؛ لأن التبعيض يشق على العبد، فمن رحمة الله جل وعلا أن أوجب إكمال العتق. السعاية: ١٣٦٥ - ولهما: عن أبي هريرة ﵁: «وإلا قوم عليه، واستسعى غير مشقوق عليه». وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر. وقوله: «ولهما» أي: للشيخين البخاري ومسلم «عن أبي هريرة» ﵁ وإلا قوم العبد عليه واستسعى غير مشقوق عليه، وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر؛ فإنه ظاهر أنه إذا لم يكن للشريك مال: قوم العبد، واستسعى في قيمة حصة الشريك، وأجيب بأن ذكر السعاية ليست من كلامه ﷺ بل مدرجة من بعض الرواة في الخبر كما أشار إليه المصنف. قال الشيخ ابن باز ﵀: إن كان عاجزاً يستسعى به يعني: يقوم قيمة العبد، ويستسعى في حصة شريكة الذي لم يعتقه يعمل خادمًا، بناءً، نجارًا يعمل ويوفي شريكه حتى يعتق، هذا معنى الاستسعاء، يعني: يستعمل فيما يحسن من العمل يعمل ويؤدي للشريك حتى يكمل الحصة التي للشريك ويعتق.

стр. 3220

حكم من ملك والديه أو ذا رحم محرم: ١٣٦٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجزي ولدٌ والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه». رواه مسلم. ١٣٦٧ - وعن سَمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذلك رحمٍ مَحْرَمٍ؛ فهو حُر». رواه أحمد والأربعة، ورجح جمع من الحفاظ أنه موقوف. في حديث أبي هريرة قوله ﷺ : «لا يجزي» أي: لا يكافئ، «ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» في هذا الحديث دليل على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء، وأنه لابد من الإعتاق بعده، وإلى هذا ذهب الظاهرية. وذهب الجمهور إلى أنه يعتق بنفس الشراء وتأولوا قوله: «فيعتقه» بأنه لما كان شراؤه تسبب عنه العتق نُسب إليه العتق مجازا، ولا يخفى أن الأصل الحقيقة إلا أنه صرفه عن الحقيقة حديث سمرة ﵁ «من ملك ذا رحم محرم فهو حُر» وفيه تعليق الحرية بنفس الملك، وإنما كان عتقه جزاءً لأبيه؛ لأن العتق أفضل ما من به أحد على أحد لتخليصه بذلك من الرق، فتكمل له أحوال الأحرار من الولاية والقضاء والشهادة بالإجماع. قال الشيخ ابن باز ﵀: هذا الحديث يتعلق بالعتق، يدل على أنه إذا اشترى والده عتق عليه، وأن هذا يكون جزاء وبرا عظيما بوالده، ومعنى الحديث: أنه يعتق عليه، هذا الذي عليه الجمهور، وأنه متى اشتراه عتق عليه، كما في الحديث الثاني «من ملك ذا رحم محرم فهو حُر» وهذا جزاء عظيم من الولد للوالد، وحق الوالد على ولده عظيم وبره عظيم، ويدل على أنه يعتق عليه قوله: «من ملك ذا رحم محرم فهو حُر» فأعظم الرحم الأب والأم إذا ملكهما أو أحدهما عتق عليه، وهكذا إذا ملك أخاه أو أخته أو خاله ذوي الأرحام المحرمة. وفي حديث سمرة: «من ملك ذا رحم محرم فهو حُر». قال الشيخ ابن باز ﵀: اختلف في وقفه ورفعه والصواب رفعه؛ لأن الذي رفعه ثقة، ثم هو أيضا لا يُقال من جهة الرأي فهو في حكم المرفوع من «ملك ذا رحم من بنت أو أخت أو عمة أو خالة أو جد أعتق عليه».

стр. 3221

حكم التبرع في المرض: ١٣٦٨ - وعن عمران بن حُصين ﵁: «أن رجلا أعتق ستة مماليك له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا». رواه مسلم. هذا الحديث يدل على أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية، ينفذ من الثلث وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، وإنما اختلفوا هل تعتبر القيمة أو العدد من غير تقويم؟ فقال مالك: يعتبر التقويم، فإذا كانوا ستة أعبد أعتق الثلث بالقيمة سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم أو أقل أو أكثر، وذهب البعض إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم فيعتق اثنان فى مسألة الستة الأعبد. وخالفت الحنفية، وذهبوا إلى انه يعتق من كل عبد ثلثه ويسعى كل واحد فى ثلثى قيمته للورثة، قالوا: وهذا الحديث آحادي خالف الأصول؛ وذلك لأن السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق، فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينبذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه. ورُد بأن الحديث الآحادي من الأصول، فكيف يقال: إنه خالف الأصول؟ ولو سلم فمن الأصول أنه لا يدخل ضررا على الغير وقد أدخلتم الضرر على الورثة وعلى العبيد المعتقين. وقال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه عن الحديث: الحديث فيمن كان له مال محدود من أرقاء، وأعتقهم أو أوصى بهم جميعا فليس له إلا الثلث، ولهذا لما عتقهم جميعًا وليس له مال غيرهم أقرع النبي ﷺ بينهم؛ فأعتق أثنين وأرق أربعة، هذا هو الحكم، فإذا كانوا لأبيه وأوصى بعتقهم، فإنه يعتق الثلث ويخرج بالقرعة كما فعله النبي: : ، وهذا معنى حديث أن النبي ﷺ قال لسعد: «الثلث والثلث كثير»، ليس للموصي إلا الثلث سواء كان ماله أرقاء أو نقودًا أو أرضا ليس له إلا الثلث. تعليق العتق: ١٣٦٩ - وعن سفينة ﵁ قال: «كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقك، واشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عِشت». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم. وهذا الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق، وأنه يصح تعليق العتق

