Полный текст (3 515 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
حكم التبرع في المرض:
١٣٦٨ - وعن عمران بن حُصين ﵁: «أن رجلا أعتق ستة مماليك له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدًا». رواه مسلم.
هذا الحديث يدل على أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية، ينفذ من الثلث وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، وإنما اختلفوا هل تعتبر القيمة أو العدد من غير تقويم؟ فقال مالك: يعتبر التقويم، فإذا كانوا ستة أعبد أعتق الثلث بالقيمة سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم أو أقل أو أكثر، وذهب البعض إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم فيعتق اثنان فى مسألة الستة الأعبد.
وخالفت الحنفية، وذهبوا إلى انه يعتق من كل عبد ثلثه ويسعى كل واحد فى ثلثى قيمته للورثة، قالوا: وهذا الحديث آحادي خالف الأصول؛ وذلك لأن السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق، فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينبذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه.
ورُد بأن الحديث الآحادي من الأصول، فكيف يقال: إنه خالف الأصول؟ ولو سلم فمن الأصول أنه لا يدخل ضررا على الغير وقد أدخلتم الضرر على الورثة وعلى العبيد المعتقين.
وقال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه عن الحديث: الحديث فيمن كان له مال محدود من أرقاء، وأعتقهم أو أوصى بهم جميعا فليس له إلا الثلث، ولهذا لما عتقهم جميعًا وليس له مال غيرهم أقرع النبي ﷺ بينهم؛ فأعتق أثنين وأرق أربعة، هذا هو الحكم، فإذا كانوا لأبيه وأوصى بعتقهم، فإنه يعتق الثلث ويخرج بالقرعة كما فعله النبي: : ، وهذا معنى حديث أن النبي ﷺ قال لسعد: «الثلث والثلث كثير»، ليس للموصي إلا الثلث سواء كان ماله أرقاء أو نقودًا أو أرضا ليس له إلا الثلث.
تعليق العتق:
١٣٦٩ - وعن سفينة ﵁ قال: «كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقك، واشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عِشت». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم.
وهذا الحديث دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق، وأنه يصح تعليق العتق
стр. 3222
بشرط، فيقع بوقوع الشرط، ووجه دلالته: أنه علم أنه ﷺ قرر ذلك إذ الخدمة له، ورُوي عن عُمر أنه أعتق رقيق الإمارة، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعد ثلاث سنين.
قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه: في هذا الحديث أن أم سلمة اشترطت على سفينة أن يخدم النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه لا بأس بالشرط؛ فإذا قالت: أنت حُر لوجه الله بشرط أن تخدمني سنة أو سنتين، أو إلى أن تموت، أو بشرط أن تخدم فلانا فلا بأس، المسلمون على شروطهما، ولهذا أشارت ﵂ على سفينة أن يخدم النبي ﷺ ما عاش.
الولاء لمن أعتق:
(١٣٧٠) - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق». متفق عليه في حديث طويل.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق»، وقد تقدم الحديث بطوله في البيوع بشرح الشيخ ابن عثيمين في قصة بريرة وتقدم شرحه للشيخ بما فيه كفاية، ونضيف هنا أن الولاء لمن أعتق سواء أعتقه تطوعا أو أعتقه في زكاة أو أعتقه في كفارة فالولاء له.
مثال التطوع: اشترى رجل رقيقًا وقال له: أنت حُر، هذا تطوع ولا إشكال في كون الولاء للمعتق، ومثال الزكاة: من مصارف الزكاة للرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠].
ومن صور ذلك: أن يشتري من الزكاة عبدًا فيعتقه؛ فهذا رجل اشترى عبدا بزكاته، ثم أعتقه، فله عليه الولاء، لو أن هذا العبد اتجر وأغناه الله وصار عنده مال كثير، ثم مات وليس له عصبة فعاصبه المعتق.
مثال الكفارة: إنسان عليه عتق رقبة كفارة كرجل ظاهر من زوجته، أو جامعها في رمضان فأول ما يجب عليه أن يعتق رقبة فإن أعتق رقبة، فالولاء له.
وقال بعض أهل العلم: الولاء في غير التطوع يكون للجهة التي أعتقه من أجلها، فمثلاً: إذا أعتقه من زكاة يكون ولاؤه للفقراء؛ لأنه مصرف الكفارة، ولكن المشهور من المذهب أن كل من أعتق عبدا، فله ولاؤه؛ ولهذا قال المؤلف: «فله عليه الولاء» واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق».
فلو قال قائل: ولو اختلف دينهما هل الولاء ثابت؟ الولاء ثابت وإن اختلف أهل العلم في حكم التوارث بينهما، والخلاف هنا أنه لا توارث بين مسلم وكافر وإن ثبت الولاء من أجل
стр. 3223
اختلاف الدين، وهذا هو القول الراجح، أن الولاء ثابت ولكن لا توارث بينهما، ولو كان العبد الذي أعتقه سيده كافراً فإنه يثبت الولاء له عليه لكن الميراث لا يرثه لو مات، والمرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتقت فلا ترث بالولاء بواسطة النسب.
مثال ذلك: رجل وأنثى اشتريا أباهم ثم عتق عليهما، ثم إن الأب اشترى عبدا فأعتقه فهل يرثان أباهما ميراث نسب أم ميراث ولاء؟ الجواب: يرثانه ميراث نسب؛ لأن النسب مُقدم، فإن كانت البنت بذلت في قيمة والدها عشرة آلاف والابن بذل خمسة آلاف، فمات الأب، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فلو قالت: أنا بذلت أكثر من أخي في شراء والدي قلنا فالنسب مقدم على الولاء.
قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على الحديث: هذا الحديث «إنما الولاء لمن أعتق» فإذا أعتق زيد سعيدا أو عمراً أو فلانا فالولاء له ولعصبته كما في حديث عائشة، فإنها أعتقت بريرة وقال لها النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق».
بيع الولاء وهبته:
١٣٧١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب». رواه الشافعي، وصححه ابن حبان والحاكم، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ.
قوله ﷺ : «الولاء لحمة كلحمَة النسب» فيه تشبيه الولاء بلحمة النسب، ومعناه: أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد، والحديث دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته؛ فإن ذلك أمر معنوي كالنسب لا يتأتى انتقاله كالأبوة والأخوة لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك، وعليه جماهير العلماء، وروي عن السلف جواز بيعه، وروي عن آخرين منهم جواز هبته، وكأنهم لم يطلعوا على الحديث، وحملوا النهى على التنزيه، وهو خلاف أصله.
قال الشيخ ابن باز ﷺ تعليقا على هذا الحديث: «الولاء لحمة»، يُقال: لُحمة ولَحمة يعني: الولاء من جنس النسب، كما أن النسب لا يُباع فالولاء لا يُباع فمن يبيع أخاه أو عمه أو خاله؟ ! فهذا ثابت لا يُباع، بل يثبت الولاء عليه ولعصبته، وأصله في الصحيحين عن ابن عُمر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته» لأنه كالنسب لا يباع ولا يُوهب.
стр. 3224
١ - باب المدبر، والمكاتب، وأم الولد
«المدبَّر»: اسم مفعول وهو الرقيق الذي عُلق عتقه بموت مالكه، وسُمّي بذلك؛ لأن مالكه دبر دنياه وآخرته، أما دنياه فاستمرار انتفاعه بخدمة عبده، واما آخرته فتحصيل ثواب العتق.
و«المكاتب»: اسم مفعول أيضا وهو: من وقعت عليه الكتابة، وحقيقة الكتابة تعليق عتق المملوك على أدائه ملأ أو نحوه من مالك أو نحوه، وهو على خلاف القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك.
و«أم الولد» هي: الأمة التي استولدها سيدها، وقد سبق الحديث عنها في كتاب البيوع.
المُدبر:
١٣٧٢ - عن جابر ﵁ «أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ . فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم». متفق عليه.
- وفي لفظ للبخاري: «فاحتاج» وفي رواية للنسائي: «وكان عليه دينٌ، فباعه بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقضِ دينك».
وقد سبق الكلام عن حديث جابر ﵁ في أول كتاب البيوع واستوفى الشيخ ابن عثيمين الحديث عنه وذلك في قوله: أعتق رجل منا عبدا له من دُبر ولم يكن له مال غيره فدعا به النبي ﷺ فباعه.
قال صاحب «سبل السلام»: والحديث دليل على مشروعية التدبير، وهو متفق على مشروعيته، واختلف العلماء هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال.
واستدل الجمهور بقياسه على الوصية بجامع أنه ينفذ بعد الموت، وبحديث ابن عُمر مرفوعا: «المدبر من الثلث». ورد الحديث بأنه جزم أئمة الحديث بضعفه وإنكاره وأن رفعه باطل، وإنما هو موقوف على ابن عُمر. وقال البيهقي: الصحيح أنه موقوف وروى البيهقي عن أبي قلابة مرسلاً: «أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله ﷺ من الثلث».
واستدل الآخرون بالقياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حال حياته،
стр. 3225
ودليل الأولين أولى، لتأييد القياس بالمرسل والموقوف؛ ولأن قياسه على الوصية أولى من القياس على الهبة.
وفي الحديث فوائد منها: جواز بيع المدبر لحاجته لنفقته أو قضاء دينه، وقد ذهب طائفة إلى عدم جواز بيعه مطلقا مستدلين بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١٠]. ورد بأنه عام خصصه حديث الكتاب.
وذهب آخرون ومنهم: الشافعي وأحمد إلى جواز بيعه مطلقا مستدلين جابر وبشبهه بالوصية؛ فإنه إذا احتاج الموصي باع ما أوصى به وكذلك مع استغنائه قالوا: والحديث ليس فيه قصر البيع على الحاجة والضرورة، وإنما الواقع جزئي من جزئيات صور جواز بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق والظاهر القول الأول. وقال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على الحديث: الحديث يدل على أن المدبر عبد ما لم يمت صاحبه؛ ولهذا أمر النبى ﷺ ببيعه وفاءً لدينه، فدل على أن حكمه حكم العبد وأنه يتصرف فيه مادام سيده حيّا وهكذا لو كان مُعلقا لو قال: إذا أهل رمضان فهو عتيق وباعه قبل ذلك فلا بأس.
المكاتب عبد ما لم يفيا بما كُوتِبَ عليه:
١٣٧٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». أخرجه أبو داود بإسناد حسنٍ، واصله عند أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم.
والحديث دليل على أن المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد، له أحكام المماليك، وإلى هذا ذهب الجمهور، وفى المسألة خلاف، فقد رُوي عن علي ﵁ أنه يعتق إذا أدى الشرط، ويُروي عنه أنه يعتق بقدر ما أدى، ودليله ما أخرجه النسائى من رواية عكرمة عن النبى ﷺ قال: «يؤدي المكاتب بحصته ما أدّى دية حُر وما بقي دية عبد».
قال البيهقى: قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي، واختلف على عكرمة فيه ورواية عكرمة عن علي مرسلة وروايته عن النبي ﷺ مرسلة، وروي عن علي من طرق مرفوعًا وموقوفًا.
стр. 3226
وقول الجمهور هو الأقرب، ودليله هذا الحديث الذي أيدته آثار سلفية عن الصحابة؛ ولأنه أخذ بالاحتياط في حق السيد فلا يزول ملكه إلا بما رضي به من تسليم من عند عبده.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: هذا الحديث يدل على أن المكاتب عبد ما دام عليه درهم فإذا كاتبه على أموال مؤجلة فهو في حكم العبد له النظر إلى سيده وإذا مات، مات رقيقا وولاؤه لسيده حتى يؤدي ما عليه. المكاتب كالحر إذا ملك ما كوتب عليه:
المكاتب كالحر إذا ملك ما كوتب عليه:
١٣٧٤ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي؛ فلتحجب منه». رواه الخمسة وصححه الترمذي.
هذا الحديث يدل على مسألتين وهما: أولاً: أن المكاتب إذا صار معه جميع مال المكاتبة فقد صار له ما للأحرار فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكا لامرأة وإن لم يكن قد سلم ذلك، وهذا الحديث معارض لحديث عمرو بن شعيب وقد جمع بينهما الشافعي فقال: هذا خاصاً بأزواج النبي ﷺ وهو احتجابهن عن المكاتب، وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة إذا كان واجدا له وإلا مُنع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها مع أنه قد قال: الولد للفراش.
والمسألة الثانية: أن الحديث يدل بمفهومه على أنه يجوز لمملوك المرأة النظر إليها ما لم يكاتبها ويجد مال الكتابة وهو الذي دل له منطوق قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. ويدل له أيضا قوله لفاطمة لما تقنعت بثوب، وكانت إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فقال النبي ﷺ : «ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك».
قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على الحديث: هذا الحديث «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي به فلتحتجب منه»، هذا قد يظهر أنه مثل الذي قبله لكن المعنى صحيح؛ لأنه إذا كان عنده ما يؤدي فقد يتساهل فيحصل لها النظر، وعدم التحرز منه وهي عندها ما يمنع ذلك فسدّ الرسول ﷺ هذا الباب سدا للذريعة؛ لأنه إذا كان عنده ما يؤدي، فإنه يُسلم المال وعلى سيدته الاحتجاب منه ولا يحصل التساهل، فالذي عنده ما يؤدي كالذي أدى يكون كالأحرار تحتجب منه، حتى لا يكون تساهل في هذا الامر، فلو كوتب على (١٠٠٠٠) كل
стр. 3227
سنة ألفان وأداهما، وكان عنده الألفان الأخيرة حاضرة، فإن له حكم الحر ليس لها أن تنكشف أمامه وإنما تحتجب منه، وهذا من باب الحيطة وسد الذرائع التي قد تُفضي إلى التساهل فيما حرم الله، فإذا كان عنده ما يُؤدي وجب تسليمه والاحتجاب عنه وصار في حكم الأحرار، ولا يجوز التساهل لا له ولا لسيدته.
دية المكاتب:
١٣٧٥ - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «يؤدي المكاتب بقدر ما عتق منه دية الحر، وبقدر ما رق منه دية العبد». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
قال الشيخ ابن باز ﵀ هذا الحديث: جاء من طرق بعضها مدلس، وله طرق أخرى جيدة من حديث علي عند أحمد معناه: أنه إذا أعتق نصفه يكون دية الحر بالنصف والباقي دية العبد، فإذا عجز المكاتب ولم ينجز النصف وأعتقه سيده فالنصف مثل الحر، وما بقي من في الرق، ولا يكون بين الحديث وما تقدم معارضة؛ لأن لفظ الحديث يقول: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، فذاك إذا ما بقي ولم يعتق منه شيء ثم إذا أعتق السيد نصفه أو ثلثه أو ربعه بما أدَّى يؤدي دية الحُر، وما بقي من الرق ولم يسع في تخليص نفسه يكون دية الرق.
تركة النبي ﷺ :
١٣٧٦ - وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية أم المؤمنين ﵂ قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، ,ارضا جعلها صدقة». رواه البخاري.
هذا الحديث دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من تنزهه عن الدنيا وأدناسها وأعراضها، وخلو قلبه وقالبه عن الاشتغال بها؛ لأنه متفرغ للإقبال على تبليغ ما أمر به، وعبادة مولاه، والاشتغال بما يقربه إليه، وما يرضاه، وقولها: «ولا عبدًا ولا أمةً» وقد ثبت أن النبي ﷺ أعتق ثلاثا وستين رقبة فلم يمت وعنده مملوك.
قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على هذا الحديث: هو دليل على أنه ﷺ كان ينفق، كان أجود الناس، وما يأتيه من المال ينفقه في وجوه البر ولهذا لما تُوفي ما ترك شيئًا من المال إلا بغلته البيضاء التي يركبها وسلاحه وأرضا التي كانت في «فدك» جعلها صدقة، وكانت لمصلحة
стр. 3228
المسلمين، هذا فيه الإحسان من ولي الأمر للمسلمين ينبغي له أن يجود على الناس من بيت المال، ويحسن للناس لسما فيهم من الضعيف والمسكين، يُنفق من بيت المال لمصلحة المسلمين.
عتق أم الولد بوفاة سيدها:
١٣٧٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما أمة ولدت من سيدها؛ فهي حُرة بعد موته». أخرجه ابن ماجه، والحاكم بإسناد ضعيف، ورجح جماعة وقفه على عمر ﵁.
قال الشيخ ابن باز ﵀ في تعليقه على هذا الحديث: هذا الحديث - حديث ابن عباس - فيمن استولد جارية فإنه يعتقها وولدها، هذا ضعيف والمحفوظ عند أهل العلم أنه من اجتهاد عمر ﵁.
فإن عمر ﵁ أعتق الجواري اللاتي استولدهن سادتهن، وعلى هذا يرجح العلماء قول الجمهور أن الجارية إذا أولدها سيدها فإنه يعتقها تكون حُرة باستيلاد سيدها لها، وبهذا حكم عمر ﵁ وهذا الذي عليه الجمهور.
وقال صاحب «سبل السلام»: والحديث دال على حرية أم الولد بعد وفاة سيدها، وعليه دل الحديث الأول حيث قالت: «ولا أمة»، فإنه ﷺ خلف مارية القبطية أم إبراهيم وتُوفيت في ايام عُمر فدل [على] أنها عتقت بوفاته ﷺ .
١٣٧٨ - وعن سهل بن حنيف ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من أعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله». رواه أحمد، وصححه الحاكم.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه للحديث: نعطي سيده من الزكاة دون أن يعلم؛ لأنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِقَابِ﴾.
وقوله: «أظله ألله يوم لا ظل إلا ظله»؛ يعني: يوم لا ظل إلا الظل الذي يخلقه الله ؛ لأن في يوم القيامة لا يوجد بناء ولا أشجار ولا جبال تُظِل، الشمس فوق الرؤوس ولا يوجد ظل، إلا ظل يخلقه الله فيظله على من يشاء ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «كل امرئ في
стр. 3229
ظل صدقته يوم القيامة». وإعانة المكاتب لا شك أنها من الصدقة، وكذلك الغارم، وكذلك المجاهد وقد جاء عن النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»، وإنما قال: يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنه في الدنيا هناك ظلال غير ظل الله ﷺ وهو ما يبنيه الإنسان من المساكن والعرش، فيستظل به، أما في الآخرة فليس هناك شيء، لا يوجد إلا ظل الله .
قال الشيخ ابن باز ﵀ تعليقا على هذا الحديث: فيه رواية أخرى عن أبي هريرة عند النسائي وابن ماجه يقول النبي ﷺ : «ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله»، وفي رواية «الغازي في سبيل الله، والناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء».
وقوله: «أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» هذا فيه الحث على مساعدة الغزاة في سبيل الله ومساعدة الناكح الذي يريد العفاف، والغارم الذي يحتاج إلى أن يُعان على قضاء دينه، والمكاتب الذي يريد أداء مكاتبته، هؤلاء يستحقون العون من إخوانهم، الغازي في سبيل الله والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد فك نفسه، والغارم الفقير، كل هؤلاء ومن شابههم في حاجة إلى المساعدة ومن ساعدهم له هذا الفضل العظيم؛ ولهذا يقول ﷺ : «ثلاث حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله ... إلخ» هذا فيه حث على مساعدة هؤلاء الغارمين المعسرين، والمكاتبين العاجزين، والغزاة في سبيل الله، هؤلاء في حاجة إلى مساعدة، وهكذا الناكح الذي يريد العفاف يستحق العون، لأنه عاجز عن مؤنة النكاح.
стр. 3230
كتاب الجامع
ويشتمل على:
١ - باب الأدب.
٢ - باب البر والصلة.
٣ - باب الزهد والورع.
٤ - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق.
٥ - باب الترغيب في مكارم الأخلاق.
٦ - باب الذكر والدعاء.
стр. 3231
كتاب الجامع
١ - باب الأدب
معنى الأدب الإسلامي وأنواعه:
ختم المؤلف ﵀ كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام بكتاب الجامع، والمراد: أدلة الأحكام الفقهية يعني: أنه متنوع لا يختص بباب دون الآخر، وبدأ بالأدب.
أنواع الأدب:
والأدب نوعان: أدب مع الله، وأدب مع عباد الله.
فالأدب مع الله تعظيم الله ، وألا يتقدم الإنسان بين يديه في تحليل حرام أو تحريم حلال أو إيجاب ما لم يوجبه، وكذلك لا يعصي الله لا سرًا ولا علنًا؛ لأن الذي يعصي الله لم يتأدب مع الله فالأدب مع الله: هو عبارة عن القيام بطاعته وتعظيمه; وألا يتقدم الإنسان بين يديه، إلى غير ذلك من الآداب.
ومن الأدب مع الله أن تتأدب مع الله تعالى بما تتأدب به مع الناس مثال ذلك: كشف العورة، يستحيي الإنسان أن يكشف عورته أمام الناس، والله تعالى أحق أن يستحيا منه، هذا لم يكن حاجة، فالمهم أن الأدب مع الله ينحصر في أن تقوم بطاعة الله تعالى معظمًا له محترمًا لشرائعه.
الأدب مع عباد الله هو فعل ما يجمله ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه؛ يعني: أن يفعل كل ما يُجمل، كل ما يمدح عليه، كل ما يوافق المروءة، هذا هو الأدب مع الناس.
اختلاف الأديب باختلاف الأمم:
ويختلف هذا باختلاف الأمم، تجد عند بعض الأمم أشياء لا تخل بالأدب بينما هي عند آخرين تخل بالأدب، بل تجد الأمم تتغير أحوالها فى بعض الأزمان يكون هذا الفعل يخل بالأدب وفى بعض الأزمان لا يخل بالأدب، نحن أدكنا أنه لا يمكن لإنسان أن يشرب الشاهي فقط على عتبة الدكان، وأنه إذا فعل ذلك فهو خارم للمروءة، الآن هل يخالف الأدب أن تشرب فنجان شاهي في دكانك؟ كذلك أيضا أدركنا أن الأكل في السوق من أقبح ما يكون، الآن الأكل في السوق عادة، المطاعم منتشرة في الأسواق، لكن ظهرت عادة سيئة في الواقع
стр. 3232
عند المترفين من بني جنسنا، بدأت بعض العوائل مع الأسف لا تطبخ في بيتها، إذا جاء وقت الغداء خرج الرجل بعائلته إلى المطعم، وجلس في المطعم يأكل هو وعائلته، وكذلك حوله الناس، تقليدا للغربيين وهذه عادةً سيئة؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يتحدث كما ينبغى وكما يريد في حضرة الناس، ثم إن غالب هؤلاء تجد المرأة منهم متبرجة كاشفة وجهها وربما تضحك إلى أختها ولا تبالي و- العياذ بالله -.
يوجد ناس وسط صاروا لا يطبخون في بيوتهم ولكن يأتون بالطبخ من الخارج ويأكلون في البيت وهذه أيضا عادة سيئة، أيهما أولى أن تطبخ طبخا أنت الذي تتولاه وتطبخه على مزاجك وعلى مذاقك، وآمن من أن يكون قد عفن وآمن أن يكون فيه أشياء محذورة أو أن تأكل من المطاعم؟ لا شك أن الأول أولى، لكن مع الأسف أن الإنسان إذا اختار شيئا أو هوى شيئا أعماه الهوى عن الأفضل وعن الحق.
حقوق المسلم على أخيه:
(١٣٧٩) - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه». رواه مسلم.
قوله: «حق المسلم على المسلم ستُ» هذا لا يعني الحصر، لكن التي ﷺ أحيانا يذكر الأشياء المتفقة في حكم من الأحكام ويحصرها مع أن غيرها ثابت، فهنا ليس على سبيل الحصر بل هناك حقوق أخرى، «حق المسلم على المسلم»، من المسلم؟ المسلم: مَن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ولم يأت بمكفر، أولاً: «إذا لقيته فسلم عليه» هذا حق، حق لأخيك عليك إذا لقيته أن تسلم عليه: يعني وإن كان مجاهراً بالمعصية؟ الجواب: نعم، وإن كانَ مجاهراً بالمعصية، وسيأتي التفصيل، ثانيا: «إذا دعاك فأجبه»: إذا دعاك إلى أي شيء؟ إلى طعام وليمة، ليس المعنى إذا دعاك لكل شيء، قد يدعوك مثلا أن تذهب معه إلى ملهى، هذا لا يريده الرسول ﷺ ، يريد إذا دعاك إلى طعام فأجبه أو دعاك إلى شراب كالشاهي والقهوة فأجبه.
ثالثا: يقول: «وَإِذَا استنصحك فانصحه» يعني: طلب منك النصيحة، فانصحه أي: اذكر له النصيحة، وما هى النصيحة التى تسديها؟ النصيحة: أن تختار له إذا استنصحك ما تختاره لنفسك.
رابعًا: «إذا عطس فحمد الله فشمته» العطاس معروف، والحمد معروف، يعني: إذا عطس وقال: الحمد لله فمن حقه عليك أن تشمته، وسيأتي بيان ذلك وكيفيته في الفوائد.
стр. 3233
خامسًا: «وإذا مرض فعده»، إذا مرض مرضا يمنعه عن الخروج إلى الناس بدليل قوله: «فعده»؛ لأنه إذا كان مرضه يسيرا لم يمنعه من الخروج فلا حاجة لعيادته؛ لأنه سوف يراه الناس فى السوق أو فى المسجد فلا حاجة.
سادسًا: «وإِذَا مات فاتبعه»، وهل اتباعه واجب أو ليس بواجب؟ يأتي تفضيله في الفوائد إن شاء الله.
من فوائد الحديث: بيان شيء من حقوق المسلم على أخيه وهي ستة أشياء كما ذكر النبي ﷺ هنا.
ومن فوائد الحديث: أن للإنسان حقوقا تثبت للمسلمين بعضهم على بعض، وذلك من أجل روابط الأخوة ووشائج الصلة حتى يكون بعضهم قائمًا بحقوق أخيه فيحصل الالتئام والائتلاف.
إلقاء السلام ورده:
ومنها: أن من حق المسلم على أخيه: إذا لقيه أن يسلم عليه، وهل هذا الحق واجب؟ الجواب: ليس بواجب، بدليل أن النبي ﷺ رخص في الهجر فيما دون ثلاث فقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، وعلى هذا فليس ابتداء السلام واجبا ما لم يصل إلى حد الهجر.