стр. 3222

بشرط، فيقع بوقوع الشرط، ووجه دلالته: أنه علم أنه ﷺ قرر ذلك إذ الخدمة له، ورُوي عن عُمر أنه أعتق رقيق الإمارة، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعد ثلاث سنين. قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه: في هذا الحديث أن أم سلمة اشترطت على سفينة أن يخدم النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه لا بأس بالشرط؛ فإذا قالت: أنت حُر لوجه الله بشرط أن تخدمني سنة أو سنتين، أو إلى أن تموت، أو بشرط أن تخدم فلانا فلا بأس، المسلمون على شروطهما، ولهذا أشارت ﵂ على سفينة أن يخدم النبي ﷺ ما عاش. الولاء لمن أعتق: (١٣٧٠) - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق». متفق عليه في حديث طويل. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق»، وقد تقدم الحديث بطوله في البيوع بشرح الشيخ ابن عثيمين في قصة بريرة وتقدم شرحه للشيخ بما فيه كفاية، ونضيف هنا أن الولاء لمن أعتق سواء أعتقه تطوعا أو أعتقه في زكاة أو أعتقه في كفارة فالولاء له. مثال التطوع: اشترى رجل رقيقًا وقال له: أنت حُر، هذا تطوع ولا إشكال في كون الولاء للمعتق، ومثال الزكاة: من مصارف الزكاة للرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومن صور ذلك: أن يشتري من الزكاة عبدًا فيعتقه؛ فهذا رجل اشترى عبدا بزكاته، ثم أعتقه، فله عليه الولاء، لو أن هذا العبد اتجر وأغناه الله وصار عنده مال كثير، ثم مات وليس له عصبة فعاصبه المعتق. مثال الكفارة: إنسان عليه عتق رقبة كفارة كرجل ظاهر من زوجته، أو جامعها في رمضان فأول ما يجب عليه أن يعتق رقبة فإن أعتق رقبة، فالولاء له. وقال بعض أهل العلم: الولاء في غير التطوع يكون للجهة التي أعتقه من أجلها، فمثلاً: إذا أعتقه من زكاة يكون ولاؤه للفقراء؛ لأنه مصرف الكفارة، ولكن المشهور من المذهب أن كل من أعتق عبدا، فله ولاؤه؛ ولهذا قال المؤلف: «فله عليه الولاء» واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق». فلو قال قائل: ولو اختلف دينهما هل الولاء ثابت؟ الولاء ثابت وإن اختلف أهل العلم في حكم التوارث بينهما، والخلاف هنا أنه لا توارث بين مسلم وكافر وإن ثبت الولاء من أجل

стр. 3223

اختلاف الدين، وهذا هو القول الراجح، أن الولاء ثابت ولكن لا توارث بينهما، ولو كان العبد الذي أعتقه سيده كافراً فإنه يثبت الولاء له عليه لكن الميراث لا يرثه لو مات، والمرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتقت فلا ترث بالولاء بواسطة النسب. مثال ذلك: رجل وأنثى اشتريا أباهم ثم عتق عليهما، ثم إن الأب اشترى عبدا فأعتقه فهل يرثان أباهما ميراث نسب أم ميراث ولاء؟ الجواب: يرثانه ميراث نسب؛ لأن النسب مُقدم، فإن كانت البنت بذلت في قيمة والدها عشرة آلاف والابن بذل خمسة آلاف، فمات الأب، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قالت: أنا بذلت أكثر من أخي في شراء والدي قلنا فالنسب مقدم على الولاء. قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على الحديث: هذا الحديث «إنما الولاء لمن أعتق» فإذا أعتق زيد سعيدا أو عمراً أو فلانا فالولاء له ولعصبته كما في حديث عائشة، فإنها أعتقت بريرة وقال لها النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق». بيع الولاء وهبته: ١٣٧١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب». رواه الشافعي، وصححه ابن حبان والحاكم، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ. قوله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمَة النسب» فيه تشبيه الولاء بلحمة النسب، ومعناه: أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد، والحديث دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته؛ فإن ذلك أمر معنوي كالنسب لا يتأتى انتقاله كالأبوة والأخوة لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك، وعليه جماهير العلماء، وروي عن السلف جواز بيعه، وروي عن آخرين منهم جواز هبته، وكأنهم لم يطلعوا على الحديث، وحملوا النهى على التنزيه، وهو خلاف أصله. قال الشيخ ابن باز ﷺ تعليقا على هذا الحديث: «الولاء لحمة»، يُقال: لُحمة ولَحمة يعني: الولاء من جنس النسب، كما أن النسب لا يُباع فالولاء لا يُباع فمن يبيع أخاه أو عمه أو خاله؟ ! فهذا ثابت لا يُباع، بل يثبت الولاء عليه ولعصبته، وأصله في الصحيحين عن ابن عُمر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته» لأنه كالنسب لا يباع ولا يُوهب.