ومنها: أنه لا حق لغير المسلم في السلام عليه لقوله: «حق المسلم على المسلم»، ولكن هل يجوز للمسلم أن يبدأ غيره بالسلام؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يبدأهم به، فقال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام»، ولكن إذا سلم الكافر وجب الرد عليه لقوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. يعني: على الأقل ردها، وهل يرد بمثله - يعني: غير المسلم - أو أكثر أو أقل؟ أما أقل فلا يجوز، وأما مثله فجائز، وأما الزيادة فالأظهر عدم جوازها؛ لأنه كان لا يجوز أن تبدأه بالسلام فإن الزيادة بمنزلة الابتداء؛ لأن فيها زيادة إكرام وتعظيم واحترام، إذن يردُّ عليه بالمثل، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام، هذا هو المثل، وأما إذا قال: السام عليكم، فقل: وعليكم، ولا تقل: وعليكم السام، وإن كان قولك: وعليك السام هو العدل، لكن الرسول ﷺ يقول: «قولوا: وعليكم»، ويحتمل أنه إذا صرح السام عليكم أن لك أن تصرح وتقول: عليك السام، لكن الرسول ﷺ يقول: «إن اليهود
стр. 3234
إذا سلموا وقالوا: السام عليكم، فقولوا: وعليكم»، وهذا يدل على أن اقتصار المسلم على ما ليس فيه أذى هو الأولى؛ لأن هذا من خلق المسلم إذا قال: السام عليكم تقول: وعليك، أما إذا كان لم يفصح بقول: السام أو السلام الواجب، فالواجب أن يقال: وعليكم، وجوبًا لا يزيد، ولا يقول: عليكم السلام ولا وعليكم السلام؛ لأنه يحتمل أنه قال: السام، ويحتمل أنه قال: السلام، فأنت تقول: وعليكم، إن كان قال السام فعليه السام، وإن كان قال السلام فعليه السلام.
ومن فوائد الحديث: أن مطلق السلام كافي، الحديث يقول: «إذا لقيته فسلم عليه»، ولم يذكر الصيغة، فهل الأولى أن تقول: سلامُ عليك، أو السلام عليك، أو سلام عليكم، أو السلام عليكم، بمعنى: هل الأفضل جمع الكاف أو الأفضل إفرادها، وهل الأفضل التنكير أو التعريف؟ في هذا خلاف بين العلماء، والأظهر: أن الأفضل التعريف مع الإفراد بأن تقول السلام عليك ويجوز أن تقول: السلام عليكم إما تعظيمًا له إن كان أهلاً للتعظيم، وإما للإشارة إلى من معه من الملائكة.
ويجوز سلامُ عليك، أو سلام عليكم بالتنكير؛ لأنه ورد السلام وورد سلام بالتنكير، واختار أصحابنا ﵏ أن التعريف أفضل، يعني: السلام عليكم وهذا هو الذي جاع في القرآن: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧]. وكان الرسول ﷺ يقول: «السلام على من اتبع الهدى»: وقال في زيارة القبور: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين».
ومن ذلك: «إذا لقيته فسلم عليه»، ظاهر الحديث أن تبدأ بالسلام، ولو كان أكبر منك أو أصغر أو أكثر أو أقل، وهذا هو الحق أن الأفضل أن تبدأ بالسلام حَتّى وإن كان دونك؛ لأنه أضاع ما هو حق عليه فلا تُضيع أنت السُنة كلها، وإلا فإن الأفضل أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، لكن لو فرض أن واحدا منهم لم يقم بما ينبغي أن يقوم به فلا تدع السُنة، لا تقل: الحق عليه هو الذي يسلم، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، سواء كان صغيرًا أو كبيرا.
стр. 3235
حكم إجابة الدعوة والنصيحة للمسلم:
ويستفاد من هذا الحديث: أنه إذا دعاك أخوك المسلم فإنك تجيب، وهل هذا على سبيل الوجوب؟ نقول: أكثر العلماء يرى أنه ليس على سبيل الوجوب إلا فى وليمة العُرس أول مرة، واختار بعض العلماء أن ذلك على سبيل الوجوب لظاهر الأمر، ولظاهر كونه حقًا، وإنما قلنا في السلام إنه على سبيل الاستحباب لوجود أدلة تدل على أنه ليس للوجوب.
والأظهر أن الإجابة ليست واجبة إلا في وليمة العُرس، لأن النبي ﷺ قال فيها: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله»، وظاهر الحديث: الوجوب مطلقًا لكنه يجب أن يقيد بما دلت عليه النصوص منها:
أولا: ألا تعلم أنه دعاك إلى وليمة محرمة، كما لو عرفت أن هذا قاطع طريق يسرق أموال الناس ثم يدعوهم إليها فهذا لا تجبه ويحرم عليك إجابته.
ثانيًا: ألا تعلم أن في الدعوة منكرًا، فإن علمت أن في الدعوة منكرا نظرنا إن كنت تستطيع أن تزيله وجب عليك الحضور لسببين هما: إجابة الدعوة إذا قلنا بالوجوب، والثاني: إزالة المنكر، وإن كنت لا تقدر حرم عليك الإجابة؛ لأنك لو أجبت إلى دعوة فيها منكر لا تستطيع إزالته وجلست معهم كنت شريكهم في الإثم بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وظاهر الحديث «إذا دعاك فأجبه»، أنه لا فرق بين أن يكون الداعي كبيراً أو صغيرًا ما دام يصح أن يتصرف، فإذا دعاك إنسان مراهق - يعني: قد بلغ وتصرفه صحيح - فأجبه ولا مانع، وإذا دعاك باسم أبيه فهل تجبه ولو كان صغيرًا؟ نعم؛ لأنه نائب عن أبيه وكثيرًا ما يرسل الإنسان أولاده الصغار إلى جيرانه أو أصحابه ويقول: تفضلوا مثلاً.
ومن فوائد الحديث: وجوب نصيحته إذا استنصحك، يعني: إن طلب منك النصح بمشورة أو غير مشورة وجب عليك أن تنصح له، يعني: أن تذكر له ما هو الأكمل والأفضل، فإن تساوى عندك أمران أحدهما فاضل، والثاني أفضل، فالواجب أن تنصح بالأفضل، لا تقصر على أدنى شيء، الواجب أن تنصح بالأفضل، إذا لم يستنصحك بقوله ولكن استنصحك بفعله بأن تعلم أن الرجل سيقدم على أمر يضره حاضراً أو مستقبلاً وأنت تعلم هذا وتعلم أنه يفرح إذا أهديت إليه النصيحة، فهنا تجب النصيحة؛ لأن هذا وإن لم يستنصحك بالقول فإنه قد استنصحك بالفعل، إذا استنصحك فى أمر وأنت لا تعرف هذا الأمر فهل تتحيط وتقول: أظن لو فعلت كذا لكان كذا، أو يجب عليك أن تتوقف؟ الواجب أن تتوقف؛ لأن هذا مقتضى النصيحة، إذ قد تنصحه بشيء يكون ضررا عليه.
стр. 3236
آداب العطاس والتشميت:
من فوائد الحديث: أنه إذا عطس فحمد الله فشمته.
ومفهوم الحديث من فوائده: أنه إذا لم يحمد الله فلا تشمته، وسبق معنى التشميت هو: أن تقول له: يرحمك الله إلى ثلاث مرات، فإذا شمته ثلاث مرات وعطس فى الرابعة فقل له: عافاك الله إنك مزكوم، وقوله: «إِذَا عطس فشمته» هل الأمر هنا للوجوب؛ بمعنى: هل هنا الحق واجب؟ الجواب: نعم، هو واجب، لكن هل هو واجب على الكفاية أو واجب عيني؟ اختلف العلماء في ذلك بناء على قول الرسول ﷺ : «إذَا عطس المسلم - أو قال: المؤمن - فقَالَ: الحمد لله كان حقا على كل مَنْ سمعه أن يقول يرحمك الله».
فظاهر هذا الحديث: أن التشميت واجب لقوله: «كان حقا» وأنه عيني، لقوله: على كل من سمعه، ولكن أكثر العلماء يقولون: إنه فرض كفاية.
ومن فوائد الحديث: - في هذه الجملة -: جواز التعزير بترك المحبوب، يؤخذ ذلك من أنه لما لم يحمد عُزر بترك الدعاء له، والتعزير كما يكون بفوات المحبوب، يكون أيضا بحصول - المكروه، قلنا: إذا عطس ولم يحمد فلا تشمته ولكن هل تذكره؟
الظاهر أنه إذا لم يحمد ولو ناسيا فلا تذكره هل تعلمه إذا كان جاهلاً؟
الظاهر نعم؛ لأننا إذا عرفنا أن هذا الرجل ما ترك الحمد إلا جهلاً فينبغي تعليمه، وفي هذه الحال إذا علمته فقال: الحمد لله هل يجب أن تشمته؟
نقول: هذا الرجل عطس وحمد الله فشمته فيكون لك أجر من جهتين: من جهة أنك علمته ومن جهة أنك شمته، إذا عطس اثنان وحمدا جميعًا فكيف نشمتهما؟ نقول: يرحمكما الله وإن حمد أحدهما أو لأشمته أولاً، ثم الثاني، وإن عطس أحدهما أولاً ولكن حمد آخر فهل العبرة بعطاسه أو بحمده؟ الجواب: بحمده.
عيادة المريض:
ومن فوائد الحديث: أن من حق المسلم على أخيه أن يعوده إذا مرض لقوله: «وإذا مرض فعده» وهل هذا واجب أو لا؟
أكثر العلماء على أنه سنة، والصواب أنه واجب كفائي، وأنه يجب للواحد من المسلمين
стр. 3237
أن يعوده المسلمون، وألا يتركوه؛ لأن هذا انفصام عُرى بين المسلم وأخيه، أخوك له مدة منحبس في بيته من المرض لا يعوده أحد من الناس! فالصواب: أن عوده أو أن عيادته فرض كفاية، إذا علمت أن أحدا لم يأت من الناس وجب عليك أن تذهب أنت بنفسك وتعوده.
ومن فوائده: أنه إذا مرض مرضا لا يقعده فإن عيادته ليست حقّا علينا، وجه ذلك أن العيادة إنما تكون لمنحبس وأما من كان يمشي مع الناس ويذهب ويجيء، لكن في عينه مرض أو في وجهه جرح أو غير ذلك فهذا لا يُعاد، وإنما يُعاد من حُبس، ولم يذكر في هذا الحديث ماذا عليه عند العيادة هل يخفف العيادة أو يتباطأ فيها؟ هل يتكلم فيها؟ هل يسكت؟
يقال: يُراعى في ذلك حال المريض، إذا كان المريض يأنس لك وتعرف أنه منشرح صدره ويحب أن تبقى وأن تحدثه فالأفضل أن تجلس وتحدثه، وأما إذا عرفت أنه قلق وأنه يحب أن ينفرد بأهله دون غيرهم من الناس فالأفضل التخفيف، كذلك أيضا إذا رأيت من المناسبة أن تتلو عليه آيات تحث على الصبر، ويتبين له ثواب الصابرين، والأحاديث كذلك فافعل، فإن رأيت أنه يحب (الكلام عما سبق) وأنك تقول له: أتذكر يوم كذا ويوم كذا فاعمل ما يدخل السرور عليه.
هل يعود غير المسلم؟ الجواب: فيه تفصيل إن كان في ذلك مصلحة فلا بأس أن يعوده، مثل أن يكون هذا المريض من غير المسلمين قريبًا إلى الإسلام وأن الإنسان إذا ذهب وعرض عليه الإسلام فربما يُسلم فهنا نقول: عيادتك هنا مطلوبة من أجل ما يترتب عليها من المصلحة والنبي ﷺ عاد عمه وهو في مرضه، وعاد يهوديا في المدينة وهو في مرضه وعرض عليه الإسلام فأسلم، فإذا علمت أنك إذا ذهبت إلى هذا الكافر وعرضت عليه الإسلام أنه قريب فافعل، وإلا فلا تعد إلا إذا كانت عيادته من صلة الرحم فعده؛ لأن صلة الرحم حق لمن كان مسلمًا ومَن كان كافراً؛ لقوله تعالى في الوالدين: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
آداب اتباع الجنائز:
ومن فوائد الحديث: من حق المسلم إذا مات أن نتبعه لقوله: «وإذا مات فاتبعه»، واتباع الجنائز فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ودليل هذا من السُنة كثير جدا.
ومنها: مُر بجنازة بالنبى ﷺ وهو جالس بأصحابه فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت، وأخرى أثنوا عليها شرا فقال: وجبت، ولم يذكر أنه قام واتبعها، والشواهد على هذا كثيرة، بمعنى: أن اتباع الجنائز فرض كفاية وليس بواجب على العين.
стр. 3238
مما يتعلق باتباع الجنازة أن متبع الجنازة له أجر، ان شهدها حتى يصلي عليها فله قيراط، وإن شهدها حتّى تُدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين أصغرها مثل أحد». إذا كان مع الجنازة منكر مثل أن يكون المشيعون لها يصطحبون ما يسمونه بالموسيقى الحزينة وما أشبه ذلك، إذا كان معه موسيقى حزينة ولا يمكن أن تغيره فلا تتبعه؛ لأن كل شيء فيه منكر لا يمكنك تغييره، فإن حضوره حرام عليك.
ومما يتعلق باتباع الجنازة أنه ينبغي لمن يتبع الجنازة أن يكون مفكرا في مآله متعظا بما يشاهد، فهذا الرجل الذي [هو] اليوم محمول على الأكتاف، كان بالأمس هو يحمل الناس على كتفه، وهذا الرجل الذي كان أمس يمشي على ظهر الأرض هو الآن سوف يدفن في باطن الأرض، وهل أنت بعيد من ذلك؟
لا تدري لعله تمضي سويعات فيفعل بك ما فعل به، فينبغي لتابع الجنازة أن يفكر في أمره ومآله، خلافا لبعض الناس الذينَ إذا اتبعوا جنازة صاروا يقهقهون ويتكلمون في أمور الدنيا، ويقولون: ماذا بعت اليوم، وماذا اشتريت، وماذا أكلت، وماذا شربت، ما أحسن هذا الثوب وغير ذلك هذا غلط، المقام لا يقتضي هذا ولكل مقام مقال.
وسيلة عدم ازدراء نعمة الله:
١٣٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». متفق عليه.
انظروا: الأمر هنا للإرشاد، وقوله: «انظروا» هل المراد: النظر بالعين يعني: بالبصر أو بالبصيرة؟
الثاني، النظر بالبصيرة، وقوله «إلى من هو أسفل منكم» يعني: بنعمة الله عليه، سواء كانت النعمة دينية أو دنيوية، لا تنظر لمن فوقك، بل انظر إلى من هو دونك، وعللها الرسول ﷺ فقال: «فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم»، ونعمة الله تشمل نعم الدين ونعم الدنيا، وهذا من الإرشاد الحكيم؛ لأنه لاشك أن الله تعالى جعل الناس متفاوتين ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بعْضَهُمْ عَلَى بعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]. متفاوتين في المال، في العقل، في القوة، في الولد، في كل شيء، حتّى في الصورة الخلقية الناس يتفاوتون.
ويقال: إنه لا يمكن أن تجد اثنين متساويين في كل شيء حَتّى وإن تقاربوا في الشبه جدا فلابد أن يكون بينهم تفاوت، فإذا كانوا متفاوتين فمنهم العالي ومنهم النازل، وأنت لا تنظر إلى
стр. 3239
العالي؛ لأنك إذا نظرت إلى العالي احتقرت نعمة الله عليك، بل انظر إلى من دونك، ولنفرض مثلاً أن نظرك ضعيف لا يتجاوز عشرين مترا، ويوجد من نظره لا يتجاوز عشرة أمتار، ويوجد من نظره يتجاوز مائة متر، الذي فوقك الآن هو الذي يتجاوز مائة متر ودونك عشرة أمتار وأنت بينهما، إن نظرت إلى الأعلى ستقول: الله ما رزقني، مثل هذا وأعطاني أقل فتزدري نعمة الله عليك في هذا البصر، إذا نظرت للثاني قلت الحمد لله، أعطاني الله خيرا منه فعرفت قدر نعمة الله عليك وشكرته على ذلك، في العلم رأيت شخصا عنده حافظة قوية وذاكرة قوية وفهم قوي، وإنسان تُحفظه اليوم سطرا واحدا وقبل أن يبرد مجلسه من سخونته إذا قام منه وجدته ناسيا وأنت يبقى العلم معك لمدة ساعتين أو ثلاثة أو أربع أو خمس ساعات، إن نظرت إلى الذي يبقى الحفظ معه شهرين أو سنتين قلت: ما عندي شيء، وإن نظرت للثاني قلت: الحمد لله عندي خير متين يتبين لك نعمة الله؟
إذا نظرت إلى من دونك في الأخلاق كذلك وجدت إنسانا في غاية ما يكون الأخلاق، صدره منشرح، وجهه طليق كلامه طيب، دائم البشر دائم التبسم، وآخر - أعوذ بالله- وجه عبوس قمطرير لا يريد أحد يتكلم وأنت بالوسط تنظر إلى من؟
إلى الأسفل، لو وجدت إنسانا كثير العبادة من صلاة وصدقة وصوم وبر الوالدين وصلة رحم، وإنسانا دون ذلك أي: مهمل وأنت بينهما تنظر إلى من؟ تنظر إلى الأسفل؛ لأن نعمة الله فى الدين أقوى وأشدُ فضلاً من نعمة الدنيا تقول: الحمد لله الذي هداني أنا في خير، لكن هذا لا يمنعك أن تستبق الخيرات لا تقول: قف مكانك، بل اسع في الخير، لكن من حيث النعمة لا تنظر إلى من هُوَ أعلى منك؛ لأنك إن نظرت إلى من هو أعلى منك تقول ما أنعم الله على، وأما تفريق بعض العلماء بين أمور الدين والدنيا ففيه نظرا؛ لأن الحديث عام والإنسان يغبط الشخص الذي أعطاه الله تعالى قوة في الدين وفعلاً للخيرات وتركا للمنكرات من إنسان دون ذلك ولا يرى أن الله أنعم عليه كما أنعم على الآخر العالم، فالرسول ﷺ أرشدنا إلى هذه النظرية بالإضافة إلى نعمة الله علينا ليس بالإضافة إلى فعلنا، حَتّى فى أمور الدُّنيا، إذا رأيت إنسانا أنعم الله عليه بخلق طيب وإنسانًا بالعكس ألا يجدر بك أن تكون مثل الأول، حَتَّى الإنسان الذي أنعم الله عليه بالمال ربما يقول: أنا أسعى لطلب المال لعل الله يوفقني كما وفق الآخر، على كل حال إذا كان المقصود النظر إلى ما أنعم الله به من مال وبنين وعلم وعمل وعبادة بالنظر إلى إضافته إلى الله فانظر إلى من هُوَ أسفل مطلقا حَتَّى تعرف قدر نعمة الله عليك بأن الله فضلك على من دونك، لكن لو نظرت إلى الأعلى فلابد أن تزدري النعمة وتنتقصها وتقول: الله ما أعطانى شيئا الله، من على هذا بالمال والعبادة وأنا محروم، لكن هذا لا يمنع أن نقول: استبق الخبرات، انظر إلى فعلك أنت مقصر.
стр. 3240
من فوائد الحديث: حُسن إرشاد النبي ﷺ بهذا الكلام الذي يعتبر قاعدة في النظر إلى نعم الله، أن تنظر إلى من دونك، نحن لو نظرنا إلى الأغنياء سيارات فخمة وقصور فخمة أزواج وبنين وأموال، نحن ما عندنا شيء سيارات موديل واحد وتسعين والبيت شعبي، وأشياء كثيرة لا نحب أن نقولها، هل نحن الآن لو نظرنا إلى من هو دوننا من ليس عنده بيت ولا زوجة ولا سيارة ولا طعام يكفيه هل ننظر للأول أو الثاني؟ للثاني حتى نعرف أن الله أنعم علينا بشيء، فالمهمة أن هذه قاعدة ذكرها نبينا ﷺ وهذه حقيقة ينبغي للإنسان أن يبني حاله عليها.
ومن فوائد الحديث: حُسن تعليم الرسول ﷺ أنه إذا ذكر الأمر أو الحكم ذكر التعليل، والذكر التعليل فائدتان: الفائدة الأولى: زيادة الطمأنينة، الإنسان إذا علم الحكم وعلم حكمته يزداد طمأنينة، وإن كان المؤمن سوف يسلم لأمر الله ورسوله علم الحكمة أم لم يعلم، لكن كلما علم الحكمة ازداد طمأنينة، ولهذا لما غرس الرسول ﷺ جريدة رطبة على القبرين، الصحابة أشكل عليهم الأمر لماذا كانت رطبة يريدون أن يتبينوا الحكمة، والفائدة الثانية لذكر العلة: بيان سمو الشريعة، وأنها لا يمكن أن تحكم بالأحكام إلا بحكم اقتضت ذلك.
البر والإثم وضوابطهما:
١٣٨١ - وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: البر: حُسن الخُلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس». أخرجه مسلم.
«البر»: هو الخير والإثم ضده كل يسأل عن هذا من أجل العلم فقط أو من أجل العمل.
أما الصحابة فلاشك أنهم يسألون من أجل الثاني، أما بعض الناس فربما يسأل لمجرد العلم فقط، لكن الحازم هو الذي يسأل عن الخير ليقوم به، وعن الشر ليجتنبه، قال حذيفة: كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، سأله عن البر والإثم فقال النبي ﷺ : «البر حسن الخلق». الجملة هذه يقولون: إن التركيب يقتضي الحصر: البر حُسن الخلق وهذا قد يُشكل في ظاهره على بعض الناس حيث يقول: إن البر حُسن الخلق هناك أشياء كثيرة من البر وليست حُسن خلق، كالصلاة والصدقة والصيام والحج وغير ذلك.
فيقال: إنك لم تفهم مراد الرسول ﷺ به حسن الخلق مع الله ومع عباد الله؛ لأن الرسول لم يقيد لم يقل: حسن الخلق مع الناس ولكن أطلق حسن الخلق مع الله أن تتقبل أوامره بالسرور والانشراح سواء كانت من المنهيات أو من المأمورات لا يضيق صدرك به، هذ لاشك
стр. 3241
أنه بر لأن من تلقى أوامر الله بانشراح وقبول فسوف يفعله لأنه مسرور بها، وفي المحارم سوف يتجنبها فهذا صار في معاملة الله وفي معاملة الخلق حُسن الخلق، بعضهم، قال هُو بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه، وبعضهم قال: حُسن الخلق، أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وهذا أجمع وأبين وأوضح أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، عامل الناس بهذا هذا حُسن الخلق كل منا يحب أن يعامله الناس بطلاقة وانشراح وسرور لا أجد واحدا منكم يحب أن يقابله الإنسان بوجه عابس مكفهر، يضيق ذرعا إذا كلمته، لا أحد يحب ذلك! ! فحسن الخلق أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به هذا في المعاملة مع الناس «الإثم ما حاك في صدرك»، حاك يعني: صار شديدا عليك لا تحب أن تفعله وربما يفسره قوله: «ما تردد في الصدر»، لأن الشيء إما أن تفعله بإنطلاق وإما أن تفعله مع تكره له يحيك في صدرك، هذا هو الإثم، ولكن هذا الخطاب في المسأله الأخيرة لمن شرح الله صدره للإسلام لا لكل أحد، بدليل أن أهل الفجور هل يحيك بصدورهم الفجور؟ .