стр. 3224

١ - باب المدبر، والمكاتب، وأم الولد «المدبَّر»: اسم مفعول وهو الرقيق الذي عُلق عتقه بموت مالكه، وسُمّي بذلك؛ لأن مالكه دبر دنياه وآخرته، أما دنياه فاستمرار انتفاعه بخدمة عبده، واما آخرته فتحصيل ثواب العتق. و«المكاتب»: اسم مفعول أيضا وهو: من وقعت عليه الكتابة، وحقيقة الكتابة تعليق عتق المملوك على أدائه ملأ أو نحوه من مالك أو نحوه، وهو على خلاف القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك. و«أم الولد» هي: الأمة التي استولدها سيدها، وقد سبق الحديث عنها في كتاب البيوع. المُدبر: ١٣٧٢ - عن جابر ﵁ «أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ . فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم». متفق عليه. - وفي لفظ للبخاري: «فاحتاج» وفي رواية للنسائي: «وكان عليه دينٌ، فباعه بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقضِ دينك». وقد سبق الكلام عن حديث جابر ﵁ في أول كتاب البيوع واستوفى الشيخ ابن عثيمين الحديث عنه وذلك في قوله: أعتق رجل منا عبدا له من دُبر ولم يكن له مال غيره فدعا به النبي ﷺ فباعه. قال صاحب «سبل السلام»: والحديث دليل على مشروعية التدبير، وهو متفق على مشروعيته، واختلف العلماء هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال. واستدل الجمهور بقياسه على الوصية بجامع أنه ينفذ بعد الموت، وبحديث ابن عُمر مرفوعا: «المدبر من الثلث». ورد الحديث بأنه جزم أئمة الحديث بضعفه وإنكاره وأن رفعه باطل، وإنما هو موقوف على ابن عُمر. وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف وروى البيهقي عن أبي قلابة مرسلاً: «أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله ﷺ من الثلث». واستدل الآخرون بالقياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حال حياته،

стр. 3225

ودليل الأولين أولى، لتأييد القياس بالمرسل والموقوف؛ ولأن قياسه على الوصية أولى من القياس على الهبة. وفي الحديث فوائد منها: جواز بيع المدبر لحاجته لنفقته أو قضاء دينه، وقد ذهب طائفة إلى عدم جواز بيعه مطلقا مستدلين بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١٠]. ورد بأنه عام خصصه حديث الكتاب. وذهب آخرون ومنهم: الشافعي وأحمد إلى جواز بيعه مطلقا مستدلين جابر وبشبهه بالوصية؛ فإنه إذا احتاج الموصي باع ما أوصى به وكذلك مع استغنائه قالوا: والحديث ليس فيه قصر البيع على الحاجة والضرورة، وإنما الواقع جزئي من جزئيات صور جواز بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق والظاهر القول الأول. وقال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على الحديث: الحديث يدل على أن المدبر عبد ما لم يمت صاحبه؛ ولهذا أمر النبى ﷺ ببيعه وفاءً لدينه، فدل على أن حكمه حكم العبد وأنه يتصرف فيه مادام سيده حيّا وهكذا لو كان مُعلقا لو قال: إذا أهل رمضان فهو عتيق وباعه قبل ذلك فلا بأس. المكاتب عبد ما لم يفيا بما كُوتِبَ عليه: ١٣٧٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». أخرجه أبو داود بإسناد حسنٍ، واصله عند أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم. والحديث دليل على أن المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد، له أحكام المماليك، وإلى هذا ذهب الجمهور، وفى المسألة خلاف، فقد رُوي عن علي ﵁ أنه يعتق إذا أدى الشرط، ويُروي عنه أنه يعتق بقدر ما أدى، ودليله ما أخرجه النسائى من رواية عكرمة عن النبى ﷺ قال: «يؤدي المكاتب بحصته ما أدّى دية حُر وما بقي دية عبد». قال البيهقى: قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي، واختلف على عكرمة فيه ورواية عكرمة عن علي مرسلة وروايته عن النبي ﷺ مرسلة، وروي عن علي من طرق مرفوعًا وموقوفًا.
следующие страницы →