لا، بل يرونه سرورا لهم ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرَأَىهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. فمن رأى الشيء حسنا كيف يحيك في صدره، فيكون الرسول ﷺ خاطب رجلاً من الصحابة مستقيما يحيك في صدره الإثم ولا يخاطب جميع الناس فنقول: كلما كان الإنسان أتقى لله فسيضيق صدره ذرعا بالآثام، وأنا أحكي لكم قصة وقعت من رسول الله ﷺ وقصة وقعت من عامي من الناس أما التي وقعت من الرسول ﷺ فإنه لما سلم في إحدى صلاتي العشي سلم من ركعتين الصلاة في نظره ﷺ تامة لم تطمئن نفسه قام إلى خشبة في قبلي المسجد واتكأ عليها وشبك بين أصابعه ووضع خده على إحدى يديه، الذي يفعل هكذا هل يكون منشرحا صدره أم مغمومًا؟
مغمومًا؛ ولهذا قالوا: كأنه غضبان لم ينشرح صدره، مع أنه كان يعتقد أنه لم يفعل شيئا لكن - سبحان الله - انقبضت نفسه؛ لأن صلاته لم تتم هذا حاك في صدره لكن لا يعلم ما سببه لما قال له ذو اليدين أنسيت أم قصرت الصلاة؟ ! ولله در الصحابي! واحد من عامة الصحابة يقول هذا الكلام الذي لو اجتمع عليه الفلاسفة سنين لم يأتوا بمثله، أنسيت أم قصرت الصلاة حصر، فيه احتمال ثالث لا يمكن أن يكون من الرسول ولهذا لم يقله الصحابي وهو أنه سلم عمدا، وهذا لا يمكن فهو سلم إما ناسيا وإما أن الصلاة مقصورة؛ لأن الزمن زمن تشريع فقال: لم أنس، بناء على ظنه ولم تُقصر حكم شرعي نفى أن تكون قصرت. إذن فهي تامة لما انتفى
стр. 3242
القصر بقي النسيان، ولذا جزم الصحابي قال: بلى قد نسيت، لكن تعارض عند النيي ﷺ ما كان يعتقده وما أخبره به الصحابي فصار خصمان، الخصمان يحتاجان إلى حاكم فسأل الصحابة «أحقّ ما يقول ذو اليدين، أو أصدق ذو اليدين؟ » قالوا: نعم فصلى ما بقي، هذه تجد فيها شاهدا على أن الإنسان كلما كان أتقى لله فلابد أن يتأثر إذا فرط في شيء من الواجبات بدون علم، أما قصة العامي فكان رجلاً معروفا بالورع وأنه لا يريد أن يُدخل على ماله شيء حرام إطلاقا، فكان عنده أثل وكان قد قطعه، في يوم من الأيام خرج من أجل أن يحمله على بعيره ويأتي به إلى أهله أو يبيعه، وكان جاره قد قطع أثاله أيضا وكدسه، فجاء إلى أثل جاره يظنه أثله فأناخ البعير وحمل أثل جاره على بعيره وربطه وشده ونهر البعير فلم تقم، وأبت أن تقوم فنهرها وضربها كلما نهرها أو ضربها تحلحلت وزادت مُكثا في الأرض فتعجب ما عاهد ببعيره هكذا فجعل يطوف بالبعير ويتأمل فإذا الأثل أثل جاره وأثله باق فحمد الله وتعجب، حبس الله هذا البعير لأنه حمل مالاً ليس بماله ففك الخشب ووضعه في مكانه ثم حمل خشبه وبمجرد ما حمله ونهرها قامت وهذه من آيات الله، حبس الفيل عن الكعبة وحبس ناقة النيي ﷺ عن دخول مكة في صلح الحُديبية كانت البعير (وقفت) يزجرها ما تمشي حَتَّى إن الصحابة عيروها وقالوا: خلأت القصواء يعني: جرنت فدافع عنها النبي ﷺ الحق مقصود حَتّى في البهائم، قال: والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، يعني: ليس من عادتها ولا خلأت؛ الآن دفاعا عن الحق، ولكن حبسها حابس الفيل وهو الله كما قال النبي ﷺ : إن الله حبس عن مكة الفيل، والذي نفسه بيده أو قال: والله لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم عليها، عرف النبي ﷺ أن هناك أمرا وراء (التأخير) وهو أمر الله ، فالمهم أننا في مجريات حياتنا أيضا أحيانا تجري الأمور على خلاف ما نريد، وإذا بالأمر الواقع هو الأحسن هو الخير، جرب هذا في نفسك أحيانا تريد شيئا ثم يأتي القدر بخلاف ما تريد ثم تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وإذا بالأمر الواقع يكون هُوَ الأفضل، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. والآية فيها عموم وخصوص، إن كرهتموهن كان المتوقع أن يكون الجواب فعسى إن كرهتموهن ويجعل الله فيهن خيرا، لكن قال: فعسى أن تكرهوا شيئا ليكون الأمر أعلم، عسى أن تكرهوا شيئا النساء وغير النساء ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فأنت يا أخي المسلم كن مع الله كن مع القدر، لكن لا تصادم بالقدر الشرع بمعنى: أن تترك الواجب وتقول: هذا قدر تفعل المحرم تقول: هذا قدر، هذا لا يمكن لكن إذا فعلت واجتهدت وجاء الأمر خلاف ما تريد فكن مع القدر اطمئن استرح ولا تقل: لو فعلت كذا لكان كذا أو يا
стр. 3243
ليتني ما فعلت لا، أصبر لو قُدر ما تريد لكان، كن مع القدر واجعل منهاجك في سيرك هذا الحديث العظيم قال النيي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، هذه مثل قوله تعالى علينا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بعْدُ وَقَاتلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. هذا قال: «المؤمن القوي خير وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» الضعيف والقوي كله فيه خير «احرص على ما ينفعك». كلمة عظيمة لو وزنت بها الأرض لوزنتها، احرص على ما ينفعك في أمر الدين وَالدُّنيا وكل ما ينفعك واستعن بالله لا تعتمد على قوتك وحرصك إنك لو اعتمدت على قوتك وحرصك لخُذلت، ولكن أفعل الأسباب مع الاستعانة بالمسبب وهو الله، «ولا تعجز» يعني: لا تكسل، بعض الناس إذا حرص على ما ينفعه وسعى فيه ولم يحصل بأول مرة تعاجز، وقال: هذا يتعبني وهذا غلط لا تعجز ثمّ بعد بذل الأسباب والاستعانة بالله إن أصابك شيء خلاف ما قدرت فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان، هذا لو أننا حرصنا عليه في حياتنا لحصلنا على خير كثير لكن تستولى علينا الغفلة أحيانا وتنسى ما أرشدنا إليه من كلام النبوة ثم يحصل الخلل في ميزان أعمالنا.
من فوائد الحديث: حرص الصحابة ﵃ على معرفة الأحكام الشرعية حيث سأل النواس عن البر والإثم.
ومن فوائده: الحث على حُسن الخلق مع الله ومع عباد الله.
ومن فوائده: أن ما تردد في صدر الإنسان - إذا كان الإنسان قلبه سليما- ما تردد في صدره هل يفعل أو لا يفعل يُعتبر إثما لكن هل إذا أقدم على هذا الشيء الذي تردد فيه هل يكون آثما؟
نقول: إن النبي ﷺ قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». فالورع ألا يقدم عليه ولكن له الإقدام ما لم يتحقق أنه إثم.
ومن فوائد الحديث: أن من كان سليم القلب فإن الله تعالى قد يهبه فراسة يعرف بها الإثم حتى إن نفسه لا تطمئن إليه ولا ترتاح له وهذه من نعمة الله على الإنسان.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل السليم القلب الصحيح المنهج يكره أن يطَّلع الناس على أموره لقوله: «وكرهت أن يطلع عليه الناس»، أما الرجل الذي لا يستحيي فلا يبالي، ومما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
стр. 3244
لا يتناجى اثنان دون الثالث:
١٣٨٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه». متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: «لا يتناجى» أي: لا يكلم أحدهما الآخر سرا؛ لأن المناجاة: الكلام بصوت منخفض والمناداة: الكلام بصوت مرتفع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقرَّبنَاهُ﴾ [مريم: ٥٢]. فلما كان بعيدًا قال ناديناه ولما قرب جعله مناجى إذن لا يتناجى اثنان أي: لا يتكلم بعضهما مع الآخر سراً دون الآخر الذي هو الثالث، ثمّ علل النبي ﷺ ذلك قال: «حتى تختلطوا بالناس» من أجل أن ذلك يحزنه فإذا اختلط الثلاثة بالناس فليتناج الاثنان لأنهما يتناجيان وأمامهما جمع من الناس فهؤلاء الجمع لا يحزنهم أن يتناجى اثنان لأنهم لا يهتمون بذلك غالبًا قال من أجل «أن ذلك يحزنه» أي: يلحقه الحزن والحزن هو الغمْ مما وقع وإذا كان مما يستخفي فهو الخوف.
من فوائد الحديث: أن الشريعة الإسلامية تحارب كل ما يحزن أفراد المسلمين دليله نهى النبي ﷺ عن تناجي اثنين دون الثالث.
ومن فوائد الحديث: تحريم إدخال الحزن على أخيك المسلم؛ لأن النهى في قوله: «لا يتناجى» الظاهر أنه للتحريم لأنه إذا كان يدخل الحزن على أخيك المسلم فإن الحزن إيذاء وإيذاء المسلم حرام، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فقَدِ احْتَمَلُوا بهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
ومن فوائد الحديث: أنهم إذا كانوا أربعة فأكثر وتناجى اثنان فلا يحرم؛ لأنه لا يُحزن الاثنين الآخرين.
ومن فوائد الحديث: أنهم إذا كانوا ثلاثة فتكلم اثنان بغير لغة الثالث ولو جهرا فإنه منهي عنه «لأن ذلك يحزنه»، إذ إن الثالث لا يدري ما يقولان فيحزن.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا كان الثالث لا يحزن ولا يبالي إما لأنه قوي ولا يخاف منهما ولا يهابهما وهو قوي الشخصية فإنه لا بأس أن يتناجى اثنان.
ومن فوائد الحديث: أن أحكام الشريعة مبنية على العلل والمناسبات؛ لأنه لما نهى عن التناجي بين السبب - من أجل أن ذلك يحزنه- فإن قال قائل: إذا كانوا خمسة وتناجى أثنان أحدهما كبير القوم فجلسا في مجلس واستبد أحد الناس بكبير القوم يكلمه ويناجيه ويبحث
стр. 3245
معه والآخرون ساكتون هل يدخل في النهي للعلة أو نقول: إنه من الخطأ أن يحزن الآخرين؟ أحيانا يكون مثلاً رجل كبير في عمله أو في ماله، أو في جاهه، أو في إمارته، فيجلس في مجلس ويجلس إلى جنبه آخر ويتحدثان كل المجلس حديث مع هذا الرجل هل القوم الآخرون يرضون بهذا أو يحزنون؟
عادة يحزنون؛ ولهذا ينكرون على صاحبهم يقولون: استبددت بالرجل فهل نقول: إن هذا منهي عنه؟ نقول: نعم منهي عنه لأن ذلك إذا كان يحزن القوم فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كل إنسان إذا جلس مع عالم أو مع أمير أو مع وزير كل إنسان يحب أن يكون له معه كلام ويأتي إنسان جنب هذا الكبير ويتحدث معه والآخرون لا يتكلمون لا شك أن هذا يحزنهم ولهذا دائمًا إذا وقع مثل ذلك ألقوا باللوم على صاحبهم قالوا: لما استبددت بهذا الرجل؟
ومن فوائد الحديث: أن النبي ﷺ أحسن تعليمًا إذا حكم بحكم بين العلة.
ومن فوائد الحديث: أن تعليل الأحكام يستوجب للإنسان فائدتين عظيمتين، أو يحصل به فائدتان عظيمتان: الأولى: الاطمئنان أن الإنسان يطمئن للشريعة ويعرف أن هذا هو المناسب وهو الحكمة، الثاني: القياس قياس ما لم يذكر على المذكور إذا وجدت العلة فنأخذ من هذا أن كل شيء يحزن أخاك المسلم سواء في المناجاة أو غيرها فإنه منهي عنه.
آداب المجلس وأحكامها:
١٣٨٣ - وعن ابن عمر ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا». متفق عليه.
قوله: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ... » الخ نهى النبي صلى الله وسلم عن ذلك لأن فيه عدوانًا على أخيه، وقوله: "الرجل" لا يعني: أن المرأة لا بأس أن تقيم أختها وتجلس مكانها لأن هذا مبني على الأغلب وما بني على الأغلب فلا مفهوم له، وقوله: «ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا» هل معناها ولكن يقول: تفسحوا ليطابق الآية وهي قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾ [المجادلة: ١١]. أو إن هذا أمر من الرسول ﷺ أننا إذا رأينا الرجل ليس له مكان ودخل علينا فإننا نتفسح ونتوسع، والثاني أقرب إلى ظاهر الحديث؛ لأن المعنى الأول يحتاج إلى تقدير والأصل عدم التقدير. [مرة ثانية] قال: ولكن تفسحوا وتوسعوا هل معنى الحديث ولكن يقول تفسحوا وتوسعوا، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس﴾، أو أن الرسول ﷺ أرشدنا إلى خبر من
стр. 3246
إقامة الرجل وهو أن نتفسح ونتوسع فكأنه قال: ولكن إذا دخل رجل لم يجد مكانًا فتفسحوا وتوسعوا، نقول: أما الثاني فهو ظاهر اللفظ، والواجب كما كدرنا سابقًا ونكدر الآن الواجب حمل النصوص على ظاهرها ما ل يمنع مانع وهنا لا مانع ونقول: الآية دلت على معنى مستقل، وهذا الحديث دل على معنى مستقل، وأنه ينبغي لنا إذا دخل رجل ونحن قد ملأنا المكان ينبغي لنا أن نتوسع خلافًا لبعض الناس إذا دخل إنسان انتفض من أجل أن يضيق المكان هذا خلاف السنة.
من فوائد هذا الحديث: تحريم إقامة الرجل من مكانه ليجلس فيه وجه ذلك أن الأصل في النهي التحريم ويؤيد التحريم أنه عدوان على الغير، والأصل في العدوان أنه حرام.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل بمكانه ما دامت حاجته لم تنقض فلا يقام ويشمل هذا المكان في المسجد، المكان في الدرس، المكان في موضع البيع والشراء، المكان في أي مكان هو أحق به ما لم يتركه، ولكن هل نقول: إنه أحق به في هذه الجلسة فقط بمعنى أنه إذا انتهت الجلسة وجاءت جلسة أخرى فالسابق أحق أو نقول: هو أحق به دائما؟
الجواب الأول؛ لأنه لم يملكه حتى نقول: إنك أحق به دائمًا فعلى هذا مثلاً إذا كان هذا الرجل له مكان بيع وشراء في السوق ونزل به أول مرة ثم أنكف السوق وجاء آخر النهار هل نقول إنه أحق به بمعنى: أنه لو وجد غيره فيه فإنه يقيمه، أو نقول: انتهت أحقيته بالجلسة الأولى؟
الثاني لكن إذا جرت العادة بأن مثل هذا إذا وضع متاعه في هذا المكان فهو له دائمًا ولاسيما إذا كانت الجهات المسئولة تأخذ عليه ضريبة في بقائه في هذا المكان فهنا نقول هو أحق به ما دام متاعه موجودًا فإذا نقله زالت أحقيته، والعمل على هذا الآن.
ومن فوائد الحديث: أن الرجل لا يقيم الرجل من مجلسه ولو كان ابنه، فإذا جاء إنسان ووجد ابنه في الصف الأول فإنه ليس من حقه أن يقيمه لعموم الحديث، لو كان تلميذه هل يقيمه؟
لا، الحديث عام، لو كان عبده أيضًا لا يقيمه لعموم الحديث، إلا إذا كان قد قدم عبده ليجلس فيه فهذا محل نظر. قد نقول: إنه إذا قدم عبده ليجلس فيه حتى يحضر ثم قام العبد عنه فإنه يجلس وقد نقول: إن هذا من باب التحجر لأن العبد لم يتقدم طلبًا للدوام لكن تقدم طلبًا لحماية هذا المكان لسيده وحينئذٍ تبقى هذه المسألة كمسألة التحجر، ومسألة التحجر مختلف فيها من العلماء من رخص في ذلك وقال: للإنسان أن يتحجر مكانًا في المسجد متى شاء، وما دام مكان التحجر معلومًا موسومًا بشيء موضوع فيه فهو أحق به، ومنهم من قال: إنه
стр. 3247
لا يجوز التحجر بل المكان لما سبق، وهذا القول أرجح وأقرب للصواب؛ لأن الإنسان إنما يتقدم بنفسه لا بمنديله وكتابه وغير ذلك، ثم إن التحجر فيه مفسدة على المتحجر نفسه إذ إنه ربما يأتي وقد تمت الصفوف فيستلزم ذلك تخطي رقاب الناس، ثانيًا إذا علم أن مكانه متقدم فسوف يتساهل في التقدم ويقول ما دام مكان. مأمونًا فمتى شئت ذهبت وهذا ضرر عليه يفوت عليه أجرًا كثيرًا، ثالثًا أنه يوجب إيغار الصدور على هذا المتحجر، ولذلك نسمع دائمًا الشكاوي من الناس فلان جاء متقدمًا متأخرًا تقدم إلى الأمام وما أشبه ذلك فالذين قالوا بالتحريم أقرب، وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعيد ﵀ أما المذهب يقول: تحجر هذا المكان، ولو خرجت إلى أهلك أو غير ذلك ما دام العصا موجودة أو المسواك موجودًا أو المفتاح موجودًا فكأنك موجود، إذا قال قائل: هو يريد أن يضع عصاه ويذهب مثلاً في ناحية أخرى من المسجد ولم يخرج من المسجد، ماذا نقول فيه؟
الصحيح أنه لا بأس، ولا حرج لكن يجب عليه أن يلاحظ الصفوف إذا كان يلزم من تقدمه إلى مكانه أن يتخطى الرقاب فحينئذٍ يجب عليه أن يراعي ذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه لو أقام الرجل الرجل من مجلسه لا ليجلس فيه فإنه لا بأس لقوله: «لا يقيمه ثم يجلس فيه» لكن هذه الفائدة غير مقيدة ولا مستفادة من الحديث، لأن هذا الحديث مبني على الأغلب، فو أقمته ولم تجلس فحرام عليك؛ لأنك حرمته مكانه الذي هو أحق به من غيره فيكون قوله: "ثم يجلس فيه" بناء على الغالب.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للحاضرين إذا قيل لهم تفسحوا في المجالس أن يفسحوا لأمر النبي ﷺ بذلك، ولأن الله وعد خيرًا بهذا فقال: ﴿يفسح الله لكم﴾ وهذا وعد من الله يفسح الله لكم هل المعنى: أن المكان يتسع ويكون فيه بركة أو المعنى يفسح لكم من كل ضيق؟
الثاني أعم فيكون الجزاء من جنس العمل.
لعق الأصابع والصحفة:
١٣٨٤ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعامًا، فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها». متفق عليه.
المراد بالطعام هنا: ما يتعلق باليد وأما ما لا يتعلق فلا حاجة إلى لعق الأصابع مثاله: لو أكل الإنسان تمرًا جافًا هل يمكن أن نقول له: العق يدك؟
لا، لكن المراد الطعام الذي يعلق باليد يقول: «فلا يمسح يده» يعني: بالمنديل أو بثوبه أو
стр. 3248
بأي ماسح آخر حتى يلعقها هو أي: يمص أصابعه يلحس راحته وما أشبه ذلك حتى يدخل بقية الطعام إلى جوفه؛ لأنه لا يدري في أي طعامه البركة، كما جاء في الحديث، وقوله: "أو يلعقها" كيف ذلك؟
يعني: يقول لواحد آخر العق يدي وهذا كان معتادًا عندهم لا يرون به بأسًا أن يقول: العق يدي وكان في زمن مضى يحب الواحد أن يذوق الطعام فقط هذا إذا قلت: يا فلان، يدي الآن فيها طعام العقها ماذا يعمل؟
يفرح لأنه يذوق طعاما فلا تستنكروا هذه المسألة، تقولوا: هذه خلاف المروءة ولا أحد يفعلها نقول: ليس كذلك إذا اعتادها الناس صارت أمرًا معروفًا وإذا كان فيها بقي طعام بين فإن المحتاج للطعام إذا مصها سوف يتلذذ بذلك هناك شيء آخر أيضًا ربما يكون عنده زوجته فيجعل الزوجة تلعقها وهو أيضًا يلعق أصابعها هذا يحصل فيه متعة، الرسول ﷺ لا يمكن أن ينطق بكلام لغو لا تقبله النفوس، لا يتكلم إلا بكلام تقبله النفوس.
في هذا الحديث فوائد: منها: أنه ينبغي الأكل باليد وهو خير من الكل بالملعقة لقوله: "فلا يمسح يده منها" يدل على أن الذي باشر الأكل وأن آلة الأكل هي اليد وهو كذلك، الأكل باليد أفضل من الأكل بالمعلقة، لكن الأكل بالمعلقة هل هو جائز؟
نقول: فيه تفصيل أما إذا كان المانع له من أكله باليد التكبر والتغطرس ومحاكاة ذوي الترف فهذا مكروه أقل أحواله أنه مكروه، ولهذا لما قال الفقهاء: لا بأس بالأكل بالمعلقة، قال: آخرون: إنه قد يؤخذ م قول الإمام أحمد أكره كل محدث أنه يكره الأكل بها لأن الأكل بالمعلقة كان محدثًا لكن في هذا نظر لأن مراد الإمام أحمد في قول أكره كل محدث يعني: في الدين، على كل حال إذا كان الحامل على الأكل بالمعلقة هو ما أشرنا إليه وهو التكبر والتغطرس ومحاكاة ذوي الترف فإن أقل أحواله أنه مكروه أما إذا كان لعذر فلا شك في جوازه كما لو كان في يده اليمنى جروح لا يستطيع أن يأكل بها فلا بأس أو كان الطعام حارًا فأكل بمعلقة فلا باس، لكن قد يقول قائل: إذا كان حارًا يلدع يده فسوف يلدع فمه، فنقول: لا، الفم أصبر على الحار من اليد، بدليل أنك تشرب فنجان شاي وهو حار لا تتأثر به، لكن لو غمست أصبعك فيه لا تستطيع؛ لأن الفم تعود على الحار، وقد ذكر لبعضهم وقيل له: يا فلان إنك لا تأكل بالمعلقة قال: أنا آكل بملعقة لا يأكل معي فيها غيري وأنتم تأكلون بملاعق كل يأكل بها ما هي الملعقة التي لا يأكل بها غيره؟
يده، فيقول: أنا أعرف يدي نظيفة ولا أكل بها غيري، أما أنتم فكل شفة أكلت بها بملعقة صاحبها فسوف تمس هذه الملعقة وكلامه صحيح.
стр. 3249
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون متواضعًا فيلعق بقية الطعام قبل أن يمسح يده.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون نظيفًا بدليل أنه في عهد الرسول تمسح اليد من الطعام، خلافًا لما يفعله بعض الناس لا يبالي هل بقيت آثار الطعام في يده أو لا؟ فإن هذا خلاف المروءة وما بالك لو سلمت على إنسان ويدك ملطخة بالتمر ماذا يكون الأمر؟ يستاء بلا شك.
ومن فوائد الحديث: جواز إلعاق الغير لأصابعك لقوله: "أو يلعقها"، لكن هذا مقيد بما إذا لم يكن في ذلك ضرر فإن كان في ذلك ضرر بأن تكون يدك فيها جروح مثلاً خفية لا تبين أو في فمه أيضًا جروح فهنا لا ينبغي لئلا يعرض الإنسان نفسه للأذى والمرض.
آداب السلام وأحكامه:
١٣٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «والراكب على الماشي».
قوله: "ليسلم": اللام لام الأمر ويسلم فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، لكن حرك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا يمكن أن تنطق بساكنين وهما باقيان على سكونهما يقول ابن مالك في الكافية:
(إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينا فحذفه استحق)
نقول: يرم الرجل صيدًا أين الياء في يرمي؟ حذفت لالتقاء الساكنين وهي حرف لين وتقول: يدع الرجل ربه أين الواو؟
حذفت لالتقاء الساكنين، وإذا كان صحيحا يكسر ليسلم الصغير، الهمزة ساكنة والميم ساكنة وهي حرف صحيح فيجب كسرها؛ ليسلم الصغير على الكبير، الصغير سنًا أو الصغير قدرًا؟
ظاهر الحديث سنًا ويجوز أن يكون قدرًا، وإذا كان أحدهما صغيرًا سنًا وقدرًا فالأمر واضح، لكن إذا كان صغيرًا سنًا كبيرًا قدرًا أو بالعكس فمن الذي يسلم؟
سيأتي في الفوائد، "والمار على القاعد"، المار العابر يعني: الماشي "على القاعد"؛ لأن
стр. 3250
القاعد متجاوز والماشي متجاوز، فكان الذي عليه الحق هو الماشي، "والقليل على الكثير، القليل صفة لعدد، إذا كانوا ثلاثة وقابلهم أربعة من الذين يسلم؟
الثلاثة، ولو ثلاثة كهول لكل واحد أربعون سنة وأربعة صغار كل واحد له خمس عشرة سنة من يسلم؟
القليل على الكثير، والراكب على الماشي؛ لأن الراكب أعلى من الماشي، فإذا كان أعلى فإن من المناسب أن يتواضع للماشي ويسلم هو لأنه لو سلم الماشي في هذه الحال لكان الراكب مرتفعًا قدرًا ومرتفعًا حسًا فربما تزهو نفسه ويتعاظم، فكان من الحكمة أن يكون لديه شيء من الخضوع والذل فيسلم هو على الماشي.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: مشروعية السلام بين المتلاقيين وهذا أمر مجمع عليه وقد سبق أنه من حق المسلم على المسلم.
ومن فوائده: أن الصغير يسلم على الكبير، الصغير سنًا يسلم على الكبير سنًا فإذا تساويا في السن رجعنا إلى الصغر قدرًا فالصغير قدرًا يسلم على الكبير، أما الكبير قدرًا فيسلم على الكبير سنًا إذا كان أقل منه سنا يعني: رجل كبير القدر عالم متبحر عمره عشرون سنة لاقاه شيخ كبير عمره ثلاثون سنة لكنه جاهل من يسلم؟ الصغير، وهذا من تواضعه؛ لأن شريف القدر هو الذي يعرف القدر، إنما يعرف الفضل من الناس ذووه، فإن لم يفعل يعني الصغير لم يسلم هل يترك الكبير السلام؟
لا، لقول النبي ﷺ : «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، كثير من الناس يقول: لا أسلم وأتواضع لهذا الرجل الذي لم يتواضع لي، نقول: يا أخي تواضع للحق وسلم وأنا ضامن فيما أظن أنه إذا سلم الكبير على الصغير، هذه المرة فسوف يسلم الصغير على الكبير المرة الثانية لأنه يخجل.
ومن فوائد الحديث: مراعاة المنازل والرتب لقوله: «يسلم الصغير على الكبير» وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أنزلوا الناس منازلهم»، وكذلك قال: فيما يروي عنه: «أقيلوا ذوي الهيئات عشراتهم إلا الحدود»، والدين الإسلامي جاء بهذا، ليس الناس على حد سواء لا في الفضيلة ولا في الإكرام ولا غيرهما، فمثلاً الضيف له حق والمتأهل له حق لكن أيهما أولى؟
الأول، يعني لو جاءنا ضيف من حيث الدين ومن حيث العبادة ليس بذلك لكنه ضيف
стр. 3251
كبير القدر فيما يتعلق بالضيافة وجاء إلي وأكرمته وقمت قابلته وقلت تفضل هنا وأجلسته وجاءنا واحد دين عالم لكنه صاحب لنا، ولكن ما اعتنيت به في الإكرام مثل الأول هل يعد هذا من السفه والمخالفة في الدين؟
لا بل هذا هو الدين أنزلوا الناس منازلهم، ولهذا يقول بعض الناس بعض الولاة إذا جاء رئيس أو وزير أو غير ذلك لا يساوي فلسًا من حيث رتبته الدينية تجده ينزل ويضيف ولو أتى رجل آخر أفضل منه بكثير في العلم والعبادة والإيمان لم يحتفى به كهذا ماذا نقول؟
نقول كل إنسان ينزل في منزلته، الدين الإسلامي دين العقل دين الفطرة دين الحكمة، تجد كل شيء له وزنه فيه وربما تكرم إنسانا إكراما ظاهرًا وقلبك لا يكرمه بل يبغضه لكن ماذا نقول؟
الأمر يتطلب ذلك فالدين الإسلامي يعرف للرتب منازلهم وينزلها منازلها وأما عن المحبة والبغضاء والكراهة والعداوة، هذا شيء آخر.
من فوائد الحديث: أنه كلما كان الإنسان في مرتبة شرف فإنه ينبغي له أن يتواضع ولا يزهو بنفسه؛ لقوله: «يسلم الراكب على الماشي».
سلام الواحد على الجماعة والعكس:
١٣٨٦ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم». رواه أحمد، والبيهقي.
هذا أيضًا من آداب السلام، يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ولا يلزم أن يسلموا جميعًا، ولكن ما هو الأفضل وما هو الأدب أيسلم الصغير مع وجود كبير يمشي معه؟
لا مثلاً رجل يمشي مع ولده ومروا برجل قاعد هل من الأدب أن الابن يسلم يقطع الخط على أبيه أو من الأدب أن يترك للأب؟
الثاني لا شك، وكذلك الأكبر منزلة نعم لو لم يسلم فسلم، لكن لو كان الكبير لم يتجاوز حتى الآن لم يحاذ الرجل فدع السلام للكبير، هذا هو الأدب، إلا إذا لم يسلم فسلم ولابد،
стр. 3252
وكذلك في الرد يجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم، لكن هل من الأدب إذا سلم على المجلس وفيها جماعة متعددة منهم الكبير والصغير هل من الأدب أن يرد الصغير؟
لا مثلاً: دخلنا على مجلس فيه مميزون لهم ست سنوات وآخرون لهم خمس عشرة سنة وآخرون لهم ثلاثون سنة، وآخرون لهم أربعون فسلمنا عليهم، وقام واحد من الصغار وقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته هذا لا يصح ولا يجزئ؛ لأننا نعلم أن المسلم إنما أراد كبار المجلس فيأتي واحد صغير جالس عند الباب ويقول: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فمن الأدب إذا دخل الإنسان على مجلس فيه كبار وصغار وسلم أن يرد الكبار.
نقول في الحديث فوائد: أولاً: أن السلام سنة كفاية وليس سنة عين؛ الدليل أن سلام الواحد يكفي عن الجميع، وهل من فوائد الحديث: أنه يسن للجميع أن يسلموا؛ لقوله: «يجزئ عن الجماعة»؟
فيه نظر قد نقول: إنه يجزئ شرعًا بمعنى أن الشرع إنما ورد أن يسلم واحد عن الجماعة وهذا هو الظاهر يعني: تتبع ذهاب النبي ﷺ مع أصحابه ليعود مريضًا أو يجيب دعوة، تجد أن الذي يسلم هو الرسول ﷺ فالظاهر أنه يجزئ بمعنى: أنه تحصل به السنة وأنه لا حاجة أن يسلم الجميع، لكن في ظني أنه لو سلم الجميع والحال تقتضي ذلك فلا بأس؛ لأنه أحيانًا يأتي جماعة ويدخلون أرسالا واحدًا واحدًا كل من دخل قال: سلام عليكم.
ومن فوائد الحديث: أن رد السلام فرض كفاية يجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يرد من قصد بالسلام، أو من لم يقصد، أحيانًا يدخل الإنسان ويسلم ويكون المقصود الأول كبير القوم، كرجل دخل على مجلس فيه عالم أو أمير أو وزير فسلم لو فتشت عن قلبه لوجدت أنه أراد بالقصد الأول، وهو كبير القوم أي: العالم أو الأمير فهل يجزئ أن يرد واحد من أدون القوم؟
الجواب: لا ولهذا نص العلماء على أن من قصد بالسلام بالقصد الأول فإنه يجب أن يرد فرض عين عليه أن يرد، قالوا: ولو رد غيره لم يكف لأن المسلم أراده هو بالذات وغيره بالتبع وهذه مسألة قل من يتفطن لها.
стр. 3253
حكم السلام على أهل الكتاب:
١٣٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريقٍ، فاضطروهم إلى أضيقه». أخرجه مسلم.
«لا»: ناهية "وتبدءوا" أي: تبادروا اليهود والنصارى فتكونوا أول من يبدأ، واليهود هم: الذين يدعون أنهم أتباع موسى، والنصارى هم الذين يدعون أنهم أتباع المسيح، "بالسلام" أي: يقوله: السلام عليكم، «وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» يعني: إذا قابلوكم في طريق فلا تفسحوا لهم "اضطروهم" أي: ألجؤهم إلى أضيقه، أي: إلى أضيق الطريق، فمثلاً كان الطريق يتسع إلى أربعة أنفار ولقانا أربعة أنفار من هؤلاء لا نتسع لهم، بل نبقى على ما نحن عليه حتى يضطروا هم أن يدخلوا من بيننا واحدًا واحدًا ولا نتفسح لهم؛ لما في ذلك من إكرامهم وإعزازهم ثم استكبارهم واعتلائهم.
الحديث يدل على فوائد: أولاً: أنه ينبغي للإنسان أن يكون عزيزًا بدينه وأعني بذلك المسلم يكون عزيزًا فلا يذل لأحد لأن الدين الإسلامي هو دين الله الذي تعبد به جميع الناس فمن خالفه فقد خالف مراد الله شرعًا.
ومن فوائده: النهي عن بداءة اليهود والنصارى بالسلام، وهل غيرهم مثلهم؟
نعم، بل أولى؛ لأن اليهود والنصارى لهم من الحقوق ما ليس لغيرهم من الكفار، فإذا كنا نهينا أن نبدأهم بالسلام فغيرهم من باب أولى فالوثني والشيعوي ومن أشبههم هؤلاء لا يبدؤن بالسلام من باب أولى، وهل نبدأهم بالتحية يعني بدون السلام؟
نقول مثلاً: أهلا وسهلا إذا علمنا أن مراد الشارع بالنهي عن بداءتهم بالسلام ألا نعزهم ولا نكرمهم، قلنا: إذن لا نبدأهم بالتحية، لا نقول: أهلاً وسهلاً ولا مرحبًا، لما في ذلك من إعزازهم ونصرتهم، لكن إن ألجأتك الضرورة إلى ذلك مثل: أن تدخل مكتبًا رئيسه نصراني فلا بأس أن تقول: مرحبًا أو تقول: صباح الخير وتنوي لنفسك وللمسلمين، هذا يكون الإنسان في ضرورة؛ لأن من الناس الآن من هم في شركات رؤساؤها نصارى، ولا يسعه إذا دخل على مكتب رئيس الشركة إلا أن يتكلم، فلا يجوز أن يقول: السلام عليكم؛ لأن الرسول نهى عن ذلك، وكذلك أيضًا لا يحييه بتحية تؤدي إلى إعزازه وإكرامه، لكن يقول: كلامًا يسلم به من شره ولا يقع فيما نهى عنه الرسول ﷺ .
ومن فوائد الحديث: أنهم إذا سلموا نرد عليهم؛ لأن النهي عن البداءة يدل على أن الرد عليهم جائز، فإذا سلموا فإننا نرد عليهم ولكن ماذا نقول؟
стр. 3254
أرشدنا الرسول ﷺ أن نقول: وعليكم، وقال: «إن اليهود يقولون: السام عليكم»، فإذا سلموا فقولوا وعليكم، قال بعض العلماء: وهذا يدل على أنه إذا سلموا بسلام صريح قالوا: السلام عليكم فلا حرج أن تقول: وعليكم السلام.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن نتفسح لمن قابلنا من اليهود والنصارى بل نجعل الضيق عليهم؛ لقوله: «فاضطروهم إلى أضيقه» وغير النصارى من باب أولى، وهل يجوز لنا أن نضيق عليهم، بمعنى: أن نزحمهم حتى نلجئهم إلى الجدار؟
الجواب لا؛ لأن النبي ﷺ كان عنده اليهود في المدينة ولم ينقل أنهم إذا لاقوا اليهودي رصوه على الجدار ولا تليق هذه المعاملة بالمسلم، لكن المهم لا نكرمهم بالتفسح لهم.
تشميت العاطس:
١٣٨٨ - وعنه ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل له: يهديكم الله، ويصلح بالكم». أخرجه البخاري.
"العطاس": معروف، قال أهل العلم: العطاس ريح تتخلل البدن من نعمة الله على العبد أن يخرجها، فمن ثم صار يحمد الله هذا من وجه، من وجه آخر أن العطاس دليل على النشاط بخلاف التثاؤب، فالعطاس دليل على النشاط وهو إخراج ريح محتبسة بقاؤها يضر بالبدن فناسب أن يقول الإنسان: الحمد لله والحمد معناه: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم ولو مرة واحدة فإذا وصفت أحدًا بصفة كمال مع محبتك وتعظيمك له فإن هذا حمد فإن كرر الصوف - وصف الكمال - صار ثناء وبدل لهذا قوله ﷺ قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي»، ففرق الله تعالى بين الحمد والثناء وإذا كان حمدًا بلا محبة ولا تعظيم ولكنه استجداء واستعطاف فهذا لا يسمى حمدًا وإنما يسمى مدحًا، وفي هذا دليل على عمق اللغة العربية فالحروف واحدة مدح حمد لكن بتقديم بعضها على بعض يختلف المعنى، وقوله الحمد لله "اللام" هنا هل هي للاستحقاق أو للاختصاص أو لهما جميعًا؟
لهما جميعًا فالحمد الكامل المطلق مستحق لله والحمد الكامل المطلق لا يكون إلا لله، فاللام إذن تحمل معنيين الاختصاص والاستحقاق، وليقل له أخوه: يرحمك الله، من أخوه؟
стр. 3255
المسلم: إذن فالعاطس مسلم، فإذا عطس المسلم وقال: الحمد لله، فليقل له أخوه: يرحمك الله، يرحمك الله هذه جملة صيغتها صيغة الخبر، لكنها بمعنى: الطلب، أي: بمعنى الدعاء فقولك يرحمك الله، مثل قول: اللهم ارحمه، وقوله: "يرحمك الله" الرحمة بها حصول المطلوب وزوال المكروه، فإن قرنت بالمغفرة صار بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المكروه؛ لأن المغفرة في مقابل الذنب، "فإذا قال له: يرحمك الله فليقل له" أي: العاطس يقول لأخيه: "يهديكم الله ويصلح بالكم"، قوله: "يهديكم" أيضًا خبر بمعنى: الطلب، والهداية هنا تشمل الهدايتين: هداية الدلالة، وهداية التوفيق، فإذا قلت لأخيك: يهديكم الله، أي: يرشدكم بالعلم ويوفقكم للعمل ويصلح بالكم، أي يصلح شأنكم، أي: أمروكم، وهو عام لأمور الدين وأمور الدنيا، وبالتأمل لما أمامنا نجد أن المجيب أجاب بأحسن أو بأكثر مما دعي له به، حيث قيل له: يهديكم الله ويصلح بالكم.
من فوائد الحديث: أولاً: مشروعية الحمد لله عند العطاس؛ لقوله: "فليقل" واللام هنا للأمر وهل هذا واجب أو سنة؟
جمهور العلماء على أنه سنة وقال بعض أهل العلم: إنه واجب لأنه في مقابل نعمة من الله عليك ولأن الإنسان إذا لم يحمد عوقب بحرمانه من الدعاء أي: أنه إذا لم يحمد الله فلا تقل له: يرحمك الله، وهذا يدل على وجوب قول الحمد لله؛ لأنه لا تعزيز إلا على ترك واجب، والقول بالوجوب قوي لكن يشكل عليه أن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم وحمد الله فشمته» كما مر علينا في أول حديث، فهذا يقال: إن ظاهر قوله وحمد الله يدل على أن العاطس قد وسع له أن يحمد الله وألا يحمد الله.
ومن فوائد الحديث: أن العطاس من نعم الله ولهذا شرع الحمد عليه كما شرع الحمد على الأكل قال النبي ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة ويحمده عليها»، فإن قال قائل: وهل مثل ذلك الجشاء؟
فالجواب: لا، مع أن الجشاء خروج ريح، لكنه لا يشرع له الحمد، وذلك لأن الجشاء كان موجودًا في عهد الرسول ﷺ ومع ذلك لم يشرع للأمة أن يحمدوا الله عنده والقاعدة الشرعية أن كل شيء وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يتخذ فيه سنة فتركه أي: ترك الكلام عليه هو السنة وعلى هذا فالسنة ألا تحمد عند التجشي خلافًا لكثير من العامة، فإن كثيرًا من العامة إذا تجشأ قال: الحمد لله، نعم، لو فرض أن هذا التجشي على خلاف العادة بأن يكون الإنسان قد
стр. 3256
احتبس تجشيه لمرض أصابه، ثم تجشأ يومًا من الأيام فهذا يعتبر تجدد نعمة، وإذا كان تجدد نعمة فإن النعم يشرع الحمد لها أما التجشأ العادي فلا يشرع الحمد فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يشمت غير المسلم؛ لقوله: "فليقل له أخوه" وكان اليهود يتعاطسون عند الرسول ﷺ لأجل أن يقول لهم: يرحمكم الله، ولكنه لا يقول لهم ذلك. إذن ماذا نقول لو أن الكافر عطس فحمد الله؟
ندعو له بالهداية فنقول: هداك الله.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من سمعه يقول: الحمد الله أن يشتمه فيقول: يرحمك الله.
وجه الدلالة من الحديث: أن هذا مكافأة على معروف ما هو المعروف؟
كونه دعا لك بالرحمة، هذا يدل على أن الدعاء له بالرحمة واجب، وذلك مكافأة له على حمده لله ، فيؤخذ منه فائدة أخرى وهي أن من قام بشيء من العبادة، فإنه ينبغي أن يشجع عليه بكل وسيلة.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله، وقد يقال: إنه فرض كفاية؛ لأن قوله: "فليقل له أخوه" إذا قال واحد من الناس. فقد قال له أخوه لكن هنا حديث يقول كان حقًا على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله، ومن ثم قال بعض العلماء: إن تشميت العاطس فرض عين.
ومن فوائد الحديث: أن العاطس يجيب بما قال النبي ﷺ وهو يهديكم الله ويصلح بالكم وهل الواجب أن يقول الكلمتين أو تكفي إحداهما؟
ظاهر الحديث أن الواجب أن يقول الكلمتين: يهديكم الله ويصلح بالكم. في هذا الحديث لم يقل النبي ﷺ شيئًا حول ما يفعل العاطس لكن ورد حديث أنه ينبغي أن يضع يديه على وجهه؛ لئلا يرى، وبغض العلماء ذكر ما هو أعم فقال: ينبغي أن يغطي وجهه لأنه ربما خرج من أنفه شيء مستقذر تقزز النفوس منه.
стр. 3257
حكم الشرب قائمًا:
١٣٨٩ - وعنه رضيه الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشربن أحدكم قائمًا». أخرجه مسلم.
قوله: "لا يشربن" هذا نهي مؤكد بنون التوكيد، وقوله: "قائمًا" حال من فاعل "يشرب"، يعني: حال كونه قائمًا، إذن فليشرب قاعدًا ومضطجعًا لا بأس، لكن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما قائم أو قاعد أو مضطجع، نهى النبي ﷺ عن الشرب قائمًا وورد في حديث جابر عند مسلم، زجر أن يشرب الرجل قائمًا، وهذا يدل على التحريم، ولكن قد وردت أحاديث تدل على أن النهي ليس للتحريم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه شرب من ماء زمزم قائمًا، وثبت عنه أنه قام في الليل إلى شن معلق فشرب منه، قائمًا ومعلوم أن المحرم لا يستباح بمثل هذا الأمر السهل إذ إن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ ولهذا كان الصحيح أن الشرب قائمًا مكروه لكن كراهته شديدة وليس محرمًا بمعنى أن يأثم الإنسان به.
فيستفاد من هذا الحديث: النهي عن الشرب قائمًا وقد علمتم الآن أن النهي هنا للكراهة فإن كان ثم حاجة فلا بأس مثل أن تكون الرادة مثلاً رفيعة وليس هناك إناء تتمكن من الشرب به وأنت قاعد فهنا لا بأس أن تشرب قائمًا للحاجة، ومثل ذلك إذا كان المكان ضيقًا وفيه زحام، كما يوجد في مواسم الحج، والجلوس ربما يؤذيك أو يؤذي غيرك فلا بأس أيضًا أن تشرب قائمًا، وهذا موجود بكثرة في المسجد الحرام.
ومن فوائد الحديث: أن الشريعة الإسلامية ليست مقتصرة على العبادات كما زعمه بعضهم وقال: إن الشريعة الإسلامية تنظم الصلة بين الله والعبد، ولا تنظم الصلة بين العبد وبين الناس ولا تنظم حال الإنسان في أكله وشربه، فنقول: إن الشريعة الإسلامية شاملة لكل شيء، كل شيء يحتاج إليه الناس لمعاشهم ومعادهم فإن الشريعة بينته وفصلته، قال الله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. وهل بينت الشريعة آداب اللبس والخلع وغير ذلك؟ نقول: نعم، بينت هذا وسيأتي ذلك في الحديث القادم إن شاء الله - تعالى -.
стр. 3258
استحباب التيامن في التنعل:
١٣٩٠ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع». أخرجه مسلم إلى قوله: «بالشمال» وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود.
هذا من الآداب الشرعية في اللباس «إذا انتعل أحدكم» أي: لبس نعله "فليبدأ باليمين" "وإذا نزع فليبدأ باليسار"، والحكمة من ذلك أن الأصل هو البداءة باليمين إلا فيما هو نقص لها، فليبدأ باليسار، ولهذا أخذ العلماء من هذا قاعدة، فقالوا: تقدم اليسرى للأذى واليمنى لما سواه وقلنا: يقدم اليمين لما في ذلك من إكرامها بتقديمها باللباس تؤخر عند الخلع لما في ذلك أيضًا من إكرامها بإبقاء اللباس عليها، ويبدأ بالشمال من أجل تعريتها من اللباس قبل أن تتعرى اليمين وقوله ﷺ : «ولتكن اليمنى أولهما تنعل» قد يقول قائل: هل هذه الجملة مؤكدة لما سبق أو تفيد معنى آخر؟
والجواب: أن نأخذ بقاعدة معروفة، وهي إذا دار الكلام بين أن يكون توكيدًا أو تأسيسًا فالأصل أنه تأسيس؛ لأن التوكيد لا يفيد معنى جديدًا إذ هو المعنى الأول، لكنه مؤكدًا أما التأسيس فيفيد معنى جديدًا؛ إذن نقول: ولتكن اليمنى أولهما في النعل آخرهما تنزع فيه فائدة غير الأول وهو أنه يشير إلى أنه يلبس اليمنى لبسًا كاملا حتى وإن احتاجت إلى علاج كالربط ونحوه، فإن بعض النعال تحتاج إلى ربط لها سيور تربط بها، وإلا تسقط من الرجل، فإذا قدر أن هذه النعال تحتاج إلى عقد وربط نقول: لا تلبس اليسرى حتى تربط اليمنى، ولذلك نهى النبي ﷺ أن ينتعل الرجل قائمًا أرأيتم لما؟
لأن النعال في عهد الرسول ﷺ غالبها تحتاج إلى ربط، فإذا كان قائمًا انتعل قائمًا وأرد وأن يربطها إذا رفع رجله ربما يسقط على قفاه وإن خفض رأسه فكذلك أيضًا يكون على وجه غير مستطاع لذلك نهى ﵊ أن ينتعل الرجل قائمًا أما مثل نعالنا اليوم التي لا تحتاج إلى المعالجة فليس فيه نهي، المهم أن قوله: «ولتكن اليمنى أولهما تنعل وأخراهما تنزع» فيه معنى جديد غير الأول وهو: أنك لا تلبس اليسرى حتى (تلبس) اليمنى نهائيًا ثم البس اليسرى، إن احتاجت إلى عمل، قلنا: كمل العمل مثل ذلك الجوارب مثلاً لا تلبس جورب اليسرى حتى تكمل جورب اليمنى بأن تشده حتى يصل إلى منتهاه في الساق ولا يكفي أن تلبسه حتى تغطي القدم.
стр. 3259
ففي الحديث فوائد: أولاً: شمول الشريعة الإسلامية، حتى علم النبي ﷺ أمته كل شيء، وقد شهد الأعداء بذلك، قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: علمكم نبيكم حتى الخراءة قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وأن تستنجي باليمين وأن تستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن تستنجي برجيع أو عظم، انظر إلى المشرك يقول: علمكم كل شيء وصدقه سلمان.
ومن فوائد الحديث: تكريم اليمين بالتقديم، وانظر إلى الحكم الشرعي كيف وافق الحكم القدري فجعل الله تعالى اليمنى أقوى من اليسرى، هذا في غالب الناس وإن كان يوجد بعض الناس تكون يسراه أقوى، لكن هذا نادر بالنسبة للأكثر، فقدم الله اليمين قدرا وقدمها شرعًا.
ومن فوائد الحديث: جواز ترك النعل لقوله: "إذا انتعل" ولكن هذه الفائدة فيها شيء من الخلفاء وقد تكون غير مقبولة؛ لأن قوله: إذا انتعل لا يدل على أن النعل واجب أو غير واجب إنما هو إذا فعل هذا الشيء، فهل الأفضل أن ينتعل الإنسان دائمًا أو الأفضل أن يحتفي دائمًا أو الأفضل أن يفعل ما هو الأرفق أو الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة؟
الرابع والثاني يعني: مثلاً ينبغي للإنسان أن يحتفي أحيانًا، وينتعل أحيانًا لما رواه أبو داود أن النبي ﷺ كان ينهى عن كثرة الإرفاه، ويأمرهم بالاحتفاء أحيانًا، لكن أيضًا يلاحظ الأرفق لو قال الإنسان: أحتفي وأمامه أرض بها شوك فيها حجر حاد، هل نقول: الأفضل أن تحتفي هنا؟
لا، لأن لنفسك عليك حقًا والله يقول: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم﴾ [النساء: ١٤٧]. فلا تعذب نفسك، لا تقل: والله أنا متعود على الخشونة وتمشي على أرض كلها شوك ما تخرج إلا وقدمك كلها مملوءة بالشوك، هذا غلط، لكن إذا كان لا يوجد ضرر، فالأفضل أن تحتفي أحيانًا وتنتعل أحيانًا.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان ينبغي له إحكام الشيء؛ لقوله: "أولهما تنعل" لأن معنى "تنعل" تصلح حتى تكون نعلاً مستقيمًا، وهذا شامل لكل اللباس، كل اللباس ينبغي للإنسان أن يتقنه إذا تلبس به، وهل من إتقانه أن يزر الإنسان إزراره؟
نعم، هذا من الإتقان، ولكن قد روي عن النبي ﷺ أنه كان ذات يوم قد فتح إزاره، فهل نقول: إن هذا من السنة؟ الجواب: لا.
стр. 3260
ظن بعض الناس أن هذا من السنة وصار يرى من التقرب إلى الله والتعبد له أن يفك إزاره، ولكن هذا من سوء الفهم، وهذا من أكبر ما يكون ضررًا على الإنسان، يعني: أن يسوء فهمه للنصوص، فمثلاً هل من المعقول أن الرسول ﷺ يصنع أزارير لا يزرها؟
لأن الرسول ما وضع أزارير في قميصه إلا ليزرها وإلا فما الفائدة؟ فإذا رآه أحد في يوم من الأيام أنه فك إزراره فيغلب على الظن جدًا أن ذلك لسبب إما أن يكون من شدة الحرارة أو لحرارة في صورة يحتاج إلى ترويح وتبريد أو لنسيان، أو لغير ذلك من الاحتمالات الكثيرة وإذا وجد احتمال واحد سقط الاستدلال، فكيف إذا وجد احتمالات كثيرة، ونحن يغلب على ظننا أن الرسول وضع أزارير لمجرد النظر أن ينظر أن له أزارير بل يشدها، ولكن كما قلنا: إن بعض الناس يفهم النصوص على وجه ليس بصواب، إذن نقول: ينبغي للإنسان أن يتقن ما يلبس. من أين أخذناه؟
من قوله: "تنعل" يعني معناه أنها تنعل تمامًا هل يقاس على النعال ما سواها في مسألة البداءة باليمين عند اللبس وباليسار عند الخلع؟
الجواب نعم؛ لأن القياس هنا ظاهر جلي، البدء باليمين إكرامًا لها، وعند الخلع باليسار إكرامًا لليمين لتكون هي الآخرة في إزالة اللباس عنها مثل: ذلك، إذن لو أراد الإنسان أن يلبس القميص فبأي الأكمام يبدأ؟
باليمين وإذا أراد خلعه فليبدأ باليسار، والسؤال أهمس به في كل أذن واحد منكم هل أنت تفعل هذا؟
على كل حال الشيطان ينسي الإنسان كثيرًا، لكن من الآن - إن شاء الله - تفطن لهذا، إذا أردت أن تلبس ابدأ باليمين وإذا أردت أن تخلع اخلع اليسار، أنا أشاهد كثيرًا من الناس الآن عندما يريد أن يخلع نعليه لا يبالي يخلع اليمين يخلع اليسار، فكن منتبهًا عندما تريد خلع النعل ابدأ بالشمال وعندما تريد أن تلبس فابدأ باليمين، لكن هنا سؤال وهو إذا كان الإنسان يريد أن ينتقل من نعل إلى نعل، يعني: يريد أن يخلع نعل الوضوء ويلبس النعل الذي يخرج به إلى السوق، ماذا يصنع؟
هل نقول: ابدأ بالخلع باليسار حينئذ يدخل اليسار في النعل الأخرى قبل اليمين أو نقول بالعكس؟
إذا قلنا: ابدأ باليمين أخلع اليمين أولاً من أجل أن تلبسها أولاً في النعل الأخرى صار الآن فعل خلاف السنة لتحصيل السنة، لكن إذا قلنا: اخلع اليسرى أولاً فعل سنة مقصودة بذاتها ثم يكون عدم فعلة للسنة الثانية من أجل العجز فيبدأ أولاً بالسنة الأولى، وهي خلع الشمال ثم إن تيسر له أن يبدأ باليمين في لبس النعل الثانية كذلك، وإلا سقط عنه للعجز.
следующие страницы →